تحميل رواية «غرام في قلب الصعيد» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يا جد عبد الكريم؟ يا جد عبد الكريم؟ أدار عبد الكريم رأسه تجاه الصوت وضيق حاجبه، كان عوض العلاف يركض نحوه قابضًا على طرف جلبابه بين أسنانه. همس عبد الكريم في سره: "عوض العلاف بوشه الفقرى مش بيجي من وراه خير". صرخ عبد الكريم: "خبريه يا ولد، أنت عامل تصرخ زي نمس الزرع؟" وقف عوض العلاف قرب الجد وهمس: "أنا لسه جاي من المحطة يا جد". رفع عبد الكريم حاجبه بغضب، تذكر الزرعة القبلية وخلافه مع عائلة أولاد صقر. "ما الصقورة عملوا حاجة تاني يا ولد يا عوض؟" "لا يا حج"، همس عوض بقلق وارتباك. صرخ عبد الكريم بغضب...
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم اسماعيل موسى
كانت القرية كلها ليس لها كلام إلا عن المعركة القادمة بين صقر وفرغلي، ومن قد ينتصر، وما الذي سوف يجري بعد ذلك.
سمع أن جماعة من أولاد صقر كانوا يتهامسون أن فرغلي أقسم بالله ليؤدب صقر ويطرده من القرية ويجعل عودته إليها مستحيلة، وأن العار سيركب عائلة عبد الكريم مدى الحياة.
من ناحية أخرى، كان صقر يسير في أرجاء القرية رافعًا رأسه بشموخ، غير مهتم بالمعركة، ويجلس بفخامة أمام البيت البحري مرحبًا بالضيوف التي تزوره.
عبد التواب داخل مضيفته يشعر بالتهميش، فحتى لو كان هو كبير العائلة رسميًا، فالناس ينظرون إلى صقر على أنه الكبير لأنه يملك القوة.
وكان هذا الأمر يؤرقه لدرجة بعيدة وينغص عليه منامه.
"ليه رجعت يا صقر؟ بسببك صابني العار مش بس مرة، ده مرتين. أحلامه لن تتحقق قبل أن يتخلص من صقر، ولن يصبح كبير العائلة بحق وحقيقي إلا بعد أن يهزم فرغلي أمام الناس كما اتفق معه."
عندما عاد عوض العلاف، لم يفتح فمه، لم يخبر أي إنسان بما سمعه ورآه.
حتى سادين نفسها، التي طلبت منه مراقبة صقر، لم تخبرها بشيء.
"فكل من احتقره يستحق أن يتأدب."
وعندما لاح عرس قريب، كانت الناس فرحانة، ليس بسبب العروسة أو العريس، فهو عيل ابن كلب يحمل الحقد داخل قلبه لكل الناس، وكان لا يتوقف عن معاكسة الحريم.
بل من أجل المعركة القريبة، صقر وفرغلي، العصا والعكاز.
الكبرياء والعائلة والنخوة.
وكان صقر يتدرب على العصا كل يوم، وفرغلي يخوض نزالات في كل مكان ويخرج منتصراً.
وحضر يوم العرس، وجلست الناس في الفرح، كل عائلة مع بعضها.
وكانت عائلة عبد الكريم تجلس في مواجهة عائلة أولاد صقر، يفصل بينهم طريق.
جلس عبد التواب وسعيد ودياب وعقل.
وجلس صقر معهم.
عندما عرف عبد التواب أن صقر سيكون حاضرًا في الفرح، لم يغضب، فقد جاء الأمر على هواه.
وبعد أن رقص الرجال على الطبل البلدي، وقف فرغلي بشموخ ونادى في الناس: "من يرغب في نزالي يخرج إلى الساحة."
نظر عبد التواب تجاه صقر، الذي ظل صامتاً.
وقف فرغلي وسط الساحة بصدره العريض وعضلات ذراعيه الضخمة، يبرم شاربه ويهز عكازه.
والنساء تزغرد وتصفق، والأطفال تركض لأخذ مكان على الدكك يمكنها من رؤية المعركة.
تقدم شاب غريب من بلدة مجاورة وهزمه فرغلي بعد جولتين.
ثم تقدم آخر من عائلة عدنان، هزم من أول جولة.
والنساء تثرثر، والعيون مصوبة على صقر، تنتظر تحركه أو وقوفه من مكانه.
وربط المطاريد في أماكنهم وسط الحقول، ينتظرون اللحظة المناسبة.
وناس تجيء وتذهب.
وفرغلي يصرخ طالبًا الرجال إلى أرض المعركة.
ثم خرج رجل يحب الكلام مثل النساء، وراح يصرخ وهو يضحك: "عايزين ننصب شخص فتوة للقرية، والذين يرغبون بذلك يصعدون إلى المنصة."
وصعد أكثر من شاب، لم يكن من بينهم صقر.
وسرت الهمسات القلقة أن صقر ربما لا يخوض النزال.
"خوفه من فرغلي والهزيمة يحتم عليه البقاء في وضع السكون."
بينما كان فريق آخر يرى أن صقر ينتظر اللحظة المناسبة، وأنه غير مهتم بالعراك ما لم يذكر اسمه.
وفرغلي لم يناد بأسمه حتى الآن.
وهزم كل من كان على المنصة، هزمهم فرغلي بلا جهد يذكر.
"إن ضربة فرغلي بالعصا ضربت معلمين تعرف مطرحها وتوجع."
وارتفع الصياح: "فرغلي الفتوة، فرغلي سيد شباب القرية."
كل ذلك وعبد التواب ينظر تجاه صقر، ثم ناحية فرغلي.
ثم حدث ما كان متوقع: "هو صقر بيه مش ناوي يشرفنا على المنصة ولا إيه؟"
كان صوت فرغلي مسموعاً، حتى أنه أخرس الأصوات الفوضوية التي كانت تملأ المكان.
ابتسم صقر: "صقر عمره ما يتراجع عن حد ذكر اسمه يا فرغلي. ولو كنت عايزني، يا مرحب بالمعركة."
وصل صقر المنصة والتف أهل القرية حولها، لا أحد يمكنه أن يتوقع النتيجة.
هز صقر العكاز في يده، يعرف وزنه، وكان لازال ينظر تجاه الطريق عندما ضربه فرغلي بقوة في جانبه، ضربة تفاداها صقر بالعافية.
وأدرك صقر عن فرغلي ينوي خيانته، تلك الحركة الصغيرة فضحت نواياه.
وسرعان ما سخن العراك وانطلق الضرب من كل ناحية.
ولم يكن ضرباً عادياً، بل ضرب موت.
