تحميل رواية «جمرية الصقر» PDF
بقلم سلوى عوض
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في قلب صعيد مصر، وتحديدًا في كفر الصياد بمحافظة سوهاج، تبدأ قصة " "، حيث تتشابك الأحداث بين الماضي والحاضر، وبين الحب والخذلان. البطلة، جمرية، فتاة في التاسعة عشرة من عمرها، تحمل في اسمها دلالة الرقة والبراءة، إذ يعني اسمها "اليمامة الصغيرة". نشأت جمرية في ظل حياة مليئة بالتحديات، حيث يعاني والدها، الحاج حمدان، من مرض مزمن جعل من حياته وحياة ابنته أكثر صعوبة. في المقابل، لم يكن حال والدتها أفضل؛ فقد انفصلت عن والدها وتزوجت من رجل طماع يدعى أمين، الذي يفتقر إلى الشخصية ويعيش في ظل تحكم والدتها. ب...
رواية جمرية الصقر الفصل الأول 1 - بقلم سلوى عوض
في قلب صعيد مصر، وتحديدًا في كفر الصياد بمحافظة سوهاج، تبدأ قصة "جمرية الصقر"، حيث تتشابك الأحداث بين الماضي والحاضر، وبين الحب والخذلان.
البطلة، جمرية، فتاة في التاسعة عشرة من عمرها، تحمل في اسمها دلالة الرقة والبراءة، إذ يعني اسمها "اليمامة الصغيرة".
نشأت جمرية في ظل حياة مليئة بالتحديات، حيث يعاني والدها، الحاج حمدان، من مرض مزمن جعل من حياته وحياة ابنته أكثر صعوبة.
في المقابل، لم يكن حال والدتها أفضل؛ فقد انفصلت عن والدها وتزوجت من رجل طماع يدعى أمين، الذي يفتقر إلى الشخصية ويعيش في ظل تحكم والدتها.
بالرغم من الظروف القاسية، تظل جمرية قادرة على مواجهة الحياة بقوة وصلابة، ولكنها تجد نفسها محاصرة في عالم مليء بالمتناقضات، ما بين عاطفة الأمومة المفقودة وعلاقة مع أخيها يوسف الذي اختار الهروب بعيدًا بعد أن اكتشف خطأه في حق والده.
وفي وسط هذه الفوضى، يظهر صقر، صديق يوسف المقرب، الذي تعهد بحمايتها، وأصبح الحامي الذي يحاول أن يظل بجانبها في كل وقت وحين.
لكن السؤال الكبير يبقى: هل سيكون صقر قادرًا على الوفاء بوعده وحماية جمرية من كل المخاطر التي تحيط بها؟ أم أن الحياة ستفاجئه بما هو أصعب من أي تحدٍّ كان يتوقعه؟
عبر مسار الرواية، سنكتشف إذا كان صقر سيظل الدرع الذي يحمي جمرية من أعداء الحياة، أم أن قدرهما سيكون له رأي آخر.
رواية جمرية الصقر الفصل الثاني 2 - بقلم سلوى عوض
كانت هناك عيون حادة تراقب جمرية من بعيد، عيون صقر التي لا تخطئ، تتابع كل ما يحدث.
صقر، الرجل الصعيدي في الثلاثين من عمره، يحمل هيبة أكبر من سنه، ووقارًا يجعل الكل يثق فيه. كان هو كبير كفر الصايغ، بعدما ورث القيادة عن والده الذي اعتزل الدنيا واكتفى بالعبادة. صقر رغم صغر سنه كان رجلًا بمعنى الكلمة، وملاذًا لكل من حوله، وكان أيضًا الصديق الوحيد والمخلص ليوسف، شقيق جمريه الوحيد.
صقر كان يتذكر جيدًا آخر لقاء بينه وبين يوسف، عندما جاءه يومًا ليحدثه عن أمر مهم.
(فلاش باك)
صقر: خير يا صاحبي! جلجتني من كتر كلامك إنك عايزني ضروري. في حاجة حصلت؟
يوسف: اسمعني ياصقر زين، أنا ياصاحبي كنت ظالم أبويا، لكن عرفت متأخر.
صقر: متأخر إزاي؟ فهمني يا يوسف، أنا مش فاهم حاجة.
يوسف تنهد وكأن الكلمات ثقيلة على لسانه، ثم قال:
يوسف: هاجولك اهو. فاكر لما كنت بجولك أمي كانت بتجولي إن أبويا مراضيش يبعتلي مصاريف ولا حاجة، وكانت أمي وجوزها بيعاملوني معاملة زينة، وكان جوز أمي بيعاملني زي عمار ولده بظبط.
صقر: فاكر طبعًا، وأنا وقتها جولتلك أنا ممطمنش لامك وجوزها. الحج حمدان نجعكم كله بيشكر فيه، هياجي على ولده ويعامله وحش.
يوسف: ما أنا للأسف ياصاحبي فهمت متأخر.
صقر: فهمني طيب إيه اللي حصل.
يوسف بدأ يحكي ما حدث:
يوسف: أمي وجوزها كانو بيكرهوني في أبويا، وأنا كنت بمشي ورا كلامهم لحد ما كرهت أبويا. لكن عاشية كنت نايم وصحيت، لقيتهم بيتحدتو ومش واخدين بالهم إني صحيت.
زبيدة: لولا المصاريف والحاجات اللي بيبعتها حمدان، كنا شحتنا. معرفش ليه يا أمين أنت مش مراضيش تشتغل.
أمين: بجولك إيه، متعمليش فيها الطيبة. أنتِ مجعدة يوسف معاكي بس عشان الي بيبعته أبوه، وعشانه عارفة إن كده كده حمدان مريض بالكلى وهيموت في أي وقت، وكده كده يوسف ولد وحيد، إنما بتك صغيرة، وأنتي بتقربي ليوسف ومقرابة منك جوي عشان لما يموت حمدان تحطي يدك على كل حاجة.
زبيدة: هو أنا بعمل كده لنفسي بس؟ مهو ليك انت كمان.
أمين: يبقى متجوليش اشتغل ومتشتغلش. يعني هو كان حمدان عيبعت قليل؟
زبيدة: طب جفل على الحديث ده للواد يصحى ويسمعنا.
يوسف وقف مذهولًا، يشعر كأن قلبه قد انكسر من صدمة الحقيقة. أكمل حديثه مع صقر:
يوسف: وقتها حسيت قد إيه كنت ظالم أبويا. كل كلمة كنت بسمعها كانت زي السكاكين في جلبي. أنا اللي كرهت أبويا وصدقت كلامهم.
صقر: يا ساتر يا رب! إيه الشياطين دول؟ هما خططوا لكل حاجة ونسيوا إن الأعمار بيد ربنا سبحانه وتعالى. طب إنت ناوي تعمل إيه دلوقتي؟
يوسف: أنا كده كده ناوي أسافر اشتغل في إيطاليا.
صقر: متقعدش ياصاحبي جار أبوك واختك وخد بالك منهم.
يوسف: والله ياصاحبي ما قادر أبص في وش أبويا.
صقر: اقعد بس راعي حالكم مع أبوك، وأبوك طيب وعمره ما يزعل منك.
يوسف: أنا كرهت البلد دي وعايز أمشي، بس عايز أأمنك أمانة ياصاحبي.
صقر: عيني ليك يا يوسف.
يوسف: عايزك تخلي بالك من أبويا واختي وتابعهم من بعيد لبعيد. إحنا ملناش حد بعد ربنا غيرك، وأي حاجة وحشة تحصل اتدخل على طول واتصل بيا أجي.
صقر: عيني ياصاحبي، بس هدخل بصفتي إيه؟ انت عارف إن محدش عارف عن صحوبيتنا حاجة، إنت من نجع وأنا من نجع.
يوسف أعطى الحجاب اللي كان متعلق بيه على طول، وسلمه لصقر.
صقر: إيه ده يا يوسف؟
يوسف: جدتي فاطمة كانت عاملة 3 حجاب. واحد لأبويا وواحد لجدي وواحد ليها. أبويا خد الحجاب بتاع جدي وأداني الحجاب بتاعه، وأدى حجاب جدتي فاطمة لجمرية.
صقر: طب وبتدهولي ليه ياصاحبي؟
يوسف: عشان لو حصل أي حاجة تروح لهم بالحجاب. هيعرفوا إنك أنت من طرفي، لأن أبويا موصيني مجلعش الحجاب ده خالص. أوعدني ياصقر إنك تحافظ عليهم.
صقر: أوعدك ياصاحبي إني أحافظ عليهم لحد ما ترجع لنا بالسلامة. بقولك يايوسف، لآخر مرة، خليك هنا وسط أهلك وناسك، وأنا هنا جارك.
يوسف: إنت متعرفش أنا كنت بتعارك مع أبويا وجمرية إزاي لما كانوا بيقولولي مروحش لامي. صدقني ياصقر والله ما قادر أبص في وشوشهم ياصاحبي. اتاري جمرية كان معاها حق لما كانت بتدافع عن أبويا. معلش ياصاحبي، سبني أعمل اللي في راسي، وزي ما وعدتني خلي بالك منهم.
صقر: خلاص يايوسف مش هضغط عليك تاني، اتوكل على الله وأنا هخلي بالي منهم.
يوسف يحتضن صقر بقوة.
يوسف: ربنا يخليك ليا يا صاحبي. أول ما أوصل إيطاليا هجيب خط جديد وأكلمك على طول.
وفعلًا، يوسف سافر واتصل بجمريه أول ما وصل.
يوسف: سامحيني يا جمرية، أنا غلطت كتير في حقك وفي حق أبويا. طمنيني على أبويا وقولي له أنا بحبه وهعوضه عن كل حاجة.
جمريه ردت بصوت مختنق من العياط:
جمريه: ربنا يرجعك بالسلامة يا حبيبي.
بعد ذلك، تواصل يوسف مع صقر عبر الهاتف ليخبره بوصوله إلى إيطاليا، وأعطى له عنوانه للتواصل. ولكن، بعد فترة، انقطعت أخبار يوسف تمامًا، ولم يعد أحد يعرف عنه شيئًا.
(الحاضر)
صقر: يا ترى إيه اللي حصل لك يا صاحبي؟ وفين أراضيك؟ مفيش حد من اللي يعرفوك شافك ولا سمع عنك حاجة. لازم أسافر وأشوفك، لكن طب وأخته جمرية؟ يارب دلني على الصح.
يفكر شوية ويقول:
صقر: أنا أحسن حاجة إني أسافر وأخلي زيدان هو راجل بثق فيه ياخد باله منها.
صقر بالفعل جهّز نفسه للسفر إلى إيطاليا، بعد أن أتمّ كافة الترتيبات اللازمة في كفر الصايغ. عهد بإدارة شؤون الكفر إلى عمه عباس، وطلب من زيدان أن يتولى مراقبة جمرية وحمايتها في حال حدوث أي شئ لها.
بعد ثلاثة أيام في منزل الصياد
عندما أفاقت جمرية من صدمة وفاة والدها، بدأت تبحث عنه في كل أرجاء المنزل دون أن تجده، وانهارت بالبكاء على رحيله.
زبيدة (تتظاهر بالحزن): خلاص يا بتي، ارحمي نفسك، وادعي له بالرحمة.
أمين (ممثلًا الحزن): جلبي معاكِ يا بنتي.
جمريه (بطيبة): ربنا يبارك فيك يا عمي، ما قصرتوش.
زبيدة (بتمثيل): خلاص يا أمين، يلا بينا نرجع بيتنا. الواجب خلص وقطعنا للرحوم، نقعد نعمل إيه هنا؟ مش معقول نفضل قاعدين في بيتهم.
أمين (بلؤم): بس يا أم يوسف، مش هنسيب جمرية لوحدها.
زبيدة: معاك حق، بس لو قعدنا الناس هتتكلم وتقول إننا ما صدقنا نقعد في البيت بعد ما المرحوم مات.
أمين: طيب، الحل إننا ناخد جمرية معانا. ما يصحش نسيبها لوحدها.
زبيدة: كلامك عين العقل يا أمين.
جمريه: أنا ما أقدرش أسيب بيت أبويا، كتر خيركم.
زبيدة (بتمثيل القلق): زي ما يريحك يا بنتي، لكن أنا جلبي مش مطمن عليكي وانتي لوحدك.
جمريه (بطيبة): خليكم قاعدين معايا، البيت بيتكم. محدش ليه حاجة عندنا.
زبيدة وأمين تبادلا النظرات بارتياح داخلي، وقال أمين:
أمين: اللي يريحك يا بتي إحنا هنعمله، يهمنا راحتك.
في هذه الأثناء، يدخل عمار حاملًا طعامًا كثيرًا:
عمار: يا أما زبيدة، أنا جبت أكل كتير. يلا ناكل سوا، يلا يا جمرية، لازم تاكلي معانا.
جمريه: معلش، مليش نفس للأكل. كلو بالهنا والشفا.
عمار: إحنا ما نقدرش ناكل لوحدنا، لازم تاكلي معانا.
جمريه: المرة دي سامحوني، المرات الجاية كتير. عن إذنكم أروح أطلع أرتاح شوية.
بعد أن صعدت جمرية إلى غرفتها، بدأ أمين وزبيدة الحديث:
أمين: اسمع يا عمار، لازم تخلي البت تحبك وتتجوزك. كده العز ده كله هيبقى بتاعنا.
زبيدة: كلامك صح، لازم العز ده كله يبقى ملكنا. يوسف سافر، وما حدش عارف إذا كان هيرجع.
عمار (بثقة): ولا يهمكم، أنا هخليها تصحى وتنام تقول عمار.
أمين: بس بطّل اللف ورا الغوازي في الموالد.
عمار: ما خلاص بقى يا بوي، يا تسيبني براحتي يا مليش صالح بالحديث ده ولا البت جمرية. فكر وجولي رأيك.
أمين: ماشي، بس خلّص دورك بسرعة.
عمار: طب هاتوا فلوس، رايح أسهر مع أصحابي.
أمين: أجيب لك منين؟
عمار: خلي مراتك تديني.
زبيدة: ما تخافش، أنا هديلك اللي تحتاجه.
أمين: ومنين جبتي فلوس؟
زبيدة: خدتهم من جمرية وهي مش واخدة بالها. قلت لها إننا محتاجين فلوس للواجب، وأدتني مفتاح الدولاب. دولابها فيه شئ وشويات.
عمار (بخبث): حبيبتي أنتِ يا مرات أبويا.
أمين: وأنا كمان عايز فلوس أمشي حالي.
زبيدة أخرجت عشرة آلاف جنيه، وناولتها لعمار:
زبيدة: خد دول، ولما يخلصوا هديك تاني، بس توقع البنت وتتجوزها.
أمين: وأنا كمان زيه.
زبيدة: حاضر، عينا ليكم، وأنا ليا بركة غيركم.
في المقهى
ذهب عمار ليسهر مع أصدقائه، وبمجرد وصوله أعلن:
عمار: طلبات القهوة كلها عليّ، يا معلم.
صاحب المقهى: على راسي يا عمار بيه.
همام (أحد أصدقائه): شكل العملية لعبت معاك. ماتيجي بينا نروحو نتفرجوا على البت محاسن الغازية.
عمار (بتحذير): اتحشم يافرخ انت وهو، انتو عارفين إني بحبها وبغير عليها، محدش فيكم يجيب سيرتها على لسانه تاني.
همام: مش انت هتتجوز البت بنت مرات أبوك؟
عمار: لا، ده بس عشان اللي وراها، أما محاسن هي اللي في القلب. يومين آخد فلوس من مرات أبويا وأجيب لها هدية زينة.
همام ومسعد (ممازحين): ماشي يا عمدة.
عمار: استنوا بس، قريب هبقى كبير نجع الصياد بحاله.
في منزل الصياد
كانت جمرية تجلس وحدها في غرفتها، تحيط بها ذكرياتها مع والدها. دموعها لم تتوقف منذ رحيله، ولكن فجأة توقفت عن البكاء ومسحت دموعها بيدها، قائلة لنفسها:
"أنا كده ما بفيدش أبويا بحاجة. بدل ما أقعد أبكي، أصلي وأقرأ قرآن وأدعي له. أبويا دلوقتي في الجنة بإذن الله، أكيد شايفني. لو شافني ببكي هيزعل عليا، لكن لو شافني بصلي وبقرأ قرآن هيكون فرحان بيا جوي. الله يرحمك يا بوي، كنت دايمًا تقول لي إن الدعاء والقرآن هم اللي هينفعونا في الآخر."
وقفت جمرية، وتوجهت إلى سجادة الصلاة. بدأت تصلي بخشوع، وكل ركعة كانت مليئة بالدعاء لوالدها. بعد الصلاة، فتحت المصحف وجلست تقرأ منه بصوت هادئ مليء بالسكينة، وكأنها تستمد قوتها من الكلمات التي تقرؤها.
كانت تشعر أن روح والدها تملأ المكان، وأنه بجانبها يبتسم لها بفخر.
في إيطاليا، تحديدًا في ميلانو
وصل صقر إلى ميلانو، وهو يعرف المدينة جيدًا بحكم عمله كرجل أعمال، حيث اعتاد السفر إلى هناك بين الحين والآخر. فور وصوله، توجه إلى الحي الذي يعج بالمصريين، وذهب إلى مكان إقامة يوسف حيث كان محمد، صاحب يوسف وزميله في السكن، والذي كان صقر دائمًا يسمع عنه من يوسف.
عندما وصل صقر إلى السكن، استقبله محمد بابتسامة حارة.
صقر: "إزيك يا ميمو؟ أخبارك إيه يا صاحبي؟"
محمد: "الحمد لله يا صاحبي، أخبارك إنت إيه؟ قلت لي إنك جاي، بس ما كنتش متوقع تيجي بالسرعة دي."
