تحميل رواية «غرورها جن جنوني» PDF
بقلم ابتسام محمود
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
سحب كثيرة تملأ السماء، تعلن عن بدء يوم عصيب؛ شديد البرودة، والأمواج تتلاطم ببعضها بقوة، كأنها في حديث مستمر لا ينتهي. ذلك المنظر العجيب جعل الشمس تتوارى خلف السحب، كالطفل الصغير الذي يحتمي خلف ظهر أمه. مر بضع ثوانٍ كشرت السماء عن أنيابها بحدة، جعلت حبات المطر تنهمر سريعًا، فأخذتها الرمال في عناق حميم، لكنها ابتلعتها بوحشية حتى تروي ظمأها، وتعوض عطش حرمانها من شهور الصيف القاسية؛ فاليوم بداية شهر أكتوبر. من محافظة عروس البحر الأبيض المتوسط أمام إحدى الجامعات الحكومية، تمشي فتاة طويلة وجسدها الريا...
رواية غرورها جن جنوني الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ابتسام محمود
نهضوا جميعهم بفزع يركضون إلى غرفتها، كالذين شاهدوا ثعبان الأناكوندا أمامهم.
فدخلوا إليها في مقدمتهم "مهيمن". رآها شاحبة الوجه كالأموات، ترتجف وتبكي وهي تمسك اللاب تنظر إليه بصدمة.
فسألها بهلع:
– نايا فيه إيه؟
– وجود تعالى بسرعة اخفي الملف دا، فيه حد بيحاول يخترق الجهاز.
هرول تجاهها يأخذ الجهاز من على قدميها. الذعر أصاب زوجها وشعر بالخوف عليها من هؤلاء المتدخلين، يضمها داخل حضنه وهو يمرر يده على شعرها حتى تهدأ.
فقال "مستقبل" بعدم فهم:
– الجهاز دا فيه إيه لكل القلق دا؟
وكزته "توتا" على كتفه ونظرت له بحدة. لم يصمت واقترب بجوار أخيه حدق بعينه داخل الجهاز. ظل دقائق يتفحص الملفات.
بعد تركيز رفع رأسه مرددًا:
– ماما أنتي صاحبة الاختراع اللي العالم كله بيتكلم عنه.
نهض "مهيمن" بعدما أبعدها بلطف، قائلًا لأولاده:
– اللي حصل دلوقتي مش عايز حد ياخد خبر عنه؛ لأن أعداء أمكم كتير، وألف من بيدور على المعادلات اللي وصلت ليها.
أومأ ثلاثتهم برأسهم. كانت ضربات قلب "نايا" تكاد تفتك صدرها كالقنبلة من كثرة دقاته.
بينما "وجود" منهمك بقوة وتركيز فيما يفعله، كالذي يحارب جيشًا بمفرده، يخشى من ارتكاب أي خطأ يجعله يفشل في حماية ملفات والدته وإخفاء شخصيتها.
وبعد مجهود كبير تنفس الصعداء، وأخبرهم بوهن:
– نقلت كل حاجة على جهازي، ودمرت جهازك؛ لأن ممكن يخترقوه بسهولة تاني في أي وقت.
شكرت ربها وحاولت أن تقف مكان القبلة حتى تسجد سجدة شكر. عندما رفعت رأسها جلس بجانبها زوجها. حمد ربه وهو يضمها لصدره، لقد أصابه الهلع من مظهرها المرتعب.
وقف "وجود" أمام والدته يقول بفخر:
– أمي أنا فخور إن أنتي أمي، برغم كل هزارك وجنانك معانا، عمرك محسستينا في يوم إنك مخترعة وليكي كيان علمي دقيق وحساس بالشكل دا، والغلطة فيه بعمرك.
ابتسمت له تجيبه:
– أنا اللي فخورة بيكم كلكم ومبسوطة إنكم عيالي.
اقترب منها ثلاثتهم يضمونها إليهم بمودة وحب. ربت "مهيمن" على أكتافهم وهو يبتسم، ثم ذهب كل منهم إلى غرفته، وغفوا في ثبات عميق.
في يوم جديد، تخرج "زينة" من المشفى بعد تحسن حالتها، لكن قلبها ما زال مكسورًا. وعندما زارها الجميع كانت تبتسم وهي تتحامل على نفسها، وتهز رأسها بدون أن تتفوه.
وبعد رحيلهم تبقى "مستقبل" وخطيبته. فيقول بتساؤل:
– أنتي بتحبيه أوووي كده؟
هزت رأسها بنفي تنفي كلامه. حرك رأسه بتعجب ليهاتفها بضيق:
– عجبك حالك كده.. بصي أنا مش همشي من هنا غير لما تتكلمي.
أجابته بدموع وانهيار:
– يا مستقبل أنا كويسة، واللي أنا فيه دا تعب من العملية مش أكتر.
ضحك بسخرية وأبلغها بتهكم:
– لو عايزة وجود، فالموضوع هيحتاج منك وقت وجهد.
– مش عايزة حد، حرام عليكم بقى، سيبني في حالي.
قالتها بنبرة مبحوحة فأعصابها لم تتحمل أي ضغوط.
أردف "مستقبل" باقتناع ما يدور برأسه:
– أسلوبك دا هو اللي بيأكدلي إنك بتحبيه، يا زينة والله وجود مش بيحب كاميليا.. أنا متأكد؛ لأن من البداية قرب ليها علشان يدافع عنها ويحميها من اللي كانوا بيتنمروا عليها.
– آها علشان كده دايمًا تتمنظر بوجود، البت دي مريضة من اللي كان بيحصل فيها، وهي شايفة إن وجود لسان ودراع بيدافع عنها مش أكتر.
قالتها "كارما" وهي تأكد كلام "مستقبل".
فأكمل:
– بصي، عندي ليكي خطة، لو بدأتي فيها احنا هنكون معاكي مش هنسيبك.
لم ترد عليه؛ شاردة بعقلها كالطيور المهاجرة التي تسافر مسافات بعيدة ولم تقف أبدًا.
تفوه بالخطة كاملة ثم أنهى كلامه:
– لو عايزة وجود اعملي اللي قلت ليكي عليه من بكرة، ولو مش عايزه ابعدي خالص عن طريقه، تمام.
نكست رأسها أرضًا تفكر بكلامه. ثم أمسك بيد "كارما" وأخبرها عندما انصرفا:
– ممكن اعرف القمر مكشر ليه النهاردا؟
– تخيل اعرض رسمي للبيع، الناس تتريق عليه وتقول شخبطة.
– أنتي فنانة والمشكلة في دماغهم هما أقل من مواهبك، وريني كده اللوح.
أخرجت من حقيبة لوحاتها لوحات ألوانها متداخلة. عبس وجهه بدهشة ثم وجَّه نظره عليها بذهول:
– أنتي كنتي بتقتلي حد في الصورة دي.
ضاقت عينها سخطًا:
– أنت بتقول إيه يا جاهل أنت؟ دي معناها معاناة الشعب في وقتنا الحالي.
حدق في الصورة بدقة وأشار على اللون الأسود:
– طيب اللون الأسود دا بيرمز لإيه؟
– بيرمز للبيوت المتبهدلة في سوريا والأحمر دم الأطفال، والأصفر…
كانت تتحدث بضيق دفين على من هاجموا دولة بغير حق. فيقاطعها بقوله:
– لا دي مش محتاجة توضيح، دا بقى بيرمز لغرور الرئيس، ومش بيفضل غير نفسه.
– صح كده الله ينور عليك.
– الله على الإبداع والجمال، والترميز والإسقاط العالي يا أستاذة، عارفة لو فتحتي بُقك وقولتي لحد على سر وجمال الصورة هقتلك فاهمة.
– أنت تقصد مش بعرف ارسم رسم ترميزي.
– بصي وعد مني لو رسمتيني، ولا أقولك لو رسمتي صقر، بصي خليها أسد أهو سهل عليكي، ومن المقرر بتاع الابتدائي.. بنفسي هنزل أبيع كل رسمك في الإشاره، تمام.
أومأت رأسها بثقة، واستمرت ترمقه بتوجس، وهي تخرج ورقة رسم جديدة، ثم تضبط حجابها وهي تمسك في يدها اليسرى ريشة تضعها بين شفتيها مبحلقة له بتعمق تحاول أن تركز.
فقال "مستقبل":
– بتبصيلي ليه كده! هو أنتي هتتحولي؟ بصي أنتي زي الفل وانسي أي حاجه قولتها.
أطلقت صوتًا عاليًا من حنجرتها جعلته يصمت حتى تبحر داخل بحار خيالها بتركيز:
– هششششششش.
ابتلع ريقه وهو يهز رأسه ووضع كف يده اليمنى على شفتيه بقلق، حتى انتهت من رسمها، فترفع يدها تسحب ريشتها من أعلى لوحتها وتنظر إليها بتفحص، ثم تضع بعض الخطوط تجعل الرسمة جاهزة.
تتقدم نحوه وهي تهز رأسها بفرحة وعلى شفتيها ابتسامة، تبسط يدها بتحفتها الفنية رافعة حاجبها بتعالٍ:
– هااااا، إيه رأيك؟
شهق بفزع أكثر ما كان فيه من قبل، ناظرًا لها وهو يتفوه بدهشة:
– مين دا، ولا حصل قنطور ولا بني آدم، حرام عليكي يا مجنونة عملت فيكي إيه علشان تحطي راسي على جسم أسد وتحولي إيدي لجناح صقر.
تتصنع البراءة، وتمط شفتيها للأمام مرددة:
– حياتي، عملت كل اللي قلت عليه، كده أنا غلطانة، ولا شكلك بتتهرب تنزل تبيع رسمي.
ازدرد ريقه بصعوبة، وهو يضع يده حول رقبته، ويقول بصوت مبحوح متقطع:
– لا، هـ ن زل.
– نعم.
– هنزل أهو، وسعي من طريقي.
يأخذ جميع لوحاتها، ثم يتوجه لسيارته فتصعد بجانبه وبداخلها شموخ، كان ينظر لها بخوف وقلق على ما فعلته به في رسمته، فهي لا ترسم من أجل التسلية، فكل رسمة تحمل معاني كثيرة، لكن المعنى الحقيقي (في بطن الرسام).
يقف في منتصف الشارع ويقترب من السيارات يشرح لهم معنى الرسمة من وجهة نظره، في الرسمة نفسها التي شرحتها له منذ قليل، قائلًا لأحد السائقين:
– لو حضرتك ركزت في الصورة دي هتلاقي كل الألوان داخلة في بعض والرسامة ركزت على تلت ألوان؛ أحمر يعني العزة بالنفس، الأسود إن الإنسان غامض، والأصفر شموخ، وأكيد اللي هيشتري الصورة هيبقى عنده عزة.. غموض.. شموخ، إيه رأيك بقى تكون أنت صاحب الصورة العظيمة دي.
تهللت أسارير الفرحة على وجه الرجل، كالذي ينقصه كل هذا ويريد اكتساب ثقته في نفسه منها، فهتف بفرحة:
– بكام دي؟
– رخيصة خالص.
قالها وهو ينظر إليها باستفسار منها على ثمنها، رفعت يدها وفتحت كفها بخمس أصابع ثم وضعت صفرين، التفت للرجل مرة ثانية يقول:
– ألف جنيه، ها نقول مبارك عليك.
هز الرجل رأسه وهو يأخذها بين أحضانه بامتلاك ويخرج المال بيده الثانية من جيبه ويعطيها له. انصرف "مستقبل" يرقص في منتصف الشارع ويلوح بيده بالمال.
وضعت يدها على وجهها بفرحة عارمة. وقف واضعًا يده على نافذة السيارة يبلغها بغرور:
– شوفتي يا جاهلة الرك على التسويق الصح، مش تقولي بيوت وحرب وغل.
أخذت من يده المال تعده قائلة بدلال:
– كمان أكتر من اللي قلت عليه، حياتي يا مستقبل.
– بقولك إيه ولا تكلميني ولا أكلمك بعد اللي عملتيه فيا.
– يا سيمو أقصد إنك قوي وشجاع.
– لا شاطرة، ييجي منك وبتتعلمي التثبيت بسرعة.
قالها وهو يرفع يده من على النافذة مستعدًا لدخول السيارة.
– تلميذتك ي…
قبل أن تنهي حديثها جاءت سيارة (جيب) كبيرة سوداء اللون، تقف بجانب "مستقبل"، ورجل طويل القامة أسود البشرة يضع يده على خصره ثم يدخله السيارة بعد معافرة منه.
عندما أصبح بالداخل التفت بعينه بسرعة البرق بقلق ورعب على "كارما"، التي أذهلتها المفاجأة وألجمت لسانها، وجعلتها لا تستطيع السيطرة على أخذ أنفاسها، وعينها غير مصدقة ما حدث أمامها للتو، عقله أصبح كالقنبلة الموقوتة وسينفجر لا محالة، انطلق السائق في لمح البصر.
اعتلى وجهه علامات الغضب، وظل يصيح بحدة محاولًا صفعهم مما جعلهما يضعون على رأسه قماشة سوداء، لكنه لم ييأس من محاولاته حتى فقد وعيه حينما نثر أمام أنفه منومًا.
بعد انتهاء توتا من تمرينها، أصر "حازم" على إيصالها لكنها كالعادة رفضت بشدة. وبعد أن تشاجرا أمام مركز التدريب، انسحب حازم من أمامها قبل أن يفقد صوابه، دخل وقلبه مشتعل بنار لوعة الحب من طرف واحد.
وقفت لها عربة أجرة ويخرج السائق رأسه وبتطفل:
– تاكسى يا أستاذة.
ركبت وهي تضع سماعة هاتفها بأذنها بعدما قالت له العنوان. ظلت تهمهم مع نغمات الموسيقى التي تسمعها حتى نظرت من النافذة، انكمشت ملامحها بالتعجب والاستغراب.
أغلقت هاتفها وأخرجت سماعة الأذن تقول بدهشة:
– دا مش الطريق!
لم يجِبها أو حتى يعطيها أي اهتمام. ظنت أن سمعه ثقيل. اعتدلت في جلستها وقعدت على طرف الأريكة وهي تضع يدها على كتفه وتحدثه:
– حضرتك سامعني.
القلق سيطر على ذهنها حين لم تأخذ ردًّا منه عليها للمرة الثانية، فتفوهت بحدة تخبئ توترها:
– لا بقى قولت ما بتسمعش ماشي، ويطلع البعيد كمان مش بيحس! نزلني هنا.
استدار في جلسته بعين حمراء ونظراته مخيفة كالغول، فتمكن منها شعور بالخَشْيَة الناجم عن التهديد الذي أرسله إليها بنظراته الحادة، فتجمدت اتجاه الأحداث الذي صورها لها عقلها.
أغمضت عينها بقوة كالنعام، تود الاختباء من الواقع المحتوم الذي ينتظرها. ندمت على الفور على تصرفها السخيف مع "حازم" ورفض عرضه السخي الذي كان سيحميها من كل هذا. أبخرة قلقها تتصاعد وتظهر بوضوح للسائق اللعين، الذي كان يختلس النظر عليها في المرآة ويعزف بشفتيه سيمفونية على مظهرها ووجهها الذي اصطبغ باللون الأصفر الدابل، برغم مرور دقائق فقط.
أوقف السيارة وصعد بجانبها رجل غليظ الملامح، وضع قطعة قماش على وجهها، فأفقدها الوعي.
تجلس "نايا" بمعملها المخصص لها تعمل بتركيز، ويجلس على مقعد جلدي خلفها "مهيمن" يتابعها بشغف واهتمام. وبعد دقائق يدخل الفيلا "وجود" و"كاميليا" و"حازم" خلفهما.
ف قام "مهيمن" يضع على جبينها قبلة حارة، ويصعد لهما من السلم الخلفي حتى لا يلاحظ أحد مكانهما. استقبلهم بابتسامة، لكن صدمه منظر "كارما" التي تدخل تبكي وتقول كلام غير مفهوم.
هرول إليها محاولًا فك طلاسم حروفها لكنه فشل. فاقترب "حازم" بتفهم يقول بتحذير:
– أنتي متأكدة من اللي بتقوليه، ولا دا مقلب من مقالبكم.
أمسكت يد "مهيمن" تتنفس الصعداء وتهز رأسها بنفي وتأكد ما سمعه "حازم".
وجَّه "مهيمن" نظره إلى "حازم":
– هي بتقول إيه؟ انطق يا حازم.
– بتقول مستقبل اتخطف!
اتسعت حدقته، إذًا فقد علموا بأن "نايا" هي صاحبة الاختراع؟ وليس أحد أعدائه من خطفه. جلس بتعب يتمنى أن يكون من طرفه حتى لا تتدمر الأسرة بأكملها.
بعد دقيقة نظر حوله أردف بتساؤل:
– وفين توتا يا حازم؟
– توتا؟!
نطق بها "حازم" الذي أصيب بغصه داخل صدره، ثم أكمل وهو يمسك بمعصم "كارما" متصطنعًا الهدوء جاذبًا إياها أمامه:
– لمحتي أي رقم، شكلهم، أي حاجة انطقي يا كارما.
هزت رأسها والدموع تغمر عينها. أفلتها "مهيمن" من بين يده يجلسها على الأريكة، ثم يجلس يضع يده على رأسه متأكدًا من كل مخاوفه.
فتدخل "نايا" على صوتهم المرتفع تقول باستغراب:
– فيه إيه؟!
نهض "مهيمن" يمسد على شعرها، يزفر أنفاسه بقوة. فتتحدث "كاميليا" وهي ترسم على ملامحها الحزن:
– مستقبل وتوتا اتخطفوا يا أنط!
رمقها بحدة كل الموجودين، فوقعت "نايا" على الأرض من شدة صدمتها.
عندما وصل السائق مكان مبتغاه حمل "توتا" بين يده كالعصفورة، ثم أنزلها داخل حجرة كبيرة ويتردد بها صدى صوت. تأوهت عندما ألقاها أرضًا بوحشية.
وصل صوت أنينها لأذن أخيها المكبل الأيدي، وعينه يوضع عليها وشاح. همس باسمها حتى لا يفزعها:
– توتا، أنتي كويسة؟
أخيرًا سمحت لدموعها بالهطول، وظلت تزحف حتى وصلت لصوته الذي طمأن قلبها. رفعت من على وجهها قطعة القماش، ثم من على وجهه.
فتفوهت برعب:
– مين دول! واحنا بنعمل هنا إيه؟
– على ما أعتقد، دول الناس اللي كانوا عايزين يخترقوا جهاز ماما، وبما إنك عرفتي إجابة مين دول؟ هتعرفي لوحدك عايزين إيه؟
أغمضت عينها بتفهم ورعب، ثم رفعت رأسها تعاين المكان، فأخبرها "مستقبل":
– ما تحوليش، مفيش غير الشباك اللي على بعد ١٠ متر.
طأطأت رأسها تبكي، أخذها داخل حضنه مربتًا على ظهرها:
– مستقبل أنا مش خايفة على نفسي.. أنا خايفة على ماما، ممكن تتنازل عن كل اختراعها علشانا.
– ماما أقوى من أي حاجة اطمني.
قالها حتى يطمئنها وكان يريد من يطمئنه.
بعد دقائق من إفاقة "نايا"، يعلن هاتفها عن مكالمة بدون رقم، فتتوجه عليه مهرولة تمسكه وتقول من بين شهقاتها، بعد ما سمعت صوت المتصل الذي يطلب كل أوراق ومعادلات البحث حتى يفرج عن أولادها:
– تحت أمرك بس عيالي ما يحصلش فيهم خدش.
أمسك "مهيمن" الهاتف من يدها، قبض عليه حتى كسره داخل يده، قائلًا بصوت جهوري:
– تديهم إيه! سمعيني كده تاني! تديهم أحلامك، طموحاتك، سهرك، وتعبك.. أنتي رجعتي لجنانك تاني؟!
– أمال اسيب عيالي يتبهدلوا، وياريتهم هيكتفوا بكده بس.. مهيمن اعتبره ما حصلش، أهم حاجة عندي عيالي.
تقف "كاميليا" جاحظة العين، مردفة بدهشة وفرحة بآن واحد:
– أنتي يا أنط صاحبة الاختراع اللي العالم كله مش ليه سيرة غيره، الله عليكى بجد، أنا فرحانة أووي إن حماتي هي اللي مدوخة العالم وراها.
– وجود خدها بعيد عن وشي، أنا مش ناقص حد.
قالها "مهيمن" وهو يكز على أسنانه يريد سحقها. قبض "وجود" على معصمها وسحبها خلفه بضيق، حتى وصلا إلى الحديقة:
– أنتي هبلة ولا شكلك كده؟! ولا ما سمعتيش في الحوار اللي دار دا كله غير أمي هي صاحبة الاختراع.
– سيبك من أي حاجة المهم في الأساس.
– لا أنتي فعلًا هبلة.
قالها وهو يتركها وحدها، فتربع يدها وعلى ثغرها ابتسامة.
انصرف "حازم" بعد صراع طويل مع نفسه بدون أي كلام، فعقله يتخبط بين جدران القلق والخوف عليها، وقلبه ينزف ألمًا وحزنًا، فلا يعلم أين يذهب؟ كيف يفكر؟ كيف يتصرف؟
مر الوقت كالدهر عليهما، وبعد تفكير عزمت "توتا" وأخوها على وسيلة للهروب، لكن كل محاولاتهما باءت بالفشل.
فأمسكها "مستقبل" بقوة وهو يشير على خطاف يوضع داخل الحائط، ويظهر أمامهما رجل ملثم يرتدي بدلة سوداء مصنوعة من الجلد مثل "باتمان".
فزعت "توتا" وهي تقول:
– مين دا؟!
– مش عارف، ممكن يكون سبايدرمان!
– لا دا شكله نطاط الحيط.
سحبها خلف ظهره، عندما ترجل إليهما وأصبح في مقابلهما، استعد "مستقبل" للقتال معه، لكن الرجل رفع يده حتى يبث لهما الطمأنينة واقترب منهم بوهن يقول بلكنة أجنبية، وبصوت رجولي خشن:
– لا تخافا، سوف أنقذقما من هذا المأزق، هل أنتما مستعدان لخوض التجربة.
قالها وهو يشير برأسه على خطافه الذي يستخدمه في تسلق الحائط في الهواء.
فرد عليه "مستقبل" بقلق:
– من أنت؟
– لا يوجد لاسمي فائدة الآن.
قالها وهو يقترب لـ"توتا" بنظرات حارة بها سحر عجيب، ويمسك يدها برقة ولطف يذوب به جليدها.
فوضع "مستقبل" يده على يده قائلًا بتحذير:
– إيدك يا برنس.
– ماذا تقول.
– ارفع إيدك من على أختي.
لم يترك يدها قائلًا:
– لا تخاف عليها، فهي في أمان معي سيدي.
ثم استدار بوجهه نحوها يحدثها بصوت هامس هائم:
– هل أنتي بخير يا سيدتي.
– عليك أن تضغط على هذا الزر وهو سيرفعك، وبعد أن تتمسك بالحائط ألْقِه إلي.
شعر بصدق حديثه، فبسط يده يأخذ أخته، لكنه منعه وأرجعها خطوة للوراء وهو يضع يده حول خصرها، أفقدها الوعي بالكامل. شعرت حينها بقشعريرة تجتاحها بسبب تلك الضمة التي كانت بمنزلة عناق البحر لأمواجه العالية.
ثم قال بهدوء:
– عليك أن تهتم بنفسك، وأنا سأهتم بها؛ لأنك لم تتدرب على فعل هذا من قبل.
حرك رأسه بعد أن اطمأن عليها وسمحت له بالانصراف، كانت متشبثة بالملثم، كان مثل طائر العقاب ذي جناحات كبيرة يخطفها تحتها، كأنه بر أمانها وطوق نجاتها، وكأنها لم ترَ أي نوع من الرجال من قبل. تعجبت حالتها، ربما لشدة حنانه، عطفه، حمايتها، استحوذ على كل تفكيرها.
بعدها صعد، جعلها أمامه وأردف بصوت واهن رقيق:
– هل أنتي جاهزة، سيدتي.
أومأت برأسها، حاوطها بقوة جعلتها تتحسس يده، التي يرتدي بها قفازات، وعندما وصلا أعاد الكَرَّة وبدأ "مستقبل" يتسلق، بعدما علق الرجل خطافه بأحد الحوائط، ثم أمسك الحبل وقام بلفه حول يده وضغط على الزر فقام بسحبه، ثم ألقى عليهما الحبل من جديد، لكن أحد من رجال العصابة سمع صوت خبط فأدار الكشاف الذي بيده على مصدر الصوت.
رواية غرورها جن جنوني الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ابتسام محمود
كان الملثم أسرع من الكشاف وقفز لخارج الفيلا، لكن أصيب بطلقة بظهره.
فزعت وتمسكت بيده. نظرت إلى قناعه تتفحصه بشدة.
قال بصوت متألم:
– لا تقلقي سأكون بخير.
تأملته لعلها تكتشف ملامح وجهه، ورؤية عيونه الغامضة التي تشعر بداخلهما بشيء ما يجذبها.
– من هو؟ ولماذا متلهف لإنقاذي هكذا؟ من أين عرف مكاني؟ هل متلهف عليَّ كما أنا متلهفة لمعرفة شخصيته؟
كل هذه الأسئلة تدور بداخلها ولا تجد لها إجابة، فقد كان بالنسبة لها رجلًا نطاطًا لم تره من قبل. حقًا قد عاشت معه مغامرة لن تنساها، وستظل بداخل علقها وقلبها.
صعدا السيارة نفسها التي أتى بها منقذهما. جلسا معًا على الأريكة الخلفية، وأمام عجلة القيادة "مستقبل" انطلق بسرعة جنونية، لا تختلف عن شخصيته.
وعندما أوصلهما بجوار فيلاتهما، قال لهما:
– أنتما الآن في أمان، عليكما النزول.
شكره "مستقبل" كثيرًا، لكن "توتا" ظلت جالسة بمقعدها قائلة:
– أنت مين؟
– ماذا، لا أفهم العربية!
– أريد رؤية وجهك، أنا أعرفك؟
– نعم، تعرفينني.. أقصد اليوم عرفتيني.
رمشت بعينها واقتربت منه تستنشق عبيره الفواح، ترفع قناعه الذي يزين وجهه. ابتعد وهو يمسك يدها الثانية، وأصبحت يداها الاثنتان بين قبضة يده، مرددًا:
– يبدو عليكي أنك ملتصقة بالمقعد، على كل حال تشرفت بمعرفتك سيدتي، سأرحل الآن وأترك لكِ العربة بأكملها.
أفلت يده بخفة من يدها، التي كانت تتفحص منحنيات يده وكأنها تحفظها بداخل ذاكرتها. أخرج خطافه وظل يقفز من حائط إلى حائط ببراعة. وقبل أن يختفي، رمقها بنظرة تسلب منها كل شيء.
قطع تركيزها وهيامها "مستقبل" بحديثه:
– والله كان عندك حق لما قلتي نطاط الحيط.
لم تعطِه ردًا؛ عيناها مرتكزة حيث اختفى. أمسك أخوها يدها ودخلا منزلهما.
وقبل أن يصلا إلى الداخل، وصل على هاتف "مهيمن" رسالة من رقم غير معروف بعنوان المختطفين وكل بيناتهم. قبض ما بين حاجبيه باستغراب، لكن لم يعد وقت للاستغراب. نهض مسرعًا يجلب رقمًا من هاتفه يبلغ حملة كبيرة تكون في انتظاره على العنوان نفسه.
وبعدما أغلق الخط، تحرك حتى يبدل ملابسه بملابس العمليات. أوقفته "نايا" بنبرة ترجٍ:
– مهمين علشان خاطر كل الأيام والسنين والثواني اللي بينا، فرط في أي حاجة إلا العيال.
اقترب منها محدثها بنبرة حنونة وهو يضع يده على وجنتها:
– العيال واختراعك مش هتنازل عن حد فيهم.
حينها دخلا "توتا" و"مستقبل". الجميع أصابهم الذهول إلا "نايا". ركضت كالسهم وأخذتهما داخل حضنها، وبعدها "مهيمن" و"وجود". ثم تفوه بتركيز:
– لازم تنزلي تمسحي كل معادلاتك من على السبورة وتخفي أي ملف.
ثم وجه نظره إلى "مستقبل":
– حمد الله على سلامتكم يا أبطال.
رد عليه "مستقبل"، لكن "توتا" كان عقلها في عالم آخر. قلق عليها فهزها بقوة، فنطق أخوها بدلًا منها:
– روح يا بوب أصلها حكاية كبيرة وأول ما ترجع هحكيلك عليها.
– تمام، لازم أتحرك حالًا. دقيقة وهيكون عندكم طقم حرس أكتر من اللي بره، عايزكم بس تخلوا بالكم من نفسكم وأمكم وأختكم تمام.
رد التوأم بحماس وشجاعة:
– تمام يا بوب.
★★★★★
بعد مناورة سقط فيها الكثير من فريق "مهيمن" وفريق العصابة، أمسك بالباقي وحُجزوا بعد تحقيقات كثيرة، ولم يتوصل لرئيسهم.
