تحميل رواية «غرام صعيدي الجزء الثاني» PDF
بقلم اسراء ابراهيم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عودة الفرحة من جديد لعائلة الغرباوي، فاليوم هو زفاف فاطمة على أنس، أو دكتور أنس، بعد خطبة دامت سنة. في بيت الحج عرفة، وتحديداً في الثانية عشرة ظهراً، كان الجميع على قدم وساق. منهم من يهتم بالذبائح، ومنهم بالأنوار. النساء مقسمات لتحضير طعام المعزومين، وأخريات لتنظيف البيت. ونذهب أيضاً لبيت الحج عتمان، وتحديداً في محيط المنزل حيث يجلس عتمان وبجانبه عزيزة. "بعتي بدور لأم كامل يا عزيزة؟" سأل عتمان وهو يشرب الشاي. "أيوه يا حج، بعتها من صباحة ربنا عشان تساعدهم. وأنا العصرية كده هروح أشوف لو محتاجين حا...
رواية غرام صعيدي الجزء الثاني الفصل الأول 1 - بقلم اسراء ابراهيم
عودة الفرحة من جديد لعائلة الغرباوي، فاليوم هو زفاف فاطمة على أنس، أو دكتور أنس، بعد خطبة دامت سنة.
في بيت الحج عرفة، وتحديداً في الثانية عشرة ظهراً، كان الجميع على قدم وساق. منهم من يهتم بالذبائح، ومنهم بالأنوار. النساء مقسمات لتحضير طعام المعزومين، وأخريات لتنظيف البيت.
ونذهب أيضاً لبيت الحج عتمان، وتحديداً في محيط المنزل حيث يجلس عتمان وبجانبه عزيزة.
"بعتي بدور لأم كامل يا عزيزة؟" سأل عتمان وهو يشرب الشاي.
"أيوه يا حج، بعتها من صباحة ربنا عشان تساعدهم. وأنا العصرية كده هروح أشوف لو محتاجين حاجة أعملها. دي فاطمة دي بنتي اللي ما خلفتهاش، زيها زي غرام وصفية عندي."
"بأصول يا عزيزة، طول عمرك. ربنا يخليكي ليا." قال عتمان وهو يترك كوب الشاي من يده.
"ويخليك ليا يا عتمان، ودايماً حسك بالدنيا يا راجلي."
"تسلميلي يا أم العيال. هو صقر لسه نايم ولا إيه؟"
"لأ، صقر صحي من بدري وراح لبيت عمه يشوف لو محتاج حاجة، وخد غرام مرته معاه. وجمال بعت لي دلوقتي وقال إنه بيلبس ونازل عشان يروح برضه لعمه."
"وادهم طبعاً مراحش، مش كده؟" سأل عتمان وهو يحرك رأسه بإيجاب.
"لأ، أدهم في أوضته، منزلش منها من امبارح. والله حاله يصعب عليك يا عتمان. بقاله كتير بعيد عنينا، بحسه عايش لحاله. بيسافر ويرجع يفضل حابس نفسه في أوضته. جلبي بيتقطع عليه وهو كده." قالت عزيزة بحزن.
"ربنا يهديه يا عزيزة، هو اللي عامل في حاله كده. الدنيا ما وقفتش وهو لسه صغير، يفوق لنفسه بقى."
"ربنا يعطره في بنت الحلال اللي تستاهله وتخرجه من اللي هو فيه ده."
***
استغفر الله العظيم.
خرج جمال من الحمام بعد أن ارتدى ملابسه، وذهب تجاه السرير ونظر لصفية وابتسم بحب. فقد أصبحت تعشقه، ويرى هذا في عينيها وتصرفاتها، عكس ما كان يحدث من قبل. وهذا جعله يعشقها أضعافاً. فاقترب ووضع قبلة على جبهتها، وأخذ ينظر لها بحب ويحمد الله لجمعهما ثانياً.
فتحت صفية عينيها ووجدته بقربها ينظر لها بابتسامة عاشق. فنظرته لها كفيلة بأن تجعل قلبها يتراقص عشقا. فتحدثت بصوت ناعس:
"صباح الخير يا حبيبي."
"صباح الفل عليكي يا قمري. كده كل ده نايمة وفيتاني لحالي، قاعدة لوحدي؟" قال جمال وهو يطبع قبلة على أنفها.
"حقك عليا، أنا ما دريتش بحالي خالص. ماعرفش كيف نمت كل ده." قالت صفية وهي تملس على ذقنه بحنان.
"ولا يهمك، نامي براحتك. أنا رايح لعمي عشان أشوف لو محتاجين حاجة وأقف مع الرجالة."
"يا مري، ده فاطمة وأمي زمانهم زعلانين مني قوي. أنا هروح أجي معاك. المفروض كنت بت معاهم من امبارح، بس قلت لهم لأ، هجيلكم بدري. ودلوقتي زمانهم شايطين مني." قالت صفية بزعر.
"وإيه بقى اللي خلاكي ما بتيش؟" سأل جمال بمكر. "وأنا ما كنتش هقولك لأ، انتي خابرة ده فرح أختك يعني."
"عايزاني أسيبك تنام لوحدك؟ لأ، أنا ما يجيليش نوم غير وأنا في حضنك."
"يخليكي ليا يا صفية." قال جمال وهو يضمها لأحضانه.
"ويخليك ليا يا واد عمي. بص بقى، أنا هسيب أسر وجميلة مع مرة عمي، وأروح أنا معاك. وبعدين هبقى أجي أشيع أجيبهم وألبسهم هناك، عشان أعرف أعمل معاهم حاجة. ده الضهر أذن، يعني زمانهم عملوا كل حاجة. ربنا يستر."
"طب يلا بينا، البسي بسرعة خلينا نلحق."
***
في القاهرة، في شقة أنس، خرج من غرفته وهو يرتدي بدلة سوداء وكان وسيماً للغاية. ظل ينظر في ساعته وتحدث بصوت عالٍ:
"يلا يا ماما، هنتأخر كده. بقى كل ده بتعملوا إيه؟"
خرجت فاتن، والدته، وهي تعدل حجابها اللامع وتحدثت بسخرية:
"إيه يا أنس، مالك مسرع كده ليه؟ ده إحنا لسه الضهر. وجلست على المقعد ببرود."
"يا ماما، انتي ناسيه إننا مسافرين الصعيد؟ يعني وقت طويل جداً، يدوب على معاد الفرح. وانتي عارفة إن أفراحهم بتبقى بدري. لو سمحتي يلا." ورفع صوته: "يا نورهان، اخلصي!"
خرجت نورهان وهي ترتدي فستان سواريه رقيق مع حجاب من نفس اللون ولكن بدرجة أغمق، مع ميكب خفيف، وكانت قمر. وتحدثت:
"والله يا قاسم، أنا جاهزة من بدري، بس ماما اللي كانت مجهزة."
"يعني يا أخويا رايح للسفيرة عزيزة؟ معرفش مالهم البنات اللي هنا خلصوا، يعني مفيش غير الصعيد ورايح تجيب لي منها." قالت فاتن وهي تلوي فمها.
"يوه، إحنا مش هنخلص بقى من الموضوع ده يا أمي؟ أنا تعبت. إمتى بقى هتفهمي إنها خلاص بقت مراتي، يعني تخصني. واللي بتعمليه ده يمسها قبل ما يمسني." قال أنس بغضب. ثم اقترب منها وجلس تحت قدميها وأمسك يدها وأكمل حديثه: "أمي، فاطمة بنت كويسة جداً، صدقيني. أما تعاشريها هتعرفي. وكفاية إنك تعرفي إن دي اللي قلبي اختارها. مش يهمك إن ابنك يكون مبسوط؟ أهي هي دي بقى اللي هتسعدني."
"خلاص يابني، ربنا يسعدك. يلا عشان منتأخرش على الناس." قالت فاتن وهي تربت على كتفه.
كل هذا ونورهان تقف وتنظر لأمها وتحرك رأسها بالسلب. فهي تعرفها حق المعرفة وتعرف أنه لن يؤثر بها ما قاله أنس. ودعت أن يعدي هذه الليلة على خير.
***
هبطت صفية وجمال للأسفل ورأوا عزيزة وعتمان. فتحدثت عزيزة بصدمة:
"يخيبك يا صفية! ده أنا قولت انتي رحتي لأمك من بدري. إيه اللي أخرك كده دلوقتي؟ يجولوا إن أنا اللي ما رضيتش أبعتك، يا منيلة."
"ابداً يا مرت عمي، ماهو أنا يعني عشان..." قالت صفية بخجل وهي تنظر لجمال.
قاطعها جمال وهو يضحك على كسوفها، فهي لا تعلم ماذا تقول. أتقول بسبب جمال وأنها لا تريد أن تنام بعيدة عنه.
"أنا اللي قلت لها يا أما، متبيتيش امبارح عشان العيال برضه. وأنا اللي أخرتها عشان كانت بتكويلي الهدوم وتشوف طلباتي."
"آه فهمت يا ابن بطني. ماشي، ربنا يهدي سركوا. يلا روحوا عشان ما تتأخروش. زمانهم واخدين على خاطرهم." قالت عزيزة، دققت النظر لوجههما وقد فهمت الآن كل شيء.
قبل جمال يد أبيه وأمه وتركهم، وأخذ صفية وذهب. وهمست صفية لجمال وهما في طريقهما للخارج:
"هي مرة عمي فهمت إيه خلاها تضحك كده يا جمال؟"
"فهمت إنك عشقاني يا جلب جمال." قال جمال بضحكة عالية وهمس لها.
"بجد؟ لهوي!" قالت صفية بكسوف وهي تضع يدها على وجهها.
وأمسك جمال يدها وهو يضحك على كسوفها، وخرجا مع دعوات عتمان وعزيزة لهما بصلاح الحال.
***
في غرفة أدهم، كان ممدداً على سريره ينظر للأعلى بلا مبالاة، ولكن عقله يحاول أن يخرجه مما هو فيه بالتحدث معه، ولكنه لا يبالي بما يدور في ذهنه. فهو يريد فقط أن يظل هكذا. مر عام وأكثر، ولكنه لا يكترث لأي شيء. فقلبه فقد حاسة الشعور، أصبح خالياً من أي شيء. وكل شيء يعلم أنه عليه التخطي والتقدم للأمام، ولكن لا يقدر. فهو لم يتخط عقبة حبه لفاطمة بعد. وكل يوم يلعن نفسه ألف مرة لأنه انجرف وراء سراب ووهم حبه لأخرى.
نفخ بضيق، ثم قام من مكانه وأخذ حماماً دافئاً، ثم ارتدى بدلته وأخذ مفاتيحه وموبايله ونزل للأسفل. فوجد أمه وأباه يجلسان سوياً. فتحدث بهدوء:
"صباح الخير يا ماما." وقبل يدها وقبل يد أبيه أيضاً: "صباح الخير يا بابا."
"صباح النور يا ولدي." قال عتمان وعزيزة في صوت واحد.
"كويس إنك نزلت يا ولدي، بدل الحسبة اللي حابسها لحالك دي. وبعدين لازم تقف في فرح بنت عمك، أحسن الناس تاكل وشنا." تحدثت عزيزة بفرحة.
نظر أدهم لأمه بتردد وتحدث بصوت هادئ:
"أنا مش رايح الفرح يا ماما، أنا هعاود مصر تاني. في شغل ولازم أخلصه بسرعة."
نظرت عزيزة لعتمان بخيبة أمل، ولكنه حرك رأسه بإيجاب ووجه حديثه لها:
"همله لحاله يا عزيزة. روح يا ولدي، الله يعينك ويوفقك."
قبل أدهم يد والده بحنان وتحدث:
"ربنا يبارك في عمرك يا بوي." وأردف وهو يخرج من باب المنزل: "السلام عليكم." وتركهم وذهب.
ورفعت عزيزة يدها وهي تدعي له:
"ربنا يسترها عليك يا أدهم ويريح جلبك يا ولدي، ياااارب."
***
في غرفة فاطمة، كانت غرام ترقص مع فاطمة على الأغاني. ودخلت عليهم صفية وهي خائفة من رد فعل أختها الصغيرة. فرأتها غرام، فضحكت على شكلها هكذا وذهبت تجاه الراديو وأغلقته.
فجرت صفية تجاه فاطمة، التي فور أن رأت أختها، كشرت وأعطتها ظهرها. فجرت عليها صفية واحتضنتها وهي تقول:
"حقك عليا يا خيتي. والله ما دريت بحالي غير وأنا جايمة والضهر بيأذن."
ولم ترد عليها فاطمة. فاكملت صفية:
"عشان خاطري بقى، ما يبقاش جلبك أسود. وبعدين كنت تعبانة امبارح جداً، آه. حتى اسألي جمال."
نظرت فاطمة وهي وغرام لبعضهما وانفجر الاثنان بالضحك على كذب صفية الواضح وضوح الشمس. ولم يتوقفا عن الضحك حتى اغتاظت صفية، فنظرت لهم بغيظ وتحدثت:
"وإيه بتضحكي على إيه انتي وهيا؟ ما تتحدتو."
"على كدبك اللي باين قوي. إحنا بصراحة كنا عارفين إنك مش هتيجي بدري، وفاطمة قالت تعمل فيكي مقلب." ردت غرام بصعوبة من كثرة الضحك.
"بقى كده، ماشي يا فاطمة. بتضحكي على خيتي حبيبتك؟ ماشي يا خيتي." قالت صفية بغيظ ممزوج بخجل.
"مع إني المفروض أنا اللي أزعل عشان غرام تيجي بدري وانتي اللي خيتي وبنت أبوي وأمي تجيلي الضهرية، بس ماشي. لولا إني عاذراكي وعارفة إنك بتعشجي يا خيتي وواجعالك شوشتك، ما كنتش سكت." قالت فاطمة وهي تقوم وتحضن صفية.
احتضنتها صفية أيضاً بحب وهي تتحدث ببعض البكاء:
"مش مصدقة إنك خلاص هتتجوزي وهتبقي عروسة قمر. لأ، وهتهملينا وتجعدي في مصر."
"ولا أنا يا خيتي مصدقة." بكت فاطمة أيضاً وتحدثت بفرحة.
"ما خلاص بقى، هتقلبوها نكد ولا إيه؟" قالت غرام وهي تمسح دمعة هربت من عينيها. وقاطعها دخول أم فاطمة، سيدة، وهي تتحدث:
"صفية، خدي غرام واطلعوا دلوقتي، عايزة فاطمة في كلمتين."
"يلا عشان ده وقت الأم مع بنتها، يا متطفلة." قالت غرام وهي تأخذ صفية وهي تضحك بمرح.
"الله يعطيك ويراضيك يا غرام يا بتي، يارب." قالت سيدة بضحك.
"يارب يا ماما سيدة يسمع منك. يلا يا صفية." أخذتها وخرجت بهدوء.
جلست سيدة وفاطمة مقابل بعض وأمسكت سيدة يد فاطمة. فتحدثت سيدة برزانة:
"اسمعيني زين يا بتي، والكلمتين دول حطيهم حلقة في ودنك. واشتري مني أنا أمك، وعمري ما هغشك واصل."
"ربنا يخليكي ليا يا ماما." قبلت فاطمة يد أمها بحب وتحدثت.
"اسمعيني، حماتك تبقى أمك، وجوزك بقى أهلك وناسك. لو سمعتي كلامه هيشيلك على راسه العمر كله. كلمة حاضر ونعم تريح. ومهما حصل، أوعي تحكي مشاكلك بينك وبين جوزك لحد. مشاكلكم تتحل وسطيكو. وأوعي يا فاطمة في يوم تعلي صوتك عليه ولا تزعجي. إنتي متربية، والبنت الزين يا بتي هي اللي تحافظ على بيتها وجوزها. إنتي هتجعدي في مصر، يعني هتبقي لوحدك. عايزاكي تبقي بت بميت راجل وتشيل جوزك وبيتك ومتقصريش معاه. وفي حاجة كمان مهمة، حماتك يا فاطمة مش سهلة. أنا عارفة إنها صعبة. من يوم كتب الكتاب لما جاتلك هنا وشوفت معاملتها معاكي كيف ونظراتها، عرفت إنها مش سهلة. وكويس إنك هتجعدي لوحدك مش معاها في الشقة. أينعم فوكيها بدور، بس ميجرش حاجة. المهم تكوني بعيدة عنها. واللي مطمني إن أنس بيحبك وهيصونك يا بتي. بس أوعاكي يا فاطمة تشتكي كل شوية. الراجل يا بتي ملوش طولة بال. خليكي صبورة وخليها تحبك بأخلاقك وطيبتك. أنا متأكدة إنها هتحبك."
"حاضر يا ماما، حاضر." قالت فاطمة بخوف داخلي من كلام والدتها. وبداخلها تعلم أن حماتها فاتن تكرهها ولا تريدها، ولكن هي قررت أن تجعلها تحبها لأجل أنس وحبه لها. ستفعل ذلك.
وفاقت على رنة هاتفها ورأت أن أنس المتصل.
"ردي على جوزك يا بتي. هسيبك أنا وأشوف اللي ورايا." وتركتها وخرجت.
"الو، أنس، كيفك؟" ردت فاطمة بفرحة.
"وحشتيني." قال أنس بهمس، وضحك وتحدث بصوت عالٍ: "أنا خلاص في السكة، قولت أطمن على عروستي. عاملة إيه؟"
"ضحكت، فهي تعلم أن والدته بجانبها، لذلك تحدثت بهمس حين قال لها وحشتيني." فردت بخجل: "احم، وأنت كمان. وأنا زينة، متجلجش."
"ماشي يا حبيبتي، لو في أي حاجة كلميني. وأنا لما أقرب هرن عليكي أقول لك."
كانت أمه فاتن تتابعه وهي تلوي فمها وتتحدث في نفسها: "كلت عقله بنت سيدة، ماشي. إن ما ورت لك."
وكانت تنظر نورهان تنظر لأمها، فهي كانت تجلس في الخلف تتابع رد فعل أمها مع أخيها وهو يتحدث في الهاتف. وشردت في كامل، فهي رفضته لهذا السبب، فهي رغم أنها تكن مشاعر له، إلا أنها خائفة من الحياة في الصعيد وخائفة من أن تكون سيدة مثل أمها. فهي ترى معاملة أمها لفاطمة. فأمها تتخيل أن فاطمة أخذت ابنها منها، ومهما حاولت نورهان التحدث معها وتغيير تلك الفكرة، لكنها لا تقبل غير ما في رأسها. وتذكرت حين بلغت أخاها الرفض بحجة أنها لا تحب الصعيد ولا تريد العيش بها، وأنها أيضاً لا تحب كامل.
***
في بيت الحج عرفة، كان صقر في طريقه للداخل ليبحث عن غرام. فوجدها جالسة في ركن بعيد عن أحد. فتقدم نحوها بلهفة وهو يجلس بجانبها:
"غرام، مالك؟ فيكي إيه؟ طمنيني."
"مفيش حاجة يا حبيبي، أنا كويسة. متقلقش." رفعت غرام رأسها له والدموع بعينيها وابتسمت بحزن.
"كويسة إيه بس؟ والدموع دي جت منين؟ خبريني مالك؟ متهملنيش كده."
"صدقني يا صقر، أنا كويسة. أنا بس رجلي وجعتني شوية، فقولت أريح."
"طيب تعالي يلا نروح الدار نريحي. إنتي اهنه من بدري."
"لأ، متقلقش، أنا كويسة. يلا روح انت شوف اللي وراك، وأنا هطلع لفاطمة."
"غرام، عشان خاطري. لو تعبتي جوليلي ونمشي من اهنه، ماشي؟" قال صقر وهو يمسك يدها.
