تحميل رواية «غرورها جن جنوني» PDF
بقلم ابتسام محمود
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
سحب كثيرة تملأ السماء، تعلن عن بدء يوم عصيب؛ شديد البرودة، والأمواج تتلاطم ببعضها بقوة، كأنها في حديث مستمر لا ينتهي. ذلك المنظر العجيب جعل الشمس تتوارى خلف السحب، كالطفل الصغير الذي يحتمي خلف ظهر أمه. مر بضع ثوانٍ كشرت السماء عن أنيابها بحدة، جعلت حبات المطر تنهمر سريعًا، فأخذتها الرمال في عناق حميم، لكنها ابتلعتها بوحشية حتى تروي ظمأها، وتعوض عطش حرمانها من شهور الصيف القاسية؛ فاليوم بداية شهر أكتوبر. من محافظة عروس البحر الأبيض المتوسط أمام إحدى الجامعات الحكومية، تمشي فتاة طويلة وجسدها الريا...
رواية غرورها جن جنوني الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ابتسام محمود
– نعم.
قالتها بعدم فهم، فقال حتى يجعلها تصمت:
– ما تاخديش في بالك.
فكان لا يريد سماع أي شيء.
***
– توتا دي شمس حياتي، لو ما اصطبحتش بيها على الصبح، اليوم ما يتحسبش من عمري.
أردف بها “حازم” الذي يمسك كف “توتا” بين يده، متأملًا في ليل عينيها بحب.
ابتسمت بحب وبادلته نظراته الهائمة التي جعلتها تتلعثم في قولها:
– آه طبعًا.. دا ما يقدرش يفتح عينه غير لما أقوله صباح الخير، علشان بيتفائل بوشي بشكل كأنه الأدرينالين بتاعه اللي من غيره مش هيتحرك أصلًا.
مال على أذنها يقول بصوت رخيم، من تأثره من كلماتها:
– ما كفاية كده، الناس بقت هتاكلنا بعينها.
دهست قدمه أسفل قدمها وهي ترمقه بحدة قائلة بهمس:
– اسكت أنت، أنا لازم أشعوط وأغيظ البت سهير.
رفع قدمه من أسفل قدمها وحركها على ساقها بجرأه وهو يقول:
– كل دا بتمثلي.. والله أنا صدقتك، بس لو كان على إنك عايزة تغيظيها أظيط بقى واطبل، أصل ما يمسكش الطبلة إلا طبال صوابعه تتلف في حرير قبل ما يامس…
– احترم نفسك.
قالتها وهي تقاطعه بعد أن احمرت وجنتها كالفراولة من وقاحته، ثم أرجعت خصلة من شعرها، وهي تبتسم للجميع ابتسامة مستعارة.
فرفع يده يظبط شعرها ويجذبها نحوه من خصرها، وقال بسخرية:
– روحي بقى حلاوتها إنها حفظاني، وما بتحاولش تزعلني ولا تستفزني.
– لا والله احلف كده، دا علشان أحاول افكر إني أقتنع.
قالها “مستقبل” الذي كان يرفع مقدمة شفته العليا، ثم حول نظره على “كارما” المستغربة، وترفع حاجبها الأيمن وتمصمص شفتيها، ثم تضيف:
– اسمع كلامكم أصدقكم، أشوف أموركم أستعجب.
زوجة بجوارهم نكزت زوجها وأبلغته بضيق:
– شايف وسامع مش أول ما تشوف وشي على الصبح بيكون هاين عليك تبلعني أنا وعيالك.
أجابها بصوت عالٍ يظهر عليه الضيق:
– ما أنتي لو تعلمي عيالك الأدب يا سهير، بس إزاي مكبرة دماغك.
نظرت إليه بسخرية وهي تمط شفتيها:
– هما أصلًا بيسمعوا ليك لما يسمعوا ليا!
كانت “توتا” تتشبث بيد زوجها، الذي كان يتمنى ألا يترك هذا الحفل ويجعلها دائمًا بالقرب منه حتى آخر نفس داخل صدره، برغم إتقانها دور الحب كانت تتهرب من نظراته التي جعلتها تشعر بشعور غريب.
هربت من هذا الشعور بضحكاتها وحديثها عن حب وهم وسراب لم يحدث حتى لثانية واحدة.
فقال “حازم” بنبرة منخفضة:
– قولي كمان أهو بدأت أحس بشلل رجلي اليمين، قولي قولي خلينا نولع من كتر الحسد، وياريته على حق.
***
كان “وجود” يريد “كاميليا” أن تعطيه مساحة وتذهب من جانبه حتى يعاتب من شغلت قلبه وتفكيره، لماذا قالت سرهما الأول لها؟ لماذا لم تعطه الوقت حتى يتصرف بحكمة؟ لكنها لم تتحرك من جواره.
وقبل انتهاء الحفل نزفت “زينة” الدماء من أنفها وأنصرفت من المكان بهدوء.
كان من يتابع الموقف أبيها الذي يحترق من داخله على ما وصلت إليه، توعد لـ”وجود” بأن يُدفعه ثمن ما فعله غاليًّا، فهي ابنته الوحيدة وجاءت بعد تعب وحرمان سنوات من العذاب.
استمر الحفل هكذا حتى النهاية، وانصرف الجميع كما أتوا.
وعند انصراف “توتا” و”حازم” صعدا إلى السيارة، لم يتجرأ أحد منهما على الحديث، فكأنهما لا يريدان نسيان كل ما حدث حتى ولو كان تمثيلًا، فما مر به من أحداث جعلته منغمسًا داخل نشوة الحب، إنما هي كانت تحرك أناملها ببعضها باستحياء لا تعرف مصدره.
***
لم يهدأ “مستقبل” عن قرار أخيه المضحي بسعادته، فقال “وجود” لـ”مهيمن” الذي ارتاح حين قال:
– اطمن يا بابا هتجوزها.
هذه الكلمات أشعلت أخاه، فقال بغضب:
– هتتجوز مين؟ أنت اتجننت، دي واحدة فرطت في نفسها بالساهل.
وقف “وجود” قبالته يعنفه بحدة:
– مستقبل مش هسمحلك تتكلم عنها كلمة زيادة.
صاح بهما والدهما فجلسا جانبه، قائلًا بتهكم بعد أن تنهد:
– وجود أنت لو مش بتحبها، أنا لسه عند كلمتي اثبتلي إنها هي اللي اقترحت دخولكم الأوضة زي ما قولت، وأنا ساعتها اللي هجيبلك حقك، غير كده مش عايز كلام كتير يا مستقبل.
قال آخر كلمة وهو ينصرف من وسطهم صاعدًا إلى غرفته.
فقال “مستقبل” بعد أن ذهب أبوه بعتاب ولوم:
– وجود أنا مش هسمحلك تهدم حياتك، أنت مش أخويا وبس.. أنت حته مني، وحاسس باللي جواك.
رفع رأسه المنخفضة يجيبه بصوت ضعيف:
– تقدر تقولي هعمل إيه؟
– ساعدني نثبت الحقيقة أنا مصدقك ومتأكد إنك ما طلبتش.
صمت “وجود” بضع ثوانٍ، ولم يجد ما يقوله حتى تذكر:
– مستقبل أنا كنت رافض أدخل الأوضة وكنت قدام الباب بتناقش معاها إننا ما ندخلش.
– أيوه بقى، يا سلام عليك لما تفكر.. من النجمة هروح أشوف الكاميرات، وبكده أنت براءة يا ريس.
ابتسم “وجود” على دليل إنقاذه من هذه الورطة الشنعاء والدليل القاطع على أنها هي من ألحت عليه بدخول الحجرة بالفندق واستدرجته إلى ما حدث لغرض في نفسها لا يعلمه إلا الله.
***
وصل “حازم” وزوجته بيتهما الصغير ودخل كل واحد منهما يبدل ثيابه، ثم استقلا فراشهما الذي يجمعهما معًا لساعات.
تغمض “توتا” جفنها تتصنع النوم، لم ينم “حازم” ظل مستيقظًا يتطلع كل إنش بوجهها الذي يشبه قطة رقيقة شرسة بالوقت ذاته، كانت تشعر بأنفاسه الساخنة تحرق وجهها، تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها من كمية الخجل الذي اعتراها.
أنقذها رنين هاتفه، نهض يرى من المتصل، زفرت أنفاسها المحتبسة من الخجل.
سمعته يكلم فتاة.. فتحت عين ونصف وتابعته، كان يقف غاضب الوجه، يقبض كف يده بقوة ويخبرها بالإيطالية:
– اسمعي، تعالي لي وحينها لن يعرف أحد بمكانك، ستكونين في حمايتي.
استجابت الفتاة الباكية بخوف ورعب مما ينتظرها.
أغلق الهاتف وأصبح كالأسد المقيد يتجول بالحجرة ذهابًا وإيابًا حتى رن جرس المنزل.
سارع بفتح باب المنزل فارتمت على صدره تجهش بالبكاء، ربت عليها وهو ينظر نظرة سريعة بالخارج، ثم أدخلها واستمر في تهدئتها، بالحديث تارة والعناق تارة.
لم تتحمل “توتا” ما يحدث بالأسفل نزلت بضيق.
عندما لمحها قام أمسك يدها وصعد بها، وقبل أن يتحدث قالت بهجوم:
– هي مين المحن اللي تحت دي؟
شعر بغيرتها، فلعب على هذا الوتر بقوله بلامبالاة:
– ويهمك في إيه؟
بللت شفتيها وهي تفكر في جواب منطقي قائلة:
– مش دا بيتي.
– طبعًا.
قالها ببرود، فقالت باندفاع:
– يبقى خدها وامشي من بيتي.
– ولو ما حصلش؟
– ما تعصبنيش.
قالتها بغيرة تندمج مع العند، هز رأسه ومط شفتيه وهو يكرر ما قالته بتريقة:
– ما تعصبنيش.. أممم، هي كرامتك نأحت لما لاقيتيني هضيع منك؟
رمشت بأهدابها بإحراج وهي تقول:
– لا نأحت ولا أدحت طلعني من دماغك أنت بس.
كان لا يريد إشعال ما بداخله أكثر من ذلك، فحدثها بقوة:
– ما تطلعي من دور الأنثى الذكري اللي أنتي منقوعة فيه.
ذهلت من كلماته وقالت بعصبية:
– أنا أنثى الذكر، والله يا حازم ما هقعدلك فيها، خلي البطة اللي تحت تفرشهالك ورد وفل.
مسح وجهه بغضب وهو يبلغها:
– إيه يا بنتي هو مكتوب في القسيمة كل يوم نكد.
– ولا نكد ولا رز باللبن وسع من وشي.
ابتعد خطوة وهو يحذرها بتهديد وهو يرفع حاجبه الأيمن:
– الباب وأنتي عارفة مكانه كويس، ألمح طفيك عنده ورب العزة مش هقول مش هاخدك معايا أي بطولة والكلام دا، هكسرك بنفسي وساعتها هتاخدي إعفاء رسمي، ومش هرحمك حتى لو جيه الكوتش بنفسه.
ثم تركها يغير ملابسه، وقبل أن ينزل مع صديقته نطقت بعناد وغيظ:
– بتهددني يا حازم.
– اعتبري اللي تعتبريه، ومش هحذر تاني.
ثم رحل من المنزل، جلست على جمر من نار بسبب كلماته التي أشعلتها، ظلت تسبه وتلعنه بداخلها، تحاول أن تشجع نفسها على الذهاب، لكنها تعاود التفكير وتخاف غضبه.
***
في الصباح الباكر المشمس، ذهب “مستقبل” يخرج مقاطع الفيديو لأخيه الذي التقطتها كاميرات المراقبة أمام باب الغرفة، ورجع البيت وهو يطير من الفرحة.
جلس “مهيمن” و”نايا” و”وجود” ينتظرون أن يشغل “مستقبل” دليل براءة أخيه، لكن ما حدث جعل “مهيمن” يبصر ابنه باحتقار.
تنهدت “نايا” بضيق ثم قالت:
– اقفل الزفت دا يا مستقبل.
ابتلع “مستقبل” ريقه بإحراج ثم قال لأخيه باستخفاف:
– إيه يا عم مش أنت مأكدلي إنها هي اللي بتتحايل عليك.
وقف أبوهما بطوله الفارع ووجهه المخيف الغاضب يقلب الترابيزة التي تستقر أمامه قائلًا بحدة:
– كلام في الموضوع دا تاني مفيش، وجواز من زينة انسى، وحضر نفسك تتجوز ضحيتك.
وقف يستسمحه أن يسمع له لآخر مرة حتى يبرر له، وقبل أن يتفوه.. لم يتحكم “مهيمن” في موجة غضبه وأمسكه من رقبته بعنف قائلًا من بين أسنانه:
– مش عايز أشوفك ولا أسمع تبرير واحد، أنت طلبت التسجيل وأهو أنت اللي بترجعها كل ما تمشي فخلص الكلام.
نهضت “نايا” تمسك يده تبعدها عن رقبته، ثم أخذته لغرفتهما تهدئه.
جلس “وجود” بحسرة والشعور بالظلم، أصبحت حياته عبارة عن سجن كبير، وكل من حوله يتعمدون أن يظلموه، ويكتموا أنفاسه، حتى جعله مقيدًا ولا يقوى على النطق ولا الحركة.
فقال بتبرير لـ”مستقبل” ونبرة تائهة:
– والله أنا كنت واقف ورافض ادخل.
فرد عليه بمنطق:
– بس هي اللي بعدت عن الأوضة، وكانت هتمشي تلت مرات وهي بتعيط، وأنت اللي بتشدها وبتحاول تقنعها تدخل.
– لا والله أنا لما رفضت أدخل هي زعلت وكانت هتنزل فعلًا، وأنا شديتها علشان تقول اللي عايزة تقوله وهي رفضت تقول غير جوه، وكل ما افكر إني ما ادخلش تزعل.
– طب ما أنت أهو اللي فتحت الباب وزقتها جوه.
وقف كالأسد الغاضب يبلغه بعصبية:
– يا مستقبل افهمني، والله علشان أعرف هي كانت عايزة إيه، والله والله والله هي اللى طلبت نروح الأوضة.
كانت دموعه اقتربت من التخلي عن مقلتيه، ثم أكمل بهدوء يحمل الضيق:
– على العموم صدقتوا أو ما صدقتوش، خلاص أنا كده كده هتجوزها.
– وزينة؟
– ليها رب كريم.
– طيب كويس إنك بتقول كده وفرت عليا مقدمات وحوارات.
التفت كل منهما على مصدر الصوت، وجدا “شادي” بملامح عابسة، فأكمل حديثه بحدة:
– زي ما خليت بنتي ترتبط بيك في الأيام الأخيرة، بنفسك هتخليها تكرهك وتبعد عنك خالص.
– بس أنا فعلًا بحبها.
قالها بصدق، لكن أخبره “شادي” بحدة:
– حبك دا أخرته جواز؟
مشاعره متخبطة لا يعلم ماذا يريد أو يفعل:
– حاليًا عندي مشكلة مع خطيبتي.
– يبقى مش هيغير، لازم تكرهها فيك لو بتحبها.
تحشرجت الأحرف داخل حلقه، ابتلع ريقه بغصة مرددًا:
– وأنا تحت أمرك يا عمو شادي، شوف تحب أعمل إيه وأنا هعمله، بس بلاش حضرتك كمان تظلمني، أنا فعلًا بحب زينة بس هعمل اللي يرضيك، مع إنه صعب عليا.
– تكسرها وتحطمها وتقول بحبها، حب إيه دا ومن أي نوع، أنت هدمت بنتي وبتطلب ما اظلمكش.
قالها بحزن على حال ابنته، فأردف “مستقبل” بدلًا من أخيه الذي أغمض عينه وضم شفتيه بوجع:
– عمو شادي هو ما مانِعش وقالك اللي يرضيك فخلاص بقى، هو بردو إنسان.
غادر “شادي” بدون أي كلام، ثم انسحب “وجود” لغرفته يغلق على نفسه، ويخرج كل ما بداخله من أحمال وهموم.
أقسم “مستقبل” أن يظهر الحقيقة حتى يبرئ أخاه أمام الجميع، ويفوز بحبيبته في آخر المطاف.
تذكر “وجود” ما حدث سريعًا في مقابلته مع “كاميليا”، لم يتذكر سببًا واحدًا ليجعله شهوانيًّا فجأة.
***
شعر “حازم” بضيق بعدما أوصل الفتاة الإيطالية لمكان آمن، اتصل “بوجود” لم يجِبه فكلم “مستقبل” وقابله في بار.
ظل “حازم” صامتًا لم يعرف ماذا يقول وظل يشرب حتى سكر، فأردف “مستقبل” الذي رفض أن يشرب:
– مالك أنت كمان؟
– بحبها ومش عارف أخليها تحبني.
قالها وهو يتنهد بقوة.
أخبره “مستقبل” بتساؤل:
– لما تحب تسرق حاجة غالية أووي وفي مكان متحصن جامد تعمل إيه؟
– هحاول ادخل من غير ما حد ياخد باله واسرقه.
– تمام، ولو حد عارضك ووقف في طريقك هتعمل إيه؟
– ههاجمه.. آه ههاجمه.
وقف “مستقبل” يصفق له:
– هو دا اللي لازم تعمله اقتحم أسوارها.
نهض وهو شبه فاقد الوعي، فقال “مستقبل” وهو يسنده:
– خد هنا رايح فين وأنت كده؟
أجابه وهو يتأرجح بطوله:
– هقتحم أسوارها.
– بالشكل دا هتهد أسوارها، استنى هوصلك لتتهد وتعمل حادثة قبل ما توصلها.
صعدا سيارة “مستقبل” وأخبره بجدية قبل أن يدخل منزله:
– فوق كده ولما تكون في وعيك اتكلم معاها.
– هششششش، امشي العب بعيد يا شاطر، يلا هنرش ماية.
كان يقولها وهو ما زال لم يقوَ على أن يوازن نفسه، ويضحك بأعلى صوت.
فرد “مستقبل” عليه ممازحًا:
– كده اطمنت إنك لسعت رسمي.
انطلق بسيارته بسرعة جنونية، ودخل “حازم” وهو يتأرجح منزله يحدث نفسه وهو يبحث عن المفتاح، وعندما وجده قبله ثم ابتسم له وفتح الباب، وجدها ترتدي ثيابًا كت وشورت قصير، وعينها كأس من الدم.
اقترب بهدوء منها ثم جلس القرفصاء، وبدون أي مقدمات قبل يدها ثم رأسها وأمسك وجهها الغاضب المتشنج، ولم يعطِها فرصة للفرار منه.
كان يتطلع إلى سوداوياتها بشوق.
كانت تنظر له بنظرات تحدٍ وعناد ليس له مثيل، فاقترب منها وعيناه تريد أن تبوح بما يكنه القلب، يريد الصراخ ليقول لها:
– ليه كل العند دا والتحدي اللي في عينيكي؟ عملت إيه معاكي استاهل عليه كل دا منك؟
كانت ترمقه بعينين حادتين ونظرات قاتلة، جعلته يتعجب لماذا كل هذا البغض الذي تكنه له.
ثم قالت:
– علشان أنت دايمًا عنيف في معاملتك معايا، دايمًا شايف كل تصرفاتي غلط، وأنت الصح ومفيش حد صح غيرك.
قال باندفاع وحدة وهو يقترب منها ويهز كتفيها بقوة:
– عشان خايف عليكي يا غبية، طول عمري بعتبر نفسي الحارس الخصوصي ليكي، أنتي مكتوبة على اسمي من أول يوم اتولدتي فيه، أنا أول من شافك وطبع أول بوسة على جبينك، كنت أول واحد يشيلك بين إيديه.. كان أنا، أنا اللي اخترت اسمك علشان يكون مربوط باسمي.
كانت عيناها يسود الذهول بداخلها، تسمعه وأذنها لا تصدق ما يتفوه به، أيعقل ما قاله؟ أحقًّا هو من اختار لها اسمها.
تشجعت وقالت:
– أنا مش قادرة أصدق الكلام دا كله.
– لو مش مصدقة اسألي والدتي وهي تأكد ليكي كل حرف.
ثم أشار إلى صورة موضوعة على الكومود، التي كُسِر زجاجها من قبل:
– البيبي دي أنتي والطفل دا أنا، يا توتا أنا أبان قدامك إني شديد، لكن كل واحد بياخد حظه من اسمه وأنا طول عمري شايل مسئولية أمي، عمري ما عشت سني.. من يوم استشهاد والدي وكنت حاسس إني أنا مسئول عن أمي وعنك، صفتي الحزم والصرامة، طول الوقت خايف عليكي، وأنتي طول الوقت بتفسري دا تحكم وسيطرة؛ إنما هو حب وخوف من نسمة الهوا لتلمسك وتأذيكي.
ثم يكمل وهو يعترف بالحب الذي يكنه داخل قلبه من سنين:
– توتا أنا بحبك.. بحبك أووي ومتجوزك علشان بحبك، ومفيش شغل طلب مني أتجوز، وعمري في يوم ما هقدر أطلقك ولا ابعد عنك ثانية، توتا نفسي تحسي بيا وتحني عليا إن شاء الله بكلمة تطفي ناري، حبك عامل زي إعصار البحر بياخدني جوه ولا يسيبني اتنفس ولا بيموتني علشان ارتاح.
ارتجف قلبها من آثار كلماته التي لأول مرة تسمعها، ومن الشخص الراسي والحاد، توقفت على فلت يدها وبادلته النظرات نفسها.
اقترب برأسه رويدًا حتى وصل لوجنتها قبلها كالذي يتذوق ثمرة شهية المذاق والرائحة، حاولت أن تبتعد عنه لكنها لم تقدر، فابتعد يبتلع ريقه وهو يتمعن النظر في عينيها.
مال مرة ثانية يأخذها داخل حضنه بقوة، وقبلها برقة بجانب أذنها حتى ذابت معه ووقعا معًا أرضًا، تقدم يخترق حصونها بأكملها وكانت هي مستسلمة ذائبة تمامًا بين يده وهو يثبت حبه بدمغ ملكيته على جسدها.
عندما استيقظ في الصباح شعر بشيء صلب أسفله، وضع يده يتحسس الفراش، وجد نفسه ينام على الأرض، فتح عينيه بكسل ثم نظر على من تستكين بين ضلوعه.. اندهش، رمق نفسه صدم من هيئته فهو بدون ملابسه، لم يتذكر ماذا حدث حتى يصبحوا هكذا اثنتيهم، وعندما وجدها تتحرك أغمض جفنه سريعًا غير مستعد لأي شجار وهو لا يعلم كيف حدث.
فتحت عينيها وهي تبتسم، وهلعت عندما تذكرت كل شيء، قامت وهي تأخذ ثيابها، وقبل أن تركض على أطراف أصابعها أمسكت هاتفها بين أصابعها وتصورت معه، ظلت حبيسة الغرفة لوقت طويل تحارب مشاعرها تارة، وتاره تبتسم وهي تتطلع إلى الصورة التي حدثها عنها، وتارة تلمس شفايفها، وهي تعيد ذكراها وتتذكر حركاته.
أما هو، فكان يريد أن يتذكر ولو شيء واحد مما حدث، ليعرف كيف سيطر عليها، كان سيصاب بسكتة قلبية حقًّا، كيف له أن يقترب منها ولا يتذكر.
عندما وصلت حالته إلى أن يوشك على الانفجار ذهب إليها، طرق الباب بهدوء، لم تجبه من إحراجها، فقال:
– توتا عايز اتكلم معاكي، هستناكي تحت.
نهضت تفتح الباب بعدما ظبطت نفاسها، وحين نزلت له لم يعرف ماذا يقول، فأبلغها بمزاح حتى يخفف من خجلها:
– ممكن اعرف برنسيسة البيت سايبة البيت يضرب يقلب ليه.
عادت لحالتها القديمة، ورمقته بحنق ولم تجبه.
فقال بابتسامة حينما رأى نظراتها التي تعود عليها:
– عارف إنك بتحبي التحدي، تتحديني؟ ولا شكلك خايف أكسبك.
ردت مسرعة:
– ها، أتحداك طبعًا.
ضحك بتهكم على نسيانها كسوفها، حتى ترضي عنادها وغرورها:
– أنتي هتختاري تحدي وأنا كذلك، واللي هيكسب هيعمل شغل البيت كله، اتفقنا.
