تحميل رواية «جوازة ابريل» PDF
بقلم نورهان محسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بعد مرور شهر. في قاعة أفراح فخمة، تسبح في بريق الأضواء المعلقة في السقف العالي كأنها نجوم متلألئة تُشع بوهج يخطف الأنفاس. الأرضية مكسوة برخام أبيض ناصع، يلمع تحت الأقدام كمرآة تعكس بريق الثريات الذهبية المتدلية بانسيابية من السقف المزخرف بنقوش فنية بديعة. الجدران كانت مزينة بأقمشة حريرية باللون العاجي، ومرصعة بزهور طبيعية متناغمة بألوان الباستيل الهادئة. رائحة الورود تعبق في الأرجاء، تحمل معها لمسة من الفخامة والأصالة. الطاولات مصطفة بعناية، مفروشة بأقمشة مخملية مترفة، تتوسطها شمعدانات مذهبة، تح...
رواية جوازة ابريل الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نورهان محسن
تداهمني ثمة مشاعر غامضة إتجاهكِ.
إذن، لا عليك أن تبحث لها عن تفسير، ولا تقحمني بها.
كيف على ذلك؟ ونظرة خاطفة إلى فيروزيتكِ المستهجنة أضحيتا ملاذى، والإرتشاف من رحيق شفتيكِ المغرية هي مطمعى وهنائي.
لن أصدق ملاعيبك أيها الذئب الماكر، كحال رماديتيك المجنونتين كالبرق، عليك التراجع من حيث أتيت.
فات آوان التراجع أيتها الهرة الشاردة، فقد عزمت على أني لن أدق جدران قلبك بمنتهى الرقة لأحصل على حبك، بل سأشعل نيراني في حصونك العاصية بضراوة مغرم لم تلتقِ بمثل عشقه أحدًا.
لن أخضع لك بتاتًا حتى إن أحرقتني، فأنت تخوض مسارًا نحو المستحيل.
ستنصهرين بين ذراعي كالشمعة التي وقعت في غرام اللهب.
سأظل أبحث بين الدروب مهربًا من حبك، أجلًا أو عاجلًا.
هذا التحدي يدفعني أكثر لأتبعكِ حتى النهاية أيتها العنيدة.
سوف أتصدى لك ولهذا الشعور الغريب الذي يرتعد في قلبي حيالك.
أخشى أن أفزعك بندقتي، لكن فراركِ المستمر مني سينتهي به المطاف إلى هاوية الغرام معي.
عند أبريل.
"ايه، على فين؟!"
سأل باسم مستغربًا، وهو يتحرك خلفها فور رؤيته لها تتجه نحو باب الغرفة، لتجيبه بخفوت: "على المطبخ."
استطردت أبريل موضحة، وهي تلتفت صوبه: "هو بعيد عن الريسيبشن، يعني مش هيشوفوني، بس ضروري نحط تلج على الخبطة عشان بدأت تزرق وكده هتكبر وتبقى قد الكورة."
ضحك باسم بخفة على مزاحها، وضيق عينيه الرماديتين بمكر يتناسب مع نبرة تساؤله: "اشمعنا بليل بس بتبقي دكتورة في نفسك وقلبك رقيق قوي كده؟!"
عبست ملامح وجهها من سخريته، وردت بسخط: "تصدق أنا غلطانة.. خلاص خد بعضك وارجع مطرح ما كنت."
تهمت أبريل بالتقهقر عنه، لكنه أحكم قبضته على ذراعها، ومتلفظًا من بين ضحكاته الرجولية الخافتة: "خلاص، ماتبقيش قموصة كده.. اجي معاكي؟"
أنهى باسم جملته بذلك الاقتراح، لكنها قابلته بالرفض القاطع: "ماينفعش، انت مجنون، افرض حد شافك."
مرر إصبعه على جسر أنفه الشامخ، وهو يقول بهدوء: "طيب ماتتأخريش."
أومأت أبريل له بالإيجاب، محذرة إياه: "ماشي، اوعى انت تخرج من هنا."
نظر باسم حوله بعد خروجها، وهو يمرر بصره حول المكان بملل من الانتظار، وهذا من أكثر الأشياء التي يكره تجربتها.
تنهد بعمق قبل أن يحدق في باب الغرفة بنظرة غامضة، وظهرت على شفتيه ابتسامة خطيرة لا تبشر بالخير.
خلال ذلك الوقت.
عند مصطفى.
"بالمناسبة، سمعت إنكم اتفقتوا مع صلاح على معاد الخطوبة بعد أسبوعين.. معلش عشان أكون فاهم، ناويين تثبتوني لحد بعد فرحها يعني مش كده؟!"
سلمى مبررة الموقف بصوت لا يخلو من الاضطراب: "يا مصطفى، إحنا كنا مضطرين نوافق، وإلا الجرايد مكنتش هتسكت وتسيبنا في حالنا."
ابتسم مصطفى ببرود موازٍ لنبرتها حالما تحدث: "معرفش ليه عندي إحساس إن الحكاية دي مطبوخة من وقت طويل وأنا كنت آخر من يعلم يا سلمى."
تدخل فهمي محتجًا بصوت لا يخفى ارتباكه: "ما يصحش الكلام اللي بتقوله ده!!"
هز مصطفى منكبيه العريض بلا مبالاة، مغمغمًا بجمود: "والله ده مش كلامي، ده كلام الإعلام؟!"
تلقت ريهام الحديث من فمه بمحايدة: "دي فبركة صحافة، وأنت سيد العارفين، مش معقول هتاخد بكلامهم ولا إيه؟!"
تحفز جسد يوسف، وهو يقول بدفاع عن أخته: "وأبريل مكنتش تعرف باسم ولا كان ليها أي علاقة بيه وهي مخطوبة."
قال مصطفى بفتور: "الكلام ده مابقاش له أي قيمة عندي."
انقبضت ملامح الجميع باستثناء يوسف الذي تابع بصمت الحديث الدائر بينهما، فيما بدا الارتباك في سؤال سلمى المهتز: "يعني إيه الكلام ده يا مصطفى؟"
"يعني هعرف كويس آخد حقي منها ومن اللي فضلتوه عليا.. وأنتم لازم تعرفوا، إذا مارجعتليش فلوسي اللي عندك يا فهمي، هنسى إننا قرايب. يا سلمى هخلي المحامي بتاعي يمشي في الإجراءات القانونية ضدكم."
جفلت سلمى من إنذار مصطفى المباشر لهم، ثم استفسرت بارتياع: "انت بتقول إيه يا مصطفى.. أنت عايز تسجن جوزي؟!"
احتدمت لهجته قائلًا: "جوزك اللي حط إيده في إيد ابن الشندويلي ووافق على خطوبته لبنته ورجع في كلمته معايا، مستغربين ليه لما أرجع في كلامي أنا كمان.. أنا هعرف أرد كرامتي اللي اتبهدلت تحت رجل عيلة صغيرة ما عرفتوش تسيطروا عليها."
سأله يوسف مستهزئًا: "كنت عايزنا نعملها إيه!! هنجوزها لك غصب عنها..!!!"
زجرته سلمى موبخة إياه: "يوسف اسكت أنت ماتدخلش."
تجاهل يوسف تحذير والدته، متأهبًا للنهوض من مقعده، وهو يهتف بصوت ناقم: "مش ساكت، وأي حاجة هتمس بيها أختي من قريب أو من بعيد.. محدش ساعتها هيحاسبك غيري."
شعر فهمي بالتوتر السائد في الأجواء، فقال بصوت هادئ بعض الشيء: "اتفضل معايا يا مصطفى نكمل كلامنا على انفراد."
استقام من مقعده بنظرة متعالية، وهو ينظر إلى ساعة معصمه ببرود: "انتهى خلاص وقت الكلام، ومن هنا ورايح هتشوفوا مني الفعل وبس."
أذهل الجميع من صرخات سلمى الحاقدة بوعيد بمجرد خروج مصطفى، محاولة السيطرة على خوفها: "أقوم دلوقتي أجيبلك بنتك دي من شعرها وأفرجها مقامها."
"أنا اللي هقوم ألحقها."
هذا ما قالته ريهام بإيجاز، وهي تنهض من مقعدها تريد الهرب قبل أن تصب والدتها غضبها عليهم، لتستكمل سلمى بلوم غاضب: "عجبك كده بقى! أنا اتهزقت التهزيق ده من تحت راسها قليلة الرباية."
"والله أنتم اللي تعبانين دماغكم معاه على الفاضي.. ده آخره يهدد وبس.. الحكاية مادامت وصلت للإعلام، مايقدرش يقدم أي شكوى ضدنا، هيربطوا في ثواني بين الموضوعين وهيتاكد الكلام اللي اتنشر عليه."
تحدث يوسف بهذه الكلمات بنبرة جدية، ليؤكد فهمي بسرعة: "يوسف معاه حق في اللي بيقوله."
اقترب يوسف من والدته، مردفًا بذات النبرة: "يا ماما.. أبريل مش صغيرة، مش هينفع تضحكوا عليها تاني.. فهو دلوقتي بيضغط علينا عشان نضغط عليها، كل اللي همه إنه يكسرها بعد اللي عملته فيه.. وأنتم بتساعدوا على كده بالخوف الزيادة منه."
في ردهة المنزل.
"استني بس يا مصطفى، هو ده اللي اتفقنا عليه؟!"
توقف مصطفى عن المشي، حالما سمع صوت ريهام التي تهرول خلفه بسرعة، التفت إليها وقد استوحشت قسماته، وهو يرد عليها بلهجة قوية: "أنا ماتفقتش على حاجة يا ريهام.. كرامتي خط أحمر وأنتِ عارفة كده كويس.. ممكن أحرق أي حد إذا فكر يمسها، وأختك ماتوصتش وعملت كل حاجة تخليني مش بس أكرهها وأحقد عليها وبس، لا.. أنا مش هتهاون لحظة واحدة في إني أرد اعتباري وكرامتي."
جاء جوابها فوريًا: "هي غلطانة في حقك وإحنا كلنا متفقين على كده.. بس أنت كمان راعي إن الموضوع مابقاش في إيدينا زي ما ماما قالت، الكل بقى عارف إنها هتتخطب لباسم.. أنت ممكن تديها فترة كده يعني لحد ما..."
احتقن وجهه غضبًا، فور أن ذكرت اسم ذلك الباسم أمامه، لكنه تمالك نفسه ولم يعلق على كلماتها السامة، فقاطعها باقتضاب بارد: "من الآخر، أنتم كل اللي همكم في الموضوع.. إن أبوكي ما يتسجنش.. وأنا ممكن أجل الإجراءات وأديكم فرصة تجمعوا المبلغ اللي عليكم، بس مش هصبر مش كتير."
أومأت ريهام له بالموافقة، وهي تحرك شعرها خلف ظهرها بنعومة، وهي تتحدث بوداعة خبيثة قاصدة استفزازه: "ميرسي يا مصطفى.. ويا ريت تستنى على الأقل لحد موضوعها مع باسم ما يعدي والحكاية تتقفل.. يمكن وقتها تغير رأيها وهي اللي بتكون عايزة ترجع لك."
رفع مصطفى حاجبيه بنظرة استنكار، قبل أن يرد بقسوة نابعة من عينيه مع نبرة صوته الممزوجة بالغطرسة: "على أساس إني تحت أمرها.. وقت ما تكون هي عايزة.. وقت ما هي تقرر. ماتعقلي كلامك يا ريهام."
ابتسمت ريهام بنعومة تشبه خبث الثعابين، وقالت برجاء كاذب: "معلش عشان خاطري يا مصطفى، اعتبرها آخر فرصة ليا."
منح مصطفى ذاته ثلاث ثوانٍ في التفكير، قبل أن يومئ لها على مضض، بينما غافلا عن وجود طرف ثالث كان يقف على بعد مسافة بسيطة منهم، يستمع إلى هذا الحديث الذي دار بينهما.
بعد عدة دقائق.
عند أبريل.
غادرت أبريل المطبخ، وفي يديها قطعة من الثلج ملفوفة في كيس بلاستيكي.
تطلعت حولها بحذر، لا تريد أن يراها أحد، ثم اتجهت بهدوء نحو الممر المؤدي إلى غرفتها.
في لحظة غفلة، وقبل أن تصل إلى الغرفة، وجدت من يسحبها إلى حضنه بزاوية خفية، فيما لم تتمكن شهقة ذعر من الهروب من حلقها بسبب اليد التي كممت فمها، ومنعتها من الصراخ، لكن ما هدأ روعها هو معرفتها بهويته بمجرد أن اخترقت رائحة عطره القوية أنفها، مع وصول صوته الهامس إلى أذنها: "ده أنا.. أنا باسم، ماتتخضيش."
ابتلعت لعابها بتوتر يجتاح جسدها، وهي تشعر بضغط ظهرها على عضلات بطنه القوية من الخلف، ليخبرها بتحذير خافت: "هشيل إيدي، ماتطلعيش صوت."
أومأت أبريل برأسها بالموافقة عدة مرات متتالية، فأزاح كفه من فوق شفتيها المتباعدتين قليلاً من الدهشة.
مرت عدة لحظات، عبرت خلالها تقى الممر المؤدي إلى المطبخ دون أن تلاحظ أي شيء غريب، بينما تنفست أبريل الصعداء، وقبل أن توشك على التحدث، شعرت بقبضة يده على معصمها، يجذبها بلطف خلفه، ليدلف بها غرفتها سريعًا، ثم تفاجأت بجسدها محصورًا بين جسده الصلب الذي أمامها والباب خلفها.
اندفعت حرارة الخجل إلى وجنتيها وهي تحدق فيه بحرج وعدم فهم، ولم تستفق من أفكارها إلا على صوت إغلاقه للباب بالمفتاح.
استجمعت أبريل رباطة جأشها بصعوبة، لتتمكن من دفعه بخفة في صدره بقبضتيها، فيما تراجع باسم بجسده بمجرد أن أدرك خطورة قربه منها، لتهمس بصوت يشوبه الخوف والتعجب: "انت رعبتني.. إيه اللي خرجك؟"
أجابها بأنفاس لاهثة، وهو لا يزال على نفس وضعه: "قلقت لما اتأخرتي."
تجاهلت بإستصعاب خفقات قلبها العنيف داخل صدرها، الذي كان لا يزال يرتفع وينخفض من أثر المفاجأة، فاستنكرت بخفوت: "هو أنا لحقت.. كنت هتودينا في مصيبة..."
هذا ما قالته بنبرة قلقة، وهي تلوذ بالفرار من براثن ذراعيه بخوف استشعره باسم وهو يراها تقف في منتصف الغرفة تعدل حافة بيجامتها، حتى جاء إليها صوته المتسائل بعدم رضا: "ليه نظرة الخوف اللي كانت في عينك دي مني وأنا ماسكك برا.. أنا مش هاكلك؟!"
ارتفع حاجباها بإستعجاب قبل أن تغمغم بغضب مستنكر، وهي لازالت توليه ظهرها: "بجد بتسأل؟!"
عقدت أبريل يديها على صدرها، وهي تتجه نحوه، لتستأنف حديثها بسخرية لاذعة: "لحقت تنسى بالسرعة دي تحرشك بيا واللي عملته فيا ولا أنت متعود على كده فمبقتش مركز؟!"
تركزت عيناه على خاصتها، وخرجت منه تنهيدة حارقة، مع اعترافه الهامس بصوته الرجولي الحاد: "عارف إني زفت وصايع.. بس عمري ما كنت حيوان عشان أفرض نفسي على بنت. فهمتي.. اللي حصل مني في حقك غلطة وندمان عليها وبحاول أكفر عن ذنبي معاكي.. بس مش هسمحلك تفضلي تهينيني بالشكل الجارح ده تاني."
أنهى باسم جملته مولياً ظهره لها، بينما اعتراها الندم على تسرعها، بعد أن لاحظت نبرة الألم في صوته.
فغرت فمها عازمة على الكلام، لكن شعرت بالحروف منحصرة داخل جوفها، فأغلقته وقد أصابها الإحباط بعض الشيء، قبل أن تسير بهدوء نحو الأريكة، لتلتقط شيئًا منها، ثم عادت إليه ومدت يدها نحوه، لينظر بعينين ضيقتين إلى قطعة الشوكولاتة، بين أصابعها وابتسم رغماً عنه متسائلاً بذهول: "بترشيني؟!"
أطرقت أبريل رأسها، وهي تبتسم في حرج، لا تقوى على رفع عينيها إليه، ثم غمغمت له بمرح خجول: "لا بضيفك عشان أول مرة تشرفني هنا."
ارتفعت زاوية شفتيه بابتسامة جانبية على طريقة مراوغتها اللطيفة في الاعتذار: "مقبولة منك مع إنك بتعزمي عليا من شوكولاتة."
رفرفت رموشها بارتياح، وهي ترى الابتسامة الخفيفة التي زينت ملامحه الحادة بالوسامة المهلكة، وهو يلتهم قطعة الشوكولاتة في فمه بتلذذ، لتجلي حلقها بخفة رافعة يدها أمام عينيه بكيس الثلج، لتذكره بما يجب عليهم فعله.
بعد قليل.
باسم يجلس على الأريكة قاطبًا حاجبيه بألم، وهي في مواجهته على الطاولة الخشبية، ممسكة بيدها مكعب ثلج على جبهته.
"عارف إن ده جه متأخر بس أنا متشكر على إنقاذك ليا مرتين.. مرة لما كنت بطلع في الروح والمرة التانية لما أنقذتيني من الموقف البايخ كنت هتحط فيه."
خرجت تنهيدة حارقة من أعماقه، واستكمل بصدق: "وأي كلمة أسف هتخرج مني مش هتكون كفاية على اللي عملته معاكي.. بس معرفش إذا هتصدقي ولا لأ.. لكن والله العظيم معرفش إزاي عملت كده معاكي دي.. أول مرة أقرب من بنت بدون رغبة منها.. ومستحقر نفسي ومش طايقها عشان مكنش من حقي أعمل كده معاكي.. كنت زي أعمى، لأ، كنت أعمى حقيقي.. ومتخيلتش إن ده كله هيجرالك بسببي.. شيطاني صورلي إن دي كانت لعبة بتلعبيها عليا."
"يمكن لأنه صادف في أيام قليلة إننا اتجمعنا أكتر من مرة.. عارف ده مش عذر ليا.. وبجد دلوقتي ندمان وحقك لو شفتيني واحد منحط.. أنا آسف على أي كلمة خرجت مني جرحتك ساعتها."
انتفض قلبها بين ضلوعها بلين، فور أن أحست أن هذا الاعتذار نابع من صميم قلبه، بالإضافة إلى ظهور ندمه جليًا على محياه، على الخطأ الذي ارتكبه في حقها والألم الذي سببه لها، ووجدت نفسها تقول بلهجة مترددة: "كانت في حاجة حصلت عايزة أحكيلك عليها!!!"
رواية جوازة ابريل الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نورهان محسن
لمس بلطف جزءًا في قلبي، بينما كان كل شيء من حولي قاسيًا ومؤذيًا.
فتحت أبريل عينيها بعد أن استيقظت من نومها العميق، في صباح اليوم التالي على صوت رنين هاتفها.
نظرت إلى الساعة من خلال جفنيها المغمضين، علي الفور جحظت عيناها خوفًا من تأخرها في النوم حتى العاشرة صباحًا.
أخذت نفسًا طويلًا قبل أن تضغط على زر الرد، ليأتيها صوت رجولي جذاب يقول: صباح الجمال.
عقدت أبريل حاجبيها اندهاشًا، وردت بنبرة ناعسة: صباح النور.. مين معايا؟
أتاها صوته ببحة جذابة ممزوجة بالمكر: بقي في واحدة تنسى صوت خطيبها حبيبها يا بندقة.. هتزعليني منك وأنا زعلي صعب أوي.
استقامت بظهرها على السرير بمجرد أن أدركت هويته، لتسمعه يتابع بنبرة أكثر خبثًا: مجرباه انتي.. ولا دي كمان نسيتيها؟
جفلت خفقات قلبها خجلًا فور سماعها كلماته الوقحة، ثم دمدمت سخطًا من بين أسنانها: أظاهر إن مفيش حل في قلة أدبك دي.. ثم أنت جبت رقمي منين!
ختمت أبريل حديثها بذلك السؤال بحيرة، ليجيب عليها بشفافية: لما سبتيني عندك لوحدي في أوضتك وروحتِ تجيبلي التلج.
استولت الدهشة على نطقها بسؤال مضحك: يعني نشلت الرقم؟
استمعت أبريل إلى ضحكاته الرجولية قبل أن يرد عليها بهمس ساحر أربك نبضها: أعمل إيه في اللي مغلباني ومكنتيش راضية آخد رقم تليفونها.. ملقيتش غير إني اعتمدت على نفسي عشان أوصل لأرق بندقة شفتها عيني.
انتفضت أبريل من الفراش واقفة بتوتر، وصاحت بنفاذ صبر: ممكن تجيب من الآخر وتقولي متصل من النجمة عشان إيه؟
"وحشتيني.. ربع ساعة وهعدي عليكي تكوني جاهزة عشان رايحين مشوار."
أنهى باسم كلامه بنبرة آمرة، وجاءه صوتها مستنكرًا ببحتها الناعمة: دا إيه العشم اللي بتكلم بيه دا وأنا أجي معاك مشاوير بأمارة إيه؟
رد عليها ساخرًا: بأمارة إني خطيبك يا قرة عيني.. ومش كل مرة هتقومي من النوم مشدودة فيشة مخك كدا.
قهقهت أبريل بشكل مصطنع، وهي تلعب بأطراف ضفيرتها الأشعث، وتضع يدها على خصرها قبل أن تخبره بترفع: لذيذ أوي.. سوري مضطرة أحرجك وأرفض.. عندي إنترفيو مهم خلي مشوارك دا يوم تاني.
حادثها باسم بصيغة مماثلة: ماينفعش مشغول الكام يوم دول وبالعافية فضيت نفسي عشان نعمل المشوار دا.
استفهمت أبريل بفضول: ويطلع إيه مشوار المستعجل دا؟
باسم بإيجاز: لما أشوفك هقولك.
أبريل بحدة: والانترفيو؟
باسم بتفكير: هو ضروري يعني؟
هتفت أبريل بإصرار: طبعًا ومهم جدًا كمان.. دا مستقبلي مش كفاية السفرية اللي فوتها عليا.
صمت باسم عدة ثوانٍ مفكرًا، ثم قال بهدوء: خلاص جهزي نفسك وهعدي عليكي أوديكي الانترفيو.. وبعد الضهر نشوف مشوارنا يا روح قلبي.
هزت رأسها نافيًا، وكأنه يراها، قبل أن تهتف باعتراض متكهم: لا ماتعديش.. مش عيلة هتوديني المدرسة؟
باسم بنبرة متسلطة: لو بعد 15 دقيقة ماكنتيش قدام باب البيت واقفة ومستنياني الدقيقة الـ 16 هكون جوا أوضتك.
"ما..."
نظرت إلى الهاتف بعينين جاحظتين بعدم تصديق، حالما انقطعت المكالمة فجأة، وتمتمت بترنيمة غاضبة: دا قفل في وشي بجد ماشوفتش حد قليل الذوق وبجح زي البني آدم دا.. يالهوي لا يعملها المجنون دا!
هكذا أنهت حديثها مع نفسها بتوتر، وهي تتجه نحو خزانتها، وفي داخلها علامات استفهام كثيرة حول هذا الباسم الذي يبدو أحيانًا دافئًا وحنونًا عند الحديث معها، وأحيانًا أخرى يتحول إلى شخص جريء ومستفز ومتسلط، بينما بدأ عقلها في استعادة ما حدث بينهما الليلة الماضية.
***
جلسا كلاهما على العشب الأخضر في الحديقة الأمامية عند باب شرفة غرفتها، بناءً على طلب أبريل، التي شعرت بالهواء من حولهما ينسحب بسبب حرجها من انفراده بها في غرفتها.
"وما هربتيش ليه لما جبتلك الفرصة دي.. إيه غيرلك رأيك في يومين بس؟"
باغتها بهذا السؤال المباشر، حالما انتهت من سرد ما حدث في مقابلتها مع مراد، فيما صبغ الارتباك ملامحها واستملك بالقوة على نغمة صوتها عندما قالت: يعني خطر في بالي إنه يكون فخ من مصطفى.. عشان كدا أنكرت خالص أي حاجة تربطني بيه.. وفهمت اللي اسمه مراد دا إن اللي اتكتب فعلاً إشاعة.
تمركزت نظراته الثاقبة داخل فيروزيتها، محاورًا إياها بثقة: حتى لو فخ.. انتي متأكدة إنه كان هيسفرك.. وكان هيقدملك فرصة الشغل اللي بتحلمي بيها.. كان هيعمل أي حاجة يخليكي بيها تبعدي عني وتقربي منه تاني.
برمت أبريل شفتيها، وهي تفكر في صدق كلامه، ثم تمتمت بهدوء مخالفًا لاضطراب عقلها: أقرب من واحد عايزني نزوة في حياته.. وكل الاحتمالات اللي قولتها أنا فكرت فعلاً فيها.. بس هو كان هيعمل كدا لوقت معين ولما يوصل لغرضه هيسيبني يعني في كل الأحوال هيرجع يغدر بي.
تابعت بصوت يملأه العزم: وأنا مش هرضاها على نفسي مهما كان التمن اللي هيقدمه لي.
مرت ثوانٍ، وهو يفكر في شيء ما قبل أن يمد يده إلى جيب بنطاله الخلفي، ليخرج دفترًا، ثم أخذ يديها ووضعه بينهما، وهو يتحدث بصوت هادئ: باسـبورتك دلوقتي بين إيديكي وليكي حرية الاختيار.. عايزة تكملي ولا لسه عايزة تهربي؟
أخفضت بصرها إلى جواز السفر بين كفيها للحظات قبل أن تعيد نظرتها المتفاجئة من موقفه الذي تغير تمامًا في يومين فقط، ثم أجابته بنبرة صادقة: لما كنت بهرب زي ما انت مسميها دا عشان مكنش جنبي حد ولا في ايد بتتمد وتلحقني.. فكان لازم أعتمد على نفسي وآخد القرار لوحدي.. حتى لو هيوجعني.. حتى لو من جوايا مش عايزة أمشي.. يمكن اللي خلاني مهربتش المرة دي.. عشان مابقتش حاسة شايلة الشيلة لوحدي.. عشان بقى موجود للي يقاسمني فيها.
"ولا أنت ناوي تخلع؟"
مازحته بهمساً مرتعشًا، تـبـاعـثـت الـرعـشـات في جسدها فور أن مال بجذعه نحوها، ليمسح قطرات دموعها التي سقطت دون وعي منها، بينما هي محدقة في ابتسامة ذات جاذبية لا تقاوم تعلو فمه بعينين مهتزتين، ووجنتاها مشتعلتين خجلًا من صمته المربك، قبل أن تكمل قائلة بعذوبة مبحوحة نقشت على جدران ذاكرته: إيه البصة دي خلاص ماتتغرش في نفسك أوي كدا.. يارب ما ندمش على قراري دا بعدين.
ضحك بصوت عالٍ على مزحتها، قبل أن يخبرها بلهجته الواثقة الجذابة: مش هتندمي.. تعرفي عجبتيني لما سمعت بحكاية حرقك لفستان فرحك قبل ما تهربي وكمان بتعجبني أوي نظرة القطة الشرسة اللي جوا عيونك دي.. انتقامها مش هين خالص.
تحولت نظراته اللينة إلى أخرى غامضة، وهو يتابع حديثه بهدوء يتخلله تحذير جدي: بس القطط معروفة بغدرها.. وأنا الغدر عندي خط أحمر يا أبريل.
ضيقت أبريل عينيها بنظرات حائرة من تناقضه الغريب، لتقول بدهشة ملحوظة: هي مش حاجة تضحك إن واحد بأخلاقك وطباعك بيكره الغدر؟
هب الهواء اللطيف من حولهم، مداعبًا شعره الناعم، ليرفعه عن جبهته كما يفضله، ثم سأل بصوت متعجب: لدرجة دي فكرتك عني هباب أوي كدا!! ممكن أكون بكذب كتير وبخترع قصص أكتر عشان أمشي أموري وبعرف أتعامل مع البشر كويس وخصوصًا مع الستات.. بس عمري ما غدرت وصدقيني معنديش أي نية وحشة ناحيتك.. كل اللي محتاجه منك إنك ماتغدريش.
لمع الصدق في عينيها تحت ضوء القمر الذي يسطع عليهما من السماء المرصعة بالنجوم: أنا مش غدارة.. لما عملت اللي عملته.. كنت في عز صدمتي.. مش سهل أبدًا تحط أملك وإيمانك في شخص ويخونك أو يغدر بيك أو يبيعك.
"بس انتي مكنتيش حاطة كل أملك في مصطفى ماتنكريش عشان شايفاها في عينيكي.. وإلا مكنتيش قدرتي بسهولة أوي كدا تسيبيه ودا اللي مخليه محروق أوي منك."
تابع مؤكدًا حينما لم يأتيه أي رد منها: مادام ماجادلتيش زي عوايدك يبقى أنا كلامي صح.
للمرة الثانية لم تعقب على ما قاله، بل وجهت له سؤالًا حذرًا: ممكن سؤال وتجاوبني بصراحة؟
وافق بإيماء من عينيه، فتساءلت بحيرة: إيه خلاك تسكت قدام الصحافة مع إن كان عندك فرصة تسكتني؟
"يمكن اللعبة عجبتني."
يرد عليها بلهجته العبثية بعد أن قرر أن يلعب معها قليلًا لتلطيف الجو الحزين الذي سيطر عليهم، فنفخت خدودها بتذمر محبب، وهي تقوم من الأرض: تاني بتراوغ مفيش فايدة فيك.
ينهض خلفها على الفور، ولف أصابعه حول عضدها بعد أن دلفت إلى الداخل، جاذبًا إياها نحوه بخفة، وقال بغضب مكبوت: ما انتي كمان بتمشي من دماغك وأنا ماكلمتش.
ارتجف جسدها نتيجة اقترابه الشديد، فتقهقرت خطوة إلى الوراء بعد أن سحبت ذراعها من قبضته مع الدهشة الواضحة في سؤالها: يعني إيه مش فاهمة؟
ضاقت عيناه الرماديتان بنظرة خطيرة، واقترب منها خطوة مجيبًا سؤالًا بسؤال مستغرب: بتركبي عربية مع ناس غريبة ليه؟ تعرفيهم قبل كدا عشان يقولولك تركبي تروحي تركبي ببساطة كدا!
تراجعت أبريل خطوة إلى الوراء، وسألته وهي تشير إليه بإصبعها السبابة باستخفاف استفزه: أومال كنت هتصل بيك قبلها عشان أستأذن منك مثلًا؟
أنهت عبارتها بسخرية تامة، ففرك ذقنه الخشنة بأصابع يده مرددًا بهدوء غريب يحتوي على الغضب والسخط من هذا التصرف الأحمق من جانبها، حتى لو كان هذا الموقف من تخطيطه الخاص: بتتريقي صح.. وفيها إيه لو اتصلتي تاخدي إذني قبلها؟
مع كل كلمة كان يخطو نحوها خطوة، وهي تتراجع خطوة مماثلة إلى الخلف، ناظرة إليه بعينيها الساحرتين بتحدٍ يتناسب مع لهجتها الساخرة: وأنا آخد إذنك عشان إيه فاكر نفسك مين؟
أخذ خطوة أكبر إليها، فابتعدتْ بسرعة إلى الخلف، فاصطدم ظهرها بالحائط مم جعل صرخة خافتة تهرب من بين شفتيها، وهو يدنو إلى مستواها، في مواجهة عينيها بخاصته الرماديتين اللتين أشعل بداخلهما شغفًا غريبًا، وهو يتمتم بهمس تحذيري: وبعدين في لسانك اللي أطول منك دا...
حبست أنفاسها في صدرها بترقب خائف لمع بفيروزيتها، فأضاف بحزم صارم: مهما حصل بعد كدا ماتركبيش عربيات مع أي حد ماتعرفيهوش.. فهمتي ولا أعيد من الأول؟
أدارت رقبتها إلى اليسار بانزعاج، وهي تمسح الرذاذ الذي خرج من فمه أثناء حديثه متطايرًا عليها، مرددة على مضض، وهي تدفعه بعيدًا عنها بنفاذ صبر: طيب.. بس كفاية تفففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففف
ففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففلأو
ففففففففففف
فففف
بينما كان كل شيء من حولي قاسيًا ومؤذيًا.
فتحت أبريل عينيها بعد أن استيقظن من نومها العميق، في صباح اليوم التالي على صوت رنين هاتفها.
نظرت إلى الساعة من خلال جفنيها المغمضين، على الفور جحظت عيناها خوفًا من تأخرها في النوم حتى العاشرة صباحًا.
أخذت نفسًا طويلًا قبل أن تضغط على زر الرد، ليأتيها صوت رجولي جذاب يقول: صباح الجمال.
عقدت أبريل حاجبيها اندهاشًا، وردت بنبرة ناعسة: صباح النور .. مين معايا؟
أتاها صوته ببحة جذابة ممزوجة بالمكر: بقي في واحدة تنسى صوت خطيبها حبيبها يا بندقة .. هتزعليني منك وأنا زعلي صعب أوي.
استقامت بظهرها على السرير بمجرد أن أدركت هويته، لتسمعه يتابع بنبرة أكثر خبثًا: مجرباه إنتي .. ولا دي كمان نسيتيها؟
جفلت خفقات قلبها خجلًا فور سماعها كلماته الوقحة، ثم دمدمت سخطًا من بين أسنانها: أظاهر إن مفيش حل في قلة أدبك دي .. ثم أنت جبت رقمي منين!
ختمت أبريل حديثها بذلك السؤال بحيرة، ليجيب عليها بشفافية: لما سبتيني عندك لوحدي في أوضتك وروحتِ تجيبلي التلج.
استولت الدهشة على نطقها بسؤال مضحك: يعني نشلت الرقم؟
استمعت أبريل إلى ضحكاته الرجولية قبل أن يرد عليها بهمس ساحر أربك نبضها: أعمل إيه في اللي مغلباني ومكنتيش راضية آخد رقم تليفونها .. ملقيتش غير إني اعتمدت على نفسي عشان أوصل لأرق بندقة شفتها عيني.
انتفضت أبريل من الفراش واقفة بتوتر، وصاحت بنفاذ صبر: ممكن تجيب من الآخر وتقولي متصل من النجمة عشان إيه؟
"وحشتيني .. ربع ساعة وهعدي عليكي تكوني جاهزة عشان رايحين مشوار."
أنهى باسم كلامه بنبرة آمرة، وجاءه صوتها مستنكرًا ببحتها الناعمة: دا إيه العشم اللي بتكلم بيه دا وأنا أجي معاك مشاوير بأمارة إيه؟
رد عليها ساخرًا: بأمارة إني خطيبك يا قرة عيني .. ومش كل مرة هتقومي من النوم مشدودة فيشة مخك كدا.
قهقهت أبريل بشكل مصطنع، وهي تلعب بأطراف ضفيرتها الأشعث، وتضع يدها على خصرها قبل أن تخبره بترفع: لذيذ أوي .. سوري مضطرة أحرجك وأرفض .. عندي إنترفيو مهم خلي مشوارك دا يوم تاني.
حادثها باسم بصيغة مماثلة: ماينفعش مشغول الكام يوم دول وبالعافية فضيت نفسي عشان نعمل المشوار دا.
استفهمت أبريل بفضول: ويطلع إيه مشوار المستعجل دا؟
باسم بإيجاز: لما أشوفك هقولك.
أبريل بحدة: والانترفيو؟
باسم بتفكير: هو ضروري يعني؟
هتفت أبريل بإصرار: طبعًا ومهم جدًا كمان .. دا مستقبلي مش كفاية السفرية اللي فوتها عليا.
صمت باسم عدة ثوانٍ مفكرًا، ثم قال بهدوء: خلاص جهزي نفسك وهعدي عليكي أوديكي الانترفيو .. وبعد الضهر نشوف مشوارنا يا روح قلبي.
هزت رأسها نافيًا، وكأنه يراها، قبل أن تهتف باعتراض متكهم: لا ماتعديش .. مش عيلة هتوديني المدرسة؟
باسم بنبرة متسلطة: لو بعد 15 دقيقة ماكنتيش قدام باب البيت واقفة ومستنياني الدقيقة الـ 16 هكون جوا أوضتك.
"ما..."
نظرت إلى الهاتف بعينين جاحظتين بعدم تصديق، حالما انقطعت المكالمة فجأة، وتمتمت بترنيمة غاضبة: دا قفل في وشي بجد ماشوفتش حد قليل الذوق وبجح زي البني آدم دا .. يالهوي لا يعملها المجنون دا!
هكذا أنهت حديثها مع نفسها بتوتر، وهي تتجه نحو خزانتها، وفي داخلها علامات استفهام كثيرة حول هذا الباسم الذي يبدو أحيانًا دافئًا وحنونًا عند الحديث معها، وأحيانًا أخرى يتحول إلى شخص جريء ومستفز ومتسلط، بينما بدأ عقلها في استعادة ما حدث بينهما الليلة الماضية.
***
جلسا كلاهما على العشب الأخضر في الحديقة الأمامية عند باب شرفة غرفتها، بناءً على طلب أبريل، التي شعرت بالهواء من حولهما ينسحب بسبب حرجها من انفراده بها في غرفتها.
"وما هربتيش ليه لما جبتلك الفرصة دي .. إيه غيرلك رأيك في يومين بس؟"
باغتها بهذا السؤال المباشر، حالما انتهت من سرد ما حدث في مقابلتها مع مراد، فيما صبغ الارتباك ملامحها واستملك بالقوة على نغمة صوتها عندما قالت: يعني خطر في بالي إنه يكون فخ من مصطفى .. عشان كدا أنكرت خالص أي حاجة تربطني بيه .. وفهمت اللي اسمه مراد دا إن اللي اتكتب فعلاً إشاعة.
تمركزت نظراته الثاقبة داخل فيروزيتها، محاورًا إياها بثقة: حتى لو فخ .. انتي متأكدة إنه كان هيسفرك .. وكان هيقدملك فرصة الشغل اللي بتحلمي بيها .. كان هيعمل أي حاجة يخليكي بيها تبعدي عني وتقربي منه تاني.
برمت أبريل شفتيها، وهي تفكر في صدق كلامه، ثم تمتمت بهدوء مخالفًا لاضطراب عقلها: أقرب من واحد عايزني نزوة في حياته .. وكل الاحتمالات اللي قولتها أنا فكرت فعلاً فيها .. بس هو كان هيعمل كدا لوقت معين ولما يوصل لغرضه هيسيبني يعني في كل الأحوال هيرجع يغدر بي.
تابعت بصوت يملأه العزم: وأنا مش هرضاها على نفسي مهما كان التمن اللي هيقدمه لي.
مرت ثوانٍ، وهو يفكر في شيء ما قبل أن يمد يده إلى جيب بنطاله الخلفي، ليخرج دفترًا، ثم أخذ يديها ووضعه بينهما، وهو يتحدث بصوت هادئ: باسـبورتك دلوقتي بين إيديكي وليكي حرية الاختيار .. عايزة تكملي ولا لسه عايزة تهربي؟
أخفضت بصرها إلى جواز السفر بين كفيها للحظات قبل أن تعيد نظرتها المتفاجئة من موقفه الذي تغير تمامًا في يومين فقط، ثم أجابته بنبرة صادقة: لما كنت بهرب زي ما انت مسميها دا عشان مكنش جنبي حد ولا في ايد بتتمد وتلحقني .. فكان لازم أعتمد على نفسي وآخد القرار لوحدي .. حتى لو هيوجعني .. حتى لو من جوايا مش عايزة أمشي .. يمكن اللي خلاني مهربتش المرة دي .. عشان مابقتش حاسة شايلة الشيلة لوحدي .. عشان بقي موجود للي يقاسمني فيها.
"ولا أنت ناوي تخلع؟"
مازحته بهمساً مرتعشًا، تـبـاعـثـت الـرعـشـات في جسدها فور أن مال بجذعه نحوها، ليمسح قطرات دموعها التي سقطت دون وعي منها، بينما هي محدقة في ابتسامة ذات جاذبية لا تقاوم تعلو فمه بعينين مهتزتين، ووجنتاها مشتعلتين خجلًا من صمته المربك، قبل أن تكمل قائلة بعذوبة مبحوحة نقشت على جدران ذاكرته: إيه البصة دي خلاص ماتتغرش في نفسك أوي كدا .. يارب ماندمش على قراري دا بعدين.
