تحميل رواية «غرام صعيدي الجزء الثاني» PDF
بقلم اسراء ابراهيم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عودة الفرحة من جديد لعائلة الغرباوي، فاليوم هو زفاف فاطمة على أنس، أو دكتور أنس، بعد خطبة دامت سنة. في بيت الحج عرفة، وتحديداً في الثانية عشرة ظهراً، كان الجميع على قدم وساق. منهم من يهتم بالذبائح، ومنهم بالأنوار. النساء مقسمات لتحضير طعام المعزومين، وأخريات لتنظيف البيت. ونذهب أيضاً لبيت الحج عتمان، وتحديداً في محيط المنزل حيث يجلس عتمان وبجانبه عزيزة. "بعتي بدور لأم كامل يا عزيزة؟" سأل عتمان وهو يشرب الشاي. "أيوه يا حج، بعتها من صباحة ربنا عشان تساعدهم. وأنا العصرية كده هروح أشوف لو محتاجين حا...
رواية غرام صعيدي الجزء الثاني الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسراء ابراهيم
نطقتها وهيا تنظر في عينيه بجمود: طلجني.
نزلت الكلمة عليه كالصاعقة عصفت بكيانه وقلبت كل شئ.
ماذا! هل بعد كل هذا ستتركني؟ علم أنها قد علمت، نعم، فهذا هو الشئ الوحيد الذي لن تغفره له أبداً.
نظر لها وبلع ريقه بخوف وتوتر وهو يسألها سؤال يعلم أنه غبي: انتي بتجولي إيه يا صفية؟ أطلقك!!! كيف يعني؟
نظرت له بقوة لا تعلم مصدرها وتحدثت بصعوبة وهي تحاول أن تمنع دموعها من السقوط: زي ما سمعت، طلجني. وإلا هروح لعمي عتمان وأجوله كل حاجة، وهو سعتها اللي هيطلجني منك غصب عنك لأنه مش هيرضالي الذل ده. فطلجني من سكات، وحياتك أنت حر فيها، وأنا هاخد عيالي وهعاود بيت أهلي ومش هجولهم حاجة.
حاول جمال أن يمسك يدها وهو يتحدث برجاء: طب اسمعيني عشان خاطري يا صفية، اسمعيني الأول وبعدين اعملي اللي يلد عليكي.
نزعت صفية يدها منه بـ*ـقرف ونظرت له بـ*ـحقد وتحدثت بعصبية: أنا مش هسمع حاجة، وابعد عني ومتلمسنيش واصل. أنت واعي يا چمال؟ وإلا يمين بالله هصوت وألم عليك اللي في البيت كلياتهم وأجولهم على عملتك. وأنا مش عايزة أسمع حاجة.
وأكملت بصوت مهزوز: بكفاياني اللي سمعته، مش عايزة أسمع، وميهمنيش إني أسمع منك حاجة، ولا حتى عايزة أعرف أنت عملت أكده ليه. كل اللي عايزاه إنك تطلجني من سكات، ريحني.
وجولها بـ*ـجي.
وقالت جملتها الأخيرة بـ*ـصر**ـخ وانهيار وهي تطلق لدموعها العنان فتهبط على وجنتيها بغزارة تحـ*ـرقها.
اقترب جمال منها محاولاً تهدئتها، فأخذها بأحضانه وهو يتحدث بدموع محبوسة داخل عينيه: غصب عني والله، ما كنت واعي. لو كنت واعي مكنتش هجرب من واحدة تاني غيرك. أنتِ عشقي يا صفية، البنتة اللي كنت بحلم بيها من وأنا لسه عيل صغير، وكل ما كنت بكبر حبك كان بيكبر في جَلبي، وعمري ما بصيت لواحدة تانية غيرك. بس والله اللي حاصل غصب عني، غصب عني يا بنت جلبي.
قال الأخيرة بندم شديد ودموعه هبطت بحرقة فسقطت على رأس صفية وهي باحضانه.
بعد أن انتهى جمال من حديثه، زقته صفية بعيد عنها بـ*ـعـ*ـنف وهي تهتف: وأنا ميلزمنيش إني أسمع حديتك ده، ولا اللي جولته هيخليني أسامحك على خيانتك ليا.
ثم مسحت دموعها بظهر يديها وتحدثت بتماسك ظاهري: اسمع يا چمال، أنا مش هعرف أسامحك صدقني، فوفر على نفسك الحديت ده كله، لأنك هتطلجني برضه.
فهبطت دموعها ثانياً وهي تقؤل: عشان خاطر عيالنا طلجني.
اعتصر جمال قبضة يده بألم وشعر أنه خسر صفية للأبد وقلبه يؤلمه لمجرد التذكر أنها لن تتواجد بحياته ثانياً.
فتحدث لنفسه: إنه من فعل هذا بها ولابد له أن يحارب لأجل أن يستعيدها ثانياً.
فنظ
ر لها مطولاً فبادلته بأخرى حزينة ثم اقترب منها وحملها.
وظلت صفية تـ*ـصر**ـخ لينجدها أحدهم ولكن لم يفعل.
فأخذها وذهب لغرفتهم وهو يتحدث: ماهو هتسمعيني بمزاجك أو غصب عنك يا صفية.
نظرت غرام للحجاب وصقر يضعه أمام وجهها وتلعثمت وهي تتحدث: ااا أنا بببص هفهمك ككل حاجة.
صرخ صقر بها وهو يحسها على التحدث بشكل طبيعي: ما تتحدتي زين وبطلي تهتهة.
انتفضت غرام من مكانها بخوف ودموعها هبطت على وجهها وتحدثت ببراءة: ده حجاب الشيخ مصيلحي عمله لينا عشان نخلف.
نظر لها صقر بصدمة وغضب وتحدث بهدوء غريب وهو يقترب منها: وهو انتي تعرفي شيخ مصيلحي ده منين يا غرام؟
نظرت له غرام بتردد قبل أن تتحدث: أنا معرفوش والله، ده ماما هيا اللي ودتني ليه عشان يفكلنا العمل ونخلف.
صقر بغضب مكتوم: انتي كمان روحتيله من غير ما تجؤليلي؟
وضعت غرام يدها على فمها حين استنبهت لما تفوهت به وعلمت أنه لن تمر هذه الليلة مرور الكرام.
فتحدثت لتحاول إرضاءه: والله يا صقر ماما قالتلي، وأنا معرفتش أعترض أو أقؤلها لا عشان متفتكرش إني مش عايزة أخلف منك.
صقر رد عليها بغضب وصوت عالي: وانتي إزاي تروحي مكان زي ده من غير ما تجوليلي؟ إيه مش *راجل أنا عاد عشان تستأذنيني مش أكده؟
غرام بدموع: متقؤلش كدة يا صقر لو سمحت، أنت عارف أنا بحبك قد إيه وبحترمك إزاي، بس ماما ضغطت عليا ومقدرتش أقؤلها لا.
أنا آسفة.
قالت الأخيرة بعياط وشحفة.
نظر لها صقر بجمود وتحدث: أمي ست مش متعلمة، يعني معلهاش عتاب ولا لوم. العتاب عليكي انتي يا متعلمة يا اللي دخلتي مدارس، إزاي توافجيها؟ المفروض كنتي جيتي وجولتيلي وأنا سعتها هتصرف، بس للأسف انتي مفكرة حالك حرة مش في عصمة راجل.
نظرت له بحزن فهي تعلم أنه على حق، فكان يجب أن ترجع له وتدع الأمر له ليتصرف فيه، لكن غريزتها ولهفتها بأن تكون أم جعلتها لا تفكر في عواقب ما فعلته.
ظلت تبكي أمامه فهي لم تر صقر ثائر بهذا الشكل من قبل.
أما صقر نظر لها بجمود وهي تبكي أمامه وشعر بنغزة في قلبه ولكنه تجاهلها وتركها وخرج من الغرفة وأغلق الباب وراءه بعـ*ـنف.
دخلت نورهان مع أخيها أنس وهي متوترة ومتحفزة لمجرد أنها ستري كامل.
دخلت فوجدت سيدة تجلس على الأريكة وبجانبها فاطمة.
أما كامل ليس موجود معهم.
فـنظرت لها سيدة وتحدثت: تعالي يا بتي اجعدي جاري.
ذهبت نورهان وجلست بجانب سيدة.
فمالت عليها فاطمة وتحدثت بهمس: ابقي ادعيلي بقي عشان أنا السبب في فك أسرك.
ضحكت نورهان وردت على فاطمة بمرح: اسكتي، ده كان سجن مؤبد.
وضحكوا وهما الاثنان بصوت عالي.
فاقترب أنس وهو يوجه حديثه لفاطمة: إيه يا فطوم مش هنشرب حاجة ولا إيه؟ وبعدين كامل بقاله ساعة بيعملنا قهوة من قبل ما أنزل تحت.
وضحك بقوة.
هَجوم أشوفه زمانه بهدل الدنيا. تعالي يا نورهان عشان تساعديني.
وذهبوا للمطبخ.
وتحدثت سيدة لأنس بود: كنت عايزة أحدثك في موضوع يا أنس، وكويس إن فاطمة قامت عشان نتحدث براحتنا.
طبعاً اتفضلي يا أمي أنا سامعك.
اسمع يا ولدي، يمكن الحديت ده كان لازم يبجي من بدري، بس كله بأوانه. اسمعني زين، أنا واعية إن أمك مش حابة بتي من ساعت ما جت معاك عشان تتجدم لبتي، بس أنا لما شوفت إنك راجل صُح مترددتش حتى إني أوافق عليك، مع إن كنت خايفة من إنها تجعد أهنه لحالها مع أمك في بيت واحد. بس أنا عارفة إنك راجل وهتعرف توفق بين أمك ومرتك.
قاطعها أنس وهو يتحدث: ملوش لازمة الكلام ده والله، بحب فاطمة، عمري ما هاجي عليها، وعارف إن أمي صعبة شوية واتكلمت مع فاطمة في الموضوع ده وهيا مقدرة، وكمان أنا أدري بأمي وعارف إنها هتاخد وقتها، بس في الآخر هتتقبلها. وطالما أنا معاها هيا متخفش من حاجة أبداً.
طبطبت عليه بحنان فهي وصلت لمرادها وتحدثت: خابرة يا ولدي، أنا بتحدث معاك عشان كنت عايزة أجولك الكلمتين دول.
أنس رد عليها بحيرة: مش فاهم حضرتك بصراحة.
ابتسمت سيدة بود وتحدثت: يعني خيتك لو جات عندنا هنحطها في عنينا يا ولدي، وزي ما أنت جولت دلوجتي أمك هتاخد وجتها وبعدين هتتجبل الموضوع، مش أكده كيف ما عملت معاك ومحرمتكش من بتي، وأنا عارفة إنك عاشجها وعارفة إن أمك رافضها ومش عايزها.
حرك أنس رأسه بإيجاب فهو فهم ما تقصده حماته من حديثها معه، تريده أن يوافق على زواج كامل من أخته حتى لو لم توافق أمه.
هبطت زينب لأسفل ووجدت عزيزة تجلس وبجانبها عتمان.
اقترب منهم وهي تتحدث بابتسامة: صباح الخير، ازيك يا ماما.
ونظرت لعتمان أيضاً والقت عليه السلام وجلست بجانب عزيزة.
وظلوا يتحدثا حتى قطع حديثهم أدهم وهو يدخل من باب البيت.
فنظر لزينب مطولاً وهي نظرت له أيضاً وابتسمت له وشعرت بدقات قلبها، وليس بجديد عليها ذلك الشعور، فهو يراودها دائما كلما رأته، ولكنها تتجاهله ولا تعطي لعقلها فرصة بأن يفكر بالأمر.
جلس أدهم وهو يتحدث موجهاً حديثه لوالده: شفت يا بوي جابر الـ*ـكلب.
نظرت له زينب بلهفة وهي منتظرة ما يقؤله.
عتمان بضيق: ماله ولد الـ*ـمحـ*ـروج ده؟ مش محبوس وخلصنا منه؟
أدهم بسخرية: خلي المحامي يعمل استئناف والـ*ـجلسة كمان يومين، والله العظيم لو خرج يبجي مو**ـته على يدي.
صقر وهو يهبط الدرج: لع يا أدهم.
نظرت له زينب بغموض فأكمل صقر حديثه وهو يقترب منهم: ده تاري أنا ومحدش هياخده غيري، بس يخرج وأنا رايده يخرج.
تحدثت عزيزة بلهفة ورجاء: لع يا ولدي، أنا مش مستغنية عنيكو، وده *ـكلـ*ـب ميستاهلش، هو الله يسهله بعيد عنينا ويكفينا شر*ـه واحنا خلينا في حالنا، اوعاك يا صقر تعمل فيه حاجة، بكفاية اللي عمله في غرام مراتك، متجيش انت وتحرمها منك، فكر فيها يا ولدي.
شعرت زينب أنها مشتتة.
نظرت لعزيزة باستغراب وهي لا تفهم بما تقصد بحديثها وما علاقة غرام زوجة صقر بجابر أبوها.
انتبهت على صوت أدهم: يلا يا بوي نكمل حديتنا في المكتب بينا.
وصقر ودخلوا ثلاثتهم المكتب.
واقتربت زينب من عزيزة وتحدثت بخبث لعلها تفهم منها ما يحدث: هو في إيه يا ماما ومين جابر ده؟
رواية غرام صعيدي الجزء الثاني الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسراء ابراهيم
نظرت لها عزيزة بحزن وتحدثت:
بلاش يا بتي ده موضوع قديم واتقفّل. الله لا يسامح اللي فتحه تاني.
فكرت زينب أن تضغط لآخر مرة على عزيزة لتعرف منها الموضوع، فهي لابد أن تعرف عن ماذا يتحدث صقر. فنظرت لعزيزة وتحدثت بمكر:
آسفة يا ماما إني بدخل في شيء ما يخصنيش، بس يعني كنت مفكرة إني منكم زي ما قلتيلي.
طبطبت عزيزة على يدها وهي تتحدث:
لأ يا بتي متقوليش كده. يعلم ربنا إنتي غلاوتك من غلاوة ولادي. أنا بس مكنتش عايزة أشغلك بحاجات ملكيش صالح بيها.
اقتربت زينب أكثر من عزيزة وتحدثت بفضول:
طيب خلاص طالما أنا زي بنتك يبقى احكيلي، واهو كأننا بندردش سوا.
عزيزة تنهدت وهي تحدثها:
ماشي، هيا بتي هحكيلك.
نظر كامل لنورهان بعشق يغلبه اشتياق، فقد انتظرها كثيراً وفعل الكثير ليراها. أولها إقناعه لوالدته أن يسافروا لمصر بحجة الاطمئنان على أخته. وحتى عندما جاء لم يستطع أن يراها. كان في المطبخ كما اتفق مع أخته ينتظرها لتأتيه بنورهان ليحدثها أخيراً. وحين دخلت نورهان شعر أن قلبه يتراقص فرحاً ويدق عشقاً لأنه فقط أمامها. اقترب منها ولم يبالِ بأخته التي تقف بجانبه.
أما نورهان، فبمجرد أن دخلت ورأته، ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة وعيناها تتحدث له وتخبره كم اشتاقت وكم هي آسفة لرفضها له للمرة الثانية. وكل ما أرادته هو أن تعلمه أن الأمر ليس بيدها. وجدته يقترب منها ويتحدث وهو ينظر في عينيها بعشق:
نورهان، إزيك؟
حركت رأسها وهي تجيب وبابتسامة ساحرة:
أنا الحمد لله كويسة يا كامل. ماذا تفعلين بي؟ أرجوكي كفى. فاسمي من بين شفتيك له مذاق خاص جعلني أذوب عشقاً به. وأخذني لعالم آخر ليس به سوانا فقط.
انتبه كامل أخيراً واسترد وعيه حين بدأت هي الحديث.
نظرت له بحزن وتحدثت:
أنا آسفة على موضوعنا. وإن شاء الله ربنا يعوضك ببنت تستاهلك.
قالت جملتها الأخيرة والدموع تكونت في عينيها. فهي لا تعلم بماذا تخبره. هل تحرج أخاها وتقول لكامل أنها كانت موافقة عليه وأن السبب رفض أمها؟ لن تستطيع أن تقول ذلك. كل هذا دار ببالها وهي أمامه.
قاطع أفكارها كامل وهو يتحدث:
متتقوليش. أنا عرفت كل حاجة يا نورهان. أنا عشان كده كنت عايز أجيبك بأي طريقة. أنا عرفت إن أمك هي اللي رافضاني زي ما كانت رافضة فاطمة خيتي.
نظر في عينيها بقوة وأكمل:
أنا كل اللي يهمني رأيك إنتي. جولي إنك رايداني وأنا أوعدك هقف قدام الدنيا كلها عشان تكوني ليا.
ابتسمت نورهان بخجل، فهو قال لها ما قاله أمام أخته التي تتابع ما يحدث بفضول. ولكن لم يهم كامل الأمر. فكل ما أراده أن يتحدث مع نورهان.