حكت مؤخرة رأسها تفكر، ثم وجدته يقلع ثيابه، انصدمت وهي ترجع للخلف تقول بتساؤل وذهول:
– أنت بتعمل إيه؟!
أجابها بهدوء:
– التحدى الأول.
– أنا.. احنا ما اتفقناش على قلة الأدب، ولا هو بقى فرح.
يضحك بضجيج وهو يقترب منها بخطوات تجعلها ترجع للخلف وهي تبلع ريقها:
– شكلك ملكيش في…
قالها وهو يرفع حاجبه الأيسر تجاه البسين، وقفت عندما لصقت بالحائط ترفع كف يدها توقفه وهي تقول بهمس يشبه الهواء:
– هغير و.. أجيلك.
أومأ برأسه بالموافقة، ثم أخفض رأسه حتى أصبح بمقابلة شفتيها المرتعشة، تمكنت من التمسك بأعصابها ونزلت من تحت يده الموضوعة على الحائط، دخلت غرفة ثياب ملابس السباحة وجلست تلتقط أنفاسها، ثم زفرت أنفاسها وقامت مستعدة للتحدي، لكن حركاته كانت تعوق حركتها وتجعلها كالمشلولة، وهو كان يعوم بخفة ولياقة ويغطس ويطلع أمامها فجأة، توقفت عن السباحة ولم تقوى على أخذ أنفاسها الهاربة، صعدت ووقفت على الرخام بجسد مرتعش، خرج من المسبح:
– إيه التحدي لسه ما خلصش.
– تمام، أكيد عارفة حكم المنسحب إيه؟
– آها، مبروك كسبت التحدي.
قالتها وهي تحاول الهرب من أمامه، لكنه تقدم ووقف أمامها يبلغها:
– أنا اللي كسبت، اتفضلي روقي الشقة وأهم شيء المطبخ عايزه بيلمع.
– ماشي.
المرة الجاية هيبقى التحدي إنك تكلميني عدل.
حدقته بغيظ، فقال:
– اسمها حاضر مش ماشي.
تأففت باستشاطة وهي تنصرف من أمامه، دخل حجرته وعلى وجهه ابتسامة انتصار:
– أنا هدخل أنام بتاع ٣٠ دقيقة أصحى ألاقي البيت مراية.
يستقبل الفراش وعلى ثغره ابتسامة.
بعدما أبدلت ثيابها بدأت بالمطبخ، تمسك الأواني والأطباق بغيظ ترمقهم ثم تلقيهم أرضًا، وقفت تحدث نفسها بصوت مسموع، وتخرج سخطها بالأواني، حتى لاحظت أن النافذة خلفها لم تخرج نورًا، وكأن أحدهم بنى عليها أو وضع ستارًا ثقيلًا غامقًا، تجمدت مكانها بهلع.
رواية غرورها جن جنوني الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ابتسام محمود
ذاب تجمدها حينما أتى ضوء النافذة من جديد، لكنها ارتعبت؛ لأنها شعرت بشيء يمشى خلف ظهرها، فتحت شفتيها بهمس وصوت مكتووم:
– حاااازم.
ثم نظرت بطرف عينها على الذي استقر بجسده على “الرخامة” وضع يده تحت رأسه يتطلعها بجرأة، رمشت عدة مرات غير مصدقة ما رأته للتو، والتفتت إليه برأسها مسرعة، لكنه لا يزال نائمًا في مكانه، وكأنه شيء انصهر وذاب، شعرت بأنامله تتحرك على كتفها، لم تضيع فيمتو ثانية واستدارت حتى تلمح من سلب عقلها من أول ثانية، وجدته على نفس هيئته وهيبته وثقته بنفسه، طويل القامة يرتدي بدلته السوداء الملتصقة بجسده وقناعًا على وجهه يبرز جمال عينه ويلبس بيده قفازات من قماش بدلته نفسها، قالت باللغة الإنجليزية بصوت مبتهج هامس حتى لا يسمعها النائم:
– من أين أتيت؟
أشار إلى النافذة الصغيرة، ضاقت عيناها باستغراب وشفقة على حال النافذة، كيف لشاب قوي البنية أن يخترق نافذة صغيرة كهذه، لكنه أخرجها من شرودها صاحب الوجه المقنع:
– ماذا تريدين مني الآن؟
أمسكت به وهي تقول بترجٍ، فهو الوحيد من تظهر ضعفها أمامه بدون أي تكليف:
– لا أريد شيئًا، إلا أن تنقذني من هذا البيت المريب.
– يعني مش سامع صوت خناقك مع الحلل والأطباق.
انتفضت عندما سمعت صوت حازم من داخل غرفته، تكاد تكون وصلتها صاعقة كهربائية، ابتلعت ريقها ونظرت على “نطاط الحيط” كما لقبته سابقًا، بتمنٍ وعين لامعة:
– خذني معك، لا أريد البقاء معه.
فتح يداه بقلة حيلة يخبرها:
– ليس بيدي سيدتي، هو زوجك وأنتي زوجته، كان علي أن أساعدك ببعض عملك، أنتي لم تحبي.
صمتت تفكر في إجابة، لكن ابتسم لها وهو يرجعها للخلف بعيدًا عن الحوض ووقف هو ينجز كل المهام، وبعد الانتهاء من كل شيء استعد للرحيل، لكنها تشبثت بيده بقوة:
– لا، لا تتركني.
– عليَّ الآن الرحيل..
لكن قبل أن ينهي حديثه، أتاهما صوت فتح غرفته، ابتلعت ريقها بصعوبة وخوف، لكنها لم تتركه.. رمقته بنظرات ترجٍ، فاعتلى صوت فتح الباب، وعندما نظرت خارج المطبخ، ثم ردت نظرها إليه لم تجده بجوارها ولمحت الغيامة نفسها، وفي خلال ثوانٍ كأن شيئًا لم يكن.
بعد عذابه لنفسه الذي دام لساعات، عزم أن يتحدث إلى “زينة” وادعى البرود، قائلًا عندما أتاه صوتها الملهوف:
– قابليني حالًا.
ابتسمت بفرحة وهي تمسح وجنتها:
– فين؟
– في أي كافيه مش هتفرق.
قالها بلامبالاة، عوجت شفتها وعقدت حاجبيها من نبرته الثلجية، فقالت:
– تمام تعالى نروح الـ”…”.
– تمام.
أغلق معاها وطلب من أخيه أن يكلم “كارما” ويقابلها في الكافيه نفسه حتى لا يتركها وحيدة بعد ما يقص عليها كل شيء يريد أن يبلغها به كما طلب منه والدها، استجاب أخوه له وهو يدعو الله أن يصبر قلب الفتاة المسكينة، نزل من غرفته يضع يده داخل سترته الجلدية، وملامحه تحمل الجمود، لا يبالي لأحد جالس، توجه لسيارته ولم ينظر لـ”زينة” التي نزلت للتو حتى تذهب معه بالسيارة، لكنه صعد السيارة بمفرده ولم يلتفت لندائها له.
وقفت مندهشة كيف يطلب مقابلتها، والآن يمشي ولا يستدير حتى لها، أنقذ الموقف “مستقبل” وقال لها:
– هو حاطط الهاند فري في ودانه أكيد ما سمعكيش.
نظرت إليه بعدم تصديق:
– وأنت اللي كنت جوه سمعتني.
– ما أنا قولتلك حاطط الهاند فري، تعالي أوصلك في سكتي، مكان ما تحبي.
– ميرسي اتفضل أنت علشان ما تتعطلش، أنا هروح أقابل “وجود” في كافيه “…”.
– وأنا وكاري كمان رايحين نفس الكافيه، وأهي كاري كمان جت.
وقفت صافحتهما وهي ترمقهما بدهشة، ثم توجهوا جميعًا إلى الكافيه، وجدوا “وجود” يضحك ويجلس واضعًا قدمًا على الأخرى، وعندما رأهم:
– ماشي يا قلبي هكلمك بعدين.
ثم بصرهم وقال باستغراب:
– أنا قايلك تعالي لوحدك ولا هاتي معاكي العيلة.
تلعثمت أحرفها وانصبغت وجنتها بحمرة الخجل، فرد عليه “مستقبل” وهو يتنهد بضيق من تصرف أخيه الثقيل، برغم معرفته اللعبة لم يتحمل أن يصمت:
– اهدى على نفسك، لاقيتها جاية نفس المكان وصلتها.
– مش وصلتها ياعم الشهم.. اتفضل شوف أنت رايح فين.
قبض “مستقبل” يده اليسرى بقوة على يد “كارما” حتى سحقها، رفعت يدها الثانية ووضعتها على يده الذي يصب غضبه بها، ثم رمقت “وجود” الذي أصبح عديم اللياقة.
– تمام يا وجود.
قالها وهو يسحب “كارما” وينصرف يجلس بعيدًا، يهز قدمه بعصبية ويضع يده تحت ذقنه وعيناه مثبتتان على أخيه و”زينة” التي ما زالت واقفة، فتقول “كارما” بضيق:
– قلبي مش مطمن لأخوك النهاردا، هو ناوي على إيه؟
– اهدي شوية، أديني قاعد معاكي.
قالها وهو يزفر أنفاسه الحانقة بسخط.
رفع “وجود” عينه من هاتفه الذي كان يمثل أنه يبعث رسائل من خلاله، حتى يرتب ما يقوله، ولم يجد غير السؤال الذي يود إجابة عليه، فقال باستهزاء:
– هتفضلي تتفرجي عليا كتير، ما تقعدي ولا محتاجة عزومة.
عضت شفتها حرجًا وجلست بجسدها الصغير النحيف بهدوء، ألقى هاتفه بفوضى وأردف بنبرة منخفضة لكن بها حدة:
– مش معنى إني قولتلك كلمتين تروحي تعملي فرح وتقولي لكل الناس.
فتحت فاها بدهشة وقالت باستفهام وهي ترجع شعرها:
– هو أنا عملت إيه؟
وقبل أن تكمل أردف هو:
– بلاش جو الصعبنة اللي أنتي عايشة فيه دا، روحتي قولتي لكاميليا اللي أنا قولته ليكي ليه؟
هزت رأسها بنفي تنفي ما يقوله، وقبل أن تتحدث ردد هو بحدة:
– اوعي تكوني صدقتي إني بحبك، دا أنا كنت بعطف عليكي.
ثم أكمل وقلبه يكاد يتمزق:
– بمعنى أصح كنتي تسلية، أنا بحب خطيبتي وهتجوزها.
رمقته بذهول، والآن تأكدت من كل شيء أخبرتها به “كاميليا” وسمعته من التسجيل. هطلت دموعها بقوة، لم يتحمل أن يراها هكذا ويظل يكمل مسرحيته، قرر أن ينزل الستار عند هذا الحد ونهض وتركها في بحار دموعها التي تحولت الي اللون الأحمر بعد اختلاطها بدماء أنفها، وضعت يدها على أنفها تمسح الدماء، وكادت أن تقوم شعرت بدوار جعلها ترتطم أرضا، نهضت “كارما” مسرعة أخذتها داخل حضنها تصرخ “بمستقبل”، كان” وجود” لم يرحل نهائيًّا بعد.. سمع صوت ارتطامها عاد إليها وهو يركض، ضمها بين أحضانه.. حاولت “كارما” منعه ولم تسمح له بضمها وصرخت به، لكن “مستقبل” سحب كارما وترك له المساحة ليحملها وتوجه بها إلى المشفى، فتقدم منه “مستقبل” بحزن:
– لو أنت هتسكت على الظلم دا أنا مش هسكت ولا هسمح إنك تجرح البنت الغلبانة اللي جوه.
ابتعد وجود ولم يعطِ ردًّا، كان يحمل الكثير داخل قلبه، صعد سيارته وتوجه إلى مكان خالٍ من البشر وظل يصرخ بحرقة جعلت نيرانه تخمد تدريجيًّا
عندها كان “شادي” وزوجته قد وصلا الي المشفى في حالة حزن شديد على ابنتهما.
جاء موعد البطولة، وتستعد “توتا” على السفر، أمسك “حازم” حقيبة أدواتها بضيق وتركها، فكانت تقف مع “مستقبل” يتبادلون الأحضان فهي تفعل ما يغضبه عن قصد، فقال لها “مستقبل”:
– حاولي ما تتأخريش؛ مش بقدر على غيابك.
– ما تقلقش تخلص البطولة وأجيلكم على طول.
فقال “وجود” بصوت واهن:
– خلي بالك من نفسك.
– حبيبي يا وجود ما تقلقش عليا، بس اعمل حسابك أول ما هنزل لازم اعرف إيه اللي حولك للمنظر دا.
– ما تشغليش بالك، المهم ركزي في البطولة.
حولت نظرها إلى “مهيمن” اكتفى بمسك يدها حتى لا يضايق “حازم” أكثر من ذلك، وأخبرها:
– عايزك ترجعي بالكأس يا بطل.
– عيب عليك يا كوتش، دا أنا بكافح وراضية باللي أنا فيه مخصوص عشانه.
ثم أدارت وجهها لـ”نايا” عانقتها بقوة وهي توصيها بـ”حازم”، كان هو يتفحص الصالة جيدًا حتى يتأكد أن كل حقائب اللاعبين بالحافلة، بعد ما صعد للحافلة قال:
– جاهزين يا أبطال.
رد عليه الجميع بحماس وقوة، ثم قال:
– كله معاه أدواته.
أكدوا ما يقوله، فيرجع “حازم” بظهره حتى يفسح الطريق للتي تركب كالقطر، فوقفت أمامه رمت حقيبتها عليه ودخلت بابتسامة قائلة:
– Hi guys.
جز على أسنانه على من ستصيب عقله بالجنون، جلس على مقعده وهي جلست في آخر مقعد مع أصدقائها يضحكون، كان بلا شك عند سماع ضحكتها قلبه ينصهر مع نغماتها العذبة، ظل جالسًا يستمع لألحانها حتى وصلوا باب المطار، نزل الجميع وكل منهم أمسك حقيبة أدواته إلا “توتا” أمسك “حازم” حقيبتها وحقيبته، حتى وضع جميع الحقائب على عربة، يقف بعيدًا عنها يتابع خطواتها التي تشبه فراشة طليقة، ثم بعد قليل صعدوا متن الطائرة، كان مقعد “توتا” بجوار “حازم” الذي يجلس يضع سماعة داخل أذنه، جلست بجواره وأخرجت هاتفها وظلت تلعب، كان تجاهله لها يعصبها ولم تعلم لماذا؛ بل تجاهله كان عن تعمد حتى لا يجعلها غاضبة وتكون بحالة جيدة وجاهزة للبطولة.
أغمض عينه مدعي النوم حتى يمر الوقت، رمقته بنظرات حائرة، تعجبت من نفسها كيف لم تشاهد من قبل ملامحه الهادئة فهو يمتلك جاذبية تجذب من تمعن النظر به، عجبًا لكِ يا بنت حواء تشاهديه كل صباح، والآن تقسمي بأنكِ تري وجهه للمرة الأولى! وتعرفين كم هو وسيمًا، وتتمناه أي فتاة تلمحه! فقالت لنفسها بعتاب:
لماذا لم أشاهدك من قبل؟
لماذا لم ألاحظ كل هذا السحر؟
تنهدت وزفرت أنفاسها الحارقة، وصلت حرارتها للذي كان مغمض العينين، فتحهما فتلاقت الأعين في عناق شديد كأنهما يكتشفان بعضهما عند هذه اللحظة، شردت هي وتوغلت داخل بحور أعماقه، وسبحت بمهارة لتعلم ما يخفيه بداخلهما، أما هو فكاد عشقه أن يهلكه من فتاته العنيدة، صاحبة هذا القلب القاسي، لماذا كل هذه القسوة التي تمتلكها بداخلها؟ فحدث نفسه باستفهام:
– هل تمتلكين قلبًا ينبض مثلنا، أم حجر صوان لا يمكن تحطميه؟
أجيبيي برب هذا الكون!
ظل كل منهما يتحدث بداخله، وساد الصمت بينهم لوقت طويل، ثم أردف “حازم” بدهشة وقلق من شدة تفحصها له بعينها السوداء:
– توتا مالك.. عايزة حاجة؟!
استدارت بوجهها الملون بحمرة الإحراج تخبره:
– لا مش عايزة ميرسي يا.. حازم.
لأول مرة يسمع اسمه من شفتيها بهذه النغمة، كانت بالنسبة له أفضل من مقطوعة لعازف كبير، لكنه سريعًا استغرب ردَّها وهدوءها، فالتزم الصمت من جديد حتى وصلوا وذهبوا إلى الفندق. أعطاهم راحة أربع ساعات، وقبل أن تصعد “توتا”، قال لها:
– حجزتلك أوضة لوحدك علشان تكوني براحتك وتركزي في البطولة، اتفضلي المفتاح.
أخذته من يده وصعدت غرفتها وعقلها يتأرجح بين الأفكار والتوهان، ارتمت على الفراش تنفض عن ذهنها أي مشاكل حتى تركز في هدفها وما جاءت لأجله، بعد انتهاء المهلة اجتمع الجميع بنشاط وحماس، كان “حازم” حنون على الجميع يعطيهم النصائح ويدربهم على أعلى مستوى، وحين جاء موعد البطولة، كان لا يفارق الفريق وبالأخص حبيبته، وكانت البطولة في خماسي الحديث فهي عبارة عن خمس رياضات يلعبهم اللاعب خلف بعض، مكونة من السباحة والركض والرماية والسلاح والفرسية، فبدأت بالركض، وحصلت على المركز الثاني، شجعها “حازم” أكثر، ثم توجهت إلى السباحة التي حصلت فيها على المركز الثاني أيضًا، فخرجت من المياه تبكي بقهر، تقدم إليها “حازم” بالمنشفة وضمَّها بقوة يقول لها بتشجيع:
– مش عايزك تزعلي لسه قدامك تلت لعب تجيبي فيهم اسكور، انسي اللي عدى وركزي في اللي جاي، وأهم شيء رخي أعصابك وبلاش تكوني متشنجة وأنتي بتلعبي، بطلي عياط أنا متأكد إنك هتوصلي للفاينل.
تحمست من حديثه وتوجهت إلى الرماية كانت عينيها لا تفارق عينه فكان يشير لها بتوجيهاته وما يجب أن تفعل وتستجيب وتفعل كما قال لها وخرجت من هذه اللعبة بمركز أول، ثم دخلت على الفروسية بعدما أعطاها بعض التعليمات والتحذيرات والتشجيع، فقد استطاع أن يبث بداخلها الثقة وجعلها تعتمد عليه ولا تخطو خطوة بأي رياضة إلا بعدما تأخذ منه بعض التعليمات، كسبت أيضًا بالفروسية وتوجهت إلى السلاح.. كان يقف بجوارها حركة بحركة ويخبرها ببعض الحركات حتى تتفادى ضربات اللاعبة التي أمامها، وفي وقت الاستراحة خلعت خوذتها وهي تصرخ، وأردفت:
– البنت معتمدة على النط والضرب من فوق.
أمسك وجنتها بحنان:
– أنتي حققتي اسكور كويس، اهدي وركزي مش مطلوب منك غير أنك تتفادي ضرباتها، تمام.
أومأت برأسها وهي تتقدم وتستعد للقتال، وظلت تفعل كما قال لها ودخلت الفاينل، ركضت بفرحة وأمسكت يده شعرت بشيء غريب فهي لأول مرة تمسك يده ذهلت من تعريج العروق البارزة بيده، لكن هو كان سعيدًا جدًّا، ولم يلحظ ذهولها وهي تحرك أناملها على كل خط يبرز داخل يده، بارك لها وفعل كل هذا من جديد بالفاينل حتى كسبت وحصلت على مركز الأول، ومن هذا الفريق بنت ثانية أخذت المركز ثالث، كان سعيدًا بهما جدًّا، وكان يصبر باقي الفريق الذي لم يحالفه الحظ، وعندما جاء الدور على “توتا” توجه كلمة شكر، انسحب حتى لا تؤثر كلماتها القاسية على فرحته، كانت تتابعه بعينها وهو ينصرف بهدوء، قالت بسرعة تدل على سعادتها:
– أولًا أحب أن أشكر والدي على دعمه لي باستمرار، وعلى ثقته بي وبالكابتن “حازم”، الذي جعله يكمل مسيرته التي بدأها، والحمد لله كان على حق في الاختيار.
– ثانيًا كل الشكر والتقدير لكابتن حازم الذي بذل معنا أقصى ما في وسعه، فمجهوده يحسد عليه.
كلامها أذهله جعلت أقدامه تتجمد بالأرض، فصدمه أكثر تقدمها نحوه وهي تقول:
– ثالثًا وأخيرًا، هو من يستحق هذا الكأس لمجهوده وتعبه معي أنا وأصدقائي.
نبض قلبه وتدفقت الدماء بسرعة إلى وجهه جعلته يرجع للحياة، ابتسم لها وهو يعانقها:
– أشكر جميع أعضاء الفريق على تحملهم لي في وقت التدريب.
ثم قال لـ”توتا” بهمس:
– بحبك.
ابتسمت له، وظهر صف لؤلؤ أسنانها، وقبل أن تتفوه.. فرقوهما عن بعضهما باقي فريق الشباب وقاموا بحمل “حازم” وظلوا يهتفون بفرح، وباقي الصبايا باركوا لها.
رجعت “توتا” و”حازم” بيتهما في مصر وكل منهما في جعبته الكثير من الاعترافات والكلام، يريد أن يبوح به للآخر. كانت تجلس على الفراش تتأمله وهو يعمل على حاسوبه الخاص بملامح متحفظة، رمقها شزرًا ثم قال بعد أن تنهد بتعب مما يفعله:
– توتا أنتي كويسة؟
تنحنحت بحرج، ثم أومأت رأسها بتأكيد أنها بخير، زفر بارتياح فقالت باستفهام:
– حازم.. أنت عايز تقول حاجة؟
قام من مكانه وتوجه ليجلس بجوارها، يقول بلهجة ماكرة:
– أنتي في حاجة عايزة تسمعيها.
منحته ابتسامة رقيقة بملامح مسترخية:
– لا أبدًا.
تطلعها بعين هائمة، ثم اقترب منها أكثر يرفع خصلات شعرها، وأخذها داخل أحضانه، تقبلت الوضع ونامت وهي تعانقه.
ذهب “مستقبل” إلى النادي حتى يقابل “كارما” التي تنتظره بفرحة عارمة؛ فهو وعدها بنزهة اليوم لا تحلم بها، تقابلت بزميل لها صدفة وقفت تتحدث معه، وتقول بابتسامة:
– هي فين الندلة منى، من ساعة ما اتجوزت وسافرت محدش سمع صوتها.
أجابها بعد وقت بابتسامة مريرة تكونت على شفتيه وهو يخبرها بصوت حزين:
– منى ماتت من شهر.
انصدمت ودموعها انحدرت لا إراديًّا، رفع الشاب يده يجفف دموعها، وربت على كتفها، ثم أردفت بحزن:
– البقاء لله، وآسفة والله ماعرفتش بالخبر الحزين دا.
أجابها بنبرة منخفضة مكسورة:
– البقاء لله وحده.
وانصرف وهو يتذكر أحزانه وتزيد آلامه، كان “مستقبل” يشاهد كل هذا المشهد، لكن عندما اقترب كان زميلها انصرف وكانت وحدها بالمكان، وقف صامتًا ينتظر أن تحكي أو تقول له أي سبب يبرر كل ما حدث، لكنها صمتت هي الأخرى. اشتعلت نيرانه، وهي يرتسم الحزن على وجهها على موت صديقتها الصغيرة، ورجفة وخوف من أعين “مستقبل” الذي يتفحصها بوجوم، أردف أخيرًا:
– مالك متوترة كده؟
فكرت لثوانٍ تبلغه، لكنها غير قادرة على مناقشاته؛ مثل كيف عرفت، ولماذا تحدث شاب؟ فهي في غنى عن كل هذا. تود أن تقضي يومًا جميلًا ينسيها همومها، أبلغته بنبرة خافتة:
– آه كويسة، أمال زعلانة ليه؟ شكلي جيت في وقت مش مناسب.
قالها وهو يتطلعها بنظرات مستاءة، فردت نافية لما قاله:
– مش زعلانة.