صقر: "أخبار يوسف إيه يا ميمو؟"
محمد تلعثم للحظة، ثم رد بصوت حزين:
محمد: "بقالنا شهرين ما نعرفش عنه حاجة يا صاحبي."
صقر: "كيف يعني؟"
محمد: "مش عارف، هو كان كل يومين يختفي ويرجع تاني، لكن الفترة دي اختفى تمامًا، وتليفوناته كلها مقفولة."
صقر: "سألت عليه عند كل معارفنا وحبايبنا؟"
محمد: "آه، حاولت مع كل حد بس ما حدش عنده أي خبر." صح.. انت كنت جاي ليه.
صقر بحزن:
عشان أقوله إن أبوه اتوفى.
محمد: لا حوله ولا قوة إلا بالله. يوسف كان دايما بيقول نفسي أنزل مصر بس أنزل وأنا حاجة كبيرة عشان أبويا يسامحني.
صقر شعر بالحزن، ثم قال:
صقر: "طب جهز نفسك الصبح، نسأل عليه في المستشفيات والأقسام وربنا يسترها."
محمد: "من غير ما نروح، أنا أعرف ناس هناك مسؤولين. هتصل وأمليهم الاسم. أنت ناسي إنني أشهر واحد بتاع بيتزا في إيطاليا كلها."
صقر: "ربنا يوفقك يا صاحبي."
في الصباح
بعد أن اتصل محمد بمعارفه وأصدقائه المسؤولين، لم يتوصلوا إلى أي معلومات عن يوسف. كان واضحًا أن يوسف اختفى بشكل غامض، وهو ما أثار القلق بشكل أكبر.
محمد: "للأسف، يا صقر، مفيش أي أخبار. كل الناس اللي أعرفهم ما عندهمش فكرة عن مكانه."
صقر شعر بشيء من الإحباط، لكنه حاول أن يكون متماسكًا، وقال:
صقر: "مقدمناش غير السفارة. ربنا يستر ونقدر نطمن عليه."
كانت الأجواء مشحونة بالقلق، وصقر كان مصممًا على متابعة كل الخيوط للوصول إلى يوسف، مهما كلفه الأمر.
رواية جمرية الصقر الفصل الثالث 3 - بقلم سلوى عوض
في القاهرة
كان الحج محمود قد وصل إلى بيت ابنته هيام في القاهرة، وفي طريقه استرجع حديثًا دار بينه وبين طارق، زوج ابنته، قبل عدة أيام.
(فلاش باك)
طارق: ازايك يا عمي؟ عامل إيه؟ وصقر وزياد أخبارهم إيه؟
الحج محمود: الحمد لله، بخير. بس زياد، زي ما انت عارف، شغال في السياحة، بييجي كل فين وفين.
طارق: طب وخالتي أخبارها إيه؟
الحج محمود: خالتك زينة، وبخير والله يا ولدي. انت عامل إيه؟ وأخبار هيام والعيال؟
طارق: والله كله تمام، بس أنا بتصل عشان أطمن عليكم في الأول، وكمان عشان أطلب منك حاجة.
الحج محمود (بقلق): خير يا ولدي؟ فيكم حاجة ولا إيه؟
طارق (بحزن): لا يا عمي، إحنا كويسين والحمد لله، بس أنا عايزك تنزل القاهرة ضروري.
الحج محمود: طب قولي، هيام فيها حاجة؟
طارق: لا يا عمي، هيام بخير.
الحج محمود: أمال في إيه؟
طارق: مفيش حاجة، والله العظيم إحنا بخير. بس أنا محتاجك في موضوع تاني.
الحج محمود: موضوع خير يعني؟
طارق: كل خير إن شاء الله.
الحج محمود: حاضر، يا ولدي.
(الوقت الحاضر)
يصل الحج محمود ويكون في استقباله طارق عند مدخل البيت.
الحج محمود: خير يا ولدي، أول ما كلمتني چبت العربية والسواق وقولت لخالتك إني اتوحشتكم وجاي أشوفكم. حتى هي جالتلي أجي معاك وأعملهم زيارة زينة، بس قولتلها لا، أنا يومين ومعاود، خير يا طارق، في إيه؟
طارق: ارتاح يا عمي، نشرب الشاي لغاية ما الغدا يجهز وأحكيلك كل حاجة.
الحج محمود: يا ولدي، أنا مش جاي عشان أكل. اجعد احكيلي، في إيه؟ طمن قلبي عليكم.
طارق (بتنهيدة): حاضر يا عمي، هحكيلك...
يجلس طارق مع الحج محمود ويبدأ في شرح المشكلة:
طارق: بص يا عمي، انت عارف إني بحبكم وبقدركم قد إيه، وبحب هيام قد إيه. أنا بشكر ربنا إنها جابتلي ولادي، أجمل حاجة في حياتي، لكن هيام بقت مهملة جدًا فينا.
الحج محمود (مستغرب): مهملة؟ في إيه يا ولدي؟
طارق: إحنا مبنشوفهاش خالص يا عمي. لو قولتلك إنها بتيجي وإحنا نايمين وتمشي وإحنا نايمين، هتصدقني؟ الولاد نفسيتهم تعبانة، ومستواهم الدراسي قل جدًا. أنا كمان بقيت مهمل في شغلي عشان أقدر أقعد معاهم. هي سيباهم للدادة على طول، وده مينفعش. حضرتك عارف إن مفيش حد يقدر يعوض دور الأم.
الحج محمود: عندك حق يا ولدي، محدش يعوض دور الأم.
طارق: هيام يا عمي طول الوقت مشغولة بالمستشفى والعيادة، وأهمالها لينا زاد. أنا حاولت كتير أكلمها، لكن مفيش فايدة. محبتش أكلم صقر، انت عارف إنه عصبي، وممكن يتخانق معاها، وأنا مش هسمحله يزعقلها. عشان كده لجأتلك، انت حكيم وتعرف تكلمها.
الحج محمود: الله يرضى عليك يا ولدي، أنا هتصرف.
طارق: بس انا ليا طلب عندك بعد اذنك تفهم هيام ان حضرتك جي تتكلم من نفسك وان انا مكلمتكش عشان متزعلش مني.
الحج محمود: حاضر يا ولدي. ياريتها تعرف طيمتك وجيمة عيالها. ربنا يهديها.
بعد قليل، يعود الأولاد من المدرسة ويستقبلون جدهم يزن و ياسين تؤام 7 سنين و حور 5 سنين.
الأولاد (بصوت واحد): جدو! جدو! وحشتنا! حمد الله على سلامتك!
يزن: هتقعد معانا، صح؟ إحنا فاضلنا يومين وناخد الإجازة.
ياسين: آه، لازم تقعد معانا في الإجازة كمان. إحنا بنحبك أوي يا جدو.
الجد: حاضر، من عيني يا ولادي.
حور (ببراءة): جدو، تيتا عاملة إيه؟ هي وخالو ثقر، وزيزو عامل إيه كمان؟
الجد: كويسين يا حبيبتي، وبيسلموا عليكم.
حور: جدو، عاوزة أقولك حاجة.
الجد: قولي يا حور.
حور: لما تيجي ماما من الشغل زعقلها وقولها اقعدي مع ولادك عشان احنا مش بنشوفها خالص وبابا طيب مش بيرضى يزعلها وبنتك علطول سيبانا وقاعده في شغلها اقولك على حاجة يا جدو بابا ممكن يتجوز ويجبلها ضرة تقرفها وساعتها الست دي هتعذبنا وتخليني اعمل كل حاجة واخواتي يتشردو وتمشي الشغالين والداده ويزن وياسين اخواتي هيبيعو مناديل في الشارع شوفت بقى بنتك هتعمل فينا ايه
الحج محمود يبتسم للحظة، لكن يفاجأ بردها الجريء:
طارق (غاضبًا): عيب كده يا حور! بتجيبي الكلام ده منين!
حور: من التلفزيون، يا بابا. وأوعى تتجوز واحدة شريرة. لو اتجوزت، خليها طيبة وتقعد معانا، حتى لو بتضربنا مش مشكلة بس تقعد معانا
ياسين: لا يا حور، إحنا طيبين مش هنزعلها
الجد (مبتسمًا): مين اللي مش هتزعلوها؟
حور: مرات بابا يا جدو، إنت مش مركز معايا من الصبح؟
الجد : هو انت اتجوزت يا طارق على بنتي
حور: لا يا جدو، أنا بقولك لو... بابا لو زهق هيعمل كده. بنتك مش واخدة بالها مننا، وأنا خايفة علينا.
طارق يحاول السيطرة على الموقف:
طارق: حور، اطلعي انتي وأخواتك مع الدادة، غيروا هدومكم، وانزلوا عشان الغدا.
يزن (بحزن): إحنا كل يوم بناكل من غير ماما. هي أكيد مش بتحبنا.
يحزن الجد على حال أحفاده وبنته، فيقرر الاتصال بها. يتصل بالمستشفى أكثر من مرة دون رد. وأخيرًا ترد الممرضة:
الممرضة: أيوة، يا حج، الدكتورة في العمليات ومشغولة.
الحج محمود: شكراً يا بنتي. لما تخلص، خليها تكلمني ضروري.
بعد الغداء، استراح الحج محمود في غرفته، بينما جلس طارق مع أولاده يذاكر لهم.
حور (بفضول): أكيد ماما هتيجي النهارده عشان العشا، صح يا بابا؟
طارق: يا رب، يا حور.
حور (بابتسامة): هي ماما وحشاك للدرجة دي إنك تتمنى تتعشى معاها؟
طارق (مازحًا): بطلي لمَاضَة بقى وكَمِّلي مذاكرة!
(في المستشفى)
الممرضة: دكتورة، مبروك على نجاح العملية.
هيام (تهز رأسها بابتسامة بسيطة)
الممرضة: والد حضرتك اتصل، وبيقول إنه موجود في بيت حضرتك اللي في القاهرة، وكان عاوزك تكلميه ضروري.
هيام (بهدوء): مش وقته دلوقتي، أنا بجهز للعملية التانية.
الممرضة: طب لو رن تاني؟
هيام (بحدة): مترديش.
الممرضة: يمكن عايز حضرتك في حاجة مهمة؟
هيام (ترفع صوتها غاضبة): إنتِ مالك؟ إيه اللي دخلك في حياتي؟ اعملي اللي بقولك عليه وانتي ساكتة. هاتي التليفون!
تأخذ هيام الهاتف وتغلقه بغضب، ثم تترك الغرفة بسرعة استعدادًا للعملية التالية.
الممرضة (تتمتم بضيق): وأنا مالي؟ صح، ما يتفلقوا كلهم.
في منزل طارق وهيام
يمر الوقت، ويحين موعد العشاء، لكن هيام لا تصل. هاتفها مغلق، والقلق يسيطر على المنزل. يستمر الوضع حتى منتصف الليل دون أن تأتي.
أخيرًا، تصل هيام إلى المنزل في ساعة متأخرة، لتجد والدها وزوجها جالسين في الصالة بوجوه تبدو عليها علامات الاستياء.
هيام (بابتسامة منهكة): حمد الله على السلامة يا بابا. معلش، اتأخرت عليك، كان عندي عمليات كتير. خير يا بابا، إيه اللي جابك من البلد؟ في حاجة ولا إيه؟
الحج محمود (بنبرة هادئة): وحشتوني يا بنتي، جلت أجي أشوفكم.
هيام: طيب يا بابا، نورت الدنيا. إيه يا طارق، عامل إيه؟ والولاد أخبارهم إيه؟
طارق (مختصرًا): كويسين الحمد لله.
هيام: طيب يا بابا، عن إذنك، أروح أرتاح. كان عندي عمليات كتير وتعبت جدًا.
الحج محمود (بصوت جاد): عايز أتحدد معاكي لحالنا.
طارق (مستأذنًا): طب أنا هقوم أسيبكم.
هيام: لا يا بابا، أجّل الكلام لبكرة. أنا تعبانة وعاوزة أنام.
الحج محمود: طيب، ارتاحي. بكرة الصبح نتكلم. وعلى العموم، أنا قاعد معاكم يومين.
هيام: تمام، اتعشيت يا بابا؟
الحج محمود: آه، اتعشيت أنا وجوزك وولادك لحالنا.
هيام (تتظاهر باللامبالاة): طيب. تصبح على خير.
تتركهم هيام وتتجه لغرفتها، بينما ينظر الحج محمود إلى طارق بتعبير يعكس حزنه وقلقه على ابنته وأحفاده.
في الصعيد - منزل الصياد
(تجلس جمريه بمفردها وتتحدث إلى نفسها بصوت خافت):
وحشني يوسف أوي... أنا حتى يا رب ما أعرفش أي حد من صحابه عشان أطمن عليه. ربنا يطمننا عليك يا خوي.
(تستيقظ زبيده وتنزل لتجد جمريه جالسة في الصالة):
جمريه: صباح النور يا أمي، امال عمي امين وعمار فين مهيفطروش معانا
زبيده: خرجو يابتي من غير فطار في مشكله في مزرعة السمك راحو يشوفوها وقالو هيحاولو يحلوها ان شاء الله.
جمريه (بقلق): مشكلة إيه؟ لقدر الله خير؟
زبيده: جيه تليفون لامين وواحد من الي شغالين قاله ان البتاعه الي هتغذي السمك دي باظت وعتكهرب الناس.
جمريه : يا ساتر يا رب! طب وإيه الحل؟
زبيده: الحمد لله إن أمين وعمار موجودين. لو ما كانوش هنا، كان زمانك غرقتي.
جمريه: البركة فيكوا يا أمي.
زبيده (بجفاف): ده كانو عايزين فلوسات عشان الحاجات الي هيعدلوها ديتي.
جمريه (باستغراب): حاضر يا أمي، بس مش أنا اديتك مفتاح الدولاب وكان فيه فلوس كتير؟ خلصوا كيف دول؟
زبيده (تبدو غاضبة): هو أنتي دريانة بحاجة؟ أول عشيه جه واحد وقال إن ليه فلوس علف كتير على أبوكي.
جمريه (تتحدث بحذر): بس أبويا ما كانش بيخبي عليا حاچة، وأنا عارفة إن معلوش مليم لحد.
زبيده (ترفع صوتها): بتكدبيني يا بت بطني؟! أنا اللي مهملة حالي وبيتي وجاعدة خدامة هنا أنا وچوزي وولده؟!
جمريه (بهدوء): مجصدش يا أمي، أنا بس بسأل.
زبيده (بحدة): تسألي! ده إنتي بتسرقيني خلاص؟! يابتي، إحنا نهملولك حالك ومالك ونرجع بيتنا.
جمريه (بحزن): حقك عليا يا أمي، بس ما تهملونيش وحدي.
زبيده: احمدي ربنا إن عمك أمين مش هنا، كان زمانه رما لك مفاتيح كل حاجة في وشك وقالك الله الغني عنك. إحنا واخدين منك إيه؟ إحنا طالع عينينا يا بنتي عشان نعدل ونحل المشاكل اللي كان سايبها المرحوم أبوكي.
جمريه: بس الراجل ده كذاب! محدش كان ليه فلوس عند المرحوم أبويا. أبويا كان له فلوس بره وكان بيسيبها للناس زكاة عن صحتنا.
زبيده (بخبث): واد المركوب ضحك علينا، أول ما قال إن الدين بيعذب الميت في قبره. عشان كده، إديناه كل الفلوس اللي كانت معانا.
جمريه (بحزن): الله يسامحه.
زبيده (بجفاف): طب فين الفلوس اللي قلت لك عليها؟ ولا نهمل الدنيا تخرب؟
جمريه (بقلق): هطلع أجيب لك فلوس المرحوم أبويا اللي أنا شايلها معايا.
(تصعد جمريه وتحضر النقود، وتأخذها زبيده منها بلهفة.)
(جمريه تحدث نفسها بحزن):
هي أمي مالها؟ خايفة على المزرعة والأرض وكل حاجة ليه؟ ده خايفه على حالي أكتر مني. والغريبة إنها لا سألت على يوسف ولا حتى قلقانة عليه.
في القاهرة
(الحاج محمود يجلس في الصالة بعد استيقاظه، يبدو منتظرًا هيام. تدخل الدادة إلى المنزل.)
الدادة: صباح الخير يا حج.
الحج محمود: صباح الخير يا بنتي. أمال فين هيام؟ لسه نايمة؟
الدادة: لا يا حج، الدكتورة خرجت من بدري، وأنا كمان ركبت الأولاد الباص للمدرسة.
(يبدو الاستغراب على وجه الحاج محمود.)
الحج محمود: خرجت إزاي؟ أنا كنت عايز أتحدد معاها.
الدادة: معلش يا حج، عن إذنك.
(تمضي الدادة، ويمسك الحاج محمود بهاتفه ليجري اتصالاً بهيام. بعد رنات قليلة، تجيب هيام بصوتٍ سريع.)
محمود: إنتِ خرجتي إزاي من غير ما نتحدد؟
هيام (ببرود): معلش يا بابا، أنا مشغولة جدًا النهارده. هسيبك دلوقتي عشان عندي شغل كتير.
(قبل أن يكمل حديثه، تغلق هيام الهاتف ثم تغلق الجهاز بأكمله. يضع الحاج محمود الهاتف جانبًا ويحدث نفسه بحزن.)
محمود: ربنا يهدي حالك يا بنتي.
(يدخل طارق إلى الصالة، يبدو مرتبًا بعد استيقاظه.)
طارق: صباح الخير يا عمي.
محمود: صباح الخير يا ولدي. ليه ما روحتش شغلك؟
طارق: أروح شغلي إزاي وأنا واخد يومين إجازة مخصوص عشان أقعد مع حضرتك؟
(تظهر بسمة خفيفة على وجه الحاج محمود.)