متجوليش رأيك، رايداني ولا لأ يا نورهان؟
نظرت للأرض بخجل وبداخلها صراع. تعلم أنها إذا وافقت سوف تغضب أمها عليها. ولكن ماذا عن حبها لكامل؟ فهل ستتركه وهو متمسك بها هكذا؟ بالطبع لا. رفعت نظرها له ووجدته يتطلع لها بحب وسألها مجدداً ببحة رجولية ساحرة:
رايداني؟
ابتسمت له وهي تحرك رأسها بإيجاب.
أغمض كامل عينيه وتنهد بارتياح وهو يحاول السيطرة على نفسه من أن يأخذها بأحضان. ولكن في نفسه يقول: مهلاً، فقط تصبح زوجتي وحينها لن أتركها تغيب عن ناظري أبداً. فتح عينيه مجدداً ونظر بعينيها وتحدث:
متخافيش طول ما أنا معاكي، متخافيش من حاجة واصل. وأنا هتصرف. وقريب هتكوني ملكي وعلى اسمي.
ابتسمت نورهان بخجل، فكلماته عزفت على أوتار قلبها، جعلته يعزف بدقاته ليطرب أذنها. تركها كامل وخرج. فوضعت يدها على قلبها، لعله يهدأ. واقتربت منها فاطمة ونظروا لبعض ثم حضنا بعضهما وظل يضحكها بسعادة. فقالت فاطمة بمرح:
قريب هتبقي إنتي كمان مرات أخوي.
ردت نورهان بفرحة:
مش مصدقة يا فاطمة. تفتكري هيحصل إيه؟ أنا خايفة أوي من ماما.
حاولت فاطمة تطمئنها وقالت:
متقلقيش، هتزعل شوية وبعدين هتوافق. يعني مش هتفضل زعلانة على طول. تعالي بقى نطلع العصير. أحسن انس زمانه استعجلني.
بعد إذنك، هطلع فوق عشان حاسة إني تعبانة شوية. قالتها زينب بجمود بعدما سمعت ما قصته عليها عزيزة. ولم تنتظر لتعرف الرد. تركتها وذهبت وكأنها بعالم آخر. دخلت غرفتها وجلست على السرير بهدوء وهي تتذكر حديث عزيزة وما قالته حول غرام ومحاولة أبيها الاعتداء عليها وسبب زواج جابر من منال وهو التقرب من غرام وليس ما قاله لها أبوها.
أمسكت رأسها بضياع. فهي مشتتة، لا تعلم من تصدق. ولكن مهلاً، فعزيزة لا تعرف صلة زينب بجابر. لا أحد يعلم حقيقتها. فما مصلحتها لتكذب عليها؟ إذاً معني هذا أن... وجاء في رأسها أمها وهي تحذرها من جابر أنه سيلعب بعقلها ويستخدمها في لعبته تلك. ظلت تبكي بانهيار وهي تسأل نفسها: بعد كل هذا، هل ضحك عليها أبوها؟ تكورت على السرير واحتضنت ركبتها وهي تبكي وتتذكر كل ما قالته عزيزة لها. فالآن وضحت الصورة أمامها. الآن استوعبت أن والدها استغلها وضحك عليها لينتقم. فظلت مكانها تبكي بحرقة.
دخل صقر غرفته فوجد غرام على السرير وآثار الدموع على خديها وعينيها منتفختان من كثرة البكاء. نظر لها ثم تجاهلها وأخذ ملابسه ودخل الحمام. وبعد قليل خرج وهو يرتدي بيجامته وذهب تجاه الكنبة ونام عليها وأعطى ظهره لغرام.
هبطت الدموع مجدداً من عين غرام، فهي علمت أنه يعاقبها بهذه الطريقة. ولكن هو عقاب صعب. فأن يتشاجر معها خير لها من أن يتجاهلها هكذا. مسحت عينيها بباطن يدها بطفولة وقامت من مكانها واقتربت منه وجلست على ركبتها أمامه وهي تتحدث بصوت ضعيف:
صقر حبيبي، عشان خاطري متزعلش مني. أنا آسفة ومش هكررها تاني.
كان يسمعها وقلبه يحن لها ويريده أن يغفر لها. ولكن عقله أخبره أنها فكرة سيئة. فلا بد أن تتعلم ولا تخرج بدون علمه ثانياً. فكلما تذكر لو أنه حدث لها مكروه وهو بعيد عنها، يتملكه الغضب والخوف. نعم، فغرام هي الشيء الذي يخاف فقدانه. تعمد أن يتجاهلها ولا يجيب لندائها باسمه.
أما غرام، فحزنت بشدة وقلبها ألمها لأنه لم يجب عليها وما زال غاضب منها. فقامت واستدارت لتعود أدراجها، ولكن شعرت بدوخة تملكتها فجأة وسقطت على الأرض مغشياً عليها.
سمع صقر صوت ارتطامها بالأرض فقام بهلع ورآها وهي مغشياً عليها. فتملكه الخوف واقترب منها بلهفة وحملها ووضعها على السرير وحاول إفاقتها. شعر بالذنب وأنه السبب لأنه ضغط عليها كثيراً. فأمسك يدها يقبلها وهو يتحدث بقلق مسيطر عليه:
حقك عليا والله. أنا كنت خايف عليكي جوي. مش متخيل لو جرالك حاجة وإنتي عند الراجل ده وأنا هنا مش عارف أعمل حاجة ولا عارف مكانك. سامحيني يا غرامي.
كانت قد فاقت وسمعت حديثه ولهفته وخوفه عليها هكذا، فابتسمت بحب وهي تملس على ذقنه وتحدثت بصوت ضعيف مبحوح:
وأنا كمان آسفة. متزعلش مني. مكنتش أعرف إنك بتخاف عليا أوي كده.
نظر لها صقر بعشق ولم يتحدث. فقط أخذها بأحضان بتملك شديد وطبع قبلة على رأسها.
في غرفة جمال. كان يقف وراء الباب من الداخل وصفية تقف أمامه وهي تتحدث بعصبية:
سبني أخرج يا جمال. بقولك.
رد عليها جمال برجاء:
عشان خاطري اسمعيني. وبعدين هسيبك تخرجي واللي إنتي عايزاه هعملهولك.
نظرت له مطولاً ثم زفرت بضيق وجلست أمامه على الكرسي. فهي تعلم أن جمال إذا أصر على شيء لن يتراجع أبداً. نظرت له ليتحدث وهي بداخلها عزمت على أنها لن تغفر له أبداً مهما قال من أعذار.
تنهد جمال بارتياح ثم تحدث:
مش هقولك إني مش غلطان. لأ، أنا عارف نفسي. عارف إن الغلط راكبني من ساسي لراسي. ومش بجولك عشان تسامحيني يا صفية. أنا هجولك عشان مش رايد إني أبين وحش في نظرك أو خاين. بس تعرفي يا صفية، أنا لو كنت عايز أخونك كنت عملتها بعد ما عرفت إنك كنتي على ذمتي وعاشقة أخوي. وساعتها كان هيبقى ليا حق إني أوجعك كيف ما أوجعتيني. إنتي متعرفيش أنا كنت حاسس إيه ساعتها. ومع ذلك أنا مفكرتش إني أخونك يا صفية ولا إني أحسسك كيف ما أنا كنت حاسس. ليا سنين مش أنا يا صفية. أنا عشقاكي. وهو ده كان عيبي. عارفة لو أي راجل تاني مكاني وعرف إن مرته كانت عاشقة أخوه مكنش خلاها على ذمته ولا حتى فكر يجرب منها ويجيب منها عيال كمان.
وأكمل بصوت مهزوز:
اللي حصل كان غصب عني. حصل بعد صدمتي فيكي تاني مرة يا صفية لما عرفت إنك كنتي متفقة مع غادة عشان تأذي أخوي. ساعتها كنت تايه، ضايع. خرجت من مكتبي أبويا يومها وأنا مش مصدق إن دي صفية اللي عشقتها. طلعت مش رايداني وعايزة أخوي. وبعدين تتفقي وتخططي مع واحدة عشان تسلم مرأة أخوي. معقولة؟ كنت مصدوم فيكي وكنت ماشي وأنا حاسس إني في كابوس وعايز أفوق منه.
جلس أمامها وهو يكمل كلامه:
رجلي خدتني لواحد صاحبي، هو في بلد بعيدة عننا بكام ساعة. وساعتها لما شاف حالتي كده جالي: تعالى وهنسهر مع بعض. وروحنا مكان كده وشربنا. محر*وج من اللي بيشربوه. وحتى مفكرتش. وجلته لأ، أنا كنت عايز أنسى كل حاجة حصلت وشربت. ويارتني ما شربت. مدرتش بحالي غير وأنا صاحبي داخل عليا أوضة. حتى مخبرش. روحتها كيف؟ ولجيت البنت دي كانت نايمة جنبي. وساعتها لعنت نفسي إني طاوعته وجيت هنا. وأنا مجبر إني هطلقك لأني مش هقدر أنسى كل اللي حصل. ولا هعرف أقولك إني عملت ذنب زي ده وأحملك السبب في اللي أنا وصلتله.
مسح دموعه التي هربت من عينيه بسرعة وأكمل وهو يضحك بسخرية:
لأ، ولما جيت لقيتك بتقوليلي إنك عشجاني وإنك اتغيرتي وعايزاني أسامحك. طب كيف؟ كيف بعد ما حصل كل ده؟ مكنش هينفع وطلقتك. بس بعدها اتأكدت إني مقدرش أعيش من غيرك. حتى بعد ما عرفت حقيقتك لسة عشقاكي يا بت عمي. وسامحتك ورجعنا لبعض. ورميت كل حاجة ورا ضهري. وجولت هبدأ معاكي من جديد. بس مش مكتوبلي إني أعيش سعيد يا صفية. ولجيت البنت بتكلمني وبتجولي إنها حامل وعايزاني أتجوزها. وأنا حتى مش فاكر شكلها. إنتي لازم تصدجيني وتسـامحيني يا صفية. كيف ما أنا سامحتك.
رواية غرام صعيدي الجزء الثاني الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسراء ابراهيم
كانت تسمعه صفية بقلب مفطور لا تدري ماذا تفعل. نعم هي تصدقه، ولكن ليس بيدها شيء. فهي لن تنسى فعله أبدًا، وسترى خيانته لها كلما نظرت في عينيه. تعلم أنها في السابق كانت سيئة وفعلت كل شيء خاطئ، وتمنت لو فقط يسامحها ويعطي لها فرصة مرة أخرى. والآن حان الوقت لترد له ما فعله لأجلها، أن تعطيه نفس الفرصة.
ولكن كيف؟ فهي بداخلها نار تشتعل كلما تخيلته وهو في أحضان امرأة أخرى غيرها. كانت رأسها ستنفجر من كثرة التفكير، مشتتة. تمنت لو أنها تستطيع أن تمحي ما حدث، لو أنها لم تصعد وتسمع تلك المحادثة.
عادت بذاكرتها للوراء حين أخبرها جمال بزواجه وكيف كان حالها، كيف لامت نفسها بأنها السبب وأنه يستحق امرأة غيرها. وزواجه عليها اعتبرته عقابًا لها على ما فعلته. فلم تكن تعلم أن هذا العقاب أرحم لها من هذا الشعور الذي يراودها الآن.
فاقت من شرودها على صوته الحزين.
"صفية، انتي سامعاني؟ صفية ردي عليا. جولي انك مسامحاني. جولي انك مصدجاني."
نظرت له بتوهان، ثم قامت وتحدثت بصوت هادئ يشوبه الحزن: "كل اللي جولته أنا مصدجاك فيه."
نظر لها بلمعة أمل ظهرت في عيونه وشبح ابتسامة على ثغره، ولكنها أحبطته وقتلت بصيص الأمل حين أكملت حديثها: "بس للأسف مش هقدر أسامحك يا جمال."
وأكملت بكسرة: "غصب عني صدقني، وبرضه قلبي مش مطاوعني إني أشتت عيالي وأحرمهم من إنهم يعيشوا وهما مرتاحين بين أبوهم وأمهم. ويمكن أنت مفكرتش فيهم يوم ما طلقتني، وهو ده الفرج اللي بيناتنا. إني أم وأفكر في عيالي قبل ما أفكر في نفسي وكرامتي."
نظرت له بدموع حسرة وتحدثت بصوت مهزوز مكسور خائرة القوى: "اتزوجها يا جمال. اتزوجها عشان العيل الصغير ده ملوش ذنب يتولد من غير ما يتنسب لأبوه. بس اسمعني زين يا واد عمي، أوعاك تفكر إني كده ضعيفة. لأ، أنا بت الحج عرفة من كبرات عيلة الغرباوي. يعني لو عايزة أطلق منك وأعيش مع ولادي معززة مكرمة هعمل كده. بس زي ما جولتلك، أنا مش أنانية ولا يمكن هرضى كرامتي على حساب عيالي. بس من هنا ورايح كل واحد منا في طريقه، واعتبرنا مطلقين. وأنا هنام مع عيالي في أوضتهم. موافق على كلامي ولا لأ؟"
حرك رأسه بإيجاب وعاد له الأمل من جديد. نعم قلبه تألم لأنها لم تغفر له، ولكن لا يهم طالما ما زالت على اسمه، فهناك أمل أنها قد تغفر له خطأه يومًا ما وتعطيه فرصة أخرى. اقترب منها وهو يتحدث بابتسامة: "موافق يا صفية. أهم حاجة إنك تفضلي جاري ومتحرمينيش منك، وتتعاقبيني ببعدك عني."
نظرت له صفية بجمود ولا مبالاة، ثم تركته وغادرت الغرفة بقلب جريـح مكسور.
...
في عصر اليوم التالي.
ظلت زينب بغرفتها تجلس على سريرها. منذ أمس وهي مستيقظة تفكر وتفكر وعقلها مشتت. لا تعلم ماذا تفعل بعد أن استوعبت كل شيء. خداع والدها لها وكذبه عليها واستخدامه لها كطعم ليصطاد به عائلة الغرباوي.
لا تعلم هل تتحدث لأدهم وتخبره بما حدث وأن جابر هو والدها؟ ولكن انقبض قلبها لتلك الفكرة. فأدهم لن يرحمها ولن يغفر لها أبدًا، وهي لا تريد ذلك. فقد صارحت نفسها بأنها تحبه، لا بل تعشقه. نعم تعلم أخيرًا أنها هي من وقعت في مصيدتها. فهي من خططت وتعمدت الاقتراب منه وجعله يعشقها ويتعلق بها، ثم يأتي بها لهنا وتبدأ أن تسقطهم واحدًا وراء الثاني وتدمر عائلة الغرباوي بأكملها.
ولكن الآن ماذا تفعل بعد أن اكتشفت الحقيقة؟ فهؤلاء الناس ليس مثلما كانت تعرف. فهي لم تر منهم سوى خير. يكفي كلام عثمان عنها وهو لم يكن يعرفها، وأيضًا عزيزة. لا، فهم لا يستحقون منها أن تفعل بهم ذاك.
قاطع أفكارها طرق على باب غرفتها، فقامت وفتحت الباب لتجد أدهم أمامها. شعرت بالتوتر ونظرت له بخجل يغلفه ندم.
"كيفك يا زينب؟ انتي زينة؟"
"أنا كويسة يا أدهم. انت كنت جاي في حاجة؟"
"لأ، أمي جالتلي إنهاردة إنك تعبتي امبارح وطلعتي، ومن ساعتها منزلتيش. فخوفت تكوني لسة تعبانة أو فيكي حاجة." ثم أكمل بلهفة: "لو لسة تعبانة أبعت أشيعلك الحكيمة بسرعة."
شعرت بدقات قلبها تعلو واحمرار وجنتيها خجلًا لما رأته من لهفة وقلق عليها ظاهر في صوته. ولكن أيضًا ما فعله جعل إحساس الندم يغمرها أكثر من ذي قبل. فتحدثت بصوت رقيق به بعض حزن: "لأ، أنا كويسة متقلقش. أنا بس اتاخرت في النوم شوية وكنت شوية وهنزل."
اطمأن قلبه عليها وهدأ قليلًا، ثم تحدث بابتسامة: "الحمد لله. خلاص هستناكي تحت." وتركها وذهب. فاغلقت الباب ووقفت وراءه وهي تلعن نفسها لاستمرارها في هذه الكذبة وعدم شجاعتها للاعتراف له بكل شيء عندما أتيحت لها الفرصة.
...
كانت غرام في الحمام وصقر ينتظرها بالخارج وهو قلق للغاية. فتحت الباب أخيرًا لتخرج بوجه أصفر وهي تضع يدها على معدتها واليد الأخرى على فمها. اقترب منها صقر بلهفة وهو يسندها ويتحدث بقلق بالغ.
"لأ كده مينفعش. أنا هبعت أشيع للحكيمة تيجي تشوفك. انتي من امبارح وانتي تعبانة كده."