ضحك بصوت عالٍ على مزحتها، قبل أن يخبرها بلهجته الواثقة الجذابة: مش هتندمي .. تعرفي عجبتيني لما سمعت بحكاية حرقك لفستان فرحك قبل ما تهربي وكمان بتعجبني أوي نظرة القطة الشرسة اللي جوا عيونك دي .. انتقامها مش هين خالص.
تحولت نظراته اللينة إلى أخرى غامضة، وهو يتابع حديثه بهدوء يتخلله تحذير جدي: بس القطط معروفة بغدرها .. وأنا الغدر عندي خط أحمر يا أبريل.
ضيقت أبريل عينيها بنظرات حائرة من تناقضه الغريب، لتقول بدهشة ملحوظة: هي مش حاجة تضحك إن واحد بأخلاقك وطباعك بيكره الغدر؟
هب الهواء اللطيف من حولهم، مداعبًا شعره الناعم، ليرفعه عن جبهته كما يفضله، ثم سأل بصوت متعجب: لدرجة دي فكرتك عني هباب أوي كدا!! ممكن أكون بكذب كتير وبخترع قصص أكتر عشان أمشي أموري وبعرف أتعامل مع البشر كويس وخصوصًا مع الستات .. بس عمري ما غدرت وصدقيني معنديش أي نية وحشة ناحيتك .. كل اللي محتاجه منك إنك ماتغدريش.
لمع الصدق في عينيها تحت ضوء القمر الذي يسطع عليهما من السماء المرصعة بالنجوم: أنا مش غدارة .. لما عملت اللي عملته .. كنت في عز صدمتي .. مش سهل أبدًا تحط أملك وإيمانك في شخص ويخونك أو يغدر بيك أو يبيعك.
"بس انتي مكنتيش حاطة كل أملك في مصطفى ماتنكريش عشان شايفاها في عينيكي .. وإلا مكنتيش قدرتي بسهولة أوي كدا تسيبيه ودا اللي مخليه محروق أوي منك."
تابع مؤكدًا حينما لم يأتيه أي رد منها: مادام ماجادلتيش زي عوايدك يبقى أنا كلامي صح.
للمرة الثانية لم تعقب على ما قاله، بل وجهت له سؤالًا حذرًا: ممكن سؤال وتجاوبني بصراحة؟
وافق بإيماء من عينيه، فتساءلت بحيرة: إيه خلاك تسكت قدام الصحافة مع إن كان عندك فرصة تسكتني؟
"يمكن اللعبة عجبتني."
يرد عليها بلهجته العبثية بعد أن قرر أن يلعب معها قليلًا لتلطيف الجو الحزين الذي سيطر عليهم، فنفخت خدودها بتذمر محبب، وهي تقوم من الأرض: تاني بتراوغ مفيش فايدة فيك.
ينهض خلفها على الفور، ولف أصابعه حول عضدها بعد أن دلفت إلى الداخل، جاذبًا إياها نحوه بخفة، وقال بغضب مكبوت: ما انتي كمان بتمشي من دماغك وأنا ماكلمتش.
ارتجف جسدها نتيجة اقترابه الشديد، فتقهقرت خطوة إلى الوراء بعد أن سحبت ذراعها من قبضته مع الدهشة الواضحة في سؤالها: يعني إيه مش فاهمة؟
ضاقت عيناه الرماديتان بنظرة خطيرة، واقترب منها خطوة مجيبًا سؤالًا بسؤال مستغرب: بتركبي عربية مع ناس غريبة ليه؟ تعرفيهم قبل كدا عشان يقولولك تركبي تروحي تركبي ببساطة كدا!
تراجعت أبريل خطوة إلى الوراء، وسألته وهي تشير إليه بإصبعها السبابة باستخفاف استفزه: أومال كنت هتصل بيك قبلها عشان أستأذن منك مثلًا؟
أنهت عبارتها بسخرية تامة، ففرك ذقنه الخشنة بأصابع يده مرددًا بهدوء غريب يحتوي على الغضب والسخط من هذا التصرف الأحمق من جانبها، حتى لو كان هذا الموقف من تخطيطه الخاص: بتتريقي صح .. وفيها إيه لو اتصلتي تاخدي إذني قبلها؟
مع كل كلمة كان يخطو نحوها خطوة، وهي تتراجع خطوة مماثلة إلى الخلف، ناظرة إليه بعينيها الساحرتين بتحدٍ يتناسب مع لهجتها الساخرة: وأنا آخد إذنك عشان إيه فاكر نفسك مين؟
أخذ خطوة أكبر إليها، فابتعدتْ بسرعة إلى الخلف، فاصطدم ظهرها بالحائط مم جعل صرخة خافتة تهرب من بين شفتيها، وهو يدنو إلى مستواها، في مواجهة عينيها بخاصته الرماديتين اللتين أشعل بداخلهما شغفًا غريبًا، وهو يتمتم بهمس تح
رواية جوازة ابريل الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نورهان محسن
ميرسي علي التوصيلة.
هكذا تحدثت أبريل مبتسمة بإمتنان، فرد عليها بالمثل قائلاً بصوته الجذاب الأجش: يا نصابة ميرسي واحدة بس دول مش كانو تلت مشاوير؟
ابتسمت بعذوبة، وهي تميل نحوه بجذعها عبر الطاولة، وأجابت بهدوء: ميرسي.. ميرسي.. ميرسي.. عشان الحق حق.
مال باسم صوبها بالمثل مغمغماً بمكر رجولي: حاف كدا.. مفيش ميرسي بحضن.. ميرسي ببوسة او بوستين.
تدحرجت عينيها إلى الجهة الأخرى في اليأس من نهجه الجريء معها، وهي تعود بظهرها على مقعدها، وبتجاهل تداري به ارتباكها، نادت على النادل الذي كان يقف أمام طاولة أخرى بجانبهم: لو سمحت.
التفت بإيماءة قبل أن يأتي إليهم قائلاً باحترام: تحت أمرك يا فندم.
أبريل بهدوء: ممكن شاي أخضر.
أومأ الشاب بابتسامة قبل أن يوجه سؤاله إلى باسم، الذي أشار بموافقته بإيماءة من عينه: تمام يا فندم والقهوة بتاعت حضرتك.
بعد قليل.
يجلس باسم يرتشف رشفة أخيرة من قهوته، وهو يتجاذب معها الأسئلة بهدوء: وانتي حابة تكوني مع أنهي شركة فيهم أكتر؟
ردت أبريل بجدية: المختار جروب من ناحية الجودة والسمعة كويسين ومحترمين جداً واشتغلت معاهم فترة بسيطة في تدريبي.
سألها بحيرة: وليه مش حابة تبقي في الشركة عندنا؟
هز حاجبيه قبل أن يردف بمشاكسة: ولا مش شايفانا قد المستوى المطلوب لمهاراتك؟
كتمت أبريل ابتسامتها، ولوحت بكفها بلا مبالاة، تليها كلماتها الهادئة: بصرف النظر عن إنك بتتريق.. بس لعلمك كنت بتمنى اشتغل في الشندويلي جروب بعد التخرج.
واصل باسم أسئلته محاولاً فهم ما يدور برأسها العنيد: طيب ما إحنا لسه فيها إيه المانع؟
هزت رأسها رافضة لما يقوله، ثم شرحت له بصوتها الرقيق الذي لا يخلو من الجدية: ما بقاش ينفع خلاص أنا وانت ارتباطنا مؤقت مش عايزة يحصل أي حساسيات قدام، وبعدين أنا حابة أعتمد على نفسي، إذا اتعينت عندكم هيعاملوني على إني خطيبة نجل السيد صلاح الشندويلي مش عشان مهندسة شاطرة.
قهقه باسم عليها بخفة، وهو ينظر إليها بعينين لامعتين بالإعجاب لعدة لحظات طويلة في صمت، قبل أن يمد يده إلى صندوق صغير على الطاولة مردداً بابتسامة مهلكة: طيب يا خطيبة نجل الشندويلي.. اتفضل.
رمشت أبريل عينيها عدة مرات باستغراب، وهي تنظر إلى الهاتف الذي أخرجه من الصندوق قبل أن ترد عليه دون أن تفهم: أعمل بيه إيه!! معايا بتاعي؟
باسم ببساطة: اعتبريه هدية.
ضيقت عينيها بدهشة، وسألته مرة أخرى باستنكار: هدية بأمارة إيه؟ بيني وبينك إيه عشان أقبل منك هدايا؟
رد عليها ضاحكاً: لسه حالا قايلة إنك خطيبتي.. اعمليها رنة لتليفونك.. عشان كل ما تنسي هي تفكرك وتوفري عليا أفكرك كل شوية.
تمتمت أبريل بصوت منخفض، وعلى شفتيها ابتسامة ساخرة: بس خطيبة مؤقتة.
تجاهل باسم الرد على جملتها الأخيرة، متنهداً بصوت مسموع قبل أن يقول بحزم: قصروه اللي معاكي دا ارميه.. وما تستعمليش غير دا.
بعضت شفتيها بغيظ من لهجته المتسلطة قبل أن تستفسر بامتعاض: أفندم.. ودا ليه إن شاء الله؟
باسم ببرود: ياريت تنفذي اللي بقوله من غير سين وجيم.
احتلت نظراتها الغاضبة معارضة إياه بنبرة عنيدة: لا بقااا مش منفذة غير لما أفهم.. إيه هو دا أنت شايفني بقرة قدامك عشان أهز دماغي وخلاص من ما أفهم.
رمقها بنظرات لا مبالية مخاطباً إياها بهدوء خطير: مجاش في بالي تبقي بقرة.. كنتي في عيني قطة وديعة امبارح بس قلبتي قطة شرسة تاني.. خلينا حلوين وبلاش تنرفزيني بكلمة لا بتاعتك دي ولا أسمعك بتنطقيها تاني.
أبريل بتحدي: ولو سمعتها واتنرفزت هتعمل إيه يعني.. ها!!
تأفف باسم بسأم: أخ على العناد اللي مالوش أي مبرر.
دنت بظهرها عاقدة ذراعيها على الطاولة، وقالت بمشاغبة مندفعة: لا بجد عندي فضول أعرف.. إيه هتسكتني ببوسة زي ما عملت قبل كدا لحد ما نفسي يتقطع وتوديني على المستشفى.
كتم باسم ضحكته بصعوبة، متعجباً من تصريحها الجريء، لكن الأمر لم يفلت منه وهو يهمس بلؤم ماكر: ماتتحدنيش وافتكري كويس.. انتي اغمي عليكي من بوسة واحنا مداريين تخيلي لو بوستك وسط العالم دي كلها هيجري فيكي إيه؟
تلونت وجنتاها باللون الأحمر القاني من جرأته الصارخة، وتسارعت نبضات قلبها من توترها الشديد، بمجرد أن نظر إليها بعزم، فنظرت إليه شرزاً وزمجرت بحدة: أنا قولتهالك قبل كدا انت ماشوفتش بربع جنيه تربية.. واسمع كدا دي.. لا.. لا.. لا.. لا.. لا.
زوى حاجبيه بانزعاج من تعمدها إثارة جلبة حولهما، فاتسعت البسمة على شفتيها بعد أن نجحت في استفزازه، فيما نطق باسمها بتحذير لم تبالي به، مرددة بوتيرة بطيئة قاصدة مشابغته: لا و لا.. ولاااا...
باسم بانزعاج: افصلي.. خلاص.. عرفت في يوم خطوبة اختي إن تليفوني متهكر.. وفي نفس اليوم غيرته.. وعشان كدا مش مستبعد إن تليفونك كمان يبقى متهكر.
كادت عينيها أن تقفزا من محجريهم، شاهقة بصدمة: يا خبر أسود.. ومين اللي ممكن يكون عمل كدا؟
_ماعرفش.. ودا مش موضوعنا التليفون دا عليه نظام حماية كويس يعني أمان خليه معاكي و في شريحة.
تدحرجت فيروزيتها إلى الهاتف، وعيناها تلمعان بالحماس، ثم أجابت بأسف: بس دا أحدث موديل وغالي جداً.. وأنا مش معايا تمنه دلوقتي.
هتف باسم مستنكراً: انتي عبيطة يا بنتي وهو حد كان طلب منك تمنه؟
أومأت برأسها في استياء معلقة على حديثه باغتيظ: نعم يا أستاذ.. أنت هتبدأ من دلوقتي في التنطيط عليا عشان جايبلي تليفون ولا إيه.. قولتلك ماقدرش أخده.. لو كان ضروري يعني شوفلي واحد تمنه في الحنين.
_دا الموجود.. وكويس ومضمون وهتاخديه كفاية فرهدة انتي بتحرقي كتير في المناهدة بتاعتك دي.
_طيب ما دام مصمم خلاص.. بس لما نخلص من الحكاية السودة دي هرجعهولك.
أومأ باسم لها بالموافقة، وصمت لعدة ثوان وهو يفكر في شيء ما، قبل أن يميل نحوها فجأة، وهمس من بين شفتيه المضغوطتين: ماشي.. بس عارفة لو كان مصيره زي الفستان ورجعتيه محروق ولا مدشدش.. مش عارف ممكن أعمل فيكي إيه؟
قضمت أبريل شفتيها بتوتر، إذ اقترب وجهه من وجهها وامتلأ رئتيها برائحة عطره المميزة أربكها بشدة، بينما لمعت عيناه بنظرة غريبة متابعاً حركة شفتيها الممتلئتان بإغراء، فيما ابتسمت مستفسرة بصوت مختنق: أنت هبيت فجأة كدا ليه الناس بتبص علينا.
استوى في جلسته وتحدث أخيراً بعد صمت طويل نوعاً ما، ليخرج صوته متشققا بمشاعر متضاربة: أنا بس بعرفك.
بعد عدة أيام.
سارت هالة في طرقات المستشفى بخطوات متوازنة، فأقبلت عليها طبيبة زميلة مبتسمة بلطف: صباح الخير يا هالة.
بادلها هالة التحية، وهي تبتسم بعذوبة: صباح الورد.
_مكنتيش بتيجي ليه انشغلنا عليكي؟!
_كنت واخدة في إجازة كام يوم و...
قاطعها صوت رجولي من خلفها: صباح الفل.
التفت كلاهما نحو مصدر الصوت، وأجابت الطبيبة الأخرى: صباح النور يا دكتور ياسر.
ابتسم لها بود قبل أن يوجه سؤاله إلى هالة بلطف: إزيك يا هالة.. عاملة إيه؟
ردت هالة عليه مبتسمة بإيجاز: الله يسلمك.
استأذنت الطبيبة بهدوء، لتترك لهما مجالاً للتحدث بينما تنحنح ياسر يجلي حلقه قبل أن يقول بلباقة: مش عايزك تكوني لسه واخدة على خاطرك مني بعد آخر حديث ما بينا.
أومأت برأسها متفهمة ولم ترد، فزفر الهواء من فمه بتوتر، مواصلاً حديثه: أنا مقدر إن أعصابك كانت مشدودة وأنا كمان يا هالة بس أنا فعلاً مش حابب يطول سوء التفاهم بينا.. إحنا مهما كان زملاء في مكان واحد يا هالة.. ولا انتي خلاص مش حابة تتعاملي معايا بعد كدا.
نظرت هالة حول المكان قبل أن تعيد نظرها إليه، ليخرج صوتها من عباءة الصمت، تنتقي حروفها بجدية: مش هكذب عليك وأقولك إن الموضوع بالنسبالي عادي وعدى ببساطة.. لكن بفضل الله قدرت أتقبله اللي حصل ومش حابة تكون في حساسية بينا لمجرد إن مفيش بينا نصيب.. إحنا هنفضل زملاء عمل زي ما انت قولت يعني هنشوف بعض كتير.. وضروري نحافظ على الاحترام في التعامل مع بعض.
حك ياسر طرف أنفه دليلاً على حرجه من هدوئها وكلماتها الرقيقة معه، ليؤكد بضيق: طبعاً يا هالة ربنا وحده العالم أنا قد إيه بحترمك ومكنتش حابب إني أخسرك.
هالة بابتسامة هادئة تنهي بها هذا النقاش: ربنا يوفقك ويسعدك.. معلش هستأذنك عايزني في الطوارئ.
ياسر بهدوء: بالتوفيق وهشوفك عن قريب تاني.
في فيلا صلاح الشندويلي.
داخل غرفة باسم.
_باسم.. باسم.. فوق لي بسرعة.
هكذا صرخ عز بصوت صاخب، فغمس باسم رأسه في الوسادة أكثر، وهو يهمهم خلال نومه: سيبني وهقوم بعد شوية.
رفض عز بتصميم: لا انجز محتاجك حالاً.
قطب باسم حاجبيه منزعجاً من صوته العالي، ليهتف بتذمر ممزوج بالنعاس، وهو يلوح بيده في ضيق: يا أخي ما تسيبني أنا مش فايقلك.
لزكه عز بقوة على كتفه، قائلاً بلهجة مستهجنة: في حاجة ضروري ما تصحي يخربيت برودك.
_خلاص اتزفت.
صاح بهذه الكلمات بحنق، متكئاً على ظهر السرير وجفونه شبه مغمضتين، وهو يرفع يده ويعيد شعره إلى الخلف بعيداً عن عينيه: ها عايز إيه من أهلي على الصبح.
ضيق عز عينيه في دهشة تنضح في سؤاله، وهو يتفحص الكدمة الزرقاء الداكنة التي تزين جبين باسم: مين عامل فيك كدا؟
تأوه باسم بضجر، وهو يحك مؤخرة رأسه بنفاذ صبر، ليقول بوقاحته المعتادة: مايخصكش.. ها انجز إيه المستعجل بتااا...
توقف باسم فجأة عن الكلام، وكادت عيناه أن تخرجا من محجرهما بمجرد أن قاطعه عز بهدوء، عاكساً الحمم البركانية التي كانت تثور بداخله وهي على وشك الانفجار، وحرق الأرض الخضراء واليابسة: حازم لسه قافل معايا.. مني طالبة نطلق رسمي.
في غضون ذلك الوقت داخل المستشفى.
_شئ صعب لما تحسي بقلة اهتمام وأنانية من حد المفروض يهمه أدق تفاصيلك.
تحفزت حواس هالة عندما سمعت تلك الكلمات الغامضة بنبرته الرخيمة التي باتت تميزها، فالتفتت إلى مصدر الصوت بنظرة دهشة منه فإذا رأته يقف خلفها مباشرة، ينظر إليها بنظرات ثابتة لا تستطيع أن تفك طلاسمها المعقدة، وهذا الأمر أحدث ارتباكاً في خلاياها، فسألته بتعجب: مش فاهمة تقصد إيه؟
أوضح فريد لها بلهجة تدل على عدم رضاه: أقصد من الشفقة على نفسك تفضلي متمسكة بوهم ولا عادي تسمحي لأنانية اللي بتحبيه إنها تأذيكي وتأثر عليكي وتصممي تتجاهلي وتصبري نفسك بأمل كداب.
ضاقت عيناها حنقاً قبل أن تهدر بنبرة خفيضة، وهي تلوح بيدها في الهواء احتجاجاً وتحذيراً: أنا مقدرة اللي حضرتك عملته معايا يا دكتور.. بس مالكش أي حق تدخل في شؤوني.. دي حياتي وخصوصياتي وما سمحلكش تتجاوز حدودك إحنا مش أصحاب ع..
_عارف كويس حدودي.
سيطر على فريد الغضب مع سماعه ردها، فقاطعها بنبرة صارمة جعلتها تبتلع لعابها بتوتر، وهو ينظر عن كثب إلى ملامحها الغاضبة التي كشفت عن سخطها التام، لكنها أضافت لها رونقاً جميلاً، وهذا لا إرادياً زاد من إعجابه بها أضعافاً مضاعفة، ثم استطرد بصوت رجولي بارد: بس أظاهر محتاج أفكرك إنك جراحة.. عشان شكل تاه عنك قد إيه شغلتنا حساسة وفي أرواح مسؤولين عنها مالهاش أي ذنب في مشاكلنا الشخصية اللي وسطها نسيتي إن في مصاب مسؤلة عن حالته معايا وما كلفتيش نفسك حتى تعرفي إيه كان مصيره.
تباطأت نبضاتها وهي تشعر بقلق غريب من الجملة الأخيرة التي قالها، فأعادت كلماته بتوجس: تقصد بإيه تعرفي إيه كان مصيره؟
فريد بقسوة باردة نابعة من شعور غريب، غزا أعماق قلبه حالما رآها واقفة تبتسم إلى ياسر: المصاب حصلتله مضاعفات واتوفى امبارح بالليل يا دكتورة.
في تلك الأثناء.
عند باسم.
_انت هتفضل رايح جاي كدا كتير.
انطلقت كلمات باسم موجهة لذلك الثائر الذي يطوف الغرفة ذهاباً وإياباً كأسد محاصر وسط أعمدة قفص حديدي، يحاول أن يجد منفذاً يستطيع من خلاله المرور إلى العالم الخارجي دون جدوى، لينطق بصوت مختنق بما يراود عقله: حاسس نفسي متكتف وعقلي عطلان.
حثه باسم على الجلوس بجواره، وهو يشير إليه: طيب تعالي اقعد خلينا نعرف نفكر.
نفخ عز بضيق، وهو يتجه نحوه، ويجلس على مضض بجواره على السرير، ليهتف بتعبير عابس: اترزعت.. أقسم بدين الله هاين عليا أخطفها وآخدها في أي حتة ومحدش يعرف لينا سكة ونبعد عن أي مشاكل.
علق باسم على حشو ابن عمه بتهكم ازدري: تصدق بالله أنت تستاهل إنها تسيبك متلسوع كدا عشان تتربي.. فكك من التفكير المريض بتاعك دا.
هز عز رأسه بالسلب، وهو يرد بنبرة خفيضة معذبة: أنت ما جربتش تحب بحق وحقيقي يا باسم يعني صعب تفهم اللي حاسس بيه.
أخرج من فمه زفيراً بمثابة نفحة من نسيم الجحيم الذي فتح بابه مرحباً به في أحضانها الحارقة، مواصلاً بلوعة نابعة من قلب العاشق: جوا صدري نار قايدة من كتر ما بتجيلي أفكار مجنونة عايزة تتطلق وتبقي حرة وتبعد عني ومش بعيد بعد فترة تحب تاني وتتجوز وتعيش مع راجل غيري ويكون له نفس الحقوق بتاعتي عليها الفكرة دي لوحدها بتموتني والله ما هتردد لحظة ساعتها وممكن أرتكب جريمة فيه وفيها وأقتل نفسي بعديها.
_أنت ماتفكرش نهائي بنرفزتك دي مش هتوصل لحاجة.. وموضوعك ليك عندي حله.
_الحقني بيه.. أروحلها وأكلم معاها جايز.
قالها عز باندفاع، مما جعل الآخر يرمقه من زاوية عينه باستياء بدا واضحاً في صوته، عندما قاطعه بجدية: مش هتسمعلك ومش بعيد تصمم على اللي في دماغها أكتر والدنيا هتتعقد أكتر ماهي.. مني جابت آخرها منك وانت متأكد من كدا.
أقر له بألم مشوب بالعذاب يتصاعد بقلبه: دا اللي مخوفني وأنا مش ضامن نفسي قدامها ممكن أعمل إيه؟! خايف أغلط وأعك الدنيا بزيادة.
هز باسم رأسه تأكيداً، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة خبيثة تشبه نبرة صوته حالما قال: يبقى تاخدها على الهادي وبالطبطبة.. ومفيش مانع لو لاعبتها بشوية حركات لئيمة بس هتيجي في صالحك.
سارع عز بالقول: طيب ما تلحقني بشوية من أفكارك يا عم الداهية!!
عض باسم على طرف شفته بابتسامة شيطانية لا تليق إلا بدهائه، بينما الأفكار الخبيثة تدغدغ عقله: اتصل بيهم وبلغهم إنك موافق على طلبها.. بس هتأجل شوية عشان مشغول ووراك سفرية تبع شغلك مهمة.. هتقعد فيها مش أقل من أسبوعين تلاتة على حسب.
حرك عز رأسه بإيماء يوزن هذا الحديث في عقله، مستفهماً بهمهمة: وبعدين؟
استكمل باسم بإيضاح نافذ الصبر: ولا قبلين تاخد بعضك وتسافرلك كام يوم في أي حتة.. أنت لو فضلت هنا مش هتبطل زن عليك.. خليك ذكي واكسب وقت بتثبيتك ليها لحد ما تلاقي الوقت المناسب عشان تتصالحوا.. وانتهزها فرصة غير جو وروق على نفسك عشان تقدر تفكر بتكتيك.
نظر عز إلى الأمام، وهو يفكر فيما سمعه، وخيم الصمت على الأجواء لعدة ثواني قبل أن يمزقه باسم ضارباً الآخر بكوعه في جنبه، وهو يزمجر بانزعاج: أنت لسه قاعد قوم فز من هنا خليني أكمل نومي.
_ماشي يا أبو الأفكار الجهنمية.
تمتم عز بهذه الكلمات بهدوء، وأشرقت ملامحه بابتسامة عريضة أظهرت أسنانه، مما جعله وسيمًا أكثر، منحنياً عليه، ممسكاً بوجهه، ليطبع قبلة قوية على خده الشائك.
دفعه بقوة في صدره، صارخاً في اشمئزاز غاضب، وهو يفرك خده بطرف الغطاء بقوة: الله يقرفك.. هفضل أقولك لحد إمتى مابحبش الحركة دي يا ابن ال****.
ضحك عز بصوت صاخب، متناقضاً مع حالته البائسة قبل دقائق قليلة، ثم اتجه نحو الباب ينوي الخروج، لكنه التفت إليه، وهو يغمز مازحاً على غرار أسلوب باسم، ليقول بتسلية: معلش اعذرنا ما إحناش في مستوى مززك يا فالنتينو زمانك.
في مساء نفس اليوم.
_مش فاهمة ليه العناد دا كله.. هو انتي لسه واخدة موقف مني يا حبيبتي؟
أنهت ريهام جملتها بسؤال هادئ لا يخلو من الضيق، حيث جلست مع إبريل في بهو المنزل، وتتجاذب معها أطراف الحديث منذ دقائق.
أجابتها أبريل نافية بابتسامة صغيرة: ما تفهمينيش غلط يا ريهام أنا عارفة إنك حابة تساعديني.. بس أنا وباسم هنكون كدا مرتاحين أكتر.
ريهام مستنكرة غيظ: وهو إيه دخله دا فستان خطوبتك ماله بيه؟ ما تفهميني فيها إيه لما تاخدي الفستان من الأتيليه بتاعي؟
استوضحت أبريل بتنهيدة يتخللها اللامبالاة الخفية بالأمر برمته: الموضوع مالوش علاقة بيكي.. الأتيليه اللي هو هيدويني ليه صاحبته عايزة تجامله عشان شغل بينهم هو دا كل الموضوع.
زفرت ريهام في استشاطة من خروج أبريل معه يومياً، والبقاء معه لفترات طويلة، وهذا يعني أن هناك تقارباً حقيقياً بينهما، لتتمتم بلامبالاة زائفة ممزوجة بالحقد: طيب يا أبريل على راحتك.. بس مخبيش عليكي أنا قلقانة عليكي.
لفت كلام الأخرى انتباه أبريل، لتعقد حاجبيها الرفيعين باستفهام بزغ في سؤالها: قلقانة من إيه؟
_من موضوع ارتباطك بباسم.. أنا عارفة إنك بتحبي الإنسان الصادق والواضح.. وباسم مش كدا خالص هو مش مناسب ليكي.. يعني واحد زيه علاقاته بالبنات الكتير اللي بيعرفهم مش هيريحك.. وكل كام يوم والتاني بيطلع عليه إشاعة أنقح من اللي قبلها.. دا غير إنه لعبي أوي ومستهتر.
ابتسمت ريهام بمكر خفي، وهي ترى الوجوم الساطع على ملامح أختها التي كانت تنظر إليها بتركيز منتظرة أن تكمل حديثها، وهذا ما فعلته متظاهرة بعدم الاهتمام بالأمر وأضافت بنعومة: أنا أعرفه من وهو عيل صغير.. طول عمره مدلل جدا لو كان يطلب أي حاجة أو يشاور عليها على طول بيجيبهاله.. وبعد كام يوم يرميها أو يركنها ويقول مش عجباني وزهقت منه.
ربتت على كتفها بلطف مبالغ فيه، وبتخابث أنثوي ينضح في ثنايا كلماتها المسمومة تابعت: عشان كدا خايفة وقلقانة لا يكون منبهر بيكي عشان لسه علاقتكم في أولها وبعدها يتغير معاكي وترجعي تزعلي.
جاء رد أبريل الواثق، محطماً سقف آمالها في تخريب علاقتها به فوق رأسها: لا ماتقلقيش عليا يا حبيبتي.. أنا وهو لسه بنعرف بعض.. وكمان حاسة إن في بينا تفاهم.. واللي عجبني فيه إنه كان واضح وصارحني بكل حاجة لسه قايلها من البداية.
حوالي الساعة الحادية عشر مساءً.
عند باسم.
داخل الفناء الخارجي لمقهى في حي يعج بالحشود والتجمعات.
_أخيراً يا أخي نزلت وشوفت ناس من عشر أيام.. أنا كنت قربت أنتحر من قعدة البيت دي لوحدي.. والله لميس هي اللي كانت مصبراني على اللي أنا فيه.
خرجت هذه العبارة من فم خالد، أعقبها نفس عميق من صدره، وعلى وجهه ابتسامة رائعة مليئة بالحب، فضحك باسم عليه قائلاً بسخرية: ما أنت اللي عامل فيها روميو بقى وعايش الدور كويس.
سأله خالد بخبث مماثل: وأنت مش عايشه يعني؟
ارتفعت ضحكاته عندما تبادر إلى ذهنه تلك القزمة المتمردة، قبل أن يخبره بنبرة شفقة عن حاله الذي لم يخلو من المرح: عايش إيه!! دي مطلعة عيني.. بس والله جنونها كدا ليه لذة ومسلية.
_ماشي يا عمنا.. ها إيه بقى الحاجة اللي قولتلي في التليفون إنها مهمة أوي كأنها سر قومي دي؟
_مش سر ولا حاجة.. بس ما بقتش برتاح للكلام في التليفون في حاجات مهمة بعد حركة ريهام معايا ومع أبريل كمان.
قهقه خالد بتعجب: والله دماغها سم حتى أختها ما سلمتش منها.. وما قلتلهاش طبعاً.
هكذا استفهم خالد في نهاية عبارته، فأجابه باسم بالنفي: أكيد لا ما جبتش سيرة ليها بحاجة.
_طيب ما علينا خلينا في المهم إيه الموضوع؟
دنى باسم بيده ليمسك كوباً من مشروبه الغازي، ورفعه إلى فمه، متجرعاً منه ليروي حلقه الجاف من العطش، قبل أن يقول له ببرود مبحوح: في احتمال كبير إن أبريل ترجع لمصطفى تاني.
اندهش خالد من حديثه بحاجب مرفوع: ترجع له إزاي يعني قالتلك حاجة؟
_لا سمعت.
أجاب باسم بإيجاز، وهو يطوي ذراعيه على صدره، موزعاً نظره في المكان فتمتم خالد بسؤال مهتم: سمعت إيه؟
صمت قليلاً يعود بذاكرته إلى ذلك اليوم الذي كان فيه مع أبريل في غرفتها قبل أن تتركه لتذهب حتى تأتي له بالثلج، فتبعها إلى الخارج، ليسمع الحديث الذي دار بين مصطفى وريهام دون أن يشعرا بوجوده، قبل أن ينفض هذه الأفكار من عقله، وهو يجيب بشرح جدي: مصطفى له فلوس عندهم.. لما دورت ورا الموضوع فهمت إنه كان داخل شريك بالبناء مع سلمى في الأوتيل بتاعها دا غير ديون على فهمي وشيكات بتمن توريدات من شركة مصطفى للأوتيل وطبعاً كله متقيد على النوته ما بيدفعوش.. و بعد حركة أبريل بدأ بيساومهم يا يدفعوا أو يتجوزها.. مش حباً فيها طبعاً.. بس عشان ياخد حقه من اللي عملته فيه.. وتخيل بقى كل ده بمساعدة مين!! أختها حبيبتها.. ريهام.
اتسعت عينا خالد من الصدمة، وهتف مستنكراً: يخربيت أبو جحودها.. الست دي إيه.. ملهاش آخر خالص!!!
جاب المكان بنظرات هادئة تعكس الغضب الذي يدور بداخله، قبل أن يعلق على كلامه بسأم: لا ملهاش.. ولا دا اللي بفكر فيه.. أنا دلوقتي اللي شاغلني إن مش ضامن رد فعل أبريل لما تعرف.
_دي مش محتاجة تخمين.. لو عرفت هتكون بين اختيارين يا تكمل في لعبتك.. يا تنقذ أبوها من السجن.. وما أعتقدش إنها تختار الخيار الأول مهما كان ده أبوه.
رد عليه بهدوء يغلفه البرود: عشان كدا مش عايزها تعرف أي حاجة عن اللي بيحصل حواليها.. عشان لو عرفت من حد منهم ساعتها هيقدروا يأثروا عليها.. ووقتها مش هعرف أخلص من ريهام.. وكمان أنا مش هدي لمصطفى فرصة إنه يكسبني في التحدي ده.. خصوصاً إن بدأت خيوطها تتلف حوالين صوابعي وتطمن لي يعني قريب هعرف أرقصها لمصلحتي زي ما أنا عاوز.
أضاف بجحود يلائم الابتسامة الجانبية التي ارتفعت من زاوية فمه، مليئة بدهاء الذئب الذي قرر الانتقام بطريقته الخاصة، وهو على ثقة كبيرة من نجاح خطته الماكرة: كل اللي محتاجه بس شوية وقت.. على الأقل ليوم خطوبتنا.. بعد كدا هتلاقي نفسها قصاد أمر واقع بعد ما تنصدم بالمفاجأة اللي محضرهالها.
رمقه خالد بعينين ضيقتين بعدم ارتياح صدح في نبرة صوته الخشنة، وهو يقول محذراً: الغازك كترت وشكلك هتعك جامد أوي يا باسم الفترة الجاية.. بس افتكر أنا حذرتك لو اللعبة اللي بتلعبها قلبت بجد.. أنت أول واحد هتطلع منها بخسارة كبيرة.
رواية جوازة ابريل الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نورهان محسن
قلبي وروحي في بحاركً سابحه
وشراع عيني في عيناك ِ ساريه
إني رسمتك في خيالي جناناً عاليه
فيها الطيور بكلِّ لحنٍ صادحه
و الشِّعرُ يروي من عيناكسحر القوافي للفؤاد مصافحه
كلِّي عشقتك و قد ملكت الفؤاد والمُقل لم يبق منِّي في الجوارح جارحه
وإذا بليت من الأنام بحاسدٍأرقيك بالآيات بعد الفاتحه
كن واثقاً بالحبِّ دوماً للحبِّ يابن النَّاس أيدٍ صالحه
حين القلوب من المحبة ترتويتمسي وتصبح للحبيب مسامحه
بالحبِّ تاجر في حياتك كلِّهاإنَّ التِّجارة بالمحبة رابحه
في توقيت الظهيرة
داخل مقر لأزياء العرائس
"أهلا أهلا يا باسم"
"أنا باسم"
"الاتيليه نور"
قالتها سيدة في الأربعينيات من عمرها، أنيقة المظهر، بترحيب بالغ، وهي تنهض من خلف مكتبها لتصافح باسم الذي قال مبتسمًا بلطف:
"منور بيكي يا كاميليا مبروك علي التجديدات"
"وانت كمان الف مبروك علي الخطوبة"
أردفت مبتسمة بثناء:
"عروستك زي قمر ماشاء الله"
"ميرسي أوي.. كلك ذوق"
أبريل بلطافة
دخل باسم في الحديث بهدوء، مشيراً إلى المرأة وهو يضع يده في جيب بنطاله:
"اشتغلنا كتير مع بعض وهي من أحسن تلاتة فاشن ديزاين ناجحين في مصر"
ضحكت كاميليا بنعومة، وهي تمسد علي شعرها قبل ان تقول بامتنان:
"ميرسي أوي يا باسم.. هو على طول كدا مجامل بزيادة.. اتفضلوا استريحوا...."
"معلش مضطرة أقوم في معاد مع عميلة هخلصو أرجع لكم.. وعلى ما تشربوا العصير يكون الكولكشن الجديد عندكم.. وطبعا مش محتاجة أقولكم المكان بتاعكم خذوا راحتكم"
وبعد فترة قصيرة، انخرطا في أحاديث جانبية قبل أن تستثني كاميليا نفسها منهما بلباقة ودودة.
أرتشفت أبريل من كوب العصير الخاص بها، وهي توزع نظراتها في المكتب بهدوء، بينما كان باسم يحدق بها في صمت، وهو يجلس على الأريكة الجلدية، وهي في مقعد فردي.
"أيه مقعدك بعيد كدا؟ تعالي جنبي عشان نعرف نختار مع بعض.."
فسمعته يسألها بصوته الهادئ.
"والله ما تاخدني على رجلك أحسن"
أومأت أبريل له بالموافقة، ونهضت من مقعدها، لتتجه نحوه وحالما وقعت عينيها إلى المكان الصغير في نهاية الأريكة بجانب حافتها حيث يشير إليها، تجعدت حاجبيها بعدم رضا، وردت هازئة بخجل.
"دُعوة حلوة وجريئة منك بس أنا عامل حساب لإحراجك يا أم لسان زي المبرد"
معلقاً على حديثها بوقاحته المعهودة، وهو يحاوطها بذراعه، عبست معالم وجهه الوسيم، قبل أن يمسك رسغها، وسحبها نحوه، في الوقت نفسه تحرك قليلا من مكانه ليهيئ لها مكانا جيدا لتجلس بجانبه.
"اخترتي أيه؟"
قالها باسم بتساؤل.
"ولا واحد لافت نظري"
فأجابت إبريل بإحباط، وعيناها تفحصان التصاميم باهتمام.
"طيب شوفي دا يا آنسة.. تصميمه هادي زي ما انتي حابة ومناسب لطولك"
أشارت الفتاة بيدها نحو المجلة، مقترحة عليها بذوق.
"هو موديله شيك وحلو أوي بس مش حاباه"
أومأت ابريل برأسها مجيبة عليها، وهي تضم يديها الاثنتين معاً بتوتر.
"ياريت توريها كولكشن غيره"
رجع باسم إلى الخلف، ليتكئ بأريحية على ظهر الأريكة، ويضع ساقًا فوق الأخرى، وهو يقول للفتاة بكياسة.
"تمام يا فندم"
"بصراحة كدا انتي مش حابة المكان ومش عايزة تنقي الفستان من هنا عشان عايزة نروح لأتيليه أختك؟"
مالت باسم نحوها برأسه، وهو يسألها سؤال مباشر بصوت أجش.
"لا خالص.. أنا مش حابة أروح هناك"
رفعت ابريل حاجبيها مستغربة من سؤاله الذي لم تفهم معناه الذي قصده، إذ هزت رأسها سلباً، وهي تجيبه بنبرة صادقة.
"بالعكس انت اديتني حجة تعفيني من اني أروح عندها مع انها عارفة الحاجة اللي بفضلها ومناسبة ليا.. بس كدا أفضل للكل"
تنهدت ابريل بقوة، وخاطبت نفسها سراً.
"طيب أيه الذوق اللي يناسبك قولي عشان مانضيعش وقت الناس في الفاضي.. الألوان مش عاجباكي..؟"
"المشكلة مش في الألوان"
"اومال أيه؟ فهميني بدل الحيرة دي؟!"
تعجب باسم مما سمعه منها اكثر، ليسألها باندهاش.
"كلهم يا كتافهم عريانة.. يا إما بعد رقبة باين أوي"
دحرجت ابريل عينيها عنه بتوتر، ليراقب هو شفتيها ترتجفان، وهي تجيب بصوت منخفض متذمر لا يخلو من حرج.
"كل شوية بتفاجئيني بحاجة مش متوقعة"
أجابها باسم متنهداً بعد برهة.
"زي أيه؟"
فأسألته قائلة.