ذهب إلى منزله بعد ثلاث ساعات، وتملك منه الإرهاق والتعب. جلس بجوار ابنته التي ما زالت تائهة بفكرها. يقول وهو يضغط بعينه يحاول نسيان الألم الجسدي:
– حبيبة بابا لسه مش معانا.
نامت على كتفه تقول بنبرة بها هيام أنثوي:
– النهار ده شفته يا بابا.
زمجر بين حاجبيه:
– مين؟
– الشاب اللي حلمت بيه عمري كله، برغم ما شفتش ملامحه.. بس عطفه، حنانه، الدفء اللي في مسكة إيده، حضنه، كل حتة في جسمه بتنبض بلهفة عليا، أنا حسيته.
حدقها بتعجب واستغراب أكثر من قبل ونظر لـ "مستقبل" حتى يفهمه:
– سيبك من سندريلا الشاشة، دي بتحلم.
– تقصد إيه ها؟ قول كمان ما كانش فيه نطاط الحيط وكنت وموهمة.
قالتها "توتا" بعصبية وحدة مدافعة عن حلمها الوحيد بكل قوتها. فرد "مستقبل" عليها بسخرية:
– ما قلتش إن مفيش عم الخفاش، أنا أقصد إزاي وصلتي واستنتجتي كل ده، في نص ساعة قعدتي معاه فيها؟!
– بس يا جاهل، دي حاجات بتتحس. اتلهي على عينك أنت أصلًا ما تعرفش عنها حاجة.
صفق لها وهو يقول:
– شطورة، ما أنا فعلًا مليش في الأحلام ليا في أماني، إيمان، هيام سم…
قاطعه دخول "كارما" التي تجري بخوف ولهفة وخلفها أهلها، لكن شعورها تبدل لكائن شرس ذي أنياب مردفة بحدة:
– إن شاء الله كنت اتخبطت على نفوخك وذاكرتك اتمسحت وارتحت، هو أنت يا فلاتي مش بتشبع ولا هيجيلك يوم تتوب فيه.
– بعد الشر عليه، أخس عليكي يا كاري.
قالتها "نايا" بزعل وخوف على ابنها، فرد ممازحًا:
– سيبها تدعي كمان وكمان، علشان أنساها وأتسرمح براحتي.
– شايفة يا طنط اللي خايفة عليه، هيقطني.
لم يعجبها رد ابنها فقامت تأخذها داخل أحضانها قائلة لها بحنان قبل أن توجه كلامها لـ "مستقبل" بحدة:
– بعد الشر عنك وعنه، اتكلم مع خطيبتك عدل يا سيمو.
– أوبااا الحريم كلها هتقلب عليا، هو أنا أقدر على زعل الغريب علشان أقدر على زعلكم.
– يالهوووووي حد يلحقني هتشل.
قالتها "كارما" بعدما فاض بها الكيل، ثم أكملت توبيخًا فيه وهي تجري خلفه بحذائها الرياضي.
قطع ضحكاتهم صوت رنين هاتف "مهيمن" معلنًا عن اسم دكتورة "نهال". فعندما ضغط زر الفتح وصل إليهم صوتها القلق المتوتر:
– كابتن مهيمن أنا سمعت من التلفزيون باللي حصل، حمد الله على سلامة عيالك.
– الله يسلمك يا دكتورة نهال.
– هو حازم كان مخطوف معاهم؟
– لا دا كان هنا قبل ما أنزل اقبض على العصابة.
– قلبي متوغوش عليه، ما شفتهوش من الصبح وهو مش متعود على كل الغيبة دي.
– لا اطمني هو ما كانش معاهم، وهنزل بنفسي أشوفه في الجيم.
– ميرسي لذوقك وبعتذر على القلق اللي سببته لحضرتك.
– ما تقوليش كده حازم زيه زي عيالي بالظبط.
بعد أن أغلق الهاتف، تأففت "توتا" بغيظ منه. ثم يقول "وجود":
– خليك يا بوب شكلك تعبان، هروح الچيم لو مش هناك أعرف مكان بيقعد فيه.
أومأ له برأسه، فانصرف ومعه عدد من رجال الحرس بناء على رغبة والدته. ظل يبحث عنه في كل مكان توقعه حتى وجده بمطعم ممتد لداخل البحر، جالس يرمي الحجارة داخل البحر حتى يفرغ طاقة غضبه.
فاقترب منه بهدوء باسطًا يده على كتفه متفوهًا:
– حازم، توتا ومستقبل رجعوا البيت.
التفت نحوه وبعينه دموع حسرة وقهر، ينطق وبداخله حجر يطبق على صدره، وبحلقه مرارة لم يتحملها. فيرد عليه باقتضاب:
– عارف.
– طيب وليه الهم والزعل اللي أنت فيه؟!
– لأن المفروض إن أنا يا وجود اللي أنقذها، أنا اللي تفضل تحكي عنه، لكن الكابتن وأمي الله يسامحهم رفضوا يدخلوني مجال الشرطة. عارف إيه ممكن يكون شعورك لما حبيبتك اللي هي كل ما ليك تكون مخطوفة وأنت متكتف ومش قادر حتى تنقذها، ولما ترجع بيتها تتكلم عن حضن ولمسة راجل غيري.
قالها بانكسار وخذلان. فتحمحم "وجود" وهو يسأله بإحراج:
– أنت عرفت من فين الكلام ده؟
صمت لثوانٍ، فبدأ الغضب يستحوذ على عقله، ثم انفجرت من فمه الكلمات كالبركان الذي انفجر للتو:
– سمعتها وشفتها يا وجود بعيني، لما شوفت الخبر في التلفزيون إن الكوتش عرف المكان ووصل للعصابة، روحت علشان أطمن عليها ويا ريتني ما روحت.
تجمد وجهه ثم نظر إليه بنظرات شفقة. فأخته قالت الكثير والكثير عن الملثم، فكلامها كان جريئًا يجرح كيان أي رجل. فأخبره بحزن:
– مامتك قلقانة عليك، ممكن تطمنها.
هز رأسه بخيبة أمل، فقال له "وجود":
– ما كنتش أعرف إنك بتحبها أوي كده، حارب علشان توصل لقلبها، وقلب الأنثى قطة بسهولة يضحك عليها.
ابتسم بأسى ليردف بتحدٍ، قبل أن ينهض يحدث والدته:
– مش هيأس أبدًا.
بادله الابتسامة وضربة كفوفهما ببعضها معلنان عن مولد تحدٍ، ثم ذهب كل منهما إلى وجهته.
★★★★★
مرت ساعات كثيرة، كل شخص فيهم يفكر ويدبر مخططات جديدة حتى انسحب القمر بهدوء، أمام بزوغ الضوء الخافت الذي يكاد أن يؤمن للشمس طريقها.
نزل "وجود" في الصباح الباكر كعادته مع خطيبته، وما زال لم يشاهد "زينة" تمارس رياضتها. استمر يبحث بعينيه عنها، فقد تعود على رؤيتها كل صباح، لكن من يوم ما انفعل عليها لم يشاهدها قط.
لكن اليوم أصبح مولدًا جديدًا لكل الأبطال؛ فنهضت "زينة" من فراشها الذي كانت لم تفارقه في الأيام الأخيرة. أمسكت أنبوبة صبغة وطلت شعرها باللون الأحمر بدلًا من الأصفر لون شعرها الطبيعي. أخرجت زيًا رياضيًا لكن غير الذي اعتادت النزول به لخارج البيت؛ بنطالًا يوجد به مناطق شفافة، و"تيشيرت" قصيرًا ولبست حذاءها.
وقبل أن تنصرف وضعت ميك أب رقيقًا يبرز جمالها، تركض وعلى ثغرها ابتسامة، وبجوارها رجل ممشوق مفتول العضلات يضحكون مع بعضهما.
حينما وقعت عين "وجود" عليهما، ادعى اللامبالاة ولم ينظر عليها. فتشير "كاميليا" على "زينة" بضحكة ساخرة قائلة بفظاظة:
– مش دي زينة! واضح كان كلامك صح بنت مراهقة؛ أديها لفت على غيرك لما ما لقيتش فيك فايدة، الظاهر مش لاقية اللي يلمها.
كان "وجود" يصك أسنانه بضيق من الذي يركض معها، يقبض على مقود السيارة بقوة يصب بها غضبه. لكن عندما قالت آخر جملتها أوقف السيارة فجأة، هاج بها صارخًا بعد أن صفعها بالقلم:
– أنتي إزاي تغلطي في خالتي وعمو شادي، أنتي جرى حاجة في دماغك.
اعتلى وجهها الاستفهام، ثم استطردت قائلة وهي تضع يدها على وجنتها:
– وجود أنت بتمد إيدك عليا! وعشان المراهقة الطايشة دي اللي مش عارفة تحدد مشاعرها.
رد بتهكم، وهو يميل رأسه لليسار:
– أنا بتكلم في نقطة غلطك في أهلها.
فأكمل وهو يشعر بالذنب مما بدر منه:
– ليه يا كاميليا وصلتيني أطلع أسوأ ما فيا وأمد إيدي عليكي، بعد ما كانت الإيد دي اللي طول الوقت بتدافع عنك هي اللي توجعك!
أرسلت له نظرات نارية، بعدما تلون وجهها بلون الحمرة من كثرة غضبها، بدأت الدموع تتدفق من مقلتيها، ظلت صامتة تتذكر دفاعه عنها وقت مراهقتهما؛ فكان هو الحصن المنيع ضد أي معتدٍ لها.
وقفت "زينة" أمام فيلتها تتبادل الحديث مع الشاب، فشاهدت عربة "وجود" تقف وهو كالدب الشرس. رفعت يدها تلوح له بلامبالاة.
فتحرك بالسيارة وهو يبادلها ابتسامة مجاملة.
وعندما وصلا الشركة ذهب كل منهما داخل مكتبه، لم تهدأ وظلت تمشي ذهابًا وإيابًا، تسأل نفسها عدة أسئلة، حالة غضبه التي أصبحت ملحوظة؟ رده عليها بحدة وعنف؟ إهمالها بقصد أو بدون قصد؟ وكل هذا في آخر أيامه فقط.
لم تستطع التحمل، ولا يوجد لديها استعداد لخسارته، فذهبت إليه ترمقه بنظرات أفعى تريد ابتلاعه، حتى يظل داخلها وقلبها يطمئن. فنطق بتساؤل بحاجب مرفوع:
– هتفضلي واقفة كتير؟
– أنت لسه زعلان مني؟
قالتها وهي تقترب منه تضع يديها على كتفيه. أجابها بعد أن زفر بحنق:
– أنتي عايزة حاجة دلوقتي تخص الشغل؟
اقتربت على وجهه تطبع قبلة على ثغره ببلاهة، فنهض مفزوعًا من مجلسه يبتعد عنها بصرامة:
– على ما أظن إن ده مكتب وله احترامه!
– بيبي أنت ليه بقيت بتقفش! الباب مقفول.
– ولو.. مش هيمنع أي حد يدخل في أي لحظة.
– على العموم إحنا مخطوبين.
– شكل عندك لبس بين الخطوبة والجواز، زي بالظبط إنك مش عارفة تفرقي بين المكتب وأوضة النوم.
شق ثغرها عن ابتسامة، لترد عليه وهو ما زال على وجومه، قبل أن تغادر المكتب:
– أنا وأنت لبعض في النهاية، فمش هيفرق معايا إمتى ندخلها.
★★★★★
تذهب "توتا" وسط حراسه لتمرينها، بعقل شارد. وعندما دلفت للداخل وقف "حازم" يطمئن عليها:
– عاملة إيه دلوقتي؟
أجابته بصرامة وحدة:
– أنت شايف إيه!
– لا ما شاء الله شايف عيون كلها قسوة، وسامع صوت كله غرور، ولسانك متبري منك.. وبكده اطمنت عليكي.
– طيب يلا ننجز.
بدآ في التمرين وكان عبارة عن أن تكون في وضع نصف جلوس وتسند ظهرها للحائط دون أن تهتز، فعندما اهتزت قفز ووقف على ساقيها حتى لا تتحرك مرة ثانية، فحمله بأكمله ينصب على قدميها.
كانت تحاول أن تتحمل؛ حتى لا يصعب عليها التمرين أكثر أو يضاعف عليها الوقت. ظلت صامدة حتى الوقت المحدد، وبعد أن نزل أخبرها:
– بكرة هعمل حفلة صغيرة لرجوعك بالسلامة، ونعلن خطوبتنا.
ردت عليه وهي تلملم أغراضها بلامبالاة:
– اعمل اللي تعمله، بس تأكد إنك هتشوف…
يقاطعها وهو يضحك بقوة حتى ظهر صف اللؤلؤ الذي يرتكز خلف شفتيه، ويردف وهو يلتقط مفاتيح سيارته:
– أيام سودة.
– والله!
– ما أنا قلت أسبق وأوفر عليكي الوقت، والجواز قبل ما نسافر بيوم.
زفرت أنفاسها وردت بعين مستشاطة:
– وفر عليا الوقت بالمرة، وخد ردي اللي كان من ثانية كوبي.
– بتاع اعمل اللي تعمله، يا سلام على ذوقك يا حبيبتي مفيش كلام، بتحبيني وواقعة فيا وش.
تركته بوجه أحمر حاد من كثرة الغيظ، وقلب جاف المشاعر، منصرفة إلى منزلها في وسط الحرس الخاص. لكن كانت عينيها تتفحص كل شخص فيهم بتركيز، تبحث عن "نطاط الحيط" الذي أحيا مشاعر كثيرة مدفونة بأعماق قلبها.
كانت تتلاطم مع موجات الزمان حتى تستطيع نسيانها، برغم مرور السنين لم تقدر على النسيان، أو أن تبوح بها لأي أحد. لكن مع المواقف التي تفرضها الأيام.. تقفز إلى شاطئ عقلها؛ فتسبب لها كره، حقد، خوف من صنف الرجال؛ فكانت لم تجد أي مفر من ذكرياتها مع الفهد المتوحش الذي عشقته حد الجنون فاغتصب براءتها وطفولتها، إلا التحمل على دفن الماضي، ومنع قلبها من التنفس فيغطس من جديد للأعماق.
وعليها الآن أن تسارع الزمن حتى تمحو هذه الذكرى المؤلمة، فتحيا بقلب خالٍ من أي خدوش وجروح، وتعثر على الرجل الذي أحيا نبضها بلا شك.
★★★★★
عاد "وجود" بيته محتقن الوجه ويكاد أن ينفجر غيظًا، يود أن يفرغ طاقة غضبه، ولم يرى أمامه غير أخيه فيلقي عليه سخطه:
– هي زينة عملت عملية، ولا ركبت عقل مكان عقلها؟!
رفع عينه من شاشة حاسوبه، ويرد عليه بلامبالاة:
– ما اعرفش، بس اللي متأكد منه إن العملية مش في دماغها خالص.
بعد أن أنهى حديثه، نظر باهتمام على حاسوبه من جديد، فتفوه هو بنبرة استياء:
– إزاي لونت شعرها باللون الصارخ اللي عكس شخصيتها خالص ده، وإزاي لبست لبس مبين جسمها، ومن إمتى بتجري مع شباب؟!
لوى شفتيه وعلامات الاستفهام تعلو وجهه:
– ما تعمل اللي تعمله مصدعني ليه، وإيه سبب حمقتك أووي عليها؟!
– زي أختي وخايف عليها من اللطخ اللي كان معاها.
نطقها بتلجلج وتفكير، فرد عليه أخوه وهو يرمقه شزرًا:
– أمممم، وما دام زي أختك ما نزلتش جبتها من شعرها ليه؟
– أصلها بتزعل بسرعة، خايف تزعل مني تاني.
– يبقى مش زي أختك وكبر دماغك منها؛ لأن أنت ومن الآخر ما رضيتش تزعل الآنسة المبجلة "كاميليا" هانم.
– أنت تقصد إيه؟
– ما تاخدش في بالك، بعد إذنك.
انصرف "مستقبل" بعد أن أخذ كل متعلقاته، وجلس "وجود" بذهن شارد كالطائرة المحلقة التي لم يحدد لها مطار للهبوط.
رواية غرورها جن جنوني الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ابتسام محمود
بدأت الشمس تتوارى داخل مياه البحر، فتترك أثر أشعتها الذهبية الخلابة باللون البرتقالي فوق موجاتها. وبعد مرور وقت قليل، رسم القمر قرصه الأبيض الذي يجمع العشاق تحت نوره، ويبث لروحهم الأجواء الرومانسية؛ فاليوم موعد حفل “توتا”.
تدلف “نايا” غرفتها بوجه متسائل قائلة بتعجب:
– أنتي لسه ما غيرتيش هدومك؟!
– وأغير ليه، ما الحفلة شغالة أهي والدنيا زي الفل.
قالتها وهي تجلس بأريحية على فراشها.
فتفوهت والدتها بغضب:
– الحفلة دي عاملها حازم ليكي أنتي، بدل ما تنزلي تشكريه على تعبه.
– ألف شكر ليه، مطلوب مني حاجة تاني.
قالتها ببرود ليس له مثيل.
زفرت “نايا” أنفاسها بغيظ وتركتها تستغفر ربها من تصرفاتها التي تكاد تصيب جسدها بالشلل.
فقابلها “حازم” المبتسم:
– توتا جاهزة يا طنط علشان تبدأ الحفلة.
ردت بارتباك ممزوج مع الإحراج الذي وضعتها داخله ابنتها العنيدة:
– أصلها.. تعبت شوية، فبتعتذر ليك إنها مش هتقدر تنزل، وبتشكرك جدًّا على الحفلة.
صك أسنانه مستشيطًا منها غضبًا، ثم أمسك أنفه بحدة يكتم أنفاسه وحروفه، وأرغم شفتيه على الصمت حتى لا يفقد صوابه. وبعد ثوانٍ أعلن وهو ينظر شزرًا:
– ينفع أطلعلها.
ردت بعد أن تحمحمت بإحراج:
– مستقبل أهو خده واطلع ليها.
***
تقف تنظر من شرفتها بأمل أن ترى منقذها الوحيد يأتي حتى ينقذها. مر نصف ساعة على وقوفها ولم يأتِ، فانبعث في نفسها الغمة والاكتئاب، فبدأت حبات اللؤلؤ تتساقط واحدة تلو الأخرى وهي تحدث نفسها:
– منقذي أنا مش موافقة ولا راضية بكل اللي بيحصل، أنت فين؟ مش وعدتني وقت ما هكون في مشكلة هتكون جنبي أول واحد، أنت فين بقى؟
– أحممم، أنا هفضل واقف كتير.
أردف بها “حازم” بعد أن دلف غرفتها ووجدها تسرح في شيء ما.
نظرت اليه بجانب عينيها بدون أن تستدير، فأكمل كلامه بصوت عنيف حاد:
– يعني إيه مش هتنزلي؟
مسحت عبراتها بأطراف أناملها وقالت بحدة بدون أن تنظر إليه:
– هو فيه بني آدم يدخل كده!
– فضلت أخبط ساعة على سعادتك وأنتي ولا هنا.
فعندما لاحظ دموعها اقترب منها بقلب ينهشه الخوف والقلق، وقال بصوت واهن:
– توتا أنتي بتعيطي؟
– لاااااااااا.
نطقتها بصوت قوي حاد، جرحت مشاعره.
فأخبرها بعند أكبر من عنادها:
– حتى لو بتعيطي اتفلقي يا توتا، وقدامك عشر دقايق وتنزلي تترزعي تحت؛ لأني مش هعلن خطوبتي على الفراغ.
قبضت يديها، وأخبرته بحنق:
– أنت مش مكسوف.
سند جسده على الحائط وهو يطالعها بابتسامة، ثم أردف بلامبالاة:
– واتكسف من إيه؟
– والله المفروض الحاجات دي بالذات تتحس، بس بما إن مش عند البعيد دم هقول إيه.
رد عليها بالبرود نفسه وادعى عدم الفهم:
– تقصدي مين؟
رفعت يدها تعصرهما غضبًا، محاولة أن تزدرد غصة حلقها باستياء، وأعلنت بابتسامة صفراء وهي تزج به للخارج:
– لا أبدًا انزل وأنا عشر دقايق وهكون وراك.
تركها وهو يضحك على انتصاره عليها في بداية المعركة.
***
تدخل “زينة” الحفل كالسفينة التي تتبختر في البحار تاركة خلفها أثرًا مستطيلًا كعروس تجر أذيالها، فتخطف أنظار كل الحاضرين بجمال فستانها ومكياجها المثير، التي حاولت أن تقنع به والديها وقتًا طويلًا، وبرغم اعتراضهما وافقا بامتعاض.
فاقترب منها “مستقبل” و”كارما” يحدقان بها بنظرات إعجاب غير مصدقين أنها نفذت أول جزء من الخطة التي وضعها “مستقبل”. فأردف بحماس:
– كده هندخل على أهم جزء في الخطة.
– واللي هي إيه يا باشا مصر.
قالتها “كارما” وهي تسند يدها على كتفه الأيسر.
فأجابها بابتسامة:
– نظرية تحرك الجبل.
نظرت الفتاتان نحوه بملامح استفهام، فأكمل حديثه بقول:
– نشعوط مشاعره.
فكأن جسد “زينة” أصبح كالثلج، فتفوهت باضطراب وتلعثم:
– طب نخليها على الهادي.
– دي حلاوتها في حموتها.
ثم أكمل بصوت مرتفع:
– أنتي هتجيبي ورا، ولا شكلك خلاص مش عايزاه يسيب البت الملزقة.
ترفع “كارما” يدها مسرعة تضعها على ثغره:
– أنت زي الميكرفون اللي بيشتغل لوحده، احنا جنبك مش هاجرنا.
– تمام عملت أنا اللي عليا، ورينا أنتي بقى اللي عليكي وسيبي صوباعك في حاله.
هزت رأسها وتتحرك في اتجاه “وجود” الجالس بجوار “كاميليا”، ترسم على ثغرها ابتسامة.
– فنهض “وجود” من مجلسه وبادله الابتسامة، لكنها تخطته وهي ترفع يدها تصافح الشاب الذي كان يجلس خلفه. فجلس بإحراج يمسح أرنبة أنفه وينظر عليها بتلصص كاللص. وجدها جلست معه وتبادلا الحديث، وصوت ضحكاتها يصل لمسمعه ويزيد من استشاطة مشاعره.
فتضع “كاميليا” يدها على وجنته التي يتدفق بها الدم من كثرة غليانه، فتقول بتعجب:
– بيبي أنت سخن كده ليه؟
سعل وهو يضع يده على فمه وكان ينظف حلقه من شدة توتره:
– أنا كويس، ما تاخديش في بالك، عاملة إيه؟
رمقته بتضيق عينيها ودهشة، فقال باستغراب:
– في حاجة!
أخدت أنفاسها وأخبرته وهي تستعد للانصراف:
– دي المرة العاشرة اللي تقولي عاملة إيه؟!
لم يجِبها؛ لأنه شرد مع صوت الضحكات الآتية من خلفه، وحاول أن يسمع حديثهما الشيق الذي يجعلهما يقهقهان بقوة ثم رد على “كاميليا” بدون وعي ولا تركيز:
– بطمن عليكي، خلاص ما تاخديش في بالك، أخبارك إيه؟
نهضت تخبط الطاولة بغضب فتجيب:
– زفت.
كان ما زال شاردًا بكل حواسه، فأردف بعدم وعي:
– يا رب دايمًا.
حدقته بحدة وانصرفت من أمامه حتى لا تفقد أعصابها، فتشعل سيجارة حتى تفرغ بها طاقتها السلبية.
ومن بعيد تنزل “توتا” الحفل مرتدية فستانًا رقيقًا ترسم ابتسامة على وجهها مصطنعة، لكن عيونها غير ثابتة؛ تشعر بأن “نطاط الحيط” لن يتركها في أشد وقت تحتاج إليه فيه.
فيقترب منها يقول:
– جمالك غطى على جمال العالم.
رفعت عينها ببطء، تدعي ربها أن يكون منقذها.. فوجدته “حازم”.
تأففت بضيق متمتمة داخلها:
– منقذي مش منقذ قلبي، هو منقذي من الخطر وبس، يعني أمسك الكوباية دي أقطع بيها شراييني علشان تيجي.
وبالفعل كسرت الكأس ووضعته على يدها، فأمسك “حازم” يدها، مردفًا بثورة:
– أنتي مجنونة؟!
– بص اللي بيحصل دا وربنا.. وربنا كمان مرة كتير، سيبلي مساحة اتنفس فيها، أصل كده هيجيلي اختناق وهفرهض منك بدري بدري.
نطقت بها “توتا” وهي توجه الزجاجة المنكسرة عليه.
فرد بتهكم:
– لا نفسك طويل أنا واثق، اتفضلي قدامي على الاستيدچ.
رمت ما تحمله أرضًا ومشيت أمامه، عندما وصلا أمسك الميكروفون معلنًا وهو يمسك علبة مفتوحة أمام عينيها:
– النهاردا توتا هتبقى خطيبتي.. رسمي.
ثم ترك الميكروفون وأمسك يدها بحب، يضع بداخل البنصر الأيمن خاتمًا رقيقًا وبه فص من الألماظ. كان قلبه يرقص بفرحة على أول خطة نجح بها، متمنيًا أن ينجح في باقي الخطط ويَصِل لقلبها، كانت ترسم ابتسامة مستعارة تضحك بها على جميع الحاضرين.
بعد أن ألبسها الخاتم اشتغلت أغنية (سيبي روحك). أمسك يدها وهو ينظر لعمق عينها يود أن تبادله المشاعر نفسها، لكنها كانت تنظر إليه بنظرات تحدٍ وعناد ليس له مثيل، فاقترب منها أكثر محاوطًا خصرها، وعيناه تريد أن تبوح بما يكنه القلب، يريد الصراخ ليقول لها، لماذا كل هذا العند والتحدي الذي داخل عينيكِ يا حبيبتي؟
ما زالت ترمقه بعينين حادتين، ونظرات قاتلة جعلته يتعجب لماذا كل هذا البغض الذي تكنه له، فأخبرته:
– لو قلت حاجة هتصدقني.
ابتسم بسعادة وهز رأسه سامحًا لها بالتفوه:
– أصل كل ما تحرك شفايفك بسمع صوت ثور بيتكلم.
فنطقت كلماتها بسماجة وسخرية أفسدت عليه كل شيء. أغمض عينه بعصبية ورفع رأسه يستنشق بعض من الهواء حتى يطفئ لهيب قلبه، وأجابها بطريقتها نفسها:
– كويس إن فيه حاسة شغاله عندك، وبتسمع علشان تتهدي وتخافي مني.
– والله أنت طيوب أووي، وصعبان عليا.
– لا مش عايز حاجة تصعب عليكي غير نفسك.
قالها وهو يضغط على خصرها بقوة، جعلتها تضيّق عينيها بتألم.
يرقص بجانبهما “كارما” و”مستقبل” وهما يمزحان، و”زينة” وصديقها ويرسلا لبعضهما الابتسامات التي جعلت برج من عقل “وجود” ينفجر، وبدأ ينقر الطاولة الزجاجية بأنامله، وهو يقول باستياء:
– الوضع زاد عن الحد.
فنهض يتوجه لمصدر الصوت، ونظر على “الدي جي” بعدم فهم، فنزع الفيشة الموصلة للكهرباء وأغلقه تمامًا، غير مبالٍ لأي أحد. نقل الحاضرون جميعهم أبصارهم إليه باستغراب، فرفع يده بالسلك الكهربي وأخبرهم ببرود:
– جه في إيدي بالغلط، مش لازم نسمع أغاني كفاية إن احنا مع بعض.
الجميع نظر لبعضهم بتعجب ودهشة، إلا ثلاثتهم يضحكون بمكر. ظل الحال بين العند والغيرة حتى جاء موعد انتهاء الحفل، قام الجميع بالانصراف.
تقف “زينة” كالفراشة -التي ترفرف بين الأزهار برقتها المعهودة- مع الشاب نفسه يتبادلان الحديث ويضحكان، فيقترب “وجود” مشتعلًا كالوقود من قربهما لبعضهما، فذهب إليهما ووقف بينهما. ذاهبًا خلفه “كارما” و”مستقبل”.
فتبسمت “زينة” وهي ترفع يدها تشير على من اقتحموا خصوصيتها وتعرف رفيقها عليهم:
– كارما، مستقبل.
فصمت وهي تبتسم وتتجاهل ثالثهم عن قصد ولم تكمل، فأردف “وجود” بغيظ وهو يضغط بقوة على قبضة يده:
– وبالنسبة ليا.. شفاف مثلًا.
أجابته وهي ترمقه ببرود لوح ثلج:
– آه نسيت..
فأولت بصرها على صديقها تخبره بلامبالاة:
– ودا وجود زي…
– زي؟!!!
نطق بها “وجود” وهو يقاطعها باستياء، فأكملت حديثها وهي تحدقه بابتسامة خبيثة وترفع حاجبيها:
– أخويا.
