تحميل رواية «غزالة عبيدة» PDF
بقلم فاطمه عماره
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تلك الصغيرة التي وقعت عيناه عليها لمرة واحدة لم ينساها ولم تغب عن عقله ولو لثوانٍ، أصبح مولعاً بها وبكل تفاصيلها. بالرغم أنها ابنة عمته الوحيدة، إلا أنه لم يرها سوى مرة واحدة، ولكن احتفظت عيناه بملامحها الصغيرة. ظن أنه إعجاب، وأن ما يشعر به شعور خاطئ وليس حقيقياً. ولكن توالت الأيام والشهور وثلاث سنوات، وما زال يفكر بها مولعاً بأدق تفاصيلها. ولكن عندما رآها للمرة الثانية، كانت كارثة حلت عليها، كارثة بدلت حياتهما كلياً حتى أصبحت رأساً على عقب. كانت تعيش تعيسة بأحكام مؤلمة غير عادلة، فهي بنت إذاً ل...
رواية غزالة عبيدة الفصل الأول 1 - بقلم فاطمه عماره
تلك الصغيرة التي وقعت عيناه عليها لمرة واحدة لم ينساها ولم تغب عن عقله ولو لثوانٍ، أصبح مولعاً بها وبكل تفاصيلها. بالرغم أنها ابنة عمته الوحيدة، إلا أنه لم يرها سوى مرة واحدة، ولكن احتفظت عيناه بملامحها الصغيرة.
ظن أنه إعجاب، وأن ما يشعر به شعور خاطئ وليس حقيقياً. ولكن توالت الأيام والشهور وثلاث سنوات، وما زال يفكر بها مولعاً بأدق تفاصيلها.
ولكن عندما رآها للمرة الثانية، كانت كارثة حلت عليها، كارثة بدلت حياتهما كلياً حتى أصبحت رأساً على عقب. كانت تعيش تعيسة بأحكام مؤلمة غير عادلة، فهي بنت إذاً لا تمتلك الكثير من الحقوق، بل لا تمتلك شيئاً، تؤمر وعليها الطاعة.
***
**الفصل الأول: خطوبة**
عشق. هل تعرفون معنى تلك الكلمة المكونة فقط من ثلاثة أحرف؟ عين تلتقي بأعين الحبيب فتعشقها وتلمع بحبها. شقاء في الوصول إليه وشجن في البعد عنه. وأخيراً قرب يجعل أوصالك ترتجف ودقات قلبك تعلو بصخب. ثلاثة أحرف فقط لهم القدرة على تغيير الحياة رأساً على عقب. المحبين عددهم كبير، ولكن القليل منهم يعشق.
منذ الصباح، فيلا نصار تعمل على قدم وساق، فاليوم هو حفلة خطبة نجلها الوحيد على ابنة خالته، تلك الفتاة اليافعة صاحبة الجسد الممشوق والشعر الأشقر المصبوغ باحترافية، ذات العينان الواسعة الملونة. دائماً، فلما لا وهي تُعد من أشهر عارضات الأزياء التي يتهاتف عليها الجميع، يطلبونها بالاسم لتعرض الثياب الراقية في بلدان عدة.
بداخل الفيلا، خاصة في الرواق الواسع، تجلس كلاً من صفاء وأشجان، والدة العروس، يضحكان ويخططان ما يجب عليهما فعله في تلك الليلة المميزة.
بينما هبطت من على الدرج شابة تعدل من خصلاتها السمراء الناعمة، تهبط بجسدها في رشاقة وصوت حذائها العالي يرن بوضوح. هبطت حيث مكان جلوس والدتها وخالتها، واستندت بذراعها بعدما تمايلت بخصرها لتستند على يد الأريكة الوثيرة، وقالت بابتسامة:
- مامي، أنا همشي بقي عشان الحق أخلص، اوكي؟
ابتسمت صفاء بحنان في وجهها، وقالت وهي تنظر إلى ملابسها الحديثة الراقية بتفحص كأنها تقيم مدى جمالها على جسد ابنتها:
- اوكي يا حبيبتي، بس ليه مجبتيش الميكب أرتست وكل اللي تحتاجيه هنا بدل ما تتعبي النهارده؟ عاوزاكي في كامل أناقتك، دي خطوبة أخوكي وبنت خالتك.
ضحكت أشجان، وتبعتها ضحكات غالية التي قالت بتأكيد:
- أنا طول عمري أنيقة يا مامتي، تفتكري النهارده هكون إيه؟
ابتسمت صفاء بحنو أمومي وهمست بداخلها: ربنا يحميكوا ويخليكوا ليا انتي وأخوكي يا حبيبتي.
انصرفت غالية حيث وجهتها المعلومة، بينما ظلت صفاء وأشجان يتبادلان الحديث، والخدم يجهزون كل شيء باحترافية.
***
في شركة "نصار" للحديد والصلب، يجلس عبيدة على مقعده خلف مكتبه الكبير، وتركيزه بأكمله منصب على الملف الذي بين يديه، غير مبالٍ بأن اليوم خطبته تماماً. طرق أحدهم الباب عدة طرقات قبل أن يدخل صديقيه المقربين مازن وفريد.
لوى مازن فمه بغيظ من أفعال صديقه، وصاح بعدم تصديق لما يراه:
- يا عبيدة، ارحمني، ارحمنا كلنا، خطوبتك النهارده وانت قاعد بتراجع ملف صفقة؟
ضحك فريد على أفعال صديقه وهو يضرب كفيه ويقول:
- مشفتش في برودك يا أخي.
رفع عبيدة أنظاره إلى صديقيه بنظرات ساخرة متهكمة، وردد بلامبالاة:
- خطوبتي؟ أعمل إيه يعني؟ أروح أقعد في البيت وأعمل باديكير ومانيكير متظبط؟ يالا منك ليه!
زفر الاثنان بضيق من تصرفات صديقهم، ولسانه السليط المتبجح دوماً ما برأسه يفعله، ولا أحد يستطيع أن يعدل من أفكاره نهائياً.
ساعتان. قضى ساعتين بأكملهما ينظر إلى الملف بدقة. شعر بألم خفيف في عنقه، فوضع الملف وعاد بظهره للخلف، يستند برأسه على حافة المقعد الجلدي، يرتاح قليلاً.
تنهد تنهيدة مطولة معبأة بخوف مما هو مقدم عليه. تُرى ما يفعله صواب أم خطأ؟ سيقوم بخطبة ابنة خالته كحيلة منه لينسى تلك الصغيرة التي تسكن بداخل جدران قلبه، أم لقلبه وعقله رأي آخر؟
زفر الهواء بقوة من رئتيه، غير مدركاً فعلته. أيندم الآن ويتراجع؟ بعدما تم تجهيز كل شيء. بعد فرحة والدته الكبيرة بأنه أخيراً سيقدم على الزواج، ومن مَن! ابنة أختها التي تحدثه عنها مراراً وتكراراً حتى مل من كثرة الحديث عنها. أقدم على تلك الخطوة فقط حتى يُلهي نفسه عن تلك الصغيرة الفاتنة التي تحتل قلبه بالكامل.
فتح درجـه الخاص وأخذ صورةً لها، التقط تلك الصورة عندما جُن وذهب حيث موضعها عندما اشتاق إليها ولم يتحكم بنفسه. سافر عدة ساعات ليراها فقط من بعد، مع العلم أنه يستطيع الدخول إلى مسكنها والتحدث معها، ولكنها صغيرة، ماذا سيقول؟ جئت لمن ولماذا؟ هل سيخبرهم أنه جاء من تلك المسافة ليرى عمته؟ من سيصدق قوله وهو الذي لم يزرها ولو لمرة في مسكنها؟ قدمه وطئت منزلهم فقط يوم وفاة زوجها، وهي المرة الوحيدة التي يرى بها غزالته.
وقلبه ينكوي بالنار منذ ذلك اليوم. شعر بوجع شديد عندما علم أنها ذات الخمسة عشر عاماً فقط. رحل يومها، ولكن خيالها لم يفارقه. عيونها الحمراء الباكية، شهقاتها العالية لوفاة أبيها لم تترك أذنه نهائياً.
حاول مراراً وتكراراً نسيانها ولم يعرف. دفن نفسه بالعمل ولم ينساها. يكتب إليها يومياً وكأنها ستقرأ ما يكتبه عنها. سافر إلى بلدتها ووقف بعيداً يراقب البيت باهتمام وشغف، لعله يراها ولو من بعيد. أكثر من ساعتين بدون فائدة، حتى ابتسمت شفتيه فجأة عندما وجدها تفتح الشرفة وتقف فيها تنظر إلى الشارع باهتمام، لا يعرف لماذا.
وضع الصورة مكانها مرة أخرى وأغلق الدرج جيداً. تلألأت عيناه بحبها. سيظلم نفسه وابنة خالته بذلك القرار الذي أخذه بتهور.
أغمض وارتدى جاكيت بدلته السوداء بضيق يتضح بقوة على ملامح وجهه المتجهمة. ليته لم يتخذ هذا القرار. خرج من مكتبه متجهاً مباشرة إلى خارج الشركة، حيث سيارته، ومنها إلى فيلا نصار.
دخل ونظر إلى العمال بلا اهتمام. هو حقاً لم يهتم بأي تفصيلة صغيرة كانت أو كبيرة. دخل ووجد والدته التي ابتسمت فور رؤيته، فبادلها وقبل جبينها مطولاً، وقال وهو ينظر إلى خالته:
- إزيك يا خالتو؟
ابتسمت وردت: الحمد لله يا حبيبي.
ثم تابعت معاتبة إياه:
- يبقى النهارده يوم خطوبتك وتروح شغلك؟
رفع حاجبه الأيسر بتهكم شديد، وقال بضيق ونبرة ساخرة:
- المفروض أقعد في البيت يعني يا خالتوا، ولا إيه؟ وبعدين انتي بتوجهي السؤال دا ليا أنا؟ أمال فين جني هانم اللي هي العروسة؟ المفروض هي اللي تبقى قاعدة مش في شغلها وعندها جلسة تصوير؟
تضايقت من أسلوبه الفظ معها، وردت عليه بضيق:
- انت عارف إن ميعاد جلسة التصوير دا متحدد من كام يوم يا عبيدة، وهي نص ساعة وجاية.
استشاط غضباً وصاح بنبرة عالية قليلاً:
- يبقى متسألنيش أروح شغلي ولا أقعد يا خالتو، وركزي مع بنتك زي ما انتي مركزة معايا أوي كدا.
نظرت إليه صفاء والدته بعتاب شديد، وقالت:
- عبيدة، لاحظ إنك بتكلم خالتك، وطي صوتك شوية.
نظر إليهم بتهكم، وبداخله يلعن نفسه آلاف المرات على ذلك القرار اللعين الذي اتخذه دون تفكير أو منطق. جز على أسنانه حانقاً من كل شيء، والتفت ليغادر دون أن يعطي لخالته بالاً. حقاً استفزه عتابها المتواري، تُعاتبه أنه ذهب لشركته في حين ابنتها ذهبت لعملها يوم خطبتها.
زفر بغضب وهو يلقي بنفسه على الفراش، يتنفس بعنف وضيق، كأن ثقل يجثم على قلبه لا يجعله يتنفس جيداً. شعر بالاختناق، فقرر أن يستحم ليهدأ من براكين جسده المشتعلة. ومع كل خطوة يشعر بإرهاق يستولي على أنحاء جسده، وشيء ما يتردد بداخله بإلحاح أن يهبط وينهي كل شيء، وكأن شيئاً لم يكن.
وقف تحت مرش الماء، يغمض عينيه بإرهاق، والماء يهبط على جسده بقوة. ابتسم وهو يتخيلها أمامه مبتسمة الثغر. فتح عينيه وهمس اسمها بتلذذ وشغف:
- أوليان... غزالتي...
تنهد بعشق. هو يعشقها حد الثمالة. أوقات يتمنى ليته لم يراها حتى لا يشعر بهذا العذاب، ولكن بعدها بثوانٍ يعنفها بقوة. فبمجرد تخيلها أمامه فقط يبتسم، ويدق قلبه بدقات السعادة، دقات تجعله يشعر بمشاعر مضطربة، ولكنها مشاعر محببة لقلبه.
خرج من المرحاض ودخل إلى غرفة الثياب، ارتدى ثياباً مريحة وخرج يرمي بثقل جسده على الفراش. نظر إلى الكومود وفتح درجه بهدوء. ابتسم بشغف وهو يأخذ الدفتر الصغير المتواجد به، الذي يكتب فيه إليها كل شيء يريد قوله.
أخذ القلم وبدأ يكتب إليها مجدداً:
>
وضع الدفتر مكانه بهدوء وأغلق الدرج، وأغمض عينيه ليرتاح قليلاً، فالوقت ما زال مبكراً على تلك المهزلة التي سيفعلها بعد عدة ساعات.
***
واقفة بأوضاع مختلفة، وفلاشات الكاميرات مسلطة عليها. بعدة أوضاع وابتسامة واسعة مغترة تعلو شفتيها. أخيراً انتهت جلسة التصوير المرهقة، فجلست على أحد المقاعد تتجرع المياه، وبجانبها صديقتها ومديرة أعمالها التي قالت بضيق:
- يلا بقى يا جني، الساعة داخلة على سبعة ولسه مجهزتيش، زمان الناس وصلوا.
رفعت خصلاتها لتضعهم خلف أذنها، وقالت وهي تخرج مرآة صغيرة من حقيبتها تنظر إليها باهتمام:
- كل دا يخلص في نص ساعة يا مرام، المهم إني شغلي يطلع زي ما أنا عاوزة.
تأففت مرام بضيق، وقالت بغيظ بائن في نبرتها:
- طب يالا بقى، أديكي خلصتي شغلك، متبقيش Over.
استقامت وتأففت من زن صديقتها، وبدأت الخروج نحو سيارتها الحمراء متجهة نحو فيلا نصار، بعدما أخبرتها خبيرة التجميل أنها متواجدة في الفيلا منذ وقت طويل.
صفت سيارتها ودخلت بخطى سريعة إلى حد ما. قابلتها أشجان، فقالت بضيق:
- هي دي النص ساعة يا جني؟ وأكلمك تكنسلي عليا الميكب أرتست هنا من ساعتين والناس على وصول.
أغمضت عينيها بضيق، وقالت بحنق وعدم اهتمام:
- مامي، وأنا في شغلي مبردش على الفون. وبعدين الكون متهدش، نص ساعة وهجهز. وبعدين أنا هنزل أصلاً بعد ما كل الناس تيجي، لسه بدري. دي خطوبة عبيدة نصار وجني التهامي، متقلقيش.
قالت كلماتها بعدم اهتمام لتأخيرها، وصعدت نحو الغرفة الجاهزة من أجل استضافتها الليلة.
قبل أن تدخل، أخبرت صديقتها أن تنتظرها قليلاً، واتجهت نحو غرفة عبيدة. دقت الباب دقة واحدة ودخلت، نادت عليه بصوت هادئ:
- عبيدة...
خرج من غرفة تبديل الثياب يرتدي بنطاله الأسود فقط، وكان متجهاً نحو فراشه. لم ينتبه لصوتها، فتفاجأ بها وقال:
- جني! إيه اللي دخلِك هنا؟ انتي اتجننتي....؟
رفعت حاجبها الأيسر بضيق، وقالت:
- اتجننت ليه؟ جايه أقولك تلبس البيبيون بلو عشان يليق مع الـ dress بتاعي.
اشتعلت عيناه بغضب جحيمي، وأردف بصوت عالٍ أفزعها:
- أيوه اتجننتي لما تدخلي أوضتي، تبقي اتجننتي يا جني! ولاحظي إني واقف قدامك ونصي الفوقاني عريان، ولا مش واخده بالك...؟
تسارعت أنفاسها بغضب، وأردفت بوقاحة وجرأة:
- خليك open minded يا عبيدة، ما أنا sure شفت شباب كتير على الـ pool لابسين مايوهات بس...؟
جز على أسنانه وقال بنفاد صبر، وقد بدأ غضبه في التصاعد، وإن لم تخرج الآن فستكون العواقب وخيمة للغاية:
- اخرجي دلوقتي يا جني، عشان ممدش إيدي عليكي. آه، وأياكِ تلبسي عريان، أنا حذرتك قبل كده.
نظرت إليه بضيق وانصرفت بعدما أغلقت الباب بعنف. يتضح أن تلك العلاقة لن تستمر، هي لن تتقبل تحكماته، هي تعلم أن خطبتهما وزواجهما للاستقرار، ليس مبنيًا على حب أو حتى ما يشبه.
دخلت إلى الغرفة بجسد مشتعل من الغضب. عبيدة لن يتناسب مع عقليتها، وهي لن تتقبل تحكماته أو أوامره إطلاقاً.
أما في غرفته، ظل يزفر أنفاسه الملتهبة من الغضب والاختناق الذي يشعر به. رفع كفه وشد خصلاته السوداء القصيرة إلى حد ما بقوة، وبدأ يكمل ارتداء ملابسه في حنق واضح.
***
بالأسفل، خصوصاً بالحديقة المزينة بطريقة رائعة مبهرة تسر أعين الناظرين، توافد العديد من البشر، خصوصاً من معارف جني، فلم يهتم عبيدة بدعوة الكثيرين. كما توافدت عدة أعين من الكاميرات لتأخذ عدة صور تذكارية لحفل خطبة واحد من أهم رجال الأعمال الشباب على ابنة خالته التي تُعتبر من أشهر عارضات الأزياء.
تحركت غالية بثوبها الأحمر الناري الذي يضيق على جسدها، ولكنه طويل بذيل يمتد لخلفها بأكثر من متر، متجهة إلى أصدقائها الذين أشادوا بروعة ثوبها وجمالها.
كانت عيون ما يراقبها بشغف واضح، رغم حزن عينيه. اقترب مازن منها بشفاه مبتسمة وقلب يدق بطرب ممتع، حتى أصبح خلفها مباشرة، قائلاً اسمها بنبرة عذبة جميلة:
- غالية...
التفتت إليه وابتسمت باتساع لصديق أخيها المقرب، وقالت بترحيب وهي تمد يدها لتسلم عليه:
- مازن، إزيك؟ أخبارك إيه؟
كانت نبرة صوتها عالية قليلاً نظراً للموسيقى التي انطلقت منذ قليل.
بادلها مازن الابتسام، وقال بقلب يرتعش من فرحته لمجرد رؤيتها:
- أنا بخير الحمد لله، انتي جميلة أوي النهارده.
ابتسمت ابتسامتها الساحرة التي تحرك قلبه من قوة دقاته، وقالت بنبرة رقيقة:
- ميرسي يا مازن... انت كمان شيك جداً كالعادة يعني.
ابتسم فقط، وما عليه سوى الابتسام. دائماً ما يخرس لسانه في حضرة وجودها. يشعر بأنه طفل ما زال يتعلم بدائية الحديث.
ابتعد بعدما رمقها بنظرة عشق. قلبه يتألم وهو يعلم أنها تعشق غيره، والألعن أنها تعشق فريد صديقه. تنهد متألماً، وبالكاد منع دمعة خائنة كادت أن تهبط من مقلتيه. يعلم تماماً أن قلبها ليس ملكاً لها، تتصرف فيه كيفما تشاء، ولكن ما ذنب قلبه أن يتألم؟ لما على قلبه حبها هي خصيصاً؟
ابتسم في ألم وابتسامة مريرة احتلت شفتيه وهو يراها تتجه ناحية فريد، تبتسم باتساع وعيناها تلمعان ككل مرة تراه بها.
أغمض عينيه في حسرة، ولكن أولاً وأخيراً تمنى لهما السعادة ولقلبه الارتياح. ولكن كيف لقلب يعشق ويذوق الراحة وهو يعلم أن من يعشقها مشاعرها لغيره؟
التفت ينظر إلى شيء بشرود، حتى لا ينكوي قلبه ويحترق وهو يراها تقف مع آخر ويرى ابتسامتها تلك تتوجه لشخص غيره.
بينما هي كانت تقف مع فريد، تنظر إليه بتوتر خجل، وقلبها يدق بقوة معلناً عن حبه الصامت. لم تجد قولاً غير:
- إيه أخبارك يا فريد؟
ابتسم ابتسامة هادئة، ونظرة تجوب الموجودين بالحفل باهتمام شديد، كأنه ينتظر شخصاً بعينه ليحضر تلك الحفلة، ولكن أمله قد خاب. فقال:
- تمام يا غالية، انتي أخبارك إيه؟
ابتسمت وردت عليه بحدقتين تلمعان بحب صادق ينبع من قلبها. بينما بهتت ابتسامتها واندثرت، وشعرت بالحرج وهو يقول بنبرة متعجلة:
- معلش، هضطر أروح أسلم على رجال الأعمال اللي حضروا الحفلة.
قالها وانصرف سريعاً. بينما وقفت هي كتمثال أصم، تشعر بالبرودة تجتاح أوصالها بعنف. تداركت نفسها سريعاً حتى لا يظهر على ملامحها شيء، ورسمت ابتسامة على شفتيها واتجهت نحو صديقاتها من جديد.
راقبها مازن من بعيد بقلب متصدع من الألم، فهي تعشق من لا يهتم لها مثله تماماً. زفر باختناق، فاليوم خطبة صديقه، عليه أن يكون مرحاً مبتسماً.
هبط عبيدة وجني تضع ذراعها الأيمن متأبطة ذراعه، وعلى وجهها ابتسامة تنظر إلى الجميع بغرور. ابتسم بحلاوة وهي ترى فلاشات الكاميرات تأخذ الكثير من الصور، بينما عبيدة مبتسمًا باقتضاب، يشعر إنه يخون قلبه ومشاعره.
ظلت الحفلة لساعات، شعر بهم عبيدة بالضيق يسيطر عليه من كل الجوانب. أشار بإصبعه ناحية مازن الذي اتجه إليه على الفور، فمال عليه عبيدة قائلاً بتعب:
- فض الليلة يا مازن، مبقتش شايف.
وقتها صاحت جني بعصبية وهي تلوح بذراعها في الهواء بتذمر:
- دلوقتي مش شايف إن لسه بدري شوية؟
قبض على كفه بغضب حتى لا يصفعها، وقال بنبرة ناهية لا تقبل الجدال:
- أنا قولت كفاية، مبقتش شايف. الساعة داخلة على واحد يا جني.
تأففت بغيظ، بينما نفذ عبيدة ما أراده، ومرت نصف ساعة وانصرف جميع من بالحفل حتى أصدقائه. فدخل إلى الفيلا ووجد الجميع يجلسون يواسون جني التي تشعر بغضب شديد. تأفف بضيق، بينما أردفت صفاء ما إن رأته:
- مكنش لازم تنهي الحفلة دلوقتي يا حبيبي، كنا مبسوطين.
حرك عينيه بملل من تكرار تلك الكلمات على أذنه تكراراً. بينما دعك عينيه بإرهاق وقال:
- يا أمي، انتي مش شايفة شكلي؟
نظرت إليه بإشفاق واتجهت إليه تربت على منكبه بحنان، وقالت:
- خلاص يا حبيبي، اطلع نام وارتاح شوية.
قبل جبينها بحنان، وكاد أن يصعد، فأوقفته جني بقولها الغاضب:
- على فكرة يا عبيدة، لينا قاعدة طويلة، لإن طريقتك دي مش حباها، واللي عملته قبل الحفلة وإرغامك ليا إن أغير الفستان دا مش هيحصل تاني.
صك على أسنانه بحدة، وصاح بصوت عالٍ مهدد:
- جني، شغل لت وعجن النسوان دا مبحبوش. دا مكنش فستان دا كان قميص نوم يا أختي، مش عبيدة نصار اللي ينزل خطيبته بقميص نوم ويستعرض نفسه بيها. شيفاني مركبهم ولا إيه؟
اشتعلت عيناها من ألفاظه النابية، وطريقته الفظة الوقحة في الحديث معها أمام الجميع. كادت أن تصرخ به، ولكنه ببساطة شديدة رحل دون اهتمام لغضبها وعروقها النافرة.
نظرت إلى الجميع بضيق، وقالت وهي تنظر إلى خالتها ووالدتها:
- أسلوب عبيدة مش هينفع معايا نهائي، مش أنا اللي حد يتحكم فيا ويؤمر، ومستني مني الولاء والطاعة. وطالما هو واخدها قوة وتحدي وأوامر، أنا هوريه. يالا يا مرام.
رحلت ولم تنتظر رداً من أحد، وتبعتها أشجان بحنق من تصرفات ابن شقيقتها الوقح. بينما ضحكت غالية وقالت لوالدتها:
- توري مين؟ هي جني دي مجنونة، دا عبيدة هيمشيها على العجين. متلخبطوش، سوري يا مامي، بس جني وخالتوا دماغهم طقّة بطريقة أوفر.
ضحكت صفاء وهي تلكم ابنتها، التي ضحكت، ولكنها انتفضت بقوة وهي تسمع عبيدة يصرخ باسمها بحدة، فصعدت سريعاً تري ما به.
دخلت بقلب يقرع بخوف وهمست بتلقلق:
- فيه إيه يا عبيدة...؟
فحصها بنظره بعمق واقترب منها ببطء أقلقها، وقال بتحذير وصرامة عالية:
- أول وآخر مرة تلبسي حاجة مفصلة جسمك بالطريقة دي. هو طويل أه ومفيش حاجة باينة منك، بس ضيق يا غالية، ضيق.
أومأت بتوتر، ولكن أخيها قرأ الحزن بعينيها بسهولة، فتنهد وقال وهو يرفع ذقنها لتنظر إليه:
- مالك يا غالية؟
تحرك بؤبؤ عينيها بتوتر شديد، هي لا تستطيع الكذب على أخيها، لأنه ببساطة خبير في قراءة العيون والحركات الجسدية. ولكن ماذا ستخبره؟ ازدرقت لعابها بتوتر، وقالت ضاحكة:
- مفيش، بس أنا اتخضيت لما لقيتك بتزعق، قولت فيه مصيبة.
اصطنع الابتسام في وجهها، يعلم إن هناك شيء تخفيه، ولكن سأتركها حتى لا يضغط عليها الآن. فقبل رأسها وقال بإرهاق:
- طب روحي يا حبيبتي، ارتاحي شوية وأنا هنام. مصبح على خير.
- وأنت بخير.
قالتها بهدوء وانصرفت نحو غرفتها. وأثناء سيرها تساقطت دموعها واحدة تلو الأخرى. مشاعرها تحركت، ولكن من طرف واحد، وما أقساه هذا الشعور. شعور مؤلم يتفتت القلب بسببه. مسحت دموعها بكفيها وقررت النوم، هو سبيلها الوحيد للراحة وعدم التفكير.
بينما هو مسك دفتره ككل يوم وتنهد باختناق وكتب:
< أوليان، غزالتي... ليتك معي الآن.... لم أستطع نسيانكِ ولا أريد... ليتني ما فعلت تلك المهزلة اليوم... شعور كبير بعدم الراحة يجتاحني بقسوة أقسم لكِ... لا أعلم ماذا أريد غير شيئاً واحداً... إنني أريدك. >
وضع دفتره وتمدد على الفراش، يغمض عينيه في محاولة بائسة منه لينام. وبعد وقت طويل استمع إلى آذان الفجر، فقام مستغفراً ربه واتجه إلى المرحاض ليتوضأ ومن ثم يؤدي فرضه.
انتهى من تأدية صلاته فتمدد ونام بعمق على أمل أن يراها في منامه.
***
أشرق الصباح لتفتح خضراوتيها ببطء، تستنشق الهواء بكثرة. تتثاءب، قامت تفتح باب شرفة غرفتها، تنظر إلى الحديقة والشارع بحرمان. الشارع التي لم تختلط بناسه، لا تخرج، لا تتحدث مع أحد خارج إطار منزلها القاسي الخالي من المشاعر.
دخلت والدتها تنظر إليها بحزن وندم، فخوفها من أن تُحرم منها يجعلها سلبية، مما أذى نفسية ابنتها الوحيدة.
اتجت إليها لتحتضن منكبها بحب، وقالت بنبرة حنونة بجانب أذنها وهي ترتب خصلاتها من آثار النوم:
- صباح الخير يا حبيبتي.
تحركت أوليان خطوة للأمام غير راغبة باحتضانها، وردت في حزن يمزع قلبها:
- صباح النور.
تلألأت الدموع داخل عيني نجلاء وجعلتها تلتف لتواجه عين ابنتها الحزينة اللائمة:
- عارفة إنك زعلانة ومحرومة من أبسط الحاجات اللي الكل يمتلكها، وإنك شايفاني ضعيفة وسلبية، بس من خوفي عليكي يا حبيبتي.
أغمضت أوليان عينيها، هبطت دموعها، واختنقت نبرتها وهي تقول بوجع يمزع الاثنين معاً:
- نفس الكلام اللي بسمعه منك كل شوية. غصب عنك إيه؟ أنا محرومة أنزل الشارع، محرومة أكلم الناس، محرومة من الجامعة. طيب أنا عايشة ليه؟ اديني سبب واحد.
تابعت قولها بنبرة حادة لا تناسب رقة ملامحها:
- عشان بنت؟ يعني إيه بنت؟ هي البنت عار؟ هو ربنا قال كدا؟ أنا بكرهه البيت دا واللي فيه، وانتِ موافقة على سجني بحجة إنك لو اعترضتي هيحرموكي مني؟ طب وأهلك فين؟ مش انتي اللي بتقولي إن عيلتك كبيرة؟ هما فين ينقذونا من اللي احنا فيه ده؟ السجن أهون بكتير من عيشتنا في البيت دا.
هبطت دموع نجلاء وقلبها يحترق بعنف على وجع ابنتها الملازم لها منذ سنوات، وقالت بوجع:
- أخويا الوحيد مات، ولاده ومراته بس الموجودين. مليش اختلاط كبير بيهم. أهلك هنا جامدين وشداد، مش بعيد يأذوكي لو خرجتي من تحت طوعهم. أنا عايشة في البيت دا عشانك انتِ.
جزت على أسنانها حانقة، وقالت بقسوة بسبب القسوة التي تتألم منها وتعاني منها دائماً:
- دي كلها حجج بتخبي وراها ضعفك وقلة حيلتك قصادهم. هيعملوا إيه أكتر من اللي بيعملوه؟ كارهين أوي خلفة البنات وفرحانين بـ يوسف الشمام اللي بيجي مسطول كل يوم والتاني. أنا لو مخرجتش من البيت دا هموت نفسي.
انتفض قلبها وجسدها معاً بفزع، اتضح بشدة على ملامحها، وهمست بذعر وهي تقترب منها وقد أخذت شهقاتها في التعالي:
- بعد الشر عليكي يا بنتي... دا أنا أموت من غيرك والله. من خوفي عليكي هيحرموني منك. لما كنت هاخدك وأمشي بعد وفاة أبوكي، ورجع ألاقي القاهرة منعوني بالقوة وخدوكي غصب، وقعدتي بعيد عني 3 أيام في أوضة لوحدك، نسيتي يا أوليان؟ نسيتي؟
انتحبت بصوت عالٍ، وقالت بجسد ينتفض:
- لا منستش، وعمري ما هنسى، وأنا بصرخ عشان يطلعوني، بس قلبهم حجر مبيحسش. بس أنا فاض بيا، أنا حتى الهوا بقي بيخنقني وتعبت. نفسي أطلع الشارع، نفسي أتكلم مع الناس، دي أمور بسيطة الناس كلها بتعملها.
احتضنتها نجلاء بقوة، وقلبها يتضرع إلى الله ويحسبن بحرقة على جدها "والد زوجها" القاسي متحجر القلب. ومثل كل مرة تبكي بها، تنتهي برفضها لتناول الطعام طوال اليوم، وتفترش الفراش بوجع وملل، تحلم بفارس أحلامها الذي سيأتي من إحدى القصص الخيالية لينتشلها مما هي به. الخيال مجرد مهرب نهرب به من واقعنا الأليم، نشكل فيه ما نريده أن يحدث، فتجد ابتسامة تلقائية ترتسم على الشفاه، تتمنى حدوث ما يدور داخل عقولنا المغيبة في سحر الخيال.
رواية غزالة عبيدة الفصل الثاني 2 - بقلم فاطمه عماره
2=غــزاله عُبيـده "روح فـي جسـدين" - الفصل الثاني
((حُــلم )
العشقِ كـ الشُـريان المُغـذي للقلـب
ولكنه للاسف سلاح ذو حدان..!!
فـ شعور صعب للغايه ان تشعر بكل ما يشعُر به المعشوق..!!
من سعاده حزن وجع خوف واضطراب..!!
خـصوصـاً إن كان بعيـداً عنك بمسافاتٍ ماديه ومعنويه..!!
يتحـرك علي فـراشـه دون هواده جسده مُتعرق بطريقهٍ مُقلقه للغايه ، صوت انفاسه مضطربـه عاليه غيـر مُنتظمه كإنه يُـصارع أحدهم في منامه..!!
انتفض شاهقـاً بفـزع لاهثـاً بقوه كإنه في سـباق طويل المـدي..!
رمـي الغطـاء الخفيف من علي جسده واعتدل جالسـاً واضـعاً ساقيه علي الارضـيه ويستند بكفيه علي جانبي جسده يستنشق الهواء من انفه مغلقـاً فمه ليستطيع التنفس بـراحه..!!
طـفله بعيون خضـراء مُرتميه في الصـحراء تبكي وتصرخ وهو يحـاول الوصول اليـها وكلما اقترب تبتعد حتي بـاءت المسافه بعيـده للغـايه..!!
فتح عينـاه ومسح بكفيه علي جبينه المُتعرق مُستغفـراً عده مـرات وفي تلك اللحظه إستمع الي صوت الأذان فقام مُتجـهاً الي المرحاض ليتوضـأ ويؤدي فـرضه.
بعـد عده ساعات كان يقف أمام المـرآه يُعدل من وضع رابـطه عنقه بشرود يشعر بإختناق رهيب لا يعرف لماذا..!!
حـاول تفسير الحُلـم الغريب ولم يجد له تفسيراً ولكنه شعور بالخوف يجتاحه دون هواده..!!
وجع غريب في قلبه لم يستطيـع تفسيره زفر بعنف وارتدي حذائه الاسود الامع وهبط نحو مائده الافطار جلس عليها دون الشعور بحاجته للطعام
نظرت صفاء اليه في حيـره وظنت ان ضيقه هذا منذ يوم خطبته فـمنذ شهـران وهو يشعر بضيق ودائما حاد غاضب ولكنه اليوم مُختلف اليوم عينـاه متألمه ويشعر بعدم راحه فقالت بقلق وهي تربت علي كفه الايسـر
- مالك يـا عُبيده فيك ايـه يا حبيبي...؟!
للتو شعر بها عقله مُنفصل يُفكر في هذا الحُلم الغريب وقال بعدما سعـل بخفه
- مفيش يا ست الكُل أنا كويس...!!
دق قلبها بقلقٍ بالغ هي أم وتستطيع قراءه مشاعر ابنائها دون عنـاء تشعر بإنه يتألم من شئ فربتت علي كفه وقالت
- حبيبي متخبيش عليا انا ماما يا عُبيده واكيد احساسي مش غلط ، انت موجـوع من ايه..؟!
زفـر الهواء بعنف من رئتيه وفك رابطه عنقه قليلا كإنها تذيد من شعوره بالإختناق وقال بحيـره
- مش عارف يا ماما حلم غريب بس صحيت مفزوع ومش مرتاح حاسس بخنقه كاتمه علي صدري هتموتني..!!