"يعني معروف إن البنت في يوم خطوبتها أو جوازها بتحب تلبس حاجة ملفتة وجريئة عشان تبان في أجمل صورة"
مط باسم شفتيه، ثم رد بهدوء يكسو ملامحه.
"أفهم من كدا إنك تقبل إن خطيبتك تقعد جنبك وهي لابسة فستان زي دا كدا؟"
رفعت ابريل ذقنها، وسألته بخفوت حذر.
"في عريس يوم خطوبته ينفع يجي ناسي يلبس كرفتته؟!"
"لا!!!"
"لا ممكن ينفع في حالة واحدة لما أشنق كرامتي بالكرافته قبل ما أجي آخدك من بيت أبوكي بقصاقيص فستان زي اللي في الكتالوج دا"
نظر باسم إلى داخل فيروزيتيها التي تتلألأ بترقب، منتظرة كلماته التالية، ليهدر بثبات مزين بشيء من الحدة.
"قصاقيص!!!"
"ولما انت معترض كدا كنت بتخليني أتفرج عليهم ليه؟ افرض كان واحد فيهم عجبني وصممت آخده؟!"
شقت الابتسامة ثغره، وهو يدنو منها، ويجيبها بنبرة واثقة.
"لو مش واثق إنك هترفضى مكنتش خليتها توريهولك"
"اهتزت حدقتاها من قربه الذي يخطف أنفاسها، وشعرت بحرارة قوية تسري في جسدها من شدة إلصاقه بها، إلى جانب ثقته الغريبة في حديثه، وعلى الفور أشاحت بوجهها عنه، وسألت بارتباك ملحوظ: وانت جبت منين الثقة دي؟"
"ما أقدرش أقولك على مصادري"
أدار وجهها إليه بأطراف أصابعه، وهو يهمس أمام شفتيها المرتجفتين غامزًا بمكر ممزوج بالغموض.
في مطعم علي ضفاف النيل
"تحبي تتغدي أيه؟"
أنهى خالد سؤاله باهتمام.
"مش جاي على بالي حاجة معينة.. اللي هتطلبه هاكل منه"
فرفعت كتفيها ببساطة وقالت بصوتها الهادئ.
"خدي وقتك في التفكير وقوليلي حابة أيه؟!"
أغلق خالد قائمة الطعام، ووضعها على الطاولة، قائلا بابتسامة.
"قول على طول إنك عايز تعرف أنا بحب أيه في الأكل"
إلتوى فم لميس ببسمة غاية في الجاذبية والسحر تطابقت مع نبرة صوتها الناعمة بمجرد نطقها.
"باين عليا أوي لدرجة دي.. أنا شفاف قدامك"
رفع حاجبيه في تعجب، وهو يداعب شعره ببعض الإحراج قبل أن يتمتم بصوت رجولي حلو.
"و دي أكتر حاجة مريحاني من ناحيتك يا خالد"
نظرت لميس إليه عدة لحظات قبل أن تهمس بصدق.
"خالد حابب يعرف عنك كل حاجة.. من أصغر تفصيلة لأكبر تفصيلة فيكي.. وأكون أقرب ليكي من كل الناس"
أخفض عينيه الخضراوين مستمتعاً بنبرة صوتها التي تنطق حروف اسمه بحنان طبع في ذاكرته، وجعله يزفر أنفاسه الساخنة من صدره المثقل بمشاعره القوية تجاهها، ثم قال بنبرة دافئة مغايرة مع خشونة صوته.
"واحدة واحدة وهنعرف عن بعض كل اللي محتاجين نعرفه.. ماتستعجلش"
بللت لميس شفتيها بخجل، وتحدثت بخفوت رقيق.
داخل حجرة صغيرة لقياس الملابس (بروفا)
تقف أبريل تتنفس بإضطراب، وهي تتذكر بتوتر ما حدث معها هذا الصباح، عندما أعلن هاتفها عن وصول رسالة نصية على موقع التواصل الاجتماعي.
"العقاب لسه في أوله يا أبريل.. كرامتي اللي دوستيها قصادها هيكون أغلى حاجة عزيزة عليكي يا باشمهندسة.. مستقبلك وطموحك اللي كنتي بترسمي وبتتعبي عشان تحققيه ودعيه.. عشان كل سنين تعليمك وشهادة تخرجك آخرها هتتعلق في ركن على حيطة أوضتك وبس.. نصيحة مني أيأسي وما تبدويش.. عشان مافيش ولا شركة هتعرفي تحطي رجلك فيها طول ما أنا حاطك في دماغي"
هذه الكلمات السامة المفعمة بالحقد كانت مضمون رسالة مصطفى الشامت لتدرك من خلالها أنه السبب الحقيقي، لعدم الرد من كل الشركات التي قدمت لها أوراقها.
نفضت ابريل تلك الأفكار من رأسها، ثم شرعت في ارتداء الفستان، وبعد عدة دقائق وقفت أمام المرآة الطويلة، تتأمل نفسها شاردة.
خرجت من دوامة الأفكار العاصفة في عقلها على صوت فتح باب الغرفة الصغيرة من خلفها، واتسعت عيناها ذهولاً عندما رأته في المرآة، فالتفتت نحوه بإنصعاق.
عند خالد
"يارب ذوقي المتواضع يعجبك"
أنهى خالد جملته بابتسامة جذابة، وهو يقدم لها سوارًا ذهبيًا يأتي في منتصفه مشبك عريض على شكل حدوة حصان مرصع بأحجار الزركون الدائرية، مع مشبك كلاسيكي متصل بطبقات متعددة من السلاسل الرفيعة.
"جميل أوي يا خالد"
فأعجبت بإطلالته الأنيقة والمميزة، مغمغمة في إعجاب مذهول.
"يعني بجد عجبتك ولا بتجامليني؟"
سألها خالد بشك.
"والله ذوقك رقيق بجد"
أومأت لميس بجفنيها مؤكدة له، وهي تردد بلطافة.
"مفيش أرق منك.. لما شفتها فكرتني بأول مرة اتقابلنا فيها لما افتكرتيني دكتور وخلتيني أساعدك"
خالد بحب.
"أيوة ساعتها كنت متغاظة أوي من جدتي وطلعت عينك انت"
بسمت لميس بإحراج.
"أبدا.. دي كانت من أحلى لحظات حياتي"
خالد بنفي محب.
"وأيه هي أحلى لحظة في حياتك؟"
شعرت لميس بالغيرة نوعاً ما، لتتساءل بترقب.
"اللحظة اللي هتبقي فيها مراتي يا لميس.."
"أصيبت نبضات قلبها بالإرتباك من لمسة يده على كفها بحنان مع إجابته المباغتة لها، لتسري السعادة في أوردتها، وصعدت بنظراتها إليه، لتجده يحدق بها بعمق، فلم تتمكن من الرد من الحرج، مما جعله يخرج عن صمته ويستأنف حديثه بعشق ممتزج بالجدية: انتي ماتعرفيش انتي غالية في عيني قد أيه.. بس أنا عايز أكون صريح معاكي من البداية.. أنا مابحبش أعتمد غير على نفسي وشغلي.. انتي عارفاه كويس.. وعندي حتة أرض ورث من الحج أبويا الله يرحمه.. وارثها مكفيني والحمد لله.. يمكن مش هقدر أوعدك إنك هتعيشي في نفس المستوى اللي اتعودتي عليه.. بس صدقيني هحاول بكل طاقتي أطور من نفسي عشان أخليكي مش نفسك في حاجة أبدا"
"خالد.. أنا عمري ما بصيت للحاجات دي ولا دورت عليها خالص.. كفاية إنك تتقي ربنا فيا وتحبني ونكون مبسوطين مع بعض"
ضيقت لميس عينيها، وعلقت على حديثه بذات الجدية.
"بحبك يا لميس.. انتي النجمة البعيدة اللي اتمنيت أخطفها من السما وأخلي مسكنها في قلبي وجوا عيوني وأحافظ عليكي بدمي وروحي.. وصدقيني هحاول بكل طاقتي أطور من نفسي عشان أخليكي مش نفسك في حاجة أبدا"
أرخخت تعابير وجهه بارتياح، وفور أن زفر أنفاسه قال بنبرة تقطر هياماً تزينت بخشونة.
"ربنا يخليك ليا يا خالد"
"و يخليكي ليا يا روح قلب خالد"
"نيجي بقى في للاهم.. شوفي يا ست البنات شقتي جاهزة ومتشطبة.. بس أي حاجة حابة تغيريها على ذوقك ابدأي فورا وماتاخديش رأيي حتى"
أضاف خالد بنبرة غلب عليها الحماس.
"لا لازم تكون معايا في كل خطوة.. دا هيبقي بيتنا احنا الاتنين مع بعض"
اعترضت لميس برقة لا تخلو من الاندفاع.
"هو دا الكلام الحلو.. كان فين من بدري"
إلتوى فمه بابتسامة مفعمة بالحب قبل أن يرد بفرحة لم يخفيها.
عند أبريل
"نهارك أسود!!! أنت أيه اللي مدخلك ه...!!!"
"هشيل أيدي وأوعي تطلعي صوت!!"
أنهى باسم كلامه بتحذير، لتهز إبريل رأسها بإيماءات صغيرة، فرفع يده ببطء من فوق فمها، وهو يحس بملمس شفتيها الناعمة ضد يده الخشنة، مما جعل جسده يحترق بمشاعر متضاربة، وهو يبتلع لعابه ويأخذ خطوة إلى الوراء، يتأمل ملياً في تفاصيلها، فهي لديها جمال طفولي محبب، لكنها الآن تبدو مختلفة تمامًا عن ذي قبل، حيث اعتاد على رؤيتها ترتدي البنطلونات والبلوزات، لكن ذلك الفستان جعلها أكثر سحراً وجمالاً، بالإضافة إلى بشرتها البيضاء الكريمية، وشعرها المموج الذي تركته منسدلاً على ظهرها بتمرد يليق بصاحبته، فأضحت أنثى فاتنة للغاية.
"أنت زودتها أوي.. افرض كنت لسه بغير؟"
اختطفته من أفكاره السابحة بها على صوتها المصدوم بحدة.
"مكبرة الدنيا أوي.. يعني كنت هشوف أيه يا شبر وأقطع انتي؟"
باسم بإنزعاج مستفز.
"احترم نفسك بليز وما تغلطش.. ها ممكن تفهمني أيه الكارثة الجديدة اللي مخلياك داخل عليا البروفا بالهمجية دي؟"
رفعت ابريل سبابتها محذرة إياه، وهناك احمرار مغرى يكسو ملامحها الرقيقة، وتلعثمت بحنق.
"و ليه بتحسبيها كارثة؟ ليه ما يكونش شوقي هو اللي جابني على هنا عشان أشوف جمالك في الفستان قبل أي مخلوق.. خصوصاً إنك ما كنتيش هتخرجي تفرجيني عليه"
مال باسم بجسده نحوها أكثر رافعاً أحد حاجبيه، وهو ينظر إليها بطريقة تدل على إعجابه بجاذبيتها المذهلة، فتوافقت أفكاره مع كلماته الهامسة بنبرة دافئة خالية من العبث.
"أنت هتبطل لف ودوران عليا ولا اااا"
تململت ابريل بتوتر في وقفتها، وهي تهدر بخفوت نافذ الصبر.
"عيب.. أنا خطيبك.. ما يصحش تكلميني كدا"
"دُرددت بصوت مرتبك: وما يصحش نفضل في البروفا كدا.. يقولوا علينا أيه..؟"
"هيقولوا من لهفته على حبيبته ما طاقش يقعد لوحده برا من غيرها.. وهي ما صدقت تكون في حضنه و..."
"بس اسكت بس.. أنت معجون من مية إبليس.. خد بالك أنت قاعد تعمل حركات مستهبلة من الصبح وأنا ساكتة"
خرجت من شفتيها شهقة خجولة، وسرعان ما ضغطت بكفها على فمه لتمنعه من إكمال عبارته الجريئة، وقالت في دهشة تامة.
"السُكوت علامة الرضا"
عقب بمرح، فور أن خفضت يدها إلى جانبها، مداعباً إياها بغمزة.
"دا علامة القرف"
فوهت بإندفاع.
"قرف!! طيب تيجي نجرب وأثبتلك قدام نفسك إنك مش حاسة بقرف"
حدجها بحاجب مرفوع قبل أن يلتقف خصرها بين يديه، ويقربها منه، لترفرف برموشها عدة مرات متتالية، وإعترتها حالة من الصدمة ومشوبة بالارتباك فور أن تغلغلت رائحة عنقه بعمق في حنايا روحها.
"باسم سيبني!!"
"قرف!! طيب تيجي نجرب وأثبتلك قدام نفسك إنك مش حاسة بقرف"
تلقائياً إرتكزت كفيها على صدره محاولةً دفعه، فإرتعش جسده تحت لمساتها، وهو يردد بتعبير عابس.
"طيب أنت لو مانزلتش أيدك وبعدت عني.. هصوت وهلم عليك الأتيليه كله.."
جاهدت لإنتشال ذهنها الغائب، متأثراً بسحر قربه المغناطيسي بصعوبة، حالما التقطت أذنيها نبرة صوته الهامسة الخطيرة، بالإضافة إلى نظراته الواثقة، مما جعلها تهمس محذرة.
"تبددت الغيوم العبثية من صوته إلى أخرى معاتبة بتيه، معمقاً النظر بفضيته الجذابة في خيوط قزحيتها المتلألئة، وكأنها صاحبة الوصاية على كيانه منذ قديم العهد: الحق عليكي انتي اللي بتستفزيني وساعتها بتهور ومابكونش مسؤول عن اللي بعمله"
"ماتسميهاش إني بتحداك.. أنا بحذرك عشان عشان ماتتهورش وترجع تندم.."
"واذا كان عجبني التحدي معاكي بيكون له طعم لذيذ وحلو؟"
تزعزعت حصونها الثابتة على الأرض الهلامية بعبارة واحدة منه، فتجنبت النظر إليه بمشاعر تتجانس مع نطقها المرتبك بحروف خرجت بجهد مضاعف، مناشدة عقلانيته المفقودة.
"رفع وجهها بأطراف أصابعه، وهو لا يعلم إذا كان هذا السؤال موجهاً لها أم له، بهمسات ناعمة أرسلت في جسدها ذبذبات مربكة تغذيها شدة قربه منها."
"خيم عليهم السكون لعدة لحظات، لم يقطعه إلا قعقعة نبضاتهم، تبادلا النظرات النافذة إلى الروح، قاطعتها هي محاولة الحفاظ على رباطة جأشها في قولها التالي: أنا بكلمك بكل هدوء أهو.. وبقولك ممكن تشيل أيدك من عليا.. دا مكنش ضمن اتفاقنا"
"مقاوحتك فيا مابتساعدنيش.. بتجننيني بزيادة يا بندقة"
"إحتبست أنفاسها في صدرها بمجرد أن أحست بحرارة أنفاسه على بشرتها، مع همساته القريبة من أذنها، فافترقت شفتاها في حركة عفوية، كانت دعوة له منها دون أن تتعمد ذلك، لكنه لم يآبه إلا إلى توقه المنجذب إلى نداء شفتيها المغويتين، مما جعله يميل نحوها بشكل خطير ليجني حبتي الكرز من شفتيها بقبلات رقيقة متتالية بتأنٍ، ليشعر بها بتتجاوب معه بعد لحظات، أثر إستهداف كيانها رجفة مثيرة، جعلتها تكافح من أجل استحضار نقيضها فوراً، لكنها لم تنجح مع خوضه عزفاً احترافياً على أوتارها العاصية، ليحلق بها بفائض الشوق إلى أعالي السحاب وصولاً إلى عنان السماء، لتشهد طيور السماء التي حلقت حولهما بغبطة على ثورة عشقية جمعت بينهما ذات غفلة من كلاهما."
بعد مرور ثلاث أيام
"هو طبعاً حاسس إن مجروحة كرامته بعد ما كسرتي غروره برفضك ليه.. عشان كدا حطك في دماغه وبقي بيطاردك وعمال يقفل عليكي في موضوع الشغل"
قالت ريم هذه الكلمات خلال محادثتها الهاتفية مع أبريل بنبرة جادة، تدل على تمكنها من فهم سيكولوجية النفس بحكم عملها كطبيبة نفسية.
"أيوة.. هو قالهالي هيندم.. بس اللي قلقني مش كدا.. الخوف يعمل حاجة أكبر من كدا!!"
لتتفق الأخرى مع رأيها بضيق.
"مش بعيد فعلاً.. عشان كدا ضروري تقولي لباسم.. هو اللي في إيده يساعدك ويحل مشكلتك مع مصطفى"
أكدت ريم حديث أبريل، قائلة بنبرة قلقة عليها.
"ربنا يستر.. يلا أنا داخلة عليه هقف..."
تغضن حاجبيها، وهي تفكر في صحة كلامها، لقد أخفت هذا الشيء عن باسم حتى لا يعرض عليها وظيفة في شركة والده، لكن ماذا لو خرجت الأمور عن سيطرتها؟ فلم يعد من الممكن التنبؤ بتصرفات مصطفى، تنهدت بخفة وقالت بصوت هادئ لا يخلو من اضطراب.
لتبخرت الكلمة الأخيرة على طرف لسانها تدريجياً، حالما رأتَه يجلس في كافتيريا النادي الرياضي مع امرأة على الطاولة، لذا قادتها خطواتها المتوازنة إلى حد ما نحوهم، قائلة بسرعة:
"سلام"
أنهت أبريل المكالمة الهاتفية، تشعر بجمر الغضب يشتعل في أعماقها، فهي طوال الطريق إلى هنا، كان يملؤها الحرج والخجل الشديد من نفسها لأنها استسلمت معه باندفاع لعاصفته الهوجاء منذ أيام، لكن هذا المتبجح يجلس الآن مع امرأة أخرى، غير مهتم بموعده معها.
"هو أنت أيه!! مابتضيعش وقتك أبدا يا وش القرد.. طيب أمال وريتك"
همست بوعيد وغيظ لنفسها، وهي تتجه نحوهم.
"أبريل!!"
"معلش شكلي جيت قطعت اللحظة عليكم"
توقفت أبريل أمام الطاولة، وأدارت رأسها إلى اليسار، ونظرت إليه بحاجب مرفوع في استفهام، بينما وزع باسم نظراته بينها وبين المرأة الجالسة مقابله، ثم تمتم بلهجة مشوبة بالقليل من التوتر.
"هو انتي فهمتي أيه.. وبعدين انتي رجعتي تشتغلي هنا تاني من امتى؟"
"معلش ثواني"
طلب باسم بكياسة من المرأة.
"هو انتي فهمتي أيه.. وبعدين انتي رجعتي تشتغلي هنا تاني من امتى؟"
"معلش ثواني"
طلب باسم بكياسة من المرأة.
"أنا اتفاجئت بيها بتقولي إن المأذون موجود معانا على اليخت وعايزنا نكتب كتابنا مع حفلة الخطوبة بعد ما أخدوا موافقة باباكي.. والفرح نقرر معاده براحتنا.. ماكنش قدامي غير إني أسايرها.. والا هتشك فينا"
"كانت تستمع إلى حديثه دون استيعاب، قبل أن تتسع عيناها ثم هتفت استنكاراً: يعني أيه تسايرها من غير من غير موافقتي.. تصرفك دا ملوش غير معنى واحد إنك بتحطني قدام الواقع عشان مضطرة أوافق"
"هجومك عليا بتحسسيني بيه إني مخطط للي بيحصل.. لا يا أبريل.. مش مضطرة توافقي.. وبطلي تبصي للامور على إنك لوحدك اللي واقفة في وش المدفع.. وأنا مكنتش عايز أربط نفسي بواحدة مابتفكرش غير في نفسها.. بس لو جزائي أنا وأهلي تصغرينا.. اعملي كدا"
رسم باسم الضيق على ملامحه بمهارة، يخفي وراءه الكثير من المكر الذي لم تلاحظه في صوته حين قال بنبرة تقريع.
"عشان تفهمي كلامي على مزاجك.. أنا مش عايزك تتقبلي دا من غير ما تفكري وتاخدي قرارك بنفسك"
"وقبل ما تفهمي كلامي على مزاجك.. أنا مش عايزك تتقبلي دا من غير ما تفكري وتاخدي قرارك بنفسك"
أسبلت رموشها دون أن تجيبه بكلمة، وكانت خلايا دماغها تعمل بأقصى سرعة.
"خلاص هنخترع ليهم أي حجة ونعدي اليوم"
مرت عدة لحظات في صمت قبل أن تسمعه يقول بتخابث خفي.
"لا.. أنا.. موافقة"
أفرجت عن جفونها رافعة بصرها نحوه لترد بثقة.
على متن يخت فى نهر النيل
"بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير"
"بقلب يتخبط يمينًا ويسارًا من التوتر الشديد داخل ضلوعها، عادت إلى ارض الواقع من تفاصيل ذلك الحلم الملعون الذي طاردها قبل أيام على صوت المأذون الذي أعلن انتهاء مراسم زواجها من باسم الشندويلي، الذي نهض من مقعده، ليتجه نحوها بمظهره الرجولي الأنيق وشفتيه المزينتين بابتسامة رائعة."
"قبل ظهر يدها برفق قبل أن يثبت عينيه داخل فيروزيتها المتلألئة، سارحاً في جمالها الملائكي الهادئ بفستان بيج بتصميم محتشم يناسب قوامها جداً، حيث جاء بأكمام طويلة تصل إلى الأرض، وخصر ضيقاً بحزام رفيع وأنيق، وجاءت تنورة الفستان بقصة انسيابية، وجمع الفستان بين قماش التول والدانتيل المطرز بالورود البيضاء والفضية التي ظهرت في الفستان بأكمله."
"التقت أعينهما في صمت، بينما أرسلت نظراته إليها اهتزازات جعلت قلبها ينبض بقوة حتى استطاعت أن تقطع اتصالهما البصري بأصوات الزغاريد المتصاعدة من حولهما."
"لم تمر ثانية حتى اقترب الضيوف منهم، ليقدموا لهم تهنئتهم الحارة، فاستقبلتهم بابتسامة مجاملة تخللتها نظرات باهتة إلى حد ما لم يلاحظها سوى نادية التي التقت عيناها بها، وهي تهنئها بابتسامة غامضة تخفي الكثير من الامتنان لها، لكن لا أحد سواهما يستطيع فك طلاسمها."
"بالإضافة إلى حضور العديد من الشخصيات، لكن الذين كانا يترصد لها باهتمام، هم نظرات أحمد ومصطفى، وفي داخلهما مشاعر متضاربة تغلي بين المعاتبة والاستياء."
قبل عقد القران بساعتين
"الف مبروك يا عروسة"
"التفتت إبريل لتنظر إليه، رافعة أحد حاجبيها بتعجب، فاستكمل حديثه بلهجة هازئة: أيه متفاجئة إنك شايفاني.. أيه كنتي فاكرة إننا مش هنتقابل انهاردة"
"لا عادي.. مابقتش أتفاجئ من حاجة.. مستغربة بس إن بعد دا كله قبلت الدعوة وجيت"
"أشاحت وجهها بعيدًا عنه بعدم اهتمام تجلى بكلماتها."
"لولا إني بفهم في الأصول.. كان هيبقى ليا رد فعل مختلف.. وكنت وريتك من العذاب أشكال وألوان عشان أكسر عينك يوم ما تجرأتي وتحديتيني"
"أكمل مصطفى جملته باستياء خطير، فرفعت ذقنها متحدية إياه."
"وفر تهديداتك دي عشان مش هتقدر تخوفني بيها.. ما تهددش إنسان معندوش حاجة يخسرها.. لكن أنت عندك كتير تخسره.. وأولها بريستيجك ومكانتك الاجتماعية وسط الناس"
"ضحك مصطفى بجمود تشابه مع نبرته حالما قال ساخراً: مش قادر أنكر إعجابي بثقتك في نفسك وشجاعتك دي.. بس خسارة جت عليكي بالسلب وخلتك تخسري فرص شغل كتير كانت كويسة.. وكملتي في عنادك معايا"
"إتسعت عيناها بتعجب مزيف، ثم استفهمت بسخرية مستفزة: معقولة ماوصلكش الخبر.. كنت فاكرة إن دبة النملة بتوصلك عني.. بس شكلي كنت غلطانة.. بدليل إنك ماتعرفش إنها اتعينت في شركة محترمة وكبيرة من كام يوم.."
"شعرت بالنصر يتراقص بداخلها فور أن رأت إمارات الدهشة ترتسم على وجهه، قائلة بحسم: ولتاني مرة هقولهالك.. أنا لا كنت ولا هكون محتاجاك أو ضاغط عليا في أي حاجة.. ونصيحة مني روح اتعالج من مرض التمسك بالأشياء اللي بترفضك.. لأن دا اسمه نقص في الشخصية.. عن إذنك"
بعد مرور فترة وجيزة
"أبريل عايزاكي في كلمتين ضروري..."
"وأيه اللي بينا ضروري ممكن يتقال يا نادية؟!"
"أبريل بإستفهام هادئ."
"خلينا نبعد عن الدوشة هنا الأول"
"نادية بنبرة يغلب عليها الإضطراب."
"طيب"
"أبريل بإستسلام."
فى كابينة أبريل داخل اليخت
"اقعدي يا نادية.. عايزة تقولي أيه.. سمعاكي..!!"
"جلست نادية مقابلها، تطالعها بنظرات غريبة قبل أن تبدأ حديثاً غير مترابط: طول عمرك رزينة وبتتكلمي من فوق يا أبريل.. ومحدش يقدر يغلطك في حرف بتنطقيه.. وهيغلطوكي أزاي وانتي لابسة وش الملايكة دا طول الوقت"
"عايزة أيه يا نادية من غير كتر لف ودوران..؟"
"نظرت أبريل إليها بعدم فهم قبل أن تهتف بلهجة حاسمة."
"ما كفاياكي تمثيل بقا يا شيخة.. أيه مابتزهقيش منه.."
"صاحت نادية بنبرة منفعلة: أنا عملت كل حاجة عشان يشوفني ويحس بيا.. وكل مرة بتطلع سيرتك قدامه بيتقلب عليا وبيجري عليكي.. ما كفاكيش السنين اللي فاتت وانتي بتتمنعي عليه وهو مش قادر يشيلك من دماغه.. قمتي عزمتينا أنا وهو عشان تحرقيه وهو شايفك بين إيدين غيره"
"هو انتي بجد اللي جاية تعاتبيني وتلومي فيا.. مين فينا يلوم التاني؟! أنتي اللي من زمان حطيتي عينك على اللي مع غيرك وانتي عارفة إنه مش شايفك.. وبعد ما بقيتي مراته برضه مش شايفك.. أيه ذنبي في اختيارك انتي"
"أستفسرت أبريل بإستنكار."
"انتي السبب يا أبريل.. عشان طول ما انتي موجودة في حياته مستحيل هيعرف ينساكي وهيفضل متعلق بيكي.. وصلت بيه إنه يطلب من مراته تخطبلو حبيبته.. ولو رفضتي يبقالك ضرة عادي يطلقني عشان يرضيني"
"ردت نادية بقهر واتهام."
"أنتي اللي بني أدمة ضعيفة وسلبية يا نادية.. جاية بترمي اللوم عليا أنا عشان جبانة ومش قادرة تواجهي نفسك.. ولا قادرة تواجهي السبب الرئيسي في وجعك"
"جحظت عينا إبريل صدمة حقيقية من كلماتها، فتخلت عن ثباتها الواهي، هادرة بحدة."
"أزاي هانت عليكي نفسك أوي كدا!! أزاي قللتي من نفسك كدا.. أنتي اتنازلتي عن كل حاجة عشانة و لسه بعد كل وجعك منه.. مش قادرة تعترفي قدام نفسك إنه هو اللي غلطان في حقك وجاية تقوليلي إن السبب مني أنا"
"دُردت أبريل مردفة بإزدراء منفعل."
"أيوة منك.."
"لا ما تلوميش غير نفسك.. انتي اللي بصيتي للي عند صحبتك وروحتي اتجوزتيه وقلبه مع غيرك وانتي عارفة إنه مابيحبكيش"
"كنت عارفة إنه ما بيحبنيش وقابلة.. كنت مستحملة بعده عني وسفره شهور ماشوفوش.. بس كنت مصبرة نفسي بعشم كداب إن ما فيش أمل ترجعو لبعض.. وبقول لنفسي مصيره هيجي اليوم اللي يحبني فيه وينسى أبريل.. بس محصلش.. كل مادي عيشتي معاه بتتحول لمرار وعذاب.. بقيت بسمعه وهو في حضني بيناديني اسمك انتي.. واتأكد أكتر إنه عمري ما شفتني.."
"ماتنكريش يا أبريل انتي بترضي غرورك وبتنقمي منه وانتي شايفة إنه بيجري وراكي زي العيل الصغير ومتمسك بيكي.. اياكي تكدبي يا صحبتي وتقولي إنك مش عايزاه.. لو الدنيا صدقتك أنا مش هصدق"
"شهقت نادية تردف بضحكة مقهورة من بين دموعها."
"مسحت إبريل عبراتها عن خديها المبللة بأصابعها، وأخذت نفساً عميقاً، لتتحكم في انفعالاتها قبل أن تنظر إليها، ثم أجابتها بقلب لا يقل قهراً عن الجالسة أمامها: أيوة يا نادية قلبي مانسيهوش.. بس ملعون أبو الحب على أبو قلبي اللي يذلني عشان راجل قدر يبص لغيري ويفكر في واحدة غيري ويتجوز ويلمس واحدة تانية عشان يعاقبني إني قولتله مش هتنازل عن إن يكون ليا قيمة"
"شعرت نادية ما إن أنهت إبريل حديثها، وكأن سكيناً بارد طعن في قلبها، فرفعت عينيها إليه، ورغم القسوة الصادرة من كلماتها، إلا أن نظراتها إليها كانت مليئة بالتعاطف والشفقة، فتحدثت نادية بارتعاش ممزوج بالحزن: أعمل أيه يا أبريل أعمل أيه أنا وسط النار.. بيتي هيتخرب وحاسة إني مذلولة ومهانة.. أنا عمري ما هسامحك.. يا أبريل انتي ما خسرتيش واحد على عشرة من اللي خسرته"
بعد حوالى ساعة
"فهميني أيه اللي بيحصل ومأذون أيه وكتب كتاب مين اللي مامتك بتكلم عنه دا؟!"
"تدفقت أسئلة إبريل في رأس باسم كالسيل الجارف، فاستقبلها بثبات، متظاهراً بعدم معرفته بالأمر."
"وبعدين أنت رجعتي تشتغلي هنا تاني من امتى؟"
"أنا اتفاجئت بيها بتقولي إن المأذون موجود معانا على اليخت وعايزنا نكتب كتابنا مع حفلة الخطوبة بعد ما اخدو موافقة باباكي.. والفرح نقرر معاده براحتنا.. ماكنش قدامي غير إني أسايرها.. والا هتشك فينا"
"كانت تستمع إلى حديثه دون استيعاب، قبل أن تتسع عيناها ثم هتفت استنكاراً: يعني أيه تسايرها من غير من غير موافقتي.. تصرفك دا ملوش غير معنى واحد إنك بتحطني قدام الواقع عشان مضطرة أوافق"
"هجومك عليا بتحسسيني بيه إن إني مخطط للي بيحصل.. لا يا أبريل.. مش مضطرة توافقي.. وبطلي تبصي للامور على إنك لوحدك اللي واقفة في وش المدفع.. وأنا مكنتش عايز أربط نفسي بواحدة مابتفكرش غير في نفسها.. بس لو جزائي أنا وأهلي تصغرينا.. اعملي كدا"
"رسم باسم الضيق على ملامحه بمهارة، يخفي وراءه الكثير من المكر الذي لم تلاحظه في صوته حين قال بنبرة تقريع."
"وقبل ما تفهمي كلامي على مزاجك.. أنا مش عايزك تتقبلي دا من غير ما تفكري وتاخدي قرارك بنفسك"
"أسبلت رموشها دون أن تجيبه بكلمة، وكانت خلايا دماغها تعمل بأقصى سرعة."
"خلاص هنخترع ليهم أي حجة ونعدي اليوم"
"مرت عدة لحظات في صمت قبل أن تسمعه يقول بتخابث خفي."
"لا.. أنا.. موافقة"
"أفرجت عن جفونها رافعة بصرها نحوه لترد بثقة."
رواية جوازة ابريل الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نورهان محسن
مر الوقت سريعا بعد عقد الزواج.
كان تنظيم الاحتفال غاية في الأناقة والروعة، من بداية نصب تعريشة عارية في المقدمة باستخدام اللونين الأبيض والأخضر، وعلى متن السفينة الفاخرة بتصميم خارجي رائع مزين بكل جانب منه بألوان جريئة تتناسب مع أجواء الصيف بشكل متناغم وغير مبالغ فيه.
والتصميم الداخلي عالي التقنية وجميل.
والطابق العلوي المفتوح يسمح للحاضرين بالاستمتاع بالهواء النقي ومشاهدة المناظر الطبيعية الخلابة مع ترتيب برامج رائعة للرقص بإشراف طاقم مميز.
والطابق السفلي يحتوي على المطبخ والكبائن وطاولات الحاضرين مزينة بأزهار عباد الشمس والياسمين مع المأكولات البحرية اللذيذة عليها.
كان الجو العام مزيجا من التميز والإبداع، والبعد عن التقليد يليق باحتفال مع الأصدقاء والعائلة.
وأعجب الجميع بهذه الفكرة الرومانسية خاصة عندما تبادلوا الخواتم وسط الأجواء المحيطة بنهر النيل الخلاب لإضفاء لمسة رومانسية.
وكان مناسبا جدا لالتقاط صور تذكارية مميزة.
ولم يخلو التصوير من مناوشات لطيفة بينهما، حيث استطاع بذكائه أن يسرق عدة قبلات رقيقة من خديها وشفتيها بجراءة دون أن يلتفت إلى اعتراضها الخجول، مبرراً موقفه بقوله أنه الآن زوجها، ولا خيار لها إلا السكون حتى تنتهي المهمة بسلام.
بعد مرور بضعة دقائق.
"تحت أمر حضرتك."
"كوباية ميه بسرعة لو سمحت."
"حالاً."
بحث في جيوب بنطاله وسترته عن شريط الحبوب، مندهشاً من اختفائه، رغم حرصه على أخذه معه مسبقاً.
قال الرجل بهدوء، وهو يناوله كوب من الماء: "اتفضل يا فندم."
باسم بضيق: "لا خلاص شكرا."
غادر المطعم الداخلي لليخت، ثم جلس على الفور على أقرب مقعد، واضعاً راحة يده على عينيه المغمضتين، محاولاً مقاومة نوبة الدوار كانت تهاجمه منذ طفولته حين كان على متن السفن.
"مالك يا حبيبي انت كويس؟"
رد باسم على والدته بإنكار، والدوار يشتد برأسه: "كويس يا ماما.. ماشوفتيش شريط البرشام بتاع الدوخة؟"
ناولته وسام كوب الماء المذاب فيه قرص من الدواء الفوار، وهي تجيبه ببساطة: "ابريل قالتلي انه وقع منك وانتو بتتصورو واديتهولي."
"ابريل!! هي فين؟"
ردد باسم بعد وسام مندهشاً قبل أن يضيق حاجبيه في وعيد لهذه الجنية بعدما أدرك فعلتها.
ثم جاءه الجواب سريعاً من والدته: "اكيد فوق مع المعازيم.. خليك و انا هبعتهالك لو مش قادره."
وقف باسم مستقيماً، ثم قال ببرود: "مافيش داعي الدوخة خفت شوية هروح اشوفها."
"ماشي يا حبيبي."
في ذات الوقت.
"مستر داغر."
استدار ببطء بمجرد أن سمع صوتها الناعم يناديه بإسم أخيه دون أن تظهر عليه علامات الاندهاش، فقد اعتاد على تكرار هذا الموقف معه.
ثم رد بنبرة رسمية: "افندم في حاجة؟!"
رفعت ابريل حاجبيها بغرابة ممزوجة بشيء من الحرج تلون به وجنتاها إلى اللون القرمزى من عدم معرفته لها، مما جعلها تسأله بتعجب، وهي تشير إلى نفسها: "حضرتك مش عارفني انا ابريل الهادي.. اشتغلت من فترة بسيطة في شركة حضرتك."
رأت عينيه الخضراوين تتسعان بدهشة من كلماتها المفاجئة له.
ففسرت تلك النظرات، وكأنه تذكرها فور أن عادت ملامحه إلى الهدوء، متحدثًا بصوته الأجش: "عفوا منك.. ايوه افتكرك ابريل مش كدا؟!"
حدق في الابتسامة التي زينت وجهها الفاتن، فأصبحت رمزًا للجمال، بينما تحدثت بنبرة لبقة: "ايوه مظبوط.. صدفة حلوة اني اشوف حضرتك في خطوبتي.. حضرتك من معارف عريسي؟"
أنهت ابريل عبارتها بسؤال حائر، فأجابها بإختلاق: "لا جاي مع اصدقاء ليا.. الف مبروك يا ابريل."
أضاف جملته الأخيرة بلطف جذاب، وهو يمد يده لمصافحتها، فردت أبريل برقة: "الله يبارك فيك يا مستر داغر."
خلال ذلك الوقت.
"وحشتيني يا بيبي."
تمكنت من تمييز تلك النبرة الرجولية الساحرة وسط الضجيج من حولها.
فبهتت ملامح وجهها الجميل من الصدمة حين رأت أسوأ كوابيسها يتجسد بعنجهية أمامها دون سابق إنذار.
تمكنت ريهام من تجميع شتات حروفها بعدم تصديق: "مش معقول.. انت!!!"
تحدث صاحب المظهر الأنيق المصحوب بالهالة المخيفة، مبتسماً بعبثية: "نسيتي اسمي و لا من المفاجأة لسانك اتربط."
ابتلعت ريهام صدمتها بصعوبة، وقالت بنبرة متحشرجة مليئة بالحيرة: "هي مفاجأة غريبة بس انت بتعمل ايه هنا يا داغر."
اتسعت الابتسامة على فمه الغليظ، ووضع يديه في جيوب بنطاله وهو يجيبها باسترخاء: "اسم اختك لفت نظري في الاخبار.. فقولت لنفسي مناسبة كويسة عشان نتقابل مرة تانية."
عقدت ريهام ذراعيها امام صدرها، وحاورته بسخرية: "اخر مرة اتقابلنا مكنش باين انك عايزنا نتقابل تاني."
"استفزته بنبرة ذات مغزي، وهي تنظر حولها نظرات شمولية سريعة: "اومال هي فين مش شايفاها؟"
أجاد داغر رسم معالم اللامبالاة على وجهه رغم تصلب جسده حين فهم ما تعنيه بكلماتها، فأجابها بإيجاز: "مش معايا."
رفعت ريهام حاجب واحد باستغراب، ثم تحدثت بنبرة مستهزئة بعض الشئ: "غريبة انك جاي من غيرها بعد ماكنت بتاخدها كل مكان بتروحه؟!"
داغر بصوته المتهكم الرجولي الذي يخفي الكثير من الحزن خلف جدرانه الثلجية: "مفيش ميت بيحضر حفلات."
ريهام بشحوب: "ماتت؟!"
انحنى داغر برأسه نحوها، مضيقاً عينيه بنظرات اخترقت دواخلها، قائلاً بنبرة واثقة ممزوجة بالسخرية: "نظرة الرعب اللي في عينيكي دي وفرت علينا مقدمات كتير.. خلينا في الكلام المفيد."
شعرت ريهام بقشعريرة قلق تسرى في جسدها من كلامه، فهزت رأسها سريعاً بالسلب، متوسلة إليه بنبرة متوترة: "بليز يا داغر دا لا وقت ولا مكان مناسب لأي كلام."
باغتها داغر بإمساك بإحدى ذراعيها في قبضته، مما جعلها تتكئ عليه بسبب عدم توازنها، وهي تتلفت حولها بملامح مذعورة، وهو يهمس لها بشراسة: "ماشي بس اياك عقلك يصورلك انك بتهربي مني هسيبك دلوقتي بمزاجي بس عشان تستعدي للمقابلة الجاية."
"سلام يا بيبي."