بلل شفتيه ثم ضغط على شفته السفلية بحدة وأعلن بغضب غامض:
– أممم أخوكي!!
– أمال إيه! هو فيه حاجة تاني مش واخدة بالي منها يااا.. وجود.
يحرك رأسه بنفي وهو يحك طرف حاجبه الأيسر:
– لا مفيش، وبالنسبة للأمور.
بسط الشاب يده يصافحه وعلى وجهه ابتسامة:
– أنا أحمد.
لم يرفع يده يصافحه، ورمقه بتعالٍ وهو يخبره بابتسامة صفراء:
– احمد ربك إنك واقف وسط ناس.
زوى ما بين حاجبيه بذهول وهو ينظر يسارًا ويمينًا، ثم تفوه باستغراب حديثه الغامض:
– ليه هتعمل إيه!
– اللي بيعمل مش بيرغي.
قالها بحدة وهو يترك لهم المكان بأكمله، جعل الجميع في صدمة بتصرفه غير المتوقع من أول الخطة. فنطق أحمد وهو يرفع يده يشير عليه بعد أن مشى بعيدًا عنهم:
– ماله دا؟!
– ما تاخدش في بالك، تعيش وتنور كمان وكمان يا أبو حميد.
قالها “مستقبل” وهو يصافحه ويأخذه داخل حضنه. فهمهمت “كارما” بالقرب من أذن “زينة” التي أصبحت متوترة وتطقطق أناملها بخوف:
– ربنا بس يديلك العمر وتعيش لحد ما تشعلل وتولع الحجر.
وبعد قليل ذهب كل واحد منهم إلى منزله، فقابل مستقبل أخاه يجلس بالحديقة، جلس بجانبه قائلًا بمزاح:
– أنت غيران ولا إيه يا شق.
رمقه بعينين مشتعلتين بالغيظ، يقول بتهرب:
– هي لسعت منك ولا إيه؟ من مين، وليه يعني؟
ضحك وهو يتأكد من ظنونه، فأكمل “وجود”:
– ولو هغير ما لاقيتش غير الفرفور دا! ابعد عني يا مستقبل علشان دماغي ما تنفجرش في وشك.
أخبره آخر جملة بتهديد لكنه لم يتركه، وهز رأسه برفض وهو يضحك، فنهض “وجود” وهو يركل بقدمه المنضدة التي تستقر أمامه، فتفوه “مستقبل” بابتسامة عريضة بعد أن نادى عليه وجعله يولي ظهره له:
– أحب اطمنك إنك شوية وهتقلب تنين مجنح وهتطلع نار من بقك من كتر نار الغيرة.
أمسك مقعدًا حديديًّا ثقيلًا حتى يلقيه على أخيه، لكنه نهض يركض سريعًا:
– يا متهور التعويرة اللي في الوش مفيهاش معلش.
***
في صباح يوم جديد، تذهب “توتا” إلى تمرينها، وقبل أن تدخل ينادي عليها مجموعة من الشباب كانوا زملاء لها، اقتربت تصافحهم بفرحة وظل كل منهم يسترجع ذكريات الجامعة ويحكون كيف أصبح حالهم الآن.
وقف “حازم” داخل الصالة ينظر لساعة يده بريبة، مستغربًا لماذا تأخرت على ميعاد التمرين كل هذا الوقت، وقف ينتظرها في النافذة ساندًا يده على الحائط، فوجدها تضحك وتتسامر مع بعض الفتيان، قفز كالطفل الصغير من النافذة كالذي يفر من عقاب والدته. اقترب عليها بهدوء لا يعكس العاصفة التي بداخله، يحرك يده على شعره ويردف بنبرة منخفضة لكن تحمل شرًّا:
– امشي قدامي أحسنلك.
– ولو ما مشيتش؟
نطقتها بعد أن رمقته بلامبالاة وأكملت حديثها مع الشباب.
هز رأسه بابتسامة غير مطمئنة:
– مش هتلومي غير نفسك عادي.
لم تعطِ ردًّا أو اهتمامًا، مال بجسده يحملها بين يديه كالعصفور الصغير، ويمشي في وسط ذهول الواقفين. حدقته بغل وتركله بقدميها حتى يتركها، لكن كان يمسكها بقوة حداية عثرت على فريستها بعد جوع، حتى دخل بها الصالة وتركها وهو يقول بثقه وثبات:
– المرة دي هكتفي بتحذيرك، إنما لو شوفتك واقفة مع أي راجل أو ما سمعتيش كلامي هتشوفي زعلي اللي على حق، اتفضلي على التمرين. إيه هتفضلي متنحة ليا كتييير.
نظراتها الحارقة إليه لم تكفِها لأخذ حقها على ما بدر منه، أمسكت عصًا بيدها ولم تبالِ لتحذيراته، ورفعتها حتى تفتح رأسه نصفين، قبل أن تقترب إليه، أمسك هو الآخر ثقل حديد وأندفع نحوها بغضب أسد، فتراجعت بسرعة وهي تختبئ وراء مكان ضيق لا يسمح لجسمه العريض الدلوف إليها، فجلس وهو يردف بقوة أرعبتها أكثر:
– لو كنتي عيلة ومجنونة فأنا الجنان والمعيلة على حق، وريني بقى هتطلعي في يومك الملون دا إزاي؟
– على فكرة اللي حضرتك بتعمله دا تصرف غير آدمي نهاااائيًّا.
– احلفي.
– وكتاب الله.
– أمال مين ناااو اللي كان عايز يفتح راسي.
– اسكت مش أنا كنت عايزة أشوف بعيني، التركيبة الفيزيائية اللي دماغك متكون منها.
– شوف إزاي، وأنا اللي كنت فاكر.. لا إخس عليا ظلمتك.
– أنت كده دايمًا ظالمني.
– لا اتأثرت بجد حتى شوفي دموعي.
– يا حرام مرهف المشاعر والإحساس، ممكن تقوم وتعديني؟
– اخرسي خالص ما اسمعش صوتك، شيفاني عيل وههطل من كلمتينك دول.
– تصدق بقى إنك أرخم خلق الله، لا ومش بس كده المفروض أشكالك دي أصلًا انقرضت من أيام الفراعنة.
– الله على اختيارك لجمال ملافظك، تصدقي إن دور القطة البريئة ما كنش لايق عليكي، كده أحسن.. استمري لحد ما تسمحلي الفرصة وأقصة ليكي خالص، وساعتها تبقي تهبهبي على حق.
ابتلعت ريقها بخوف وهي تضع يدها على صدرها بخوف على نفسها، نهض يتحدث بهاتفه عندما أعلن عن صدور مكالمة، مشى بعيدًا فتنتهز الفرصة وتهرب من براثن الأسد، ذهبت بدون تفكير على منزلها تحتمي بأهلها، دخلت مهرولة وأغلقت الباب الخشبي خلفها مستندة بظهرها عليه وبدأت تأخذ أنفاسها بأريحية.
– هو أنتي هربانة من تار يا توتا.
فزعت وبعد ما رأت والدتها مَن تفوهت، سندت يديها على ركبتيها تلهث أنفاسها.
ثم قام أحد بدفع الباب بقوة جعلتها تطير وتقع على الأرض، لم تهتم بما حدث لها، لكنها تشبث بصرها على من دفع الباب بقوة، اطمأن قلبها عندما وجدته “وجود”. وتدخل خلفه “كاميليا” وهي تردف بفرح:
– لييييييه، حد قالك إن هيتعمل ليا فرحين، هو فرح واحد وليلة عمر واحدة.
قالتها “توتا” وهي تقوم من على الأرض ثم أكملت وهي تقترب منها وعلى وجهها ضيق:
– هتيجي كمان وتشاركيني فيها، إيه الناس دي يا ربي.
سمعها “حازم” الذي دلف المنزل للتو، ابتسم بفرحة ونسي كل شيء صدر منها منذ قليل، فأزادت لحديثها بنبرة هامسة:
– لا اوعى تنشكح أووي كده، دا بس علشان مش بطيقها ومستحيل كل شيء ينتهي بمأساة في يوم واحد، يرضيك أنت يا مؤمن أنا وأخويا نتاكل لحم ونوجع قلب أمي علينا في نفس ذات اليوم المغبر!
– توتا فعلًا عندها حق، احنا لازم نعمل لكل واحد فرح مستقل، ولا أنتي عايزه تضحكي علينا ونفرح مرة بدل ما نفرح مرتين؟!
قالتها “نايا” باندفاع، وتتمنى أن يطيل فترة الخطوبة حتى تبعدها عن ابنها نهائيًّا، لكن كيف تقنعه أنها ليست من تستحقه؟
ربعت “كاميليا” يدها بغيظ دفين وهي تنظر عليهم.
رواية غرورها جن جنوني الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ابتسام محمود
رمقتهم بنظرات حقد وغل، تعلم أنهم لم يحبوها من أول يوم دخلت منزلهم، فهي أذكى من أن تتنازل عن حقها في خطيبها.
ابتسمت بسخرية وهي تعلن الحرب، وستحارب بكل أسلحة الأنثى التي تجعل الشيطان يقف ويُهديها تحية وتعظيمًا.
وقتَها ستجعلهم هم من يرغبون في تقديم ميعاد زواجهما أكثر منها.
وأخيرًا ردت بأنف مرفوعة وغرور:
– عندكم حق، فعلًا هسرق نظر كل المعازيم منك يا توتا؛ لأن مش هيبقى فيه برنسس غيري في المكان كله.
– معلومة بس لحضرتك، توتا برنسس أي مكان. ويكفي شرف وجودها اللي بيبهر الكل بطلتها وخفة دمها اللي بتجنن الناس.
تفوَّه بها “حازم” عندما شعر بالدخان الذي يخرج من عين حبيبته، أشعل نار قلبه على ضيقها، وكان يتطلع بها بحب صادق وهو يتحدث.
انضم إليهم “مهيمن” الذي وضع يده على كتف زوجته بعد أن صافح الجميع وأخذ زوجته بعيدًا عنهم يحدثها:
– عندي شغل وممكن أرجع على بكرة، عايزك تخلي بالك من نفسك.
دخلت داخل أحضانه واضعة رأسها على صدره العريض:
– ما تقلقش عليا عيالك بقوا ما شاء الله رجالة وغير الأمن اللي بره، خلي بالك أنت من نفسك.
– علشان عيونك الجميلة دي.
بعد انصراف الأب أمسك “وجود” يد خطيبته ومشى بها بعيًدا يحدثها من بين أسنانه:
– إزاي تقولي كده لتوتا.
– حياتي أنت ما شوفتش إزاي كانت بتكلمني، واعتراضها على إن فرحنا يكون سوى.
قالتها بدلع، وهي تمرر أناملها على وجنته بإغراء.
– والله مش شايف إنها قالت حاجة غلط، ومن حقها زي أي بنت يكون يومها لوحدها.
أجابها بحدة وضيق، فردت عليه بدلال ماكر وهي تمسك ذقنه:
– خلاص حياتي، الموضوع انتهى ممكن ما تبقاش زعول.
أنزل يدها بهدوء مصطنع وأبلغها:
– أنا مصدع جدًّا، بعد إذنك هطلع آخد دش وأنام.
– ماشي يا روحي، أنا هروح لما تصحى كلمني.
– إن شاء الله، سلام.
مالت عليه قبلته على وجنته مرددة:
– باي باي يا بيبي.
وفي الوقت ذاته، نظرت “توتا” يسارًا ويمينًا وهي ترجع خصلات شعرها خلف أذنها بارتباك، بعد رحيل الجميع من حولها إلا “حازم”:
– أنت إزاي تكسف خطيبة أخويا كده؟!
– أنا قلت الحقيقة.
توترت من نظراته التي تتفحصها بشدة، أخفضت بصرها وهي تعطي له ظهرها تبلع ريقها وتخبره وهي تنصرف:
– شكرًا بس أنا عندي لسان.
علم في هذه اللحظة أنه سوف يبذل جهدًا حتى يخترق قلبها الذي يشبه الصخر.
عندما صدح المؤذن بصلاة المغرب ذهبت “توتا” لوالدتها تطلب بنبرة ترجٍ:
– ماما القمر بزيادة، عايزة أروح خطوبة صاحبتي.
– بنتي المصلحجية بزيادة، ممنوع الخروج إلا بعلم بابا.
ردت عليها بأسلوبها نفسه، فتقول ابنتها بحماس:
– أشطا اتصلي بيه.
اخذت هاتفها وضغطت على زر الاتصال، أتاها صوته فتخبره:
– حبيبي توتا عايزة تروح خطوبة صاحبتها.
رد عليها باقتضاب:
– شوفي إخواتها، لو حد فاضي يروح معاها.
– طيب لو…
كانت تتفوه بتلعثم، قاطعها بحدة:
– مش محتاجة سؤال مفيش خروج.
أغلقت الهاتف ونظرت لها وهي ترفع يدها باستسلام:
– أديكى سمعتي بودانك.
– إخواتى مش فاضين وكل واحد فيهم نزل من شوية.
– أعمل أنا إيه بقى؟
قالتها بقلة حيلة، فترد عليها بضيق:
– يا ماما دي خطوبة صاحبتي وما ينفعش ما أحضرش.
– تبقى أحضري الجواز، وبطلي رغي كتير.
– يا ما…
– ما تحاوليش.
نزلت “توتا” بفستانها الأزرق كالسماء بلمسات خفيفة من أدوات التجميل جعلتها كالبدر الذي يضيء الكون بأكمله في ليلة من أجمل الليالي، فبعد إلحاح استطاعت أن تقنعها أنها لن تتأخر.
بعد ساعه قام “حازم” من مجلسه كالذي لدغه ثعبان، حاول الاتصال عليها أكثر من مرة ولم تجِبه، أبدل ثيابه وتوجه لها بعد أن ردت عليه “نايا” وأخبرته عن مكانها، حينما وصلت “توتا” أغلقت هاتفها من كثرة اتصال “حازم” الذي لا يكل ولا يمل، ونسيت نفسها مع أصدقائها.
وفي تمام الساعة الحادية عشر حاولت والدتها الاتصال بها، لكن كان هاتفها ما زال مغلقًا، أصبحت كالبندول تمشي في أرجاء الفيلا، تلعن نفسها على موافقة فتاتها الطائشة.
سمعت صوت سيارة “مهيمن” تدخل الفيلا، انتفض جسدها وتلألأت حبيبات العرق جلية على جبهتها وتصاعد صدرها يعلو ويهبط من شدة خوفها من مصيرها الذي تتوقعه قبل حدوثه.
فتح باب المنزل تصلبت قدميها بالأرض ولا تستطيع تحريكهما، ابتلعت ريقها بصعوبة فهي أكثر شخص يعلم حالة ثورانه.
اقترب منها يصافحها شعر جسدها كالثلج، فقال باستغراب:
– مالك؟!
تجمد صوتها ولم ترد عليه إلا بغير:
– ما.. ما.
فصاح بخفوت مخيف بتكرار سؤاله، فأجابته بنبرة ارتباك:
– أصل توتا راحت الخط…
قاطعها بأفظع الجمل والألفاظ، وأنها لا تتحمل أي مسؤولية ولا تصلح للتربية.
وبعد وقت عثر “حازم” على مكانها، وكانت تقف وسط بنات وشباب يرقصون، توجه إليها وهو متشنج وازداد بوجهه علامات الغضب، قبض على معصمها بقوة جاذبًا إياها وهو يهدر بغضب:
– طبعًا ما ليها حق الهانم ولا تسمع ولا تركز في أم التليفون!
سحبت يدها من قبضته بهدوء مميت، وظلت تأخذ أنفاسها رويدًا رويدًا، وهي تتطلع إليه بتعالٍ، حتى أعلنت بتريث وهي تحرك إصبعها السبابة أمام عينه:
– تؤ تؤ تؤ، كل مكالماتك شوفتها وكنت قاصدة ما أردش.
ثم هزت رأسها بتأكيد وعلى شفتيها ابتسامة تشبه جليدًا من الثلج:
– وسبب قفل تليفوني، إني ما أشوفش وشك قدامي.. فبحذرك ما تكلمنيش ولا ليك دعوة بيا.
كان يسمعها وبركان في داخل عقله يفور من كثرة الغليان وعندما انتهت، جاء عليه الدور ليبلغها:
– إيه يا بت البرود اللي فيكي دا؟!
كان يقترب منها بعيون بها شر، رجعت خطوات للخلف تخبره بتحذير:
– ما تقربليش.
ظل يقترب ولا يبالي لحديثها، فقالت بصراخ وهو يلمسها:
– ما تلمسنيش.
أمسك ذراعيها الاثنين بقوة وهو يصك على أسنانه حتى يفرغ شحنة غضبه:
– إيه كمية نيش اللي ضربت في بقك دي. اخلصي امشي قدامي أحسن أديكي كشاف يلوحك.
– إيه اللي بتقوله دا وسع من وشي.
– مش حذرتك الصبح إنك ولا تقفي ولا تتكلمي مع شباب، ولا رجلك الحلوة دي تخطي الشارع لوحدك؟
قالها وهو يرمق قدمها العارية بتفحص، ازدردت ريقها بإحراج وإشارة لرجال الأمن اللذين يقفون خلفها:
– إيه مش عاجبك كل الرجالة دي.
– لا مش عاجبني؛ لأنهم مش هيمنعوا حد إنه يبصلك، ومش بطمن عليكي غير وأنتي في وسط أهلك يا قدام عيني، يا ريت يكون وصلك قصدي.
– مش علشان حضرتك مقضيها بص على ركب البنات تفتكر كل الشباب شبهك، يا معدوم الأخلاق والإنسانية.
أشار على نفسه وهو يفتح فاه باستغراب، فترد عليه وهي تمشى بعيدًا عنه تفتح هاتفها:
– أيوه أنت، أمال أنا!
فتح الهاتف وأعلن عن رسائل كثيرة بمكالمات اتصلت بها، ومن ضمنهم رسالة نصية من والدتها التي ملت من كثرة الاتصال، عندما قرأتها شهقت بأعلى صوت وهي تضرب صدرها بهلع، تحاول بلع ريقها لكن الصدمة ألجمتها.
أعلن المحمول بصدور مكالمة من “نايا”، رفعته بيد مرتعشة وهي تضغط على زر الإجابة قائلة:
– احلفي إن اللي مكتوب في الرسالة دا حصل؟!
– مش محتاجة أحلف، اسمعي بودانك.
سمعت أشياء تتكسر وصوته كاليث الذي وقع في شباك الصيادين للتو، ردت وهي تقضم أظافرها برعب:
– اقفلي اقفلي خلاص اقتنعت من غير حلفان.
فتحت “نايا” باب الغرفة التي تحتمي بها تنظر يسارًا ويمينًا وهي تقول بهمس:
– تقفلي الزفت وألاقيقي قدامي قبل ما يقتلني.
– هو لازم نموت في يوم واحد، أقصد إخواتي نسيبهم كده من غير حنان حد فينا.
– أنتي قاعدة هنا ولا على بالك، وأنا شايط تحت.
قالها “مهيمن” وهو يمسك المقبض بقوة، فردت بتلعثم:
– لا أبدًا اوعى تقول كده، حالًا هكون وراك تطلع غلبك فيا.
تفوهت بها وهي تنكمش داخل نفسها برعب، فأردف باستفهام:
– بتكلمي مين؟
– بكلم توتا أصلها فتحت الموب.
ردت عليه بدون تفكير حتى تحمي نفسها من غضبه، فصرخت “توتا” ببكاء:
– أحيه بتسلميني ياما لأبويا تسليم أهالي.
عندما سمعت صوت أبيها أغلقت الهاتف من هلعها وتوترها، ثم استدارت جحظت عيناها على من يقف يستند على العربة بهيبته ويضع يده بجيب بنطاله، فتحمحمت تقترب منه مرددة ببراءة ثعلب ماكر:
– حازم.
رفع حاجبه بدون أن يتكلم سامحًا لها أن تكمل حديثها:
– أنا عمر ما حد زعقلي كده ولا اتعصب عليا، بعتذر ليك لو انفعلت عليك شوية.
– وعمر ما حد حبك قدي يا توتا.
– أحممم تمام أووي، عايزك زي الشطور في خلال خمس دقائق نروح البيت.
زوى ما بين حاجبيه واعتلى وجهه ملامح استفهام ثم استطرد قائلًا:
– بيت إيه! هو أنتي طلعتي سهلة أووي كده، وأنا اللي كنت فاكر هعافر كتير.
– أنت بتقول إيه يا حيوان.
رمقها بحدة، فنطقت بسرعة تلطف الجو ما بينهما من جديد؛ فهي محتاجة أن يخرجها من الورطة التي أوقعت نفسها بها:
– سوري يا حزووم، أقصد بيت أبويا اللي بينفخ أمي وهينفخني وراها أول ما أوصل، وانجز قبل ما يطلع روحها المسكينة اللي في البيت.
حك ذقنه بتفهم، ثم رد بتهكم وهو يعقد ذراعيه:
– آه هي فيها حزوم ونفخ، ما تقولي عايزاني أحميكي منه واكذب وأقول إنك معايا.
– يا ما شاء الله لماح وذكي جدًّا، يلعن أبو شكلك.
– أنتي بتقولي إيه؟!
– سوري سوري يا حزووم، ولا أصلًا فتحت شفايفي، اتفضل.
تحرك ودخل العربة وهو يبصرها بخبث، وبعد أن تحرك:
– ما كنتش أعرف إنك بتحبيني أووي كده.
في تلك اللحظة كانت تعتصر باب السيارة أسفل يدها بادلته بابتسامة، وهي تحاول أن تلجم لسانها، لكنه انتهز الفرصة وأكمل:
– يا ترى نفسك نقضي شهر العسل فين؟
– تقضي لوحدك في جهنم.
قالتها بسرها، وهي ما زالت تبتسم بغيظ له، وترغم نفسها على الصمت، حتى تأخذ مرادها، فأكمل حديثه:
– جسمك يجنن بالفستان، وبشرتك حلوة مع اللون الزهري.
انكمشت ملامحها بغضب لفظاظة كلماته، وردت بهدوء مخادع:
– دي عيونك.. أحمم اللي جميلة.
فحينما تطلع إليها رأى وجنتيها حمراوان، فظن أنها احمرت خجلًا، لكنه لا يعلم أنه من شدة الغضب تدفقت الدماء بوجنتيها بشدة.
وصلا إلى الفيلا، ترجل “حازم” ونزلت هي ووقفت خلف ظهره ممسكة بيدها سترته بقوة. تحجر مكانه حينما شعر بحرارة أنفاسها اللاهثة على جسده، فدفعته للأمام ليتحرك وحينها انتبه فمسح وجهه المتشنج ونزع سترته حتى يغطي كتفيها العاريتين؛ لأنه يعلم أباها جيدًا، لا يحب ارتداء الملابس العارية، وبما أنها خرجت بدون علمه فهو لا يراها وهي تخرج.
دلفا للداخل، فتح لهما “مهيمن” كالثور، لكن عندما شاهد معها “حازم” هدأ وأصبح كالعصفور ونظر لـ”نايا” قائلًا بلطف عكس ما كان عليه منذ قليل:
– مش تقولي إنها مع حازم.
فتجيبه بصوت مرتفع:
– هو أنت…
ثم أخفضت صوتها وهي ترجع للوراء بعد أن حدقها، لتكمل بصوت واهن:
– هو أنت اديتني فرصة حتى أتنفس.
وضع يده على كتفها وهو يأخذها بعيدًا عنهما يصالحها بكلماته التي تعزف على أوتار قلبها.
تبعد “توتا” عن “حازم”، وتجلس على المقعد تأخذ أنفاسها المتقطعة، فاقترب منها مرددًا:
– ها فكرتي هنعمل شهر العسل فين؟!
أجابته بعنف وبكل غضبها المشحون التي كانت تكتمه بشق الأنفس تنفجر في وجهه:
– مش ناقص غيرك يا دون يا مبصبصاتي اللي أحدد معاه مستقبلي هيكون إزاي.
ضحك بقوة حتى برزت أسنانه كلها:
– ماشي يا مصلحجية، هنروح من بعض فين! بس افتكري المرة الجاية إن الدنيا هات وخد، مش هات بس.
– امشي غور، ولا أقولك استنى.
حدقها بسعادة، فرمت عليه سترته:
– كده ما يبقاش ليك حاجة عندي، امشي.
– طيب فكري لترجعي في كلامك تاني.
جزت على أسنانها بغيظ وهي تركض تضربه، لكنه سابقها وأغلق باب المنزل فور خروجه.
في الصباح الساطع تسير “كارما” و”زينة” بالنادي، وعقلها يصيبه الجنون، محاولة أن تتصل “بمستقبل”، لكنه لا يستجيب للرد.
وفجأة تجمدت مكانها، بدأ انفجار نيران الغيرة بقلبها والغضب يستحوذ على عقلها، وقبل أن تركض تمسك كف يدها “زينة”:
– استني بس نفهم منه.
كان “مستقبل” يجلس على أريكة وبنت تجلس جانبه مستندة برأسها على كتفه، وهو يضع يده على ظهرها.
تعالى صوت “كارما” وهي تجذب يدها بقوة من يد “زينة” التي تشبثت بها بكل قوتها حتى لا تتركها، التفت “مستقبل” برأسه وهو ينزع نظارته الشمسية، فنهض مسرعًا حين رآها.
اقترب منها قال بوجه خالٍ من الفكاهة:
– أنتي فاهمة غلط.
– أحسنلكم سيبوني أمشي أحسن جنان الدنيا اللي فيا يطلع عليكم كلكم في النادي.
قالتها بعصبية مفرطة، فردت عليها “زينة” بنبرة هادئة:
– كاري مش هينفع أسيبك وأنتي كد…
قاطعتها بصرخة قوية وقبل أن تكمل، أبعد “مستقبل” “زينة” من أمامها وهو يرفع كفه لـ”كارما” حتى تهدأ، فتركتهما وانصرفت ودموعها تنحدر من شلال عيونها بقوة.
وقفت “زينة” قبالته تعقد ذراعيها ناطقة بوجوم:
– ليه يا مستقبل تجرحها وتوجع قلبها، وكل مرة وجع أكتر من اللي قبله، اوعى تفتكر علشان كل مرة بتسامح وبترجع وبتتنازل يعني هتكمل.. حافظ عليها؛ لأن مش هتلاقي في الدنيا دي كلها حد يقدر يستحملك زي كاري.
– والله أنتوا فاهمين غلط، دي صاحبتي.
قالها وهو يشير إلى صديقته التي نهضت وهي تمسح بقايا عبراتها، فانضمت إليهما قائلة بنبرة ضعف وانكسار:
– دي خطيبتك يا مينو.
– لا، واحمدي ربنا إنها مشيت قبل ما تسمع مينو دي.
قالتها “زينة” بحدة وضيق، فقال بصدق:
– يا زينة دي صاحبتي من أيام الابتدائي، وباباها عمل حادثة ومات، وخطيبها أول ما عرف إن كل الفلوس اللي عندهم محجور عليها سابها، فهمتي بقى.
– لا أبدًا، كارما هي عصبية بس بتصفى بسرعة. البقاء لله، ربنا يقويكي ويصبرك.
قالتها “زينة” وهي تبسط يدها تصافحها، صافحتها الفتاة ثم قالت لـ”مستقبل”:
– لو تحب أكلمها أفهمها ما عنديش مشكلة.
– لا روحي ارتاحي أنتي واعملي زي ما قولتلك، وأنا زي أخوكي وتحت أمرك في أي وقت.
– ميرسي لذوقك يا مينو، بااي.
ذهبت الفتاة وعلى وجهها الانكسار، فقالت “زينة” بشفقة:
– يا حرام البنت دي صعبانة عليا أووي.
– بنت طول عمرها لوحدها ويوم ما جت تتسند على راجل طلع فردة شبشب، المهم هروح لكاري.
– طيب خليني أفهمها أنا الأول.
هز رأسه بنفي وهو يجلس على أقرب مقعد يسند رأسه على يده من كثرة الصداع، ويقول بمزاح عكس ما بداخله:
– لا بلاش لتناولك شلوت تطيرك، احنا مش ناقصين.
أومأت رأسها بتفهم وقاما معًا يوصلها، طول الطريق كان صوت الصمت يستحوذ على العربة، فهو ذهنه مشغول بتحضير كلام يلقيه على حبيبته حتى تسامحه، وهي اشتاقت للذي سلب روحها وعقلها من سنين.
رواية غرورها جن جنوني الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ابتسام محمود
وعندما أوصلها لمنزلها، ترجلت بخفتها وقبل أن تنصرف وضعت يدها على كتفه تخبره:
– حاول تستحمل أي حاجة تحصل منها وأنت بتصالحها، كاري بتحبك وعلى قد حبها موجوعة.
– ما تقلقيش، كاري مش حبيبتي وبس دي بنتي ونبض قلبي.