أجابته سريعاً بنبره قلقه وشعورها بالذعر يتفاقـم من نظرات ولدها الموجوعه الحائره فقالت بدعاء وهي تمسك كفه بقوه
- بعد الشر عليك يا حبيبي ، متقلقش دا مجـرد حلم وهيروح لحاله
اومأ بعينيه المُرهقتين وقد تشكلت خطوط حمراء رفيعه حول بُنتيه الساحره وتنهد بصوتٍ مسموع عله يأخذ انفاسه المسلـوبه براحـه أكثـر
حاولت الحديث ولكنها متردده بإنه تُفاتحه بأمر كهذا وهو بتلـك الحاله المُتعبه ولكنها قررت الحديث في نهايه الامر بقولها الهادئ
- عُبيـده يا حبيبي مش شايف انك مذودها مع چني شويه انت تقريباً مش معبرها بقالكـوا من وقت خطوبتكـوا تقريباً مخرجتوش غير مـره وضايقتها في المـره دي ، حبيبي عاوزين نجهز لفـرحكوا..!!
أغمض عيناه بعنفٍ يحاول التحكم في لسـانه من أجل والدته فقط هو حقـاً يلعن نفسه كل يوم علي مـا فعل فقال بنبره حاده قليلا
- امي الله يباركلك انا مش ناقص مش من اول النهار هنتكلم علي ست زفته وقرفها أنا كان مخي فين بس وانا بورط نفسي في الليله السودا دي..؟!
نظرت اليه صفاء بعتـاب وقالت بضيق
- لسـانك الطويل دا يتلم شويه أنا أمك يا عُبيده وبعدين مالها چني جميله وناجحه عاوز ايه تاني...!!
تنهد حانقـاً هو يريد تلك الغزالـه التي بمجرد تخيلها ترقص دقـات قلبه طـربـاً وسعـادهً
ابتسم إبتسامه سمجه وقال بنبره ساخره متهكمه
- تبقي تخليها في نجاحها وجلسات تصويرها والـ fashion show بتـاعهـا...!!
نطق الجمله باللكنـه الانجليزيه وهو يقوم بإعـوجاج فمه ساخراً من چني لم تستطع صفـاء منع نفسها من الضحك علي تقليده للهجه إبنه أختها فتنهد عُبيده بيأس وقرر الرحيل قبل ان تتحدث والدته مـره آخري في نفس الموضوع الذي سأم منه
سمـع صوت خطوات هادئه من خلفه فوجدها غَـاليه مُتجهه اليهم قلبه حائر هو الآخر من أجـلها فأقترب منها قائلا بعدما قام بترديد تحيتها هو وصفـاء
- وراكي حـاجه النهـارده..؟!
اومأت بإبتسامه شاحبه وقالت وهي تحاول قدر الإمكان الا ينظر أخيها لعينيها مُباشرهً وقالت
- ايوه هنزل اجـيب المُلخصات عشان ابدأ اذاكر امتحاناتي قربت..!!
اومأ بهدوء وقـال : لو جاهزه دلوقت تعالي اوصلك..!!
حركت رأسها يميناً ويساراً دلاله علي النفي وقالت بهدوء
- لا لسه بدري يا حبيبي روح انت عشان متتأخـرش..!!
قبل جبينها مطولاً وهمس بجانب اذنها بنبره حاده خفيضه دبت الخوف داخل اوصالها
- انا مستني طول المده اللي فاتت ان اختي حبيبتي تيجي تحكيلي مالها وايه اللي مغيرها بالطريقه دي بس اختي الشاطره مجتش بس لسه فرصتها قدامها عشان لو عرفت لوحدي هنتحاسب يا غَاليه وهتزعـلي..!!
نظـرت اليه بتوتر وامتلئت مقلتيها بالدموع ماذا ستخبره أنها تُحب صديقه وهو لا يبادلها نفس الشعور كيف تخبره هذا..!!
إبتلعت لُعابها فنظر اليها نظره حاده وقلبه خائفاً عليها وغاضباً من أجلها لم يعتاد منها علي تخبئه أمـر عنه..!!
لما تلك المر خائفه متردده حائره..!!
نظر اليها نظره حازمه مُصطنعه وانصرف بينما جلست هي علي المائده بجانب صفاء التي قالت بتعب
- مش عارفه ايه اللي جرالكوا انتِ واخوكي..!!
قالتها وانصرفت بضيق من تصرفات ابنائها الاثنان عُبيده ولسانه السليط وتصرفاته الهوجاء غضبه الشديد دائما مُضايقته لچني ام من ابنتها الصامته طيله الوقت..!!
تنهدت غَاليه بتعب وإختناق قلبها يؤلمها منذ ما حدث ليــله خُطبه أخيها تركها وغادر دون الالتفات اليها ، لتلك الدرجه لم يراها..؟!
لتلك الدرجه لم يشعر بحبها وعيناها اللامعه..!!
ابتسمت ساخره وما ذنبه هو في ذلك..؟!
الحب ليس بأيدينا لنتحكم بـه..!!
فرت دمعه من عيناها وهي تعاتب قلبها في صمت وتخبره بإنها كانت تتمني ان تتحكم به تتحكم في كل دقه تنبض من أجل رجل لم يحمل لها ذره من المـشاعـر..!!
عضو في حجم قبضه اليد ولكنه مُتعب ومؤلم ليت التحكم في مشاعره مُتاحاً لكـان ارتاح الجميـع...!!
★_________★
في مقـر شركه "نصــار"
دخـل عُبيده من بوابه الشركه بخطوات ثابته السرعه وهو ينظر الي الجميع بوجهه هـادئ مُزين بإبتسـامه صغيره ولكنها إبتسامه ميته بلا حيـاه
اتجـه نحو المصعد ودخله ضـاغطـاً علي زر مـا جعل المصعد يعمل حتي وصـل الي الطابق الأخيـر حيث يتواجد مكتبه هو وصديقيـه
وقفت مديره مكتبه عندما لمحته وقالت بلهجه عمليه جاده وهي تعدل من وضع نظارتها التي تأخذ شكل بيضـاوي
- مستـر عبيده أول ميعاد لينا مع شركـه Nx كمـان ساعه من دلـوقتي وبعـدها....
قاطعها بنبره جاده وهو يجلس علي مقعده الوثير بينما نزع جـاكيت حلته واضعـاً ايـاه في مكانهما المُخصص
- نخلص الميعـاد دا وتبلغيني باللي بعـده يا سمـر..!!
اومأت سمر ايجاًبـاً بحركات رتيبه من رأسها وقالت بهدوء
- اوك مستر عُبيده هطلبلك قهوتك حـالاً..!!
انصرفت بهدوء أمـا هو بدأ بفتح حاسوبه المحمول يتفقده بعنايه وقتها طرق أحدهم الباب واتبعه بدخوله
رفع عُبيده انظـاره فوجده مازن فإبتـسم ساخـراً وقال بفظاظه : اهلا يا بيـه يارب تكون ارتحت في اجـازتك روقت شقتك يا بيضه ورضعت العيال ولا لسـه..؟!
جز مازن علي أسـنانه بضيق وهو يرسل الي صديقه شرارات غاضبه من سُخريته الدائمه منذ شهر وقال بحده
- بطل طريقتك المستفزه دي وحياه الست الوالده..!!
التوي فمه بسخريه ونظر اليه بحده ثم صاح به غاضبـاً
- مالك يا بيه بقالك فتره مش عاجبني ابتديت اشك ان هرموناتك مش متظبطه..!!
نـظر مازن في كل الاتحاهات محاولاً ايجاد اي شئ ثقيل يقذفه في وجهه عُبيده المُبتسم ببرود ثم نظر اليه بحده واردف غاضبـاً
- بطل طريقه أهلك المُستفزه دي يخربيت اللي بكلم معاك يا أخـي....!!
اتبع حديثه زفره قويه مُستاءه ونظر أمامه بأعين غاضبه حزينه ، تنهد عُبيـده بكلل وقال
- مالك شايل طاجن ستك ليـه..؟!
رفع مازن حاجبه الايسر مستنكراً تعبيرات صديقه الغريبه من وجهه نظره ثم قال وهو يضرب فخذه بكفه بغيظ
- انا مستغرب ليه ، انت ايه يا بني اللي بينقط من بؤك دا..؟!
نظر اليه عُبيـده بإشمئزاز وقال غاضبـاً
- ما تخلص يا حيلتها وتقولي مـالك انا هسحب الكلام منك ولا ايه ، بقالك فتره كبيره مش مظبوط ، تيجي الشغل يوم وتغيب اتنين انا مش بتكلم عن الشغل وانت عارف انا بتكلم عليك مالك انطـق...!!
تنهد مازن بتعب من يوم خطبه عُبيده وقلبه يتألم أضعاف يعلم من البدايه انها لا تحبه ولكن وجودها مع صديقه وعيناها الامعه بحبه كسر قلبه لنصفين فأصبح ينزف بلا رحمه ، ابتلع غصته المؤلمه وقال
- مفيش يا عُبيده عارف اني مقصر جامد اليومين دول معلش بس حاسس اني مخنوق وايامي بقت شبه بعضها وامي وابويا واختي وحشني اوي بفكر اسافرلهم كام يوم
نظر اليه عُبيده بتفحص يدرس نظرات صديقه حيداً فقال بنبره متهكمه ساخره
- غبي ومبتعرفش تكدب علي العموم مش هتحايل عليك تقولي مالك يا واطي يومين وهتيجي مدلوق علي بوزك تبعبع بكل حاجه
نظر اليه بضيق يود وأن يحطم رأسه تلك وقال
- طالما عارف يبقي تنقطني بجمال سكوتك زمان فريد جـاي نناقش هنقول ايه في الاجتماع دا
اومأ ايجاباً وهو يُعاود النظر الي حاسوبه وعقله مُنشغل بصديقه هو أقرب اليه من نفسه ابتسامته باهته عيناه حزينه مُنطفئه تنفس بضيق وهو يراجع ما سيقوله في الاجتماع
دقـائق ودخل فريد يحمل بين يديه ملف مـا حلس ثلاثتهم علي طـاوله الاجـتمـاعـات يتناقشون بجديه ودقه عاليه قبل الاجتمـاع
بعد مرور عده دقائق ، دخلت سمر مديره مكتب عُبيده تُبلغه بوصول الشركه الي مكتب الاجتمـاعات المُنفـصل فقام الثلاثه بهدوء مُتجهين اليهم
ظل الاجتماع لمده طويله الي حد ما وكل شركه تتحدث في أمـر هام حتي تم الاتفاق بشروطٍ مُناسبه للشركتان وقبل ان يستأذن مندوبي الشركه
دلـفت چني بخطي واثقه مُتغنجـه وصوت حذائها العالي يرن بوضوح وعطرها وصل الي الجميع بسرعه صاروخيه قصوي جعلت الجميع ينظر اتجـاه البـاب ، اشتعلت أعين عُبيده بشرارات وهو يراها بثياب ليست مُناسبه إطلاقـاً وما جعله ينتصب في وقفتـه بحده هو رؤيته لاحدهم ينظر الي جسدها بوقاحهٍ فجـه فصرخ غـاضباً بصوت حـاد
- الاجتماع خلص اتفضلـوا....!!
انـصرف الجميع ومن ضمنهم مازن وفريد بينما هي واقفه تنظر اليهم بإستغراب شديد ، اتجه عُبيده اليها بغضب شديد قابضاً علي عضدها بقوه غـارزاً أصابعه الصلبه في لحم ذراعها بعنف صائحاً في وجهها بصوتٍ عالي غاضب
- ايه القرف اللي لابساه دا يا هانم انتي جايه شركتي ولا من كباريه في شارع الهـرم...!!
صاحت متألمه بشكلٍ حقيقي من ألم ذراعها فهو يقبض عليه بقوه هائله وصرخت بغضب وتألم
- ايـه الهمجيه اللي انت فيها دي سيب دراعي بتوجعني..؟!
قبض علي ذراعها بقوه أكـبر واقترب بوجهه منها وهو يتحدث من خلف اسنانه المُلتحمه بعنف
- همجيه..؟!
انتي لسه شوفتي حاجه..؟!
انتي جايه تتحديني مش كده ، جايه توري للناس جسمك يا چني....!!
تحركت بعشوائيه حتي خلصت نفسها من قبضته الفولاذيه المؤلمه وصرخت بحـده
- ابعـد كده انت ازاي تمسكني بالطريقه دي قولتلك بدل المـره ميـه متتعملش معايا بالطريقه البيئه بتاعتك دي..!!
هي حقـاً اطلقت مـارده وجد نفسه يقبض علي خصلاتها بقـوه هامسـاً بهسهسه عنيفه
- عاوزني اتعامل معاكي ازاي يا هـانم وانا شايفك لبسه شبه قميص نـوم وجايه بيه الشركه والرجاله بتبص علي لحمك اللي طالع من كل حته ...؟!
شعرت بغرور وفكت كفه القابضه علي خُصلاتها وهمست بغنج
- انت بتغير عليـا يا عُبيده...!!
ارتفعت شفتيه العُليـا بسخريه كبيره وضحك بإستهزاء ولكن مازالت ملامحه غاضبه
- الغيره مش نابعه من قصه حب أسطوريه يا روح خالتك ، انا راجل واغير علي اللي يخصني وانت في الاول والآخر قبل ما تكوني خطيبتي فـ إنتِ بنت خالتي ولا نسيتي....؟!
التمعت عيناهـا بالغضب فترك خُصلاتها وقال بنبره مُهدده
- بطلي اسلوبك معايا لاني مش الراجل الجنتل اللي هيطبطب عليكي وخلي بالك الرجاله اللي بتبص للحم جسمك مش رجاله دول كلاب....زي كلاب السكك اللي بتدور علي اي حته لحمه في الشارع تسد بيها جوعهـا
اذدادت حده عيناها وكرهت حديثه لما يتدخل في شئون عملها وملابسها وخروجها فقالت بنبره حاده
- انت اكتر واحد عارف اننا مخطوبين عشان نكمل شكلنا الاجتماعي وعشان قرايب ، ولا انت فاضي للحب ولا انا فضياله انا شغلي رقم واحد في حياتي
- فـ اظن البس ايه وملبسش ايه حاجه متخصكش نهائياً يا عُبيده يا نصـار ، انا بلبس اللي يليق بيـا اللي يليق بچني التُهـامي
حدجها بنظراتٍ مُشتعله قاسيه وقال بنبره حـاده
- زمان لما كنت بنصحك علي لبسك عشان بنت خالتي وتهميني دلوقتي احاسبك مش انصحك بس ، انتي بنت خالتي واسمك جمب اسمي لانك خطيبتي ، والراجل الوسخ بس اللي يسمح لعرضه يمشي معري لحمه للناس..!!
اقترب منها وهمس بقسوه كبيره وهو ينظر الي ملامحها الغاضبه بجمود وبرود شعلل البراكين في جسدها
- ولو فضلتي بطريقتك دي احنا فيها يا بنت خالتي ، ونفضها سيره طالما انا متحكم بطريقه متعجبكيش يـبقي طريقنا مش واحــد....!!
جزت علي اسنانها بعنف وشعرت بالإهانه في كل كلمه نطق بها ولكنها رسمت الجمود علي وجهها واردفت بصوت حازم
- چني التُهامي متتنهش يا عُبيده ومش چني اللي تقولها نفُضها سيره انا مجتش اخبط علي بابك وقولتبك بليز اخطبني...!!
نظرت اليه بضيق وقـالت
- كلامنا مخلصش لازم يتحط حدود لعلاقتنا دي ، انا ماشيه لاني شغلي اهم من الوقفه والكلام دا..!!
انصـرفت بخطوات سريعـه غاضبه وجسدها يشتعل كـ بركان ثائر نشط قارب علي الانفجار ، جلست في سيارتها ونظرت الي الشركه وقـالت بهمس غاضب
- انا كنت جايه عشان نُفـضها اصلا يا عُبيده ، بس مش انا اللي اتهـان او إنك انت اللي تسبني ، انا اللي اسيب وابعد مش انت...!!
ادرات محرك السياره وانطلقت نحو وجهتها وابتسمت بتوعد ستذوقه من الاهانات الكثير ووقتها ستتركه هي...!!
وقف أمام شبـاك النافذه الزجاجيه يفرك وجهه بعنف وغضب من نفسه أولاً قبل أي شيئاً آخر هو من فعل هذا بنفسه تصرف بتهورٍ شديد عندما تخيل له انه سينساها بمحرد خُطبته علي آخري ولكن حدث العكس لم ينسَ ولم يرتاح بل ثقل قلبه ذاد شعوره بالإختناق يذداد
أغلق عيناها الحمراء من غضبه بقوه وتنفس بعنف چني تريده الا يتدخل بشئونها...؟!
تريده يذهب ويأتي معها بملابس فاضحه..؟!
وهو لن يقبل هذا الامر عليه أن يُنهي تلك المهزله عليه الا يظلم نفسه ويظلمها معه ..!!
ولكنه أخبرها انه لا يُحبها علاقه عاديه فاتره هدفها الزواج والاستقرار وهي مثله ، إبنه خالته كان يراها كل شهور عده مره لكثره اهتمامها بالعمل
إذاً تركها لن تتضرر ولن تحزن وستصبح علاقه ومـرت ، تحرك في المكتب ذهاباً واياباً بعنف وجسده يغلي ، عينان الحقير كانت تنهش جسدها بمنتهي الخسه والوقـاحه أيلومه هو...؟! أم يلوم صاحبه الجسد التي اظهرت عرض جسدها للعيـان...؟!
شعر بإهانه لرجولته لحظه رؤيه الرجال لجسد خطيبته والكُل يعلم ، نصحها مره وألف بالهدوء ولكنها رأسها مُتيبس كـ الحجاره وتري ان تلك الملابسه الفخمه من وجهه نظرها لائقه عليها لانها عارضه ازياء..؟!
أي عته هذا....!!
جلس علي مقعده بثقل جسده بتعب ورأسه ستنفجر من الألم لسته لم يتخذ هذا القرار المتهور فتح دُرجه وأخذ الصوره ونظر اليها بأعين تلمع
حقـاً نسي غضبه تعبه إرهاقه ولكن لماذا تذكر حلمه في تلك اللحظه التي رأها بها الصـور احتضنها لقلبه وهمس داخلـه
<غـزالتي...أخبريني انـتِ ما يجب عليّ فعله...حقاً مُشتت...ضائع...أشعر بالاختناق والالم...خـوف ينهش جدران قلبي لا أعلم سببه...ليتك مـعي...وجودك سيُهون عليا الكثير أقسم لكِ ....ولكـن كيف...؟! انـتِ حتي لا تعرفينني في ظل عشق قلبـي لكِ...يا غـزالتـي.>
فتح عيـناه المتوهجه بمشاعر عشقها الدفين وقرر الانصراف هو حقاً لن يستطيع التفكير او التركيز في أي شئ...!!
★________★
في الصـعيد تحديداً
<قنـا>
خرجت أوليـان من غرفتها التي كرهتها وكرهت التنفس بها علمت ان جدها مُتحجـر القلب سافر الي القاهره لمباشره بعض الاعمال ، تنفست براحه قليلاً فوجودها معهم تحت سقيفه واحده يُشعرها بالنفور والاختناق .
وضعت جديلتها علي منكبها الايسر وهبطت الدرحات بحريهٍ وسلاسه لم تعهدها فجدها مراتٍ قليله للغايه يغادر الدار ، وقفت مره واحده وعيناها عصفت بالغضب وهي تري يوسف إبن عمها يأتي مُبتسماً إبتسامه التي تكرهها وتكره النظـر اليهـا
ضحك يوسف وقال بمكر : وه وه يا بت عمي ، چدك سافر فتاخدي راحتك إكده وعاوزه تروحي فين عـاد...؟!
نظرت اليه بكره كبير تود بقتله هو وجدها وعمها الثلاثه لا تطيق سماع اسمهم حتي ، نظرت اليه وقالت ببرود
- ملكش دعوه بيـا أحسنلك وابعد عن طريقي..!!
اقترب منها بخطوات مُتسعه يُساعده عليه جلبابه الصعيدي الفخم وقـال
- أبـاي عليكي يا بت عمي كيف مليش صالح أمال مين اللي له عـاد انتي نسيتي إنك هتبجي مـرتي..!!
تزلزل كيانها للحظه وغضبت ذرات جسدها بضراوه هي لن تفعلها مهما كلفها الامر إن قُتلت حتي فقالت بصوت قوي وأعينها ينبعث منها الشرارات
- دا هيحصل طبـعاً
ابتسم يوسف إبتسامه واسعه قُتلت علي الفور بعدما استمع الي قولها البارد
- بس علي جـثتي....!!
نظر اليها بغضب والتوي جانب فمه ببسمه ساخره واردق كإنه غير مهتم برأيها
- دا مش بكيفك يا بت عمي دا بكيف چدك وكيفـي ، وهتچوزك برضاكي أو غصب عنك حطي دا في راسك زين...!!
نظرت الي عيناه مُباشرهً بلا خوف وتفاقهم غضبها وهي تري ينظر الي جسدها بأعين وقحه وقالت بحده عاليه
- صوابعي دي هدخلها في عينك اصفيهملك لو بصتلي بصه معجبتنيش ، وايدي هدخلها في زورك اخرج زماره رقبتك ازمر بيها لو اتعرضتلي في طريق تاني فاهم ولا مخك تخين
نظـرت اليه بإشمئزاز وقال
- هتجـوز واحد شمام علي آخر الزمن
صعدت مره آخري حيث غرفتها لا تعلم لما تلك البسمه التي تشكلت علي وجهها البرئ لانها فقط ضايقته بحديثها ، لانها وجدت الغضب تجسد داخل حدقتيه ليذوق مراره الكلمات وقسوه الحديث ولكنه لم ولن يشعر بما تشعر هي به منذ سنوات
تمددت بجسدها علي الفراش ونظرت امامها بشرود تفكر ماذا تفعل إن اجبروها علي تلك الزيجه كما جبرونها علي اشياء كثيره قبل ذلك ، قطعت والدتها سيل افكارها المتضاربه وهي تربت علي منكبها ، ابتسمت أوليـان في وجهها في اولا وأخيراً هي والدتها تمتلك حنان العالم بأكمله وإن قست في الحديث معها فرغماً عنها ما عانته صعب علي فتاه مثلها ان تتحمله
ابتسمت نجلاء بحب وجذبت رأسها لتُقبلها بحنان اموي ، استمعت ما دار بينها وبين يوسف التي لا تُطيقه ، جزء داخلها خاف ورهب وجزء آخر ابتسم لقوه شخصيتها حتي وإن كانت قوه زائفه ولكن حديثها مع يوسف وقوه تحديها أعجبها ليتها تركن جزء الخوف جانباً وتصارع بالهروب مع ابنتها الوحيده
همست وهي تقبل خصلاتها بلطف وذراعيها يُشددان من ضم جسدها
- عارفـه يا أوليان انا عمري ما اتمنتلك عيشه زي دي ، كان نفسي اعملك كتير اوي ، موت ابوكي كسرني وقسم ضهري ، سبني وسط شيطاطين كان هو الملاك وسطيهم ، هفضل ادعيلك في كل صلاه يا بنتي انك تحققي كل اللي بتتمنيه ، واشوف البسمه بتنور علي وشك
ابعدتها عنها وقالت بأعين تلمع بالحب
- مش هخلي حد يجبرك علي جوازه زي دي لو كنت غلطت في ال 3 سنين اللي فاتوا فمش هغلط غلطه تكسرك حتي لو فيها موتي يا حبيبتي...!!
ابتسم أوليـان بسعاده منذ زمن بعيد شعرت براحه تغزو كيانها فـ والدتها ركنت جزء السلبيه التي تكرهه جانبـاً ولن تخشي ان ترفض تلك الزيجه التي من الممكن ان تُدمـر حياتها الموت أهون من ذلك
مسكت كف والدتها وقبلته قُبلات كثيره عميقه مُتتاليه كإنها تشكرها علي تلك الراحه التي شعرت بها للتو..!!
ابتسمت نجلاء واحتضنت ابنتها بقوه وشوق كإنها لم تحتضنها من قبل ، شعرت بنصل حاد يسكن قلبها دون رحمه من حزنها الدائم وعيناه المنطفئ منها بريق الحياه ستفعل المستحيل لتسعدها مهما كلفها الامـر...!!
★________★
خـرج عُبيده من غرفته بعدما بدل ملابسه لنطال قطني من اللون الرمادي يعلوه تيشرت من نفس النوع باللون الاسود مخطووط عليه باللون ابيض كلاماً مُتشابكـاً مُتجـهاً الي غرفه غَالـيه ، طرق الباب عده طرقات فأذنت بالدخول ، دخل بإبتسامه صغيره تُزين ثغره فإبتسمت هي الآخري
أشـار بإصبعه ناحيه مكتبها الملئ بالاوراق والكتب وقال مُمـازحاً
- واضح انك مُجتهده وبدأتي تذاكري فعلا ، هعطلك..؟!
اومأت نفيـاً وقالت بتنهيده مُتعبه من جلوسها عده ساعات لتُراجع مُحاضرتها : لا طبعا انت انقذتني..!!
ضحك وتمدد علي فراشها وردي اللون وأشار اليها بعيناه ان تنام بجانبه ، ابتسم واتجهت اليه ، فردت جسدها واضعه رأسها علي ذراعه المكتل ، سمعته يتنهد بحرقه فقالت بتساؤل
- مالك يا عُبيده شكلك مش مرتاح خالص..!!
قبل رأسها بحنو وتنهد مره آخري بحرقه وقال بصوت خفيض
- مش مرتاح علي قلقان ، احساس وحش اوي حاسس بيه مش لاقيله سبب..!!
جلست علي الفراش تنظر اليه بقلق شديد وقالت
- انت من ساعه الخطوبه الشؤم دي وانت مش كويس اصلا كان بلاها يا عُبيده...!!
جلس بمحازتها وقال بتعب : كان قرار غلط وندمت يا غَاليه اول مره اندم علي قرار أخدته ، قولت اهي جوازه وبنت خالتي وخلاص ونستقر بس طلعت غلطان انا وچني عكس بعض في كل حاجه ، وانا عمري ما هوافق علي اللي دماغها عوزاه ، عاوز اخلع بس بالذوق ، جتلي الشركه النهارده ولو مكنتش مسكت نفسها كنت كسرت عضم وشها...!!
ضحكت غَاليه بصخبٍ فإبتسم وقال بشرود
- الغلط الجواز والارتباط يبقوا عشان هدف واحد وهو هدف الاستقرار مش كل البيوت مستقره ، بس اهو غلطه ولازم تتصلح
ابتسمت وقال بحب : حبيبي اعمل اللي يريحك ، انت فعلا مطفي من يوم الخطوبه دي ، چني بنت خالتو أيوه بس دماغها مش زي دماغنا ، خالتك نفسها دماغها مطرقعه
ضحك بصوتٍ عالي وضرب رأسها بكفه قائلا
- بس عيب خليكي مؤدبه..!!
ابتسمت وظهرت غمزتيها بوضوح وقالت
- بزمتك ينفع اكون أخت عُبيده نصار وأكون مؤدبه...!!
رفع حاجبيه معاً مستنكراً مقصد حديثها وقال
- ماله عُبيده يا أختي ما انا زي الفل أهو..!!
ضحكت وقالت : فل بلسان مترين ، انت مشوفتش نفسك وانت بتردح لخالتوا ولچني يوم الخطوبه...؟!
بحلق بعيـناه وهمس بعدم تصديق
- أردح...!! انا بردح يا بت......؟!
اومأت بضحكات عالـيه متتاليـه جعلته يضحك هـو الآخر هدأ من ضحكاته ثم قال بحنو يعوض به حدته معها في الصـباح
- الجميل بقي مش هيحكيلي مـاله...!!
تحركت عيناها بتوتر وابتلعت لُعابها بقوه ، ظل هو يتفحصها بأعين صقريه نظرات عميقه ، ابتسمت وقالت بنبره متوتره كثيراً
- ينفع تسبني ولما احس اني اقدر احكيلك هاجي لوحدي..!!
اومأ بهدوء وابتسامه بسيطه مرسومه علي فمه فوضعت رأسها علي صدره العريض وأغمضت عيناها بحزن عميق متغلغل داخل قلبها
بينما هو ظل يلعب بأنامله داخل خصيلات شعرها مما جعلها تشعر ببعض الراحه ظل هكذا دقائق طويله حتي قام وخرج متجهـاً الي غرفته يشعر بحاجته للنوم كثيراً
ولكن لم يكن نومـه هنيـئاً بالمره جسده ينتفض كإنه يصارع وحشـاً مـا ، وجهه يتحرك يميناً ويساراً بعنف ، جبينه مُتعرق ملامحه مُنخطفه ، يتضح انه يري كابوساً فـزعـاً تلك الليله...!!
العشق ومـا ادراك مـنه شعور رائع الجمـال مخلوطاً ببعض الالم مُمتزجً بالوجع لا يستطيع الكثيرين الصمود أمامه حتي ينالوه خالـصاً من الشوائب المؤلمه لينالوا العشق الخالـص . عرض أقل
رواية غزالة عبيدة الفصل الثالث 3 - بقلم فاطمه عماره
3=غــزاله عُبيـده "روح فـي جسـدين" - الفصل الثالث
<<قلـوب بلا رحمه>>
قـلوب مُتحجره لا تُحب لا تُشفق ولا تُهاب
عُدِمت إنسانيتُهـا ودُفنت
عُقول عقيمه ومريضهً لا تُفكـر إلا خـاطئاً
ويظنون انهم علي الصـواب
عـلي مائده العشـاء أعـدت صفاء ما الذ وطـاب علي المائده لوجود أختهـا وإبنتها چني الجالسه بإبتسامه تحمل بين طياتُهـا الكثير فمنذ مـا حدث في الشركه وهمـا لا يتحدثان نهـائياً وكإنهما غُرب لا يعرفان بعضهمـا
قلبها يكاد ان ينفجـر غيظاً لتلك اللحظه لا تُصدق ان أحدهم قام بإهانتها وجهاً لوجهه هي التي يتهاتف عليها الجميع يرغبون فقط بإبتسامه منها...... تُهان..!!
لن تنساها ستجعل الحياه أمامه ورديه ستجعله يعشقها وستتنازل عن كبريائها زيفـاً وبالنهايه تُحطم أماله وتكسرها أمام عينه وتتركه هي ليشعُر بما شعرت به..!!
هي لن تنسي إساءته وإن كانت غير مقصوده وإنت كانت إساءه بريئه لا يقصد معناها وإن قصـد ، جسدها يشتعل من يومها ، كانت تأكل أصابعها في غل كبير..!!
نظرت الي صفاء التي تحدثت بهدوء وهي تنظر الي طـعامها الذ لم يُمـس : الاكل مش عجبك ولا ايه يا چني مدوقتيش حـاجه...!!
ابتسمت بدلع وقالت بنبره رقيقه وهي تنظر الي عُبيده بنظراتٍ لم يُحبها
- الاكل يجنن يا طنط بس انا متعوده علي أكل معين عشان جسمي ميبوظش انتي عـارفه..!!
نظرت اليها غَاليه بحاجبها الايسر مُرفـوعاً بتعجب مردده بنبره تهكميه ساخره لم تستطيع إخفاءها
- مـا احنا بناكل منه أهو وجسمنا كويس يا چني ، كُلي كُلي يا حبيبتي..!!
رمقتها بضيق وقالت وهي تمسك بكف عُبيده الجالس جوارها بقـوه .
- جسمكوا غير جسمي يا غَاليه ، انا عارضه ازياء لازم اكون محافظه علي جسمي كويس اوي
ثم نظرت الي عُبيده وقالت بإبتسامه مغويه
- مش كده يا بيبـي.....؟!
ابتسم بإصفرار واومأ ايجاباً برأسه بحركات رتيبه وقد شعر بثقل يجثم علي صدره ، ضربته غَالـيه في ساقه فـ التفت ناظراً اليها بتسـاؤل فمـالت عليه بجسدها وقالت بنبره هامسه
- عُبيده عشان خاطري قولي اطلعي ذاكري انا هتنقط يا عُبيده يرضيك غَاليه حبيبتك تتنقط...!!
لم يستطع منع نفسه من الضحكات...ضحكات عاليه صاخبه جعلت الجميع ينظرون اليه في حيره بينما لم يتمالك نفسه حقـاً...ادمعت عيناه من قوه ضحكاته وتحشرج حلقه وهو يقول
- معلش ، افتكرت حاجه فـ ضحكت..!!
عـاد الجميع الي طعامهم عـدا چني التي كانت تنظر الي غَاليه في ضيق واضـح لا تُعجبها طريقتها نهـائياً فقـالت بنبره خبيثه مـاكـره
- وانتي كمان يا غَاليه لازم تاخدي بالك من جسمك خصوصاً انك بدأتي تتخني...!!
نظرت غَاليه الي جسدها ثم اليها بضيق هي لم تكن رفيعه ولكنها ليست ممتلئه جسدها مُتناسق وقبل ان تتحدث قاطعها عُبيده بنبره قـويه ولكنها هادئه مع إبتسامه صفراء
- غَاليه جسمها عـاجبها كده يا چني ، وهي حبه نفسها كده انا نفسي شايفها احسن واحده في الدنيا واتمني انها تاكل اكتر عشان تتخن اصلي بحب التُخان فـما بالك أختي..!!
ابتسمت غَاليه بإتساع ووضعت كفها في كف أخيها الذي رفعه وقبله بحبٍ وحـنان بينما ابتسمت صـفاء هي الآخري وهـي تُراقب تصرفات ابنـائها وتضايقت من چني كثيراً
حمحمت أشجـان وبدأت تتحدث الي أختها لتُنهي توتر الاجواء بينما نظر عُبيده الي أخته وقال بإبتسامه واسعه
- حبيبتي اطلعي انتي كفايه عليكي كدا مذاكرتك اهم عاوز تقدير..!!
ابتسمت وانصرفت بخطي مُتسـعه بينما حاولت چني ان تكتم غيظها مما حدث وقالت بإبتسامه رقيقه
- عُبيـده ايه رأيك نطلع نقف برا في الهوا شويه عاوزه اتكلم معـاك..!!
كاد ان يرفض ولكن هي ابنه خالته اولاً وقبل أي شئ ، وافق علي مضض ، وشئ ما بداخله يريده أن يخبرها ان ينهوا تلك الخُطبه مشاعره ليست لها لا يريد ظُلمها ، الذنب يأكـل جنبات صدره قلبه يلومه كل دقيقه ليته لم يُوافق والدته ليته لم يوافق عقله اللعين
وقفت چني في الحديقه نـاظره الي عُبيده الواقف امامها بإبتسامه واسعه وأعين بريئه كـاذبه ، اقتربت بخطي جريئه وحاوطت عنقه بذراعيها وقالت بصوتٍ خفيض
- عُبيـده احنا محتاجين ندي لبعض هُدنه مينفعش كل يوم نتخانق كدا ، لازم ندي لبعض فرصه اننا نبقي كويسين
عض شفتيه السفليه من الداخل ورفع ذراعيه ليتخلص من احتضانها لعنقه بجراءه وقلبه يدق بتعب شديد ، جسده ينفـر اقترابه منها ليس هي تحديداً ينفر من إقتراب بنات حـواء جميعهن هو فقط يريد واحده..!!