محمود: كتر خيرك يا طارق، مجتش من بنتي.
(في إيطاليا)
في إيطاليا، ذهب صقر وصديقه ميمو إلى السفارة المصرية بحثاً عن يوسف، لكنهما لم يتوصلوا إلى أي معلومات تفيدهم عنه. في السفارة، قابلوا مسؤولًا الذي أخبرهم أنه سيتحقق من الأمر في قسم الجوازات. بعد قليل، وصل الرد بأن يوسف لم يسجل خروجه من البلاد، مما جعلهما يشعران بالإحباط.
صقر: "إيه الحل يا ميمو؟ إحنا كده مسبناش باب مدورناش فيه."
ميمو: "ممكن يكون عامل مشكلة وحب يهرب عن طريق البحر. تعالى يا صاحبي نسأل عليه هناك."
صقر: "يا رب ده آخر أمل لينا، اقف معانا يا رب."
اتجهوا إلى منطقة الموانئ حيث كانوا يظنون أن يوسف قد يكون هرب عن طريق البحر. لكنهم أيضاً لم يحصلوا على أي معلومات جديدة، وكان الإحباط قد بدأ يتسلل إليهم. في تلك اللحظة، خرج ميمو صورة ليوسف من جيبه، وأعطاها لأحد رجال الأكل الذين كانوا يقفون في المكان. الرجل نظر في الصورة وقال بسرعة:
الراجل: "أيوه ده، أنا شفته قبل كده، كان معاه واحدة."
صقر: "أنت متأكد؟ ان هو ده؟"
الراجل: "أيوه، متأكد. اكل من عندي قبل كده."
أضاء وجه صقر بابتسامة مفاجئة، وعاد الأمل في قلبه. شعر بأنهم أخيرًا اقتربوا من العثور على يوسف.
رواية جمرية الصقر الفصل الرابع 4 - بقلم سلوى عوض
في مدينة توسكانا بإيطاليا، كان ليو يجلس على إحدى الشواطئ، بينما لارا اقتربت وجلست بجانبه. بدأ الحديث بينهما:
لارا: "ليو، أخبارك إيه؟ لسه مفتكرتش حاجة؟ ارجوك ساعد نفسك وساعدنا."
شعر ليو بصداع شديد، فامسك برأسه ثم سقط على الأرض مغشيًا عليه.
لارا: "ليو، ليو، ارجوك رد عليا. أنا السبب في اللي حصل ليك. عمري ما هسامح نفسي."
تندفع لارا للمناداة على الحراس ليأخذوه إلى غرفته.
(فلاش باك)
قبل شهرين، في ساعة متأخرة من الليل في مدينة ميلانو، كانت لارا تتشاجر مع والدها عبر الهاتف.
لارا: "يابابا، لو سمحت، عايزة أنزل مصر، أرجوك عايزة أنزل مصر."
الاب: "تنزلي مصر لمين؟ 100 مرة قولتلك إحنا ملناش حد في مصر."
لارا: "لأ، أمي هناك."
الاب: "أمك اللي خانتني ورمتك."
لارا: "ماما مخانتكش، إنت اللي متوهم كده."
الاب: "وانتي تعرفي منين؟ كنتي صغيرة وماكنتيش فاهمة، ولسه صغيرة."
لارا: "أنا مش صغيرة. متعاملنيش كأني طفلة. وممشي ورايا حرس كمان. إنت ظلمتني وظلمت أمي."
الاب: "ما تجيبيش سيرتها على لسانك. دي ست منحلة وخاينة، أنا شفت ده بعيني."
لارا بعصبية، وبكت: "لأ، أمي مظلومة."
أغلقت الهاتف وجرت بسرعة بسيارتها. وفي نفس اللحظة، كان هناك شاب يجري بسرعة، لتصدمه لارا.
تصرخ لارا وتتوقف بالسيارة، بينما الحراس يقفون خلفها في سياراتهم، والشاب مغشي عليه على الأرض، غارقًا في دمائه.
اتصل أحد الحراس بوالد لارا قائلاً له: "الحقنا يا ياسر بيه، الأنسة لارا خبطت واحد بالعربية."
ياسر: "إزاي؟ هي حالتها إيه دلوقتي؟"
الحارس: "هي منهارة يا فندم."
ياسر: "سيبوا الولد ده وهاتوها وتعالوا."
الحارس: "حاضر يا فندم."
الحارس: "يلا يا أنسة لارا، والد حضرتك قال مينفعش تفضلي هنا."
لارا: "طب والشاب ده؟"
الحارس: "ياسر بيه أمرنا نسيبه."
لارا: "أنا مش هسيبه، لازم أوديه المستشفى."
الحارس: "متخليناش نستخدم القوة مع حضرتك. لازم نمشي من هنا."
تخرج لارا مسدس من حقيبتها موجهه بيه الي رأسها قائله: الي هيقرب مني هضرب نفسي بالنار.
اتصل أحد الحراس بوالدها ليخبره بما يحدث.
ياسر: "هاتوه وهاتوا على المزرعة، ومتخلوهاش تسوق."
الحارس: "خلاص، هناخده على المزرعة يا فندم."
لارا: "لا، لازم يروح المستشفى."
الحارس: "الأنسة لارا عاوزة توديه المستشفى."
ياسر: "ادهاني... اهدي يا لارا، اهدي يا حبيبتي. إحنا نجيبه على المزرعة وأنا هكلم الدكاترة كلهم وهجهز له مكان."
لارا: "تبكي، وعد يا بابا."
الاب: "وعد يا بنتي، أنا هكلم حد يبعت لك إسعاف حالًا يجيبه على المزرعة."
أغلقوا الهاتف، وجاءت الإسعاف خلال دقائق، ثم انطلقوا إلى المزرعة.
بعد ساعتين، وصلوا إلى المزرعة وكانت حالة الشاب متأخرة للغاية. فورًا، أخذوا الشاب وبدأوا الكشف عليه.
كبير الأطباء: "ياسر بيه، لازم يتنقل مستشفى في أسرع وقت، لأنه اتساب فترة طويلة بينزف، والواقعة أثرت على المخ. أحمد ربنا إنه عايش لحد دلوقتي، دي معجزة."
ياسر: "طب إنت شايف إيه يا دكتور؟"
الدكتور: "أنا هنقله في المستشفى بتاعتي، هدخله على مسؤوليتي، عشان معاهوش أي بيانات."
ياسر: "أنا عايز الموضوع يتم في سرية تامة. هكتبلك شيك، حط في الرقم اللي يعجبك، المهم يتم في سرية. أنا عايز الولد ده يعيش، لو حصل له أي حاچة، بنتي ممكن تعمل في نفسها حاجة."
الدكتور: "تمام، تمام."
أخذ الأطباء يوسف بالإسعاف وتوجهوا به إلى المستشفى. وبعد 10 أيام، فاق الشاب، لكنه كان غير واعٍ بأي شيء.
الدكتور: "الحالة فاقت، بس في شوية كدمات بسيطة، وللأسف مش واعي باللي حواليه."
ياسر: "طب ينفع يخرج؟"
الدكتور: "أه، بس يفضل تحت الرعاية الطبية."
ياسر: "طيب، أنا هبعت عربية تاخده."
أغلق ياسر الهاتف.
لارا: "إيه أخباره يا بابا؟ طمني."
الوالد: "فاق وبقى كويس، بس لازم نجيبه هنا عشان الشوشرة. أنا هكلم الرجالة، حد يجيبه."
بعد ساعة، وصل الشاب إلى المزرعة، وهو غير واعٍ بأي شيء ولا يعرف أحدًا. جرت لارا عليه.
لارا: "حمد الله على السلامة."
الشاب: لم يرد.
ياسر: "حمد الله على سلامتك يا ليو، خضتنا عليك."
لارا: "ليو!!"
ليو: "هو حضرتك تعرفني؟"
ياسر: "أيوه، طبعًا. إنت كنت ماسكلي حسابات المزرعة."
ليو: "بس أنا مش فاكر حاجة خالص."
لارا: "أصل..."
ياسر: "أصل أنا كنت محتاج ورق مهم جدًا وكلمتك عشان تجيبه بنفسك، وقلتلك تيجي بسرعة، وللأسف عملت حادثة ودلوقتي إنت فاقد الذاكرة، ولازم ترتاح. إحنا هنسيبك دلوقتي عشان ترتاح. تعالي معايا يا لارا."
خرجوا من الغرفة وتركوا ليو غير واعٍ بأي شيء ولا يفهم أي شيء.
لارا: "إنت ليه قلتله كده يا بابا؟"
ياسر: "عشان لو كنت قولتله الحقيقة، مضمَنش ممكن يبلغ، ولازم أحميكي. وهتطلع إشاعات عليكي مش صح، ويقولوا كانت بتسوق وهي شاربه."
لارا: "إنت غلط يا بابا. كان لازم تحكيله وتسيبه هو يقرر."
الوالد: "أنا معنديش غيرك، ومعنديش استعداد أخسرك. وبعدين إحنا منعرفش ده مين، معاهوش أي أوراق تثبت هويته. ممكن يكون كان بيجري وهارب من حاجة ويتسبب في مشاكل إحنا في غنى عنها. وبالنسبة لموضوع والدتك..."
لارا: "مش وقته دلوقتي."
تمر الأيام، تقترب لارا من ليو وتهتم به. بدأ ليو يتعافى جسديًا، لكن ذاكرته لم ترجع. كل ما يراه هو كوابيس.
(الوقت الحاضر)
استيقظ ليو فجأة وهو يصرخ قائلاً: "احميكي من مين؟ إنتِ مين؟"
لارا: "اهدا يا ليو، هو نفس الكابوس تاني."
ليو: "أه، المرادي شوفت البنت دي بتجري وبتقولي ارجع واحميني. أنا مش فاهم حاجة."
لارا: "طب خد الدوا وحاول ترتاح، بس خلي بالك يا ليو. الدكتور قال كل ما تضغط على نفسك كل ما هتتعب أوي."
أخذ ليو الدواء، ثم شعر بدوار خفيف و ذهب في نوم عميق.
في ميلانو
صقر: "الحمد لله، أطمنت شوية، بس أنا لازم أرجع مصر لأني سايب ورايا حاجات كتير."
ميمو: "اتكل على الله يا صاحبي، أنا لو عرفت أي أخبار هكلمك على طول."
صقر: "طب خلاص، أنا بكرة إن شاء الله هسافر."
(في القاهرة)
وصل صقر إلى القاهره واتصل بوالده الحج محمود.
صقر: "إيه يا حج، أخبارك إيه؟ إنت في مصر ولا سافرت؟"
الوالد: "لا، لسه في مصر يا ولدي."
صقر: "وأنا كمان لسه واصل."
الوالد: "لازم تاجي ضروري على بيت أختك."
صقر: "في حاجة؟ أنا كده كده كنت جاي أسلم عليهم."
الوالد: "لما تاجي، هقولك."
بعد لحظات، وصل صقر إلى منزل أخته، وبعد السلام والترحيب.
صقر: "خير يا حج، جلجتني. وهيام فين؟ مش شايفها."
الاب: "هيام ده أنا من ساعة ما جيت، مشوفتهاش غير خمس دقايق."
في هذه اللحظة، جاء طارق ليرحب بصقر.
طارق: "أبو الصقور، ابن خالتي. إلي واحشني."
صقر: "وأنت أكتر والله يا حبيبي."
طارق: "والله كويس إنك جيت. الولاد نفسيهم يشوفوك قوي، زمانهم جاين من المدرسة."
عندما وصل الأولاد من المدرسة، فرحوا بوجود خالهم وجدهم.
طارق: "يلا، اطلعوا غيروا عشان نتغدى."
على الغداء
حور: "هي ماما معرفتش إن خالو صقر هنا؟"
صقر: "لا، لسه مكلمتهاش."
حور: "خالو، ماما مش بتخاف من بابا ولا جدو، بس بتخاف منك إنت. ماما واحشتنا يا خالو، نفسنا نشوفها."
طارق: "مش قولنا قبل كده مفيش كلام على الأكل؟"
صقر: "سيبها تتكلم يا طارق. جولي يا حور."
حور: "ينفع يا خالو، المدرسة تعمل حفلة وكل الأولاد والبنات مامتهُم معاهم، وإحنا ماما مش معانا؟ كل حفلة، ماما مش بتكون موجودة. الولاد بيقولوا لنا 'إنتوا بتكذبوا، أنتوا معندكوش ماما، إنتوا ولاد الدادة.' محدش بيهتم بينا، ويذاكر لنا غير بابا ودادة، مش بنشوف ماما خالص. وأنا خليت دادة تكلمها في التليفون، قالت لي: 'عايزة إيه يا حور؟ أنا مش فاضية'، وقفلت السكة في وشي."
صقر: "أنا وبابا وجدو جاعدين معاكم، وهنلعب كمان لحد ما تاجي من الشغل."
الأولاد: "بجد يا خالو؟"
صقر: "بجد يا حبايبي."
صقر محدثًا نفسه: "وبعدين معاكي يا هيام، حد يبطى مديله 3 هدايا زي دول ويهمل فيهم؟ ماشي، صبرك عليا."
في الصعيد، في منزل الصياد، كان عمار خلال الايام الماضيه يحاول الاقتراب من جمريه التي كانت حزينة على موت والدها، ويوسف الذي انقطعت أخباره، وكانت تدعو أن يكون بخير، لكنها تقول لنفسها إنه يكفيها ما حدث لوالدها.
دخلت زبيدة: "إيه يا جمريه، يا بتّي، حالك مش عاچبني ولا عاچب حد. لازم تفوجي لحالك عشان نشوف حالنا."
جمريه: "حال ايه يا أمي؟"
زبيدة: "يا بتّي، الدنيا عتخرب. الأرض والمزرعة اللي مهملينها."
جمريه: "اعملوا يا امي اللي تعملوه، أنا مليش نفس لِأي حاچة في الدنيا."
زبيدة: "طيب..."
ثم تركتها وذهبت، ودخلت مكتب حمدان لتجد أمين يقلب في ورقة.
زبيدة: "بتعمل إيه يا حزين؟"
أمين: "بشوف حاچة تنفعنا."
زبيدة: "سيب كل اللي في يدك ده. عايزاك تاخد بالك انت وولدك من كل أملاك حمدان."
أمين: "طب وبتك مش هتتحدّت؟"
زبيدة: "لسه حزينه على أبوها."
أمين: "خليها حزينه، كل ده لصالحنا."
في أحد الموالد، كانت الأضواء الساطعة والموسيقى العالية تعم المكان. كان الناس يتراقصون ويغنون، فيما كان عمار يدخل، يبتسم قائلاً: "أنا جيت يا حبة الجلب."
محاسن، التي كانت تشعر بالسعادة لرؤيته: "عمار حبيبي وسيد الرجالة."
عمار: "بجد يا بت حبيبك أنا وشيفاني سيد الرجالة."
محاسن بدلال: "بجد يا جاب الجلب."
ثم أخرج عمار أسورة من جيبه: "إيه رأيك في دي؟"
نظرَت محاسن للأسورة: "زينة جوي يا عمار، وشكلها غالية."
عمار بتفاخر: "وانتي لسه شوفتي حاجة، أنا هصيغك من فوجك لتحتك، هجيب لك كل حاجة تحلمي بيها."
محاسن: "يخليك ليا، وتجبلي كل اللي نفسي فيه، بس قولي جبت فلوسها منين؟ شكلك وقعت على كنز."
عمار: "حاجة زي كده."
التفتت محاسن وقالت بجدية: "أوعى تكون عملت حاجة عفشه تضيع حالك. أنا مليش غيرك، إنت عارف إني بحبك جوي."
لكن قبل أن يجيب، دخلت نجمة فجأة، قاطعة الحديث.
نجمه: "يلا يا خايتي، نمرتك چات. الحب مش هياكلنا عيش."
عمار: "بس يا بت المركوب، قريب ووي مش هخليكي ترجصي لمخلوج غيري."
ذهب محاسن وصعدت على المسرح، حيث كان الجمهور يصفق لها، ولكن في الصفوف الأولى كان هناك شاب يجلس بعينيه الحادتين، هو سعد، ابن أحد كبار الكفر، والذي كان يراقب محاسن طوال الوقت، وكان معروفًا بسلوكه الفاسد.
صعد سعد إلى المسرح، وأخرج من جيبه رزمة من المال، وألقاها على محاسن، مما جعلها تشعر بعدم الارتياح. ثم اقترب منها همسًا في أذنها قائلاً: "قد دول 10 مرات لو جيتي معايا البيت."
فزع قلب محاسن ودفعت يد سعد وقالت بصوت منخفض: "مبقاش إلا إنت يا بتاع الكوبية، أنا رقاصة آه، بس بشرفي."
وفي هذه الأثناء، كان عمار يجلس في زاوية، لم يسمع ما يحدث على المسرح. لكنه كان يراقب محاسن من بعيد ويشعر بالغيرة الشديدة.
لكن فجأة، رفع سعد يده وضرب محاسن على وجهها بقوة. كان الصوت قاسيًا ومفاجئًا. في تلك اللحظة، انفجر عمار من مكانه، مسرعًا نحو سعد، وركض إليه ليصفعه على وجهه بقوة.
تبدل المنظر فجأة إلى عركة كبيرة بين عمار وسعد على المسرح، حيث بدأ الناس يصرخون ويتدافعون. جاء بعض الحراس على الفور ليحاولوا الفصل بينهما، لكن الفوضى كانت قد عمّت المكان.
كانت نجمة تحاول أن تجر محاسن بعيدًا عن الفوضى، حيث قالت محاسن: "أنا مش ههمِل عمار."
لكن نجمه تمسكت بها وقالت: "نجمه: انزلي يافجريه هنروح في داهيه كله منك قولتلك متخليش عمار ياجي هنا وانتي بترقضي."