جلست غرام على سريرها وتحدثت بوهن لتطمئنه: "صدقني يا حبيبي مش مستاهلة. أنا شكلي أخدت برد في معدتي ولا حاجة. أنا هخلي بدور تعملي حاجة سخنة أشربها وهبقى كويسة. متقلقش."
"طب وليه ما الحكيمة تطمنا يعني؟ مش خسرانين حاجة."
"يووووه يا صقر متتعبش قلبي وبطل عند بقى. قولتلك هبقى كويسة. أنا بس عايزالك تفضل جنبي، ممكن؟"
جلس صقر بجانبها وهو يأخذها بأحضانـه ويمسح على شعرها بحنان ويتحدث برقة لا تخرج إلا لغرامـه فقط: "ده انتي تؤمريني يا جلبي. وبعدين هو أنا أقدر أسيبك وانتي كده وأروح في حتة؟ مجدرش، وجلبي ميطاوعنيش إني أفارقك أصلًا."
تحدثت غرام بعشق وهي ترفع رأسها له: "ربنا يخليك ليا يا صقري."
...
كانت تجلس فاطمة مع أمها وأخيهـا، فهي آخر ليلة لهم معها، ثم سيعود كل منهم للصعيد. دخل عليهم أنس ومعه والدته فاتن وأخته، فهو ظل لأكثر من ساعة يقنعها أن تصعد لترحب بضيوفه، فهي منذ أن جاءوا لم تصعد لهم أو حتى دعتهم إلى بيتها.
دخلت وألقت السلام عليهم ببرود، ثم جلست ولم تتفوه بكلمة. أما نورهان فلم تلاحظ نظرات كامل لها، فعقلها مشغول بالخوف من تصرفات أمها التي تعلمها جيدًا، وكانت تدعي بسرها أن تمر هذه المقابلة على خير. ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
فقد لاحظت أمها نظرات كامل لابنتها، فتحدثت على الفور وهي توجه حديثها للسيدة: "مش تباركي لفاطمة يا ست سيدة؟"
استغربوا جميعًا بمن فيهم نورهان التي شعرت بانقباض قلبها وابتلعت ريقها بتوتر ونظرت لفاطمة بخوف.
أجابت سيدة باستغراب: "الف مبروك يا أم أنس، بس على إيه؟"
تحدثت فاتن بابتسامة باردة: "أصل معتز ابن أخويا اتقدم لنورهان وهي وافقت، وإن شاء الله هنقرأ الفاتحة يوم الخميس الجاي." وأكملت بسخرية: "عقبال ابنك لما تفرحي بيه."
اتصدموا جميعًا بلا استثناء، بما فيهم أنس الذي لا يعلم عن ماذا تتحدث والدته، وكامل الذي نظر لنورهان لعلها تفسر له ما حدث وتكذب والدتها وتطفئ النيران التي اشتعلت بداخله، فهي كفيلة بأن تحرقهم جميعًا.
قابلت نورهان نظراته بأخرى مصدومة، فهي لا تعلم أي شيء من هذا وتعلم أن أمها تكذب، ولكن ماذا تفعل؟ هل تكذبها أمامهم؟ كل ما فعلته هو أن نظرت لكامل وتحدثت بعينيها وكأنها تخبره أن لا يصدق ما تتفوه به أمها.
"فكيف أيها الغبي وهي بالأمس اعترفت لك بأنها تريدك؟ أرجوك يا كامل لا تفعل بي ذلك، لا تترك يدي بعد وعدك لي بأنك لن تتخلى عني وستحارب لأجلي."
مسحت دمعة هربت من عينيها وتركتهم وكانت ستخرج بخيبة أمل، ولكن استوقفها صوته كأنه طوق نجاة أعاد الأمل لها من جديد. والتفتت لتراه وهو يقوم من مكانه ويوجه حديثه لأمها ببعض الحدة: "إزاي وأنا جاري فتحتها امبارح مع أخوها وراجلها يا حجة فاتن؟ واتفقنا كمان على كل حاجة."
نظرت نورهان بصدمة لكامل وهي بداخلها لا تعي ما قاله توا! هل قال هذا حقًا؟ نظرت لفاطمة لعلها تطمئنها، وبالفعل حركت فاطمة رأسها بابتسامة كأنها تقول لها صدقي ما يقوله، فسوف تكونين له. ابتسمت نورهان وهي تضع يدها على فمها وبعينيها دموع فرحة.
ولكن قاطع فرحتها صوت أمها العالي والمتوقع بعد هذا الخبر. فلم تجب على كامل، قامت بغضب ونظرت لأنس ووجهت حديثها له: "الكلام ده صحيح يا أنس؟ أنت قريت فاتحة اختك مع كامل؟ ده رد عليا، فهمني."
أخذ أنس نفسًا عميقًا ثم زفر بضيق وأجاب أمه: "أيوة يا ماما حصل. كامل طلب إيد نورهان مني امبارح وأنا وافقت لأنه إنسان كويس وأنا عارف إنه هيصون أختي وهيحافظ عليها، وقرينا الفاتحة وإن شاء الله هنعمل كتب كتاب على طول والدخلة كمان كام شهر."
هدرت به أمه بغضب وهي تتحدث: "وأنا ماليش لازمة مش كده؟ خلاص موتني وأنا على وش الدنيا صح يا أنس؟"
"يا ماما متقوليش كده، حضرتك الخير والبركة. وبعدين أنا لو شايف إنه إنسان وحش مكنتش وافقت أصلًا. انتي مكبرة الموضوع والله."
قاطعته هيا بصوت عالي: "على جثتي يا أنس لو الجوازة دي كملت. واعرف إن لو جوزت اختك ليه، لا انت ولا هي ولادي ولا هعرفكم وهفضل غضبانة عليكم لحد ما أموت." ثم وجهت نظرها لنورهان وتحدثت لها: "وإنتي من النهارده مشفش وشك، فاهمة." وتركتهم وخرجت من الشقة وانهارت نورهان على الكرسي تبكي بنحيب، وفاطمة بجانبها تحاول تهدئتها.
أما كامل فكان ينظر لنورهان وقلبه ينفطر لرؤيتها هكذا. تمنى لو يستطيع أن يأخذها بأحضانـه يطمئنها ويخبرها أن كل شيء سوف يصبح على ما يرام وأن دموعها غالية بالنسبة له.
حاول أنس تهدئة نفسه، فهو علم أن هذا سيحدث ولكن ليس بهذه السرعة. فحديث والدته عن خطوبة أخته هو من عجل بالأمر، فكان لابد لها أن تعرف. جلس أنس بجوار أخته وأخذها بأحضانـه وهو يطمئنها بأن والدتهم ستكون بخير، هي فقط تحتاج للوقت ليس إلا.
وقاطعه كامل وهو يتحدث بإصرار: "لو سمحت يا أنس، أنا عايز أكتب كتابي على نورهان الليلة."
رواية غرام صعيدي الجزء الثاني الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسراء ابراهيم
-لأ يا ولدي ميصحش اللي بتقوله ده، قالتها سيدة وهي تقف وتضع يدها على كتف كامل.
التفت كامل وكاد أن يتحدث، ولكن قاطعه أنس وهو يوجه حديثه لسيدة لينهي هذا الموضوع للأبد:
كامل عنده حق يا ماما، وده اللي المفروض يحصل. أنا مش ههدم سعادة أختي عشان أراضي أمي وتصرفاتها اللي ملهاش أي مبرر.
نظر له كامل بفرحة لمعت عيناه وتحدث:
يبقى خلينا نكتب الكتاب الليلة يا أنس.
أجابه أنس وهو يضحك بمرح ليمحو التوتر السائد:
إيه يا ابني أنت مستعجل كده ليه؟ ولا أنت جت مصلحة ليك؟ لأ خليها بإذن الله يوم الخميس. يا ريت تكلم عمي وتقوله ييجي.
ثم اقترب من نورهان وجلس بجانبها وأمسك وجهها بين كفيه وهو يكمل حديثه:
عشان ده كتب كتاب أختي وبنتي حبيبتي، ولازم يبقى يوم مميز.
ابتسمت نورهان بدموع وهي تنظر لأخاها وأخبرته:
ربنا يخليك ليا يا أنس.
احتضنها أنس وهو يتحدث:
ويخليكي ليا يا نور عين أخوكي.
كل هذا يحدث تحت نظرات كامل السعيدة، ونظرات سيدة المشفقة، وفاطمة الفخورة بزوجها وتحمد الله على اختياره زوجًا لها. وحاولت أن تخفف عليه، فحمحمت وتحدثت بمزاح:
احم احم، نحن هنا على فكرة، ولا خلاص كده مبقاليش مكان؟
ضحك أنس بصوت عالٍ وهو يقترب منها ويتحدث بحب:
أنا أقدر برضه، ده أنتي نبض قلبي يا فطوم.
وقبّل رأسها، مما جعلها تبتسم بخجل وقلبها ينبض بعشقه أكثر. فما أروع الرجل الذي يعترف بعشقه للمرأة التي يحبها أمام أي أحد.
***
كانت زينب في طريقها للأسفل، ولكن فوجئت برنين هاتفها. نظرت لشاشة الهاتف وشعرت بالخوف حينما رأت اسم جابر والدها. نظرت حولها بخوف ثم اتجهت لغرفتها ثانيًا وأغلقت الباب عليها. ونظرت للشاشة مطولًا ثم استجمعت شجاعتها وفتحت الخط. ثم وضعت الهاتف على أذنها بترقب. وأخيرًا، آتاها صوته:
عملتي إيه؟
الآن انتبهت زينب، شردت للحظة وهي تحدث نفسها:
يااااه، يا لي من غبية، كيف عميتُ عن هذا؟ كنت طوال الوقت لعبة بيديه. كنت أصدق نفسي بأنه يحبنا أنا ووالدتي ولم يشأ أن يتركنا. ولكن كيف؟ والإجابة كانت أمام عيني طوال الوقت. نعم، فكيف لأب أن يأمن على ابنته أن تدخل وكر الشياطين بنفسها ويتركها تفعل ذلك!!! هل هذا أب حقيقي؟ كان يخبرني أن عثمان وأولاده هم الأشرار وأنا مثل الغبية صدقته. ولكن اتضح أن الشرير الحقيقي هو ذلك المدعو والدي. ياااه، غبية يا زينب، غبية.
انتبهت على صوته وهو يحدثها:
زينب سامعاني؟ مفيش قدامي وقت كتير أكلمك. قولتلك عملتي إيه يا بنتي؟
سامعاك، ولسه معملتش حاجة. أنا لسه يدوب داخلة البيت. لو عملت حاجة هيبان إني أنا السبب، ولا إيه يا بابا؟
عندك حق يا بنتي. خلاص، المهم بس عايزك تفرحيني في عيلة الغرباوي قريب.
ثم أكمل بخبث ليحفزها:
عايزك تجيبيلي حقي منهم، وحق السنين اللي بعدوني عنكم فيها يا زينب. ومتقلقيش، أنا عاملك مفاجأة قريب أوي.
ابتسمت زينب بسخرية ثم أجابته بحزن مصطنع:
متقلقش يا بابا، أنا مش هسيب حقك ده. أنا بنتك يعني أكيد هطلعلك في كل حاجة.
ثم أكملت بسرعة:
أنا لازم أقفل دلوقتي عشان حد جاي. سلام.
وأغلقت الهاتف في وجهه بغضب وتحدثت لنفسها:
أما أوريك يا جابر، مبقاش أنا بنتك. وزي ما كنت عايز تخليني لعبة في إيدك، أنا اللي هلعب بيك وهاخد حق أمي منك.
***
بعد مرور أسبوع، تحديدًا في يوم كتب كتاب كامل، كان الجميع في جامع كبير بجوار بيت أنس، وذلك بعد إصرار نورهان لعدم كتب الكتاب داخل البيت خوفًا من أن تفعل أمها شيئًا يحرج أخاها أمام الناس.
كانت الفرحة تغمر العائلة بأكملها. فالنساء كن في مصلى السيدات يتابعن ما يحدث بحب، وبالأخص نورهان. فكانت ترى كامل وهو يضع يده بيد أخيها أنس، وكانت تبكي من الفرحة. وبداخلها تمنت لو كانت أمها معها في هذا اليوم. وانتهى المأذون عندما قال جملته الشهيرة: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير". وتعالت الزغاريط. واقترب كل من غرام وصفية وزينب وفاطمة يهنئون نورهان. وبالأخص سيدة التي اقتربت من نورهان وأخذتها بأحضانها وبكت وهي تخبرها:
دلوقتي بقى عندي ثلاث بنات يا نورهان، ألف مبروك يا بتي.
ثم مسحت لنورهان دموعها وأكملت حديثها بحب:
متزعليش يا بتي، بكرة تعرف أن سعادة بنتها أهم من أي حاجة تانية.
حركت نورهان رأسها بتفهم، ثم ابتسمت لسيدة وهي سعيدة بأن لها حماة مثلها تعاملها كابنتها وليست زوجة ابنها.
خرجوا جميعًا للخارج، فاقترب كامل من نورهان بلهفة وهو يمسك يدها ويشد عليها كأنه يطمئنها. وتحدث بهمس لها لم يسمعه سواهما:
مش قلتلك قريب هتكوني مرتي وعلى اسمي.
احمرت وجنتا نورهان خجلًا، ولم تجب عليه، هي فقط اكتفت بالنظر للأرض.
فنادى كامل باسمها:
نورهان...
رفعت رأسها له ببراءة لتجيبه، فشرد بعيونها وقلبه نبض عشقًا لتلك العيون التي سحرته وجعلته ينسى من حوله. فابتسم بعشق مما زادها خجلًا. فأخفضت رأسها ثانيًا.
فتحدث كامل بحنان:
نورهان، مش عايزك تزعلي. صدقيني اللي عملناه ده هو الصح. وبكرة أمك لما تعرف أنك سعيدة معايا، أكيد هتفرح وهتنسى زعلها منك.
تذكرت أمها وهي وحيدة الآن في منزلها، وهبطت دموع نورهان بصمت وهي تنظر في الأرض. فمسحتها بطرف أصابعها.
شعر كامل بغصة في قلبه لرؤيتها هكذا حزينة في يوم مثل هذا اليوم الذي من المفترض أن تفرح فيه أي بنت. فتحدث بتوتر:
نورهان، أنتي ندمانة إنك وافقتي تت...
قاطعته نورهان وهي ترفع رأسها لأعلى بلهفة وتحدثه:
لأ يا كامل، ده أسعد يوم في حياتي وعمري ما أندم عليك أبدًا. أنا لو ندمانة، فعشان موافقتش عليك من أول مرة اتقدمتلي فيها. بس صدقني، أنا كنت خايفة ومش رفضتك لشخصك. بالعكس، أنا كنت معجبة بيك جدًا.
بعدما انتهت من حديثها، وجدته ينظر لها بهيام جعلها تعي ما تفوهت به للتو. فخجلت كثيرًا وأخفضت رأسها. فضحك هو على خجلها. هكذا تحدث بخبث:
اممم، قولتيلي بقى أنك كنتي واقعة فيا، مش كده؟
ابتسمت بخجل وهي تتحدث:
كامل، خلاص بقى.
كامل أجابها بهيام:
جلبه، والله يا نورهان، أنتي جلبه وعشق عمره كله.
ثم تنهد براحة وأكمل:
ربنا يصبرني بقى الشهرين دول، مش عارف هعدي إزاي وأنا سايبك هنا.
قاطعهم أنس وهو يقترب منهم ويتحدث بمرح:
مش كفاية بقى يا عم الحبيب؟ هتخلينا واقفين كده في الشارع كتير بسببك.
أجابه كامل بمرح وهو ينظر لنورهان:
حقيقي يا عم أنس، ده أنا أسعد راجل في الدنيا النهارده. وبعدين أنا عارف أصلًا أنت بتردلي اللي كنت بعمله معاك عندنا، مش كده؟
بصراحة، أيوه. ده أنت كنت رخيم يا أخي.
وضحكوا جميعًا، وكل هذا تحت نظرات جمال لصفية التي كانت تشعر بها، ولكنها تجاهلته تمامًا. وغرام التي تمسك بيد صقر بحب وهو يحاوطها بهيبة تليق به. أما أدهم فكان ينظر لزينب بانبهار، فحقا كانت جميلة جدًا. وهي تبادله النظرات أيضًا. ووجدته يقترب منها ويحدثها:
تعرفي أنك جميلة قوي النهارده.
ابتسمت له زينب بخجل وهي تجيب:
بس أنا كده هتغر في نفسي. وبعدين منا طول عمري جميلة يا ابني، إيه الجديد؟
رفع أدهم حاجبه بصدمة من ثقتها هذه وتحدث:
لأ، متواضعة قوي سعادتك.
وضحكوا وهما الاثنان، وكل منهم يريد أن يخبر الآخر بما في قلبه، ولكن هيهات.