قالها وهو يربت على يدها، قلبها اطمأن وانصرفت وعلى وجهها ابتسامة، لكن اختفت سريعًا حين رأت “وجود” يدخل منزله بالعربة وبجواره “كاميليا”، ضربت الأرض غيظًا ودخلت لمنزلها وهي تهمهم بطلاسم غير مفهومة.
دخل “مستقبل” فيلا “فادي” وتقابل مع أخويها؛ تنهد “سليم” بقوة ملحوظة، وابتسم له ابتسامة صفراء وانصرف لداخل الفيلا، تقدم إليه “أنيس” بابتسامة صافية عذبة تشبه ملامحه وشخصيته الحنونة، رحب به ودخلا معًا للداخل، فقال “مستقبل” بعد أن صافح جميع من في المكان:
– ممكن أكلم كاري.
فتفوه “سليم” بسخرية:
– ويا ترى إيه سبب الخناقة الجديدة؟ ولا هو هو نفس السبب بتاع كل مرة.
كانت تسمعهم “كارما” من غرفتها، مسحت دموعها بكم “التيشرت” ونزلت على السلم وهي تهرول، تقول وهي تبلع ريقها وتحاول ضبط أنفاسها:
– أصلًا مفيش خناقة ما بينا يا أبيه سليم، فوني كان مقفول وأكيد قلق عليا.
– أمممم مقفول!
قالها “سليم” وهو يرمقها بسهام أنظاره الحادة، وتركها وهو يحاول كتم غيظه من غباء أخته، فذهبت خلفه زوجته وهي تحمل ابنهما تهدئه وقبل أن تنصرف قالت:
– ما تزعليش منه يا كاري أنتي عارفة إنه بيخاف عليكي من الهوا، ربنا يصلح حالك.
أغمضت عينها تحبس دموعها على تصرفه معها أمام خطيبها، فكان “مستقبل” يتطلع إليها بحب ووجهه يسرد لها ألف اعتذار، فتقدمت من الجميع تقول بجمود:
– أنا كويسة يا مستقبل، اتفضل امشي.
– يمشي! في واحدة تكلم خطيبها اللي هيتجنن عليها بالطريقة دي؟!
قالتها “دانية” بإحراج وهي ترمقها بعتاب، فتدخل في الحديث “أنيس” وهو يأخذ والدته بين ذراعيه بعدما شعر بمشكلة حقيقية بينهما:
– تعالي لما اغلبك كام جيم، وسبيهم يتصافوا مع بعض.
وهي تمشي معه تقول بهمس:
– قلبي مش مطمن في حاجة ما بينهم.
دخلا حجرة البلاي ستيشن:
– ومن إمتى مفيش حاجة ما بينهم؟ ما الكل عارف إنهم بيدوبوا في بعض دوب.
– لا ما اقصدش كده.
– سبيهم يحلوا مشاكلهم مع بعضهم، هما واخدين على كده.
تنهدت وهي تدعي الله لهما أن يهدي سرهما ويريح قلبهما.
إيه هتفضلي واقفة بعيد عني كتير!
نطق “مستقبل” وهو يبسط يده لها، فتخبره بدموع:
– لو سمحت امشي، ولا قادرة اتكلم ولا اقف.
– ممكن بس تسمحيلي أفهمك وامشي.
– تفهمني إنك وصلتني لإني ما اقدرش أبص في وش أهلي، أنا اتحديت عشانك أبويا وأخويا سليم، وأنت دماغك دي في الالا، أنت عمرك ما هتتغير فأرجوك سيبني، مش هنكر إني هتعب، بس هقدر اداوي أوجاع قلبي مع الأيام.
قالتها بوجع عميق داخل قلبها وبنبرة مبحوحة، وبأنفاس متقطعة، فكانت شهقاتها كالسكين الباردة يمزق قلبه إربًا، فتقدم هو يقف في قبالتها، وقال بترجٍ:
– ممكن نطلع بره، مش قادر والله أشوفك كده وأنتي بعيدة عن حضني، دموعك بتقتلني يا كاري بعد إذنك اطلعي معايا، ولو كلامي ما عجبكيش هي خطوتين هترجعيهم تاني، علشان خاطر أحلى أيام ما بينا.
أخذت نفسًا وهي تشهق ومرت أمامه فتابعها حتى وصلت للأرجوحة المفضلة لها وجلست عليها تمسك بها بقوة كالطفل، أردف بحزن حقيقي:
– فاكرة المرجيحة دي، وقتها كُنتي صغيرة وبتعيطي ونفسك تروحي الملاهي وعمو ما كانش فاضي، ما استحملتش أشوف دموعك، اشتريت بمصروفي الحبل دا والخشبة دي، وعملتها مخصوص ليكي.
فتكمل هي بحزن حقيقي:
– ومن وقتها كل ما أكون مضايقة أو بعيط أقعد عليها يا مستقبل.
– ما كنتش عارف إن ممكن في يوم هتقعدي عليها ودموعك بتنزل بسببي، أنا فعلًا بنهار لما بشوف دموعك، وأنتي عارفة كده كويس، بلاش تضغطي على أعصابي وارحميني، وياريت تسمعي مني.
تقابلت أعينهما في عتاب ولوم، كل منهما يعاتب بطريقته، فهي مذبوحة من كثرة علاقاته، وموجوعة من تكرارها. أما هو، عتابه على عدم ثقتها فيه، فهي لا تعلم مقدار حبه لها، وأنها تسكن بداخل ثنايا وجدانه، ولا أحد غيرها يسري بداخل شريانه؛ فهي النفس الذي ينتفسه ويحيا به. طال الصمت بينهما حتى تشجعت وقالت بنبرة مخنوقة ترغمها أن تخرج من حنجرتها:
– أفهم إيه ولا إيه؟! أنا خلاص تعبت من كتر الفهم وتكبير دماغي، بالله عليك ما تحسسنيش إني رخيصة قدام نفسي أكتر من كده.
– كاري اوعي تقولي كده على نفسك، حبك والله بيمشي في شرياني.
– مستقبل أنا أفهمك.. خلينا في آخر مرة، كنت بتكلم وسام وطلعت راجل، وبالنسبة للمرة دي؟! دي كمان راجل برضو؟! بس لو طلعت راجل وبالشكل دا أنا احتقرك أكتر.
– طيب استهدي بالله وافهمي.
– مش عايزة أفهم حاجة.. وسيبني في حالي بقى.
قالتها وهي تقف، فتنهار تقع على الحشائش ودموعها تنهمر من مقلتيها، تبكي بحرقة. اقترب منها وقلبه يعتصر:
– ممكن اعرف ليه مش بتثقي فيا؟
نظرت له بوجع وحرقة:
– وأنت من إمتى كنت مش بتاع بنات؟
– بس أنا اتغيرت.. صدقيني.
– الثقه يعني الأمان، وأنا ما بقيتش أحس معاك بالأمان.
أغمض عينيه بحزن وقال بصوت واهن:
– شوفي إيه يرضيكى واعمله.
بكت بقهر وهي تكوِّن جملتها:
– سيبني يا مستقبل.
– كده بتحكمي عليا بالإعدام.
– وأنت دمرت قلبي.
– دا آخر اللي عندك.
هزت رأسها بالتأكيد فقام وهو يغمض مقلتيه بوجع.
مضى أسبوع على فراق الأحبة، واستيقظت الشمس من غفلتها تهدي أشعاتها الساطعة للأرض التي أصبح بها كل شيء مظلمًا كالقبور؛ فاليوم موعد زفاف “توتا” و”حازم”، تقف على أعتاب غرفتها كالبدر، ملامحها جميلة ويزيدها جمالًا مساحيق التجميل التي وضعتها لها “كارما” بكل مهارة رسام محترف، تشبك يدها ببعضهما بتوتر وارتباك حتى أتى إليها والدها بطلته الحنونة، ضمها وقبل جبينها ثم ترجل بها للأسفل، فاقترب منهما “حازم” فور رؤيتها، وقبل أن يمسك يدها تنظر لوالدها ومقلتيها يتساقط منهما قطرات دموعها، اقترب منها أخواها ووالدتها يعانقونها بحب، يقف “حازم” ويحاول التمسك بمعون الصبر، ويرسم على ثغره ابتسامة برغم حزنه على من أحبها قلبه وهي لا تبادله مثقال ذرة من هذا الحب، بعد وقت أذن له “مهيمن” أن يمسك يدها، وضع يده حول خصرها ومشى بها خطوتين حتى يجلسا مكانهما فأعلن بصوت هادر صارم:
– ممكن كفاية عياط.. الناس هتقول إني خاطفك مش بتجوزك.
– اخرس أنت خالص يا عديم الإحساس.
قالتها وهي تزداد في بكائها، مسح وجهه الغاضب وفضل الصمت في هذا الوقت.
يقف “مستقبل” بعيدًا يختلس النظرات إلى عين خطيبته، كيف لا ينظر إليها فعيونها مثل بريق النجوم المنتشرة في سماء صافية في ليلة من ليالي الصيف، فهي تقف بثبات وثقة تضحك مع المدعوين بمرح مصطنع، وعندما أتى موعد كتب الكتاب، اقترب الأخوان إلى جانب أختهما الجالسة بالمنتصف بين والدتها وأبيها الذي يجلس بجوار المأذون، الذي أمسك يد “حازم” وكان يجلس بجواره من الجهة الأخرى وتجلس بجانبه والدته وعلى وجهها السعادة، ثم أمسك المأذون يد “مهيمن” وكتب الكتاب، فأمسك بطاقة “توتا” يسجل اسمها، فسمع “حازم” اسمها بالكامل وأنها ابنة “مهيمن” بالتبني، رمش بحدقته عدة مرات بصدمة قبل أن يرمق والدها الذي ابتل وجهة بقطرات العرق، نهضت “نايا” ومشيت بعيدًا فهي لم تتحمل رؤية ابنتها عند سقوط الكلمة على مسمع الجميع، لاحظ “حازم” ارتباك الجميع، فقبض “مهيمن” كف ابنته بين يده اليسرى؛ لأنها عندما سمعت كلمة بالتبني أصيب جسدها بالقشعريرة ولمعت الدموع بعينها، كأنها نسيت ما عرفته من قبل عن طريق الصدفة أو أرغمت نفسها على النسيان، رفع “وجود” يده على كتفها وضغط عليه، في أثناء جلوس “مستقبل” أمامها على ركبته يمسح دمعه حارقة نزلت على وجنتيها، يبلغها بحب:
– مبروك يا أحلى أخت وعروسة.
اشتد على “أخت” حتى تعلم أنها ستظل أختهما مهما حدث، وفرد من أسرتهم حتى النهاية. ابتسمت له ثم وضعت يدها اليمنى على يد أبيها التي تحاوط يدها اليسرى بقوة، ثم أمسكت يد أبيها بيد واحدة وسحبت الثانية تمسك يد “وجود” التي توضع على كتفها، فهما بمنزلة الدنيا وما فيها لها، ولا تتحمل الاستغناء عنهما لحظة، ثم تقدمت إليهم “نايا” بخطوات سريعة بعد أن جففت عبراتها وأخذتها في عناق حنون، كانت “نهال” تكاد أن تطير من فرحتها، فهي تعلم أن ابنها يحب “توتا” من أول يوم لها على وجه الدنيا، باركت له ولم تأخذ بالها من صدمته، كانت تظن أنه يعلم هذه الحقيقة، فهو تصنَّع السعادة ولامبالاته باحترافية، وكان يقف طوال الحفل بعيدًا عن “توتا” حتى يترك لها مساحة بالفرحة والسعادة مع أسرتها وأصدقائها التي كانت تضحك وترقص معهم وفضلتهم عليه، فاختيارها بالفرح بعيدًا عنه يعذبه، لكنه كان يريد أن يراها في هذه الليلة سعيدة بشتى الطرق. كان “وجود” ينظر شزرًا على “زينة” التي ترقص وتتحرك بخفة مع باقي الفتيات، فتقول “كاميليا” التي تجلس بجواره:
– فستان زينة بيئة طحن.. في بنت تلبس أحمر، شكلها فهمت إن دي حفلة تنكرية مش حفلة زفاف.
أجابها وهو يمسك كوب عصير بين يده:
– شاغلة بالك بيها ليه؟ أكيد عاجبها.
ردت عليه بضيق:
– أنا أشغل بالي بدي!
– طب خلاص فكك منها.
– أنت شايفني ماسكلة فيها، أنا بقول على اللي فاكرة نفسها ملكة جمال العالم.
أخبرها بصوت صارم حاد:
– تفتكر اللي تفتكره، ولما تقولك البسي على مزاجها يبقى ليكي الحق تتكلمي.
كزت على أسنانها بغيظ، وهزت رأسها:
– عندك حق.
قام من جوارها وذهب يقف مع “حازم” الذي يتفنن في رسم ابتسامته، لكن صديقه يعرفه جيدًا ويعلم أن بداخله فيضان يغرق بلاد، فتفوه بمشاكسة:
– شكل العريس مش راضي عن اللي بيحصل ونفسه ياخد عروسته ويكت.
التفت إليه وهو يعوج شفتيه بغيظ ويهز رأسه بتأكيد، ضحك “وجود” على صراحته وانسحب يجلب “توتا” من يدها من بين المعازيم وأصدقائها، وأوقفها بجانب “حازم” وبارك لهما، ثم انتهى الحفل بالأغنية المعتادة. هرول الجميع بالقرب منهما وتبادلا العناق، لكن “مستقبل” لم يتركها وظلا معًا ممسكين ببعضهما بقوة، كان يدق داخل عقل “حازم” أجراس الإنذار بأن لا يتهور حتى يفهم كل شيء، فكل ذلك يظن أنها ابنة “نايا” وهما أخواها من الأم. نعم، وهو لا يهمه إلا هي، لكن عليه بالتأكد؛ لأنه لا يسمح لها أن تقترب من أي رجال ليس من دمها، أخيرًا أخذها “مهيمن” يضمها، لكنه اقترب مهرولًا يقف بينهما وأمسك يدها بابتسامة تخبرهم جميعهم برحيله مع عروسته. صعدا العربة، كان الصمت سيد الموقف، نظرت هي من نافذة السيارة تفكر كيف أصبحت في لحظة بعيدة عن حضن عائلتها التي لم تتذكر غيرهم؟ وهو أيضًا يفكر كيف لم يعلم كل هذا الوقت أن البنت الذي دق قلبه لها لم تكن من صلب “مهيمن”، فهو لا يهمه من هو والدها، لكن الذي يشعل النار داخله كيف يتركها طوال الوقت في بيت رجل ليس من دمها، كاد عقله أن ينشق من كثرة التفكير في حبيبته التي يغار عليها من الهواء.
بعد انتهاء الحفل وقفت “كارما” تحدث “زينة”:
– شيك أووى الفستان دا، على ما أظن دا نفس الفستان بتاع حفلة…
فهبت الرياح قبل أن تجيبها، فتطاير شعر زينة في الهواء حرًّا، نظر عليها مَن يراقبها بنظرات أخاذة، لقد غرق مع تلك الأمواج التي طارت مع الرياح، تمنى لو تركت شعرها منسدلًا حتى يصل عطره لأعماقه، فاقترب وهو يمسك يدها، التي تقوم بحزم شعرها كأغصان الأزهار، متمنيًا أن يغرق رأسه بداخله، فيحمحم ويقول بابتسامة:
– على فكرة شعرك وهو متساب أحلى بكتير.
اصتبغ وجه “زينة” بالخجل، لكنها تركت عنان شعرها وابتسمت برقتها المعهودة التي تختلف عن طبعها الجديد في أواخر أيامها، ثم تطلع إلى “كارما” مجيبًا عن سؤالها الذي سألته منذ قليل:
– لا غيره.
فنطقت “كارما” بصوتها الجهوري بسعادة:
– الله الله الله، مش واخدين على كل التركيز دا منك.
رفع حاجبه الأيسر وهو يرد عليها وعلى وجهه ابتسامة:
– مش يمكن معجب.
اتسعت عين “زينة” من الكلمة ودقات قلبها تسارعت بالخفقان، فتقول “كارما” بمرح وهي ترى من ذهلت عقب سماعها الحديث وتسمرت مكانها:
– ما كل حاجة بتبدأ بالإعجاب يا بيبي.
كاد أن يتفوه بالسعادة نفسها التي تظهر على ملامحه، لكن يد “كاميليا” منعته من أن يقول حرفًا، أمسكت يده وذهبا من أمامهمن، فنطقت “زينة” بفرحة وهي تقفز من فرحتها:
– قال معجب بيا، ياس ياس ياس.
فتقول “كارما” بضحكة شريرة:
– ومش بس كده السكر سمعته.
ضاقت عينها بقلق:
– يالهوي، أنت فرحانة يا كاري.
علت ضحكتها لتخبرها بثقة:
– دا أنا هطير من الفرح إنها سمعت، سمعتيني وأنا بتريق عليها وبقوله يا بيبببي.
خافت مما سوف يحدث، برغم عشقها “لوجود” لكن طبعها الهادئ يجعلها لا تحب فعل المكائد:
– أنتي جيبتي الشر دا كله من فين؟
– مش جديد الشر عليها، ما هي شريرة طول عمرها.
هكذا أبلغهما “مستقبل”، فترد عليه “كارما” وهي تربع يدها وتعوج شفتها بقرف وغيظ:
– من بعض ما عندكم، ما أنا تلميذتك يا مستر.
– والنبي اوعى تشيلني هم على همي، ولا تنكدوا عليا كفاية اللي أنا فيه، ويلا تعالى وصلني لحد البوابة لأني خايفه أمشي لوحدي الخطوة دي.
– سبحان الله خوافة وبتروحي جنب النار.
قالها وهو يتقدم بخطواته أمامها ويضرب كفًّا على كف، جرت حتى مشيت بجواره قائلة بنبرة بها توهان وحب:
– بحبه يا مستقبل.
وصل العروسان إلى منزلهما الصغير، حين دخل فك ربطة عنقه بقوة وألقاها على الأرض بإهمال، وضرب بيده على أحد المقاعد، وصعد درج السلم الذي يوصله إلى غرفته، بدون أن يتفوه ببنت شفة، حتى يحاول أن يهدئ من نفسه بمفرده قبل الحديث معها في أي شيء، كانت هي تنظر إليه باستغراب. وعندما صعد نظرت حولها وجدت صالة كبيرة يوجد بها ركنة وصالون مودرن، وحمام ومطبخ أمريكاني، ولم تجد مكانًا تنام فيه، صعدت خلفه بعصبية حتى تنام بأي غرفة من الطابق الثاني، لكنها لا ترى غير باب غرفة واحدة، ظنت أن يكون بعد هذا الباب غرف متتالية، فتحت الباب بعنف وجدت بداخلها غرفة واحدة كبيرة، وكان هو مستلقٍ على الفراش بثيابه، وحذاؤه ما زال بقدمه، فقالت باستغراب:
– ممكن أفهم أنت بتعمل إيه وسايبني؟!
رواية غرورها جن جنوني الفصل السادس عشر 16 - بقلم ابتسام محمود
رمقه بضيق لسؤاله الغريب وغير المنطقي، استقام فخلع حذاءه ثم نام مرة ثانية على الفراش وأبلغها بنبرة بها حدة:
– كده على ما أظن وضح هعمل إيه.
– أنا مالي أنت هتنيل إيه.. أنا عايزة أنام، ممكن أعرف هنام فين في البيت اللي شبه علبة الكبريت دا؟
نظر حوله ثم قال:
– مفيش قدامك أي خيار غير السرير دا.
كادت أن تتفوه، لكنه أخرسها بقوله وهو يشير نحو الباب الذي يوجد آخر حجرته:
– وقبل ما تتكلمي مش عاجبك ادخلي نامي مع الهدوم في الأوضة اللي جوه، يا تنزلي تنامي على الكنبة تحت.
– يا سلام على ذوقك العالي، أنت جايبني من بيت أبويا علشان تمرمطني وتنيمني على الكنبة.
نهض بعد أن استحوذت عليه العصبية بقوة مرددًا من بين أسنانه:
– مع إني قلت ليكي من البداية غير كده، بس ما علينا بلاها كنبة وأرجع اعيد كلامي.. تعالي نامي على السرير.
تنحنحت وأردفت بمسكنة وتمثيل:
– كنت متأكدة من نبل أخلاقك العالية، اتفضل يلا انزل نام تحت.
– نبل مين وأخلاق مين اللي عالية، ومين دا اللي ينزل ينام تحت؟ بت أنا دمي بيغلي، ومن الصبح بحاول أسيطر على نفسي، فابعدي عن وشي أحسنلك.
– وإن ما بعدتش؟
قالتها بحدة واستفهام، وهي تضع يدها على خصرها، فيقول بنفاد صبر:
– هولع فيكي وفيا وفي البيت كله علشان ترتاحي.
– والله! وأنت كده مقتنع إني ارتحت وبالك هيكون مرتاح وأنت ميت محروق؟
نهض ليمسك وجنتيها بغيظ، ويقول لها بتحذير:
– توتا أنتي عايزة مني إيه؟
– واحدة زيي تفتكر هتعوز منك أنت إيه؟
– حلو أووي، كده فل. أنتي ومش عايزة مني حاجة وأنا مش عايز منك حاجة يبقى اتفضلي وريني عرض قفاكي.
قالها وهو يزج بها لخارج الحجرة، فتستدير تبعد يده وتقول:
– أنا عايزه أنام هنا.
أغمض عينه وقبض يده بقوة وقال من بين أسنانه:
– نامي.
– أكيد مش هنام جنبك، أنت مفيش دم نهائي.
– وأنتي مفيش إحساس ولا دم ولا مفهومية.. دا بيتى اللي تعبت على ما عملته وفي الآخر تكرشيني من أوضتي اللي دافع فيها دم قلبي.
نظرت للمنزل بعين متفحصة، ولوت شفتيها يمينًا ويسارًا ثم قالت بسخرية، وهي تمصمص شفتيها كالنساء الشعبيات:
– اللي يسمعك يقول قاعد في قصر، دا مش مكمل حتى شقة محترمة.
أردف وهو يلوح بيده:
– ودا اللي عندي، لو مش عاجبك…
– آه كمل لو مش عاجبني اعمل إيه؟
رد عليها بنبرة جديدة بها حزن وألم:
– ما اقدرش حتى أتمنى ليكي حاجه توجعك، اتفضلي نامي.
ثم تركها بملامح حادة وجسد متشنج العضلات، وقبل أن يصل إلى الباب التفت لها يخبرها بتساؤل وضيق:
– أنتي ليه ما قولتليش قبل كده إن كابتن مهيمن مش أبوكي؟
تلألأت الدموع داخل مقلتيها وتفوهت بصوت به بحة بكاء:
– مهيمن هو بابايا وعمري ما حسيت بغير كده، ولو سمحت ما تتكلمش في الموضوع دا تاني، تمام.
– لا مش تمام، أنتي دلوقتي مراتي وبعد إذن حضرتك كلامك مع أي راجل غيري يكون بحدود؛ لأن ربنا وحده يعلم أنا من ساعة ما عرفت وحالي إزاي.
قال كلامه بعصبية مفرطة، وعندما أخرج آخر حروفه الحادة ترك لها الغرفه بأكملها، رمت جسدها على الفراش وأجهشت في البكاء، فكلامه أدمى جرحها الغائر الذي كانت تحاول أن تداويه. نعم، الكثير من البشر يكرهون الكذب ويبتعدون عمن يتصف به، لكن بالنسبة لها كانت تريد أن لا تُكتشف الحقيقة، وتكمل ما عاشت به وتستمر في أفضل حقيقة بالنسبة لها، لكن دائمًا القدر يلعب دوره بحياتنا ويعرفنا أشياء ويتعمد لفت انتباهنا وتذكيرنا بإنها كذبة، وبرغم معرفتها بالحقيقة ما زالت أجمل كذبة عاشت بداخلها، وتمنت ألا تُعرف الحقيقة يومًا.. وبقيت عمرها بأكمله داخل أعظم كذبة تمتعت بها وستظل تحبها، برغم علمها بها.
تسطح “حازم” على أرض الحديقة التي تحيط المنزل الصغير، ينظر على ضوء القمر الخلاب الذي يملأ المكان، فهو يشع طاقة أمل داخله دائمًا. كم يعشق النظر إليه مثل كل العشاق اللذين يجتمعون تحت ضيائه حتى يوحي لهم بكل معاني الحب وحروفه! إلا هو؛ يجتمع دومًا هو والقمر بمفردهما يروي له بما يكنه قلبه لها، حتى يصعب عليه حاله ويسرد هو بدلًا منه كل رسائله لها.
صعد “مستقبل” غرفته وقبل أن يدخل تذكر ما حدث من قليل وذهب لأخيه يفتح الباب عليه يقول بدون أي مقدمات:
– هي كاميليا قالتلك حاجة النهاردا.
– عن إيه؟
– لا بسأل.
– وهو فيه حد يفتح الباب كده ويسأل حد على خطيبته، ما تنجز وقول فيه إيه؟
حك مقدمة رأسه وهو يفكر سريعًا ويجيبه:
– أصل لاقيتك واقف مع البنات وعارف إنها بتغير لما تشوفك معاهم، وبعد كده دخلت أوضتك على طول، وأهو شكل خلقتك مقلوب.
زفر أنفاسه بحنق ويرد عليه:
– لا ما اتكلمتش أصلًا عن حاجة خالص.
– طيب كويس، تصبح على خير.
– وأنت من أهله يا عم وكيل النيابة.
لم يتحرك من أمامه وسرح وهو يحدث نفسه:
– يا ترى ناوية على إيه يا كاميليا، مش عوايدك تسكتي وكمان تسمعي وتتجاهلي وتعتبري الموضوع ولا كأنه حصل، لا دا مش طبعها، هي أكيد ما سمعتش وكاري هي اللي فهمت غلط، بدليل إنها أخدته من وسطهم زي عوايدها بقلة ذوق، أيوه كده صح.
كان يتطلع به “وجود” وقال بصوت مرتفع:
– مش قلت من ساعة تصبح على خير، سرحت في إيه يا مندوب أبليس.
نظر إليه وهو يفكر بصوت مسموع:
– أنا عايز أعمل حاجة مجنونة بكرة أصالح بيها كاري.
– وإيه الجديد ما أنت كل حاجة بتعملها مجنونة.
– محتاجك معايا تساعدني في شوية حاجات.
كان الدور على “وجود” في الشرود، فأردف “مستقبل”:
– وصلت لحد فين؟
ابتسم ابتسامة لها مغزى وهو يرد عليه:
– معاك طبعًا يا شق.
– أصلي يا شق.
ظل الجميع بلا استثناء يفكرون ويدبرون مع ذاتهم خططًا للأيام القادمة. أتى نور الصباح المشرق، صعد “حازم” وطرق بابها بهدوء:
– ممكن تقومي تجهزي علشان هنبدأ تكثيف تمرين من النهاردا.
أجابته بنبرة مبحوحة:
– اتفضل أنت امشي.
أغمض عينه وتمنى أن تقيد أنفاسه ولا تكون هي على هذه الحالة، أردف بوهن:
– طيب أنا متعود اسمع صوت غير دا، أفهم من كده إن أنتي بتعيطي؟
ابتلعت ريقها ومسحت وجهها الباكي بسرعة وهي تقول بحدة:
– لا تفهم من كده إنك صحيتني من نومي.
أخذ أنفاسه ثم قال:
– تمام، أنا هستناكي.
– انزل أنت هخلص شوية حاجات وهحصلك.
زفر أنفاسه بحنق وهو يضرب بيده عرض الحائط، قبل أن يتفوه:
– براحتك يا توتا، يا ريت ما تتأخريش.
استيقظ “مستقبل” وأخذ أخاه الذي تجاهل اليوم خطيبته تمامًا، وذهبا إلى كافيه تجلس به دائمًا “كارما” “وزينة” وباقي أصدقائهما، يصنع منصة متوسطة الحجم ويغطيها بأكملها، أخذا وقتًا كبيرًا في صنع المنصة.
تجلس “نايا” مع زوجها على الأريكة بالصالة وتضع رأسها على قدمه وهو يمسد على شعرها بحنان بكف يده، وتقول بابتسامة عريضة تنمّ عن سعادتها:
– أخدت بالك من تجاهل وجود للممرقعة.
ابتسم ابتسامة جانبيه وهو يضع مقدمة أنفه على أنفها:
– أحبك يا لماح.
ضحكت بقوة وهي تنهض تصفق بطبعها الجنوني:
– أنا فرحانة أووي، مش بتنزل من هنا.
قالتها وهي تشير بكف يدها الي حلقها. واذا بها تتفاجأ بمن اقتحمت عليهما خلوتهما، ذات البشرة الملونة بجميع ألوان الطيف حتى بالصباح، وتقول بتساؤل بعد أن ألقت عليهما الصباح:
– وجود فين؟ شكله لسه نايم هطلع أصحيه.
وقفت “نايا” مسرعة على قدمها بعدما نظرت لزوجها بدهشة وأخبرتها بحزم:
– هو أنتي يا سكر بتسألي وتردي على نفسك؟
أردفت بتعالٍ وأنف تكاد تصل للسماء:
– طالما مش هنا يبقى فوق.