قالها داغر بسخرية تامة شعرت بها في نبرته، وهو يلمس ذقنها برفق قبل أن يتركها متجمدة من الصدمة، تستوعب كلماته بارتجاف، تكاد تبكي خوفا من الكارثة التي ستحل عليها قريبا من ظهوره المفاجئ.
في ذات الوقت.
عند ابريل.
وقفت إبريل بعيدا عن صخب المكان، تستمتع باستنشاق الهواء النقي بينما تداعب النسمات المنعشة خصلات شعرها.
حتى انتشلها صوته المنزعج من أعماق أفكارها: "رجعتي لحركاتك البايخة دي تاني."
إلتفتت ابريل إليه متنهدة بضجر، ثم ردت بتعجب ساخر: "وانا مالي لما انت بتدوخ.. وافقت ليه نعمل الخطوبة ع يخت في النيل ليه؟!"
ضحك باسم بدهشة بزغت في نبرته، حالما علق علي كلماتها: "وهو دا بقي جزائي في الاخر عشان مارضتش ارفض طلبك وازعلك."
تعاقت أنظارها عليه، وقالت بلطف مزيف ذات مغزى: "تصدق انك طلعت مضحي اوي وانا ظلماك.. بس عادي تديني معاد واروح الاقيك قاعد مع واحدة تانية وبتقول انها خطيبتك."
تأفف باسم بيأس قبل أن يهتف بدفاعية: "رجعتي تفتحي نفس السيرة.. اكتر من 10 مرات قولتلك انها مريضة ومهووسة بالمشاهير و انتي بعينك شوفتي حركاتها اللي مش طبيعية."
لوحت ابريل بنفاذ صبر قائلة بتبرم: "خلاص انتهينا من الحكاية دي.. خلينا في المهم مين فاكر نفسك عشان تبوسني قدام الناس بالبجاحة دي وكمان نزلتها علي الانستجرام؟!"
مط باسم شفته السفلي للخارج بعدم اكتراث من غضبها، ثم أخبرها بصلابة واستفزاز: "انا جوزك.. وبعدين هي دي اول مرة.. ما حصلت قبل كدا اتعودي عشان دا هيحصل منه كتير."
علقت بنبرة مشحونة بالتوعد من ثقته الزائدة عن الحد: "ان مابطلتش السفالة بتاعتك دي هتلاقي رد فعل مني مش هيعجبك."
ارتدت ابريل برأسها للخلف مجفلة، حينما دني منها، ليسأل بهمس خطير، متعمدا اثارة غضبها المغري له: "ايه!! هتضربيني تاني.. لا تالت.. اول مرة زقتيني في صدري في حمام المطعم فاكرة؟!"
احمرت وجنتاها خجلا من قربه الحميمي، لتدفعه بقبضتها في صدره بخفة، ثم تلعثمت فى قولها بعناد: "والتالتة تابتة."
"ما علينا مين اللي وقفتي تكلمي معاه والضحكة مالية وشك زي الهطلة؟!"
"حاجة ماتخصكش."
"انتي للي اديتيني الحق في كل حاجة تخصك ولا نسيتي؟"
اغتاظت ابريل كثيرا من استفزازه لها مما جعل فكرة شيطانية تخطر على عقلها الحانق منه، متمتمة على عجل: "عندك حق وانا هصلح الغلط دا حالا."
أنهت ابريل جملتها تزامناً مع دفعها فجأة له بقوة في صدره ليفقد توازنه، فمد يديه عفويا متشبث بها مما جعلهما يسقطان من على اليخت.
شهقت ابريل بعنف، وهي تخرج برأسها من الماء، وتمسكت برقبته بقوة تلتقط أنفاسها بصعوبة، وهو يمسك بخصرها بإحكام، فحدقت فيه لثوان ثم التفتت بعينيها الجاحظتين في ذعر حول المكان وعقلها لا يستوعب ما حدث للتو.
"يا ام قلبك جاحد كنتي عايزة تموتيني غرقان."
رفعت ابريل رأسها اليه غير مصدقة حديثه المزاح فى مثل هذا الموقف قائلة بنبرة مائلة للسخرية: "اموتك ايه!!! دا لو السمك كلك هيجيلو مغص."
قطب باسم حاجبيه بانزعاج مدمدماً بشماته: "واطية ادي السمك هياكلك معايا شوفتي ربنا بقي."
"انت كمان ليك نفس تهزر.. عجبك بهدلتنا دي."
"وهو انا اللي قولتلك ارميني في البحر و اقعي معايا."
تذمرت ابريل بحنق من بروده: "انتي اللي شدتني معاك.. منك لله الفستان باظ وشعري والميكاب ادمر.. اتفضل طلعنا من هنا."
عند داغر.
"مش هتبطل الاعيبك دي.. واخدني علي عمايا و جايبني خطوبة اخت ريهام؟"
نفخ بصوت عالٍ من تأنيب شقيقه، ووضع كفه داخل بنطاله، وصاح بنفاذ صبر: "ما انت اللي من يوم ما نزلنا مصر وانت عامل زي ضلي و عايش جوا الاخ الكبير.. دول ماكنوش عشر دقايق اللي بيني وبينك وكاتم علي انفاسي بيه."
تراجع خطوة إلى الوراء بتوتر بعد أن لاحظ إلتفات الانتباه نحوهم ممن حولهم، وأضاف بتمهل، وهمسًا إلى حدٍ ما: "مش قادر استوعب اننا كبرنا.. وانا مسؤل عن تصرفاتي ومصالحي مش مطلوب منك كل حاجة تعدل عليا فيها."
احتلت على فم دياب ابتسامة ساخرة، وهو يعقد ذراعيه على صدره، ليتشدق بتعجب متهكم: "لا والله !! وكانت فين المسؤولية دي يا داغر بيه وانت بتعرف واحدة علي جوزها وانت متجوز وكمان بتحمل منك وفي اول صندوق زبالة بترميها بعد ما زهقت منها."
ختم دياب كلامه بتوبيخ، وهو يرمقه بنظرة حادة جعلت داغر يدير وجهه شارداً بخضراوتيه في قارب آخر يبحر في نهر النيل أمامهم، وأخذ نفسا طويلاً قبل أن يبرر موقفه بنبرة حزينة: "كام مرة هعيدلك نفس الكلام.. مكنتش متأكد ساعتها انه ابني ولا كان فارق معايا الموضوع كله.."
ولم يكد ينهي جملته حتى تلقى صفعة قوية من دياب بسوط الحقيقة حينما قاطعه بصوت بارد حاد: "مش فارق معاك ولا حبك لمريم مكنش مخليك عايز تصدق ان الولد اللي كنت بتحلم تجيبو منها هتجيبو من غيرها وفضيحة ان يكون ليك ابن غير شرعي خلتك ترفس كل حاجة عشان ماتزعلهاش وتبقي السبب في موتها بحسرتها."
كان داغر يستمع بصمت إلى كلامه القاسي، وهو يمسك بالقضيب الحديدى للسفينة الشراعية الضخمة التى يقف كلاهما فوق سطحها بقوة كبيرة، وكان الهواء يداعب شعرهما بعنف، قبل أن يدير رأسه نحوه ويخبره من بين أسنانه بانفعال معذب: "اهي ماتت خلاص ماتت وسابتني لا بقت معايا ولا ابني كبر واتربي في حضني وقدام عيني.. اختفت بعد موت مريم وعشان كدا متأكد ان هي اللي عرفتها وموتها كان ليها يد فيه.. وخلاص بعد ما بقت تحت عيني هعرف ازاي اخليها تدفع التمن غالي."
قطب دياب حاجبه، وهو يضيّق عينيه بنظرات غير راضية على توأمه، قبل أن يتنهد بضجر، ويقترب منه قليلاً قائلا بهدوء محذراً: "مفيش فايدة في دماغك.. اسمع انا مش جايلك لحد هنا عشان نقول كلام اتناقشنا فيه مية مرة قبل كدا.. اسلوب الانتقام اللي انت عايز تنفذه دا مش هيضرها لوحدها.. انت بتفتح علينا مية جبهة وبتدمر ناس تقيلة ومهمة اذا شمو خبر اننا ورا اللي بيحصل هتقوم حرب."
تأفف داغر بضجر: "طول عمرك عدو المرح هو احنا لسه لحقنا نعمل حاجة."
أنهى كلماته ضاحكا بخبث، ليوبخه شقيقه: "كفاياك تهور وتصرفات مجنونة عايز تاخد الولد في طرق كتير تاخده بيها..."
توقف دياب عن متابعة حديثه بإشارة من يد داغر الذي حدّق إليه بعينيه الخضراوين المتلألئتين بوميض خبيث، قبل أن يهسهس بتوعد وقسوة: "ماتحاولش معايا عشان حكم الاعدام عليها وعلي اللي حواليها.. انا اصدرته خلاص وبيتنفذ دلوقتي وهستمتع اوي وانا اوقف اتفرج عليها وبحرق اعصابها وبطلعلها من كل حته زي التعبان مابيحزم الفريسة قبل مايبلعها وبعدها هاخد ابني ومش هتشوفه تاني في حياتي."
دياب بحيرة: "كل دا ايه صلته بوجودنا هنا انهاردة وعايز ايه من اختها وليه تشغلها عندك في الشركة؟!"
داغر بخبث وشر: "لسبب بسيط اوي.. ريهام بتغير من اختها ازاي هفوت علي نفسي الفرصة دي ومحرقش اعصابها."
قال دياب بنبره تحذيرية صارمة: "عكك زاد اوي يا داغر.. مش كفاية للي عملته في البت دي وهي مالهاش ذنب في عمايل اخته."
داغر بنفاذ صبر: "عملت ايه لكل دا!! كانت بتدور علي شغل وانا قدمتلها الفرصة.. يعني عملت فيها خدمة بتحسسني بالذنب ليه دلوقت وعشان ماتصدعنيش تاني يا ابو ضمير صاحي ابقا اتعامل انت معاها وكون رئيسها المباشر ماعدش ليا خلق."
بعد عدة دقائق.
عند ابريل.
بست وسام بغرابة من مظهرهما المبلل تماما، فسألت مستفسرة: "ايه يا ولاد ايه اللي عمل فيكو كدا؟"
بادرت ابريل بالقول، وهي تبتسم بحنان لتغطي ارتباكها وهي تربت برفق على ذراعه: "شوفتي اللي حصل يا طنطا بسبب الدوخة اللي عنده يا حبيبي وقع في الميه بس انا لحقته وهو كويس ماتقلقيش."
أصاب عقله الذهول من قدرتها الجهنمية على اختلاق كذبة في بضع ثوانٍ، متمتمًا بغيظ: "يا بنت المستعبطة."
تحدثت وسام سريعاً واضعة يدها علي صدرها بقلق امومي: "الحمدلله ربنا ستر.. يلا تعالو تعالو علي الكابينة بسرعة غيروا هدومكم المبلولة دي قبل ماتخدو دور برد.. وانا هروح اشوف حاجة تلبسوها واجيلكم اوام."
أكملت وسام جملتها، وهي تتقدم أمامهم بينما كانا يتحركان خلفها معًا، فهمس لها باسم مرتجفًا: "ضيعتي الهيبة عجبك المنظر الزفت اللي احنا فيه يا مؤذية."
ابريل بشماته: "تستاهل."
بعد قليل في الكابينه.
ارتجفت شفتاها وهي تقف في مكانها، متسائلة بتعب: "مامتك اتأخرت كدا ليه.. هنفضل مبلولين كدا."
انفخ باسم بحنق: "ما انا زي زيك اهو يابنتي أعملك إيه يعني إرحميني شوية وبطلي زن."
سعلت أبريل بشدة، غير قادرة على التحكم في ارتعاش جسدها المثلج حتى سمعته يهمهم بشيء جعل عينيها تجحظان بإنشداه: "اقلعي..."
صمتت إبريل لبرهة من الزمن ببلاهة، وهى ترأه يخلع سترته، ثم سارعت مجمجمة بحدة: "بطل قلة الادب بتاعتك دي!!!"
لم تتلق منه إجابة، فازدادت الحيرة بداخلها عندما رأته يدير رأسه حتى وقعت عيناه على شيء ما، ليتحرك نحوه يسحبه بخفة من المقعد ثم التفت ليواجهها، وهو يخبرها بهدوء: "اقلعي الفستان وغطي نفسك بالبطانية دي لحد لما ماما تجيبلك حاجة تلبسيه."
رفضت ابريل بحرج: "لا خليني كدا انا هستحمل."
خرجت تنهيدة عميقة من جوفه، قبل أن يتحدث بضيق متوجهاً نحوها بخطوات غير صبورة: "اسمعي الكلام مرة واحدة في حياتك بدل ما يحصلك حاجة واشيل ذنب."
مد يده إلى رقبتها بمشاكسة، فأزاحتها بسرعة بعيداً محتجة بعدم الرضا: "شيل ايدك."
سمعا طرقات على باب الكابينة تبعها دخول وسام التى قالت بلهفة: "معلش اتأخرت شوية ما لاقيت حاجة نضيفة تلبسوها تناسبكم."
تابعت مبتسمة بلطف: "جبتلك دا يا حبيبتي نشفي بيه شعرك."
شكرتها ابريل بإمتنان: "ماتحرمش منك كنت محتاجاه اوي."
تدخل باسم فى الحديث: "ماما خلينا خلاص نرجع الوقت اتأخر بينا وهي محتاجة تستريح."
أومأت وسام برأسها موافقة على كلامه، ثم غادرت الغرفة، فحولت إبريل نظرها إليه، ثم قالت بإستنكار: "انت هتفضل واقف."
ارتفعت زاوية فمه بسخرية، قائلا بفظاظة: "لا هقلع."
شهقت بصدمة من وقاحته، هاتفة بإعتراض: "تقلع فين!! اتفضل روح اي كابينه تانية غير فيها."
عبس باسم منزعجاً من حدة صوتها، مما جعله يفقد رباطة جأشه موضحاً بنفاد صبر: "مافيش في اليخت غير الكابينه دي وانتي اخدتيها عشان تجهزي فيها.. يلا ما تضيعش الوقت في الكلام روحي الحمام غيري وانا هغير هنا."
قلبت عينيها مستسلمة، ثم دخلت الحمام لتغير ملابسها، فصاح بصوت مرتفع نسبياً، وهو ينزع عنه ربطة عنقه: "انجيلي مش عايز لكاعة جوا.."
أتاه صوتها من الداخل تهتف بقلة صبر: "نقطنا بسكاتك وسيبني في اللي انا فيه."
ظهرت ابتسامة شقية على شفتيه، وهو يغير بنطاله المبلل بآخر نظيف، قائلاً بجراءة: "ممكن اطوع وادخل اساعدك."
أخذ الغطاء ينظف به جسده برفق، وهو ينهي كلامه، كاتماً ضحكته فجاءه صوتها الأنثوي بانزعاج: "بطل توترني يا مستفز."
خرجت ضحكاته بخفوت، ثم تابع حديثه وهو يمسك تيشرته بطرف أصابعه ليرتديه بحركة خاطفة: "خلاص بس لو اتأخرتي هدخلك انتي حرة."
فتحت إبريل باب الحمام الصغير بعد قليل، ووقفت أمام المرآة، وهي تجفف شعرها الأشقر بالمجفف، قائلة بتبرم: "انا علقت الفستان هنا.. بس محتاج يتنشف بسرعة مش معقول هطلع قدام الناس كدا."
تأمل مظهرها فى الكنزة البيضاء بتصميم أنثوي ناعم ورقيق، أكمامها من الشيفون الشفاف الذي يصل إلى المرفقين، تضعها داخل بنطال أسود بزخارف زهرية باللون العنابي، في حين أنها تعجبت من صمته غير المعتاد، فرمقته من جانب وجهها، لتراه يحدق بها، فقالت بعفوية: "علي فكرة محتاج انت كمان تنشف شعرك لا تاخد برد."
"اللي يسمعك هيفتكرك بتخافي عليا طبعا عشان ماشافكيش وانتي بترميني في البحر بقلب ميت."
أغتاظت ابريل من استهزائه بها، فضيقت عينيها بعبوس قبل أن ترد بابتسامة صفراء: "احلي حاجة فيك انك مابتشيلش في قلبك."
حدق فيها بهدوء لثوان، ثم همهم بنبرة لعوب: "مفيش حاجة تانية حلوة فيا."
أسرعت رعشة في جسدها من نظراته إليها، فغيرت مجرى الحديث بإرتباك ملحوظ وهي تستدير للجهة الأخرى: "احنا اتأخرنا و كدا الناس هتلاحظ غيابنا هروح اشوف طريقة انشف الفستان بيها."
اختطف باسم ذراعها يمنعها من الهرب، فتبعته في دهشة خجولة، وهو يلتقط أحد خصلاتها المتمردة كصحبتها، ويلعب بها بأصابعه، هامسًا بصوت رجولي جذاب: "نشفيلي شعري."
نسيت وضعهما الحميمي من نبرته الآمرة، وتخصرت بيد واحدة أمامه، ولوحت بالمجفف في الهواء، معقبة بنبرة تعبر عن استنكارها: "دا بأمارة ايه ان شاء الله؟!"
ضغط علي كل حرف من حروف الكلمه بتعمد كأنه يريد تثبيتها داخل عقلها: "جوزك.."
زفرت ابريل ببطء، تخفف من قوة ضربات قلبها، وهي تشير إليه بالجلوس بإستسلام، مدعية الحنق: "عارفه مش هخلص معاك."
جلس على حافة السرير الصغير بإريحية، بينما وقفت بجانبه وبدأت مهمتها في صمت خيم عليهما للحظات ثم قطعه باسم، مغمغمًا لها وهو يستمتع بلمسات أصابعها الرقيقة في شعره: "اقولك حاجة ومتفهمنيش غلط."
همهمت إبريل بإستفهام، منتظرة أن يتحدث، فإنفرجت ابتسامة كسولة على شفتيه، متأملاً ملامحها الرقيقة بعمق: "مش بيكون لايق عليكي الهدوء والادب.. بتبقي احلي وانتي مشاكسة و عنادية."
تطلعت إليه مبتسمة بحاجب مرفوع، وقالت بتوبيخ ساخر: "وانت في قلة الادب استاذ و رئيس قسم."
ارتفعت قهقهاته الجذابة مرحًا، وهو يغمز لها بشقاوة ترنّ في نبرته: "العب عشان كدا بحبك."
أرسلت كلمته الأخيرة إليها شعورًا غريبًا، رغم أنها كانت تعلم أنها خرجت منه علي سبيل المشاكسة، لكن كان هناك صوت قادم من العقل يحذرها من أن هذا قد يكون مؤذياً لها، سرعان ما نفضت هذه الأفكار عنها، وهي تجيبه بمراوغة: "شكلك زي القطط ماتحبش الا خناق."
قبس جسدها وهي تشعر بشفتيه تلمسان وجنتها برقة، يطبع قبلة عليها، غير عابئ بالشهقة الاحتجاجية التي عبرت شفتيها، فغمغم بصوته العميق: "وهو في خناق بالطعامة دي."
تمتمت ابريل بإنذار: "وبعدين!!"
حاولت ابريل الابتعاد، لكنه أحاط بخصرها بكلتا يديه، وجذبها نحوه، هامسًا بمكر أمام شفتيها: "مش كتبنا الكتاب.. ماتيجي نصفي الحسابات المفتوحة بينا عشان محبش يبقي ليا حق برا واسيبه."
خفق قلبها خلف ضلوعها بسرعة كبيرة من قربه منها، وتخدرت بقية حواسها عندما شعرت بأنفاسه الحارة تحرق بشرتها، فانتزعت نفسها من حصار ذراعيه المتشبثتين بها بصعوبة وتراجعت خطوتين، متخذة الهجوم درعًا تخفي به حرجها من تأثيره عليها، محذرة إياه من نفاد صبره: "انت مش هتجيبها لبر..."
ضحك باسم إعجاباً بتلك الشرسة الفاتنة الساحرة حين رفعت مجفف الشعر في وجهه متوعدة إياه به، قائلة بمزح مشاكس: "خلاص انا خارج اشوف المعازيم اللي فوق وراجعلك تكوني نشفتي الفستان."
أنهى باسم جملته وهو يقوم من مجلسه، فقضمت شفتيها منشغلة بالتفكير فيما ستفعله بالفستان الذي نسيت أمره، لتتفاجأ بهيمنته عليها بطوله، يقرب وجهه منها، فتسمرت فيروزيتها عليه بترقب، ليواصل بهمس حسي مثير أمام شفتيها: "ومصيرك تيجي من نفسك تدوقني التوت المستوي من فوق شفايفك تاني."
اعتصرت جفونها خجلاً من جرأة حديثه الواثق بعدما فهمت ما يرمى إليه حين استسلمت لقبلاته المثيرة في غرفة القياس، والتي مهما تظاهرت بعدها بعدم الرضا أمامه، لكن في أعماق روحها تدرك أنها استجابت له طوعاً، ولكن الآن كيف تجرؤ على الاعتراض أو حتى التحدث وشفتاه تكادان تلتصقان بشفتيها، إن حاولت التكلم فقد تجعلهما يصطدمان ببعضهما البعض، ولا يوجد ما يضمن أنها ستستطيع مقاومته هذه المرة.
أما هو فكان ينظر باستمتاع إلى وجهها المحمر خجلاً، ثم قرر أن يرأف بحالها، فغادر الكابينة بهدوء، تاركاً إياها متجمدة في مكانها، ضائعة في موجة من المشاعر اللذيذة الغريبة، ثم سرعان ما ألقتها رياح العقل إلى شاطئ الواقع مجدداً، فركضت نحو الحمام، موبخة ذاتها بأنفاس مسلوبة: "انتي في ايه ولا في ايه اما اشوف الفستان!!!!"
بعد فترة وجيزة.
باحدي الممرات الداخلية لليخت.
خرجت لميس من الحمام، وتبعتها هالة من خلفها، تسألها بغرابة: "ايه شكلك متعكنن كدا ليه! حصل مشكلة بينك وبين خالد ولا ايه؟"
لميس بإبتسامة صغيرة: "خالص بالعكس خالد طيب وحنين اوي.. انا بس اتخنقت من الليلة دي وعاوزها تخلص بقي."
منعتها هالة من السير، وسألتها بارتياب: "اوعي تكوني لسه بتفكري في موضوع باسم يا لميس.."
هزت لميس رأسها بالنفى، وأجابتها بنبرة تدل علي الاستنكار والتعجب: "ايه اللي بتقوليه دا يا هالة!! هفكر فيه ازاي وانا بقيت مخطوبة رسمي لخالد وهو بأمانه عرف يحببني فيه بمعاملته الحلوة وحبه ليا."
أنهت لميس جملتها، وهى ترسم ابتسامة حالمة على شفتيها، مما جعل الراحة تستقر في قلب هالة من ناحيتها، قائلة بحب: "وانا مبسوطلك بجد ان ربنا بعتلك الانسان اللي يستحقك يا قلبي وربنا يسعدك معاه."
أمنت لميس دعائها، وهما يواصلان السير، فسألتها الأخرى مجدداً باهتمام: "اومال ايه اللي خنقك لدرجة دي؟"
لميس بضيق: "معلش يا هالة انتي عارفاني مبعرفش اكون دبلوماسية زيك بصراحة.. يا بحب يا مش بحب.. وانا مش حاسة بقبول ناحية اللي اسمها ابريل لا هي ولا أختها."
عارضتها هاله بدفاعيه: "خالص بالعكس ابريل بنوتة دمها خفيف وطيبة.. وبحسها مش زي ريهام في اي حاجة.. بس بيني وبينك انا مبسوطة لباسم انه اخيرا طلعها من دماغه ونسي موضوعها القديم ده."
الميس بعدم اقتناع: "وتفتكري بقا هي نسيت.. انا شوفت نظراتها ليهم كان واضح اوي انها مضايقة.. خصوصا وقت كتب الكتاب يمكن لسه بتحبه."
هالة بإعتراض: "تحب مين يا بنتي؟ هي اساسا امتي كانت بتحبه.. ما انتي عارفة الحكاية القديمة.. وكويس ان باسم قدر يتخطاها."
بينما كانت هالة تتحدث، لمحت لميس بزاوية عينيها أبريل في كابينتها التي كان بابها مفتوحاً، وهي واقفة منهمكة في تجفيف الفستان بمجفف الشعر، وأدارت ظهرها للخارج، فتوقفت لميس عن السير بعد خطوتين من الباب، وردت بصوت جعلته يخرج عالٍ تلقائياً: "وايش عرفك انه اتخطاها.. مش يمكن هو اختار اخت ريهام بذات عشان يحرق قلب ريهام بعد رفضها ليه؟!"
سارعت هالة بالنفى دون أن تدرك ما يدور حولها: "لالا مافتكرش باسم يكون بيفكر كدا حرام عليكي.. باسم بيحب يعيش حر وكلنا تعبنا معاه عشان يتجوز وهو مكنش في دماغه يعني مش معقول هيتجوزها عناد في ريهام ويكون قاصد يردهالها عشان رفضته زمان."
عند ابريل.
تحاملت ابريل علي نفسها، وأغلقت باب الكابينة، لتعود إلى السرير وتجلس عليه، كان الضياع واضحاً على وجهها الشاحب، وهي تكافح الدموع التي تتصاعد في عينيها مع شعورها بالألم يطرق جدران قلبها المتصدع وعقلها المشوش الذي يلح عليها بأسئلة لا تملك لها إجابة هل ما سمعته قبل لحظة صحيح أم أنها توهمت الأسماء؟
"مبروك يا ابريل ولا اقولك يا مدام ابريل."
رفعت ابريل رأسها نحو الباب الذي دخل منه أحمد، وأغلقه خلفه، فضيقت عينيها عليه بعدم فهم، لتسأله بتوتر من ظهوره المفاجئ: "ايه اللي جابك هنا يا احمد؟!"
تقدم احمد بإتجاهها خطوتين، ثم أجابها بصوته الأجش بتساءل أخر: "عاوز افهم امتي قررتي يتكتب كتابك علي البأف للي برا دا وحتي من غير ماترجعي لأهلك !!!"
لقد جاءتها الفرصة على طبق من ذهب، فاستغلتها لتخرج ما تشعر به من قهر فيه، قاصدة عمداً إيذاءه وإفاقته، وهى ترد عليه بإستهزاء أبرعت به رغم المرارة التي تشكلت في حلقها: "ومين هما اهلي لو تقصد نفسك فأنت ابن خالي مش الواصي عليا ولو سمحت لما تتكلم عن الانسان اللي بقا جوزي تتكلم عنه بإحترام."
رفع احمد حاجبه الكثيف بسخط من حديثها المستفز، ليسألها بغل مكتوم: "ومحموقة عليه اوي كمان؟!"
فجأة أمسك بذراعها، وجذبها لتقف بحركة خاطفة، فاصطدم جسدها الرقيق بجسده العريض، مما جعلها تفزع منه كثيراً: "بتعمل ايه.. انت مجنون؟!"
استولى أحمد على ذراعها الأخر، ليهزها بعنف وكل خلية في جسده تنتفض من شدة الغضب، وهو يردد بإحتدام ناري: "ايوه مجنون وانتي اللي وصلتيني للحالة دي.. لسه حاسس بالنار قايده في كل جسمي لما شوفت واحد تاني قدام عيني بيبوسك و بيحضنك وبيرقص معاكي.. واحد تاني اتكتب اسمه جنب اسمك وانا واقف متربط مش قادر اعمل حاجة كأني جوا كابوس."
حررت نفسها من قبضتيه بقوة، وهي تجيبه ببرود لاهث: "لا مش كابوس للي حصل من شوية حقيقة يا ابن خالي وحقك تفرحلي لو بجد بتعزني وعايز تشوفني مبسوطة."
"بصي في عيني وقولي انك مبسوطة وانك نسيتيني.. قولي ان دقات قلبك مش بإسمي ولا بقا يحس بحاجة نحيتي يلا قوليها."
"قولتلك كلامك مالوش معني.. لو سمحت مايصحش كدا اتفضل اخرج قبل ما حد يجي ويشوفنا كدا."
"بتهربي من الاجابة زي ما هربتي زمان عند ابوكي و سيبتيني بس المرة مش هتقدري."
"اللي هرب هو انت.. اللي جوايا نحيتك بقا رماد من كتر ما قلبي اتحرق من الوجع.. بعد ما سيبتني واتجوزت وشوفت حياتك بعد شهرين بس.. بأمارة ايه دلوقتي بتدخل في حياتي وعاوز تبوظهالي؟!"
"كنت واقع في اختيار مابينك و مابين امي كنتي عايزاني اعمل ايه؟!"
صرخ احمد بالكلمة الأخيرة بقلة حيلة جعلتها تطوي ذراعيها أمام صدرها، لتضحك بازدراء: "لا معلش ما تضحكش علي نفسك.. حط عينك في عيني وقول ان مكنش عندك اختيار تاني.. مش هتقدر ترد صح.. انت روحت اتجوزت صحبتي عشان تقهرني بس كله جه فوق دماغك."
أنهت جملتها بنظرات شامتة، فهتف احمد بحرقة: "ليه لسه بتقا**وحي وبترفضيني وانا للي مسلم قلبي وعمري بين ايديك وبرده مش راضية.. ليه عايزة تبعدي عني تاني.. عايزاني اكررهالك كام مرة ايوه انا ندمان علي جوازي من غيرك ندمان اقسم بدين الله ندمان."
"مهما ندمت مفيش فايدة.. عارف كام قلب اتحرق من ورا انانيتك وجحودك.."
شعرت ابريل برغبتها في البكاء زادت فجأة، لكنها تابعت بجمود: "انت دلوقتي حد معرفهوش ولا انا اللي كنت تعرفها ومتربية علي ايدك.. خلاص فوق بقي من الوهم دا و ابعد عن حياتي خالص انا بقيت متجوزة.. خرجني من الدوامة دي بقا مافيش حد تلومه دلوقتي غير نفسك سامعني."
لم يبالي بما تقوله، قابضاً علي ذراعها بغيرة متقدة، وهسهس بنبرة قاسية وخطيرة: "اقولك علي حاجة.. كلمة ابرك من مليون مالهمش لازمة هتطلبي من ال**** الطلاق فهمت."
بنظرات خائفة نطقت بعدم تصديق: "ايه الجنان اللي بتقوله دا؟"
"ايه عايزة تفهميني انك حبتيه.."
ختم احمد جملته الهازئة، مشدداً قبضتيه حول ذراعيها، وهو يحدق فيها بحنق قاتل، فدفعته في صدره بقوة حتى تراجع عنها، ووقف على بعد خطوة، وهي تهدر بإنفعال وجهد: "ازاي مقرب مني كدا انا بنت خالك اخرج حالا قب..."
بتر احمد بقية عبارتها، ممسكاً بيدها يوقفها قبل أن تصل إلى الباب، وهسهس بغضب أعمى، تزامنًا مع دفعها نحو الحائط، فأغمضت عينيها، وشعرت بألم في أسفل ظهرها، واندفعت الدموع من عينيها لا إراديًا، مما جعله يتلعثم بقهر حزين: "ياااه انتي مش طايقة لمستي ليكي.. لدرجة انك بعد ما كنتي بتدوبي بين ايديا وبتبقى ملهوفة علي حضني دلوقتي بتعيطي.. مش طول عمرك بتقولي اني امانك ومابتحسيش بالراحة غير وانا واخدك في حضني خلاص كل دا نسيتيه.. خلاص بقيتي بتكرهيني."
هدر احمد بالكلمة الأخيرة بجنون، فرفعت عينيها نحوه، صارخة بصوت غاضب، غير مكترثة بحالته الهستيرية، وهي تنزع يدها منه: "اللي بتعمله دا اسمه جنان؟"
شعوره بالغيرة القاتلة التي تحرق قلبه عروقه، جعلته يفقد ما تبقى من سيطرته على أعصابه، وجهر بعنف: "الجنان انك تفتكريني هسيبك للـ**** دا.. انتي بتاعتي انا.. مش بعد ما فضحتلك الـ**** تاني وعرفتك انه متجوز عشان امنع جوازتك تروحي تتجوزي واحد من نفس صنفه وتفضليه عليا."
أحدقت فيه بنظرة عدم تصديق ستظل محفورة في عينيه، بينما لسانها تلجم من اعترافه، الذى جعلها تتجمد في مكانها من صدمتها الشديدة.
مرت عدة لحظات، وقبل أن تلملم من جمع أفكارها المتناثرة حتى تتمكن من الرد عليه، وجدت يدين تسحبان أحمد من الخلف الذي لم يتمكن من تجنب ضربة باسم القوية على وجهه.
رواية جوازة ابريل الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نورهان محسن
بداية الحب بيننا كانت بمثابة مجموعة من نقاط الماء تنزل علي سلك كهربائي عار ، فأحدث انفجار عظيم ، إذن كيف ستكون النهاية؟!
"ازاي مقرب مني كدا أنا بنت خالك اخرج حالا قب..."
بتر أحمد بقية عبارتها ، ممسكاً بيدها يوقفها قبل أن تصل إلى الباب ، وهسهس بغضب أعمى ، تزامنًا مع دفعها نحو الحائط ، فأغمضت عينيها ، وشعرت بألم في أسفل ظهرها ، واندفعت الدموع من عينيها لا إراديًا ، مما جعله يتلعثم بقهر حزين:
"ياااه انتي مش طايقة لمستي ليكي .. لدرجة انك بعد ما كنتي بتدوبي بين ايديا وبتبقى ملهوفة علي حضني دلوقتي بتعيطي .. مش طول عمرك بتقولي اني امانك ومابتحسيش بالراحة غير وانا واخدك في حضني خلاص كل دا نسيتيه .. خلاص بقيتي بتكرهيني"
در أحمد بالكلمة الأخيرة بجنون ، فرفعت عينيها نحوه ، صارخة بصوت غاضب ، غير مكترثة بحالته الهستيرية ، وهي تنزع يدها منه:
"اللي بتعمله دا اسمه جنان؟"
شعوره بالغيرة القاتلة التي تحرق قلبه عروقه ، جعلته يفقد ما تبقى من سيطرته على أعصابه ، وجهر بعنف:
"الجنان انك تفتكريني هسيبك للـ**** دا .."
قبل لحظات من هذا الحدث
كانت نادية تقف بالخارج مذهولة ، والدموع تنهمر على وجهها ، وهي ترى زوجها يحاول يائساً الحصول على حبه ويتوسل بضعف لامرأة غيرها أن تشعر به وبغيرته عليها.
استيقظت من حالة الصدمة التي تملكتها ، وهي تسمع أقداماً تتقدم فى الممر ، فانعطفت إلى أحد الأركان المظلمة قبل أن يراها هذا القادم.
من ناحية أخرى سار باسم بخطوات هادئة نحو كابينة أبريل ليتفقد ما فعلته بهذا الفستان ، وعلى وجهه ابتسامة استمتاع وهو يتذكر ملامحها الخجولة من جرأته التي كان يعلم جيداً أنها تثير ربكتها ، لكن الابتسامة سرعان ما تحولت إلى عبوس بمجرد أن سمع صوتاً رجولياً غاضباً قادماً من الداخل ، ودون تفكير اندفع بسرعة إلى مصدره.
في الداخل
"انتي بتاعتي أنا .. مش بعد ما فضحتلك الـ**** تاني وعرفتك انه متجوز عشان امنع جوازتك تروحي تتجوزي واحد من نفس صنفه وتفضليه عليا"
أحدقت فيه بنظرة عدم تصديق ستظل محفورة في عينيه ، بينما لسانها تلجم من اعترافه ، الذى جعلها تتجمد في مكانها من صدمتها الشديدة.
مرت عدة لحظات ، وقبل أن تلملم من جمع أفكارها المتناثرة حتى تتمكن من الرد عليه ، وجدت يدين تسحبان أحمد من الخلف قابضاً علي سترته جاذباً اياه بعيدا عنها وامسكه من تلابيبه بكلتا يديه والشياطين تتراقص أمام عينيه بعد رؤيته لذلك الوغد مقتربا منها الى هذا الحد.
قست تعابيره ، وهو يسأل من بين اسنانه المطبقة بقسوة:
"ايه اللي مدخلك عند مراتي يا ****"
سارعت أبريل بالقول ، وهي تكاد تموت رعباً:
"باسم أنا هشرحلك بس سيـ..."
قاطعها باسم بتحذير خطير:
"حرف منك كمان وتصرفي الجاي مش هيعجبك"
دفعه أحمد عنه بقوة ، وهو يهتف بخشونة:
"يعني هتعملها ايه!! اللي بيني وبينها امور عائلية ماتدخلش نفسك فيها"
عبست تعابيره بتقزز قبل أن يهاجمه ، مجمجماً بحدة:
"بتتهجم علي مراتي وكمان شارب و تقولي امور عائلية دا يا ****"
"لا خوفتني بالشويتين دول .. اكلم علي قدك واحسنلك تطلقها بذوق يا حيلة امك وابوك"
"اهاااا .. دا انت غريتك البدله والكرفتة دول بس وماله احنا فيها في ثانية اثبتلك العكس"
تجعدت تعابير إبريل في ذعر ، وأغمضت عينيها بقوة ، وباسم يلكمه في وجهه بحركة مفاجئة أطاحت بأحمد بقوة على المقعد الجانبي.
"دي عشان ايدك الن**** لمستها"
زأر بالكلمة الأخيرة بنبرة شرسة ، ثم انحنى عليه ، ووجه له ضربة أخرى عنيفة أصابت أنفه ، فتأوه بعنف من الألم وهو يسقط للخلف بالكرسي ، ليرتطم بالأرض بقساوة.
"ودي تعرفك لما حيلة امه وابوه حد يقرب علي للي يخصه بيعمل فيه ايه ولا لسه شكلك عايز تشوف اكتر يا *****"
نطقت أبريل لا شعورياً:
"باسم لا سيبه خلاصة"
صدر باسم بغضب عاصف:
"اخرسي انتي"
تيبست إبريل في مكانها بوجه شاحب من ضراوة نبرته ، بينما استدار باسم نحوها ، ليتقدم نحوها بغضب مكبوت ، وهو يرى جسدها يرتجف خوفًا ، فأحاط كتفيها بكلتا يديه ، وهو يمرر عينيه عليها بقلق ظهر في نبرته عندما تحدث بصوت أجش:
"الحيوان دا عمل فيكي حاجة؟!"
هزت أبريل رأسها إنكارًا ، عاجزة عن رفع عينيها نحوه خوفًا من أن يرى دموعها ، ثم سرعان ما جحظت عينيها عليه فور أن سمعت زمجرته الغاضبة وهو يتفحص تلك الكدمة الزرقاء التي غطت منطقة معصمها الأيسر التي كان يمسك بها أحمد ، لكنها لم تشعر بأي ألم من الصدمة.
في تلك الأثناء استعاد أحمد توازنه بسرعة حيث وقف من جديد متجاهلاً الدوار الشديد في رأسه ناهيك عن الألم في جسده وخاصة في أنفه النازف.
إنسحبت الدماء من وجهها ذعراً ، وهي تتفاجئ بأحمد يسدد ضربة قوية فى وجه باسم ليصطدم ظهره بالحائط بقسوة.
قبل أن يلف الآخر يده حول عنقه ، وهو يصرخ بهوس:
"ماتلمسهاش بإيدك القذرة دي تاني"
بفضل فارق الطول بينهم استطاع باسم التخلص من قبضته عن عنقه بحركة قتالية لاكماً اياه في فكه ، وهو يلهث من فرط الانفعال ، ويهدده بوعيد:
"قسما بدين الله لا اكون حادفك بإيدي من علي اليخت"
"احمد في ايه يا ابريل..!!!"
قالتها صابرين مسرعة إلى الداخل بعد أن استنجدت نادية بها التي دخلت خلفها ، فأكملت وهي تتنفس بلهاث:
"ايه اللي بيحصل دا يا احمد .. ماتفهموني يا جماعة؟"
تجاهلت إبريل الرد عليها ، لتنظر إلى أحمد بخيبة أمل وقهر ارتسم على ملامحها قبل أن تتحدث بصوت مرتجف لا يخلو من المرارة:
"استريحت كدا .. عايز تهدم حياتي ليه مش هاين عليك تشوفني بحب واتحب واتجوز اعيش حياتي .. زي ما انا احترمت اختيارك .. جه الدور عليك تحترم اختياري .. ابعد عن حياتي وبطل توظهالي .. انت سامعني"
هدرت أبريل بالكلمة الأخيرة في وجهه ، فتجنب النظر إليها وهو يشعر بالخزي من نفسه ، وكأنها أصابت عقله بصاعقة أعادت له وعيه ، وهو يتلقى كلماتها كالخنجر المسموم ، ونظراتها الحادة ونبرة صوتها مزقت أوتار قلبه ، ثم تابعت منهكة:
"صابرين خديهم واخرجوا من هنا قبل الناس اللي فوق يحسوا بحاجة وماتجبيش سيرة خالص لستي"
حانت إلتفاته من أحمد نحوها ، والتقت نظراتهما في لحظات بدت وكأنها رسالة منه ، معناها سأدعك ترحلين منى.