وكما هي عادة النزالات بين صقر وفرغلي، فقد كانت حركات سريعة لكنها مشحونة بالغضب.
وكل ضربة إذا عبرت ستكسر ضلع، أو تشق رأس.
فرغلي يبحث عن حلمه، وصقر يدافع عن شرفه.
وتساءل فرغلي: "لما ضربات صقر قاسية مثل الصخر؟ ضربات مرعبة إلى حد بعيد."
ثم أخذ صقر المبادرة وراح يضرب فرغلي بكل قوته، وفرغلي يعرض عصاه ويصد الضربات ويتراجع، وصوت العصا يسمع من بعيد.
بعد أن صمت الحضور، تذكر صقر كلمات سادين: "إن فرغلي ذهب إلى القاهرة."
وهمس: "لقد جن! كيف تجرأ وسافر إلى القاهرة؟ لو كان خائفاً مني لفكّر ألف مرة قبل أن يطرق باب الشقة."
ورأى شيخ البلد أنها لم تعد لعبة عصا، بل لعبة موت وبحث عن انتقام، فصرخ في الناس: "خلينا نفضوها الليلة دي."
لكن صقر قال أنه لن يتوقف حتى يهزم فرغلي.
وتقدم أولاد عائلة صقر نحو المنصة للوقوف جوار فرغلي، الذي لم يمانع.
وأصبح صقر في مواجهة سبعة.
فنظر إلى عبد التواب ينتظر الدعم، إنها حرب عائلة ضد عائلة وليست حرب شخص واحد.
وصرخ شيخ البلد: "إلى عايز من عيلة عبد الكريم يساعد صقر يصعد المنصة؟"
"محدش يتحرك من مكانه." أمرهم عبد التواب، وأقسم أن من يصعد المنصة سيحرمه من الورث، وأن الأوراق كلها معه، ومحدش هيطول قراط واحد.
وكان على النزال أن يستمر، فلا يمكن لصقر أن يترك المنصة مهزوماً أمام عيون كل الناس.
فالشرف يحتم عليه أن يقاتل حتى آخر لحظة.
فرفع عكازه وشكر كمه وهمس: "أنا آسف يا سادين، وعدتك بالنصر، ولكني سأمنحك الموت."
وبعد جولة فردية لمداراة العين، اشترك أولاد صقر في النزال.
وبدأ صقر يتلقى ضربات من كل ناحية، وفرغلي يتحين الفرصة المناسبة لشق رأسه والسخرية منه.
شُجّ رأس صقر وهو يحمل العصا، وكسر ضلع في جانبه وهو يحمل العصا، ولم يتركها.
وسط هذا الصخب والضجيج والتربص، لمح شخص قادم من بعيد.
كان يرتدي جلباب صوف ولاسّة زرقاء، وفي يده عكازه، ولم يتبين أحد وجهه حتى وصل الأنوار.
كان عوض العلاف، وكان لأول مرة يرى بتلك الهيئة النظيفة، فقد كان دائماً مغطى بالروث والعجين والطمي.
شق عوض صفوف الناس وقصد المنصة، ثم صوب نظره تجاه عبد التواب وقال: "جبان."
وصعد المنصة إلى جوار صقر.
وسرت الهمسات: "شوف عوض العلاف بيعمل إيه يا ولاد؟ بقا القوالب نامت والنصاص قامت؟ يكونش عوض فاكر نفسه فتوه؟"
وسمعت ضحكات في أكثر من مكان.
وسرعان ما دخل عوض في النزال وراح يصد الضربات عن صقر.
وللعجب، كانت ضرباته دقيقة وقوية، ووقف أمام فرغلي أكثر من مرة دون أن يتمكن فرغلي من لمسه.
وشعر فرغلي بالغضب، فصرخ في أولاد عائلته: "كفاية هزار يا ولاد، خلينا نقضي عليه."
وكان صقر وعوض يدافعون باستماة، يتلقون الضربات منحشرين في زاوية المنصة.
عندما لمح شاب نحيف يركض تجاه المنصة وفي يده عكاز، قفز إلى المنصة وراح يضرب أولاد صقر من الخلف وأصاب اثنين منهم.
كان شاب غريب ولم يتعرف أحد على وجهه أو عائلته.
خرج المصابون من حلبة النزال، ووقف الشاب إلى جوار صقر وعوض.
قال صقر: "شكراً لك." لكن الشاب لم يرد.
وهمس عوض لصقر: "أنت مصاب، سيب لي فرغلي وخلص على بقية العيال."
وبدأ يعترض فرغلي في كل ناحية حتى تلاقى أمام عيون الناس.
بينما أجهز صقر والشاب الغريب على بقية أولاد صقر.
وراح عوض العلاف يهز العصا بفن وحرفية، إنه ينتظر تلك اللحظة من سنين طويلة.
الكل كان ينظر إليه كبعوضة، حشرة، لكنه الآن يقف أمام أقوى شاب في القرية.
وكانت حركات عوض سريعة ورشيقة.
وفرغلي يستصغره ويهجم عليه بقوة، وعوض يراوغ ثم يضرب.
حتى تمكن من مراوغة ناجحة، اندفع فرغلي فتنحى عوض وضربه على مؤخرته بالعكاز.
ضربه أسقطته أرضاً، ولم يصدق الناس ما تراهم عيونهم.
فرغلي على الأرض وعوض فوقه يضربه في كل مكان.
"لن أدرك الشاب الغريب النصر."
قفز من على المنصة وركض مبتعداً عن العرس والناس، ولم يتمكن أحد من معرفة هويته، رغم ركض الأطفال خلفه، لكنه اختفى في الحقول.
ونهض فرغلي مضرجاً بالدماء، في مواجهة عوض.
وسط كل ذلك، رفع فرغلي يده بالإشارة المتفق عليها مع المطاريد.
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم اسماعيل موسى
نظر عوض تجاه الناس. البشر الذين كانوا يحتقرونه منذ نشأته، منذ كان طفل صغير ويتيم. الحمقى الذين لا يستطيعون أن يفرقوا بين مهنته وشخصيته. رأى الذهول في عيونهم، مبهورين وغير مصدقين لما يفعله.
"للقوة بريق جبار أكثر من العفة والصدق والإخلاص."
"قوم يا فرغلي، مش هضربك وأنت واقع على الأرض. نزل إيدك دي، علشان لو رفعتها تاني هكسرها."
لكنه نهض فرغلي يدافع عن كبريائه. "بقى أنت يا علاف هتكسر إيد فرغلي البلاسي؟"
"واكسر نفوخك كمان يا فرغلي. سيبك من الكلام وخلي العصا تحكم."