وجدته صامت كإنه يفكر قرأت بعيناه الرفض قرأت ما لم تريده ولن تتقبل به يجـب ان يسير مُخططها كما تريد ، اسبلت بعيناها في براءه شديده وهي تقول بمكر أجادته لتُرضي مرض غرورهـا
- لازم نحاول نخلي علاقتنا هاديه ومُريحه للطرفين يا عُبيده لازم علاقتنا تنجح زي ما كل واحد فينا ناجح في مجاله
نظر اليها بإستغراب شديد العلاقات ليست كـ صفقه واجبه النجاح بل هي مشاعر يتحكم بها عضو صغير بحجم قبضه اليد مشاعر لا يمكن للمرء التدخل بـها
كـاد ان يتحدث ولكنها قاصده مُقاطعته قاصده ان تتكلم هي فقط ليحدث مـا تُريد فقالت في لهفه كـاذبه وهي تبتسم بإتسـاع
- هنحاول يا عُبيده انا وانت لازم نحـاول علي الاقل عشان مامي وطنط ، وانا اوعدك مش هضايقك وانت كـمان..!!
رسمت الرجـاء ببراعه في مقلتيها شعر بشعور غريب جزء لا يُصدق طريقتها تلك چني ليست هادئه لينه الطباع كهذه التي تتكلم...وجزء يلومه ويشعره بالذنب لا يعرف تحديداً ما يقوله وما يجب عليه فعله..!!
تنفس أنفاس مطوله مختنقه واومأ في صمت سيحاول مره آخري سيحاول وقلبه حاسم النتيجه منذ الآن ، لن يظلمها ويجرحها بقسوه ولكن تلك هي المحاوله الأخيره
ابتسمت بإتساع مـاكر وهي تري ابتسامته الخافته وعقلها الماكر يعمل في خبث سار مُخططهـا كما خططت له..!!
صـعد الي غرفته بعدما تحجج بإرهاقه وهو يشعـر بشعورٍ غريب ولكنه مؤلم تنفس بغضب وعدم ارتياح وهـو يرتمي بجسده في اهمال علي الفراش أغمض عيناه يُناجي النوم لكي يُريح عقـله من التفـكير ولكـن قبل ان يُغمضها أخذ دفتره وقلمه وبدأ يكتب لهـا كــ عـادته
<< أوليـان...أشعُـر بشئ ثقيل للغايه يجثم علي صدري بعنف يؤلمني...لا ادري مـا هو...شعور بالخوف يجتاحني بقوه ولا ادري سببه...أكتبُ اليكِ لم تريني ولا حتي تعرفينني ولكـن أشعـر بالـراحه...هل وصلتُ للجنون أم أعشـقكِ حد الجـنون...لا أعلـم يا غـزاله>>
★_______★
سيجن حتمـاً أصبح يكره الليل والنوم من تكـرار حُلمه البشـع ... مَن تلك الطفله التي يراهـا منذ مده طويله..؟!
لما تبكي بتلك الطريقه المُوجعه..!!
لما تأتيه في منامه من الاساس..!!
ابتلع لُعابه بإختناق وهو يأخذ انفاسه بصعوبه صراخ تلك الطفله يُحطم قلبه بل يشقه لنصفين لا يعلم لماذا يراوده هذا الحُلم مراراً وتكـراراً..!!
هبط من غُرفته وخرج من الفيلا ولم ينتبه لوالدته واخته لم يـراهم انساق بقدميه نحو سيارته ثم الي الشـركه
بينما تابعت صفاء خطوات ابنها المُتعثره بقلق ونظرت نحو غَاليه التي قالت بألم وهي تري اخيها حاله يتبدل من سئ لاسوأ
- مـاما عُبيده مش طبيعي عُبيده بيطفي يوم عن يوم...من يوم الخطوبه الشؤم دي واخويا تعبان ومش مرتاح..!!
زفرت صفاء بتعب ولمعت عـيناها بالدموع وقالت بقلق
- انا زيك قلبي واكلني عليه اوي والحلم اللي بيجيله كل يوم والتاني دا وقلقه بالشكل دا ...!!
ثم قالت بإصرار دون تفكير : لو الخطوبه هي اللي تعباه كده نُفضنا سيره منها.... أشجان هتزعل شويه وخلاص بس ابني يتصلح حاله ويرجع يضحك ويبتسم تاني..!!
ابتسمت غَاليه واقتربت من والدتها وتمددت واضعه برأسها علي فخذها براحه تامه وقالت بصدق
- بصراحه يا ماما انتي يمكن تزعلي من رأيي... بس انتي معوداني علي الصراحه ، خالتوا مش شبهك ولا شبهنا رغم انها اختك بس بتتعامل من فوق اوي بطريقه مستفزه وزيها ست چني اللي بتعامل الكل من مناخيرها وديماً شايفه انها احسن واحده في الكون ، احنا الحمد لله اغنيه بس مشفتكيش بتعاملي الناس وحش ولا حـتي بابا الله يرحمه واحنا طلعنا زيكـوا ، طريقه چني مُستفزه وعبيده غضبه سريع ومبيسكتش علي الخال المايل زي ما ديماً بيقـول ، وخالتوا سوري يعني چني اللي مشياها يمين يعني يمين شمال يعني شمـال..!!
أغمضت عيناها بضيق وتابعت
- عمري ما اعتبرتها بنت خالتي ولا حتي صاحبتي من بعيد هي اصلا مبتتكلمش معـايا وشايفه انها اعلي من الكل وزيارتهم لينا قليله انا اتفاجئت اصلا من موضوع الخطوبه واللي هيجنني ان عُبيده وافق رغم كلامهم ومقابلتهم قبل كده كانت قليله جداً محدوده يعني وكلامهم كان في اضيق الحدود..!!
اغلقت صفـاء عيناها وهي تقول بتذكر
- معاكي حق انا كان نفسي افرح بـ ابني وملقتش غير اختي وبنتها قولت ومـاله ولما عرضت علي اخوكي سرح للحظات ولقيته بيقول موافق بسهوله ، غَاليه انا معرفش دماغ اخوكي فيها ايه كل اللي اعرفه ان اخوكي اتبدل لواحد تاني شارد تايهه قلقان حاله مش مطمني ومش مريحني
اعتدلت غَاليه في جـلستها تربت علي منكب والدتها برفق وقـالت
- متقلقيش علي عُبيده يا مـاما صدقيني مش هيقدر يجي علي نفسه كتير خصوصاً ان مفيش مشاعر بينه وبينها كام يوم والخطوبه دي تنتهي واكيد هيقابل اللي يحبها وتريحه
اومأت صفاء في قلق لن تُبالغ وتُضحي بسعاده إبنهـا مهما حدث وما كان يكن ، قلبها حزين لمـرآه ولدها البكري شارد كارهه الحياه كإنه مغصوب علي العيش فيهـا
بينما صعدت غَاليه الي غُرفتها تتفحص هاتفها خصوصاً صفحه فريد علي موقع التواصل الاجتماعي الذي يُسمي بــ "الفيس بوك"
تتفحص صوره بإهتمام وشغف وإبتسامه واسعه مرسومه علي شفتيها ، تنهدت بقوه وقامت تقف أمام المرأه تنظر الي جسدها بتفحص هل حقـاً بدأ جسدها في الملو..؟!
كلمات چني تلك ترن في اذنها منذ قالتها رغم رد عُبيده عليها القوي ولكـنها ستقوم بعمل حميه غذائيه لتقلل من وزنها بل من بضع الكيلو جرامات الذائده...!!
بالتأكيد سيُعحب بها فريد عندما تصل لوزنها المثالي ، هذا ما فكرت به بيأس وهي تعود لتجلس علي مكتبها وتُراجع محاضرتها...!!
لا تعـلم ان الحب ليس له علاقه بالشكل والوزن ولون الشعـر ، الحب من روح لروح آخري ، الروح لا يمكن ان تتجمل حتي ولو بملايين الجُنيهات ، الحب شعور راقي سامي ينبع من القلب لا يهمه شكل او لـون بل يهمه روحٍ نقيه صافيه تساعده للقبول علي الحيـاه
★_______★
فـي <<قـنا>>
حبيسه غُرفتها لم تهبط الدرج حتي فـ جدها سبب رعبها الاول في المنزل اذاً لا تُصدر حتي صوت حتي لا يقوم بضربها وحبسها في غرفه مظلمه بارده تجعل خلاياها ترتعش
تذكرت الايام التي حُبست في تلك الغرفه كانت تصرخ تتأسف تبكي حتي يفك أسرها ولكن متحجر القلب ليس عنده شعـور ليشعر بخوف طفله حبيسه غرفه من اربع جـدران مُظلمه
كانت تسمع صراخ أمها ونحبيها الذي يقطع القلب ولكن دون فائده ، كانت تجلس امام بابها كل دقيقه تحاول نزع الخوف من قلبها ولكن كيف
طفله حُرمت من طفولتها منذ وفاه ابيها تحديداً كان هو يقف أمام ابيه بكل قوه وحزم
ولكنه توفي وتركها مع القُساه ، قلوب لا يسكنها رحمه قلوب حُرمت صاحبيها من الشفقه والاحساس
قلوب خاليه من مشاعر الحب السلام والألفه عامره بالقوه والقسوه وعدم الانسانيه
طفله لم تخطـو خطوه واحده خارج باب سجنها منذ اكثر من ثلاث سنوات ، دُفنت في هذا البيت التي تمقته كما تقمت من فـيه ومن يسكنه
دق بابها فقامت بخطوات متباطئه تفتحه تصنمت محلها عندما رأت يوسف أمامها ينظر اليها بإبتسامه عريضه فقالت بفظاظه
- هـازز طولك وجاي لاوضتي ليـه..!!
ظل واقفاً بالخارج واضعاً كفه يستند به علي الباب الخشبـي بإريحيه شعرتها بضيق ، ابتسم أكثر وقـال بلهجه مـاكره
- مـرتي واچيلها فـي الوقت اللي اريده يا بت عمي..!!
رفعت شفتيها العلويه بإستنكار وقالت بنظره مُحتقره تُشبه نبرتها
- دا في احـلامك ان شاء الله ، علي جثتي دا يحصل يا يوسف ، صدقني هموت نفسي قبل ما دا يحصل..!!
ضحك بقوه وهو يرمقها بنظرات خبيثه من أعلالها لاسفلها وقـال بسخريه
- معندناش نسوان تجول رأيها يا بت عمي اللي بنجوله هو اللي بيحصُل وبكره تشوفي عاد..!!
قـالها وانصرف بينما قفلت الباب بحـده وصدرها يعلو ويهبط بجنون لن تفعلها سيأخذونها جثه هامده إن اصروا علي تلك المهزله
كفـاهم ظلم لها كفي ما فعلوه وما يفعلوه بها في كل لحظه ، تنهدت بإختناق وقد هبطت الدموع من خضراوتيها الحزينتين
دخلت امها واحتضنتها بقوه بعدما وضعت صينيه الطعام أعلي الفراش التفت أوليان ودفنت وجهها في صدرها وجهشت في بكاء مرير
ادمعت نجلاء ومررت كفها علي خصلاتها برفق وحنو لتهدأها وهي تُعاتب وتلوم نفسها مراراً وتكراراً تلعن خوفها الذي تحملت نتائجه تلك الصغيره
ولكن لا لن توافق علي تلك المهزله ولن تُهدد تلك المره ستقف امام الجميع حتي وإن طُعنت حتي الموت
ربتت علي جسدها المرتجف بحنان وقالت بصوتٍ باكي يحمل بين طياته الحزم والاصرار
- ششش بس يا أوليان والله ما هسمح بالمهزله دي تحصل ، اهدي يا حبيبتي عشان خاطري
رفعت عيناها الباكيه المتألمه وقالت بإصرار وقلبها ذبيح ينزف بعنف دون توقف
- مش هسمح بدا يحصل حتي لو هموت نفسي ، اقسم بالله لو اجبروني علي الجـواز هموت نفسي قدامهم
فتحت نجلاء عينـاها بفزع ابنتها جسدها يرتعش عيناها تزوغ جسدها ينتفض بشكل مُريب ، احتضنتها بقوه وعلي صوت بكاءها وارتفعت شهقاتها بشكلٍ يدمع له القلب قبل العـين..!!
ظلت تحتضنها عده دقائق ترتل بجـانب اذنها آيات من كتاب الله حتي سكن جسدها بهدوء بينما لم تهدأ دموعها التي تسيل كـ سيــول مـن المطـر..!!
في الاسفل
دخل يوسـف حجره المكتب العتيقـه الذي يجلس بها نـاجي جده دائمـاً ، دخلها بخطي واسعه مُبتسمـاً بهدوء وقـال
- مساء الخير علي كبـير الصعيد كله
اتجه اليه وأخذ كف يده يُقبله بقوه فإبتسم ناجي وهو يقول
- وعليك يا زينه شباب الصعيد ...!!
جلس يوسف علي المقعد بجانب جده وقال
- مش ناوي تريح حفيدك الوحيد وتچوزه بجي ولا ايه..!!
ضحك ناجي وهو يعلم ما يريده يوسف جيداً فتنهد وقال بنبره جـاده
- اللي تريده هيحصُل يا ولدي بس نرتب حالنـا ومحتالنا هعملك فرح الصعيد كلياته عيحكي ويتحاكي بيه العمر الچاي كله
ابتسم يوسف بمكـر يتأكد من موافقه جده علي ما يريده فـ يوسف بالنسبه اليه حفيده الرجل الوحيد الذي سيأخذ كل امواله وسيكن خليفه بعده بعدما توفي ولديه الاثنان واحداً تلـو الآخر
خرج يوسف من الدار بأكمله متوجـهاً نحو اصدقائه ليسهروا سهـره طويله من سهراتهم المُتكرره يفعلون بها كل شئ مُحـرم...!!
★_______★
في شركه نـصار
الجو يسوده التوتر الشديد عُبيده لا يفعل شئ سوي الصـياح والغضـب نـادرا ما يحدث هذا نادراً ما يغضب في الشركه بتلك الطريقه
مديره مكتبه حقـاً مرتعده خائفه منه ومن غضبه الجامح اليوم ، جاء مازن ونظر الي حالتها المتوتره وقـال بتنهيده
- فـي ايـه...؟!
نظرت اليه بقلق وتنهدت براحه كإنه منقذها وقالت
- معرفش يا مستر مازن عُبيده بيه من الصبح مش في حالته الطبيعيه بيزعق ويصرخ في وش اي حد يدخله ومش عاجبه اي حـاجه ولا اي شغل متقدم الموظفين كلها خايفه تقريباً اول مره يشوفوه في الحاله دي
تنهد مـازن بتعب وقال وهو ينظر اليها
- طب اقعدي انتي تابعي شغلك وانا هدخله ومدخليش علينا حد واي مواعيد النهارده الغيها لايام متاحه بعد كده تمام...!!
اومأت بصمت فدخل هو المكتب وأغلقه خلفه بهـدوء وقف للحظات قليله ينظر الي حاله صديقه المزريه يفتح قميصه للمنتصف يدلك عنقه بقوه كإنه يختنق وجهه أحمر وعيناه كـشراراتٍ من الجـمر
تقدم خطوات سريعه قلقه قائلا بنبره متلهفه
- مالك يا عبيده فيك ايه..؟!
نظر اليه بوجهه احمر لا يدري مازن من الاختناق ام مـن الغضب ، فرك عُبيده وجهه بعنف وهو لا يعرف حقاً سر هذا الاختناق والخوف الذي ينهش قلبه وقـال بنبره حاده
- مش عارف يا مازن مش عارف ، كل اللي عارفه اني مخنوق وتعبان وخوف غريب حاسس بـ ايه ومعرفش سببه
وقف بحده من علي مقعده وقـال بصوت عالي غاضب
- خلاص هتجنن بقالي فتره تعبان ومخنوق والنوم حـتي مش عارف انامه ، كل يوم حلم بنفس الطفله كل يوم حلم اسوأ من اللي قلبه والغريب اني خايف علي الطفله دي وانا معرفهاش.....!!!
لا يدري مازن ماذا يفعل عُبيده علي حافه الانهيار اقترب منه وربت علي ظهره بقوه محاولاً تهدأته وبدأ يتحدث بلـين
- اهدي حاول تهدي وتنظم نَفَسك بس يا عُبيده وبإذن الله خير ، انت بس مضغوط اوي الفتره دي من يوم خطوبتك وانت مش متظبط غير ان الشغل الفتره دي كتير عشان كده تعبان ، حاول ترتاح بس...!!!
نظـر اليه عبيده بأعين حـائره ضائعه يكاد قلبه ان يتوقف سيَجن مما يحدث معه يريد فقط ان يعلم ما سر هذا الخوف وجد نفسه يتمتم بتعب
- عندك حـق انا لازم ارتاح يا مازن لازم ارتاح ، هرتاح يومين واتولي انت وفريد الشركه مش محتاجين توصيـه سلام..!!
قالها وانصرف بتعب وهو يتنهد مطولاً يحاول وصول الهواء الي اعمق نقطه في رئتيه لم يستطع سواقه السياره كـ عادته فجعل أحدهم يصله الي الفـيلا
★______★
وصـل الـي الفيـلا وظل جالسـاً في سيارته مده طويله محاولاً الاتزان والهدوء حتي لا يذعر كلا من والدته وأخته ، تنفس انفاس طويله محمله بالتعب والهم الجـاثم فـوق صدره ظل ينظر الي الحديقه بشرود يفكـر جليـاً في هذا الحلم المتكرر الغريب من تلك الطفله ولما تبكي..!!
لما قلبه يؤلمه لبكاءها لما هو غاضب عصبي متوتر بهذا الشكل..!!
رفع راحتي يديه وأحاط بهم رأسه بقوه عله يخف هذا الالم يشعـر بأحدهم ينقر بقسوه علي جانبي رأسه
ابتلع لعابه الجـاف بتعب وحاول الثبات والهدوء أكثر ثم دخـل الي الفيـلا
وقفت صفاء واتجهت اليه مباشرهً قائله بنبره متلهفه
- مالك يا حبيبي اول مره تيجي بدري انت تعبان طمني عليك..!!
انحني واضعاً رأسه علي كتفها الايسر ولف ذراعيه حول خصرها يضمها اليه بقوه ليشعر ببعض الراحه وقال وهو مازال يحتضنها
- متقلقيش يا أمي شويه ارهاق بس فقررت ارتاح يومين يمكن..!
أبعدته عنها تكوب وجهه بين كفيها بحنو ونظرت الي عيناه كما هي مُنذ مده حائره خائفه إبتسمت في وجهه بحب وقالت بنبره صادقه نابعه من أعماق قلبها
- حبيبي لو خطوبتك اللي تعباك كدا اتأسف وفُضها سعادتك عندي بالدنيا إنت من يوم الخطوله لا مش من يومها انت من يوم موافقتك علي الخطوبه وحالك حال قولت يمكن ضغط شغل بس لا حالتك بتذيد وهمك بيتقل ، انا يهمني سعادتك انت واختك يا عُبيده مش عيب اننا نتسرع ونغلط العيب اننا نستمر في الغلط ونقاوح..!!
كم شعر بالراحه من كلمات بسيطه مُهدأه كإنها حملت ثقلاً ما عنه فشعـر براحه تجري في اوصاله ، ابتسم إبتسامه غادرت شفتيه فـ الاونه الاخيره بينما تأكدت صفاء ان سبب تعاسه ابنها تلك الخُطبه فقررت انهائها بطريقه مـا فقالت
- حيث كدا بقي خليني اقول لخالتك ان كل شئ نصيب...!!
حمحم عُبيده بجديه وقـال سريعاً
- لا بلاش انتي يا ماما عشان ميحصلش زعل بينك وبين خالتو خليني انا اقعد مع چني وافهمها ونخلي الموضوع ذوقي شويه چني قبل ما اخطبها انا فهمتها انها تجربه يا نجحت يا فشلت بس هي للحقيقه فشلت فشل ذريع
ابتسمت بحنو وهي تربت أعلي كتفه وعيناها تنظر الي عيناه التي مازالت قلقه ولكنها قرأت بهما بعض الراحه وهذا ما هدأ من روع قلبها قليلا
قالت وهي تتجه الي المطبخ
- اطلع يا حبيبي خد دُش وغيـر هدومك اكون شوفت بدريه خلصت الاكل ولا لسه
اومـأ وصعد بخطوات سريعه نحو غرفته متجهاً الي فـراشه وأخذ دفتره وقـلمه وبدأ يُسجل وابتسامه خفيفه مرسومه أعلي شفتيه
<<أولـيان أخذت قراري أخيـراً وبعد ثلاثه أشهر ان أنهي تلك المهزله التـي تسبب عقلي الاحمق وارتكبها .... أشعر براحه تجري في اوصالي...ولكن مازال الشعور بالقلق يراودني وحقـاً لا أعلم لمـا...!!
أُريد رؤيتك تدري اذا علـم احدهم قصه عشقي لكِ سيتهمني بالجنون كيف لـي ان أعشق بمجرد نظره واحده..؟! ولكني لم الومهم ولن اهتم....كل ما يهمني انتِ....لا أُريد غيرك في حياتي....ماذا اذا تحقق ما اتمـناه أوليان وأصبحتِ بين أحضـانـي..!!>>
تنهد مطولاً ووضع دفتره في مكانـه وأخذ ملابسه مُتجـهاً الي المـرحاض ليستحم حتي يهدأ جسده قليلاً من ارهاقه وتعبه المُلازم له من مُده
★_______★
بعـد مرور يومان كان قد قرر عُبيده انه سيتحدث مع چني اليوم بطريقه يحاول ان يجعلها الي حد ما بسيطه لا تجرحهـا ، تنهد ببطئ وهو يهبط الدرج متجهاً نحو مائده الطعام حيث والدته وأختـه.
جلس مترأساً المائده بعدما قام بتحيه الصباح كـ العاده مع ابتسامه خفيفه للغايه وبدأ تناول طعامـه
كانت عيناه مُنصبه علي غاليه التي لا تأكل الا لُقيمات بسيطه منذ يومان تقريباً لُقيمات لا يكتفي منها طفل في الثالثه من عمـره لم تضع يدها في صحن المربي التي تعشقه لا تأكل الجبن التركي بنهم كـ عادتها ، احتدت عيناه وقد علم ان كلام چني آثر بالسلب علي تلك الحمقاء المـاثله أمامه
زفـر ببطئ وسألها بنبره تهكميه شديده : دا اكل اطفال دا يا غاليه مالك ما تاكلي كويس بقالك يومين علي الحال دا..!!
نظرت اليه بتوتر قائله بنبره متلعثمه قليلاً
- انت عارف ان امتحاناتي قربت فـ اكلتي بتضعف..!!
ضرب المائده بحده جعلتها تشهق بخوفٍ بينما صفاء تنظر اليهم غير قادره علي فهم ما يحدث لم يهتم عُبيده بشئ وصرخ بها بغضب شديد
- وكمان بتكدبي...!!
عاوزه تفهميني ان كلام چني هانم مأثرش فيكي..!!
عاوزه تقنعيني يا غَاليه انك مش عامله رچيم عشان تخسسي جسمك اللي مفيهوش حاجه تخس اصـلا..!!
نظرت صفاء الي ابنتها بصدمه غير مصدقه ان ببضع كلمات حمقاء من إبنه أختها قد أثرت بالسلب علي إبنتها ، فقالت
- ليه يا غَاليه حبيبتي انتي جسمك مظبوط جداً ليه بترمي ودنك مينفعش اي حد يقولك حاجه تصديقها يا ماما..!!
ادمعت عيناها فذداد عُبيده غضباً ومسك رسغها بحده جراراً اياها خلفه حيث أعلي بينما صرخت صفاء بإسمه برجاء فنظر اليها نظره ذات مغذي فصمتت بإطمئنان
ظل يجذبها نحو أعلي بحده ولم يهتم ببكاءها الذي يتعالي حقاً تغضبه بشخصيتها الساذجه يكره بها تلك الصفه
فتح باب غرفته ودفعها لتقف امام المرآه وصرخ بها غاضباً جعلها تنتفض في مكانها بخوفٍ
- بطلي زفت عياط علي دماغك وبصي في المرايه يا ست غاليه ...؛!
اتجه اليها ومسك وجهها وقربها من المرآه واردف غاضباً
- شايفه ايه غير هلات سودا وعينين مطفيه ووش شاحب زي الميتين هو الرچيم بمنع الاكل يا جاهله..!!
أكمل حديثه وهو ينظر الي عيناها مباشره وقال بقساوه
- انا شايف قدامي واحده غبيه معندهاش عقل بترمي ودنها لاي كلمه لا وايه كمان بتخلي كلام اللي يسوي واللي ميسواش يأثر عليها ليه معرفش..!!
اذداد بكاءها بقوه وارتفعت شهقاتها لم تصدق ان أخيها يعاملها بتلك الطريقه ارتجفت مره آخري علي صوته يصرخ فيها بقوه
- انطقي وقوليلي فين جسمك الذايد..؟!
ولا انتي سمعتي وصدقني قوليلي فين شخصيتك يا غَاليه
صرخ بحده : فييين انطقي وبطلي عيـاط..!!
في الاسفل وقفت صفاء أمام الدرج قلبها يدق بخوف تعلم ان عبيده لن يأذيها ولكن بكاء ابنتها يحطم قلبها قررت الصعود وفض تلك المشكله وستتولي هي الامر بهدوء بعيداً عن عُبيده
دخـلت الغرفه واتجهت نحو غَاليه الباكينده واحتضنتها وهي تقول لعُبيده الغاضب بهدوء ورجاء
- عُبيده خلاص يا حبيبي ، هي عارفه غلطها الموضوع مش مستاهل..؟!
رد عليها محتداً : مش مستاهل ايه يا أمي...انتي مش شايفه منظرها من قله الاكل عامل ازاي..؟!
- وغير كدا موضوع انها ترمي ودنها لكل كلمه من غير شخصيه وتفكير دا مش مستـاهل..!!
نظر الي غَاليه بحده ولاول مره لم يهتم بدموعها وقال بتوعد شديد
- اقسم بالله يا غَاليه لو فضلتي علي الحال دا هتزعلي مني وانا هعرف ازاي اعلمك مترميش ودنك لكلام اي حد..!!
قالها وانصرف مغلقاً الباب خلفه بعنفٍ شديد تمسكت غاليه بثياب والدتها وانفجرت باكيـه وهي تربت عليها بحنو ومضايقتها قد اذدات من چني أكثر ، ظلت تربت علي ظهر ابنتها برفق حتي تهدأ وما إن هدأت قليلا ابعدتها عنعا وقـالت وهي تسمح الدموع التي سالت بغزاره علي وجهها
- انتي غلطانه يا حبيبتي ، انتي عارفه اخوكي بيخاف عليكي اد ايه ، انا لاحظت شكلك وسألتك بدل المره اتنين وتلاته وتقوليلي خوف وتوتر من الامتحانات واقتنعت لان عارفه ان الامتحانات بتعملك هاجس رغم انك متوفقه في دراستك
- لما تحرمي نفسك من الاكل بالطريقه دي عشان كلمتين خايبين من چني او من غيرها دي مُصيبه في حد ذاتها يا غَاليه العاده دي كارثه
مينفعش يا حبيبتي ترمي ودنك لاي كلمه تتقالك وتصديقها تخليها تأثر عليكي بالشكل دا ، عينك دبلانه ووشك اصفر
اللي زعل اخوكي انك حطيتي كلام چني في دماغك وبدأتي تعملي رچيم بس دا مش رچيم دا حرمان انتي بتأذي جسمك يا غَاليه والله يا بنتي انتي جسمك مفيهوش اي حاجه..!!
سالت دموعها مره آخري ولا تعرف بما تجيب أتخبرها انها تفعل كل هذا لكي يُحبها فريد كما تُحبه..!!
تعلم ان تفكيرها خاطئ ولكنها تُفكر بيأس شديد تتعلق بأي شئ ليبادلها مشاعرها المُحبه
تفكير أحمق للغايـه من يُحب يحب بالمميزات والعيوب ، الحب ليس سلعه تُباع فتنتقي...!!
الخب مجرد مشاعر لا يتحكم به الانسـان للاسف..!!
تنهدت صفاء بتعب واحتضنتها مره آخري وقالت بحنان
- اهدي يا حبيبتي بطلي عياط ، وچني دي لو قالتلك حاجه تضايقك تاني محدش هيقفلها غيري انا...!!
★_________★
واقـفاً أمـام المنزل الكبير يحاول وضع المُفتاح ولكنه غيـر مُتزن تأفف يوسف بخمول وهو يحاول فتح عيناه بصعوبه حتي أخيـراً قام بفتحـه
سعـل عده مـرات وبدأ في دندنه بعض الاغاني بصوت ثقيل للغـايه وصعد الي الاعلي ناظراً ناحيه غرفه أوليـان برأس غير متزنه مثل جسده ، ابتسم بإنتشاء وهو يتخيل نفسه معها وهي بين أحضانه تضحك بسعاده..!!
ساقته قدمـاه ناحـيه غُرفتها بجسدٍ يتطوح يميناً ويساراً بسبب كثره المشروب الذي تجرعه تلك الليله
فتح الباب فتحه صغيره بهدوء شديد ونظر الي فراشها الصغير التي تتوسده نائمه بعمق وإبتسامه صغيره علي شفتيها كإنها تحلم حُلم جميل
اقترب منها للغايه بخطي هامسه غير مسموعه وهز رأسه يميناً ويساراً بعنف كإنه يريد ان ينتبه لنفسه ويفيق
اذدات ابتسامه اتساعاً وهو ينظر الي جسدها الشهي بأعين سكنت بها الرغبه ، اقترب أكثر ووقف امام اقدامها العاريه حتي الركبه بشهوهٍ كبير وقد فقد السيطره علي نفسه
فوضع كفه عليها يتحسسها ببطئ ورغبه حارقه أشعلت صدره بل وجسده بأكمله شعرت أوليان بعد راحه وشئ غريب يتحرك علي قدميها ففتحت عيناه ببطئ لتري ما هذا الشئ المُزعج..!!
فوجدته امامها في حاله سُكرٍ وهياج عيناه حمراء ظاهره بوضوح من خلال النور البسيط المُنبعث في الغرفه ، ارتجف جسدها برهبه كبيره حتي أكبر من رهبه حبسها وحيده ليالٍ فتحت فمها لتصرخ برعب ولكنه كممهـا بسرعه وهمس بصوتٍ ثقيـل مُتهدج من الرغبه
- بس اومـال ، اهدي متخافيش يا بت عمي هبسطك علي الآخر...!!
★_______★ عرض أقل
رواية غزالة عبيدة الفصل الرابع 4 - بقلم فاطمه عماره
في أحد الفنادق الفاخرة، وخاصة في المطعم، جلست جني واضعة قدمًا على أخرى، تهزها بضيق. كل ثانية تنظر في ساعتها الفضية الثمينة وتتأفف بغضب، حتى وجدته يطل عليها بشكله الوسيم والجذاب.
جلس عبيدة على المقعد أمامها وابتسم قائلاً باعتذار شديد:
"آسف يا جني على التأخير، الدنيا زحمة جداً بره."
رسمت على وجهها بسمة مصطنعة متهمة وهي غاضبة حد الجحيم، هي التي ينتظرها الجميع حتى تأتي، فتجلس خمس عشرة دقيقة بأكملها تنتظره.
أشار عبيدة إلى الجرسون الذي تقدم منه بابتسامة عملية ووجه بشوش، فقابله عبيدة بابتسامة ثم التف ينظر إلى جني وقال:
"تطلبي إيه يا جني؟"
نظرت إلى الجرسون الشاب بتعالٍ وقالت بنبرة فيها غرور كثير:
"مش ده شغله يسألني أطلب إيه، أنت هتشتغل شغلهم يا عبيدة؟"
تلون وجه الشاب بألوان كثيرة واحمرت عيناه غضبًا أكثر من حرجًا، وأصر الصمت. بينما اشتعلت عينا عبيدة بغضب جحيمي وقال بصوت حاد وغاضب بشدة:
"اتكلمي عدل وبطلي قنوعرة كدابة! الشاب ده شغال في المطعم مش عندك. وبعدين أنا بقولك تتزفتي عاوزة إيه، يبقى كلامك ليا مش لحد غيري."
نظر إلى الجرسون وابتسم قائلاً:
"روح لو سمحت، وأنا هنديلك تاني."
ابتسم الشاب وانصرف، بينما تابعت جني ما يحدث بأعين غاضبة وقالت بنرفزة:
"إيه اللي أنت عملته ده؟ أنت إزاي تكلمني بالطريقة دي قدامه؟ ده اللي اتفقنا عليه؟"
نظر إليها حقًا بقرف، شعر بالاشمئزاز يغزو جسده عندما رآها واستمع إليها وهي تحدث الشاب، فقال بنبرة ساخرة:
"أنا مبقتش قادر أستصنع الهدوء والحكمة أكتر من كده. أنا يا بنت الناس غشيم مبقدرش أتجمل، واللي انتي فيه ده الله يعينك منه. خلي بالك من مقولة خادم القوم سيدهم، يا ريت تقتنعي يمكن تفهمي شوية."
نظرت إليه باندهاش، فتابع غير مهتم بأي شيء:
"الغرور اللي انتي فيه ده مرض يا جني، ومرض خبيث وفي مرحلة متأخرة كمان. يا إما تلحقي نفسك، يا إما الله يرحمك ويتولاكي، لأنك هتنزل من سابع سما على جدور رقبتك هتتغدغد."
نظرت إليه بغضب شديد وقبضت على كفيها بقوة حتى ابيضت مفاصلها، لا تستوعب طريقته الوقحة في الحديث. كادت أن تتحدث ولكنه تابع وهو يحرك رأسه بيأس:
"أنا كنت ناوي أتكلم معاكي بحب وهدوء، بس قرفت من اللي عملتيه. أنا غيرك يا جني، حياتنا هتبقى جحيم، وأنا شخص مبيعرفش يجي على نفسه كتير، وأكتر من كده هنفجر، وطريقتي مش هتعجبك."
تنفس أنفاسًا مطولة، ورفع إصبعه يزيل الدبلة الفضية ووضعها أمامها، وهي تتابعه بدهشة عظيمة وهو يقول:
"أنا آسف إنها انتهت كده، بس أنا وانتي مستحيل نكون بيت وأسرة يا جني، مش هينفع هنتدمر وأنا وانتي هنبقى السبب. مش لوحدك، لأن اختيارنا لبعض كان غلط."
قام من على المقعد واتجه إليها مقبلاً رأسها بخفة، وقال قبل أن يغادر المكان بأكمله:
"بتمنالك الأحسن مني."
تابعت خطواته الواسعة بأعين غاضبة مشتعلة وجسدها قارب على الانفجار، لم تصدق ما حدث، عبيدة أنهى تلك الخطبة اللعينة! دمر مخططها! أهانها مرة واثنتين.. وهي التي كانت تخطط ما تود فعله لتهينه وترد له ما شعرت به!
مسكت الدبلة بين أصبعيها بقوة وقامت لتخرج من المكان الذي شعرت بأنه يضيق وستختنق من الوجود به.
جلست في سيارتها ووضعت الدبلة في حقيبتها وهمست بحقد:
"مخلصتش يا عبيدة."
بينما هو صف السيارة في مكانها المخصص في الفيلا ودخلها بخطوات سريعة، وقد انزاح هم كبير عن منكبيه. كره طريقة الانفصال والكلام، ولكن هي من أضطرته لفعل ذلك. غرورها، كبرياؤها، تعاملها مع الغير، ثارت غيظه وفاقمت غضبه منها. ليته لم يتقدم إليها من الأساس.
وأصبحا كما هما أقارب فقط.
وقفت صفاء ما إن رأته، وقبل أن تسأله أخبرها كل شيء حدث. تنهدت بقوة، ولكن لا يهم أي شيء سوى سعادة أبنائها. ربتت على عضده وقالت بصدق:
"المهم تبقوا كويسين يا حبيبي."