ما إن غادروا في صمت ، استدارت إبريل تحمل الفستان ، عازمة على الفرار من أمام عينيه الرماديتين اللتين كانتا تنظران إليها بتأهب واستفسار لن تتمكن من الإجابة عليه الآن.
"رايحة فين؟"
صدح صوته بهدوء يسبق العاصفة ، فأجابت بفتور شديد دون أن تلتفت إليه:
"هغير الفستان"
سحبها باسم من رسغها حتى واجهته ، قائلاً بنبرة جادة جافة:
"مش قبل ما تفهميني ايه حكاية اللي اسمه احمد دا وايه سبب تصرفاته الغريبة معاكي؟"
سحبت أبريل نفساً مرتجفاً ، متحاشية النظر إلى وجهه الغاضب وهي تجيبه بصوت متوتر:
"ممـ مفيش حكاية ولا حاجة .. دا ابن خالي"
ضرب زاوية جبينه بنفاذ صبر بائن فى قوله:
"ماتطيريش البرج اللي فاضل في نفوخي وتطلعي شياطيني عليكي .."
تحدثت أبريل بهدوء محاولة الثبات امامه:
"باسم انا مش مستعدة لأي كلام دلوقتي"
أنهت جملتها وهي تتجه نحو الحمام ، لكنه تحرك خلفها ، معترضاً طريقها ، وتعابيره تدل على أنه فقد السيطرة على أعصابه ، نظرت في عينيه مذعورة ، وهو يهدر بإصرار صارم:
"هتقفي هنا دلوقتي قدامي وتفسريلي .. كل القرف دا من لحظة ما اتبليت بيكي ومفيش حكاية .. اخش الاقيكي في حضنه وتقوليلي مفيش حكاية .. هو انتي ايه شايفاني بريالة ولا مركب قرون ولا هصدق الدمعتين دول وابلع اللي حصل واخرس.."
انحنى باسم برأسه نحوها حتى صار وجهها موازيًا لوجهه ، ثم نفث بقية كلماته فى وجهها بفحيح:
"عايزاني اشوف مراتي وراجل بيتهجم عليها وانا اقف اصقفلك انتي وهو .. ايه هو حد قالك اني حاطط رجولتي في التلاجة؟!"
تراجعت أبريل خطوة إلى الوراء ، وهي تنفجر ضاحكة وبدأت الدموع تنسكب من فيروزيتها ، وكأنها على وشك الجنون قبل أن تقول بنبرة هازئة:
"هو انت ايه مابتشبعش من تمثيل دور الحبيب؟!!! بص حوالينا بص كدا احنا لوحدنا محدش هنا ومفيش كاميرات بتصورنا يا حضرة المخرج القدير"
أمسكها باسم من ذراعيها ، ليهزها بقوة محذراً اياها بحنق:
"بطلي تخرجيني عن شعوري معاكي عشان ماتشوفي وش تاني للمخرج القدير هيلخبطلك كل افكارك عني"
أبريل صائحة بتحدي لاذع:
"انت اللي بطل كدب شوية .. والحمقه الكدابة دي وفرها مش هتعرف تخدعني بيها زي ما بتعمل مع الستات للي بتعرفهم .. سيبني في حالي يا اخي سيبني في حالي انت مابتفهمش"
لم يعطها فرصة للإستيعاب ، وهو يطبق شفتيه على شفتيها ، كتم شهقتها داخل جوفه بعد أن سحبها من رقبتها ، لترتفع تلقائيًا على أطراف أصابع قدميها ، وسرّت رعشة غريبة في جسدها من طريقته المجنونة غير المتوقعة ، وحتى لا تفقد توازنها وضعت راحتيها فوق يديه ، فازداد ضغطه على شفتيها الرقيقتين بجنون وهو يدفن أصابعه في خصلات شعرها ، معمقًا قبلتهما بشغف مشتعل ، لم يكن يعلم هل يطفئ لهيب غيرته النارية منها بهذه القبلة أم يثبت لها ملكيته بها أم كلاهما معًا.
مرت لحظات قليلة قبل أن يشعر بضربات خفيفة منها على ذراعيه اللتين كانتا مازالتان تمسكان برقبتها ، ففصل القبلة وهو يشعر بحاجتهما للهواء.
أسند جبهته على جبهتها ، متلفظاً أنفاسه الحارة بصوت مسموع أرسل رعشة خفيفة فى عمودها الفقري ، قبل أن يسألها بهمس خطير:
"ودا كمان كدب وتمثيل ولا حقيقة؟!"
تابع باسم يهدر بغلاظة:
"انطقي ايه اللي بينك وبينه عشان يتجرأ عليكي كدا"
عادت أبريل برأسها للخلف ، وظهر الخجل جلياً على وجهها الذي اصطبغ بالأحمرار المغرى مع أنفاسها المرتبكة ، وزادت دقات قلبها من المشاعر الغامرة التي انخرطت فيها بقبلته المحمومة ، لكنها لن تقف مهزومة أمامه بعد أن عرفت ما يخفيه عنها ، فصرخت باستهانة جارحة و حقد مبطن:
"وانت مالك او تطلع مين و بأي حق بتسألني .. انت هنا مش مخرج المسرحية .. ومش هسمحلك تخرج حياتي علي كيفك .. انت مجرد كومارس بتمثل في قصتي .. انت مش بطل الحكاية دي ولا من حقك تحقق معايا وكأنك بجد خطيبي وغيران عليا"
زفر بغضبٍ مكبوت قبل أن يزمجر بوحشية:
"اللهم طولك يا روح .. طريقتك المستفزة وكلامك الجارح دا بطليهم يا ابريل فاهمة .. بطليهم والا اقسم بالله العظيم هطلع جناني عليكي واعرفك اذا ليا حق فيكي ولالا .. سامعة .. انا مش هستحملك اكتر من كدا و سؤالي تردي عليه بإجابة واضحة يبقالك ايه غير انه ابن خالك"
صمتت أبريل تفكر لبرهة ، ثم أجابت ببرود مميت:
"كان خطيبي وكنا بنحب بعض"
اتسعت حدقتاه غضباً ، وهو يهتف باستهجان مخيف غلب على ملامحه:
"انتي معجونة من ايه بالظبط؟ عمالة تتنقلي من واحد لتاني .. عشان كدا ما صدقتي بتسيبي مصطفي .. وكنتي مصممة تهربي من بيت ابوكي يوم خطوبة اختي عشان تروحي للحيوان دا"
تقلصت ملامحها من قسوة كلماته ، وبدموع حارقة بللت شفتيها لتذوق طعمها المالح ، وارتجفت نبرتها ما إن قالت بسخرية حزينة:
"برافو عليك والله تحليلاتك عظيمة اوي .. بس ناقصها شوية تفاصيل بسيطة .. اللي بحبه دا لما اتحط تحت ضغط بسيط اتخلي عني .. اتجوز صحبتي بعديها شهرين عشان يربيني .. ويمكن هو اللي خلي مرات مصطفي تيجي وتقولي انه عايز يتجوزني عليها .. وهو برده اللي خلي مراته اللي هي كانت صحبتي تيجي لحد هنا عشان تقنعني اتجوزه عليها"
ابتلعت تلك الغصة التي تشكلت في حلقها قبل أن تواصل شرحها له بأسى مرير:
"نسي ان دا مستحيل يحصل نسي ان استحالة افكر اخلي بنته تعيش نفس عذابي اللي طول عمري عايشة فيه ومحدش حاسس بيا ولا بقهرة قلبي .. دا كله كوم وامه اللي مكنتش بتفوت مناسبة او فرصة الا لما تفكرني اني منبوذة من ابويا وامي واي موضوع يتفتح تنتهزه عشان تحسسني ان مانفعش لأبنها .. لحد ما وصل بيها انها تقومه عليا عشان كمان مكملش تعليمي وتبقي قضت عليا خالص .. و لما روحت افهمها اني مش عدوتها زي ماهي فاكرة و تعتبرني زي بنتها و اني مش قاصدة اعصيه عليها ضربتني بالقلم .. ماقدرتش استحمل دا كله وسيبت كل حاجة وجيت هنا"
ما إن أنهت حديثها حتى ركضت إلى الحمام ، بينما وقف باسم للحظات متجمدًا في مكانه قبل أن يتقدم نحو الباب بخطوات بطيئة ، وهو يستمع إلى شهقاتها الخافتة فرفع قبضته عازمًا على طرقه بتردد ، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة ، وغادر الغرفة بهدوء ، بينما أبريل بالداخل أحست به يرحل فزاد بكائها حزناً ومشاعر متناقضة تغلي في داخلها ، كم كانت تود أن ترمي نفسها بين أحضانه وتختبئ فيه ، لكنها ببساطة لم تستطع أن تفعل شيئاً سوى مهاجمته والرد عليه بلسانها الحاد الذي يحمي قلبها منه ، ربما تريد أن تبرد قلبها الذي نسي كل ما يحدث حولها ، وبدأ ينبض ولعاً به ، وتمنت للحظة لو لم تسمع من أخته وقريبته ما يربطه بعلاقة قديمة مع أختها.
أمسكت قلبي بين راحتيك ، وكسرته بدم بارد ، فأحسست بكل زاوية منه تتحطم ، وأنا ألتمس رحمتك لأنال المزيد من قسوتك ، والمضحك أنني كنت أقنع نفسي بجدوى المحاولة فى حبك الذي يتجدد بين خفقة وأخرى داخل ضلوعي ، والآن بت أضعف من كل شيء وأكثر هشاشة من وردة على الرصيف ، مسحوقة تحت أقدام جبروتك.
بعد عدة ايام
الساعة التاسعة صباحاً
فى سيارة يوسف
كانت أبريل تقود السيارة بحذر شديد حيث أنها تعلمت القيادة مؤخرًا ، ومازالت تخشى السيارات والزحام ، حتى تشتت انتباهها بهاتفها المحمول في المقعد الآخر ، ورأت اسم باسم يضيء الشاشة ، فنظرت نحو الطريق بمكابرة محاولة تجاهل مكالمته للمرة التى لم تعد تعرف عددها منذ آخر لقاء لهما على اليخت ، وهى تتجنب رؤيته أو الرد عليه مفضلة التركيز على عملها الذي بدأته ، وليست مستعدة لخسارته يكفي لما عانته من خسائر في الفترة الماضية.
رن الهاتف مرة أخرى ، فتأففت بغضب ، وهي تلتقطه ومقررة إغلاقه تمامًا ، وعندما نظرت للأمام فوجئت بسيارة تسد الطريق ، ومن فرط توترها لم تستطيع أن تتحكم في عجلة القيادة ، فاصطدمت بها من الخلف بقوة فتوقف قلبها رعبًا.
تنفست أبريل بعمق محاولة التحكم في أعصابها حتى تتمكن من التعامل مع الموقف الجديد الذي ورطت فيه ، ثم نزلت من السيارة ، واقتربت من الرجل الذي كان يقف ، وظهره لها يتحدث إلى شخص بجانب مؤخرة السيارة ، وعندما حمحمت بصوت خافت التفت إليها ، فتبخرت شجاعتها الواهنة وهى تجد نفسها واقفة وجها لوجه مع رب عملها ، تأملت مظهره الذي كان غاية في الوسامة بالبدلة الرسمية مع نظارته الطبية التي أعطته جدية جذابة.
"كنتي سرحانة في ايه يا باشمهندسة؟"
سألها دياب ساخراً بنبرته الرجولية المميزة ، وهو يضبط النظارة الطبية ، فضاعت الحروف من شفتيها قبل أن تقول بنبرة آسفة:
"مستر داغر!! أنا آسفة أوي أوي .. والله مكنتش شايفة و.."
قطعت بقية تبريرها ، وهي تنظر إلى السيارة بنظرات قلقة ، ثم تابعت الاستفسار بخشية:
"هي خبطة صغيرة مش كدا؟"
أوشك العامل على وشك بالرد عليها ، لكن دياب سبقه في الحديث بحزم لا يخلو من السخرية:
"شايفة ايه؟ طبعاً مش صغيرة"
جحظت فيروزيتها بصدمة ، مرددة بوجل:
"يا خبر .. طيب ممكن تشوف حضرتك هيتكلف كام تصليحها وأنا هدفع"
هتف دياب بعصبية ، وهو يحدق في انحناء السيارة الواضح:
"استغفر الله العظيم على الصبح .. دي لسه جديدة .. أو يعني كانت جديدة قبل ما تخشي فيها بالغشومية دي"
تجلجفت شفتاها حزناً وهلعا ، وهي تقول بصوت متحشرح مليء بالحرج:
"والله أنا ماكنتش بقصدي كنت مستعجلة وعاوزة الحق الميتنج .. طيب لو ينفع حضرتك صلحها وأنا هدفعلك اللي هتقول عليه؟!"
تبدلت تعابير وجهه الصارمة إلى تعابير هادئة ، عندما رأى الذعر واضحا على ملامحها مع فيروزيتها الدامعة ، فنطق بما جعل العامل يجحظ ببلاهة:
"تدفعي ايه؟! أنا كنت بهزر معاكي مفيش حاجة كبيرة"
ضيقت عينيها بعدم تصديق تجلي فى قولها ، وهى تشير إلى الإنعواج:
"بس دا؟"
"دي ولا حاجة ما أثرتش على العربية"
"بجد!"
ارتسمت ابتسامة هادئة على فمه ، وهو يراقب تعابيرها الرقيقة ، بينما أكد لها بإيماءة من رأسه ، فوضعت يدها على صدرها تستشعر ضجيج دقات قلبها ، ثم تمتمت بارتياح:
"الحمدلله"
"خلاص أهدي محصلش حاجة"
"أصلي بصراحة دي أول مرة في حياتي أخبط عربية حد ولسه كمان متعلمة السواقة جديد"
خاطبها دياب بتفهم متريث:
"معلش دايماً أول مرة في كل حاجة مابتكونش سهلة"
تكلمت أبريل بتلقائيتها العنيدة:
"فعلاً بس بغض النظر الخبطة تستاهل أو ماتستاهلش أنا هدفع تصليحها وأنا آسفة أوي يا مستر داغر"
"خلاص يا باشمهندسة مش مستهلة وكفاية اعتذارات انتي اعتذرتي كتير أوي"
أنهى حديثه بحزم بارد جعلها تصمت مستسلمة ، ثم نظر إلى شاشة الهاتف محاولاً إخفاء ضيقه من مناداتها له باسمه توأمه ، ثم تابع بنبرة جادة:
"احنا اتأخرنا يلا نلحق الميتنج وخلي الڤاليه يركن العربيات"
أومأت أبريل له بالموافقة وهى تتحدث بسرعة:
"تمام لحظة هجيب شنطتي من العربية"
بوقت الظهيرة
فى منزل فهمي الهادي
داخل غرفة ريهام
انقلبت على جانبها في السرير ، وهي تسمع رنين الهاتف الذي أيقظها من غفوة متقطعة مليئة بالقلق والكوابيس ، لترى الشاشة تضيء برقم مصطفى ، ما إن ضغطت على زر الرد حتى جاءها صوته المنزعج قائلاً:
"ما بترديش عليا ليه كلمتك كتير؟!"
ريهام بفتور:
"تعبانة شوية"
مصطفي بسؤال:
"خير مالك؟"
"مصدعة وعندي سخونية أظاهر أخدت برد"
"سلامتك .. طيب إيه آخر الأخبار؟"
تنهدت ريهام ببطء ، قبل أن تجيبه بضيق:
"لميس نفذت اللي قولتلها عليه بالحرف زي ما كنا عايزين"
سأل مصطفى علي الفور:
"كويس أوي وايه النتيجة؟"
"معرفش بس مفيش جديد"
تساءل مصطفى بنبرة ممتعضة:
"يعني اللي حصل كان على الفاضي .. إيه ما فهمتش إنه كان بيجري وراكي قبل ما يخطبها ولا إيه؟"
رددت بإنزعاج من صوته العال:
"معرفش أنا بقالي كذا يوم مابتحركش من السرير"
مصطفي بهدوء:
"خلاص لما تتحسني هنتكلم تاني"
"طيب"
رمت ريهام الهاتف بجانبها في ملل ملحوظ ، وهي مستلقية على السرير ، وعيناها مثبتتان في السقف في شرود ، لم تكن مريضة كما ادعت ، لكنها منذ يوم الخطوبة لم تخرج ، ولم تذهب إلى العمل ، ولم تكلم أحداً ، ولم ترغب في رؤية أحد ، كان عقلها يعمل ويدور بلا توقف في حيرة ، لم تشعر لحظة بالراحة منذ رأت داغر بطل كوابيسها ، متأكدة من أن ظهره ليس طبيعياً ، وأنه عاد بالتأكيد لسبب ما ، لدرجة أن الخطط التي رسمتها مع مصطفى لم تعد ذات أهمية كبيرة بالنسبة لها ، فهي من خططت لما حدث في يوم الخطوبة مع لميس التي لم تنس رؤيتها باكية في خطوبة هالة ، وهي تشاهد باسم يقبل أبريل ، فاستغلت الفرصة وسممت أفكارها تجاه أبريل بأنها تريد استغلال باسم حتى تتخلص من خطوبة مصطفى ، ولأنها لا تحبه ، لذا عندما تسمع عن علاقتها السابقة مع باسم ستهرب منه ، لكن باسم فاجأ الجميع بعقد قران عليها.
لم تهتم بما حدث بعد ذلك بين باسم وأبريل ، كل ما شغل تفكيرها هو داغر الذي لم تستطع إخراج ابتسامته الشيطانية من ذهنها ، ومهما حاولت إنكار حدسها وعدم تصديق الأفكار التي تأتيها لا تعرف.
وما هو العائق؟ لقد توفيت زوجته الحبيبة عشيقته بعد صراع طويل مع المرض ، وبالتأكيد الآن لا شيء يمنعه من أخذ عمر منها ، وهذه بالفعل كارثة كبرى وفضيحة لم تتوقعها منذ ابتعدت عنه ، وانقطعت أخباره عنها معتقدة أنه لا يريد رؤيتها مرة أخرى ، بعد محاولاتها لإقناعه بأنها تحمل طفلاً من صلبه وليس من زوجها.
لقد سئمت من التفكير ، وهي جالسة على جمر الانتظار كلما رن هاتفها تنظر إليه بعيون مرتعبة ، معتقدة أن المكالمة منه ، لكنه لم يظهر بعد ولم يسمع منه شيئاً ، وهذا يقلقها أكثر فأكثر.
لاحقاً
في منزل صلاح الشندويلي
داخل غرفة باسم
"هو انت هتفضل راقد كدا يا خالو .. مش متعودين منك على كدا؟!!"
قالت تلك العبارة بصوت مرح لفتاة في الخامسة عشرة من عمرها وهي تدخل غرفته ، فأجاب باسم بتكاسل:
"مدغدغ على الآخر يا كارلا"
"الف سلامة عليك يا بيسو"
تابعت كارلا بتساؤل ، مشيرة الى صينيه الطعام علي المنضدة بجانب الشرفة:
"ايه دا الاكل زي ماهو؟!"
تحدث باسم بنبره واهنة:
"تصدقي من كتر الوجع في عضمي ما قادر حتى اوصل لحد الكرسي عشان اكل"
جلست بجانبه على السرير ، تداعب شعره الناعم برقة ، مقوسة فمها بلطافة قائلة بلهجة تخللها التبكيت:
"صعبت عليا اوي والله .. بس انت اللي عملت بطل و رميت نفسك في النيل"
رمقه باسم من زاوية عينه ، وهو يلكزها فى ذراعها رافعاً زاوية فمه بإستياء انبلج بصوته:
"بطلي تقطيم في اللي جابوني يا عديمة الاحساس وقومي هاتي الاكل هنا"
صدحت ضحكاتها المتسلية ، وهى تنهض من مجلسها ، ثم اخبرته بمرح:
"بس كدا و هأكلك بإيدي أنا ليا كام اونكل هو واحد بس"
اتسعت الإبتسامة علي محياه الوسيمة هاتفاً بحماس:
"انتي روحي والله دايما اقول كارلا مفيش أحن منها"
اسرعت كارلا بالتقدم من المنضدة ، وهى ترد عليه بصوت خجول:
"ما تقولش كدا دا واجبي .. الله ايه الحلاوة دي"
صاحت كارلا بإنبهار ، وهى تتطلع إلى الطعام بأعين تلتمع بالحماس ، فقال باسم بإستفسار وهو يشعر بالجوع الشديد:
"ايه اللي في الطبق عندك أنا شامم ريحة فراخ مش كدا؟!"
"فراخ وخضار سوتيه و.."
أكمل باسم عبارتها ، وهي يرفع رأسه يريد معرفة محتوايات الصينية بينما جلست على الكرسي وشرعت بتناول الطعام:
"معاهم رز؟!"
أكدت له كارلا بصوت متقطع من الطعام الذى تمضغه داخل فمها:
"اه وفي شوربة لسان عصفور كمان من اللي انت بتحبه"
"يا عيني جريت ريقي يا قلبي ما تيجي هنا وتاكليني بقي"
"عينيا بس لحظة بس ابلع اللي في بوقي"
بعد عدة دقائق
غمغمت كارلا بإرتخاء ، وهى تمسح فمها بمحرمة ورقية:
"الحمدلله دا أنا كنت جعانة بشكل"
باسم بغيظ:
"كانت حلوة الشوربة؟"
كارلا بتأكيد مستفز:
"جدا جدا عايزة أقولك دي فوايدها كتير أوي وهي دي اللي ترم عضمك"
دمدم بسخط:
"رمي يا اختي رمي هتجبيه من برا طالعة لأبوكي"
أمسك باسم هاتفه يعبث فيه بعصبية موجهة نحو التى تتجاهله بقلب كالثلج.
أيتها المتمردة ، تنسجِ مؤامرة على قلبي العاصى حتى أوقعتيه في شباك عشقك ، ثم تركتني عاجزاً عن النبض إلا بأمرك.
في مساء هذا اليوم
داخل المستشفي عند هالة
تجلس فى مكتبها بوقت الراحة ، وهي تراسل هدير عبر تطبيق الرسائل النصية "الواتساب"
"مشغولة ولا ايه يا دوك .. لو عطلتك اكلمك وقت تاني؟!"
"لا ابدا يا حبيبتي لسه مخلصة مرور على المرضى ايه اخبارك"
"والله زهقانة موت ... مش واخدة على القعدة البيت خالص وبفكر اروح نادي بدل الخنقة دي"
"فكرة حلوة انزلي غير جو"
"نفسي بس انا مش مشتركة في أي نادي"
"سهلة بكرا نتقابل واوديكي النادي للي أنا عضوه فيه و نعملك اشتراك يا حبي"
"بجد ميرسي اوي اوي يا هالة مش عارفة اقولك ايه بتعبك معايا"
"ماتبقيش اوفر اوي كدا عادي"
"حبيبتي ميرسي .. ايه اخبارك انتي وخطيبك؟"
"تمام الحمدلله .. هكلمك تاني بعد الشغل"
وضعت هالة مرفقيها على سطح المكتب ، وأسندت رأسها على قبضتيها المرفوعتين ، وأغمضت عينيها بتعبير ساكن ، لتجوب في ذاكرتها أحداث ذلك اليوم قبل أسبوعين ، حينما ذهبت إلى عيادة فريد الجديدة.
flash back
دخلت غرفة الكشف الطبي في عيادة فريد ، الذي نهض من خلف مكتبه ، مرحباً بها بابتسامة جذابة لم تخلُ من الدهشة في نبرته الرجولية:
"اهلا وسهلا يا دكتورة هالة ايه الزيارة الحلوة دي"
صافحته هالة برقة:
"معلش لو جيت من غير معاد بس حبيت اباركلك على العيادة"
"الله يبارك فيكي العيادة نورت"
"ميرسي جدا اتفضل.."
قدمت له علبة مستطيلة ملفوفة بأناقة ، فأخذها منها مبتسماً فتحها أمامها بهدوء ، قائلاً بعذوبة:
"ليه تعبتي نفسك؟"
أجابته هالة بلطف:
"دي حاجة بسيطة عشان ربنا يحفظك ويباركلك في شغلك"
ثم فريد المصحف بحب ، ثم تمتم بابتسامة زينت ملامحه الوسيمة:
"احلي هدية"
تحرك فريد يفسح لها المجال قائلا بلباقة:
"اتفضلي ارتاحي"
جلست هالة على الأريكة واضعة حقيبتها بجانبها ، بينما تقدم فريد وجلس على الكرسي المقابل لها مخاطباً إياها بنبرته الهادئة:
"عارف انك واخدة علي خاطرك من اخر مرة اكلمنا فيها واسف لو كنت زودتها شوية معاكي"
"حصل خير .. وكان معاك حق في اللي قولته أنا دخلت أموري الشخصية في شغلي لدرجة إني أهملت وقصرت فيه"
"المهم إنك حاسة نفسك أحسن دلوقتي"
"الحمدلله"
أومأ لها بتفهم متحدثاً بجدية تليق به:
"الأزمات اتخلقت معانا واحنا لازم نقع في مطبات ونمر في حياتنا بضغوط ومشاكل تعطل عقلنا عن التفكير .. بس مهما كان مكنش من حقي أكون حاد في كلامي معاكي فياريت تقبلي اعتذاري للمرة التانية"
كانت على وشك أن تتحدث ، ولكن باب الغرفة انفتح فجأة ، ودخلت هدير مثل سهم انطلق من قوس ناري:
"السكرتيرة اللي برا دي لازم تغيرها يا فريد دي مكنتش عايزة تدخلني"
أنهت هدير كلماتها الغاضبة ، وهي تنظر إلى الفتاة التي دخلت خلفها بإستيعلاء ، فتحدث فريد بزفير:
"معلش اتفضلي انتي يا آنسة حلا"
سبقته هدير بالحديث مشيرة إلى هالة برأسها بشك متعجب:
"ايه دا احنا اتقابلنا قبل كدا في المستشفي مش كدا يا دكتورة ..؟!"
تابعت هدير بذات النبرة موزعة بصرها بينهم:
"مش انتي دكتورة برده ولا عندك كشف أصل السكرتيرة قالتلي عن عندك كشف"
فرك فريد حاجبه مجيبا اياها بضيق:
"دكتورة هالة وهدير اااا"
استكملت هدير عبارته بسرعة:
"أنا هدير خطيبته"
شعرت هالة بغيرة هدير منها ، فانفرجت شفتاها بابتسامة عذبة ، وهي تنهض من مكانها ، قائلة بصوتها الناعم:
"أهلاً وسهلاً .. معلش هستأذن منكم .. جيت أبارك للدكتور على العيادة وأعزمه على خطوبة أخويا ويا ريت تيجي معاه لو تحبوا"
لمعت عينا هدير بالحماس ، ثم نظرت إلى فريد بتردد ينبعث من نبرة صوتها:
"أنا عن نفسي أحب نحضر أوي .. بس فريد ملوش في جو الحفلات والأفراح"
شعرت هالة أنها استعجلت بالحديث ، فنظرت إليه بإرتباك ظاهر في كلماتها:
"إذا فيها إزعاج ااا.."
قاطعها بلهجته الرزينة:
"هنحاول نحضر .. ألف مبروك يا دكتورة"
"الله يبارك فيكو واتشرفت بمعرفتكم"
مدت هالة يدها لتصافحه ، ثم صافحت هدير ، وقالت بابتسامة قبل أن تغادر بهدوء.
back
ومنذ ذلك الحين وهدير تزورها بشكل متكرر في المستشفى ، ومن خلال الحديث معها فهمت أنها تريد إقامة صداقة معها ، وبالرغم من إندفاعها إلا أنها مثل الطفلة لا تضمر الخبث داخلها ، لذا شعرت بالمسؤولية تجاهها لأنها صغيرة وغير ناضجة فكريا ، وربما فعلت ذلك لأن في أعماقها تريد الهروب من مشاعر اصبحت تراودها مؤخرا تجاه فريد ، والتي تخشى التورط فيها رغما عنها ، لأنها لم تتعافَ من علاقتها السابقة وتحتاج إلى وقت لتهيئ نفسها نفسيا وعقليا لخوض تجربة أخرى ، وفي حفل خطوبة باسم فور أن شعرت أن الأخرى تغار على خطيبها من حديثه معها ، قررت أن تخترع قصة من خيالها وتخبرها بأنها مخطوبة ، وأن شجاراً عادياً حدث بينها وبين ياسر ، ثم تصالح معها سريعاً وعادت علاقتهما جيدة ، وهذا ما نقلته لفريد أيضاً ، وما دعمها أمامهم لتصدق كلامها أن ياسر كان أحد المدعوين للخطوبة ، وارتاحت لأنه ترك عمله في المستشفى وذهب إلى آخر ، فلم تعد مضطرة للتعامل معه أمامهم بعد الآن ، أو أمام فريد تحديداً ، الذي وضعت حدوداً رسمية بينها وبينه لا تتجاوز الزمالة ، وهي الآن تشعر بالراحة نتيجة لذلك.
بعد مرور يومين
في منزل مني
"عال أوي باين عليكي صحتك بقت أحسن كتير من آخر مرة شوفتك فيها"
أنهت وسام جملتها بإريحية ، تزامناً مع وضعها لفنجان قهوتها على الطاولة الصغيرة ، وهي جالسة في غرفة المعيشة مع منى ، التي تمتمت بابتسامة أظهرت محبتها إليها على وجهها الهادئ:
"الحمدلله"
"لو إني واخدة على خاطري منك جدا يا مني ومش أنا لوحدي صلاح وباسم كمان زعلوا لما محضرتيش الخطوبة"
"غصب عني يا طنط انتي عارفة غلاوتكم عندي كبيرة بس مقدرتش لسه حاسة إني ما اتعافيتش"
"لسه ما اتعافتيش ولا كنتي خايفة تشوفي عز؟!"
بلعت مني ريقها متجاهلة تزايد دقات قلبها بحنين حين سمعت اسمه وسألتها بمكابرة:
"هو امتى هيبعتلي ورقتي؟"
وسام بتنهيدة:
"والله يا مني هو لحد دلوقتي ما رجعش من السفر"
منى بنبرة متذمرة:
"بس هو طال أوي أنا طلبت منه الطلاق من أكتر من شهر ونص والأيام بتفوت وهو لسه مسافر يا طنط وسام .. كدا هضطريني أخلي المحامي يمشي في إجراءات القضية"
وسام بلوم:
"مش معقول يا مني ليه كدا يا حبيبتي توصلي الأمور بينكم لكدا؟"
"حاولنا نخليه يطلقني ودي بس هو كعادته بيتهرب"
وسام بدفاعية حانية:
"مهما كان ماتوصلش للمحاكم انتو أكبر وأعقل من كدا واللي بينكم سنين وحب يستاهلو تفكري عشانهم .. هو أكيد مطول سفره ومش عايز يرجع عشان يديكي مساحتك في التفكير وتبقي على حريتك .. مع إنّي متأكدة إن نفسيته مش أحسن حاجة وإنتي بعيدة عنه .. ولا حتى دعاء متظبطة من وقت اللي حصل وهي مابتخرجش من بيتها حتى هي كمان ماجتش الخطوبة ومحملة نفسها ذنب كل اللي حصل"
تجمعت الدموع بمقلتيها ، وتحدثت بصوت مهتز من فرط إنفعالها:
"هي ماكنتش هي السبب الوحيد يا طنط وأنا ما صدقت قدرت اطلع خطوة في شغلي ورجعت للأوبرا تاني ومعنديش استعداد أجي على نفسي تاني عشانهربت"
تنهدت وسام على كفها مؤيدة إياها ببسمة حلوة:
"ودي حاجة كويسة أوي وطبعاً بشجعك عليها ومتأكدة إنه لما يشوف تمسكك بالحاجة اللي بتحبيها هيوافق عشان مش هيبقا عايز يخسرك تاني .. ولما يرجع هخليه يكلمك واقعدوا واتفقوا على اللي هيريحك وحطي شروطك وهو لو بيحبك هيعملها ولو رفض خلاص يبقا على الأقل عملتي اللي عليكي"
تنفست وسام بعمق ، وهي تنهي جملتها ، فأومأت لها منى برأسها بابتسامة مترددة.
تبدأ قوتك عندما تستطيع أن تأخذ قرارات عكس رغبتك لمجرد أنها الصح حتي لو أتعبتك.
مساءاً
في إحدى المطاعم
سأل ياسر بهدوء:
"يعني إيه وافقتي!! مش كان البني ادم دا اتقدملك ورفضتيه إيه اللي غير رأيك؟"
هزت يارا كتفيها ، وأجابت سؤاله بسؤال آخر ، متجنبة النظر في عينيه المترقبتين:
"وفيها إيه أظن دي حاجة ترجعلي..؟!"
ياسر مستفهماً بإقتضاب:
"ترجعلك إزاي مش فاهم؟"
رفعت يارا عينيها العنبريتين نحوه ، تتأمله بنظرة حادة انجلت في لهجتها:
"يعني دي حياتي وأنا حرة فيها يا ياسر"
استفسر بلهجة منزعجة عبرت عن دهشته من معاملتها له بهذا الجفاء ، كأن نظراتها العاطفية إليه ذابت في بحار النسيان:
"والله وكلامك ليا .. إيه نسيتيه بالسرعة دي؟!"
اتكأت يارا إلى الخلف بظهرها ، وانبلجت امارات السأم على ملامحها الناعمة من تهربه ، فواجهته بصراحة:
"لا مانسيتش .. بس ماظنش إن غير حاجة .. خصوصاً إن انت وهالة سيبتو بعض بقالكم مدة وانت لسه واقف محلك سر يا ياسر"
تابعت بنبرة جدية:
"كفاية أضحك على نفسي .. كفاية أضيع حياتي وأنا عايشة لواحد مش شايفني ولا هيشوفني .. وخلاص أنا قررت أفوق من الوهم اللي معيشة نفسي فيه"
هز ياسر رأسه بالسلب ، وأخبرها بلهجة لينة:
"مين قالك إني مابفكرش فيكي يا يارا .. أنا بس كنت محتاج وقت أرتب فيه أفكاري ومشاعري و.."
سألته يارا بملامح متصلبة:
"وقدرت ترتب نفسك وتعرف انت عايز إيه؟"
اقترب منها بجذعه عبر الطاولة ، ليحتضن يدها بكفه ، مؤكداً لها بنبرة حنونة:
"أيوه يا حبيبتي أنا بحبك يا يارا وإنتي الوحيدة اللي مقدرش أعيش من غيرها وبكره هكلم مامتك ونتفق.."
شعرت بدفء كفه فوق كفها البارد ، فسحبت يدها ببطء ، ثم هزت كتفيها ولم يعد الأمر يعنيها متحدثة بنبرة جامدة:
"للأسف اتأخرت أوي يا ياسر .. خلاص أنا ومجدي قعدنا واتكلمنا وتقريبا اتفقنا على كل حاجة وهنتجوز بعد شهر عشان هسافر أمريكا معاه"
فغر ياسر فاهه يستوعب كلماتها مما جعله يشعر بحرقة في قلبه قبل أن يضرب الطاولة ، وخرج من فمه زمجرة مشحونة بالشراسة وعقله يكذب أقوالها:
"انتي اتجننتي يا يارا يعني إيه بين يوم وليلة عايزة تتجوزي وتسافري كمان ومن نفسك بتقرري"
صدحت ضحكات يارا بإستهزاء لاذع:
"يوم وليلة أظاهر إن عندك مشكلة في العد يا دكتور الكلام دا عدى عليه أكتر من شهر ونص"
زفر ياسر بضيق مستكملاً حديثه بنبرة هادئة محاولا امتصاص غضبها:
"ما تخليش زعلك مني يخليكي تعملي حاجة تندمي عليها بعدين يا يارا قولتلك أنا كنت محتاج فرصة ا..."
قاطعته يارا بإنفعال:
"أنا كنت فرصتك يا غبي ومهما ندمت مش هيكون أكتر من الندم اللي حسيته بسببك يا ياسر"
ياسر مستفسراً بنفاذ صبر:
"يعني إيه الكلام دا؟!"
طوت يارا ذراعيها أمام صدرها ، وأخبرته بحزم ورسمت ابتسامة حجرية على شفتيها:
"اتمنالي الخير يا ياسر بلاش نختمها بينا بزعل .. إحنا أخوات وأصحاب وعشرة سنين طويلة وأنا عايزك تكون شاهد على كتب كتابي"
صمت ياسر لحظة وكلماتها الباردة أحرقت كبرياءه بنيران ضارية ، فابتلع غصة مريرة علقت في حلقه قبل أن يسألها بصوت أجش:
"متأكدة من كلامك دا يا يارا؟"
أومأت له برأسها ايجاباً ، فلم يتحمل أكثر وقام من مقعده تاركاً المكان في غضب عارم ، فأدارت رأسها للخلف تحدق في طيفه بنظرة حزينة لكن صوت عقلها أخبرها أنها على صواب فقد كان يجب أن تضع حداً لهذه العلاقة السامة منذ وقتاً طويل ، وأن تجعله يندم على اعتقاده أنها مضمونة مهما فعل بها ، فهو لا يستحق حبها وصبرها معه ، والآن فقط تشعر أنها استعادت حقها وكرامتها منه بعد أن رفضته تماماً.
لم يكن نزع الودّ سهلًا لكنها المواقف التي عزَّت عليك فيها نفسك تجبرگ على نزع حتى اللحظات المتجذّرة في أعماق ذاكرتك.
في منزل مرجانة
داخل غرفة نادية
"و بعدين في قعدتك ديا"
استمعت نادية لسؤال أختها ، وهي تشعل الضوء في الغرفة بعد أن كان يغمرها الظلام الدامس ، فأجابتها بضيق دون أن تفتح عينيها:
"طفي النور واخرجي عايزة أنام يا سمرا"
استفسرت سمر بحنق ، وهى تجاورها علي السرير:
"أنا اللي عايزة أعرف وبعدهالك هتفضلي مقضياها نواح كدا وحابسة روحك دا كله هيفيد في إيه"
تغضن جبين نادية بإنزعاج تجلى في صوتها ، وهى تستقيم بظهرها فجأة:
"و انتي مالك أنا كنت قاعدة على دماغك أنا في بيت بابا؟!"
"في إيه يا بت يا نادية ماتكلمي مع اختك عدل"
قالتها مرجانة بغضب لائم بعد أن دلفت عليهم ، فصاحت نادية بصوت عالٍ:
"أنا مش عايزة أكلم أصلاً سيبوني في حالي"
مرجانة بحزن تشكو إلى ابنتها الكبرى:
"آهى على الحال دا من يوم ما جت هي وبنتها يا سمر .. منه لله احمد وعمايلو السودة"
"هي اللي اختارت وهي اللي جابته لروحها مع إنّي من الأول قولتلها بلاش الراجل دا"
استأنفت سمر حديثها بلوم شديد ، وهي توجه نظرها نحو نادية التي تجنبت النظر إليها ، وعضت على شفتها بقوة ، تمنع دموعها من الهطول:
"فاكرة قعدتي تقوليلي إيه؟ قلبي متعلق بيه ما صدقت جه وخبط على بابي وهبقى مراته .. اتفضلي اديكي بقيتي مراته بس قلبه فضل يحب واحدة تانية وإنتي عارفة وكل ما يكون معاكي تحسيه بيفكر فيها .. مهما كان بيعاملك حلو وبيدلعك دايماً حاساه شايفها فيكي .. وإنتي كل ما تتأذي وقلبك يوجعك من حبه ليها تحسي نفسك أضعف من إنك تبعدي عنه"
"كفاية..."