– بجد؟
قالتها “نايا” وهي تربع يدها وترفع حاجبيها عاليًا وتعوج رأسها بتساؤل، فوضحت “كاميليا” وهي تلعب بشعرها صاحب اللون المستعار وبنبرة ثقة وغرور:
– يا أنط أنا متأكدة إن وجود مش هينزل ويسبني، ثقة بقى في حبيبي.
قالت حديثها وهي متعمدة إغاظتها، فهي تعلم تمامًا بعدم تقبل جميع أفراد أسرته لها، تنهد “مهيمن” بضيق ونهض يضع يده على كتف “نايا” التي اشتعلت بها النيران من صفاقتها، قائلًا بثبات وببرود:
– شكله نسي يقولك إنه هينزل مع أخوه النهاردا، أو أنتي اللي نسيتي إنه قالك، وفي كلتا الحالتين أنتي اللي غلطانة.
أرجعت خصله من شعرها المتبعثر وابتلعت ريقها بإحراج، تقول بنبرة بها دلع مصطنع بعد أن سعلت:
– آها صح هو قالي قبل ما ينام، أصل طول الليل كان بيكلمني، وبصراحة مش فاكرة غير كلامه اللي بيوصف بيه جمالي وحبه ليا.
فكانت “نايا” ترمقها بعين تحمل الشرار، فأحاطها “مهيمن” بذراعه بقوة حتى لا تنقض عليها تفترسها، وسألتها من بين أسنانها ساخرة مع ابتسامة تحمل الكره:
– والله؟
فأجابتها “كاميليا” بعنجهية قبل أن تنصرف:
– والله.
وعندما انصرفت، ترك مهيمن زوجته وهو يزفر أنفاسه بحنق، فأطلقت هي عنان صرخاتها المستشيطة غيظًا، فقال “مهيمن”:
– داهية في تقل دمك.
فحدقته “نايا” بغل متمنية أن تخنقها:
– البت دي ناوية على موتي.
وضع يده على ثغرها وبصرها بنظرات عتاب وأردف بهمس حنون:
– بعد الشر عنك يا قلب قلبي، إياكي تنطقي وتقولي على نفسك كده تاني.
شعرت بحزنه وتأثره فردت وهي تعانقه:
– آسفة يا حبيبي بس هي مستفزه أووي.
ضمه بتملك مرددًا بثقه وتأكيد:
– إن شاء الله مش هتكمل مع ابنك، ودا الواضح من تصرفاته اليومين دول.
رفعت رأسها من على صدره العريض بتساؤل:
– تفتكر اكتشف حقيقتها وإنها بتستغله مش أكتر.
رفع حاجبه الأيمن وهو يبتسم ويجيبها بسعادة:
– أفتكر إن قلبه دق بجد والله أعلم.
دق قلبها بسرور وكاد أن يقفز من مكانه:
– يا رب اللي حاسة بيه يكون صح.
– إن شاء الله، ويلا انزلي كملي شغل في اختراعك.
أردفت بحزن:
– زعلانة أوي على توتا.
– وإيه لزوم الزعل.
– أنت مستهون الكلمة اللي اتقالت قدام الناس امبارح.
– الناس كلهم اللي كانوا موجودين عارفين إنها بنتي بالتبني.
– بس عيالهم لا.
أخذ أنفاسه وهو يردف:
– نايا اللي حصل حصل واتفضلي روحي شوفي شغلك، عايزين نفوق شوية لبعض زي زمان.
وضعت قبلة على وجنته بعدما قالت:
– حاضر يا حبيبي.
بعد أن انصرفت “كاميليا” من فيلا “مهيمن”، ظلت تمشي بالشوارع ودموعها تنحدر بقوة وصوت شهقاتها يصم الآذان حتى مسحت عبراتها وتفوهت بامتلاك:
– أنت بتاعي أنا وبس يا وجود مهما يحصل هتكون ليا أنا في النهاية، ولو مش بمزاجك هيبقى بمزاج أهلك اللي بيكرهوني من أول يوم.
ثم أكملت بصوت كالفحيح:
– كده الجيم بدأ، لما نشوف يا “وجود” الجيم أوفر هتبقى لصالح مين.
بعد ساعات في الكافيه الذي يجلس فيه “مستقبل” ويحضر مفاجأة، حضرت “كارما” “وزينة” ومجموعة من أصدقائهما، فانسحب “مستقبل” ودخل أسفل المنصة، وجلس “وجود” على مقعد يحتسي القهوة ويتجاهلهما، فاستنشقت “زينة” عطره قبل أن تتفحص المكان، ثم تشاهده من ظهره، فوكزت “كارما” تبلغها بهمس:
– وجود قاعد هنا.
حدقتها بابتسامة وهي تتحدث بمشاكسة:
– شكل الإعجاب استوى ودخل على اهتمام كمان يا سيدي.
رفرف قلبها كالعصفور وأغمضت عينها وتمسك يدها تقول بهيام:
– تفتكري؟
– وأفتكر كمان أكتر من كده وناقصله تكة.
استدار “وجود” برأسه نحوهما ويدعي عدم معرفته أنهما بالمكان، فيضيق عينه وينهض يتفوه بدهشة:
– زينة وكارما لا مش معقول.
– آه شوفت، أكيد صدفة صح.
قالتها “كارما” بخبث، فهز رأسه بنعم وهو يبتسم.
– وهتقول ربما صدفة خير من ألف ميعاد.
هكذا كان ردها الذي يظهر عليه السخرية، فأجابها “وجود” وهو يضرب مؤخرة رأسها:
– صح كنت هقول كده، ما شاء الله عليكي لماحة وبتلقطيها وهي طايرة.
– شكلك أنت اللي تلميذ مستقبل، وعلى فكرة تلميذ خايب ومفقوس.
قالت آخر جملة وهي تلوي فمها وتشوح بيدها اليسرى وتمسك “زينة” الولهانة من يدها اليمنى وتمشيها أمامها وتتركه، وقبل أن تجلس سمعت خلف ظهرها صوت أنفاس عالية وصوت فرقعت ألعاب نارية. استدارت مسرعة، رأت مشهدًا رومانسيًّا لم تتخيل أن تراه من قبل حتى بأحلامها، بلالين تتطاير ورق الزينة يتساقط وحبيبها يقول:
– بقى أنا تخليني ألف حوالين نفسي وانزل من بيتنا الساعة ستة الصبح، وابقى مش عارف أروح فييييييين؟ ومين أصلًا يقدر يستنتج أنا رايح فين وهعمل إيه غيرك.
بعد أن زادت نبضات قلبها فرحًا، انعكس الوضع وتدفق الدم إلى رأسها حتى وصل للغليان، فأكمل “مستقبل” وهو يشير على مجموعة من البنات:
– طيب ممكن انزل اتمشى في الحتة الطرية دي، علشان خلاص دماغي هتسيح من الاستيدج.
فصعد إليه أخوه يوكزه ويقول:
– ما تركز في ليلة أهلك ديه.
فتفوه “مستقبل”:
– طب خلاص كله يركز معايا شوية.
زفر أنفاسه التي لم تهاوده على خروج حروف الاعتذار، وقال وهو يغني:
– دلوقتي بدأ الهرش وزحمة وناس بتزيد وأنا بتفعص من صم بادي مي (some body me)، طلعوا شوية من الناس دي بره، وحد يقول للقهوجي اللي عمال يحشر في الناس كفاية شوية معاليك، خف شويه معاليك.
رمقته بحدة وقررت أن تنصرف وتترك له الهرج والمرج الذي تسبب به في المكان، فتفوه بسرعة:
– أي لاڤ يو كارما.
بعد أن نطقها صمت وانتظر ردًّا منها، فأخذ منه “وجود” مكبر الصوت وصدح بقول:
– وأنا بحب بنت خالتها برضو.
بعد سماع هذه الجملة ساد الصمت لثوانٍ ثم علت الأصوات بالهمهمات بين الحضور في ثرثرة بين الجميع، ورمق “زينة” التي لم تعرف ما حدث بها؛ فشعور بالهذيان مع الجنون مع تثلج جسدها مع عرق يتصبب منها وكل هذا عبرت عنه بوقوفها المتجمد، وفتح حدقتها على وسعها وسقط فكها السفلي بذهول من غرابة الموقف، فقال “مستقبل” مستغلًا الفرصة:
– مش أنت كراش تبع كاميليا، جرى إيه يا شباب اتلموا.
فتحدث “وجود” بارتباك:
– استنى كده لما اعمل زوم عليها اتأكد مين هي.
فأبلغه “مستقبل”:
– طب يا شباب أنا لازم اخلع، لا هستنى دي البنت دي جاية عليا.
فقال وجود بضيق:
– يا عم ما تهمد شوية.
فقال “مستقبل” وهو يشير إلى “زينة”:
– طب ما تصدقيهوش دي اشتغلاية.
– ما تفوق ياض وصحصح، وانجز وقول أحسن خطيبتك تطلع جنانها علينا.
فأردف هو ينزل يقترب من “كارما”:
هي هي.. هي كاري اللي بحلم بيها طول عمري، ولا عمري حبيت غيرها وهي كيكي وتوتو وسوسو وهي خطبتي اللي هتبقى أم عيالي اللي بحبها من سنين، سو سو سو سوري كاااااااري، ياريت ما تعكننيش عليا تاني مرة.
سحقت أسنانها بنفاد صبر وصبت عليه جام غضبها:
– أنا يا أكلح ياللي تنقط بلد، كل ما تخليني انسى تزيد الطين بلة.
اقترب منها أكثر وتبادلا النظرات الشغوفة وهو يمسك يديها، فسكنت عن غضبها وأردفت بترجٍ:
– وعد يا مستقبل تبعد عن نون النسوة كلهم.
أومأ رأسه بصدق، ورفع يده يمسح دموعها التي انحدرت، فكانت عبراتها تشعل قلبه:
– بطلي بقى عياط لاخدك في حضني أطفي بيكي ناري، وإخواتك يطبوا علينا يولعوا فيا.
ابتسمت وهي تمسح مقلتيها.
– بعد الشر عليك.
ثم ضربته على كتفه، فيقول بمزاح:
– مش عايز من العقاب أبو ضرب، نفسي في العقاب أبو بوسة.
– لو شوفتك بتكلم بنات تاني اعمل فيك إيه؟
– ما أنا وعدتك، ايه لزوم الكلام دا تاني؟
– يا حبيبي دا افتراض.
– لا دا افتراء، إياكي تنطقي بكلمة.. أنا راسي ومحترم غصب عن أي حد.
تعض على شفتها السفلى وتقول بغيظ:
– طيب هو الباشا المز التقيل الراسي الغالي الخلوق المحترم، بياخد صور في حضن واحدة غيري ليه، ليكون صورة تذكارية.
– دا.. دا كان حضن عادى يعني وهي اللي طلبت، خلاص بقى وعدتك ما يبقاش قلبك أسود.
– طب تتكرر تاني يا مستقبل.
– هو صدرك دا ميعرفش ياخد نفسين على بعض، اهدي يا ماما شوية، قلت وعد وعد وعد.
وفي أثناء هذه اللحظة قفز “وجود” من على المنصة متقدمًا نحو “زينة”، التي كانت من شدة الفرحة تكاد تلمس السماء بيدها فيقول:
– على فكرة كل اللي قولته دلوقتي من قلبي، أنا مش عارف إزاي كنت شايفك طفلة.
– أحمممم طب ودلوقتي؟!
قالتها “كارما” التي تدخلت بالحديث باستفسار، فأجابها وهو ما زال ينظر على حبيبته التي خطفت فؤاده:
– أحلى وأرق وأطيب وأحن آنسة.
فنظرت “كارما” على من لا تتحرك ولا تتنفس:
– يا عم بشويش على البت، دي شكلها ماتت من المفاجأة.
– يا ست الدكتورة ما تسبيهم مع بعضهم وتعالي لما أقولك.
قالها “مستقبل” وهو يجذبها من يدها بعيدًا عنهم، ذهبت معه يُكملون مشاكستهما. فمسك “وجود” يد “زينة” يهزها بهدوء، لم تعطِه غير تنهيدة حارة، فنطق حروف اسمها أول مرة بنبرة جديدة، جعلت أعصابها ترتخي وتغمض عينها؛ فكانت تذوب عندما يقول اسمها بصوته الأجش، فكيف يحدث لها الآن؟! قلق عليها بشدة هو لا يرى فتاة بهذا المنظر من قبل:
هزت رأسها بنفي وهي تهمس بأنفاس متقاطعة:
– محتاجة حد يصحيني مش قادرة هموووت.
– ومين قالك إنك نايمة، زينة ركزي معايا.
فتحت عينيها وظلت تبصره بدون أن ترمش رمشة واحدة، فقال بحزم قبل أن يتركها حتى تركز معه:
– تمام خليكي بقى متنحة وأنا همشي.
– وجود.
وقف مستديرًا رأسه حتى تكمل حديثها:
– أنت بتحبني بجد، ولا بتاخدني على قد عقلي.
تقدم إليها بخطوات سريعة يصارحها بما يكنه قلبه لها:
– أنا عمري ما قولت قبل كده كلمة بحبك غير ليكي، عمري ما حسيت باللي في قلبي دلوقتي غير معاكي، طول عمري بفتكر الحب أفعال، إنما دلوقتي لا مشاعري هي اللي بتحركني.. أنا حاسس إني مش أنا، كنت بفتكر كلام الحب والمشاعر بيقلل من هيبة الراجل، أول مرة أحس إني فعلًا راجل وليا مشاعر وأحاسيس، نفسي أعمل دلوقتي حاجات عمري ما فكرت فيها. شوفتي بقى حبك عمل فيا إيه، فدلوقتي أنتي اللي هتقرري إذا دا حب ولا بضحك عليكي؛ لأن فعلًا ما اعرفش.
رجفة سرت في أوصالها:
– وجود أنا بحس بكل اللي بتقول عليه، دا أكيد حب؛ لأني بحبك بحبك بحبك.
مسك يدها قبلها وقال بصدق:
– في أقرب وقت هتكوني على ذمتي.
وقبل أن ترد وقد وصلت لأعلى سحابة، اقترب منهما “مستقبل” يبلغه بجدية:
– وجود بابا اتصل ومتعصب جدًّا وبيقول قابلوني عند صالة حازم.
رواية غرورها جن جنوني الفصل السابع عشر 17 - بقلم ابتسام محمود
قلق "وجود" على أخته فقال بخوف وتوتر:
– توتا حصلها حاجة؟
– والله ما أعرفش ما قالش غير اللي قولته ليك، انجز بقى.
تحرك الجميع وصعدوا العربة، وعندما قامت "زينة" بحزم شعرها للخلف، فقد حينها "وجود" الوعي أمام تعريجات شعرها؛ مشلول الحركة فاقد النطق، فكان طوله كالثعبان الذي تخطى سمه قلبه ليتحول عقله بلا وعي.
***
حدث منذ قليل..
في أثناء اعتذار "مستقبل" لحبيبته، دخلت "توتا" بغضب الصالة، ترى "حازم" يقف يتبادل الحديث مع بعض الفتيات ويمسك بيده دفترًا يسجل به بيانات كل لاعبة ويتأكد أن كل أدواتهم بحالة جيدة، فتقدمت إليه:
– هنبدأ إمتى؟
أجابها بإهمال مقصود:
– لسه بدري.
– أمال جايبني من الظهر ليه؟
رمت حقيبتها بإهمال وعصبية وهي تقولها، فرد عليها بعد أن أخذها بعيدًا عن الحاضرين داخل مكتبه الخاص:
– والله أنا ما جبتش حد أنتي اللي جيتي، وعلى ما أظن شنطة أدواتك لازم تتجهز وتتراجع كويس، اتفضلي جهزي شنطتك علشان أراجعها.
– ما تشغلش بالك بيا، بابا هو اللي هيراجع حاجتي ويتأكد إنها سليمة.
عندما سمع اسم والدها أخبرها بهدوء حاد:
– مش محتاج أفكرك إن أي تعامل معاه بحذر.
كزَّت على أسنانها بغيظ وأغمضت عينها، فهو يتعمد أن يذكرها بأصعب شيء هي تود نسيانه فأبلغته وهي تحتفظ بدموعها:
– بقولك إيه احنا بالشكل دا هنتعب مع بعض، فالأريح ليك وليا إنك تطلقني.
أردف بصدمة:
– نعم.
– زي ما سمعت طلقني، مش كنا متجوزين تبادل مصالح، فأنا خلاص مش عايزة مصلحتي وبالتالي مش عايزة أستمر في مصلحتك.
نظر إليها لثوانٍ، ثم حك مقدمة أنفه وتفوه وهو يدعي البرود:
– مش خايفة من الناس تتكلم عليكي ومن الفضيحة اللي هتحصل؟
وضعت يدها على خصرها قائلة بصوت جهوري:
– ليه إن شاء الله؟!
يجلس على المقعد، ويضع قدمه فوق مكتبه ويخبرها:
– في صباحيتك.. واتطلقتي.
فهمت ما يلمح إليه فجلست بجلسته نفسها أمامه، وأجابته ببروده نفسه:
– مع إن المفروض جنابك اللي تخاف من الفضيحة، ليلة الصباحية يا مؤمن وعروستك العذراء البكر الرشيد تطلب منك الطلاق، أما صحيح وكسة وفضيحة بجلاجل يا معدوم الرو…
وقف بصدمة وذهول من جرأتها وأردف بقوة وهو يقاطعها:
– توتا.
فعلت مثل ما فعل مرددة:
– حازم.
شعر أن المجادلة لا فائدة منها، وبدأ يشعر بأنظار جميع اللاعبين تتجه إليهما من الحاجز الزجاجي، فانسحب من أمامها يتصل بـ"مهيمن"، وأبلغه بعد أن رد:
– كوتش تعالى شوف توتا المجنونة مش عايزة تروح البطولة.
اقتربت منه تقول بتوضيح ما كانت تقصده:
– اسمها عايزة اتطلق.
– كوتش اقفل وتعالى علشان الأستاذة جننتني خلاص.
انكمشت ملامحها بغضب لتقول بعنف:
– مش دا اللي بتقولي ما اكلمهوش، بتشتكيله مني ليه؟!
أغلق "مهيمن" الهاتف بدون أن يعطي ردًّا، يمسح وجهه بعصبية واتصل على أخويها، ثم نادى زوجته متوجهًا إليها.
***
وصل "مستقبل" أمام الصالة وخرج الجميع من العربة، قابله "مهيمن" المشتعل و"نايا" التي تدعي الله أن تمر الأمور على خير، لكن فور رؤيتها "زينة" و"وجود" يسيرون جنبًا إلى جنب ابتسمت ووقفت تنتظرهم يقتربون منها بفرحة، وعندما اقتربوا تبادلوا السلام، ثم قالت "نايا":
– حبيبي ما شاء الله عليكم.
ثم أخذت "زينة" في عناق بحنان، شعرت بارتباكها ورجفتها، فهمست بجوار أذنها:
– فرحيني وقولي إنه حصل.
أومأت برأسها بكسوف، فضمتها أكثر قائلة:
– يا روح قلبي أنا.
فحدثهم "مهيمن" بجدية:
– إيه مش ندخل نشوف بنتك اللي هتاكل الراجل جوه.
– طبعًا طبعًا يلا.
قالتها "نايا" وهي تمسك "كارما" بيد و"زينة" بيدها الأخرى، فنظر "وجود" و"مستقبل" لبعضهما قائلين:
– يا حلاوووة.
وزاد مستقبل:
– أمك هتخطف البنات مننا.
حينما وصلوا لـ"حازم" سمعوا "توتا" تقول:
– بقولك إيه أنت ملكش كلام عليا.
– حاضر.
قالها "حازم" وهو يهز رأسه، أكملت بتريقة:
– حاضر ودا من إمتى يا غراب؟
رفع رأسه ناظرًا إلى "مهيمن" باحترام، فتقول:
– شوفت بابا عملت فيها محترم.. ما ترد. شكل القطة كلت لسانك.
– خلصتي ولا لسه، الراجل عمل ليا احترام وسكت، وأنتي إذاعة الشرق الأوسط مش هتخلص.
نهرها "مهيمن" بحدة وامتعاض، فأجابته بنبرة سريعة:
– دا كان مبهدلني وقالي ما اكلمكش، عايزني اسكتله.
– لا ما قولتش كده يا توتا، وياريت ما تقوّلنيش حاجة ما قولتهاش.
قالها "حازم" بعصبية، فتقول بعصبية أكثر منه:
– قولت.
– ما قولتش.
– قولت.
– اللي قولته ما تقربيش منه أوي؛ لأني مش هسمحلك.
– أهو قولت.
– ما قولتش، اللي بتقوليه.
– بما فيه معناه يعني.
– المعنى الحقيقي اللي طلعته من شفايفي، ما تجوديش من عندك.
– بااااااااااااااااااس.
قالها "مهيمن" قبل أن يصلا إلى مرحلة التشابك بالأيدي وفي وجوده، وأكمل بهدوء مصطنع:
– ممكن تهدي هو عنده حق، تمام يا حازم مش هقرب لبنتي.
كان يتفوه وهو قلبه يتمزق محاولًا قدر الإمكان خروج صوته المتحشرج، فحاول أن يوضح له وجهة نظره:
– يا كوتش عايزك تفهمني.
– أنا لو مش فاهمك ومقدر اللي أنت فيه كان تصرفي معاك هيبقى غير كده، ها فيه حاجة تاني؟
صمت الجميع مندهشًا إلا "مستقبل" تقدم بأخذ أخته داخل حضنه ولم يبالي لحديثه اللاذع، لكن "حازم" لم ينطق فهو يظن أنهما أخواها من والدتهم، فيصاب بصدمة تامة بقول "وجود":
– أنت بارد يالا بيقولها أبوكي ما يلمسكيش تروح أنت تحضنها.
رد عليه "حازم" بتفهم:
– وإيه المشكلة يا وجود أنا مش قفل، أكيد مش همنعها تحضن أخوها.
– أخوها! شكلك لسه مختلط عليك الأمر.
– هي مش توتا بنت نايا فأكيد هي أختكم من الأم؟
ضحك "مستقبل" حتى يشعل رماد غضبه؛ لأن رد فعل "مهيمن" أذهله، وكان دائمًا ما يخبرهم بعدم التخلي عنها مهما يحدث، فهو عندما ولد وجدها أمام عينه، تربى على الحفاظ عليها من الهواء؛ والآن لا يقبل بهذه الخرافات:
– مساء الخير الصبح، أمال عامل فيها مركز. هي بنت البوب بالتبني، أوضحلك بالمرة أكتر.. وفي الشهادة مش أختي، لكن أختنا الكبيرة اللي مش هنتخلى عنها.
صمت "حازم" بضع ثوانٍ يعيد تفكيره محدثًا نفسه:
– وأنا اللي كنت بفتكرها بنت نايا من حد تاني بس.. بس إيه أنا بغلط في أمهم وبتهمها إنها غلطت مع حد.
وضع يده على عينه من الإحراج الذي وضع نفسه فيه قبل الجميع، فتجمد وجهه وأخبره بوجوم:
– مستقبل توتا دلوقتي على ذمتي، ولو سمحت ما بحبش أشوف مراتي في حضن راجل مش من دمها.
اندفع "مستقبل" وفاض به الكيل وانقض عليه:
– وربي يا حازم زي ما جوزتهالك أطلقها منك، دم مين يا أبو دم، لو هتتكلم عن الدم كتير مستعد حالًا أشق بطنك وأوريلك الدم على أصوله.
أمسكه "مهيمن" من مقدمة "تيشرته" وسحبه، قائلًا باعتذار:
– حقك عليا يا حازم ما تزعلش منه.
فقدت "نايا" توازنها مما يفعلوه جميعهم، لكنها أمسكت في يد "مهيمن" قبل أن تقع، فأمسكها من خصرها وأجلسها على مقعد، فهرولوا عليها إلا "حازم" الذي شعر بالاختناق من كلام صديقه الذي كان من المفترض أن يقدر حالته، فقبل أن ينسحب قال:
– بعتذر ليكم كلكم وليكي مطلق الحرية يا توتا، بعد إذنكم.
نادت عليه "نايا" بصوت باكٍ:
– حازم خد مراتك معاك.
رمقتها "توتا" و"مستقبل" بضيق، لكنها نظرت لابنتها بترجٍ متفوهة:
– امشي مع جوزك يا توتا، واحنا أهلك مهما يحصل.
– يا ما…
– اتفضلي يا توتا وبلاش توجعي قلبي أكتر من كده.
فقال "مستقبل" بضيق لـ"حازم":
– طب ما هو أنيس مش أخو كارما وأنا ما بتكلمش، وكمان بتحبه أكتر من سليم.
رد عليه "مهيمن" بهدوء حتى ينهي الموضوع:
– أنيس أخو كارما في الرضاعة، وخلص الكلام في الموضوع دا، اتفضلي يا توتا مع جوزك.
رمقت "حازم" بغل وغيظ وأردفت:
– مسموح ليا أحضنها هي كمان ولا ممنوع.
حدقها بنظرات حارقة وانصرف من أمامهم، عانقت أمها وهي تبكي، ربتت عليها بحنان:
– يا حبيبتي، أنا دلوقتي مطمنة عليكي مع حازم أكتر من أي وقت، حازم بيحبك ومستحيل يستغنى عنك، واحنا كذلك أهلك اللي ما يتمنوش ليكي الأذى ونفسنا نشوفك سعيدة، وأنا متأكدة إن سعادتك مع حازم، بس أدي نفسك فرصة.. فرصة واحدة بس يا توتا وقرري بعد كده.
وضع "مهيمن" يده على كتفها مأكدًا كلام والدتها:
– أنا دايمًا في ضهرك وعمري ما هبعد عنك يا قلبي، اسمعي بقى كلام أمك؛ لأن كل كلامها صح.
فاقترب منها أخواها يقول "وجود":
– ما تضيعيش حازم من إيدك، لو لفيتي العالم كله مش هتلاقي حد بيحبك قده.
وقال "مستقبل" وهو يغلي من داخله:
– أي نعم أنا مخنوق منه بس من بعد حازم مش هتلاقي حب، اتفضلي روحي لجوزك وما تتأخريش علينا؛ لأن غيابك عنا يوم بيساوي سنة، واوعي تفتكري كلامه هيمنعني أرخم عليكي كل يوم.
كانت دموعها تتساقط، لم تتحرك "توتا" خطوة، أمسكت يدها "كارما" وهي تتقدم نحو "حازم" الذي يتماسك ويكمل عمله:
– يا هبلة البت مش ليها غير حضن جوزها، انجري يا اختي وشوفي جوزك عايز إيه.
– يا بت هضربك بطلي زق فيا.
قالتها "توتا" التي تحاول أن تقف، لكن "كارما" تمسك يدها بقوة وتزج بها من ظهرها بيدها الثانية:
– مش هسيبك برضو.
– يا كارما ما تعصبنش.
فرفع "حازم" رأسه يقول بأمر عندما اقتربت منه:
– اتفضلي يا آنسة تممي على أدواتك كلها وحصلينى أرض السباحة.
شهقت "توتا" وهي ترفع حاجبها بضيق:
– آنسة!!! ودا من إيه إن شاء الله.
ابتسم بتهكم ومكر برغم كل ما يحمله داخل قلبه:
– اسألي نفسك.
ثم تركها وذهب خلف الفريق حتى يبدل ثيابه.
***
في اليوم التالي تدخل "كاميليا" مكتب "وجود" قائلة بدلع وهي تجلس على مقدمة المكتب:
– بيبي يلا علشان نروح.
لم يحرك عينه من على الحاسوب وأبلغها بانشغال:
– ورايا شغل روحي أنتي.
رمقته بضيق، ثم تركته وانصرفت غاضبة.
***
وفي المساء من داخل فيلا "مهيمن" تنهض "كارما" بضيق قائلة:
– تعالى يا وجود، قولي مين الشقيط اللي فيكم.
يجذبها "مستقبل" نحوه من ذراعها وهو يقول بلامبالاة:
– سيبك منها يا شق.
ثم بصرها وهو يغمز لها:
– تعالى وأنا أقولك.
– شوف إزاي.
– أصل أنا اتكلم على نفسي، أحسن ما حد يقولك حاجة غلط.
– لا شاطر قول.
– والله بقيت أسيطر على عيوني علشان خاطر عيونك، ما تجيبي بوسة بقى.
بحلقت بعينها وهي تضع يدها بالقرب من شفتيها حتى لا يمسح أحمر شفاهها وتقول:
– مستحيل.
– لا اوعي تفهميني صح، دا منور بقى ضلمة ومحتاج نور حتى تعالي اكشفي عليه.
– امشي بعيد عني.
قالتها وهي تركض، هرول خلفها:
– يا بت خدي هنا، أنتي من ساعة ما حطيتي الروچ دا وقلبتي بوزك شبه البطة الواحد مش عارف يطول منك حاجة.