"حاضر يا حبيبي، والله. يلا بقى روح."
"ماشي يا حبيبتي." وتركها وذهب.
وهي مسحت عينيها بوجع ودعت ربنا أن يرزقها بطفل من صقر، فهي تعشقه. وتعلم أنه لم يتحدث في الأمر معها لكي لا يجرحها، ولكن قلبها يؤلمها كلما نظرت في عينيه وترى الحزن بها. وقامت وصعدت لفاطمة.
***
كان أدهم في طريقه للقاهرة، وكان عقله مشوش وبه الكثير من الأفكار والأحاديث. فضغط على الفرامل ووقف بجانب الطريق وهو يأخذ نفسه بصعوبة. وهبط من السيارة ووقف ينزع الجرافت بضيق. وبعد قليل، نظر مطولاً لشيء ما ملقى على الأرض بعيد. وعندما دقق نظره، اتصدم وفتح عينيه باندهاش وذهب مسرعاً تجاه الشيء الملقى على الأرض، فوجد...
رواية غرام صعيدي الجزء الثاني الفصل الثاني 2 - بقلم اسراء ابراهيم
وجد فتاه ملقاه علي ظهرها ولكن مغطاه بالد*ماء ومن الواضح انها متوفية.
لم يفكر كثيرا فحملها واخذها للعربية ووضعها علي المقعد الخلفي وركب وساق باقصي سرعة وفي ذهنه من الذي فعل بها هذا.
ولحسن الحظ انه قد كان علي مشارف القاهرة فذهب بها لاقرب مستشفي.
ودخل وهو يحملها ويتحدث بعصبية:
دَكتور بسرعة يلاااا
وجاء اليه بعض الممرضين واخذوها لغرفة العمليات.
وظل هو جالس وينظر للدم الذي عالقا بيده وهو يسأل نفسه من يقدر علي فعل هذا في امرأة.
وصل انس مع والدته واخته وهناك بعض الاصدقاء ايضا اتو معه بسيارتهم الخاصة.
وعندما وصلو قابلهم الحج عرفة وعتمان ايضا كان في انتظارهم مع اخيه ومعهم كامل وصقر جمال.
وبادلوهم التحيه بحرارة ولم تخلو المقابلة من نظرات كامل لنورهان بشوق يغمره عتاب.
وتحدث عرفة بترحيب:
يا كامل وصل الست والمزميل عند الحريم چوة.
كامل وهو يبتسم بترحيب:
حاضر يا بوي اتفضلو نورتو بلادنا.
واخذهم ودخل البيت ووصل لمجلس الحريم ووقف وتحدث بهدوء:
اتفضلو الحريم اهنه.
ونده بصوت عالي:
ياما تعالي اهل انس وصلو.
خرجت سيدة وهي تزغرط وترحب بهم بحرارة شديدة وتحدثت لفاتن حمات ابنتها:
اهلا وسهلاً يا نهار ابيض يا ام انس نورتي ياختي اتفضلي اتفضلي يا حبيبتي.
ووجهت كلامها لنورهان:
اهلا يا جمرايا منورة ما شاء الله عيني عليكي باردة يا بتي يحميكي ربنا ونفرح بيكي.
فاتن نظرت للبيت بنظرة تكبر وتحدثت بضيق وبكلمة واحدة فقط:
متشكرين.
ولم تنطق غيرها مما جعل سيدة تنظر لكامل بتوتر وتدعي لابنتها لما ستراه من هذه السيدة.
نورهان نظرت لكامل وسيدة في محاولة منها لاخفاء تزمر وتعجرف والدتها وتحدثت بترحاب:
والله البلد منوره بيكو يا طنط احنا سعداء جدا اننا جينا هنا عندكو بصراحة شرف لينا والله ان انس ياخد فاطمة.
ووجهت حديثها لكامل:
استاذ كامل بس ممكن تعرفني فاطمة فين انا عايزة ابقي معاها قبل ما تنزل.
كامل ظل ينظر لها بعشق فهي حقا جميلة في هذا الدريس الرقيق ولكنه بعد نظره عنها عندما تذكر انها رفضته وتحدث بهدوء:
طبعا اتفضلي.
ونظرت نورهان لسيدة وتحدثت بحب:
استأذنك يا طنط اطلع لفاطمة ممكن.
ردت سيدة بتأكيد:
طبعا يا حبيبتي ده دارك ومطرحك وصلها يا كامل.
كامل حرك رأسه بإيجاب واخذ نورهان وصعدو لغرفة فاطمة.
وهما في الطريق شعر كامل انه يريد انا يعلم سبب رفضها له فظل يفكر كثيرا وكاد عقله يشت ليعرف سبب رفضها له واتت له الفرصة وقرر ان يستغلها.
فعندما ضعدو للاعلي وقف فجأة ونظر لنورهان وتحدث بصعوبة وكأنه يجاهد نفسه ليخرج منه الكلام:
نورهان ممكن اتحددت معاكي في موضوع.
نظرت له نورهان بتوتر فهي تعلم ماذا يريد ان يقول فحركت رأسها بإيجاب وتحدثت:
طبعا يا كامل اتفضل انا سامعاك.
بصراحة اكده ومن غير لف ولا دوران كنت عايز اعرف رفضتيني ليه لما اتجدمتلك انا كنت هتچنن واعرف وچه في بالي مليون حاچة منهم انك مش رايداني عشان انا عفش ودمي تجيل علي جلبك ومنهم اني مش متعلم زيك يعني انتي في الچامعة لكن انا حيالله معيا دَبلوم تجارة عشان كدة رفضتيني مش اكده.
ردت نورهان بسرعة لتنفي ما قاله:
لا ابدا والله مش كدة يا كامل بالعكس.
ابتسم كامل وتحدث بصوت هادئ:
خلاص يبجي جوليلي السبب واوعدك يا نورهان لما تجوليلي الحجيجة ومعرفتش اقنعك سعتها مش هتحدت معاكي تاني واصل وهعرف انك رفضاني نهائي وهبعد عن طريجك.
تنهدت نورهان وتحدثت وهيا تحاول ان تتحاشي النظر لعينيه:
بصراحة انا خايفة يعني انا مش واخدة علي العيشة هنا يا كامل يعني انا طول عمري عايشة في القاهرة واسمع ان الحياه هنا صعبة ومسئولية كبيرة وانا مش هعرف اعمل اللي انتو بتعملوه هنا صدقني هيا دي الحقيقة وكمان.
كانت ستكمل حديثها بخصوص امها ولكن صمتت ونظرت للارض وفي عقلها يعني اقؤلك ايه اني خايفة تطلع مامتك زي امي صعبة ومعاملتها وحشة وتخلي حياتي جحيم زي ما انا متأكدة ان حيات فاطمة هتبقي كدة طول ما ماما قريبة منها.
دموعها نزلت بصمت.
كامل لاحظ سكوتها مرة واحدة وشعر انه يوجد شي اخر بداخلها لا تستطيع البوح به له فتحدث بحنان:
نورهان سَكتي ليه كملي انا سامعك جولي اللي في جلبك متخفيش.
ولم تعطيه رد فتحدث برجاء:
طيب ارفعي راسك بصيلي.
رفعت نورهان رأسها ونظرت في عينيه وكانها تشكي لهم وتحدثت بضعف:
ممكن توديني بقي لفاطمة.
كامل لاحظ دموعها وقلبه تألم لرؤيتها تبكي فهو لا يعلم هل ما تحدثت به صحيح ام فقط تداري سبب رفضها الحقيقي فتحدث ليطمئنها:
صدقيني مفيش فرق بين اهنه وهناك عندكم في القاهرة ولو هو ده فعلا اللي مخوفك انا موافج نتچوز اهنه ونجعد في القاهرة لحد ما تطمني وتاخدي علي الچو اهنه والناس وصدجيني امي دي طيبة جوي وهتحبيها ولو عايزة اچيبلك دار لحالك اهنه انا موافج يعني اللي انتي رايداه هعملهولك يا نورهان بس تكوني ليا.
نظرت له نورهان بحب فهي كانت لا تعلم انه متمسك بها لهذه الدرجة فهي تكن له مشاعر ولكن الآن اصبحت حب فهي رأت انه يريد سعادتها ويكفي انه مستعد ان يتنازل ويترك بلده ويأتي ليعيش معها فقط ليطمئنها فهي اصبحت في حيرة هل توافق الآن وهيا مطمئنة انه بجانبها ولن يتخلي عنها ام لا.
اكمل كامل حديثه برجاء:
فكري كويس في اللي جولتهولك وانا بعد فرح فاطمة هطلب يدك تاني من انس ولو رفضتي سعتها هعرف انك مش رايداني خالص وهبعد بس اوعديني تفكري تاني يا نورهان.
حركت رأسها بإيجاب وهي تبتسم بطمأنينة وتحدثت بخجل:
اوعدك هفكر تاني ممكن بقي تقؤلي فاطمة فين.
كامل بسعادة:
ماشي يلا بينا.
واخذها لفاطمة التي فور ان رأي بعضهما حتي صرخا بفرحة سويا واحتضنو بعضهم بحب وتركهم كامل ونزل لاسفل ثانيا مع الرجال.
في مجلس النساء كانت عزيزة تجلس بجانب سيده وهم سعداء للغايه وفي الجهة الاخري تجلس فاتن وفي الوسط ترقص الفتيات علي اغاني تلك السيدة التي تمسك الطبلة وتغني اغاني الصعيد الجميلة ولكن فاتن لم يعجبها اي شئ مما سبق فكانت تنظر للجميع بكبر وسخرية.
ولاحظتها عزيزة فاقتربت من اذن سيدة وتحدثت بهمس:
مالها ياختي حمات بتك مش عاجبها حالنا اكده وعمالة تبص علينا بطرف مناخيرها.
والله يخيتي مش عارفة انا خايفة عالبت دي غلبانة فاطمة ومتعرفش الحچات دي.
عزيزة بتاكيد:
وعي بتك يا سيدة وخليها تكسب حماتها بالمعاملة الزينة.
جولتلها يا خيتي والله وعيتها وجولتلها.
وقاطعهم دخول فاطمة وهيا ترتدي فستان الزفاف فحقا كانت كالبدر ليله تمامه وبجوارها غرام ونورهان وصفية.
فقامت عزيزة وهي تزغرط واحتضنت فاطمة وباركت لها وسيدة ايضا.
اما فاتن فلم تتحرك من مكانها وكانها لم تري عروس ابنها.
فانظرت سيدة لعزيزة بتوتر فتحدثت عزيزة لفاطمة:
تعالي يا بتي سلمي علي حماتك دي بجت امك التانية دلوكتي.
وتقدمت فاطمة لفاتن لتسلم عليها ولكن فاجئتها فاتن وهي.
رواية غرام صعيدي الجزء الثاني الفصل الثالث 3 - بقلم اسراء ابراهيم
فاجأتها فاتن وهي ترفع يدها أمام وجهها لكي تقبلها. نظر جميع من في المكان لبعضهم، وبدأت همسات النساء المدعوات بينهم وبين بعض. نورهان نظرت لأمها بحزن، فهي ليست راضية عن تصرفاتها أبداً. نظرت لغرام وصفية باحراج، كأنها تعتذر منهم على ما بدر من أمها. نظرت عزيزة لفاتن بغيظ، وكانت سترد عليها لولا تدخل سيدة في الوقت المناسب وتحدثت لفاطمة التي تقف وتنظر ليد فاتن الموضوعة أمام وجهها.
"يلا يا فاطمة يا بنتي، حبي على يد حماتك دي زي أمك برضك ولا إيه يا ضنايا، وانتي بأصول وخبرة، يلا خدي بركتها واقعدي بجارها."
نظرت فاطمة لأمها بحزن وفعلت ما أمرتها به وقبلت يد حماتها، التي ابتسمت بسخرية عندما قبلت يدها. تحدثت لتداري على ما حدث: "اقعدي جنبي يا فاطمة، تعالي يا مرات ابني." وفي داخلها تحدثت نفسها: "وانتي لسه شفتي حاجة، أنا هوريكي يا بنت سيدة."
نظرت عزيزة لسيدة بعتاب وجلست بجانبها وهي تحدثها بهمس: "اتجننتي يا سيدة؟ إياكِ سايبة الولية دي تتحكم في بتك وتكسفك قدام الكل وساكتة؟ دي لو بتي كنت جبتها من شعرها الكركوبة العفشة دي."
ردت سيدة بحزن: "يعني هخرب بيت بتي يا عزيزة؟ ده يوم فرحها. ولو أنا مش متأكدة إن الواد رايدها مكنتش وافقت أجوزهاله واصل. ربنا يسترها عليها ويحنن قلب حماتها عليها."
ردت عزيزة بحزن: "عندك حق يا سيدة. الله يهديها أو يهديها الولية دي." ونظرت لفاتن بغيظ.
***
في المستشفى، كان أدهم يجلس أمام غرفة العمليات، فمر وقت ليس بقليل وهو هكذا. فانتبه على خروج الدكتور، فوقف وذهب تجاهه.
"خير يا دكتور؟ البنتة فيها إيه؟"
نظر له الدكتور بشك وسأله: "انت تقربلها إيه؟"
"لأ، أنا معرفهاش أصلاً. أنا كنت سايق ولجيتها عالطريق سايحة في دمها وجولت إن ممكن تكون حد خبطها وجرى."
"لأ، دي مش حادثة سير، دي تعدي بالضرب المببرح وكمان عندها ارتجاج في المخ. وللأسف مضطر أبلغ البوليس لأن كده تبقى جناية."
"تمام يا دكتور، اللي انت شايفه. بس أنا همشي كده، أنا مليش عازة."
"لأ طبعاً مش هينفع، حضرتك لازم تكون موجود عشان تفيد بأقوالك، جايز يعرفوا يوصلوا للي عمل فيها كده. عموماً، هي في الرعاية ولو حالتها اتحسنت لحد بكرة هتتنقل أوضة عادية، فتقدر تمشي وتيجي بكرة إن شاء الله. بعد إذنك."
ذهب أدهم وجلس على الكرسي ثانياً وتحدث بضيق: "وده إيه الوجعة الطين دي؟ بقى أنا كان مالي ومال الهم ده." وقام ليذهب ويأتي في الصباح ثانياً ليرى ماذا سيفعل.
***
في الفرح، كان الجميع سعداء للغاية. فالرجال كانوا يرقصون بالعصيان على المزامير، وصقر يقبل التهاني هو وجمال وكامل من الناس. وفي الداخل عند النساء، قامت سيدة وجلست بجانب نورهان وتحدثت بود:
"نورهان يا بتي، كنت عايزة أتحدث معاكي في حاجة."
"طبعاً يا طنط، اتفضلي." وقامت معها للخارج بعيداً عن فاتن وباقي السيدات. ورأتهم صفية، فهمست لغرام: "هو في إيه؟ أمي واخدة نورهان وخارجة بره ليه؟ الموضوع فيه حاجة؟" وردت عليها غرام بضحك: "عادي يا بنتي، تلاقيها بس عايزة تقولها على موضوع كامل، يمكن توافق وترضى بعد ما رفضت."
"آه، تصدقي عندك حق. ممكن. يلا ربنا يهديها وترضى، ده كامل زينة الرجالة والله."
جلست نورهان مع سيدة في مكان هادئ وتحدثت سيدة برجاء:
"نورهان، انتي باين عليكي بت جدعة وطيبة وعارفة إنك صاحبة فاطمة بتي في الجامعة، كنت عايزة أوصيكي عليها بصراحة كده يا بتي. أنا خايفة على فاطمة من أمك، باينها واعرة ومش حابة بتي ولا رايداها لابنها. واللي فهمته إنه أخوكي هو اللي صمم، مش كده؟"
توترت نورهان، فلا تعلم بما ترد على سيدة، هل تأكد كلامها؟ ولكنها أمها في الأول والآخر.
"كملت سيدة حديثها: "بصي يا بتي، أنا مش عايزة أخرب بيتك. كل اللي طالباه منك تاخدي بالك من صاحبتك. بتي غلبانة والله، وأمك بس تعاشرها هتحبها، بس أمك تديها فرصة." كانت تتحدث والدموع في عينيها خوفاً على ابنتها.
نورهان أمسكت يد سيدة، فهي شعرت أنها ليست مثل أمها بتاتاً، فهي لمست في كلامها الحنان الذي لم تراه هي من أمها. فتحدثت بحب: "متقلقيش يا طنط، فاطمة دي أختي مش صاحبتي، وفي عيني والله. أنا عارفة إن أمي صعبة، بس هي قلبها أبيض وتصرفاتها دي هي اللي بتخليها تبان صعبة، بس هي من جواها طيبة. ومتقلقيش على فاطمة، أنس جنبها وهو بيحبها أوي والله."
مسحت سيدة دموعها وطبطبت على نورهان بحنان: "طمنتيني قلبي، ربنا يريح قلبك. انتي بت حلال وتستاهلي كل خير يا بتي. وعايزة أقولك على حاجة، خديها من ست كبيرة وبتعرف تقرا اللي قدامها كويس." وأشارت على أصابع نورهان وأكملت حديثها: "صوابعك مش زي بعضيها، واعية لحديثي يا بتي. وأنا عارفة إن ابني عاشقك، يمكن مينفعش أقولك الكلام ده، بس أنا خابرة ولدي زين. ومش عشان معنديش راجل غيره أبقى محاوطة عليه كيف أمك ما بتعمل مع أخوكي. لأ، ابني ليه حياته، وأفرح لما يلاقي بت الحلال اللي تاخد قلبه." قالت هذا وهي تمسك وجه نورهان بكفيها وأكملت: "أنا بس حبيت أطمنك، لأن زي ما قولتلك أنا يمكن معرفش أقرأ وأكتب ولا متعلمة ومتنورة زيكوا، بس أعرف أقرأ الوشوش زين."
نورهان وقد فهمت ما تريد إيصاله سيدة لها، ولا تنكر أنها اطمأنت فعلاً، بل أحبت تلك السيدة بكلامها الذي دخل قلبها بدون استئذان. فردت عليها بابتسامة: "فهمت يا طنط، فهمتك." وضحكت بخجل.
ابتسمت سيدة وهي تملس على وجهها بحنان وتحدثت: "ربنا يريح قلبك يا بنتي." وقاطعهم كامل وهو يدخل البيت، ووجدهم جالسين سوياً، فاستغرب واقترب منهم.
"فيه حاجة يا ماما؟ مالكم قاعدين كده لحالكم؟"
نظرت له نورهان بخجل وابتسمت وتحدثت: "لأ، متقلقش يا أستاذ كامل. هي بس كانت بتوصيني على فاطمة، متعرفش إنها أختي مش مرات أخويا."
نظر لها كامل بعشق، لاحظته سيدة، فتحدثت بمكر: "انت كنت جاي تسألنا قاعدين لحالنا ليه، ولا لحاجة تانية؟" ونظرت لنورهان.
ابتسم كامل، فهو فهم ما تقصده والدته وضحك وهو يتحدث: "لأ، العريس مستعجل وبيقول كفاية كده عشان الطريق طويل."
سيدة بفرحة: "ماشي يا ولدي، هخش أقولهم." ويلا. ودخلت تخبرهم وتعالت الزغاريط، واحتضنت سيدة ابنتها فاطمة بفرحة يغمرها خوف. فتحدثت فاطمة ببكاء:
"هتوحشيني يا ماما، هتوحشيني جوي. متتأخريش عليا بالنبي."