ثم، في اللحظة الأكثر توترًا، اخرج أحد أصحاب سعد من بين الحضور، وكان يحمل سلاحًا، مما جعل الجميع يتراجعون فجأة. رفع الرجل السلاح ووجهه نحوهم، ثم أطلق النار في الهواء، مما أحدث صوتًا عاليًا ومخيفًا.
محاسن صرخت في رعب، والكل في المكان تجمد من الخوف، بينما بدأت فوضى جديدة تعم المكان بعد إطلاق النار.
رواية جمرية الصقر الفصل الخامس 5 - بقلم سلوى عوض
أطلق النار في الهواء، فعمّ المكان ضجيج مرعب وفوضى عارمة، وسقط عمار على المسرح وسط ذهول الجميع، لتسرع إليه محاسن.
محاسن (وهي تصرخ بحرقة): جوم يا عمار... اسم الله عليك يا غالي... جوم يا حبيبي!
لاحظت إصابة عمار في كتفه، فحاولت مساعدته بيدين مرتجفتين ودموع غزيرة، بينما تعمّقت الفوضى من حولها وسط أصوات متداخلة.
محاسن (تهدد بعصبية): والله لبلغ الحكومة... وأوديكم في داهية!
عمار: لاه ... يا محاسن... حكومة إيه؟ أنا زين، ما تخافيش.
ظهر سعد المرسي حينها، موجهًا نظراته الحادة للجميع.
سعد: لسه مخلصتش! مش سعد المرسي اللي حد ياخد منه حاچة وهو عاوزها!
غادر سعد ورجاله المكان بسرعة، تاركين خلفهم حالة من الرعب والصدمة. حاول عمار الحديث، لكنه بالكاد استطاع.
عمار (بإعياء): هاتيلي حد يطلع الرصاصه ... بسرعة.
محاسن: لازم تروح المستشفى.
عمار: علاج؟ لاه مستشفي لاه. مستشفي يعني سين وجي.
نجمة: انا هكلم دكتوره معرفه.
محاسن: بسرعة يا نچمه.
أخذت نجمة هاتفها واتصلت بالطبيب.
نجمة: تعالَ بسرعة، في واحد عندنا واخد رصاصه.
الدكتور: بس كده هتدفعو الضعف غير الاداوت الى هجيبها.
نجمه: الى انت عاوزه بس بسرعه الله يخليك.
الدكتور: انا جايلك.
عادت نجمة لتنضم إلى محاسن التي كانت تحاول السيطرة على الموقف.
محاسن: شيلوه معايا، ندخله جوه.
اندفع اثنان من رجال المولد لمساعدة محاسن، وحملوا عمار بحذر إلى الغرفة الخاصة بها.
محاسن: براحة عليه... بالله عليكم.
***
في القاهرة، في بيت طارق وهيام، بعد الغداء.
يجلس صقر مع والده، يتبادلان الحديث.
والاب: عملت إيه؟ وصلت ليوسف ولا لسه؟
صقر: والله يا بوي لفّينا الدنيا كلها عليه، حتى السفارة روحناها، لكن مفيش أخبار عنه.
الاب: إن شاء الله يبجى زين وربنا يطمنا عليه. طب وخيته أخبارها إيه؟
صقر: ما أنا جولتلك، موصي زيدان يخلي باله منها، وامها وجوزها جاعدين معاها.
الاب (بقلق): بس انت جولتلى قبل سابق ان امها عفشه وطماعه ووانا خايف علي البنيه يا والدي ليضحكو عليها هيا وجوزها وخصوصي ولد جوز امها عمار انا سامع ان سمعته عفشه جوي جوي وبتاع غوازي.
صقر: متجلجش يا بوي زيدان عينه عليها ويمكن امها ربنا هداها وبردك في الاول والاخر بتها وخصوصي ان يوسف محدش عارف عنه حاجه.
الاب: ياريت يا ولدي. البنيّة يتيمة ووحيدة، ومكنش ليها غير أبوها. الحمل كله بجى تجيل عليك.
صقر (بتساؤل): عرفت منين يا بوي إن عمار سمعته عفشه؟
الاب: ما أنا سألت زيدان، ولما حكالي إنه رايح نجع الصياد، جالي عن عمار وسمعته.
صقر: ربنا يجيب العواجب سليمة يا بوي.
الاب: يارب يا ولدي. ويهديكِ يا هيام يا بنتي!
صقر (بتنهيدة): أمي السبب، يا بوي، في اللي بتعمله هيام. طلعت جباره زيها.
الاب (بحزم): جصدك إني مليش كلمة مع أمك؟ أنا ساكت يا ولدي عشان المركب تمشي، لكن أنا مش ضعيف. لما فوتّلك كل حاجة تتصرف فيها، مكنش ضعف مني، أنا كنت جولت أكبرك، والحمد لله طلعت جدها وجدود.
صقر: تعرف يا بوي طارج صعبان عليا شغله في الحكومه وفي مكتبه واهو طلع دلوجتي يذاكر للعيال بنتك لازملها وجفه جبل بيتها ما يتخرب.
***
في المول.
وصل الطبيب إلى الغرفة حيث كان عمار مستلقيًا يعاني من إصابته. بدأ في إخراج الرصاصة من كتفه.
محاسن (بلهفة): هو هيبجى زين يا دكتور؟
الدكتور: هدي له مسكن قوي، وسيبوه يرتاح يومين من غير حركة. لازم ياكل كويس عشان يعوض الدم اللي نزفه.
محاسن: حاضر يا دكتور.
أخرجت محاسن كل ما معها من نقود وأعطتها للطبيب، لكنه نظر إليها بعدم رضا.
الدكتور: الفلوس دي قليلة.
ترددت قليلًا، ثم خلعت الحلق من أذنها ومدّته له.
محاسن (بحزن): خد يا دكتور، عمري كله فدا عمار.
نظر لها الطبيب بوقاحة وغمز بخبث.
الدكتور: أنا في الخدمة لو حصل أي حاجة، كلميني على طول.
محاسن (بعصبية): اتكل على الله، يا دكتور، الله يسهّل طريجك... كويس إن عمار مش فايج!
غادر الطبيب، فالتفتت محاسن إلى نجمة بغضب.
محاسن: جبتي منين جليل الحيا ده؟
نجمة: أمال كنتي عايزاني أجيبلك مين؟ ده الوحيد اللي يجدر يصون سرنا.
محاسن: خدي الإسوره دي، روحي للصايغ وبيعيها.
نجمة (بتردد): يا بنت، عمار لو عرف هيزعل.
محاسن: انتي سمعتي بودنك، لازم ياكل كويس. وكمان نجيب له جلابية بدل اللي اتجطعت. يلا، روحي هاتي لحم وفراخ وخضار وفاكهة كتير.
نجمة (مازحة): ياريت يا عمار تتطخ كل شوية عشان ناكل لحمة وطير.
محاسن (بعصبية): جطع لسانك! اسم الله عليه من أي شر.
نجمة (بضحك): ده أنا بهزر يا بت ، عاوزاكي تفكي شوية.
محاسن (بحزن): قلبي بيتخلع عليه، ياريت أنا مكانه وهو لا.
نجمة: ما تجوليش كده، إحنا ملناش غيرك. لما تتصابي مين هيجف جنبنا؟ وهو كان لازم يعني يعمل فيها سبع الرجالة؟ مش عارف إنك رقّاصة والناس لازم تنجط؟ ربنا يسامحه، الليلة اضربت وضاع علينا النجوط.
محاسن (بغضب): غوري، هاتي اللي قلت لك عليه، وبطلي كلامك الماسخ ده.
***
في منزل جمرية، أمين يتحدث مع زبيدة.
أمين: فينه عمار؟
زبيدة: معرفشي، من وجت ما طلع مفيش خبر عنه.
أمين: تلجاه لسه داير ورا الغوازي، وعشان كده بتديه فلوس كتير يعمل اللي على كيفه بيها.
زبيدة (بعصبية): بطل الرط ده واسمعني زين. أنا عتحدد مع جمرية على جوازها من عمار.
أمين (بدهشة): انتي اتجنيتي يا مرا؟ هتجوليلها الكلام ده دلوجتي؟
زبيدة: جن لما يخربطك، أيوة هجولها. مالك انت؟
أمين: طب مش لما يجي المعدول الأول؟
زبيدة: هيعاود يعني؟ هو هيروح فين؟
***
في غرفة جمرية، كانت تجلس وحدها تحدث نفسها بهدوء.
جمرية (تفكر): أنا لازم أتابع أملاك أبوي وأملاكنا بنفسي. عم أمين وعمار بيتبعوها، بس علي الاجل الاجي حاجه اشغل نفسي بيها.
طرق الباب فجأة، ودخلت أمها زبيدة بنبرة ساخرة.
زبيدة: انتي لسه جاعدة تغربلي الهم وتنخليه؟
جمرية (بحزن): أبويا ويوسف وحشوني جوي.
زبيدة: أبوكي مات ويوسف محدش عارفله طريج. فكري في نفسك.
جمرية (باستغراب): هو مش يوسف ده ولدك؟
زبيدة: ولدي، بس همل الدنيا، نعمله إيه يعني؟ إحنا نعرف عنه حاجة؟ ولا نعرف طريجه. المهم يا جمريه كنت عوزاكي في موضوع تاني خالص.
جمرية: خير يا أمي، أنا كمان كنت عايزاكم في موضوع.
زبيدة: موضوع إيه؟
جمرية: كنت بفكر أتابع أملاكنا بنفسي.
زبيدة (بتعجب): كيف يعني؟
جمرية: أجصد أتابع الدنيا مع عمي أمين وعمار.
زبيدة (بغضب): والله عال، يا بت بطني! أمين وعمار هيسرجوكي يعني؟! مش كتر خيرهم إنهم مراعيين حالك ومالك؟ دول شغالين عندك من غير أجره!
جمرية: مش جصدي كده، يا أمي.
زبيدة: طب اسمعي الحديت ده الناس في الكفر ابتدت تتحدت.
جمرية (باستغراب): على إيه، يا أمي؟
زبيدة: انتي ناسية إنك شابة وعمار شاب؟ الناس بتجول كيف شابة وشاب جاعدين في بيت واحد؟
جمرية: والناس مالها يا أمي؟ دا عمار زي أخويا.
زبيدة (بغضب): لا! ده مش أخوكي. والناس كده مسكت سيرتنا على الفاضي.
جمرية: بس يا أمي، إحنا مبنعملش حاجة غلط.
زبيدة: مش مهم. إحنا كده ما قدامناش غير حل واحد تتجوزي عمار.
جمرية (بصدمة): كيف يعني، ياما؟
زبيدة: ده الحل الوحيد. حتى لو سيبنا البيت أنا وأمين وعمار وسابوكي لوحدك، الناس هتجول خد غرضه منك وسابك. لازم تتجوزيه عشان نجطع لسان الناس.
جمرية (بصوت مرتفع): الحديت ده معجبنيش ياما.
زبيدة (بحدة): عايزة تفضحينا يا بت حمدان؟ هتتجوزي غصب عنك. السبوع الجاي كتب كتابك، والكلام خلص. ناجص البنات تجول رأيها كمان!
خرجت زبيدة غاضبة، وصفعت الباب خلفها.
جمرية (ببكاء شديد): إيه اللي بدل حالك، يا أمي؟ كنتِ زينة... ولا انتي كنتي عفشة من الأول؟! مبجتش فاهمة حاجة.
***
في المساء في غرفة محاسن، أفاق عمار ليجدها جالسة بجواره، تبكي.
عمار: أنا لازم أمشي، أبوي هيجلب الدنيا عليّ.
محاسن: تمشي كيف؟ الدكتور جال لازم ترتاح يومين.
عمار: اسمعي الكلام يا محاسن، لازم أمشي.
محاسن (بقلق): أخاف عليك تتعب وأنت لسه مجروح.
عمار: لازم أبات في البيت. أبويا عيخرب الدنيا لو مارجعتش.
محاسن (ببكاء): مش هجدر اتحددت عشان متتعبش.
(تدخل نجمة فجأة، تقطع حديثهما.)
نجمة: إنت فوجت يا أخوي؟
محاسن: فاج، وعاوز يمشي وهو لسه تعبان.
نجمة: يمشي يروح فين؟
عمار (بحدة): وانتي مالك بالكلام ده؟
نجمة: أنا غلطانة إني جبتلك الدكتور! على فكرة يا ست محاسن، الدكتور خد آخر جرش معاكي وخد حلجك، وبعتي الأسورة وجبتي لحم وخضار وعلاج، ومش فاضل من حجها غير 3000 جنيه. وأول ما فاج عاوز يهملك ويرجع لناسِه.
عمار (بدهشة): بتجولي إيه يا بت إنتِ؟
محاسن: إيه اللي سحبك من لسانك يا نجمة؟
نجمة: خلاص، اتحرجوا! أنا هسيبلكم الدنيا وماشية.
(تخرج نجمة غاضبة من الغرفة.)
عمار: صح، عملتي كده يا محاسن؟
محاسن: ده أنا أبيع عمري عليك يا عمار، كل ده من خيرك.
عمار: معلش، يا محاسن، هاتي 1000 جنيه عشان أركب عربية خصوصي وأروح، وهعوضك عن كل حاجة.
(يأخذ عمار المال، يغادر المولد، وبعد ساعة يصل منزله، يتحدث لنفسه بهمس وهو يتسلل داخل البيت:)
عمار: كلهم نايمين. العربية خدت آخر جرش معايا ومعاييش مليم. وزبيدة بتنجطني بالفلوس. أنا هطلع أوضة جمريه وأفتح الخزنة. كده كده زبيدة قالتلي الرقم بتاعها.
(يتسلل عمار بهدوء إلى غرفة جمرية، وهي نائمة. يفتح الخزنة ويأخذ منها مبلغًا كبيرًا، لكنه ينسى يغلقها بهدوء. صوت الخزنة يُوقظ جمرية التي تصحو بخضة، وتنظر لعمار.)
جمرية (بصدمة): بتعمل إيه هنا يا عمار؟
رواية جمرية الصقر الفصل السادس 6 - بقلم سلوى عوض
جمريه: انت بتعمل إيه في أوضتي يا عمار؟ وايه الفلوس اللي في يدك دي؟
حاول عمار النظر إليها وكأنه يريد التحدث، لكنه لم يستطع. فجأة، فقد توازنه وسقط على الأرض فاقدًا للوعي.
جمريه (بذعر): يا مري يا عمار!
هرعت نحوه بخوف، وتحسست جبينه لتجده ساخنًا جدًا، وذراعه ينزف بغزارة. حاولت استيعاب الموقف بسرعة، مستغلة معرفتها الطبية كونها خريجة دبلوم تمريض.
نهضت وأحضرت صندوق الإسعافات الطبية الذي تحتفظ به منذ وفاة والدها. بدأت بتنظيف الجرح وتعقيمه بحرص، ثم قامت بتضميده بإحكام. جهزت حقنة المضاد الحيوي وحقنته بها بيد ثابتة، ثم أعطته خافضًا للحرارة.
بعدما انتهت، جلست بجواره تنظر إلى وجهه الشاحب، وبدأ القلق يتسلل إلى عقلها.
جمريه (لنفسها، بتوتر): أعمل إيه دلوقتي؟ أنقله أوضته إزاي؟ لو أمي دخلت وشافت عمار هنا هتبقى فضيحة قد الدنيا.
***
في القاهرة – منزل طارق وهيام
كانت الساعة تقترب من الفجر، وصقر يجلس في غرفة المعيشة منتظرًا هيام بقلق واضح. الباب يُفتح أخيرًا، وتدخل هيام منهكة من يوم عمل طويل.
هيام (بتعب): ازيك يا صقر؟ عامل إيه؟ حمد لله على سلامتك.
صقر (بنبرة جادة): الله يسلمك. وانتي إن شاء الله كل يوم بترجعي في الوجت ده؟
هيام (بتبرير): شغلي يا صقر... ومستقبلي. أعمل إيه؟
صقر (بنظرة حادة): شغلك ينسيكي ولادك وبيتك؟
هيام: ماله بيتي؟ ومال ولادي؟ ما هما زي الفل أهو.
صقر: ولادك مش حاسين بوجودك، وناقصهم حاجات كتير.
هيام (بسخرية): ناقصهم إيه؟ ولادي في أحسن مدارس، وعندهم كل حاجة، وعندهم الدادة بتاعتهم.
صقر (مقاطعًا): والحياة مدارس ودادة؟ انتي فين من كل ده؟ وجوزك اللي مبتسأليش فيه؟
هيام (بحدة): انت قولت كل ده ومقولتش مستقبلي! وبعدين، هو لحق يشتكي لك؟ مش كفاية اشتكاني لبابا؟
صقر (بحزم): جوزك مشتكاش، أنا اللي شفت بعيني. وعاوز أتحدد معاكي.
هيام: بعدين يا صقر... بعدين. أنا راجعة تعبانة.
صقر: بعدين إمتى؟
هيام: هاخد أجازة بكرا من المستشفى وأقعد معاكم براحتي.
صقر: إذا كان كده... ماشي.
هيام: عن إذنك بقى... أدخل أنام.
تتجه هيام إلى غرفتها، وصقر يتنهد بعمق ثم يعود هو الآخر إلى غرفته، وما زالت الأفكار تدور في رأسه.
***
في الصعيد – منزل جمريه
كانت جمريه تجلس في غرفتها شاردة، تحاول إيجاد حل للمأزق الذي وقعت فيه. نظرت حولها بخوف وقالت لنفسها:
جمريه: هعمل إيه؟ هنزله من هنا إزاي؟ أحسن حل إني أقفل على نفسي بالمفتاح وأقولهم إني تعبانة شوية.