***
بعد يومين
فتح "حازم" باب المنزل ودلف بخطوات خرساء، وهو يأخد أنفاسه استعدادًا لمشاجرات مغرورته البلهاء، وعنادها الذي لم يجد له حدودًا، حين رآها صدمه ما تفعله فنطق باستفهام:
– ممكن افهم بتعملي إيه؟
رفعت رأسها المسترخية وأخذت من فوق عينيها قطعة خيار ورمقته بوجهها الموضوع عليه ماسك أسود اللون، وتمسك بيدها مبرد أظافر لامعًا، أجابته ببرود:
– بلعب تيجي تلعب.. حاجة غريبة شايفني يعني بعمل إيه؟
قالت آخر جملة بعد أن أطال النظر إليها بصمت، قامت بضيق ووضعت المبرد على رقبته، فنطق أخيرًا وهو يرجع للوراء، ويبتلع ريقه:
– حد كلمك براحتك خالص، بس اللي جعان يعمل إيه؟!
تبعد عنه وتبلغه بلامبالاة وهي تنظف أظافرها:
– ما ياكل.
اقترب من الثلاجة متلاشيها، فلم يجد بها أي طعام من الذي كان يضعه بها، فقال بصوت جهوري:
– وهي التلاجة فيها أكل أصلًا؟
– كفاية فيها دمك.
قالتها بغيظ وهي تتأفف، فرد عليها بتساؤل:
– ويا ترى فين الأكل اللي هاكله؟ مش ناوية حضرتك تطلعي دمك اللي اتجمد من الفريزر وتعملي أكل.
– ما تاكل أي حاجة وبطل صداع.
نظر لليمين، ثم يرفع يده يرجع شعره للخلف، ويزفر أنفاسه المتوهجة يسأل في هدوء مزيف:
– معلش هتعب حضرتك بسؤال صغير ممكن؟
– مش ممكن.
صحك على أسنانه وأردف بصوت مزمجر:
– اللي عايز ياكل هيطفح إزاي بقى؟
تنهض وهي تغرز أسنانها بشفاها السفلية بغيظ، ثم تضع يدها على خصرها وتبلغه من بين أسنانها:
– أكيد هياكل ببقه.
مسح وجهه المشتعل حتى يهدئ من نفسه:
– جواب منطقي..
أكمل وهو يشير إلى فمه:
– بُقي وموجود، فين بقى الأكل اللى هيدخل هنا فيه؟
أجابته وهي تهز كتفيها:
– أنا دخلي إيه بالموضوع الشيق دا.
– بصي أهو سؤال أبسط من اللي قبله حضرتك عملتي إيه يتاكل النهاردا؟
لوت شفتيها، وردت وهي تلوح بيدها كالبلهاء:
– ولا حاجة.
يجلس على الأريكة يضم يده على بعضهما يحركهما بعصبية وهو يضم حاجبيه:
– مش كنتي عاملة امبارح ولا حاجة.
– آها ما أنا عملته على يومين.
قالتها وهي تمط شفتيها وتربع يداها، قبل أن تنحني تلم أشياءها من على المنضدة، وقالت وهي تنصرف:
– أنا دلوقتي عرفت ليه الراجل بيروح يطلب إيد البنت بس.
– ليه بقى؟
– علشان إيدها دي هي اللى بتعمل كل حاجة وبتتمرمط.
رد بعد أن عجز عن كبت ابتسامته:
– عليكي كلام.
تنصرف من أمامه بتجاهل، نهض بسرعة يمسك يدها وتطلع بها بمكر:
– أحب أقولك لو ما لقيتش أكل بعد كده هدور على أي حاجة آكلها.
حاولت التملص من قبضة يده، لكنه زاد وهو يجذبها إليه، ويضع يده حول خصرها الصغير يمنعها من الانسحاب، ثم غمز لها بعد أن همس بصوت خافض أجش بالقرب من أذنها:
– وساعتها مش هلاقي غيرك قدامي.
تدفقت الدماء وصبغت وجنتيها واقشعر جسدها من نظرته الجريئة تسببت برعشة في أوصالها، فتحولت نظراته إلى عشق وشوق، تمالكت أنفاسها الهاربة وخفضت بصرها من عينه، ثم دفعته عنها وصعدت وهي تركض بوجه شاحب وقلب ينتفض بذعر، عندما وصلت أمام الغرفة دخلت وأغلقت الباب خلفها بالمفتاح، ظلت تأخذ أنفاسها اللاهثة بتوتر وتحاول نفض الشعور الذي اقتحم حصونها بلا استئذان.
فأردف "حازم" بقلة صبر وضرب كف على كف:
– لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، ربي لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه، يا رب الصبر من عندك.
***
– ممكن نتكلم؟
قالتها صاحبة الجمال المخادع من كثرة المبالغة في زينتها في صباح يوم جديد، فرد عليها "وجود" وهو يدعي الانشغال بالأوراق المفترشة أمامه على مكتبه:
– اتفضلي اتكلمي.
– إيه البرود اللي بقيت فيه دا، أكيد وراثة من أهلك.
انكمشت ملامحه بغضب لفظاظة كلماتها، لكنه رد بعكس ما بداخله:
– أنا لحد دلوقتي محتفظ بأخلاقي.
– يعني هتشتمني ولا هتضربني؟
– والله كل اللي أقدر أقوله إني ورثت كمان من أهلي اللسان الزفر.
كفت عن ثرثرتها ثم حدثت ذاتها:
– حلو أوي ما خليتش قدامي غير حل واحد وواجب التنفيذ، يلا نبدأ الجيم على نضيف.
ثم تفوهت وهي تبكي بكاء مخادع:
– وجود عايزة اتكلم معاك، ليه بقيت حاسة إنك بعيد.
– مش بعيد، كل الحكاية مطلوب برامج وشغل كتير وكله قدامك وعلى يدك، وعلى العموم استني أوصلك ونتكلم واحنا في العربية.
– كلامي مش هينفع في العربية لازم نقعد.
– مفيش مشكلة تعالي الفيلا.
– لا عايزه نكون على راحتنا.
– طب أجيلك بيتك؟
– لا.
– طب عايزة إيه؟
– عايزة أتكلم معاك على راحتي.
– تمام احجزي بكرة في أي مطعم نتغدى فيه.
قالها وهو يعاود النظر إلى أوراقه، فقالت بامتعاض:
– وليه ما يكونش النهاردا؟
ترك كل شيء بيده وحدقها بحدة وهو يجيبها باستشاطة:
– عندي شغل، ولا كمان مش واخدة بالك؟
ابتسمت ابتسامة صفراء تشبه كل ما تحمله داخلها، ثم أومأت برأسها بالموافقة:
– تمام.
بادلها الابتسامة نفسها ثم رجع لما يفعله، وعندما انصرفت أخرج أنفاسه بقوة وهو يرفع يده من على الأوراق، ثم أخذ هاتفه يبحث عن رقم "زينة"، رمقه لثوانٍ وداخل عينه ينبوع من الشغف، ثم ضغط على سهم الاتصال، ومن أول رنة أجابته بلهفة، فقال لها بعد السلام:
– جاهزة.
– آه.
***
بعد أن أغلقت الخط حدقتها "كارما" باستياء ثم تفوهت:
– مش قولتلك ما ترديش من أول مرة.
ردت عليها وهي تعانق الهاتف بعينين مغلقتين منسجمة بالذي تتخيله:
– مش بحب التقل يا كاري.
– طول ما أنتي مطيعة هتدلقي اسمعي مني أنا.
أخبرها بها "مستقبل"، فنظرت له "كارما" شزرًا توبخه:
– طبعًا ما الأستاذ خبرة.
– عيب يا كاري مش قدام البنت تقول علينا إيه وهي في أول خطوات الحب.
أخذت أنفاسها وهي تتمنى سحقه ثم نظرت إلى التي ما زالت تحلق فوق السحاب:
– وأنتي ركزي معايا يا أختي مش ناقصة محن.
فتحت عينها وأصبح وجهها الرقيق ناعسًا، فأكملت "كارما":
– لما ييجي وجود عايزاكي جد وتبطلي نوم على نفسك، وجيبي آخرة اللي بينه وبين المسهوكة.
أومأت برأسها ثم رجعت بظهرها تتخيل طلته عليها، أردف "مستقبل" وهو يحرك السبابة يسارًا ويمينًا:
– يا عيني عليك يا أخويا واحدة مسهوكة والتانية نايمة على نفسها، يا زينة ركزي ولا أقولك حطي الإير بودز دا في ودنك وأنا هقولك تعملي إيه، أشطا.
– أشطا.
قالتها بعد أن أطلقت تنهيدة، فتقول "كارما":
– لازم هو اللي يبدأ بكلام الحب علشان لو بدأتي هتفضلي عمرك كله اللي تبدأي.
– حاضر حاضر، والله حفظت وممكن أسمع.. ممكن أمشي بقى.
– اتفضلي.
وقبل أن تنصرف وضعت "كارما" سماعة صغيرة داخل أذنها، وتحدثت بعد وقت:
– ألو ألو سمعاني.
– والله سمعاكي واسكتي داخلة عليه.
صمت الجميع، وجلست وهي تبتسم، فقالت "كارما" لها بعد التصافح، والحديث العابر:
– قوليله آخرة اللي بينا إيه؟
– جواز طبعًا.
فتكمل "كارما":
– وآخرتها مع المسهوكة؟
بدون تفكير نطقت الجملة نفسها، ثم بعد أن ركزت أخفضت جفنها بحرج، استرعي انتباهه ما يوضع بداخل أذنها، ثم نهض مقربًا يده على أذنها سحب السماعة الصغير، ويرجع سريعًا لمكانه بابتسامة، ثم وضع السماعة داخل أذنه، امتقع وجهها باللون الأحمر، فكانت تقول "كارما":
– يا بت هجيلك وربنا، شكلك نمتي.. اخلصي فوقي وقوليله آخرتها إيه مع الملزقة، ولا هو شكله هيقضيها على الونجين، آه ما هو أخو مين. بت قومي سبيه وأمشي.
– طيب ما تبلعي ريقك ليطق ليكي عرق وأنتي خُسَارة.
نطق بها "وجود" بصوته الأجش الهادئ.
ازدردت ريقها ثم ألقت الهاتف على "مستقبل" الذي زاد بقوله:
– قوليله جيب من الآخر واتصل بيها اقطع علاقتكم مع بعض وقتي.
رد "وجود" بتهكم:
– وماله، ما أنا شكلي هقطع علاقتي بيك أنت أول واحد ياللي ما عندكش نقطة دم.
عندما سمع صوته أغلق الهاتف، فتقول "كارما":
– عماله أشاورلك تخرس وأنت ماسورة وانفجرت.
رواية غرورها جن جنوني الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ابتسام محمود
أخرج “وجود” السماعة ووضعها على المنضدة بملامح غاضبة، ثم قال بحزم:
– اللي حصل دا ياريت ما يحصلش مرة تانية.
تلعثمت وهي تخبره:
– والله دا مس…
– مش عايز توضيح، ممكن ما يحصلش تاني؟
قالها بحدة بعد أن قاطعها، رمشت عينها وهي تهز رأسها بالموافقة بإحراج، فقال بتهكم:
– اتفضلي اتكلمي.
ما زلت محرجة من فعلتها، وظلت تحرك أصابعها على بعضهم بتوتر ولم تتحدث، أردف هو حتى يجيب على ما يدور داخل رأسها:
– اللي بيني وبين كاميليا مش حب.. ممكن تعتبريه كان مجرد حماية ليها، وإن شاء الله هعدل الوضع دا في أقرب فرصة وهستمر في حمايتها، وبعد إذنك مش عايز حد يعرف حاجة خااالص مؤقتًا عن علاقتنا.
تفوهت بتردد:
– بس…
قاطعها بحزم يكمل حديثه:
– لو سمحتي، لحد بس ما يجي الوقت المناسب.
كانت المشاعر تتلاعب به، ولأول مرة لا يستطيع أن يتحكم بها؛ كانت تهاجمه بقوة، تجعله لا يقوى على ردعها أو السيطرة عليها، يريد أن يبوح بكل ما يكنه قلبه لها حتى يسعدها، فأبلغها بعينين يتدفق منهما أنهار من الشوق والحب:
– أوعدك أنا بنفسي في الوقت المناسب هقول للعالم كله، قلبي دق واختار أرق وأجمل بنوتة.
اشتعلت “زينة” من حديثه، وشعرت بدقات قلبها وقد أصبحت كالرصاص يخترق صدرها، ولحسن حظها يحدث فجوة تلتقط كل حروفه وتنبت منها ثمره تنعشها بعطرها وتوقظها من تيهها لتقول بفرحة:
– بجد يا وجود، بتحبني؟
– بجد يا زينة، حياتي بحبك وبعشقك.
قالها وهو ينظر لعمق عينيها الغريقتين لأول مرة في بحار الواقع، تهلل وجهها بالسعادة وامتزجت حمرة السرور مع الخجل وأعطت لوجنتيها بريقًا ولمعانًا، فيزد هو بنبرة حنونة:
– كل أمنياتي دلوقتي تكوني من نصيبي وقدري، مش اختياري بس.
مالت برأسها تسأله بتعجب:
– هتفرق!
– القدر بيصيب الواحد مهما يكون هو اختياره وأهدافه إيه.
أجابها بمنطق وجعلها هي الأخرى تدعي أن يكون قدرها المحتوم، وليس مجرد اختيار. استمرا معًا يقضيان وقتًا مسروقًا من الزمن، كادا أن يكونا داخل شرنقة ولا يراهما أحد، ثم قام بتوصيلها إلى فيلاتها، وتوجه إلى منزله بقلب يعزف مقطوعة جديدة لأول مرة يشعر بها، نال هاتفه وهو يصعد درج السلم وفتحه، كانت “كاميليا” تعاود الاتصال للمرة المليون، شبح ابتسامته تبخر عندما بصر اسمها، تأفف للحظات ثم ضغط على سهم الإجابة وانتظر، فأبلغته وهي تتصنع الهدوء:
– كنت فين كل دا، وليه قافل تليفونك؟
– كان عندي شغل كتير والتليفون فصل.
قالها بصوت يشبه النعاس والضيق، تحكمت في ضبط أنفاسها المشتعلة:
– ماشي يا وجود ياريت ما تنساش معادنا بكرة.
– لا مش ناسي.. سلام.
أخبرها حروفه بثقل، وقبل أن ترد عليه أغلق الهاتف، يدخل غرفة أخيه الذي ألقى كل ما كان يمسكه من طعام واستلقى على الفراش، ابتسم “وجود” بسخرية:
– أيوة اعمل نفسك نايم.
رفع رأسه وهو يفتح عين ويغلق الثانية يبلغه بخوف:
– لا أنا ميت.. والضرب في الميت حرام.
لم يبالِ لحديثه وقلع حزامه وهو يهرول عليه:
– والله ما هسيبك بتقوي البت عليا.
نهض مسرعًا وقفز من على الفراش على الأريكة يلتقط أنفاسه المتقطعة من كثرة الضحك:
– يا واد افهم المغزى الحقيقي.
– المغزى إنك تتنفخ، علشان تحرم تقرب على خصوصياتي تاني.
صفق وهو يقفز على مكتبه وقال بسعادة:
– فينك ياما تسمعي ابنك اللي طب وبقى يعرف يقول البت دي تخصني.
دخلت عليهما “نايا”، لا تعلم شيئًا لكنها ظلت تحجز بينهما حتى أتت بها ضربة، خلعت (شبشبها) وضربتهما معًا، وأمرتهما بإعادة ترتيب الغرفة كما كانت.
***
أتى غضون الليل وتربع الهلال كالملك بمنتصف السماء، وحوله النجوم كالجواري، قد مضى وقتًا طويلًا و”توتا” ما زالت ماكثة بالغرفة المقيمة بها ولا تخرج منها، نهض “حازم” مقتربًا من باب الغرفة يضع أذنه فلم يسمع لها صوتًا، نزل متوجهًا للحديقة ثم وقف تحت شرفتها فتسلق البناية أسفلها، ثم دخل للغرفة بخطوات صماء، وجدها تفترش السرير بأكمله بأريحية، تطلع في جهها الهادئ وعلى ثغره ابتسامة، لكنها شعرت بأنفاسه الحارة تلفح وجهها، فتحت عينيها ببطء مكذبة عينيها لكن وجدته أمامها، حدقت به لثوانٍ، وقبل أن تصرخ وضع يده على فيْها متحدثًا بحزم وقوة:
– أنا رئيس جمهورية البيت، والسرير دا من ممتلكاتي، يا إما ننام عليه سوا يا إما تنزلي تنامي تحت على الكنبة.
رمقته بلامبالاة ثم أخبرته:
– مش طالبة صداع ومهاتية، اتخمد.
نام على الفور ومدد جسده، قامت وهي ترمقه باستياء، متوجهة إلى الخزانه تجلب وسادة كبيرة، ورجعت مرة ثانية على الفراش تحدثه بتحذير:
– على ما أظن التفاوض حلو مفيش كلام.
أومأ برأسه، فأكملت بوجوم:
– أحب أعرفك إن السرير مش سداح مداح، أنت لحد هنا حدودك ودي حدودي عند حضرتك أي أعتراض.
قالت آخر جملة وهي تضع الوسادة وتركت له جزء صغير وجعلت من نصيبها الجزء الكبير، حدقها بقوة وهو يجلس وأخبرها باستفهام:
– هو دا العدل؟
– لو مش عاجبك نلغيها وروح اشتكي.
– تمام يا حكومة.
ثم تسطح على حدوده وبصرها بتوسل:
– أنا لو لفيت بس هقع.
– وبعدييييين.
– خلاص خلاص نامي، عليكي ربنا يا قادرة.
– هشششششششششش، ناااااام.
– نمت.
لكنها لم تذق طعم النوم؛ غاصت داخل جدران خيالها بأن يده بلمساتها القوية تتحرك على جسدها كعازف عود محترف، ابتسمت وأصبح جسدها يتلوى كالدودة الرقيقة، حتى ما جاء أمام عينيها صورة فهد اللعين وتذكرت ما فعله، انجرفت مشاعرها للألم وانحدرت دموعها بصمت واستعدت للنوم من جديد، لكن هذه الليلة بالتأكيد ستمطر عليها كوابيسًا بلا جدوى. أما هو، فكانت نظراته لها تظهر باشتياق شديد، بداخله نيران وحمم يصعب إخمادها، يريد اقترابها لتستوطن داخل هذه النيران فتشعر حينها بمدى لهفته وحنينه إليها، ينتابه شعور يصعب عليه تفسيره؛ فهو خليط من المشاعر المُعقّدة والمتشابكة بين الانجذاب والارتباك والعاطفة الجياشة والرغبة في التقرب، لكنه أرغم نفسه على أن يكتفي قربها كبداية لا بد يحسد نفسه عليها، عقد ذراعيه بقوة على صدره حتى يرغمها على التقيد، ولا تخدعه وتتحرك على جسد القطة المفترسة المتلهف عليها، ويفسد كل ما يخطط له من خطوات حتى يقربها له للأبد.
***
في اليوم التالي انتهى “وجود” من عمله وذهب مع “كاميليا” كما وعدها أمس، وحينما وصلا إلى مطعم بفندق اختارته هي، أوصلها للمنضدة وتركها وذهب للمرحاض، وبعد أن حضر وجدها طلبت الطعام. جلس يشرب العصير أولًا وهو يترقب سماع ما تريد أن تقوله؛ لم تتحدث، لم يبالِ وبدأ في تناول الطعام بشهية مفتوحة متجاهلًا من تجلس أمامه، فقطعت الصمت:
– تعالى نطلع سويت.
ترك الطعام وحدق بها باستفهام:
– إزاي واحنا مش متجوزين؟
أجابته بدون حياء:
– ادخل بثقة على الريسبشن، ومش هيسأل عن حاجة ولو سأل قول لسه متجوزين جديد ومفيش قسيمة لسه.
ترك الشوكة والسكين من يده بهدوء وتطلع بها باستغراب، فقال:
– مش دا اللي كنت أقصده، اللي أقصده احنا هنطلع إزاي مع بعض في أوضة واحدة ومفيش حاجة تربطنا أكتر من دبلة.
جلست بأريحية ووضعت ساقًا على الأخرى متفوهة وهي تشعل سيجارة:
– عادي عايزة أتكلم معاك.
رمقها بوجوم وتفحصها لأول مرة بنظرة جديدة، وقال أولًا وهو يشير على ما داخل فمها:
– أنتي بتشربي سجاير؟
– آها أصل…
قاطعها وهو يقول:
– مش وقت حكايات نبقى نشوف الموضوع دا بعدين، والكلام اللي عايزة تقوليه دا ما ينفعش ولا في بيتي ولا بيتك ولا الشركة ولا هنا في المطعم؟ وهينفع في سويت خاص!
أومأت برأسها وهي تعض على طرف شفتها السفلية، بدأت تثير مشاعره المتعطشة المشتاقة المحرومة من العطف الأنثوي الخاص.
حاول السيطرة على مشاعره التي يشعر بتحركها وهو يبعد النظر عنها متحدثًا بعصبية:
– لو سمحتى ما تبسطيهاش أكتر من كده كفاية.
– حبيبي ما أبسطش إيه! خلاص انسى واعتبر إنه ما حصلش.
كان ينظر لها وهي تخبره بما تقول وهي تحرك طرف السبابة على شفتيها المطلية باللون الكريزي، متعمدة إثارته واللعب على أوتار رجولته.
فقال بدون تفكير ولا تحكم:
– قومي اتفضلي.
ثم نهض يأخذ هاتفه، وتوجه لعامل “الريسبشن” وحجز غرفة بسهولة أكثر مما توقع، ثم أخذها وصعدا بالأسانسير كانت تقف أمامه، ظل يطالعها من الخلف بوقاحة حتى وصلا أمام رقم الغرفة، فأمسك يدها بعد أن دق جرس الخطر داخل عقله، أغلق جفونه محاولًا التحكم في ثباته والهروب من النظر إليها:
– ما بلاش.
شكلك ما بقيتش تحبني، يلا نمشي.
قالتها بضيق ثم ابتعدت عنه خطوة، جذبها إليه من خصرها وأصبحت تلتصق به وهي تقف أمامه، قائلًا بعيون زائغة متجولة على مفاتنها:
– بصراحة أنتي حلوة أوي، وأنا مش واثق في نفسي لو دخلت جوه هنا هيحصل إيه؟
لم تصدق أذنها، لأول مرة يتفوه بكلمات غزل بها، تكاد أن تحلق بالسماء فقالت بسعادة وهي تضع يدها حول رقبته تشدد عليها وتقول له هامسة وهي تنظر داخل عينيه:
– بس أنا واثقة فيك يا بيبي.
بعد هذه الجملة انهارت كل دفاعاته الواهية وبدأ في الاستسلام لمشاعره الجائعة، وقال وهو يحرك رأسه بقوة يسارًا ويمينًا:
– لا لا لا، يلا من هنا.
استخدمت آخر سلاح.. وبكت وهي توليه ظهرها، مد يده سحبها بقوة من كتفها وجعلها تقف أمامه ينظر إليها بنظرات جديدة عليه وعليها تمامًا، ومن غير تفكير دفعها لداخل الغرفة، حينما دخل استعاذ بالله من شيطانه الرجيم ووضع كل متعلاقاته الشخصية على المنضدة، ونظر نحوها وقال وهو يجاهد نفسه بعدم النظر على مفاتنها الفتاكة التي سوف توصله للهلاك:
– اتفضلي احكي.
بكت بحرقة وهي تضع وجهها بين كفيها، قائلة بشهقات:
– أصل زينة قالتلي إنك مش بتحبني.. وبتحبها هي.
– زينة! هي اللي قالتلك كده؟!
قالها باستغراب وذهول وهو ينهض بذعر، أومأت برأسها، رد عليها وهو يتوعد لـ”زينة” بغيظ:
– ومين زينة العيلة اللي هفكر فيها بعد العمر دا كله؟
اقتربت منه تعبس بأزرار قميصه بدلال:
– دي كمان بتقولي إنك هتسيبني علشانها.
اشتعل بركان غضبه، من الطفلة البلهاء التي أكد عليها أمس بأن لا تفصح عن الخبر حتى يدبر حاله بنفسه ويعلن عن الخبر في الوقت المناسب، فأجابها وهو يحك مقدمة رأسه:
– وأنتي بتصدقي عيلة زي دي، ولا بحبها ولا عمري فكرت فيها من الأساس.
– طب ممكن ما تكلمهاش خالص يا بيبي.
أردفتها بدلع ودلال وبرقة لا مثيل لها، جعلته يتذكر توهج مشاعره الرجولية.. فقال وهو يثبت عينه على مفاتنها بتفحص:
– أنا بكلمها علشان خاطر طنط فريدة.
– يعني.. بتحبنى أنا؟
– وأنتي لسه بتسألي.
– أمممم.
قالتها بدون أن تفتح فاها، فأردف بوقاحة:
– تحبي أثبتلك؟
اقتربت أكثر وأكثر منه وضعت يدها تحركها على ثغره بإغراء، أغمض عينه لوهلة متأثرًا بحركتها الجريئة، تصلب جسده لوهلة ثم بدأ يلين رويدًا رويدًا، لم يستطع تمالك أعصابه أكثر من ذلك فهو بشر من لحم ودم، وتدخل الشيطان في اللحظة الحاسمة فزاد من رغبتهما المشتعلة.
وضع يده على خصرها وضمها بقوة، ثم بدأ ينثر قبلاته المتفرقة على وجهها دون وعي حتى لمس شفتيها المغرية، وحرك يده بحرية على جسدها الذي أصبح شبه عارٍ، ومع أول أنين لها غابا معًا في بحر من المتعة المحرمة التي هيأها لهما مُغْوية شيطانة من الإنس.
***
في هذا الوقت كان هناك من يسابق الثواني ويركض بأقصى سرعة كالسهم، بعد أن وصل إليه مكالمة جعلته ينتفض من مكانه، وصل إلى العنوان الذي تلقاه من محادثه الذي ادعى أنه صديق لـ”وجود” وأخبره بما يحدث في غرفة الفندق المشؤمة. حينما وصل “مهيمن” لم يجد من يبحث عنهما، فتوجه وهو يلتقط أنفاسه اللاهثة:
– رقم الغرفة بتاعة وجود مهيمن؟
فردت عليه الموظفة بعملية وهي تبحث عن الاسم:
– وجود مهيمن محمد الزناتي.
– أيوه، انجزي غرفة كام.
قالها بعصبية مفرطة، ردت عليه بهدوء:
– حضرتك اتفضل في الريسبشن، ممنوع حد يطلع للنزلاء.
هتف “مهيمن” بصوت جهوري حاد:
– أقسم بالله لو ما نطقتي لهفرج عليكي الفندق كله. أنا أبوه.. انجزي.
– يا فندم…
قاطعها وهو يمسكها بقوة من ياقة بلوزتها، فتجمع الموظفين حولهما، فنطق شاب من خلفه برقم الغرفة، ركض بسرعة وقبل أن يصعد أوقفه من قال:
– بابا…
التفت له وهو يحمد ربه، لكنه فوجئ بأن من ينادى ليس ابنه وإنما شاب بعمر “وجود” يحدث والده العاجز، استدار وأكمل ركضه حتى وصل لرقم الغرفة يدعي الله بألا يكون قد حدث أي شيء، فتح الباب بالمفتاح البديل الذي أعطاه له الشاب نفسه الذي حدثه بالهاتف وادعى أنه صديق ابنه والذي أبلغه برقم الحجرة، كان يدخل الحجرة كالأسد الغاضب، عندما فتح الباب نهض “وجود” من وضعه المزري بهلع، وقف أبيه أمام الباب بوجه مقفهر يملأه العبوووس، مصدومًا بهذا الوضع الفاضح. ينظر لابنه بحزن فاقدًا للنطق من شدة صدمته به. تجمد “وجود” مكانه، ثم قال بتلعثم وبإحراج:
– بابا.. بلاش تفهم غلط.. هفهمك.
أغمض “مهيمن” جفنه بقوة ثم انسحب بهدوء، نهض “وجود” يرتدي ملابسه سريعًا.
وكانت هي تنام بحرية مبتسمة ابتسامة ناعمة نعومة الأفعى السامة. سحبت عليها غطاءها كي يسترها.. وكأن قطعة القماش هي ما تستر، ونسيت تمامًا أن روحها العارية من أي تقوى وخوف من الله ستظل فاضحة لكل أعمالها الرخيصة، وقبل أن ينصرف قامت بتمثيل مشهدًا آخر من مشاهد ليلتهما التي يقضيانها برعاية الشيطان. تنادي عليه بنبرة باكية:
– وجود ما تسيبنيش.
أغمض عينيه بقهر ولم يلتفت إليها، لكن عندما انصرف من الغرفة قامت تقهقه بسعادة قائلة لنفسها:
– حلو الجيم دا، بس للأسف يا بيبي لسه مش وصلنا للجيم أوفر.