"فضلتِ راضية بالفتافيت ومطنشة كرامتك لحد ما داسها لما شبع وإنتي غبية جرك في إيده عشان تقنعيها تجوزه وروحتِ معاه"
قفزت نادية من الفراش بغضب ، وهي تهتف بصوت محتد رافضة الإستماع لها:
"اسكتي بقولك اسكتي"
هتفت سمر من خلفها بتصميم يكسو ملامحها الرقيقة:
"سكت كتير لازم حد يفوقك هو عمره ما هيشوفك عشان قاعدة تحت رجله ومحدش بيبص تحت رجله"
رددت نادية بصوت مختنق بالعبرات:
"اسكتي يا سمر .. كلامك بيوجعني .. ونبي تسكتي"
راقبت سمر بكاء أختها بحزن وقهر لاح في كلماتها ، وهي تربت على كتفها في مواساة:
"برده بتقولي اسكتي .. يا حبيبتي انتي هنا فارقة روحك من العياط عليه وهو بعد ما رجعتو من عند المزغودة دي قالك روحي اقعدي عند امك معناها إيه دي؟!"
تهربت نادية من نظرات اختها قائلة بإحباط:
"معرفش"
"لا عارفة .. و دا اللي رعبك بالمنظر دا .. هو بيقولك مش عايزك بالطريقة و رماكي هنا .. بس يوم ما يهفو مزاجه ويشاورلك إيه هتدوسي على كرامتك تاني وتجري عليه ولا هتاخدي اللي فاضل منك وتبعدي بقا"
"انتي ليه مش فاهمه .. إن فيه ناس مش بتقدر تبعد ليه مش فاهمه ليه إن اللي بيحب بجد بيدوس على كل حاجة كل حاجة عشان اللي بيحبوه"
"وفي الآخر إنتي اللي بتدوسي على نفسك عشان خاطره هو أول واحد اللي هيدوسك"
"يا نادية حطي طرحة على راسك وتعالي؟!!!!"
صدح صوت أمها من الخارج ، فعبست نادية ، وهي تتبادل نظرات الاستفهام مع أختها التي سحبت الحجاب من على الكرسي ، وناولته لها ، ثم خرجا معًا ، وهى تضعه على رأسها بعشوائية ، لتسألها بحيرة:
"في إيه يا ماما؟!"
"تعالي شوفي مين عاوزك؟"
"نعم"
"انتي نادية عبدالسلام"
أومأت له بالإيجاب بحذر ، فأشار لها بالقلم قائلة برسمية:
"اتفضلي امضي هنا بالاستلام"
تساءلت مرجانة بقلق:
"فيها إيه الورقة دي يا بني؟"
جاء الرد بصوت نادية فى صدمة مدوية:
"احمد .. طلقني..."
"بنتي!!!!!!"
خرجت صرخة إرتعاب من فم مرجانة ، وهي ترى نادية تسقط فاقدة للوعي ، كأنها تاهت فجأة داخل طريق مظلم يدعى الحقيقة المرة ، ووحش مفترس يتربص بها ، ينتظر الناس السذج مثلها لإصطيادهم حتى يتدمرهم كلياً.
أمسكت قلبي بين راحتيك ، وكسرته بدم بارد ، فأحسست بكل زاوية منه تتحطم ، وأنا ألتمس رحمتك لأنال المزيد من قسوتك ، والمضحك أنني كنت أقنع نفسي بجدوى المحاولة فى حبك الذي يتجدد بين خفقة وأخرى داخل ضلوعي ، والآن بت أضعف من كل شيء وأكثر هشاشة من وردة على الرصيف ، مسحوقة تحت أقدام جبروتك.
رواية جوازة ابريل الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نورهان محسن
ظل يغالب شعوره المفتون بها بضراوة، دون أن يدرك أنها تعقبت بصمت سفينته الضالة بأمواجها الفيروزية، تلقى عليه تعاويذها السحرية حتى دبت خفقة تلو الأخرى في أعماقه الراكدة مثل ضياء فجر جديد، أوقظ عواصف هوجاء تجهر بإسمها عشقاً يأجج صدره بأحاسيس قوية تحررت في لحظة تشابك أرواحهم فى التحام يتحدى الزمن.
***
مساءاً
في سيارة باسم التي تشق الطريق الصحراوي بسرعة كعادته، أثناء عودته من تصوير خارجي لإعلان ليلحق موعده مع زوجته المتمردة التي سئم من تجنبها له في الآونة الأخيرة، حتى في التجمعات العائلية معاملتها له بها تحفظ بارد يثير حنقه بقوة، مستمرة في عدم الرد على رسائله ومكالماته العديدة لها حتى خضعت لرغبته اليوم، فقرر استغلال هذه الفرصة، وحجز طاولة في مطعم هادئ للاعتذار لها، وإنهاء هذا الركود القاتل لقلبه بينهما، فهو يعترف بتسرعه في حديثه الغاضب بخصوص اتهامه لها بأشياء مؤذية، لكنها أيضًا استفزت رجولته بحديثها عن حبها القديم لابن خالها الذي أجج نيران الغيرة في قلبه.
زاد من سرعة السيارة بعد أن ألقى نظرة خاطفة على هاتفه، حيث أشار إلى أنها وصلت الآن إلى المطعم من خلال الهاتف الذي أعطاها إياه، فهو مزود بنظام تتبع أو ما يعرف بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) حتى يتمكن من الاطمئنان عليها دائمًا.
خرج باسم من أفكاره، وهو يضيق عينيه الرماديتين الثاقبتين بهدوء في المرآة الأمامية، بينما لاحظ سيارتين تتبعانه من خلفه، وكان حدسه صحيحاً حين بالكاد ميز أرقام لوحة إحداهما في الضوء الخافت، وتمكن من التعرف على صاحبها.
أمسك الهاتف باليد الأخرى، ليضغط على تطبيق الرسائل النصية، مرسلاً عبارة إلى أحد الأرقام المسجلة قبل أن يبطئ السيارة التي كانت تلتهم الأسفلت من سرعتها العالية، مما جعل السيارتين تفعلان الشيء نفسه، ثم مرت لحظات قبل أن تتوقف جميع المحركات على الأرض، وتبعها خروج ثلاثة رجال ضخام البنية، تلاهم خروج باسم ومصطفى ووقف كلاهما أمام سيارتيهما.
ألقى باسم نظرة عابرة على أرجاء الصحراء المظلمة التي اخترقتها أضواء مصابيح السيارات حولهما، وهو يهز رأسه، مدركاً أن هذا اللقاء ليس مصادفة، قبل أن يتبادل نظرات التحدي مع الآخر قائلاً بثبات:
باين عليك مستلمني مخصوص من أول الخط!!!
لوى مصطفى شفتيه الغليظتين في ابتسامة باردة، مؤكداً حدس الآخر بصوت واثق:
لاقيتها فرصة عندي وقت فاضي ودا مابيحصلش كتير فقررت اقابلك ونخلص حساباتنا مع بعض.
أنهى مصطفى جملته، وهو يمشي ببطء نحوه، ليسأله باسم بإستخفاف، متكئاً بجسده على مقدمة السيارة:
ولسه فاكر تخلصها دلوقتي؟! مش شايف أن وقتها عدا من بدري..!!
أتم باسم كلماته ساخراً، فوضع مصطفى يده خلف ظهره المستقيم بعدما وقف أمامه، وأخبره بجدية:
معلش اتأجلت شوية بس ملحوقة ادينا قصاد بعض و..
قاطعه باسم ببرودة حازمة، وهو يحدق في ساعته التي قاربت على التاسعة مساءً، ثم نظر إليه مجدداً، رافعاً أحد حاجبيه:
توقيتك مش مناسب ليا يا مصطفي.. ورايا معاد مهم ومش عايز أتأخر.
نطق باسم هذه العبارة وأدار له ظهره، عازماً على التحرك، فشعر بيد مصطفى تمسك بكتفه العضلي، وهو يقول بإصرار لاذع:
استعجالك مالوش لازمة مش يمكن ماتلحقش معادك وتروحلها.. يمكن أنا أسبقك على هناك مثلاً.
لفظ مصطفى جملته الأخيرة، قاصد التلاعب بأعصابه، لكنه سيطر على انفعالاته الداخلية، وهو يواجهه بجسده، يطالعه بدهشة مزيفة تجلت في صوته الساخر:
دا احنا طلعنا أنا ومراتي تحت عينك وأنا معنديش خبر!!
ضحك مصطفى بجفاء مردداً بخشونة:
مراتك!! شايفك كدبت الكدبة ومصدقاها أوي يا ابن الشندويلي.. بس أنا سبق ووعدتكو لا انت ولا هي هخليكو تعيشو مرتاحين.
قال باسم بتهكم:
غلبان أوي وقليل الحيلة مفكر بمطاردتك ليها وتوصيتك عليها في الشغل عشان تترفض دا الانتقام في نظرك.
نظر إليه مصطفى في صمت غامض، بينما يقهقه باسم بإستخفاف قبل أن تتجعد ملامحه ببغض وهو يواصل حديثه:
مستغرب راجل زيك وفي مكانتك يعمل التصرفات اللي مفيهاش ريحة الكرامة دي إزاي بصراحة؟!
بادر مصطفى بالإندفاع نحوه، جاذباً إياه من ياقة قميصه الأبيض بعد أن فهم ما يرمي إليه، هاتفاً من بين أسنانه بنبرة محمومة بالحقد:
الراجل اللي زي هيعلمك معني الرجولة اللي أبوك نسي يعلمها لك.
اقترن جملته بضربة قوية أدارت وجه الآخر جانباً، وتجهمت ملامحه من شدة الألم، لبضع لحظات قبل أن تلوح ابتسامة هازئة على وجهه تتناسب مع كلماته:
وشادد وراك الجتت دول من السنتر بتاعك عشان يساعدوك في الكورس.
ثوانٍ من الصمت ملأت الجو بالخطر، ثم تابع باستفزاز متهور:
بايظة مش هتقدر عليا بطولك؟!
اختتم باسم عبارته بتحدي، مشيراً برأسه إلى الواقفين خلفه في تحفز صامت، فارتسمت ابتسامة جانبية على شفتي مصطفى، ليرد بنبرة جافة خطيرة:
يمكن مايحتجش الحوار غير رصاصة تمنها أرخص من حبة التراب اللي بدوس عليها.
ارتفعت ضحكات باسم في وقت غير صائب، يهز كتفيه بلا مبالاة، رافعاً أحد حاجبيه باحتقار امتثل في قوله:
يلا مستني إيه!! كفاية تضييع في وقتي ووقتك ونفذ على طول.. صدري مفتوح قدامك أهو يلا.
اتسعت الابتسامة على وجه مصطفى، تبين صف أسنانه المتساوية، وهو يستلم دفة الاستفزاز منه مهمهماً بتخابث:
باين عليها تهمك أكتر ما كنت متوقع ودا حلو هيخلي اللعب يسخن أكتر وزي ما لفيت عقلها بكلمتين أقدر أرجعها ليا تاني لحضني بكلمتين زيه.
تجمّدت رماديتيه بنظرة قاتلة، ثم سرعان ما تحرر ذئبه البربري من سباته، واقترب منه بأنفاس مشتعلة ناتجة عن كتلة الغيرة الحارقة التي تضخمت في قلبه، فأعمت بدخانها الكثيف عينيه الرماديتين الحادتين بالغضب وعاجله بلكمة عنيفة، وهو يصرخ بشراسة مخيفة:
سيرة مراتي ماتجييش على لسانك الوسخ.
رد مصطفى بركلة قوية في بطنه جعلته يئن من شدتها قبل أن يشتد شجار ضاري بينهما، وبدأ كل منهما في مهاجمة الآخر بضربات عنيفة بينما اقترب رجال مصطفى منهم بسرعة محاولين فض الاشتباك، ودفع باسم بعيدًا عن مصطفى وتقييد ثورته الهائجة بصعوبة، بينما نهض الآخر قائلاً بين أنفاسه الصاخبة:
والله فاجئتني وطلعت ليك في الرجولة بس عيبك مابتقدرش خصمك ولا بتديله حجمه الصح واخرة الاستهانة بيا لسه هتوجعك أكتر.
أكمل مصطفى حديثه الغامض، وهو يخفض بصره نحو السلاح الذي أخرجه للتو من خلف ظهره مردفًا بهدوء متهكم:
كان في نيتي أخلص عليك.
اللمعت سوداويتيه ببريق مخيف، حالما اتجه بنظره إليه، مستطرداً بنبرة قاسية ممتزجة بنيران الحقد:
بس ليه أقتلك والمتعة في تعذيب الفريسة ألذ بمية مرة.. وعشان أبوك يعز عليا.. هعمل فيك معروف يدوب هديك قرصة ودن خفيفة تحرمك تقرب لحاجة مش بتاعتك.. أما هي ليها معايا حساب تاني خالص هصفيه معاها بطريقتي.
يشعر باسم بسياط الهلع تجلد روحه بجنون، حالما رأى الخبث يلمع في عيني مصطفى، فاندلعت شرارات الغضب العاصف من عينيه الرماديتين محاولاً تحرير جسده المشتعل من بين أيديهم ليمزقه إرباً، لكن محاولاته باءت بالفشل، فكشر عن أنيابه مزمجراً بوحشية ذئب ضارٍ:
عايز أشوفك وأنت بتنفذ كلامك الخايب دا وبتتجرأ بس تقرب منها أو تأذي فيها شعرة وديني أقتلك.
قال مصطفى بتهكم:
شايف إن التلج داب والوش التاني بدأ يبان واضح إن اللي بينكو أكبر من اللي كنت متخيله ودا هيخليني أنفذ اللي بفكر فيه وعايز أتفرج عليك وأنت بتحاول تمنعني يلا جرب يا بطل وريني!!
حاول المقاومة سخطاً، لكن أحد الرجال فاجأه بضربة قوية على رأسه بالسلاح، فخرج تأوه مؤلم من بين شفتيه، وانهار جسده على الأرض وسط ضحك مصطفى الشماتة، الذي بدأ يركله تباعاً في بطنه وأنحاء متفرقة من جسده قبل أن يتراجع إلى الخلف بأنفاس متقطعة، ليكمل بقية الرجال بدلاً منه بعنف أكبر وسط تلويه، فهتف مصطفى بسخرية قاسية:
ها استوعبت الكورس ولا أخليهم يزودوا في الشرح عشان يدخل أكتر في دماغك!!؟
لم يتلق منه رداً، فأشار إلى رجاله بالتوقف، ناظراً إليه وهو ملقى على الأرض بجمود، فرفع باسم عينيه المشوشة، ثم تمتم بصوت خفيض ساخر، والدماء تسيل من فمه:
تعبان نفسك على الفاضي.
قال مصطفى ببرود:
ماتشغلش بالك بتعبي.. واطمن على أبريل مش هخليها تستنى عشان يدوب ألحقها.
نبش الرعب بمخالبه السامة في جدران قلبه ما إن سمع جملته، فشعر أن كل خلية في جسده تتفجر غضباً من قلقه عليها، مما جعله يحاول النهوض راغباً في اللحاق به، وهو يهدر بشراسة بين أنفاسه المتلاحقة:
اقف عندك يا مصطفي مالكش دعوة بيها.. خد حقك مني أنا يا جبان.
رد مصطفى بصوت غليظ مشوب بالبرودة، وهو يتجه نحو سيارته دون أن يلتفت إليه:
دي آخرة اللي تخونه ثقته في نفسه ويفكر يتحدي الأكبر منه.
***
بعد مرور نصف ساعة
بمنزل صلاح الشندويلى، داخل غرفة دعاء.
برزت حدقتاها من الدهشة فور دخوله المفاجئ، لتهمس بإسمه في نعومة:
صلاح...!!!
اندفع نحوها بسرعة يضم جسدها الفاتن إلى صدره بحنان ممزوج بالشوق:
لما وسام قالتلي إنك رجعتي من السفر جيتلك جري. انتي وحشتيني أوي كنت هموت وأضمك لي.
ما إن شعرت بلمسة شفتيه الغليظتين على رقبتها حتى سرت رعشة خائنة في سائر جسدها، لكن سرعان ما وعَت ودفعته برفق بعيداً عنها، وهي تتمتم بنبرة مبحوحة من قوة المشاعر التي تتصارع بداخلها:
صلاح ماينفعش وجودك هنا بليز اخرج.
قال باسم:
مالك يا دعاء؟
ردت:
تعبانة شوية من السفر وكمان أعصابي متوترة من وجود وسام ممكن تشوفك أو أي حد في البيت.
قال صلاح:
ماتخافيش محدش شافني.. في إيه هو أنا ماوحشتكيش!!
أعقب صلاح جملته بإنهاء المسافة بينهما، وارتشف عسل شفتيها المغريتين في قبلة استمرت ثوانٍ، معبراً عن مشاعره الشغوفة تجاهها قبل أن يبعد رأسه قليلاً متعجباً من تصلبها بين ذراعيه، الأمر الذي جعله يشعر بالريبة وهو يكرر سؤاله بغرابة:
في إيه مالك يا دعاء؟
حررت دعاء خصرها من بين يديه، وأجابته ببرود، بخلاف دقات قلبها الثائرة اشتياقاً إليه، لكن ألم روحها المعذبة بحب هذا الرجل الأناني كان أقوى بكثير:
أظن إني لسه مجاوباك.
طالعها صلاح بصمت قبل أن يهدر لا شعورياً بصوت عالٍ نسبياً:
لا دي مش حكاية تعب.. انتي متغيرة معايا وباين عليكي زعلانة عشان كدا بقيتي كنتي تعمدي تفضلي بعيدة عني.
انتفضت دعاء مذعورة جراء اندلاع فورة سخطه، لتقرب أصابعها من فمه محذرة إياه:
وطي صوتك.
قال صلاح:
خلاص ردي عليا في إيه!!
سحبت دعاء أناملها بهدوء من بين حضن أصابعه، وعقدت ذراعيها أمام صدرها بموقف دفاعي، وبشفتين مرتعشتين أخبرته بقهر حزين:
بجد ماتعرفش مالي.. ابننا حياته اتهدمت فوق دماغه في نفس الوقت اللي كنت سارق فيه كام ساعة من وقتك مع مراتك عشان تيجي تنام في حضني.. عايزني أكون عاملة ازاي؟
تصلبت عضلات جسده فور سماعه حديثها، بينما زفرت هي بحنق، وتابعت بمرارة:
بس خلاص مابقتش أستغرب من موقفك.. أنت حتى محاولتش حتي تقعد معاه أو تتكلمو وتهديه لو ربع ساعة من وقتك مابتديوش.. بس عندك وقت تشوف شغلك اللي مابيخلصش.. بتحل مشاكل هالة.. مشغول بجوازة باسم.. بس عز ولا كأنه موجود في قايمة مواعيدك وتحضيراتك.
جفل صلاح بشدة، وهو يستمع لمكنونات صدرها، فوجد نفسه ينكر هذا الحديث بإنزعاج:
دعاء بطلي الوساوس اللي بقيت مسيطرة على عقلك دي وشيليها من دماغك.. عز ابني زيه زيهم ويهمني زي ما يهمك بالظبط.. أنا كنت خارج من عندك دلوقتي وهعدي عليه عشان نتفق نروح لاهل مراته ونحل مشكلت...
تراجعت دعاء للوراء، بابتسامة ساخرة على شفتيها قبل أن تدير له ظهرها، وتتجه نحو سريرها، وهى تخبره بفتور شديد:
كتر خيرك والله العظيم أخيرا افتكرته بعد شهرين.. ماتتعبش نفسك لسه خارج من شوية.. عن إذنك محتاجة أنام.. وابقي خد بالك أحسن حد يلمحك طالع من أوضتي وتحصل مصيبة.
أشرقت عيناه السوداوان بسخط من قسوة كلماتها، ليستدير ويغادر بسرعة قبل أن يتهور عليها، عبر الممر بخطوات غاضبة دون أن ينتبه لعدسة كاميرا هاتف لميس التي صورته وهو يدخل ويخرج من غرفة دعاء، حيث قررت جمع الأدلة ضدهما، عازمة على فضح علاقتهما في أسرع وقت ممكن أمام الجميع.
***
في إحدى المطاعم، عند أبريل.
كانت تهز ساقها بنفاذ صبر من جلوسها في انتظار باسم في ساحة المطعم الخارجية، تحدق أمامها بشرود متوتر.
دفعت خصلات شعرها خلف أذنها، وتضاعفت أفكارها الحائرة بشأنه، فهو من دعاها إلى هذا المكان، فلماذا لم يأت بعد؟ ثم نظرت حول المكان بتوتر شديد قبل أن تهمس في ذهنها بانزعاج:
على أساس إنه يستاهل كل الخوف دا.. أكيد بيصيع مع واحدة من بتوعه وأنا اللي هبلة باكل في ضوافري من قلقي عليه وأقلق عليه ليه من الأساس ما يولع حتى!!!!
ألقت أبريل نظرة على فنجان القهوة الذي برد وهو ينتظر أن تشفق عليه وترتشف منه قليلاً، لكنها كانت مشغولة بالتفكير في زائر أحلامها في الفترة الأخيرة.
نظرت إلى الساعة على هاتفها التي شارفت على العاشرة، فوقفت من مقعدها بغير رضا، وقررت المغادرة، يكفي إضاعة وقتها الذي لا يستحقه هذا المستهتر.
توجهت إلى الخارج ووقفت على الرصيف تنتظر سيارة أجرة تعيدها إلى منزلها.
لم تمر سوى دقائق معدودة حتى زوت بين حاجبيها فور أن وجدت سيارة سوداء فاخرة تتوقف أمامها مباشرة، أشاحت بنظرها بعيداً بلا مبالاة، ثم سرعان ما التفتت إلى مصدر الصوت الذي نادى باسمها من داخل السيارة، فتعرفت على صاحب هذه النبرة الأجشة الجالس في المقعد المجاور للسائق، الذي لم يكن سوى ابن عمه عز.
***
flash back
قبل نصف ساعة من وصولهم إليه.
داخل سيارة عز كانت الأجواء مشحونة بالصمت الثقيل حتى اخترقه سؤال عز بتنبيه:
أنت متأكد مش عايز تروح مستشفى وشك بينزف؟!
صاح باسم بعنف:
مش متزفت، والله لو مسها أو عمل فيها أي حاجة لا أكون مخلص عليه وقتله.
قال عز:
بطل الجنان دا بتاعك دا مش وقته.
قال باسم:
ما تزود السرعة شوية.
رد عز:
أكتر من كدا إيه!! اهدأ شوية إحنا قربنا نوصل.
زفير نافذ الصبر غادر جوفه قبل أن يهتف باستياء:
طيب اديني موبايلك الوسخ هرس تليفون.
قال عز بإيماءة:
أهو عندك.
خطف باسم الهاتف من مكانه بعصبية، وسارع بطلب عدة أرقام معينة، ليسأل بلهفة ما أن أتاه الرد:
ها!! طمني حصل إيه!!
أخبره صوت غليظ بثقة من الجانب الآخر:
اطمن يا باسم باشا الهانم كويسة وتحت عينينا وماتحركتش من المطعم حضرتك كويس إحنا اتصلنا بعز باشا و..
قاطع باسم جملته بجدية، حينما استنتج بقية حديثه:
أيوه أنا معاه دلوقتي يا ريكا.. خليك مكانك شوية وهبقى عندكوا.. سلام.
***
عودة إلى الوقت الحاضر.
أشاحت أبريل بوجهها بعيداً فور أن رأته زافرة بضيق، بينما استدار باسم حول السيارة، مسرعاً نحوها بخطوات متعرجة، وما إن وصل أمامها حتى رفعت رأسها بتعبير عابس تحول سريعاً إلى صدمة صاعقة، وما زادها تعجباً مباغتته بأسئلته المفعمة بالقلق:
أنتي كويسة!! حصلك حاجة!! الكلب مصطفى اتعرضلك.. كلمك.. ضايقك عمل إيه!!
قال ذلك دفعة واحدة بلهث وهو يرفع وجهها بكفيه، وعيناه الرماديتان الحادتان تحدق بها باهتمام وتفحص، بينما تنظر إليه بشفاه منفرجة في دهشة وحيرة، وعلامات الاستفهام تحوم فوق رأسها، لا تفهم ما الذي يتحدث عنه، وأخذت نظراتها المتسعة تطوف الجروح والكدمات في وجهه وصولاً إلى ملابسه الممزقة والملطخة بالدماء.
يبدو أنه خرج للتو من معركة دامية، مما أثار مظهره رعبها، لتتجاهل أسئلته وتطرح عليه سؤالاً بتوجس مذعور:
انت اللي مين عمل فيك كدا؟
خرجت منها شهقة مصدومة، عندما استوعبت ما قاله منذ ثوانٍ، وهتفت بثقة تضج بالذعر:
مصطفى!! مصطفى هو اللي ضربك بالمنظر دا!!
تجاهل الرد على جملتها، شاعراً بفوران الدماء في عروقه فور نطقها لاسم هذا الحقير، فدفعته أبريل من صدره برفق، تحاول الابتعاد عنه لكنه أبى ترك خصرها، فقبضت على قميصه بعفوية، غير مصدقة مدى حقارة مصطفى التي جعلته يرتكب هذا الفعل معه، لتسأله بإصرار حاد مليء بالخوف:
رد عليا بقولك هو اللي عمل فيك كدا صح؟!
برد فعل لا إرادي، أحاط بجسدها يغمرها أكثر بين ذراعيه، وفور أن أحس برأسها على صدره، تغلغلت راحة دافئة في عروقه الباردة وتخدر نبضاته بسكينة، قبل أن يرد عليها بتأكيد ولهفة:
ماتخافيش يا حبيبتي أنا تمام تمام هبقى كويس.
خفق قلبها تلقائياً، وهو ينطق بهذه الكلمة العفوية التي لم يتمكن من السيطرة عليها بسبب قلقه الزائد، حيث كان فريسة لأفكار سوداوية وهو ملقى على الأرض بقلة حيلة، متخيلاً العديد من السيناريوهات التي قد تحدث لها من هذا الوغد الذي تركه مع رجاله ليبرحوه ضرباً من شدة سخطه عليه.
قبض باسم على راحتيه بعنف نادم، فما كان يجدر به أن يستفزه إلى هذه الدرجة خوفاً على من أن أصبحت طرفاً في عداوة سخيفة وقديمة بين رجلين، لم يكن أي منهما الخير للآخر، لكن الآن عليه أن يهديء من روعه وحنقه حتى لا يخيفها أكثر، لأن شعوره بمدى أهمية وجودها بجانبه يستولي على كامل حواسه في هذه اللحظة من الزمن.
شعرت أبريل بالأمان بين أحضانه التي تضمها بحنان وطمأنينة طالما رغبت في الحصول عليهما طوال حياتها، لذلك لم تمانع في مبادلته لهذا العناق الدافئ، بل بدلاً من ذلك لفت ذراعيها حول خصره واحتضنته بقوة أكبر هامسة بإلحاح:
فهمني إيه اللي حصل؟
قال باسم:
هفهمك كل حاجة.. بس بعدين يا أبريل.. إحنا في الشارع.
تمتم بهذه الجملة الأخيرة، وهو يقبل شعرها بلطف، ثم أخرجها من بين ذراعيه، لينظر إليها بمشاعر غامضة، يتأمل القلق الواضح على ملامح وجهها الفاتن، ثم تابع يقول بهدوء رقيق يتناقض مع ضربات قلبه الصاخبة:
المهم إن انتي كويسة.. كان نفسي نسهر سهرة حلوة بس هعوضهالك.
عقدت حاجبيها مستنكرة هدوءه، لم تكن تعرف شيئًا عن مدافع الحرب الأهلية التي كانت تدوي في أعماقه، وهو يتوعد بشراسة لمصطفى داخلياً بسبب ما جعله يشعر به من خوف ورعب الليلة على هذه الفتاة الساذجة التي أقحمت نفسها في لعبة خطيرة، ولا يبدو أن النهاية تبشر بالخير للجميع.
أفاق من أفكاره البعيدة على صوتها الناعم بقلق:
لازم نروح مستشفى أنت متعور جامد وهدومك كلها دم.
عانق باسم كتفيها بصمت وتحرك معها إلى السيارة، وهو يرمق الأرقام المكتوبة بالحبر الأزرق على راحة يده، مبتسماً في داخله بغموض ذئب ماكر لما سيحدث بعد قليل.
رواية جوازة ابريل الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم نورهان محسن
في غرفة نوم باسم
التفت إبريل بحذر نحو باسم على حافة السرير، تثني ركبتها تحتها وتتكئ بيدها على كتفه العريض بتلقائية لتتوازن، بينما تسارعت دقات قلبه وهو يتململ برأسه على الوسائد العديدة بدون استرخاء.
يرفرف برموشه في توتر وتيه من شدة قربها المهلك لأعصابه، وعبيرها الفاتن يغطي بجبروت على رائحة مطهر الجروح الذي تستخدمه مما لا يساعده على الثبات. بالإضافة إلى لمساتها الرقيقة التي تشعل لهباً حارقاً في أوردته، وهي تمررها بقطنة على وجهه.
غير منتبه لنظراتها الحانقة من حركته المستمرة لا شعورياً، غير مدركة للحرب التي تشن أسلحتها المدمرة على كيانه، حتى فاجأها بلف قبضته حول معصمها، يمنعها من الإكمال، ويضع يده الأخرى على عينه اليسرى، ليصرخ متألماً يحذرها:
"آخ، حاسبي بتحرق!"
وزعت إبريل نظراتها بتعجب بين يديهما المعلقتين في الهواء قبل أن تسحب يدها منه، لتهتف بسخط:
"لو غمضت عينك مش هتحس بحاجة."
ارتفع باسم بجذعه قليلا، محاولاً إخفاء التوتر في جسده، محدقاً فيها بعين واحدة، مدمدماً بامتعاض:
"ولو مكنتيش هربتي من الأول ماكنش دا كله حصل."
حدقته بحاجب مرفوع استنكاراً قبل أن تجيبه بكبرياء أنثى:
"لو مكنتش وقفت في طريقي كان زماني دلوقتي في دبي."
قال باسم بحدة مفعمة بالسخرية، بما يغذي غيرته بالظنون، ووساوس الشياطين التي تحرقه بنيران مستعرة:
"أو عند حبيب القلب القديم في المنصورة."
وصلها مغزى جملته، منعشاً ذاكرتها بكلماته الجارحة في شجارهما الأخير، فتصاعدت ألسنة الغضب في ذهنها، وبدون تفكير، دفعته في صدره حتى تمدد أمامها. ثم أخذت كيس الثلج من على الطاولة، وضغطت بعدائية على أعلى خده، فتجعدت معالمه متأوهاً غيظاً واستنكاراً:
"آه، بتستغلي الموقف... خفي إيدك شوية."
"لو مش عاجبك خد اعمله لنفسك."
قالتها أبريل بتحدٍ بارد، ووضعت كيس الثلج في يده، فاعتصره بقوة مسبباً ألماً حارقاً في باطن كفه، ثم رفعه إلى وجهه العابس، قائلاً بضيق ممزوج بالتقريع:
"بقي كدا، هو دا جزائي عشان كنت بحاول أحميكي؟!"
"كان من باب أولى تحميني من نفسك."
زوى باسم بين حاجبيه بعد أن فهم ما تعنيه بإجابتها المباغتة، التي تسببت في وخزة مؤلمة شقت منتصف صدره، فثبت نظراته عليها، ليسألها بهدوء مفتعل:
"هو لما انتي شايفة إني ذئب بشري كدا، ما وافقتيش ليه على سفر دبي؟"
أربكت نبرته المتكدرة أحشائها، لوهلة ندمت على تسرعها، فلم تجد صيغة للرد تبرر شعورها بالخوف عليه والإنزعاج منه، فتظاهرت بالتذمر في قولها متثبتة كيس الثلج على وجهه:
"آهو اللي حصل."
عض باسم شفته السفلى بيأس متألماً من ضغطها الشديد على خده لا إرادياً منها، فحذرها بحدة:
"بطلي الغل دا بقي."
عند عز خارج الغرفة
وقف عز على شرفة البيت الخارجية، متكئاً على سياج الزجاج، وهو يتحدث عبر الهاتف بصوت هادئ.
"آهو لسه واصلين عنده في البيت من شوية، مرضيش يروح مستشفى ولا حتى خلاني أكلم هالة مع إنه واخد علقة محترمة."
سكت عز عن الحديث، يستمع لما يقال من الطرف الآخر قبل أن يدوي صوته بانفعال طبيعي، ليروي له تفاصيل ما حدث:
"وهو اداني فرصة أفهم حاجة يا خالد؟ أنا لقيت واحد الجارد بيتصل عليا بيقولي باسم بعتلهم رسالة بلوكيشن ومحدش يقرب لمراته... فاتصلت على تليفونه مقفول. لما رنيت على التليفون الاحتياطي رد عليا قالي مكانه. نزلت أجري عليه ولما وصلتله كانت الحتة مقطوعة وهو متكوم مش قادر يسوق."
تلقى استفساراً من خالد جعله يلوي فمه بنزق، صدح في رده:
"واحنا من امتى بنعرف اللي ناوي عليه؟ ماهو دايماً بيفاجئنا بالمصايب وبعدين بنشوفلها حل."
تنهد عز بضيق ممزوج بالإنهاك، فهو لم ينل قسطاً من الراحة بعد وصوله من سفره، وما إن أنهى خالد جملته حتى أخبره نافياً بإيجاز:
"لأ، مفيش داعي تيجي وماتقلقش لو في جديد هكلمك."
في غرفة باسم
وضعت يدها على جبينه، لتجده مثل الجمر المشتعل، فتساءلت بغرابة:
"من إيه الحرارة دي؟"
"دور برد من يوم اليخت."
طرقت هادئة على الباب، قاطعت استفسارها عما يقوله، أتبعه دخول عز، ليسأل بهدوء:
"إيه الأخبار؟ عامل إيه دلوقتي؟"
"تمام."
تبادل عز وباسم نظرات مبهمة لم تفهمها أبريل، فصفت حلقها مستفسرة:
"مفيش هنا دواء خافض للحرارة؟"
"لأ."
نهضت من مكانها لتقف عند رأسه، ثم أخبرته بصوتها العذب:
"طب هكلم أقرب صيدلية يبعتولنا."
وبعد أن غادرت الغرفة، طوى عز ذراعيه على صدره، مشيراً برأسه، قائلاً باستفهام:
"فهمني ليه ما كلمتش الرجالة تيجي عندك بدل ماتسيبهم يعملوا فيك كدا؟"
"لما لقيت عربية مصطفى ورايا ما فكرتش، بعتهم عليها على طول، كنت حاسس إنه هيغدر وحصل."
بينما كان باسم يشرح له ما حدث له، سار عز نحوه ليرمي جسده على السرير بقوة بجانبه، فصرخ باسم من الألم الذي نخر عظامه من جلافة الآخر:
"آخ يا أخي، حاسب أنت كمان!"
مرر عز بصره فوقه، بفم مقوس، متصنعاً بالآسف في سؤاله الساخر:
"شكل إيديهم كانت تقيلة حبتين، هما كانوا كام واحد؟"
نفخ باسم الهواء من فمه بنزق:
"يووه، مش ناقصك."
وضع عز سبابته وإبهامه تحت ذقنه، مفكراً قبل أن يستفهم بسماجة:
"طيب هتداري من صلاح إزاي بخِلقتك دي؟ دي هتاخدلها مش أقل من يومين على ما تتظبط."
رمقه باسم من زاوية عينه، متجاهلاً استفزازه له، وقال بلا مبالاة:
"فكك، مش دا اللي شاغلني من أصله. انت رجعت امتى من سفرك صحيح؟"
رد عز على سؤاله بهدوء:
"لسه من كام ساعة. المهم، ناوي على إيه مع مصطفى؟"
نظر باسم إلى الأمام يتنهد بهدوء، ثم أجابه بغموض:
"بعدين هتعرف."
"هدوئك مش مريحني، بلاش تتسرع خلينا نفكر نرد اللي عملوه فيك بال..."
"اللي عملوه زمانه بيتردله دلوقتي."
اعتدل عز على الفور مستجوباً إياه بحيرة مرتابة:
"يعني إيه مش فاهم؟"
عند أبريل
وقفت داخل مطبخه الإيطالي تعد له الشاي، عيناها تجوبه في إعجاب بتصميمه الرائع قبل أن تتكئ على الطاولة خلفها، وتغمض جفونها في استرخاء وترفع رأسها للأعلى.
أضاف الصمت من حولها الكثير من الأفكار إلى ذهنها لتطلق تنهيدة طويلة من صدرها الذي وضعت كفها عليه، تستشعر نبضاته المضطربة بمشاعر متضاربة في أغوار خلدها حائرة بشأن أمره، لا تعرف هل هو ملاذاً لها أم هلاكاً لها. عندئذ تصاعدت الدموع في عينيها، وهي لا تزال تشعر بقلبها ينزف بعد أن نهشها بأنياب كلماته السامة في المرة الأخيرة التي جرحتها في الصميم.
في الوقت نفسه، لم يفعل لها من قبل ما فعله هذا الرجل الباسم.
بدأ عقلها يتذكر مواقفه السابقة معها، بدءاً من مساعدته لها وإنقاذ حياتها، وصولاً إلى دفاعه عنها وحمايتها أمام الجميع، وتعريض حياته للخطر اليوم.
أحاطت بها الأسئلة في حيرة من كل جانب، لم تستطع أن تتغافل عن ارتيابها القوي تجاهه.
هل هو ممكن أن ذئباً مخادعاً مثله قد يتحول إلى حامي لها في بضعة أشهر بسيطة؟ لكن دقات قلبه الهادرة ونبرة القلق عليها في صوته المرتجف الليلة وهو يحتضنها بين ذراعيه بلهفة، تتنافى كلياً مع أفكارها السلبية عنه.
زفرت ببطء قبل أن تلوح ابتسامة مرتبكة على شفتيها، وهي تشعر بالسعادة الممزوجة بالقلق عليه لما فعله مصطفى به، وعلى الفور فوجئت بوخزات متتالية في قلبها بعدم الارتياح.
أخرجها أزيز هاتفها من أعماق أفكارها المظلمة، فالتفتت بسرعة وأخذته من على الطاولة، لتتفاجأ باسم ريهام يضيء الشاشة، صفت حلقها بخفة لتخفي توترها قبل أن تضغط على زر الرد.
عند باسم
رن ضحك عز في الغرفة مندهشاً مما فعله باسم بعد أن غادر مصطفى، تاركاً إياه مع رجاله في وسط الصحراء.
"يا ابن الإبليس، يعني ثبت رجالتُه... ووافقوا يعملوا كدا؟!"
"قدام الفلوس محدش بيقول لأ... ولا اترددوا لحظة واحدة، وافقوا من غير فصال."
قال عز بنبرة متحمسة:
"طبيعي يوافقوا، الرقم اللي هتدفعوه ليهم مش شوية. بس أنا أدفع أي مبلغ وأشوف شكله بعد اللي هيتعمل فيه."
ضحك باسم بخفة، وهو يخبره بابتسامة لا تخلو من الغموض:
"من غير ما تغرم نفسك مليم."
رفع باسم هاتفه من جانبه، وضغط عليه لبضع لحظات، يراسل شخصاً ما، ثم سلمه إلى عز، الذي أخذه منه بنظرات مرتبكة قبل أن تتسع عيناه ذهولاً عندما رأى باسم يفتح مكالمة فيديو عبر الإنترنت على الشاشة، تلاها صوت مصطفى الغاضب يصرخ بعدم تصديق:
"إيه اللي بتعملوه دا يا شوية ***؟ انتوا اتجننتوا؟!"
صرخ مصطفى بجنون غاضب محاولاً سحب ذراعيه من هؤلاء الرجال الذين يقيدوه من الجانبين في شارع مظلم ليس بعيداً عن منزله.
رفع عز بصره نحو باسم مغمغماً بإنشداه متعجب:
"إيه دا؟"
اتسعت ابتسامة شيطانية على ملامح باسم، كانت أبلغ رد على هذا السؤال، يستمع بصمت إلى أنين مصطفى من الألم فور أن وجه له رجل ضخم لكمة قوية تلتها أخرى في وجهه، ثم صرخ بألم أكبر عندما ضربه الرجل بركبته في بطنه، جعلته يحني ظهره يضغط على أسنانه بقوة، لكنه توقف عن الشتم بمجرد سماعه صوت باسم الواثق مفعماً بالاستهانة:
"حبيبي يا درش، ماهانش عليا أسيبك تنام الليلة وانت فاكر نفسك غالب. قولت أمسّي عليك بتحية على الماشي كدا، بس عشان فكرت تنكشني."