رفع فرغلي يده مرة أخرى بالإشارة، والمطاريد يتابعون ما يحدث بقلق وفضول.
"همس واحد من المطاريد، معلم يوسف، فرغلي باين عليه هيقع، لازم ندخل!"
"مش هندخل غير لما يرفع إيده تلت مرات حسب الإشارة المتفقين عليها." أمرهم المعلم يوسف بنبرة حادة.
"وقلت لك لو رفعت إيدك هكسرهالك يا فرغلي!" صرخ فرغلي.
"مدد يارب!" وضرب فرغلي بكل عزمه. بالعافية نجح فرغلي في صد الضربة.
"مدد يارب!" ووسع فرغلي ذراعه وطوحه وقسى على العصا حتى آنت. وضرب ذراع فرغلي فكسره، رغم أنه صد العصا.
كانت ضربة ساحقة غير بشرية بالمرة.
"يا ابن الكلب يا لمام!" صرخ فرغلي من الوجع.
"اقفل خشمك وخليك راجل يا فرغلي. أيوه، أنا عوض العلاف. عوض اللي من غير عيلة، لكن أنا راجل من ضهر راجل. وأنتم يا بلد، هتتعلموا تحترموا عوض العلاف، واللي مش هيحترمه ملوش غير العصا."
سقط فرغلي على الأرض وعوض يؤدبه بالعصا مثل طفل مارق مشاغب في المدرسة.
"أنا هأدبك يا فرغلي لحين متقدرش تستقوى على خلق الله بالباطل. وكل ما تتجبر على ضعيف، تتذكر أن العلاف هزمك."
همس عبد التواب في غيظ وحنق. "يلا بينا، ملناش قعاد هنا تاني."
"ليه؟"
"صقر انتصر يا أخوي، وصقر ولد أخونا."
"اسكت انت!" صرخ عبد التواب. "مش عايز أسمع ولا كلمة يا عقلوص."
"صقر مش هيلحق يفرح بانتصاره." ورفع عصاه وقصد الساحة.
"مبروك يا صقر يا جوز بنتي." وهمس.
ومع رفعة العصا، انطلق الرصاص من كل ناحية كأنها حرب.
وركضت النساء والأطفال والرجال وارتفعت غيمة من التراب. وأصبح كل إنسان يفكر في نفسه.
"أهو ده اللي مكنتش عامل حسابه." همس عوض في سره. "لكن هانتظر إيه من واحد جبان وخسيس زي عبد التواب."
"خد بالك يا عوض!" صرخ صقر وهو يلقي بجسده تجاه عوض. ثم سقطا الاثنين غارقين في دمائهما.
انطلق الصراخ بعد أن سقطت أكثر من جثة على الأرض. فقد قتل عقل ودياب وسعيد أولاد عبد الكريم، وأخوات عبد التواب أيضًا.
هرب كل الناس من العرس وهرب المطاريد. ولم تتبقى سوى الجثث مرمية على الأرض لحين وصول الشرطة. وأغلق كل شخص داخل القرية بابه على نفسه. وانتشرت الهمسات.
"صقر مات، عوض مات، وولاد عبد الكريم ماتوا. ومات أيضًا ناس مالهمش علاقة بالعراك ولا صراع العائلات. ناس فقراء حضروا عشان العشاء."
وشق عبد التواب جلبابه أمام بيته وهو يصرخ. "إخوتي ماتوا وابن أخي مات، حتى عوض العلاف مات! الحقينا يا حكومة! الحقنا يا شيخ البلد! المطاريد موتوا كل الناس!"
والناس من حوله تهدئه وتصبره. وعبد التواب ينوح مثل النساء ويصرخ. "اتركوني، محدش يلمسني!" ثم قفز في الترعة وراح يضع الطين فوق رأسه ويلطخ وجهه ويندب.
عندما حضر مأمور القسم مع الشرطة إلى القرية، كان عوض ملطخًا بالطين والدموع تنهمر من عيونه. وكان معه شيخ البلد. ثم قصدوا منطقة العرس لمعاينة الجثث وأخذ أقوال الشهود.
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم اسماعيل موسى
مش قادر يا باشا، مش قادر. إزاي هبص في وشوش إخواتي اللي ماتوا؟ إزاي؟
ولا صقر ولد جبر أخويا وعوض العلاف، كلهم ماتوا يا سعادة المأمور.
لازم القانون ياخد مجراه يا عبد التواب، وأنت كنت حاضر وشهادتك هتساعد في القبض على المجرمين.
تنهد عبد التواب على ابنه الصغير ومشى تجاه البقعة اللي حصل فيها ضرب الرصاص.
كانت الجثث ممددة على الأرض، أكتر من سبع جثث. سعيد وعقل ودياب وآخرين. سبع جثث، لكن جثة عوض وصقر ما كانتش موجودة.
برقت عين عبد التواب: "جثة ابن أخويا العلاف مش موجودة يا باشا!"
قال الشهود إن شخص ملثم حضر بعد ما هرب الناس وحمل صقر وعوض العلاف فوق حصان واختفى داخل الحقول. ولأن الرعب كان يسكن قلوب الناس، ما اتجرأش حد يروح خلفه.
ترك عبد التواب رجال الشرطة وتابع قطرات الدم لحد ما وصل لحقل حامد أبو علي. ثم أطلق نظرة على الأرض المزروعة وهمس لأحد رجاله: "حد سلاحك واطلع على النهر، ولو شفت أي شخص هناك مصاب اقتله."
"حتى لو كان صقر يا عبد التواب؟" همس عبد التواب. "حتى لو كان أبوك هناك اقتله."
ركض الرجل نحو الخيمة وحمل بندقية نحو شاطئ النهر. ما كانش فيه أشخاص مصابين، لكنه لمح قارب بيتبعد عن شاطئ النهر للناحية التانية.
"ماحدش هناك يا دياب بيه، ما شفتش ولا إنسان على النهر."
"الخلق كلها خايفة من المطاريد."
عاد عبد التواب إلى البيت البحري يعزي سادين في زوجها. لكن سادين ما كانتش في البيت. الخادمة أخبرته إن سادين طلعت لما سمعت صوت الرصاص ولسه ما رجعتش.
"يا ترى راحت فين بنت الرفضي دي؟"
ثم أمر واحد من رجاله إن يراقب البيت وإن يحضر له سادين عند عودتها.
ثم ذهب إلى بيت فرغلي ليطمئن عليه. كان ذراع فرغلي مكسور وضلوع صدره.
"كيفك يا فرغلي؟ الحمد لله إنك بخير."