– أمال إيه البوز دا؟
– دا مرسوم تاتوه.
كز على أسنانه، وفضل الصمت حتى لا يسحق عظامها أمام أعين المارة، أمسك مفاتيحه يخرج بها غضبه، وظل ينقر بها على الطاولة، حتى أعلن هاتفه عن وصول رسالة من صديقه، كاتبًا له:
– وحش أنا في انتظارك، المكن بقى يطلع نار، انجز جايبلك كام إزازة من الصنف النضيف لزوم السهرة.
ثم بعث له ملصق وجه يغمز.
رواية غرورها جن جنوني الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ابتسام محمود
رد عليه “مستقبل” بملصق يبكي من كثرة الضحك ثم كتب:
– حضر أنت بس المكن، وأنا هوصل خطيبتي واجيلك، اشتغل في المكن، وخلي الإزازة ليك.
قرأت كارما المحادثة من زجاج نظارته الشمسية التي تعكس الصورة التي أمامها كالمرأة، نجحت في كتم غيظها كما فعل هو منذ قليل، وبعد الانتهاء من الهاتف نهض يقول بوجوم:
– يالا علشان أوصلك.
– توصلني فين؟ مش كنا هنخرج.
تفوهت بها وهي تغضن جبينها بتساؤل حائر، وقف في مقابلتها يخبرها من بين أسنانه باستخفاف:
– هو أنا كنت حاسبتك على خلقتك المقلوبة، علشان أنتي تحاسبيني.
– إيه اللي بتقوله دا، أنا زي الفل.
– آه ما أنا واخد بالي.
اعتصر قبضة يده حتى هرب الدماء منها، وأكمل بعد صمت دام بضع دقائق:
– معلش صدعت فجأة، يلا أوصلك.
ربعت يدها بتأفف لتقول بتساؤل حتى يفسر لها ما قرأته ويوضح لها الصورة:
– ممكن اعرف لما توصلني هتروح فين؟
– عندي شغل هخلصه.
أجابها وهو يضع يده في جيب بنطال الجينز الذي يوجد به تقاطيع كثيرة، التي أصبحت موضة العصر، فقالت بحدة:
– لا والله.
رفع حاجبه وقال بثقه وتأكيد:
– آه والله، وامشي بقى علشان روحي في مناخيري.
تحركت بهدوء مخادع، يحمل الكثير والكثير من تأكدها أنه ما زال يخونها ويخدعها.. قلبها تمزق، ثم بررت له فعلته وقالت:
– ممكن زعل علشان وشي زعلان، ما اللي ماتت مش قطة دي صاحبتي، ما كنت قولتله وخلص الحوار، ما كان هينكد بردو على اللي جابني ويفضل يزعق ومش هيراعي احنا فين ولا الناس الموجودة بسبب إني كلمت جوزها، يووه بقى هو أنا في إيه ولا إيه، ما هو أهو رايح يخوني، ماشي يا مستقبل أنا وأنت والزمن طويل.
أما هو، فحالته يبدو عليها أنه ليس على ما يرام يضع ظهر كف يده على ثغره يعبس بأنامله، وينقر مقود العربة بطرف سبابته ويحدث نفسه:
– هي ليه ما قالتش إن كان واقف معاها شاب، ولما سألتها ليه نكرت إن كان واقف معاها، ليه عينها كانت بتعيط وهو بيمسحلها دموعها وبيطبط على إيدها، ممكن بيتهيألي؟ فوق وبطل هبل بيتهيألك إزاي وأنت شايفها بعينك ولما قربت الدموع كانت بتلمع في عينها. لتكون بتخوني، لا لا لا لا لا مش كاري، دي أنا اللي مربيها على إيدى، أمال تسمي الزفت اللي حصل دا إيه؟ ممكن اتخبطت فيه وهو كان بيعتذر، بردو ما قالتش لأهلي ليه؟
كان يطلع طاقة غضبه بالمقود الذي يعتصره تحت يده، وفجأة ضرب فرامل عندما وقف سائق التوكتوك أمامه ظل يضرب له آلة التنبيه، والسائق يتمازح مع أحد الشباب الذين يقفون بالشارع ولا يبالي للغاضب، نزل مثل إعصار تسونامي يمسك سائق التوكتك بقوة وأفرغ به غضبه حتى تجمعوا المارة وأنجدوه من بين يديه، توجه إلى العربة ثم فتح باب “كارما” المصدومة، وأخرجها وهو يوقف تاكسي بأعلى نبرات صوته حتى لا ينفعل عليها هي الأخرى، اندهشت من فعلته وجحظت عيناها بصدمة، شكت به أكثر وفقدت الثقة به نهائيًّا.
بعدما وعدها ينزهها مثل ما أخبرها في الهاتف، أصابها الضيق وتأكدت أنه عاد لطريقه المليء بالسُكْر والمجون، وخلى بوعده لها.
فهل لعب القدر لعبته حتى يفترق الأحباب عن بعضهما وجعل سوء الظن والنية أسبابًا للفراق؟
توجه وهو منفعل لصديقه، ولم يرد السلام عليه وقال بصوت مزمجر:
– فين المكن اللي بايظ.
– أكيد تحت في المصنع.
تركه وتوجه للطابق السفلي ووقف واضعًا يده على خصره يتأمل المكان والماكينات المتوقفة، تنهد وهو يزفر أنفاسه واقترب ليصلحهم بمهارة.
بعد يومين يجلس “حازم” في فيلا “مهيمن” يرسل نظرات حب لزوجته التي كانت تتهرب بعينيها حين تتقابل أعينهما، لكن دخول “كاميليا” المتشنجة الغاضبة، لفت انتباه الجميع وهي تقول بصوت عالٍ:
– ممكن افهم ليه ما بقيتش تاخدني معاك الشغل، وبتتهرب مني.
قطب ما بين حاجبيه، قائلًا باقتضاب:
– اتفضلي ونبقى نتكلم بعدين.
– وبعدين ليه، أنا عايزة جواب واحد، احنا هنتحوز إمتى.
شعر بخنجر يصيب قلبه عند سماع جملتها، فرد بتعجب:
– نتجوز!
– أمال إيه أخرتها الخطوبة.
– ممكن أفهم مستعجلة على إيه.
قالها “مستقبل” فردت عليه بسخرية:
– لا ممكن افهم هو إيه اللي مأخرنا على الجواز؟ ليكون ناقصه حاجة وأنا مش واخدة بالي!
– كاميليا اهدي ونتكلم بعدين.
قالها “مهيمن” بحدة، فردت عليه بسخرية، وهي تعقد ذراعيها:
– لا مش ههدى، أنا حامل من الأستاذ ابنك، وعايزة ميعاد حالًا.
قالت حديثها ببرود ولا تهتم بمن يجلسون، ذهل الجميع من جرأتها، وضعت “توتا” يدها على فمها غير مصدقة ما تفوهت به، وجحظت عين “حازم” فهو يعرف صديقه جيدًا، غير مستوعب لكلامها.
نهضت “نايا” بعينين دامعتين تحدق ببطنها، وهي الأخرى تتحسسه، ثم قال “مهيمن” بغضب:
– انجزوا حضروا نفسكم وكفاية فضايح.
وقف “وجود” منصدمًا هو الآخر، كيف يحدث حمل وهو لم ينغمس معها للنهاية، حاول أن يخرج كلامه بدون أي إساءة وقال من وسط دهشته:
– لا ثانية.
ثم توجه يحمل كتابًا مغلقًا وقلمًا مغلقًا، واقترب من المنصدمون وأكمل:
– ممكن تفهميني إزاي حبر القلم دا هيدخل جوه الكتاب والكتاب ما زال مقفول.
ابتسمت بتهكم وأخذت منه القلم وفتحت سنه، جعلت الحبر يتدفق منه وأقتربت به فوق الكتاب، جعلت الحبر يتوغل بين صفحاته بحرية، فقالت باستهزاء:
– وبكده دخل، ما القلم لو كان احترم نفسه وكان فضل بعيد، الكتاب كان هيفضل نضيف زي ما هو.
فردت “توتا” وهي مندفعة بعصبية، تريد أن تمسكها من شعرها تمسح بها الأرضية:
– بصي يا حبيبتي اللي عنده معزة بيحابي عليها، ما بالك بقى اللي سايبة كتابها كل قلم معدي يكتب فيه سطر.
رفعت “كاميليا” يدها حتى تصفع وجهها، لكن الجميع رفعوا أيديهم بسرعة حتى يمسكوا يدها، فأمسكها الأول “حازم” الذي كان سرعة بديهته أسرع من الجميع، ثم حدقها وقال من بين أسنانه وهو يعتصر كف يدها بقبضته القوية:
– أنتي اتهبلتي، إزاي تمدي إيدك عليها.
أمسكها “مهيمن” من ذراعها بعنف أفلتها من قبضة “حازم” وأبلغها بعد أن كان يصب غضبه على أسنانه وهو يجز عليها:
– اللي حصل مش هيعدي بالساهل.
تمكن “مستقبل” من السيطرة على غضبه وقال باستخفاف:
– مش بتقولي حامل، هاتي ما يثبت وغير كده ملكيش حاجة عندنا، والدكتور احنا اللي هنختاره يا قطة.
تبكي بحرقة مصطنعة وتقول وهي تفلت يدها من يد “مهيمن”:
– أنا اتهنت في بيتك يا وجود شكرًا أووي على استقبالكم ليا وأنا حامل في ابنكم، وعلى العموم اديني يومين نفسيتي ترتاح، وأروح معاكم في أي مكان تحبوه، بس افتكر اللي اتكسر جوايا عمره ما هيتصلح يا وجود.
ثم ركضت وهي تشهق، شهقاتها تخترق قلب “وجود”، هل هي حامل حقًّا؟ وجدها بعد خمس دقائق، على أعتاب بوابة الفيلا نادى عليها وقفت ترفع أنفها وتتطلعه بعنجهية:
– نعم.
– أنا آسف على كل اللي حصل جوه.
– هعمل إيه بأسفك.
– إيه يرضيكى.
ابتسمت كالأفعى وهي تقول شروطها:
– نتجوز في أسرع وقت، وتقطع علاقتك بعيلتك خالص.
– أنتي بتقولي إيه.
قالها بدهشة وريبة، فتقول وهي تتصنع البكاء:
– ده اللي يرضيني، أهلك أهانوني يا وجود.
ثم ترمي رأسها على صدره، رفع يده يربت عليها:
– ممكن تهدي وتقعدي تشربي حاجة.
– لا يمكن أقعد في البيت دا ثانية بعد كده.
قالتها وهي ترفع رأسها تجفف دموعها، فقال حتى يراضيها:
– طيب تعالي نروح فيلاتكم أصلي مش هسيبك وأنتي في الحالة دي.
– أوكي.
ذهب معها وجلس بالحديقة وجلب لهما الخدم عصير ليمون، وظل يكلمها ويهدئها، ثم وضع يده على جيب بنطاله لم يجد هاتفه، فقالت:
– بتدور على حاجة.
– تليفوني، عايز اعمل مكالمه مع شركة “…” ضروري، شكلي نسيته في البيت.
أخرجت هاتفها من حقيبها ومدت يدها له:
– خد الموب اعمل المكالمة الرقم متسجل عندي.
أخذ الهاتف وهو يبتسم ثم اتصل، قامت تغير ثيابها واستمر هو في الحديث معهم حتى دخلت، وعندما أغلق معهم، لعب بالهاتف بضع دقائق سريعًا ثم تركه من يده، أتت له وهي تبتسم، بادلها الابتسامة:
– خلاص مش زعلانة.
– أنا ما يهمنيش غيرك، وما دام هتنفذ كل طلباتي، إيه هيزعلني.
– الحمد لله كده الواحد يروح الشغل وهو مرتاح.
– تمام يا بيبي باي.
قالتها وهي تميل عليه تقبله على وجنته اليسرى.
بعد وقت صعدت “توتا” درج سلم منزلها، وقالت لزوجها وهي تجلس على الفراش بابتسامة:
– ميرسي على اللي عملته النهاردا علشاني.
– توتا أنتي غالية عندي أوي، وعمري ما هسمح لحد يقربلك وأنا موجود على وش الدنيا.
– ميرسي يا حازم.
قالتها وهي تنزل بصرها بعيدًا عنه، فقامت تبدل ثيابها، فأردف بترجٍ:
– بكرة فرح صاحبي، ممكن تحضري معايا.
وقبل أن ترد أكمل:
– أنتي وعدتيني إنك هتروحي معايا يوم ما روحت معاكي عيد ميلاد ابن سليم.
– آها فاكرة، هترجع من شغلك هتلاقيني جاهزة.
– هخلص بكرة الشغل متأخر هستناكي تحت، أول ما أرن عليكي انزلي.
– طيب مش هتغير.
– هغير في المستشفى.
أومأت برأسها، ثم توجهت لغرفة الملابس ووقفت أمام خزانته تتأمل ملابسه، لمحت ورقة مطوية أخذتها وجدتها مكتوبة باللغة الإيطالية، تذكرت البنت التي كلمها سابقًا وأتت معه إلى المنزل، ابتلعت ريقها وقرأت ما بها جحظت عينيها من جملة التهديد:
“لقد عرفت العلاقة بينك وبين أختي لاروا، أعدك لن أرحمها ولا أرحمك”.
وقفت تضع يدها على فمها تحاول كبت دموعها، فهو لا يحبها حقًّا، وكل هذا كان يخدعها حتى يحصل على الوظيفة التي قال عنها منذ البداية، ولماذا اعترف بحبه عندما كان فاقد الوعي، دخل عليها وجدها متجمدة بالقرب من خزانته اقترب منها لمحها تحمل ورقة كان يخفيها وسط ثيابه، مد يده يسحبها منها بملامح متشنجة، فبصرته بحدة:
– ممكن افهم طالما عندك علاقات قذرة، بتتجوزني أنا ليه.
قبض على الورقة، وقال من بين أسنانه:
– أظن ملكيش علاقة بخصوصياتي، وبحذرك يا توتا إياكي تفتشي في حاجتي تاني.
– أنت كنت بتلعب بمشاعري كل دا، وأنت ما شاء الله عليك مقضيها.
قالتها وهي تحاول كبت دموعها، بنبرة تحمل قطرات البكاء والألم، فرد عليها بعصبية:
– أقضيها ما أقضيهاش شيء يخصني.
وضعت يدها على جفنيها ترغمهما على عدم البكاء، ثم رفعت رأسها تبلغه وهي تبتسم:
– آه صح ما يخصنيش، سوري يا كوتش نسيت الاتفاق اللي ما بينا، بعتذر ليك وأوعدك مش هنسى تاني مرة إن جوازنا لمصلحة مشتركة والحمد لله مصلحتي خلصت، عقبال مصلحتك علشان اخلص أنا كمان.
شعر بدلو ثلج انسكب داخل فؤاده، فأصابه بخفقان في دقات قلبه، وحينما فاق اكتفى بقوله العنيف:
– بحذرك يا توتا ما تقربيش على أي شيء ما يخصكيش.
وقفت كالنمرة المغرورة، تلبس عباءتها القديمة من جديد وتبلغه بتحدٍ:
– حاضر يا كوتش كويس إنك فكرتني إنك ما تخصنيش، إن شاء الله مش هتعدى حدودي تاني، وبعد إذنك الطريق أعدي أحسن اخبط فيك وتنصب محكمة.
كان يقف يضع يده بجيب بنطاله يعض شفته بقوة، ثم عند قولها آخر جملة، رفع يده سحبها من رقبتها قبل أن تذهب، جعلها تقف في مقابلته يخبرها بحدة:
– ما تستفزنيش أكتر من كده، بلاش تختبري صبري في الوقت دا، اسكتي ولمي الدور.
رفعت يدها وهي تزج يده وتردف باستهزاء:
– على ما أظن إني مش من خصوصياتك فبلاش تلمسني تاني، أحسنلك.
اقترب منها خطوة جعلها ترجع خطوة للخلف، وقال بنظرات تحدٍ وعند وهو يرفع يده يحاصرها بمنتصف جسده:
– هتعملي إيه.
أنفاسه الحارة لفحت وجهها، مسحت وجهها من قربه وقالت بنبرة مرتعشة:
– هتعرف ساعتها.
كلامها يزيد اشتعاله، فأخبرها بهدوء حاد:
– توتا أنا ما بتهددش، وقولتك قبل كده عقابي مش هيعجبك.
وقفت بجمود ترد عليه:
– ما تقدرش تعاقبني، وأعلى ما في خيلك…
قالت آخر جملة وهي تمثل أنها تمسك لجام حصان وتخرج أصوات طرقعات من بين أسنانها ولسانها حتى ترغم حصانها على المشي، جعلته يستشيط من الداخل:
– الظاهر كده مفيش حاجة هتسكتك غير عقابي إياه.
وقبل أن تتفوه، التقط شفتاها بقبلة تحمل عنف، غضب، قوة، وتحدٍ.. هذا ما وصل إليها، لكن داخله يفض كل ما يحمله من غضب تصرفاتها العنيدة معه وهجرانها لمشاعره، جعلها تتسمر وتتجمد مكانها حتى ما ابتعد عنها ورمقها بنظراته الناعسة، فرفعت يدها مسرعة تصفعه على وجهه لكنه أمسك يدها باستياء، وقال بتهديد:
– شكلك ما اتعلمتيش الأدب، فهزود العقاب يا حلوة.
بعد انتهاء جملته حاولت فلت يدها تهدده:
– هقتلك.
لا يبالي لفظاظة حديثها وحملها وألقى بجسدها بوحشية على الفراش، وكاد أن يهجم عليها بعدما نزع ملابسه، فاجأته وهي تنهض مهرولة من أمامه كالفأر المذعور ودخلت إلى الحمام تختبئ به، وأغلقت على نفسها بإحكام، استلقى على فراشه كالأسد المستمتع بانتصاره على فريسته:
– ابقى اسمع صوتك الحلو دا بتهرتلي بيه قدامي تاني.
تأففت وهي تخرج صوتها المستشيط، جلست بالمرحاض وقـتًا، ثم فتحت الباب بهدوء وتسحبت على أطراف أصابعها، وجدته يستلقي على الفراش بأريحية، ولا يرتدي إلا بنطالًا قطنيًّا، أخفضت بصرها بحرج وتوجهت لباب الحجرة وجدته مغلقًا بالمفتاح، رمقته بحدة وهي تبحث عن شيء حاد ينهي حياته، لكن عندما تحرك ركضت وهي تسحب غطاء خفيف ودخلت المرحاض مرة ثانية.
رفع رأسه عندما أغلقت الباب، زفر أنفاسه من عنادها يود لو ينهض يكسر رأسها حتى تتعلم مع من تلعب، لكنه أغلق عينيه منتظرًا النوم يأخذه بأحضانه حتى يخفف عنه أعباءه الداخلية قبل الخارجية.
بدأ الخيط الأبيض يتبين من الخيط الأسود فكانت السماء لونها خلاب؛ تتخطى باللون البرتقالي فألوانها الساحرة جعلت “حازم” الذي لم يذق طعم النوم يعمق النظر بها بشغف، دخل شرفته يفتح المرحاض وجدها ما زالت بالداخل وتغلف الباب بالمفتاح، أخذ ثيابه وتوجه للمرحاض الموجود بالأسفل، ثم ذهب لعمله بالمشفى.
كانت تنغمس بالنوم حتى رفعت يدها تتحرك، ففتح صنبور الماء بدون قصد، قامت فزعة تصرخ وهي تغلق المياه، نهضت ممسكة ظهرها متألمة، خرجت من داخل “البانيو”، الذي عدته فراشًا مريحًا وغاصت بالنوم بارتياح طوال الليل، فهو الذي حماها من براثن الأسد الهائج، تقدمت نحو الباب تفتحه بهدوء، ثم نظرت يمينًا ويسارًا، ظهرت الابتسامة على شفتيها حين لم تجده موجودًا، دلفت على الفراش دون أن تغير ملابسها المبتلة لاحتياجها للنوم، وغاصت في ثبات عميق.
في المساء كانت الشمس تجر أذيالها كالعروس، وقف “حازم” أسفل المنزل يتأمل جمال صنع الله، عندما سقطت الشمس وراء البيوت المرتفعة، وسكن القمر كبد السماء بلونه الفضي، فنظر تجاه القمر المضيء الخلاب الذي يملأ المكان نورًا، فهو يشع طاقة أمل داخله، ووعد نفسه أنه سوف يجلس تحته قريبا معها، مثله مثل كل العشاق الذين يجتمعون تحت أنواره.
انتظر حضورها كثيرًا بالأسفل كما اتفق معها ليلة أمس، حين تأخرت عليه رن عليها ولم يجد ردًّا، اعتصر شفته بأسنانه، ثم أعاد الاتصال مرة ثانية، وعندما فقد أعصابه ترجل من العربة بعصبية مفرطة، وتوجه لداخل المنزل يهلل وينادي عليها بصوته الجهوري الحاد لم يجد استجابة منها، وتذكر كل ما حدث البارحة واعتقد أنها تعانده كما تفعل دائمًا، بحث عنها كالوحش الهائج وجدها تتسطح على الفراش وتغطي جسدها بالكامل، أزاح الغطاء بقوة، وجدها تنتفض من كثرة ارتعاشها، اقترب منها بقلق وذهب عنه في لحظة واحدة الغضب كليًّا؛ فقد تحول إلى عصفور ضعيف مفزوع لا يقدر على فعل شيء، هزها بلطف لكن لا فائدة، مد يده يأخذ الهاتف الذي يوضع على بطنها وجد صور متحركة على أغنية “جوايا ليك أحساس بيكبر كل يوم” فكانت تلتقط بعض الصور لها تجمعها معه، وهو غافل غير منتبه، مرة حين يربط حذاءه، ومرة يقف يتحدث بالهاتف، ومرة يقف بالأسفل، وكثير من الصور التي تجمعهما وهو لا يعلم، ترك المحمول وجس حرارتها فكانت حرارتها عالية جدًّا، حملها بسرعة ووضعها أسفل الماء، انتفضت بقوة وفتحت عينها واحتضنته بقوة وهي تهمس بشفايف مرتجفة:
– احضني أوي أنا بردانة، دفيني.
– معلش لازم الماية تنزل عليكي علشان الحرارة تنزل.
قالها بخوف وقلق عليها، فرمقته بعينين بالكاد تستطيع فتحهما، وقالت بنبرة همس مغلفة بشوق وحنين:
– أنا عايزة حضنك، عايزاك يا حازم.
رواية غرورها جن جنوني الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ابتسام محمود
قالتها وهي تمسكه من جاكت بدلته تتأمله بملامح هائمة وعينين ناعستين، تعترف باحتياجها وحبها له، لكنه لم يركز في حديثها، يصب كل تركيزه في إسعافها.
رفعت يدها المرتعشة تجذبه من رأسه عليها ثم قبلته بثغره برقة، كانت دعوة منها ليلبي نداء عشقها ولحظات ضعفها.
ذهل مما فعلت، شعور غريب انتابه بين نارين الاقتراب والبعد، يريد أن يطفئ نيران عشقه، ولكنه يريدها في كامل إفاقتها حتى تشعر بحممه وعشقه لها، وتتجاوب وتحيا وتبحر في بحور حبها.
كان يصارع روحه في أن يبتعد عنها، لكنه كان منجذبًا بشدة، مثل الذي أصابته صاعقة ولا يستطيع البعد أو التحرك.
رمقها بشوق وقال في نفسه: كيف أستطيع البعد عنك يا حبيبتي وفؤادي مشتعل ومتلهب شوقًا؟ أريدك بشدة أكثر منك، متلهفًا لأنفاسك التي تحييني، مشتاقًا للمسة يداكِ التي تزيد من رغبتي بكِ، لكنني أريد مشاركتك معي لتنعمي بنيران أشواقي، وحنيني.
كاد أن يبتعد لكنها غافلته بلمساتٍ على صدره، كأنها تعزف ترنيمة باحتراف؛ جعلت قواه تنهار أمام نظراتها الحارقة.
لم يبالِ لحالة عدم الوعي الكاملة التي تنتابها، استنجد بكل أصوات التحذير في أُذناه والتي تحاول أن تبعده، حتى لا يتكرر اللقاء بينهما مثل أول مرة حين كان فاقدًا للوعي، دون فائدة.