في الطابق السفلي، استيقظت زبيده، ونظرت حولها باستغراب قبل أن تتحدث لنفسها.
زبيده: أمال البت جمريه دي منزلتش لحد دلوقت ليه؟
قطع حديثها صوت أمين وهو يدخل الغرفة.
أمين: عمار فين؟
زبيده: معرفش، لسه مجاش.
أمين: خلي يلف ورا الغوازي.
زبيده: أنا مش فايجالك دلوقتي.
تنادي زبيده على إحدى الخادمات التي تظهر بسرعة.
زبيده: روحي اندهي جمريه.
الخادمة: حاضر يا ست زبيده.
صعدت الخادمة إلى غرفة جمريه وطرقت الباب بهدوء.
الخادمة: يا ست جمريه، اصحي. الست زبيده عاوزاكي تحت.
جمريه: قولي لها إن حساسيه ضربت في جسمي وخايفة تكون من النوع المعدي، عشان كده جاعدة لحالي.
الخادمة: حاضر، ألف سلامة عليكي يا ست الناس.
نزلت الخادمة لتبلغ زبيده بما قالته جمريه.
زبيده: حساسية إيه دي؟ اسمعي يا بت، حطيلها الوكل في أطباج بلاستيك عشان بعد كده نرمي الأطباج.
الخادمة: حاضر يا ست زبيده.
تقول الخادمة لنفسها: أنا عمري ما شوفت أم جافية كده، كل اللي همها الأطباج مش بنتها.
قطعت زبيده حديثها فجأة.
زبيده: بس حضريلنا إحنا الأول نفطر.
حضرت الخادمة الفطور لهم ثم أخذت الفطور الخاص بجمريه وصعدت به إلى غرفتها. وقبل أن تصعد، نادتها زبيده.
زبيده: وريني واخده فطار إيه؟ وه وه كل ده أكل كتير عليها. خشي نجصي نصه.
الخادمة: حاضر يا ست زبيده.
تنقص الخادمة من الفطور ثم تصعد إلى غرفة جمريه وتطرق الباب.
الخادمة: الفطور يا ست جمريه، الست زبيده بتقولك بعد ما تاكلي، بالهنا حطي الأطباج في كيس عشان نرميهم.
جمريه: حاضر.
فتحت جمريه الباب، ثم نظرت إلى الطعام بحزن وقالت لنفسها: ياااه يا أمي، كل اللي همك الأطباج. فينك بس يا يوسف، تيجي تشوف حال أختك. ياااه، الوكل ده جليل جوي، أنا هسيبه لعمار أحسن عشان جرحه.
أيقظت عمار من نومه ببطء، ليستيقظ منهكًا.
عمار: أنا إيه اللي جابني هنا يا جمريه؟
جمريه: مش وقت الحديث ده، لازم تاكل عشان أنضفلك الجرح وتاخد علاجك.
عمار: حاضر، ناكلوا مع بعضينا.
جمريه: لا، أنا سبجتك وكلت. كل انت.
***
في القاهرة
صقر كان جالسًا في غرفة المعيشة ينتظر استيقاظ هيام، لكن بدلًا منها، وجد طارق يدخل.
طارق: انت اتأخرت قوي في النوم يا صقر.
صقر: والله ما نمت، مش جايلي نوم. جولت أستنى أما تصحوا عشان أكلم هيام. أنا اتكلمت معاها لما رجعت وجالتلي إنها هتاخد النهارده أجازة.
طارق: هيام؟ هيام مين اللي هتاخد أجازة؟ هي في شغلها من بدري.
صقر: إزاي ده؟ دي قالتلي إنها هتاخد أجازة وتقعد معانا.
طارق: بقالها سنين يا صقر بتقول كده.
صقر: يعني جصدك إنها بتضحك عليا؟
طارق: أنا مقولتش كده، بس هي بقالها سنين بتقول "هاخد أجازة" ومش بتاخد.
صقر: أنا هتصل بيها.
طارق: متحاولش، لأنها دايمًا مشغولة.
صقر: لا، أنا هكلمها.
يمسك صقر هاتفه ويتصل بهيام.
رأت هيام رقم صقر يظهر على هاتفها، فتنفست بملل.
هيام: يووه، عاوز إيه صقر؟ مش فاضية له، وهيفضل يقولي بيتك وعيالك. الأحسن أرد عشان مش هيبطل زن.
ترد هيام على الهاتف بنبرة باردة.
هيام: أيوة يا صقر.
صقر: مش قولتي هتاخدي أجازة النهارده وتقعدي معانا؟
هيام: جالي شغل مهم، أعمل إيه؟
صقر: وشغلك أهم من عيالك وجوزك؟
هيام: صقر، متدخلش في حياتي بعد إذنك. أنا عارفة أمشي حياتي إزاي.
يغلق صقر الهاتف في وجهها بغضب.
طارق: مش أنا قلتلك؟ المهم يا صقر، إحنا لازم نسافر الصعيد ضروري.
صقر: ليه؟ فهمني.
طارق: لما نوصل البلد هقولك. أنا هجهز الأولاد، وانت جهز نفسك، وخلي عمي يجهز. أنا هبعت رسالة لهيام أعرفها إننا مسافرين.
يبعث طارق رسالة إلى هيام، وبعدما تقرأها، تتصل به سريعًا.
هيام: أنتو مسافرين الصعيد ليه؟ في حاجة؟
يمسك صقر الهاتف من يد طارق ويتحدث بنبرة حازمة.
صقر: ولادك أخدوا الأجازة، وهناخدهم يغيروا جو في البلد، وبالمرة أمك تشوف الأولاد. وانتي هتحصلينا.
هيام: أحصلكم فين؟ أنا مش هعرف آخد أجازات خالص. روحوا انتو، وابقوا سلمولي على ماما.
يغلق صقر الهاتف مرة أخرى في وجهها.
صقر: أنا لازم أروح لها المستشفى، هيام لازم تتعدل يا طارق.
طارق: مش وقته يا صقر، لازم نمشي.
صقر: مش فاهم، في إيه؟ بس هنجهز حالًا.
جهز الجميع حقائبهم للسفر، وكان الأولاد في غاية السعادة لأنهم سيذهبون إلى الصعيد. أثناء التحضير، دار حديث بين صقر والأولاد.
ياسين: خالو، ماما فين؟ مش هتسافر معانا؟
حور: ماما فاكرانا أصلًا؟ دي شكلها نسيت إن عندها أولاد.
طارق: وبعدين يا حور؟
الجد: ماما جاية ورانا يا ولاد.
يزن (بحزن): عادي يا جدو، إحنا اتعودنا على فراقها.
يحاول صقر التخفيف عنهم بابتسامة وهو يقود السيارة بنفسه.
صقر: أول ما نوصل البلد إن شاء الله، هفسحكم وأركبكم خيل، وهوريكم حاجات حلوة كتير.
الأولاد (بفرحة): بجد يا خالو؟
الجد: وكمان تجعدوا مع جدتكم، أكيد وحشتكم.
حور: تيتة نجاة شبه ماما، يبقى كده إحنا قاعدين مع تيتة وماما في نفس الوقت.
طارق (بضحك): بطلي لماضة يا حور.
***
في إيطاليا
كان ليو يجلس على مقعد خشبي في حديقة القصر، التي تمتد حتى تصل إلى البحر. الأمواج الهادئة تتكسر على الشاطئ في مشهد ساحر، لكن عينَي ليو كانتا شاردتين، وكأنه غارق في عالم آخر. تقترب منه لارا بخطوات هادئة وتحاول أن تجذب انتباهه.
لارا: النهارده قررت آخدك لمكان جديد. إيه رأيك؟
تنتظر قليلاً دون أن يرد، فتقول بصوت أعلى... ليو، بكلمك!
ليو: معلش، كنتِ بتقولي إيه؟
لارا: مالك؟ مش مركز معايا خالص اليومين دول.
ليو: مفيش... بس الكوابيس زادت و ..
لارا: افتكرت حاجة؟
ليو: مش عارف... بس الكوابيس شكلها ليها علاقة بحياتي. اللي بشوفها في الكوابيس بتصرخ وتقولي "أنقذني... أنقذني". تبقى مين؟
لارا (بفضول): طيب، شكلها إيه؟
ليو: مش فاكر شكلها كويس... بس كل مرة بشوفها، بلاقي حواليها تعابين، وأنا واقف متكتف مش قادر أتحرك، وهي بتندهلي تقولي "أنقذني".
تلتفت لارا بنظرة قلق نحو البحر للحظات، ثم تحاول أن تبدو غير مطمئنة وهي تتحدث.
لارا: خير يا ليو... متقلقش، يمكن دي مجرد أحلام ملهاش معنى.
في زاوية أخرى من الحديقة، قريبًا من بوابة القصر
يجتمع مجموعة من الحراس تحت شجرة ضخمة، يتحدثون بصوت منخفض وهم يراقبون ليو عن بعد.
الحارس الأول: انتو مش ملاحظين إن الولد المصري ده، من ساعة ما جه، بقى كل الاهتمام حواليه؟ ياسر بيه والآنسة لارا مشغولين بيه طول الوقت. أنا متأكد إنه عامل علينا فيلم ومش فاقد الذاكرة ولا حاجة.
الحارس الثاني: أيوة، وكل يوم بيزيد اهتمامهم بيه. لو فضل كده مش بعيد ياخد كل حاجة.
الحارس الثالث (بتفكير): طيب اسمعوا، أنا عندي فكرة. نروح للمكان اللي خبطته فيه لارا بالعربية. أكيد هنلاقي هناك دليل يساعدنا نعرف هو مين.
الحارس الرابع (بحذر): بس لازم نتصرف بهدوء. لو بيترو عرف إننا بنحاول نكتشف حاجة عنه، مش هيتردد لحظة في تصفيته...
يهز البقية رؤوسهم بالموافقة، ثم ينصرفون في هدوء.
***
في منتصف الليل، في الصعيد
كان أمين جالسًا على الكرسي في حجرة المعيشة، يدخن الأرجيله.
أمين: حطيلي فحميتين على النار يا زبيدة.
زبيده: ما فلحش غير في المدعوجة دي.
أمين: ما انتي طول عمرك بتخططي لكل حاجة، وأنا بس ماشي وراك.
تذهب زبيدة لتحضر الفحم بينما يظل أمين جالسًا.
أمين: مرة عجربة... حرج أبو الي جابك! منك لله يا حمدان، لو مكنتش عملت تمثلية انك افتجرت مكنتش اطلجت وانا اتجوزتها. ثم يضحك. شكلك اتجنيت يا أمين، الله يجطعك يا زبيدة! وكمان مش عارف المدعوج عمار ده فينه.
تعود زبيدة حاملة الفحم وتضعه على الأرجيلة.
زبيده: ياكِ اتخليت يا أمين! عتحدد حالك؟
أمين: كنت عمال أسأل نفسي: الواد عمار فين دلوقتي؟
زبيده: خد الولعة، اهيه.
تخرج زبيدة من الغرفة، لكن أمين ينادي عليها.
أمين: رايحة فين؟ تعالي هنا، بتك منزلتش النهارده من أوضتها، واصل ليه؟
زبيده: جالت للخادمة إن عندها حساسية في جسمها.
أمين: وانتي طلعتِ لها واطمنتِ عليها؟
زبيده: لأ، وإنت عايزني أتعدي؟
أمين: يا مرا يا هاملة، اطلعي اطمني على بتك!
زبيده: ومن ميته بتهمك بتي؟
أمين: لا يا ناصحة، أنا عاوزها بس تحس إنك حنينة عليها، عشان نقدر ناخد كل اللي عاوزينه منها.
زبيده: اجعد انت كركر في الجوزة، وأنا رايحة أنام.
تخرج زبيدة، وأمين ينظر إليها بغضب.
أمين: اتخمدي خمدة تخمدك في الندى بدري.
زبيدة وهي تتحدث مع نفسها: "أمين كلامه صحت".
تذهب زبيدة إلى غرفتها، وبينما هي في طريقها للصعود على السلم، تلتقي بجمريه وهي خارجة من الحمام متجهة لغرفتها.
زبيده: فين الحساسية اللي بتقولي عليها؟ وشها زين اهو، البت دي في سر وراها، ولازم أعرف في إيه.
زبيدة تصعد السلم بسرعة، ثم تفتح باب غرفة جمريه لتجد عمار مستلقيًا على السرير وجمريه واقفة بجواره.
زبيده: يامرك يازبيده بتك حطت راسك في الطين.
رواية جمرية الصقر الفصل السابع 7 - بقلم سلوى عوض
زبيدة: يا مرك يا زبيدة، بتك حطت راسك في الطين.
جمريه: مفيش حاجه يا أمي، والله مفيش حاجه.
عمار: انزلي تحت دلوقتي يا جمريه!
زبيدة: مش هتنزل من هنا غير لما أفهم في إيه!
عمار: وأنا جولت انزلي يا جمريه.
تسحب جمرية نفسها وهي باكية، دموعها تنساب على خدها. تتحدث في نفسها بصوت مكتوم:
"يامري؛ أمي هتفضحني... وأنا معملتش حاجه."
بعدما ينفرد عمار بزبيدة، يبتسم بخبث ويقول:
عمار: كويس إنك طلعتي يا مرات أبوي.
زبيدة: بتلعب لوحدك يا ود أمين؟ مش متفجين نلعبها سوا؟
عمار: مخك تعبان جوي يا مرت أبوي وعلى قده. يعني تفتكري إني أروح أجيب رجاله، أدفع لهم فلوس، وأخليهم يضربوني ويعوروني عشان أعمل نفسي غلبان وأخش قلب بنتك؟
يضحك بخفة، ثم يتابع:
اسمعي يامرت ابوي اللي حصل اتفقت مع شوية رجاله يدوني علجة تمام، واحد منهم جرحني جرح بسيط في يدي. بعدها، رحت لجمرية وجلت لها: "الحقيني يا جمرية! مش بتك ممرضة وكلت حلاوة بالشطة عشان تجيب لي سخانة. واللي حسبته لجيته صعبت على بتك و جعدت تعالجني في أوضتها."
ثم يتابع:
وكنت هرن عليكِ عشان تطلعي تمسكينا ؛ بس انتي مخك تخين، وجيتي في وقت مش مناسب.
زبيدة: وهي صدجتك؟
عمار: ما انتي عارفه إن بتك هبلة. صدجتني ووجعت في الشبك. بس عندنا مشكلة.
زبيدة: مشكلة إيه بجى؟
عمار: الرجاله اللي ضربوني لسه باجي ليهم 50 ألف جنيه.
زبيدة (بفزع): يا نهار إسود! كنت ضربتك أنا وعورتك ببلاش.
عمار: مش بجولك مخك تخين. على العموم، انتي حرة. لو الفلوس ما اتدفعتش النهارده بالليل، الرجالة هييجوا يخربوا الدنيا فوج دماغنا.
زبيدة تتنهد بضيق ثم تقول بتذمر:
زبيدة: هجبهم، بس نخلص الموضوع ده.
عمار: استني قبل ما تنزلي. هتهددي جمرية وتجوليلها كتب الكتاب السبوع الجاي. هي كده مش هتعرف تتكلم. قولي لها: "لما انتو عاشجيم بعض ورايدين بعض مجولتوش ليه؟"
زبيدة تبتسم بنظرة شريرة وتقول:
زبيدة: يا بوي على مخك. أحسن إنك مطلعتش زي أبوك، معيفهمش واصل.
عمار: تربيتك يا زبيدة.
تنزل زبيدة إلى جمرية، تجدها جالسة تبكي بحرقة. تقترب منها بخبث، ثم تقول ببرود:
زبيدة: مش كنتِ تجولي إنكم عاشجين بعض؟ إحنا هنلمّكم ونجوّزكم بدل الفضايح دي. احمدي ربك إن محدش من الخدم شافك.
ترفع جمرية رأسها وتنظر لها بحسرة ودموعها تغطي وجهها، لكنها لم ترد.
***
في منزل الصايغ
تصل السيارة أمام بيت العائلة في الصعيد. يخرج منها صقر، والده محمود، طارق، والأولاد. فور نزولهم، يركض الأولاد نحو جدتهم نجاة بحماس.
الأولاد: تيتا تيتا وحشتينا قوي.
نجاة: يا مرحب، نورتوا يا حبايب جلبى.
تلتفت نجاة نحو صقر، تلاحظ ملامحه المتعبة.
نجاة: خيتك فين يا صقر؟ ليه مجتش معاكم؟
صقر: بَتّك عندها شغل، جاية بعد يومين.
نجاة: شكلك مضايج؛ بتي فيها إيه؟
صقر: جولتلك مفهاش حاجة يا أمى.
تنقل نجاة نظرتها نحو طارق، وكأنها تحاول قراءة ما يخفيه.
نجاة: بتي فين يا طارج؟ وعملت فيها إيه؟
طارق: مفهاش حاجة يا خالتي.
نجاة: أومال؟ سيبتوها لوحدها وجيتو ليه؟
طارق: إحنا مهملنهاش، هي اللي مهملانا على طول.
تتجهم نجاة وترد بانفعال واضح.
نجاة: يعني إيه مهملاكم؟ بتي دي دكتورة قد الدنيا. أنا الحج عليّ اللي جوزتهالك! ده انت حتى مطمرش فيك التربية.
تستدير نحو محمود، وكأنها تنتظر منه دعماً، لكن تتابع حديثها دون انتظار رد.
نجاة: أنا عاديت أخوي والعيلة كلها عشانك، خدتك ربيتك بعد ما ناسك ماتوا في العربية. كانوا هيودوك الملجأ، وأنا مرضتش. غلطانة أنا؟ غلطانة إني ربيتك مع ولادي، وعلمتك وكبرتك؟ وفي الآخر، تجول علي بتي مهملاك؟
طارق: وأنا عملت إيه لكل ده يا خالتي؟ أنا حافظ جميلك على راسى.