***
بعد أسبوعين من الأحداث، كانت صفية في غرفة أطفالها تجلس على كرسي التسريحة تنظر لنفسها بالمرآة شاردة في جمال ومعاملتها له منذ كتب كتاب أختها فاطمة. فهي تتجنبه وتتجنب التواجد معه، وتتذكر كم المرات التي حاول بها أن يتقرب منها ويجعلها تسامحه، ولكن كالعادة كانت تصده.
انتبهت على صوت هاتفها، فأمسكته ووجدت رقمًا غريبًا. فتحت الخط وأجابت، وسمعت صوتًا لم تكن تتخيل أنها ستسمعه ثانيًا.
رواية غرام صعيدي الجزء الثاني الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسراء ابراهيم
-كيفك يا صفية والله اتوحشتك
قامت صفية من مكانها بصدمة وهي تسمع صوت غادة فلم تكن تتخيل أنها ستحدثها ثانيًا يومًا ما.
رددت اسمها بصدمة: غادة.
ثم أكملت بتوتر: انتي عايزة إيه يا غادة وإيه اللي رجعك تاني؟ مش كنا فضيناها سيرة.
-إيوة غادة، ولا كنتي مفكرة إنك خلاص خلصتي مني. أما بجي بخصوص اللي رجعني فهو طاري يا صفية ومش ههدا إلا أما أخده منك.
تحدثت صفية بشجاعة مزيفة: طارك ده بجي هتاخديه مني كيف؟ هتبعتيلي حد يقتلني؟
-تبجي متعرفنيش يا صفية. أنا لو قتلتك هترتاحي، وأنا بجي مش عايزاكي ترتاحي، أنا هخليكي تتعذبي، أنا هخليكي تندمي على اليوم اللي بعتيني فيه وروحتي اعترفتي فيه عليا.
شعرت صفية بالخوف ولكنها حاولت إخفاء ذلك، فأجابت بثقة: اعلي ما خيالك اعمليه يا غادة. أنا عملت الصح، واللي المفروض كان يحصل. ولو انتي بتحدتيني عشان تهدديني اعرفي إني مبتهددش. انتي واعية لحديتي ولا لأ؟ وعلي فكرة لو انتي ناسيه مين هيا صفية وتجدر تعمل إيه تبجي غلطانة.
استمعت لصوت ضحك غادة الساخر، ثم حديثها الذي قلب كل شيء رأسًا على عقب.
-ابجي سلميلي على جمال جوزك وجوليله مينساش يعزمني على فرحه ويعجل عشان المولود بيكبر.
ثم أغلقت الهاتف في وجهها، وظلت صفية على صدمتها تلك وحديث غادة يسمع أذنها. وبعد دقيقة من صدمتها، هبطت دمعة حارقة على وجنتها، فلا تعلم ماذا تفعل وما المقصود من حديث غادة، ولم تحدثها الآن، وما علاقتها بجمال وتلك البنت المجهولة؟
***
كانت زينب تجلس مع غرام وعزيزة، فقد اقتربت منهم مؤخرًا وشعرت بأنها فرد من عائلة الغرباوي، فقد وجدت في هؤلاء الناس الطيبة والأصل وتعاملهم مع الناس بتواضع. كانت جلسة نسائية بحتة، فقد كان ثلاثتهم يجلسون ويضحكون إلى أن دخل عليهم صقر وأدهم.
فاقترب صقر من والدته: السلام عليكم.
وقبل قبلة على يد عزيزة والدته ورأسها وهو يتحدث: كيفك يا ياما.
-وعليكم السلام، تسلم وتعيش يا ولدي اجعد جاري.
-لع، أنا هاخد غرام وأطلع عشان عايزها في موضوع أكده.
ثم اقترب من غرام، وهي قامت معه بتعب.
ومجرد أن خطت خطوتين حتى تمسكت برأسها وهي تقول: صقر، أنا دايخة أوي مش عارفة ليه.
-اقترب صقر منها بلهفة وحاوطها بيديه، ولم يكمل جملته حتى وقعت مغشيًا عليها. فحملها بلهفة وهو يصرخ: حكيم بسرعة ياما، بسررررعة.
وأخذها وصعد لغرفتهم.
-قامت عزيزة بقلق وهي تنادي بأعلى صوتها على بدور، حتى أتت مسرعة: بت يا بدور بسرعة روحي شيعي للحكيمة جوليلها تيجي اهنه عشان ستك غرام بسرعة.
-حاضر من عيني يا حجة.
وتركتها وذهبت.
-تحدث ادهم ليطمئن والدته: متجلجيش ياما، خير إن شاء الله.
-أجابته عزيزة بفرحة: أنا مش جلجانة يا ولدي، دي بركات الشيخ مصيلحي وغرام مرت اخوك حبلة.
-غرام حبلة وشيخ مين ده اللي بتجولي عليه؟ أنا مش فاهم حاجة.
-مش مهم يا ولدي، متاخدش في بالك. أنا هطلع لأخوك فوق، ولما الحكيمة تيجي شيعها مع بدور.
-حاضر ياما، روحي انتي.
تركتهم عزيزة وصعدت، وبقيت زينب مع ادهم بمفردهما.
فنظرت زينب لادهم بتوتر. اقترب هو منها وجلس بجانبها وهو يتحدث: كيفك يا زينب؟ جوليلي مبسوطة اهنه ولا لأ.
-مبسوطة أوي يا ادهم، بجد. أهلك كويسين أوي وأنا حبتهم من قلبي.
-نظر ادهم في عينيها وتحدث بتوهان: يا بختهم والله.
-ظلت تنظر حواليها بخجل لتتحاشى النظر له، وتحدثت لتغير مجرى الحديث: هو أنا ممكن أسألك سؤال يا ادهم؟
-طبعًا، انتي بالذات تسأليني براحتك. ثم أكمل بحب: انتي متعرفيش غلاوتك عندي كيف.
-ابتسمت بخجل ثم سألته بتردد: هو لو يعني انت كنت قابلت حد والحد ده كدب عليك عشان هو كان شايفك حاجة تاني، بس اكتشف إنك مش زي ما هو كان فاكر، وحاول يعترفلك ويتقرب منك واتغير فعلاً وبقي حد تاني خالص، وجيت انت عرفت حقيقته أو اللي خباه عنك، هتسامحه؟
-نظر لها ادهم باستغراب من سؤالها وأجاب: بصي، هو أنا مش عارف انتي بتسألي سؤال زي ده ليه، بس هچاوبك. لو أنا بشخصية ادهم يعني، لع، أنا مسامحش حد كدب عليا أبداً، وخصوصاً إنه كانت قدامه الفرصة وهو معايا زي ما بتجولي، يعني كان ممكن يجولي وسعتها هفكر. لكن لو اكتشفت من حالي إنه كداب وضحك عليا، سعتها مش هرحمه.
-نظرت له زينب بتوتر وبلعت ريقها ثم تحدثت: ده كان حصل في رواية قرأتها بين البطل والبطلة، فحبيت آخد رأيك فيها مش أكتر.
-اممم، جولتيلي. واضح إن الروايات دي خلت عقلك يفوت. ثم أكمل برومانسية: وبعدين ما احنا ممكن نعمل قصتنا رواية؟ تصدجي تنفع جووي؟ وطبعًا انتي عارفة النهاية هتبجي كيف.
ثم غمز لها بعينيه، مما جعل قلبها ينبض، واخفضت رأسها خجلًا منه ومن تلميحاته التي باتت تعشقها.
أنقذها منه دخول بدور ومعها الدكتورة، فحدثت ادهم وهو يقوم من مكانه: اتفضلي يا دكتورة مريم، نورتي البيت.
-أهلاً ادهم بيه، البيت منور بأصحابه. طمني، إيه أخبار مصر؟ بقالي كتير منزلتش.
-زينة ووحشتيها جوي، ومستنياكي ترجعي.
-والله فعلاً بفكر أسيب هنا وأرجع تاني القاهرة وأستقر هناك.
-والله الصعيد كدة اللي هتخسر دكتورة جدعة زيك.
-اشكرك يا ادهم بيه، ده من زوقك.
-كل هذا يحدث تحت نظرات زينب المستشاطة غضبًا من ذاك الأدهم. فوقفت بجانبه وهي تتحدث بغيظ لتقطع حديثهم: أنا بقول نأجل حديث المساء ده وتطلعي تشوفي البت اللي تعبانة فوق دي.
-تحدثت مريم بأحراج متأسفة جدًا: بعد إذنكم.
وتركتهم وصعدت مع بدور.
-همس ادهم لزينب: ليه أكده؟ أحرجتيها وخليتيها تتكسف.
-نظرت له زينب بغضب وأجابته بعصبية: والله خايفة على شعورها حضرتك.
-اممم، هو اللي يشوفك بصراحة يجول عليكي إنك غيرانة.
-إيه؟ أنا أغير من دي؟ ده انت بتحلم. ثم أنا هغير عليك ليه أصلاً يا يا بتاع مريم.
وتركته وذهبت، وظل هو ينظر لأثرها ويبتسم بعشق لتلك المجنونة التي اقتحمت حياته وجعلته متيمًا بها، وعلمته قواعد العشق من جديد.
***
-وحشتيني جوووي يا نورهان، بجد حاسس إني بقالي سنة بعيد عنك.
-أجابت نورهان بخجل: وانت كمان يا كامل، طمني عامل إيه وأخبار ماما سيدة إيه وصفية.
-كلهم كويسين الحمد لله. أنا حدثتك دلوجتي عشان اشتقتلك. تعرف إن أنا مستني اللحظة اللي هتنوري فيها بيتي يا نورهان.
-تعرف إن دي آخر حاجة كنت أتمناها.
-استغرب كامل وسألها: كيف يعني؟ مش فاهم.
-تنهدت نورهان وتحدثت بألم: يعني أول مرة اتقدمتلي وأنا رفضت، وبعدها سألتني ليه رفضتك وكنت فاكر إن انت السبب واني مش عايزاك، بس الحقيقة أنا معرفتش ساعتها أقولك إن السبب إن عندي عقدة من معاملة أمي دايماً لفاطمة. مكنش ينفع أقولك إن أمي حما صعبة، وكنت خايفة من معاملة مامتك ليا وإني أعيش نفس اللي عايشاه فاطمة. بس لما عرفت مامتك بجد اكتشفت إن مش كل الحماوات زي بعض. في اللي بتعامل مرات ابنها زي بنتها وأكتر، زي ماما سيدة كدة بجد. أنا مشفتش في حنيتها. تعرف إنها حست بيا وفهمتني. أيوه، ساعت فرح فاطمة هي اللي طمنتني وقالتلي إن مش كل الناس زي بعضها. بجد أنا بحبها أوي.
-بجي أكده بتحبيها هي بس؟ طب وأنا؟
-خجلت نورهان وابتسمت بحب: انت حاجة تانية يا كامل، انت اللي حسيت معاه بالأمان واللي ربنا عوضني بحبه وحنانه عن معاملة أمي الجافة ليا وحرماني من بابا من صغري. وأكملت بصوت رقيق هادي: ويكفي إنك الوحيد اللي قلبي دق ليه مجرد ما بتكون قريب مني. بحس إحساس غريب وجميل مش بحسه غير معاك يا كامل، وزاد أكتر لما اتمسكت بيا ومتخلتش عني زي ما وعدتني.
-كان هو في عالم آخر يسمعها بقلبه فقط، فمجرد كلمات عزفت بها على أوتار قلبه جعلته متيمًا بها أكثر. يتمنى لو تكون أمام عينيه، أقسم حينها أنه سيخبئها بين ضلوعه ولن يسمح لمخلوق أن يقترب منها، فهي ملكه وحده، أميرة على عرش قلبه.
-باريتك كنتي جدامي دلوجتي وإنتي بتجوليلي الحدّيت ده. عاد متعرفيش كنت عملت إيه. وبعدين إنتي بتجوليلي الحدّيت ده دلوجتي عشان بعيد عنك. خابرة أنا لو جدامك هتتكسفي ومش هتجولي حاجة.
-تحدثت نورهان بخوف: كامل، أوعدني إنك مش هتتخلي عني وهتفضل جنبي.
-إيه الحدّيت الماسخ ده يا نورهان؟ أتخلي عنك كيف يعني؟ إنتي مرتي خلاص وبجيتي على اسمي، وميبعدنيش عنك غير الموت. إلا لو إنتي مش شايفاني راجل بجي، دي تبجي حاجة تانية.
-بعد الشر عليك يا كامل، أنا أسفة، مقصدتش، صدقني. أنا بس خايفة أوي. ماما لسة زي ما هي، وأنا من ساعة كتب كتابنا وأنا قاعدة عند أنس، فخايفة تعمل حاجة أو...
وصمتت ولم تكمل حديثها، فهي خائفة من عائلة باباها، فهي تعلم أن أمها لن تمر ما حدث وسوف تقلب الدنيا رأسًا على عقب، حتى لو اضطرت أن تخبرهم لينهوا هذا الموضوع.
-متتأسفيش يا نورهان، أنا مجدر خوفك على أمك، بس مش أكده. خليكي واثقة فيا، أنا كامل الغرباوي، وإنتي بجيتي على اسمي، ومحدش يجدر ياخدك مني أبداً.
-ربنا يخليك ليا يا كامل.
-ويخليكي ليا يا جلب كامل وعمره كله.
***
-طمنيني يا دكتورة، غرام حبلة مش أكده؟
سألتها عزيزة بلهفة واضحة عليها، أما صقر وغرام الممددة على الفراش وتنظر لعزيزة بفرحة.
-نظر صقر لامه باستغراب وتحدث: حبلة إيه بس ياما، اصبري أما نفهم من الدكتورة.
-يا ولدي، أنا خابرة، دي حاجة واضحة زي الشمس، مراتك حبلة.
ثم أكملت بفرحة: دي بركات الشيخ مصيلحي، لازم أروحله أشكره.
-صقر استشاط غضبًا مما تتفوه به أمه، ولكنه تمالك أعصابه وهو يتحدث معها: بجولك إيه ياما، بطلي حدّيتك ده عاد، بلا مصيلحي بلا جر*ف. وأنا لسة متحدتش معاكي في موضوع الدجال ده. اصبري بجب، أما أطمن على مرتي الأول.
-بلعت عزيزة ريقها بتوتر من حديث ابنها وصمتت ولم تتحدث.
-وجه صقر حديثه للدكتورة: خير يا دكتورة مريم، طمنيني.
-ابتسمت بهدوء وتحدثت: واضح إن غرام عايزة تعرف غلاوتها عندك يا صقر بيه. متقلقش، هي كويسة، بس هي ضعيفة ومش بتاكل كويس وبتهتم بصحتها. أنا كتبت لها فيتامينات ومقويات، دي لازم تاخدها، والأهم تاكل كويس وتبعد عن التوتر وأي ضغط. بعد إذنكم.
وتركتهم وذهبت.
-نظرت غرام بخيبة أمل لعزيزة، التي ما زالت لم تصدق ما قالته الطبيبة، وتحدثت: كيف ده؟ يعني مش حبلة؟
-نظر صقر لامه بنفاذ صبر، فهي من أعطت لغرام أمل كاذب وجعلتها تخطو وراءها لذلك الدجال، ولولا ستر الله لا نعلم ماذا كان سيحدث. وجه صقر حديثه لامه: بجولك إيه ياما، أنا عديت بمزاجي مرواحك عند الدجال اللي اسمه مصيلحي ده، وكمان خدتي غرام معاكي وخلتيها متجوليش كأني مش راجل، وبرضه متحدتش معاكي، لكن لحد اهنه وخلاص، بيكفيا أكده بجي. أنا ومرتي مش عايزين عيال خلاص، رضينا بأمر ربنا، وأنا كفايا عليا إنها جاري.
ثم اقترب من امه وقبل يدها وتحدث بهدوء: انتي ست مؤمنة وبتعرفي ربنا إزاي ياما؟ تروحي لواحد دجال ميعرفش ربنا، وتقؤليله أسرار بيتنا، وهو كل اللي همه ياخد منك فلوس ويضحك عليكي بكلمتين.
-أنبت عزيزة ضميرها وشعرت أن حديث ابنها صدق، فأجابته: استغفر الله العظيم، حجك عليا يا ولدي. أنا كان كل اللي همي أفرحك بحتة عيل.
-ابتسم بحب وتحدث: يبجي تصلي وتدعيلي ياما. ادعي لابنك إنه ربنا يكرمه ويرزقه الذرية الصالحة. ادعي ربنا، هو في إيده كل حاجة، مش نروح لعبد ضعيف بيستغل حاجة الناس عشان الفلوس.
-طبطبت عزيزة على يد ابنها وتحدثت بحب: ربنا يكملك بعجلك يا ولدي، ويديك ويراضيك يا صقر يا ولد بطني.
-أيوه كدة يا ست الكل.
ثم قبل يدها وأكمل: ممكن بجي توصي بدور تعمل وكل حلو أكده لغرام عشان تتجوى زي ما الدكتورة جالت.
-من عيني يا ولدي، أنا اللي هعمله بنفس دي. غرام بتي ومرت الغالي.
وتركتهم وذهبت.