لم يشعر بنفسه إلا حين تجاوب معها وذاب الاثنان معًا، انصهرا كما ينصهر الثلج، وعاش أجمل اللحظات معها، وبثها من الحب كما يسرد في كتب العاشقين.
وبعدما مضى الوقت الذي لم يعلم كم مضى منه، حملها وألبسها ثيابها، وأعطاها خافضًا للحرارة.
طلبت بعينيها منه أن يتسطح بجانبها، ولا يتركها بمفردها، نفَّذ ما أمرت به على رحب وسعادة، فقد كان بداخله سعادة لا توصف ولم يصادفها من قبل، وكم تمنى أن تدوم، ويتكرر هذا اللقاء الحميم لآلاف المرات، ما أجمل لقاء العاشقين!
واعتلت رأسها على صدره القوي ونامت محتضناه بكل حب وتملك.
***
وقفت “كاميليا” في حديقة فيلاتها تجري مكالمة مع شخص:
– حضرت اللي قولتلك عليه.
– لسه يا حلو.
– ولسه ليه؟
– ما أنتي لو تسمعي كلامي.
– بقولك إيه، انجز لأن أنا على أخري، باي.
أغلقت بوجهه وجلست وهي تهز ساقها ضيقًا.
كان من يسمع المكالمة يجلس على مكتبه ولا يفهم شيئًا مما سمعه من هذا التسجيل الذي وصل إليه عبر رسائل الهاتف، ثم نهض “وجود” يجن من المكالمة المجهولة.
فلاش باك
عندما كانت “كاميليا” تفضح الأمر وتطلب منه أن يتزوجها، وعندما قررت الانصراف مشى “وجود” خطوة خلفها، لكن أمسكه “حازم” الذي يشتعل غضبًا على زوجته:
– البت دي عينيها فضحاها باينة أوي إنها بتمثل.
رفع “مستقبل” يده يأكد كلامه، فقال “مهيمن”:
– مهما يحصل مش هيغير في حاجة ما دام الهانم حامل من سيادته.
– كوتش أنا هثبتلك إنها مش حامل.
– إزاي؟
قالها “وجود” بتلهف، فرد بعقلانية وغل في آن واحد، وعندما أنهى كلامه، جعله ينصرف وهو يتنهد.
أبلغه “حازم” يتفنن:
– تروح وراها تعمل نفسك بتصالحها، وتعمل إنك نسيت تليفونك وعايز تعمل مكالمة مهمة، وبكدا هتاخد فونها، تحمل برنامج التجسس دا عليه.
– ما هتشوف الأيقونة لما تاخده.
قالتها “توتا” بعدم خبرة وفهم، فرد “وجود” بتذكر:
– البرنامج بيكون مخفي وملهوش أي أيقونة، إزاي ما خطرش على بالي الموضوع دا.
بااااك..
جلس “وجود” يحاول أن يستنتج أي شيء من المكالمة فلم يصل لخيط يسحبه ويفهم منه مقصدها، فعزم على مجاراتها في كل شيء حتى يصل لبدايته وآخره.
***
فاقت “توتا” من نومها ظهرًا، وجدت نفسها تضع رأسها على شيء صلب ناعم الملمس، حركت عينها شزرًا وجدت نفسها تعدت حدودها.
نهضت مفزوعة رمقها بحب وقام يطمئن عليها، أجابته بخجل:
– هو حصل إيه، آخر حاجة فاكراها كنت نايمة وكنت هتصل بيك بس.. بس…
تذكرت أنها عندما أمسكت الهاتف، بدلًا من أن تتصل به شاهدت الصور التي اختلستها من قبل، تنحنحت وقالت:
– هو فين تليفوني؟
أشار برأسه على الكومودينو، أمسكته وحمدت الله أنه فصل شحنه ولم يرى شيئًا، فقال باهتمام:
– استريحي هجيبلك فطار.
تحرك بؤبؤ عينيها يمينًا ويسارًا، بتوتر ثم أبلغته:
– ميرسي، هنزل أنا اعمل وهعمل حسابك معايا.
اقترب عليها واضعًا يده على رأسها يجس حرارتها، ثم قال باعتذار:
– معلش مش هلحق متأخر على الشغل.
نظرت على ساعة الحائط وجدت بالفعل أنه متأخر فهو عادة ما يذهب إلى عمله باكرًا، فرد عليها وهو يمسد شعرها الحرير الطويل:
– ما رضيتش أقلقك واستنيتك تصحي، علشان اطمن عليكي.
– ميرسي يا حازم، بس هو أنا مالي؟
– كنتي سُخنة شوية.
ثم تركها هاربًا، حتى لا تسأل أي سؤال ثانٍ، وعندما سار عدة خطوات، أوقفته بندائها عليه قائلة باستفسار:
– حازم.. هو حصل إيه امبارح؟ أنا مش فاكرة حاجة خالص.
ابتسم بإحراج، وهو يمسد شعره للخلف بكف يده:
– ما قولتلك كنتي سخنة.
– ما دي عرفتها، حصل إيه لما لقيتني سخنة.
– عملتلك كمادات.
– بس.
– بس.
تنحنحت وهي تبلل شفتيها، وتقول بحرج:
– بس دي مش الهدوم اللي كنت لبساها.
صمت قليلًا وأخبرها بتهكم:
– آه ما أنا نزلتك تحت الدش.
كست الحمرة وجنتها وظلت جفونها ترمش:
– طيب امشي يا حازم الله يسهلك.
– ما كنتي ماشية حلو، قلبتي ليه؟
قالها عندما رأى خجلها لأول مرة، كانت ملامحها مطلية بالدماء المحتقنة، عينيها الواسعة تتهرب منه، كانت تشبه القطة الصغيرة في رقة ملامحها، فأردفت بكسوف:
– امشي يا حازم، أحسن جناني يطلع عليك.
– لا بلاش، أنا عامل دماغ ومش عايز نكد.
– تقصد إيه!
قالتها وهي تضيق عينيها بدون فهم، فأجابها بمشاكسة:
– ما اقصدش سلام يا حلوياتي.
انصرف من أمامها وعلى وجهه ابتسامة تزيد وسامته، وجلست تعصر دماغها حتى تتذكر كل ما حدث.
***
مر يومان وأتى يوم زفاف “سليم”، كان “مستقبل” ما زال يتجاهل “كارما”، وكل منهما محتفظ بأسباب تجاهله للطرف الآخر لنفسه، وحامل الكثير داخله، كان العروسان في قمة سعادتهما، الحب يظهر في عينيهما وفرحتهما ببعضهما.
تقف “زينة” حزينة مع “كارما” التي ترسل نظرات غيظ وضيق لخطيبها الذي لا يبالي بوجودها أمامه.
دخلت “كاميليا” بشموخ وغرور وهي تضع يدها بيد “وجود”، فقالت “كارما” بابتسامة تحمل الاشمئزاز عندما اقتربوا منها:
– سبحان الله، عاملة شبه الوردة.
ثم تكمل بصوت منخفض:
– اللى بتشفط الأكسجين وتوزع ثاني السيد الكربون اللي بيخنقنا بوجوده.
أجابتها بأنف مرتفعة:
– ميرسي.
ثم قالت لـ”وجود”:
– يلا يا روحي من هنا.
كانت “زينة” تقف تطالعه باشتياق وحب، وقهر وألم، انسحبت تجلس على طاولة بعيدة، حتى شعرت بغثيان، ولم تنزف هذا المرة من أنفها، نزفت نزيفًا شديدًا حتى غرق فستانها من كثرة الضغط النفسي، أحرجت أن تقوم فيرى الحاضرون فستانها الملطخ بالدماء، أمسكت يد “مستقبل” الذي مر بجانبها صدفة، وهمست بصوت متعب يخرج كالهواء بحروف متقطعة:
– مستقبل اندهلي كارما.
بحث عليها بعينه لم يجدها، فمال عليها بقلق:
– مالك يا زينة؟
اخفضت نظرها بتعب وتلألأت دموعها:
– شوف توتا، أي حد يا مستقبل.
لاحظ “وجود” ملامحها المتعبة، نهض من جوار “كاميليا”، فاشتعلت غضبًا وأمسكت يده حتى لا يذهب لها، لم يهتم بها وأفلت يده بعدم اهتمام، وتوجه لـ”زينة”، ثم وضع يده على كتف “مستقبل”، فرحل وترك لهما مساحة، أمسكت بنطاله بقوة مستنجدة به:
– الحقني يا وجود بطني بتتقطع، ومش شايفة كويس.
ينظر أسفل قدمها يرى بركة من الدماء، قلع جاكت بدلته ووضعه على كتفها، ثم حملها بين ذراعيه بدون تفكير، أدخلها سيارته وذهب بها للمشفى، ركضت خلفه “فريدة” و”دانية” و”كارما” عندما علمن بالأمر.
فقدت “زينة” وعيها وهو يحملها عندما وصل أمام المشفى، وضعها على الفراش ومال ليترك على جبينها قبلة صغيرة، وهمس أمام شفاتيها بلهفة وحب:
– بحبك أوي، ما تسيبنيش أرجوكي.
دخل الطبيب مسرعًا يباشر عمله، ثم من بعده “شادي” الذي كان لديه نبطشية، ويأمره يخرج من الحجرة بطريقة عنيفة، نفَّذ كلامه بدون مناقشة ووقف بالخارج، حضر الجميع وقال الطبيب بعد الفحص:
– توتر وضغط عصبي شديد أدى لنزيف.
اقتربت “فريدة” من “وجود” بلوم وعتاب فعانقها، بكت بحرقة:
– ليه يا وجود، ليه؟
لم يقدر على التفوَّه أو التبرير، واكتفى بأن يربت على ظهرها بحنان، خرج “شادي” كالثور الهائج يشير عليه بالسبابة اليمنى، وهو يسحب “فريدة” من أحضانه:
– اتفضل امشي، وإياك يا وجود أشوفك تاني بتكلم زينة ولا تقف في طريقها.
رمقه بنظرات مظلوم لا يقوى على الدفاع عن نفسه، وتمنى أن يكون أخرسًا حتى يبرر لنفسه صمته، أخرج تنهيده حارة ومشى وهو يشعر بالقهر.
***
حين أفاقت “زينة” تطلعت بالمكان تبحث عنه، اقترب منها الجميع يطمئنوا عليها.
طلبت أن تمشي، استجاب لها والدها، وعندما وصلت فيلاتها دخلت غرفتها وبقيت معها “كارما” فقط:
– وجود يا كارما اعترف بحبه ليا، و…
وضعت يدها على جبينها، وأكملت:
– دا حصل بجد صح.
– انسي يا زينة، وشوفي حياتك.
قالتها حتى تجعلها تنسى ما يؤذيها، لكنها ردت بعصبية:
– حياتي مش ليها أي معنى من غيره.
وضعت يدها على كتفها تهدئها:
– طيب اهدى يا حبيبتى وربنا يصلح الحال.
***
كان “وجود” أصبح على ضفاف النار، لم يقدر على فعل شيء، أصبح كالمشلول.
عليه أخذ خطوة سريعة ممن لا يحبها، والآن هو يحطم قلب من عشقها من أعماق قلبه، كان يطمئن عليها عن بعيد ويراقبها من شرفته بقلب متمزق.
***
كانت “كارما” تتحدث مع صديقة لها عن ما وصلت إليه علاقتها مع “مستقبل”:
– والله تعبت من كل اللي بيعمله، الوضع كمان زاد بعد ما وعدني ما يشربش ولا يكلم بنات، بقى ما شاء الله ينام معاهم كمان.
– لا ما تقوليش كده سيمو ما يعملش كده أبدًا، هو آخره كلام وهزار.
– يا بنتي أنا شوفت الرسالة بعيني بيكلم واحد وبيقوله مكن وأزايز.
– طيب ما اتكلمتيش معاه ليه في الموضوع في ساعتها.
– لأني زهقت خلاص.
– طيب إيه رأيك ابعتي ليه حد وتختبري.
– يا بنت الإيه فكرة جامدة، بس مين هيرضى؟
– سيبى الموضوع عليا.
وقبل أن تغلق شكرتها كثيرًا، وبالفعل لم تضيِّع صديقتها وقتًا؛ كلمت صديقًا لها وأخبرته عن خطتها، وافق بعد إلحاح منها حتى يساعد “كارما” على كشف حقيقة حبيبها.
***
في ذات يوم يرجع “حازم” منزله فجرًا، ويوجد بجسده جروحًا كثيرة، يجلس على أقرب مقعد محاولًا أخذ أنفاسه بألم، وهو يضع يده على أضلعه.
عندما شعرت “توتا” بوجوده نزلت مسرعة، هلعت عندما رأته بهذا الوضع:
– حازم إيه اللي حصلك؟
اتكأ على شفته حتى يبتلع أنينه من الألم، وهو يعتدل في جلسته:
– عملت حادثة.
جلست القرفصاء وهي تقول بخوف وقلق حقيقي:
– طيب ليه ما روحتش المستشفى، قوم معايا نروح.
وضع يده على ظهره وهو يتقدم بجزع نحوها، يضع يده الثانية على شعرها:
– ما تقلقيش جروح بسيطة.
بكت حينما رأته يتألم، فقالت بصوت مبحوح:
– لا يا حازم، لو سمحت علشان اطمن تعالى قوم معايا.
أغمض عينه وهو يبتسم برغم آلامه:
– تصدقي إن بعد ما شوفت لهفتك وخوفك عليا بقيت فل.
– حازم أنت مفيش مكان سليم في جسمك، ريحني.
همس بمكر برغم حالته:
– طب ما تريحيني أنتي وخديني في حضنك.
أحرجت، برغم أنها تريد فعل ذلك لكنها لم تتجرأ على اتخاذ خطوة صريحة، فأردفت:
– إيه اللي بتقوله دا.
– مش عايزاني أكون كويس.
تضايقت من وقاحته حتى وهو يتألم، هربت من عينه بتغيير الحديث:
– هقوم أجيب مطهر وقطن.
أحضرت كل شيء لزوم تطهير جروحه، كان سعيدًا جدًّا من اهتمامها، وتحريك أناملها على جسده، وفجأه أغمض جفنه بقوة وصدرت من أعماقه رغمًا عنه أهات، بصرته بقلق وهي تسأله بلهفة:
– بتوجعك؟
نظر لعيونها بتعمق، وأخبرها:
– أحيانًا الجرح بيكون في مكان والألم في مكان تاني، لما الواحد يكون مشلول وما يقدرش ياخد خطوة صريحة.
قالها عندما شعر بقربها ولم يتحمل. يشتم عبيرها، ولمستها له، ويظل صامدًا فأغمض عينه حتى يقلل من تأثره بقربها منه.
سعلت بإحراج ونهضت وهي تقول له:
– قوم خد دش دافي يريح جسمك.
نهض مستجيبًا لها؛ لأنه بأمس الحاجة لتطييب قلبه وجروحه، نزع ملابسه ونزل تحت المياه المتدفقة بقوة، وضع يده على الحائط ورفع رأسه يستقبل المياه على وجهه، قامت هي تحمل حقيبته الملقاة على الأرض، فوقعت من يدها وكل ما بداخلها تبعثر، مالت تلم أشياءه وهي تعترف بحبها له في نفسها، وفي أثناء حملها متعلقاته لمحت شيئًا غريبًا؛ كيسًا أبيض شفافًا متوسط الحجم به عدد كبير من الماسات، نزلت دموعها؛ والآن عرفت أين يذهب في الليل، ومصدر ماله الكثير، فهو لا بد وأن يكون لصًّا محترفًا بالتأكيد، تركت كل شيء بمكانه وجرت أقدامها داخل غرفتها تبكي بصدمة، وتسب قلبها الذي انجرف وحب للمرة الثانية الشخص الخطأ.
خرج يحدثها فلم ترد عليه، أعاد كلامه فهاجت به وهي تصرخ، رمقها باستغراب ووجد ملامحها حادة، فقال بتهكم:
– أصل مش معقول كنتي من شوية مخضوضة وقلقانة، ودلوقتي ما شاء الله، مش طايقة تسمعي مني كلمة.
عندما شعرت أن حياتها لا فائدة لها، كل من أحبتهم انصدمت بهم، أغمضت جفنها تحاول أن تحدثه بدون صراخ:
– لو عايز ترتاح بجد، اقتلني يا اقتلك.
دهش من جملتها بعدما أصبحت تعامله بلطف رجعت لحالتها الأولى وأكثر، أيقن للتو أنها تعاني انفصامًا بالتأكيد.
فتركها ثم عاد إليها وهو يحمل بيده سكينًا بقوة، اتسعت عيناها وارتجفت شفتاها من كثرة الخوف، رفع يده يغرس السكين بجوارها، ويقول وهو يضغط بكل قوته داخل الغلاف الجلدي حتى يصب بها ألامه وغضبه:
– هو أنتي حاسة إنك عايشة؟ لو كان قلبك بيدق فعلًا كان حس بيا من زمان، وعلى ما أظن إنك قتلتيني خلاص من كتر تفننك في جرحك ليا، وبكده احنا الاتنين مقتولين.
قالها بقلب متحطم كليًّا زهد كل شيء، تحمَّل كل أعباء الحياة من أجلها وهي لم تعطِه الفرصة أبدًا ليثبت حبه لها.
أخذ حقيبته وترك المنزل، برغم ألمه الجسدي الداخلي قبل الخارجي، وقفت تنادي عليه بانهيار؛ كلامه أثر بها، انتشلها من الغرق وجعلها تطفو على وجه الماء، لم يستجب لندائها الصادق، هرب حتى من نفسه، لم تترك له أي أمل، أصبح محطمًا هشًّا جريحًا، تنغرس السهام داخل قلبه بلا رحمة.
جلست نادمة، برغم ضيقها من معرفتها حقيقته.
***
وصلت لـ”وجود” رسالة أخرى وهو يجلس بمكتبه، تقول فيها “كاميليا” بعصبية:
– عملت إيه في موضوع عملية اللقاح.
فرد عليها المتصل بطريقة وقحة:
– ما كنتي خلصتي على طول يا قمر ووافقتيني أقوم أنا بالمهمة دي بشكل طبيعي بدل العملية ووجع الدماغ.
– اخرس يا سافل واعمل اللي بقولك عليه.
– ما أنتي بصراحة مصعبة الموضوع أوي، عايزة واد مز تاخدي منه السائل علشان تعملي العملية.
– وأنت لما طلبت مني أجيبلك ورق تجارب حماتي، فاصلت معاك ولا عملتلك اللي أنت عايزه بالظبط.
جحظت عين “وجود” من الصدمة.
فقال لها المتحدث:
– استني ثواني معايا تليفون.
وبعد دقيقة رجع لها، فقالت بتأفف:
– كل دا؟
أجابها بعنف بغير ما كان عليه من قليل:
– أعصابك بس ليطق ليكي عرق.. أنا عبد المأمور، تعالي المستشفى حالًا.
فرحت وهي تقول:
– لقيته.
– أمال، تعالي بسرعة مستشفى “…”.
– أنا جاية حالًا.
وقف “وجود” بصدمة، يتطاير من عينه الشرار، نزل سريعًا لها، أمسكه “مستقبل” الذي جاء له خصيصًا:
– رايح فين يا عم التنين.
– سيبني يا مستقبل.
أردف بعصبية تفوق عصبيته وهو يركض خلفه:
– لا مش هسيبك وأنت كده، فيه إيه؟
أجابه وهو يصعد العربة:
– بنت الكلب بتقرطسني كل دا ولا حامل ولا هباب.
ذهل برغم توقعه ذلك، فأردف:
– خدني معاك استنى.
ركب” مستقبل” السيارة وهي تتحرك، وأخبره بعقل:
– عايزك تتصرف بهدوء، بلاش تهور.
– ما أنت ما تعرفش اللي عملته الهانم.
قالها وهو يعطي الهاتف يسمع التسجيل، وبعد قليل وصلت رسالة أخرى مسجلة؛ كانت تتحدث مع صديقتها وتقول لها كل ما دبرت إليه خلال الفترة الماضية، وكيف عرفت أن تخترق حصونه وجعلته مثل العجين بين يدها، واعترفت أيضًا أنها ما زلت بختم ربها الذي ولدت به، وسوف تعمل عملية تلقيح حتى تورطه بجوازها.
يتفوه ثغر “مستقبل” بأفظع الألفاظ البذيئة، وعندما وصلا إلى المشفى، نزل يركض يبحث عنها بثورة، فسمع شابين ممرضين يقول أحدهما للثاني بهمس:
– الحالة اللي اسمها “كاميليا مختار”، عايزك قبل ما الدكتور يعمل العملية تخليها تفارق الحياة، والدكتور يكتب سبب الوفاء نزيف؛ لأنها كانت جاية تعمل عملية علشان ترجع بنت بنوت.
– يا عم دي لسه بكرة ولو اتعرضت على طبيب شرعي هيشك.
– اسمع اللي بقولك عليه محدش هيدور ورانا.
لم يتحمل ما سمعه “وجود”، برغم كل ما فعلته به وبوالدته، هرول عليهما ضربهما حتى قالوا له مكانها، توجه إليها وكان خلفه “مستقبل”، لكن عندما رأته نهضت فزعه من مكانها واحتمت برجل من العصابة، فقال بوهن وهو يمد يد العون لها:
– “كاميليا” تعالي معايا.
اختبأت أكثر منه وقالت برعب:
– إيه اللي جابك هنا؟ أنت ملكش دعوة بيا.
– “كاميليا” اسمعي كلامي، تعالي امشي معايا، الناس دي هتموتك.
– كذاب، أنت اللي هتموتني.
انقض أحد من الرجال على “وجود” من الخلف وتقدم الآخر يركله، فهرولت “كاميليا” بظهرها وهي تشاهدهم بفزع، ترك “مستقبل” أخاه، وهرول إليها حتى يمسك بها قبل أن تقع من النافذة، لكنه لم يتمكن من إنقاذها؛ كان هناك من أسرع بوضع يده بمنتصف قدميها ليرفعهما ويدفع بها من النافذة.
ابتعدا الرجلين عن “وجود” وركضا سريعًا، مما جعل “وجود” في حالة ذهول مما حدث وركض على النافذة يراها. وجدها تغرق في بركة من دمائها، ترجل مع أخيه المصدوم حتى وصلا إليها، كان رجال الأمن يقفون بجانبها.
وفي غضون دقائق أتى رجال الشرطة، وعلى الرغم من وجود كاميرات مراقبة بالغرفة سجلت الحدث كاملًا، فقد صدم الأخوان من كتابة سبب الوفاة أنها منتحرة، هلل “وجود” حتى يثبت الحقيقة لكن بدون فائدة؛ فقد اختفت كل الدلائل الممثلة في كاميرات المراقبة؛ لا توجد أي كاميرا من اللاتي كن مثبتات في كل ركن بالمشفى، اقترب شاب غليظ الملامح قوي البنية، يخبره:
– خد أخوك وأمشي لنلبسها ليكم.
زج به “وجود” بكل قوته:
– أنت إزاي تتكلم معايا كده، ما تعرفش أنا ابقى مين.
رد عليه وهو يمسك يده، وأخبره بتهديد:
– مهما تكون أقدر امحيك من على وش الدنيا.
أمسك “مستقبل” أخاه وأبعده عنه بقلق:
– أخدت نصيبها.. محموق أوي عليها ليه؟
– مستقبل مهما عملت، هجيبلها حقها.
قالها بعصبية وهو يبتعد عن أخيه، وقبل أن يمسك بالرجل مرة ثانية، أطاح به أرضًا بعدما استقبلت رأسه ضربة قوية، جعلته لا يستجيب لأي نداء من أخيه الذي فقد عقله وصوته من كثرة الصراخ حتى يستجيب له أخوه حتى بحركة.
رواية غرورها جن جنوني الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ابتسام محمود
بعدما أصبح كالمجنون، لم يقوَ على فعل أي شيء غير أن يبلغ أباه، الذي لم يضيِّع وقتًا هو وزوجته ووصلا له في الحال.
كان “مستقبل” كالوحش الهائج لا يسمح لأحد بلمس أخيه، حتى لا يصيبه بسوء ويجعله يفارق الحياة.. مع أنه لم يتأكد أنه على قيد الحياة.