ابتسم وقبل رأسها، وقبل أن يغادر، مسكت ذراعه وقالت بابتسامة خافتة:
"مش هتصالح غالية بقي يا عبيدة؟ أنت الصبح قسيت عليها أوي."
رسم الجمود على ملامحه وقال بنبرة قاطعة لا تقبل الجدال: يجب أن يعلمها درسًا قويًا لا تنساه. غضبه منها لم يقل، كره تلك الصفة فيها، ولا بد أن تتعلم ألا تسمع ما يضايقها وتجعله يؤثر عليها بهذا الشكل.
"لا يا أمي، ولا هصالح ولا هحايل. أنا كويس إني ممدتش إيدي عليها، بنتك لازم تتعلم كويس إنها مترميش ودنها يا أمي، دي كارثة."
تنهدت بقوة، ولكنها هتفت من جديد علها تجعل متحجر الرأس هذا يلين:
"معلش، خليها عليا أنا المرة دي يا حبيبي."
رفع حاجبيه الاثنان لأعلى وقال بابتسامة باردة وهو يغمزها بإحدى عينيه:
"لا يعني لا يا صفصف، يومين كدا تتعلم وبعدين ربك يحلها."
أرسل إليها قبلة في الهواء وصعد بخطوات مسرعة اتجاه غرفته، ولم ينظر لغرفة غالية حتى. بينما هي ضربت كفًا بأخرى وقالت بيأس:
"وارث العند من أبوه، الله يرحمك يا يحيي."
بعد عشرين دقيقة، خرج عبيدة من المرحاض بعدما استحم وبدل ملابسه لملابس بيتية تساعده على الاسترخاء. جلس على الفراش ووضع حاسوبه وبدأ في العمل بتركيز حتى أصبح الوقت متأخرًا للغاية.
وضع الحاسوب جانبه وتأوه بصوت مكتوم وهو يعتدل، فقد شعر ببعض الآلام في ظهره وكتفيه وفقرات عنقه. أول ما نظر إلى دفتره وأخذه وقلمه، بدأ يسجل إليها من جديد:
★________★
في وقت متأخر من الليل، قد تجاوز الثانية صباحًا في الصعيد.
وقف أمام المنزل الكبير يحاول وضع المفتاح ولكنه غير متزن. تأفف يوسف بخمول وهو يحاول فتح عينيه بصعوبة، حتى أخيرًا قام بفتحه.
سعل عدة مرات وبدأ في دندنة بعض الأغاني بصوت ثقيل للغاية، وصعد إلى الأعلى ناظرًا ناحية غرفة أوليان برأس غير متزنة مثل جسده. ابتسم بانتشاء وهو يتخيل نفسه معها، وهي بين أحضانه تضحك بسعادة.
ساقته قدماه ناحية غرفتها بجسد يتطوح يمينًا ويسارًا بسبب كثرة المشروب الذي تجرعه تلك الليلة. فتح الباب، فتحة صغيرة بهدوء شديد، ونظر إلى فراشها الصغير التي تتوسده نائمة بعمق وابتسامة صغيرة على شفتيها كأنها تحلم حلمًا جميلًا.
اقترب منها للغاية بخطى هامسة غير مسموعة، وهز رأسه يمينًا ويسارًا بعنف كأنه يريد أن ينتبه لنفسه ويفيق.
ازدادت ابتسامته اتساعًا وهو ينظر إلى جسدها الشهي بأعين سكنت بها الرغبة. اقترب أكثر ووقف أمام قدميها العاريتين حتى الركبة بشهوة كبيرة وقد فقد السيطرة على نفسه.
وضع كفه عليها يتحسسها ببطء ورغبة حارقة أشعلت صدره بل وجسده بأكمله. شعرت أوليان بعدم راحة وشيء غريب يتحرك على قدميها، ففتحت عينيها ببطء لترى ما هذا الشيء المزعج.
فوجدته أمامها في حالة سكر وهيّاج، عيناه حمراء ظاهرة بوضوح من خلال النور البسيط المنبعث في الغرفة. ارتجف جسدها برهبة كبيرة حتى أكبر من رهبة حبسها وحيدة ليالٍ. فتحت فمها لتصرخ برعب، ولكنه كممها بسرعة وهمس بصوت ثقيل متهدج من الرغبة:
"بس اومال، اهدي متخافيش يا بت عمي، هبسطك على الآخر."
كمم بيده اليسرى فمها، بينما يده الأخرى عملت على لف ذراعها بقسوة حتى وضعه أسفل ظهرها وضغط بقوة بجسده على جسدها حتى لا تستطيع الحركة. صرخت بصوت مكتوم، فذراعها ألمها بشدة من تلك الحركة. استغل وهنها وفعل في الآخر المثل سريعًا. رغبته الحيوانية تحكمت به تمامًا.
طفرت الدموع سريعًا من عينيها من الألم الشديد الذي اجتاح جسدها بلا رحمة، وخوفًا أن يستبيح الحقير هذا على عذرية جسدها. بينما هو ابتسم بانتشاء وما زالت يسراه تكمم فمها ويمناه تحاول استباحة عذرية جسدها حيث أصبحت تشق ملابسها برغبة عارمة تفتك بجسده.
ولكن أوليان ليست من يستسلم بسهولة قط، لا يحظى بما يريده سوى على جثتها وبعد موتها، لا وهي على قيد الحياة. ظلت تقاوم وتحرك ساقيها بقوة رغم ثقل جسده الجاثم فوقها، ولكن دون فائدة. تجاهلت آلام ذراعيها التي حدث لهم بالتأكيد تمزق شديد والتفت على جانبها بحركة سريعة حتى استطاعت تحرير ذراعها الأيمن دون رهبة، رفعت أصابعها وخدشت بها عينيه بقسوة، فابتعد صارخًا، بينما هي صرخت بأعلى صوت تمتلكه وهي تحتضن ذراعيها وتحركت صوب باب غرفتها.
ظلت تصرخ بصوت عالٍ باسم جدها ليرى ما صنعت يداه من شاب مستهتر حقير لا يعرف الدين ولا يمتلك ذرة من الأخلاق.
ركضت نجلاء حيث غرفة ابنتها بعدما استمعت صراخها العالي برعب، وكذلك ناجي الذي صرخ بعنف عندما وصل إلى غرفتها:
"فيه إيه عاد بتصرخي إكده ليه؟"
حقًا لم ير هيئتها من غشاوة عينيه الناعسة أم قلبه المتحجر الذي لم يهتم لها يومًا.
دخلت الغرفة، فدخلت نجلاء وخلفها ناجي الذي نظر إلى يوسف بصدمة وركض ناحيته يقول بقلق شديد:
"ولدي إيه اللي حصل؟"
ابتسم يوسف بمكر شديد متجاهلاً عينيه الصارخة بالألم ونزيف حوافها من عنف وشراسة أصابعها، وقال وهو يحاول الاتزان وخصوصًا في نبرة صوته:
"معرفش مالها الليادي يا جدي، ما إحنا مقضينها من زمان."
نظرت إليه أوليان في صدمة، لهذه الدرجة وصلت به البجاحة.
شهقت نجلاء بعنف وابتعدت عن ابنتها التي كانت تحتضنها، واقتربت خطوة من يوسف وقالت بغضب شديد:
"اخرس قطع لسانك يا حيوان، عاوز تهرب من عملتك السودة فتتهم بنتي؟ بنتي أشرف منك ومن اللي زيك."
نظر الجد إليهم في صدمة غير مستوعب ما قاله يوسف. اسودت ملامح وجهه بعنف وهو ينظر إلى الجميع، أوليان ومظهرها المشع، نجلاء وصراخها وسبها التي توجهها ليوسف.
وقف ينظر إليهم بعنف هادرًا بنبرة قاسية حادة وهو يتجه إلى أوليان المصدومة يقبض على خصلاتها بحِدة صارخًا بعنف:
"آه يا فاجرة يا قليلة الحياء."
صرخت نجلاء بنبرة كريهة وهي تُخلّص شعر ابنتها من الجبروت هذا:
"ابعد عن بنتي، ده ولد زبالة وكداب، ابعد."
ارتاع جسد يوسف لثوانٍ، ولكنه أكمل وصلة كذبه وقال وهو ينظر إلى الجد:
"متصدقهاش يا جدي، أنا كل يوم والتاني أهنه في أوضتها، اومال أنا دخلت كيف يعني؟ واشمعنى المرة دي تحديدًا اللي منعت؟ هتلجيها شافت لها شوفة تانية اياك. تِلك المرة لم تستطع نجلاء أن تُخلص ابنتها منه، فقد أنهال عليها بالصفعات القاسية يمينًا ويسارًا بالتتابع حتى همد جسدها وسقطت أرضًا ونجلاء تصرخ وتتوسل حتى يتركها.
تابع يوسف ما يحدث بصمت وارتاح قلبه، فهو يعلم أن الجد سيصدقه، ولما لا، وهو يفعل هذا دائمًا وأبدًا.
وقعت نجلاء أرضًا بعدما دفعها الجد بغلظة للخلف، ومسك شعر أوليان بقسوة شديدة جارًا إياها خلفه وهي جامدة كالحجر، لا تصرخ، لا تبكي، عيناها متحجرة كأنها على وشك الموت.
هبط بها إلى الأسفل حيث الغرفة الفارغة الذي تركها فيها قبل ذلك عدة ليالٍ، ونجلاء تهرول خلفها برعب. دفعها بعنف وأغلق الباب وصرخ في وجه نجلاء التي تصرخ باسم ابنتها:
"اخرسي واكتمي حسك يا مرة، ليمين بالله أطخك وأطخها وأخلص من عاركوا. قلت له قبل سابق إن بت مصر هتجبلنا العار، واهي بنتها هي اللي جابته."
صرخت بعنف وقالت:
"أنت ظالم، ربنا ينتقم منك، بنتي أشرف منكوا كلكوا، حسبي الله ونعم الوكيل فيكوا."
نظر إليها بكره شديد، لم يكن راضيًا يومًا على زواج ابنه من قهراوية لا تعي ولا تفهم عاداتهم وتقاليدهم، ولكنه تزوجها وترك الصعيد بأكمله وعاش بها في القاهرة، ولكن تحت إصرار أبيه عاد بها مرة أخرى، وليته لم يعد.
صرخ بها في حدة بجملة جعلت أوصالها ترتجف من الرعب:
"بكرة دخلتها وهتبقى بلدي يا بت مصر، وساعتها هنشوف، وبعدها هتبقى مرة يوسف يتصرف بها كيف ما يريد."
لطمت وجهها بصدمة وصرخت بأعلى صوت تمتلكه:
"يا ظالمة يا ولاد الكلب، أقسم بالله اللي هيجي ناحية بنتي هقتله. أنا استحملت كتير بس خلاص فاض بيا، حابس المظلومة وسايب الظالم الحقير لييييه؟ ربنا ينتقم منك."
صفعها بعنف حتى وقعت أرضًا وانحنى يصرخ فيها بقساوة:
"اخرسي، جطع لسانك يا مرة اللي تطول لسانها علينا نجطعولها، يوسف راجل ميعيبوش حاجة. الدور والباجي على بتك الفاجرة."
التفت ينظر إلى يوسف وأمره بنبرة عالية سمع لها كل من في القصر من خدم:
"جهز حالك وكلم الناس، ليلة الحنة بكرة وبعديها الدخلة وهتبقى بلدي كيف ما جلت، واللي هيجف قدامي الله في سماه أطخه."
قالها واندفع اتجاه الغرفة التي دفع بها أوليان منذ قليل وأغلق الباب خلفه سريعًا بقوة، وتلك المرة لم تستطع أوليان كتم صراخها، بل ظلت تبكي وتصرخ بصوت عالٍ سمعه كل الموجودين من كثرة الضربات التي تلقتها وقساوتها الشديدة، ونجلاء بالخارج صوتها بح من كثرة الصراخ وهي تلطم وجنتيها بعنف وقلبها يكاد أن ينخلع من مكانه. وهي تطرق الباب بقوة تريد كسره، ولكن كيف...
صرخت ببكاء شديد وما زالت تطرق الباب بقوة:
"هوديكوا في داهية يا ولاد الكلب، كنت عاملة حساب جوزي وبقول أبوه واستحمل، بس برحمة جوزي لهخليكوا تبكوا بدل الدموع دم."
خرج ناجي من الغرفة بعدما فرغ طاقة غضبه الجنونية بجسد أوليان المسكينة، ونظر إلى نجلاء بقسوة رادفًا بنبرة آمرة:
"بتك حنتها بكرة، جهزيها يا بت مصر."
قالها وانصرف آمرًا خادمات البيت بعدة أشياء عديدة، ومن رعبهم منه هرولوا لينفذوا ما أمرهم به.
دخلت نجلاء سريعًا وسقطت أرضًا وهي ترى ابنتها بهذا الوضع، مظهرها مزري للغاية، شعرها مشعث بسبب كفه الغليظ الذي قبض عليه وجذبها منه دون رحمة، وجهها شديد الاحمرار بل غذي عليه اللون الأزرق الغامق، أنفها وفمها ينزفان دمًا، ملابسها تمزقت من الضربات، وجدت حزامًا جلديًا غليظًا قابعًا بجانبها أرضًا.
صرخت بصوت عالٍ وهي تحتضنها بقوة، يكاد قلبها أن يتوقف عن الدق من الرعب على ابنتها. سمعت همس أوليان الضعيف وهي تقول بنبرة متعبة تكاد لا تسمع:
"لو حصل اللي عاوزين يعملوه، عمري ما هسامحك يا ماما."
قالتها وأُغشي عليها، تتمنى ألا تستيقظ، تتمنى أن تموت وتذهب لبارئها في مكان لا يوجد للظلم فيه مكان، بل العدل فقط.
★_______★
استيقظ من نومه بفزع، لا هذا جنون. جسده متعرق ويتنفس بسرعة شديدة. استغفر الله عدة مرات، تلك المرة لم يحلم بطفلته، بل حلم بها هي، أوليان. غزالته، حلم بها تصرخ وتبكي، ووحوش مخيفة تهاجمها. انتصب في وقفته بخوف هامسًا بنبرة مذعورة:
"معقول... معقول تكون البنت اللي بحلم بيها أوليان؟ قلبي هيقف فيها إيه؟"
قاطع وصلة رعبه وتفكيره صوت رنين هاتفه. ركض إليه وأخذه بكف مرتعش، وتوقف قلبه عندما وجد الشاشة تضيء باسم عمته التي لم تهاتفه أبدًا. كان هو يهاتفها كل مدة ويسألها عن أحوال أوليان بشكل غير مباشر، كان يتمنى أن يسمع صوتها، ولكنه لم يطلب، خاف أن يجن عندما يسمع صوتها ويصرخ بحبه لها مباشرة.
فتح الخط بعدما ابتلع لعابه الجاف بصعوبة بالغة، وكاد أن يتحدث ويلقي السلام، ولكنه تصنم وهي تقول:
"الحقني يا ابني، أبووس إيدك، هيموتوا بنتي."
وضع يده على قلبه مباشرة، قلبه الذي يؤلمه الآن بقوة. توقف لسانه أو شلت عضلته، لا يعرف. يريد التحدث، يريد الصراخ بذعر، ولكنها واصلت وقصت له ما حدث على عجل، وقالت برجاء بعدما انتهت من سرد الحكاية الموجعة:
"الحق بنتي يا ابني، أبووس إيدك."
طمأنها بسرعة وأخبرها أنها مسافة الطريق فقط وسيقبع أمامها. رمى الهاتف على الفراش بعدما هاتف مازن بضرورة وجوده حالًا، ففريد سافر أمس إلى شرم الشيخ ليحضر بعض الاجتماعات الهامة، كما هاتف أحد معارفه صاحب شركة حراسات بتجميع أقوى وأكفأ رجاله.
بمعجزة إلهية من الله، تحرك بسرعة ليرتدي ملابسه على عجالة. حقًا لم يهتم بأي ملابس يرتدي، أي شيء قابله ارتداه بسرعة قصوى، لا يعرف كيف خرج من المنزل وكيف تجمع بصديقه والرجال.
لم يرد على أسئلة مازن الذي يلقيها كل ثانية على مسامعه، يريد فقط أن يطمئن ويعرف ما الذي حدث. أما هو، فلم يسمعه من الأساس، فقط ملامحه سوداء شرسة وعيناه أصبحت حالكة قاسية، والسيارة تكاد أن تطير عن الأرض الإسفلتية لسرعتها القصوى.
وثلاث سيارات من الرجال تتبعه بسرعة عالية، فقد أمرهم الرجل الذي هاتفه عبيدة أن يسمعوا ما يأمرهم به وينفذوه، أي كان الأمر.
★______★
تجلس باكية بجانب ابنتها الراقده بتعب شديد. تأخرت كثيرًا حتى اتخذت تلك الخطوة، ليتها فعلتها منذ زمن، ولكن ما تأذت ابنتها الوحيدة وقد شاركت هي بخوفها وسلبيتها في أذيتها. وضعت كفها على رأسها بحنو تلعب في خصلاتها برفق شديد حتى لا تؤلمها وهمست بندم، ولكنه الآن لا يفيد، فابنتها مسجية أمامها وكان جسدها منذ ساعات قليلة مدرجًا بالدماء.
"آه يا بنتي، يا ريتني كنت مت قبل ما أشوفهم بيعملوا فيكي كده. أبوكي الله يرحمه وصاني قبل ما يموت إني استحملهم وإن مسير أبوه قلبه يحن عليا وعليكي، يا ريتني ما سمعت الكلام. خوفي آذاكي أكتر منهم."
شهقت باكية وهي تضع رأسها على صدر ابنتها تنتحب بقوة:
"سامحيني يا أوليان، سامحيني على الخطوة اللي جت متأخرة سنين. أنا كلمت عبيدة ابن خالك، طمنّي وقالي إنه مسافة الطريق وإني مخافش وأطمنك، هيقدر ياخدك من هنا غصب عنهم كلهم."
"أكيد أبوكي هيسامحني إني مسمعتش وصيته ومعملتش بيها، هو ميرضاش إن يحصلنا كدا، بس انتي قومي واتكلمي معايا، قلبي وجعني عليكي أوي، يا ريتني أنا اللي راقدة رقدتك دي يا بنتي، سامحيني يا أوليان... سامحيني يا نور عيني."
أغمضت عينيها بقهر وقد توالت دموعها بكثرة تسقط بعنف فوق وجنتيها وقلبها يحترق على ما آلت إليه الأمور. ابنتها نائمة على الفراش شبه فاقدة للحياة، رغم أنها حممتها وأبدلت ثيابها وهي شبه فاقدة لوعيها، لكن آثار الضربات القاسية ظاهرة بشدة على وجهها الملوث بعلامات أصابعه القاسية التي طبعت ألوانًا متداخلة من الأحمر والأزرق. وجهها منتفخ من كثرة الصفعات المؤلمة التي تلقتها. عندما أزالت نجلاء ثيابها، صرخت بصوت مكتوم وهي ترى علامات الحزام الجلدي على جسد ابنتها وبعض الأماكن مكدومة بشدة كضربات لعصا غليظة.
أشرق الصباح، فالساعة أصبحت السادسة وقت الشروق وما زالت هي تجلس بجانب ابنتها النائمة. كل دقيقة تنظر إليها بلهفة تتمنى فقط أن تفتح عينيها. صوت أنفاسها المنتظمة فقط ما يجعلها متيقنة أنها ما زالت على قيد الحياة.
سمعت صوت دربكة شديدة يأتي من الأسفل، فقامت وفتحت الشرفة وقلبها انقبض وهي ترى بعض الرجال يقومون بتزيين الحديقة بالزينة التقليدية لحنة الرجال في بلدتهم. وضعت يدها على قلبها مباشرة، قلبها الذي يعتصر من الألم. ولكن مكالمة عبيدة لها منذ قليل وأنه قارب على الوصول هدأتها قليلاً.
★______★
ضرب عبيدة على المقود بعنف وصرخ بنبرة مرتعشة:
"الطريق بيطول كده ليه؟"
تنهد مازن بقوة وربت على كتفه يهدئه دون حديث، فقد قص له عبيدة منذ ساعات قليلة للغاية ما حدث، يعذره في خوفه وقلقه، بل رعبه عليها. صرح عبيدة بعشقه دون كلام، خوفه عليها وغضبه بتلك الطريقة جعلوا مازن يفهم شعور عبيدة، لذلك كان متعبًا طيلة أيام خطبته، يبدو أنه ليس الغبي الوحيد. ليس الوحيد من يحب بصمت دون البوح بمشاعره.
وها هما الآن يجنيان ما حصدوه من كتم المشاعر. صديقه يعشق ابنة عمته الصغيرة، الذي رآها مرة... مرة واحدة وأصبح عاشقًا مجنونًا بكل ما تحتويه الكلمة من معنى. حب وعشق بصمت، عشق تغلغل لأعماق قلبه، وما أقساه العشق من طرف واحد وهو يعلم كثيرًا. فهما يمران بتلك التجربة القاسية، ولكن ما أقساه في حالته هو أن من يعشقها تعشق آخر، بل والألعن تعشق صديقه.
"اهدي يا عبيدة، إحنا الحمد لله هنوصل قبل ما أي حاجة تتم."
صرخ عبيدة بقسوة وقد احمرت عيناه للغاية وهو يزيد من سرعة السيارة:
"اهدي... دا برحمة أبويا لهدوس عليهم برجلي، ولاد الكلب اللي ضربوها وأذوها وعاوز دكر فيهم يقف قدامي."
تأكد مازن بالفعل أن عبيدة وصل لمرحلة الجنون. أغمض عينيه قليلًا وتخيل غالية مكان تلك الفتاة وعلم أنها ضُربت وتأذت. نفض تلك الفكرة عن عقله سريعًا، لم يستوعبها من الأساس ولن يتحملها، وبالفعل من يأذيها سيأكله بأسنانه حتى يطلب الرحمة، ولكن عبثًا لن ينالها.
أخيرًا، بعد قيادة السيارة على سرعة عالية جنونية وبعد عدة ساعات كان القلق والرعب بلغ به مبلغه، وقفت السيارات الأربع أمام بوابة سوداء كبيرة، وجدها مفتوحة على مصراعيها فدخلها دون استئذان، والثلاث سيارات مثله.
هبط عبيدة من السيارة بشكل متأهب كأنه على وشك قتل أحدهم، ودخل بخطى راكضة وهو يصرخ باسمها بصوت عالٍ:
"أوليــان..."
ابتسمت نجلاء بفرحة وهي تسمع صوته في الأسفل، بينما أوليان ما زالت كما هي نائمة، لم تفتح عينيها حتى.
في الأسفل، دخل عبيدة ومازن ووقفا أمامهما ناجي ويوسف، الذي قال بصوت عالٍ غاضب:
"انت مين يا جدع انت وكيف تدخل سرايا ناجي بالطريقة دي؟"
نظر إليه عبيدة نظرة قاسية، فقد تكون الجحيم داخل مقلتيه المشتعلة، بينما صاح ناجي بتساؤل:
"ما ترد يا جدع انت كيف تدخل علينا إكده؟ أنا بشبه عليك بس مفكرش انت مين."
اقترب عبيدة عدة خطوات وقال بصوت مزلزل يرتعد منه الأبدان:
"أنا اللي هندمكوا هنا نفر نفر... هخليكوا في الصعيد كله متسووش جنيه، هخلي العيل الصغير يشوفكوا يضحك عليكوا، هخليكوا عبرة."
ضرب ناجي بعصاه الخشبية الغليظة أرضًا بقوة وصاح محتدًا:
"الزم حدك يا واد انت واعرف انت بتكلم مين زين، لاحسن أدنك مطرحك."
وقفت نجلاء أعلى الدرج وصاحت بإستغاثة:
"عُبيـده..."
رفع عبيدة رأسه بلهفة واتجه إليها راكضًا، وقف يوسف حائلاً، ولكن عبيدة دفعه بقسوة أوقعه أرضًا وصاح في الرجال بنبرة عالية حادة:
"محدش يطلع من هنا، خصوصًا ابن الكلب دا."
قالها وهو يشير إلى يوسف الملقى أرضًا يتأوه، فهو بمقارنة بعبيدة كالقط في مواجهة الأسد بسبب ما يتناوله من مخدرات وتجرعه للخمر بكثرة.
صعد عبيدة الدرجات بسرعة قصوى، فكان يصعد بالثلاث درجات مرة واحدة، وما إن وقف أمامها صاح بلهفة ورعب لا يستطيع تخبئته:
"أوليــان... أوليــان فين يا عمتي؟"
أحيانًا كثيرة يتألم القلب بقسوة ما إن يشعر فقط بألم من يعشقه، وهي تألمت وعانت منذ سنوات وهو شعر بمعاناتها دون حديث.
رواية غزالة عبيدة الفصل الخامس 5 - بقلم فاطمه عماره
تلك الدمعة الخائنة لا تهبط على الوجنتين بل تهبط على القلب مباشرة، تزيد ألمه واشتعاله.
وقف أمام فراشها ينظر إليها بصدمة شديدة، عيناه تراقب ملامحها بجزع، لا يصدق ما حدث لها. ملامحه استشاطت غضباً وأصبحت أكثر حدة و شراسة.
لم ينتبه لتلك الدمعة التي هبطت من يمناه، وتابعتها دمعة أخرى من عينه اليسرى، ألماً عليها. تحرك ببطء شديد نحوها، كأنه نسي كيف يمشي. يشعر بأن قدميه التصقتا في الأرضية بقوة.
وقف أمامها مباشرة وجلس موازياً لها على الفراش، عيناه تتفرسان النظر إليها بألم. وجد كفه تلقائياً يتحرك على وجنتيها برفق شديد، كأنه يخشى إيلامها. تنفس بقوة وهو يشعر باختناق شديد من رؤيتها في تلك الحالة الصعبة.
لم يهتم لوجود عمته أو لهبوط دموعه على الملأ، لم يهتم لسواها. ابتلع غصته بقوة، ماسحاً دموعه التي هبطت سريعاً، والتفت إلى عمته يسألها:
"نايمة بقالها قد إيه؟"
مسحت دموعها هي الأخرى، وما زالت عيناها لم تغادر رؤية ابنتها، وقالت بإرهاق شديد:
"من ساعة اللي حصل. أنا أدتها حبة منومة بس المفروض مفعولها يخلص من ساعات، بس زي العادة بتنام كتير وقت تعبها وزعلها."
انكمش وجهه بقسوة وسألها بنبرة حادة قليلاً:
"حصلها إيه قبل كده بالتفصيل يا عمتي، أرجوكي."
هبطت دموعها بكثرة وبدأت تقص ما عانته ابنتها منذ أكثر من ثلاث سنوات، وهو يتابعها في صدمة كبيرة وغضب أكبر. كاد أن يصرخ بغضب، ولكنه تذكر وجود أوليان النائمة في عالم آخر. مد يده وجذب خصلات شعره للخلف بقسوة وجز على أسنانه بقوة رهيبة، واندفع خارجاً متجهاً إلى الأسفل.
بينما جلست هي جوار ابنتها وهمست بألم:
"اصحي يا أوليان. اصحي يمكن لما تشوفي عبيدة هيعمل فيهم إيه، قلبك يرتاح شوية."
هبط الدرج بسرعة، وجد ناجي يسب ويوسف كذلك يريدان التحرر، ولكن هيهات. رجلان يتحكمان بناجي، ومازن يتولى يوسف بقبضة فولاذية قوية.
صاح ناجي بغضب شديد عندما وجد عبيدة يهبط الدرج:
"جاي بتتحامى في شوية رجالة؟ خليهم يبعدوا وغوروا من هنا من سكات."
لم يعره عبيدة أي اهتمام، بينما اندفع اتجاه يوسف الذي تركه مازن ولكمه بعنف. لكمة أوقعته أرضاً، وصاح بشراسة:
"بتتحرش بيها يا حيلة أمك؟"
انحنى وجذبه من خصلاته القصيرة وضربه برأسه في منحنى أنفه بغلظة أدت إلى نزيف بعض الدماء، وصرخ بغضب أعمى وهو يمسكه من تلابيب جلبابه:
"ده أنا هطلع عين أمك يا ابن الكلب، قسمًا بالله هخليك تكره اليوم اللي أبوك وأمك فكروا يجيبوك فيه."
قالها ولكمه بعنف مرة أخرى، فصاح يوسف متأوهاً بقوة وألم، وعبيدة لم يتركه، بل توالت اللكمات العنيفة، لكمة أعنف من الأخرى، حتى تمدد يوسف أرضاً متأوهاً بضعف، وناجي يصرخ بغضب ينادي على رجاله بالخارج ولكن دون فائدة.
أشار عبيدة لمازن، فاتجه مازن إلى يوسف ومسكه جيداً حتى لا يهرب من المكان، بينما تحرك عبيدة اتجاه ناجي الذي يصيح بغضب وقال بصوت عالٍ غاضب:
"أنا ماسك نفسي بالعافية إني أضربك وأحطك تحت رجلي زي الوسخ اللي هناك ده، لأن أنا راجل والراجل مينفعش يمد إيده على واحد أكبر منه، بس إنت راجل؟ لا، خسارة أقول عليك راجل."
نظر إليه باستحقار شديد وتابع كلماته بنبرة فظة قاسية:
"كلمة راجل خسارة فيك، إنت متستحقهاش. حبست عيلة مكملتش 15 سنة في أوضة ضلمة عشان تخوف أمها وتجبرها تعيش هنا. يا أخي ملعون أبو تفكيرك الغبي اللي شبهك وشبه أمثالك."
قبض على عنقه بقوة وتابع من بين أسنانه الملتحمة بغضب:
"سبت الوسخ اللي كان عاوز يستبيح جسمها ونزلت في الغلبانة اللي فوق ضرب، وحجتك إنه راجل."
التفت إلى يوسف وبصق اتجاهه بإشمئزاز، وصرخ في ناجي بعنف:
"هو فين الراجل ده؟ أنا مش شايفه."
"ورحمة أبويا لهطلع عين اللي خلفوكم، هخليكوا تبوسوا جزمتها عشان تخليني أرحمكم، وبرضه مش هرحمكم."
في الأعلى، أخيراً قامت بفتح خضراويتيها ببطء شديد، جعلت نجلاء تبتسم بفرحة وهي تركض اتجاهها. هبطت الدموع سريعاً من عينيها وتذكرت ما حدث عندما فقط فكرت بتحريك جسدها الذي ينهشه الألم.
مسكت نجلاء كفها وقبلته مراراً وتكراراً وهتفت بحب شديد:
"حبيبتي، الحمد لله. متقلقيش، والله ما في حاجة هتحصلك تاني. سامحيني، سامحيني يا بنتي عشان خاطري."
سمعوا جلبة شديدة بالأسفل أثارت فضول أوليان رغم ما بها، فهي لم تستمع لترتيبات الزفاف الكارثي، بل تستمع أصوات ليست مألوفة عليها، تصرخ وتسب في الأسفل.
ابتسمت نجلاء وهي تراقبها بحنان وقالت:
"ده عبيدة ابن خالك، كلمته عشان ينقذنا. عارفة إني اتأخرت في الخطوة دي. أنا بتمنى إنك تسامحيني يا بنتي."
قالتها بحزن شديد وسالت الدموع من عينيها بغزارة. التفتت أوليان برأسها تنظر إلى والدتها بابتسامة شاحبة وهي تؤمئ بعينيها، فهي حتى لا تستطيع الكلام والحركة، ولكن قلبها يدق الآن بعنف. هي حقاً ستذهب من هذا الجحيم، تكاد لا تصدق. فضولها زاد لترى ما يحدث بالأسفل، خاصة بعد ارتفاع أصوات السباب والشجار.
حاولت القيام وهي ترتكز على ذراعيها، فصرخت بألم شديد. نظرت إليها نجلاء بجزع وساعدتها في القيام. سالت دموعها وقد أيقنت أن ذراعيها جزعا أو ربما كسرا.
تنهدت أوليان بتعب وهي تحاول كتم ألمها داخلها، ونظرت إلى نجلاء برجاء وقالت:
"عاوزة أعرف بيعملوا إيه. أرجوكي ساعديني."
ساعدتها بلهفة، هي تريدها أن ترى ما يحدث بعينيها حتى يرتاح ويهدأ قلبها ولو قليلاً. تحركت أوليان بصعوبة بالغة، حقاً كل عظمة في جسدها تؤلمها بعنف، ولكن فضولها سيقتلها أكثر من ألمها في تلك اللحظة.
في الأسفل، بعدما بصق عبيدة في أثر يوسف بإشمئزاز، نظر إلى ناجي وابتسم بشر هامساً بفحيح أفعى سام:
"مش ده الراجل اللي إنت متفشخر بيه؟ أنا هحسرك عليه."
قالها ونزع من يده تلك العصا الغليظة التي ضرب بها أوليان، فقد قصت نجلاء له كل شيء بالتفصيل الممل. اتجه واقفاً أمام يوسف ومازن وقال لصديقه بابتسامة لا دخل بها للمرح:
"ابعد يا مازن وخلي الراجل يقف قدامي، أما نشوف راجل بجد ولا راجل خرع وطري، ولو إني عارف الإجابة."
ابتعد مازن ونظر يوسف إلى عبيدة بكره شديد، كاد أن يتحدث ولكنه صاح متألماً بصوت عالٍ عندما رفع عبيدة ذراعه الممسك به العصا وهبط بها على قدم يوسف بكل غلظة وقوة، وجلس أرضاً يمسك قدمه بألم كبير.
صرخ عبيدة بقسوة وهو ينظر إليه بعينين حادتين مشتعلتين قاسيتين:
"قوم اقف يا حيلتها، متبقاش عيل خرع. مش دي العصاية اللي جدك استقوى بيها عليها؟ أنا هخليك تصوت زي النسوان يا ابن الكلب."
قالها وهبط بضربه أخرى أشد عنفاً على قدمه الأخرى، ويوسف غير قادر نهائياً على المواجهة، وناجي يريد التحرر من بين يدي رجاله ولا يستطيع.
رمى عبيدة العصا بقوة على الأرضية، ووقف في المنتصف يتنفس بعنف وغضب شديد وهو يحدق بهم بقساوة، وقلبه مشتعل من الغضب والألم. صورتها على الفراش راقدة جعلت قلبه ينشق من الحزن والألم، يشعر بجسده يؤلمه بعنف كأنه من تلقى الضربات وليست هي.
اتجه عبيدة إلى ناجي مرة أخرى وقال بحدة من بين أسنانه:
"كنت عاوز تجوز أوليان للوسخ ده؟ لا، وكمان دُخله بلدي؟ أنا هخليهالك خرجة المحروس بدل دُخلته، بس إنت متقاطعش."
صرخ ناجي بعنف ووجهه مشتعل بغضب أعمى:
"لم رجالتك البهايم دول وهمل بيتنا وبلادنا، أكرم لك وغوروا من هنا. إنت داخل تتهجم علينا بشوية البلطجية دول، هوديكوا كلكم في داهية."
ضحك عبيدة عالياً بسخرية، زادت غضب ناجي واستفزته أكثر، وخصوصاً عندما قال:
"هتوديني في داهية؟ الداهية دي اللي انتوا هتروحوا فيها، بس إنت اصبر على رزقك."
التف عبيدة ليوسف الملقى أرضاً يتوه بصوت خفيض وعيناه ملتمعة بالوعيد والشر، واقترب حتى أصبح أمامه ينظر إليه من الأعلى بكبر وقساوة:
"كنت عاوز تتهجم عليها مش كده؟"
اتسعت ابتسامته المتوعدة الشيطانية وقال:
"أنا هخليك لا تعرف تلمسها ولا تلمس غيرها يا عين أمك."