***
حاول أن يستوقف أباه لكنه لم يعطِه الفرصة للحديث، صعد سيارته وتوجه لمنزله حتى يخرج ما في كبده بعيدًا عن البشر والفضيحة التي ستحدث بالتأكيد، كان “وجود” طوال الوقت يعاتب نفسه، عقله تبرأ من الذي كان يفعله منذ قليل، ظل كثيرًا يعنف نفسه؛ كيف يغضب ربه، كيف لا يتمالك أعصابه أمام مفاتنها، كيف جعته مثل العجين بين يديها؟ لم يصدق أنه أصبح بكل هذا الضعف أمام امرأه لعينة شيطانة في جسد إنسان، ولكن بماذا يفيد الندم.. إذا لم يَعُد بعقارب الساعة كي يمنع ما قد حدث.
***
ما زالت مشاهد الليلة السوداء مستمرة.. أمسكت “كاميليا” هاتفها ترسل رساله صوتية لـ”مهيمن”، أخرج محموله فور سماع صوت الرسالة ثم ضغط على زر التشغيل بعد تفكير فأتاه صوتها المرتجف المرتعب:
– عمو الحقني وجود اغتصبني وهرب، أنا زي بنتك يا عمو، بالله عليك اوعى تسيبني وما تاخدش حقي، خليه يستر عليا.
أوقف سيارته، وضع يده على رأسه ناظرً للسماء، بعد ما كان يريد فسخ الخطبة سيكون هو من يسرع بالزواج، قام بتسجيل رسالة صوتية ثم ضغط على زر الإرسال بيد ثقيلة فكان يجبرها على الإرسال:
– ما تقلقيش في أقرب فرصة هتكوني على ذمته.
سمعت الرسالة وقالت لذاتها بعد أن رتبت أفكارها الشيطانية:
– بعد ما كنت أنت يا وجود اللي بتحارب أهلك علشان الجوازة تتم، هخليهم هما قبل منك يتمنوا الجواز يتم وفي أسرع وقت.
ثم بعثت برسالة أخرى:
– يا أنكل وجود بعد اللي أخده مني مش هيبص في وشي تاني، هو قالي كده.
أصبح “مهيمن” في موقف لا يحسد عليه بعد أن كان يطلب من ابنه أن يتركها هو الذي يطلب منه أن يتزوج هذه البلهاء، أخرج حروفه بثقل وهو يخبرها في رسالة:
– لو مش بمزاجه هيبقى غصب عنه.
نهضت “كاميليا” وقلبها يغمره السعادة، أرتدت ملابسها ثم توجهت إلى سيارتها تكمل مسلسلها اللعين.
***
انتهت “توتا” من تمرينها ودخلت غرفة تبديل الملابس، سمعت “حازم” يقول بتحذير من الخارج:
– إياك ثم إياك أروح البيت ما ألاقيش أكل، وطبعًا مش محتاج أفكرك هعمل إيه؟
لوحت له بيدها وظلت تسبه وتلعنه بسرها، ثم خرجت وركبت مع رجال الأمن السيارة، ودخلت على فراشها ترمي جسدها بتعب، لكنها عندما تذكرت حديث “حازم”، قامت باستياء تجهز طعامًا سريعًا.
وضعت الطعام يطهى على الموقد، وجلست تقلب بالقنوات، حتى دخل عابس الوجه يتحدث الإيطالية باستشاطة قائلًا:
– لما لم تخبريني إلا الآن؟
أتاه صوتها الباكي، فرد عليها:
– كفى كفى سأتصرف.
ثم أغلق هاتفه وهو يقلع “تيشرته” بضيق وألقاه على الأريكة، فقامت من جواره تخبره بامتعاض:
– احترم نفسك والبس تيشيرتك.
أخرج أنفاسه بتأفف ورد عليها باقتضاب:
– حران.
– ما أنا حرانة، ومع ذلك لابسة.
– ما تقلعي حد ماسكك.
انصبغ وجهها من فظاظة كلماته، فأمسكت بزجاجة مياه وأفرغتها عليه، وهي تقول بسخرية:
– عشان يكون فيه طراوة.
رفع عينيه بعد ما أرجع شعره للخلف، وقام يركض خلفها:
– يا بنت المجنونة.
ركضت بسرعة لكن استوقفها رائحة شياط، صكت وجهها وهي تولول:
– يالهوووي الأكل اللي طلع عينيا وتعبت فيه اتحرق.
هرول مسرعًا على المطبخ أطفأ النار وكاد أن ينفجر:
– عاجبك كده؟
– أعملك إيه أنت السبب، اتنيل بقى وسيبني في حالي.
– والله ما أنا عاتقك.
واستمرا هما الاثنين بدفع الباب حتى نجح “حازم” في فتحه، صعدت تقف أعلى الفراش، قائلة بخوف:
– بقولك إيه، أنا برغم إني كنت مقتولة نوم وجسمي هيموتني عملتلك الأكل.
– ومقتولة من إيه؟
أجابته وهي تمثل البكاء على مَن افترى عليها:
– ربنا ما يسلط عليك الكابتن المفتري اللي بيدربني.
حدقها وهو يقذفها بوسادة:
– دا اللي هو أنا صح.
أمسكت الوسادة بين يديها ووضعتها أمام وجهه توضح له بابتسامة بلهاء:
– لا غلط طبعًا، أنت هنا جوزي.
فقال بسخط:
– أمممم، وهناك؟
– بعبع بأنياب حيوان مفترس.
– شكلك كده مفيش حاجة هتسكتك غير.
– غير إيه بقى إن شاء الله، لتكون هتضربني.
قالتها وهي تضع يدها على خصرها، فسحبها من قدميها وقام بتقبيلها بدون أي مقدمات، ثم نام وهو يخبرها:
– عقاب بسيط وياريت تغلطي فيا تاني، أصل بصراحة عاجبني العقاب دا أووي. مالك يعني اتخرستي.. أنا قولت كده بردو، هو دا اللي هيخرسك.
لم تتجرأ على النطق استكانت في مكانها واضعة يدها على ثغرها وعينيها مُحدقة بالسقف.
رواية غرورها جن جنوني الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ابتسام محمود
وصلت “كاميليا” إلى النادي، جلست على مقعد تراقب كل من دخل حتى وصلت من تبتغيها.
نهضت تتقدم نحوها ثم أمسكت بها من ثيابها تسحبها كالمقبوض عليها.
بصرتها “زينة” بضيق وهي تبعد يدها عنها قائلة:
– إزاي تسمحي لنفسك تمسكيني كده.
ضحكت بأعلى صوت ثم أخبرتها باستفزاز:
– لما تبصي وتخطفى حاجة ملك غيرك.
تلعثمت “زينة” وهي تقول بتوتر وارتباك:
– ت ت.. تقصدي إيه، لو سمحتي وضحي كلامك؟
لوحت لها بيدها ثم فتحت هاتفها على آخر تسجيل سجلته لـ”وجود” بعد أن قامت باجتزائه إلى مقطع واحد فقط هو ما تريد أن تسمعه لزينة:
– ومين زينة العيلة اللي هفكر فيها بعد العمر دا كله؟ ولا بحبها ولا عمري فكرت فيها من الأساس، أنا بكلمها علشان خاطر طنط فريدة.
ثم أغلقت هاتفها وذهبت من أمامها بعد أن رمتها بنظرة متشفية تاركة وراءها “زينة” بعينين موسعة ذهولًا، هاربة من وجهها الدماء كاللص الذي فر ولم نجد له أثرًا، ثم انتابتها نوبة هستيرية جعلتها تهز رأسه بنفي نافية ما سمعته.
وبعد لحظات اقتربت منها “كارما” و”مستقبل” بضحكاتهما المرحة تقول لها “كارما” بمشاكسة:
– بت دوختينا عليكي، يلا إيدك على خماشر جنيه جبتلك غزل البنات علشان تسكري وتحلوي أكتر ما أنتي حلوة، وتفرسي المسهوكة. مالك يا بت خدي كُلي قبل ما وجود يوصل ويشوفك بتاكلي وتفضحينا؟
– سيبك منها تعالي نغزل أنا وأنتي.
قالها “مستقبل” وهو يجذبها بعيد عنها، فأردفت باستفهام:
– مالها البت دي؟
ما زالت تحرك رأسها غير مستوعبة. هل هو يلعب بمشاعرها حتى يرضي أمها؟ أم هي تكذب عليها وليس هو من قال هذا الكلام؟
اقتربت “كارما” منها أكثر، بتعجب تقول:
– بتهزي رأسك كده ليه؟! أنتي ليه محسساني أني غاصبة عليكي البتاع دا أحيه عليا، مش أنتي اللي طلبتيه وبقالك ساعة بتتحايلي كمان.
– استني شكل فيه حاجة بجد.
قالها “مستقبل” بوجه جامد خالٍ من الفكاهة وكان يتمعن النظر بها، فأمسك شعرها الذي حاوط وجهها وجعله لم يظهر منه أي شيء، عندما أزاح بعض الخصلات الملتصقه بدموعها، فشاهد عبراتها تنهمر كالسيول بدون صوت، فحدثها بهدوء وتساؤل:
– حد من الشله ضايقك؟
لم تجِبه لكنها كما هي، فقال:
– طيب قابلتي وجود؟ يا بنتي اهدي وفهميني، أنتي شكلك بتستهبلي.
ثم نظر خلفها وقال:
– أهو وجود جه، تعالى شوف ال…
وقبل أن ينهي كلامه أمسكت ذراعه بقوة تبلغه بأنفاس متقطعة:
– مش عايزة أشوف حد، مش عايزة أشوف حد، مش عايزة أشوف حد.
وكان يقول “مستقبل” قبل أن تقع وتفقد الوعي:
– أهدي أهدي، والله بهزر معاكي هو مجاش أصلًا.
صرخت “كارما” بصدمة ثم حملها ووضعها على أريكة، ظل يحاول إفاقتها حتى فاقت تصرخ بتكرار آخر حديث والهلع والخوف والصدمة يظهرون بقوة بعينها المغيمة بالدموع، ووجهها الشاحب. ظلا يهدأنها بعد ما انصرف جميع من تجمعوا انتباهًا للموقف حتى يفهمون ما أصابها، فكانت عين الحمقاء بعيدًا تراقب رد فعلها بأكمله، ثم انصرفت نهائيًّا بعد ما أشبعت نزعة الحقد والتشفي بداخلها.
وصل “وجود” فيلاته، قال بصوت ضعيف:
– بابا بعد إذنك اديني فرصة أدافع بيها عن نفسي.
كان حال “مهيمن” لا يسر؛ ملامحه غاضبة، يشعر بالقرف، قال وهو جالس ينظر له:
– عارف لو كنت مستقبل والله ما كنت اتقهرت زي دلوقتي.
– مش كنت خلاص هتسيبها وتخطب زينة، ليه دمرت البنتين يا وجود، رد عليا يا ابني ليه كده..
قالتها “نايا” بخذلان وقهر في حين “مهيمن” يضرب يده بعرض الحائط محاولًا أن يستجمع هدوءه، لكن ثورانه لم يهدأ وكل ثانية تمر تجعله يفور أكثر من قبل، فأبلغه بصوت مزمجر حاد:
– ابني العاقل اللي كنت بفتكره صاحبي، يكلمني الصبح ويقولي هسيب الزفتة وهخطب زينة، أقوله ماشي وهنعمل خطة مع بعض ونخلي الزفتة هي اللي تسيبك، والمغرب يجيلي مكالمة إن الأستاذ والهانم دخلوا أوضة مع بعض، طبعًا ما صدقتش لكن المصيبة إني شوفتك بعيني، عايز بقى تفهمني إيه وأنا شايفك معاها وعلى سرير.
لم ينطق “وجود” مستعجبًا تلك الأيام؛ عندما امتلك السعادة ودق قلبه بنبضات الحب فاق على كابوس سيجعله حتمًا من التعساء. إحساسه بالذنب تجاه “زينة” التي لم يقدرها حق قدرها، ربما احتج القدر على زواجهما، كره اليوم الذي قابل فيه البلهاء ووجودها بحياته الذي أصبح واقعًا رغمًا عنه، أدرك الآن أن الألم هو القاعدة الأساسية، وما عداه هو الشذوذ. الآن الندم على ما فقده يهلكه داخل بئر لا نهاية له. طأطأ رأسه لأسفل خجلًا من نفسه، كان هذا الإحساس يزيده بالشعور بالذنب، والضعف يدمره، لم يوضع بأي مشكلة من قبل ولم يعتد على وقوفه أمام أبيه وهو مذنب. حتى بالمشكلة الوحيدة الذي فعلها من أجل “كاميليا” وهم صغار، تحمل عقوبتها أخوه ولم يجعله يفتش السر لأبيه حتى لا يوضع معه في خانة الولد المهمل المشاغب، يريد أن يكون دائمًا في نظر والديه أفضل شخص، فهو توأمه ويحبه كثيرًا بدون مقابل، في النهاية ندم على أنه لم يكن مسيطرًا على مشاعره كما كان يفعل سابقًا.
كان “مهيمن” مصدومًا في ابنه الذي يثق به، وتزعزعت تلك الثقة بخذلان كبيرٍ غير متوقع، فأصبح الأمر بمنزلة متاهة مظلمة لا يعرف مخرجًا منها، الوضع يزداد سوءًا وأصبح محبطًا للغاية. ولكن الأصعب من ذلك، عندما رأى ابنه يطأطئ رأسه تجاه الأرض، طوال عمره رباهم على رفع رأسهم مهما يحدث، انفجر من داخله على من يقف ولا يدافع عن نفسه، الآن تبخر كل شيء وابنه يزني ويضع رأسه بالأرض وأمامه. أثار غضبه أكثر وتوجه إليه يضربه بقوة، بعدما أصابه بالخذلان الشديد أولًا والخيبة أخيرًا.
وقفت “نايا” تبعد زوجها الغاضب عن ابنها، نالت بعض الصفعات واللكمات وكان “مهيمن” قد وصل للعميان لم يسمع ولم يشاهد، فقد أعصابه ولأول مرة. كان “وجود” يستقبل كل الهجمات بدون أن يتفادى أو يدافع عن نفسه، تتخبط داخله ذكريات بها ندم على ما اقترفه مع من أثارت بداخله شهوة وقتية فعاش معها وهم السعادة الكاذب، وبعضها ندم على من خسرها بعدما وجدها. يجوز لم يحالفه الحظ أن يكون خبيرًا في هذه الأمور، حتى يتعلم ويصبح متقد الإحساس والمشاعر مثل أخيه، ولم يكن مثله حتى الآن. يستقبل كل الضربات بدون أي مقاومة، أم ما زال إحساسه بالذنب يجعله خاضعًا لكل هذا، فهما عكس بعضهما في كل شيء إلا الشبه.
أخيرًا، وصل “مستقبل” حتى يفهم من أخيه ماذا حصل لـ”زينة” لكن أذهله المنظر، توجه على الفور يسحب أخاه من بين مخالب أبيه بمشاعر هائجة وبداخله ثورة، ظلت “نايا” تصرخ وتدب قدميها بقهر، فقال “مستقبل” بعد أن أنقذ أخاه بعصبية:
– فوق دا ابنك مهما حصل، مش سجين سياسي تحت إيدك.
حدقه “مهيمن” لوهلة وكان سيخرج به غضبه هو الآخر، لكن “نايا” بصرخات قالت:
– اخرس أنت يا مستقبل وخد أخوك واطلع.
كانت تحاول جاهدة أن تبعد ابنها في هذه اللحظة عن زوجها المستحوذ عليه شيطانه، لم يستجِب “مستقبل” لها وظل يتحدث حتى يدافع عن توأمه، فاق “مهيمن” على صراخ زوجته وانصرف من الفيلا بأكملها وهو يتألم من الداخل ويدمع من صميم قلبه، يؤلمه تذكر الواقعة؛ فالوضع الذي وضعه ابنه فيه كالخنجر السام يقطع أحشاءه، تعجز الكلمات عن وصفه لكنّ دموعه تكشفه؛ لذلك قرر الهروب.
هرولت “نايا” خلفه وهي تنادي، لم يبالِ لندائها، وقفت تشعر بالألم والحزن يملأ قلبها، والضعف يسيطر عليها، والقلق على حبيبها كالسهام تصوب عليها بمهارة، فلا أحد يشعر بمقدار ألمها في هذه اللحظة.
عندما خرج بسيارته من الفيلا، سمحت الفرصة لـ”كاميليا” بالتسلل للداخل ولم يرها أحد، صعدت غرفة نايا الجالسة بالخارج تبكي بقهر، ودخلت في غضون خمس دقائق، وقبل أن تراها نايا التي عزمت الصعود، اختبات “كاميليا” خلف الستار الثقيل الطويل.
جلس وجود يبكي بندم بعدما صعد هو وأخوه إلى الحجرة، عانقه وهو يتألم مثله من تلك الدموع التي تتساقط واحدة تلو الأخرى، وكان صمته يجعله يتمزق ويريد هدم العالم بأكمله، حدثه بقهر:
– وجود أنت بتبكي، نسيت اللي اتربينا عليه، اتكلم قول اللي جواك، واجه خطأك؟
كانت دموعه هي مطافئ نار قلبه، أردف بحزن:
– أنا موجوع أووي، جوايا نار مش قادر أطفيها.. موتني لو بتحبني، موتني عايز ارتاح من تأنيب ضميري.
– استهدى بالله، مفيش حاجة تستاهل إنك تموت عليها، وأبوك ياما عمل فيا أكتر من كده بميت مرة.
ثم زاد بمزاح:
– أنت لسه جديد في الكار، أجمد كده يا شق أنت لسه شوفت حاجة، طب استنى بس عليه لما يرجع هيكلمك ولا كأن حاجة حصلت.
أجابه وهو ما زال على حالته الحزينة نفسها:
– مستقبل كل اللي عمله بابا مش مزعلني، ومن حقه يعمل أكتر من كده.
– الدموع والحزن، والقهر اللي أنت فيه أسلحة الضعاف، وأنت عمرك ما كنت مستسلم.
– أنا زنيت يا مستقبل، أنت فاهم دا معناه إيه.. لازم أموت مرجوم علشان ربنا يغفرلي، كنت سبته يموتني، أنا خايف أقابل ربنا. بص لو أنت بتحبني وخايف عليا ارحمني بالله عليك، مش هقدر اتحمل عذاب الله، بس هتحمل الرجم يلا يا مستقبل.
قالها “وجود” بخوف حقيقي من عقاب الله، كان يسمعه “مستقبل” بصدمة وذهول، لم يتوقع أخاه العاقل الذي يحذره دائمًا من الاقتراب منها هو من يقع فيها، أمسك رأسه محاولًا أن يستنتج شيئًا. انهيار “زينة” في الصباح، وهو يقول فعل الزنى، لكن لم يترك “زينة” وقتًا طويلًا حتى يحدث كل هذا، ممكن يعتبر التحرش زنى، لا أخوه كبير ومثقف ويقدر أن يفرق جيدًا، كان يحدث نفسه حتى نطق وقال بهدوء وعين دامعة:
– يا حبيبي أهدى، ربنا قال لازم يكون فيه أربع شهود، وما أظنش إن فيه شهود.
– لا فيه.
– مين.
– بابا.
– يا حبيبي اهدى، طالما مش قد العدد يبقى ربنا سترك، فأنت استر نفسك، واللي يستره الرب ما يفضحهوش العبد.
– أنا خايف أوي من ربنا.
أمسك “مستقبل” هاتفه باحثًا به عن أي فتوى:
– هبحث على مواقع إسلامية، علشان أطمنك.
نهض “وجود” ودخل المرحاض الخاص، يغسل وجهه المتسخ بالدماء، وخرج بدل ملابسه وهو يقول:
– لا أنا هروح لشيخ أكلمه ويكلمني عايز أطمن أكتر.
ثم توجه يبحث عن هاتفه، فقال “مستقبل” بتساؤل:
– أنت رايح فين؟
– رايح أشوف إيه اللي شقلب حالي وخلاني وصلت لكده.
– وأنا اللي كنت جاي أسألك مالها؟
قالها “مستقبل” بضيق، ضاقت عين وجود وقال باستغراب:
– تسألني عن مين؟
– عن الضحية، ليه منهارة.
– وأنت شوفت “كاميليا” فين؟
اندهش فور سماع أسمع “كاميليا” فأردف بارتباك عندما أدرك الأمر:
– لا ما شوفتهاش.
– أمال تقصد مين؟
– لا ما تاخدش في بالك، بخرف من أثر البوكس اللي أخدته بدالك.
– ما تنطق يا مستقبل.
قالها بثورة، وقبل أن ينطق أنجده صوت كسر شيء كبير، وفي هذه اللحظة كانت والدتهما تصعد السلم، فنظرت خلفها على مصدر الصوت لم تجد أحدًا. نزلت درجتين من السلم، لا تلاحظ أحد بالمكان إلا فازة كبيرة الحجم كانت توضع على منضدة قبل باب المنزل أصبحت متحطمة مثل قلوب من في المنزل، فنزل “وجود” و”مستقبل” بهلع، وأردف مستقبل بتساؤل:
– أنتي كويسة يا ماما؟
لم تعطِ ردًّا وتعلقت عينيها بمن ما زال ينزف وجهه وأنفه بالدماء، فصعدت مهرولة إليه تعانقه بحنان وتربت عليه، دمعها ينحدر حزنًا على ما آل إليه حالهم، وتقبض بكف يدها على كتفه تريد أن تدخله داخل ضلوعها حتى ترطب على جروحه الداخلية قبل الخارجية، بعد لحظة طلبت من “مستقبل” بصوت واهن ضعيف:
– روح هات شنطة أدوات الإسعافات بسرعة.
ذهب مستجيبًا لها، فأمسك “وجود” كف يدها تطلع بعينيها بندم، ثم رفع يده اليسرى وبداخله اشتعال لا مثيل له، مسح وجنتيها المحترقة بطرف أنامله الخشنة القوية التي على وجنتها بمنزلة كريم مرطب، قبل باطن يدها فكانت تضم شفتيها تكتم شهقتها التي تكاد تشق صدرها، أخيرًا انقطع الصمت وأخبرها بنبرة حزينة هامسة:
– والله يا أمي ما اعرفش إزاي حصل كده كأن عقلي اتشل، والله كنت مسلوب الإرادة، وكأن مغناطيس هو اللي كان بيتحكم فيا.
ربتت على كتفه وهي تبلع ريقها الجاف، ثم تشبثت بكفيها على وجنتي من كبر وأصبح رجلًا وسيمًا:
– أنت ابن بطني مهما تكبر، ومن أول ما أبص في عيونك هعرف الحقيقة.
– طب طمنيني.. عرفتي إيه يا أمي، خلي ضميري يرتاح.
قالها وهو يضع رأسه على صدرها الحنون، لفت ذراعها حوله وأسندت رأسها عليه ونطقت بثقة:
– ولا أنت ولا أخوك، تعملوا كده.
ثم وجهت عينيها على من جلب لها حقيبة الإسعافات الأولية، وقالت ممازحة:
– آه الواد التافه دا غلباوي وبتاع بنات بس أنا واثقة عمره ما يفكر حتى التفكير إنه يلمس بنت، طبعًا الكلام ما يعمش على البت الغلبانة كاري المفحوتة.
قالت آخر جملة حتى تخفف من أجواء المكان، فرد عليها “مستقبل” بمشاكسة:
– دايمًا ظلماني.
– اتنيل، بأمارة قلم الروج اللي أمها بتحطهولها كل ما تقابلك.
رفع “وجود” رأسه من على صدر أمه مسح وجهه وهو يحدق بأخيه الذي يعلم كل ما يريده، ولم يأتِ على نفسه حتى يرضي من حوله، فقال “مستقبل” بصدمة وإحراج:
– إيه دا! هي ما كانتش بتحطهولها علشان تملى عيني وابطل بص على البنات وكده.
– لا وأنت الصادق علشان تقفشها لو اتمسح.
قالتها وهي تعوج شفتها يسارًا ويمينًا، أجابها وهو يجلس ويمسح شعره:
– شوف إزاي، وأنا اللي كنت فاكر.
ابتسم “وجود” برغم حزنه، ثم قبل يد أمه ونهض بتعب جسدي يبحث عن رقم “كاميليا” بهاتفه بعين حمراء، ثم قام بالضغط على سهم الاتصال، فأتاه صوتها الناعس الممحون:
– وحشتني يا…
وقبل أن تكمل كلامها أردف بحدة:
– أنتي فين؟
– مش قادر خلاص تستغنى عني؟
قالتها بعد ما أطلقت ضحكتها البلهاء، فكرر سؤاله بحدة، أجابته بميوعة:
– طيب قولي أنت ليه بتسأل، بلاش أخمن أنا.
تنهد بحرارة وهو يسألها متمنيًا إجابة تريح باله:
– عايز أعرف الحقيقة.
– حقيقة إيه يا بيبي! على العموم أنا على السرير جسمي مكسر، ومش قادرة أقف على رجلي.
– عايز أقابلك.
قالها بلهجة أمر، فأردفت والفرحة ترقص داخلها، لكن ظنت لهفته هذه المرة خطأ، فأخبرته بدلع:
– بيبي بقولك على السرير، شكلك بقت مجرم.
– كاميلياااا.
أبلغها بها بصوت عالٍ مستشاط، أجابته بلامبالاة:
– طبعًا مش هينفع، وباي باي الموب هيفصل.
بعد أن أنهت آخر حروفها أغلقت الهاتف نهائيًّا، ووضعته داخل جيب بنطالها من الخلف، ثم وضعت يدها على صدرها تستنشق من الأكسجين بسعادة، ثم أولت ظهرها تخبر الرجل الذي يقف أمامها وهي تلوح بيدها بأوراق:
– الورق أهو، انجز وريني فلوسك علشان نخلص.
– تؤ تؤ تؤ القطة بقت بتخربش.
قالها رجل في عقده الرابع، يحمل سيجارة داخل فمه ويضع على عينه اليسرى غطاء كالقرصان، فنحرته بقوة:
– انجز الفلوس.
– فلوس إيه يا حلوة؟ مش اتفاقنا نشوف عملية زرع جنين هتكلف كام؟ وبعد كده نقرر هيبقى ليكي كام.
ازدردت لعابها وهي ترجع للخلف بالورق:
– طب أي حاجة تحت الحساب، ما عرضتش نفسي للخطر وفي الآخر اطلع…
– هتطلعي ببيبي وتلبسي البيه فيه…
عض شفته بجراءة وأكمل وهو يبلع لعابه المتعطش من جمالها:
– عايزة إيه أكتر من كده، واوعي تنسي حساب المنشط اللي جاب من الآخر وخلى السبع يندلق، اللي لولاه ما كانش اتحرك.. حتى لو كنتي قلبتي هند رستم.
قالها وهو يتفحصها بوقاحة، ثم ألقى السيجار الذي كانت تستقر في فمه، وسحب الورق من بين يدها بعين حادة، فقالت بصوت مرتعب وهي تتصنع الجمود:
– خليك فاكر إن لو ضعت مش هضيع لوحدي، وخلاص مش باقية على حاجة، وبرقع الحيا دفنته بإيدي.
صفق عدة مرات، بعدما وضع الورق تحت ذراعه يبلغها باستهزاء:
– حلو التهديد، لا ورعبني برافو.
ثم تركها وصعد سيارته، وهو يشير لها بإصبعيه الوسطى والسبابة، وينصرف من المكان الذي أصبح مغبرًا بالرمال المحيطة من سرعة تحرك السيارة، صعدت سيارتها وهي تسعل من كثرة الغبار، تفتح هاتفها، وجدت الذي كان يتصل بها مرة واحدة فقط ولم يعاود الكرة مهما كان سبب اتصاله، يتصل بها الآن بدل المرة ألف، سحبت سيجارة وأشعلتها وهي تعلي صوت الأغاني، وظلت تنفخ الدخان وهي تطالع رناته وتغني مع الأغنية المخصصه له.
أصبح “وجود” مثل الوحش المفترس يريد تحطيم المنزل بأكمله حتى يفهم ما حدث له، صبره أخاه وأخذ المحمول من يده وقال له:
– الصباح رباح.
– اسمع كلام أخوك، وكل بداية ليها نهاية.
قالتها “نايا” بتعب، أومأ برأسه وانصرف يهدأ من نفسه، مال “مستقبل” على أمه يوقفها وأوصلها غرفتها، أمسكت يده بقوة تبلغه بترجٍ:
– أخوك عينك عليه.
– ما تقلقيش عليه.
ربتت عليه ثم دلفت بخطوات بطيئة غرفتها وأغلقت خلفها الباب، لكن فور وقوع عينها على مكتبه لم تجد ورق اختراعها الذي نسيته دون أن تخفيه عن الأعين كعادتها.. عندما أتى “مهيمن” هائجًا، وضعت يدها على شفتيها تكتم صراخها حتى لا تزيدهم همومًا، فضلت الصمت في هذا الوقت؛ لأن ابنها أغلى من أي شيء.