همس فرغلي: "انت ما طلعتش سهل يا عبد التواب. بقا يا راجل بتعمل اتفاقات من ورايا؟"
"احمد ربنا إني خططت من وراك يا فرغلي، أنت كنت هتبوظ كل حاجة. بقا يا جدع عوض العلاف يهزمك ويهريك ضرب؟"
"ما اعرفش ابن الرفضي ده اتعلم التحطيب فين؟ لكنه أخد جزائه يا عبد التواب."
همس عبد التواب: "جثة صقر وعوض مش موجودة، والاتفاق لازم يتم. لازم صحتك ترجع بسرعة، أنا عايز مشيخة البلد."
"وأنا عايز سادين يا عبد التواب."
نهض عبد التواب وهو على الباب وقال: "سادين بتاعتك يا فرغلي. شد حيلك أنت واستعيد صحتك وكله هيبقى تمام."
"سادين رجعت يا عبد التواب بيه، لكنها رفضت تيجي معايا. بتقول إنها في حداد على جوزها ومش هتخرج من البيت غير لما تعرف جثة صقر راحت فين."
همس عبد التواب: "سيبها تحزن. لازم نحترم حزن الناس برضك. الصدمة كبيرة قوي يا ولدي على الكل. اللي حصل مش سهل أي شخص يتحمله. دا لازم يكون زي الجبل."
"ربنا يقويك يا أبا الحاج، أنت برضك قدها وقدود."
رفع عبد التواب إيده بود: "ربنا يقدرني على تحمل المصيبة وفعل الخير دايماً."
ثم طلب من الراجل إن يراقب سادين من بعيد لأنه خايف عليها، خايف إنها تفعل في نفسها شيء. وإنه خسر بما فيه الكفاية، وإن الأيام اللي جايه محتاجة رجال بقلوب من حديد، لأن المطاريد هيعودوا. وعندما يعودون سيتصدى لهم عبد التواب مع رجاله، فهو لن يسمح للمطاريد إن يهاجموا أهل القرية وسيأخذ ثأر إخوته منهم.
انطلقت الأحاديث في القرية تتحدث عن توعد عبد التواب للمطاريد ونيته الانتقام منهم، والرجال اللي بيجهزهم بالأسلحة تحت سمع وبصر الشرطة اللي غضت الطرف عن أفعاله. وإن عبد التواب هيقوم بدور الشرطة ودور شيخ البلد اللي فشلوا في حماية الناس، وإنه أصبح كبير بحق ومش مجرد كلام. إن رجل يتحمل مصيبة مثل مصيبته دون أن يشتكي لابد أن يكون رجل ابن رجل.
وكان شيخ البلد يعرف إنها بلد كلام، وإن الهمسات ستتحول لحقيقة إذا لم يتدخل.
ذهب إلى مأمور القسم يؤنبه على عبد التواب. مأمور القسم اللي صرخ: "أنا فيه إيه اللي مكفيني؟ أكتر من عشرة قيادات تحدثوا إليه من القاهرة يسألون عن ما حدث مع صقر. والدته ليلى هانم أقسمت إنها ستصل إلى وزير الداخلية إذا لم يعثروا على ابنها. وإن ما يفعله عبد التواب مهما كان، فإنه غير مهم الآن. المهم المطاريد والقضاء عليهم، وسيكون حسن إن هاجم عبد التواب المطاريد."
همس شيخ البلد: "يا سعادة الباشا، هو أنت بتصدق الأونطة اللي بيعملها عبد التواب دي؟ دا جبان بتاع تمثيليات، وأقطع دراعي إن ما كان هو اللي مدبر كل شيء. وبكرة تعرف الحقيقة يا باشا."
وفي ليلة مظلمة جمع عبد التواب رجاله أمام الدار، وارتدى جلبابه اللبني وشاله الصوف، وعلق بندقية روسي في كتفه وخريطة رصاص، ثم أخذ رجاله تجاه النهر. وهناك كانت القوارب تنتظرهم. وقد حكى سعيد عبد المتعال أنه سمع عبد التواب يهمس أنه سيؤدب المطاريد في عقر دارهم.
عبر عبد التواب النهر ولف حول جزيرة الحلاسات، ثم أخذ طريق الجبل في قاع النواورة. وعندما وصل الجبل كان رجل من المطاريد في انتظاره. حمل حقيبة النقود اللي أحضرها عبد التواب، ثم قادهم تجاه الجبل حيث رحب به المعلم يوسف وأحسن ضيافته، وتحدثوا عن المستقبل المشرق اللي ينتظرهم والنقود اللي سوف يحصلون عليها من جراء هجماتهم على القرية وسرقة المواشي والغنم وذهب الحريم.
وبعد انتصاف الليل، عندما حانت لحظة الرحيل، ودع عبد التواب المعلم يوسف كبير المطاريد. ثم بعد خطوات أمر رجاله بقتل كل من في المغارة. ولأن المطاريد لم يكونوا يتوقعون الخيانة، فكانوا قد تخلوا عن أسلحتهم. وعندما أمطرهم رجال عبد التواب بالأعيرة النارية، قتلو منهم الكثير، واستسلم البعض. وقتل عبد التواب الذين استسلموا ببندقيتهم. ثم التقط صورة بهاتفه للموتى. بعدها أمر أحد رجاله أن يحمل حقيبة النقود. ثم وقف أمام باب المغارة وأمرهم أن يطلقوا الرصاص حتى تسد الحجارة باب المغارة.
ثم عاد إلى القرية بعد الفجر، ولم يخرج من بيته طول النهار. لكن رجاله لم يتوقفوا عن الكلام، حتى عرفت القرية كلها أن عبد التواب قضى على المطاريد، قتلهم جميعًا. وعندما خرج عبد التواب أمام البيت وجد أهل القرية ينتظرونه ويهنئونه ويبجلونه. وعبد التواب يحني لهم رأسه ويقدرهم ويحمل لهم الشاي والمشروبات بنفسه.
ثم اختلى عبد التواب بنفسه وأرسل الصورة إلى مأمور القسم. هاتفه في التليفون يخبره بما فعله، وأنه يعلم أن المأمور سيصون السر، وأن بإمكانه أن يذهب إلى المغارة ويدعي أن قتل المطاريد، ولن ينكر أحد ذلك، وسوف يحصل على ترقية ويترك هذا البلد البائس إلى الأبد.
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم اسماعيل موسى
فرك فرغلي شاربه ومرر يده على خده الحليق ثم صعد درجات السلم وهو يفكر.
سيفتح عليها الغرفة ويفاجئها ولن تتمكن من مقاومته.