"وانتي كمان يا ضنايا، متقلقيش، هجيلك في الصباحية أطمن عليكي. وزي ما وصيتك يا ضنايا." وهزت فاطمة رأسها بإيجاب وتحدثت بدموع: "حاضر يا ماما، متقلقيش عليا، بتك جدعة وهتعرف تتصرف." وأخذها أنس بفرحة وذهبوا تجاه السيارة، ولكن تفاجأ بأمه وهي تركب في الأمام، فهو توقع أنها ستتفهم وتركب بجانب نورهان بالخلف، وهو بالأمام يقود وبجانبه زوجته. نظرت له فاطمة وتحدثت: "خلاص يا أنس، أنا هركب مع نورهان وأنت جنب مامتك." وتركت له لتذهب، ولكن أوقفه صوته:
"استني يا فاطمة لو سمحتي." وذهب لكامل وتحدث معه. وعاد لفاطمة مرة أخرى وتحدث بحب: "يلا يا حبيبتي." وأدخلها السيارة بجانب نورهان، وركب بجانبها، وكامل في الأمام ليقود. فنظرت فاطمة لأنس بحب وقالت له: "ربنا يخليك ليا." باص يدها وتحدث بعشق: "ويخليكي ليا يا حبيبتي."
وفي الجانب الآخر، فهناك من تابع كل ما حدث بترقب، فهي سيدة وعزيزة، فنظروا لبعضهما وحركوا رأسيهما بإيجاب. وسيدة اطمأن قلبها الآن على ابنتها، فهي تزوجت رجل فهو سيحاول دائماً الموازنة بين زوجته وأمه. ثم تحدثت نورهان بمرح، فهي أعجبت بتصرفات أخوها تجاه زوجته:
"نحن هنا على فكرة." وضحكت بصوت عال.
فنظر لها كامل في مرآة السيارة بتحذير، فهمت ماذا يقصد، فاخفضت صوتها ونظرت للناحية الأخرى بخجل. وابتسم هو على خجلها منه هكذا. أما فاتن، فكانت تشتعل غيظاً من تصرفات ابنها، فهي أرادت أن تكيد فاطمة، ولكن ابنها لم يعطها الفرصة.
وبعد ساعة، وصلوا القاهرة، فكان الجميع مرهق. وشكر أنس كامل وأصر أن يبيت معهم للصباح، فرفض كامل وأصر أن يذهب. وقبل رأس أخته وودع نورهان بعينيه، مما جعل قلبها يدق عشقاً حين نظر لها، فابتسمت له، مما جعل الأمل ينير طريق عودته، فشعر أنها إشارة أمل بأنها ستصبح زوجته وعلى اسمه في يوم ما.
***
"دخل أدهم إلى المستشفى وهو يجري وتحدث لأحد الممرضين: "لو سمحت، فين دكتور أسامة؟"
"خير يا فندم، في حاجة نقدر نساعد بيها؟"
"لأ، هو كلمني في التليفون وجالي تعالى بسرعة المستشفى واطلعلي مكتبي."
"تمام يا فندم، اتفضل معايا." وأخذه لمكتب الدكتور أسامة، فطرق الباب ودخل وتحدث بقلق:
"في إيه يا دكتور؟ كلمتني وجولتلي تعالى بسرعة؟"
"أيوه يا أدهم، أنا أخذت رقمك من الاستعلامات، وكويس إنك كنت سايبه قبل ما تمشي. دلوقتي الحالة فاقت وحالتها مستقرة، بس للأسف..."
أدهم باستغراب: "للأسف إيه؟ أنا مش فاهم حاجة واصل، ما تتكلم على طول يا دكتور."
"أنا دخلتلها عشان أعرف منها مين اللي عمل فيها كده، بس للأسف مكنتش عارفة حاجة، ولا حتى اسمها إيه، ولا فاكرة أي شيء."
"أيوه يعني ده إيه؟ مش فاهم؟ مالها كده؟ خايفة يعني تتكلم؟"
"لأ، زي ما قولتلك الصبح، إنها عندها ارتجاج نتيجة ضربة جامدة على الرأس، وده أثر على الذاكرة. ده غير إني شاكك إن برضه السبب حالة نفسية، وإن عقلها رافض إنه يفتكر حاجة معينة، وخايف يفتكرها نتيجة صدمة جامدة حصلتلها خلت عقلها الباطن يرفض إنه يفتكر أي شيء."
لم يستوعب أدهم كلام الدكتور، وللحظة شعر بالشفقة عليها. وسأله: "طيب والحل يا دكتور؟ ممكن نحاول نفكرها؟"
"لأ طبعاً، أوعى تعمل كده. عشان عقلها الباطن لو حاولنا نفكرها وحست إنها عايزة تكتشف الحاجة اللي هو رافضها، ممكن ندخل في مضاعفات، أو لا قدر الله يحصل انهيار عصبي، وممكن توصل لغيبوبة. الحل إن حضرتك تتعامل معاها عادي، هنعرفها بس إنها فاقدة الذاكرة، بس مش هنفكرها بالقديم، هنحسسها إن دي حياتها، وإنها عملت حادثة وأثر على ذاكرتها فترة وهترجع."
حرك أدهم رأسه بإيجاب وهو في عقله يتحدث: "وأنا مالي بكل الغلب ده؟ يا ريتني ما لقيتها، أنا اللي جبت لحالي." وتحدث للدكتور: "طيب ممكن أدخلها؟"
"آه طبعاً، اتفضل. وأنا هاجي معاك. ويا ريت لو تفهمها إنك تعرفها، وإنك حد قريب منها عشان تطمن وتتعامل طبيعي معاك."
أدهم وقد نفد صبره من هذا الدكتور: "حاضر. حاجة تاني؟"
"لأ، تمام. يلا بينا." واتجهوا لغرفة تلك الفتاة المجهولة، فطرق الدكتور باب الغرفة ودخلوا، ووجدها أدهم مستلقية على السرير، ولكن مستيقظة، ولكن على وجهها كدمات، ويدها بها جبيرة. وتحدث الدكتور بمرح:
"ألف حمد الله على سلامتك. انتي قوية جداً على فكرة، متوقعتش إنك تفوقي بسرعة كده."
نظرت لهم باستغراب: "هو إيه اللي حصل؟ أنا مش فاكرة حاجة، وأنا سألت الممرضة ومردتش عليا وسابتني ومشيت، وانت برضه مفهمتنيش."
الدكتور بهدوء: "انتي لسه مش عارفة اسمك إيه؟"
"بوجع: "لأ، معرفش. أنا قولتك إني معرفش ومش فاكرة حاجة." وأكملت بعصبية: "أنا إيه اللي جابني هنا؟ وأنا مين أصلاً؟" وظلت تبكي بهستيريا.
أدهم صعبت عليه وقرب وقال لها: "خلاص، أهدي، متبكيش، عادي، دي حادثة بسيطة وهتبقي زينة."
نظرت له ببكاء وتحدثت: "انت مين؟ انت تعرفني صح، مش كده؟"
أدهم كان سيتحدث، ولكن قاطعه الدكتور ورد مما جعل أدهم يستشيط غضباً مما تفوه به. فهو رد عليها باندفاع: "ده يبقى جوزك يا مدام، متخافيش." نظر له أدهم بغضب وتحدث بعصبية، ولكن تفاجأ بها...
رواية غرام صعيدي الجزء الثاني الفصل الرابع 4 - بقلم اسراء ابراهيم
تفاجأت به تتحدث بلهفة:
"بجد انت جوزي؟ يعني عارف أنا مين واسمي إيه؟"
وأكملت ببكاء:
"كنت خايفة أكون ماليش مكان أروحه أو حد يعرفني، الحمد لله."
نظر لها أدهم بصدمة ولم يتفوه بكلمة، لكنه نظر للدكتور بغضب مما جعله يبتلع ريقه بخوف وتوتر.
تحدث أدهم:
"هسيبك ترتاحي وهجيلك تاني، بس هتتكلم مع الدكتور في حاجة أكده."
وخرج ومعه الدكتور. فور أن خرج، كاد الدكتور أن يتحدث ليبرر ما قاله في الداخل، لكنه تفاجأ بلكمة من أدهم جعلته يعود للخلف من أثرها. فمسك وجهه بألم ونظر لادهم الذي يتحدث بغضب:
"انت اتخبلت اياك؟ جوزها إيه؟ هو أنا أعرفها من أصله؟ أنا مالي أنا؟ تبليني بيها ليه؟ ثم انت لو كنت جولتلي إنك هتجولها إني جوزها، مكنتش وافجت من أصله. اسمع يا حم*ار انت، أنا مليش صالح في البنتة دي عاد، أنا ماشي وشوفلك حد غيري تعمله جوزها، بلا هم."
وتركه وذهب. أما الدكتور فأمسك وجهه وهو يتألم ودخل مجدداً للغرفة.
***
"اتفضلي يا حبيبتي."
تفوه بها أنس وهو يفتح باب شقة الزوجية. وكادت أن تدخل فاطمة، ولكنه استوقفها بسرعة:
"لا استني، متدخليش."
نظرت له فاطمة باستغراب وتحدثت:
"في إيه يا أنس؟"
حصل حاجة؟ وجدتـه اقترب منها وفجأة حملها مما جعلها تشهق بخضة:
"أنس! فزعتني، اخس عليك."
وحاوطت رقبته بيديها. تحدث أنس بعشق:
"سلامتك من الخضة يا روح قلبي. أنا بصراحة كنت عايز أشيلك من وإحنا تحت، بس..."
قاطعته فاطمة:
"لا طبعاً، عيب تشيلني جدام أمك واختك، اتكسف."
أنس بهيام:
"والله مش ده السبب. أنا أشيلك قدام الدنيا كلها ولا يهمني، بس أنا بصراحة خفت ضهري يوجعني." وضحك.
فاطمة بزعل:
"بجي أكده؟ ماشي، نزلني بجي. أنا زعلانة منك جوي."
قاطعها أنس وهو يقبل مقدمة رأسها:
"وأنا أقدر برضه؟ ده انتي روح قلبي. أنا بهزر معاكي، أنا كنت واخد عهد على نفسي إني أدخلك شقتنا وأنا شايلك في حضني."
فاطمة اتكسفت وقالت له:
"طب نزلني بجي، كفاية أكده أحسن ضهرك يوجعك بجد."
أنس بحب:
"خايفة عليا؟" وغمز بعينيه بمكر وذهب بها تجاه غرفتهم.
فاطمة بكسوف:
"طبعاً، مش جوزي وراجلـي."
أنس وهو ينزلها وينظر في عينيها:
"جوزك بس يا فاطمة؟ يعني انتي من ساعة ما ارتبطنا مسمعهاش منك، وكنت بقول دي مكسوفة. حتى لما كتبنا الكتاب برضه، عمرك ما قولتي إنك بتحبيني. لكن دلوقتي مفيش عذر."
شعر أنه يريد أن يسألها ويتأكد منها ليطمئن قلبه، ثم أكمل بتردد:
"انتي لسة بتحبي ا..."
قاطعته فاطمة وهي تضع يدها على فمه:
"معقول جدرت تجولها؟ تفتكر لو مش عاشجاك كنت وافجت عليك ووافجت إننا نكتب كتابنا؟ لو مش عاشجاك كنت رضيت أتچوزك وأنا عارفة ومتأكدة إن أمك مش حباني ولا رايداني، ومع ذلك وافجت عشانك. انت أصلاً مينفعش تسألني سؤال زي ده، كده تبجي مش واثق فيا."
أنس بلهفة:
"حقك عليا بجد، مقصدش طبعاً اللي فهمتيه. أنا بحبك يا فاطمة وبغير عليكي أوي، وكنت بس عايز أطمن إنك بتحبيني زي ما بحبك."
فاطمة بغضب:
"تـقوم تجولي إنتـي عاشجة راجل غيري؟ متشكرة يا ابن الأصول. وبعدين الحب مش كلمة، لما أجولهالك هثبتلك إني بحبك، تصرفاتي هي اللي تثبتلك. وبعدين منا ممكن أجولك إني بحبك وعاشجاك وأنا من جوايا بكرهك، بس تفتكر أنا بجي لو بكرهك، هرضي أعييش معاك في بيت واحد أو هقبل إني أتكتب على اسمك."
شعر أنس بغباء ما فعله، فهو كل ما أراده أن يطمئن قلبه، ولكنه تفوه بما لا يصح أن يقوله. فتحدث بندم:
"فاطمة، أنا آسف، حجك عليا."
نظرت له فاطمة بحزن وتحدثت برجاء:
"لو سمحت يا أنس، أنا هنام في أوضة الأطفال، محتاجة أكون لحالي، بعد إذنك."
أنس برجاء:
"لا خلاص، قولتلك إني مقصدش اللي انتي فهمتيه. ملوش لزمة تنكدي علينا في يوم زي ده. وبعدين أنا مليش دعوة، عايز أنام جمبك وإنتي في حضني."
فاطمة بغيظ:
"أنا اللي نكدت علينا، ماشي يا أنس. عموماً أنا بس محتاجة أكون لوحدي."
وكانت ستذهب، ولكنه استوقفها.
"خلاص يا فاطمة، أنا اللي هبات هناك، خليكي انتي نامي هنا."
وأخذ البيجامة الخاصة به وتركها وذهب. وظلت هي تنظر في أثره وشبح ابتسامة ظهرت على وجهها. فهي أرادت أن تغلق صفحة أدهم معه للابد، ولكي لا يفتح هذا الموضوع ثانياً، فهي أخرجت أدهم من قلبها نهائياً وأحبت أنس جداً. فاستلقت على سريرها وظلت تفكر في أنس وفي تزمره مثل الأطفال وابتسمت بعشق.
***
دخل الدكتور الغرفة وهو يضع يده على وجهه بغضب وتحدث:
"إيه البني آدم ده؟ إيده دي مصنوعة من حديد."
اعتدلت على السرير وهي تحدثه باستغراب:
"إيه اللي حصل؟ يخربيتك، أوعى تكون بوظت اللي عملناه. وراح فين أدهم؟ وإيه اللي شلفطك كده؟ ما ترد عليا."
"بوظت إيه؟ ده ضربني عشان قولتلك إنه جوزك. مش كانت شورتك منك لله يا بعيدة. لا وسابني ومشي وقالي أشوف حد غيره يعمل جوزك."
تحدثت بغضب:
"يخربيتك! مش قولتلك وإنت بتفهمه حالتي تقوله عشان ميتفاجئش؟ تستاهل. وبعدين مشي كمان؟ يعني كل اللي عملته راح عالفاضي؟ حسبي الله، انت دكتور بها*يم أصلاً، المفروض كنت شوفت حد غيرك. بوظتلي كل حاجة، منك لله."
"زينب، بقولك إيه؟ أنا خرجيني من الحوار ده، عشان لو الكائن ده عرف اللعبة دي، مش بعيد يقتلني وأنا مش مستغني عن عمري. أه، ده انتي مجربتيش إيده دي، طرشة."
"لا طبعاً، مش بعد كل اللي خططتله هتراجعي. بس هعمل إيه؟ ده كده مشي وأكيد مش هيرجع تاني. ده أنا تعبت أوي على ما وقعته."
وقطع كلامها دخول أدهم عليهم. فنظرت للدكتور خوفاً أن يكون سمع حديثهم، ولكنه تحدث:
"احم، معلش اتأخرت عليكي. أنا كنت بس بجيبلك أكل، يلا عشان تاكلي بجي، والصبح إن شاء الله هنعاود بيتنا."
نظرت زينب للدكتور بارتياح، ولكنها استغربت عودته. فهل صعبت عليه وهو لا يعرفها من الأساس؟ ولكنها تجاهلت أفكارها وتحدثت بكذب:
"آه، أنا لسه كنت بسأل عليك الدكتور. وبعدين فعلاً أنا جعانة أوي."
وتركهم الدكتور وخرج. وأكلوا سوياً، وبعدها تحدث ببرود:
"نامي بجي، وأنا هنام عالكنبة جارك أهنه. والصبح نمشو من أهنه."
حركت رأسها بإيجابية ونامت وهي تفكر بما ستفعله معه والخطوة المقبلة ماذا ستكون. أما هو، فلعن طيبته وضميره الذي جعلها تصعب عليه ويعود لها مرة أخرى.
***
في الصباح، في بيت الحاج عتمان، فاقت غرام من نومها ونظرت لصقر وقبلته بعشق. وتركته ونزلت لأسفل لتحضر الفطار مع عزيزة وصفية وبدور. فدخلت عليهم المطبخ وتحدثت بمرح:
"صباح الفل عليكم."
صفية بحب:
"صباح الفل عليكي يا خيتي. تعالي يلا، الفطار جهز هنطلعه عالسفرة بس."
نظرت غرام لعزيزة بتوتر، فهي لاحظت أنها تغيرت معها منذ فترة، ولكنها تعلم السبب. ولم يتحدثا كثيراً، حتى لم ترد عليها الصباح. فاقتربت من عزيزة بتوتر وهي تحدثها:
"صباح الخير يا ماما، عاملة إيه النهارده؟"
عزيزة باقتضاب:
"صباح الخير يا بتي." ووجهت كلامها لبدور: "يلا يا بدور، طلعي الوكل واطلعي لصقر وجمال جوليلهم ينزلو."
بدور وهي تترك ما بيدها:
"حاضر يا ستي الحاجة."
نظرت صفية لغرام بحزن، وغرام نظرت لها بقلة حيلة وهي تحرك رأسها بالسلب. وخرجوا جميعاً للفطار. وعلى السفرة، كان الجميع موجود ما عدا أدهم. فتحدثت عزيزة:
"صقر يا ولدي، كنت عايزاك بعد الفطار نتحدت."
صقر بحب:
"حاضر ياما، من عيني." ونظر لغرام التي علمت بما تريد عزيزة أن تحدثه. فنظرت لصقر بحزن. فشعر بها وأمسك يدها وتحدث:
"كلي يا غرام، انتي مش بتاكلي ليه؟"
غرام وهي تقوم من مكانها:
"أنا شبعت، بعد إذنكم." وتركتهم وصعدت مع نظرات صفية بالشفقة عليها.
صعدت غرام ودخلت غرفتها وانهارت في البكاء. فهي تعلم سبب تغير عزيزة معها، وهي الخلفة، لأنه مضى أكثر من عام ولم يحدث حمل إلى الآن. وتعذرها لأنها تريد أن ترى لابنها البكر طفل. ومؤكداً أنها ستحدثه بالزواج من أخرى. عند تفكيرها بهذا الأمر، لم تستطع تخيل أنه سيتزوج عليها. هل سيرضي بهذا أن يحدث؟ هل يقدر أن يكون لامرأة غيرها؟ وتحدثت بصوت مسموع:
"بس ده حقه يا غرام، إنه يكون له طفل. أكيد مش هتبقي أنانية وترفضي إنه يبقى أب."
ظلت تفكر إلى أن قررت أن تواجهه بالأمر. فلا داعي للهرب ثانياً من المواجهة. لا بد من الاعتراف بالأمر حتى وإن كان صعب عليها.
***
استيقظت فاطمة على طرق على باب الغرفة. فقامت بسرعة وفتحت، فوجدت أنس ينظر لها بصدمة. فتحدثت باستغراب:
"أنس، مالك؟ في إيه؟ انت مبلحج كده ليه؟"
إلى أن انتبهت على نفسها بالبيجامة وتحدثت بخجل:
"انت كنت عايز إيه؟"
أنس بهيام وهو يقترب منها:
"هو انتي ازاي كده؟"
وفاق على صوت جرس الشقة ثانياً، فتحدث:
"آه صحيح، ده انتي نسيتيني. أهلك على الباب وحضرتك نايمة في أوضة وأنا في أوضة، ولازم أغير هدومي دي."
"طيب، طيب. هروح أفتح أنا، وانت غير هدومك."