قالها ورفع قدمه يركله أسفل بطنه بقوة، ليست مرة بل اثنتين وثلاثة، ويوسف يصرخ كـ المرأة التي تطلق تستعد لقدوم رضيعها إلى الحياة، وعبيدة لم يتأثر بصراخه ولا بدموعه التي هبطت من بشاعة الألم الذي يشعر به.
التفت عبيدة إلى ناجي يحدجه بقساوة وصرخ بصوت عالٍ مهدد:
"متطولش لسانك، أنا مش عاوز آجي جنبك، متحبرنيش أمد إيدي عليك وانت في سنة. ده واحد غيره يبقى مكسوف وحاطط راسه في الطين، وهو بعقليتك المتخلفة دي، إنت ولا تعليم ولا دين ولا أخلاق. ده ربنا سبحانه وتعالى كرم النساء ورسولنا الكريم كرمهم، تيجي إنت حتة عبد لربنا تهينهم وتذلهم."
"يمين بالله إن ما حطيت لسانك جوه بوقك، لحبسولك مدي الحياة وأخليك تتحسر على الراجل زي ما بتقول، عمرك اللي باقي كله، وأحبسك إنت كمان والتهمة معروفة. وأوليان وعمتي هاخدهم من هنا وراجل منكم يتكلم."
لم يتأثر ناجي بحديثه، بل اشتعل غضباً وقال بقساوة:
"هتاخدها بأمارة إيه؟ إياك بت ولدي الله يرحمه، متهملش البيت واصل، اللي على بيت جوزها اللي إنت موته في يدك، والليلة كانت حنتهم وبكرة دُخّلتهم. وانت مفكر بشوية البلطجية دول هتمنعوني عاد؟"
انصدم عبيدة من كم البجاحة التي يملكها شخص واحد بالعقلية والجبروت هذا، وفكر لثوانٍ كيف عاشت أوليان وعمته مع هذا الشخص طيلة السنوات الماضية، خاصة آخر ثلاث سنوات بعدما توفي زوجها؟ كيف تحملا تلك القسوة وتلك المعاملة التي لن يتقبلها أحد، والأهم كيف عاشت وتحملت تلك الغزالة؟
نزف قلبه من الألم وهو يتخيل معاناتها، وحقاً شعر بالغضب يجتاحه بضراوة، ليس من ناجي ويوسف فقط، بل من عمته، يكاد يشعر بالغضب اتجاهها أكثر من ناجي بشخصيته القذرة تلك.
اقترب عبيدة من ناحية وحدجه بنظرات قاسية وهتف بنبرة متحدية قوية:
"كلامك ده أبلعه وأشرب وراه شوية ميه. ولا فرح ولا دياولوا؟ فرح إيه يا حج ناجي؟ إنت عاوز تفضح نفسك وابن ابنك؟ أصل لمؤاخذة مبقاش راجل، ولو نِجِي وبقى راجل، فقدامه قول سنة ولا حاجة، دا لو نِجِي يعني."
تجهمت ملامحه فجأة وقال بشر:
"أنا سهل عليا أوي بتليفون واحد، ألبسكم إنتوا الاتنين قضية محترمة كدا بسبب اللي عملتوه فيها، بس السجن أكرم لكم من اللي هعمله أنا. هخليكوا تعيشوا عمركم تستسمحوها."
هتف يوسف الراقد أرضاً بحقد وهو ينظر إلى ناجي يواصل كذبته البشعة:
"مش قلت لك عاد يا جدي؟ شافتلها شوفة تانية عشان إكده رافضتني الليلة اللي فاتت."
التف عبيدة فجأة بغضب أعمى، صارخاً بسباب بذئ لاذع وهو يركض إليه ويلكمه بعنف شديد، ولم يتركه إلا عندما اتجه إليه مازن وحمله عنه، بعد عدة مقاومات شديدة، فكاد يوسف أن يلفظ أنفاسه الأخيرة بين يديه.
دفعه مازن بحده للخلف وهو يحول بينه وبين يوسف بقوة وهتف غاضباً:
"اهدى بقى، هيموت في إيدك، هتودي نفسك في داهية عشان حيوان زيه، هتستفاد إيه؟ المهم إنك لحقتها ولحقت عمتك من القرف ده."
وقف عبيدة يتنفس بعصبية شديدة وأخذ يسعل بعنف كأنه على مشارف الاختناق. وضع يده أسفل عنقه يدلكه بقوة، فكاد يفقد نفسه من عصبيته ودماءه الثائرة داخل أوردته من الغضب الشديد منهم.
اندفع مازن نحوه يسأله بتلهف شديد:
"مالك يا عبيدة؟ أجيب لك ميه؟"
في تلك اللحظة، جاءت نجلاء التي كانت تتابع كل شيء هي وابنتها من أعلى الدرج، تحمل بين كفها الأيمن كوب كبير من الماء البارد، أعطته إياه فتجرعه مرة واحدة وتنفس بقوة حتى شعر ببعض الراحة، ولكن غضبه لم يقل وعيناه لم تهدأ شراستها أبداً.
أما هي، تقف أعلى الدرج بوهن كبير، ولكن عيناها كانت تتابع ما يحدث بذهول. تتابع شخصاً لم تعرفه يثأر لها ويأخذ بحقها ببسالة وغضب كبير، كأنه يعرفها منذ سنوات. تابعت صراخه وضربه ليوسف وكلامه اللاذع الموجه لناجي بصدمة، ولكن شيئاً ما جعل شفتيها تنفرج بابتسامة باهتة متعبة بشدة.
كان قد هدأ عبيدة قليلاً من اختناقه، ولكن ما زالت نظراته القوية موجهة إليهم في توعد شديد، خاصة بعد ما قاله يوسف في حق أوليان والخوض في عرضها وشرفها بمنتهى الخسة والندالة.
صاح ناجي في تلك اللحظة بنبرة غاضبة:
"خلي رجالتك يهملوني وكفاية المسرحية اللي عملتها دي عاد. متفكرش إني هسكت على المسخرة اللي حصلت في بيتي دي يا ولد مصر."
اقترب عبيدة بغضب، ولكن منعه مازن بقوة، ولكنه هتف بشراسة:
"أعلى ما في خيلك اركبه. أوليان وعمتي هاخدهم ودلوقتي، ودكر فيكم يمنعني."
صرخ الجد بشراسة:
"هتاخدها بأمارة إيه؟ إياك."
ابتسم عبيدة بلا مرح. لم يكن يريد أن يحدث ذلك، يحبها ويعشقها ويريد وجودها بين أحضانه الليلة قبل الغد، ولكن تلك الطريقة التي سيحصل بها عليها، يعلم أن هناك عدة طرق لينتشلها مما هي به، ولكن تلك الطريقة التي ستجعلها أمامه في كل لحظة. سيتزوجها ويعلمها أن تحبه حتى لو بقدر ضئيل، إذا احتاجت سنوات، سيعطيها، لن يجبرها وبالتأكيد لن يتخلى عنها. فهتف بتحدٍ وقوة:
"هاخدها وهي مراتي."
شهقت بقوة في الأعلى بصوت رغم وهنه الكبير، ولكنه وصل إلى الجميع بالأسفل، فالتفتوا إليها. رمقها بحب حزن وجع واشتياق عظيم، وملامحه تصرخ بعشقها الدفين المحتل لجسده بأكمله، ليس قلبه فقط. يراقبهم الجد بغضب وقسوة، وكأن لسانه شل عن الحديث، لا يعلم لماذا. بينما نجلاء راقبت ابنتها بحزن، ولكن لم تجبرها على فعل شيء لا تريده، ستعلم من عبيدة لما يريد ذلك أولاً، ولكن لن ترغمها على فعل شيء، كفى، فسلبية دمرت ابنتها الوحيدة.
ابتلع عبيدة لعابه بصعوبة وأجبر جسده وقلبه تحديداً على الالتفات، وقد شعر بمشاعر مضطربة من شهقاتها ومظهرها ذلك، غير قادر على تحديد ما يشعر به. نظر إليها ناجي بأعين غاضبة وقال بتحدٍ:
"لو وقفت قدامي، وعد مني أحسرك على الحيوان دا عمرك اللي جاي كله. أوليان هتبقى مراتي وهاخدها وهمشي من هنا، ولو وقفتلي مترجعش تندم، وبرضه هاخدهم وأمشي."
نظر ناجي إلى يوسف الذي يتألم بقسوة، وشعر بالرهبة من تهديده. نظر إلى رجاله مرة أخرى وشعر بجدية حديث الآخر، فلم ينطق بكلمة واحدة. فابتسم عبيدة بتشفي وابتسم بمكر، سيفعل شيئاً يجعل يوسف لا يستطيع النظر في وجه أحد طيلة حياته القادمة.
التوى جانب فمه بابتسامة شرسة وهو ينظر إلى العجوز الذي لم يستطع النطق خوفاً ورهبة، رغم ابتسامته وعيناه اللامعة بالمكر، جسده مشتعل من الغضب وقلبه ثائر بعنف وهو يتذكر مظهر جسدها وشحوب وجهها.
نظر إلى رجاله وقال بنبرة قوية وهو يشير إلى الملقى أرضاً برأس مدرجة بالدماء بإشمئزاز:
"خدوه، ركبوه على حماره بالشقلوب ولفوه بيه البلد كلها، بمعنى أصح، زفوه."
نظر ناجي إليه بصدمة غاضبة وكاد أن يصرخ بحدة، ولكن أوقفه عبيدة وهو يخرج سلاحه ويشد أجزائه في تهديد غير مباشر، جعل أعين الآخر ترتجف بخوف، يلعن رجاله في قراره نفسه. نادى عليهم وصرخ بأسمائهم كثيراً، ولكن يتضح أنهم مهددون مثله في الخارج. اتجه إلى يوسف رجلان يحملوه رغم مقاومته وصراخه الواهن، فعبيدة قد أهلك جسده من شدة وعنف ضرباته.
التف عبيدة ينظر إليها في الأعلى، وعيناه تخبرها ما لا يستطيع التفوه به، خصوصاً في الوقت الحالي. نظر إليها نظرة اطمئنان وقوة، كأنه يخبرها أنه يستطيع فعل كل شيء فقط لحمايتها وإرضائها.
نظرت إليه بصمت شديد ودموعها تسيل بنفس صمتها، يكاد لا تصدق تلك الأحداث التي تتوالى عليها منذ أمس. وقعة اغتصابها التي نجت منها بصعوبة. الضربات التي تلقاها جسدها. أمر زواجها من يوسف. واليوم تتفاجأ بشاب لا تعرفه يثأر لها بضراوة وقوة كأنها قارورة غالية لديه. إعلان زواجه الذي أصدره منها الآن، وهي صامتة لا تبدي أي رد فعل. تهربت من عينيه التي تخترقها وتحاملت على نفسها لتذهب إلى غرفتها، تجلس على الفراش بشرود، ويحيطها هالة من الصمت المؤلم.
جلس عبيدة بإريحية تامة أمام ناجي ذو الوجهة المتجهم والأعين الحادة، يبتسم ببرود وقال بنبرة باردة جافة:
"وفرت عليك يا حج ناجي وحاسبت الرجالة اللي كانت جايه تفرش الصوان، أصلي قررت إني مموتوش، كفاية حسرته على نفسه بعد الزفة الجميلة اللي حصلت."
نظر إليه ناجي بوعيد شديد ولم يتحدث، كأنه نسي الصراخ والجحود. فقوة عبيدة ونظراته وما فعله بيوسف جعله يرهب ويخشي منه، خاف بشدة أن يؤذي رجله الوحيد، فصمت مجبراً.
رواية غزالة عبيدة الفصل السادس 6 - بقلم فاطمه عماره
6=غــزاله عُبيـده "روح فـي جسـدين" - الفصـل السـادس -
(( افــــراج))
السجن ليسه فقط بمكان معزول عن البشر ليُعاقب به الانسان المُذنب ... يُمكن ان يكن بيت او قصر شديد الجمال ويشعُر ساكنيه نفس إحساس السجن ولكن ألعن بكثير...فهي ليست مُذنبه ولكنها تشعر بكبت حُريتها وأشياء آخري اسوأ.
دخـل رجلان من رجال عُبيده والقوا يوسف ارضاً بعدما فعلوا ما أمرهم به عُبيده وأصبحت البلده تضحك بشكلٍ هيستيري علي مـا حدث فـ هذا الشاب المُستهتر حقاً تبغضه بلدته بأكملها ، ضحك عُبيده بإنتشاء وهو يتأمل حاله يوسف المزريه ويتأمل ببرود حاله ناجي الغاضبه المُشتعله فصاح بنبره بارده صقيعيه.
- هطلع كريم معاك يا حج ناجي وهودهولك المستشفي يشوفوا هيصلحوا فيه ايه اما انت فمشرفنا يا راجل..!!
نظر الي رجاله الذين حملوه مره آخري بآليه شديده خارجين به من البيت ، بينما نظرت نجلاء الي عُبيده نظره بإنها تريد التحدث معه فقام قائلا لمازن ورجاله
- الحاج ميتحركش من مكانه يا رجاله..!!
تحرك خطوات خلف نجلاء الي مكان هادئ ولكن عيناه كانت تجوب الارجاء في كل الاتجاهات يود رؤيتها قلبه يصرخ بعشقها الجنوني المتغلغل داخل أعماق قلبه
وقف أمام نجلاء وهو يعلم ما تريد قوله فتنهد وقال بصدق
- عارف انك مستغربه اللي قولته بس..!!
قاطعته بنبره جاده هي لن تفعل شئ يؤذي ابنتها ولن تجبرها علي فعل شئ كفي ما عانته من ظلم تعرضت له تلك المسكينه علي يدها فقالت
- عُبيده يا ابني اوليان داقت المُر ... اتجبرت علي كل حاجه في حياتها وللاسف كنت انا آداه في اذيتها وتعبها واللي حصلها من سنين بلوم نفسي كل ثانيه بس كنت خايفه مرعوبه ودا مش مبرر ... اتجبرت انها متكملش تعليم .... متخرجش من باب البيت اتحبست في اوضه ضلمه ليالي بتصرخ عشان انا اتهدد وأخاف ودا حصل وبقيت مرعوبه ليأذوا بنتي اللي محلتيش غيرها... مش هقدر اجبر بنتي علي حاجه تاني يا عُبيده أكيد فيه مليون طريقه غير جوازك منها
رد عليها بحرقه وقد فاض به الكيل فأعلن حبه لها
- فعلاً في مليون طريقه اني أخرجها من هنا هانم من غير ما حد ينطق ويفتح بوقه بحرف بس دي الطريقه الوحيده اللي هتريح قلبي اللي انكوي بنار حبها وبُعدها ليالي وسنين..!!
نظرت اليه بصدمه غير مصدقه لسانها يعجز عن النطق بينما ابتسم هو متهكماً حاله قلبه الذي ينبض بعشقها كل ثانيه وهتف
- ايوه بحبها ...بحبها في المره اللي شوفتها فيها يوم الوفـاه ، خطفتني رغم انها كانت بتعيط ومنهاره بس مش عارف ايه اللي حصلي كان نفسي اجري اخدها في حضني وامسح دموعها واقولها متعيطيش انا جمبك بس كنت متكتف مش عارف اعمل ايه غير اني ابصلها وبس ، لما سألتك يومها هي عندها كام سنه اتصدمت لما قولتيلي 15..!! ضحكت وقولت دي طفله يوم ما تتشد وتُعحب يبقي بطفله..!!
تنهد بتعب وهو يُقاوم ارتجافه نبرته بإعجوبه وأكمل حديثه مُتنهداً بإختناق
- ما انت بقالك سنين بتخرج وبتسافر وبتروح وتيجي ليه قلبك مدقش كده ، سافرت وقولت هنسي دا مجرد اعجاب لكن منستش بالعكس لدرجه اني شكيت اني اتجننت ومرت الايام والليالي...الشهور والسنين ومنستهاش منستش عيونها الحمرا من كتر العياط منستش شكلها بقيت انام احلم بيها لدرجه اني اتجنيت وسافرت المسافه دي كلها بس عشان المحهـا من بعيد وساعه ما لمحتها في البلكونه كان قلبي بيرفرف زي الطير المحبوس في قفص وأخيراً صاحبه قرر الافراج عنه بس عشان لمحتها من بعيد .
سكت يُراقب ملامحها المصدومه الغير مُصدقه وتابع بتعب شديد وإرهاق ليس ارهاق جسد بل ارهاق قلب ومشاعر غير قادر علي التحكم بها
- قولت اخطب يمكن اتلهي وانسي ومحصلش يا عمتي وبقيت احلم حلم غريب فسرته لما جيت هنا وشوفتها نايمه بحالتها علي السرير انا مبحبش بنتك انا بعشقها بجنون ومش هتنازل عن الفرصه دي...!!
أنا دلوقتي حر خطوبتي فسختها لان مش هقدر اظلم نفسي ولا الانسانه اللي خطبتها مشاعري كلها لاوليان..!!
كل كلمه تخرج من بين شفتيه تُزيد صدمتها حلقها جف من الصدمه وعيناها علي وشك الاستداره من الزهول ترجمت الان لما كل هذا الغضب لما فعل هذا بيوسف كانت تظن انه سيأتي ويأخذهم ويرحل لكن عندما جاء وسمعت صوت العراك والسباب حقاً صُدمت تلك اللحظه فقط ترجمت لما عُبيده كان غاضباً بكل هذا المقدار...!!
لا تعرف ماذا تقول وهو لا يريدها ان تتحدث فقط يريد اكتمال حديثه فقال بصدق شديد
- عمتي انا عمري ما هأذيها ولا هجبرها صدقيني انا مش هقدر أذيها مقدرش افكر حتي ... انتي ممكن متصدقيش اني بحبها بس انا فعلاً بحبها عاوزها تبقي تحت عنيا .... مش هصارحها بحبي وبالذات دلوقتي لانها مش هتصدق ومش هتثق فيا وحقها
- بنت مرت بكل اللي اوليان مرت بيه مش هتثق في حد بسهوله مش هتثق اصلا انا هعلمها تثق فيا هعلمها تحبني حتي لو ربع الحب اللي بحبوهولها مش هجبرها تحبني حبي ليها هيخليها تحبني انا واثق صدقيني يمكن انا اناني في تفكيري بس غصب عني ، صدقيني هعوض اوليان عن كل حاجه اتحرمت منها مش قصدي مادي بس معنوي
كان يتحدث برجاء وكإنه يهذي هو فقط يريدها ،، يريد ان تصبح علي اسمه وامام عيناه يريد رؤيتها كل دقيقه وثانيه لا يريد الانتظار ولن يحتمل الرفض ، ابتلع لعابه بتوتر وأكمل حديثه قائلا
- اطلعي اتكلمي معاها وفهميها انها فتره مؤقته بس لحد ما نمشي من هنا وسيبي الباقي عليـا..!!
حدجته بعدم تصديق لجنونه هذا وهتفت
- انا كدا هبقي انانيه...افرض محبتكش...افرض مرتحتش يا عُبيده الجواز مش كده مش لعبه يا بني...انا مصدقت انك جيت وانقذتنا من اللي كنا هنقع فيه اوليان لو كان حصل اللي عاوزينه مكنتش هتسامحني عمرها كله ،، اوليان طيبه ايوه بس مبتسامحش اللي يجي عليها ،، يوسف كانت بتاكله بسنانها وبتصده بكلامها كان رعبها الحقيقي هو ناجي ،، ما هتصدق تخرج من هنا عشان تشم نفسها وتحس بحريتها اقوم اقولها اتجوزي...!!
تحدث بلوعه وقد شعر بشئ ما يلتف حول عنقه يكاد يخنقه ويمنعه من التنفس براحه ،، يشعر بوخزات في انحاء جسده بالكامل تصرخ متألمه لتلك اللحظه يشعر بجسده يثور بالغضب من رؤيتها في حالتها الواهنه تلك
- انا مش هقيد حُريتها بالعكس انا هعوضها عن كل حاجه وحشه شافتها في حياتها ،، هنسيها التعب والالم اللي هي شوفتهم ،، هوريها الدنيا بعيني انا ،، مش هجبرها انها تحبني مش هجبرها علي حاجه ابداً ،، انا عاوزها تبقي تحت عنيا..!!
ابتلعت لعابها بحيره كل ما يقوله عُبيده في صالح ابنتها ،، عيناه تصرخ بعشقٍ ميؤوس تكاد لا تصدق انه حب ابنتها بنظره واحده ولكن هناك ادله معنويه تسكن عيناه تطمئن قلبها ،، تشعر بالراحه الشديده من كلامه لا تدري لما..؟!
ظل عقلها يعمل بسرعه قصوي وشعرت بالدوار من كثره الاحداث التي تتابعت فوق رأسها في عده ساعات فقط
نظرت اليه مره آخري وجدته ينظر اليها بتلهف شديد كإنه يتمني سماع إجابه مُرضيه تُريح قلبه الذي هُلك بحبها
اهتزت مقلتيها بحيره شديده وقالت بهدوء
- هقولها بس مش هقدر أغصبها انا مش عاوزه بنتي تكرهني ،، منكرش اني مرتحالك ومرتاحه لكلامك وحسه اني مطمئنه بس أولـيان أهـم...!!
ابتسم إبتسامه باهته تحمل توتر كبير ولكنه لن يتركها ولن يتخلي عنها مهما حدث ، تنهد بتعب شديد وهو يُتابع عمته تصعد الي أعلي فدق قلبه بقوه مخفقاً بمشاعره المضطربه..!!
عـاد الي البهو وجلس علي المقعد بكبرياء ليُشعل غضب ناجي الذي اسودت ملامحه غضباً وغيظاً منذ مجيئه إبتسم قائلا ببرود شديد
- متقلقش يا حاج ناجي المحروس زمانه في المستشفي بيصلحـوه...!!
في الاعلي كانت ممده لجسدها علي الفراش تشعر بألم عنيف يقتحم كل خليه في جسدها وقلبها يتمزع من الالم تنظر الي الاشئ بأعين حزينه منطفئه لا تعلم لما كل هذا الحزن التي تعيشه وهي لم تُكمل عامها العشرون بعد..!!
انحدرت دموعها كـ المطر الذي يسيل علي الارض بتتابع ، وأغمضت عيناها بقهر وشهقت بعنف وهي تشعر بوجع عظيم ليس مكان الضربات فقط ولكن في قلبها تشعر بقلبها يتمزع بلا رحمه
مسحت دموعها بكفيها اللذان يؤلمانها بقوه مما فعله الحقير يوسف ولكنها كبتت آلمها في قلبها ولم تنطق بحرف
تذكرت ما حدث منذ وقت قليل وما فعله إبن خالها التي تراه للمره الاولي تشعر انها رأته قبل ذلك ولكنها ليست متذكره تحديداً يمكن انها رأته ولكن بالتأكيد لم تتحدث معه ابداً..!!
تحولت ملامحها وهي تتذكر الضربات الذي لقنها ليوسف والسُباب وما فعله به في البلده بأكملها لما كان غاضب كـ الجحيم بتلك الطريقه..!!
ابتسمت ببهوت ليس لشئ ولكن لفضيحه يوسف وقهره ناجي العظيمه تلك شعرت ناحيتهم بتشفي وشماته كبيره تريد المزيد نيران قلبها لم تهدأ بالقدر الكافي
دخلـت نجلاء مُبتسمه الثغر رغم جروح قلبها وحزنها الشديد علي ابنتها لكنها بالفعل اطمئنت لعُبيده تشعر ان ناجي ويوسف لن يمرروا الامر مرور الكرام وحقارتهم ستجعلهم يثأرون من عُبيده وابنتها فـ آمن شئ ان تظل ابنتها مع عُبيده تحت كنفه فيطمئن قلبها حتي لو قليلاً
جلست جوارها وأغمضت عيناها بحيره وبالنهايه أخبرتها عن زواجها من عُبيـده ، شعرت أوليان بحزن عميق فـ لخروجها من هذا السجن أمامه زواجها من آخر...!!
هي تريد الخروج من المنزل لتصبح حُره هي ووالدتها يعيشون في سلام لا تريد الزواج منه أو من آخر هي فقط تريد حياه كريمه تكون هي مؤسستها وتفعل ما يحلو لها ، تريد ان تُكمل دراستها ، تري الحياه بأعين مُحبه ليست بأعين حزينه مقهوره مُجبره
ابتلعت لُعابها بقوه وامتعض وجهها من الالم الذي بلغ منها مُبلغه جسدها يؤلمها بشده وعيناها المتورمه تؤلمها ولكنها قالت بنبره قويه رغم ظهور الوهن بـهـا
- هو مذنبوش حاجه يربط نفسه بيا ويتجوزني عشان يخرجني من هنا ولو دا الحل اني اخرج من السجن دا فـ انا موافقه ونطلق بعدها بكام اسبوع زي ما قولتيلي يا ماما..!!
اومأت والدتها وهي تبتلع لعابها بتوتر ماذا ستخبرها ان عُبيده يعشقها وعيناه تصرخ بحبه الكبيره لهـا..؟!
هي نفسها عندما أخبرها عُبيده لم تصدقه وأوليان بعد ما حدث خصيصاً ستصبح انثي شرسه هي تعلم ذلك ولم تقتنع بأي شئ بسهوله بل من المستحيل ان تقتنع بهذا الامر خاصهً بعد ما تجرعته من ألم ،، من المفترض ان تكن كرهت الرجال جميعهم بعد ما عانته علي يد ناجي ويوسف فقررت الصمت ، وعلي وعدها مع عُبيده ان لم ترتاح ابنتها لن تجبرها ووقتها يُطلقها وكإن شئ لم يكن..!!
خرجت من غرفتها بعدما احتضنها بهدوء خوفً من ايلامها بينما فردت اوليان جسدها بتعب شديد وقد بدأت دموعها تهبط بحزن ووجع تمنت قتل يوسف تمنت ان تقف امامه وتصفعه بدل الصفعه مئه وألف حتي تهدأ نيرانها تمنت ان تقف امام ناجي وتصرخ بكرهها الشديد له .. لبيته ولتحكماته التي لا يصدقها عقل تمنت ان تقف برأس شامخه تضحك بإنتصار أمامه ولكن علي ماذا...؟!
فهي لم تفعل شيئا بيدها لم تأخذ حقها.. لم تثأر لنفسها بنفسهـا لتبتسم امامه منتصره...!!
بل هذا الشخص الغريب هو من فعل كل شئ كانت تود فعله ولكنها كانت مرتعبه خائفه ومقيده بأغلال و تحكمات عقيمه ليس لها صحه من الاساس..!!
ستنول الافراج علي يد شخصٍ لم تعرفه ستتزوجه حتي تُخلص نفسها من هذا السجن وبعدها ستري ذاتها ..ستُكمل تعليمها تنجح ووقتها تقف امام ناجي ويوسف برأس شامخ وابتسامه منتصره تعلو شفتيها ووقتها ستُحقق مرادها حُلمها الاوحد ان تكسر من كسرها ولو بعد سنوات...!!
هبطت نجلاء ونظرت الي عُبيده وأشارت اليه بعيناها ان ابنتها وافقت إبتسم ابتسامه واسعه ودق قلبه بعنف شديد يكاد ان يتوقف من عنف دقاته الهادره
هو يعشقها وهي حتي لا تعرفه لكنه سيُعلمها تحبه سيبدأ معها من الصفر سُيعلمها حبه كما يتعلم الطفل الصغير كيفيه القراءه و الكـتابه..!!
نظر الي ناجي بإبتسامه واسعه مُتشفيه قائلا بلهجه آمره
- كلم المأذون يا حاج نـاجـي......!!
تجهم وجهه ناجي بشده يشعر بإنه مقيد بأغلال لعينه منذ متي وهو لا يستطيع النطق..!! منذ متي وهو لا يصرخ ويسب ويسجن...!! لا يعلم ان القوي يوجد ما هو أقوي منه وفوقهم القوه الالهيه ...!!
خوفه علي يوسف يجعله مُقيد اليدين غير قادراً علي الرفض او حتي الاعتراض خوفه جعله غير قادراً علي الكلام حتي..!!
ابتسم عُبيده بإستفزاز وقـال : يالا يا حاج ناجي عقبال ما المأذون يجي ويكتب الكتاب يكون المحروس ابنك اترد علي البارد وشرف...!!
كإنه يهينه بتلك الكلمات التي يوجهها اليه كل حين وآخر عُبيده يقف بثبات زائف يريد الصعود اليها يريد رؤيتها ... يريد ان يُطمئن قلبه الخائف الذي ينزف قهراً..!!
بعد مرور ساعه واحده كان يجلس الجميع مُلتفين حول بعضهم علي مقاعد من النوع التراثي القديم والمأذون ينتصف تلك الجلسه كاد ان يبدأ كل شئ ولكن توقفوا فور جمله اوليان القويه المعترضه وهي تري ناجي يمد يده ليضعها في كف عُبيده.
- مش عاوزاه وكيـلي...؟!
نظر اليها عُبيده بتأثر وتعاطف شديد يكاد يقسم ان خلف تلك الفتاه التي تظهر قوتها ضعف وهشاشه كبيره ، يكاد يتحكم بنفسه بصعوبه وهو يراها امامه يكاد ان يغشي عليها من الالم والوجع فإبتسم في وجهها قائلا
- طالما مش الواصي يبقي مش شرط يا أوليان انتي تؤمري وانا انفذ...!!
رغم وهنها الشديد ووخزات الالم المنتشره في ثائر جسدها لكنها نظرت اليه بإندهاش عظيم ،، ابتسم في وجهها ثانيه وهو يقول بينما يشير الي مازن
- مازن صاحبي وزي اخويا وممكن يبقي وكيلك...!!
اومأت بصمت وأغمضت عيناها حتي انها لم تسمع جمله المأذون الشهيره التي دائما يقولها عقب الانتهاء من كتب الكتاب حتي انها مضت علي الورق بأعين شبه مغلقه وقد بلغ منها التعب مبلغه.
انصرف المأذون وعُبيده يتحكم في ضربات قلبه العاليه بإعجوبه يشعر من قوتها انهم يستمعون اليها ،، ابتسامته لم تُفارق وجهه لا يستطيع حقاً منعها رغم المه الشديد لرؤيتها بهذا الشكل
نظر عُبيده الي نـاجي وأخبره بنبره تهكميه ساخره
- المحروس زمانه جاي يا حاج متقلقش..!!
انتهي من جملته وبعدها بلحظات قليله دخل اثنان من رجاله يحملون يوسف بين ايديهم يكاد وجهه لا يري من اللاصقات الطبيه البيضاء ، عيناه متورمه من اللكمات العنيفه التي تلقاها في وجهه وجانبي عيناه ، نظرت اليه اوليان بشراسه وعيناها التمعت بالغضب والنفور ،، راقبها عُبيده جيداً
تنهد بعشق قبل ان يتـجه اليها وساعدها علي النهوض فأتأوهت بقوه جعلته يجز علي اسنانه بغضب آتي من أعماق الجحيم ،، نظرت اليه بإستفسار وتساؤل وهي تحاول الابتعاد عن ذراعيه فقال مُبتسماً بشحوب
- قدامك اهو اعملي فيه اللي يشفي غليلك ومحدش يقدر ينطق..!!
دق قلبها بقوه هي حقاً تريد تقطيع وجهه بأظافرها الحاده القاسيه ولكن نظرات ناجي اليها ارعبتها فإرتجف جسدها فرغم وجود الجميع معها الا ان ناجي يمثل لها هاله من الرعب ،،، لاحظ ارتجاف جسدها وتوتر عيناها فنظر الي ناجي وجده ينظر اليها بغضب وتحذير
رفع وجهها وقال بنبره قويه اخافتها هي
- بقولك لو عاوزه تعملي فيه حاجه اعمليها وانا معاكي وعاوز حد يقربلك او يبصلك بصه متعجبكيش وانا ويمين بالله اجيب عليها واطيها...!!
كانت نجلاء تراقبهم بإهتمام لا تصدق قوه عُبيده تلك وعدم خوفه لامت نفسها بعنف وانبتها هامسه بداخلها بليتها هاتفته منذ زمن بعيد..!!
اقتربت اوليان بخطوات مترنجه فجسدها يؤلمها بعنف رفعت ذراعيها اللذان يؤلمانها امام وجهه يوسف المُغمض عينيه غير قادراً علي فتحهم رغم سماعه لكل ش حوله ثم وبكل غضب وعنف غرزت اظافرها العشر بوجهه طولاً جعلته يصرخ بألم بينما كاد ناجي ان يتحرك فوجد نفسه مقيداً بأحد رجال عُبيده فصرخ بهم بعنف شديد
- مش عملتوا اللي ريدينه يلا هملونا وغوروا في داهيه..!!
اقترب عُبيده منه وقال بنبره قاسيه قويه ممتزجه بسخريه شديده
- لو خايف علي الراجل اللي حلتك ابعد عن طريق اوليان نهائي احسن اخليك تتحسر عليه...!!
وقفت نجلاء لاول مره مبتسمه الثغر بعدما رأت كل هذا يحدث بعيناها وقالت لعُبيده بصوتٍ عالي سمعه الجميع بوضوح
- خد اوليان وامشي من هنا يا عُبيده وانا هفضل يومين اطمن علي حق بنتي واجيب حاجتنا وهحصلكوا..!!
كادت اوليان ان تصرخ بذعر خائفه علي والدتها ان تنتظر هنا بمفردها لدقيقه واحده فسبقتها نجلاء بإبتسامه هادئه
- متقلقيش يا حبيبتي عُبيده هيسيب معايا ناس هنا مفيش داعي للقلق..!!
سكتت اوليان علي مضض هي حتي غير قادره علي الكلام او المناقشه لقد اُنهكت حـقاً تريد فقط الخروج من هذا السجن البشع والنوم حتي ان نامت علي الطريق في الشارع العام ..!!
اومأ عُبيده بعيناه فإبتسمت نجلاء وأمر اثنان من رجاله ان يظلوا معها حتي تغادر هذا المنزل القبيح هي الآخري
نظر عُبيده الي اوليان وجدها تكاد ان تسقط دون تفكير انحني بجسده واضعاً ذراع تحت ركبتيها والآخر في منتصف ظهرها وحملها تأوهأت بألم شديد من تعب جسدها وفرت الدموع رغماً عنها من مقلتيها ،، فتحت عيناها رافضه بإن يحملها ورغم وجعها فركت لينزلها ارضاً ولكنه قال بصبر ورفق شديد
- اهدي انتي تعبانه ومش هتقدري تمشي متخافيش انا عمري مهأذيكي
سكنت وخفضت مقاومتها ليس لحديثه اطلاقاً ولكنها بالفعل غير قادره علي السير او حتي الكلام فأغمضت عيناها مُستسلمه لمصيرها هي متيقنه انه لم يُصبح أسوأ مما مرت به...!!
همس عُبيده في اذن مازن ان يصعد الي السياره الآخري ويتركه بمفرده معها فإبتسم مازن مصدوماً ولكنه ضحك بخفوت علي جنون صاحبه ولبي طلبه بالفعل يتمني ان يتحلي بجنون عُبيده ويعترف بحبه ولكن كيف فشتان بينه وبين عُبيده...!!
وضعها في السياره بعدما فتح له مازن الباب فوضعها برفق حتي لا تتألم يكفي ما تشعر به من ألم ،، تجهمت ملامحه وهو يتوعد لناجي ويوسف بمذيد من العذاب فهم لم يرو منه شئ بعد...!!