وصل “مهيمن” ومعه فريق طبي كامل، حمله وصعدوا به إلى حجرة.
كانت “نايا” تنهار من البكاء، فأمسكها زوجها يهدأ من روعها:
– قلبي اهدي، هيبقى كويس. الدكتور طمني.
– قلبي وجعني أوي يا مهيمن.
– اطمني هيبقى بخير، أنا عمري كذبت عليكي.
هزت رأسها بنفي، ثم خبأت رأسها داخل صدره عندما رأت أهل “كاميليا” يأتون نحوهما.
فقالت والدتها:
– بنتي حصلها إيه؟
اكتفى “مهيمن” بمط شفتيه بعدم المعرفة.
كان “مستقبل” يستند على حائط غرفة توأم روحه، يشعر بأن قدميه لا تكاد تحملانه، يحاول أن يتماسك حتى لا ينهار. روحه يقسم بأنها على وشك أن تفارقه؛ لأنها بالداخل ولا يعلم ما أصابها. ظل يدعو الله بأن يخرج له سالمًا؛ فحياته لا تساوي شيئًا بدون نصفه الآخر.
بعد فحص الأطباء لحالته، وجدوا بأنه فقد الوعي فقط من أثر الضربة. أفاق يهلوس باسم والدته وهو ينادي عليها بخوف.
خرج الأطباء وسمحوا لهم بالدخول، ودلف طبيب من غرفة العمليات حتى يطمئن أهل “كاميليا” على ابنتهم فقد كانت حالتها خطيرة؛ كسر في الجمجمة، وكسر في الظهر، ونزيف داخلي، فأزاد في رعبهما.
جلست “نايا” بجوار ابنها تقبل رأسه. أمسك يدها قبلها بوهن، وقال بصوت متعب هامس:
– ماما ورق تجاربك اتسرق.
– يا حبيبي أهم حاجة عندي في الدنيا أنت، يولع أي حاجة.
انتفض “مهيمن” بذعر، وبحلقت عينه:
– عرفت من فين؟
أجابه وهو يمسك رأسه:
– كاميليا اللي سرقته.
اشتد غضب “مهيمن” من هذه البلهاء.
فوضحت “نايا” بهدوء وهي تمسك يد زوجها المستشيط غضبًا:
– يا حبيبي الورق اللي أخدته ولا هيوصلها لحاجة، دا ورق أنا عملته علشان أضلل بيه أي حد.
– يبقى علشان كده كانوا عايزين يقتلوها.
قالها” مستقبل” بتفهم.
فأردف” مهيمن” باطمئنان:
– ارتاح يا حبيبي الحمد لله حصل خير؟
بصره وهو يحاول أن ينهض مستندًا على يد أخيه:
– بابا أنا معايا إثبات براءتي، “كاميليا” هي اللي حطت في العصير منشط جن…
وضع يده على شفتيه، يخبره بحب:
– حبيبي حمد الله على سلامتك.
– يعني مش زعلان مني؟
– بعد ما نشفت دمي، نسيت كل حاجة.
عاد يسأله بفرحة لا توصف:
– يعني موافق أتجوز زينة؟
ابتسم ابتسامة بشوشة وهو يجيبه:
– لو هي هتوافق ما عنديش مانع.
رفع ظهره بألم من على الفراش، وهو يضع يده على رأسه، فرمقه والده باستغراب:
– رايح فين؟!
– هروحلها، مش هضيع ثانية واخلي قلبها شايل مني.
وبعدما نهض أكمل:
– بابا بلاش حد يقول لأهل كاميليا الحقيقة، كفاية وجع موتها.
زفر “مهيمن” أنفاسه بحنق وقال بتزمجر:
– أولًا هي في أوضة العمليات، وثانيًا ملناش دعوة هي تقول اللي تقوله.
– لا يا بابا بعد إذنك، بلاش تبقى في نظرهم زبالة مهما كان دي بنتهم، ممكن تقولهم حصلت حادثة.
– حبيبي ما ينفعش في مباحث وإجراءات كتير بتحصل.
– هما هيقفلوا على الموضوع وهيقولوا انتحرت، فالأفضل يتقال حادثة.
– تمام يا حبيبي هتكلم مع المستشفى، وهعمل تحريات لحد ما اوصل للناس اللي عملوا فيها كده.
– شكرًا يا بابا.
قالها بابتسامة تحمل الرضى، فرد عليه بحب:
– أنت وإخواتك عندي بالدنيا.
وبعد إنهاء كلامه فتح ذراعيه له بحنان، ارتمى داخل حضنه بسعادة طفل صغير رضي والده عنه بعد غضبه، ثم عانق والدته وأخاه.
وقبل أن ينصرف سمع صوت صراخ بالخارج، توجهوا جميعهم خارج الغرفة، كانت والدة “كاميليا” تصرخ بحرقة على ابنتها التي فارقت الحياة، بسبب غبائها وتملكها لشخص لا تعدّه إلا (بودي جارد) للحماية فقط، ففعلت كل ما فعلت لمجرد أن يكون ملكها ولكي تتباهى باستحواذها على شاب كل البنات تتمناه، وتصبح هي الفائزة الوحيدة به، ولا يستطيع أحد أن يتنمر عليها أو يقف في طريقها، فالحب لا يجتمع مع الأنانية والتملك أبدًا. وهذا هو جزاؤها حين خانت من وثق بها وفضل أن يضحي بحياته من أجلها.
هتفت والدتها بقهر ونار:
– موت بنتي يا وجود.
بصر “مهيمن” ابنه الذي وعده أنه لن يقول الحقيقة بناء عن رغبته، وقبل أن ينهي “وجود” حديثه:
– ده قضاء ال…
قاطعه مَن استكفى ظلم أخيه، وأبلغها بعصبية:
– روحي اسألي بنتك كانت هنا ليه قبل ما تتكلمي معانا، ولا أقولك أنا أوفر عليكي الوقت.
– بس يا مستقبل.
– لا مش هسكت، وكفاية بقى إنك تتقوقع جوه الظلم، وتقبّلك إنك تعيش دور الظالم.
زجه حتى يجعله يصمت، فقالت “نايا” بحزم وحدة:
– بنتك اتبلت على ابني، وكانت جاية تعمل عملية زرع جنين علشان تغصب ابني على الجواز بعد ما عرفها على حقيقتها.
تجمد “وجود” مكانه وترك أخاه قائلًا بلوم:
– ليه قولتي يا ماما؟
ردت عليه بعصبية:
– وجود أنا ما بحبش النفخ تمام، وعلى ما أظن أنا ما وعدتكش إني مش هتكلم.
هتف “مهيمن” بحدة حتى ينهي النقاش الحاد، لكنه سعيد بمن قالوا الحقيقة ووفروا عليه تأنيب الضمير، من كلتا الحالتين؛ في صمته أو حديثه:
– خلاص خلص الموضوع اتفضلوا كلكم قدامي.
ثم نظر لوالديها المصدومين بما فعلته ابنتهما:
– بنتكم عملت أكتر من كده، وعلى العموم لا يجوز على الميت غير الرحمة، البقاء لله.
أخذ عائلته وتوجه على سيارته، بضمير مرتاح تجاه ابنه.
كان “وجود” في حالة ضيق مما صدر من والدته وأخيه المتهور، فقال “مهيمن” قاطعًا للصمت والنظرات الثاقبة:
– وجود اللي حصل هو الصح، ولو ما كنتش اديتك كلمة إني ما اتكلمش كنت قلت كل حاجة، ليه تخليهم يفتكروا إن بنتهم ماتت بسبب حادثة بالعربية أنت السبب فيها ويفضلوا شايلين منك، لازم كانوا يعرفوا إن بنتهم ماتت بسبب طمعها، وحب الاستحواذ والتملك، وخيانتها للبيت اللي وثق فيها.
– تؤتؤتؤتؤ، أنا ما كنتش بثق فيها.
قالتها “نايا” وهي تبتسم وتلوح بيدها، فجعلت كل من بالعربة يضحكون.
نظر لابنه واضعًا يده على كتفه:
– طبق الورقة اللي عدت، وابدأ حياتك على ورقة بيضة من غير غش ولا خداع.
أومأ برأسه مبتسمًا ونزل أمام فيلا “شادي”، كلم والدها على الهاتف وأخبره بصدق مشاعره وكل ما حدث له اليوم، وطلب أن يعترف لـ”زينة” بحبه. تأكد من مشاعره تجاه ابنته فوافق أن يتحدث معها، وترك كل أعماله وذهب لفيلاته. وجد “وجود” ينتظره بالخارج، دخلا معًا بعدما اعتذر له مرة ثانية.
وحين دخلا للداخل رفضت “فريدة” صعوده لها غرفتها، التي تمكث بها ولا تغادرها بالأيام الأخيرة، لكنه بعد محاولات كثيره وإلحاح أقنعها ووافقت، صعد الدرج وهو يسابق الثواني، طرق بابها بهدوء وكانت بجانبه والدتها، لم ترد عليهما ففتح الباب بخفة، ودخل للداخل ووقفت “فريدة” بالخارج.
اقترب من فراشها ووقف يتأملها بملامح مشتاق، وهي نائمة كالأطفال. وصل لأنفها عطره المميز فلم تبالِ، ثم شعرت بأنفاسه العالية، فتحت عينيها بوهن ورأته أمامها فلم تصدق عينها، فتقول لذاتها وهي حزينة:
– ده أكيد حلم.
ابتسم وهو يهز رأسه ينفي جملتها، ثم أخبرها بغمزة:
– صباح العسل يا قمر.
ما زالت لا تصدق، رفعت يدها تمسح عينها الناعستين وتقول بتأكيد:
– حلم صح.
وضع يده بجيب بنطاله وهو يتطلعها بابتسامته ولم يجبها. تنزل من على فراشها تبصره بتفحص، جلس القرفصاء في قبالتها، ممسكًا علبة صغيرة بها خاتم، مرددًا:
– ممكن توافقي تتجوزيني.
أدارت ظهرها وقامت بمسح عينيها كثيرًا، وقرصت أذنيها، ثم استدارت نحوه بخفة تقول بسرعة:
– حلم حلم ح…
حتى أصبحت أمامه، ينهض ويمسك يديها يقاطعها بملامح مسترخية:
– تتجوزيني..
تعالت أنفاسها من لمسته، قائلة بفرحة:
– أكيد مش حلم بالذمة، أنت بجد!
– وبحبك وعمري في حياتي ما حبيت غيرك.
أذهلها تحوله فأردفت بعتاب:
– طب اللي قولته ليا..
قطع حديثها بقوله الصادق:
– هفهمك كل حاجة بعدين، مش عايز أقول دلوقتي غير إني بحبك وقلبي ما دقِّش غير ليكي.
تشبثت بيده وهي تصارحه بسعادة بالغة:
– وأنا بعشقك والله يا وجود.
دلف لهما أبوها، أبعدت يديها من يديه، وقالت بنبرة حرجة:
– بابا وجود اعترف بحبه، وطلبني للجواز.
مسح “وجود” طرف أنفه قائلًا بترجٍ:
– عمو أتمنى حضرتك توافق.
بصر “شادي” ابنته التي كانت ضحكتها تعتلي شفتيها الكرزيتين، أومأ برأسه بالموافقة، ركضت “زينة” تعانق والديها بحب وفرحة.
توجه “مستقبل” لكافتريا اعتاد الجلوس بها حتى يريح أعصابه من كل الأحداث التي مر بها اليوم، جلس بجانبه رجل شعر أنه يعرف ملامحه جيدًا، فقال له الشاب:
– مستقبل أخبارك، شكلك ناسيني.
تذكره جيدًا، وعلم أنه هو من كان يقف مع خطيبته بالنادي، ادعى عدم المعرفة حتى يفهم ماذا يقصد فرفع حاجبه الأيسر يجيب:
– معلش مش واخد بالي، مين الشبح؟
– أنا زميل ليك، كنت معاك في المدرسة يا جدع.
ابتسم بسخرية ثم رد وهو يصافحه باستهزاء:
– آه زميلي، أهلا بيك يا زميلي.
– بقولك إيه ما تيجى نسهر في أي بار الجو هنا خنيق.
– وماله هنا؟
قالها بعدما طال النظر فيه، حتى يستشف مقصده بهذه اللعبة، فرد عليه بتلعثم:
– إيه يا جدع، قوم معايا نرجع أيام زمان.
شعر أنه يصنع مكيدة له بالتأكيد، لكنه استجاب حتى يفهم ماذا يريد منه، من كان يقف مع خطيبته؟ وشرد فيما قالته من قبل.. أنها تحب وستتزوج غيره، نهض معه حتى ينهي كل الشكوك. حين نزل من السيارة وجد فتاة تشاغله، لم يبالِ ودخل مع من يدعي الصحوبية، وأصر عليه أن يشرب، وكان يريد الفتك بهذا الرجل لكنه تماسك وسيطر على أعصابه وارتشف رشفة صغيرة، حتى يصل لمعرفة ما يدبره له.
تمسك “توتا” اختبار حمل بين يدها تنظره بملامح سعيدة، ثم تنهض مقررة الاعتراف بحبها لزوجها، وتستفسر عن كل شيء منه حتى لا تظلمه، أبدلت ثيابها وذهبت إلى صالة التدريب لم تجد أحدًا، توجهت إلى الطابق العلوي لمكتبه سمعت صوت نحيب فتاة، فتحت الباب بدون استئذان فوجدت “لاروا” تجلس، ويمسك “حازم” يدها يهدئها بملامح متشنجة، وعندما شعروا بوجودها قام وتقدم نحوها، كانت تعتصر المقبض أسفل يدها، دموعها تهدد بالانهيار.. لعنت نفسها وقلبها.
فقال “حازم” بهدوء وهو يرى ملامحها الغاضبة:
– افهمي لو سمحت.
صرخت وهي تبعد يده التي كان يمسك بها كتفها:
– مش عايزة افهم حاجة، أنا اللي غلطانة.
اقتربت “لاروا” تبلغها وهي تمسح دموعها بأطراف أناملها بلكنة إيطالية:
– أنا وحازم…
لم تتحمل “توتا” رؤيتهما وسماع صوتها، أمسكتها من شعرها ونزلت بها ضربًا، حملها “حازم” بقوة من عليها قائلًا بصرامة وأمر:
– امشي يا توتا من قدامي.
اندهشت لقوله، فتقول بخذلان:
– بتطردني أنا.
كرر جملته بعصبية مفرطة، تطلعته بحدة وهي تصك أسنانها بغل، تولي ظهرها تغلق خلفها الباب بقوة، جعلته يصدح بصوت عال فجعلت المبنى يهتز بأكمله، مشت تبكي نادمة على حبها له.
وعند رحيلها نظر لـ”لاروا” واعتذر لها، جلست تبكي أكثر ومنهارة، أعلن هاتفه وصول رسالة مكتوب بها:
“شقيق لاروا قد عرف مكانكما وسيأتي لكما في الحال “.
لمَّ متعلقاتهما سريعًا وأمسك يدها وحاول فتح مقبض الباب لكنه لم يفتح، حاول كثيرًا وباءت كل محاولاته بالفشل. كانت الفتاة تتنفس بصعوبة وهو أصبح كجمرة من النار من كثرة العصبية وخوفه عليها من تهور أخيها، انتبه من تفكيره وتوتره على سماع صوت سيارات تقف أسفل المبنى؛ أمسك بكرسي وقف عليه ورفع غطاء المبرد المركزي، ثم حمل “لاروا” وجعلها تختبئ بالداخل. كانت خائفة، طمأنها أنها ستكون بخير، ثم أرجع الغطاء مكانه، وصعد على النافذة، اختبأ بالجانب.
دخل أخوها ومعه رجال كثيرة، صعدوا لمكتبه كما أخبرته السكرتيرة التي أغلقت عليهم الباب، لكن لم يجدهما، بحث عنهما في كل مكان بالمكتب، حتى قبض على يده قائلًا باللهجة الإيطالية بصوت عالٍ:
– لن أرحمكما يوم تكونان فيه بين قبضتي.
ثم جمع رجاله وانصرف، لم يضيِّع “حازم” وقتًا وأخذ “لاروا” وهبطا للأسفل بعدما انصرفوا، وصعدا سيارته.
قام الشاب الذي يجلس مع “مستقبل” بالإشارة لفتاة تقترب منهما، كان مستقبل يلاحظ كل شيء يحدث لكنه ادعى الغباء، وجد الفتاة تتدلل عليه تريد منه الكثير، تأكد أن هناك شيئًا غريبًا حقًّا.
منذ قليل، الشاب نفسه الذي كان يقف مع” كارما” يعزم عليه بشرب الخمور، والآن يطلب من فتاة أن تقترب إليه، نهض وهو يمسك يدها وعلى ملامحه ابتسامة، وأخذها داخل سيارته ثم وقف في مكان بعيد هادئ، لا يمر أحد به كثيرًا، تحولت ملامحه للغضب؛ صفعها ثم جذبها من شعرها، صرخت بصوت مرتفع، فقال من بين أسنانه:
– بصي يا حلوة يا تقولي مين اللي مسلطك عليا وتاخدي…
قال آخر كلمة وهو يخرج من جيب بنطاله مالًا وحركهم أمام أعينها، ثم أكمل:
يا إما أدفنك هنا، وربنا ما حد يعرف ليكي طريق.
هزت رأسها رعبًا بعدما تلقت آخر ما قاله، ثم اعترفت بأنفاس متقطعة:
– واحد، جالي مع واحدة وطلبوا مني أعمل كده.
– اسمها؟
– مش فاكرة.
امسكها من رقبتها بقوة معيدًا سؤاله، فقالت بخوف:
– مكتوب على التليفون.
تركها وجلب لها شنطتها من المقعد الخلفي، وفتش كل شيء بها بفوضوية، ثم تناول هاتفها وأعطاه لها، وهو يقول:
– ما تحاوليش تلعبي معايا تمام.
أومأت له وهي تبحث بالهاتف:
– اسمها كارما.
تعالى وجهه الغضب:
– اتصلي بيها، وقوليلها حصل.
– بس…
– انجزي يا حيلتها.
أمسكت الهاتف برعب تكلمها، أتاها صوت “كارما” القلق بسرعة، بعدما علمت أنه استجاب لصديقها وشرب، وعلمها أنه أخذها وذهب معها:
– طمنيني.
– حصل.
ردت بصوت مرتعش:
– أنتي متأكدة.
– آه طبعًا.
كان يمسك “مستقبل” شعرها بقوة، وعندما أغلقت “كارما” الخط انهارت ووقعت أرضًا، عبراتها تنهمر من مقلتيها بحرقة.
ترك “مستقبل” شعر الفتاة، وحرك العربة بسرعة جنونية، ولم يعطِ لها فرصة للحديث، أوصلها لمكان يوجد به سيارات أجرة وأنزلها، وذهب لخطيبته يفهم كل شيء، لماذا فعلت كل هذا به بعدما وعدها أنه لن يشرب، ولن يكلم نساء؟ فلماذا ترسل له فتاة ليل وهي تعلم جيدًا أنه لم يفعل ذلك يومًا خوفًا من حساب الله، دخل بيتها وجدها تبكي بانهيار، اقترب منها وقلبه يعتصر ألما وخذلانًا، فتنهض بكبرياء:
– جاي ليه يا مستقبل؟
– جاي افهم.
– تفهم! دا أنا اللي نفسي افهم إمتى هتبطل تبقى فلاتي وبتاع التاء المربوطة.
– على ما أظن وعدتك.
– وما شاء الله وعدت وخليت.
قالتها وهي تشعر بالاختناق، فقال بتعجب:
– خليت! طب بالنسبة للمسلسل الهندي اللي حصل، حصل ليه؟ ليه يا كارما مش بتثقي فيا؟
نظرت له بوجع وحرقة، ثم مسحت عبراتها بكف يدها، تبلغه بحدة:
– وأنت من إمتى كنت مش بتاع بنات، ولا سكري؟!
– بس أنا وعدتك، ليه يا كارما تعملي فيا كده؟
– الثقة يعني الأمان، وأنا ما بقيتش أحس معاك بالأمان، ملكش دعوة بيا يا مستقبل.
أجابته بصوت عالٍ، أشعل بركان غضبه الذي كان يسيطر عليه:
– أنتي هبلة، تبعتيلي بنت تغريني، وبتتكلمي عن الأمان؟
– آه بعت، وكنت صح إني اختبرك، وأديك طلعت زي ما أنت، يا بتاع المكن.
زفر أنفاسه وهو يمسح وجهه يبلغها بهدوء نجح أن يتقنه:
– مكن إيه؟
– اسأل نفسك.
فشلت عينه في إخفاء غضبه، وقال بحدة:
– وطي صوتك، واهدي علشان نتفاهم.
– مش هوطي وابقى واطيه زيك، وما تقوليش اهدي الكلمة دي بتعصبني أكتر.
قالتها بعصبية مفرطة وصوت مرتفع، فعجز عن كبت ثورانه هو أيضًا وأبلغها بقوة:
– ما تهديش يا كارما، اتشقلبي في مكانك وصوتي وسمعي أهلك كمان، وبالمرة أزعق أنا كمان وألم العالم علشان يعرفوا إني واطي وخاين وزبالة، وإنك بتروحي تتأمري عليا وفاكرة إني اهبل ومش عارف.
تتعتعت عندما أخبرها بمعرفته، ازدردت ريقها تقول بصوت متلعثم من الاضطراب:
– أنت بتقول إيه؟
رد عليها بثورانه نفسه:
– جيبتي ورا يعني.
– أنت عارف من فين؟
أخرج هاتفه الذي كان يصور كل ما حدث بالسيارة من أول ما أخذ الفتاة من البار حتى أنزلها، وضعت يدها على شفتيها حرجًا:
– بس ما يمنعش إنك شربت، ورحت للمكن اللي أول ما صاحبك قالك عليهم جريت وسيبتني.
ضحك ساخرًا ورد بدهشة:
– مكن إيه اللي بتتكلم عنه!
– اللي صاحبك بعتلك رسالة وقالك تعالى مكن وأزايز، ورحت وسيبتني بعد ما كنت هتخرجني.
هز رأسه بتفهم ثم أجابها:
– المكن.. مكن بجد، صاحبي كان عايزني أصلحه، يا أم دماغ شمال. وإنما مشيتك ليه دا السؤال اللي جايلك عشانه، مين الشبح اللي كنتي واقفة معاه يا محترمة في النادي، وأول ما شافني بقرب عليكي مشي، اللي جيه لحد عندي يشربني علشان يثبت لك إني ما استاهلكيش ويشقطك هو.
ارتبكت عندما علمت حقيقة المكن، وانصدمت أن صديقتها بعثت الرجل نفسه، فأردفت وهي تنظر لأسفل وتقول بتوتر واستنكار:
– مستقبل إيه اللي بتقوله دا، أنت فاهم غلط.
– ولا غلط ولا صح، ولا عايز افهم من الأساس، اللي بيني وبينك انتهى.
رمشت بعينيها بدهشة، فتقول بوجه شاحب وقلب ينتفض بذعر:
– انتهى إزاي؟
– يعني خلاص خلاويص.. الحكاية خلصت، مستغربة ليه مش كنتي عايزة تنهي من زمان.
أخبرها حديثه ببرود لا مثيل له، ثم نزع دبلتها من إصبعه البنصر، وألقاها أرضًا وهو يحدقها باحتقار، ومشى ولم يستجب لندائها وبكائها.
أوصل “حازم” “لاروا” إلى مكان آمن، ثم ذهب لزوجته وهو يعتليه الغضب، أصبح من الصعب أن يكمل ارتداء ثوب ليس على مقاسه، وينتحل شخصية غريبة عنه.. الآن وضع الستار على قلبه، وترك العنان لعقله ليقول كلمته ويخبره كيف يتصرف حتى يحافظ على ما تبقى، من قلب إنسانة عنيدة لا تستحقه، فلم يكن غباء أنه يتعلق بها، لكن عندما بذل كل جهده في التضحيات شعر بالغباء حقًّا، حين سمح لنفسه أن يصل لهذا الحال، وتعاطفه مع قلبه الذي جعله يقبل دورًا يتعارض مع مبادئه وكرامته.
فتح الباب كالثور الهائج، وهو يهتف بضجيج:
– وصل بيكي تقفلي باب المكتب عليا يا توتا؟
لم تهتم لاتهامه الباطل قائلة بلامبالاة:
– أنت ليك عين ترجع.