تنقل نجاة نظرتها الحادة إلى محمود، كأنها تريد منه الدفاع عن هيام.
نجاة: ما تتكلم يا محمود، مش بَتّك دي؟
محمود: اسكتي يا نجاة. بتك راكبها الغلط من ساسها لراسها.
تنظر نجاة نحو صقر، الذي كان يقف بصمت، وكأنها تنتظر منه أن ينصف أخته.
نجاة: وأنت كمان يا صجر؟ معندكش كلمة في حج أختك؟
يتنهد صقر، ويمسح وجهه بتعب واضح.
صقر: اعملي معروف، يا أمي، همليني لحالي دلوك. أنا مانمتش بقالي كام يوم، وسايج من مصر لهنا. اطلع أرتاح وبعدين نتحدت.
لكن نجاة لا تهدأ، ترفع صوتها بغضب أكبر.
نجاة: مفيش حد هيرتاح ولا يمشي من قدامي غير لما أطمن على بنتي.
يتوقف صقر، كأنه يحاول كبح غضبه، ثم يرد بنبرة مرهقة.
صقر: بنتك، يا أمي، حياتها كلها شغل. متعرفش حاجة عن عيالها. ليلها ونهارها في الشغل. وبترجع مش قادرة تقف على رجلها. مهملة في بيتها وعيالها وجوزها.
نجاة: وهو كان يحلم ببنتي ولا إنه يتجوزها؟ ده أنا أول ما وصلت مع خيريه أخت زيدان الوحدة الصحية، الدكتورة سألتني: أنتي أمها؟ قلتلها: أنا أم الدكتورة هيام محمود الصايغ. الدكتورة مصدقتش، عشان منقوله جديد، وقالتلي: الدكتورة هيام دكتورتنا كلنا، وعلى سنها الصغير دي مشهورة أوي. واسمها مسمع. حتى زيدان وهو رايح معانا وراني جايبين هيام بنتي على النت. الدكتورة الكبيرة اللي ولدت واحدة مكنش حد عارف يولدها، العيل كان هيموت في بطنها. عمل إيه طارج بجى في حياته؟ وجايين تتكلموا على بنتي؟ هي مش أختك يا صجر؟
صقر: يارب تكون مفيش غيرها في العالم دكتورة. بيتها وجوزها وعيالها فين من ده كله؟ همليني أرتاح ب0ى، وبعد كده ابجي اتكلمي.
***
(في إيطاليا )
لارا تدخل غرفة مكتب والدها، ياسر، حيث يجلس يراجع بعض الأوراق.
لارا: فاضي أتكلم معاك يا بابا؟
ياسر: آه، تعالي يا لارا.
تجلس لارا أمامه بتردد وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة.
لارا: إيه رأيك في شغل ليو؟
ياسر: ممتاز. الدكتور قال إن المهارات اللي عنده ملهاش علاقة بفقدان الذاكرة، بتفضل موجودة ومبتروحش.
لارا: بس لو الكوابيس اللي بتجيله دي تقف، طب ممكن أخده ونخرج؟
ياسر: تمام، اخرجوا، بس أي مكان حوالينا. ميلانو لا.
لارا: ليه؟ مش يمكن يفتكر حاجة؟
ياسر: لا. الدكتور قال حاليًا مش لازم يتواجد في أي مكان له علاقة بالماضي.
لارا: حاضر يا بابا.
ياسر: خدي بيترو معاكي.
لارا: بس بيترو بيضايق ليو.
ياسر: لا، انتي فاكرة كده، بس هو بياخد باله منه دي تعليمات مني. يلا روحي وابعتيلي نصر.
لارا: حاضر.
تخرج لارا لتبحث عن نصر. تجده يقف مع أحد الموظفين، وتنادي عليه.
لارا: نصر، بابا عايزك.
نصر: حاضر.
يدخل نصر غرفة المكتب، ويغلق الباب خلفه.
نصر: أوامر حضرتك يا باشا.
ياسر: البضاعة وصلت ولا لسه؟
نصر: وصلت يا فندم.
ياسر: المرة دي مش إحنا اللي هنقوم بالعملية.
نصر: أومال مين هيقوم بيها؟
ياسر: ليو اللي هيقوم بالعملية كلها، بس بعد ما تجيبلي باقي المعلومات عنه.
نصر: أنا يا فندم كل المعلومات اللي قدرت أجيبها عنه إنه اسمه يوسف حمدان، وجيه إيطاليا من مدة، وعايش مع جماعة مصريين، وبيشتغل في محل بيتزا.
ياسر: ما انت قولتلي قبل كده. إيه الجديد؟
نصر: الجديد يا فندم من خلال مراقبتي لميمو صاحبه. كان بيسأل عنه في كل مكان. آخر حاجة وصلت لها إن كان في واحد مصري كان مع ميمو، راحوا سألوا عليه في المينا. الكارثة بقى إني لما سألت هناك، واحد قالهم إنه كان هنا من شهرين.
ياسر: مش لازم يخرج برا توسكانا تاني. وإيه حكاية بيترو مع ليو؟
نصر: أصل... أصل حضرتك...
ياسر: انطق.
نصر: أصل بيترو اضايق إن حضرتك مفضله عن الحرس ومكبره عليهم.
ياسر: طيب. بعدين أشوف حكاية بيترو. روح انت، وهاتلي كل المعلومات الناقصة عنه.
نصر: تحت أمر حضرتك.
ينصرف نصر، ويظل ياسر جالسًا يتأمل التفاصيل التي سمعها، بينما أفكاره تتصارع في رأسه.
***
في منزل جمريه بالصعيد
زبيدة وهي تنظر إلى ابنتها جمريه بحدة.
زبيدة: أنا هستر عليكي. مش هجول لحد، في النهاية انتي بتي.
جمريه: والله يا أمي محصلش حاجة.
زبيدة (بحدة): مجولنا خلاص، جومي حضّري العشا.
تخرج جمريه من الغرفة وهي تحاول كتم دموعها. أثناء ذلك، ينزل عمار من الطابق العلوي، ينادي عليها.
عمار: تعالي يا جمريه، عايزك.
جمريه (بتنهيدة): خير يا عمار، تاني؟
عمار: أنا هقولهم إننا هنخرج بكرا، وانتي جولي موافقة.
جمريه: طب... وجرحك؟
عمار: أنا بجيت زين، الفضل لربنا وليكي. لازم أتحدت معاكي بعيد عن البيت.
جمريه: حاضر.
في غرفة أمين
تدخل زبيده الغرفه لتوقظ امين.
زبيدة: جوم يا همّي، يا اللي جاعد في خلجتي. ما تعملش حاجة في حياتك غير تاكل وتكركر في الجوزة.
أمين: طب، على سيرة الوكل، جعان.
زبيدة: جمريه بتحضر الوكل، ياك تشبع.
أمين: كده برضو يا زبدتي؟ مش أنا أمين حبيبك؟
زبيدة: حبك حنش.
تدفع زبيدة الباب وتخرج غاضبة. أمين يضحك.
أمين: شوفوا المرة يا ولاد، قال حبني حنش. أومال هي إيه؟ لا صح، هي عجربة. ميته بس ناخد الجرشينات والأرضيات، وأخلّص منك يا عجربة.
يخرج أمين من الغرفة بعد دقائق، ليجد السفرة مجهزة.
أمين: يا جمريه، يا جمريه، فين الوكل؟
جمريه: ما الوكل جدامك أهو يا عمي.
أمين: إيه ده؟ فول وعدس ومسجعية؟ إيه الفجر ده؟ أومال فين اللحم والطيور؟ أنا شجيان طول النهار، وتحطولي الوكل ديتي؟
تتدخل إحدى الخادمات، وهي تتحدث بخجل.
الخادمة: الست جمريه وصتنا من عشيه. كان نفسها في الوكل ديتي.
أمين: ما طفحش. توكلونا على مزاجكم؟
زبيدة: جمريه، فين الوكل؟ إيه اللي جايباه ده؟ ماجصينش حرجه جلب.
أمين: وانت كنت فين يا حيلة أبوك؟
عمار: كنت مع صحابي.
زبيدة: الوكل جي، اطفح وانت ساكت.
تنظر إلى جمريه بنظرة خبيثة، قبل أن تلتفت نحو عمار.
زبيدة: ده أنا كنت باعته عمار يجيبلي حاجة.
عمار (يبتسم بهدوء): صح يا جماعة. أنا هآخد جمريه ونفطر برّا بكرا.
زبيدة: وماله؟ اطلعوا اتهووا.
أمين: أنا مفهمش حاجة.
زبيدة: مش لازم تفهم. وانت من إمتى بتفهم؟
***
في منزل الصايغ
صقر: طارج تعالى نطلع نشربوا قهوة.
طارق: حاضر ياصقر.
نجاة: اتصل بأختك يا صقر، ماعيتحركش من جدامي غير لما أطمن على بتي.
صقر: حاضر يا أما.
يخرج صقر هاتفه المحمول ويتصل بهيام أكثر من مرة، لكن لا أحد يجيب. يغلق الهاتف وينظر إلى والدته.
صقر: بتك مابتردش، مش جولتلك مش فاضية لينا؟
نجاة (بغضب وهي تنظر إلى طارق): عملت إيه في بتي يا طارق؟ وانت يا صجر بتداري عليه؟
طارق ينظر إلى الأرض بصمت. صقر يلتفت إليه بنظرة حادة، ثم يقوم من مكانه.
صقر: يلا يا طارج، نطلع.
طارق يهز رأسه بالموافقة ويتبع صقر بهدوء. يخرجان من المنزل ويتجهان إلى المقهى القريب.
صقر: خير يا طارج، في إيه؟ ليه خلّيتنا ناجي البلد بسرعه؟
طارق ينظر حوله بتوتر، ثم يرفع عينيه نحو صقر، يتحدث بصوت منخفض وكأنه يخشى أن يسمعه أحد.
طارق: أنا في مصيبة كبيرة يا صقر... وللأسف مهدد بالحبس.
صقر ينظر إليه باندهاش وحزم في نفس الوقت، ينتظر منه أن يشرح أكثر.
رواية جمرية الصقر الفصل الثامن 8 - بقلم سلوى عوض
طارق: أنا واقع في مصيبة يا صقر، ومهدد بالحبس.
صقر: مصيبة وحبس؟ إزاي ده حصل يا طارق؟
طارق: هحكيلك... من حوالي شهرين كنت في الشغل، وزي ما أنت عارف، قدمت استقالتي أكتر من مرة، وكانوا دايمًا بيرفضوا. كانوا يقولوا لي: "إحنا معتمدين عليك ومش هنقدر نستغنى عنك". حاولت آخد أجازة عشان أركز في شغل المكتب بتاعي، لكن ردهم كان دايمًا واحد.
في يوم شؤم، كنت في الشغل الصبح برتب الملفات. كنا بنحضر للمناقصات، وكان العطا بتاعنا مكتوب في الملفات مع أسرار شغل كتيرة. فجأة، التليفون بتاعي رن كتير، وكنت كل شوية أقفل على اللي بيرن. في الآخر زهقت ورديت، طلعت الدادة بتاعة الأولاد. قالت لي: "يا أستاذ طارق، الولاد واخدين أجازة من المدرسة". فقلت لها: "كل الزن ده عشان كده؟" ردت بخوف وقالت: "لا، بس ياسين وقع على دماغه واتعور جامد، وإحنا عند الدكتور، وبيقول سبع غرز".
طبعًا، اتخضيت. قلت لها: "طب كلمي مامته لحد ما أجي". قالت لي: "كلمتها، بس هي عندها عملية ومش فاضية. إحنا في العيادة". قلت لها: "ابعتي لي اللوكيشن"، ونزلت جري من غير ما أقفل الخزنة أو أرتب الملفات.
وصلت العيادة لقيت ياسين تعبان جدًا، وأخواته يزن وحور بيعيطوا عليه. بعد ما خلص الدكتور خياطة الجرح، رجعنا البيت. غيرت له هدومه، وهديت حور ويزن، وأكلت الولاد. لما نيمتهم كلهم، وقعت جنبهم من التعب ونمت.
الصبح، لما صحيت، اطمنت على ياسين وإخواته، وفجأة افتكرت اللي حصل في الشغل. جريت على الشركة بسرعة، رجعت الملفات مكانها من غير ما أتأكد من أي حاجة.
بعدها بفترة، جه معاد المناقصة وفتحوا المظاريف. اكتشفنا إن فيه تلات شيكات اتسرقوا، والمناقصة مرسيتش علينا. اتهموني بالإهمال، وقالوا إني سرقت الشيكات وسربت معلومات لشركات منافسة. الموضوع كبر، وحولوني للتحقيق. ولأن معنديش أي دليل يثبت براءتي، قررت أهرب وأدور على دليل قبل ما يتحقق معايا.
صقر: ياه يا طارق، مستحمل كل ده لوحدك ومبلغتنيش من بدري ليه؟
طارق: سألت عمي عليك، قال لي إنك مسافر إيطاليا بتدور على صاحبك. مكنتش عايز أشيلك هم فوق اللي عندك.
صقر: المهم دلوك، لازم تختفي لحد ما تظهر براءتك. لو على الفلوس، رجابتي سدادة، لكن دي قصة شرف.
طارق: مفيش حد في الشركة متعاطف معايا خالص.
صقر: وهيام عارفة؟
طارق: محبتش أشغلها.
صقر: أنا لازم ابلغها حالا عشان تقف جمبك.
طارق: صدقني مش هيفرق معاها.
صقر: إزاي؟ دي مراتك، وأم ولادك، وحبها الأول والأخير. فوج كده، دي بنت خالتك ومتربية معاك. أنا لازم أكلمها.
(يتصل صقر بهيام...)
هيام: أيوة يا صقر، وصلتوا بالسلامة؟
صقر: أنتي لسه فاكرة تسألي؟ وصلنا من بدري. اسمعيني زين يا هيام، جوزك واقع في مشكلة كبيرة. (يحكي لها اللي حصل).
هيام ببرود: وانت عايزني اعمل ايه؟ ده إنسان مهمل.
صقر: إيه حنيتي لجوزك يا بت أبوي.
هيام: لا سمعت، انت ناسي إن هو جوزي. أنا تعبت وشقيت على ما عملت اسمي. من فضلك يا صقر خليه يطلقني بالذوق بدل ما اخلعه أنا. الدكتورة هيام الصايغ مينفعش اسمي يرتبط بإنسان مهمل. ومين عارف ممكن يكون مرتشي فعلاً.
يغلق صقر الهاتف في وجهها بعصبية.
طارق: قالت لك إيه؟
صقر: مش وقته دلوك.
(هيام تتصل بطارق...)
هيام: طارق، من غير شوشرة، طلقني بالذوق. وبالنسبة للولاد، خدهم. أنا كده كده مش فاضية.
طارق: هتستغني عن ولادك بسهولة كده؟
هيام: مش عايزة حاجة تربطني بيك.
ثم تغلق هيام الهاتف في وجه طارق.
صقر: مش وقت أي حاجة دلوقتي يا طارق. لازم تختفي لحد ما نثبت براءتك. أنا هبعتك لناس تبعي في إسكندرية تجعد عندهم، وأنا هرتب أمور الكفر وأجيلك.
طارق: أيوا واتحدد جلسه الشهر الجاي.
صقر: من هنا لوقتها، ربنا يحلها. أنا معاك ومش هسيبك.
طارق: مش عارف أشكرك إزاي.
صقر: متقولش حاجة. إحنا إخوات.
___________________________
(في الصباح في منزل جمرية)
عمار: هاتي الـ 50 ألف يا مرت أبوي بتوع الرجالة وهاتي 10 عشان أخرج البت.
زبيدة: طب وجرحك؟
عمار: أنا بجيت زين.
زبيدة: اعمل حسابك إن كده الفلوس اللي معايا قربت تخلص.
عمار: وأنا هتجوزلك البت وهتبقى ست الكفر كله.
تنزل جمرية وهي ترتدي الأسود.
زبيدة: هتخرجي بالأسود ده؟
عمار: عاجباني. يلا يا جمرية.
ياخذ جمرية ويذهبوا إلى مطعم.
_______________________________
بعد ساعة وصلوا عمار وجمرية إلى المطعم.
عمار: "تفطري إيه يا جمرية؟"
جمرية: "مليش نفس والله يا عمار."
عمار: "بقولك إيه كُلي دلُوك وازعلي بعدين."
ينده عمار للنادل ويطلب أكل كثير.
جمرية: "إيه كل الأكل اللي انت طالبه ده يا عمار؟"
عمار: "والله لو ماكلتي لجول إنك خطفاني. أنا مجنون وأعملها."
جمرية: "هاكل، بس تقولي إيه اللي دخلك أوضتي؟ وإيه اللي في دراعك ده؟ ولما انت محتاج فلوس مجولتيش ليه؟ والله كنت هديلك اللي انت عاوزه."
عمار (بأسف): "اسمعي يا جمرية، أنا هحكيلك كل حاجة، وجميلك هيفضل مطوقني العمر كله."
جمرية: "أنا معملتش جميل فيك ولا حاجة، انت كنت تعبان وكان لازم آخد بالي منك."
عمار: "طب أنا هحكيلك وتوعديني كل اللي هحكيه ميطلعش برا واصل، مهما حصل يفضل سر بينا. وأنا بوعدك قدام ربنا إني هحافظ عليكي وعلى مالك."
جمرية: "احكي يا عمار، أنا كنت حاسة إن في حاجة بس مش عارفة أفهمها."
يحكي لها عمار كل ما حدث من يوم وفاة أبيها ويحكي لها خطة أبيه وزوجته للاستيلاء على أملاكها.