قاطعها أنس وهو يتحدث:
"نعم؟ انتي هتفتحي كده؟"
فاطمة باستغراب:
"أيوه، مش أهلي؟ ده أمي وأبويا وأخوي، يعني مفيش حد غريب أهنه."
"ولو مليش فيه، محدش هيشوفك كده يا فاطمة. خشي غيري وخلي ليلتك تعدي."
ضحكت بفرحة من غيرته عليها هكذا وتحدثت:
"خلاص، هغير الأول."
ودخلت وأغلقت الباب في وجهه. اتصدم أنس من فعلها وابتسم بحب وتحدث بصوت عالي نسبياً:
"ماشي يا فاطمة، أنا بخزنلك على فكرة." وضحك.
***
"زينب وهي تنظر للشقة بإعجاب:
"الله، شقتنا حلوة أوي. تصدق أنا لحد دلوقتي معرفش اسم جوزي."
أدهم بغضب مكتوم وابتسامة بالغصب:
"أدهم اسمي أدهم. وأه، دي زفت شقتنا. اتفضلي، الجوضة اللي هناك دي جوضتك وأنا جوضتي أهي. اتفضلي بجي عشان أنا هنام شوية، معرفتش أتخمد في المستشفى."
زينب بمكر:
"اممم، طيب. هو كل واحد ليه أوضة؟ ليه يعني مش انت جوزي؟ ليه مننامش في أوضة واحدة وكده؟"
أدهم وصبره قد اقترب على النفاذ:
"لأ ماهو انتي عشان تعبانة جوي، أنا هسيبك براحتك في الجوضة وأنا هنام جارك أهنه."
وزينب وهي تبتسم على غضبه الذي يحاول السيطرة عليه:
"امممم، طيب. واحنا متجوزين لينا قد إيه بقي؟"
"لأ بجولك إيه؟ مش وجته. خشي نامي وأنا هنام. ولما أقوم أبجي أحكيلك، أنا تعبان دلوك."
وتركها وذهب للغرفة وهو يتمتم بغضب:
"وأنا كان مالي ومال الغلب ده."
أما زينب، فضحكت على تزمره هكذا واستغربت. فهي توقعت أو كانت متأكدة أنه سيستغل فقدانها الذاكرة ويقترب منها، أو بالأحرى يتعامل معها كزوجته، وأن هي التي ستفتعل الحجج والمبررات ليبتعد عنها. ولكنه فاجأها. فتحدثت لنفسها بأنه من الممكن أنه ينتظر لأن تتعافى تماماً، وأكدت لنفسها بأنه فعلاً هكذا ولا شيء آخر.
***
"خبطت سيدة على قلبها وهي تردف:
"يا مري، انتي اتخبلتي يا فاطمة؟ خليتيه ينام في أوضة تانية ليلة دخلته؟ هو ده اللي وعيتك عليه؟"
فاطمة بحزن:
"ماهو يا ماما، ضايجني لما جاب سيرة أدهم وإني لسة بحبه."
"حجة؟ ماهو من ساعة ما خطبك وانتي مبلتيش ريجه بكلمة واحدة. وبعدين يا أختي، بيدلع عليكي. إيه؟ هتجفيله على الواحدة؟ يا مري منك والله يا فاطمة. لو مراضيتيش جوزك، لاكون غضبانة عليكي."
"لا، حجك عليا يا ماما، حاضر. والله هراضيه."
سيدة وهي تلطم خديها:
"يا مري، لو كان جالك لحماتك على اللي هببتيه ده، كان زمانها فضحتك وجايلة عليكي معيوبة وبتداري ليه كدة بس يا بتي."
ولم تكمل الجملة حتى سمعت صوت عالي بالخارج. فوقفت سيدة بزعر وتحدثت بلهفة:
"يا مري، حماتك يا فاطمة. بينها عرفت..."
رواية غرام صعيدي الجزء الثاني الفصل الخامس 5 - بقلم اسراء ابراهيم
شعرت فاطمة بانقباض قلبها وتحدثت:
"ياما، أنا متأكدة إن أنس لا يمكن يجراله حاجة زي دي."
"اومال إيه الصوت ده؟ تعالي نشوف."
وقبل أن يخرجوا، تحدثت سيدة بتحذير:
"اعملي اللي جولتلك عليه يا فاطمة، انتي سامعة؟"
"حاضر ياما، والله ربنا بيستر. أنا خايفة من حماتي جوي."
"چمدي جلبك يا بت، ويلا بينا."
وخرجوا ليجدوا أنس يلعب مع كامل طاولة وصوتهم عالي جداً. عرفة ابتسم لفاطمة ونظر لسيدة التي حركت رأسها بإيجاب لتطمئن على ابنته.
فتحدث لها بحب:
"تعالي يا بتي اجعدي جاري."
ذهبت فاطمة بسعادة وجلست بجانب أبيها. ونظرت لأمها بطمأنة، فهي حمدت ربها أنها لم تكن حماتها التي بالخارج.
تنهدت بارتياح، وسيدة أيضاً. فتحدثت بإحراج:
"يا كامل، انت ما صدجت يا ولدي. الراجل عريس واحنا چاين ليلة صباحيته نتجل عليه أكده؟"
"أنس برجاء: إيه اللي بتقؤليه ده يا ماما سيدة؟ ده بيتكم التاني، إزاي تقؤلي الكلام ده؟ والله كدة أزعل، يبقي انتي مش معتبراني زي كامل."
"يعلم ربنا يا ولدي، انت في معزة كامل وفاطمة. بس يعني..."
قاطعه أنس وهو يتحدث بإصرار:
"يبقي ما تزعلش. طالما أنا زي كامل، يبقي خلاص مفيش من الكلام ده."
ووجه كلامه لفاطمة التي تنظر له بحب:
"يلا يا فطوم، قومي حضريلنا الغدا. ولا شكلي خدت فيكي مقلب ومبتعرفيش تطبخي؟ والله أرجعك معاهم تاني."
"فاطمة بتزمر: بجي أكده؟ ماشي يا كامل."
وضحكوا جميعاً على تزمر فاطمة وكلام أنس. وقاطعهم جرس الباب. فذهب أنس ليفتح ووجدها أمه وأخته نورهان.
"أهلاً يا أمي، اتفضلي."
تقدمت سيدة لترحب بها بحرارة:
"أهلاً بيكي. ومش الأصول برضه كنتوا خبطوا عليا؟"
نظرت سيدة لعرفة بتوتر. فتحدث أنس:
"عشان كانوا جايبين حاجات كتير يا ماما، مش جايين فاضيين. ثم هنا وهنا واحد تحت بيتي، وده بيتي وبيت بنتهم."
كامل لم يكن متابعاً ما يحدث، فهو في عالم آخر. أخذته نورهان إليه، فمنذ دخولها وهو لم يرى أو يسمع أي شيء غيرها. أما هي، فلأحظت نظراته وشعرت بدقات قلبها تعلو. فابتسمت بخجل ووقفت بجانب فاطمة التي تنظر لأنس بفخر، فهو بلحظة استطاع أن يخطف قلبها هكذا.
"عرفة بجدية: يلا يا سيدة، همي بينا."
ووجه كلامه لابنته:
"كويس إننا اطمنا عليكي يا بتي، الله يهدي سرك."
"أنس بإصرار: والله أبداً يا عمي، عشان خاطري لو ليا غلاوة عندك نتغدى سوا ونشرب الشاي وبعدين امشوا."
"غلاوتك يعلمها ربنا يا ولدي، بس حدايا مصالح لازم أراعيها. مرة تانية إن شاء الله. يلا يا سيدة، سلا يا كامل."
نظر كامل لأنس وتحدث بفرح:
"متنساش الموضوع اللي حددتك فيه يا چوز أختي، ياريت تعجل وتطمني."
ونظر لنورهان التي علمت أن الموضوع بخصوص ارتباطها. فرد أنس عليه:
"إن شاء الله يا كامل. اللي فيه الخير يقدمه ربنا."
ورحل أهل فاطمة. وفور أن أغلق الباب، تحدث أنس لأمه بعتاب:
"ليه كدة يا أمي؟ انتي إزاي تحرجي الناس كدة؟"
قبل أن ترد، انسحبت فاطمة لغرفتها عندما وجدت أنس يتحدث مع أمه.
"ردت فاتن بغيظ: وفيها إيه؟ أنا بعرفهم الأصول عشان هما معرفوهاش."
وعلت صوتها متعمدة لتسمعها فاطمة:
"الأصول بتقول إنهم رايحين لبنتهم مش لحماتها، هيا دي الأصول. وعلى فكرة، هما مردوش عليكي احتراماً ليا أنا، وإنتي معملتيش ليا أي اعتبار وبتعاتبي الناس في بيتي. عموماً، شكراً يا أمي."
"أه، لحقت في يوم تقلبك عليا بنت سيدة. والله لوريها. ماشي يا أنس."
وتركته ونزلت. ونورهان نظرت لأخوها بقلة حيلة ونزلت وراء أمها.
***
"تحدث صقر لأمه عزيزة وهو يجلس أمامها: خير ياما، كنت عايزاني في إيه؟"
"عزيزة بحزم: هتفضل أكده لحد ميتي يا صقر؟ أنا عايزة أشوفلك حتت عيل من صلبك يا ولدي. عمالة أقول لنفسي دلوك هيتحدد، بس لحد ميتي هتفضل أكده؟"
"صقر بهدوء: ياما، الحاچات دي بتاعة ربنا، وهو لسة مرايدش إن أخلف دلوك، وأنا مش مستعجل. الموضوع براحته."
"عزيزة بغضب: بس أنا مستعجلة يا صقر، أنا مش هعيشلك العمر كله، ونفسي أشوفلك حتت عيل يا ولدي. مستكتر عليا يا صقر إنّي أفرح بعيلك."
"صقر بغضب وهو يقوم: بس اللي عايزاني أعمله ده صعب ياما، وأنا مش هقدر عليه. أنا فاهم انتي عايزة إيه، بس أنا مش هتجوز على غرام. أنا ما صدجت لجيتها."
"وهو ده الحل الوحيد. ما الدكاترة قالوا إنها مبتخلفش. انت مستني إيه تاني؟ أنا كمان بحبها، ويعلم ربنا بعتبرها زي صفية وفاطمة عندي. بس أنا برضه أم، ونفسي أشوف لولدي حتت عيل قبل ما أموت، نفسي أطمن عليك."
"قبل صقر يد أمه وهو يقول: بعد الشر عنك ياما. صدقيني أنا مش عاوز عيال، كفاية عليا غرام. انتي ناسيه ياما، هيا تبقالى إيه؟ هيا الوحيدة اللي جلبي عشقها، ومش هقدر أبقى لواحدة تانية غيرها."
"عزيزة بإصرار: وأنا جولتلك اللي عندي يا صقر. يا تتجوز على غرام، يا أما جلبي هيبقي غضبان عليك لحد ما أموت."
وتركته وذهبت. وظل هو جالس واضعاً وجهه بين كفيه.
***
"فاق أدهم من النوم، فخرج من غرفته وذهب للمطبخ. واتصدم حين رأى زينب واقفة تعد الفطور. والتفت حين رأته قادم. فنظر لها ووجدها تلبس لبس بيتي وشعرها مفرود بلونه الأحمر الناري مع بشرتها البيضاء وعيونها الفيروزي. فكانت مثل البدر. فشعر أدهم بدقات قلبه لدرجة أنه ظن بأنها سمعتها."
"ونظرت له زينب مطولاً وابتسمت بسخرية. لكنها تفاجأت به وهو يقترب منها والشرر يتطاير من عينيه. وتحدث بعصبية:"
"إنتي مفكرة حالك في بيتكم إيه؟ الخلجات اللي انتي لابساها دي؟ انتي اتجننتي باين لك؟ إزاي تطلعي اكده جدامي؟"
"زينب بخوف من صوته العالي: فيها إيه؟ مش أنا مراتك وانت جوزي؟ ومافيش حد غريب. متعصب ليه كدة؟"
"استغفر الله العظيم. جوزك إيه بس ونيلة إيه؟ بصي يا بنت الناس، ياريت متلبسيش أكده تاني. عشان... عشان..."
ثم فكر قليلاً ثم أجاب:
"أيوه، عشان أنا مدي المفتاح لواحد بيجي ينضف الشقة وممكن يجي في أي وقت. فاياكي تخرجي أكده جدامي، أو تخرجي من أوضتك بيها من أصله. واعية لحديتي زين ولا لأ؟"
"زينب باستغراب: ماشي حاضر. يلا تعالي أفطر، أنا عملت فطار حلو أوي."
"روحي الأول غيري خلجاتك دي وحطي حاجة على شعرك وتعالي افطري. يلا."
"حاضر."
وذهبت زينب من أمامه مسرعة لغرفتها وهي في عقلها لا تعرف هل هو كشف أمرها أم أنه شخص آخر الذي تتعامل معه.
"أما أدهم، فجلس على كرسي السفرة وهو يتذكر ملامحها. فحقا كانت جميلة. واستغرب نفسه، فهي أول مرة يشعر بالانجذاب لشخص وتعلو دقات قلبه في وجوده من بعد فاطمة. فلم يشعر مثل هذا الشعور منذ مدة طويلة."
"وانتبه على صوتها: أنا جيت أهو، يلا بقي ناكل."
"أدهم يتحدث وهو يأكل: هو انتي مفتكرتيش أي حاجة من امبارح؟"
"زينب بتوتر: هه، لا مش عارفة. حاولت بس مش فاكرة خالص. ثم أنا واثقة فيك يا حبيبي، انت اللي هتفكرني بكل حاجة."
"أدهم نظر لها وتحدث ببرود: أه، أه، بعدين. المهم عندي مشوار مهم للشغل، هخلصه وأرجع. أوعي تخرجي من اهنه، انتي سامعة."
"زينب بتأكيد: طبعاً، طبعاً مش هخرج أصلاً. هخاف أحسن معرفش أرجع."
وتركها أدهم وذهب ليغير ثيابه. وهي نظرت لأثره بغموض.
***
"دخل أنس لفاطمة وجدها تجلس على السرير. فجلس بجانبها، فهو يعلم أنها سمعت كل ما قالته أمه. فتحدثت بإحراج:"
"فاطمة، أنا مش عارف أقولك إيه بجد، حقك عليا."
"لمست فاطمة وجهه بحب وتحدثت: على إيه يا أنس؟ محصلش حاجة أصلاً عشان تجولي أكده."
"أنا عارف إنك سمعتي كلام أمي، بس يعني..."
قاطعته فاطمة لتعفيه من الحرج:
"ولا يهمك يا أنس. مامتك زي أمي، أكيد مش هزعل منها. وكفاية عليا إنك بترد عني، دي كفيلة تخليني أعدي أي حاجة يا حبيبي."
"أنس بعشق: انتي إزاي كدة؟ كل يوم بتخليني أحبك أكتر من اليوم اللي قبله. ثم تعالي هنا، هو انتي لسة قايلة إيه؟"
"فاطمة بخجل: إيه؟ أنا مجولتش حاجة."
"قولتي يا فاطمة."
واقترب منها جداً وتحدث بعشق:
"عايز أسمعها منك، قوليها يا فاطمة وريحي قلبي."
"نظرت فاطمة لعينيه ونطقت الكلمة ببطء لكي يسمعها بوضوح. فأنطقت:"
"بحبك جوي يا أنس."
"احتضنها أنس بحب وهو يخبرها بأنه لم يعشق سواها، فهي الوحيدة التي تربعت على عرش قلبه. وقضوا أول ليلة لهم سوياً."
***
"عندما كانت زينب لوحدها بالبيت، أمسكت الهاتف واتصلت برقم وانتظرت إلى أن أتاها الرد."
"ها، عملتي كل اللي اتفقنا عليه؟"
"زينب بثقة: طبعاً، كل حاجة. والفار بدأ يقع في المصيدة، وساعتها مش هرحمه."
"ضحكة سخرية: جدعة، بس أوعي انتي اللي تقعي في شباكه ها؟"
"أنا لأ طبعاً، ده تعبان. وأنا مش هسمح إنه يتلعب بيا زي ما اتلعب بيها. لأ، أنا غيرها."
"امممممم، هنشوف في الآخر. المهم أنا عايزك تخليه يحبك، معرفش إزاي بس لازم يثق فيكي. عشان لو وثق فيكي، هياخدك معاه البلد ويدخلك وسط أهله. وساعتها هتعرفي تضربي ضربتك."
"ماشي، اقفل انت عشان زمانه جاي."
وقلبت السكة وفضلت تفتكر.
فلاش باك
"قولتلك يا زينب، متسأليش عالراجل ده تاني، انتي فاهمة؟"
"ليه يا ماما؟ أنا عارفة إنه عايش وعايزة أعرف هو سابنا ليه؟ يا ماما، أنا مبقتش صغيرة ومن حقي أعرف بابا فين. كل ما أسألك تقوليلي مسافر، مسافر. طب وليه سايبك لوحدك؟"
"أمها وهي تضغط على دماغها بانهيار تحدثت بعصبية: عشان خاين. عرفتي ليه؟ اتجوزني وسابني وأنا حامل فيكي، حتى مبصش وراه. راح اتجوز واحدة تانية وسابني لوحدي، حتى مستناش يشوف بنته اللي قدامها شهرين وتيجي للدنيا. عرفتي ليه يا زينب؟ جاية دلوقتي تقولي بابا فين؟ أنا مكنتش برضه أقولك الحقيقة عشان متزعليش وتكرهيه، مع إنّي أنا كرهته وكر*هت نفسي عشان اتجوزت بني آدم زي ده. ودلوقتي عايزة تروحيله؟ روحي يا زينب، مش همنعك. روحي يمكن تعرفي منه ليه رمانا زمان."
عودة من الفلاش باك
"مسحت زينب دموعها وهي ترى أدهم يدخل من الشقة. وعندما رآها هكذا، ذهب تجاهها بلهفة استغربتها هي منه."
"أدهم بخوف: مالك بتبكي ليه؟ تعبانة؟ أشيع أجيبلك الدكتور؟"
"نظرت له بصمت وهي ترى رد فعله هكذا. ثم تحدثت بهدوء: أنا كويسة، متقلقش."
"اومال بتبكي ليه؟ خبريني مالك؟ متهملنيش أكده."
"نظرت له مطولاً وتحدثت: أدهم، هو انت بجد خايف عليا؟"
"أدهم بإحراج: أيوه طبعاً، مش مرتي، لازم أخاف عليكي."
"نظرت له بغموض وتحدثت: أدهم، هو إحنا كنا بنحب بعض قبل ما نتجوز؟"
"أدهم وهو يتهرب من الإجابة: بجولك إيه؟ جومي خشي ارتاحي في جوضتك، وأنا هشيع أجيب غدا من برا."
"تمام."
قامت من مكانها وذهبت. ثم عادت مرة أخرى، وقبلت خده بخفة وتحدثت:
"ربنا يخليك ليا يا حبيبي."
وتركته مصدوم من فعلتها تلك، فهو لم يتحرك من مكانه يستوعب ما فعلته للتو. وظل ينظر في أثرها.
***
"صعد صقر لغرفته وظل يبحث عن غرام بعينيه فلم يجدها. فخرج للبلكونة وجدها تجلس على الكرسي والهواء يتلاعب بشعرها. فاقترب منها وجلس بجانبها."
"غرامي، مالك جاعدة أكده لحالك؟ مش بعادة يعني."
"ابتسمت له بعشق وتحدثت: عادي. قولت أجرب سعات الحاجات اللي بتبقى غصب عننا، لو جربنا نخليها تبقى برضانا مش هنحس إننا مغصوبين عليها."
"صقر باستغراب: قصدك إيه؟ أنا مش فاهم حاجة عاد."