اقترب منها ممسكًا بها بعنف وقوة، ناظرًا لها في عينيها بكل غضب، وحزن، ويأس يبلغها بنبرة مرار في حلقه:
– هشششششش مش عايز اسمع صوتك، هما كلمتين هقولهم وهسيبلك الدنيا خالص ومش هتشوفيني تاني.
تركها وسار خطوات بطيئة، يحاول أن يهدئ ثوران ووجع قلبه منها، جلس على أحد المقاعد، ومال بجزعه للأمام، واضعًا يده على مقدمه رأسه، يحاول أن يخفي مدى حزنه، وغمغمت عيناه بدموعه التي لو خانته لانهار منها، ابتلع لعابه وحدقها بألم:
– مش عارف اعمل إيه تاني أكتر من كده علشان تحبيني، جوازنا الشهرين اللي فاتوا كنت فاكر هقدر أخليكي تحسي بيا وتحبيني زي ما بحبك. بس احسدك، أنتي اللي كسبتي وأثرتي فيا قبل شهرين وخلتيني حتى أكره نفسي، هريحك مني خالص وهبعد بعيد أووي، وقلبي دا لو مجرد اشتاق ليكي هطلعه بإيدي علشان ارتاح من الدنيا كلها. حبك مش تعبني بس.. دا خلاني اتخلى عن كرامتي وحاجات كتير مهما أقولها ليكي مش هتفهميها ولا هتحسيها.
نهض من مجلسه يستعد للرحيل، هرولت عليه بلهفة وأمسكت يده ومسدت بأناملها على تعريجات عروقه البارزة كالثعبان يمشى بكل حرية داخل عروقه، وقالت بدموع تنحدر:
– حازم، أنا عرفت الحقيقة كلها وعرفت أنك أنت…
لم يعطها فرصة للحديث، فلت يده من قبضتها وانصرف، خرجت خلفه بسرعة بعدما تناولت مفاتيح سيارتها، وأشارت للحرس ألا يتحركوا معاها، وحين خرجت من البوابة الحديدية، شاهدت بعض الرجال الملثمين ضخام البنيان أخذوا “حازم” داخل سيارة مصفحة. لم تهب المنظر، كل ما كانت تفكر به الوصول إليه حتى يولد حبها الدفين داخلها، حتى وإن خُطفت وعُذِّبت، مهما يكون هذا العذاب فهو أهون من أن يظل عشقها حبيسًا داخلها ولا تصرخ به ليسمع صداه.
كانت سعادة “زينة” لا توصف، اتصلت بـ”كارما” وسردت لها كل شيء حتى تفرحها:
– وجود خطبني.
حاولت كتم شهقاتها وهي تبارك لها، سمعت صوتها يحمل البكاء، فقالت بقلق:
– كاري مالك؟
أجهشت في نوبة بكاء لا تقدر على التحكم في دموعها، فأردفت بانكسار:
– مستقبل سابني.
تساءلت بوجه يعتريه علامات الصدمة:
– ليه حصل إيه؟
قصت عليها ما فعلته من تصرف جنوني، فقالت لها بصدمة:
– زينة هو مش ملاك بجناحين، وأنا مش ظلمته، ما لسه بيكلمهم على الواتس والماسنجر، مش بتجني عليه.. نفسى يكون ليا أنا وبس، وياما قولتله عندك حبة دلع زيادة أو كلام زيادة أنا موجودة مش هقولك لا، بس إنه يكلم ستات ويجرح كرامتي دا اللي مش هقبله.
أخبرتها وهي تطلق عنان كلماتها بغيظ وضيق وندم. في الوقت نفسه، قلقت عليها من عصبيتها فقالت بهدوء يخالف ما داخلها:
– كاري اهدي كده، وفكري هترجعي مستقبل إزاي، وبلاش عند؛ لأنك غلطانة.
بكت بندم وحرقة على حبيبها الذي تركها:
– أنا هتقهر.
– اتصرفي وارجعي، حاولي تكسبي ثقته فيكي يا كاري، سيمو بيحبك بس مجروح من اللي عملتيه.
– أنتي صح.. لازم اتصرف، وإن شاء الله أقدر ارجعه ليا زي الأول.
دعت الله أن يجمع شملهم على خير، وأغلقت الهاتف تحمل داخل قلبها الحزن، قائلة لذاتها:
– حظي وحش.. كان نفسي فرحتي تكمل بيكي يا كاري، يا رب رجعهم لبعض، دول بيموتوا في بعض جامد جمودة.
ظلت “توتا” تمشي خلفهم بدون فقدان أمل، كانت السيارة التي يستقلها تسير بسرعة صاروخ، أسرعت سرعة سيارتها وظلت تردد الشهادة؛ لأنها لم تمش بهذه السرعة من قبل. وصلت العربة منطقة عسكرية مصرية خاصة جدًّا، فتحت بوابة ودخلت للداخل. وبينما اقتربت هي أيضًا من البوابة الحديدية، وجدت حرسًا ملثمين يرتدون بدلة عسكرية وصديري واقيًا من الرصاص، رفعوا عليها السلاح، نزلت من العربة بقدم مرتجفة ترفع يدها:
– أنا مرات حازم اللي دخل حالا.
أنكروا أن أحدًا دخل أمامها، وشدوا أجزاء سلاحهم.
رواية غرورها جن جنوني الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ابتسام محمود
شعرت بإحساس قاتل يتملكها بكل وحشية؛ فلا بد من الخوف لتتجنب الوقوع هي وحبيبها بالمخاطر، لكنها حاولت عدم السماح لخوفها أن يتملكها بالكامل حتى لا يجعلها أكثر سلبية، فتحدت هلعها قبل أن يسيطر عليها:
– أنا بنت مدير أمن القوات الخاصة، مهيمن محمد الزناتي.
يخرج قائد من الداخل كان يتابع ما يجري، ويأمرهم أن يتركوها بملامح حادة، وأخذها لمكتب بجوار البوابة، لم يعطها فرصة للاستفسار عن أي شيء، وأجرى مكالمة مع والدها وأخبره أن ابنته في حوزته وعليه أن يأتي لأخذها.
كان “مهيمن” يكاد أن ينهار من كثرة الهموم التي تصب فوق عاتقه، فقد استنزفت طاقته بالكامل من كثرة المشاكل والأحداث، فعليه الآن التحكم والسيطرة على أفكاره، والتريث والتفكير بهدوء حتى يضع حدًّا وحلًّا لمشاكل أبنائه.
بعد تفكير عميق والبحث من “كارما”، وجدت الحل أن تذهب له منزله وتعتذر وينتهي كل شيء وكأنه لم يكن، لكن عليها أن تسيطر على لسانها، والتخلص من اندفاعها الحاد، ورفض التفكير في تلك الكلمة التي تدعى بالكرامة، فهي مخطئة وعليها تصليح ما أفسدته.
لكن كان رد فعل “مستقبل” الذي يجلس بحديقة فيلاته غير متوقع لها، فتقول وهي تعبث بأناملها:
– أنت لما غلطت فيا حاربت الدنيا علشان تصالحني وتعتذر، وأنا مش هيأس وهشوف إيه يرضيك واعمله.
زفر أنفاسه بحنق، وقال بتذمر:
– تمام اتفضلي.
عجزت عن تلجيم وكبت عصبيتها، وقالت وهي تنظر لوجهه:
– إزاى ووشك يقطع الخميرة من البيت.. شبه البومة.
غضن جبينه من هجومها وقال بهدوء:
– شكلك فاضية وجاية تتسلي.
ثم تركها وحاول الابتعاد، هرولت إليه ووقفت أمامه تريد قطع لسانها، فتخبره بترجٍ:
– طيب ممكن تقعد نتكلم.
ينظر في ساعة يده ويقول، وهو يهز رأسه برفض:
– للأسف مش فاضي.
رمقته وهي تضع يدها على خصرها وتعنفه بصوت مرتفع:
– ليه إن شاء الله، إيه اللى شاغل جنابك؟
بعدها اكتسي وجهه بعلامات الغضب، ورمقها بحدة وهو يجز على أسنانه، فتقول بصوت منخفض معتذرة:
– سوري، وراك إيه؟
زفر أنفاسه المشتعلة حتى يتحكم في ثباته:
– عندى ميتنج مهم جدًّا على اللاب.
جلست على مقعد خشبي موضوع بالحديقة:
– ماشي اتفضل وأنا هقعد بعيد استنى لما تخلص.
– وده معناه إنك مش واثقة فيا، وعايزة تراقبيني.
– لا والله، أنا أقصد إني استناك.
أجابته على الفور، ثم خفضت بصرها على الأرض قائلة بحزن:
– على العموم لو مضايقك وجودى أووى كده بعتذر إني جيت، بعد إذنك.
مسك يدها وتعمق النظر داخل عينها بعتاااب ولوم، وهو يبلغها:
– إنتي اللي هديتي كل حاجة، فمتجيش تطلبي السماح بالبساطة دي.
ثم تركها ولم يعطها فرصة أن تتفوه ببنت شفة، كانت تجر أقدامها وهي تولي رأسها تطالعه من ظهره، حتى دخل منزله واختفى من أمام عينها، علمت أنها نهاية حبهما معًا. فكأن قلبه قد أصبح مظلمًا كأعماق المحيط لم يدخله شعاع من الرحمة، فكان يود أن يخطفها من العالم بأكمله، لكنها أخطأت في حقه كثيرًا، ونحن في عالم الغلطة تهدم كيان إنسان.
وصل “مهيمن” وهو لا يعلم شيئًا إلى المقر العسكري السري، دخل يقابل القائد، فقامت “توتا” تمسح عبراتها وتلقي بنفسها بأحضان أبيها، فأبعدها بلطف احترامًا لرغبة زوجها، فوجه حديثه بحدة للقائد وهو يربت عليها بحنان:
– ممكن افهم بنتي هنا ليه؟
وقف يبلغه بعملية:
– والله يا مهيمن باشا السؤال دا تسأله لبنتك، هي جت هنا ليه؟
وقبل أن يبصرها، قالت ببكاء وخوف على زوجها:
– بابا أنا جيت ورا عربية، نزل منها رجالة ملثمين وخطفوا حازم ودخلوا بيه هنا.
أرجع بصره للقائد، منتظرًا ردّه على ما قالته ابنته، فأخبره ببرود:
– مفيش عربية دخلت هنا خالص.
أردفت بعصبية لمن جاء لحمايتها:
– لا يا بابا والله عربية مصفحة فاميه دخلت قدام عيني، دا كذاب.
ربت على كتفها حتى تهدأ وأجلسها بالخارج، ثم دخل له مرة ثانية قائلًا بقلب أب:
– أنا طلعتها، ممكن تقولي الحقيقة؛ لأن هي مش هتيجي لحد هنا لوحدها كده!
– مهيمن باشا أكيد حضرتك عارف المكان دا اسمه إيه وطبيعة عملنا فيه، فهو مكان سري للغاية ولولا حضرتك.. بنتك كانت اتقتلت وقتي.
أغمض عينه بضيق، وقال:
– طيب طمني، حازم مقبوض عليه.. ولا شغال معاكم؟
وقف ينهي المقابلة بقوله:
– مهيمن باشا، شكل عواطفك بتخليك تنسى اللي اتعلمناه على إيدك. فلو سمحت تاخد بنتك وتقولها محدش دخل هنا.
قام وهو يمسح وجهه بقلة حيلة، لا يعلم ماذا يفعل، وخرج ليأخذ ابنته بصمت ولا يرد على أسئلتها، فقالت بتوسل:
– بابا أرجوك رجعلي حازم، ما اقدرش أعيش من غيره، أنا ما صدقت إني ألقاه.. أنا عارفة أني غلطت في حقه كتير، ومستعدة اعتذر بس يرجعلي تاني يا بابا ويعرف قد إيه بحبه وما استغناش عنه.
أخذها تحت جناحه متخبطًا بين أفكار تلاحقه، ويريد من يصبره حتى يقوى على التحمل ويصبر ابنته، فأبلغها بغصه داخل قلبه:
– هيرجع يا حبيبتي، بس اهدي لحد ما اعرف هتصرف إزاي.
صمت وأصبح صوت بكائها النادم يستحوذ على المكان، وعندما وصلا فيلاته، دخلت تائهة شاردة تود أن تعود الأيام للخلف وتحل مشاكلها معه من أول ثانية، داخلها حرب أعلنها قلبها على عصيان كل شيء من عقلها وهو يدق بشدة لدرجة يتمنى أن ينفجر ويرحل من جسده الذي يحمل داخله عقل يغشاه الغرور والعناد، جلست على أول مقعد وأرجعت رأسها للخلف، لا تستطيع السيطرة على أعصابها، جسدها أصبح بالكامل مسترخيًا.
كان يقف أبوها أمامها، جلس على ركبتيه وأمسك وجهها الذي أصبح شاحبًا كالأموات، قائلًا:
– هيرجع صدقيني.
كانت لا تسمع حروفه، تائهة في دوامة صنعتها لنفسها حتى تهرب من الواقع، تندم على عدم أخذها خطوة الاعتراف من قبل، كانت تود أن تبوح بحبها وتخبره بمن يسكن رحمها منه وحينها يفعل ما يشاء، وضعت يدها على بطنها تتحسسها بوهن، وأجهشت في البكاء قائلة بنار تشتعل داخلها:
– أنا عايزة حازم، بابا أنا بحبه صدقني، كنت غبية وعقلت متأخر، بابا هاتلي حازم علشان خاطري، والله هعمل كل حاجة.. مش هعند، أنت مصدقني صح؟
أخذها بحضنه رغمًا عنه لم يتحمل رؤية دموعها ويتركها بعيدة عن أحضانه، وأقسم أن يصل له عاجلًا وليس أجلًا حتى يرضي ابنة قلبه.
منذ قليل في غرفة “مستقبل”، كان “وجود” و”نايا” يتناقشا معه بخصوص خطوبته، فأردفت بضيق:
– وأنا يا مستقبل مش هقبل بجنانك، أنت بتحبها.
– يا ماما ارحموني بقى، أنا بشر.
فيقول “وجود” وهو يعتريه الغضب:
– وأنا لما كنت هضيع زينة من إيدي، كنت بتحارب ليه علشان ترجعنا لبعض.
أجابه بهدوء وتبرير:
– علشان بتحبك وأنت بتحبها.
– أمال أنتوا إيه؟
كادت أن تنزل دموعه الساخنة من ناره، وهو يبلغه:
– هي ما بقيتش تثق فيا.. قولي هنتجوز إزاي؟
صعد “مهيمن” على أصواتهم المرتفعة قائلًا بنفاد صبر:
– فيه إيه تاني؟
– الأستاذ عايز يسيب كارما.
أبلغته بها “نايا”، فرد وهو يصفق له ويكاد أن ينفجر بوجههم:
– برافو سيبها، واقعد اتحسر وعيط العمر كله.
قال جملته ثم تركهم ولم يرد على أحد، اكتفى من الهموم والحديث، نزلوا خلفه عندما شعروا جميعهم أن في جعبته ما يكفي، فقال بصوت منخفض بعدما جلس بجوار السابحة في بحار عالم آخر:
– حد يعرف أي نشاط لحازم؟
تلجلج “وجود” وهو يقول:
– زي إيه؟
رمقه يتفحص وجهه، وردد:
– زي أي نشاط سري.
شرد فيما اعترف له “حازم” من قبل:
– مالك يا صاحبي؟
– أنا عايز أقولك سر، ومهما يحصل ما تقولش لحد.
– عيب عليك من إمتى بطلع سرك!
– أنا بقيت عميل سري.
– إزاي؟
– عادي قدمت وعملت اختبارات ودخلت.
– وبعدين في جنانك، أنت مش صرفت نظر عن موضوع الشرطة.
– ممكن ما تتكلمش في الموضوع دا تاني؟
– طيب وبعدهالك؟
– ما تخلنيش أندم إني قولتلك، وأنا مقتنع جدًّا بالحياة دي.
– والله خايف عليك.
– وجود أنا قولتلك لأن لازم حد يعرف.
– تمام ما تزعلش، بس عجبنى تغير شخصيتك بقيت حد تاني خالص، بس اوعى تشوط في أصحابك كمان يا عم احنا مش قدك.
– أنت أخويا وحبيبي.
– يا سيدي بتعزف على الوتر الحساس.
أفاق “وجود” على يد “مهيمن” الذي كان ممعنًا النظر فيه:
– أنت تعرف حاجة؟
– لا.
أجابه باقتضاب وهو ينظر بتهرب لجهة اليسار، فقال بتأكيد عليه:
– متأكد.
– هو حصل إيه؟
قالها عندما قلق من داخله من منظر أخته، واهتمام أبيه الزائد، فأجابه بتهكم:
– حازم عربية تبع عمليات سرية خطفته.
زاغت عينه في المكان، ولا يعلم هل يفضح سر صديقه أم يبتلع كل ما يعرفه بداخله، فاكتفى بقول:
– بابا مش عايزكم تقلقوا عليه.
– لو تعرف حاجة يا وجود قولي علشان أعرف اتصرف صح.
حاول كبت معلوماته، لكن الوضع لا يسمح بأي إنكار، فأخرج كل ما يحتفظ به حتى يساعد أباه وصديقه:
– هو انضم ليهم تقريبًا من أربع أو خمس شهور.
جلس “مهيمن” يأخذ أنفاسه بأريحية، فقالت “توتا” بشهقاتها:
– لا يا بابا قلبي واجعني أوي عليه.
أمسك يدها بلطف يزرع داخلها الاطمئنان:
– عايزك تهدي، المهم عرفنا إنه معاهم، ولما يظهر حسابه معايا عسير.
هدأت قليلًا ثم قالت لمستقبل الذي لم يتحدث ببنت شفة مثل عادته:
– مالك يا سيمو.
ترغرغت حبات الدموع داخل مقلتيه، عندما قص “وجود” بما يحمله من تهور، فقالت بوهن:
– روح صالح كارما بلاش توجع قلبها، وتوصل حبكم للجفاف من البعد والأسى، بلاش تخسر حد بيحبك زي كارما، روح ومتغلطش غلطتي، ولو فيه حاجة اتعاتبوا وبلاش تشيلوا جوه قلوبكم وكل واحد يفسر المشكلة من وجهة نظره هو، روح قبل فوات الأوان، اسمع من اللي انكوت بنار العند، وأخرتها اتحرقت من الفراق.
تركهم “مستقبل” وتوجه إلى الحديقة يلتقط نسمات الهواء، ثم أخرج هاتفه وجلب رقمها على شاشة الهاتف وأخبرها عندما فتحت الخط بحدة وحزم حتى ينهي كل شيء:
– في خلال خمس دقائق، تغسلي وشك وتمحي آثار تاتو النكد اللي عليه، علشان جاي آخد حقي.
تلعثمت في حروفها وهي تقول بصدمة:
– حقك مني أنا؟! بعد اللي كنت بعمله عشانك.
– هو أنا ليا حق عند حد غيرك.
قال جملته بصرامة ثم أغلق الهاتف وذهب لها، كان أخواها وأبوها يجلسون بالحديقة، نهض “سليم” يقول بعصبية بعدما سأل عليها:
– كلامك يبقى مع الرجالة اللي قدامك، ويا تتكلم عدل يا تمشي.
– أنا ليا حق عندها وعايز أصفيه معاها.
قالها “مستقبل” بوجوم حاد، فرد عليه “أنيس” بهدوء:
– ولو ليك حق تأكد هتاخده.
– ليه محسسني إنكم ما تعرفوش إن ليا حق.
هكذا قال “سليم” بانفعال فأمسكه “أنيس” يرجعه للخلف، وأخبره “فادي” بتعقل:
– مستقبل اتكلم بأسلوب أحسن من كده علشان نوصل لحل.
– أصلًا ملهوش أي حق، ولو هي غلطت مرة فيه هو غلط ألف مرة.
قالها “سليم” بحدة وكاد أن ينقض عليه؛ يفرغ به كرهه له وعصبيته، وقف أمامه واضعًا يده على بعضها وأبلغه ببرود:
– لا ليا يا سليم وهاخده، غصب عنها كمان.
أمسكه من (تيشرته) بعدما فاض كيله، مرددًا بعنفوان:
– ولا أنا جبت أخري منك.
زج “أنيس” أخاه عن “مستقبل” وقال بصوت عالٍ:
– كده مش طريقة نقاش خالص، لو سمحت اهدى يا سليم، وكاري لما تسلط ناس على خطيبها تبقى غلطت، اتفضل شوف اللي يرضيك يا مستقبل.
يقترب من الفتاة المرتعبة التي لأول مرة يراها هكذا، وأردف بوهن:
– نتجوز في أسرع وقت.
نظر له الجميع باستغراب، فقال بتوضيح:
– هو أنا ليا حق عند العالم كله غيرك، أنتي حقي ومش هتنازل عنك أبدًا.
اتسعت عيناها بفرحة، ثم نظرت لأبيها فابتسم لهما، حركت عينها تجاهه ثم هزت رأسها بالموافقة، تضايق “سليم” من غبائها ورجوعها له من جديد، فترك المكان وانصرف لكن “مستقبل” ذهب خلفه قائلًا بتفهم:
– سليم أنا واثق إنك بتحب كاري وعايز تطمن عليها، أوعدك هشيلها في عنيا، وعمري ما هزعلها.
– طب لو جت مرة زعلانة؟
– موتني، وقبلها هكتبلك إقرار إني انتحرت، ها مرضي يابا.
أجابه بمزاح، ابتسم له ثم تطلع إلى أخته التي تتراقص الفرحة داخل عينها، رفع يديه وفتحهما في الهواء، فركضت “كارما” ودخلت في حضن أخيه الدافئ الحنون، وفرح الجميع لسعادتهما.
دخل الجميع الفيلا وعندما استقر الحبيبان بمفردهما قالت بإحراج:
– كنت عايزة أعرفك حاجة.
– لو نكد مش طالب.
– معلش علشان لازم تعرف الحقيقة، وما يبقاش حد شايل من التاني.
– اتفضلي قولي.
– الشاب اللي كان معايا في النادي دا جوز صاحبتي كنت بسأل عليها، قالي إنها ماتت من فترة وزعلت عليها وأعتقد كان باين عليا، وخبيت علشان ما ابوظش اليوم والخروجة، عرفت مين بقي اللي بينكد.
– خلاص يا كارما مش عايز افتح مواضيع عدت؛ لأن غلط إنه يمد إيده عليكي.
– معلش وحاجة كمان.
جلس بملل:
– هو ساعة الاعتراف مش هتخلص.
– آخر حاجة هقولها، صاحبتي اللي اقترحت عليا الموضوع دا.. وما كنتش أعرف إنها هتختاره هو.
رد عليها وهو يحاول السيطرة على أعصابه:
– كمان بتتأمري أنتي وأصحابك عليا، طب اسكتي احسن.
– وحشتني.
قالتها بنظرة حب وهي تبتسم وتمسك يده، بادلها مشاعرها قائلًا:
– وأنتي أكتر يا رخمة.
في الصباح الباكر، ذهب “مهيمن” للمكان العسكري السري نفسه، وتحدث بقوة مع القائد:
– أنا عارف إن حازم شغال هنا، ولو ما قولتليش مكانه فين أنا مش هسكت وههد الدنيا.
وقف القائد بهدوء متفهمًا وضعه:
– ممكن سيادتك تهدى.
– أحب اطمنك إني كده هادي، وانجز وقول لتشوف الجنان على أصوله.
– يا مهيمن باشا، حازم فعلًا شغال معانا هنا بس من امبارح طلع طلعة ولحد دلوقتي محدش يعرف مكانه.
– عايز تقنعني عميل سري يطلع طلعة من غير أجهزة تجسس ومايك.
– طلع بيهم، والبدلة اللي بيلبسها فيها أفضل أنواع تعقب خط السير، لكن للأسف البدلة حد قلعهاله ورماها في البحر.
– يبقى اللي عمل كده فاهم قيمة البدلة، وإنه من غيرها محدش هيوصله.
– طبعًا، وإلا ما كانش عمل كده.
– عايز معلومات عن المهمة ومكانها وكل حاجة تخص الموضوع.