فلتصرخ، فلتشتم، انتهت الحلول السلمية.
أن سلاحه جاهز تمامًا للمغامرة.
الرجل لا يكون رجلًا إلا إذا أخذ أنثاه غصبًا مرة واحدة على الأقل في حياته.
وكان البيت صامتًا كأنه يستعد لحدث جسيم.
حتى صوت الطيور اختفى ولم تسمع شقشقة الزرازير فوق فروع الأشجار.
لما وصل فرغلي الرواق، لمح شخصًا يقف في منتصفه.
عبد التواب قال إنه أمر رجاله بالانصراف.
الجدع ده بيعمل إيه هنا؟
وإيه اللي طلعه عند النسوان؟
كيف يجرؤ؟
وشعر بالغيرة والنخوة تأكل صدره.
فصرخ: "انت مين وبتعمل إيه هنا؟"
ولأنه لا يمتلك الوقت فأمره أن يرحل وأنه سيؤدبه بعد أن ينتهي من سادين ويحفر اسمه فوق جسدها.
"فين ستك سادين يا ولد؟"
"أنا مليش سيد غير اللي خلقني يا فرغلي!!"
صرخ فرغلي.
"وتعرف اسمي؟"
"لابد أنك غبي لأنك تعرف ما يستطيع فرغلي أن يفعله بأمثالك."
"انطق فين ستك سادينا؟"
ابتسم الشاب تحت لثامه.
ومع ابتسامته تذكر فرغلي الماضي القريب.
فوق المنصة عندما صعد شاب ملثم إلى الساحة وقاتل جوار صقر.
صرخ فرغلي: "امشي قبل ما أقتلك، أنت في حرم النسوان ومالكش دية!!"
صرخ الشاب: "وأنت ماذا تفعل في حرم النسوان يا رجل؟"
"ليس شأنك."
همس فرغلي بتردد.
"لو كنت عايز سادين لازم تتعداني الأول، أنا هنا أقف حائل بينك وبينها، وسادين لن تكون لأحد إذا لم يتمكن من عبوري."
"بقا عبد التواب جايب راجل يحمي سادين وعامل عليه شريف؟"
"ولا تكن سادين أجرت الراجل ده يدافع عنها؟"
"لا هذا الرجل ولا غيره يمكنه إيقاف فرغلي."
وكان فرغلي قد أتى بيد فارغة ولم يتوقع خيانة.
لوح الشاب بعكازه وقرب من فرغلي.
وفرغلي يفتح عينيه بغضب لأرعابه.
واصل الشاب تقدمه بثبات حتى أصبح على بعد خطوات من فرغلي وصرخ: "أنت جبان وقذر أنت."
"انت مش خايف مني؟"
صرخ فرغلي بعزم صوته.
لكن الشاب لسعه بالعصا فوق جسده.
وعندما ركض فرغلي تجاهه غرز العكاز في معدته وضربه على ظهره ضربة قوية.
جعلته يصرخ من الألم.
حاول فرغلي أن يقاوم فصرخ: "أهذه مرجلة؟ تضرب إنسان أعزل وأنت محتمي بعكاز؟"
"كنت مش إنسان يا فرغلي، أنت شيطان، اللي يأتي بغرض أخذ حرمه غصب يبقى حيوان."
ثم ألقى بعكازه تجاه فرغلي.
"امسك عكازك يا فرغلي وأديني كلمة راجل. لو انتصرت عليك لن تحضر لهذا المنزل مرة أخرى مهما حدث."
نزع فرغلي جلبابه.
"أنت مش محتاج وعدي لأنك هتموت قبل ما أنفذه."
"أمنحك وعدي رغم ذلك."
وسط الرواق الضيق دارت معركة بين فرغلي والشاب الملثم.
معركة استمرت أكثر من ساعة حتى ضرب الشاب فرغلي في ركبته ولم يستطع المشي عليه.
ثم ساق ساقه الشاب الملثم بالعصا حتى أوصله الشارع وفرغلي يركض مثل النساء.
حس فرغلي بعار كبير لكن عزاءه أن مفيش حد شاف اللي حصل.
وقف فرغلي دقيقة لحد ما قدر يمشي على رجله وابتعد عن البيت.
مشي تجاه بيت شيخ البلد.
الذي استقبله على الباب.
"اه عملت إيه يا فرغلي؟"
وفكر فرغلي إذا كان عبد التواب أرسل هذا الرجل ليقلل من قيمته فإنه لن يعترف بذلك.
فرفع يده بحكمة.
"بقى أنت يا شيخ البلد فكرت إني ممكن آخد سادين غصب؟"
"دي مهما كانت بنت شيخ البلد وأنا أعرف الأصول وأنت يا عبد التواب تستحق مني أفضل من كده."
"أنا روحت البيت فعلًا لكن ضميري ونخوتي وشهامتي منعتني أن أفعل شيء."
"احترمتك يا عبد التواب ولابد أن تحترمني."
"برافو عليك يا فرغلي والله، لكن أحترمك إزاي؟"
"توفي بوعدك يا شيخ البلد، اتجوز سادين بعد شهور العدة زي ما الأصول والشرع بيقول."
"بسيطة يا فرغلي أنا قلتلك سادين لك، بس أنت متسرع مش صابر."
ثم همس عبد التواب: "لكن السر اللي بينا مات؟ أنا وفيت بوعدي وصرفت الرجال من بيت سادين."
"تمام يا شيخ البلد أسيبك تهتم بشؤون القرية ربنا يساعدك ويقدرك على فعل الخير."
وفي الطريق فكر فرغلي إذا كان عبد التواب لم يرسل الرجل إلى بيت سادين، من يكون هذا الشاب؟
وكان الانتقام يتلوى في عروقه.
فذهب إلى البيت وأحضر بندقيته.
أخذ طريق الحقول بعيدًا عن الناس.
سيقتل هذا الشاب وتكون سادين ملكه.
ثم أقسم أن يأخذها غصب مهما حدث.
خلف البيت كمَن فرغلي حتى تسلل الليل.
وكانت سادين قد صرفت الخدم وأقسمت أن لا يخدمها أحد طالما وافقوا قرار عبد التواب وتركوه بمفردها.
فكان البيت خاليًا مثلما تركه فرغلي.
راقب فرغلي البيت بتركيز وراقب شرفاته ونوافذه.
ولم يلمح أي شخص يخرج أو يدخل منه.
وكانت الغيرة تتلوى في صدره أكثر من الانتقام.
فهناك شخص آخر يرتشف من رحيق سادين ويرتع في أرضها كيفما شاء.