"نظرت له غرام بحب وأمسكت يده وابتلعت ريقها وحاولت أن تتحدث بهدوء."
"صقر، أنا موافقة إنك تتجوز عليا."
رواية غرام صعيدي الجزء الثاني الفصل السادس 6 - بقلم اسراء ابراهيم
نظر لها صقر بغضب وتحدث بعصبية وهو يقوم من مكانه:
- انتي اتجنيتي يا غرام؟ چواز مين اللي بتتحدتي عليه؟
- لو سمحت يا صقر متصعبش الموضوع علينا، أنا فكرت وقررت.
- فكرتي وجررتي وأنا إيه مليش عازة بجى؟ ولو انتي موافجة وراضية أنا مش موافج يا غرام، لو انتي راضية إني أكون لواحدة غيرك أنا مش هكون لحد غيرك ومحدش هسكن جَلبي غيرك، وراضي إني أعيش من غير عيال بس تكوني چاري.
لا تدري بعد.
هذا الكلام الذي لمس قلبها وكيانها، غير أن تقترب منه وتلمس وجهه وتأخذه بأحضانها وهي تبكي، ولكن هذه المرة تبكي فرحًا على تمسكه بها بهذه الطريقة، فهمست بأذنه:
- بحبك أووي يا صقر.
شدد صقر من احتضانها وتحدث بهدوء:
- إياكي تجولي الكلام ده تاني يا غرام عشان مهعملش أكده، لو فيها موتي حتى، لو حكم الأمر إني أخُدك ونمشي من هنه ونجعد في دار لحالنا.
- لا الشر عليك يا حبيبي، متقؤلش كده، ربنا يباركلي فيك يا صقر، أنا بس كان نفسي أسعدك، نفسي أمحي الحزن اللي بشوفه في عينك كل ما أبصلك.
- أمسك يدها وقبلها وتحدث بحنان:
- أنا لو حزين عشان نفسي تكوني سعيدة وعشان عارف إن الموضوع ده مأثر عليكي جوي، حتى كنت بخاف أتحدت معاكي فيه لتجولي إن بشتكي، وكويس إننا اتحدتنا فيه عشان نِجفله بجى عاد ومنتحدتش تاني فيه واصل.
- وأنا موافقة يا صقري.
صقر وهو يحملها:
- طالما صقرك بجى، يبجى تعالي.
وحملها بحب وهي احتضنته بعشق.
.....................
بعد أسبوع، في بيت فاتن، كانت تتحدث لنورهان بغضب وصوتها عالي جدًا يسمع أرجاء الشقة، ونورهان تقف أمامها بعيون باكية.
- على جثتي لو ده حصل يا نورهان، مش هناول فاطمة وأمها اللي هما عايزينه، مش بكفاياهم خدوا الواد دولقتي، عايزين البت كمان.
ونظرت لنورهان شذرًا وتحدثت بتحذير:
- اسمعي يا بت، إنتي تشيلي الموضوع ده من دماغك، جوازك من أخو الزفتة دي مش هيحصل أبدًا، ولو حصل اعرفي إن ملكيش أم، وإن أمك ماتت، فاهمة؟
كانت نورهان تسمع كلام أمها وهي تبكي، فهي توقعت أن ترفض وتمانع جوازها من كامل. فنظرت لأمها وتحدثت برجاء:
- يا ماما والله كامل إنسان كويس أوي، لو سمحتي فكري تاني، واعرفي إني هكون سعيدة معاه، مش يهمك سعادتي.
- أيوه أيوه ياختي، اضحكي عليا بكلمتين وكلي عقلي زي ما أخوكي عمل وادبس في الحربة دي، بس لا أنا مش هوافق على جوازك من اللي اسمه كامل ده، إنتي فاهمة، وده آخر كلام عندي.
وتركتها ودخلت غرفتها، وانهارت نورهان في البكاء، وعلمت أن زواجها من كامل أصبح مستحيلًا بسبب رفض أمها. أما فاطمة، في شقتها، وسمعت كل كلمة قالتها فاتن، فقد كان صوتها عاليًا، وتعمدت أن تجعل فاطمة تسمعها، وحزنت لأجل نورهان وأيضًا كامل، فهي تعلم أنه يعشقها، وهي أيضًا من الواضح عليها أنها تحبه.
..................
كانت عزيزة تجلس هي وصفية وعثمان، فتحدث عثمان:
- ما تعمليلي شاي يا صفية من يدك.
- صفية بود:
- من عيني يا عمي، ده أنت تأمر.
وتركتهم وذهبت. ونظر عثمان لعزيزة وتحدث بهدوء:
- مش هتعجلي بجى يا عزيزة؟
- أه أكده فهمت الموضوع، مش إنك عاوز شاي بجى عاد.
- إنتي خابرة أنا بتحدت على إيه، سيبك ولدك في حاله يا عزيزة وملكيش صالح يخلف ولا لأ، هو حر.
- لأ يا عثمان، مش ههمله لحاله، ومتفكرش نفسك هتخليني أغير رأيي، أنا عايزة أشوف عيال صقر ده الكبير، ونفسي أشوفه متهني بولده.
- خلاص متبجيش تيجي تنوحي لما ولدك يسيبلك البيت ويطفش.
- يا مري، إنت بتجول إيه؟ صقر ولدي لا يمكن يهملني أبدًا، لأ لأ ميعملهاش ولدي وأنا خابراه زين.
- هيعملها لما يلاجيكي مصممة على الموضوع ده، وخصوصًا لما يلاجيكي بتعاملي مرته عفش، هياخدها ويهملنا ويجعد في دار لحاله، عشان أكده بوعيكي، هملي ولدك لحاله وعاملي مرته زين، البنية ملهاش ذنب، دي حاجة بتاعة ربنا، فكري زين يا عزيزة بدل ما ترجعي تندمي.
وقاطعهم دخول صفية بالشاي ووضعته أمامه، وظلت عزيزة تفكر بكلام عثمان، فهي لا تريد أن يبتعد صقر عنها.
...............
طرقت زينب على باب غرفة أدهم وهي تتحدث بمرح:
- يلا يا أدهم بقي هنتأخر، يوووه أنا ما صدقت هخرج.
ولكن لم يجيب أدهم. ففتحت الباب بغضب لتجده ساجدًا في الأرض، فقد كان يصلي. ظلت تنظر له باستغراب وتتحدث لنفسها:
- كيف يصلي؟ وما هذا الشخص؟ حقًا، فشخصيته غريبة منذ أن أتت إلى هنا، وهي تجده عكس ما سمعت عنه، فهل هو يتلاعب بها أم أن هناك أمرًا خاطئًا؟
وتذكرت شيئًا ما.
فلاش باااك
كانت زينب تجلس في مكتب الظابط وتضغط على يدها بتوتر، فهي ستراه لأول مرة منذ سنين، لا تعلم هل اشتاقته وجاءت لتراه أم جاءت لتوخذه على تركه أمها وجعلها تعاني طوال هذه السنوات؟ نعم، فقد جاءت لتأخذ بثأر أمها منه.
قاطع أفكارها وهو يدخل والقيود بيده وجلس أمامها ورمقها بنظرة استغراب. أما هي، فالحديث هرب منها، فلم تعلم ما تقوله أو بماذا تبدأ الحديث. شعر هو بذلك فتحدث:
- إنتي مين؟
نظرت له بحزن وغضب وتحدثت:
- أنا بنتك يا يا جابر.
صعق جابر مما سمعه وتحدث بهمس:
- زينب.
- ياااه، كويس إنك عارف اسمي يا يا بابا، بس يا ترى تعرف إيه تاني عني؟ هه.
نظر جابر للناحية الأخرى وتحدث:
- إيه اللي جابك هنا دلوقتي؟
- زينب ببكاء:
- للدرجادي مش عايز تشوفني؟ مش عايز تشوف بنتك بعد ما كبرت وبقي عندها ١٨ سنة؟ إنت إيه؟ أنا جاية عموماً عشان أعرف حاجة واحدة بس.
- جابر رد عليها بهدوء:
- جاية تعرفي أنا ليه سبت أمك زمان؟ مش كده؟
- أيوه، ليه؟ ليه حتى مفكرتش في بنتك اللي لسة مجتش للدنيا ومراتك اللي شالت الحمل كله لوحدها ونزلت تشتغل وهي حامل عشان تصرف على نفسها؟ ليه؟ ليه فهمني؟
كانت تتحدث والدموع على وجنتيها وكأنها تفرغ ما بداخلها منذ سنوات.
لا يعلم بماذا يخبرها، فهو حتى لم يتحرك له جفن عندما رأى ابنته الوحيدة. أيخبرها أنه ترك أمها لأنه أناني ولم يعرف قيمة زوجته التي وقفت بجانبه وتركها وتزوج بأخرى وتركها هي الأخرى أيضًا؟ وظل هكذا، وبعد سنين تركت على وجهه علامات الكبر، بدلًا من أن يرجع لزوجته وابنته التي كبرت ولم يفكر بها مطلقًا. ذهب ليحب طفلة في عمر ابنته وأصبح مهوسًا بها. نعم، فمن يفعل هذا مختل وليس له صفة أخرى. فهو يريد الحصول على بنت قريبة من عمر ابنته.
نظر لزينب ابنته طويلًا ولم يفكر في هذه اللحظة سوى بالانتقام من صقر وغرام، وقرر أن يجعل ابنته وسيلة لمبتغاه، فتحدث بمكر وخبث لا يليق سوى بجابر:
- أنا آسف يا بنتي، حقك عليا، بس إنتي ظالماني يا زينب، مش أنا اللي سبتكم بمزاجي، كان غصب عني، صدقيني يا بنتي، كان غصب عني.
نظرت له زينب باستفهام وتحدثت:
- يعني إيه كان غصب عنك؟ أنا مش فاهمة.
استغل سذاجة ابنته وأكمل بخبث:
- أنا كنت شغال عند واحد اسمه عثمان في مصنع هنا في القاهرة، وكنت ساعتها موظف غلبان، وعثمان وعياله بالاخص أدهم ابنه وصقر دول شياطين، هما السبب في كل اللي أنا فيه ده، كانه بيشتغلوا في شغل مشبوه، ولما اكتشفت اللي هما بيعملوه وعرفوا إني عملت كشفتهم، هددوني إنهم هيبلغوا عني إني سرقت مبلغ كبير أوي يا زينب مش هعرف أسده لو اشتغلت عمري كله، يا أما أنفذ اللي يقولوا لي عليه بالحرف الواحد، ومقدرتش أرفض لأنهم كانوا هيلفقولي تهمة ويدخلوني السجن.
زينب وضعت يدها على فمها من الصدمة، وشعرت بداخلها أنها ظلمت والدها، بل كانت سعيدة لأنه مظلوم ولم يتركهم بإرادته كما أخبرتها أمها. فمسكت يده وتحدثت بعطف:
- كل ده حصل يا بابا؟ طب وبعدين؟ طلبوا منك إيه؟
جابر بداخله يشعر بالسعادة لأنها صدقت ما أخبرها به وأكمل بدموع مزيفة:
- طلبوا مني إني أتجوز واحدة جوزها ميت، لأن جوزها كان له في المصنع نصيب كبير، ولما مات عرفوا إنه كتبه باسم بنته الصغيرة، وطبعًا لما أتزوج مراته هيبقى كل حاجة تحت إيدي، وطبعًا مش هعرف أعترض منا روحي في إيديهم، وهما اللي حكموا عليا إني أسيبكم وأطلق أمك غصب عني.
ومسح دموعه المزيفة بيديه وأكمل:
- وطبعًا اتجوزت الست دي، وبعد مدة، أما أخدوا مرادهم وورثوا البت، لفقولي قضية قتل جوز الست دي اللي هو شريكهم، ورموني في السجن مؤبد يا زينب، شوفتي أبوكي اتظلم إزاي؟ دول ناس ما يعرفوش ربنا.
كانت زينب تبكي على ما سمعته من والدها وتحول غضبها منه إلى انتقام من الذي فعل ذلك بأبيها والسبب في إبعاده عنها طوال تلك السنوات. فتحدثت بجمود بعدما مسحت دموعها:
- أنا هنتقم لك منهم يا بابا، وهدوقهم من نفس الكاس اللي دوقونا منه أنا وأمي.
عودة من الفلاش باااك
انتبهت زينب لأدهم وهو يتحدث معها، ولا تعلم متى انتهى من الصلاة، فقد شردت في أفكارها.
- هه، كنت بتقول حاجة.
- بجولك إنتي إزاي تدخلي أكده لحالك؟ مش المفروض تخبطي الأول.
- زينب بهدوء:
- آسفة، إنت مردتش، أنا خبطت وإنت مردتش، افتكرت في حاجة. يلا، إنت وعدتني هتفسحني، أنا بقالي كتير منزلتش، هستناك برة.
وتركتهم وغادرت الغرفة. أما أدهم، فنظر في أثرها باستغراب، فهي منذ جاءت هنا وهي مرحة، لا تفارق الضحكة وجهها، وهو تعود على جنانها، فما الذي غيرها هكذا فجأة؟ فوقف أمام المرآة ووضع عطره المفضل وأخذ مفاتيحه وموبايله وخرج.
..................
دخل أنس شقته وهو ينده بصوت عالي:
- يا فطوم يا روحي إنتي فييين؟
خرجت فاطمة من المطبخ وهي تمسح يدها من المياه:
- إيه يا أنس؟ مالك عامل دوشة ليه أكده؟
- أخس عليكي، عامل دوشة؟ ده بدل ما تقوليلي وحشتني ولا حمد الله على سلامتك يا حبيبي.
وجلس على الكرسي:
- أه يانا يا أما، بقي ده الجواز اللي كنت هتجنن عليه؟ أنا شكلي أخدت مقلب، وأقول بقي مراتي حبيبتي هتوريني الغرام الصعيدي على حق، بس شكلي كده ادبست.
وقفت فاطمة تضحك على ما يقوله زوجها وتنظر له بعشق، واقتربت منه ووضعت قبلة على خده وجلست بجانبه وهي تتحدث بعشق:
- بجى كده بتجول إنك ادبست فيا؟ ماشي، خسارة فيك المفاجأة اللي عاملاها.
- إيه؟ مفاجأة؟ لا خلاص، هو فيه أحلى منك؟ دي أحلى تدبيسة ادبستها في حياتي والله.
ابتسمت فاطمة على خفة دمه وتحدثت بصراحة:
- يا أنس، أنا في حاجة كنت عايزة أتحدت معاك فيها.
- قولي يا فاطمة، مالك؟ في حاجة حصلت؟ طمنيني.
- لا يا حبيبي، متخافش، بس أنا سمعت مامتك وهيا بتزعق لنورهان وبتجولها إنها معارضة جوازها من أخويا كامل، والله أنا مش كنت بتصنت، بس مامتك كان صوتها عالي جوي يا أنس.
اتنهد أنس بضيق وتحدث:
- عارف يا فاطمة، عارف إن صوتها كان عالي، نورهان قالتلي، وأنا طالع عديت عليها، وحتى أمي مردتش تطلع تشوفني، وواخدة على خاطرها مني.
- معلش يا أنس، دي مهما كان أمك، يعني لازم تستسمحها ومتزعلهاش إنت، أما تتغدى ابجى انزل طيب خاطرها، وأنا هنزل معاك، ولا إيه رأيك ناخد الوكل وننزل نتغدى سوا معاها؟
قبل أنس يد فاطمة وهو يتحدث بحب:
- إنتي جميلة أوي يا فاطمة، ربنا يخليكي ليا.
- ويخليك ليا يا جلبي ويباركلي فيك، بس بالله عليك حاول تقنعها، أنا حاسة إن نورهان رايدة كامل وهو رايدها، يبجى حرام الموضوع يتفشكل كده.
- حاضر، هتكلم معاها وربنا يستر بقي.
..................
كان جمال بغرفته يتحدث بالهاتف ولكن بصوت منخفض:
- إنتي بتجولي إيه؟ إنتي دي مصيبة واتحطت فوق راسي.
فدخلت صفية الغرفة، فأغلق جمال الخط بسرعة. نظرت له صفية باستغراب على توتره.
- فيك إيه يا چمال؟ إنت زين يا واد عمي؟
- إيوة، أنا أنا زين، بس كان في حاجة كده كنت بخلصها في الشغل.
جلست بجانبه وتحدثت بحنان:
- حتى وإنت في الدار برضه بتشتغل؟ ارحم نفسك شوية يا حبيبي، إنت كده هتتعب.
قبل يدها بحب وتحدث:
- خايفة عليا يا صفية؟
- طبعًا، مش چوزي أبو ولادي، لازم أخاف عليك. وبعدين إنت بجالك كتير مشفتش العيال عشان مشغول، هروح أنادم عليهم عشان يجعدوا معاك شوية، ماشي؟
- ماشي، وأنا هغير خلجاتي واستناهم.
وخرجت هي، وظل هو شاردًا في الخبر الذي لم يكن في الحسبان.
......…........………
كان غرام وصقر ينزلان الدرج وهو يحاوطها بيديه بحب، ووجد أمه عزيزة تجلس ومعها عثمان. فتحدث صقر:
- السلام عليكم، كيفك يا بوي؟
وقبل يد والده وتحدث لأمه:
- كيفك يا ما؟
وقبل يدها أيضًا.
- عثمان بحب:
- زين يا ولدي، الحمد لله.
- عزيزة نظرت لعثمان وتحدثت:
- كيفك إنت يا ولدي زين النهارده؟
- الحمد لله ياما، زين جوي، أنا هسافر مصر أكده يومين، وهعازد تاني في شغل مهم ولازم أخلصه.
- عزيزة ردت عليه:
- تروح وتيجي بالسلامة يا ولدي.
ووجهت حديثها لغرام:
- تعالي يا غرام، تعالي يا مرت الغالي، اجعدي واجفة ليه كده؟
نظرت غرام لعزيزة واستغربت أنها تحدثت معها هكذا، ولكنها فرحت أنها عادت تعاملها مثل السابق. واقترب وجلست بجانبها وقبل يدها بحب.
أما عثمان، فنظر لزوجته وضحك على تغييرها هكذا، فهو يعرفها حق المعرفة ويعرف كيف يجعلها تغير رأيها.
وصقر شعر أنه مطمئن هكذا على غرام وفرح لأن أمه غيرت رأيها بخصوص زواجه بآخر. وتحدث لغرام:
- عايزة حاجة يا غرام؟ أجبها لك معايا وأنا راجع؟
نظرت له بعشق وتحدثت:
- عايزك ترجعلي بالسلامة، خد بالك من نفسك ومتتأخرش عليا.
- من عيوني يا جمر، يلا السلام عليكم.
وتركهم وغادر. وعزيزة طبطبت على غرام بود، فهي لن تتحمل أن يبتعد ابنها عنها، فتقبلت الأمر الواقع.
بقلمي اسراء ابراهيم.......…………….
كانت زينب تمشي بجوار أدهم وهي سعيدة، فحقا كانت خروجة جميلة. فتحدث له:
- تعرف يا أدهم، إن دي أول خروجة في حياتي.
وكانت تقصد بالمعنى الحرفي.
- أدهم باستغراب:
- إيه ده؟ إنتي رجعتلك الذاكرة يعني ولا إيه؟
- زينب بارتباك:
- هه، لا، أقصد يعني مش أنا فاقدة الذاكرة، يعني مش فاكرة غير الخروجة دي، يبقى دي أول خروجة في حياتي.
- آآه، فهمت، ماشي يا ستي، ومبسوطة يعني؟ عجبتك الخروجة؟
وقفت أمامه وتحدثت:
- أوووي، بجد دي أحلى خروجة في الدنيا، ربنا يخليك ليا.