تابع باسم بخشونة قاسية النبرات ممزوجة بتحذير سافر:
"وقسماً بعزة وجلالة الله مرة تانية عقلك يوزك تبص عليها من بعيد بس، لا أخليك تتمنى الموت على إنك تعيش، زيك زي أجدعها نعجة في الزريبة اللي متربي فيها. فاكرها قبل ما ربنا يفتح على أبوك وتنسوا أصلكم."
استشاط مصطفى غضباً من إهانات باسم المحتقرة له، ليصرخ مهدداً:
"أنا هربيكم يا شوية ***."
"سامحنا يا مصطفى باشا، إحنا مالناش في اللي بينكم، كلنا عندنا بيوت مفتوحة، وإحنا مع اللي مصلحتنا أكبر معاه وهو دفع لنا أكتر."
قالها أحد الرجال بصوت غليظ مشوباً بالرجاء قبل أن يغادروا المكان جميعاً في سيارة سوداء ضخمة، مما تسبب في صمت مميت يسود حول مصطفى، الذي سقط جسده على الأرض في إرهاق شديد قبل أن يدوي صوت باسم في برود هازئ:
"نصيحة يا درش، ابقى بحبح إيدك مع رجالتك الجداد، أصل شكلك كنت منشفها على الغلابة دول، أول ما سمعوا المبلغ نسوا اللي خلفوك. والصراحة يستاهلوا اللي هياخدوه، عملوا كل اللي وصيتهم بيه بالحرف."
هتف عز باستهزاء غلف صوته من خلال شاشة الهاتف:
"تعيش وتأكل غيرها يا أبو الدراويش."
مسح مصطفى العرق المتصبب من جبينه، وهو يضحك في عدم تصديق لا يخلو من الاستفزاز من بين أنفاسه اللاهثة:
"حقيقي، حلوة منك. فجئتني، طلعت عيشتك برا وسط متسولين أوروبا في السباقات الرخيصة علمتك حاجة."
هز باسم كتفيه بفخر ينضح برجولة خاطفة للأنفاس في حديثه، غير مبالٍ بالازدراء في كلمات مصطفى:
"يلا، اديك عرفت أقل حاجة عند المتسولين شكلها عامل إزاي يا درش. المرة دي كانت سريعة، ماتتحسبش أكيد. بس لو لسه خيالك مصورك إنك هتقرب من اللي يخصني وهقف أتفرج عليك، يبقى ذكائك محدود."
نطق مصطفى من بين أسنانه المطبقة بغل:
"الحساب هيجمع يا ابن الشندويلي."
ضحك باسم بقوة تدوي مثل دقات طبول الحرب ثم قال ساخراً:
"صدقني، ناوي أصفي حسابي معاك وهيحصل قريب أوي، بس على الله تبقى راجل لما تعوز تصفي حسابك تيجي لوحدك راجل قدام راجل. وعلى العموم، جدعنة من راجل محدش هيشوفك وانت بيتعلم عليك، والفيديو دا هحتفظ بيه للذكرى في الحفظ والصون."
انطفأت الشاشة في يد مصطفى بمجرد أن انتهت المكالمة، فألقى الهاتف جانباً، وعيناه السوداوان تلمعان بشراسة، مهسهساً بلهجة تقطر حقداً:
"طيب، صبرك عليا يا باسم الكلب، أيامك الجاية سودة معايا."
في الجهة الأخرى عند باسم
"هو مش هيسكت على فكرة."
قالها عز بتحذير هادئ، وهو يسير خلف باسم إلى شرفة الغرفة، فأمسك الآخر برأسه متألماً، هاتفاً بامتعاض منزعج:
"بعدين نفكر له. يلا اسكت كفاياك رغي قبل ما ترجع، مش عايزها تعرف حاجة."
رن الهاتف في يد عز معلناً عن اتصال، فنظر إليه قبل أن يخبره:
"دا عمي صلاح."
زفر باسم بضيق:
"إذا سألوك عني قولهم بايت هنا."
بعد قليل
"الدوا وصل."
قالتها أبريل بصوت أنثوي عذب من خلفهما بعد أن دخلت الشرفة، متقدمة نحوهما فأخذ الحبة منها بابتسامة سريعة، وضعها في فمه، وابتلع بعض الماء خلفها، فتساءل عز بنبرته المبحوحة عازماً على الذهاب:
"طيب، محتاجين مني حاجة؟"
توجه باسم معه إلى الداخل حتى لا يصل الحديث إلى أذنيها قائلاً بجدية:
"ماتنساش تكلم حسان مدير البنك عشان الشيك اللي هيصرفوه الجارد أول ما الصبح هيطلعوه."
همز عز مازحاً بخبث:
"أوك... بقولك، ماتيجي نلعب جيم، وهو أبقى لهيك عن الشيطان و..."
قاطعه باسم بفظاظة دافعاً إياه نحو الخارج، فأخذ الآخر يضحك بمرح:
"العبها عند صلاح يا أبو الشهامة، هنا مستغنيين عن خدماتك."
اتكأت أبريل بذراعيها على حافة جدار الشرفة، مستمتعة بالنسائم اللطيفة التي أنعشت ذهنها، وداعبت وجهها بلطافة حتى جاء ليجاورها، فناولته الكوب الساخن بهدوء، تشابه مع نظراته التي مرت على ملابسها المكونة من بنطال أسود واسع وكنزة أرجوانية برقبة عالية زادت من جاذبيتها الرقيقة.
قاطع باسم تأمله فيها وهو يخفض رأسه نحو الكوب، بجبين مقتضب بعد أن أخذ رشفة منه، متسائلاً بغرابة:
"طعم الشاي ماله عامل كدا ليه؟"
"دا شاي بالزنجبيل."
هكذا جاء ردها ببساطة جعلته ينبس بعبوس:
"مابحبش طعمه."
رفعت أبريل ذقنها تسلط فيروزيتها عليه، لتتحدث بعذوبة ممزوجة بالجدية:
"في التعب مفيش بتحب ومابتحبش، يلا اشربه هيريحك."
ابتسامة جذابة زينت شفتيه بغمازتين آسرتين، مندهشاً في حبور داخلي بهذه المبادرة الرقيقة منها للاعتناء به، أنزل الكوب عن فمه لوهلة، متسائلاً بهدوء لين:
"هو دا اللي آخرك؟"
"جاتلي مكالمة."
"من مين؟"
"ريهام."
قالت هذه الكلمة بمغزى خفي، قاصدة نصب فخ له، وفيروزيتها تفحص رد فعله بتمعن، بينما أومأ الآخر برأسه يحثها على الإكمال، فأكملت بنبرة لئيمة، وهي تتمايل في دلال أنثوي مقصود:
"سألتني اتأخرت ليه دا كله برا... حكيتلها للي حصل... وبعدين سألتني هترجعي امتى؟ قولتلها هفضل مع جوزي لحد ما أطمن عليه."
صعقته صدمة حقيقية فور أن أنهت جملتها، غير مدرك إلى الخبث الممزوج بالغيرة في طيات سردها، بل اهتدى عقله إلى شيء آخر، فمد شفته السفلى إلى الخارج، متظاهراً بالتفكير قبل أن يتعجب بسخرية لعوبة:
"بقت كلمة جوزي سهلة على لسانك دلوقتي وعاوزة تفضلي معايا كمان... من امتى الحنية دي كلها؟!"
تشربت وجنتيها باحمرار الخجل الممزوج بالندم على اندفاعها فور أن داهمها برد فعل غير الذي كانت تتوقعه، خاصة أنه لم يظهر عليه أي علامات توتر حين ذكرت اسم ريهام، فخفضت بصرها إلى يديها المتشابكتين خوفاً من أن يكتشف غيرتها، وهي تعي إلى السخرية منها في كلامه، لكنها تابعت بهدوء:
"اللي انت فيه دلوقتي بسببي و..."
قاطعها بجفاء على الفور:
"شفقانة عليا يعني؟!"
لم يدع لها مجالاً للرد، بل تابع مغلفاً طبقة صوته بحدة طفيفة:
"أنا ما أحبش حد يعملي حاجة بدافع الشفقة، اطمني عليا أنا كويس."
لانت نبرته في نهاية جملته حين لاحظ ملامحها التي تغضنت حرجاً، لتشيح ببصرها بعيداً عنه قبل أن تهمس بخفوت:
"طب... أنا هرجع البيت."
استدارت أبريل ومرت من جانبه بهدوء إلى الغرفة، ثم وقفت لحظة، ممسكة بمقبض الباب بشدة، رافعةً وجهها إلى الأعلى، محاولةً أن تتنفس بعمق لتسيطر على رغبتها في البكاء قبل أن تضغط على المقبض، لتشعر بملمس باطن يده الدافئة ذات الأوردة البارزة فور الجلد الرقيق لكفها، مخللاً أصابعه بين خاصتها بسلاسة، لتسمعه يقول ببحته الهادئة الرجولية:
"أوّام بترجعي في كلامك، مش كنتي هتفضلي معايا؟"
تلفظت أنفاسها بتثاقل، مجيبة إياه تساءل خافت يهدد ثباتها بالانهيار:
"وافضل ليه بعد ما حسستني إن وجودي مش مرغوب فيه؟"
تحركت أصابعه إلى الأعلى، دافعةً خصلات شعرها خلف أذنها، هامساً بحرارة انتقلت عبر جسده إلى ظهرها، أشعلت لهيباً في ثناياها، وصل إلى الأطراف، مما أضعف موقفها الدفاعي ضده:
"زي ما حسستيني لما ما كنتيش بتردي على مكالماتي ورسايلي بالأيام."
أنهى باسم جملته، يدنو منها متكئاً بذراعه الآخر على الباب، لامساً جلد أذنها بشفتيه من الأعلى ولفحتها أنفاسه الملتهبة، فتدلت جفونها إلى الأسفل بذبذبات طفيفة، لتهمس من بين شفتيها المزمومتين بقهر:
"عشان كنت قاسي في كلامك معايا."
احتدت نبرته الهامسة بجوار أذنها فور أن كرر عقله الحانق كلماتها السابقة:
"إنتي كمان استفزتيني بعنادك وبكلامك الفارغ اللي قولتي."
عبست ملامحها فور أن نطق بهذه الجملة، فالتفتت بجسدها حتى التقت عيناهما بينما قالت شفتاها في استنكار، متهمة إياه:
"تقوم تجرحني! رغم إنك كنت عارف إني بستفزك ومش قصدي اللي بقوله."
ومضت عيناه الرماديتان بعواصف من غيرته المجنونة، مما جعلها ترتجف بتوتر أمام هيمنة جسده الذي يحاصرها، هادراً في هسهسة خشنة:
"مهما كان، أنا راجل مش لوح خشب، ولا هو سهل عليا أسمع مراتي وهي بتقول كانت بتحب راجل تاني قدامي بالطريقة دي."
صمت باسم يلهث أنفاسه بغضب يضاهي انفعالها حالما احتجت بلوم:
"دا ما يديكش الحق تقولي إني بتنقل من واحد لواحد وإنت ما تعرفش حاجة عني."
ساهمت كلماتها المستهجنة في خروج وحوش غضبه الممتعضة، لتدوي بزئيرها الجنوني في سؤاله:
"و هعرف منين؟ وامتى؟ وإنتي مابتكلميش معايا كلمتين من غير ما تقلب خناقة؟!"
صاحت أبريل بصوت مرتفع يشوبه اعتراض عنيد:
"وبأسلوبك البربري دا مش عاوزة أكلم معاك ا..."
بترت بقية الجملة على شفتيها عندما انحنى ينهي المسافة بينهما، ممسكاً بفكها بين براثن راحة يده الكبيرة بتملك، مبدلاً مجادلته العبثية معها إلى قبلة حارة، التهمت نيرانها كل غضبها منه في لحظة قبل أن يفك تشابك شفتيهما بتمهل مهلك.
أدار باسم وجهه، يمرر خده على خدها الناعم، هامساً في أذنها بنبرة لينة مليئة بالأسف، يبتر بها يدي المكابرة التي تخنق حلقه عن الاعتراف بما لا يدعه الكبرياء أن يبوح به:
"حقك عليا، كان غصب عني وعارف إني اتسرعت في اللي قولته... بس إزاي هشوفه حاضنك وما أتجننش؟!"
تابع بلهجة مفعمة بالغيرة، مسلطاً عينيه الرماديتين بعمق في عينيها اللامعتين بإنشداه منه:
"ماتعرفيش إزاي ولعتي فيا بنار قوية باللي قولتيه... ماقدرتش أتحكم في نفسي ولا أتحمل فكرة إن في بالك حد تاني."
انصهر عقلها في بركة فضيته الذائبة لتهمس دون تردد:
"بس أنا ما فيش في بالي حد غيرك."
اخترقت الصدمة حجاب عقلها فور أن اندفعت هذه الحروف عبر لسانها، تعكس ما بداخل ثنايا قلبها، ولم يكن حاله أفضل من حالها، حيث تمركزت عيناه على شفتيها المنفرجتين اللتين تحدثتا بما هز كيانه، مما تسبب في زوبعة ضخت مشاعر طاغية في خفقاته المجنونة.
مال بوجهه نحوها ببطء شديد، يتحسس بنعومة شعرها في يده قبل أن يدفعه خلف كتفها، متكئاً بيديه على الباب خلفها يحيط جسدها بذراعيه، ليودع قبلة في غاية الرقة على شفتيها، فاستقبلتها بإستجابة وله، لتدوم ثوان معدودة قبل أن تشعر بشفتيه تبتعدان عنها.
ازداد ذوبانه فيها ما إن بادرت برفع وجهها مقابل وجهه في مطالبة صامتة بإعادة الكرة، فاستجاب لها بهوادة شديدة تتنافى مع صخب قلبه تلهفاً إليها، ريثما أراحت يدها على صدره الصلب بتجاوب خجول واستسلام أنثوي هش أشعل الأجواء بالدفء حولهما، بينما تتنقل رأسهما يمينًا ويسارًا في تناغم معزوف فوق أوتار نبضات تشتد جنوناً وهياماً.
أحاط باسم بجانب رقبتها بكفه مثبتاً إياها، وشفتيه تلتهم رحيق كرزيتها الناضجة بشغف حار، لثوان قليلة فقط قبل أن يفصل قبلتهما بصعوبة ما إن لاحظ أنفاسها تتسارع كثيرا، فخاف على رئتيها من الأذى.
تهدلت يديها إلى جانبها، بينما صدره يرتفع وينخفض في إثارة، ولم تكن حالتها أفضل من حالته، ليتمتم بخشونة محببة لأذنيها من بين أنفاسه المسلوبة عشقاً:
"إنتي كويسة؟"
"تقريباً؟"
تقطعت حروف الكلمة على عتبة شفتيها المبتسمتين بإنشداه عن حالها، وهي تزفر أنفاسها بنعومة على وجهه بلهيب ينبعث من ثنايا صدرها، لتحرقه شوقاً وشغفاً بها، فوضع جبهته على جبهتها، زافراً بهدوء.
خفضت أبريل بصرها إلى الأرض، تستجمع أنفاسها المتحشرجة قبل أن تقول، بتحذير موجهاً إلى نفسها قبل منه:
"اللي بنعمله دا خطر!"
همست بلهجتها الهشة في إغراء غير مقصود، فأشعلت نيراناً داخل عروقه أشد فتنةً بها، تشابكت عيناهما للحظات، فاتسعت ابتسامته المهلكة حتى حُفرت غمازتان مثيرتان على جانبي فكه، جعلت نبضاتها تتسابق في افتتان به، ليقول بأنفاس متقطعة مشبعة باللهفة:
"طول عمري بعشق الخطر."
نبتت به همس مماثل لهمسه:
"وأنا طول عمري ببعد عنه."
أغمضت عينيها فور أن زرع قبلة عميقة وحانية على جبينها، فشعرت بدفء لذيذ كالعسل يتدفق عبر جسدها بالكامل، ليخفض هو وجهه ويمرر شفتيه بنعومة على طرف أنفها، بينما قال بهمسه الأجش والجريء:
"جربيه معايا المرة دي، هتحبيه."
"باسم."
لفظت اسمه بدلال عفوي أذابه، فتقابلت الشفتان دون أن تتلامسا، مغمغماً بحرارة وهو يتشرب أنفاسها بوله:
"طريقة نطقك اسمي بتعجبني وفي نفس الوقت بتعذبني يا بندقة."
بعد مرور فترة وجيزة
داخل مطبخه ذو التصميم الإيطالي
"مغمضة ليه؟ حاسة بدوخة؟!"
سأل باسم باهتمام، ففتحت عينيها بسرعة، نافية بعد أن كانت متكئة على الحائط بهدوء لا يخلو من التفكير:
"لأ، أبداً."
"هما مين الناس الكتير دول اللي كانوا معاك؟"
سألته بفضول من خلف ظهره، وهو يعد لهم القهوة، فأجاب بهدوء:
"رجالتي."
مدت أبريل باستغراب:
"مكنتش عارفة إن عندك جردات كتير بالمنظر دا."
"دول مابظهرش غير لما بكون محتاجهم بس، بتوع المهمات الخاصة. أصلاً خنيقة فكرة الحرس وأنا بميل للعنف نهائي... بس يوم ما بكون مضطر بفتح له دراعتي."
استدار باسم بجسده نحوها في آخر جملة قالها، فاتحاً ذراعيه على اتساعهما بابتسامة جانبية، فأدرك عقلها بسرعة ما يرمي إليه، مطرقة ببصرها إلى الأسفل، وهي تشعر بالخطر يطوق أفكارها بقلق، غافلة عن من سارع بالاقتراب منها، فشقت شهقتها في ارتعاب الأرجاء الساكنة، وهو يحتضن خصرها، رافعاً إياها بخفة وكأنها لا تزن شيئاً بالنسبة له، فطوقت رقبته بكلتا يديها تلقائياً، ليضعها فوق الطاولة الرخامية ويقف قبالتها تماماً دون أن يكف عن النظر إليها.
"مش عايزة تبصيلي ليه؟ خايفة من منظري بعد ما اتحولت مسخ دميم؟"
أنهى باسم كلامه، مجعداً ملامحه بمشاغبة حال أن لاحظها تحدق في كل اتجاه إلا هو، ففشلت في كبت ضحكة تلقائية، رنت أنغامها بنعومة أثارته، وهي تدفعه في كتفه مدعية الغضب، لكن نبرتها خرجت كعتاب جاد:
"ليك نفس تهزر إزاي وانت كان ممكن يجرالك حاجة بسببي انهاردة."
قبض على كفها يأسره فوق قلبه النابض بقوة أربكت كيانها، بينما كان عقله يردد عليه كلمات مصطفى الوقحة وتهديداته الماكرة بما قد يفعله لإيذائها، فلم يستطع التحكم في انفعالاته، تاركاً ذئبه يثأر لحمايتها دون التفكير في العواقب، لكنه نفى بنبرة مطمئنة:
"ما تفكريش كدا."
جذبت نفساً مرتجفاً قائلة بصوت خافت:
"حياتك اتقلبت من اليوم اللي دخلتها أنا فيه."
أمسك بذقنها بين أصابعه ورفعه، فتشابكت فيروزيتها التائهتين في أعاصير متضاربة تشبه رماديتيه العاصفتين في زوبعة بعثرت دواخله بالشوق قبل أن يتحدث بصوت أجش لا يخلو من الجدية:
"هي اتقلبت فعلاً، بس عشان دا الوقت اللي تترتب فيه بوجودك إنتي معايا يا أبريل."
استولت وساوس الشياطين على عقلها الذي صرخ محذراً إياها من بضرورة توخي الحذر، فتحركت أصابعها لا إرادياً نحو جبينه، تتحسسه برفق، فأغمض عينيه مستمتعاً بلمستها، ليتلاشى شعوره على الفور بعد أن تكلمت بتردد:
"هي دي تخاريف من حمى ولا دي كمان تمثيل؟"
"عشان بحبك."
صوت بداخله تمتم بهذه العبارة دون أن ينطق بلسانه، فكان هذا هو التفسير الوحيد لكل انفعالاته الضارية، وليتها تشعر بضجيج الحروب العنيفة في ثنايا صدره وتلهفاً عليها، وخوفه الشديد عليها كي لا يمسها أذى يكاد يصيبه بالجنون، كل ذلك يثبت له بما لا يدع مجالاً للشك أنها عبرت أعماقه التي لم يطأها أحد من قبل، فبات مغرماً بهواها، وحالة من العذاب عزفت ألحاناً تمتزج بالشوق داخل قلبه، لكن لا شيء في متناوله سوى عذرها، فهو على يقين أن ثقتها بمن حولها تمزقت، كما يعلم أن اسمه محفور على جدران بوابة المنافقين داخلها بنقوش نارية تحرقه الآن بقسوة.
فإذا بصوت العقل يطرح عليه سؤالاً بإنشداه من أمره: متى أصبحت لها عاشق معذب بنارها المتمردة؟ فبادر القلب بالرد عليه: ما العيب في إنهيار قيود السلطة ليتحرر غرام مقدر له أن يتدفق بسخاء؟ لقد حان الوقت لإسكات منطقك المتجبر، فنحن في حاجة ماسة إلى استراحة محارب، دع عواطفي الجياشة تتولى زمام الإدارة، لأجعلها تشعر بمدى شغفي بها، ولتهدأ نيران لوعتي متنعماً في حضنها الدافئ.
طال صمته دون أن يعلق على كلماتها الأخيرة، فندمت على اندفاعها، وهمست بصوت يكنفه رجفة:
"ساعات بكره نفسي لما بتخدع في ناس بحبهم، بحس إني مغفلة وغبية."
أومأ برأسه متفهماً، وبدت ملامحه الحادة أكثر وسامة بكلماته الجادة التي حرص على إخراجها صلبة وحازمة:
"عارف إن خوفك وخذلانك في اللي حواليكي هيمنعك تصدقيني دلوقتي، بس دا مش هيمنعني أوصل لقلبك يا بندقة، وهكون أمانك والزمن بينا هيثبتلك كلامي."
اختتم عبارته بنظرات ثاقبة أكدت لها أن لا شيء سيمنعه من التسلل لاقتحام حصون قلعتها العنيدة، وطالت لحظة السكون بينهما قبل أن يغير فجأة مجرى الحديث بسلاسة، فتضاعفت دهشتها منه:
"تيجي نطلب عشا؟"
هزت أكتافها بعدم اهتمام تجلى في قولها:
"أنا مش جعانة، بس إذا جعان مفيش مانع."
"لأ، طالبة معايا تفاح... بتحبيه؟"
سألها باسم مستفسراً، وهو يخرج طبقاً مليئاً بالتفاح الأحمر من الثلاجة، فهمهمت بالموافقة، فقام بتقطيع ثمرة إلى قطع صغيرة بسكين حاد، ثم قرب إحداهما من شفتيها حتى تقضم جزءاً منها، فالتهم الجزء الآخر في فمه بلذة، مستفسراً بنبرة متلاعبة:
"حلو؟"
همهمت أبريل ببراءة قبل أن تجفل أنفاسها مضطربة، حالما طبع قبلة عميقة على خدها، مغمغماً بصوت متحشرج بإفتتان:
"دا طعمه أحلى."
"لاحظ إنك أخدت عليا جامد."
نبهت أبريل له بتحذير خجول، وخفضت بصرها إلى الأسفل، وهي تشعر به يداعب عنقها بإبهامه، ثم أرخى مرفقه الآخر على الطاولة الرخامية، واقترب منها حتى التصقت جبهتهما، فتسارعت دقات قلبها بقوة وهي تشعر بأنفاسه الدافئة تدغدغ بشرتها الناعمة، وبنفس صياغة جملتها، ردد بمرح جريء تجلى في نبرة صوته الضاحكة، مستمتعاً بتأثيره عليها:
"ومالو!! خدي إنتي من دا كتير أوي بقي."
"تعالى."
هكذا قال باسم، وهو ينزلها على الأرض بسرعة، أنزلها، ليخرج معها من المطبخ، فاستفسرت متعجبة:
"على فين؟"
تقف عن السير والتفت إليها، يعتقل خصلة من شعرها بين أصابعه، ووضعها خلف أذنها، وهمس بما أربك خفقات قلبها بعنف:
"عاوزك الليلة تنامي في سريري."
رواية جوازة ابريل الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نورهان محسن
توقف عن السير والتفت إليها، يعتقل خصلة من شعرها بين أصابعه، ووضعها خلف أذنها، وهمس بما أربك خفقات قلبها بعنف:
عاوزك الليلة تنامي في سريري.
بابتسامة منطقت حروف اسمه برقة يشوبها التحذير، فرفع وجهها إليه بأنامله حالما وجدها تتهرب من نظراته بخجل أشعل وجهها بإحمرار لذيذ، وبابتسامة واثقة أخبرها بصوت يحمل مزيجًا من العذوبة والمزاح:
ماتقلقيش، هكون راجل راقد.
دخل معها غرفة النوم المضيئة بخفوت، ووقف ينظر إلى عينيها المترددتين بعينيه العاشقتين. كان يشعر أن قلبه ينبض بسعادة غريبة من المشاعر الدافئة التي تحيط بهما، لكنها بطبعها العنيد كانت تفضل إخفاء مشاعرها، وكأنها تخشى أن تُظهر مدى تعلقها السريع به. هو يعلم ذلك جيدًا، ويعشق هذه المقاومة الرقيقة في شخصيتها.
ذهبت نحو السرير وجلست بإستحياء على حافته بعدما أشار إليها بفعل ذلك، بينما هو اتجه صوب الخزانة الصغيرة، مد يده يفتحها، ثم أخرج منها منامة رجالية ليضعها بجوارها في صمت. وبعد ذلك توجه إلى الحمام.
أدار المياه الدافئة لتملأ حوض الاستحمام، فوصلها صوت المياه المتدفقة. فور أن شعرت بقدومه نحوها، أنزلت أهدابها إلى أصابعها المتشابكة في صمت. في حين جثى على ركبتيه أمامها بإبتسامة حنونة تشابهت مع نبرته:
الحمام جاهز.. الميه الدافية هتريح جسمك.. أنا قلتلك تنامي في سريري.. مش عشان أخوفك أو أحسسك بأي توتر.. بس عشان أديكي إحساس بالأمان اللي تستاهليه.
مال أكثر صوبها بشفتيه ليُطبع بقبلة حنونة على جبينها، بينما فيروزيتها تتابعه بإنشداه.
مرت لحظة صمت قصيرة بينهما، ثم بنظرة تُفصح عن مزحته الدافئة، أردف وكأنه ترجم أفكارها المشوشة:
وأنا هكون في الريسبشن.. عشان لو احتجتي حاجة.. يعني مش بعيد.. بس مش قريب برضه.. عشان تحسي إنك مرتاحة أكتر.
هتنام على الكنبة يعني؟
بابتسامة مشاكسة أجاب على استفسارها العفوي، ملتفتًا إليها بوجهه من عند باب الغرفة:
ايه صعبت عليكي وهتنيميني في حضنك؟
طبقت على شفتيها بخجل وهي تعبث في شعرها بتوتر، معنفة نفسها داخليًا على تسرعها، لتتلعثم في قولها دون النظر إليه:
ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا
رواية جوازة ابريل الفصل الثلاثون 30 - بقلم نورهان محسن
عندما تتوقف المرأة عن كونها "شرسة" معك،
تُجيب على اتهاماتك بمنتهى الجمود، لا تعاتب، لا تبرر، لا تلوم.
عندما تقول "نعم" أنت ربحت دون حتى مناقشتك،
تأكد أنك لم تعد بحوزة قلبها، لم تعد تعنيها.
فالأنثى داخل الحب لا تشبه نفسها وهي خارجه.
حين تتوقف عن فعل يثبت لك خطأك في حقها فأنت خسرتها.
---
في مكتب مصطفى.
"زودي على كدا إنك أنانية وغدارة... وخاينة!"
ابتلعت أبريل ريقها بشق الأنفس من كلماته التي طوقت عنقها بعقد من الشوك السام، سلب منها القدرة على التفكير للحظات. وقفت في مواجهته تمتزج نيران حقده الحارق مع نار التمرد المتأجج بتحدٍ متوهج على أمواج عينيها الفيروزية المستهجنة في صراع مستعر.
"خاينة!!!" رددتها خلفه بصوت يفيض استنكارًا، غير مصدقة إلى أي مدى وصلت حقارته. هل يحاول تحميلها وزر أكاذيبه الآن؟ سرعان ما رسمت ابتسامة باردة على شفتيها متمتمة بهدوء: "هو أنت إزاي مصدق نفسك كدا وانت بتقولها؟"
رمقته أبريل بازدراء، وأشارت بإصبعها باستخفاف تجلى في جملتها بما يكفي لتنهش كبرياءه بخنجر مسموم: "عمومًا آخر حاجة ممكن تهمني هو أنت شايفني إزاي! كنت يعني هانتظر إيه من واحد ساب فعله هو ومسك في رد فعلي اللي كان طبيعي؟!"
تقوست زاوية فمه بسخط مكبوت. أدارت له ظهرها وتقدمت نحو أحد المقاعد أمام المكتب، جلست بهدوء، وأرست حقيبة يدها برفق على قدمها، بينما أبقت نبرتها مشبعة بسخرية لاذعة: "سبتني أبني قصور من رمل واتخيل إني هعيش فيها مع راجل محترم في استقرار... اتوهمت إني معاك هلاقي الأمان والحنان اللي اتحرمت منهم... سبتني أرسم أحلام في الهوى طلعوا كلهم سراب..."
تدفقت الكلمات من شفتيها كاعتراف متأخر، وصوتها خافت كهمس سر محاط بالأشواك، لكنها مضطرة لتفريغ شحنات الألم والغضب المكبوت. بينما هو ظل واقفاً بثبات صامت: "اتهدم دا كله في اللحظة اللي نزلت بجري بفستان الفرح وأنا بضحك بفرحة، صحيت منها على صوت واحدة ست وهي بتقولي أنا مرات مصطفى... خطيبك!!"
"وبعد دا كله بتقول عني أنانية وغدارة وخاينة؟!"
كررت أبريل كلماته بهدوء مشبع بالاحتقار، كسيف مسنون مزق ما تبقى من احترامها له. انهار صورته في عينيها كقلاع رملية تحت أمواج الخداع. أما هو يدرك أنه ظلمها، لكن صراعه مع ضميره تلاشى أمام طغيان مارد غروره، حالما اخترق صوتها أذنه بتحدٍ يخدش كبرياءه الذي يعتز به.
خطى مصطفى في اتجاهها بخطوات حثيثة، جالسًا أمامها بشموخ، بينما نظراته تتوغل في عمق عينيها بحدة تنافي هدوء ملامحه الخارجية، مؤكدًا لها بإصرار محتقن بالقهر: "أيوه وهفضل أقول... انتي اعتبرتيني عدوك وفسختي خطوبتك مني من غير ما تديني فرصة وتسمعيني. افتكرتيني قاصد أذيتك وخربشتي بضوافرك في كرامتي ورجولتي قدام الدنيا كلها. نسيتي إني كنت أحن عليكي من أبوكي نفسه. نسيتي لي كل الحلو اللي عملته معاكي. حسستيني إني شيخة بين صوابعك ورميتيها زي دبلتي."
أخذ صوته يرتفع أكثر، غير قادر على كبح غضبه العارم: "حرقِتِ كرامتي زي فستان فرحك! جبتي حد تاني في مكاني في نفس الساعة اللي قلعتي فيها دبلتي. وكان مطلوب مني في الآخر أخنع وأخرس عشان الفضايح."
هو ظلمها بغدر، لكنها تعترف أن رد فعلها كان أشبه بقنبلة موقوتة في صميم رجولته. فأخذت نفسًا عميقًا، وقررت أن تضع عنادها جانبًا، عازمة على إنهاء هذا الفصل المظلم من حياتها. فما الحكمة من مواصلة صراع لن يؤدي إلا لمزيد من الكوارث.
"عارفة إني اتسرعت في اللي عملته، وكان في طرق كتير يتحل بيها الموضوع. بس كنت مجروحة مش شايفة غير خداعك ليا. أنا معترفة بكل ده... وأسفة يا مصطفى إني مديتكش الفرصة اللي تدافع فيها عن نفسك. بس لو سمحت كفاية كده... ونقفل الصفحة دي."
أنهت أبريل جملتها بتهدج مغلف بشفرة حادة غمرت نبرتها. بينما اتكأ بمرفقه على حافة المكتب، وأخذت أصابعه تتلمس جانب جبهته، ومض في ذهنه هاجس تزامن مع استفساره المشوب بتملك صارخ: "أفهم من كدا إن عندك استعداد تسيبيه وترجعيلي؟!"
"مش فاهمة... قصدك إيه؟!"
ارتسم على ملامحها خليط من براءة متصنعة وتوجس خفي، وسؤالها الهادئ حمل شرارة انفجار على أعتاب معركة وشيكة. فيما اعتدل في جلسته، مع انحناءة صغيرة نحوها، موضحًا لها بثبات: "قصدي واضح. آن الأوان ترجع الأمور لموازينها الطبيعية. مابقاش له لزوم تكملي معاه. افسخي جوازك منه وأنا مستعد أنسى وأغفر لك."
صمت مصطفى عدة ثوانٍ، عيناه تتفحصان وجهها، بحثًا عن أي إشارة تدل على استسلامها. لعله يستعيد السيطرة التي تسربت من بين أصابعه كخيوط تلك الدمية الجالسة أمامه، متابعًا بنبرة أكثر هدوءًا مع رغبة تتزايد في استعادتها بأي وسيلة: "أنا لسه عاوزك يا أبريل وهعوضك بكل اللي تطلبيه عشان تحسي بالأمان من تاني معايا وا..."
طوت أبريل ذراعيها تحت صدرها، ولوت فمها بابتسامة استفزازية، لتقاطع حديثه بسؤال ساخر متعجب: "يعني أنت لسه عندك استعداد تدفع فيا فلوس تاني عشان أكون معاك؟!"
جف مصطفى حلقه عقب أن تلقى كلماتها كصفعة غير متوقعة، فتراجع قليلاً وعيناه ارتجفتا للحظة، قبل أن يستعيد توازنه ويرسم قناعًا جليديًا على وجهه، يخبئ خلفه سيلًا من المشاعر المضطربة. بينما وضعت قدمها فوق الأخرى بثقة واضحة، وثمة سخرية لئيمة تتسرب من بين شفتيها: "إيه مالك!! انصدمت كده ليه؟ مش هو ده سر تمسكك بيا؟! مش بابا ومراته باعوني ليك عشان الديون اللي اتراكمت عليه والأوتيل اللي دخلوك شريك فيه..."
رفعت إبريل ذقنها عالياً، بنظرة احتقار تتلألأ في عينيها، تقابلها نظراته القاسية المشبعة بالتوتر. حاول السيطرة على أعصابه، لكن السخرية في حديثها كانت مثل قبضة فولاذية اعتصرت طغيانه بتحدٍ.
هزت كتفيها بلا مبالاة، وأخذت أناملها تعبث بقلم فوق المكتب، وهي تتابع بنبرة أشبه بالهمس: "ده طبيعي مستثمر كبير زيك... ما يحبش يدفع فلوس في بضاعة مايعرفش يستنفع من وراها. حتى لو هيخسر فيها مستعد يدفع بزيادة. بس الصفقة ماتروحش لإيد منافس تاني."
جزّ مصطفى على أسنانه بغضب جلي يسري في عروقه ينذر بتفجر ثورة بداخله. في حين كانت تذكرت حديث أخيها الذي كشف لها جميع هذه التفاصيل، ثم بضحكة تفيض ألمًا وازدراءً، أضافت مسلطة فيروزيتها نحوه: "مش أنا كنت بالنسبالك صفقة مجرد سلعة في مزاد عمالين تبيعوا وتشتروا فيها!! وعارف ليه لحد دلوقتي محدش فيكم كان عايز يقولي ولا حاولتوا تضغطوا عليا بالكارت ده... عشان أنت متأكد زيهم إن مش هيفرق عندي ولا يصعب عليا اللي باعني ليك وقبض تمني يفلس. يداين... أو يتسجن."
أنهت أبريل كلماتها بهدوء قاسٍ ثم انحنت قليلاً بظهرها صوبهُ وواصلت بنبرة مفعمة بالجدية: "مش كنت سألتني أنا جاية ليه؟ أنا جيت عشان أنهي الخلاف بينا باحترام واعتذرتلك رغم كل اللي عملته معايا. بس أنت عاوز تستغل ده وفاكرني هتخدع تاني فيك... للأسف ده مستحيل يحصل ومش محتاجة أفكرك إني دلوقتي ست متجوزة وبحب جوزي ومش هسيبه. فوفر وقتك وابعد عننا. وروح خد فلوسك من اللي اديتهالهم ده ما يخصنيش."
صدى كلماتها كان كالرصاص يخترق هدوء المكان، وصمته يعلن انتصارها في تلك المواجهة. استقامت بجسدها من الكرسي لتمشي نحو الباب بخطوات ثابتة.
"الفلوس دي هعرف آخدها بطريقتي مش ده اللي شاغلني. بس أنت فاكرة بعد كلامك ده هتقدري تحميه مني؟"
منعتها كلماته الباردة التي نبضت بتهديد صارم قيد حركتها عن الخروج. ولا تنكر أن شعورها بالخوف على باسم، هو السبب الرئيسي لمجيئها. لكنها عندما رأت الكدمات تملأ وجهه، اطمأنت لوجود ذئب شرس بجوارها، قادر على حمايتها من هذا الثعلب الخبيث.
استدارت بجسدها إليه. ودق قلبها بعنف خلف ضلوعها، حالما رأته يقف من مكانه ويسير في اتجاهها. فتجلت نظراتها على الكدمة الواضحة أسفل عينه وبجانب فكه، مشيرة نحوه بإيماءة من حاجبها، نافية بتحدٍ: "لأ... هو مش محتاج مني أحميه. وأكبر إثبات باين على وشك."
تشكلت ابتسامة ساخرة على شفتيها في نهاية عبارتها، مما أغضبه أكثر. انحنى قليلاً نحوها مما شكل جسده سحابة داكنة تغمرها بظلها الداكن، مثبتًا عينيه في فيروزيتها المتحدية، بينما يتحدث بصوت عدائي من بين أسنانه المضمومة: "دي كانت الفرصة الأخيرة ليكي عندي يا أبريل... اللي من بعدها مفيش حاجة هتحوشني عن اللي هعمله فيكي ولا هتاخدني شفقة عليكي. ووراكي لحد ما أندمك كويس أوي... عشان مش اللي تستهواني بيه ولا هتعرفي تضحكي عليه باعتذار بارد زي اللي قلتيه."
"صحيح خالف تعرف... هي دي حقيقتك... جواك أسود والحمد لله إن ربنا بيحبني عشان قدرت أخلص منك."
"تبقي غبية لو فاكرة إنك هتخلصي مني. أنا زي السرطان يا أبريل هفضل لابد في دمك وأنخر في حياتك لحد ما أدمرها بالبطيء. وصدقيني كل ذرة فيا متشوقة للحظة ما تجي لي وأنتي ندمانة ومكسورة وبتطلبي رحمتي عشان أسامحك. ساعتها هدوسك تحت جزمتي زي أي لعبة تافهة مالهاش أي قيمة."
"سبق وقلت لك وفر تهديداتك دي عشان مش هتقدر تخوفني بيها."
قاطعها مصطفى بإصرار عنيف: "بس المرة اللي فاتت قلتي إن ماعندكيش حاجة تخسريها ودي كانت كدبة لأن عندك حاجات كتير أوي ممكن تخسريها بسبب العناد اللي سايق فيه قدامي. بس خلاص شوية الصبر اللي كنت محوشهم ليكي خلصوا ومن اللحظة هتشوفي إزاي أقدر أقلب حياتك جحيم ومش بالكلام زي كل مرة. الأفعال."
"نفذيها بدأردت أبريل بحسم غاضب: "الأفعال اللي بتهددني بيها دي مش رجولة... دا دليل على جبنك وخستك اللي ما كنتش شايفاهم قبل كده."
عينيه لمعت بنار لن تخمد بسهولة. ثم بعزم مخيف هتف: "التهديد أوانه فات... من إنهاردة هطلع لك جوا كل كابوس هتشوفيه في نومك يا أبريل. هخليكي دايما خايفة تصحي من عز نومك على خبر موت حد عزيز عليكي... أخوكي أو ابن أختك ويمكن النسوانجي بتاعك... وأنا هكون أكتر من مبسوط بتعذيبك وحسرتك عليهم. وأوعدك بتاع النسوان مش هيكون جنبك عشان يحميكي من طاقة جهنم اللي فتحتيها على نفسك وعلى أهلك."