إنه لا يعرف كيف قبلت سادين بذلك لكنه يعرف أنها طالما سمحت لشخص أن يقتحم حصونها فأن هذا يمنحه الحق أن يكون الآخر.
وكان واحد من رجاله يراقب المنزل من الناحية الأمامية.
وإذ لمح شابًا يخرج من هناك سيصرخ مثلما أمره فرغلي.
سيفضح سادين وشيخ البلد ولن يجدوا أمامهم شخصًا شهمًا سوى فرغلي يداري على الفضيحة.
وأنها ليست المرة الأولى لسادين فقد سمحت لصقر أن يحتضنها ويأخذها الناس كلها تعرف ذلك.
إما أن يقتل الشاب أو يفضح سادين.
ولن تمر الليلة إلا وسادين في حضنه.
على فراشه تتلوى أمامه وهو يدخن الشيشة.
ولما سكن الليل ولم يخرج الشاب تسلل فرغلي بين الحقول ليتسلق بيت سادين من الخلف.
وعندما خرج فرغلي من الحقول ووضع أول قدم نحو البيت تلقى ضربة قوية على مؤخرة رأسه أسقطته على الأرض فاقدًا للوعي.
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم اسماعيل موسى
يا حضرة شيخ البلد، احنا لقينا فرغلي واقع من طوله وسط الزراعات عند بيت ست سادين البحري.
وإيه اللي وصل فرغلي هناك؟ وكان بيعمل إيه؟ وبعدين فرغلي ده كل يوم هيطلع لي بحكاية؟ ومين اللي ضرب فرغلي؟ صقر مش هنا، وعوض العلاف الله يحرق مطرح ما راح مش يكونش اللي في بالي؟
ولد يا فتحي، امشِ انجر ابعت لي الراجل اللي كان بيراقب بيت سادين بسرعة.
حاضر يا شيخ البلد.
وركض فتحي إلى البيت البحري.
خدوا فرغلي على بيته، واللي يسأل يقول إنه اتهزم في لعب العِصا.
ثم فكر عبد التواب في سره: أنا ما كنتش مصدق حكاية فرغلي امبارح، الراجل طالما نوى على حرمة عجابه مفيش حاجة تقدر تمنعه إلا الدين، وفرغلي معندوش دين. وبعدين ده كان ماشي بيعرج، يكنش فاكر إني ما أخدتش بالي؟
إيه يا هباب البرك، إنت واقف قدام بيت ستك سادين مش شايف حاجة؟ تكونش اتعميت ولا اتعميت؟
صرخ شيخ البلد في الراجل: مين دخل وخرج هناك يا زفت أنتم؟
مفيش يا شيخ البلد، أنا مش شفت أي شخص داخل عند ست سادين غير واحد بس.
وهمس بصوت واطي: فرغلي.
وبعدها خرج يجر في رجله زَي ما يكون لسعته عقرب أو عضته تعبان.
متأكد يا وله إني مفيش حد دخل بيت ستك سادين؟
أيوه متأكد يا شيخ البلد، زي ما أنا شايفك كده بالظبط.
يبقى الموضوع فيه إنه كبيرة، وشكلها هتطربق على الكل.
يا شيخ البلد، فيه واحد من الجزيرة الوسطانية طالب يشوفك لأمر هام.
تبقى إنت يا فتحي بتلوّي لسانك اللي عايز ينقطع وتقول أمر هام؟ فاكر نفسك بندري يا وله ولا إيه؟
العفو يا شيخ البلد، إحنا بنتعلم منك. الكل لابد أن يتعلم من شيخ البلد، ويتعلم من كل مسؤول في السلطة مهما كانت الطريقة اللي وصل بيها، لأن المسؤول يعرف أكتر من الناس العاديين، وإلا ما كان وصل لمكانته المرموقة.
طيب، والراجل ده عايز إيه؟ وبعدين ده مش في دايرتي؟
بيقول إنه قريبك من بعيد يا شيخ البلد.
أيوه أنا عارفهم، الناس اللي بيحبوا يتلزقوا دول. اديله وجبة وخليه يمشي. ولا أقولك، اديله خمسين جنيه.
خمسين جنيه حتة واحدة يا شيخ البلد؟
وكان فتحي يعرف إن شيخ البلد معفن وبخيل إلى حد بعيد.
أيوه خمسين جنيه، هو مال أبوك يا وله، أجرى نفذ الأمر.
وعاد فتحي بعد دقيقة يخبر عبد التواب أن الرجل يقول إنه ليس متسولاً ولا فقيراً، وإنه يريد شيخ البلد لأمر هام.
خليه يستنى في المنضرة لحد ما أرجع. أنا ورايا مشوار صغير وهرجع. أصل أنا شيخ البلد برضو، ولازم أهتم بشؤون الناس.
ثم مشى عبد التواب بمفرده ولم يأخذ أحد معه من الغفر أو رجاله، حتى وصل بيت من الطين اللبن، صفع بابه بعكازه.
افتح الباب.
وظهر منه وجه رجل خنقته الحياة.
شيخ البلد؟ يا أدى الهنا، يا أدى الهنا، اتفضل يا شيخ البلد، نورت البيت.
نظر عبد التواب إلى المصطبة الحقيرة المفروشة بالقش وهمس: ها، عملت إيه؟
لسه البت منشفة دماغها يا عبد الحميد؟
لسه يا شيخ البلد، إنت عارف بنات اليومين دول لازم تكون موافقة على العريس.
أدى آخرة اللي يودي بناته للجامعات يا عبد الحميد. تبقى يا راجل مش خسارة المال اللي ضيعته على تعليمها وأفسدت دماغها؟ لو كنت اشتريت بيه بقرة ولا جاموسة مش كان زمانه حملت دلوقتي وولدت لك عجل تبيعه وتأكل من ماله؟
اللي حصل بقى يا شيخ البلد، دي بنتي الوحيدة وكانت متشعلقة بالجامعة، ومرضتش أكسر خاطرها.
ودخل عبد الحميد ليأخذ رأي ابنته مرة أخرى، والتي رفضت شيخ البلد لأنه كبير في السن ومتزوج ولا يناسبها.
وخرج عبد الحميد برأس منحنية يهمس: البت منشفة دماغها يا شيخ البلد.
منشفة دماغها يعني إيه؟
ثم أبعد عبد الحميد والد الفتاة بعصاه ودخل إلى غرفة شيماء التي كانت تجلس مع والدتها.
اطلعي بره يا تحية، أنا عايز أقول كلمتين لبتك.