دخل “مستقبل” لغرفته، اتصل بأبيه يطمئن عليه، فتح “مهيمن” الخط ولم يرد منتظرًا يبلغه ما يريده، فكان يود الاطمئنان على ابنه الذي خاب فيه ظنه، فأتاه صوت هامس مترجٍ:
– بابا طمني عليك، بالله عليك رد عليا، “وجود” هيموت…
قاطعه “مهيمن” بلهفة واستفسار:
– ماله وجود يا مستقبل؟
– لا أقصد هيموت من الزعل وتأنيب ضميره بسبب اللي حصل، دا نفسه يموت مرجوم من خوفه من عذاب ربنا، فبالله عليك ما يبقاش أنت وضميره عليه.
– أنت يا مستقبل اللي بتقول كده، أنا ما اقدرش على وجع قلب حد فيكم.. اقفل يا مستقبل ههدى شوية وهجيله.
أغلق الهاتف ونظر للسماء يدعي الله يغفر له، وأن ينتهي الموضوع على خير بدون افتضاح وتسوء سمعة ابنه، ثم قام يمشي حتى وصل إلى مسجد فبعدما تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود صدح الأذان بمساجد عروس البحر الأبيض المتوسط، دخل أدى فرضه واقترب للشيخ العجوز الودود يتحدث معه.
في أثناء دخول “مهيمن” المسجد، استيقظت “توتا” نظرت بجوارها كالعاده لم تجد “حازم”، هذه المرة لعبت الظنون بعقلها، قامت تبحث عنه، لم تجده بالبيت بأكمله، دخلت شرفتها ووقفت بها، رأته يدخل يتلفت حول نفسه ثم دخل المنزل، خرجت من الشرفة ووقفت أول الدرج فرأته بعد أن عدل هندامه، توجه على برواز بالحائط أزاله ووضع مالًا داخل الخزنة، ثم أعاد كل شيء بمكانه وبدل ملابسه وعندما لمح “توتا” جلس على “البيانو” وادعى أنه يعزف عليه، فنزلت بخطوات مهرولة وهي تدعي عدم معرفتها بأنه كان بالخارج، وأردفت بصوت ناعس:
– أنت كنت فين؟
– أنا هنا من بدري.
أجابها بابتسامة تحمل البرود، فقالت بحزم:
– والناس على الفجر تصلي ولا تعزف يا.. دكتور.
قالت آخر كلمة بتريقة، ثم تركته وهي يقتلها فضولها حتى تعرف الحقيقة، وسبب اختفائه كل ليلة، بالتأكيد أن يكون خارج البيت مثل هذا اليوم.
– هو أنا سألتك لكل الإجابة العريضة دي؟
قالتها عندما هدأ فضولها قليلًا، وكادت أن تبتسم لكن لم تقوَ على تلجيم لسانها المتعجرف، لم يرد عليها واكتفى بفرد جسده، الذي يشعر أنه محطم حقًّا، أما هي استمر عقلها يتجول بين العديد من الأسئلة، هل كان بالتأكيد كل هذا الوقت بالأسفل وذهب للصلاة وأتى بعدها على الفور، كيف وهو أنكر بالبداية أنه ترك المنزل وأكد وجوده في البيت، فقالت لنفسها:
– يمكن نسي وافتكر وهو بيكلمني، ثم تذكرت المال الذي حضر به ووضعه داخل الخزينة التي تستقر خلف الصورة المعلقة بالحائط، وضعت يدها اليسرى على خصرها وهي تقول بداخها:
– لا لا لا، الموضوع شكله كبير وأنا وراك يا حازم.
أخيرًا تركت كل الأفكار للأيام وهي تنسج لها خيوط الأدلة والبراهين، التي تجعلها تصل بها إلى نهاية الخيط ومعرفة الحقيقة.
رواية غرورها جن جنوني الفصل العشرون 20 - بقلم ابتسام محمود
بعد وصول “مهيمن” لمنزله، صعد غرفة “وجود”. طرق بابه مرة واحدة بهدوء. وقبل أن ينصرف، نهض بعد أن مسح وجهه ليفتح الباب، سامحًا له بالدخول.
جلس والده على الأريكة بعدما تطلع في وجهه المنتفخ، الذي يظهر عليه علامة الضرب المخلوطة بعلامات آثار القبلات الحارة التي تظهر على عنقه. ظهر على ملامح وجهه شعور مختلط بالندم على ما فعله به، والضيق على ما فعله ابنه. فقرر “وجود” كسر الصمت:
– بابا، صدقني مش زعلان منك.
رمقه وهو يخبره بنبرة ضعيفة:
– بس أنا زعلان منك ومن تصرفي. ليه؟
سحب أنفاسه بعد أن بلل شفتيه، وقال بهدوء:
– والله غصب عني، وهي اللي طلبت نطلع سويت.
قالها بندم شديد وتبرير واهٍ. فنطق أبيه بحزم:
– وجود، مش عايز أسمع مبررات. اديني أدلة؛ لأن لو ما قدرتش تثبت ولو بدليل واحد إن اللي حصل كان خارج عن إرادتك، أنا هكون واقف معاها.
– قصد حضرتك هتجوزهالي غصب؟
أخرج الكلمات بصعوبة من داخل حلقه الذي أصبح مرًّا كالعلقم. لم يجبه، ونهض يبلغه:
– معايا شيخ تحت، عايزك تقعد معاه وتطلع الأفكار المجنونة من دماغك؛ لأن يوم تخليك عن الدنيا، هكون أنا وأمك قبليك في التربة.
بكى “وجود” بحرقة. رفع والده يده يعانقه بحنان وحب، ثم أبعده ليمسح عبرات ابنه المحترقة. وأمسك يده متوجهًا به للشيخ الذي أحضره حتى يهدئ من روع ابنه. استقبله الشيخ بابتسامة تحمل الكثير من الصدق والإيمان، ملامحه يشع منها النور. فاقترب إليه بسعادة محت آلامه. بمجرد رؤيته فقط شعر بالاطمئنان. انصرف “مهيمن” وترك لهما مساحة لتبادل الحديث بحرية. بعد ما تبادلا السلام والحديث المتفرق، لم يسمح له بإفشاء سره قائلًا:
– سرك لا تفشيه، فالله يعلمه جيدًا. عليك بالتوبة يا ولدي.
– حتى لو…
وضع الشيخ يده على فمه يبلغه بتأكيد:
– حتى لو. ما عليك إلا التوبة النصوحة، وكما قال الرسول الأمين: (التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ).. حتى لو كانت ذنوبك مثل زبد البحر.
– طيب، إيه هي شروط التوبة من أي معصية؟
– الندم، الاستغفار ليل ونهار، وأن تعزم على عدم الرجوع لهذا الذنب مرة أخرى.
– ولو رجعت؟ مع أني واثق مش هرجع.
– عليك بتكرار التوبة، دين الإسلام يسر وليس عسر.
سكن قلب “وجود” السكينة، وأصبح لا يفكر إلا في التوبة، وكيف يكشف لعبتها ويَحْضُر بدليل براءته لأبيه. انصرف الشيخ مع “مهيمن” وأصر أن يوصله مكان منزله.
بعد سطوع قرص الشمس الذهبي، نهض “وجود” يتصل بخطيبته حتى يذهب معها إلى العمل ويفهم منها كل شيء. لكن المتعجرفة زادت في دلالها وشعرت بلهفته عليها بعدما فعل. نعم، هي لا تفهم وتظن كل الرجال لا يفكرون إلا باتباع شهواتهم كما تفكر هي. ازدادت نوبة غضبه من تهربها ويحدث نفسه:
– يا سافلة، بدل ما تعيطي وتقولي استرني، أنتي اللي بتتهربي.. دا في حد ذاته أكبر دليل على خططك واستمرارك فيها.. حاضر يا سافلة.
قرر أن يتوجه إلى منزلها، لكنه خشي أن ينفعل في وجود أهلها ويزيد المشكلة. حاول أن يركز بالطريق، وحين وصل إلى عمله، لم يجدها. زفر أنفاسه وبعث لها برسالة:
– ممكن أفهم ما بترديش ليه؟ وما جيتيش الشركة ليه؟
فتحت الرسالة بوجه ضاحك من السعادة، ثم ردت بعد وقت كان قد اشتعل بركان غضبه منها:
– وجود، أنا مكسوفة منك أوي، مش عارفة إزاي هوريلك وشي بعد اللي حصل. أكيد رأيك فيا اتغير وبقيت شايفني شمال.
بعد أن وصلت له الرسالة، تدمر نفسيًّا. هل من الممكن أن تكون بريئة كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب؟ هل هو الجاني بالفعل، وهي كانت تود أن تبكي بحريتها، وهي تشتكي من فتاته الصغيرة بعيدًا عن أعين الناس؟ هل هو الآن ذئب بملامح بشر؟ نفض كل ما يدور بعقله، نهض من على مقعده الجلدي وتجاهل كل أعماله وذهب لها إلى بيتها.
تفتح “توتا” عينيها المتورمة من قلة النوم. تدخل إلى المرحاض الخاص بعد تأكدها بانصراف “حازم” كعادته في الصباح الباكر إلى عمله بالمشفى. وضعت يدها على ظهرها المتكسر من تحنطها على الفراش طوال الليل حتى لا تتخطى حدودها سهوًا. ظلت ترجع للخلف حتى تطقطق ظهرها بالكامل وشعرت بالراحة عن ذي قبل. فتحت باب الحمام ودلفت بعين يستحوذ عليها النوم، حتى أفزعها صوت القائل من وراء ستار الدش:
– خدي ثواب بقى وناوليني الفوطة.
صدمها وجعلها تجمدت مكانها وهي تغمي عينها. أردف بجرأة بعد أن تطلع إليها:
– ما تخلصي.. طب خليكي أطلع آخدها بنفسي.
ردت بحدة ممتزجة بإحراج:
– لا لا، استنى هجيبهالك، إياك تطلع يا حيوان يا سافل كده.
لم يلقي لها بالًا وخرج، جعل جسدها يتصلب مكانه فتمطره بوابل من الشتائم، لكنه ضحك بقوة ثم حاوط خصرها المتشنج. شعرت بحرارة جسده المتوهجة، فأردف بصوته الأجش بجانب أذنها:
– تصدقي شكلك حلو أوي وأنتي مكسوفة ولسانك بينقط سكر.
من شدة إحراجها، نزلت دموعها. تركها وانصرف خارج المرحاض. تسمرت مكانها بعينين واسعة مصدومة تتابع خروجه أمامها. إنه يرتدي زيه الكلاسيكي المتألق الذي يليق بمهنة الطبيب، وهي كل هذا الوقت كانت لا تقدر على التحرك حتى لا ترى ما لا يحلو لها. فكان هو على وشك الخروج حتى دخلت هي، لكنه عندما سمع خطواتها رجع خلف الستار حتى يمازحها بخدعة كي يمرحا معًا. أطلقت سبته بسرها وخرجت من دون أن تفعل ما أتت من أجله، قائلة له وهي تعقد ذراعيها على صدرها:
– على فكرة حضرتك سخيف.
– وإيه لزوم حضرتك من الأساس.
قالها وهو يميل بجزعه العلوي يعقد حذاءه، فتندفع وهي تقترب عليه فتقع صورة يضعها على طاولة مستديرة لبنت مولودة وطفل صغير. فينهض مسرعًا يمسكها يلملم بقايا الزجاج المنكسر وهو يرمقها بضيق، فقال وهو يصك أسنانه:
– يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.
وبعد الانتهاء من تنظيف الأرض، فرد جسده الممشوق بطوله الفارع ذاهبًا إلى عمله، فتخبره باستفزاز:
– استنى خدني معاك بيت بابا، وعايزة أعمل معاك ديل جدي.
رفع حاجبه الأيسر ناظرًا لها شزرًا مستغربًا ثم قال:
– خلاص قررتي تعيشي عند أبوكي.
ضحكت بهدوء ثم قالت:
– مش للدرجة دي، النهاردا أخو كاري عامل حفلة لعيد ميلاد ابنه، فلو سمحت تعاملني زي أي راجل شيك ذوق متحضر بيحب مراته ويقدرها قدام الناس.
أشار على نفسه بدهشة وفتح عينه بدهشة، وأردف من بين أسنانه:
– حلو أووي، أنا هروح معاكي وأنتي كمان هتحضري معايا حفلة تبع أصحابي بعد البطولة، وبكده الديل خلصان بفيونكة.
قال آخر كلمة وهو يمسك الفيونكة الموضوعة بشياكة على صدر (تيشيرتها). ابتلعت ريقها وهي ترجع شعرها للخلف ثم بسطت يدها:
– ديل.
ثم أكملت وهي تعوج شفتها:
– حاطط كيلو برفان على الصبح.. الرحمة يا رب، أنت يا بابا رايح مستشفى يعني كل اللي أنت عاملة في نفسك ولا له قيمة.
تطلعها بتعجب، فأزادت:
– أيوه اسمع مني، إلا بقى لو في دماغك هدف تاني.
رد عليها بعد أن سمعها وهو رافع حاجبيه بذهول:
– واللي هو؟!
– تعلق الممرضات، أو المرضى.
أغمض عينه بهدوء ثم فتحها سريعًا وهو يزدرد لعابه، وأخبرها:
– بصي مش هقول غير إنك بني آدمة بتفهمي، شابووو ليكي بجد.
ثم أبعدها وهو يقول:
– وسعي كده اديني مساحة اصقفلك وأرفع ليكي الجزمة على الصبح.
ركضت من أمامه بخوف قائلة:
– هو دا الديل يا متعلم، فين حرية الرأي والتعبير.
– أديكي قولتي عند المتعلمين.
ألقت كل ما تحمله بيدها وجريت برعب حقيقي بعد أن رأته يصك أسنانه ويكور قبضة يده. أمسكها بعد أن هرول خلفها، ثم رمق عينيها الخائفة بحب وأخذها داخل حضنه. غصب عنها يهمس بجوار أذنها بهمس حار:
– مش عايز أشوف نظرة الخوف دي مني تاني؛ لأن أنا أبسط ما يكون وما اقدرش أمد أيدي عليكي مهما حصل؛ لأن لو فكرت بس.. مش هخليكي على ذمتي ثانية واحدة.
ثم تركها وهو يقول بضيق، وصوت مرتفع، ويضرب كفًّا على كف:
– أنا اصطبحت بوش مين النهاردا؟
أشارت على نفسها بابتسامة بلهاء، بعد أن حولت بصرها مكان ما تستقر عينه، فتنبهت من نوم عجل السيارة على الأرض. ظل واقفًا يستغفر ربه، ثم أزاحها وبعدها عن طريقه قائلًا بسخرية:
– بركاتك يا خضرة، انجزي البسي لحد ما أغير الكوتش.
صعدت وبداخلها إحساس يحتل مشاعرها. سعادتها الداخلية تجعلها تحلق فوق السحاب من شدة الفرح، وضربات قلبها التي تنبض وتهيمن بشدةٍ عند الالتقاء به. لكن ما زالت ينقصها هرمون الدوبامين، الذي يجعلها متحمسة وراغبة في الارتباط والتعمق في علاقتها أكثر، حتى أن تصل إلى لذة الحب والغوص في أعماقه، وحتمًا ستنعم بالسعادة والاستقرار في حياتها. بعد أن بدلت ملابسها، تناهى إلى سمعه صوت ضحكتها فكانت تضحك بقوة عندما شاهدت وجهه الملطخ بالشحم:
– شكلك بقى تحفة.
– قولي والله.
قالها بغيظ، هزت رأسها بعدم اقتناع، ثم قربت يدها من وجهه بعد أن صبغت إصبعها السبابة بالشحم، ثم مررت يدها تحت عيناه، وأبلغه برضى:
– كده أقسم إنه تحفة.
كاد أن يمسكها يسحقها، لكنه أخرج غضبه في باب العربة وهو يغلقه بقوة:
– علشان تتبسطي أهو ولا حتى كلبة معدية هتبصلي.
– أحسن.
قالتها بشماتة، ثم قالت بصوت منخفض مسموع:
– يالهوووي محسسني إنه هارون الرشيد.
– لا أحسن، وانجزي علشان متأخر.
قالها وهو يدير محرك سيارته، فتصعد وهي تبلغه:
– أهو هيعمل فيها مهم كل دا علشان قولتله وصلني.
عض شفته السفلى وقرر الصمت.
وصل “وجود” بيت “كاميليا” لم يجد أهلها. بعث أحد الخدم ينادي عليها فرفضت النزول. صعد لها بعصبية:
– مش كفاية دلع وتفهميني اللي حصل دا حصل إزاي؟
ردت عليه بضعف من بين انهيارها ودموعها المتساقطة:
– بس يا وجود كفاية، أنا تعبانة نفسيًّا أكتر منك.. أرجوك ارحمني، دا جزاتي إني بثق فيك تعمل فيا كده؟ بقى حتة العيلة الصفرة تبهدلني الصبح، وأنت تعمل فيا كده بليل؟ ممكن افهم الغرض من اللي حصل دا كله إيه؟
صمتت لثوانٍ.. تولي ظهرها وهي تضع يدها المرتعشة على عينيها، تخرج صوتها المتحشرج بقول:
– مش عايز تتجوزني.. براحتك، بس ما تهدنيش وتخسرني أعز ما أملك.
قالت آخر جملة بصراخ يشبه الثورة. أمسك يديها التي كانت تضربه بها على صدره يخبرها بحزن على ما وصلا إليه:
– يا كاميليا أنتي فاهمة غلط…
قاطعته بنبرة مرتجفة وهي تبتعد عنه:
– طيب لو سمحت سيبني لوحدي، سيبني أداوي جروحي بنفسي، وما تقلقش مش هموت، سيبني يا وجود اتفضل.
حالتها جعلته يتعاطف معها وندم أكثر من قبل، فأخبرها بوهن:
– كاميليا أنا مش هسيبك وأوعي تفتكري إني شهواني؛ لأني والله مش كده.
بصرته بسرعة البرق مبتسمة بحزن تردف بتساؤل:
– بجد يا وجود.
– بجد يا كاميليا.
ارتمت على صدره وهي تفتح فاها بسعادة وانتصار لما حققته حتى الآن من خطتها الشيطانية. رفع يده بثقل يضمها بعد تردد وتفكير، ثم تركها بلطف وتوجه إلى فيلاته. اضطربت كل أفكاره وعليه الآن التفكير من جديد في مسار حياته، وعليه اختيار خيار واحد من كلا الخيارين؛ إما الانسحاب من حياة “كاميليا” ويصبح ندلًا أمام نفسه والمجتمع، وإما البعد والتخلي عن قلب “زينة” البريء. أصبح داخل دوامة حتمًا ستهلك حياته، لم يقدر على التفكير وظل يجوب غرفته بعقل يكاد أن ينفجر، يختار ضحيته أم يختار من دق قلبه لها. ضرب رأسه بعرض الحائط حتى تدفق منها الدماء، فمنظر الدم أوحى له باختيار قراره الأخير.. وهو أنه لن يستطيع أن يتحمل رؤية أي سوء لمن عاش حياته يدافع عنها فلمَ يتخلى عنها بالنهاية؟ فـ”زينة” الحياة أمامها والأيام ستداوي جرح قلبها الأبيض النقي.
صوت آلة التنبيه بالطريق المزدحم، كان يعصب “حازم” المتأخر، فقال باستشاطة وهو يحدق في ساعة يده:
– آه ما أنا أصطبحت بوش مين؟
– ما قولتلك أنا.
قالتها وهي تضربه على كتفه بضيق، فرد عليها وهو يتنهد:
– هو أنا بسألك.. يخربت استفزازك، أنا اتأخرت على الشغل.
ردت عليه بلامبالاة وغير قصد:
– عادي ما هي مستشفى أمك.
رمقها بحدة وهو يجز على أسنانه يريد أن ينقض عليها حتى يفترسها، فوضحت حديثها وهي تلتصق بباب العربة:
– لا والله اوعى تفتكر إني بشتم أنا بقول الحقيقة. في إيه بتبصلي كده ليه؟! مش هي ملك أمك، طب والدتك حلو.
نظر أمامه.. عندما فتح الطريق تحرك بسرعة جنونية جعلت صوت العجل يحتك بقوة بالإسفلت.
وحين أوصلها أمام فيلا والدها، أصرت العربة على عدم التحرك، فأردف وهي تنزل تتبختر أمامه بخطواتها المثيرة:
– يا رب أنا اصطبحت بوش مين؟
أولت رأسها فقط، تشير على نفسها وهي تقهقه بقوة.
ضغط بطرف أسنانه على شفته وهو يغمض عينه يستنشق الهواء المحمل بعطرها، فصدمهما مظهر “وجود” الذي لا يبدو عليه أبدًا أنه على ما يرام، غير وجود بعض الكدمات عليه، وأثار الدماء. توجهت إليه بقلق تستفسر عن حاله، لكنه لم يقف ولم يجبها، فانحدر “حازم” من سيارته ناظرًا لها أن تتركهما وتذهب للداخل. سمعت له وهي تشعر بالتوتر على حال أخيها. أمسك ذراعه بقوة جعله يقف رغمًا عنه:
– أنت عملت حادثة؟
تطلعه لحظات ولم يدرِ ماذا يقول، هل يصارح صديقه بما فعله ويجعله ينظر لخطيبته نظرات استحقار؟ كيف وهي ستصبح زوجته؟ اكتفى برفع يده يبعد يد “حازم” عنه قائلًا باقتضاب:
– لا، دايخ شوية.
استغرب رده، فأبلغه:
– العربية حالفة ما تتحرك من هنا، تعالى وصلني المستشفى أنا متأخر، وأقيس ليك الضغط بالمرة.
ألقى مفتاح سيارته له وانصرف يجلس بالحديقة في صمت. وقف مذهولًا لكنه احترم صمته وتركه حتى يهدأ ويحكي له كل شيء بمفرده.
حين دخلت “توتا” للداخل وجدت الكل عابس الوجه، فقالت باستفسار:
– كده بقى أكيد فيه.
قامت “نايا” تصافحها بابتسامة برعت في رسمها، وأخذتها لغرفتها تحكي معها في أي شيء، حتى تبعدها عن ابنها المتخبط داخل أفكاره. وعندما كلمتها عن “حازم”، ظلت تحكي أشياء كثيرة يفعلها من أجلها بعينين لامعتين.
تجلس “زينة” وخيوط أحزانها تتخلل وجهها البريء. أردفت وهي تتنهد وتعبس بأناملها:
– حضرتي هتلبسي إيه في البارتي يا كاري؟
– تؤ، ملهوش لزوم هقعد معاكي مش هسيبك لوحدك.
قالتها “كارما” التي تحزن على حزن “زينة”، لكنها فاجأتها وهي تجيبها بحماس:
– لا طبعًا إزاي مش هتحضري، أبيه سليم يزعل.. بصي أنا كمان هروح علشان ما يزعلش.
رمقت ابنة خالتها التي تعرفها جيدًا، وهي تضع يدها على ذقنها، فتحنحنت “زينة” وهي تهرب من نظراتها تقول بإحراج:
– هو وجود هيكون هناك.
حدقتها باستغراب، ثم أردفت:
– والله! يعني مش عارفة؟ وأنا اللي كنت مش هروح عشانك.
دمعت عيناها وهمست بنبرة منخفضة مرتبكة:
– وحشني أوي.
أردفت بتساؤل وتعجب على ما وصلا له:
– بس لو تقوليلي حصل إيه؟
تذكرت الذكري المؤلمة، ثم قالت بصوت واهن ضعيف:
– مش مهم اللي حصل، أنا لسه بحبه.
– يالهوي عليكي هتشليني.
قالتها وهي تنهض وتقذفها بالوسادة وتخرج تقف بالشرفة تستنشق الهواء:
– ما طول ما بلكونته قدامك كده مش هتعرفي تبعدي عنه.
خرجت خلفها متأملة شرفته بعين ناعسة:
– دي الحاجة الوحيدة اللي بتصبرني.
ظهر “وجود” بالحديقة وهو يضع يده اليسرى داخل جيب بنطاله ناظرًا للسماء، بوجه عصبي ويمسك بيده الثانية كوبًا من القهوة السادة. عندما لمحها بصرها بحدة وضيق على سرهما الذي أخبرت به “كاميليا” وجعلت كل ما حدث يحدث، أنزل رأسه للجهة الأخرى بوجه غاضب، لكن ذهل من التي تقف خلف ظهره تحضنه بقوة. أطلق تنهيدة وهو يبصرها بجانب عينه، فأردفت بزعل مصطنع:
– سوري يا بيبي إني كنت عصبية معاك من شوية، أنا واثقة فيك وعارفة إنك بتحبني زي ما بحبك، وعشان أثبتلك إني مش زعلانة هقضي اليوم معاك وهروح معاك عيد ميلاد ابن سليم.
قالتها وهي تضع رأسها على صدره حتى تجعل الناظرة عليهما تشتعل أكثر. دخلت “زينة” وهي تسبها بسرها، دلفت خلفها “كارما” ولم تتحدث ببنت شفة، فقالت “زينة” بقلق:
– هو وجود مال وشه؟
أجابتها وهي تمط شفتيها حتى لا تنفعل عليها وعليه وعلى البلهاء.
عندما أتى المساء بأضوائه الباهرة، توجه “حازم” للحفل وهو يمسك يد “توتا” التي اختارت له بدلته وحذاء أنيق وحرصت على اختيار لون ربطة عنقه مثل لون فستانها الوردي الرقيق. كل من شاهدهم تمنوا أن يكونوا مثلهم من كثرة شعاع الحب الظاهر. دخلا ورائهما “كاميليا” بألوانها المبهرة و”وجود” بملامحه الجامدة.
كانت “زينة” تقف بعيدًا تشاهده باشتياق تتمنى أن تعرف ماذا حدث له، وتود لو تستطيع أن تبعد “كاميليا” وتذهب هي تقف بجواره حتى تربت على جراحه. فرجعت المراهقة لتخيلاتها وأحلامها من جديد، لكن هذا المرة تشعر بغصة داخل قلبها بعدما سمعت كلامه المعسول، وبعد ذلك اعترافه بالكامل بحبه لها. تضع “كارما” كف يدها على كتف “مستقبل”، الذي يراقب المكان بدهشة على تغير أحوال الجميع حتى أخته وزوجها، فيقول باستفهام:
– طب وجود وعرفت ماله، دي بقى مالها؟
قالها وهو يشير على “زينة” التي تقف خلف شجرة، أجابته بغيظ:
– ما رضيتش تقول خالص يا سيمو، هو مال وجود شكله داخل في قطر؟ دا غير ضارب الوش الخشب وكأنه عاصر صندوق لمون علشان ييجي.
– لا هو فعلًا مش كأنه، هو كان رافض ييجي أصلًا وبعدها قرر ييجي يتكلم مع زينة وما تسأليش فيه إيه؛ لأني ما اعرفش. كان متفق معايا على كده بليل، أما الصبح كل حاجة اتغيرت، وطبت عليه المسهوكة والظاهر كده رجعنا للصفر من جديد.
قال آخر جملة بحزن شديد، فقالت بتساؤل:
– هو مال وجود؟ ومال زينة؟! شايف بتبص عليه إزاي.. ما تقول بقى وبطل سماجة.
– أنا سمج.
– أيون.
– طب مش قايل.
عضت كف يدها بغيظ قائلة بصوت منخفض:
– يالهوووي على فضولي اللي هيموتني.
ثم قالت بصوت عالٍ وهي تزجه:
– ما شاء الله عليك، أنت مش سمج بس وأكلح كمان.
– ماشي يا كارما.
قالها وهو يرمقها بقوة وتوعد، ثم نظر يمينًا ويسارًا لم يجد أحد يراه، رفع يده مسح أحمر الشفاه من على شفتها وقال ساخرًا:
– تبقى بقى سلميلي على الروچ اللي بهدل وشك.
صرخت وهي تقول بعصبية حقيقية:
– ينهار أسوح، ينيلك يا منيل إيه اللي هببته دا؟
– اسكتي مش أنا كمان عرفت سر الروچ، اللي بقيتي تحطيه فجأه.
قالها وهو يضحك بقوة جعلته يميل بجزعه، قالت بدموع تلمع داخل عينها:
– وتروح تمسحه وتعمل كده، والله لأعضك بقى حتى آخد التهزيء بضمير مرتاح.
– آه كتفي يا بنت العضاضة.
قالها وهو يجري منها بعد ما انقضت على ذراعه.
أخيرًا تذكرت “كاميليا” تسأله عن سبب جروح وجهه، فتقول وهي تلمس وجهه بميوعة:
– إيه اللي في وشك دا كله؟
ابتسم بتهكم وهو يحدث نفسه:
– لسه واخدة بالك.
فرد عليها باقتضاب:
– عملت حادثة.
ردت عليه بدلع وهي تمسك وجهه تقبل عينه المنتفخة:
– مش تاخد بالك يا بيبي، أنا لازم اطمن عليك.. يلا نروح المستشفى حالًا.
أبعدها عنه بضيق، وهو يقول:
– فيه إيه! اهدي على نفسك هو أنا مصاب حرب.
– يا بيبي أنا غلطانة إني عايزة اطمن على جوزي.
قالتها وهي تقصد كل حرف، هاج من داخله وقال بتأنيب ذاته:
– لا أنا اللي غلطان.