عمار: "وأنا كنت معاهم في كل ده، والفلوس عامتني، بس جميلك اللي عملتيه فيا مطوقني."
جمرية: "أنا مش مستغربة يا عمار، أنا كنت حاسة بس كنت بكذب نفسي."
عمار: "إيه اللي خلاكي تجيبيني إننا نعيش معاكي؟"
جمرية: "بنت وحيدة، أخوها مسافر وملهاش حد. جولت أكيد أمي اتغيرت، وعاطفة الأمومة اتغيرت عندها."
ثم تبكي وتكمل: "ليه كده يا أمي؟ بتتآمري على بنتك عشان الفلوس؟ والله ما كنت هعز عنك حاجة. أنا بعد موت أبويا وبعد ما يوسف أخباره اتقطعت عني، أنا مش عايزة أعيش في الدنيا أصلاً."
يحاول عمار أن يلطّف الجو:
عمار: "بِت، أنا هحولك على سر إني عاشج وغرقان لشوشتي."
ثم يضحك: "متخافيش مش فيكي، دي هي زي القمر، مش عفشة زيك."
ثم يمسح دموع جمرية.
جمرية: "كتر خيرك أنا عفشة."
عمار: "اضحكي يا جمرية، واعتبريني مكان يوسف لحد ما ييجي بالسلامة. والله لاقف معاكي قصاد أبوي ومرته العجوزة."
ثم يضحك: "لامؤاخذة نسيت إنها أمك... بس جوليلي يا جمرية، كيف زبيدة دي أمك؟ دي أم 44 أحن منها."
جمرية: "نصيبي يا عمار."
عمار: "بجى مالكيش نفس؟ وكلتي الوكل كله. تعالي أوكلك چيلاتي."
جمرية: "اسمه آيس كريم يا جاهل."
عمار: "ماشي يا ست المتعلمة. مكانش دبلوم تمريض دي اللي هتتنطي بيه علينا."
جمرية (وهي تضحك): "على الأقل أحسن من اللي متعلمش واصل."
ذهب عمار وجمرية على الكورنيش ليأكلوا آيس كريم. بينما عمار يعطيه لها، في اللحظة دي رأتهم محاسن وصديقتها نجمة.
نجمة: "إيه ده؟ مش ده عمار؟"
محاسن: "هو فين؟"
نجمة: "هناك أهو، ومعاه سنيورة بياكل چيلاتي."
تنظر محاسن وتقول:
محاسن: "آه يا محروق يا ود المحروق يا عمار. بجى أنا قلبي واكلني عليك وانت عتتسرمح مع البنات."
نجمة: "يلا بينا نهجم عليه ونعرفه إن إحنا شوفناه."
محاسن: "لأ، يلا بينا نمشي."
نجمة: "وانتي اللي كنتي رايحة تتسلفي فلوس عشان تدهاله. بس فالح يتحكم فيكي: مترقصيش، متضحكيش مع حد، حتى النجوط محرمك تاخديه. كل ما حد من الزباين يتحدد معاكي يجيبها عركة."
محاسن: "يلا بينا يا نجمة، بلاش رط كتير."
نجمة: "خلاص، اديني سكت."
تذهب نجمة ومحاسن للمولد.
نتابع مع عمار وجمريه:
عمار: "ها، حفظتي الخطة زين يا جمرية؟"
جمرية: "تمام، متجلجش."
عمار: "أنا هوصلك وهروح مشوار عند حبيبتي."
جمرية: "روح، بس نفسي تعرفني عليها."
________________________________
في المولد، كانت نجمة تجلس بجوار محاسن في غرفتها. محاسن كانت شاردة، وملامح الحزن واضحة عليها.
نجمة: "شوفتي الخاين ود المركوب؟ كان بيلف راسك ويضحك عليكي. مش كنا فضحناه؟"
محاسن: "مناقصينش فضايح."
نجمة (بغضب): "بجى انتي اللي زينة الشباب، والرجالة كلهم عيتلموا تحت رجليكي. كلهم عيشرقوا الجلب وانتي ماسكالي عمار عمار عَحبه عَحبه! أهو ربنا كشفه وجاعد يطفح مع واحدة وانتي ولا على باله يا محاسن."
محاسن: "بجفاياكي، عاوزه أنام."
نجمة: "عتنامي من دلُوك؟ ومعترقصيش؟ النهارده عيبقى فجر من كله. شاله يحل عليك بالمرض يا عمار يا ود أمين!"
محاسن (بانفعال): "متدعيش عليه. غوري من وشي، واللي يسألك عليا، جوليله ماتت."
نجمة: "بعد الشر عليكي، شاله هو وناسه."
خرجت نجمة من الغرفة تاركة محاسن غارقة في بكائها.
وصل عمار بعد قليل إلى المولد ومعه هدية لمحاسن. قابله نجمة خارج الغرفة، وكانت ملامحها غاضبة.
عمار: "فينها محاسن أمال يا نجمة؟"
نجمة: "عيانة."
عمار (بلهفة): "عيانة؟ مالها؟"
نجمة (بشخط): "تصدج ياض انت معندكش هبابة دم؟ فارجنا يلا وغور من هنا!"
عمار: "مالك يابت، في إيه؟"
نجمة: "مش عارف في إيه؟ ياعينك يا جبيرك، صح! ما انت عينك غليظة يا أخي!"
عمار (بانفعال): "متنطقي يابت المركوب، في إيه؟ منجصكيش!"
نجمة: "يعني معارفش انت عملت إيه؟"
عمار: "والله ما عملت حاجة. متخلصي يابت الفجرية وجوليلي في إيه."
تحكي له نجمة ما حدث:
نجمة: "محاسن من وجتها وهي عيانه ومش طايجة نفسها، ومش راضية تتحدت مع حد."
عمار: "يا حبيبتي يا سونه، عتغيري عليّ؟"
نجمة: "انت ساجع كده ليه؟"
عمار: "بس يابهيمة انتي. خشي صحيها."
نجمة: "جالت معوزاش تشوف حد ولا تتحدت مع حد."
عمار: "وهو يعطيها 200 جنيه كده تصحى ولالا؟"
نجمة (بابتسامة خبيثة): "ده أنا أصحيلك أبوها من الترب!"
عمار: "طب غوري صحيها يلا."
تذهب نجمة لتوقظ محاسن.
نجمة: "محاسن، عمار برا."
محاسن (وهي تبكي): "أنا مش جولت متصحنيش!"
نجمة: "يابت اصحي، ده بيقول إنه مظلوم وإنها جريبته."
محاسن (بسخرية): "جريبته مين ده مقطوع!"
نجمة: "يا ستي اسمعيه، ولو معجبكيش الحديث ابجي أكرشيه."
محاسن: "طب دخله."
تذهب نجمة وتسمح لعمار بالدخول. دخل وهو يشعر بالتوتر، وقلبه يدق.
عمار: "مالك يا حبيبتي؟ إسملله عليكي."
محاسن (بحدة): "أنا لا حبيبتك ولا أعرفك. ونويت أتجوز أي واحد من اللي بيتقدمولي."
عمار: "ده أنا أقتله زاجتلك واقتل حالي وراكي. اسمعي الحديث زين."
بدأ عمار يحكي لها كل ما حدث وخطته مع جمرية.
عمار: "أنا كنت ناوي أضحك عليها، لكن بعد اللي حصل منها لازم أقف معاها. ولازم تقفي جاري يا محاسن."
محاسن: "الحمد لله إن ربنا هداك وبعدت عن مرت أبوك الشطانه. طب وانت هتعمل إيه؟"
عمار: "لازم أكتب عليها الأسبوع الجاي."
رواية جمرية الصقر الفصل التاسع 9 - بقلم سلوى عوض
عمار: أنا لازم أكتب عليها السبوع الجاي.
محاسن: هملني لحالي يا عمار روح، روح اتجوز بنت الحسب والنسب! وأنا ماليش غير رب كريم يتولاني برحمته. وههمل البلد والصعيد كله عشان ترتاح. يا ريتني ما حبيتك ولا عرفتك. حالك حال كل الرجالة، تحبوا الغوازى وتمشوا معاهم، ولما ياجي الجواز، تتجوزوا بنات الناس الزينة، كن الغازيه ديه معندهاش جلب وبتحب كيف كل البنته الله يسامحك يا عمار ... والله لو بيدي أجلع جلبي من مكانه.
عمار: إيه كل الكلام اللي يوجع ديتي؟! أنتي حبيبتي وحلمي اللي بحلم بيه من يوم ما عرفتك يا حبة جلبي، يا سونة. وهتجوزك... وعترقصيلي لوحدي!
محاسن تضحك بسخرية: آه، تتجوزني... بكتير جواز عرفي؟
عمار (يضرب بيده على الطاولة): أنتي حمارة يا بت! بجولك هجوزك جواز انتي ايه جطر.. ليه مش عاوزة تسمعي الحديت للآخر؟ اسمعي وبعدين ابجي ولولي براحتك.
محاسن (بغصة): جول يا عمار، جول. هعمل نفسي مصدقاك.
عمار: ععمل حالي هتجوزها وانتي عتهربيها يوم كتب الكتاب يا حبه جلبي والله اسمي معيكتب ف جسيمه غير واسمك جارهم.
محاسن: ولزمته ايه كتب الكتاب اللي معيتمش ديتي.
عمار: مش بجولك حمارة؟ أنا مضطر أعمل كده عشان زبيدة شافتني في الأوضة عنديها. ولازم أعمل كده عشان البنت المسكينة ما تتفضحش.
محاسن: يا عيني عليكي يا جمريه أمك... وبتعمل فيكي كل ده؟
عمار: الله يرضي عليها فوجتني.
محاسن: والله نفسي احب علي يدها اللي رجعتك لعجلك.
عمار: عتتعرفي عليها وتبجو أصحاب وتعملي حسابك مافيش رجص تاني انا عاخدلك بيت وتجعدي فيه انتي ونجمه ولما اخلص الموال ديتي نتجوزو ياست البنته كلهم.
محاسن: ياريت يا عمار نفسي اهمل الغلب ديتي كله كفايه أن اللي يسوي واللي ميسواش بيتطلع عليا... الله يسترك زي معتسترني.
عمار: انتي جلبي يابت بس لازم ابوي وزبيده يصدجونا عشان كديه بكره الصبح تبجي جاهزه عشان عنجرج وجمريه عتكون معانا وععرفك عليها.
محاسن: جد يا عمار!؟
عمار: جد ياروح عمار.
***
في مكان آخر بعيد عن الصعيد، كان ليو جالسًا في حديقه القصر امام البحر، سارحًا في أفكاره. تلك الأحلام الغريبة التي تطارده، البنت التي تصرخ في وجهه قائلة "الحقني"، والتعابين التي تظهر من العدم، كل ذلك أصبح كابوسًا لا يفارقه.
بينما كان غارقًا في تأملاته، اقتحم بيترو الغرفة، ونظر إليه بنظرة مليئة بالتحدي.
بيترو (بصوت ساخر): هتفضل تمثل كده كتير؟
ليو (برفع حاجبه): أمثل إيه؟
بيترو (بنبرة تهديد): آه، تمثل لحد ما حطيت الراجل الكبير وبنته في جيبك. بس أنا مش هسمحلك تكوش على كل حاجة. افهمني كويس... أنا هكون كابوسك الحقيقي يا ليو!
لم يكد ينهي كلماته حتى أمسك ليو رأسه متألمًا، وبدأ يترنح قبل أن يقع مغشيًا عليه.
نصر (مفزوعًا): إيه اللي حصل؟
بيترو (ببرود): معرفش... اتصرف واتصل بالدكتور حالًا.
بينما نصر يهرول نحو الهاتف، تابع بيترو بنبرة ساخرة:
بيترو: أنت مصدق إنه تعبان؟ ده ممثل قدير!
نصر صرخ بصوت عالٍ وهو يرى لارا تقترب:
نصر: آنسة لارا، الحقينا بدكتور! ليو مغمى عليه!
لارا (بخضة): حاضر، حاضر!
أخرجت هاتفها بسرعة واتصلت بالطبيب الذي وصل على الفور، وبدأ بفحص ليو بينما لارا تقف بجانبه بلهفة.
لارا (بقلق): طمّني عليه يا دكتور.
الدكتور (بنبرة مطمئنة): اهدي شوية، يا آنسة. واضح إنه تعرض لضغط عصبي شديد. في حالته دي، أي ضغط عصبي ممكن يكون خطر عليه.
بعدما انتهى الطبيب، التفتت لارا إلى نصر بقلق:
لارا: إيه اللي حصل؟
نصر: مش عارف. ليو وبيترو كانوا بيتكلموا، وفجأة وقع كده.
نظرت لارا نحو بيترو بعينين مشتعلتين، واقتربت منه بخطوات ثابتة.
لارا (بحزم): عملت إيه فيه؟
بيترو (ببرود): مش عارف إزاي واحد زي ده قدر يخدعكم كلكم ويسيطر عليكم. والغريب إنكم مصدقينه.
لارا (بغضب): بيترو! مش عايزة أسمع منك كلمة واحدة عن ليو، فاهمني؟ والمرة دي مش هقول لبابا، لكن اعتبر ده تحذير. لو قربت منه، هتشوف مني اللي عمرك ما شفته.
بيترو (بخوف): حاضر... حاضر.
بعد أن أنهت حديثها مع بيترو، التفتت إلى نصر.
لارا: نصر، ليو مسؤول منك. خد بالك عليه، وبيترو ما يقربش منه أبدًا. دخلوه أوضته فورًا. ومش هكرر كلامي تاني.
نصر: مفهوم... مفهوم.
ألقت لارا نظرة غضب أخيرة نحو بيترو قبل أن تذهب نحو غرفة ليو لتطمئن عليه.
***
وقف بيترو يتأمل المشهد بعينين مليئتين بالغضب والغيرة. داخله بركان مشتعل، لا يستطيع أن يستوعب فكرة أن ليو قد يقترب من لارا، تلك الفتاة التي أحبها منذ طفولته، منذ أن كانت تكبر أمامه كزهرة صغيرة.
بيترو (بصوت داخلي مليء بالغضب): أنا لازم أكشفك يا ليو، وأعرف عنك كل حاجة. لازم أبعدك عن لارا. مش معقول تاخدها مني... وأنا بحبها من زمان. يجي حتة عيل زيك ياخدها مني؟ مافيش غير نصر اللي عارف كل حاجة. لازم أصلح علاقتي معاه، وأخليه يحس إنك ممكن تاخد مكانه عند الراجل الكبير. ساعتها هيكون المفتاح لكل الأسرار اللي عندك، وأنا اللي هكشفك.
توجه بيترو نحو نصر الذي كان منشغلًا بأحد الحراس، وناداه.
بيترو: تفتكر الواد ده... ليو... فاقد الذاكرة بجد ولا بيمثل؟
نصر (بثقة): لا، طبعًا مش بيمثل. ده فاقد الذاكرة بجد. وابعد عنه يا بيترو، أحسن لك.
بيترو (بتظاهر بالندم): يبقى أنا كده ظلمته... ياريته يسامحني.
نصر (بارتباك): ياريت يا بيترو. هو... أنت تعرف عنه حاجة؟
بيترو (ببرود): بسأل بس... بطمن.
نصر: اطمن.
بيترو (بخبث): يعني... مش ممكن يأذينا؟
نصر (يشكك): بتقول إيه؟
بيترو (بجدية): أنت ناسي إنه عارف عننا كل حاجة؟ والراجل الكبير مسلّمه العملية الجديدة.
نصر (بقلق): عندك حق...
بيترو (بهدوء خبيث): طب قول لي... اللي عرفته عنه؟ عشان لو حاول يأذينا، نلاقي حاجة نهدده بيها.
نصر (متردد لكنه يجيب): اسمع يا سيدي... اسمه يوسف حمدان، من الصعيد في مصر. أبوه كان راجل غني، بس توفى، وهو مايعرفش. عنده أخت وحيدة.
بيترو (بتفكير عميق): وبالنسبة لوجوده في إيطاليا؟
نصر: مشارك مع مجموعة شباب مصريين في مطعم بيتزا اسمه ميلانو في ميلانو. والشباب دول بيدوروا عليه، حتى إنه واحد صاحبه جه من مصر وفضل يدور عليه في كل مكان، لكن معرفش يوصله.
بيترو (بخبث): تمام جدًا. كده لو حاول يعمل أي حاجة نقدر نوقفه عند حده.
نصر (بحذر): مش عارف ليه الباشا مأمن له أوي كده.
بيترو: عشان لارا معجبة بيه، وانت عارف الراجل الكبير متعلق بيها إزاي.
نصر (بقلق شديد): بس إحنا كده كلنا ممكن نروح في داهية.
بيترو (بثقة): اطمن... مش هيلحق يعمل حاجة.
ظل نصر ينظر إلى بيترو بريبة، بينما كان الأخير يرسم في عقله خطة لإيقاع ليو في فخه، غير مدرك أن القادم يحمل أسرارًا أكبر مما يتوقع.
***
في نجع الصائغ، جلس صقر بجانب صديقه طارق، يحاول إقناعه بخطة تهدف لحمايته من الخطر الذي يلاحقه. الجو كان مشحونًا بالقلق، لكن نظرات صقر الحازمة كانت مليئة بالعزيمة.
صقر (بحزم): طارق، انت هتروح تجعد في إسكندرية عند نادر صاحبي. متجلجش، نادر صاحب صاحبه ورجولة، وهو اللي هيخفيك عن العيون لحد ما نتصرف وتظهر برائتك.
طارق (بحزن): خلي بالك من الولاد يا صقر. ولو جرالي حاجة، عرفهم إن أبوهم بريء، وإنّي عشت طول عمري إنسان شريف.