خرجت تحية وانفرد عبد التواب بشيماء، التي نهضت بتصميم وأخبرت شيخ البلد أنها لن تتزوجه مهما حدث.
ابتسم عبد التواب وهمس: شوقك يا شيماء، يا عاقلة، يا راسية. أنا برضه أعرف شرع الله ومش ممكن أغصبك على الزواج.
وعندما وصل منزله، أمر رجاله أن يشعلوا النار في الأربعة قيراط قمح ملك عبد الحميد. واشتعلت النار ولم تبقَ سوى الرماد، ووصلت إلى حقل جار على علاقة المجاور لأرض عبد الحميد، وأطفأها النار بالعافية.
وفي التحقيق الذي أجراه شيخ البلد في حضرة القانون، اتهم علي علاقة عبد الحميد بحرق زرعه عن عمد لخلافات في الجيرة.
وكان عبد الحميد عندما جره الغفير نحو المركز يصرخ: بقا يا خلق الله، أحرق أرضي وزرعي عشان أضر جاري؟ بقا دا كلام يعقلو؟
وفي النيابة، حبس عبد الحميد أربعة أيام على ذمة التحقيق.
وكان أهل القرية يعرفون أن من يذهب إلى الحبس من أهل القرية لا يعود مرة أخرى.
ركضت شيماء نحو منزل شيخ البلد، وكان يجلس وسط الرجال الأعيان.
دخلت مندفعة وقبلت يده وترجته أن يخرج أباها من السجن.
وكان عبد التواب يبعد يده ويصرخ: معاذ الله.
وعد شيماء أن يبذل كل جهده لإخراج والدها، وأن هذه وظيفته مساعدة الناس الغلابة والفقراء.
همست شيماء: اخرجه يا شيخ البلد، واعمل اللي انت عايزه.
رفع شيخ البلد يده: أنا هكلم المركز، ولن أترك المأمور حتى يخرجه.
ولم يكلم شيخ البلد المأمور ولا غيره، فقد كان منشغلاً بالآعيان في منضرتهم.
ومر يوم وعبد الحميد في الحجز، وقال المحامي إن التهمة لابساه ولا مفر من السجن.
وقبل عودة شيماء من المركز، مر عبد التواب على بيت عبد الحميد ووعد تحية أن يبذل كل ما في وسعه لإخراج زوجها، وأن الخلافات الشخصية لن تعيقه عن تأدية عمله.
ولما وصلت شيماء دامعة، باكية، قبلت يد شيخ البلد وترجته أن يخرج والدها، وقالت إنها ستنفذ كل ما يأمر به.
فأحضر عبد التواب المأذون وكتب عليها، ودخل بها في بيتها قبل أن يذهب إلى المركز ويحضر عبد الحميد في يده.
الراجل لسه منتظر يا شيخ البلد.
تبقى الراجل لسه قاعد من الصبح هنا؟ دخّله نشوف وراه إيه.
وقف الرجل أمام شيخ البلد وعرفه بنفسه، فقد كان قريبه من بعيد.
ثم قال إن صقر ابن أخيه وشخصاً آخر موجودين في بيت أحد رجال الجزيرة، وإنه كان يعرف جبر والد صقر ويعرف أنهم يبحثون عنه.
ابتسم عبد التواب وشكر الرجل، وأقسم أن يتناول العشاء معه نظير الخدمة التي قدمها للحكومة والشرطة.
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم اسماعيل موسى
امشي انت واقفل على الخبر. مجور، صقر ابن اخويه في خطر ومش لازم أي شخص يعرف الكلام ده غيري. عارف يا شيخ البلد علشان جبت بعضي وجيتك على طول. انت راجل مشهود لك بالحق والإنصاف ونصرة المظلوم. انت انتصرت على المطاريد بمفردك.
جمع عبد التواب رجاله لمهمة سرية ولم يخبر أحد عن وجهته. اكتفى بتسليحهم بالبنادق الآلية ثم انطلق نحو الجزيرة تحت جنح الظلام.
عبرت القوارب النهر ورست على شاطئ الجزيرة الوسطانية. خرج عبد التواب ورجاله يمشون بين الحقول نحو المنزل المقصود. كان يمشي متسللاً لا يشعر به أحد.
ولما وصل البيت وجده ساكناً لا أحد يجلس أمامه، فأمر رجاله بإطلاق الرصاص. وكلما خرج شخص من داخل المنزل عليهم أن يقتلوه لوجود عناصر تخريبية داخل البيت. أشخاص يعادون الحكومة والشرطة.
انطلق الرصاص في الجدران والأبواب والنوافذ. كان صقر وعوض داخل البيت لا سلاح معهما. والرجل الذي يأويهم أطفاله وزوجته يصرخون من الرعب.
قال صقر: "أنا هسلم نفسي لعمي ومش ممكن اسمح بسوء يصيب أولادك."
ثم قرر أن يخرج من البيت وخلفه عوض. وعندما لمحه عبد التواب في ضوء المصباح، أمر رجاله أن يقتلوه على الفور.
وقبل أن يضغط واحد منهم الزناد، انطلقت خزنة رصاص فوق رؤوسهم من الناحية الأخرى. مما اضطر عبد التواب ورجاله أن يتخذوا ساتر.
لكن ضرب الرصاص لم يتوقف. صرخ عبد التواب: "اقتلو صقر لا تسمحوا له بالهرب."
وكان صقر وعوض يركضون في الناحية المعاكسة والرصاص يوفر لهم الحماية.
وعندما وصلوا النقطة التي ينطلق منها الرصاص، لم يجدوا أحداً. لكنهم وجدوا قارباً أقلهم إلى قارب النواورة بعيداً عن الجزيرة.
عبد التواب يصرخ في رجاله: "الحقوا بهم، مش عايز الصبح يطلع عليّ غير ميت."
وجرى كل شيء بسرعة. عبد التواب يركض خلف صقر حاملاً بندقيته. ثم تنطلق رصاصة تصيب قدمه وتسقطه أرضاً.
تجمع رجال عبد التواب حوله وحملوه نحو المراكب ثم إلى القرية حيث منزله.
وكان عبد التواب يصرخ: "عايز أعرف إيه اللي حصل ومين بيساعد صقر. ولو الصبح طلع من غير خير هقتلكم كلكم."
ركض الرجال كل في ناحية يبحث عن خبر.
وصل صقر البر الشرقي وقد أفزعه أن يكون عمه هو من وراء محاولة قتله.
وسأل عوض: "انت شفت مين ساعدنا؟"
همس عوض: "شفت شاب ملثم بيركض بعيد عنا، لكن كان معاه ناس تانية."