استقام واتجه ناحيه الباب الخاص صاعداً الي السياره وقام بتشغليها مُتجهاً الي مسقط رأسه القاهره ولكن تلك المره وهي معه زوجته حتي وإن كانت تزوجته فقط لينتشلها مما هي بـه عكسه تماماً ولكن عليه الصبر...!!
قاد السياره بهدوء عكس مجيئه من عده ساعات كان يود الطير ليصلها سريعاً اما الآن لا يريد الوصول يريد فقط وجودها بجانبه عاتب نفسه سريعاً بعنف واذداد من سرعه السياره يريد الوصول الي اقرب مشفي للاطمئنان عليها.
اما هي قد أغلقت عيناها ونامت بالفعل غير قادره علي تحرك انمله من جسدها بينما هو يراقبها كل ثانيه..!!
بعد ساعه كان قد وصل الي المشفي اوقظها برفق ففتحت عيناها ببطئ وجدته مُبتسماً تلك الابتسامه المعتاده التي يرمقها بها منذ ساعات ،، وجدت نفسها امام المشفي وهي حقاً تحتاج لشئ يُسكن ألمها المنتشر فلم تحتج...!!
نصف ساعه كامله بالداخل يطمئن عليها وعلي احوالها وقد طمئنته الكبيبه بعدما نظرت اليه بشك عده مرات ولكنه فهمها الامر بإيجاز دون توضيح ودون الدخول في التفاصيل التي تزعجه وتنشط بركان غضبه ،، راعت الكبيبه كلامه خاصه مع نظره عيناه المُحبه القلقه علي تلك الصغيره المتألمه وكتبت ورقه مليئه بالادويه اللازمه فشكرها وخرج وهو حـاملاً اياها
مرت عده ساعات كان تعب بهم ولكنه تعب لذيذ غير مصدق لكونها بجانبه لم تتكلم فقط تُراقب الطريق ولكنها غير مُصدقه بالفعل انها خرجت من سجنها ولن تري وجهي ناجي ويوسف اللذان تمقتهم بشده وتمني السوء لهم دائماً وهو لم يزعجها هو فقط يُراقبها بإبتسامه صغيره .
في فيلا نصار كانت غَاليه قابعه في غرفتها بسنما غفت والدتها منذ ساعه وأكثر فقد تأخر الوقت كثيراً كـ عادتها تُراقب حساب فريد علي موقع التواصل الاجتماعي ووجهها مُتجهم غاضب حزين فثد نشر أمس واليوم عده صور له مُرافق لفتيات يبتسمان بدلال شديد وأحدهم تضع كفها علي ذراعه وهو مُبتسم إبتسامه واسعه فقط تريد ارسال رساله تسأله من هم ولما يأخذ صور معهم مُبتسماً هكذا ولما ينشرها من الاساس..!!
عده أسأله عديده في خيالها تريد فقط الاجابه عليها حتي تُريح قلبها..!!
تظن انها ستشعر بالراحه علي اجابتها إبتسم ساخره تزامناً مع هبوط دموعها ضربت قلبها بقوه توقفه عن دقاته الهادره وهي تلعن حظها وقلبها الذي احبه بمقدار لا يمكنها هي حتي تخيله...!!
وصل عُبيده أخيراً بعد تعب شديد منه ومنها هي أكثر الي الفيلا وقد غفت مره آخري فقد تعبت من طيله الطريق ،، هبط من السياره واتجه الي مازن والرجال وشكرهم بشده وقام بالاتصال علي الرجل الذي بعث اليه هؤلاء الرجاله وقام بشكره بحراره علي ما فعل وابلغه انه يريده في امر هام
بينما احتضن مازن عُبيده وقال بتنهيده
- مش عارفه اقولك ايه بعد جنان اليوم دا ،، بس كفايه لمعه عينك رغم الغضب والحزن اللي فيهم ،، مبروك يا صاحبي بس خد بالك رحلتك معاها مش سهله ابداً..!!
ربت عُبيده علي كتف صديقه وهتف بإبتسامه مُتعبه
- عارف يا مازن ادعيلي بس المهم انها معايا وتحت عنيا مش عاوز حاجه اكتر من كده..!!
ابتسم مازن واتجه الي سيارته صعدها وغادر وهو مُبتسماً بحزن شديد علي حاله..!!
صعد عُبيده الي السياره مره آخري وقادها حتي وصل الي الباب الداخلي للقصر بعدما فتحها أحد الرجال بالداخل
وقف عُبيده للحظات يتنهد ويتنفس بقوه كإنه يستعد لتلك الرحله الطويله المُجهده علي قلبه تحديداً وقام بفتح باب الفيلا ثم اتجه الي سيارته حملها ثم أغلق بابها بقدمه
تنفس بقوه انهم نائمون لا يريد الحديث او توضيح أي ش الان ما يريده هو وضعها علي الفراش لكي تنعم بأكبر مقدار من الراحه ويظل يراقبها الا ان يغفو..!!
دخـل الغـرفه وهو يحملها بين ذراعيـه وعيـناه تنظر الي وجههـا المشـوه من الضربات القاسيه التي تلقتها من هذا اللعين الذي أقسم أن يذيقه الويلات ، شعر بقبضه قاسيه تعتصر قلبه وهو يراها في تلك الحاله
عيناها حمراء بها بريق الشر والوعيـد وجهه مُتشنج وقلبه يرتجف وهي بين ذراعيه بهذا الوهن الكبيـر
وضعها علي الفراش بحذر وكإنها آنيه فُخاريه سهله الكسر وبـدأ في إبعـاد ثوبها الصيفي الخفيف ليري جسدها المشوه من الضربات كـ وجهها ، تفاقم الغضب وهو يتخيل كم المعـاناه التي تعرضت لها
في تلك اللحظه فتحت عيناها الخضراوتان ببطئ وصاحت متأوهه وهي تتحـرك ، فإبتعد قليـلا عنها حتي لا تفزع من رؤيته بهذا القرب المُميت
نـظرت اليه وارتجف جسدها وهاجمتها ذكريات الساعات الفائته فتشنج جسدها برهبه وبدأت في البكاء بخوف بصوت عالي مزق نيـاط قلبه كانت تتحلي بالقوه ولكنه كان يعلم ان خلف قناع القوه ألم وضعف كبير..!!
اقتـرب منها وحاوط منكبها المُرتجف بحمايه وقال بنبره بها قدر عالي من العشق والحنان
- اهدي انا آخر واحد تخافي منـه ، آخر واحد ترتعشي وانتِ بين ايديه ، انا عُبيده جوزك وسندك واللي هيحميكي من الدنيـا بحالها إهدي..!!
لم تهدأ بالعكس اذداد حديثه بكاءها تذكرت انه تزوجهـا ليُبعدها عما كانت به..!! طلبته والدتها ليُنقذها من الموت..!!
تزوجـها وهو لم يعرفها ولم تعرفه..!!
وافقت علي زواجهم لينتشلها مما هي به..!!
ابتلع لعابه بتوتر وهو يجد حالتها تذداد سـوأ يريد ان يجذبها ليعتصرها بين ذراعيه ولكن الصبر يجب ان يتحلي بالصبر قليلاً ووقتها يفعل ما يريد
ربت علي ظهرها بحنان ورفع ذقنها لتنظر اليه بعيناها الباكيه وشفتيها المُرتعشه المتشققه بفعل الضربات وهمس بصوت مُرتجف
- اهدي متعيطيش يا أوليـان مش عاوزك تخافي ، هنا مفيش حاجه تخوف محدش يقدر يهوب منك صدقيني اللي هيعملها هقطعهولك بسناني ، اللي آذاكي هـ أذيه ، صدقيني هخليهم يتمني يبوسوا رجلك عشان تخليني ارحمهم ....!!
هـدأ جسدها نوعاً مـا لا تعرف لما يُعاملها بهذا الهدوء والحنان التي لم تشعر به بعد وفاه والدها ، عيناه تشُعان رأفه وحنان غير طبيعي ، وجدت خوفها يقل وارتعاش جسدها يستكين وهمـدت ونطقت بجمله واحده
- انا عطشانه أوي...!!
وكإنها عليها تطلب وعليه التنفيذ ، اتجه سريعاً الي البراد المتواجد بغرفته وأخذه منه زجاجه ماء بارده والتقط كـوب .... واتجه ناحيتها
بينما هي تراقبه بأعين شبه مغلقه وجسدها يؤلمها حد الجحيم ، نيران تشتعل في جسدها إثر ضربات الحزام الجلدي والعـصا الخشبيه الغليظه بدأ الالم بالتفاقم ولكنها صمتترغم نطهير الطبيبه لجروحها ولكن بدأ المها في التصاعد
وضع الكوب أمام شفتيها ولم يكتفي بل وضع كفه الايسر خلف رقبتها وساعدها في الارتشاف ، ابعد الكوب فسمعها تأن بألم كبير وقد بدأت الدموع تتساقط من مقليتيها من جديد فقال بوجع كبير
- بتتألمي مش كـدا...؟!
اومأت إيجاباً وهي تشعر بالنيران تنتشر في كل انحاء جسدها ابتعد قليلاً وأخذ حقيبه الدواء الصغيره وأخرج منها حبه الدواء المُسكنه قدمها اليها وقـال
- دي هتريحك شويه وهتقدري تنـامي..!!
اخذتها دون حديث هي بالفعل تريد اي شئ ليهدأ وجع جسدها ولكن وجع قلبها وجراحه النازفه ليس لها ما يُداويه..!!
كانت للحقيقه حبه منومه فهو يعلم ان جسدها يؤلمها وما كان عليه سوي فعل ذلك ، هو من طلب من الطبيبه ان تصف اليه دواء يُساعدها علي النوم ليس مسكناً فقط ، لحظات قليله وأسدلت جفونها علي خضراوتيها لتذهب في نومٍ عميق
بينما هو أخذ عبوه الكـريم الذي جلبها مع الحبه وبدأ في ازاله ملابسها العلويه ليُدهن جسدها المتورم في رفق ومع كل جرح يراه يتألم قلبه أمامه آلاف المـرات ،، انتهي مما يفعله فأتجه الي خزانه ملابسه والتقط منها تيشيؤت قطني ازرق اللون والبسها اياها في رفق وبعدما تأكد من البساه شد لباسها الصيفي من اسفل حتي لا يري جسدها بطريقه لا تعحبها ولا تعجبه هو الآخر
قام وبدل ملابسه غير قادراً حتي علي الاستحمام وجلس قُبالتها ،، انحني وقبل جبينها بحب شديد وهبطت الدموع من عيناه وغضبه لم يهدأ بعد..
وغضب العاشق لا حدود له خاصهً في اذيه من يؤذي من يعشقه وهو مقدار حبها في قلبه تخطي كل شئ حتي الجنون..!! عرض أقل
رواية غزالة عبيدة الفصل السابع 7 - بقلم فاطمه عماره
من صفات العاشق عدم شعوره بالإرهاق وهو يُتابع من يعشقه لساعاتٍ دون مللٍ او كلل، خصوصاً عندما يكون الاجتماع بمن يعشقه حلم بعيد كان يُصعب تحقيقه، وعندما تحقق يخاف قلبه أن يكن حلماً بالفعل لا صلة له بالواقع.
ها هو يجلس بجانبها على الفراش منذ ساعتين وأكثر، فقط يراقبها في صمت وعيناه ملتمعة بالدموع، يراقب وجهها الجميل حتى تشويهه بسبب الدرجات، لم يقل جماله.
يرفع كف يدها كل دقيقة وأخرى يُقبله بدفء كبير وهو يهمس بعشقه لها.
تنهد بحرقة وهو يرفع كفه يتلمس به وجهها المكدوم بخفة شديدة، ويسأل حاله: كيف تحملت كل هذا الألم؟ ماذا عانت؟ صرخت؟ بكت؟ ترجته أن يتوقف عن ضربها؟
هبطت دموعه من مقلتيه الغاضبتين وهو يتخيل الساعات بل الليالي والسنين التي عانت بهم تلك الطفلة.
شعر بها تتململ، فكبت أنفاسه حتى لا تستيقظ، راقبها بشغف تتحرك على الفراش يميناً ويساراً وتتأوه، ولكنها مازالت نائمة مغمضة العينين. تنهد بحرقة ومازال يتابعها في صمت.
نظر إلى الكومود وفتحه بهدوء، وأخذ دفتره وقلمه، نظر إليها وابتسم باتساع، وبدأ يُسجل:
"منذ ساعات مضت كنت أكتب إليكِ وأشكي بُعدك... أنتِ الآن جانبي بل أصبحتِ زوجتي، وأشعر بفرحة عارمة رغم كل ما بي من ألم وغضب كبير، ولكن بالاضافة إلى ذلك أشعر بأميال تفصلنا، ولكني سأزيل ذلك الفاصل سريعاً. سأعلمك تدريجياً كيف تثقي بي قبل أي شيء، ثم بعدها تبدأ المرحلة الثانية وهي الأصعب، أن تحبيني ولو بمقدار ضئيل، وهي الأصعب لأن القلب ليس له سلطان ولم يقدر أحد على التحكم به، وهذا ما أخشاه يا أوليان... فأنا أعشقك بينما أنتِ لا."
انتهى من سرد ما يشعر به، ونظر إليها بمشاعر كثيرة متعددة، أكثرها العشق، ولكن براكين غضبه مازالت ثائرة، كل ذرة في جسده تشعر بالألم وهو يراها في تلك الحالة.
أغمض عينيه قليلاً دون أن يغفو، هو فقط يفكر فيما يجب عليه فعله معها، هل سيستطيع التحكم بشكل كامل في مشاعره؟ أم سيصرخ بحبه لها بمجرد فتح عينيها؟
ظل يفكر في هذا الأمر طيلة الليل دون أن يريح بدنه المنهك.
***
في صباح اليوم التالي مبكراً، لم يمل من مراقبتها، لكنه يريد أن يهبط ليحضر إليها طعاماً خفيفاً لتتناول الجرعة الثانية من دوائها، لذلك قام وخرج من الغرفة بعدما ألقى عليها عديد من النظرات التي يشوبها القلق والحب.
فتح الباب وكاد أن يهبط، ولكنه نظر إلى غرفة والدته بتوتر، قليل عليه إخبارها بالأمر وإقناعها بما فعله حتى لا تشعر بالحزن لما فعله.
يعلم أن والدته تحبه هو وأخته أكثر من أي شيئاً في الحياة وتريد فقط إسعادهم، لذلك لن تعارض، هو تمنى ذلك وهو متجه نحو غرفتها.
فتح الباب بهدوء بعدما طرق، واستمع إلى صوتها يسمح بالدخول، ابتسمت فور أن رأته، فردها بتوتر شديد واقترب حتى جلس أمامها على الفراش. نظرت إليه بقلق لما صامت متوتر، عيناه مليئة بالأحداث، فسألته بنبرة قلقة:
"مالك يا عبيدة فيك إيه يا حبيبي؟"
لم يستغرب من شعورها اتجاه، فهي هكذا دائماً، هو ليس متوتراً لما فعله، هو فقط خائف ألا تحزن منه وتلومه، وهو الآن غير قادر على أي شيء.
نظر إليها نظرات مبهمة لم تفهم ماهيتها، وصدمها بجملة واحدة:
"أنا اتجوزت..."
نظرت إليه بملامح مصدومة كلياً، غير مصدقة ما سمعته للتو، فردت كلمته بزهول:
"اتجوزت؟"
حرك رأسه ببطء مؤكداً، فنظرت إليه وقالت ببهوت:
"اتجوزت إمتى وإزاي ومن غير ما تقولي يا عبيدة، أنت اتجننت؟"
قالت كلمتها الأخيرة بحدة نابعة من عدم تصديقها للأمر نهائياً، بينما هو نظر إليها باعتذار شديد، يعلم أنه مخطئ للغاية، فوالدته كانت أحق بأن تعلم كل شيء، ولكن لظروفه أحكام عصيبة.
مسك كفها وقال معتذراً:
"أمي أنا آسف، عارف إنك زعلانة بس هتقدري موقفي لما تفهمي."
وقفت بغتة وشدت كفها بعنف من يده، ومازالت توجهه لنظرات مصدومة، وردت بحزن بالغ:
"أقدر إيه وأفهم إيه؟ أفهم إن ابني جاي يبلغني بإنه اتجوز وجاي يبلغني زي أي حد، كتر خيرك يا سيدي إنك بلغتني، عاوزني أقولك إيه؟"
قام ونظر إليها برجاء وهتف:
"أمي ارجوكي افهميني، الحكاية غير ما انتي فاكرة، أنا هحكيلك كل حاجة."
بدأ يقص كل شيء لها منذ بداية عشقه الجنوني منذ سنوات حتى وقتهم هذا، وهي توسعت عيناها في ذهول وصدمة وهي تسمع حكايته الخيالية تلك، وجدت نفسها تدمع وتلتسم في نفس اللحظة. حزن قلبها لزواجه بتلك الطريقة غير المرضية، ولكن شيئاً ما داخلها يدق بسعادة لتحقيق حلمه.
هبطت دموعها وقالت وهي تُقبّل وجهه بين كفيها المرتعشتين:
"بتحبها وكاتم في قلبك كل الوقت دا، وقبلت تخطب عشان بس ترضيني وعشان تحاول تناساها. غلطت يا عبيدة غلطت يا حبيبي، أنت معملتش حاجة غير إنك وجعت قلبك الفترة دي كلها، وجع القلب علاجه صعب يا حبيبي. منكرش إني زعلانة وده غصب عني، كان نفسي أفرح بيك. وفنفس الوقت فرحت إن ابني أمنيته اتحققت وشايفه السعادة في عينك رغم حزنك وغضبك، بس سعادتك طاغية كل ده، وأنا زي أي أم بتتمنى السعادة لعيالها."
ابتلعت لعابها وقالت بضيق:
"أول حد غلط في كل ده هي عمتك اللي قبلت إن بنتها يحصل فيها كل ده. أنا مش قادرة أحط نفسي مكانها، مش عارفة كنت هعمل إيه، بس كنت هموت من الوجع وأنا شايفه بنتي بتتدمر جنبي."
ارتمى في أحضانها بقوة، كأن أحداث اليوم تتوالى عليه تباعاً، يشعر بضيق شديد في التنفس كلما تذكر معاناتها تلك وهي بعيدة عنه، ولكنها الآن أصبحت بجانبه وعلى اسمه، سيفديها بروحه حتى تخرج من جسده.
ربتت على جسده بحنان شديد وهمست تسأله:
"المهم يا حبيبي هي عاملة إيه دلوقتي؟ لسه نايمة؟"
أومأ إيجاباً وأخرج صوتاً من حنجرته يدل على الإيجاب، ولكنه لم يبتعد عن أحضانها الذي شعر بدفئها وكم الحنان والراحة التي انبعثت بداخله، فقالت مبتسمة:
"أنت عاوز إيه يا عبيدة؟"
تلك المرة خرج ببطء من أحضانها ونظر بعمق إلى عينيها المنبعث منها الحنان، وقال بصوت متحشرج:
"عاوزها تحبني بس مش غصب، مش عاوزها تحبني لمجرد حبي ليها. أنا مش هعرفها إني بحبها رغم إني مفضوح بحبي ليها من تصرفاتي ومش هقدر أتظاهر بالبرود مستحيل، بس مش هعترف. عاوزها تحبني بمزاجها يا أمي، وتاخد الوقت اللي تحبه، لو سنين هستناها، عاوزها تحبني حتى لو ربع حبي ليها."
أدمعت عيناها متأثرة لحال والدها الوحيد، ولكنها أزالت دموعها سريعاً وقالت بمزاح:
"طبعاً هتحبك يا حبيبي، ده أنت ابني يا واد."
ضحك بخفة ومال مقبلاً جبينها بقوة وراحة شديد بات يشعر بها بعدما صارحها بكل شيء، وهي بكل صدر رحب استقبلته بحنان شديد.
لعب في خصلاته بقوة وحرك جسده يميناً ويساراً، يشعر بتشنج شديد في عضلاته، وقال بتثاؤب:
"أنا هروح أطمن عليها يا أمي، مهمتك غالية تعرفيها، عاوزكوا تقربوا منها وتطمنوها، هي بعد اللي شافته هتكون حريصة إنها متتكلمش مع حد، بس ارجوكي ساعديها تعدي المرحلة دي."
ابتسمت بإطمئنان وهي ترمقه بحب وفرحة لرؤية عينيه اللامعة تلك، وأومأت مؤكدة بصمت، فابتسم وخرج من الغرفة متوجهاً نحو غرفة أوليان أولاً يطمئن عليها، ومن بعدها يهبط ليحضر إليها وجبة خفيفة.
بينما جلست صفاء بإهمال على الفراش تفكر فيما قاله عبيدة بدقة، شعرت بألم يغزو قلبها من معاناة أوليان، تخيلت غالية مكانها فانتفض قلبها بخوف، سعيدة لرؤية الفرحة في عيني ولدها، ولكن رغماً عنها تشعر بحزن لما حدث، خصوصاً بتلك الطريقة.
ابتسم عبيدة ابتسامة واسعة وهو يقف يراقبها وهي نائمة بشغف، وضع كفه على خصلاته يبعثرها يميناً ويساراً، وابتسامته تتسع شيئاً فشيئاً، تنهد بصوت عالٍ وقرر الهبوط ليحضر وجبة خفيفة لها.
التفت وغادر بعدما ألقى عليها نظرة محبة أخيرة.
بعد مرور عدة دقائق، استيقظت من نومها الطويل بفعل حبة المهدئ، وفتحت عينيها ببطء، رفعت جسدها قليلاً عن الفراش ونظرت حولها بجهل، ولكن أغمضت عينيها فجأة بألم وقد تذكرت كل شيء.
رفعت عنها الغطاء فشهقت بخضة: أين ملابسها؟ فكانت ترتدي قميص رجالي أسود اللون وبنطال كبير. سمعت صوت أحدهم يفتح الباب، فنظرت اتجاهه، وجدته يطل عليها بابتسامته الدافئة ويحمل بين يديه صينية متوسطة الحجم ويقول:
"صباح الخير، بقيتي أحسن؟"
أزرقت لعابها بتوتر وخوف داخلي كبير، وأومأت بتردد، ولكنه سألته بنبرة خفيضة خجلة:
"هدومي فين ومين اللي غيرلي؟"
جلس بجانبها ورفع وجهها لتنظر إليه، نظر إلى عينيها بثبات وقال بنبرة جادة للغاية:
"أنا اللي غيرتلك، أنا جوزك، مش هكشفك على حد غيري حتى لو أمي، اتفقنا."
اشتعلت وجنتيها بحرج كبير وأبعدت وجهها عنه تنظر إلى اللاشيء بشرود، تنهد بقوة فما يريده مستحيل في هذا الوقت على الأقل، وضع يده على منكبها فانتفضت، فصك على أسنانه حانقاً من خوفها منه، وقال بصوت حاول بث الهدوء به:
"قولتلك متخافيش، أنا مستحيل آذيكي."
التفت بوجهها لتنظر إليه بأعين مليئة بالدموع، تنظر إلى وجهه بتفحص بعمق تبحث عن الشر والقسوة بعينيه، ولكنها لم تجد غير الهدوء والحنان، ابتسامته دافئة ليست خبيثة كالابتسامة التي رعبتها.
هبطت دموعها واحدة تلو الأخرى، وقالت متسائلة بصوت مرتجف مهزوز:
"ليه... ليه عملت كل ده؟"
ابتلعت لعابها باختناق ووضعت الغطاء على جسدها من جديد، وقالت بنبرة متعبة للغاية:
"أنت دمرت حياتك وأنت ملكش ذنب، بس متقلقش زي ما ماما قالتلك أول ما تيجي تطلقني وتعيش حياتك زي ما انت عاوز."
تلك المرة وجدت عيناه تحتد بطريقة أرعبتها حقاً، على صوت تنفسه بصورة ملحوظة، وضغط على كفيه بقسوة حتى ابيضت مفاصله، حاول التحكم بأعصابه بشتى الطرق، وقال بنبرة جافة غاضبة:
"مينفعش تبقي متجوزة امبارح وتتكلمي في الطلاق النهارده، ياريت ترتاحي شكلك تعبان."
قال حملته وانصرف مغلقاً الباب خلفه بعنف، بينما نظرت إلى أثره بعدم فهم لما تحول لتلك الدرجة.
فردت جسدها المتعب وأغمضت عينيها الحزينة تفكر في والدتها الذي يأكلها قلبها قلقاً عليها في تلك اللحظة.
بينما هو خرج من غرفتها متوجهاً نحو الحديقة يسير بها بوجه غاضب متجهم بدرجة كبيرة، قلبه الذي كان يرقص فرحاً لوجودها تصدمه في اليوم التالي بخبر الطلاق.
وقف قليلاً يفكر في رد فعلها، فردة فعلها طبيعية تماماً، هي لا تعرفه وتظن أنه لا يعرفها، ولكن بما سيخبرها أنه يحبها منذ أكثر من ثلاث سنوات، يحبها وهي فتاة ذات الخمسة عشر عاماً.
ابتسم بسخرية متألماً، حاله رد فعلها طبيعية لا قصي حد، ولكن درجة حبه لها ليست طبيعية.
قلبه كاد أن يشق صدره من عنف دقاته، قلبه يرقص فرحاً وعيونه يلتمع بها بريق العشق والخيال.
زفر بعنف وأخبر نفسه بأنه عليه الصبر لوقت طويل، طالما هي معه ماذا يريد أكثر؟ الإنسان بطبعه طماع، فهو كان يحلم فقط بالتحدث معها والآن تزوجها، أصبحت على اسمه، ماذا يريد أكثر.
ابتسم بخبث وأردف في نفسه: يريد احتضانها، يريد سرقة قبلة من شفتيها.
ضحك بخفة وهو يطرد تلك الأفكار الوقحة التي تهاجمه منذ وجودها في بيته وخاصة غرفته.
***
طرقت صفاء الباب عدة طرقات منخفضة هادئة وهي واقفة أمامه تتنهد، سمعت صوتها الضعيف فدخلت راسمًة ابتسامة صغيرة على شفتيها، حاولت أوليان القيام ولكن وجع جسدها الشديد لم يسعفها، فتحركت صفاء بخطى سريعة وساعدتها على التمدد بأريحية قائلة بنبرة هادئة:
"خليكي نايمة يا بنتي."
نظرت إليها أوليان بأعين شبه مغلقة حزينة ولم تتحدث، فربتت صفاء على منكبها بهدوء شديد وقلبها ينكوي حزناً وغضباً لما حدث لها، تبدو صغيرة للغاية على كم الألم التي عاشته وتحملته، سنها صغير على القهر والحزن التي عاشت بهم طيلة السنوات المنصرمة، تخيلت غالية مكانها فانتفض قلبها فزعة.
"أنا مش عارفة أقولك إيه، أنا صفاء مرات خالك الله يرحمه، أنت مش شفتيني قبل كده ودي غلطتنا. حبل الود كان مقطوع، أنا آخر مرة شوفتك كنتي انتي صغيرة أوي وكان مع خالك ربنا يرحمه، بعدها روحت هناك مرة مقابلة جدك محبتهاش فمرحتش تاني. يوم وفاة والدك كنت عاملة عملية غضروف في رجلي قبلها بكام يوم فللأسف مرحتش. أنا عاتبة عليكي وعلى ماما إزاي تسمحي لكل ده يحصلك وتسكتي، إزاي تتكلموا في الوقت ده بس والسنين اللي فاتت كنتوا فين؟ أنا لو شفت الراجل ده هاكله بسناني."
تتحدث بحدة والثانية تنظر إليها والدموع تهبط بقهر وجسدها يشتد ألماً عليها، وهمست بصوت مختنق:
"كنت كل يوم بفكر إزاي أهرب من المكان ده، ده مكنش بيت ده كان سجن، بس سجن كبير وسجانه ناس ظالمة متعرفش الرحمة، بس مكنتش بعرف، مكنتش لاقية طريقة أهرب بيها، أنا كنت ممنوعة من كل حاجة حتى إني أنزل الجنينة تحت، فإهرب إزاي؟ أمي حنية الدنيا فيها بس كانت بتقول مسيرهم هيتغيروا بس بعد ما كسروني ودمروني. أنا عمري ما هسامح."
هو خلف الباب يسمع كلامها بحرقة وقهر وقد تجمعت الدموع الكثيفة داخل مقلتيه تشعره بنار، جسده مشتعل من الغضب وقلبه يدق بقوة حزناً وألما عليها، سمعها تقول بصوت تحاول بث القوة به:
"أنا مش هعيط تاني، أنا ياما عيطت وياما اتوجع قلبي، كل حاجة لازم تتغير."
قالت جملتها ومسحت دموعها بعنف، فابتسمت صفاء باهتزاز بعدما مسحت دموعها هي الأخرى وتنهدت بخنقة واحتضنتها بهدوء، شعرت بجسدها ينتفض بين ذراعيها، فكانت تربت على جسدها بلين شديد.
هدأت أوليان كثيراً، فطرق عبيدة الباب مرة واثنتين ثم دخل حاملاً بين يديه صينية صغيرة موضوع عليها كأس كبير ملئ بالحليب الطازج، رأته صفاء فابتسمت ابتسامة خفيفة واستأذنت وخرجت، بينما جففت أوليان وجهها بالكامل، لا تريد أن تظهر ضعفها لأحد على الإطلاق، لا نريد أن يهبط من جفنيها دمعة أمام أحد مرة أخرى.
وجدته دون حديث يقدم إليها كوب الحليب، فامتعض وجهها وقالت بضيق:
"شكراً مش عاوزة."
راقب امتعاض وجهها البريء ونظرات الاشمئزاز التي تنظر بها إلى كوب الحليب كالاطفال تماماً، حافظ على جديّة ملامحه بصعوبة كبيرة حتى لا يضحك وتذهب جدية الموقف، وقال بهدوء:
"العفو بس لازم تشربيه، جسمك محتاج الكالسيوم اللي فيه وكمان انتي بتاخدي علاج."
نظرت إليه بحدة وقالت برفض:
"مش هشربه، أنا مبحبوش."
رفع حاجبه الأيمن ينظر إليها بتحدي، وقام. ظنت أنه خضع لرغبتها، ولكنها فاجأته وهو يضع كفه حول وجهها مجبراً فمها على الانفتاح، وباليد الأخرى يسيقيها الحليب رغماً عنها. أغلقت فمها بضيق وتقزز، فأردف بحدة:
"افتحي بؤقك واشربي اللبن، متتبقيش عيلة خايبة."
نظرت إليه بحدة لا تريد أن تفعل شيئاً مجبرة، فرفضت وحركت وجهها الناحية الأخرى، فزفر بضيق وقال بلهجة خشنة:
"أوليان اسمعي الكلام الله يصلح حالك."
نظرت إليه بضيق وقالت بحدة وصوت عالٍ:
"مش هعمل حاجة غصب عني، قولتلك مبحبوش."
تنهد وقد فهم معنى حديثها جيداً، عيشها كل الفترة السابقة بأمور لا تحبها وكانت مفروضة عليها، سيجعلها عنيدة شرسة لا تخضع لأمر بسهولة، فحاول الكلام بهدوء:
"أنتي مش هتعملي حاجة غصب عنك بس ده لمصلحتك، جسمك محتاجه."
استنشقت رائحة اللبن لقرب الكوب منها، فنفرت ملامحها وقالت بنبرة ممتعضة:
"لو سمحت ابعد الكبايه عني، أنا مبحبوش."
زفر أنفاسه بيأس، يبدو أنها عنيدة ورأسها متحجر بشدة، فتنهد بقوة وقال:
"شكلك عنيدة يا أوليان، وتمسكنا بالعند أوقات كتير بيخسرنا، جسمك محتاج لاهتمام، انتي تعبانة وبتاخدي علاج يهدم جبل."
نظرت إليه بملامح خالية ووجهه جامد ولم تتحدث مطلقاً، أغمض عينيه يطالب الصبر، فتلك هي بداية رحلته الطويلة معها، وهي حقاً طويلة للغاية وهذا ما يؤرقه.
قام متنهداً بتعب وقال:
"أنا مش هضغط عليكي يا أوليان، هسيبك ترتاحي."
قالها وغادر ولم ينتظر الرد، من الواضح أن الطريق معها صعب وعسر، ولكنه سيبذل قصارى جهده حتى يحصل على ابتسامة محبة منها.
أغلق الغرفة بهدوء ورفع أنظاره، وجد غالية تخرج من غرفتها ومن خلفها والدتها التي أعلمتها كل شيء، ابتسمت في وجهه بحب رغم خلافهم البسيط، فما كان منه سوى أنه يفتح ذراعيه على أوسعهم ليستقبلها بحنو بالغ، ركضت إليه وارتمت على صدره بقوة وبكت عيناها لكل ما تمر به من تشتت لتلك الفترة، ظن أنها تبكي لقسوته وحدته معها في الحديث، فهمس معتذراً:
"أنا آسف حقك عليا يا ست غالية، عارف إني زودتها معاكي حبتين بس ده من حبي وخوفي عليكي صدقيني."
شدت من احتضانه كأنها تؤكد له حبها الشديد وعدم استيائها منه، لأنه تعلم جيداً حبه الشديد لها، ابتسمت صفاء بمحبة وهي تراهم في هذا الوضع وتنهدت بقوة تفكر فيما سيحدث في الأيام المقبلة.
بعد ساعة جلس عبيدة في غرفة مكتبه في الطابق السفلي، يضع رأسه بين كفيه يفكر بها، حتى رن هاتفه، فوضعه على أذنه قائلاً بصوت مرهق:
"مازن معلش عارف إني متقل عليك يا صاحبي."
ابتسم مازن من الجهة الأخرى وقال بود:
"ملكش دعوة، المهم طمني عليك، أنت كويس؟"
تنهد عبيدة باختناق وقال بتشتت:
"صدقني مش عارف يا صاحبي، أنا تايه ومش لاقي مرسى، ادعي لي."
رد عليه مازن بهدوء قائلاً:
"اصبر يا صاحبي وبعد الصبر هتلاقي صدقني، المهم نفسك يكون طويل."
زفر عبيدة بقوة يطرد الهواء من رئتيه ليستنشق بعض من الهواء النقي وقال:
"هو فريد حب الموضوع ومطول ولا إيه؟"
ضحك مازن بقوة وقال مجيباً بتأكيد:
"واضح كده الباشا عجبه الجو هناك، أنت مبتشوفش صوره اللي بينزلها."
ثم تحدث بجدية قائلاً:
"بس الشغل كتير هناك فعلاً والاجتماعات مبتخلصش، يومين ولا حاجة وهنلاقيه ناطط هنا."
عاد عبيدة برأسه للخلف يستند على حافة المقعد الوثير، وقال:
"ياريت لآني مش هعرف أنزل الشركة اليومين دول وميبقاش كل حاجة مرمية على كتفك انت."
تنهد مازن وأردف بنبرة جادة:
"متشلش هم، أنت بس هسيبك ترتاح، صوتك تعبان، سلام يا بيدو."
ضحك عبيدة بخفة وأغلق الخط، وقام بإرهاق وتسطح على الكنبة الكبيرة الموجودة في الغرفة، مغلقاً عينيه سابحاً في النوم، وهذه الليلة دون كابوسه المزعج.
في الأعلى، تسطحت على الفراش بشرود وحزن كبير وقلبها يدق بخوف، لا تعلم لما، أصبحت متزوجة بين ليلة وضحاها، لا تعلم أتلك الليلة ستجعل حياتها تختلف للأفضل أم للأسوأ.