نظر أدهم لعينيها وتاه بهم، فإن لهم سحر خاص يخطف من ينظر إليهم، فشعر بدقات قلبه ثانياً وتحدث:
- احم، يلا عشان نروح ناكل بجى في مطعم.
- هييييه، بجد؟ يعني كمان هناكل بره؟ الله! بجد مبسوطة أووي.
ونظرت للناحية الأخرى، وجدت سيدة تبيع ذرة مشوية، فتحدثت بلهفة:
- أدهم بليز، عايزة درة مشوية، نفسي رايحالها، يلا.
وجرت ناحيتها ولم تنتبه لتلك السيارة القادمة ولا لأدهم الذي يصرخ بها لتتوقف. وفجأة وجدت...
رواية غرام صعيدي الجزء الثاني الفصل السابع 7 - بقلم اسراء ابراهيم
وجدت يد أدهم تحوطها وتجذبها إليه وهو يلهث، وظلت زينب في أحضانه.
بعدها رفعت نظرها له وتحدثت:
- أنا كان ممكن أموت، صح؟
تنفس أدهم بارتياح:
- بعد الشر عنك، الحمد لله عدت على خير. ابقي خدي بالك بعد كده، وإياكي تتسارعي وتجري كده مرة تانية.
هي لم تسمعه جيدًا، فقد كان عقلها مشغولًا بأنه أنقذ حياتها. فلماذا يفعل ذلك وهو لا يعرفها؟ وكل ما بينهما كذبة كذبتها هي عليه وصدقها.
نظرت له بحيرة وتحدثت:
- متشكرة يا أدهم إنك أنقذت حياتي بجد، لولاك كان زماني...
قاطعها أدهم وهو يضع يده على فمها لتصمت:
- بلاش تنطقيها تاني، المهم إنك زينة. يلا تعالي عشان أجيب لك الذرة.
وأخذها من يدها وذهبا سويا واشترى لها الذرة، فأخذتها منه وهي سعيدة بداخلها ولا تعلم سبب سعادتها تلك.
***
فتحت نورهان الباب ودخل أنس وهو يحمل الطعام وتحدث بمرح:
- أنا قولت تلاقي البت نورهان مطبختش، فقولت نجيب الغدا ونأكل معاكم. إيه رأيك؟
- نورهان بحزن:
- طبعًا دي حاجة جميلة يا أنس. مش كفاية إن صحبتي وحبيبتي اللي طابخاه بإيديها.
- فاطمة وهي تحضنها:
- تسلميلي يا نور يا جلبي.
- نورهان بغيظ:
- يا بت مش قولنا يلاش نور دي، والله أرجع في الكلمتين اللي لسه مادحاكي بيهم.
- فاطمة بضحك:
- لا وعلي إيه، الطيب أحسن. أومال فين ماما؟ ناديها يلا عشان نتغدى قبل الأكل ما يبرد.
- أنس بقلق:
- لا خليكي يا نورهان، أنا هدخل أناديها.
ودخل هو، أما نورهان وفاطمة فكانتا تضعان الأطباق على السفرة.
وبعد قليل خرجت فاتن هي وأنس وجلست على السفرة وتجاهلت نورهان تمامًا، مما جعلها تشعر بالإحراج.
فنظرت لنورهان وتحدثت بخوف:
- إزيك حضرتك يا ماما؟
- فاتن ببرود:
- كويسة.
نظر أنس لفاطمة برجاء ألا تأخذ على خاطرها من أمه، وردت له النظرة بإيجابية وجلس بجانبها.
تذوقت فاتن الطعام ولكنها رمت الملعقة من يدها وهي تتحدث بغضب:
- إيه القرف ده، الأكل ماله عادم ليه كده؟
نظرت فاطمة لها وتحدثت ببراءة:
- والله يا ماما الوكل مش عادم، ده أنا مظبطه ملحه زين.
- فاتن بغضب:
- وهو إنتي بتكدبيني يا بت سيدة؟ والله عال، ما تأدب مراتك يا أنس وعرفها إزاي تكلم حماتها.
- أنس وقد فاض به الكيل من معاملة أمه السيئة لزوجته، وقف بغضب داخلي وتحدث بهدوء:
- ياماما، مراتي مغلطتش في حضرتك عشان أأدبها، ثم أنا دوقت الأكل وشايف إنه جميل ومظبوط، مش عاجب حضرتك دي حاجة تانية. وعموما طالما كده يبقي مش هخليها تنزل أكل تاني، وعندك نورهان أهي بتعرف تطبخ، تبقي تعملك. يلا يا فاطمة.
قامت فاطمة من على السفرة والدموع في عينيها، فهي تحاول أن تسترضيها ولكن بلا فائدة. وأخذها أنس وصعدوا لشقتهم.
- نورهان تحدثت لأمها بعتاب:
- ياماما بصراحة، إنتي بتتلككي لفاطمة عشان الأكل مفهوش حاجة وزي الفل أهو.
- أكتمي يا بت، إنتي متعرفيش حاجة. دي خلاص أكلت عقل الواد، شوفي بيدافع عنها إزاي. ماشي يا فاطمة، أما أوريكِ، مبقاش أنا فاتن.
حركت نورهان رأسها بالسلب، فأمها لن تتغير أبدًا.
***
- كان جمال يتحدث مع صديق له:
- إنت تشوف لي حل في المصيبة اللي حلت على دماغي دي، أنا مش عارف أعمل إيه.
- أنا معرفش يا جمال، إنت اللي وحلت نفسك في الموضوع ده، إزاي تعمل كده؟
- مخبرش، مخبرش. دي كانت وزة شيطان وأنا مكنتش داري بحالي، وكنت في عز غضبي وخلاص، جلت غلطة ومش هتتكرر تاني. أنا دلوجتي حياتي اتصلحت، مش عاوز كل حاجة تتهد.
- خلاص يا صاحبي، يبقي تصلح غلطك ده وتدي البنت جرشين وتخليها تحل عنك.
- بجولك بتجولي حامل، إنت واعي؟ أنا مش عارف كان مستخبيلي ده كله فين؟ كانت شورتك يا حامد، الله يخر*ب بيتك.
***
- رأيك بجي في الوكل، أنا شايف إنه عجبك بدليل إنك كلته كله لوحدك، ههههه.
- جميل أوووي يا أدهم، بجد. وبعدين إنت حسدتني؟ أنا خلاص شبعت.
- لا بصراحة، مش وكالتك. إنت ناقص تاكليني.
- رخـم بجد، بس قولي يا أدهم، لنت لهجتك صعيدي يعني من الصعيد؟ أكيد. ليه بقي مش عايشين هناك أنا وإنت وعايشين هنا في مصر؟ أوعى تكون متجوزني غصب عن أهلك وأبوك اتبرأ منك وإنت وقفت قصاده عشاني؟
قاطعها أدهم وهو يتحدث:
- أييييه، اجفلي خشمك ده. إنتي بلعة راديو، ثم إنتي واضح إن الأفلام القديمة مأثرة على نفوخك. لأ، مفيش أي حاجة من كده، بس هما عايشين هناك، أهلي يعني، وأنا عايش اهنه.
- إيه ده، يعني باباك مش بيجي هنا خالص؟
- لا، أخويا صقر، بس أنا وهو اللي بنيجي اهنه. أبويا لأ.
استغربت زينب حديثه وقطع أفكارها دخول بنت تعرف أدهم. نظرت لها شزراً ونظرت لأدهم الذي ظهر عليه الضيق فور رؤيتها، فإنها نها، البنت التي خدعته من قبل.
تحدثت له بود:
- أدهم، إزيك؟ وحشتني أوي، بقالي كتير مشوفتكش.
لا تعلم زينب لما شعرت بالغيرة وأنها تريد أن تنقض عليها. نظرت لأدهم لترى رد فعله، ووجدته ينظر لنها بغضب وتحدث بغضب داخلي:
- أنا مش جولتلك مش عاوز أشوف وشك تاني، ولو شوفتيني أوعاكي تجربي مني عشان هزعلك جوي.
- نها بدلع مزيف:
- أدهم، إنت لسه زعلان مني؟ بليز خلينا نفتح صفحة جديدة.
- زينب وقد اكتفت من تلك النها، نظرت لها بغيظ وتحدثت بعصبية:
- هو إنتي إيه يا بت، معندكيش دم؟ بتحاولي تشقطي الواد وأنا قاعدة معاه؟ إيه مش مالية عينك أنا؟ وبعدين يا تن*حة يا بار*دة، هو بيقولك مش عاوز يشوف وشك، إيه هيا لازقة بغرا؟
نظر لها أدهم وهو يكتم ضحكته، فهو شعر أنها تغار عليه وأعجبه دفاعها عنه بهذه الطريقة.
نظرت نها لزينب وتحدثت ببرود:
- وإنتي مالك إنتي؟ أنا بتكلم مع أدهومي.
- زينب بصوت عالٍ:
- أدي إيه ياختي، لا بقؤلك إيه، إنتي تتكلي على الله عشان مخليش الناس تتفرج عليكي.
- أدهم وهو يهدئها:
- خلاص يا حبيبتي، متعصبيش نفسك.
ووجه كلامه لنها بغضب:
- خدي بعضك وامشي يا نها من هنا، عشان شوية وأنا مضمنش حالي.
لا تعلم لما قلبها يدق هكذا حين لقبها بحبيبته، ولما تشعر بالسعادة لمجرد أنه نطق بكلمة واحدة. وظلت مستغربة نفسها.
نظرت نها لزينب بحقد وتحدثت:
- طب ممكن أعرف دي مين؟
- أدهم وقد امتلك الغضب منه، فقام من مكانه واقترب منها وهو يتحدث بغضب جحيمي:
- الظاهر إنك لسه محرمتيش من آخر مرة، وعايزاني أعمل كيف ما عملت في المصنع؟ هه، فاكرة ولا أفكرك.
وضعت نها يدها على وجهها وتذكرت ضربه لها أمام الجميع وتحدثت بخوف:
- خلاص أنا همشي.
وقبل أن تذهب وجدت زينب تنادي عليها:
- بقؤلك إيه يا روحي، أنا هريحك وأقؤلك أنا أبقي مين، عشان بس عقلك ميوزكيش تحاولي تقربي منه تاني. القمر ده يبقي جوزي، واخدة بالك؟ يعني أنا أبقي المدام بتاعته. يلا بقي طريقك.
وجلست مرة ثانية بجانب أدهم.
نظرت لها نها بحقد وتركتهم وذهبت. أما أدهم فلا يعلم لما شعر بالسعادة في هذه اللحظة.
***
كانت فاطمة تجلس على السرير وهي تبكي. دخل أنس وجلس بجانبها ورفع وجهها له وتحدث بحنان:
- أنا أسف، حقك عليا يا فاطمة، بس هعمل إيه، دي أمي.
ابتسمت فاطمة بحب وتحدثت:
- عارفة يا أنس، عارفة ومقدرة، وأنا مش زعلانة منك. بالعكس، أنا مبسوطة إنك جاري وبتدافع عني. أنا اللي مزعلني بس إني بحاول أرضيها وهي برضك مش قابلة ني خالص، بس ده ميجللش من حبي ليك أبدا.
قبلها من رأسها وتحدث:
- ربنا يخليكي ليا يا أجمل فاطمة في الكون كله.
وتنهد وهو يفكر ماذا يفعل لكي يجعل أمه تكف عن تصرفاتها تلك وتتقبل فاطمة وتعاملها معاملة حسنة.
***
في بيت عتمان، كانت صفية تجلس مع غرام بمفردهما يتحدثان سويا. فبدأت صفية الحديث:
- بس كويس إن مرت عمي بقت تعاملك زين، مش كيف الأول.
- اسكتي يا صفية، أنا كنت مرعوبة لتصمم على جواز صقر، كان هيجرالي حاجة لو كان صقر وافق أصلا.
- لأ يا هبلة، أنا متأكدة إن صقر عاشجك ولا يمكن هيتجوز عليكي.
- عارفة يا صفية، بس عشان يراضي أهله ممكن يعملها، وبصراحة أنا عارفة إنه حقه وإني كده بظلمه معايا، بس مش هقدر، بجد مش هقدر إنه يكون لواحدة تاني تشاركني فيه.
- حاسة بيكي جوي يا حبيبتي، والله مش متخيلة إن جمال يتجوز عليا، يا لهوي، كنت روحت فيها.
ونظرت لغرام وأكملت:
- أنا طلعت بعشجه جوي يا غرام، ولا كان يجي على بالي إني هعشق جمال كده أبدا. وبعد ده كله يتجوز عليا؟ لأ، ده أنا أقت*له.
وضحكا الاثنان سويا. وردت غرام بضحك:
- عارفة أول ما صقر قالي إنه لا يمكن يعمل كده، حسيت إن قلبي طاير من الفرحة وكأن روحي رجعتلي تاني.
ونظرت لها، ولكن صفية تائهة، مش معاها. دفعتها بيدها بخفة فانتبهت صفية:
- هه، بتجولي حاجة يا غرام؟
- لأ، ده إنتي جمال خلاص لحس مخك. روحني فين؟ للدرجادي وحشك ولا إيه؟ أومال أنا أعمل إيه اللي صقر سابني لوحدي وسافر.
- لأ، مش أكده، بس بصراحة أكده، حاسة إن جمال متغير عليا، حاسة فيه حاجة غريبة.
- غرام ردت باستغراب:
- متغير إزاي؟ وأكملت: أوعي يا بت يكون كلامنا خلاكي تشكي فيه؟ ده جمال بيحبك. أوعي تخلي الشيطان يلعب في دماغك.
اتنهدت صفية وتحدثت بحيرة:
- مش عارفة يا غرام، بس أنا مفكرتش في كده أبدا. بس جمال في حاجة شغالاه ومش عايز يجولي، وأنا جلبي مش مطمن. يلا ربنا يسترها بجي.
***
- يعني إيه يا أنس؟ أنا مش فاهم حاجة من حديثك ده. أنا بجالي كتير بحدثك إني رايد أتجوز أختك وإنت مردتش عليا. ريحني وجولي يا آه يا لأ، وكل شيء قسمة ونصيب.
- والله يا كامل، أنا لو عليا شايف إنك مناسب لأختي وعارف ومتأكد إنك هتحطها في عينك، بس يعني بصراحة...
وصمت ولم يكمل. فتحدث كامل بنفاذ صبر وفي عقله أن نورهان من رفضته:
- متتحدث يا أنس، جصدك إن نورهان أختك رفضتني، صح؟ وعشان كده مش عارف تجولهالي. عالعموم، خلاص كل شيء قسمة ونصيب يا چوز أختي.
وغير مجرى الحديث، فأكمل:
- طمني، فاطمة زينة؟
بعد انتهاء المكالمة، شعر أنس بالحزن على كامل، فهو يعلم أن هذه هي المرة الثانية التي يطلب فيها الزواج من أخته، ولكنه يعلم أن أمه ستفتعل المشاكل ولن ترضي بهذه الزيجة أبدًا بسبب زواجه من أخت كامل. وتذكر عندما قالت له أنها ستتبرأ منه ومن أخته إذا وافق على زواجها من كامل. تنهد بضيق وظل يفكر في أمه وماذا يفعل معها.
***
في شقة أدهم، كانت زينب في غرفتها. فبعد أن تناولوا الغداء في المطعم، عادوا للبيت، فجلست على سريرها بعد أن بدلت ملابسها وظلت تفكر في أدهم ومعاملته معها، وهو يعلم أنها ليست زوجته، وإنقاذه لها اليوم، لما يفعل ذلك إذا كان شخصًا سيئًا مثل ما قال لها والدها؟ فكانت محتارة جدًا.
وانتبهت لجرس الباب، فخرجت من غرفتها وذهبت لتفتح الباب، واتصدمت حين رأت صقر أمامها.
رواية غرام صعيدي الجزء الثاني الفصل الثامن 8 - بقلم اسراء ابراهيم
نظر لها صقر باستغراب وغموض وتحدث:
- انتي مين وايه اللي جابك هنا؟
نظرت له زينب بصدمة، فهي تعلم أنه صقر أخ أدهم، ولكن لم يكن في حسبانها أنه سوف يأتي هنا، فسوف يضيع عليها ما خططت له.
ردت بتلعثم:
- انا... انا ابقى زينب.
- زينب مين؟ وفين أدهم؟ يا أدهم! يا أدهم!
ودخل يبحث عن أخيه.
في غرفة أدهم، كان شارداً فيما حدث. لا يعلم أين ومتى أصبح مهتماً بزينب، فهي اقتحمت حياته فجأة وقلبتها رأساً على عقب. ولكن المفاجأة أنه تعلق بها وأصبح متعوداً على جنانها. فقد أعطى لحياته معنى. يسأل نفسه لماذا يشعر بالسعادة هكذا وهي بجانبه؟ فهو لم يشعر مثل هذا الشعور من قبل إلا مع واحدة فقط. وعند ذكرها استنبه. وبعدها اعتدل بجلسته وعقله أكمل ما كان يخبره به. أن معنى هذا الحديث أنه أحبها مثلما أحب فاطمة من قبل. فهذا هو التفسير الوحيد لتلك المشاعر التي كانت لفاطمة من قبل والآن لزينب. اتصدم أدهم حين اعترف لنفسه أنه أحبها. وشبح ابتسامة ظهرت على وجهه. ولكن قاطعه صوت يعرفه جيداً. نعم، فهو صقر. سمعه ينادي عليه بصوت عالٍ. فخرج أدهم وهو يعلم أن صقر لن يرحمه.
***
سمعت فاطمة جرس الباب فذهبت لتفتح. وجدتها نورهان.
فتحدثت بترحيب:
- نور حبيبتي، تعالي طمنيني عليكي.
- وهو انتي فاضيالي يا أختي؟ ما انتي خلاص خدتي مصلحتك مني واتجوزتي الواد أخويا، وطلعت أنا من المولد بلا حمص.
ضحكت فاطمة وتحدثت بمرح:
- اخس عليكي يا نورهان! ده انتي خيتي مش صحبتي. يلا تعالي معايا نعملنا نسكافيه.
وذهبا الاثنان إلى المطبخ. وجلست نورهان على السفرة الصغيرة التي تتوسط المطبخ وتحدثت بتردد:
- فاطمة، هو مامتك واخواتك عاملين إيه؟
نظرت لها فاطمة وابتسمت، فهي علمت ما تقصد. فجلست قبالها وتحدثت بمكر:
- اممممم، جولي أكده بجي. الموضوع مش إنك جاية تشوفييني وتجعدي معايا.
- قصدك إيه يعني يا فاطمة؟ أنا بتكلم عادي يعني.
ردت نورهان بإحراج.
طبطبت فاطمة على يد نورهان واتكلمت:
- حاسة بيكي يا نورهان. بس هنعمل إيه؟ ماما مش موافقة خالص. معرفش ليه.
- طب ممكن أعرف إنس قال لكامل إيه؟ يعني ناوي على إيه؟
تنهدت نورهان بحزن.
نظرت لها فاطمة بقلة حيلة وتحدثت بصراحة:
- هو إنس معرفش يقول إيه. اتحرج يقول له إن ماما مش موافقة بسببي. وكامل فهم إنك إنتي اللي رفضتيه.
شعرت نورهان أن قلبها يؤلمها. فهذا آخر ما أرادت أن يعلمه كامل. فهي تمنت أن يعلم أنها تريده مثلما رأت في عيونه أنه يريدها. هربت دمعة من عينها فأزالتها بألم.
أما فاطمة فشعرت بالشفقة على نورهان صديقتها وقررت أن تتحدث هي مع كامل، وليكن ما يكن.
***
كانوا يجلسون سوياً: صفية وعزيزة وغرام. وشعرت صفية أن عزيزة تريد أن تتحدث مع غرام.