كلماته إنهالت على قلبها كالسياط مزقته بعنف مرتعب، وقد وصلت المعركة إلى ذروتها، لكنها بالتأكيد لن تكون المنتصرة بها.
***
عصراً.
سارت إبريل نحو شقة باسم بخطوات بطيئة، وهي تشعر بثقل في قلبها، وكأنها تحمل جبالًا من القلق فوق كتفيها.
فتح باسم الباب بابتسامة دافئة، تشبه حرارة حضنه الذي غمرها به، دفء نبع من أعماقه ليذيب جليد التوتر الذي أحاط بقلبها، بينما ذراعيه نسجت حولها خيوطاً لا تنفك بسهولة، وهمس في أذنها بنبرة هادئة: "وحشتيني يا إبريل... اليوم كان طويل من غيرك."
كانت جملته كالنسيم الحاني على قلبها، لكنها شعرت أن الصمت بينها وبين نفسها كان أكثر ارتفاعًا من الكلمات، فاكتفت بإبتسامة خجولة ردًا عليه، وهي تخرج من بين ذراعيه.
أمسك باسم بيدها بحنان، وقادها إلى طاولة الطعام التي رتبها بنفسه، لتتفاجأ بالطاولة مزينة بأطباق شهية بعناية، والشموع تضيء بلمسة ساحرة، ورائحة العطر تفوح منها، تخلق جوًا خياليًا، وكأنهما في عالم خاص بهما مع إضاءة خافتة تشع من مصابيح صغيرة بالأركان، والستائر المغلقة تعزلهم عن العالم الخارجي.
بحركة مليئة باللباقة، سحب لها كرسي على اليمين لتجلس عليه، ثم جلس على رأس الطاولة، بدأوا في تناول الطعام، ويبادلان أطراف الحديث، لكن في عوالمهم الخفية كلاهما مستغرق في أفكاره.
إبريل غارقة في دوامة من التردد، تخشى أن يكون الاعتراف بما فعلته شرارة تشعل غضبه، في اللحظة الحالية التي تشع بالسعادة، حيث تدللت على نسمات حبه وعاطفته، وكل كلمة منه كالعطر الذي ينعش روحها. لا ترغب في إفساد هذه اللحظة الثمينة، رغم أنها تدرك أن الصمت قد يمزق الثقة بينهما، لذا قررت أن تؤجل المسألة، وتخطط لحديث تدريجي في وقت لاحق.
توجه باسم نحو المطبخ، ليحضر أطباق الحلوى، لكن أفكاره كانت تطارده بلا رحمة، تتقافز في ذهنه كظلال متلاطمة، فهو يعلم أنها ذهبت إلى مكتب مصطفى، لم يكن الأمر سرًا بالنسبة له. هاتفه الذي أصلحه اليوم كشف له عبر تطبيق المراقبة أنها كانت عائدة من طريق الشركة. والغيرة والشك كوحشين عنيفين ينهشان قلبه بضراوة، لكنه كبح غضبه بأعجوبة، منتظرًا أن تبادر هي بالحديث.
بعد فترة وجيزة لاحظ باسم شرودها وصمتها الطويل، مما جعله يحاول كسر الجدار بطريقته الخاصة. أمسك بقطعة حلوى صغيرة وقربها إلى فمها بابتسامة دافئة، فتناولتها إبريل مبتسمة بإستحياء، بنبرة هادئة مصطنعة سألها: "إيه يا إبريل... مش هتحكيلي عن يومك؟ عملتي إيه النهارده؟"
اتسعت حدقتاها بدهشة، كأنما لم تتوقع سؤاله، بللت شفتيها الجافتين بطرف لسانها محاولة إخفاء توترها، وردت بكذب عفوي مبالغ فيه: "كنت شغالة على المشروع الجديد اللي مسكته."
هزّ باسم رأسه ببطء، وكأنه يصدق ما تقول، ليطلق سؤاله كفخ يخفي خلفه جبالاً من الغضب المكبوت: "ومكنتيش بتردي على تليفونك ليه؟"
ابتلعت ابريل ريقها بتوتر يعتصر ملامحها، فقد تاه عقلها بين زحام الأحداث الأخيرة، لكنها أجابت بهدوء صادق: "كنت ناسية أرفع الصوت."
اجتاحت عيناه الرماديتان برود قاتل، كأنهما غيوم داكنة توشك على أن تمطر عاصفة، معتقداً أنها حيلة ضعيفة منها للهروب، ليدمدم بصوت حاد: "كدبتين ورا بعض؟ جراءة زيادة منك يا إبريل."
انقبضت شفتيه معًا قبل أن ينفي من بين أسنانه، وهو يشد على قبضته بقسوة: "لأ مكنتيش في الشركة... ولأخر مرة هديكي فرصة تراجعي نفسك وتقولي الحقيقة. كنتي فين؟!"
صاح بسؤاله الأخير في صرامة جمّدت إبريل في مكانها، ونبض قلبها تسارع بشدة، لكنها حاولت التماسك، مغمغمة بصلابة هشة، وهي تلهث قليلاً: "عصبيتك دي معناها إنك عارف إجابة سؤالك."
مال برأسه نحوها، وهمس بصوت مليء بإنذار خطير: "وما دام فهمتي... ياريت تبطلي اللف والدوران ده... وتقولي لي إيه اللي وداكي عنده؟"
"إنت بتراقبني؟!"
انبثقت هذه الفكرة في عقلها باستيعاب، مما دفعها للاستفسار بتعجب، وهي ترفع وجهها القريب من وجهه، حتى تلاقت أنفاسهما في لحظة مشحونة بالتوتر تلاحمت مع عواصف عينيه بشيء من الجنون.
"بعد اللي جرى امبارح... كنتي متوقعة أسيبك من غير حماية... إزاي يعني؟!"
هكذا جاء رده مستنكراً، فارتدت بظهرها ناظرة إليه بعدم رضا تجلى في قولها المرتعش: "بس أنا مش طفلة صغيرة عشان تبعت رجالتك يمشوا ورايا."
جزّ على أسنانه بعنف، وعنادها يدفعه إلى حافة الصبر. أطلق زفيرًا قوياً، ليخفي عنها مراقبته لهاتفها: "ما مشيتش حد وراكي... العربية كان فيها GPS."
اجتذبها إليه فجأة من ذراعها، فتشابكت أنظارهما معاً، قبل أن يهتف بلهجة تتسرب منها كحمم بركانية: "وما تخرجيناش من الموضوع! بتكدبي عليا ليه؟! انتي اتجننتي تروحيله برجلك؟! إيه؟ مستبيعة؟ ما خفتيش يعمل فيكي حاجة؟! ما فكرتيش فيا أنا؟! وفي اللي هحسه لما تعملي حركة زي دي ومن ورا ضهري؟! بتخبي عليا ليه؟!"
حررت إبريل ذراعها من قبضته القوية، بدموع ترتعش بفزع في محجريها، تاهت تبريراتها على لسانها: "أنا كنت هقولك... والله... بس..."
قاطعها بصوت عالٍ، وضرب الطاولة بقبضة يده بعنف: "إيه؟! هتفضلي تبسبسي كتير؟ ماتكلمي على طول!"
بدأت الدموع تتساقط على خديها لا إرادياً، ردت بصوتها المختنق: "انت موترني... هكلم إزاي وانت بتزعق كده؟!"
"انتي بتعيطي ليه؟! هو ضايقك مش كده؟! عملك إيه؟! احكي... ما تجننيش زيادة بسكوتك ده!"
زمجر باسم بعنف، وعيناه تبرقان بصواعق جنون الغيرة.
فتجمدت للحظة، غير قادرة على الكلام، فضرب الطاولة بقوة وهو ينهض من مكانه، يبحث بعشوائية عن مفاتيح سيارته.
"وعزة وجلالة الله... لا أعرف أندمه المرة دي كويس أوي... ومش هستناه يجي لي أنا اللي هجيبه تحت رجلي... ومحدش هيقدر يرحمه من إيدي!"
قالها بثوران أعمى، وهو يندفع بخطوات غاضبة نحو باب المنزل، فركضت إبريل مسرعة لتقف أمامه، ممسكة بكتفيه، لتهتف بهلع ينسكب مع حروفها: "استنى يا باسم... إنت مجنون! عايز تروح فين؟!"
"أوعي من سكتي!"
قالها باسم بصوت متقطع من غضبه المفرط، وهو يحاول دفعها من طريقه، فنظرت إليه بتوسل، لتحاول تهدئته لم تدرك أنها تزيد الطين بلة: "عشان خاطري... ما تتهورش! هو ما عمليش حاجة والله... أنا اللي روحتله من خوفي عليك."
توقف باسم لوهلة محدقًا فيها باندهاش، ثم هدر بتهكم مشوب بالاستنكار: "خوفك عليا!! انتي بتستهبلي صح!! ما تعرفيش إنه وسخ!! ما خفتيش من اللي ممكن كان يعملوا فيكي وانتي رايحة له برجلك؟!"
استشعرت إبريل خوفه العميق يتوارى خلف براكين غضبه العارمة، فتضاعف شعورها بالألم ممتزجاً بعبراتها الحارقة، قبل أن تنطق بتقطع: "أنا مفكرتش كدا... مكنتش عايزة اللي حصل امبارح... يتكرر أو يتجرأ ويأذيك تاني... ف روحت أوقفه عند حده وأفهمه يبعد عننا و..."
التفت قبضته كطوق من نار حول كتفيها، بعينين تقدحان شررًا، وهتف بحدة شرسة: "وإنتي فاكرة نفسك سوبرمان؟! أنا كنت طلبت منك تعملي حاجة؟! كنت قصرت معاكي في حاجة!! كان حد قالك إني خرع وما أعرفش أجيب حقي وأحميكي منه!!!"
ابتسمت إبريل بفخر، وقالت بهدوء: "ما بقتش محتاجة حد يقولي حاجة بعد ما شفت اللي عملته فيه..."
لكن ما لبثت أن انسدلت عبراتها أكثر من فرط خوفها العميق، وهي تكمل بصوت منخفض مليء بالندم الصادق: "باسم... لما عملت دا كله من الأول ما فكرتش إننا هنوصل لكدا... دلوقتي إيه اللي استفدنا غير البهدلة؟ أنا مش عايزة حد يتأذى أكتر من كدا بسببي."
تسلل حزنها إلى قلبه، لكنه لم يكن كافياً لإخماد لهيب الشك والغيرة المتأجج في أعماقه، فهزها بقوة وصوته خرج ممتزجاً بالحنق والغيظ منها: "انتي غبية... دا كان هدفه من البداية، يضربني ويلعب على أعصابي عشان يجبرني أجري عليكي زي المجنون فتترعبي! كان كل دا ضغط عليكي عشان يخليكي تتهوري وتروحيله برجلك... وإنتي بكل غباء وقعتِ في الفخ."
تقرّ في داخلها بصحة حديثه الذي زاد من اشتعال نيران القلق في قلبها، بينما زاد ضغطه على أسنانه مستطرداً بصوت مقهور: "عايزة تعرفي قالي إيه ليلة امبارح؟ كان واقف بتحداني إنه هياخدك مني زي ما أنا خدتك منه... كان بيكلم عليكي كأنك لعبة في ميدالية مفاتيحه يا هانم."
اجتاحت إبريل نوبة من الاختناق، فخفضت عينيها إلى الأرض، ووضعت كفيها على صدره، همست بصوت مختنق معبر عن قلقها: "باسم... الموضوع معقد أكتر من كده!"
قاطعها باسم باندفاع: "إذا كان على فلوسه اللي مديونين أبوكي ومراته ليه أنا هدفعهم عشان نقفل أي سكة عليه."
رفعت إبريل رأسها بصدمة تتجلى على قسماتها وهي تسأله بخفوت: "يعني كنت عارف... من أمتي وانت عارف الكلام دا؟!"
تنهد باسم بعمق، وكأن ثقل العالم يجثم على صدره: "من يوم ما كنت عندك في أوضتك... سمعت ريهام ومصطفى بيكلموا... وكان عايزها تقنعك وتأثر عليكي بموضوع الديون عشان ترفضي جوازك مني."
تزاحمت الشكوك في عقلها، وعادت بذاكرتها إلى أحاديث ريهام السابقة معها، وهي تحاول إقناعها بأن باسم ليس مناسبًا لها، وبدأت تتبلور في ذهنها فكرة مفادها أن أختها كانت تسعى لإبعادها عنه، لكن هل السبب وراء ذلك اتفاقها مع مصطفى أم من غيرتها على باسم.
قاطع مصطفى تفكيرها بسؤال ممزوج بالشك: "منين عرفتي الحكاية دي... الحيوان ده اللي قالك؟"
ردت أبريل ببساطة نافية: "لأ... يوسف."
شعرت بنار الأسئلة تتأجج داخلها، رفعت عيناها تلتقيان بعينيها الرماديتين: "هو ممكن أسألك سؤال واحد وتجاوبني عليه؟"
أومأت برأسه بالموافقة، فاستجمعت شجاعتها، وكلمات مصطفى السامة ما زالت تتوغل في قلبها كالسوس: "هي ريهام كانت هي حبك القديم اللي أنت حكيت لي عنه الصبح، مش كدا؟"
تجمدت ملامحه بتفاجئ كأن دلو من الماء البارد صب على رأسه، فانعقد لسانه عن النطق.
"هي الإجابة صعبة أوي كدا؟"
قالتها بكبرياء حزين، فصمته مثل شعلة جديدة من الشك تحرق قلبها، دفعت يديه برفق من على ذراعيها، وكأنها تحاول التحرر من قيوده، والتفتت لتعطيه ظهرها، فسألها بدهشة، وخوفه يكاد يتسرب من صوته: "رايحة فين؟"
"أوقات السكوت بيبقى أبلغ رد على السؤال... وسكوتك كان هو الرد اللي ما تمنيتوش منك."
هكذا همست في سرها بخيبة أمل، قبل أن ترد بهدوء مبحوح، وهي تمسح دموعها وتمشي بعيدًا: "محتاجة أدخل الحمام... لو ممكن."
تنهد مستسلمًا: "طيب... خدي راحتك."
توارت خلف باب الحمام. فوقف باسم مذهولاً من سؤالها، ثم جلس بهدوء على كرسي الطاولة، محاولاً استيعاب ما حدث، بينما شعوره بالذنب والغضب يتزايد بداخله. فأخرج باسم هاتفه من جيبه الخلفي، يعبث به في محاولة منه لتشتيت ذهنه عن مشاعر الغضب التي كانت تهدد بفقدانه السيطرة، ونيران الحنق لا تزال مشتعلة في صدره، متأكداً أن مصطفى هو من أخبر إبريل عن علاقته القديمة بريهام، ساعيًا بذلك لإحداث فتنة بينهما.
لكن تفكيره انقطع حين وصلت إليه رسالة عبر تطبيق الرسائل النصية من رقم غير مسجل.
فضولٌ غريب انتابه ففتح الرسالة، ليجدها صوتية فضغط على زر التشغيل، ليخترق صوتها الرقيق أذنيه، هذا الصوت الذي يتلهف لسماعه بشغف في الآونة الأخيرة، لكن هذه المرة كانت تتسرب من بين شفتيها كأنياب الغدر والخيانة القاتلة تنهش قلبه بشراسة، فانزلقت دمعة لم يتحكم بها من عينيه على شاشة الهاتف، تعبيرًا عن مدى قوة قهره وصدمته العنيفة.
"باسم كداب... ومالوش أمان... وأنا مابحبوش... ومش فارق معايا... وهيجي اليوم اللي هتخلص فيه منه وأبيعه قبل ما يبيعني."
بشفتين مضغوطتين كأوتار قيثارة مشدودة، وقلب ينبض بشدة تحت وطأة الخيبة، أخذ يستمع إلى التسجيل الصوتي الثاني لها، بنبرة تحمل اعتذار وندم، وكل كلمة بمثابة طعنة غادرة تنغرس في قلبه، تفتح جراحًا قديمة لم تندمل بعد: "مصطفى حبيبي!! أنا آسفة إني جرحتك ووجعتك كان غصب عني... كنت بنتقم منك... كنت فاهماك غلط... بس اكتشفت إني ماقدرش أعيش من غيرك ولو كملت معاه هبقى بظلم نفسي... أنا مش هقدر أكمل معاه يوم واحد تاني... هطلق منه وهكون معاك تاني... وننسي كل اللي فات وتعالى نبدأ صفحة جديدة."
ضغط على شفتيه بقسوة، وعيناه الرماديتان تعكسان عاصفة من المشاعر المتلاطمة، ويداي تعتصران قلبه بلا رحمة، يشعر بموجة من الغدر والخيانة تغمره، تشل أنفاسه كأنه يغرق في بحر مظلم.
هل كانت تحب مصطفى بالفعل؟ هل كان مجرد أداة للانتقام؟
رفع عينيه الممتلئتين بدموع كبريائه المتصدع، وترددت في عقله همسات الشياطين: "كاذبة، كانت تتلاعب بك، كانت تخدعك."
بينما كان يغوص في تهلكة أفكاره، انقضت عليه رسالة صوتية ثالثة كالسيف المسنون، ضغط عليها بخفة، فخرج صوت مصطفى الأجش، تتردد نبراته الشامتة مفعمة بالتحدي كقذيفة على رأس الآخر: "اتأكدت دلوقتي من كلامي لما قولت لك هخليها تجي لي برجليها وهرجعها لحضني من تاني... ظاهر إن الدرس القديم اللي أخدته من ريهام ما علمكش حاجة... بس أنت اللي غلطان يا بيسو كنت متوقع إيه من أختها؟ أكيد هتكون بنفس الطبع... وأديك سمعت بودانك ياريت تكون اتأكدت دلوقتي إن كان ملعوب بيك. من الآخر مكنتش أكتر من كوبري ليها عشان تستفزني."
استأنف حديثه بتعاطف مزيف: "بس تصدق دلوقتي أنت صعبان عليا أوي... وتصدق كمان أنا دلوقتي اللي مبقتش عايزها... أصل اللي تسيب راجل وتروح لغيره تعملها كتير... وعموماً لو عايز تكمل معاها براحتك حلال عليك... سلام يا بيسو."
اعتصر كفه بعنف وكأنما يسعى للسيطرة على بركان مشاعره المتفجرة، تزامناً مع خروج إبريل من الحمام التي تجمدت خطواتها مشدوهة، حين قفزت كلماتها من التسجيل الصوتي إلى آذنيها بعد أن أعاد تشغيله بتعمد. شعرت كأنها تلقت صفعة قوية، قلبت موازين عالمها. وبعدما انتهى التسجيل، نهض باسم بخطوات ثقيلة، يتقدم نحوها كمن يقترب من عدو في ساحة معركة، وعيناه الرماديتان مثبتتان على وجهها الذي خفضته بتوتر.
سألها بنبرة صخرية مفعمة بالشك: "صوتك ده وكلامك ولّا لأ؟"
شعرت إبريل بلسعة مؤلمة في أنفاسها، وكأن الهواء المتصاعد قد تحول إلى دخان ملوث يغزو رئتيها مثل سم خبيث، همست بخفوت كمن يسعى لردم هوة عميقة بينهما: "كلامي... بس... اسمع الحكاية..."
"حكاية إيه المرة دي؟! كدبة جديدة!!!"
قاطعها باسم بإستهجان حارق كالبركان، وتابع متهكماً، يجلدها بكلمات قاسية كأنها سوط يمزق روحها بسبب جرم لم ترتكبه، مما زاد من عمق جراحها النفسية: "آه... ما أنا عارف... دا سهل أوي بالنسبالك... انتي بصراحة عندك قدرة على التمثيل والغش والتأليف بسرعة تتحسدي عليها."
تأملته أبريل بإحباط يلمع بالدموع في عينيها الفيروزيتين، وبصوت مختنق يطفو على حافة الانهيار، ترجت عقله أن ينفتح لفهم مشاعرها: "انت مش فاهم حاجة؟!"
"كنت مش فاهم..."
تراجعت أبريل بخوف مع ارتفاع صوته الحاد بغلظة، لتصطدم بظهرها بالحائط، محاصرة بينه وبين صدره الهادر بهيجان: "وخلاص فهمت؟!"
قالها باسم مهسهساً، وعيناه الرماديتان تتوهجان بغضب أسود ليهوي بقبضته على الحائط خلفها بقوة، وكأنه يفرغ جمرة ألمه. ثم تقدم نحو طاولة الطعام، أمسك بمفرشها بقبضة وحشية، ونفضه بعنف، فاندفعت الأطباق في الهواء، ثم تصطدم بالأرض كقلوبهم المحطمة، وتتناثر شظاياها بفوضى عارمة.
"كل الحاجات دي مابقاش لها داعي أصلًا."
كتمت إبريل شهقتها بألم يتخلله الوجل، مختنقة بالعبرات، حين هتف بهذه الكلمات بسخرية لاذعة من بين أنفاسه المتلاحقة.
سرعان ما احتضنته دوامة حالكة من الضحك الهستيري، مفعم بالقهر وعدم التصديق، وكلماتها عنه تخترق عقله كرصاصة غادرة.
ظل باسم يهذي، غارقًا في شلال غضبه: "انتي بتلعبي بيا أنا... انتي اللي عايزة تخلصي مني أنا... إذا كان أنا... أنا اللي كنت بخدعك... أنا... أنا اللي كنت بضحك عليكي..."
اتسعت مقلتاها في صدمة، وشظايا كلماته تتسلل إلى أعماق قلبها، تنغرز فيه بوحشية، لتزيد من آلامها جرحًا، بينما كانت ضحكته تتداخل مع كل جملة، تشكل سخرية مريرة تعكس أوجاع الخيانة المتفجرة من أعماق قلبه الجريح، محولة الألم إلى قسوة تشل أنفاسها.
حدجها بعينين حمراوين، يحملان بقايا ابتسامة ممزقة، وقال باستغراب ساخر مفعم بالقهر: "إيه مالك مستغربة ليه؟! أيوة... زي ما استغلتيني عشان تنتقمي من أختك... أنا كمان استغليت لعبتك عشان أنتقم منها."
أشار بإصبعه نحوها، متعمدًا إهانتها وتقليل قيمتها، كأنها مجرد أداة في لعبته أيضًا: "كنتي يعني مش أكتر من وسيلة عشان أوجعها... كنتي بالنسبالي زي أي علبة فشار مسلي قدام فيلم سهرة تافه."
نظرت إليه من خلف فيروزيتيها التي تخفي مزيجًا من الأسى والاستسلام، ودموعها تنساب دون ضجيج على وجنتيها كوداع أخير من روح منهكة، شفتيها المطبقتان تحبس الكلمات خلف أسوار قلب متألم، بماذا يفيد الإفصاح؟
رمقه باسم بنظرة عاصفة حادة، عيناه تجولان من رأسها إلى قدميها، وكلماته تقطر قسوة واستخفافًا: "وفري دموع التماسيح دي للي هتخدعيه بعدي... خلاص اتكشفتي قدامي... ومعدتش يخيل عليا ولا هيأثر فيا وش البراءة اللي بتمثلي بيه على الكل ده."
نظرت أبريل إلى الأسفل، ملامحها لوحة من الألم والحزن، توازت مع نبرتها الخافتة في ليل مظلم: "خلص."
صمت مريب لف المكان لحظات، مما جعلها تظن أن سلسلة إهاناته انتهت. بخطوات مرتجفة، تقدمت نحو الباب، محملة بأثقال لطخت كرامتها، فللتت منها شهقة هشة عندما اجتذب ذراعها إليه، مغتاظًا من برودها وصلابة ملامحها، بينما كانت تلك القشرة تخفي دمار روحها المتصدعة: "على فين؟! إيه... هتهربي كعادتك الجبانة؟! إنتي كدا مابتقدريش تواجهي بعد ما بتتكشفي عشان جبانة وحقيرة؟!"
فاض كيلها من عجرته وقسوته المبالغ بها، ونظراته الحارقة التي تخترق كل دروعها، كأنها خلف قفص حديدي، وإتهاماته كالأصفاد تكبل معصميها في انتظار حكم الإعدام الذي سيهتف به في نهاية هذه الجلسة.
نفضت قبضته عن ذراعها بجفاء، قائلة بكبرياء مهدور محاولة التمسك بما تبقى لها من شجاعة: "هيفرق في إيه كلامي!! مش المطلوب حصل وانت انتقمت زي ما كنت عايز؟! مبروك عليك نجاحك... اتسلينا شوية!! زعلان ليه؟ أنت ما خسرتش حاجات كتير يعني... اعتبر نفسك كنت في إجازة وخلصت وهترجع لحياتك تاني بعد ما تطلقني."
ابتسامة شيطانية ارتسمت على شفتيه تنذر بالخطر، ثم همس بتهكم جامح، ونيران الغيرة تنبعث من بين أنفاسه تشعل حريقاً في قلبها: "برافو، طلعتي نفسك ضحية للذئب الشرير... بجد اللي يشوفك وأنتي بتداويني وبتعيطي وبتمنعيني من إني أتهور يبصم بالعشرة إنك خايفة عليا... واللي يشوفك وأنتي دايبة في حضني يصدق إنك عاشقاني بحق وحقيقي... انتي بجد ممثلة شاطرة أوي يا أبريل... بجد برافو عليكي... أنا اللي كنت غبي."
ارتد خطوة للوراء، ممرًا يده على وجهه كأنه يحاول مسح الألم الذي استوطن قلبه، مكظمًا انكساره بعنفوان، فهو لن يتقبل الهزيمة بسهولة، ليتمتم ببرود حاد: "يلا... مش هعطلك أكتر من كدا... باين عليكي مستعجلة أوي عشان ترجعي لخطيبك السابق... كان عنده حق لما قال يقدر يرجعك لحضنه تاني... أنا مابحاربش على بضاعة فاسدة... واصلا مبقتيش لازماني... ورقة طلاقك هتوصلك قريب."
"يلا... اتفضلي مع السلامة."
"قبل ما أمشي هقولك حاجة واحدة بس!! أنا معملتش حاجة في حقك أستاهل عليها أي كلمة أنت سمعتهالي دلوقتي..."
قالتها بصوت منخفض، يضاهي تمزق قلبه، ثم نظرت إليه نظرة أخيرة مليئة بالأسى قبل أن تخرج مسرعة من الشقة، وكأنها تُغلق بابًا في قلبها أو هكذا أوهمت نفسها.
انهار جدار الجمود عن ملامحه، وتحولت مشاعره من غضب إلى ألم غريب يغزو قلبه، تاركًا إياه محطمًا، ضائعًا بين شكوكه التي تتغذى على حب ناري لا يمكنه الهروب منه.
رمى الهاتف على الأرض، وانهار على ركبتيه، صرخ بحرقة نابعة من قلب عاشق مكلوم، ينطق بما يشعر به بعدم تصديق: "إزاي لحد إمبارح كان عندي استعداد أكون قاتل أو مقتول، ولا حد يقرب لك بسوء، وإنتي النهارده تقتليني بالجحود دا؟"
تعمَّد جرحها بضراوة تشعل في قلبها شظايا انتقامه المكسور، عقابًا لكرامته ورجولته المهانة، بينما كلماتها الأخيرة، انطلقت من شفتيها كأشباح تحاصر عقله، فضغط على أسنانه بقسوة صارخاً بقهر: "كدابة."
بينما يدفع الكرسي بعنف، كأنه يحاول تحطيم سلاسل الذل التي كبلته.
عندما تتوقف المرأة عن كونها "شرسة" معك،
تُجيب على اتهاماتك بمنتهى الجمود، لا تعاتب، لا تبرر، لا تلوم.
عندما تقول "نعم" أنت ربحت دون حتى مناقشتك،
تأكد أنك لم تعد بحوزة قلبها، لم تعد تعنيها.
فالأنثى داخل الحب لا تشبه نفسها وهي خارجه.
حين تتوقف عن فعل يثبت لك خطأك في حقها فأنت خسرتها.
***
عند أبريل.
نزلت من منزله، تسير بخطوات متثاقلة ونظرات مشوشة تغمرها دموع كثيفة كغيمات معتمة، عقلها غارقًا في ضياع لا حدود له، غير قادرة على تحديد وجهتها.
كلماته تتردد في رأسها كطنين نحلة عمياء، لا تفارقها، تنخر في أعماقها، تزعزع أركان قلبها، ثم تقذفه بعنف على صخرة الحقيقة القاسية: "لقد أحبته."
توقفت خطواتها، تلمس صدع تفكيرها بصدمة مفاجئة، هل أحبته حقًا؟
جاءتها همسات قلبها كنداء مؤلم: "لا تنكري استسلامك الكامل بين يديه بوداعة."
تذكرت لحظات السعادة التي غمرتها بالأمس، كيف كانت نبضاتها تتراقص فرحًا باهتمامه ورعايته كخيوط حرير تلامس جروح روحها بنعومة، لكن العقل سرعان ما قطع هذا الوهم، يعنفها: "انسِ كل ما يتعلق به، لقد أهانك، وكان يتلاعب بمشاعرك كدمية في يده."
بين نيران مشاعرها المتأججة، كانت تشعر بأن حبها له أصبح سلاحًا ذا حدين، يرتقي بها إلى قمة السعادة ويهوي بها إلى قاع بحر مظلم في آن واحد.
زفرت بعمق، يكفيها أن تتوغل في دوامة الوهم، متمسكةً بفكرة أنه كان يكن لها مشاعر صادقة بل كان يتلاعب بها، فهي المخطئة رغم أن الشكوك تراكمت كسحب قاتمة فوق عقلها، لم تصدق حرفًا واحدًا مما قيل عنه، واختارت بإرادتها أن تمنح له الثقة، كمن يمنح مفتاح قلبه لأحد الغرباء، وهي تأمل أن لا تبتلعها غياهب الخذلان مثل كل مرة، بينما هو في انفعاله، سرعان ما تسارع في تصديق ما سمعه.
كيف لعاشق أن يفرط في حبيبته بهذه السهولة، إلا إذا كانت في أعماقه لا تعني له شيئًا؟ لم يعطها فرصة لتدافع عن نفسها، لم يتمسك بها، كأن جراحه القديمة قد تسللت إلى أعماق نفسه، مكونةً درعًا من الجمود والتخلي، ربما خائفًا من أن تتركه كما فعلت شقيقته في الماضي؟ لكنها ليست مثلها، لماذا عليها أن تتحمل دائمًا وزر ما لا ذنب لها فيه؟
استرجعت في ذهنها ما دار من حديث في الصباح داخل مكتب مصطفى.
"flash back"
"وأنا هكون أكتر من مبسوط بتعذيبك وحسرتك عليهم... وأوعدك بتاع النسوان مش هيكون جنبك عشان يحميكي من طاقة جهنم اللي فتحتيها على نفسك وعلى أهلك."
كلماته إنهالت على قلبها كالسياط مزقته بعنف مرتعب، وقد وصلت المعركة إلى ذروتها، لكنها بالتأكيد لن تكون المنتصرة بها، مما دفعها للتراجع بخطواتها نحو باب المكتب، مصممة على المغادرة، لكن سؤاله الماكر كان كفيلًا بإيقافها: "نسيت أسألك يا تري؟ زي ما عرفتي بموضوع ديون أهلك ليا... يا تري سيادة المخرج النبيل صارحك باللي كان بينه وبين أخته ريهام ولا...؟!"
التفتت أبريل نحوه بريبة يغلفها الحذر، وكأنها تقرأ ما خلف نبراته المسمومة: "قصدك إيه باللي بينه وبينها؟"
أجابها مصطفى بنبرة ساخرة، وهو يمشي نحو مكتبه، وجلس مستنداً بظهره على الكرسي الفخم: "شكله ماحكاش ليكي قد إيه حبها وكان عنده هوس كبير بيها من أيام مراهقته... بس هي ما كانتش شايفة إه أصلاً وراحت اتجوزت... ولأنه عنده نقص كبير في رجولته من وقتها وهو بيسعى يرد كرامته منها بأي طريقة... وأنتي كنتي فرصة كويسة ليه... يقرب منك ويتجوزك عشان يقهرها عليه ودا طبعاً لأنها لسه في دماغه ومقدرش ينساه."
تشنجت ملامح وجهها بصدمة، لكن لم تدع لسانها ينطلق قبل أن تستعيد زمام الأمور، بينما قهقه مصطفى بخشونة، مستكملاً حديثه: "عارفة بضحك على القدر يا أبريل... بجد غريب أوي وقت لما هربتي مني عشان حسيتي إني هأذيكي... روحت اتحميتي في اللي أذاه هيصيبك في مقتل... والأيام هتثبت لك إنه هيرميكي بعد ما يزهقك منك."
عقدت ذراعيها أمام صدرها، وصدى كلماته يتردد في جنبات قلبها المتسارع بقلق، بينما يردف متلذذًا بكل كلمة يلقيها عليها: "نصيحة مني ماتضحيش بالكل عشان خاطر واحد مخدوعة فيه... دا واحد كداب ومالوش أمان وانتهازي... فكري أحسن في أختك وأخوكي وابن أختك كل دول هيروحوا فين وإيه مصيرهم لما أبوكي يدخل السجن... انتي نفسك هتواجهي المجتمع إزاي!! هتقدري تحققي النجاح اللي نفسك توصليله إزاي!! هو شخصياً أول واحد هيسيبك غرقانة ويروح بعد ما يبيعك بالرخيص."
توقفت أنفاسها للحظة، ليس لأنها صدقت كلامه، بل لأن القسوة التي نطق بها أشعلت نار التمرد في قلبها، فرفعت رأسها، وعيناها كانتا جمرتين تتحديان نظراته المتعالية ثم بثقة لا تخلو من الإزدراء تكلمت: "كل اللي قولته ده ما غيرش نظرتي فيك يا مصطفى... بالعكس حاسة إني بحتقرك أكتر من الأول... ومهما حاولت تشوه صورته في عيني مش هتعرف... لأن اللي بدأ بالغدر والكدب كان أنت... ومش صعب عليك دلوقتي تكررها تاني وتضحك عليا."
"وعشان توفر على نفسك التعب... ولو باسم كداب... ومالوش أمان... وأنا مابحبوش... ومش فارق معايا... وهيجي اليوم اللي هتخلص فيه منه وأبيعه قبل ما يبيعني... دي كلها حاجات ماتخصكش... دي حياتي وأنا حرة فيها أكون مع اللي اختاره."
هكذا اندفعت كلماتها بتهور ممزوج بالتحدي، دون أن تنتبه إلى الابتسامة الماكرة التي ارتسمت على شفتيه بعد أن حصل على مبتغاه من هذا اللقاء دون جهد، مما جعله يقول بعدم اكتراث: "براحتك محدش وقتها هيكون خسران كل حاجة غيرك... انتي مجرد لعبة بيغيظ بيها أخته... وكل اللي همه ينتصر على جروحه ماضيه... وأنتي بتديله الفرصة فاكرة نفسك بالطريقة دي بتستفزيني."
ابتسمت بسخرية تخفي خلفها شعور بالغيظ لا يخلو من الغيرة، ثم أخذت نفسًا عميقًا محاولة الحفاظ على هدوئها، ردت عليه ببرود متحدٍ ونبرة تهكمية: "وأنت بقا منتظر مني لما تقولي الكلام ده هعمل إيه ها!! هصدقك مثلا.. هحس بالندم وأقولك.. مصطفى حبيبي أنا آسفة إني جرحتك ووجعتك كان غصب عني.. كنت بنتقم منك.. كنت فاهماك غلط.. بس اكتشفت إني ماقدرش أعيش من غيرك ولو كملت معاه هبقى بظلم نفسي.. أنا مش هقدر أكمل معاه يوم واحد تاني.. هطلق منه وهكون معاك تاني.. وننسي كل اللي فات وتعالي نبدأ صفحة جديدة.. مش دي الأوهام اللي بتدور في عقلك عشان كبريائك منعك تعترف إني سبتك ومش راجعالك؟!"
أردفت بصوت يتسم بالقوة والعزم: "للأسف أنت غلطان أنا معاه بإرادتي عشان أنا عاوزاه.. واللي بينك وبين بابا أنا مش طرف فيه.. فاهم!؟"
حاول أن يخفي غضبه، وهو يلوى فمه بحقد، وقال بهدوء زائف مفعم بالخبث: "طيب يا أبريل.. افتكري إنك أنتِ اللي حكمتي على الكل يتحرقوا بنار أنتِ اللي ولعتيها.. وأول الناس اللي هتنكوي في النار دي هو أنتِ!!!"
"back"
في غياهب الحيرة وقفت حافيةً على جمر الهوس، لا تدري إلى من تسند لومها: إلى مصطفى الذي أحرقها انتقامه بنيران هوسه، أم إلى باسم الذي لم تكن له سوى أداة لتحقيق ثأره، أم إلى نفسها التي اقتادت روحها نحو حافة الهاوية بتهور، غافلة عن عواقب خطواتها.
وسط دوامة أفكارها المتزاحمة، تردد أزيز الهاتف في أذنيها، يسحبها ببطء من أعماق شرودها، توقفت نظراتها عند اسم المتصل على الشاشة للحظات، شعرت بأنفاسها تتثاقل، فرفعت يدها ببطء وضغطت على زر الرد، محاولة أن تتماسك، لكن صوتها المخنوق لم يخفِ مشاعرها.
أتاها صوته الرجولي الهادئ، يحمل في نبراته شيئًا من القلق: "مالك يا إبريل؟ النهارده ما جيتييش الشركة ليه؟"
حاولت أن تستعيد بعضاً من رباطة جأشها، فاستجمعت ما تبقى من قوة في صوتها، وقالت بصعوبة مشوبة بالكذب: "أنا آسفة يا مستر دياب على غيابي.. كان عندي شوية ظروف."
نبراتها لم تخدع أذنه الحذرة، فتساءل بلهجة حادة بعض الشيء لا تخلو من الغموض: "مال صوتك؟ إنتي بتعيطي؟"
سرعان ما أنكرت بصوت مرتجف: "لأ."
جاء رده مصرًا كأنه يستشف الحقيقة من وراء كلمتها: "لأ إيه؟ إنتي بتعيطي؟"
فاض قلبها بالكلمات، لكنها اكتفت بهمسة مختنقة: "مخنوقة شوية."
ارتفع القلق في صوته الأجش: "ليه؟ إنتي كويسة؟ إيه اللي حصل معاكي؟ إحنا مش بقينا أصدقاء؟ ولا لحقتي تنسي كلامنا الأخير؟"
ترددت أبريل للحظات، لكنها اعترفت بصوت خافت: "لأ، مش كويسة."
فسألها بحزم: "إنتي في البيت؟"
"لأ."
"طيب… ابعتيلي اللوكيشن وأنا هجيلك."
حاولت التهرب، كأنها تخشى مواجهة أحد بحزنها: "لأ... ما تتعبش نفسك... أنا هروح دلوقتي البيت."
لكن إصراره كان واضحًا، قاطعها بنبرة حاسمة: "يلا اسمعي الكلام... ومسافة السكة وهبقى قدامك."
انتهى الحوار عند هذا الحد، فلم تقو على الاعتراض أو الرفض، فهي في حاجة ماسة إلى من يخفف عنها هذا الثقل الذي يوشك أن يحول قلبها إلى رماد من شدة الاحتراق، والدفء في صوته، والاهتمام الجاد الذي لم يخلُ من الحنان الأبوي، تسلل إلى داخلها، ليوقظ بداخلها رغبة في أن تفتح قلبها إليه، وكأنها وجدت أخيرًا من يفهم جراحها دون الحاجة إلى كلمات كثيرة.
***
في الجهة الأخرى، بمكتب دياب، امتدت يده ببطء نحو صورة فوتوغرافية موضوعة على مكتبه، تجمعه بابنتيه التوأم.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، حينما تذكر حديثه مع إبريل منذ أيام، حين صارحها بأنه توأم داغر، ومتزوج، وأيضًا أب لطفلتين تعيشان مع والدتهما في دبي.
رفع دياب الصورة وقبّلها بمحبة، كأنه يستمد منها دفئًا وحبًا مخفيًا خلف ملامحه المهيبة، ثم أعادها مكانها، قبل أن يسرع بخطوات ثابتة نحو الخارج.