– يا مهيمن باشا، احنا مش ساكتين ولما تلاقي تقصير في شغلنا ابقى اتدخل.
– حازم دا ابني مش جوز بنتي بس.
قالها بحزن على من افتقده ولا يعلم له مكانًا، رد عليه بتفهم:
– اطمن هنعمل أقصى ما في جهدنا.
تركه ثم توجه لفيلاته، كانت “توتا” تتصنع الابتسامة حتى تفرح أخواها، وعندما رأت أباها حدقته، لكن استشفت أنه لم يصل له، نهضت في هدوء وقالت بضعف:
– ما لقيتهوش؟!
– زفر أنفاسه بحرقة:
– اطمني هو في عملية سرية.
– بتقول كده تصبرني.
– لا يا حبيبتى هو فعلًا في عملية.
أومأت برأسها بخيبة أمل، وانصرفت إلى حجرتها تبكي من قلبها، دخلت لها والدتها تتحدث معها بعقلانية حتى جعلتها تهدأ قليلًا.
دخل عليها أخواها وخطيباتهما، قالت وهي تحتفظ بحزنها لنفسها:
– هنفرح بيكم إمتى؟
– أول ما يظهر حازم، علشان فرحتنا تكمل.
قالها “مستقبل”، فردت عليه بابتسامة:
– طب ما تفرحوا قلبي بيكم على ما يظهر.
بعد نقاش قرر “مهيمن” و”نايا” تزويجهما، وعمل فرح في أقرب وقت، نزلا كل واحد منهما مع حبيبته وظلت هي مع والديها، فقالت:
– بابا أنا هروح أعيش في بيت حازم.
رفض الوالدان بشدة، لكن أصرت على رأيها.
فقال” مهيمن” بعصبية:
– بعد فرح إخواتك.
وافقت، وأصبحت تحدث والدة “حازم” التي ينزف قلبها على فراق ابنها باستمرار، وأخبرتها بحملها فسعد قلبها بحفيدها، وعندما تناقشت معها في العيش بمنزله ردت عليها:
– أنا مش هسيبك يا توتا هفضل معاكي، أراعيكي وأراعي ابن ابني لحد ما أبوه يجيلنا بالسلامة.
كانت تصبر نفسها أنه سيرجع، ويدخل عليهن في أي لحظة.
مرت الأيام ثقيلة على الجميع، بين من يشتاقون لقرب الحبيب وهم على دراية بموعد اللقاء، ومنهم الحزينة التي تخبئ آلامها وتدفنه داخل أعماقها حتى لا تفسد فرحة الجميع، تجلس “توتا” شاردة في زوجها الذي طال غيابه، متأهبة في حالة استعداد دائمًا على كل من يطرق بابها، ظنًّا منها أنه عاد إليها من جديد، لقد هجر عشها الذي لم يكتمل بعد.. هجرها ولا يعلم ما يبثه فؤادها من حب.. هجرها وهو يظن أن الحجر الصوان ما زال متحجرًا في قلبها، ولا يعلم أنه انصهر من شدة الاشتياق له.. هجرها بدون أن تصارحه بأن جزءًا منه بداخل أحشائها يكبر وينمو يومًا بعد يوم، فقد أراد المولى بأن يعوضها غيابه عنها، ولطف بحالتها وحال والدته المنكسرة. تمنت من داخلها بأن يكون هذا الجنين ولدًا، حتى يشبهه في ملامحه وقوته ورجولته التي كانت تراها في كل موقف، لكن كبرياءها وعنادها جعلوا منها امرأه تستلذ بزيادة جرحه وتعذيبه، استمر بكاؤها ندمًا عليه، تذكرت أجمل اللحظات السعيدة التي جمعتهما معًا وعقابه لها الذي تتمناه الآن، ومشاجراتهما وردوده التي كانت تستفزها وتشعلها.. جعلتها تتفوه بداخلها قائلة:
– ارجعلي يا حبيبي وأنا اعوضك والله عن كل اللي عملته، هنعيش سوا مع بعض نربي ابننا ونعلمه الحب اللي اتعلمته على إيديك، وما لحقتش تدوق منه حاجة، يا رب ترجعلي يا حازم وغيابك ما يطولش، كفاية بعد وفراق.
فاقت على دخول “كارما” و”زينة” يتحدثان إليها لأخذ رأيها في فساتين الزفاف التي اختيرت لتبدي رأيها فيهما، محاولة منهما أن يخرجاها من حالة الحزن ومشاركتها معهم.
وجاء موعد الزفاف، واتفق الجميع على تجهيز حفل الزفاف في حديقه فيلا “مهيمن” صباحًا أمام حمام السباحة الذي كان ممتلئًا بالورود والبلالين الهيليوم؛ فقد اتفق مع منظمي الأفراح ليتم تجهيز كل شيء للعروسين وعمل كوشة عبارة عن أريكة كبيرة تضمهما جميعًا، منذ الصباح الباكر والجميع يعملون في الفيلا بهمة ونشاط، والنساء مجتمعات في فيلا “دانية” ومعهم مركز تجميل مخصوص لهم لتجميل العروستان الجميلتان، طال الوقت حتى جاءت اللحظة التي ينتظرها الأخوان، تقدم أولًا “وجود” ليتقدم بأخذ فراشته الرقيقة “زينة” التي كانت تمسك بيد والدها “شادي”؛ فقد كان في قمة سعادته بابنته الغالية، وقدم كنزه الغالي لعريسها الذي حين رأى جمالها وسحرها الفتان انبهر به، قبل جبينها هامسًا لها بحب قائلًا:
تقابلت عيناها بعشق وفرحة ليس لها حدود، فقد كانت مقلتيها تبث له الحب المكنون فقالت بكسوف:
– مبروك عليا أنت.
في أثناء ذلك كانت “كارما” تتدلل بفستان زفافها، ويزين وجهها حجابها الذي جعلها مثل الملكة التي توجت بعد طول انتظار على عرش قلب حبيبها وعاشقها، أخذها “مستقبل” بتملك من والدها “فادي” وتبث عيناه له ولأخويها أنه سيضعها بعينيه لآخر العمر، ضمها لقلبه بسعادة، كانت الأجواء مليئة بالبهجة والفرحة من قبل الجميع، جلسوا على الأريكة المزينة بالورود من الجانبين. وبعدما مضى وقتًا، اقترب الأهل مهنئين والتقطوا معهم الصور التذكارية.
بدأ الحفل برقصة للعروسين، تقدم كل منهم متناسين الجميع؛ “وجود” يشعر مع عروسته أنه يحلق بالسماء، علم معها أن الحب الحقيقي هو ما يملك القلب، ويكون متبادلًا بين الاثنين وليس من طرف واحد، أدرك هذه الحقيقة متأخرًا، لكن لا يهم شيء طالما زينته بين يداه. أما العروسان الذان يتسموا بالجنان الوراثي من الأم كانت حالتهما عجيبة، الفرحة هي من تتحدث وتتصرف بكل حرية وانطلاق.
تجلس “توتا” على إحدى الطاولات تنظر لهم وهي تتأمل وتدرس معالم السعادة داخل مقلتيهم، وتذكرت حبيبها الغائب وليلة عرسها التي لم تشعر بما يشعرون فيها، كم كانت أنانية! ترقص وتسعد بدونه مع أصدقائها غير منتبهه له ولنظرات التمني والحب الواضحة وضوح الشمس في لحظة سطوعها للجميع، كم كانت ضريرة القلب والإحساس! لما لا تسعد في هذه الدنيا مثل أخويها؟ لماذا دائمًا خوفها من الجنس الآخر يطاردها في كل لحظة؟ رعبها من أن تنجرح مرة ثانية هو ما يسطر عليها؛ لذا كانت دائمًا تلعب معه دور المهاجم الشرس الذي يدافع عن نفسه بكل وسيلة وطريقة مهما دفعه ذلك لجرح الطرف الآخر، تساقطت دمعة خائنة على وجنتيها فأحرقتها من شدة حرارتها، لاحظت والدة زوجها التي أشفقت عليها، وجففت تلك الدمعة بحنان أم أهلكها فراق وليدها الوحيد، تبسمت بمرارة قائلة:
– هيرجع يا توتا، قلبي بيقولي إنه راجع.. مهما غاب عننا مسيره يرجع.
– يارب يا ماما، وحشني أوووي، كان نفسي أعيش معاه اللحظات الحلوة دي زي إخواتي، لكن عنادي ضيع مني السعادة.
– معلش حبيبتي، كل حاجة ممكن تتصلح بس يرجع هو.
– يارب يا ماما.
ومرت الساعات بين الرقص والغناء، حتى جاء الليل وانتهى الحفل وذهبوا إلى إحدى الفنادق الشهيرة ليقضوا شهر العسل، تعويضًا عن ما مروا به من أوجاع وأحزان، لكي يبدأوا أول سطور حياتهم الجديدة المليئة بالحب والعشق.
رواية غرورها جن جنوني الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ابتسام محمود
ذهبت توتا لمنزل حازم بعد انتهاء زفاف أخويها. شعرت أنها تراه للمرة الأولى، تأملت كل مكان حولها تنظر له بفرحة مستبشرة بالذي مضى كأنه لم يمضِ. استنشقت الهواء بقوة حتى امتلأت رئتيها بعطره الذي ما زال معلقًا بأركان المنزل.
بدأت دموعها تتساقط وهي تقترب لغرفته، تأملت كل شيء بعين نادمة على تصرفاتها التي كانت خالية من الحكمة. والآن قلقة من المستقبل، ملامحها يتخللها الحزن وبدأت علامات الشيخوخة المبكرة تغزو وجهها. وما أسوأ الندم على أشياء لم نفعلها، وكلمات لم نقُلها لأحباب فرَّقتنا عنهم الحياة، فالتراجع عن الإثم لا يكفي لمحوه، وإنما الندم وحده هو الذي يطهر القلوب المحطمة.
ألقت جسدها المتعب بعرض الفراش بأكمله ولم تعمل حسابًا لحدودها التي وضعتها من قبل حتى لا يقترب منها. أمسكت الوسادة اللعينة التي كانت تضعها لفصلهما وألقتها بقوة تكاد تُحمِّلها الذنب على البعد، فكانت تقسو على نفسها وتعذبها كما أذاقته من لوعتها. أرغمت عقلها على إغماض عينها عن الحقيقة المؤلمة؛ حتى تتمسك بأطراف علاقة تأمل أن تعود كما كانت، حتى لا تواجه الفراغ المخيف الذي تركها به. لكن عندما تحطم قلبها تبعثر إلى أشلاء صعب أن تتجمع إلا بوجود الأحباب.
وفجأه توقفت عن النحيب والتفكير ونهضت تمسك ثيابه التي مر عليها وقت، اشتمتها بقوة ثم قبلت كل إنش بالتيشيرت، ثم وضعته على الفراش فوق وسادة صغيرة فشكلت شكل جسد. ابتسمت لتصرفها الساذج، لكنها تسطحت بجانبه مداعبة صدره، وهي تصرخ من داخل أعماقها.
كان ظهور الشمس بالنسبة لها تواري أيامًا خلف بعضها، فالعتمة مسيطرة على عقلها قبل قلبها. نهضت ذات يوم حين تذكرت أول مقابلة بينهما واعترافه بالحقيقة كاملة. نهضت وأمسكت الصورة التي سرد قصتها من على الكومود. وحدقت بها وتأملتها بتمعن غير مصدقة ما تفوه به؛ أيعقل أن يكون القدر جمع بينهما منذ اللحظة الأولى من عمرها؟!
توجهت لنهال التي تجلس بالأسفل، تخبرها بابتسامة تحمل كثيرًا من المعاني عكس بعضها، وبسطت يدها ممسكة بهذه الصورة بيد مرتعشة حتى تراها، هاتفة:
– ماما نهال، حازم حكالي عن الصورة دي وقالي إن دي أنا، عايزة أعرف كل حاجة، إزاي اتصور معايا؟
نظرت لما تقدمه لها وأجلستها بجوارها، وقالت بحب لها متذكرة قصة عشق طفلها الصغير الذي نبتت بذرة الحب بداخله وترعرعت طوال سنوات عمره لها فقط:
– بصي يا توتا الحكاية بدأت لحظة ولادتك، يومها أنا اللي ولدت مامتك، وباباكي كان ملخوم ومش عارف يشيلك، اليوم دا كان معايا حازم، أول ما عينه شافتك اتعلق بيكي جدًّا، وصمم إنه يشيلك وكان عايز ياخدك ويمشي؛ لأنه أول ما عينه وقعت عليكي حبك جدًّا. وهو اللي سماكي توتا، وباباكي ما اعترضتش، وبكل براءة قال لوالدك أنا هتجوزها دي عروستي أنا، وكان لابس خاتم في صباعه حطه في صباعك وقال كده بقيتي خطيبتي، ومن يومها وأنتي فضلتي في خياله واسمك محفور جواه، وعمره ما نسي الاسم دا أبدًا.
– أنتي بتتكلمي عن بابا الحقيقي؟
– آه، وعلى فكرة حازم ما كانش يعرف إنك نفس البنت، أول مرة شافك مع نايا حبك، ولما عرفنا الحقيقة وإن جهاد مش أمك؛ مهيمن كان هيتجنن وطلب مني أدور على أهلك في ملف المستسفى، وما هديش غير لما وصل له وعرفه إنك معاه، وقتها عرفت إنك أنتي نفس البنت، وقولت لحازم اللي كان مهوس بالصورة اللي أخدها معاكي وأنتي بيبي، واستغربت يوم الفرح إنه اتفاجئ إنك مش بنت مهيمن.
صمتت قليلًا تسترجع أجمل الذكريات، ثم استطردت حديثها:
– عارفة لما شافك زمان مع نايا في النادي وعرف اسمك، افتكر توتا اللي كان بيحبها وقالك أنا هتجوزك، ومن يومها وهو بيعاملك على الأساس دا.. إنك مِلكه وحبيبته، صدقيني ابني عمره ما حب بنت في حياته غيرك، ولا عينه شافت بنت إلا أنتي. من صغره وهو بيتحجج علشان يشوفك ويقرب منك، برغم صدك الدايم ليه لكنه عمره ما بطل يحبك.
كانت تسمعها وقلبها يتمزق من الألم لفقدانه لكن في اللحظة نفسها تبتسم سعيدة بحبه المتفاني وإخلاصه لها طوال سنوات عمره، فحكايتهما نادرًا ما تتكرر عبر الأزمان؛ أن تجد أحدًا يحب فتاة من طرف واحد منذ مولدها ولا يرى غيرها، ومع ذلك يستمر في هذا العشق المعذب ويتزوجها ويحيا معها في لوعة ولهيب لا تشعر به. كل تلك المشاعر كانت تجعلها تنهار من شدة الندم عليه، فأردفت بهمس:
– ياريتني اتكلمت معاه من زمان، وحاولت افهمه واشوف الحب اللي كان متغلف خوف وحماية، ياريتني عرفت أبحر في أعماقه واعيش معاه حياة عادية زي باقي البشر، بس هيفيد بإيه الندم وكل حاجة راحت من إيدي خلاص.
ثم ألقت جسدها داخل أحضان نهال، وهي تبكي بحرقة على فقدانه. ظلت تربت على ظهرها بحنان.
★★★★★
مر 8 شهور، وأنجبت طفلًا يشبه كل ملامح أبيه، كان هو النبتة التي قلبت كل الموازين، وجعل السرور يدخل قلب الجميع عند رؤيته.
★★★★★
مضى عام آخر ثم عامان. وفي أحد الأيام كانت العاصفة تملأ إحدى الشوارع في إيطاليا. كان يومًا لم تطلع به شمس، صوت الهواء يصم الآذان ويطيح بكل من يقف خارج المنزل، والسحب تفترش السجادة الزرقاء وتخفي معالمها، فكانت السماء غاضبة على من غطت عليهم، وكأنها كزت على أنيابها بشدة فتتصادم السحب بقوة ويصدح عقبها صوت مخيف مع شعاع نور، فتشتد الأمطار بغزارة، والجميع يختبئ حتى يحمي نفسه من هذا الشبح المخيف الغاضب.
إلا لاروا تجري بالطرقات الفارغة من المارة، تسمع أصوات الناس الهاربون من الصقيع، وهم يخبطون الكؤوس ببعضها، حتى يشعروا بالدفء، لكنها لم تكن تبالي لأي شيء حتى الشتاء القارس بالبرودة، من كثرة لهفتها كانت تشعر بالسخونة تخرج من جسدها. وأخيرًا، وقفت أمام باب حديدي كبير فتحته بالمفتاح الذي كانت تحمله، وجدته ينتظرها بعينين منهمكتين. ابتسم بأسى وهو ينهض من مكانه ويعانقها عناقًا يحكي الكثير والكثير، فأبلغته باللهجة الإيطالية:
– عذرًا تأخرت عليك.
– المهم أنكِ أتيتِ، وطمأنتني عليكِ.
★★★★★
أما في مصر كانت توتا تقف بالشرفة تنظر للسماء التي تتلألأ بها النجوم مع بعض من السحب المارة في هدوء، فتأملت الهلال المزين بالسماء، وتذكرت أوقاتها البسيطة مع حبيبها، فحدثت القمر متسائلة:
– قول لي يا قمر زماني هل ما زال حبيبي يتذكرني، أم أصابه اليأس حقًّا وتركني وقذف بحبه في أعماق البحار الكاحلة؟ هل تعتقد أنني أتردد على خاطره في لحظة، أم نسي كل ما يربطنا من حنين واكتفى بذكرياتنا المؤلمة؟ أما زال يناجيك مثلما يفعل دائمًا، أم سأم من كثرة مناجاته؟ أستحلفك يا قمري، حدثه عن حبيبته المعذبة وحنن قلبه على المشتاقة له.
انتبهت على صوت نداء ابنها فدخلت له ملبية نداءه، طلب منها أن تنام بجانبه فنامت على الفور، سكن حضنها الحنون وطلب أن تحكي له قصته المفضلة. اعتلت وجهها الابتسامة ولم تتردد ثانية؛ فابنها الوحيد الذي يعطيها الفرصة أن تخرج كل ما في قلبها من شوق وحنين، وقالت بسعادة:
– كان ياما كان.. كان في بطل همام اسمه الرجل النطاط، ما كانش يتحمل يشوف ست الحسن والجمال في مشكلة، وأول ما تقع هو يجي بالهلب بتاعه متنقل من حيطة لحيطة، لحد ما يوصل ليها ياخدها على أكتافه ويطير بيها، لحد ما في يوم وقعت ست الحسن وهو طار بعيد وما أخدش باله إنها وقعت وبتنزف، وفضلت واقعة في بير كبير وفضل عندها أمل إنه هيرجع ليها ينقذها.
– هي لسه ست الحسن ما طلعتش يا ماما.
قالها ابنها باستفسار، فأجابته بثقة:
– لسه يا حبيبي، بس هيرجع يطلعها.
– طب ليه ما رجعش يدور عليها.
– لأنه افتكرها نزلت بمزاجها، وأديها هي دلوقتي اللي بتدور عليه.
قالتها بحزن ومرار على أيام وسنين تمر دون فائدة. فقال الطفل بملل:
– ماما بابا وحشني أوي، إمتى هيرجع بقى؟
– هيرجع يا حبيبي بكرة، مش أنت عارف إنه عنده شغل كتير.
– عارف.. يبقى قوليله مش عايز سويت ولا جيمز، عايزه هو يلعب معايا كورة.
وضعت الغطاء عليه بإحكام وهي تبلغه:
– الصبح يا قلبي قوله كل حاجة وأنت بتكلمه، يلا بقى ننام.
– تصبحي على خير يا ماما.
★★★★★★★
– يلا بسرعة علشان نلحق نمشي من هنا قبل ما الحراس يطلعوا.
قالتها لاروا وهي تتفحص الطرقات. فرد حازم بتعب؛ فكان طوال السنين الماضية محبوس أسفل الأرض في حجرة مظلمة، لا يدخلها شعاع الشمس أبدًا، كان يصبر نفسه بشعاع حبه لها، وحفر صورتها على يده بحجر قام بسن طرفه، كان يتأملها ليلًا ونهارًا وعندما يدخل عليه أحدهم يخبئ يده حتى لا تحدق بها العين؛ فيغار على صورة قام برسمها من أعين الناس.
كان يمشي بقلب يتطاير من السعادة، وعندما تذكر آخر لقاء حزن جدًّا، صعدا فوق القصر وركبا طائرة هليكوبتر نقلتهما لمكان آمن حتى هدأت العاصفة التي أنقذت حياته وجعلت البشر يختبئون كالفئران. فقالت لاروا بلهفة:
– كنت أبحث عنك طول السنين الماضية، وحين علمت مكانك لم أعرف كيف أنزل لك، الحرس كانوا يملأون المكان.. والحمد لله العاصفة جعلت الكل يختبئون.
– كان عندي أمل في ربنا إني هخرج وأرى النور من جديد، أنا عايز أتحرك لازم أوصل مصر في أسرع وقت، أمي وحشتني كثيرًا.
– والدتك فقط؟
– أناني أشعر بالندم لكي لا أسمع ماذا كانت تريد قوله؟ في خلال الثلاث سنوات كنت أضع آلاف الاحتمالات في اليوم بأي شيء كانت من الممكن أن تقوله، لكن للأسف توتا لا أحد يستطيع أن يتوقع منها ردة فعل حتى إذا كان تعبير ملامحها يدل على شيء؛ ممكن تفاجئك برد فعل آخر.
– هل تظن أنها تنتظرك؟
– أفتكر إنها ما صدقت خلصت من الكابوس بتاعي.
قالها بالعامية المصرية ثم رد عليها بالإيطاليا:
– لم أعد أتمنى شيئًا غير أن أكون داخل حضن أمي وأطلب منها السماح على دخولي الشرطة وعلى وجع قلبها طوال هذه السنين، كنت خائفًا أن أموت قبل أن تقول لي سامحتك.
– يااا يا حازم نفسي مرة أراك تفكر بنفسك.
– لقد ماتت نفسي منذ زمن.
صمت وطال صمته لعدة ساعات، حتى أتى النهار واستقلوا طائرة متجهة إلى مصر.
★★★★★
استيقظ حازم الصغير ثم أمسك هاتفه وجلب رقم والده، يخبره عندما أتاه صوته الناعس:
– بابا هتيجي إمتى نلعب كورة؟
– يا حبيبي العب مع ماما عندي شغل كتير.
رد عليه بضيق ودموعه تهدد بالانحدار:
– شغل إيه ما أنت نايم أهو، أنت لو بتحبني بجد كنت ما نمتش وجيت.
– يا حبيبي علشان نجيب الكورة، وكل الحاجات الحلوة اللي أنت بتحبها، لازم أشتغل كتير علشان أجيبهالك.
– أنا مش عايز حاجة.. أنا عايزك أنت، أنا نفسي أشوفك، أنا عمري ما شوفتك غير في الصور، نفسي تاخدني في حضنك.
قالها الطفل بصراخ، ثم ألقى الهاتف بقوة جعله يتحطم مثل قلب أمه، التي حين رأته يأخذ هاتفه قامت من نومها ودخلت لحجرة الملابس، تفتح الحاسوب الخاص بها وتشغل برنامجًا خاصًّا تكتب الحروف وقلبها ينزف، فكان يحول تلك الكلمات لصوت رجل يحدثه ويخبره بما تكتبه. وعندما ألقى هاتفه وقفت على أعتاب غرفتها تشاهده وعبراتها تنحدر ألمًا، حتى سمعت صوت صراخ ابنها يقع من على الدرج، ركضت عليه حملته ووضعته على قدمها.
لم يهدأ من صراخه قط، أبدلت ثيابها سريعًا وأخذته على المشفى وحدثت جدته تحضر دكتور عظام، كانت الجدة قلقة منتظرة وصولهما حتى تطمئن على ابن ابنها الغالي، حين وصلت نزلت من العربة تحمل ابنها وتركض. في الوقت نفسه، ينزل حازم من السيارة ناظرًا أرضًا، لكنه اشتم عبيرها فارتجف قلبه، وأصيب جسده بالثقل.
حين اقتربت من بوابة المشفى، أخذوا منها الطفل بحرص إلى غرفة الإشاعات، هدأ جسده من تجمده ودلف بخطوات بطيئة لداخل المشفى متوجهًا إلى المصعد، وكانت توتا تدخل المصعد متوجهة للطابق العلوي.