فتحدثت:
- أنا هطلع يا مرت عمي عشان جمال زمانه جاي.
ردت عزيزة بلهفة:
- صح! جومي يابتي، جومي اطلعي شوفي وراكي إيه واعمليه على ما جوزك يجي.
تأكدت صفية من شكوكها وتركتهم وذهبت. فاقتربت عزيزة وجلست بجانب غرام وتحدثت بصوت منخفض:
- بجولك يا غرام يا بتي، كنت عايزة أتحدت معاكي في موضوع أكده.
- طبعاً يا ماما، اتفضلي. أنا سامعاكي. خير؟
- مش إنتي نفسك برضك تجيبي لولدي حتة عيل يملي عليه الدار؟
ردت غرام بحزن:
- والله نفسي يا ماما، بس غصب عني، هعمل إيه.
- أنا هجولك على حل إن شاء الله يجيب نتيجة وتحبلي وتجيبلنا عيال كتير.
ردت غرام باستغراب:
- حل إيه يا ماما؟ قولي.
- في شيخ اسمه الشيخ مصيلحي. ده شيخ مبروك جوي يا بتي. بيفك السحر والأعمال. وفي ستات كتير كانوا زيك أكده وعرف يفكولهم العمل اللي معمولهم. وما شاء الله بجي دلوجتي معاهم عيل وتنين وتلاتة كمان.
- بجد؟ يعني تفتكري ممكن أحمل وأخلف؟ خلاص ماشي، موافقة نروح له بسرعة.
فهي في داخلها، حتى ولو لم تكن مقتنعة بهذا الكلام، إلا أنها كالغريق الذي تعلق بقشة.
ردت عزيزة بفرحة:
- جدعة يا بتي! كنت عارفة إنك مش هتجولي لأ. خلاص بليل نروح له.
هزت غرام رأسها بالموافقة. وفي داخلها خوف. فهي على يقين أن صقر إذا علم بهذا الموضوع وعلم بذهابها مع أمه لذلك الرجل، فسوف يغضب بشدة. ولكن هذا لن يجعلها تتراجع عن قرارها.
***
- اتخبلت يا أدهم؟ إزاي تعمل حاجة زي دي؟
صقر وهو يقوم بغضب من على الكرسي.
- اسمعني بس يا صقر، أنا مكنش جدامي حل تاني. أنا لجيتها عالطريق. يعني أسيبها؟ أخلاقي متخلنيش أعمل أكده.
رد صقر بسخرية:
- بس أخلاقك تخليك تجعد مع بنته في بيت واحد لحالكم؟ وهي مش على ذمتك؟ مش أكده يا ولد أبويا؟ بجي هيا دي تربيتي وتربية أبويا الحاج عتمان ليك يا أدهم؟ إزاي تعمل حاجة زي دي؟ طب مش هجولك خاف من كلام الناس، لأ، خاف من ربنا يا أخوي.
- أنا أسف يا أخوي. ربنا يعلم إني مجربتلهاش. أنا راعيت حالتها وإنها مش فاكرة حاجة خالص ومتعرفش غيري.
أدهم بأسف رد.
- اتنهد صقر بضيق وتحدث:
- لولا إني عارف أخلاقك يا أدهم، كان ليا تصرف تاني معاك. اتفضل خش لم خلجاتك وجولها تلم خلجاتها عشان هنرچع الصعيد حالا.
- بس يا صقر، هجولهم إيه؟ وهعرفهم على زينب كيف؟ أكيد هيسألوا، تبجي مين؟
صقر بحزم:
- مفيش غير إنك تجول إنك عاشقها وهتتچوزها وهتجعد حدانا لحد ما تخف ونعمل الفرح. ولما تخف سعتها ربك يحلها. أهو عالأقل هناك في حريم ومش هتجعدوا لحالكم زي أهنه.
كانت زينب تسترق السمع ولم تصدق ما قاله صقر. فهي تعرف عنه أنه شخصية متعجرفة وشخص مسيطر. ولكن كيف يوبخ أخاه لمجرد أنه علم بوجودها معه في مكان واحد؟ شعرت أن عقلها سيشت. وفرحت أن خطتها لم تفسد، بل بالعكس، بسبب صقر سوف تخطو لبيت عتمان الغرباوي وتبدأ اللعب بهم وإيقاعهم واحداً تلو الآخر. وذهبت سريعاً لغرفتها عندما شعرت بأدهم قادم.
***
كانت صفية في غرفتها فوجدت جمال يفتح الباب ويدخل. وما أن رآها حتى اقترب منها وطبع قبلة على جبينها وتحدث:
- كيفك يا صفية؟
قالها وهو يجلس بجانبها.
- زينة يا واد عمي، إنت كيفك؟
تنهد جمال وتحدث:
- زين زين يا صفية.
اقتربت منه أكثر ولفت وجهه لها لينظر في عينيها وتحدثت بصوت رقيق:
- لأ، إنت مش زين يا جمال. فيك إيه؟ جولي من إمتى وإنت بتخبي عليا حاجة؟ مش أنا أبقى مراتك حبيبتك؟
توتر جمال وتحدث بتلعثم:
- صدجيني يا صفية، مفيش حاجة. شوية مشاكل في الشغل وإن شاء الله هحلها.
تنهدت صفية بيأس، فهي توقعت أنه سيخبرها ما به، ولكن محاولاتها باءت بالفشل. قامت من مكانها وتحدثت بقلة حيلة:
- ماشي يا جمال، على راحتك. مش هضغط عليك. يلا جوم اتحمم وأنا هطلعلك هدوم.
زفر بضيق وتحدث:
- تسلميلي يا جلبي. يلا هجوم أنا.
وتركها ودخل إلى الحمام. وبقيت هي تفكر في حالهما هذا. فجمال لم يعد مثل السابق، وهي كأي زوجة تعلم زوجها جيداً حين يتغير عليها. وقاطع أفكارها صوت هاتفه. فاقتربت منه وحملته، ولكنها وجدت رقماً ليس مسجلاً باسم. فنادت على جمال بصوت عالٍ:
- يا جمال، تلفونك بيرن، بس رقم.
ولم تكمل حديثها إذ وجدته يخرج بروب الحمام وأمسك الفون منها بلهفة وهو يتحدث بتلعثم وحدة:
- أياكي تردي على تلفوني يا صفية. إنتي واعية لحديتي؟ وبعدين ده تلاقي حد تبع الشغل بيرن عليا.
وبعد وصلة حديثه الكثيرة غير المفهومة، نظرت له صفية بغموض وتحدثت:
- أنا مكنتش هرد يا جمال. ومن إمتى وأنا برد على تلفونك؟ أنا بس كنت بجولك.
وتركته وخرجت من الغرفة بأكملها. وهو نظر في أثرها وظل يلعن نفسه على غبائه وتصرفه المتهور. أما هي فأصبحت متأكدة أن جمال يخبئ عنها أمراً ولا يريد أن تعرفه.
***
- اسمعني يا كامل، زين أنا عايزة أحدثك في موضوع مهم جوي يخص نورهان.
- أنا افتكرت فيكي حاجة يا خيتي، الله يسامحك.
وأكمل كامل بحزن:
- لو بخصوص رفضهم، فمتجلجيش يا خيتي، أنا خلاص مش هكرر الحديث في الموضوع ده تاني.
- لأ يا كامل، مش أكده.
وتنهدت فاطمة وأكملت وهي تعدل الفون على أذنها:
- الموضوع مش إن نورهان رفضتك زي ما فهمت من إنس. هو جالي إنه مجدرش يجولك إن السبب أمه.
- أمه؟ كيف يعني؟ مش فاهم.
كامل باستغراب.
- بص يا كامل، أم إنس مكنتش رايداني لابنها. فهمت؟
وأكملت بحزن:
- ولحد دلوقتي برضك مش رايداني ومش متجبلاني خالص. حاولت أجربلها بس هي رافضة نهائي. معرفش ليه.
- فاطمة، إنتي زينة؟ يعني أهم حاجة إنس بيعاملك زين ولا لأ؟
كامل بخوف على أخته.
ردت فاطمة بلهفة:
- لأ والله، ده شايلني في عينيه وبيراضيني وبيطيب بخاطري يا أخوي. بس أنا حاسة بيه وبوجعه. صعبان عليا جوي يا كامل. حاسة إنه مقسوم نصين. نفسه يراضي أمه ويراضيني، بس مش عارف. عشان أكده أنا صابرة ونفسي أريحه زي ما بيحاول دايماً يريحني.
وكان إنس قد عاد من شغله ولم تشعر به وسمع ما كانت تتحدث به فاطمة مع أخيها. وشعر أن حبها في قلبه زاد أضعاف. وحمد الله عليها وعلى وجودها في حياته. وتركها تتحدث مع أخيها على راحتها وخرج من الغرفة بهدوء.
- خلاص يا خيتي، أنا أكده اطمنت عليكي. ومعلش، دي مهما كان أمه، حتى لو هي عفشة، مش بيده حاجة يعملهالك. والمهم إنه بيجيب لك حقك ومش بيسيبها تيجي عليكي.
كامل وقد اطمئن على أخته. بس سأل فاطمة بخوف من إجابتها، ولكن لابد أن يعلم. فهذا سيترتب عليه أشياء كثيرة:
- جوليلي يا فاطمة، يعني إنتي جلتِ إن أمها اللي رفضتني؟ طب ونورهان رأيها إيه؟
ابتسمت فاطمة بخبث وتحدثت:
- اممم، يعني يهمك تعرف؟ هتفرج معاك يعني؟
- فااااطمة، جولي علطول.
كامل بإحراج.
- خلاص خلاص، هجولك بدل ما تتحول عليا. أيوه يا سيدي، موافقة.
ردت فاطمة بضحك. وأكملت بحزن:
- يا مري يا كامل، لو تعرف كانت عاملة إزاي لما أمها زعجتلها وجالت إنها مش موافقة. كانت بتعيط بحزن، وخاصة لما سألتني إنس جايلك إيه وجولتلها إنك فهمت إن هيا اللي رفضتك. يا مري، صعبت عليا جوي وهيا بتبكي أكده.
شعر كامل أن قلبه تألم فقط لتخيله لها وهي تبكي لأجله. وأقسم بداخله أنها ستكون له سواء شاءت أمه أم أبت. وانتبه لكلام فاطمة.
- أنا أصريت إني أكلمك وأعرفك الحقيقة عشان صعبت عليا نورهان وحسيت إني لازم أعمل حاجة ومجفش أتفرج أكده.
- زين يا خيتي إنك خبرتيني. زين، أنا بجي هتصرف. كان يهمني أعرف رأي نورهان إيه عشان هو ده اللي هيخليني أتحرك. يلا روحي إنتي لجوزك وأنا هشوف هعمل إيه وهبجي أحدثك.
- ماشي يا خوي، يلا مع السلامة.
***
دخلت عزيزة وغرام مكان غريب ومغلق. ووجدوا كثير من السيدات يجلسن في انتظار أدوارهن. ولكن عزيزة تحركت لتلك السيدة التي تجلس على مكتب خارج الغرفة وتحدثت معها:
- إزيك يا نفيسة؟ ها ندخل دلوجتي للشيخ مصيلحي؟
ردت نفيسة بترحيب:
- طبعاً يا مرت كبير البلد، ده إنتي بالذات تدخلي علطول.
- يا ولية اجفلي خشمك ده، هتفضحينا في البلد كلها. أنا مش عايزة حد يوعي علينا أهنه، إنتي واعية ولا لأ؟
عزيزة وهي تضغط على فم نفيسة بيدها.
- حاضر، حاضر، حجك عليا يا ست عزيزة. يلا اتفضلوا ادخلوا، الشيخ مستنيكم.
نفيسة بخوف.
دخلت عزيزة وغرام تمسك يدها برعب وقلبها يدق خوفاً من هذا المكان وهؤلاء الناس. فالغرفة مظلمة ولا يوجد سوى نور ضعيف يأتي من مكان يجلس به ذلك الرجل. والتي فور أن رأته غرام فزعت وتمسكت بعزيزة أكثر. ولكن تفاجأت بعزيزة وهي...
رواية غرام صعيدي الجزء الثاني الفصل التاسع 9 - بقلم اسراء ابراهيم
تفاجأت غرام بعزيزة وهي تتمسك بها أكثر، وكأنها أكثر رعبًا منها. فقالت في نفسها:
"دي خايفة أكتر مني، يا لهوي ربنا يستر. أنا غلطانة إني سمعت كلامها. فينك يا صقر؟"
تحدث مصيلحي بصوت عالٍ:
"تعالوا اتفضلوا."
ذهبا الاثنان وجلسا أمامه. تحدثت عزيزة بخوف:
"إحنا جايين لك عشان مرت ولدي يا شيخ."
قاطعها مصيلحي وهو يتحدث:
"عارف عشان مبتخلفش وعايزاها تحمل."
استغربت عزيزة وغرام ونظرتا لبعضهما. فردت عليه عزيزة:
"وإنت خابر إحنا جايين ليه إزاي؟ ومين اللي جالك؟"
مصلحي رد بغضب:
"أنا ميتقالّيش إزاي. أنا عارف كل حاجة. ودلوقتي أنا عايز أشوف وشها عشان أعرف مين اللي عمل لها العمل وأفكهولها."
نظرت غرام بتردد لعزيزة، التي حركت رأسها بإيجابية. فرفعت غرام الطرحة من أمام وجهها. لينظر لها مصيلحي وينبهر بجمالها. وينظر لها بإعجاب ونظرات ضايقت غرام كثيرًا، وجعلتها تخبئ وجهها مجددًا لتهرب من نظراته تلك.
تنحنح مصيلحي وجمع شتات نفسه وتحدث بجدية وهو يعطي لعزيزة قطعة قماش على شكل مثلث وأخبرها:
"الحجاب ده تحطيه تحت مخدة جوزك اللي بينام عليها، لازم، أوعي تنسي. ودي ورقة فيها طلبات الأسياد. تجيبيها وتطلعي تدفعي ألف جنيه بره لنفيسة."
ووجه نظره لغرام بإعجاب وقال:
"والمرة الجاية مرات ابنك هتخش لي لوحدها عشان الأسياد عايزين كده، فاهمة؟"
عزيزة ردت بطاعة:
"طبعًا طبعًا يا شيخ، فاهمة. وهنعمل كل اللي تجول عليه."
أما غرام فدب الرعب في أوصالها. ولم تشعر بالراحة لكلامه ولا لنظراته، وخاصة حين أرادها أن تدخل له بمفردها.
***
في بيت فاتن، رن جرس الباب. فذهبت نورهان لتفتح الباب معتقدة أنه أخاها. ولكنها تفاجأت بسيدة، أم فاطمة، أمامها. فرحت نورهان جدًا وتحدثت بترحاب:
"طنط سيدة، أهلاً. نورتينا والله. اتفضلي ادخلي."
ردت سيدة بود:
"ده نورك يا بتي. كيفك وكيف الست أمك زينة؟"
"الحمد لله بخير. اتفضلي تعالي."
"لأ عشان أنا ابني كامل معايا، بس واقِف تحت. أخوكي أنس اهنه ولا لأ؟"
خجلت نورهان وشعرت أن قلبها ينبض لمجرد أنه بنفس المكان. فتحدثت:
"أنس فوق. هكلمه ينزل حالا."
سيدة باعتراض:
"مفيش داعي يا بتي. إحنا هنطلعو لفاطمة على طول."
وقاطعهم خروج فاتن. وحين رأت سيدة رحبت بها بفتور:
"أهلاً يا أم فاطمة. اتفضلي."
"أهلاً بيكي يا أم أنس. لأ معلش أنا هطلع لبتي أطمن عليها. أنا بس جولت أعدي عليكي الأول، مش هيا دي الأصول برضك."
نظرت لها فاتن بغيظ داخلي، فهي تعلم أنها تقصد آخر مرة حين صعدت لهم وأحرجتهم في شقة ابنها.
في نفس الوقت، كانت نورهان قد ذهبت وارتدت الحجاب وخرجت بسرعة.
تحدثت سيدة موجهة حديثها لنورهان:
"بجولك يا بتي ياريت توسعي سكة عشان كامل جايب خير كتير، وهو زمانه طالع بيهم."
نظرت نورهان لأمها وجدتها لم تتحدث أو تعلق. فشعرت بالإحراج وتحدثت هي:
"والله ملوش لزوم يا طنط. ليه تعبتو نفسيكو؟"
نظرت سيدة لفاتن التي لم تنطق بحرف. مما جعل ابنتها ترد مكانها لترفع عنها الحرج. وتحدثت:
"إزاي يا بتي؟ إحنا نفهم في الأصول زين. وده واجب بتي عشان محدش يتكلم عنها نص كلمة. ومهما كان ده خير أبوها."
وقطع كلامهم دخول كامل وهو يتنحنح ووضع الكثير من الفاكهة وغيرها. ثم رمى السلام عليهم. لترد فاتن باقتضاب. أما نورهان فنظرت له بحزن، فهي تعلم أنه يعتقد أنها من رفضته. خرج كامل مسرعًا ولم ينظر حتى تجاه نورهان. وصعدوا هو وأمه لفاطمة.
***
وصل صقر وأدهم وزينب الصعيد. ودخلوا البيت وجدوا عثمان فقط يجلس ويشرب الشاي. وعندما رأهم ابتسم ورحب بهم بحرارة:
"أهلاً يا ولدي منك ليه. حمد الله على السلامة."
قبل كلا من صقر وأدهم يد أبيهم. أما زينب فظلت تنظر لعثمان بغموض. فتحدث صقر:
"كيفك يا بوي؟ وكيف صحتك؟"
"زينة يا ولدي والحمد لله."
ولفت انتباهه زينب فسألهم باستغراب:
"مين دي يا ولدي؟"
تنحنح أدهم بتوتر. أما صقر فنظر لأبيه وتحدث بجدية:
"هجولك يا بوي، بس نبجي لحالنا. هم بينا نخش أوضة المكتب."
وبالفعل ذهبوا ثلاثتهم للمكتب. وظلت زينب جالسة في الصالة وهي تنتظر. وظلت هكذا فترة حتى رأت صفية وهي تنزل الدرج وتقترب منها. وفي نفس الوقت وجدت عزيزة وغرام يدخلان من باب البيت.
عزيزة وهي تقترب من زينب:
"إنتي مين يا بتي؟"
ثم وجهت حديثها لصفية:
"تبجي مين دي يا صفية؟"
صفية باستغراب:
"مخبرش يا مرت عمي. أنا لسة نازلة من فوق. ولجيتها جاعدة أكده. ولسة هسألها لجيتك جيتي."
عزيزة بحدة:
"ما تنطجي يا بت انتي مين وايه اللي جابك أهنه؟"
نظرت لهم زينب بتوتر. فهي لا تعلم بما تخبرهم. ولكن أنقذها صوت عثمان وهو يخرج من مكتبه:
"دي تبجي زينب مرت أدهم يا عزيزة."
اتصدموا جميعًا. بما فيهم زينب التي لم تتوقع أنه سيتقبل الأمر هكذا. أما عزيزة وصفية وغرام فكانت صدمتهم واحدة. فتحدثت عزيزة بغضب:
"يعني إيه مرت أدهم يا عثمان؟ خبرني."
نظر لها عثمان نظرة جعلتها تصمت ولم تتحدث. فوجه حديثه لزينب بود:
"قومي يا بتي عشان ترتاحي."