ثم وجه صقر نظره لغرام، وجدها تبكي بحزن. انهش قلبه، فاقترب منها وجلس بجوارها، ثم أخذها بأحضانه وهو يطبطب على شعرها.
-مالك بس يا غرامي؟ مبحبش أشوف دموعك.
-كان نفسي أكون حامل يا صقر، كان نفسي أفرحك.
-ومين جالك إني مش فرحان؟ أنا كفايا عليا إنك جاري، ليه بس مستكترة عليا إني أفرح بيكي إنتي؟
-شددت من احتضانه وأخبرته: أنا بحبك أوي يا صقر، انت كل حاجة ليا. ربنا ما يحرمني منك.
-ولا منك يا روح جلبي، ويباركلي فيكي.
ثم طبع قبلة على رأسها.
وحينها سمعوا طرق الباب، فتحدث صقر وهو يقوم من مكانه: تلاقي أمي جايبالك الأكل، استني هفتحلها.
وذهب صقر ليفتح الباب، ولكنه تفاجأ بوجود ادهم أخاه. فخرج له وأغلق الباب خلفه، فهو يعلم أن أخاه لن يأتي لغرفته هكذا إلا إذا حدث شيء كارثي.
فتحدث بقلق: في إيه يا ادهم؟ إيه اللي حصل؟
-مصيبة يا صقر، مصيبة. تعالي، الحج أخوك جمال…
رواية غرام صعيدي الجزء الثاني الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسراء ابراهيم
صفعة قوية تلقاها جمال من عتمان والده أمام صقر وأدهم إخوته.
ثم هدر به عتمان بغضب وهو يشير لنفسه بإصبعه:
- الظاهر إني خلاص كبرت وخرفت عشان معرفش إيه اللي بيدور من ورا ضهري مع ولادي. خلاص يا جمال مبقاش فيه حيا ولا دين. إزاي تسمح لنفسك تروح مكان زي ده وكمان تشرب اللي حرمه ربنا.
وجلس على كرسيه بتعب وهو يكمل حديثه:
- يا خيبة أملي فيك يا جمال. كنت مفكرك عاقل والعيبة متطلعش منك.
اقترب جمال من والده بلهفة وهو يقبل يده ويتحدث بندم:
- حجك عليا يا أبويا. والله كان غصب عني وكنت في لحظة غضب. والله ما كنت واعي لحالي ولا حتى عارف أنا عملت كده إزاي.
تحدث صقر بغضب:
- بس ده ما يمنعش إنك غلطت يا جمال. وإديك عملت مصيبة والبت حامل واللي في بطنها يبقى ولدك ولازم تتجوزها. واحمد ربنا إنها جت هنا وقالتلنا، ما راحتش فضحتك في البلد. ولولا أدهم جه وقالي إنها تحت ما كناش عرفنا نصلح الموضوع كيف.
أدهم بهدوء وهو يوجه حديثه لعتمان والده:
- والعمل يا أبويا هنعمل إيه؟
عتمان رد بقلة حيلة:
- مفيش حاجة غير إنه يتجوز البنت. إحنا منرضاها على بناتنا.
ثم أكمل بحدة:
- ويكون في معلومك يا صفية أنا هطلقها منك لأني مش هرضى إني أوجعها وأخليها تعيش مع البنت دي.
جمال بلهفة:
- لأ يا أبويا عشان خاطري. أنا مقدرش أطلق صفية. كله إلا كده. وبعدين هي عارفة كل حاجة وعارفة موضوع البنت واتفقنا إنها هتفضل على ذمتي عشان العيال.
تحدث صقر بسخرية:
- والله صفية دي أصيلة. واحدة غيرها كانت رمتلك العيال وسابتلك البيت وطلبت الطلاق كمان. ومحدش ساعتها هيلومها.
جمال بحزن باين في عينه:
- عارف يا خوي عارف إني مستاهلهاش. بس غصب عني والله. لو كنت في وعي ما كنت فكرت إني أخونها. الله يجازي اللي كان السبب.
نظر له صقر بغموض ثم فكر في أمر ما. وبعد قليل انتبه على صوت أبيه.
- اسمع يا جمال. كتب كتابك على البنت يوم الخميس الجاي. وهتقعد في دار لحالك إنت وهيا عشان خاطر صفية. ما نجرحهاش أكتر من كده. ومش عاوز كلام تاني في الموضوع ده. يلا روح لصفية طيب خاطرها بكلمتين. كفاية إنها شافت البنت وسمعت حديثها.
قام جمال من مكانه وهو يتحدث بحزن:
- حاضر يا أبويا.
وتركهم وخرج. أما صقر فكان شاردًا وانتبه على حديث أدهم له:
- بتفكر في إيه يا صقر؟
- مش عارف. حاسس إن في حاجة غلط بس إيه هي مش عارف.
ثم نظر لأدهم باهتمام وأكمل حديثه:
- أدهم، أنا كنت عايزك تعمل حاجة كده.
- خير يا أخويا. جولي عايز إيه؟
- عايزك تجيب جراح صاحبه ده وتعرف اتجابلو كيف. والبنت دي كمان تجيبلي جرارها.
- من عيني يا أخويا. وأنا اللي هنزل بنفسي. متقلقش.
وعتمان كان ينظر لصقر وبداخله يشعر بما يشعر به صقر أيضاً.
***
كانت صفية بغرفتها تقف أمام المرآة تنظر لنفسها بجمود ودموع متحجرة تأبى النزول، مراعاة لكرامتها. تتذكر عندما هبطت لأسفل ورأت تلك البنت تجلس مع صقر وأدهم وتقص عليهم ما حدث مع جمال. ولن تنسى نظرة الشماتة عندما تلاقت أعينهم. كانت كالبركان من الداخل وهي تراها أمام أعينها.
قطع صمتها دخول جمال عليها. التفتت وراءها لتتلاقى أعينهم سوياً بنظرة طويلة أغلبها عتاب ممزوج بغضب. وقطع نظراتهم تلك اقتراب جمال منها. وما إن خطى خطوة ناحيتها حتى كانت كمن لدغتها عقرب.
- لأ يا جمال متقربش. وجول عايز إيه وإنت بعيد.
حاول جمال كبت غضبها فتحدث بهدوء:
- خلاص يا صفية. أنا مش هقرب. متخافيش. بس خلينا نتحدث سوا.
صرخت به بغضب:
- إحنا مفيش حديث بينا. قول عايز إيه وإلا هخرج أنا.
تحدث بحزن وصوت مهزوز:
- أنا آسف. حجك عليا وعلى قلبي. لو بإيدي أرجع بالزمن كنت عملتها. وما كنتش رحت المكان ده ولا عملت كده. سامحيني يا صفية.
هي تعلم أن لغادة دخل في هذا الموضوع وأن من الممكن أن يكون جمال بريء. ولكن كرامتها تأبى ذلك. تأبى أن تختلق له الأعذار. جرحها منه ما زال حي وينزف. نظرت له ولم تتحدث، فقط تنظر له بقهرة.
- جوليلي إيه اللي يرضيكي وأنا هعمله بس تسامحيني.
نظرت له مطولاً وهي تفكر في أنها لن تقدر. فكل هذا فوق طاقتها. نطقت بشيء واحد فقط:
- تطلقني يا جمال. دي الحاجة الوحيدة اللي هتريح قلبي وتردلي كرامتي. طلقني.
تحدث بهلع:
- لأ يا صفية. كله إلا دي. بصي اطلبي أي حاجة بس دي لأ. إنت كده بتقتليني.
- وأنا جلتلك اللي عندي يا جمال. ومش هتنازل عن كده.
ثم تركت له الغرفة وخرجت. أما هو فقبض على يده بعنف والغضب تملك منه بشدة.
***
- إنتي بتقولي إيه يا فاتن؟ يعني عشان كده كلمتيني؟ بتقوليلي إن بنت أخويا اتكتب كتابها وإحنا منعرفش؟
وضحك بسخرية:
- وبتقوليلي ليه دلوقتي؟ بقي ما إحنا ملناش لازمة.
فاتن بتوتر:
- لأ مش قصدي كده يا عاصم. بس يعني أنا نفسي مش موافقة على جوازها من الولد ده. وأخوها هو اللي صمم وملى دماغه. أكمن الواد يبقى أخو مراته العقربة.
- والله. طب هو اتجوز ومحدش فيكم قالنا. وقولنا ماشي. لكن البت دي تبعنا. وإزاي أصلاً يجوزها من غير ما ياخد رأينا؟ ولا خلاص مبقاش ليكم كبار؟
ابتسمت فاتن بفرحة وقالت له:
- إحنا لسه فيها. إنت تكلم مع أخوها وتخليه يطلقها من الواد ده.
نظر لها عاصم بغموض. فهو يعلم أنها تحدثت لغرض ما. فتحدث بهدوء:
- هشوف الموضوع ده. وليا كلام مع أنس على اللي هو عمله.
ومشى وتركها وفتح باب شقتها وخرج. وخطي خطوتين ورأى نورهان تصعد الدرج. وبمجرد أن رأته شعرت بقبض قلبها. فهي كانت تعلم أن أمها لن تصمت وسوف تخبر عمامها لكي يمنعوا زواجها من كامل. بلعت ريقها بتوتر وهي تتحدث:
- إزيك يا عمي عاصم؟
نظر لها بحدة وتحدث بغموض:
- إزيك يا بنت أخويا. ولا المفروض أقول مبروك مش كده؟ عموما أنا ليا كلام مع أخوكي. بس مش دلوقتي.
وتركها وذهب. وهي نظرت لأثره بخوف وصعدت للأعلى وهي تبكي على ما تفعله أمها.
***
كانت غرام بغرفتها فدخل عليها صقر وهو يحمل صينية بها طعام. فوضعها بجانبها على الكومود وجلس بجوارها وأمسك يدها يقبلها.
ابتسمت غرام بحب وهي تتحدث:
- كل ده عشاني؟ وكمان جايبلي الأكل بنفسك يا صقر.
نظر لها بهيام وهو يتحدث:
- وأنا عندي مين أغلى منك عشان أعامله كده؟ لأ وهأكلك بنفسي. إيه رأيك بقى.
نظرت له بخجل وتحدثت:
- ربنا يخليك ليا يا صقر. بجد إنت أحن راجل في الكون كله. وإنت عوضي اللي ربنا كافئني بيه بعد السنين الوحشة اللي عشتها وأنا بعيد عنك.
وامسكت يده وخللت أصابعها بأصابعه. أكملت:
- نفسي ربنا يرزقني بطفل ويكون نسخة منك شبهك وواخد كل صفاتك الجميلة.
تأثر صقر من سحر كلماتها. فجذبها من رأسها وطبع قبلة طويلة على جبينها. ثم أخذها بأحضان وهو يخبِرها:
- ومين قال لك إني مش عندي عيال؟ إنتي بنتي اللي اتمنيتها من الدنيا وعوضي يا غرام.
ثم أطلق تنهيدة عميقة وأخبرها:
- أنا مكنتش عايش يا غرام. إنتي جيتي نورتي حياتي وخلتي صقر الغرباوي يعرف العشق ويصبح خائف. وأنا عمري ما كنت بخاف يا غرام. بس دلوقتي بقيت بخاف عليكي قوي. إنتي نقطة ضعفي.
وشدد من احتضانها وهو يتحدث:
- آه يا غرام لو تعرفي أنا بعشقك قد إيه وكيف مش هتصدقي.
رفعت وجهها له وهي تبتسم بعشق. وبادلها هو نفس النظرة. ثم تحدث بمرح:
- يلا بقى ولا إنتي مش عايزة تدوقي أكلي؟
- يا حبيبي كفاية إنه من إيدك بس.
وضحكوا سوياً.
***
بعد أسبوع كان الجميع في محيط البيت يجلسون والمأذون أيضاً. وأمامه جمال والبنت لكي يكتبوا كتابهم. وقبل كتب الكتاب بثواني معدودة دخل صقر وهو يتحدث بسرعة:
- وقف يا مولانا.
انتبه الجميع له. ابتسم عتمان وهو يتحدث بلهفة:
- خير يا صقر يا ولدي؟ طمني.
صقر وهو ينظر للبنت التي بلعت ريقها بخوف وتوتر:
- متقلقش يا أبويا.
ثم وجه حديثه للمأذون:
- متشكرين يا مولانا. بس مفيش كتب كتاب.
أغلق المأذون الدفتر ثم تركهم وغادر وهو لا يفهم شيئاً مما يحدث.
وفي نفس التوقيت كانت صفية تهبط الدرج وهي تبكي. نعم هي توقعت أنها أقوى من ذلك ولكن لم تستطع ولن تتحمل كرامتها كل ذلك. فأهون عليها الموت من أن تظل مكسورة أمامه هكذا.
اقتربت منهم وهي تسمع حديث صقر للبنت التي سيتزوجها جمال.
صقر وجه حديثه للبنت بغضب مكتوم:
- ها يا حلوة. تحبي تحكي ولا أحكي أنا؟ بس قبل ما تتحدثي اسمعي الأول. لو أنا اللي حكيت هزعلك جوووي.
نظرت البنت للكل بتوتر وتحدثت بتلعثم:
- أنا قولت كل حاجة. يعني هكدب ليه؟ أنا ولية يعني مش عايزة غير الستر.
- اممممممممم. جولتلي بقى يبقى كده. إنتي اللي اخترتي ومش هتتحدثي غير لما تاخدي نفس العلاجة اللي خدتها غادة.
دب الرعب في أوصالها ونظرت له بخوف. وعلمت أنها انكشفت ولا تعلم ماذا تفعل الآن.
عبثت عزيزة واستغربت من ذكر اسم غادة. فوجهت حديثها لصقر:
- غادة!! وإيه اللي جاب سيرة المحروقة دي يا ولدي؟ وإيه علاقتها بأخوكي؟
ابتسم صقر بسخرية وهو يوجه نظره للبنت ويتحدث بثقة:
- ماهي اللي هتقولنا يا ما دلوقتي.
ثم وجه حديثه للبنت وتحدث بغضب عارم جعلها تنتفض:
- انطقي يا بت واتحدثي وإلا يمين بالله لأو*يكي وما هخلي حد يعرف لك طريق جرة. انطقييييي.
- حاضر حاضر. هتكمل وأقولك كل حاجة. بس والنبي ما تأذ*يني.
كانت صفية تتابع ما يحدث بترقب. فهي تعلم أن غادة لها علاقة بموضوع جمال. فنظرت له وجدته ينظر لحقيبة ملابسها وينظر لها وكأنه يترجاها أن ترجع عن ما كانت ستفعله تجاهه.
تجاهلت نظراته بقلب جريح ونظرت للبنت بتوتر خوفاً مما ستنطقه.
تحدثت البنت بخوف...
رواية غرام صعيدي الجزء الثاني الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسراء ابراهيم
-أنا لقيت غادة بتتصل بيا وهيا مضايقة وبتقولي عايزة خدمة منك دلوقتي حالا وكانت متعصبة أوي.
سألتها إيه اللي حصل؟
قالت لي إنها اتطردت من بيت عتمان حماها، وإن صفية غدرت بيها وقالت على كل حاجة وعلى اتفاقها مع جابر، وإنها بعتها لعيلة الغرباوي.
وبصت لجمال بخوف، وبعدين كملت كلامها:
- بس ساعتها ضحكت جامد أوي، وأنا استغربت إزاي متعصبة وبتضحك كده في نفس الوقت.
ولقيتها بتقولي إن صفية دي غبية، وإنها كانت عاملة حساب يوم زي ده، وإنها ممكن تغدر بيها، وإنها يعني خلت واحد هي تعرفه يتعرف على جمال ويصاحبه عشان لو حاولت تعمل حركة زي دي تخرب بيتها، وفعلاً ده اللي حصل.
يوم ما كلمتني قالت لي: هتروحي مكان هناك وهتلاقي جمال، وأنا هكلم الراجل اللي خليته يصاحبه وهو هياخده على هناك.
تفاجأت البنت بجمال وهو يقترب منها ويتحدث بغضب:
- بجي أنا تلعبوا بيا يا ولاد الـ***؟
وقاطعه صقر وهو يبعده عنها ويتحدث بهدوء:
- سيبها تكمل يا جمال، خلينا نفهم وبعدين نتصرف.
كان الجميع في حالة صدمة ولا يصدقون ما سمعوا من هذه البنت. هل هناك أناس بهذه الحقارة؟ هل يوجد قلوب يعميها الحقد والكراهية لهذه الدرجة؟
تحدث صقر بغموض وهو ينظر للبنت:
- كملي، كملي، متخافيش.
نظرت له البنت بخوف ثم أكملت:
- غادة قالت لي إن صاحبه هيديله حاجة يشربها وهيكون حاطط فيها مخدر، وأول ما يغفى هيدخله أوضة، ولما يصحي هكون جنبه.
واللي حصل بعد كده انتوا عارفينه.
بس والله يا بيه أنا مكنتش عايزة أدخل في اللعبة دي، بس هي هددتني بأخواتي لما قولتلها لأ، وأنا غلبانة مش قديكوا.