سيكون وافياً بوعده ويطلقها وتعيش حرة كما كانت تتمنى، وستعمل على تبديل حياتها كلياً للأفضل، أم ماذا سيحدث معها؟
فرت دمعة خائفة من عينيها وهي تفكر في والدتها التي مازالت في بيت الشياطين نفسهم، تُرى ماذا تفعل ولما أصرت على التواجد هناك؟ ولكنها اطمأنت قليلاً لتذكرها بوجود رجال عبيدة معها.
عبيدة!
ابتسمت بخفة لا تعلم لما، ولكنها غير مصدقة بالمرة ما حدث، ظهر في حكايتها كالبطل الذي جاء لينقذها مما هي به، تذكرت عنفه معهم، وطيف ضرب يوسف لينال منه ويثأر لها، رغم أنها لا تتذكر أنهم تحدثوا حتى ولو مرة قبل ذلك.
لما فعل كل هذا معها؟ عدة أسئلة عديدة تدور داخل عقلها لا تعرف لها إجابة مطلقة، تذكرت زوجة خالها الحنونة التي تدخل الغرفة فقط لتطمئن عليها وتخرج، وابنتها التي رأتها مرة واحدة اليوم ومبتسمة مثل والدتها.
غلبها النعاس وهي تفكر، فنامت وتلك الليلة تشعر براحة غريبة تسكن كيانها.
***
في الصعيد، ظلت جالسة أمامه تضع قدم فوق الأخرى وتنظر إليه بتشفٍ وشماتة شديدة، لا تختبر شعورهم من قبل، في تلك اللحظة نست بل تناست وصية زوجها وهذا رغماً عنها.
اتسعت ابتسامتها الشامتة وهي تراه ملامحه مسودة كالتراب المختلط بالماء وعيونه حمراء دامية، بالتأكيد يفكر في حفيده الأرعن الملقى بالمشفى بعظام مفككة من كثرة ضربات عبيدة.
أصدرت صوت من حنجرتها جعلته ينتبه، فنظر لها بغضب بائن، يمنعه عنها فقط حفيده الذي هو الآن تحت رحمة عبيدة، فلم ينطق بحرف، لكن ملامحه انتقامية شرسة.
ضحكت بشماتة وقالت براحة كبيرة تسكن قلبها الآن وتكلمت بإريحية شديدة:
"يااااه قد إيه أنا فرحانة دلوقتي، أنا مش فرحانة على قد ما أنا شامتة فيك وأنا شايفاك كده، إيد ورا وإيد قدام، مش قادر تعمل حاجة، عاجز عن حماية اللي مسميه راجل وحفيدك، أنت عاجز قلب ورحمة وتفكير. العاجز ديما مش اللي قاعد على كرسي مريض، العاجز اللي زيك كده، معندوش قلب يحس بيه ولا عقل يفكر بيه. هفضل عمري كله أدعي عليك وعلى يوسف ده لو قام منها، كل ما افتكر اللي عملتوه في بنتي هشمت فيكوا أكتر."
زادت نظراته غضباً شراسةً وعنفاً وهو يراها تجلس أمامه بتفاخر مبتسمة الثغر، وهو قلبه ينكوي على حفيده. زادت الطين بلة عندما وقفت وضحكت بعلو صوتها وأكملت حديثها وقالت:
"شايف نفسك دلوقتي، متسواش حاجة، فين حفيدك؟ فين ضهرك وسندك وعجازك اللي كنت واجع دماغنا بيهم؟ أنت فاكر يوسف الشمام هيبقي ضهر وسند؟ أحب أقولك إن يوسف ده اللي هيقطم ضهرك، واللي انت ضربتها وهنتها وكسرت عضمها مسيرها تقوى وتقف قدامك وتضحك عليك بعد اللي عملته فيها، اللي انت عملته مش قليل ولا يُغتفر، أنت هتعيش اللي باقي من عمرك لوحدك وهتموت لوحدك ودا اللي أتمناه."
لم يدري بحاله غير وهو يقف ويتقدم نحوها ببطء مخيف، وهي تستكمل حديثها الذي أشعر كتلة النار والغضب في جسده. لم يتحكم في نفسه وهو يطبق بكفه الغليظ حول رقبتها ويضغط عليه بعنف شديد يخنقها حتى أصبح وجهها شديد الازرقاق.
رواية غزالة عبيدة الفصل الثامن 8 - بقلم فاطمه عماره
شهقت بعنف وحاولت مراراً وتكراراً أن تدفع يده التي تُحاوط عنقها بقسوة، ولكن كفه كان يقبض على رقبتها ككلاب يصعب فكه. شهقت بعنف وكاد أن يستسلم لمصيرها، ولكن لحسن حظها ولآخر لحظة، ظهر رجل من رجال عبيدة ليطمئن عليها كما كلفه عبيدة. ركض ناحيتها يخلصها من قبضته الحديدية، دفعه بعنف حتى سقط أرضاً وهو يصرخ في الرجل الثاني حتى أتى راكضاً من الخارج وقام بربطه بشدة. بينما حمل الآخر شبه فاقدة الوعي ووضعها على الأريكة، وبعد محاولات لإفاقتها، فاقت شاهقة باختناق شديد، إلى السعال الذي جعل وجهها يستعيد احمراره وأدمعت عيناها بغزارة.
وقف الحارسان يلتقطان أنفاسهما المسلوبة. إن حدث لها مكروه، فعبيدة سيذيقهم الويلات حتماً.
تنفست بعنف وهي تضع يدها على صدرها الذي يعلو ويهبط بقوة ورئتاها تأخذ مقداراً كبيراً من الهواء، وتنظر إليه في كره شديد غير مصدقة عنفه هذا. وصلت لقتلها؟
بينما صرخ هو بها: "هجتلك يا مرة، مسيري هجتلك وأشرب من دمك النجس يا بت مصر."
نظرت إليه نجلاء نظرات كارهة فارغة، مستغربة بشدة كيف لهذا الرجل ذي القلب القاسي أن يكون والداً لزوجها نقي القلب شديد الطيبة وحسن الخُلق. نظرت إليه حقاً نظرات مشفقة، فمصيره بالنهاية الموت، ووقتها سيعلم أن ما فعله كان مخطئاً به في وقت لا تنفع فيه كلمة "يا ليتني".
تحدث أحد الرجال إلى عبيدة وأبلغه ما حدث، مما جعله يصرخ بهم بعنف وأمره أن يعطيها الهاتف ليطمئن عليها. وأول ما قاله بنبرة متلهفة:
"عمتي، انتي كويسة...؟"
أخذت عدة أنفاس متلاحقة وأردفت بنبرة خفيضة متعبة:
"أنا كويسة يا بني الحمد لله ربنا ستر، المهم طمني على أوليان."
تنهد بارتياح وقال بصدق:
"أوليان طول ما هي معايا متقلقيش عليها أبداً." ثم استرد قائلاً:
"أنا بس مش فاهم انتي ليه أصريتي تفضلي هناك..؟!"
نظرت إلى عيني ناجي مباشرة وقالت:
"كان في كلمتين محشرين في زوري من زمان كنت عايزة أقولهم، بس كنت خايفة بنتي تتأذي. فلما اطمنت إنها في حمى راجل، قلت أقولهم يمكن قلبي يبرد. متقلقش يا عبيدة، عندي مشوار أخير هعمله وبكرة هبقى عندكوا بأمر الله."
وافقها الرأي، وعندما تحدث إلى رجاله مرة أخرى، أمرهم بصرامة أن لا تغيب عن أعينهم للحظة واحدة. أما ناجي، فيتركه له، سيتصرف معه فيما بعد ويندمه على ما فعله.
***
في قصر "نصار".
وقف عبيدة في منتصف مكتبه يضع يده على خصلاته مروراً على وجهه يفركه بعنف وقوة، يفكر فيما سيفعله بناجي ويوسف، الذين بمجرد ذكر أسمائهم فقط تغلي الدماء داخل عروقه مسببة انفجار عظيم بأوردتهم. مجرد تخيلهم أمامه فقط يجعله يفكر في طرق بشعة للتخلص منهم، ولكن الصبر يطمئن على أوليان وعمته أولاً، وبعدها سيذيقهم الويلات البشعة واحدة تلو الأخرى حتى يطلبون الرحمة التي لن ينالوها أبداً في الدنيا على يده، وفي الآخرة أمام الله.
أخذ نفساً طويلاً وزفرة دفعة واحدة، وخرج متجهاً إلى الطابق العلوي حيث غرفته التي تسكن فيها الآن. دخل وجدها تجلس على الفراش تحاول القيام بتلهف، ووجهها وعيناها حمراء للغاية. ركض نحوها يسألها بتلهف وهو يساعدها على الاعتدال:
"مالك يا أوليان، فيكي إيه...؟ انتي تعبانة، فيه حاجة وجعاكي...؟"
نظرت إليه قائلة بنبرة خائفة:
"ماما، أنا عايزة أطمن عليها، أنا قلقانة أوي. بنادي عليكوا من بدري محدش بيرد، وأنا مش عارفة أتحرك."
حسّ به يخترق أحشاءه من مظهرها وصوتها الباكي المختنق، واحمرار عيناها الحزينة المنطفئة من الحزن واللامعة من الدموع، فقال بأسف:
"أنا آسف، كنت تحت في المكتب مسمعتكيش. وبعدين قلقانة ليه، عمتي زي الفل، متخافيش عليها."
نفضت برأسها وقالت بنبرة متوترة خائفة وهي تحاول أن تنظم أنفاسها تلك:
"لا، أنا قلبي مش مطمن، ارجوك خليني أكلمها."
ربت على خصلاتها برفق شديد كأنها طفلة صغيرة باكية، فقرر أن يفعل ما يحلو لها حتى تهدأ وتكف عن البكاء:
"حاضر، هعملك اللي انتي عايزاه."
أخرج هاتفه وقام بطلب رقم عمته التي لم تجب، نظراً لوجود هاتفها في الطابق العلوي، وهذا ما أقلق أوليان بشدة، فقام بطلب رقم رجل من رجاله الذي رد على الفور، فطلب منه عبيدة أن يوصل الهاتف إلى عمته التي أجابت بعد لحظات قليلة:
"أيوة يا بني..!!"
رد عليها مبتسماً وهو ينظر إلى أوليان قائلاً بنبرة ذات مغزى:
"أيوة يا عمتي، أوليان بس عايزة تطمن عليها، لأنها قلقانة. أنا بطمنها إنك كويسة ومحصليكيش حاجة، بس دماغها ناشفة."
أعطى الهاتف إلى أوليان وقرر أن يخرج من الغرفة بأكملها، تاركاً لها المجال لكي تتحدث بحرية وطلاقة. وبالفعل، بكت أوليان بعنف وهي تترجى والدتها أن تأتي سريعاً وتهرب من المكان الذي يبث الرعب داخل أوصالها.
هدهدها قليلاً ووعدتها أنها ستأتي غداً، فهدأت أوليان وابتسمت ابتسامة صغيرة. ها هو حلمها الصغير سيتحقق.
بعد ساعة، صعد عبيدة إلى جناحه يحمل بين يديه الطعام. دخل فوجدها كما هي جالسة لا تفعل شيئاً غير شرودها الدائم.
نظرت إليه باستغراب شديد لما هو مهتم بها بهذا الشكل، فزواجهم زواج للحماية لا أكثر. شعرت بالحزن الشديد عندما تذكرت لماذا تزوجا، فقط لكي ينقذها مما هي به. تداركت نفسها سريعاً عندما صاح باسمها بنبرة عالية قليلاً، وبعدها قال بابتسامة:
"سرحانة في إيه؟! ناديت عليكي كتير."
نظرت إلى يديها التي تفركها بتوتر وقالت:
"معلش، مخدتش بالي."
أردف مبتسماً:
"ولا يهمك، المهم يلا عشان تاكلي وتاخدي باقي علاجك، ولازم جسمك يدهن بالمرهم كمان."
تلون وجهها بحمرة قانية عندما تذكرت أنه من فعل وبدل لها ثيابها وعالج كدمات جسدها. ابتلعت لعابها بخجل، أما هو فكتم ضحكته بصعوبة ودقات قلبه تعلو بأنغام صاخبة، يشعر بشعور لذيذ للغاية من اقترابه منها. ما زالت المسافات بعيدة بينهم، ولكن يكفيه أنها أمامه الآن.
رفعت عيناها تنظر إليه قائلة بنبرة متلعثمة قليلاً:
"أنا مش جعانة، هاخد الدوا وهنام."
رفع حاجبه الأيسر ولم يعجبه كلامها تلك المرة إطلاقاً، وقال بنبرة جدية للغاية:
"لا بقولك إيه، شغل الأطفال دا انسيه. مش كل حاجة مش عايزة وملكيش نفس، انتي كده هيحصلك حاجة وأنا مش هسمح بكده."
جلس أمامها، وضع الجبن على قطعة خبز صغيرة وأمرها بصرامة:
"افتحي بؤك يالا."
نظرت إليه بتحدٍ وغضب، لا تعلم لما يظهر معه هو تحديداً، وكادت أن تتحدث، فقال بحدة:
"من غير رغي، افتحي بؤك يا بت."
شهقت بصدمة، فوضع قطعة الخبز داخل فاها وابتسم باتساع وقال بسعادة:
"شوفتي المسألة سهلة إزاي، ابلعي هتفضلي متنحة."
ابتلعت الطعام بمضض، تريد أن تمسك خصلاته الفحمية تلك وتحركها يميناً ويساراً بعنف يثير غضبها وغيظها بشدة، لا تعلم لماذا. شيء ما غريب تشعر به، لا تعرف ماهيته إطلاقاً.
ابتسم في وجهها قائلاً بنبرة هادئة حنونة للغاية:
"أنا مش بضغط عليكي ولا بعاندك، أنا بعمل اللي في مصلحتك يا أوليان، متأخديش الحوار على أنه عناد."
اقترب قليلاً حتى وضع سبابته وابهامه على ذقنها وحدثها بلطف:
"أنا فاهم ومقدر اللي انتي مريتي بيه، مقدر خوفك ومخاوفك، مفيش حاجة انتي خايفة منها هتحصل، ثقي فيا وأنا عمري ما هخذلك."
دق قلبها بقوة واجتمعت الدموع داخل مقلتيها. شعور قاسٍ عندما تشعر إن من حولك يعاملونك بشفقة لما مررت به، شعور لا تتقبله هي، شعور بشع، فقالت بنبرة مختنقة رافضة:
"أنا مش خايفة من حاجة، لو سمحت أنا عايزة أنام. ماما جاية بكرة وكل حاجة هتتغير."
دق قلبه بعنف وجمدت تعابير وجهه في لحظة وقرر عدم التحدث، فهو وهي في حالة لا تسمح لكلاهما بالحديث. وقبل أن يغادر، ناولها الدواء وقال:
"خدي دواكي عشان معاده عدى خلاص."
أخذت منه الدواء والماء بكف مرتجف ودموع رافضة الهبوط الآن، ولكن مشكلة غصة مسننة داخل حلقها. نظر إليها بحزن كبير، سيدمر العالم إن طلبت حتى يرى السعادة داخل عيناها. جاء بالدهان الخاص بالكدمات، فقالت بنبرة سريعة:
"أنا هحطه، شكراً."
خجلها ووجهه الأحمر وتلعثمها الشديد أجبروه على الابتسام رغم ما يمر به قلبه الآن، وقال بنبرة ماكرة:
"الكدمات اللي في ضهرك مش هطوليها."
لم تنظر إليه وقالت بوجهه شديد الاحمرار:
"لا، هعرف."
أعطاه لها بإبتسامة فقط لتصدق وتطرد من داخلها أفكارها الخاطئة، وهو لم ولن يجبرها على فعل شيء نهائياً. قرر ترك الغرفة بأكملها لتأخذ حريتها، ولكنه قال وهو يعطيها هاتف:
"دا تليفون، أنا هبات تحت عشان تبقي براحتك. لما تحتاجي حاجة كلميني، هتلاقي رقمي ورقم والدتك متسجلين عليه."
لم ينتظر ردها وغادر، بينما هي تعالت دقات قلبها بشكل ملحوظ، لا تعلم لماذا. بل وجدت نفسها تكشف عن ساقيها المكدومة وتدهنها بالدهان الخاص بخفة وهي تكتم صوت تأوهاتها، وكل كدمة تزيدها كره اتجاه ناجي ويوسف.
لم تكمل مداواة كامل جسدها وتمددت وذهبت في ثبات عميق. بينما هو يجلس في الأسفل شارداً بحزن عميق.
***
في صباح اليوم التالي.
الصعيد.
وقفت نجلاء أمام قبر زوجها ودموع عيناها تهبط بغزارة، تنظر إلى القبر بأعين دامية وقلب حزين متآكل من كثرة الحزن. تنظر إليه تريد التحدث حتى تخفف الحمل عن عاتقها، ولكنها تشهق بمرارة وتصمت.
حتى وجدت نفسها تندفع في الحديث دفعة واحدة وقالت:
"حاولت أنفذ وصيتك بس مقدرتش. أبوك قاسي وظالم، بهدلني وبهدل بنتنا الوحيدة. بهدل أوليان اللي معشتش حياتها. أنا دلوقتي ندمانة إني سمعت كلامك. أيوه، متزعلش من كلامي، بس أنا كنت هخسر بنتي بسبب وعد وعدتهولك. بنتك كانت هتموت يا أيمن."
صمتت للحظات تتنفس بهم وتمسح دموعها الغزيرة، واستطردت قائلة:
"عشنا 3 سنين كل يوم أسوأ من اللي قبله، بس أنا اللي غلطانة. كنت بعيط وأطبطب وبس. ليها حق أوليان تزعل وتبعد وتعزل نفسها حتى عني عشان شايفة أمها عاجزة، بتشوفها بتتضرب وبتتهان وبتسكت عشان خايفة."
"يا ريتني مشيت من زمان، يا ريتني اللي عملته من يومين كنت عملته من يوم ما أنت سبتنا ومشيت يا أيمن."
نظرت إلى القبر وملست عليه وقالت بحزن شديد:
"متزعلش مني يا أيمن، بس أنا مليش غيرها وكفاية اللي حصلها لغاية كده."
"تعرف عبيدة ابن أخويا طلع بيحبها وكاتم من سنين، أنا مكنتش مصدقة، بس تصرفاته، عينيه، غضبه، وضربه ليوسف بالقوة دي خلتني أصدق. أنا دلوقتي مطمئنة إن أوليان في ضهرها راجل. بس اللي مخوفني وواجع قلبي إن أبوك مش ناوي على خير أبداً."
"تخيل يا أيمن، كان هيقتلني، بس ربك سترها في آخر لحظة عشان خاطر أوليان. وحشتني أوي يا أيمن، هوصيهم لما أموت يدفنوني جنبك. مع السلامة يا حبيبي."
التفتت وخرجت من المكان بأكمله صاعدة إلى السيارة التي ستنقلها نحو القاهرة حيث ابنتها.
جلست تنظر خارجاً بأعين دامعة وقلب ممزق. تلوم نفسها بقسوة على ما حدث، فهي أولاً وأخيراً لها يد في أذية ابنتها وفلذة كبدها الوحيدة.
بعد عدة ساعات، وقف عبيدة خارج القصر منتظراً إياها حتى وصلت أخيراً. رحب بها ودخلا سوياً. وقفت صفاء تنتظرها وفي رأسها عتاب وغضب شديد، ولكن ما إن رأت شكلها وملامحها الباهتة، طردت كل شيء برأسها واقتربت منها تحتضنها بقوة، فأنفجرت نجلاء باكية بشهقات عالية مختنقة كأنها على وشك فقدان الحياة.
ربتت صفاء على ظهرها بحزن شديد وقررت عدم التحدث نهائياً في الأمر، فما حدث حدث وانتهى الأمر. ظلوا هكذا دقائق طويلة حتى هدأت نجلاء بشكل كبير وطلبت رؤية ابنتها، فصعد بها عبيدة. بينما دخلت صفاء المطبخ تشرف على الطعام وتساعدهم فيما يقومون به، ومعها غالية التي قررت ترك المذاكرة قليلاً فقد هلك عقلها كثيراً من كثرة المذاكرة والتفكير.
في الأعلى.
ابتسمت أوليان بسعادة وراحة شديدة عندما رأت والدتها أمامها وبين أحضانها سليمة معافاة لم يحدث لها شيء. انسحب عبيدة بهدوء مغادراً القصر بأكمله، فالصعيد ستطلب أوليان من والدتها الرحيل، ووقتها لا يعرف ما الحجة التي سيقولها لتبقى معه.
صعد إلى سيارته وظل يجوب بها الطرقات هائماً فقط يفكر، حتى مر الكثير من الوقت.
في الغرفة التي بها أوليان.
أخيراً انتهى العناق، فكبت نجلاء وجه ابنتها بين كفيها بحنان وقالت بندم وآسف:
"أنا آسفة يا بنتي على كل حاجة شفتيها بسببي، لو فضلت أعتذرلك من هنا لنهاية عمري، قليلة."
قاطعتها أوليان عندما تحركت بوجهها قليلاً وقبلت باطن كفها وقالت متنهدة براحة:
"خلاص يا ماما، اللي حصل حصل. المهم دلوقتي إن إحنا بعدنا وإنتي كويسة. دلوقتي عايزين نعيش في مكان لوحدنا، وعبيدة كتر خيره على اللي عمله."
قبض قلبها بلحظة وتهديد ناجي يتردد في أذنها بسرعة فائقة، فقالت بحنو:
"أوليان، لسه الحكاية مخلصتش يا بنتي. جدك مش هيسكت على اللي حصل له، ولا على اللي حصل ليوسف. إحنا محتاجين عبيدة معانا. هو وعدني إن عمره ما هيزعلك أو يخليكي تعملي حاجة غصب عنك، بالعكس يا حبيبتي، بس وجود راجل معانا مهم. أنا هبقى مطمئنة عليكي وإنتي مع عبيدة."
تجمدت ملامحها وكادت أن تتحدث، ولكن قاطعتها نجلاء وقالت بمحايلة:
"عشان خاطري يا أوليان، إنتي مش هتخسري حاجة يا حبيبتي. كل اللي هتطلبيه هيحصل. هنا مش زي هناك، هنا محدش هيجبرك على حاجة، كل حاجة بتتمنيّها وهتتمنيّها هتحصل. عبيدة هيحطك في عيني، لغاية حتى أما نشوف جدك هيسكت ولا لأ، لأني مش مطمناله."
قالت كلامها سريعاً حتى لا تقاطعها ابنتها، وبالفعل صمتت أوليان شارده وقد وقف عقلها عن العمل نهائياً.
ووقتها ابتسمت نجلاء براحة.
بعد نصف ساعة، عاد عبيدة إلى المنزل بجسد متعب وبذهن مرهق وقلب محب خائف. وكانت انتهت صفاء ومساعديها من إعداد الطعام، وما إن رأت عبيدة قالت بمزاح:
"جاي في وقتك، حماتك بتحبك. الأكل جهز يا حبيبي، يلا اطلع نادي لعمتك وهات أوليان عشان نتجمع كلنا هنا."
ابتسم ابتسامة خفيفة وصعد، وقبل أن يدخل، طرق الباب عدة طرقات خفيفة ودخل وقال:
"يلا يا عمتو، الأكل جهز ومفيش اعتراض، اتفضلي تحت، وأنا هجيب أوليان وأجي."
أومأت بابتسامة هادئة، بينما اتجه هو إلى أوليان وقام بحملها دون نطق كلمة واحدة. بحلقت بعينيها وبتلقائية وضعت ذراعيها حول رقبته بقوة خوفاً.
تقابلت الأعين في لحظات صمت، تعالت دقاتهم فجأة دون الشعور. هو يعلم تمام العلم لماذا، بينما هي مستغربة حالها بقوة.
هبط بها ووضعها بحنو على المقعد بجانب مقعده مباشرة، وتناول الجميع الطعام، وكانت أوليان تبتسم ابتسامات خفيفة فقط، أما الحديث فلم تشارك به نهائياً.
بعد الطعام، طلبت نجلاء التحدث مع عبيدة بمفردهم قليلاً. انقبض قلبه لوهلة ودخلا إلى غرفة المكتب وقال:
"خير يا عمتي."
تنهدت وقصت له خوفها من ناحية وتهديده الأرعن لها ولابنتها، وما قالته لابنتها، وهذا ما همه، فقال بلهفة:
"بجد يا عمتي؟"
اندفع واحتضنها بقوة، عابراً قبلة قوية على وجنتها اليمنى جعلتها تضحك بقوة وقالت:
"دا انت واقع خالص."
ضحك بسعادة كأنه وجد ضالته وقال بنبرة بها راحة شديدة:
"خالص خالص، هعمل مستحيل عشان أحميها وأحميكي، وطول ما أنا عايش محدش هيهوب ناحيتكوا يا عمتي."
تنهدت مبتسمة وقالت:
"حيث كدا ليا طلب كمان يا ابن أخويا."
ابتسم وقال:
"دا انتي تؤمري وأنا عليا أنفذ."
ابتسمت وقالت وهي تنظر إليه بحب:
"عايزة أعيش في مكان غير هنا، عايزة أوليان تبقى مع نفسها تشوف اللي حواليها بعيد عني. هبقى قريبة من هنا بس في نفس الوقت بعيدة، فاهمة؟"
فهم ما يدور في عقلها، فلم يعارض ووافقها على الفور ولبي لها طلبها رغم ضيق أوليان، ولكنها اقتنعت بطلب والدتها على مضض شديد.
رواية غزالة عبيدة الفصل التاسع 9 - بقلم فاطمه عماره
بعد مرور سبعة أيام كاملة، كانت أولين قد تعافت بشكل ملحوظ، خصوصاً باعتناء عبيدة الشديد بكل ما يخصها: طعامها، دوائها، ونفسيتها أيضاً. حاول تشتيتها مما هي فيه، وحاول أن يُنسيها ما مرت به، ولكن وضعها صعب للغاية، فما مرت به ليس هيناً على الإطلاق.
شعرت بضيق شديد عندما علمت بطلب والدتها في أن تنقل لمكان قريب، ولكن مع وجود والدتها الدائم معها طوال الأسبوع المنصرم عوضها كثيراً.
اقترب موعد امتحانات غالية، التي أصبحت متوترة كثيراً رغم مراجعتها ومذاكرتها الدائمة، ولكن توترها طبع بها يصعب عليها تغييره.
في غرفة غالية.
جلست أولين على مقعد أمام مكتب غالية، التي تضع وجهها بالكتب مبتسمة بشرود شديد. كانت دائماً ما تتمنى أن تُكمل دراستها، تجمعت دموع كثيفة في عيناها، ولكنها قررت أن تكملها من بداية العام القادم.
رفعت غالية رأسها ونظرت إلى أولين وقالت بنبرة على وشك البكاء:
حاسة إني نسيت كل حاجة يا أولين، مش فاكرة حاجة خالص.
زفرت أولين بيأس منها وقالت بحده:
ماهو من اللي انتي عملاه في نفسك يختي، طول اليوم عياط وتوتر، طبيعي هتنسي. اهدي وسمي الله وهتحلي.
هتنت غالية بتعب. يومان لم تذق للنوم طعماً بسبب خوفها غير المبرر، لكنها ابتسمت منذ ثلاثة أيام فقط وأصبحت هي وأولين أصدقاء بشدة. أولين مرحة، ولكن عيناها منطفئة حزينة. تألمت بشدة لحكايتها، فتاة في الثامنة عشر من عمرها وعاشت مرحلة طفولة صعبة للغاية.
حاولت أن تبتسم وتنسى أمر الاختبارات قليلاً، وقامت تفرد جسدها على الفراش بأريحية قائلة:
انتي عندك حق، أنا فعلاً متوترة قوي وخايفة زيادة عن اللزوم.
كادت أولين أن تتحدث، ولكن قاطعها دق سريع على باب الغرفة، ثم فُتح ودخل عبيدة، رأسه قائلاً بنبرة مرحة:
حد خالع راسه...؟!
ضحكت غالية بمرح. بينما ابتسمت أولين واحمر وجهها قليلاً وزادت دقات قلبها كالمعتاد عندما تراه أو تسمع نبرة صوته. تشعر بسخونة تجتاح جسدها، ولكنها سخونة لذيذة وشعور رائع، ولكنها ما زالت لا تفهمه ولا تستوعب كينونته.
دخل عبيدة وعيناه عليها، ينظر لأدق تفاصيلها، خاصة وجنتها التي اشتعلت بحمرة لذيذة محببة. وقال وهو يوجه حديثه لغالية:
ها الهانم لسه خايفة ومتوترة كالعادة ولا إيه الأخبار...!!
تنهدت بتعب وقالت وهي تنظر إلى كتبها:
حاسة إني نسيت كل اللي ذاكرته..!!
رد عليها ببساطة شديدة:
يمكن عشان متخلفة مثلا..!!
تلك المرة ضحكت أولين بصوت عالٍ جعل دقات قلبه تعلو بشدة، بينما زمّت غالية شفتيها وقالت بضيق وهي:
بقي كده انت ومراتك عليا، طب اتفضلوا بقي انتوا الاتنين اطلعوا بره وسيبوني أكمل مذاكرة..!!
جذب عبيدة رسغ أولين التي حاولت الإفلات، ولكنها لم تنجح، وقال بنبرة ساخرة:
قال هنطلع من الجنة يا أختي، سيبنهالك مخضرة يا ست غالية.
خرج الاثنان من الغرفة، بينما ابتسمت غالية بحب على لمعة أعين أخيها الذي تبدل حاله كلياً للأفضل بوجود أولين. دعت لهما بصدق أن يصلح الحال بينهما ويصلح شأنهما.
فتح عبيدة باب الغرفة يجر أولين خلفه برفق وابتسامة واسعة تعلو شفتيه، وقال قبل أن ترى أي شيء:
غمضي عينيكي بسرعة.
رفعت عينيها تنظر إليه بإستغراب، فزم شفتيه بضيق ووضع كفه على عينيها قائلاً:
أغمضلك أنا..!!
شدها حتى أصبحت أمام الفراش، ثم نزع كفه عن عينيها برفق وقال:
فتحي يا ستي.
فتحت عينيها تنظر إلى الفراش بصدمة وزهول غير مصدقة. كان الفراش موضوعاً عليه باقة ورد حمراء كبيرة وبجانبه ثوب من اللون الأسود. التفتت تنظر إليه بصدمة وقالت بعدم تصديق:
دول ليا أنا...؟!
ابتسم باتساع وأومأ إيجاباً وهو يراقب رد فعلها بأعين لامعة بشغف. ابتسم أكثر عندما وجدها تحمل باقة الورود بعناية وتنظر إليه بابتسامة لاول مرة يراها مرتسمة على ثغرها، ابتسامة حقيقية ليست مصطنعة ومزيفة.
اتجه يقف بجانبها وقال بنبرة حنونة:
لقيتك على طول زعلانة ومبتتكلميش مع حد، فكرت في أي حاجة ممكن تفرحك، فدماغي جالت لي: ورد وشيكولاتة..!!
- شيكولاتة؟! رددتها بفرحة وعيناها تنظر يميناً ويساراً تبحث عنها. فضحك بصوت عالٍ وأخذ حقيبة مزينة وقدمها إليها بابتسامة قائلاً بضحك:
أهي الشيكولاتة، متدوريش..!!
مسكت العلبة بابتسامة وقامت بفتحها، سرعان ما لمعت عيناها بسعادة غير مصدقة ما يحدث حولها. ورود وأنواع عديدة من الشيكولاتة. لم تعش تلك اللحظات السعيدة من قبل.
بينما هو يراقبها بشغف وحب كبير. فعل صغير منه جعل الابتسامة ترتسم على شفتيها. أقل شيء يجعلها سعيدة مرحة رغم ما مرت به.
جلست على الفراش تضع الورود بجانبها برعاية، خوفاً على الباقة كأنه طفلتها. ثم وضعت علبة الشيكولاتة على قدمها وقامت بفتح أحد الأنواع تتناولها بإستمتاع كبير، غير آبهة لوجوده إطلاقاً.
أراد مشاكساتها قليلاً فجلس بجانبها قائلاً وهو يأخذ العلبة منها:
دي بتاعتي، انتي ليكي واحدة بس...!!
خطفت العلبة منه بقوة ونظرت إليه بشراسة لازعة، وأخذت واحدة فقط وأعطته إياها، ثم قالت بأعين شقية لامعة:
لا العكس، دا كله بتاعي وأنا عطفت عليك واديتك واحدة كبيرة..!!
ردد بذهول:
عطفتي عليا..؟!
أومأت بضحك وهي تأكل بتلذذ من الشيكولاتة كأنها منبع سعادتها. لم يجد شيئاً سوى الابتسام بحب كبير وقال:
طب إيه رأيك في الفستان ده..؟!
نظرت إليه وقامت تمسكه بين كفيها بابتسامة جميلة وقالت بفرحة:
حلو... حلو أوي، ذوقك جميل ورقيق.
ابتسم بفرحة، فتقدمت نحوه وقالت وهي تنظر لعينيه بعمق:
شكراً.... شكراً على كل حاجة بتعملها يا عبيدة..!!
تزايدت دقات قلبه بشكل ملحوظ وهو ينظر إليها بابتسامته الرائعة، تنحنح وقال محاولاً أن يشتت انتباهه حتى لا يجذبها ويحتضنها بقوة:
طب إيه رأيك تلبسي الفستان ده النهارده وأخرجك تشوفي القاهرة..!!
وقفت للحظات تفكر فيما يقول... حقيقة أم خيال...؟! صدق أم كذب...!! تخرج من المنزل...!! تخرج لتشم هواء مختلف..!! لم تستطع كبت دموعها تلك المرة، وكل شيء حولها يحاول إسعادها، فلماذا لا تستطيع أن تكمل سعادتها وتنسى ما حل بها.
هبطت دموعها بصمت وقلبها يتمزق من الألم، ولكن جزء منه يلتئم شيئاً فشيئاً. صمتت ودموعها تهبط بغزارة. شعر بنصل حاد يمزق قلبه وهو يراها بتلك الحالة. تنهد متعباً، حزنها يمزق قلبها.
اقترب منها يربت على ظهرها بحنو، وجد نفسه يقربها منه بشدة حتى احتضنها برفق. شعور غريب اجتاحه بقوة وهو يشعر برأسها تستند على صدره براحة كبيرة.
رفع وجهها الباكي ونظر إلى عينيها وقال بصدق وهو يمسح دموعها بإبهامه:
كفاية حزن وبكا يا أولين... أي حاجة حصلتلك خلاص خلصت ومش هتتكرر تاني.
نظرت إليه تسمعه باهتمام، فأكمل بتوعد:
متفكريش إن ناجي ويوسف كده خلصوا مني، أنا بريحهم بس عشان ضربتي اللي جاية مش هيستحملوها. صدقيني هشفي غليلك منهم وهاخدلك حقك تالت ومتلت. ثقي فيا.
ردت دون تفكير:
واثقة فيك.
ابتسم بسعادة وانحنى يطبع قبلة مطولة على رأسها وقال:
عايزاكي تلبسي وبالليل هفسحك وهخليكي تغيري جو. ليكي عندي مفاجأة كمان.
نظرت إليه بابتسامة واسعة كأنها تسأله ما تلك المفاجأة. أخذ نفساً عميقاً وقال:
عايزاكي تقعدي مع نفسك تفكري، عايزة تدرسي في كلية إيه عشان أقدم لك فيها...!!
نظرت إليه بتفاجؤ. كانت هي تفكر كيف تخبره. أصبح يقرأ أفكارها أم ماذا؟ ابتلعت لُعابها وشعرت بسعادة لم تشعر بها من قبل، وقالت بسرعة:
فنون جميلة، عايزة أقدم فيها.