ثم نادى على بدور التي جاءت مسرعة من المطبخ وأمرها أن تأخذ زينب لغرفة خاصة بها. فقامت زينب ومشيت معها وهي لم تستوعب ما حدث للتو. فور أن صعدوا حتى تحدث عثمان موجها حديثه للكل:
"اسمعوني كلكم. زين البنتة غلبانة. أدهم لجاها غرقانة في دمها عالطريق. ووداها المستشفي. وطلعت فاقدة الذاكرة. يعني مش فاكرة حاجة واصل. ولا تعرف هي مين أصلًا. وملهاش حد ياخد باله منها. والدكتور قال لها إن أدهم يبقى جوزها. ومن ساعتها وهي مفكرة إنه جوزها بجد. ولو حد حاول يفكرها ممكن حالتها تتعقد. ومتفتكرش حاجة واصل. وهيبقى ذنبها في رقبتنا. واعيين لحديتي زين."
نظرت له عزيزة بحزن. وقد صعبت عليها زينب ورق قلبها لها. فتحدثت:
"يا عيني يا بتي. يعني معدتش فاكرة حاجة واصل؟ ولا حتى اسمها؟"
أكمل عثمان حديثه:
"مش عاوز حد يتحدت معاها في أي حاجة. ولا يفكرها بيها. هي بس هتعيش وسطنا لحد ما تخف وتبجي زينة. وساعتها هنعرف أهلها فين ونوديها لهم. ولحد ده ما يحصل تتعامل البنتة زين. وتحطوها في عنيكم. واعية يا عزيزة؟"
عزيزة بحنان:
"متجلجش يا حج. دي هتبقى زي بتي والله. دي صعبت عليا جوي."
كانت زينب تسمع كل شيء وهي تقف في أعلى السلالم. ولم تصدق ما سمعته. هل فعلًا صعبت عليهم؟ هل وافقوا بهذه السهولة على استقبال واحدة غريبة في بيتهم؟ فهي لم تتوقع أنه سيستقبلوها في بيتهم بهذه السهولة. فقط لمجرد أنها فاقدة الذاكرة وليس لها أحد. ولكن كيف؟ وهي رسمت خطة طويلة وعريضة فقط للولوج لبيت عثمان. التي تعرف عنه أنه ثعبان ولن يأمن لأي أحد بسهولة. وليس له ضمير أو شفقة على أحد. فكيف يقول مثل هذا الكلام لهم ويحثهم على معاملتها الحسنة؟ رجعت لغرفتها ثانيًا وهي تحاول إيجاد تفسير لما حدث.
أما في المكتب، تحدث أدهم لصقر:
"متشكر جوي يا خوي إنك مجولتش لابوي إنها كانت جاعدة في شقتي وكانت في المستشفى."
رد صقر بضيق:
"وإنت واعي لو أبوك عرف هيعمل إيه؟ ده كان يتبرى منك."
"ربنا يخليك ليا يا أخوي. بس ليه جولت لابوك الحقيقة. ومجولتش زي ما جولتلي في مصر؟"
"عشان لو جولت إنك عاشقها. أمك مش هتسكت. وهتبقى عايزة تعرف أصلها وفصلها. وهتسألها. لكن لما جولت الحقيقة إنها مش فاكرة حاجة. محدش هيتحدت معاها. وخصوصًا إن أبوي اللي أمر بكده."
أدهم وهو معجب بتفكير أخيه:
"إنت فعلاً صقر الغرباوي. يسلملي نفوخك ده يا أخوي."
ابتسم صقر على تفكير أخيه وحديثه المرح. واحتضنا بعضهما بحب. وطبطب صقر على ظهر أخيه. فهو يعتبره ابنه وليس أخوه الصغير.
***
"والله لو خطيتي عتبة شقة أخوكي يا نورهان لهزعلك. إنتي فاهمة؟"
نورهان بحزن:
"ما خلاص يا ماما بقي. قولتلك الموضوع خلص خلاص. وهو عرف إني رافضاه. بطلي بقي كل شوية تسمي بدني بالكلام. وحتى الفون خدتيه مني. عايزة إيه تاني؟"
"أنا بفهمك عشان مترجعيش تقولي إني مقلتلكيش."
تركتها نورهان ودخلت غرفتها. وظلت تبكي وهي تتذكر عندما دخل كامل. فهو لم ينظر حتى لها. نعم، فله الحق أن يبتعد. فمن وجهة نظره أنها رفضته للمرة الثانية.
أما فوق عند فاطمة، دخل كامل المطبخ وتحدث مع فاطمة التي تصب العصير في الأكواب:
"بجولك إيه؟ مليش صالح. اتصرفي. أنا لازم أتحدت معاها."
فاطمة ردت بقلة حيلة:
"يعني هعمل إيه؟ حاولت أخلي أنس يتحدتها عشان تطلع تجعد معانا. أمه اللي ردت عليه وجالت له دي نايمة تقريبًا كده. مصادرة التليفون."
"مليش صالح اتصرفي. أنا جيت لحد أهنه عشان أشوفها وأتحدت معاها. واقنعت أمك إننا نيجي نشوفك وجبتهالك لحد عندك. اتصرفي بجي."
"تصدج إنت أخ عفش. وبتجولها في وشي إنك جاي عشانها مش عشان خيتك. ماشي يا كامل. عمومًا في محاولة هعملها وربنا يستر."
اتنهد كامل بضيق. فهو توقع أنه سيراها ويتحدث معها. ولكن هي بجانبه ولا يستطيع أن يراها أو يتحدث معها. فهذا ظلم. زفر بضيق وخرج ليجلس مع زوج أخته.
***
غمزت عزيزة لغرام التي تجلس بجانب صقر وهو محاوطها بيديه. فتوترت غرام وهزت رأسها بإيجاب لعزيزة بمعني أنها ستنفذ ما قاله ذلك الرجل وتضع الحجاب تحت وسادة زوجها. شعرت غرام بصقر وهو يضغط على يدها وهمس في أذنها:
"وحشتيني جووي يا غرامي."
شعرت بقشعريرة تجري في جسدها. نعم، فهو الوحيد القادر على اللعب بأوتار قلبها. وبكلمة منه فقط تعصف بكيانها وتزيد من ضربات قلبها. فنظرت له بعشق ممزوج بخجل وتحدثت بهس:
"مش أكتر مني يا صقري."
تحدث صقر بصوت مسموع:
"طيب تصبحوا على خير. يلا يا غرام."
وأخذ غرام من يدها وصعدوا لغرفتهم.
***
صعدت صفية في طريقها لغرفتها لترى جمال. فهو لم ينزل منذ أن جاء من عمله كالعادة. وحين دخلت غرفتها لم تجده. وتوقعت أنه في الحمام. ولكن سمعته يتحدث لأحد. فاقتربت من الحمام وسمعت حديثه الذي جعلها تتوقف مكانها من الصدمة.
رواية غرام صعيدي الجزء الثاني الفصل العاشر 10 - بقلم اسراء ابراهيم
وضعت صفية يدها على فمها من الصدمة وكأن الزمن توقف.
ودت لو أنها لم تصعد ولم تسمع.
شعرت أن الدم هرب من جسدها وأصبح وجهها شاحبًا كالموتى، جسدًا بلا روح.
هبطت دموعها بصمت وهي تسمع زوجها وهو يتحدث بعصبية شديدة:
"بقولك إيه، أنتِ لازم تتصرفي وتنزلي الحمل ده. أنا مليش صالح بيه. ولو عملتي اللي بتجولى عليه وجيتي أنا هنكر إن العيل ده ولدي وإني أعرفك من أساسه. واعية ولا لأ؟ اسمعي أنا مبهددش. اعملي اللي يريحك."
صمت قليلاً وهو يسمعها ثم رد عليها بهدوء:
"أنتِ مفكرة إنك لما تبكي أنا هقولك حاضر؟ هتجوزك؟ لأ. مش جمال الغرباوي اللي يتلوي دراعه. وإياكي تتصلي تاني عليا."
ثم أغلق الخط في وجهها.
زفر بضيق وهو يضغط على رأسه بيديه.
شعرت أنها لن تقدر على مواجهته. نعم لن تفعل، لن تستطيع.
بمجرد أن تراه سوف تنهار.
وجدت نفسها تنسحب من الغرفة بهدوء خارجي، ولكن بداخلها بركان ثائر.
فهي كالقنبلة الموقوتة في انتظار ضغطة أخرى وستنفجر، ولن تخمد إلا إذا أبادت من حولها جميعًا.
طرقت عزيزة على باب غرفة زينب ففتحت لها زينب الباب واتصدمت حين رأتها ونظرت لها بتوتر.
فبدأت عزيزة الحديث:
"ممكن أقعد معاكي نتحدت؟"
حركت زينب رأسها بإيجاب ونالت:
"طبعًا اتفضلي."
فدخلت عزيزة وجلسوا بمقابل بعضهم. فبدأت عزيزة الحديث:
"الأول أنا عايزة أقولك إنك اهنه في دارك يابتي، يعني انتي مش ضيفة. أوعاكي تحسي نفسك كده. ويعلم ربنا أنا حبيتك كيف ولادي وحسيت فيكي بتي مش مرت ولدي."
لا تعلم لما التمست في كلامها وانفتح قلبها لها هكذا.
فهل صعدت لها وهي كبيرة هذا المنزل فقط لترحب بها وتخبرها أنها ليست بضيفة وأنما صاحبة مكان؟
نظرت لعزيزة باستغراب. قرأته عزيزة في عينيها فابتسمت بطيبة وتحدثت:
"عارفة إنك مستغربة إني جيتلك لحد أوضتك عشان أقولك الكلام ده. بس لو تعرفي انتي صعبتي عليا كيف أما عرفت حكايتك هتعذريني."
فهمت زينب ما تقصده عزيزة وأنها تتحدث بخصوص فقدانها الذاكرة، ولكنها لم تعلق خوفًا ألا ينكشف سرها.
فردت على عزيزة بابتسامة:
"شرف ليا إن حضرتك تطلعيلي لحد هنا يا ماما، لو تسمحيلي طبعًا إني أقولك يا ماما."
"طبعًا يابتي، عشان أنا أبقى أمك فعلاً. ياريت كمان تجربين من غرام وصفية دول مرتات أخوات أدهم، بس هتحبيهم أنا متأكدة. هما زيك كده يدخلوا الجلب من أول مرة."
وقامت عزيزة وتوجهت ناحية الباب وهيا تتحدث:
"هسيبك بقى تريحي. أنا جلت بس لازم أتحدت معاكي عشان متحسيش إنك غريبة اهنه."
حركت زينب رأسها بود واستغراب وتحدثت بمجاملة:
"أشكرك يا ماما على طلوعك هنا مخصوص ليا. وباذن الله هنزلك الصبح عشان أقعد معاكي ونتكلم كتير."
وأغلقت الباب ووقفت وراءه وهيا لا تعلم لم كل شيء يسير عكس ما توقعت.
هل هؤلاء الناس فعلًا هكذا أم هذه أقنعة يرتدونها ليخفوا وجههم الحقيقي؟
جلست على الأرض بحيرة وهي تتذكر.
فلاش باك
"بقولك يا ماما طلعنا ظالمينه. أيوه، بابا ماسبناش بمزاجه، كان غصب عنه. شفتي أنا كان قلبي حاسس."
نظرت زينب لأمها باستغراب فهي تجلس قبالها وعلى وجهها ابتسامة سخرية.
فتحدثت زينب بضيق:
"هو أنتِ مش بتردي عليا ليه؟ أنتِ مش مصدقاني؟"
ردت أمها وهي تضحك باستهزاء:
"ضحك عليكي يا بنت بطني. هه. عشان كده مكنتش عايزة أني أشوفه ولا تعرفي إنه عايش أصلًا. وكنت عارفة إنه هيضحك عليكي وياكل عقلك. يا خيبة أملي فيكي يا زينب. يا خيبة أملي."
قالت هذا وهيا تخبط بيدها على ركبتيها.
زينب بفتور:
"يا ماما أنتِ عشان زعلانة منه بس مش عايزة تتقبلي الحقيقة. بس هو حكالي كل حاجة وقالي إن عيلة الغرباوي هما السبب. هما اللي خلوه يسيبنا ويتجوز الست دي عشان ياخدوا ورث بنتهم. هما اللي حرمونا منه يا ماما. صدقيني. بس أنا مش هسكت وهجيب حقه وحق السنين اللي حرمونا منه فيها."
ردت أمها بصراخ:
"بس اخرسي. مش عايزة أسمع صوتك. بقيتي بتتكلمي زيه من يوم واحد قعدتيه معاه. بقيتي شبهه. هو ده اللي ربيتك عليه؟ هه. أبوكي ده زي الحرباية بيتلون بـ ميت لون. أنا كنت عارفة حقيقته بس كنت ساكتة. غلب وأقول ضل راجل ولا ضل حيطة. بس كنت غبية. المفروض كنت فكرت ألف مرة وماكنتش اتجوزت واحد زي ده. واهي النتيجة إيه؟ سابني لوحدي ورماني وأنا حامل. وبرضه اتمرمطت عشان أعرف أربيكي وأكبرك. وفي الآخر تروحي له وعايزة تمشي في طريقه."
مسحت أمها دموعها وتكلمت بأمر:
"اسمعي. لو مشيتي في الطريق ده وطاوعتي جابر في اللي عايز يعمله. لا انتي بنتي ولا أعرفك. فاهمة؟"
عودة من الفلاش باك
مسحت زينب دموعها بأيديها وهي في حرب بين قلبها وعقلها.
فكل منهم يريدها أن تفعل شيئًا عكس الآخر.
ولا تعلم تصدق من وتكذب من.
في صباح ثاني يوم، خبط أنس على باب والدته ففتحت له نورهان الباب.
فتحدث لها بمرح:
"إيه لسه معتقلة ومتاخدة أسيرة حرب؟"
نورهان بتكشيرة:
"اسكت بقى أحسن أمك مطلعاه عليا. وشوية كمان وهتاخدني برة البيت لحد ما حماتك تمشي."
ضحك أنس على شكلها هكذا وتحدث:
"طب واللي يفك أسرك تعمليله إيه؟"
"أي حاجة تطلبها. بس والنبي خدني من هنا. أنا خلاص على آخري. وهيا مش مقتنعة إن خلاص كل حاجة خلصت."
"خلاص. خشي قولي لها أنس بره وعايزك ضروري."
"حاضر. ربنا يستر."
وبالفعل دخلت نورهان وبعد قليل خرجوا الاثنان هيا ووالدتها.
فتحدثت فاتن بجمود:
"لسه فاكر إن ليك أم."
اقترب منها أنس بمرح وهو يقبل يدها:
"وأنا أقدر على زعلك برضه يا فيفي. ده انتي حبيبتي."
ابتسمت فاتن رغما عنها. فرغم كل شيء إلا أن أنس الوحيد القادر على جعلها تضحك رغما عنها.
ابتسمت بحنان وتحدثت:
"يلا يا بكاش. كلت عقلي أنت كده. ماشي."
"بقولك يا ست الكل، طبعًا أنتِ عارفة إن عندي ضيوف ومش هينفع أسيبهم وأمشي، وبرضه مش هينفع أسيب الصيدلية كده. فهاخد نورهان منك النهارده تقف مكاني هناك. إيه رأيك عشان الصيدلية متتقفلش؟"
فكرت أمه قليلاً مما جعل أنس ونورهان ينظرون لبعض بتوتر.
وفاتن شعرت أنها فكرة جيدة سوف تبعدها عن كامل نهائي.
فردت مؤيدة رأي أنس:
"تصدقي فعلًا دي أحسن حاجة يا حبيبي."
ووجهت حديثها لنورهان:
"روحي بسرعة للصيدلية بتاعة أخوكي واقفي مكانه."
نظرت نورهان لأنس بفرحة وتحدثت وهي تقفز من مكانها:
"يا سلام، فوريرة."
وتركتهم ودخلت لتجهز.
وبالفعل جهزت وخرجت مع أخيها.
وفور أن أغلقوا باب الشقة حتى تنهد أنس بارتياح وتحدث لنورهان:
"الحمد لله. يلا قبل ما تغير رأيها."
وكانت نورهان ستهبط الدرج نزولًا حتى قاطعها أنس:
"أنتِ رايحة فين؟"
ردت نورهان بعفوية:
"إيه؟ هروح الصيدلية زي ما اتفقنا."
"لأ لأ. ده بس كانت حجة عشان ماما تسيبك تخرجي. يلا تعالي هنطلع فوق لفاطمة. دي كانت فكرتها أصلًا وهيا عايزة تقعد معاكي تغيري جو بدل حبستك دي."
فرحت نورهان بداخلها لأنها سترى كامل. فلم تتخيل أنها ستراه مجددًا. حتى لو من بعيد.
فحركت رأسها بإيجاب و صعدت مع أخاها لشقته.
صباح الفل والسعادة عليكي يا جمر.
قالها صقر وهو يجلس على السرير بجانب غرام.
ردت غرام بنعاس:
"صباح الخير يا حبيبي. أنت صحيت بدري ليه؟"
"بجي حد يبجي نايم جمبه الجمر ده ويفضل نايم؟ لأ. أنا جولت الحج أجعد معاكي اليوم من أوله. إيه رأيك؟"
شعرت بالسعادة عند سماعها حديثه، ولكن بداخلها متوجسة منه.
تتخيل ردة فعله حين يعلم بأمر ذلك المدعو مصيلحي.
فهي ترى أن الأحسن أن تخبره هيا خير من أن يعرف هو وحينها لن يغفر لها.
انتبهت عليه وهو يشاور أمام وجهها ويقول:
"غرامي، روحت فين كده؟ لحالي؟ طيب شاركيني معاكي."
نظرت له بتوتر وحاولت تغيير مجرى الحديث فتحدثت له بحب:
"بص، أنا هقوم آخد شاور وبعدين هنزل أجيب الفطار ونفطر سوا هنا. إيه رأيك؟ بقالنا كتير مفطرناش سوا لوحدينا."
"طبع قبلة على خديها وهو يتحدث بهيام: "أي حاجة معاكي بيبقى ليها طعم تاني، حتى لو هنفطروا في السطوح."
ابتسمت برقة وتركته وذهبت لتأخذ شاور.
وبعد مدة قصيرة خرجت من الحمام وهي تجفف شعرها الطويل بالمنشفة.
وجدت صقر يجلس على السرير وهو يخفض رأسه لأسفل.
تحدثت بقلق وهيا تقترب منه:
"صقر، أنت كويس؟"
ولكن اتفاجأت به يرفع وجهه لها ويقوم من مكانه وهو يرفع الحجاب أمام عينيها يسألها بهدوء ما قبل العاصفة:
"إيه ده يا غرام؟"
أفاق جمال من النوم ولكنه وجد مكان صفية خالي.
ومن الواضح أنها لم تنم بجواره أمس.
استغرب هذا وقام جهز نفسه للخروج وأخذ مفاتيحه وموبايله وخرج من غرفته.
لكنه تفاجأ بها تخرج من غرفة أطفاله.
شعر أن هناك خطب ما واقترب منها بلهفة.
أما صفية فلم تستطع أن تتواجد بنفس المكان الذي يتواجد به.
فهي لم تنم من الأساس.
ظلت طوال الليل تفكر بسبب واحد يجعله يفعل بها ذلك.
فأصعب شيء تتحمله أي امرأة هو أن يخونها زوجها، أن يفضل عليها امرأة أخرى.
نظرت له مطولاً وكأنها تعاتبه بعينيها.
تسأله ماذا فعلت له ليطعنها هكذا؟
هل ذنبها أنها تغيرت للأحسن؟ هل هذا جزاؤها؟
بالطبع لا.
هل قرر يعاقبها بهذه الطريقة؟ ولكن ما أبشعها طريقة.
انتبهت على صوته يحدثها ولكنها كانت بعالم آخر.
وأخيرًا نطقت ولكن بكلمة واحدة فقط.