قام صقر بهدوء وأخذها من يدها وهو ينادي على الغفير ليأخذها وتحدث بغضب:
- خدها واعمل زي ما فهمتك، يلا!
أما صفية فكانت في عالم آخر، كان عقلها مشتت. هي توقعت أن غادة كل علاقتها بالموضوع أنها على علم بغلطة جمال وأنها تحدثت إليها لتشمت بها وليس أكثر.
ولكن مهلاً. هل كل ما حدث بسببها هي؟ بسبب صفية؟
فهل جمال كان ضحية مؤامرة حقيرة من غادة للانتقام من صفية؟
جزء داخلها سعيد ببرائته، وجزء أيضاً جريح لا يعلم هل جمال يستحق المغفرة أم لا.
هبطت دموعها بغزارة. فها هي تستمر الحياة في عقابها على ما فعلته من قبل وعلى صفية القديمة.
ولكن لما لا؟ فمن الممكن أن يكون هذا درس لها يخبرها أن جمال يستحق أن تغفر له كما غفر لها سابقاً على ما فعلته من أشياء فظيعة.
اقتربت منها عزيزة ومسحت دموعها بيديها وأخذتها بحضنها وهي تتحدث:
- متزعليش يا بتي، ولدي كان مظلوم وطلع ملعب من المخفية اللي اسمها غادة.
معلش حاولي تنسي وعيشي حياتك ومتخليهاش تخرب عليكي.
أما غرام فكانت تنظر لصقر بقلق وخوف. شعر بها هو واقترب منها وجلس بجانبها وحاوطها بيديه ليبث لها الأمان.
وهي ابتسمت لأنه شعر بها وبخوفها بدون أن تتحدث.
وأيضاً زينب التي كانت تجلس وتفكر في شيء واحد، وهو اتفاق غادة مع جابر والدها.
نعم، فكل ما تراه الأيام تثبت لها أن والدها ما هو إلا مخادع وإنسان سيء.
فشعرت بالحزن والخذلان. ورفعت رأسها لتقع عينيها في عيني أدهم، الذي شعر بها حزينة وأنها لا تدري أي شيء مما يحدث.
فحرك رأسه لها ليطمئنها أنه معها.
ابتسمت له زينب بحزن وكأنها تحاول التحدث وتخبره بكل شيء، ولكن شيء بداخلها يمنعها.
.....................................
- أنت بتقول إيه يا عمي؟ حضرتك جاي بيتي عشان تهيني ولا إيه؟
- اسمع يا أنس، أنا لا جاي أهينك ولا جاي أتخانق. أنا جاي أعرفك الأصول.
- مش المفروض الأصول بتقول إن البنت لما تيجي تتجوز تاخدوا رأي عمامها، وخصوصاً إن أبوها ميت؟
- لا طبعاً. فين الأصول في كده؟ الكلام ده لو هي ملهاش حد، لكن أنا أخوها الكبير و"حي رزق" يا عمي، يبقى خلاص فين المشكلة؟ ولا أنا مش مالي عينك؟
- بقولك إيه يا أنس، أنت آه أخوها الكبير، بس برضه هي بنت أخويا الله يرحمه والمفروض إنها مسؤولة مننا، ولا إيه؟
- مسؤولة منكم؟ معلش. وكنتوا فين من 15 سنة؟ حضرتك جاي دلوقتي تقول لي بنت أخويا؟ بنت أخوك اللي كان عندها خمس سنين لما أبوها مات ومحدش جه ولا سأل فينا عشان خايفين نقول لكم فين الميراث.
تنهد أنس بغضب وأكمل كلامه:
- ومع ذلك، إحنا الحمد لله مكناش محتاجين منكم حاجة، وأنا قدرت أصرف على أمي وأختي لأني رجلهم يا عمي.
كان عاصم يشعر بالإحراج، وخاصة أن حديث ابن أخيه صحيح. فهو لم يسأل عن زوجة أخيه وأولاده خوفاً من طمعهم بالميراث.
فبأي حق الآن يتحدث؟
ونظر لانس بتوتر وإحراج وهو يكمل حديثه:
- ودلوقتي محدش ليه يتكلم نص كلمة ويقرر في حياة أختي غيري أنا وهي، لو سمحت.
ولو جاي هنا عشان زيارة عادية مفيش مشكلة، على راسي وتنور في أي وقت.
لكن تدخل في شؤون عيلتي يبقى، للأسف، وجودك ملوش أي قيمة.
قام عاصم من مكانه بغضب ونظر لانس بغيظ ثم انصرف وهو يتوعد له بالكثير.
وما أن خرج حتى جلس أنس يتنفس بعنف.
فخرجت فاطمة ونورهان من الغرفة، فقد كانو يستمعون لما يحدث بقلق وخوف من أن تزداد الأمور سوءاً.
فجلست فاطمة بجانبه وهي تحاول تهدئته خوفاً عليه:
- خلاص يا حبيبي، اهدا. الحمد لله إنها عدت على خير، عشان خاطري يا أنس متزعلش.
شعر أنس بخوفها عليه وأيضاً خوف أخته، فحاول أن يخرج من جو التوتر هذا وابتسم وهو يطبطب على فاطمة:
- متخافيش يا حبيبتي، أنا كويس.
تنفست فاطمة باطمئنان وهي تتشبث به وكأنها تخبره أنها تطمئن فقط بوجوده.
حاوطها أنس بيديه ليطمئنها أكثر ونظر لنورهان وتحدث بحب:
- متقلقيش يا نورهان، طول ما أنا عايش مش عايزك تخافي أبداً. أنا سندك وحمايتك ومش هرتاح إلا لما أسلمك لكامل بإيدي.
اقتربت نورهان منه وجلست بجانبه وهي تتحدث بدموع:
- ربنا يخليك ليا يا أنس، أنا مطمئنة عشان أنت معايا.
أخذها هي وفاطمة بأحضان ليطمئنهم، ولكن عقله مشغول بأمه. فهو لا يعلم متى ستكف عن ما تفعله.
وفي نفسه قرر أمراً ما لكي ينهي هذا الموضوع.
.......................
كان الجميع ما زالوا يجلسون في البيت، وغرام وعزيزة يقنعون صفية بأن لا تترك البيت وأن جمال مظلوم فيما حدث.
وصفية تشعر بالتييه، لا تعلم هل تذهب أم تعطي له فرصة وتظل بالبيت لأجل أولادها.
وكانت تنظر لهم وهم يلعبون ودموعها بعينيها، خائفة وحائرة وتشعر أنها مجروحة.
كل هذا وجمال يتابعها بحزن أرهق قلبه، وتمنى لو يأخذها بأحضانه ويمحي كل ذرة ألم شعرت به بسببه.
ثم انتبه لحديث عتمان لصقر:
- قولي يا صقر، عرفت كيف إن الموضوع له علاقة بغادة؟
- مفيش يا بوي، أنا خليت أدهم يراقب الواد اللي كان مصاحب جمال واللي كانت غادة متفقة معاه.
وعرفنا إنه كان بيتقابل مع غادة، وداسناله العلاجة التمام وجر بكل حاجة واعترف عليها، ومتجلجلش. اتروقت هي كمان.
عزيزة تحدثت بشماتة:
- تستاهل، اللي منها لله اللي كانت عايزة تخرب بيت ابني.
وقاطع حديثها دخول أم زينب من باب البيت. والتي فور أن رأتها زينب حتى أصابها الهلع وانتفضت من مجلسها.
وشعر أدهم بها واستغرب رد فعلها.
رواية غرام صعيدي الجزء الثاني الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسراء ابراهيم
استغرب الجميع من دخول تلك السيدة.
ذهبت إليها عزيزة بترحاب:
- أهلاً وسهلاً يا حبيبتي، تفضلي.
دخلت أم زينب وكانت متوترة جداً، ونظرها موجه لابنتها التي تترجاها بعينيها أن لا تتحدث وتخبرهم بشيء.
قطع نظراتهم حديث عزيزة الموجه لأم زينب:
- خير، في حاجة يا حبيبتي نقدر نعملها لكِ؟
أجابها عثمان وهو يحرك عصاه ويضعها بجانبه:
- عيب يا عزيزة، ضيفيها الأول وبعدين شوفي طلباتها.
نظرت أم زينب لابنتها وكأنها تخبرها أن هؤلاء الناس لا يستحقون منها أن تخدعهم أو تفعل بهم ذلك.
فوجهت حديثها لعثمان:
- متشكرة قوي يا عمدة، أنتم أهل كرم والله، بس أنا جاية عشان حاجة معينة وهمشي على طول.
عثمان بـ اهتمام تحدث:
- شرفتي بلدنا يا حاجة، قولي نقدر نخدمكِ كيف؟
نظرت لهم جميعاً ثم تحدثت بثقة:
- أنا جاية آخد بنتي زينب.
وشارت على زينب.
اتصدم الجميع، بمن فيهم أدهم الذي راودته الشكوك أكثر.
ونظر لزينب التي توترت ولم تعرف ماذا تفعل، سوى أن تنظر لأمها وتتحدث بتلعثم:
- أنتي تعرفيني بجد؟ يعني أنا أبقى بنتك؟
ثم نظرت لأمها بترجي لكي لا تفضحها أمامهم.
تنهدت أمها وتحدثت لكي تنقذ ابنتها من هذا الموقف، فهي في الأساس جاءت لكي تأخذها وترحل عن هذه العائلة وتمنعها من تنفيذ خطة جابر وتحميها منه:
- أيوه، أنا دورت في كل الأقسام والمستشفيات لحد ما في مستشفى عرفوا أوصافك وقالوا لي إنك خرجتي مع أدهم بيه، وجيت عشان آخدك.
تنهدت زينب براحة، فهي كانت تعلم أن أمها لن تؤذيها أبداً.
ولكن مهلاً، كيف علمت أمها بخطتها؟ كل هذا جاء في خاطرها.
وقطع تفكيرها صوت عزيزة:
- الحمد لله يا بتي إن أمكِ عطرت فيكِ، ألف بركة.
ثم وجهت حديثها لأم زينب:
- أنتم بقى لازم تقعدوا معانا يومين نضيفوكي وبعدين تمشي.
ثم ابتسمت بود وأكملت حديثها:
- مفيش مرواح النهاردة، أنا قلت أهو بقى وهشوف ليا غلاوة عندكِ ولا لأ.
ابتسمت أم زينب بود ولم يكن أمامها سوى الموافقة بعد حديث تلك السيدة الكريمة.
ونظرت لزينب بتوتر، وكل هذا تحت أنظار أدهم الذي يشعر أن هناك أمرًا ما يحدث.
***
- تو ما افتكرت إن ليك أم يا أنس؟
قالت لها فاتن وهي تعطي ظهرها لابنها بعد ما فتحت له الباب.
دخل أنس وأغلق الباب خلفه وتحدث إليها بحزن:
- ما أنا ياما كنت بخبط عليكي يا أمي، ما كنتيش بترضي تفتحي لي، ومع ذلك ما كنتش بيأس برضه، كنت بخبط كل يوم وأنا جاي من الشغل.
- ما خلاص، بنت سيدة نستك أمك، وشوية كمان وهترميني في دار رعاية.
نظر أنس لها بحزن وأجابها بحنان لعل يرق قلبها له:
- طيب بزمتك مش واحشك لمتنا حواليكي كده أنا والبت نورهان؟
نظرت له فاتن وحن قلبها لوهلة، ولكن تمالكت نفسها وهي تتحدث بعناد:
- لأ يا أنس، أنت مفكر إنك بتلوي دراعي أنا وأختك وإني هضعف وأوافق على جوازتها من الواد ده، بس ده مش هيحصل.
وخليها بقى قاعدة جمبكم وخلي مراتك تملي دماغها بالكلام أكتر.
أنس بعد ما فاض به الكيل تحدث بحدة بسيطة:
- لو سمحتي يا أمي، بطلي بقى كلامك ده.
ثم هيا اللي هتعيش مش انتي، وأنا لو شايف إن كامل وحش كنت أول واحد اعترضت عليه، انتي إزاي قاسية كده؟ قلبك ده إيه؟
أنا بحاول على قد ما أقدر أرضيكي، بس خلاص تعبت، وأنتي ما فيش حاجة بترضيكي، أعمل إيه تاني؟
نظرت له فاتن بصدمة من حديث ابنها، فهي لم تتوقع أن يجرحها هكذا بالكلام.
ولكن قد فاض به الكيل ولم يستطع أن يتمالك نفسه أكثر من هذا، فردت عليه بصدمة:
- أنا يا أنس بقي كل ده وقاسية كمان؟ ماشي، بس برضه أنا مش موافقة على جوازك ولا جواز أختك الشؤم دي.
واسمع بقى، يانا يا مراتك، وجواز أختك دي، فهمت؟
أنس نظر لأمه بيأس وتحدث بحزن عميق وقلة حيلة:
- أنا آسف يا أمي، لو انتي على حق كنت وافقتك، لكن أنا مشفتش من مراتي حاجة وحشة، ولا هطفي سعادة أختي بإيدي.
أنا حاولت معاكي لآخر مرة، بس خلاص أنا تعبت وبقيت في ضغط نفسي وده مؤثر على حياتي، وأنتي حتى مش شايفة ده ومش شاغلك إن ابنك يكون تعبان أو حتى سعادته مع مين.
كل اللي همك، انتي عايزة إيه؟
أنا آسف يا أمي، بس أنا خلاص مضيت عقد شقة برة وهاخد أختي ومراتي وهمشي عشان انتي ترتاحي مننا خالص، وأتمنى تكوني ساعتها مبسوطة.
ثم تركها وغادر وأغلق الباب خلفه.
ظلت ثابتة فترة وهي تستوعب حديث ابنها، فعقلها أصبح مشوشًا.
فقط يردد كل كلمة قالها أنس.
وسألت نفسها سؤال واحد، نعم سؤال واحد فقط يتردد على خاطرها:
هل فعلاً خربت حياة ابنها وابنتها؟
هل مثل ما قال أنس أنها لا تفكر سوى بنفسها، ولا يهمها سعادة ابنها أو نتيجة الضغط عليه؟
ستكون ماذا؟
للحظة تخيلت أن ابنها وزوجته أمامها وابنتها أيضًا وهم سعداء، كيف سيكون حالها إذا؟
وما الذي يستحق كل هذا العناء؟
فإذا ترك ابنها زوجته وابنتها نورهان أيضًا حين تترك كامل، هل ستكون سعيدة؟
وكل واحد منهم تعيس وحياته مشتتة.
وتذكرت حديث أنس بأنه سيأخذهم ويرحل.
ماذا؟
هل ستكون لوحدها وحيدة بهذا البيت؟
نعم يا فاتن، فإنك تحصدين نتيجة أفعالك، والآن حان وقت عقابك وهو أن تظلي وحيدة هكذا للأبد.
فهذا العقاب سيقت*لك بالبطيء.
أمسكت رأسها بتوهان ووجع، ثم شعرت بتنميل في جسدها بأكمله، ثم وقعت مغشيًا عليها.
***
كانت صفية في غرفتها، فهي قررت أن تظل بالبيت بحجة أولادها، ولكن في قلبها تعلم السبب الحقيقي لبقائها.
نعم، فكل هذا حدث بسببها وبسبب ماضيها الذي كانت ستحاسب جمال عليه.
كانت شاردة ولم تشعر بدخول جمال الذي سعد لأنها ستبقى ولن تتركه.
شعرت صفية به يمسك يدها، انتفضت من مكانها عندما رأته بجانبها ونزعت يدها من يده.
ولكنه تشبث بها ونظر لها برجاء وتحدث:
- صفية، خلاص بقى، خلينا نفتح صفحة جديدة ونقفل على القديم وما نفتحوش تاني أصل.
- وأنت فاكر إن الحديث اللي سمعته تحت هيخليني أسامحك؟
اقترب جمال منها وهو ما زال يمسك يدها وتحدث بهمس:
- أنا مجلتش إني مش غلطان، أنا اعترفت بغلطي وعارف برضه إنك هتسامحيني زي ما أنا سامحتك يا صفية، وعشان أنا أستاهل إنك تسامحيني، وخابر زين إنك بتعشقيني زي ما أنا بعشقك.
اتوترت صفية من قربه هكذا وشعرت بدقات قلبها تعلو.
فدفعته بيدها قليلاً وتحدثت بصوت ضعيف:
- طيب ابعد كده يا جمال، وأنا برضه مش هسامحك، هه.
اقترب أكثر منها وهو يغمز بعينيه لها:
- لأ، هتسامحيني، أنا خابر زين، بس برضه هديكي وقتك، المهم إنك تكوني قصادي وجدام عيني، دي عندي بالدنيا.
بس تعرفي، وحشني حديثك معايا يا صفية، تجاهلك ليا كان بيقتلني.
هي لا تدري هل تسمعه من الأساس أم أنها فقط شاردة به وبحبه الذي يجعل قلبها ينبض عشقًا له.