ابتسم بلمعان شديد داخل مقلتيه واردف:
عنيا، انتي تؤمري وأنا أنفذ.
ضحكت بسعادة، فغمزها بإحدى عينيه وقال:
ساعة وتبقي جاهزة، اتفقنا.
أومأت بسعادة، فتركها وخرج. جلست على الفراش تنظر إلى فراغه بابتسامة واسعة، دقات قلبها تطرب بسعادة لم تشعر بها قبلاً. نظرت إلى العلبة وابتسمت بصوت سعيد، وقررت أن تضعها داخل الكومود بجانب الفراش. فتحت الدرج بهدوء، كادت أن تضعها به، ولكن توقفت تنظر إلى داخل الدرج بفم مفتوح بصدمة. كُتيب صغير مكتوب على غلافه "أوليان.... غزالتي".
ارتعش كفها وهي تلتقط الكُتيب تنظر إلى عنوانه بزهول. أوليان هذا اسمها، لماذا؟
وضعت العلبة وشعرت بفضول شديد يتخلل خلاياها وهي تفتح أولى صفحاتها. أدامت عيناها وهي تتفقد وتقرأ بعناية ما كتب فيها. اهتمامه، لمعة عينيه، حنيته ليست شفقة كما كانت تعتقد..!! زواجه منها ليس للحماية كما ظنت..!! ضربه وسبه ليوسف وناجي ليس لأنه ابن خالها فقط..!! بل حبه لها كان الدافع الأول لكل ما فعله.
لم تشعر بدموعها التي تهبط على وجنتيها بغزارة، ولم تبالي لدقات قلبها التي تعالت بعنف. كانت تتألم هناك وهو يتألم هناك. كلامه شعر بالوجع والألم، ولكن بشكل مختلف.
تقرأ كل ما كتبه بخط يده بعناية وكفيها يرتعشان بقوة، وأصبحت شهقتها تتعالى وهي تقرأ كلمة بعد كلمة، صفحة بعد صفحة.
ابتسمت بدموع وهي تقرأ لقبها الذي لقبها به "غزالتي". حبه في صمت لسنوات وأيام طويلة. شعر بأنها صغيرة وهو يكبرها، فقرر دفن حبه ونفسه، ولكنه لم يستطع. حاول ولكن باءت محاولته بالفشل الذريع.
قرأت عن خطوبته التي كان يبلغها لها بكتاباته. حاول نسيانها ولم يقدر. لتلك الدرجة يحبها. شعرت بكل حرف كتب... شعرت بأنها ليست مجرد كلام وحسب. شعرت بدقات قلبها تعلو بقوة بعد كل كلمة تقرأها.
قرأت كل صفحة... كلمة وحرف وصلها كل حرف كتبه. دقات قلبها تعلو بصخب، دموعها تهبط بغزارة. وضعت الكُتيب مكانه وكأنها لم تقرأ شيئاً.
ابتسمت، وجدت ابتسامتها تتسع شيئاً فشيئاً. تنهدت بقوة ودخلت إلى المرحاض لتستحم وتجهز، ليس لتلك الليلة، بل لحياة جديدة كلياً عما مضى.
وآخر جملة تتردد صداها في عقلها هي:
فتحت خزانة الملابس التي بها كل شكل ولون هو اختاره بنفسه ووضعه في تلك الخزانة. أخذت ملابسها ودخلت المرحاض.
خرجت منه بعد عشرين دقيقة مبتسمة وبأعين لامعة، كأنها قررت أن تنسى ما مرت به وتبدأ حياة جديدة بها ما بها سعادة أو حزن، ولكنها تشعر بأنهما سيتخطون كل شيء سوياً.
لبست الثوب أمام المرآة، كانت في غاية الجمال والرقي. شعرت بفرحة عارمة وهي ترتديه. صففت شعرها برفق وجعلته على منكبها الأيمن، ولم تضع أي مساحيق للتجميل، وظلت منتظرة بعض الوقت.
بعد عدة دقائق، طرق عبيدة الباب ودخل مرتدياً حلة سوداء وحذاء أسود لامع، ولم يضع ربطة لعنقه، ويحمل وردة حمراء كبيرة من نفس الشكل الذي أعطاه إياها منذ ساعة.
وقف يتأملها للحظات بسعادة وقلبه يطرب ويرقص فرحاً. اقترب منها بابتسامة وقال:
إيه الجمال ده كله!
ابتسمت بخجل ولمعت عيناها بشدة، غير مصدقة. أسبوع فقط وتغيرت مجرى حياتها، أيعقل؟!
رفع كفه الذي يحمل الوردة وأعطاها لها بحب، فأخذتها منه ونظرت إلى عينيه ممتنة لما يفعله لأجلها، وقالت بهمس:
شكراً.
أخذ نفساً عميقاً يحاول أن يجمع شتات نفسه المبعثرة في حضرة وجودها. ابتلع لعابه بصعوبة حتى تحركت تفاحة آدم بشكل ملحوظ، وثنى ذراعه في دعوة منه لتضع يدها به، فوضعت دون كلام وابتسامة خفيفة ارتسمت على ثغرها.
نزل الدرج بهدوء وهي متأبطة ذراعه، وخرجا دون حديث. بينما ابتسمت نجلاء وصفاء بسعادة وهما يروهما في هذا الوضع، ودعا لهما بصدق أن يكمل حياتهم على خير.
بشكل راقٍ فتح لها باب السيارة، فصعدت إليه وقلبها سينفجر من عنف دقاته. أغلق الباب واتجه الناحية الأخرى وصعد هو الآخر، ثم شغل المقود وغادر.
نظر إليها وغمزها بعينيه اليسرى وقال:
هعيشك يوم مش هتنسيه.
ابتسمت وقبضت على الوردة بين كفها بقوة، وأخذت نفساً عميقاً زفرته على مهل، تشعر بأن الحياة أخيراً تفتح لها ذراعيها لتحتضنها بحنو، وليست لتضغط عليها لتؤلمها كالمعتاد..!!
صف السيارة أمام فندق كبير، وكما فعل منذ وقت قليل، فتح الباب وأخذ يدها لتخرج. وكل ما يفعله معها يجعل قلبها يدق بسعادة وابتسامة واسعة خجلة مرتسمة على وجهه.
دخلا وحرك المقعد للخلف حتى جلست وجلس أمامها بابتسامة لم تفارقه. نظر إليها قائلاً براحة غريبة تغزو كيانه:
تاكلي إيه؟!
نظرت حولها بخجل وخوف، هي لم تعتد، ولكن وجوده بجانبها يجعلها مطمئنة بشكل كبير، فقالت بخفوت:
أي حاجة..؟!
وكأنه قرأ أفكارها، فتكلم بجدية شديدة:
أوليان، فُكي جسمك كده متتخشبش واتعاملي، انتي هنا في مكان عام محدش بيبصلك ومحدش مركز معاكي. خليكي عادية، ارمي الخوف ده ودوسي عليه بجزمتك. اتعودي إنك بعد كده تخرجي وتروحي وتيجي، فاهمة.
ابتسمت بتردد، فابتسم وغمزها وقال بهدوء:
هطلبلك المرة دي على ذوقي، والمرة الجاية هناكل على ذوقك، اتفقنا.
أومأت بابتسامة واسعة، فطلب الطعام بشكل مهذب. وبعد دقائق طويلة إلى حد ما، وُضع الطعام أمامهما وبدأوا يتناولونه، وكل منهم يختلس نظرات خاطفة للآخر، خصوصاً هي. أما هو، فأحياناً ينظر إليها بعمق مبتسماً.
بعد تناول الطعام، اندلعت موسيقى هادئة للغاية، فابتسم بمكر وأخذ يدها وتحرك اتجاه ساحة الرقص. شهقت بصوت ضعيف وقالت هامسة:
انت هتعمل إيه..؟!
ابتسم ابتسامة واسعة ماكرة ووقف في منتصف الساحة، واضعاً كفيه على خصرها بتملك بعدما وضع كفيها حول عنقه وقال بعبث:
هنرقص يا غـزاله..!
دق قلبها بعنف. لقبها الذي قرأته، شعرت بشعور غريب ولذيذ عندما استمعت إليه منه..!!
تحرك بها حركات خفيفة وهو يدقق في وجهها الأحمر ولمعان عينيها. وجدت نفسها تبتسم بخفة، ثم باتساع، وأغمضت عينيها. لم يترك الفرصة وجعل رأسها تستند على صدره. يريد الصراخ والبوح بحبها أمام الجميع، ولكنه سينتظر. ولما لا؟ الصبر مفتاح الفرج...!!
أغمض عينيه وقلبه يخبره أن حياته المقبلة معها لن تتركه ولن يسمح بذلك.
تحركا من الفندق وتجولا الاثنان يتمشيان. ابتاع لها الآيس كريم، ذهبا إلى النيل وابتاع الذرة وحمص الشام. جعلها تعيش جو لم تعشه من قبل. شعرت بأنها طائر كان محبوساً في قفص، والآن فقط تحرر. لم يترك يديها إطلاقاً. ضحك وضحكت معه، تحدث معها كثيراً.
وتلك كانت نقطة التحول في حكايتهما..!!
بعد يومان، لم تستطع غالية تناول طعام الإفطار لشدة خوفها وتوترها لدرجة كبيرة، جعلت عبيدة يفقد أعصابه عليها قائلاً بحده عالية:
وبعدهالك يا غالية، مكنش فيه امتحان ده. أنا مسمعالك ومرجعالك 100 مرة وكنتي مذاكرة، خوفك ده هيموتك..!!
زفرت بضيق شديد وخنقة عظيمة تشعر بها، ليس من الاختبارات فقط، بل كل شيء، خصوصاً فريد الذي ما زال في شرم الشيخ يتابع الأعمال وكل يوم بصورة مع فتاة عارية.
اختنق صوتها بغصة شديدة مؤلمة. فرت أولين على ظهرها بحنو وقالت:
حبيبتي متقلقيش، صدقيني انتي مذاكرة كويس والامتحان هيجي سهل، لازم تهدي عشان تحلي صح.
أومأت غالية بصمت وعيناها مثبتة على المائدة بتعب وشرود، بينما زفر عبيدة بضيق وقام متجهاً إليها. أوقفها أمامه وقال بمنتهى الهدوء:
غالية، انتي شاطرة ومذاكرة، متقلقيش نفسك.
أومأت بصمت، فاحتضنها بحنان يربت على ظهرها برفق شديد. لا يعلم ما بها ولا يريد أن يضغط عليها ليعرف، ولكنه يعلم أخته جيداً. شيء ما يؤلمها لا تريد البوح عنه..!!
اقترب موعد الامتحان، فقال عبيدة بهدوء:
يلا يا حبيبتي عشان منتأخرش..!!
أومأت وتحركت أمامه، فقبل عبيدة جبين والدته بحنو، ثم اتجه إلى أولين وقبل جبينها هي الأخرى، وغمزها في الخفاء، فابتسمت بسعادة.
وقفت السيارة أمام الجامعة، فنظر عبيدة إليها وقال متنهداً:
غالية، بلاش توتري نفسك يا حبيبتي، أنا عارف ومتأكد إنك هتجاوبي كويس.
ابتسم بخفة وكادت أن تهبط، فمنعها وقال بحنو:
انتي كويسة؟!
أومأت وقبلت وجنته بخفة وهبطت لتتجه نحو اللجنة لتؤدي امتحان نهاية العام...!!
على الصف الآخر من الطريق، صف مازن سيارته ذات الزجاج الأسود يمنع من بالخارج رؤيته. يراقب سيارة عبيدة التي هبطت منها غالية باهتمام. ابتسم عندما لمحها تهبط وتتجه للداخل. يشعر بتوترها وخوفها رغم عدم قربه منها. تنهد متعباً، لا يعرف ما نهاية رحلته مع حبها...!!
في الشركة.
جلس عبيدة على المقعد بتعب بعدما انتهى الاجتماع الذي دام لساعة كاملة بعد وصوله مباشرة. دخل خلفه مازن الذي قال بتعب:
فريد كلمني وقالي إنه خلص كل حاجة هناك، الاجتماعات وشاف كل المواقع وأشرف عليها، وهييجي بالليل أو بكرة الصبح على حسب ما يلاقي طيارة.
أومأ عبيدة وضحك قائلاً:
مش عارف ليه حاسس إن فريد كان متكيف هناك، كل يوم صورة بشكل مع بنات. استغفر الله، فريد ده شاذ عن القاعدة بتاعتنا، إحنا حاجة وهو حاجة تالتة خالص..!!
ضحك مازن وأجابه مؤكداً:
إحنا حمادة وهو حمادة تاني خالص..!
ضحك عبيدة ونظر في ساعته. فقال مازن دون تفكير:
لسه ناقص نص ساعة على خروجها من اللجنة.
قالها دون وعي منه، فعقد عبيدة ما بين حاجبيه باستغراب، ولكنه لم يوضح شيئاً ولم يعلق، فتنحنح مازن وخرج وهو يعض على شفتيه بقسوة، لاعناً حاله ولسانه الأحمق اللعين.
بعد نصف ساعة إلا خمس دقائق، رفع عبيدة هاتفه ليحادث غالية يطمئن عليها. سرعان ما أجابت، نبرة صوتها جعلته يتنهد براحة، ثم قال بمزاح:
انتي عارفة بعد كده لو لقيتك متوترة وخايفة بسبب امتحان همدك يا غالية، صدقيني عشان أنا تعبت منك.
سمع ضحكاتها من الجانب الآخر، فابتسم بيأس وقال:
خدي بالك من نفسك وانتي مروحة يا حبيبتي، زمان عم صلاح جايلك.
سمع ردها وأغلق الخط متنهداً بقوة، بينما شرد في الأيام الفائتة. تدهورت أولين كلياً، أصبحت تضحك دون قيود، تتحدث معه بتلقائية، تخبره بما حدث في يومها ومن اختراعاتها الفاشلة في المطبخ وهو يتذوق ويبتلع بصعوبة ويرسم ابتسامة مبهورة بطعامها المالح.
ضحك بسعادة عندما تذكر حالها وابتسامتها. شعر بأنها طفلة عادت للحياة من جديد.
كانت طفلة سُلب منها كل شيء، والآن حرة تضحك تلعب وتبتسم.
تذكر يوم خروجهما عندما مسكت كفه وشكرته على فرحتها وسعادتها بهذا اليوم التي لم تعيشه من قبل.
لم ينسَ نظرة عينيها الفرحة الممتنة عندما أخبرها أن تُكمل دراستها.
أشياء بسيطة تجعل سعادتها في السماء وروحها ترفرف بين ضلوعها، وتجعل قلبه هو يطرب ويرقص فرحاً داخل أضلعه.
تنهد فرحاً مبتسماً وعاد ينظر إلى حاسوبه يستكمل عمله مرة أخرى.
في صباح اليوم التالي، قرر عبيدة عدم الذهاب إلى الشركة وقرر اصطحاب عائلته ليتناولوا طعام الغذاء بالخارج.
في الشركة.
ضحك مازن وهو ينظر إلى فريد وقال ضاحكاً:
عبيدة ما صدق إنك جيت، مش جاي يا سيدي، البس بقى.
جلس فريد بتعب وقال:
منا مهدود حيلي بقالي أسبوع في شرم الشيخ..!!
ضحك مازن عالياً وقال:
طبعاً انت هتقولي، والاكونت بتاعك يشهد على كده يا بني، دا انت هتخش النار حدف كده.
ضحك فريد بقوة وهو يضع كفه على رأسه التي تؤلمه من الصداع بسبب السهر وقلة النوم وقال:
البيه مش جاي ليه يا سيدي.
ابتسم مازن وقال:
عريس جديد بقى وعايز يتفسح..!!
"عريس جديد" رددها فريد بذهول. فضحك مازن وأكد حديثه قائلاً:
أيوه يا سيدي، مش انت اللي سافرت وقلت عدولي..؟!
نظر إليه فريد شزراً وقال بحده:
اتزعر، احكيلي عبيدة مطقش جني اتجوزها إزاي، أنا قولت الخطوبة مش هتكمل..!!
ابتسم مازن وقال:
لا جني مين يا عم، فال الله ولا فالك، دا الواد كان كاره نفسه بسببها.
تنهد فريد بغيظ وقال بإنفعال:
متنجز وفهمني إيه اللي حصل، لاحسن انت عارف.
ضحك مازن وقص له ما حدث بالتفصيل، ولكن كل كلمة يسمعها فريد تجعل ملامحه تبهت شيئاً فشئ، حتى رد ببهوت شديد:
يعني عبيدة اتجوز أوليـان......؟!
في قصر "نصار".
كان الجميع يجلس في البهو يشاهدون التلفاز على إحدى المسرحيات الكوميدية القديمة، حتى رن جرس الباب، فقامت إحدى العاملات بفتحه ودخلت منه كلاً من أشجان وجني وبجانبهما حقيبتان كبيرتان..!
رواية غزالة عبيدة الفصل العاشر 10 - بقلم فاطمه عماره
فتحت الخادمة الباب بهدوء. سرعان ما طلت منه أشجان وجني وبجانبهما حقيبتان كبيرتان. دخلا الاثنان واستقبلتهما صفاء بابتسامة كبيرة واحتضنت أختها بود. بينما ألقت التحية على جني بضيق إلى حد ما، فحالة ابنتها بسبب كلمات جني في الفترة الأخيرة جعلتها تنفر منها بقوة. فحيتها ببرود ودخلت البهو قائلة بابتسامة كبيرة:
– تعالي يا أشجان، دي نجلاء أخت جوزي الله يرحمه، أكيد تعرفيها.
حيّتها أشجان بطريقة رسمية، وكذلك جني التي جلست واضعة قدمًا على أخرى تلعب في خصلاتها الحمراء المصبوغة، تبتسم في شرود وكأنها تخطط لشيء.
جزّ عُبيدة على أسنانه بغيظ عندما علم بوجودهما وتنهد تنهيدة مطولة معبأة بغيظ شديد. ولكن لا يهمه شيء قبل أن يهبط ليُحييهم. صعد إلى غرفته وطرق الباب بهدوء، ولكن لا من مُجيب. زفر بغيظ، كان يخطط ليوم جميل مع عائلته، خاصة أوليان. جاء هو وهم وخربوا مخططه نهائيًا.
طرق الباب مرة أخرى، ولكن لم يتلق منها ردًا، فدخل بهدوء. وجدها نائمة على الفراش، رابطة خصلاتها للخلف، تعقصها أعلى رأسها ويتدلى منها بعض الخصلات الناعمة.
ابتسم بحب وهو يأخذ نفسًا غير مصدقًا ما يحدث حوله واتجه إليها. هزها قليلاً وهو ينادي اسمها بخفوت، لكنها لم ترد عليه. ضحك وجلس يناديها بصوت أعلى قليلاً.
– اصحي يا أوليان!
همهمت بكلمات غير مفهومة وتحركت إلى منتصف الفراش ولم تستيقظ. فزفر متعبًا يناديها بحدة قليلاً.
– أوليان، فوووقي!
قفزت عن الفراش بخضة تنظر إلى أنحاء الغرفة بقلق. عيناها ناعسة، شبه مغلقة، لا تستطيع فتحها بشكل كامل. فكتم ضحكته وقال وهو يعدلها لتنظر إليه:
– أخيرًا، تعبتيني يا شيخة، ساعة بصحّي فيكي.
نظرت إليه بضيق، تريد النوم أكثر. فقد سهرا سويًا أمس يشاهدون التلفاز ويتحدثون لوقت طويل. فقالت بصوت نائم:
– عاوز إيه يا عُبيدة؟ أنا عاوزة أنام، بطل غلاسة!
رفع حاجبه الأيسر ينظر إلى ملامحها النائمة، يريد أن ينفجر ضاحكًا لكنه يكتمها بصعوبة قائلاً وهو يجذبها من ذراعها:
– مش أنا غلس؟ طب قومي اغسلي وشك وفوقي عشان ننزل تحت.
تأففت بضيق، تعلم أنها لن تستطيع معارضته. وهذا أمر جديد عليهما، فدائمًا كانت تريد تحديه حتى وإن كانت خاطئة. أما الآن، حنانه عليه، اهتمامه بها، وحبه الكبير لها يجعلانها تصدق كلامه، تأمن به وتنفذه.
غسلت وجهها بقوة وفركت عينيها ثم قامت بتجفيف وجهها بعناية وقالت:
– اديني فوقت، في إيه بقي؟
رد عليها قائلاً:
– في إن بقينا العصر وعمتو ماما قاعدين من صباحية ربنا لوحدهم تحت، وغالية بتذاكر كل ده، وحضرتك لسه نايمة. وفي ضيوف تحت، هننزل أنا وإنتي سوا نسلم عليهم.
عقدت حاجبيها بعدم فهم. ضيوف من؟ ولماذا يريدها أن تقابلهم ونُحييهم؟ قبل أن تسأل، كان قد لف ذراعه الأيمن على كتفها يقربها منه ويتحرك اتجاه الباب هابطًا إلى الأسفل، وابتسامة كبيرة مرسومة على فمه، قائلاً بصوت عالٍ مسموع قبل أن يصل إليهم ببضع مترات:
– الدنيا منورة يا خالتوا!
تحرك اتجاههما وحيّا جني بابتسامة، ولم يمد يده ليُسلم عليها. بينما قام بتحية أشجان واحتضانها. وأوليان تقف بجانبه كـ البلهاء لا تفقه شيئًا. بينما جني تنظر إليها من أسفل إلى أعلى بتعالٍ، تريد معرفة من تلك؟! ولماذا يحتضنها عُبيدة بهذا الشكل؟
جلس عُبيدة وبجانبه أوليان، ومازال يضع ذراعه على كتفها، وقال بابتسامة وهو ينظر إليهما:
– أوليان بنت عمتي ومراتي.
شهقت جني رغماً عنها. ونظرت أشجان إلى صفاء التي ابتسمت وقالت ببديهية:
– يدوبك كتب كتاب بس لسه معملناش فرح ولا أي حاجة، عشان كده متعرفيش يا أشجان. لكن يوم الفرح لازم تبقي أول واحدة حاضرة.
نظرت أشجان إلى أختها وقالت بضيق شديد:
– يعني مش لازم كنت أحضر في كتب كتاب ابن اختي يا صفاء؟ دا صح اللي عملتيه.
حافظت صفاء على ابتسامتها وقالت:
– يا حبيبتي، كانت على الضيق خالص وفي الصعيد، وكل شيء تم بسرعة جدًا. هنعمل الفرح، وإنتي أول الموجودين.
ردت جني بسخرية لاذعة وهي تنظر إلى أوليان بنظرات متعالية:
– في الصعيد وكله تم بسرعة ليه يا طنط؟ العروسة كان فيها عيب ولا إيه؟
– جني!
صرخ بها عُبيدة بصوت عالٍ جعل أوليان تنكمش على نفسها، بينما فزعت جني والجالسين من نبرة صوته الجهورية ومن انتفاضته تلك.
تحرك عُبيدة وجذب جني من ذراعها بقسوة آلمتها، غير عابئ بها وبكل الموجودين، وقال بنبرة غاضبة مشتعلة آتية من أعماق الجحيم:
– حسك عينك تغلطي غلطة في حقها، عشان قسماً باللي خلقني وخلقك هساوي وشك ده بالتراب، وما يهمني إنتي مين وتقربيلي إيه.
نظر إلى خالته بأعين حمراء غاضبة وأردف بنبرة سوداء قاتمة:
– علمي بنتك يا خالتو، عشان أقسم بالله هتعامل معاها كإنها واحدة من الشارع، عشان مترجعيش تزعلي.
وقف بجانب أوليان مرة أخرى وقال بحدة وهو يمسك كفها بتملك بين كفه الأيمن:
– أوليان مراتي ومن أصحاب البيت ده زيي تمام. اللي عاوز يقعد في البيت ده يبقى باحترامه، وإلا يغور في ستين داهية.
– إنت بتطردنا يا عُبيدة؟
قالتها أشجان بصدمة وهي تراقب انفعالاته الغاضبة تلك، غير مصدقة تحوله في لحظات. فرد عليها بنبرة باردة لكنها غاضبة سوداء:
– كلامي واضح يا خالتوا. اللي يقعد في بيت نصار لازم يحترم أصحابه، وبنتك من النوع اللي مبتحترمش لا كبير ولا صغير. ياريت تعقليها قبل ما أعقلها أنا.
قالها وانصرف قائلاً لوالدته بنبرة حاول أن تكون هادئة:
– لو سمحت يا ماما، خلي حد يطلع لي أكلي أنا وأوليان في أوضتنا فوق.
– حاضر يا حبيبي.
صعد عُبيدة وهو يجذب أوليان لغرفتهم. بينما قالت أشجان بضيق لصفاء:
– كنت بغير ديكور فيلتنا يا صفاء وقولت أروح أقعد الكام يوم دول عندك، بس واضح إنك مش فضيالي وابنك بيطردنا عنيني عينك وإنتي سكتي. نشوف فندق أحسن.
ابتسمت صفاء ابتسامة كاذبة، فكل ما حدث لم يعجبها إطلاقاً، ولكنها قالت وهي تربت على منكب أختها:
– اهدي يا أشجان، ده بيتك وإنتي عارفة كده. بس اللي قالته جني ده عيب ومينفعش يتقال. عمومًا، حصل خير وهخلي حد يجهز أوضتكم حالا يا حبيبتي.
جلست جني ورأسها سينفجر. تركها ليذهب لغيرها، ليس كما قال إنهما لا يتوافقان؟! بل ليتزوج غيرها وبمنتهى البساطة. يتضح على وجهه السعادة، بينما معها كانت تعبيراته حادة واجمة. شعرت بأن جسدها يغلي من الحقد والغضب.
كانت آتية لهنا لترجع كل شيء لما كان، وبعدها ستفعل معه ما فعله. سترد له الإهانة بإهانة أخرى. وإهانة الرجل ليست بهينة. جاء هو وهي ليخربا عليها مخططها. لن تتحرك من هذا البيت قبل أن تنفذ كل شيء كان برأسها قبل دخوله.
في غرفة عُبيدة، جلست أوليان على الفراش واجمة، شاردة، ليست حزينة منه إطلاقًا، بل لأنها شعرت بأن حياتها سيحل عليها الخراب. الحياة التي فتحت ذراعيها لها لتحتضنها، يتضح أنها ستغلقهم عليها لتخنقها للأبد.
راقب انفعالاتها في صمت. هو نفسه سيختنق من الغضب. لم يحتمل كلمة واحدة عليها، وتلك الكلمة ليست هينة إطلاقًا. جلس بجانبها على الفراش وجذب رأسها ليضعها على صدره. وجدها ترفع طرفها تتشبث بملابسه من الخلف كأنها خائفة من شيء ما. ربت على ظهرها مرارًا وتكرارًا بحنان شديد. وجهه أحمر بشدة من الانفعال.
زفر بغضب وهو يحتضنها بحنان يتنافى تمامًا مع انفعالاته تلك. يهدهدها بحنان وهي صامتة. علمت أن تلك هي خطيبته التي قرأت عنها. رفعت نفسها تنظر إليه بتوهان. فقال بحنان وهو يمسح على وجنتها بأنامله وقال بهدوء:
– حقك عليا، متزعليش. والله ما هسكت لحد يجيب سيرتك بكلمة، ولا هسكت لأي كلمة تزعلك أبدًا.
تلمعت عيناها وصدقته بكامل كيانها. هذا ما تراه فعلاً. فتنهدت تنهيدة طويلة جعلته يبتسم وينحني يقبل وجنتها مطولاً بحب. اقشعر بدنها بقوة، وهذا ما أصبح يلازمها في قربه في الآونة الأخيرة. احتضنها تلك المرة بكامل جسده، يلف ذراعيه حول خصرها، يدفن رأسه في عنقها متنهدًا بحب. بينما هي لم تبتعد، بل شددت من احتضانه كأنه منبع أمانها. مما جعله يبتسم بسعادة كبيرة. ابتعد قليلاً وقال:
– إيه رأيك تلبسي ونقضي اليوم بره النهارده؟
ثم أردف مشاكسًا:
– بس لو مكسلة يعني مش لازم.
ركضت إلى الخزانة تأخذ ملابسها سريعًا، ثم إلى المرحاض. فضحك عاليًا وهو ينظر إلى أثرها بحب كبير. أخذ له ملابس وارتداها سريعًا قبل أن تخرج، وعقله مشغول بما سيحدث. هو لن يسمح بأي شيء يأذيها حتى لو بكلمة. أخذها وخرج ليقضيا اليوم سويًا، مما جعل قلب أوليان يطرب بسعادة بالغة.
بعد مرور يومان:
زفر عُبيدة بغضب شديد وهو داخل مكتبه ومازن أمامه يحاول الوصول إلى فريد دون فائدة. جلس عُبيدة على المقعد بغضب يفكر في أوليان أول شيء، يخشى أن تتضايقها جني بأي كلمة. فاليويمان الماضيان لم يتركها إطلاقاً لخوفه عليها. ولكن وجب واضطر أن يأتي إلى الشركة ليوم لعدم تواجد فريد اليوم وأمس، وكأنه اختفى نهائيًا. هاتفه مغلق وغير متواجد في شقته التي لا تبعد بكثير عن الشركة.
وضع مازن الهاتف بحدة على سطح المكتب، زافرًا بعنف وقال:
– معرفش البيه اتنيل وراح فين. ديما بيغطس كده، بس بيبقى قايل، مش سايبنا كدا.
نظر إليه عُبيدة وعقله مشغول في عدة مواضيع. أولهم وأهمهم أوليان، ومن بعدها الرجال الذين أرسلهم اليوم إلى الصعيد لمراقبة ناجي ويوسف. فريد الذي اختفى، ووجود جني في منزله، وقلبه غير شاعر بالراحة نهائيًا. فقال:
– فريد بقاله فترة كبيرة مستهتر بالشغل يا مازن. فريد من زمان لعبي وبيحب اللعب، بس أنا بسكت عشان صحاب. لكن هتيجي لغاية الشغل ومستقبل الشركة ومستقبلنا، ودا اللي مش هسمح بيه. كفاية إني مبقتش مهتم وفي مليون حاجة فوق دماغي وإنت اللي شايل الليلة.
فرك مازن خصلاته هابطًا إلى وجهه يفركه بعنف وإرهاق. إرهاق بدني ونفسي. يريد أن يريح بدنه وعقله من التفكير فيها. قلبه ممزق من الحزن، ولكن دائمًا ما يرسم الابتسامة على وجهه كي لا يلاحظ أحد. تنهد مطولاً وقال:
– مش عشان تعب الشغل يا عُبيدة. أنا حاسس بيك، وكنت لسه هقولك امشي، متسبش مراتك لوحدها. جني مش ناويّة على خير.
أغمض عُبيدة عيناه بتعب وأومأ قائلاً:
– أنا خايف فعلًا يا مازن. جني حرباية، أنا فاهم دماغها. أوليان مش هتتحمل منها كلمة.
ابتسم مازن وقال:
– عودها إنت ترد وتجيب حقها من بق الأسد. دانت عُبيدة، لسانك مترين ما شاء الله.
ضحك عُبيدة بقلة حيلة وقال متنهدًا:
– روح شوف الاجتماع ده، وأنا جاي وراك هحضره وأمشي على طول.
أومأ مازن إيجابًا وانصرف، بينما تحدث عُبيدة بضيق:
– أما نشوف آخرتها معاك إيه يا عم فريد.
هبطت أوليان إلى الأسفل مبتسمة باتساع، ترتدي بيجامة من اللون الأزرق الغامق، بنطالها تحت الركبة بقليل، ممشطة شعرها بعناية فائقة. دخلت وجلست أمام جني بثقة وتعالٍ، مثلما فعلت معها في اليومين السابقين. لا تريد افتعال مشاجرة، ولكنها لن تصمت على أي إهانة سواء لفظية أو حتى بالنظر منها ومن أي شخصٍ آخر.
نظرت إليها جني بكره شديد، وأخذت تتأرجح ساقيها بقوة، وابتسمت قائلة بحقد:
– عرفت إن جوزك جت بسرعة، وفي الصعيد، هو كان بيصلح غلطته ولا إيه؟
اشتعل جسد أوليان بغضب كبير، ولكنها حافظت بصعوبة على ثباتها الزائف، ونظرت إليها باشمئزاز وقالت:
– ليه شيفاني زيك ولا إيه؟
اندفعت جني تقف أمامها بغضب وقالت بصوت عالٍ:
– إنتي اتجننتي ولا إيه؟
ضحكت أوليان باستفزاز وقالت مؤكدة:
– ديمًا الحقيقة المرة بتزعل.
ثم وقفت وكادت أن تتحرك بعدما ردت لها الصاع صاعين بمنتهى الثبات والبرود. ولكن من حقد الأخرى، وكثرة غضبها، قبضت على خصلاتها بعنف شديد جعلت أوليان تصرخ بقوة.
وللحظة السيئة، أشجان وصفاء ونجلاء أيضًا لم يتواجدا في هذه التوقيت، وغالية خرجت لمقابلة إحدى صديقاتها.
صرخت أوليان بألم كبير، والأخرى تشد أكثر على خصلاتها بغل. حاولت أوليان الالتفات لتحرر نفسها ولم تعرف. حاولت مرارًا وتكرارًا حتى نجحت أخيرًا وتمكنت، وجذبت جني من خصلاتها الحمراء بمنتهى الغضب وشدته لأسفل بقسوة، مما جعل جني تحرر شعر أوليان صارخة بحدة من الألم التي تسببه أوليان لها.
شدتها أوليان أكثر حتى وقعت أرضًا، وجلست فوقها تضرب وتصفع وجهها بقوة، كأنها تنتقم منها على كل شيء سيء مرت به. صرخت جني بألم وبدأت تبكي بقوة، بينما أوليان تحكم ساقيها حول جسدها حتى لا تتحرر، وبذراعيها الحرة تشد وتصفع، ومع ذلك تبكي بهستيرية:
– مش هسمحلك يا حيوانة، فاهمة؟ مش هسمحلك تقربي ناحيتي. هقتلك فيها دي، فاهمة ولا لأ؟
فتح عُبيدة الباب وركض اتجاه الصوت وتفاجأ بما يحدث. جني نائمة أرضًا وأوليان فوقها تصفعها وتشد خصلاتها. ركض وحملها بين ذراعيه من فوق الأخرى بمعجزة، لا تريد تركها. تخيلتها يوسف أو ناجي، أرادت أن تشفي غليلها منهم جميعًا فيها هي. انهارت باكية بين ذراعيه وأصبحت تهذي بكلمات غير مفهومة للجميع إلا هو.
وقفت جني تنظر إليه بغضب ودموعها تغرق وجهها بالكامل وقالت بعنف:
– أنا هوريكي يا حيوانة يا تربية الشوارع، هوريكي أنا مين. هعرفك مين هي جني التهامي.
صرخت أوليان تريد التحرر من بين ذراعيه وتحرك يديها وقدميها بعشوائية لتصل إليها. بينما صرخ هو بأعلى صوت يملكه:
– مش عاوز أسمع ولا كلمة. عملتي لها إيه يا جني؟
نظرت إليه بجنون وصرخت:
– إنت بتسألني أنا؟ إنت مش شايف هي عملت إيه؟ وإلا إنت عميت مبتشوفش؟
نظر إليها نظرات غاضبة أحرقته حية وحمل أوليان بإحكام وصعد، بينما هي وقفت في منتصف الصالة الكبيرة تتوعدها بغضب شديد. فإن كانت غاضبة منها، فـ الآن أصبحت حاقدة عليها.