صقر (بثقة): أنا عارف كل ده. وإن شاء الله مش هيحصل لك حاجة أبدًا.
وهنا رن هاتف صقر، فتغيرت ملامح وجهه عندما رأى اسم المتصل.
صقر (يرد بسرعة): خير يا زيدان؟
زيدان: يا كبير، الأنسة أخت الأستاذ يوسف خرجت النهارده مع الواد ابن جوز أمها ولسه راجعين، مالهمش كتير.
صقر (بنبرة صارمة): عاوزك تكون زي ظلها بالظبط. وأي حاجة تحس إنها مش تمام، تبلغني فورًا.
زيدان: تحت أمرك يا كبير.
صقر: الأمر لله. البت أمانة في رقبتي يا زيدان.
زيدان (مطمئنًا): متخافش، في عيني ووالله.
أنهى صقر المكالمة وأعاد هاتفه إلى جيبه. التفت إليه طارق وقد لاحظ تغير ملامحه.
طارق (بتساؤل): في حاجة؟
صقر (مترددًا): ده موضوع... بعدين أحكيلك عليه يا طارق.
طارق (بحزن): الله يكون في عونك، شايل هموم الدنيا كلها على دماغك يا صقر.
صقر (بتنهيدة): ربك المعين يا صاحبي. جهز حالك، العربية هتوصلك إسكندرية وتبقى تحت أمرك.
طارق (يعترض): ما اسافر بالقطر.
صقر (بحزم): متضمنش القطر يكون فيه إيه.
ثم استدار صقر ليشرف على تجهيز السيارة، والهموم الثقيلة تلاحقه. كان في عقله يدور حديث واحد: حماية الجميع مهما كان الثمن.
***
في عيادتها كانت هيام تتحدث عبر الهاتف مع المحامي الخاص بالعائلة، وعلامات الحزم ظاهرة على وجهها.
هيام (بصوت حاسم): عاوزاك يا متر ترفعلي قضية خلع على طارق جوزي.
المحامي (مندهش): ليه كده بس، يا دكتورة؟ ده انتو بينكم ولاد.
هيام (بحزم): من فضلك يا متر، اعمل اللي بقولك عليه.
المحامي: طيب... هو تليفونه شغال؟
هيام: معرفش، ومش عايزة أعرف.
المحامي: تحت أمرك يا دكتورة.
وبما أن المحامي يعرف صقر جيدًا، قرر أن يخبره بما حدث. اتصل صقر به فور تلقيه الخبر.
صقر (بقلق): خير يا متر؟
المحامي: يا كبير، دكتوره هيام طلبت مني أرفع قضية خلع على طارق. قلت لازم أبلغك الأول.
صقر (بحزم): متعملش أي إجراءات يا متر، أنا هتصرف. وأشكرك إنك بلغتني.
المحامي (بأمانة): إحنا عشرة عمر يا كبير، مش مجرد محامي وموكلين.
صقر: ربنا يديم المعروف.
بعد المكالمة، التفت صقر إلى طارق الذي كان جالسًا شارداً بعد تجهيز أغراضه للسفر.
صقر (بهدوء): طارق، لازم تطلق هيام. هي كلمت المتر وعاوزة ترفع قضية خلع.
طارق (بصدمة): كده يا هيام؟ ده جزاء حبي ليكي وصبري على إهمالك ليا وللولاد؟ يا خسارة، يا هيام... حاضر يا صقر. أول ما اوصل إسكندرية، هطلقها.
صقر: بس هتبعت ورقة الطلاق على البلد هنا، عشان محدش يعرف مكانك. أختي متستاهلكش، ولا تستاهل ولادها. شكلها هتفوج بعد فوات الأوان.
طارق (بغصة): حاضر، يا صقر.
كانت الكلمات الأخيرة ثقيلة على قلب طارق، لكنه قرر تنفيذ ما قاله صقر، لأنه يعرف أنه صديقه المخلص الذي لن يخذله.
***
(في منزل جمريه)
دخلت زبيدة على جمريه بغضب، ملامح وجهها تنذر بقرار صارم.
زبيدة (بحدة): اعملي حسابك، كتب الكتاب بكرة في العشية. خلونا نلم فضايحك انتي وعمار.
جمريه (مذعورة): بس أنا مش عاوزة أتجوز.
زبيدة (بتهكم): أمال عاوزة تدوري على كيفك مع عمار؟ أنا جُلت كلمتي وخلاص. وكتب الكتاب والدخلة في نفس اليوم.
ثم تركتها زبيدة، وصفعت الباب وراءها بقوة.
جمريه: أنا لازم أتصل بـعمار وأفهمه.
وبالفعل، أمسكت الهاتف واتصلت بـعمار، تحكي له ما حدث.
عمار (بصوت مطمئن): هاوديها يا جمريه، وأنا هتصرف. وخدي، كلمي محاسن، هي عتفهمك كل حاجة.
محاسن (بهدوء): ازيك يا جمريه؟ متخافيش، إحنا واقفين جارك. وكفاية جميلك اللي عملتيه مع عمار.
جمريه: عمار كيف يوسف عندي.
محاسن: عمار عياجي دلوك عندكم. وبكرة، تطلعوا كأنكم رايحين تجيبوا حاجات ليكي، وتعملي حالك فرحانة، فاهماني يا جمريه؟
جمريه: حاضر، فاهمة.
محاسن: ولما تيجي، هاجولك على الخطة كلها.
وضعت جمريه الهاتف، وهي تشعر بخليط من القلق والأمل، متمنية أن تسير الأمور كما خططوا لها.
رواية جمرية الصقر الفصل العاشر 10 - بقلم سلوى عوض
زبيدة: أمين، عاوزاك بكرة تكلم القاضي عشان نكتب كتاب عمار على جمرية. وكلم بتوع الكهربا عشان يعلجوا الزينة. وادعي الناس، وطلعنا عجل من الزريبة عشان ندبحه. سيب المخروبة اللي في يدك، واعمل اللي جلتلك عليه. اخلص، جاتك الهم. وانت مالكش عازة كده.
أمين رفع نظره لها دون اكتراث، ثم نفث سحابة كثيفة من دخان الشيشة.
أمين: عافية عليكي عجربة يا زبيدتي. كده كل حاجة بقت ملكنا.
زبيدة: بزيدك كركره عميتني.
أمين: تعالي خديلك نفسين يا أم مخ ألماس.
أمسكت خرطوم الشيشة منه وأخذت نفسًا بشراهة أكثر منه، وهي تنظر إليه بنظرة مليئة بالانتصار.
زبيدة: عجبك يا محروج. وانت بتسمع كلامي.
عاد كل منهما إلى ما كان عليه، ولكن في ذهن زبيدة كانت هناك خطط لا تخلو من المكر، تسعى لتنفيذها بأي ثمن.
***
مع طلوع الصباح على نجع الصائغ، كان طارق يتهيأ للسفر. وقف أمام باب البيت يودع أولاده، بينما كان صقر بجواره.
طارق (بحزن وهو ينظر لأولاده): خلي بالك من الأولاد زي ما اتفقنا، يا صقر.
صقر (بثقة): اتكل انت على الله، ربنا معاك. والولاد في عنيا.
وفي هذه اللحظة، ظهرت نجاة من داخل البيت، تسير بخطوات سريعة وغاضبة.
نجاة (بحدة): على فين العزم يا طارق؟ ومهمل عيالك حدانا؟
صقر (محاولًا تهدئتها): بعدين يا أمي، بعدين.
نجاة (بإصرار): طارق، بجولك رايح فين؟ أنا كلمت هيام العشية، وجالتلي على المصيبة اللي انت عاملها. حرامي يا طارق! سرجت الشغل اللي بتاكل عيش منيه؟
الأولاد كانوا يسمعون الحوار من بعيد، وياسين لم يستطع تمالك نفسه.
ياسين (بصوت مرتفع): لا، بابا مش حرامي!
نجاة (بغضب): اخرس انت! أبوك حرامي، والحكومة بتدور عليه. وانت يا صقر، بليتنا بيه. اسمع يا طارق، طلّج بتي. بتي مش هتبقى على ذمة حرامي وسراج زيك. طلّجها أحسن ما تخلعك، واتنازل عن ولادنا، ولا عايزهم يطلعوا زيك؟
صقر (بتحذير): أمي، كلمة تانية وههملك البلد بحالها وأمشي.
نجاة (ترد بحدة): عتزعلي يا صقر؟ عشان الحرامي ده؟
وهنا، اقتربت حور الصغيرة، تمسك بطرف ثوب جدتها، وقالت بنبرة بريئة:
حور: حرام عليكي يا تيته، بابا طيب واحنا بنحبه.
يزن (بغضب طفولي): احنا مش بنحبك عشان بتزعلي بابا!
طارق انحنى قليلًا ليمسح على رأس ولديه، محاولًا تهدئتهما.
طارق (بهدوء): عيب يا حبايبي. تيته بتضحك معايا، مش كده يا خالتي؟
نظرت له نجاة بغضب مكتوم، فيما حاول صقر تغيير الأجواء.
صقر (مبتسمًا): احنا بنهزر، صح يا ياسين؟
ياسين: طيب، بابا رايح فين؟
صقر: بابا رايح يشوف الشغل وجاي بسرعة.
ثم أمسك صقر بذراع طارق، وقال بصوت منخفض:
صقر: ياله يا طارق، كده هتتأخر.
غادر طارق النجع، قلبه مثقل بالهموم، لكن عيناه تلمعان بالثقة. فهو يعلم أن صقر رجل يُعتمد عليه، وأن أولاده في أيدٍ أمينة.
***
في نجع الصياد
عمار: "مرت أبوي، هاتي الفلوسات عشان أخد بتك وأجيبلها شوية حاجات."
زبيدة: "ماشي، بس عاودوا بدري عشان القاضي جاي وهنكتب الكتاب بعد صلاة العشا."
عمار: "احنا في الصيف واليوم طويل. فين أبوي؟"
زبيدة: "راح يجيب الناس عشان يعلجوا الكهربا والطباخين جايين بعد الضهر عشان الطبيخ. النجع كله لازم ياكل وبعد الفرح، عربيهم كلهم وأطعمهم اللي كلوه!"
عمار: جباره انتي يازبيدة!
زبيدة: "أمال فاكر إيه؟"
عمار: "طب شيعي حد لبتك، خليها تنزل."
جمرية: "أنا نزلت، أهه! يلا بينا."
زبيدة: "طب، جولي صباح الخير."
جمرية: "لا مؤاخذه يا أمي، الفرحة."
زبيدة: "روحو ومتعوجوش!"
خرج عمار مع جمرية، واتصل بـ محاسن.
محاسن: "ايوه يا جلبي."
عمار: "هاتي البت نجمة وجابليني عند مطعم الفطير جنب المحطة."
محاسن: "عيني."
عمار: "بسرعة، مافيش وقت."
محاسن: "حاضر."
عمار: "جمرية، عملتي زي ما قلتلك؟"
جمرية: "اه، كل الدهب والفلوس صريتهم وحدفتهم ورا البيت."
عمار: "تمام. عناخدهم ونحطهم في العربية."
***
بعد نص ساعه وصلوا إلى المطعم ليجدوا محاسن و نجمة في انتظارهما.
محاسن (تأخذ جمرية بالحضن): "أزيك يا جمرية؟ ده انتي جميلة جوي!"
جمرية: "الله يسلمك، انتي الأجمل يا محاسن."
عمار: "مش وقته يابنته؟ جولي الخطة يا محاسن."
محاسن: "اسمعي زين يا جمرية. البت نجمة هتيجي، هاتعملك مكياج، ومعاها واحدة تبعي. وأنا هرقص في الفرح."
عمار: "جولنا رقص تاني لاه؟"
محاسن: "آخر مرة رقصت فيها، عشان نهرب جمرية والبنات. وهم عاملين حالهم يجهزواكي، هتلبسي لبس من بتاعنا، عتجيلك مع نجمة وتغطي وشك، وبكده محدش هيعرفك."
جمرية: "طب والبنات؟"
محاسن: "متجلجيش! انتي هتهربي وأنا هشغلهم بالرقص، والبنات هيكونوا واقفين برا. ياخدوكي ويودوكي عندنا في المول لحد ما عمار ياخدنا بيت بعيد."
جمرية: "كده هيشكو في عمار."
محاسن: "لاه. عمار هيدور عليكي معاهم، وبكده محدش هيشك فيك."
عمار: "وأنا هعمل حالي زعلان عليكي، وأقول: عروستي هربت مني ليلة كتب كتابنا. يا فضيحتك يا عمار!"
محاسن: "جدع يا عمار!"
نجمة: "أقعدوا انتو، حبوا في بعض، وأنا ملجياش حتى غراب يحبني!"
جمرية: "ده انتي قمر، وتستاهلي زينة الشباب."
نجمة: "تسلمي والله، خشمك عينجط عسل يا مسكرة انتي!"
***
في نجع الصياد
ابتدت التعاليق تتعلق والدبايح تتذبح، وزبيدة وأمين فرحانين أوي. زبيدة كانت مشغولة بتنظيم الحفل وهي تزغرط وتقول للخدم:
زبيدة: "بلو الشربات النهاردة كتب الكتاب، والسهره صباحي، وأمينة جايين يرقصوا. همي همي! ولعوا الفحم وجهزوا الجوزة، قبل الخبط والرجع، خليني أعمر راسي."
أمين: "صح، لسه في أول اليوم، وراسي وجعتني من الزغاريد، بس أقولك كله فدا العز ده كله. عرفت ولدك هيعمل إيه؟"
زبيدة: "في إيه يا أمين؟"
زبيدة: "يخلي البت تتنازل عن كل حاجة، يا أبو مخ تخين!"
أمين: "آه، آه، جلتله وأنا أقدر. انسي كلامك يا زبيدتي."
زبيدة: "شوفيلنا الأول حتتين لحم، قبل الجوزة، جوزك قلبه غطس من الجوع."
أمين: "ولا شبعان لحم، ولا شبعان فلوس. انتي إيه؟"
زبيدة: "أمين، جوزك وحبيبك يا زبيدة."
وتخرج زبيدة، ليقول أمين: "جاكي ظرف، يجي في راسك، يخلصني منك يا عجربة."
"النهاردة الغوازي جايين، وهتشوف عيني." ليه حج عمار "يدور وراهم، عينوروا في الضلمة." يا أبوي كيف لهطة الجشطة مش أم جويج دي؟
***
(جمرية تدخل المنزل مع عمار حاملة العديد من الحقائب، وفي استقبالها تقف أم سامية التي قامت بتربيتها وتحبها كابنتها.)
أم سامية: عاوزة أتحدت معاكي يا جمرية.
جمرية: تعالي نطلع أوضتي.
(يصعدان معًا إلى غرفة جمرية، وما إن يغلق الباب حتى تبدأ أم سامية الحديث.)
أم سامية (بانفعال): إزاي ترضي تتجوزي عمار الفاشل ده؟!
جمرية (بهدوء): ما تخافيش يا أم سامية، مش هتجوزه. خدي الورقة دي.
(تمد جمرية يدها بورقة صغيرة نحو أم سامية.)
أم سامية: إيه الورقة دي؟
جمرية: دي نمرة تليفوني الجديدة. انتي هتساعديني عشان أهرب من هنا، بس خلي بالك، أوعي حد ياخد باله أو يعرف.
أم سامية: الحمد لله طمنتيني إنك مش هتتجوزي الواد ده. بس هتروحي فين؟
جمرية: بعدين يا أم سامية. النهار قرب يروح، والبنات بتوع المكياج جايين.
أم سامية (بحب): ربنا يطمن قلبي عليكي.
***
(في مكان آخر، يتصل زيدان بصقر ليخبره بالأمر.)
زيدان: الحجني يا كبير!
صقر: خير يا زيدان، فيه إيه؟
زيدان: الجماعة هنا بيعلجوا التعاليج. ولما سألت من بعيد حد من البلد، جالي إن النهارده كتب كتاب جمرية على عمار بعد صلاة العشا!
صقر: أقفل دلوقتي، أنا جاي.
(يغلق صقر الهاتف، ويتحدث لنفسه بقلق وهو يهم بالنزول.)
صقر: حجك عليا يا يوسف. كان لازم آخد بالي من خيتك أكتر من كده. لكن أعمل إيه؟ كله اتكركب فوق نافوخي.
(يتذكر صقر الحجاب الذي أعطاه له يوسف، فيعود ليأخذه من غرفته، وهناك يجد حور تبكي بحرقة.)
صقر: مالك يا حور؟ بتبكي ليه؟
حور: تيته قالتلي إن بابا رمانا، وإن ماما مش عايزانا. وإحنا بقينا من غير بابا ولا ماما... بجد يا خالو؟
صقر: ليه بس كده يا أما؟
(ينادي على أمه، فتدخل نجاة الغرفة.)
صقر: أما، إيه اللي جلتيه لحور ده؟
نجاة: جلت إيه يعني؟ قلت الحقيقة محدش عايزهم. لا أبوهم ولا أمهم. كلمت بتي، جالتلي مفضياش ليهم. خليهم عندكم دلوقتي. وأبوهم غطس، محدش عارف طريقه.
صقر: كفاية الكلام ده يا أما.
(يتوجه إلى حور، يربت على كتفها.)
صقر (بحنان): حور، اطلعي اجعدي مع إخواتك، وأنا جاي وراكي.
حور: تعالي معايا يا خالو.
(يصعد معها صقر، ويجلس بجوارها يشغل لها الكرتون، محاولًا تهدئتها. فجأة، يرن هاتفه مرة أخرى، ويرد عليه.)
زيدان: القاضي جاه. فينك يا كبير؟
صقر (يصفع جبهته): ياربي! نسيت. أنا جاي حالًا. حاول تعطّل الدنيا لحد ما أوصل.