لاحظ جمال شرودها فابتسم بحب وتأكد أنها سوف تغفر له، ولكن مهلاً، هي فقط تحتاج للوقت، فهو كفيل أن يطيب جراحها منه.
فهو نادى اسمها بحنان:
- صفية!
رفعت نظرها له لتتلاقى عيناهما في نظرة كلها حب وعتاب من ناحية صفية.
وهبطت دمعة من عينيها، فأزالها جمال بطرف أصابعه وهو يجاوب على عتاب عينيها له.
- حقك عليا يا بنت قلبي، أنا آسف.
ثم تركها وغادر الغرفة، فهو لم يقدر أن يرى نظرة اللوم والعتاب هذه.
تركها بقلب ينبض باسمها عشقًا.
أما هي فجلست على سريرها وهي تبتسم من بين دموعها.
نعم، فهي ما زالت تعشقه وغفرت له لأنها لا تستطيع العيش بدونه أبداً، ولأنه يستحق أن تسامحه.
ولكن مهلًا، جمال، سوف أجعلك تعاني قليلاً وأعاقبك بطريقتي الخاصة.
***
كانت زينب مع والدتها في غرفتها، وبمجرد أن أصبحا بمفردهما حتى تحدثت زينب:
- بجد مش عارفة أقول لك إيه يا ماما.
أنتي أنقذتيني، كنت خايفة لتحكي لهم على كل حاجة.
- يا زينب، أنا محكتش عشان بس محدش يأذيكي، لكن أنا مش معاكي ولا يمكن هسيبك تنفذي خطة جابر أبداً.
- يا ماما، انتي مش فاهمة حاجة، أنا خلاص مبقتش عايزة انتقم.
أنا...
قاطعتها أمها بحدة:
- انتقام إيه بس؟ انتي مش فاهمة حاجة.
ما سألتيش نفسك أنا عرفت مكانك إزاي ولا الخطة اللي قال لك عليها أبوكي؟
نست زينب ما كانت ستتحدث به عن اخبار والدتها بأنها عرفت الحقيقة، وسألتها باستغراب:
- صحيح يا ماما، انتي عرفتي إزاي مكاني وكمان حكاية الخطة؟
اتنهدت أمها وهي تنوي أن تقص لها ما حدث لعلها ترجع عن تلك الأفكار التي ملأ بها رأسها جابر:
- أنا ما كان ينفع إني أسيبك تضيعي روحي بسبب جابر اللي للأسف ميستاهلش إنه يكون أبوكي.
جيت أروح له زيارة وعرفت إنه خرج، بس مسكتش، جبت عنوانه وروحت له عشان أخليه يبعد عنك وقابلته.
ونظرت لابنتها بثقة ثم أكملت حديثها:
وتعرفي قالي إيه يا زينب؟
قالي إن انتي مش فارقة معاه وإنه واخدك بس طعم عشان يصطاد بيكي عيلة الغرباوي.
جلست زينب على سريرها بحزن.
نعم، هي كانت على علم بأنه يستغلها، ولكن مجرد أن يتحدث ويتفوه بمثل هذا الكلام جعل كرهها له يزداد أضعافًا.
ثم انتبهت لحديث أمها ثانيًا:
- وعارفة قالي إيه تاني؟
قالي إنه بس هيدخلك البيت عشان تبقي عينه هنا ويعرف يضرب ضرب*ته، وبعدين هيرجعك ليا عشان بس يسكتني ويخليني مجيش أفضحُه.
ولما هددتُه قالي إن لو جيت هنا هيقتل*ني.
بس مهمنيش، كل اللي شاغلني انتي وإني أحميكي منه ومن نفسك.
ثم اقتربت منها وجلست بجانبها وهي تتحدث بحنان:
- أنا عارفة يا بنتي إن صعب عليكي صدمتك في أبوكي، بس صدقيني جابر ده تعبان وإنسان ملوش عزيز ولا غالي يا زينب، حتى بنته عنده استعداد يضحي بيها، فهماني يا زينب؟
حركت زينب رأسها بتفهم وتحدثت:
- عارفة يا ماما، ما تقلقيش، أنا عرفت كل حاجة من قبل ما تيجي، وكنت عارفة إنه بيستغلني وإني مش فارقة معاه.
وقطع حديثهم فتح الباب ودخول أدهم وهو ينظر لزينب بنظرة لا تبشر بالخير أبدًا.
ومن الصدمة قامت زينب بسرعة من مكانها بخوف ودب الرعب في أوصالها حينما رأته أمامها.
رواية غرام صعيدي الجزء الثاني الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اسراء ابراهيم
بعدما استجمعت شجاعتها وتحدثت بصعوبة وهي تنظر لـ أدهم برعب:
- ادهم ممكن تسمعني الأول وبعدين تحكم. بجد افهمني الأول. اللي انت سمعته ده فعلاً حصل بس فيه أهم جزء ناقص. والله بجد.
في تلك اللحظة كان أدهم يقترب منها ببطء بنظرات حادة من كثرة الغضب. ولم يجعلها تكمل حديثها حيث صفعها على وجنتيها بقوة جعلتها ترتمي في أحضان والدتها من قوته.
والدتها ما إن رأته يضربها هكذا حتى تيقنت أنه سمع كل حديثهم، فتحدثت بخوف:
- افهم يابني الأول. والله بنتي مظلومة وجابر أبوها هو السبب. منه لله هو اللي غواها وضحك عليها.
نظر أدهم لـ زينب بغضب وتحدث بعصبية مفرطة:
- بجي أنا حتة حرمة زيك تضحك عليا؟ أنا أدهم الغرباوي تيجي حتة بت وتلبسه عمة؟ وأنا اللي كنت غبي وطيبة جلبي اللي خلتني أصدجك وأساعدك. لع ودخلتك بيتي ووسط أهلي. وانتي حقيرة متستاهليش غير الموت.
عند نطقه لهذه الكلمة شعرت والدة زينب بالرعب وكانت خائفة على ابنتها، فمالت على يده تقبلها وهي تتحدث ببكاء هستيري:
- أحب على ايدك يابني. ارحمنا والله. أنا جاية عشان آخدها وأمشي. والنبي يا أدهم بيه خليني آخدها وأمشي ومش هنخطي هنا تاني ولا هخليها تعتب بلدكم من أصله. وصدقني جابر نفسه بيكرهنا. يعني لا لينا علاقة بيه ولا هو ليه علاقة بينا.
كل هذا و أدهم ينظر لـ زينب بجمود وهي تبادله النظرة بندم وكسرة. ولم تتحمل زينب أن ترى والدتها بهذا الذل، فاقتربت منها وتشبثت بها وهي تتحدث معها ببكاء:
- خلاص يا ماما متذليش نفسك أكتر من كده.
ثم وجهت نظرها لـ أدهم وتحدثت بحدة:
- اسمع يا أدهم بيه. لو أنا ضحكت عليك فده لأني اتضحك عليا من أبويا. لو سمحت اسمع مني الأول وبعد كده اللي انت عايز تعمله اعمله. أنا خلاص مش فارق معايا أي حاجة.
نظر لها أدهم مطولاً بغضب وحاول أن يتحكم في أعصابه فهو يريد أن يعرف ما ينوي عليه جابر، وخاصاً أنه تأكد بعدما سمعهم أنهم لا يشكلون خطر. نظر لـ زينب بغضب وتحدث:
- اتحدتي بس من غير كدب عشان هعرف ومش هرحمك يا زينب.
- من غير تهديد لو سمحت. أنا هحكيلك على كل حاجة.
ثم نظرت لوالدتها وتحدثت إليها برجاء:
- ممكن لو سمحتي يا ماما تسيبينا لوحدنا؟
نظرت لها والدتها بخوف وقلق، فطبطبت زينب على يدها وتحدثت بطمأنة:
- متخفيش عليا. هبقى كويسة. وأنا متأكدة أن أدهم مش هيأذيني.
رضخت والدتها لطلبها وغادرت الغرفة.
فوجهت زينب نظرها لـ أدهم ثانياً وتحدثت بعدما أطلقت تنهيدة وجع:
- بابا اللي عشت 15 سنة من غيره ومحرومة من إحساس إن يبقى لي سند وضهر. وحتى كلمة بابا اللي كنت بشوف البنات بيقولوها. وكنت كل ما أسأل أمي تقولي أبوكي مسافر. لحد ما كبرت وقررت أروح وأعرف منه سبنا ليه وهجرنا. وساب أمي لكلاب السكك وبنته اللي حتى مستناش أما يشوفها. ولما روحت عرفت إنه محبوس. ومع ذلك برضه قررت أقابله وكنت مستنية منه أي مبرر عشان أصدقه. أي سبب يخليني أبطل أكرهه. وللأسف حكالي قصة طويلة عريضة عنكم. عن عيلة الغرباوي اللي فهمتني إنها عيلة معروف عنها إنها مبترحمش وشغلهم بطال. وقال لي إنه كان شغال في مصنع بتاعكم في مصر وإنه عرف عنكم بلاوي. وإنت وأخوك اتهمتوه بسرقة فلوس كتيرة. وبعدها روحتله وهددته إنه لازم يتجوز مرات شريككم في المصنع اللي مات وكتب كل حاجة لبنته. وإنكم عايزين ترجعوا حقكم. يا إما كده يا إما هتبلغوا عنه. وطبعاً لما عمل كده وأخدته غرضكم بلغته عنه. وكمان لفقت له تهمة قتل شريككم اللي مات.
ثم ابتسمت زينب بسخرية وهي تكمل حديثها:
- تفتكر لو انت مكاني يا أدهم بيه هتصدقوه ولا لأ؟ هه. حط نفسك مكاني.
لم يجاوبها أدهم. اكتفى بالجلوس وهو يضع قدم فوق الأخرى بثقة وينظر لها بسخرية.
وجلست زينب بتعب على السرير وأكملت حديثها مع نظرات أدهم المليئة بالسخرية والغضب معا:
- طبعاً ما صدقت وقولتله بكل براءة: يا حبيبي يا بابا. تصدق فعلاً أنا كنت عارفة وحاسة إنك مظلوم. ومتخافش أنا هجيب لك حقك منهم. وحق إنهم حرمونا منك. وخرجت من عنده وأنا بكرهكم وناوية انتقم منكم كلكم. وفعلاً قررت أدخل بيتكم عن طريقك إنت وقابلتك وكدبت عليك بأني فاقدة الذاكرة.
حينها قبض أدهم على يده بغضب وهو ينظر لها نظرات نارية.
تجاهلت زينب نظراته وأكملت حديثها بحزن:
- وكل حاجة ساعتها اتغيرت. أما قابلتك اللي قاله عنك غير اللي شفته منك. كنت بتخاف عليا كأني منك. أخلاقك اللي كانت بتخليك تنام في أوضة تانية. وخاصاً لما أنقذتني يوميها من العربية. عرفت ساعتها إنك شخص تاني غير اللي سمعت عنه. وبعد كده دخلت بيتكم هنا وشوفت معاملة أهلك ليا. كنت كل يوم بتعلق بيكم عن اليوم اللي قبله. حبيت ماما عزيزة وغرام وصفية. حسيتهم عيلتي. حتى عثمان بيه من معاملته ليا حسيت فيه حنية أبويا اللي اتحرمت منها. واتأكدت لما ماما عزيزة حكتلي موضوع غرام وعرفت إن للأسف بابا هو اللي السبب في كل اللي حصلكم. وعرفت إنه ضحك عليا. وصدقني يا أدهم مكنتش هاذيكوا والله العظيم مكنتش هعمل كده.
واقتربت منه بلهفة وهي تجلس تحت قدمه وتحدثت:
- وتعرف أنا فكرت أقولك والله. فكرت أقولك بس خفت متصدقنيش. وأقولك على حاجة تاني. أنا أنا حبيتك.
دفعها أدهم حينما قالت ذلك وقام بكل عصبية وهو يمسك شعرها بعنف ويتحدث بغضب وقلب ينزف من جرحها له:
- إيه؟ مفكرة إنك بالحديث ده هتاكلي عقلي مش أكده؟ ولا دي لعبة جديدة اتفاجتي عليها مع أبوكي؟ بس لع والله لأنّدمك إنت وهو. أنا هوريه.
تألمت زينب من مسكته لشعرها هكذا وتحدثت ببكاء وهي تحاول أن تفلت من يده:
- والله أبداً يا أدهم. أنا أصلاً بكرهه. وصدقني أنا كمان مش فارقة معايا. بس لو قت*لي هيريحك اعملها.
دفعها بعنف وهو يتحدث بعصبية:
- لع. مش أدهم الغرباوي اللي ياخد حقه من واحدة. أنا عشان خاطر أمك بس هسيبك تمشي. وإياكي يا زينب تجولي لجابر حاجة. ساعتها مش هرحمك.
- أدهم أنا آسفة. سامحني. أنا بجد مقصدتش إني أجرحك.
أعطاها أدهم ظهره وحاول التحكم في نفسه ولكن هيهات، فهو مجروح منها بقدر عشقه لها. نعم عشق أدهم للمرة الثانية وضاع حبه للمرة الثانية أيضاً. ولكن هذه المرة بإرادته وهذا أصعب بكثير. ضغط على يده بعنف وتحدث بصوت مهزوز:
- بكرة الصبح مش عايز أشوف خلقتك في البيت. تاخدي أمك وتمشوا من هنا.
ثم تركها وغادر دون أن يلتفت وراءه.
وجلست زينب على ركبتيها في الأرض تبكي بنحيب. فهي تعلم أنه لن يغفر لها أبداً. وظلت تبكي على خسارتها لـ أدهم للأبد.
........................
الحقني يا أنس. الحق ماما.
سمع أنس صوت أخته وهي تنادي. أسرع إلى شقة والدته فوجدها ملقاة على الأرض وبجانبها نورهان تحاول إفاقتها. فاسرع إليها وحملها بلهفة ثم تحدث إلى الطبيب ليأتي.
كانت نورهان تجلس في الصالة وتبكي بشدة. وبجانبها فاطمة تحاول تهدأتها. حتى خرج الطبيب ومعه أنس. فجرت إليه فاطمة ونورهان التي تحدثت بلهفة:
- طمني يا دكتور. ماما كويسة صح؟
نظر لها الطبيب بتوتر ثم نظر لـ أنس الذي فهم وأجابها هو بهدوء:
- فاطمة خدي نورهان واخشوا شوفوا ماما عشان أعرف أتكلم مع الدكتور.
تفهمت ما يقصده أنس وبالفعل أخذت نورهان للداخل. وتحدث أنس للدكتور بقلق:
- ها يا دكتور طمني.
- واضح إن والدة حضرتك اتعرضت لضغط نفسي أو سمعت خبر وحش.
حينها تذكر أنس حين أخبرها أنه سيترك البيت. فنظر للدكتور وأجابه بحزن:
- المهم إيه اللي حصلها يا دكتور؟
- هي جتلها جلطة أثرت على رجليها. أنا اديتها حقن هتساعد إنها تتحسن وكتبت لك علاج يا ريت يتأخد في مواعيده. ومتقلقش هي شوية وهتفوق. بس ممكن متقدرش تمشي الفترة دي لحد العلاج ما يعمل مفعول. ويا ريت تبعدوا عنها أي ضغط نفسي أو حاجة تزعلها.
تقبل أنس الخبر بعقل وتحدث بحزن:
- متشكر يا دكتور. اتفضل.
وبعد خروج الدكتور أغلق أنس الباب ثم توجه للسفرة وجلس عليها ووضع وجهه على كفيه. يأنب نفسه على ما وصلت إليه أمه بسببه.
................................
طرق جابر على الطاولة بغضب وهو يتحدث بعصبية:
- عملتها بنت ال... مع إني هددتها بس هي بقى اللي جابته لروحها.
ثم مسح على رأسه بغضب وأكمل حديثه وهو يحاول السيطرة على نفسه:
- يا ترى حكتلهم ولا لأ. بس لا لا معتقدش هتخاف تقولهم. واصلاً مش هيصدقوها. ماشي يا زينب إنتي وأمك. أنا هوريكم مين هو جابر.
ثم أمسك فونة وهو يتحدث لأحد ما ويخبره بشيء.
.............................
دخلت والدة زينب الغرفة فوجدت ابنتها تجلس على الأرض تبكي بانهيار. فاقتربت منها بلهفة وهي تحدثها:
- بنتي مالك فيكي إيه يا زينب؟ طمنيني يا بنتي. ردي عليا. طب آذاكي عمل فيكي حاجة؟ طمنيني.
بكت زينب في أحضان والدتها بنحيب وتتحدث من بين دموعها:
- أدهم كرهني يا ماما. خلاص مش هيسامحني أبداً.
- إششش خلاص. أنا افتكرته آذاكي. طبطبت عليها بحنان وأكملت:
- بقي كل اللي إنتي فيه ده عشان هو كرهك؟ فهمت يا زينب دلوقتي؟ فهمت؟ حبتيه يا بنت بطني مش كده؟
أجابتها زينب بشحتفة وهي تخرج من أحضانها:
- نفسي يصدقني يا ماما. والله أنا مكنتش هاذيهم. أنا أنا مش زي ما هو شايفني. أنا حبيته يا ماما. حبيته أوي. وكنت هقوله بس خفت. خفت يبعد عني ويكرهني.