هرول عندما لمح المصعد ينغلق، لكنه لم يلحقه وانتظر، حتى نزل له من جديد، حين دلف داخله شعر بطيفها يتبعه.
برغم أنه قرر أن يعطيها حريتها ويبعد عنها، لماذا تستحوذ على تفكيره من جديد؟ هل هو شبحها حقًّا يكمل مسيرتها في مضايقته؟ نسى لوهلة ما عاهد نفسه عليه، وسرح في ماذا كانت تريد إخباره، أفاق عندما وصل الطابق الموجود به مكتب والدته، لكن لم يلتقِ بها. كانت توتا تميل بجزعها العلوي تحمل بعض الأوراق التي تبعثرت منها على الأرض من شدة توترها وقلقها على ابنها.
وقف حازم يستنشق الهواء ثم مسح وجهه وهو يستغفر ربه وينفض غبار أفكاره، ولم يسمع قولها له عندما دلف داخل المصعد وكان يعطيها ظهره:
– يا أستاذ ممكن تاخدني مع…
فكانت تود أن تنزل لابنها بسرعة، لكن حين أغلق المصعد وابتعد، تأففت بضيق ولمت الأوراق سريعًا ونزلت تركض على السلم، كان شعرها يخبئ وجهها، وحازم يتأملها وهي حائرة تائهة، كان يلمحها من زجاج المصعد الشفاف، لكن لم يتأكد أنها هي؛ فهذه الفتاة نحيفة جدًّا ويبدو عليها التوتر والقلق والذعر، برغم مرور السنوات ما زالت رئتيه تحتفظ برائحتها، وعينه تحفظ منحنيات جسدها، لكن عقله عزم على تخريب كل ما يفكر به ويوهمه أنه سراب.
وصل مكان ما قيل له إن والدته تجلس به، طرق الباب بهدوء انتظر حتى أذنت له بالدخول، دلف ببطء شديد ثم انتظر أن تنظر له، لم تصدق نفسها نهضت مسرعة تصرخ بحروف اسمه الغالية، ضمته بشدة وقبلت كل إنش في وجهه بكل شوق، بادلها العناق بقوة ثم قام برفعها من على الأرض ودار بها، ثم أنزلها وجثا على الأرض يقبل قدميها بكل حب هامسًا بدموع الندم قائلًا:
– سامحيني يا أمي، سامحيني علشان أقدر أسامح نفسي على الوجع اللي سببتهولك.
رفعته وأمسكت وجهه بسعادة بالغة، تبلغه وهي تهز رأسها بابتسامة، والدموع الحبيسة لسنوات أعلنت سقوطها بدون تردد، لكن الآن هي دموع الفرحة والسعادة بعودة الحبيب الغائب:
– سامحتك يابن عمري من زمان، اللي عندها ابن راجل زيك ما تقدرش تزعل منه أبدًا، الحمد لله إنك رجعت لحضني اللي اشتاق ليك أوي.
قطع حديثهما طبيب الأشعة يقول:
– دكتورة نهال الولد عنده تمزق في غضروف القدم.
التفتت لابنها قائلة:
– تقدر تعمل عملية لطفل عنده ثلاث سنين؟
– حاليًا أعصابي مش هتسمح.
أمسكت بيده وذهبت به للطفل الذي يضع يده على عينه وتركتهما وانصرفت. نظر بالأشعة ثم رمق الطفل بدهشة لعدم بكائه برغم كل ما يحمله من ألم فسأله باستغراب:
– أنت رجلك بتوجعك؟
– آه.
– طيب إزاي مش بتعيط؟
– دموعي خلصت.
قالها بقهر وكان ما زال يغمي عينه، انصدم من قول صغير لم يبلغ الخمسة أعوام، ويقول إن دموعه انتهت. أشفق على حاله وشكر دموعه التي تهون عليه أوجاعه ولم تتخلَ عنه، حدث الطفل بهدوء:
– اسمك إيه؟
– حازم.
ابتسم بأسى؛ فالطفل يحمل اسمه نفسه ويشعر بالقهر والوجع مثله برغم صغر سنه:
– طيب ممكن تبصلي وتقولي خلصت دموعك ليه؟
تنهد الطفل بحرقة شعر بها تخترق قلبه، ثم قال بضيق:
– يرضيك يا دكتور بابا يوعدني يقابلني النهاردا وما يجيش..
صمت الطفل عندما أزاح حازم يده من على عينيه، فتأمله بسعادة لا توصف وكاد أن يقف لكن شعر بألم، فهتف بفرحة:
– بابا أنت وفيت بوعدك وجيت، أنا ما كنتش مصدق إنك هتيجي بجد، شكرًا يا بابا شكرًا.
كان يحاول النهوض وهو يتعلق بكتف أبيه الذي اتسعت عينه بدون فهم، فربت عليه بحنان وانجرفت دمعة من مقلتيه ظنًّا أنه حزين على حال الغلام، ولا يعلم هذه الدموع تنجرف من قلبه لحرمانه من صغيره طوال الوقت، مسح دموعه سريعًا وهو يجلسه على الفراش بلطف، ويخبره:
– عايزك ترتاح واعتبرني بابا.
– أعتبرك إيه بس.. أنت بابا حبيبي، ما تحاولش تختبرني يا بابا.
– أنا؟!
قالها بدهشة، فأمسك الطفل سلسلة بها صورة والده وقال:
– ده أنا حافر صورتك في عقلي قبل الصورة دي.
أمسك السلسلة بتعجب، ويقول باستفهام:
– مين اللي لبسك السلسلة دي؟
– ماما.
قالها ببراءة، فأمسكه وهو يتمعن النظر به:
– ماما مين؟
– توتا.
كلمات الصغير اخترقت قلبه وجعلته ينبض بشدة، فهمس:
– أنت واعي للي بتقوله؟
دخلت في هذه اللحظة توتا دموعها تتسابق معها تغطي وجهها لشعورها بالذنب، تقول بصوت مبحوح وهي ترفع بعض ورق الأشعة كما طلبت منها نهال أن تدخله للطبيب المباشر لحالة ابنها:
– اتفضل يا دكت… حازم!!!
وعند نطق حروفه الأربعة فقدت كل قواها المزيفة، تلك القوة التي تدعيها طوال السنوات الماضية، دقات قلبها في تزايد لا تستطيع السيطرة عليها، تسمرت مبحلقة بعينين جاحظتين غير مصدقة أنه أمامها بكل كيانه، هل هذه حقيقة أم حلم يراودها في أحلامها اليومية، تشتت العقل ووقف عن الإدراك، شعرت أن عقارب الزمن وقفت عند هذه الثانية التي تراها عيناها، دقائق من الصمت كل منهما يريد الاقتراب.. يريد التخلي عن الصمت الرهيب، لكنهما غير قادرين على استيعاب أجمل حقيقة حدثت للتو، أخذت أهدابها تتحرك بسرعة، تأكدت أنه هو حبيبها.. أسرعت إليه، لامست بيدها وجنتيه بكل حب، دموعها هي المتحدثة عنها، رفع يده ليلامسها واشتد عليها، همست بصوتها الذي بالكاد أخرجته من حنجرتها بصعوبة بالغة:
– أنت بجد موجود؟ أنا مش بحلم.
أغمض عينه وهو يحاول التقاط أنفاسه وقال بسعادة واهية:
– توتا!
وهنا ألقت نفسها داخل أحضانه وهي تبكي أكثر من قبل، قائلة باشتياق:
– وحشتني أووي يا حازم، كنت بموت من بعدك طول السنين اللي فاتت.
لم يصدق ما سمعه.. أيعقل ما تتفوه به، أحقًّا هي حبيبته! أبعدها عنه بدهشة مرددًا:
– أنتي متأكدة إنك توتا؟!
ابتسمت وهي تهز رأسها بنعم، وكانت تمرر أناملها على تعريج عروق يده، فحضنها بقوة حتى يؤكد لعقله أنه كان على حق، وهي الآن تطفئ نار قلبه.
تركها وقلبه يحارب بُعدها، حتى يقوم بإجراء العلمية لابنه. استمر الوقت لعدة ساعات، كان شعورًا مرعبًا لإجراء هذه العملية الدقيقة، خصوصًا لطفل في سنه، وليس أي طفل؛ بل إنه فلذة كبده الذي رآه منذ لحظات؛ فتضاعف الخوف بداخله، وجاهد عقله أن ينحي عاطفة الأبوة جانبًا ويركز فقط فيما يفعله.
وحين انتهى ركض الجميع حوله، والخوف بداخل أعينهم، طمأنهم جميعًا عليه، وبعد خروج الطفل إلى غرفته، ذهبا إلى منزلهم مساءً بعد أن اطمأنوا عليه، في سعادة استلقى على فراشه ليرتاح، فقال الطفل بمشاكسة قبل أن ينام:
– ماما ماما يلا علشان تكملي حكاية نطاط الحيط، ويارب يكون رجع لست الحسن، زي ما بابا رجعلي.
رمقت زوجها الذي ضيق عينه، فتقول بسعادة وهي تنظر داخل عينه بحب وعشق:
– رجع، وهي اعترفت إنها بتموت فيه، وما تقدرش تبعد عنه ثانية واحدة بعد كده، ونفسها تعوضه عن كل العذاب اللي شافه في غيابها.
ثم وجهت بصرها إليه وأمسكته بتملك عاشقة هاتفة بنبرة دلال مغلفة بلهفة:
– بحبك يا حازم، بحبك من زمان أوي، كان نفسي تكون معايا وابنك بيكبر في بطني، كان نفسي تكون جنبي أول يوم ولدت فيه، كان نفسي…
وضع يده على شفتيها قائلًا باستغراب:
– أنتي عرفتي من إمتي وإزاي إن أنا هو؟
أحكمت غطاء ابنها عليه وقبلته على رأسه، ثم فعل هو كما فعلت ودعى له بنوم سعيد، ونزلا للأسفل تجيبه وهي تجلس على قدمه محتضنه وجنتيه بحب:
– ساعة آخر مرة كنت شوفتك فيها كنت هقولك إني عرفت الحقيقة، لكن ما رضيتش تسمعني، أنت نطاط الحيط اللي رجعتلي ثقتي في نفسي والرجالة. برغم إني كنت أبان قوية، لكن أنا من جوة هشة، أنا عشت أيام صعبة وفضلت ذكرياتها معايا تقتلني.. أول حب ليا دمرني هد كياني، استقبل كل حبي ليه بغدر.. علشان كده قفلت على قلبي، وقررت إني ما اتجرحش تاني، والله ما كانش قصدي إني أجرحك، كنت خايفة على قلبي بس ينجرح تاني، وأنا حبيتك وكنت بعاند نفسي وبان في تصرفاتي، طب أقولك على اعتراف.
– قولي ياعمري إيه؟
– فاكر آخر لقاء بينا، برغم إني كنت سخنة بس كنت واعية جدًّا لكل حاجه حصلت؛ لأنها كانت من جوة قلبي، دا أحساسي الحقيقي اللي كنت خايفة أظهره، كل حاجة حصلت كنت قصداها ومتعمدة إني أعيش معاك أجمل لحظات حياتي. وتاني يوم ما قدرتش أواجهك وبينتلك إني مش فاكرة حاجة، ولما أسلوبك اتغير وبقيت تظهر على حقيقتك، وأشوف لهفتك وخوفك زي ما كنت نطاط الحيط.. كنت ناوية أعترف بحبي.
تهلل وجهه بالسعادة، والتمعت عيناه من اعترافها، الذي جعل قلبه ينبض من جديد، كاد أن يغمى عليه من شدة الفرحة؛ أحقًّا كل ما شعر به من سعادة في أثناء هذا اللقاء الحميم تُشعره بحبها، وتبادله هذا العشق. ترغرغت سحابة من العبرات داخل عينيه:
– بجد يا توتا بتحبيني أنا مش مصدق نفسي، آسف إني كنت بعاملك بحدة، يارتني كنت ظهرت خوفي عليكي زي ما كنت في بدلة النطاط، أنا كنت بفرح بحبك له؛ لأن ساعتها بكون على طبيعتي.
– علشان كده وصل ليا حبك وأنت في البدلة أسرع.
– آسف إني ما كنتش حازم الحقيقي من أول يوم.
– أنا اللي آسفة إني ما عطيتش لعقلي فرصة يفكر فيك.
ثم صمتت، دقق النظر داخل سحابتها اللامعة، فكان بؤبؤ عينها الذي يشبه الليل الدامس حائرًا، فلمح هو الكثير من الأسئلة تتدفق منها، فقال بنبرة خافتة وهو يمسد شعرها الحريري:
– عايزة تقولي إيه؟
تجولت عينها بأركان المنزل، وأردفت بتلعثم:
– عايزة اعرف حاجة.
ثم أكملت وهي ترفع سبابتها:
– بس والله بثق فيك.
ابتسم لحركاتها العفوية وسمح لها بأن تتفوه، قبضت على كلتا يديه وأخبرته بقلق:
– عايزك تتأكد إني والله بثق فيك.
– وأنا واثق أنك بتثقي فيا، فين السؤال بقى؟
تحولت ملامحها البريئة لقطة برية شرسة وأردفت وهي تلوح بيدها:
– مين البت البراوية السماوية اللي شبه صفار البيض الإيطالية اللي جتلك قبل كده البيت، وكانت معاك في المكتب؟
كان يحاول كبح قهقهته لكنه عجز، وضحك بأعلى طبقات صوته فرمقته بحدة وهي تضع يدها على خصرها، رفع يده يهدأ من روعها وأجابها بكل هدوء:
– دي اللي كانت بتتعامل معايا وبتجيبلي أخبار أبوها وأخوها، ولما عرفوا إنها بتنقل أخبارهم ليا هربت، وكلمتنى أول ما وصلت مصر ودي أول مكالمة أنتي سمعتيها لما جت البيت، والجواب التهديد اللي شوفتيه في دولابي، كان من أخوها اللي كان بيقول فيه “عرفت اللي بينكم”.
– وهو دا اللي كان بينكم بس.
كانت تقولها وتتمنى أن يصدق على كلامها حتى يتبخر الماضي بأكمله ويصبح رمادًا هشًّا، ويصبح الحاضر هو كل شيء، فهز رأسه بتأكيد مبتغاها، وفي غضون ثوانٍ تفوهت مرة أخرى بإحراج:
– طيب ممكن سؤال تاني؟
– وبرضو بتثقي فيا!
قالها وهو يحرك رأسه تجاه اليسار، فأبلغته بسرعة:
– طبعًا.
ابتسم لها بحب وحرك جفنه، سامحًا لها بالكلام.
– الفلوس اللي كنت بتخبيها ورا البرواز، والألماظ اللي جيت بيه البيت.
كانت تقول حديثها وهي تحرك أصابعها على بعضهم بتوتر، أمسك أناملها وقبل كف يدها ورد بهدوء:
– الفلوس مرتبي من العمليات السرية اللي كنت بعملها، والألماظ كان متهرب من حد كبير في البلد وطبعًا ما ينفعش يتقبض عليه، أو يتفتش خبط لزق؛ محتاجين إذن من النيابة وشغلانة كبيرة، وعلى ما يطلع تصريح بالتفتيش هيكون سافر، فبيبعتوا ظابط سري ياخد الحاجة علشان نحافظ على خير مصر؛ لأنه كان مسروق من متحف، وفجأة تذكرت سؤالا الح عليها في التو، وعلامات الأستفهام والتعجب على وجهها، مشيره بسبابتها على مقدمة أنفه:
– طب أزاي جتلي في المطبخ يوم التحدي وانت نطاط الحيط، وكنت لسه داخل تنام في الأوضة، أوعي تكون طالع بدورين؟!
اقترب من وجهها مداعبًا أرنبة أنفها، والأبتسامه تعلو ثغره لسذاجتها:
– ابدا كل الحكاية عندي دماغ وبفكر، سجلت وحددت الوقت اللي يشتغل فيه المسجل، اصل بصراحة صعب عليا المواعين اللي كنتي بتنتقمي منها.
– لا والله.
– اه امال ايه ما دافع فيها فلوس.
– بجد؟!
– لا طبعا قلبي ميستحملش يحس أنك مضايقه، وافضل بعيد عنك. عندك أي استفسار تاني؟
– بحبك.
– وأنا بعشقك يا توتا.
ثم استوطنت داخل أحضانه، تؤكد له كل حرف نطقه قلبها قبل لسانها، ضمها بقوة بذراعيه، فذابت بين أحضانه، فقبلها بلطف تجاوبت معه أكثر، سمحت له بأن يعبر حصونها بكل سلاسة، أدخلته في أعماقها وأبحرا معًا يغوصان بدون أي عوائق تمنعهم عن بعضهما مرة أخرى.
رواية غرورها جن جنوني الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ابتسام محمود
وأتى الصباح بضيائه الصافي من جديد، وتربعت الشمس في قلب السـماء، وأرسلت للعالم أشعتها الذهبية الجميلة الدافئة ممتزجة بخيوط من السعادة حتى تصل لأعين البشر، ثم تفترش داخل قلوبهم وهم يسمعون صوت تغريد كل الطيور من حولهم. كان الأحباب يجتمعون بحديقة فيلا “مهيمن”، يجلس كل منهم محاوطًا زوجته بتملك، فتتساءل “كارما” وتقول:
– وجود قولي هو أخوك لسه شقيط؟!
يمسك “مستقبل” يدها مبتعدًا عن الحبيبين وهو يقول:
– سيبك منها يا شق.
– والله.
– ما أنا هقولك.
– والله.
– أصل أنا ماشي بمبدأ، اتكلم على نفسك أحسن ما حد يتكلم عليك.
رمقته بنظرات نارية وهي ترفع حاجبيها، فيقول بابتسامة تحمل اللامبالاة:
– يعني سكتي.
تمثل الخوف بملامح وجهها، وهي تخبره:
– أصل لساني بيخاف أووى وبيفضل مكلبش في سقف بُقي من الرعب.
ثم تتحول نبرتها لصوت عالٍ شرس:
– يا حبيبي سكوتي دا بدل ما ارد عليك افحمك مطرحك.
– الطيب أحسن يا زمل، أنا نفسي أفهم عايزة توصلي لإيه؟
– عايزة أعرف أكتر حاجة بتحبها، وإياك والكذب.
قهقه بقوة وأرف بهدوء:
– قولي حاجات وأنا هقولك، وخمني أنتي الإجابة.
فكرت لثوانٍ وقالت:
– لو فاكهة؟
– كمثرى.
كزت على أسنانها وهي تقول من بين أسنانها:
– ولو جماد؟
– ساعة رملية.
تغضن جبينها بعلامات الضيق وهي تتأكد من شكوكها، فألقت آخر كارت سيوضح كل شيء:
– ولو عدد؟
– 6 ستات.
صرخت وهي تنقض عليه تعنفه:
– ما عمر ديل الكلب ما هيتعدل أبدًا.
أمسك يديها وأرجعهما وراء ظهرها قائلًا بعين بها حب:
– أنتي كمثرة قلبي، والساعة الرملية اللي في عقلي، اللي بتوجهني دايمًا للطريق الصح، وأنتي بالنسبة ليا ست ستات؛ لأنك مطلعة عيني وهلكاني.
بعدما كانت تبتسم، قالت:
– تؤتؤتؤ، لازم تختمها بصل، بس مش إشكال.. أعيش وأهدك علشان ما تفكرش تبربش بعيد عني.
★★★★★
نهضت “زينة” بعد أن قامت بنفخ عدد من البلالين، قامت بعقدههم جميعهم داخل خيط سميك، وربطتهم على خصرها وظلت تجري كالفراشة الطليقة، ركض خلفها “وجود” وهو يقول؟
– ممكن أفهم بتجري بسرعة ليه، ورابطة البلالين دي في وسطك؟
توقفت وهي تقول بفرحة وتمني:
– نفسي أطير.
ابتسم لها وهو ينحني، ويرفعها من خصرها وتنام في الهواء وتحلق كالطيور بسعادة، وبعد وقت أنزلها يعانقها وهو يشكر الله على التي زينت حياته بجمالها الرقيق، وهدوئها الذي يجعله يغوص في خضرة عينيها.
★★★★★
كانت “توتا” تجلس على الحشائش، تسند ظهرها على صدر زوجها فتقول باستغراب:
– حازم أنت كنت بتعرف مكاني إزاي؟
ضحك وهو يضع يده يحيطها، ويسند رأسه على كتفيها ويخبرها بصوته الأجش:
– كنت حاطط على تليفونك برنامج تتبع، ومنه أقدر أوصل ليكي.
سعدت جدًّا أنه كان يحاول حمايتها حتى من نفسها.. برغم كل قسوتها، فتقول:
– يا خطر أنت، بس إزاي يوم فرح صاحبتي، لما لاقيتني فضلت تزعق وتقول كنت بدور عليكي؟
– لأن البرنامج دا متوقف على البطارية، وطول ما البطارية في التليفون حتى لو مقفول أو فاصل شحن يبعتلي لوكيشن بمكانك، إنما حضرتك اليوم دا شيلتي البطارية.
خجلت من نفسها فقالت بتبرير:
– لا هو وقع وأنا بقفله واتفك من بعضه.
اقترب أكثر من أذنها يخبرها بهمس:
– والله عصبيتي وحدتي اللي كانت عليكي دي خوف مش أكتر.
رفعت رأسها وأصبحت في مقابلة وجهة، تبلغه بحب:
– عرفت يا حبيبي كل حاجة، وكمان حسيت بيك أكتر لما حازم ابنك نور دنيتي.
التقط آخر حروفها في قبلة رقيقة، حتى يطفئ ناره التي لم تهدأ مطلقًا؛ بل تزيد اشتعالًا حين ينظر لبريق عينيها.
★★★★★
كان من يتابعهم عبر النافذة “مهيمن” و”نايا” الجالسين مع أطفالهم، الذين ورثوا جميعهم الجنون والتهور، ويضاف على ابن مستقبل الوقاحة.
فيخبر “مهيمن” “نايا” التي أصبحت منشغلة باختراعاتها:
– ارحمي نفسك أنتي بتتعبي أوي. تجيبه بعقلانية وحب:
– لازم أوصل يا مهيمن، أنت مش متخيل اللي بعمله دا ممكن يحقق إنجاز ويغيير في البلد إزاي، كل ما أقول خلاص ألاقي نفسي بتعمق أكتر، العلم ملوش آخر.
ظل يطالعها بحب يفوق الحدود، فهي الشمس التي تنير حياته بمجرد النظر إليها، والنظرة في عيونها تفقد عقله الوعي؛ فهي مثل النبيذ الذي يسكره من سحر جمال عينيها العسليتين، التي تتدفق منهما أنهار العسل، فيقول بهمس وهو يبتسم ابتسامة جانبية حتى لا يسمعوا الأطفال:
– ما وحشكيش البيسين؟
ضحكت من قلبها على زوجها الذي يشعرها دائمًا أنها ما زالت صغيرة، فهي تعشقه كل يوم أكثر من ذي قبل، فتردف بمكر:
– تقدر تشيلني زي زمان وتوصلني عنده.
مال في التو وحملها من على الأرض بين ذراعيه متوجهًا ناحية حمام السباحة، شعرت أنها وصلت لعنان السماء من فرط سعادتها.
همس ابن مستقبل بخبث:
– الحقوا يا عيال آنه وجدو هينزلوا البيسين.
– أنت إزاي تتصنت على كلام الكبار.
فرد عليها أخو ابن مستقبل:
– سيبكم منها البت دي هبلة، يلا بينا هجوووم على جدووو.
فاقترب ابن حازم يربت عليها، متفوهًا:
– ما تزعليش منهم، هتيجى معانا ولا هتعومي لوحدك في ريالتك.
ابتسمت وهي تقف تمسك يده وركضًا معًا، لكن ابن مستقبل الأول جعلهم يكونون دائرة وأبلغهم بشيء ثم هرولوا جميعهم ينفذون ما قاله، وكل منهم اتجه نحو والديه المنغمسين مع بعضهما، وسكبوا عليهم ماء ثم ركضوا نحو حمام السباحة وقفزوا جميعًا داخل المسبح بلا استثناء. تقدم نحوهما الدلافين، في جو مليء بالمرح والسعادة والجنون.
تمت