- اعذريه يا بنتي. هو برضه راجل وصعب عليه إنه يحس إن واحدة ضحكت عليه. إنسي يا زينب. إنسي وخلينا نمشي من هنا. الناس دي لا من توبنا ولا إحنا من توبهم يا بنتي.
ثم أخذتها بأحضانها وحاولت تهدأتها. ولكن كيف تهدأ وقلبها تمرد عليها وتركها ورحل مع ذلك أدهم.
.....................
في بيت الحج عرفة كان كامل بطريقه لمجلس الرجال حيث أخبره والده أن هناك رجل يريد أن يتحدث إليه.
دخل للمجلس وجده بانتظاره. بعد السلام جلس كامل أمامه وهو يتحدث بود:
- خير يا حضرتك؟ جلت إنك عاوزني؟
- أنا أبقى عاصم. عم نورهان مراتك.
رواية غرام صعيدي الجزء الثاني الفصل العشرون 20 - بقلم اسراء ابراهيم
نظر كامل لعاصم عم نورهان بغموض، فهو على علم بكل ما حدث، فقد أخبرته نورهان بكل ما جرى منذ أن قابلته أمام شقتها، وحتى حديثه مع أنس أخوها.
بعد صمت ثوانٍ، تحدث كامل أخيرًا:
- أهلاً بك يا عاصم بيه، بلدنا نورت بزيارتك.
- أشكرك يا كامل، أنا هدخل في الموضوع على طول وبدون مقدمات.
- يا ريت، حاكم أنا بحب الحديث الدوغري.
- تمام، طبعًا أنا عارف إن نورهان حكت لك كل حاجة وقالت لك على اللي حصل بيني وبين أخوها.
- رغم إن دي حاجة بيني وبين مراتي، بس هأجاوبك. هي حكت لي وأنا قلت لها إن كل ده ما يشغلنيش. أخوكي وعمي أهل في بعض، أنا اللي يهمني مرتي وبس، مش دي الأصول ولا إيه؟
نظر له عاصم مطولًا ثم تحدث بهدوء:
- عندك حق يا كامل، خلاص نخش في الموضوع. من الآخر كده يا كامل، تاخد كام وتطلق نورهان؟
ما إن سمع كامل هذا حتى قام ووقف بعصبية وهو يتحدث بغضب:
- أنت عارف لولا إنك في بلدي وفي بيتي، كان لي تصرف تاني معاك. وأنا هأعمل احترام بس لأنس وإنك عم مراتي، ومش هأرد على الكلام الماسخ بتاعك ده. عشان مراتي مش سلعة هأتاجر بيها، والكلام اللي بتجوله ده عندنا كبير وفيه دم.
ابتسم عاصم وهو يقوم أيضًا من مكانه واقترب من كامل وهو يتحدث:
- عارف لو كنت قلت غير كده، صدقني كنت عملت المستحيل عشان أطلقها منك.
استغرب كامل ولم يعقب على حديثه، فأكمل عاصم:
- عارف إنك مستغرب وإنك واخد عني فكرة وحشة، ويمكن كنت متوقع مجيتي هنا. بس اللي أقدر أقوله لك إن أه جزء من اللي حكته نورهان عني صح، بس بعد مقابلة أنس آخر مرة وكلامه معايا خلاني أعيد حساباتي. وجايز كسرتي قدامه وأنا مش عارف أرفع عيني فيه لما قالي إني اتخليت عنهم زمان خوفًا على الورث، خلاني أتأكد إن الفلوس مش كل حاجة، وإنه المفروض كنت لميت عيال أخويا ووقفت معاهم. بس أرجع وأقول لك إن ده مكتوب ونصيب.
تنهد كامل بارتياح، فهو كان يتخيل أشياء عدة، منها أنه سيقف أمامه عقبة ويحاول التفرقة بينه وبين نورهان. أحمد الله في سره، ثم ابتسم وتحدث بود:
- مش مهم اللي فات، المهم اللي جاي. والحمد لله إنك عدت حساباتك وعرفت إن الأهل والعزوة أهم من الفلوس يا عمي، ده بعد إذنك يعني، لو سمحت لي أقول لك يا عمي.
ربت عاصم بيده على كتف كامل وهو يتحدث بسعادة:
- ده شرف ليا يا يا كامل يابني. على العموم أنا جيت أطمن على بنت أخويا، والحمد لله اطمنت إنها واخدة زين الرجال.
ابتسم كامل ثم أجابه:
- متقلقش يا عمي، نورهان في عيني والله، وإن شاء الله أنا حابب أقرب الفرح بعد إذنك يعني.
- وأنا ما عنديش مانع، خلاص تعالي ونقعد مع أنس ونحدد معاد الفرح.
- تمام بإذن الله يا عمي.
***
فاقت فاتن وهي تفتح عينيها ببطء، ثم استوعبت ما حدث ووجدت فاطمة ونورهان بجانبها، وعلى وجههم آثار البكاء. فتحدثت بصوت ضعيف:
- نورهان.
ما إن سمعت نورهان أمها تناديها حتى اقتربت منها بلهفة وهي تقبل يدها وتبتسم من بين دموعها وتتحدث ببكاء:
- ماما، الحمد لله على سلامتك يا حبيبتي. الحمد لله، متقلقيش، أنا جمبك أهو ومش هسيبك أبدًا.
ربتت فاتن على رأس ابنتها وهي تبتسم بصعوبة.
شعرت فاطمة بالتوتر والخوف قليلاً، ولكنها استجمعت شجاعتها واقتربت من فاتن وتحدثت:
- ألف سلامة عليكي يا ماما، إن شاء الله تبقي زينة.
نظرت لها فاتن ثم تحدثت بهدوء فاجأ فاطمة:
- الله يسلمك يا فاطمة.
شعرت فاطمة بالفرحة لأنها لم ترد عليها باقتضاب كالعادة، وشعرت بالأمل. فابتسمت وهي تتحدث بلهفة:
- أنا هروح أعمل لك شربة خضار عشان تاكلي كويس زي ما الحكيم قال، وأنس راح يجيب لك العلاج.
وذهبت تجاه الباب، ثم عادت ثانيًا وهي توجه حديثها لنورهان:
- نورهان، إنتي خليكي جنب ماما عشان لو احتاجت حاجة، واه بصي، افتحي الشباك يغير جو الأوضة. يلا، قومي، إن شاء الله ماما هتبقى زينة.
وتركتهم وغادرت بسرعة للمطبخ.
نظرت فاتن لأثرها باستغراب، فبعد كل ما فعلته لها وبعد المعاملة القاسية معها، توقعت أن ترى نظرة الشماتة في عينيها، ولكن تفاجأت من رد فعلها. فهي تعاملها مثل أمها، وفرحت مثل ابنتها تمامًا عندما استعادت وعيها. وشعرت بالذنب لأنها لم تتقبلها من قبل وجعلت غرورها يسيطر عليها. ولكن قررت من اليوم أن تعاملها بما يرضي الله، ليس من أجل سعادة ابنها فقط، بل لأنها أصيلة وتستحق المعاملة الحسنة.
***
كان أدهم يجلس بغرفته يشعر أنه محطم تمامًا، ينهر عقله لأنه دائم التفكير بها، ويلعن قلبه لأنه تمرد عليه واشتاقها. جزء منه يريده أن يغفر لها، ولكن كرامته أهم. لا ينكر أنه أحب زينب، شعر معها بما لم يشعر به من قبل، وهذا أكثر شيء يؤلمه. أنه أحبها جدًا، وشعر أن روحه ستفترق عن جسده حين علم أنها ستذهب مع أمها. وهذا ما دفعه لأن يذهب لغرفتها لكي يعترف لها بحبه. ولكن هي طعنته بسيف حاد، خدعته واقتربت منه لكي تنتقم. والأسوأ أنه قد وقع أسير شباكها. قبض على يده بقوة لحيرته، فهو يريد أن يخبر أخاه بكل شيء لكي ينتهوا من ذلك الجابر، ولكنه لا يريد أن يأتي بسيرة زينب وما حدث معها، وأنها بنت ذلك الشخص الذي لطالما كان سبب لكل شيء سيء.
***
بعد مرور أسابيع.
في غرفة غرام، كانت تضع حقائب على سريرها حيث يجلس صقر وهو يحدثها بتذمر:
- جبتي الحاجات اللي قلتي عليها يا ستي واتبسّطي.
تحدثت غرام وهي تجلس بجانبه:
- أوي بجد يا صقر، بقالي كتير ما خرجتش. واسأل ماما كنت عاملة زي الطفلة.
- اممم، يعني سايباني هنا لحالي وحضرتك خرجتي واتفسحتي، ماشي يا غرام، أبقى افتكريها وأبقى تعالي وأنا رايح مصر، شبطي فيا وجولي لي.
- والنبي يا صقر، خدني معاك.
طبعت قبلة على وجنتيه برقة ثم تحدثت بفرحة عارمة:
- حبيبي بيقول لي كده من ورا ضهره، وأنا عارفة لما أقول له خدني معاك هياخدني، أنا متأكدة.
- اضحكي عليا بكلمتين، ماشي. ثم أنا مش عارف ليه ما رضيتيش تخليني أروح معاكي وصممتي تخرجي لحالك إنتي وأمي.
ابتسمت غرام وهي تقوم من جانبه وتتجه للمرحاض:
- عادي يا حبيبي، يعني ما حبيتش أضايقك. أصل موضوع الشرا ده بيحتاج وقت ولف كتير.
- ماشي يا غرامي.
***
دخلت أم زينب على ابنتها كالعادة، وجدتها تجلس على سريرها وتنظر للنافذة بشرود. اقتربت منها وجلست بجانبها وهي تتحدث بحزن:
- هتفضلي عاملة في نفسك كده يا زينب لحد إمتى؟ إحنا بقالنا أسابيع وإنتي لا بتاكلي كويس ولا بتخرجي من أوضتك. إنتي كده بتموتي روحك بالبطيء، وده ميرضيش ربنا.
دخلت زينب في أحضان أمها، فهو الآن ملجأها الوحيد الذي تشعر به بالأمان. فمنذ خرجهم من بيت الغرباوي وابتعادها عن أدهم، جعلها تشعر بالبرودة والخوف. فهي لم تعرف ذلك الشعور وهي بجانبه. والآن فقط هي وحيدة. فهي اشتاقت له، لحديثه الذي يجعل قلبها ينبض بشدة، اشتاقت النظر لعينيه التي كانت تحاوطها وتشعرها بالأمان كلما نظرت فيهما. فهي كانت تعلم أن هذا اليوم سوف يأتي، ولكن كان في تخيلها أن حبه سوف يشفع لها عنده، ولكن للأسف. هبطت دمعة حارة على وجنتيها.
رأت أمها أنها شردت ثانيًا وهي بأحضانها، فاعتصرها الألم لرؤية ابنتها هكذا، فبكت هي الأخرى على ما وصلت إليه وحيدتها. وظلت تلعن جابر في سرها لأنه السبب فيما وصلوا إليه. ولكن يا ليته لم يأتي ببالها، فقد انتفضوا هما الاثنان عندما سمعوا طرق الباب بعنف. ونظروا لبعضهم بخوف، ثم خرجا سويا. واتجهت أم زينب لفتح الباب، وتصدمت حين رأت جابر أمامها، فتحدثت بعصبية مفرطة:
- إنت كمان ليك عين، يا بجح، تيجي لحد هنا؟ صحيح اللي اختشوا ماتوا.
دخل جابر بكل برود وجلس وهو يضع قدم فوق الأخرى تحت نظرات زينب الكارهة واستغراب أمها.
- أنا، إنت راجل بجح صحيح. إنت عايز منا، ما تسيبنا في حالنا بقى يا أخي.
- تؤ تؤ تؤ، يعني ده سؤال تسأليه؟ أنا جيت أطمن على بنتي حبيبتي. ثم وجه نظره لزينب وسألها: مش كده يا زينب؟
نظرت له زينب بحزن وكره أيضًا وتحدثت:
- أنا عمري ما تمنيت حاجة في حياتي قد ما تمنيت إني ما كنتش بنتك. صدقني، دي أكتر حاجة أنا ندمانة عليها.
ثم تركته وذهبت لغرفتها، ولكن استوقفها صوته وكأن ما أخبرته به لم يحرك منه شعرة:
- عارفة اللي مصبرني على طولة لسانك إنتي وأمك إيه؟ إنك إنتي اللي هتجيبي لي عيال الغرباوي لحد عندي!
التفت زينب ونظرت له بتوتر وبلعت ريقها بصعوبة، ثم نظرت لأمها التي بادلتها النظرة بخوف على ابنتها. وأجابت هي جابر:
- بقول لك إيه يا راجل إنت، أنا بنتي ملهاش علاقة بالناس دي وخليها بعيد عن ألاعيبك القذرة دي، إنت فاهم؟
قام جابر بهدوء واقترب منها ثم صفعه على وجنتيها. اصطدمت على أثرها في الحائط ووقعت مغشيًا عليها من قوته. جرت إليها زينب بلهفة وبكاء تتفحصها وهي تنهره على ما فعله بأمها:
- حرام عليك بقى، سيبنا في حالنا، إحنا كنا كويسين وإحنا لوحدنا.
ولم تكمل جملتها حتى وجدته يضع منديلًا على وجهها، ولم تشعر بشيء بعدها.
حملها جابر وهو يتحدث ببرود وقلب من حجر:
- معلش بقى، بس بعد اللي عرفته واتأكدت إنك بقيتي نقطة ضعف أدهم الغرباوي، بقيت متأكد إنه هيجي هو وأخوه يجروا، وساعتها هاخد حقي منهم. ومتخافيش، بعدها هسيبك لأمك.
ثم أخذها ورحل، وترك أمها فاقدة للوعي، لا تدري ما سيفعله زوجها بابنته لكي يأخذ بثأره.
***
في شقة فاتن، كان الجميع على السفرة. فاتن التي تجلس على كرسي متحرك، حيث تجلس بجانبها فاطمة وأنس، ومن الناحية الأخرى نورهان. وفي هذا الوقت، كانت فاطمة تضع المزيد من الطعام أمام فاتن حماتها.
- خلاص كفاية يا فاطمة، مش قادرة، بطني اتملت.
- والله أبدًا، لازم تخلصي طبخك كله، ولا مش عاجبك، وكلي بقى.
ابتسمت فاتن وربتت على يد فاطمة بحنان وقالت:
- هو في زي أكلك ده؟ إنتي نفسك في الأكل ما فيش زيه، مش زي الخايبة نورهان.
- يا سلام يا ست ماما، يعني كده، ماشي يا ستي، ما خلاص بقيت أنا الوحشة دلوقتي.
- انس بمرح: بصراحة، شكلك وحش. لو منك أقول ومكملش أكل.
- بعينك، أنا عارفة إنك عايز تاخد طبقي وعينك عليه، بس مش هأديه لك.
ثم ضحكوا جميعًا بسعادة، وخاصة فاطمة التي منذ تغير فاتن معها وهي في قمة سعادتها. فهي كانت دائمًا تحمل هم أنس وأنه دائمًا مشتت بينهم، والآن حمدت ربها أن حماتها قد رضت عنها أخيرًا.
تحدث أنس بتوتر:
- بمناسبة إننا متجمعين، كنت حابب أقول إن كامل فاتحني في معاد الفرح، وأنا يعني...
قاطعته أمه وهي تتحدث بفرحة، فهي تعلم سر توتر أنس، فهو خائف عليها من خبر كهذا، ولكنها تغيرت ولا تفكر مثل السابق. فهي الآن كل ما يشغلها هو سعادة أبنائها:
- ياريت تقرب الفرح يا كامل.
ثم نظر لنورهان وربتت على ضهرها بحنان وأكملت حديثها:
- عايزين نفرح بقى بنورهان.
ابتسم أنس بفرحة وتنهد بارتياح، وأيضًا نورهان التي قبلت يد أمها بكل حب. أما فاطمة فتشجعت هي الأخرى وتحدثت:
- بمناسبة الخبر الحلو ده، أنا كمان عندي خبر حلو أوي.
ثم وضعت يدها على بطنها وتحدثت بفرحة:
- أنا حامل.
رأت الفرحة في عيون الكل، خاصة أنس الذي أدمعت عيناه فرحًا بهذا الخبر، فقبل رأسها بحب وهو يحمد الله على زوجته الصالحة وعلى إتمام نعمته عليه بالذرية الصالحة أيضًا.
- ألف مبروك يا بنتي، ربنا يكملك على خير يا فاطمة يا رب.
قبلت فاطمة يدها وهيا تدعي:
- ربنا يخليكي لينا يا ماما ويبارك لنا في عمرك.
ربتت فاتن على ظهرها بحنان وهي تحمد الله أنه أنقذها من شر نفسها وجعلها ترجع عن ما كانت فيه.