ولما مر صقر بين البيوت المظلمة، وجد شخصاً في انتظاره. رجل ملثم ضخم الجثة.
طلب منه أن يتبعهم.
"مين انت وعايز إيه؟"
همس الرجل: "مش وقت الكلام ده دلوقتي، لما نوصل هتعرف كل حاجة."
"وكيف أضمن إنها مش خيانة؟" صرخ صقر. "وإنك لا تعمل مع رجال عمي؟"
قال الرجل: "لو شغال مع عمك كان زمانك ميت دلوقتي." وأخرج من الصديري طبنجة تشيكي.
واصل الرجل سيره حتى وصل الجبل، وهناك صعد درب صخري صعب نحو منتصفه وصقر يتبعه بقلق. حتى توغلوا وسط المسارات وأصبح طريق العودة مستحيلاً.
قبل أن يقفوا أمام باب مغارة ويخرج منه رجل يعرج على قدمه بصعوبة وفي يده بندقية آلية. رحب بصقر وطلب منه أن يدخل المغارة.
سأله صقر: "انت مين؟"
همس عوض: "ده المعلم يوسف زعيم المطاريد."
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم اسماعيل موسى
تأمل صقر المغارة قبل أن يتحدث بغضب ويصرخ في وجه المعلم يوسف:
"انت جايبنا ليه هنا بعد ما دبرت حادثة قتلنا؟"
همس الرجل الذي أحضر صقر إلى المغارة:
"تأدب، انت بتكلم المعلم يوسف!!"
انقض صقر على الرجل وخنق عنقه وألصقه بالجدار:
"أنا مفيش حاجة تمنعني عن قتلكم غير شرف. انتو معندكوش شرف."
صرخ الرجل:
"حاسب هتقتلني!"
بينما صرخ يوسف برعب:
"سيبه يا صقر بيه، دا ملوش ذنب. أنا اللي استاهل العقاب، أنا اللي ضربت عليك النار. حرام تقتل إنسان بريء."
"أي حد يعرفك لا يمكن يكون بريء يا يوسف. انت شيطان مش إنسان."
همس المعلم يوسف:
"أنا تعرضت للخيانة زيك بالظبط يا صقر بيه. فرغلي وعبد التواب خدعوني وسلموا دقني للحكومة."
"وأنا إيه علاقتي بكل ده يا يوسف؟" صرخ صقر بكل صوته حتى وصل صوته تحت الجبل.
"انت اللي هتساعدني أجيب حقي يا صقر بيه. أنا خسرت رجالي وابني اتقتل قدام عيني وأنا المغارة اتهدت عليا. ولولا كرم ربنا كان زماني جثة متعفنة. عايز أعمل حاجة صح في حياتي قبل ما أموت. عايز آخد تار ابني."
"انت عايزني أساعدك تقتل يا معلم يوسف؟ أنا مش الشخص ده. حتى لو كان عبد التواب وفرغلي أعدائي زي ما هم أعدائك، فدي مش طريقتي."
"خليني أساعدك يا صقر وبكده كل واحد ياخد حقه؟"
"مستحيل يا يوسف، مقدرش أعمل كده لأنني مش هلاقي نفسي مرة تانية."
قال المعلم يوسف:
"خليك عندنا كام يوم لحد ما الأمور تهدى وبعد كده اعمل اللي يريحك."
أكاد صقر يرفض لكن عوض أقنعه أن لا مكان سيرحب بهم أكثر من الصخور والأحجار التي لا تملك قلوب أو آذان.
كان صقر يجلس أمام المغارة ينظر إلى النهر والبيوت البعيدة.
بينما عوض يتدرب على ضرب الرصاص على يد المعلم يوسف، وكان عوض ينشن ويضرب كأنه ولد والسلاح في يده.
مر أسبوع وعوض يتدرب حتى مل صقر البقاء وقرر أن يترك المغارة ويذهب إلى القرية أو حتى إلى القاهرة ليجمع رجال وينزل بهم إلى القرية.
"يلا بينا يا عوض، لازم نتحرك دلوقتي."
"أنا هبقى هنا يا صقر بيه، مليش حاجة أنزل عليها عشان أعيش بين الناس الخاينة دي تاني."
"ليه يا عوض؟ أنا أخوك برضه؟"
"أخويا طبعًا، لكن انت نازل تحارب عشان مراتك وأرضك. أما أنا فلا زوجة ولا أرض ولا عائلة. لماذا أعود إلى أرض لفظتني؟"
"هتجوزك أي واحدة تشاور عليها يا عوض بس ارجع معايا."
وقال عوض في سره:
"مستحيل لأن الأنثى التي أريدها ستكون في حضنك وعوض لا يخون."
وبينما كان عبد التواب يتعافى من جرح قدمه وزوجته الجديدة شيماء تدلك ساقه وتطعمه في فمه، دخلت تحسين زوجته القديمة متذمرة ومتوعدة. عبد التواب الذي ما كان منه إلا ضربها حتى كسر عضمها:
"انتي هتعارضي الشرع يا مرة؟"
"ربنا حلل أربعة وانتو يدوبك اتنين. أنا لسه من حقي امرأتين أختارهم بمزاجي ومن لا يريد يغور في داهية. أنا لازم أدوق من كل صنف ونوع."
ودخل الغفير بسرعة مقتحماً المجلس وعلى وجهه ارتباك وقلق وخوف.
صرخ عبد التواب:
"ايه يا زفت انت؟"
"مقدرش أتكلم قدام الحريم يا شيخ البلد. أنا عايزك لوحدك."
"يلا امشوا، صرخ عبد التواب، خلوني أشوف الكلب دا عايز إيه."
اقترب الغفير من عبد التواب وهمس:
"حاجة حصلت يا شيخ البلد، لكن اوعدني إنك متغضبش عليها."
"خلص وانطق يا ولا انت عارف إني مشغول؟"
"إحنا شفنا شاب داخل عند بنتك سادين."
"فتح عبد التواب فمه: بتقول إيه يا ابن الرفضي؟"
"زي ما انت سامع يا شيخ البلد. إحنا محاصرين البيت ومسحناش للراجل دا يخرج."
أخذ عبد التواب بعضه إلى البيت البحري مع رجاله حتى وصل وهناك حاصر البيت ودخل بمفرده إلى مخدع سادين:
"نايمة؟ كانت نايمة يا فاجرة؟ وفيه راجل في بيتك؟"
ورفع عصاه وضرب سادين على جسمها:
"قلت إنك حزينة على صقر. احترمت حزنك لكن وصلت إنك تجيبي راجل في البيت؟"
لملمت سادين ملابسها، كانت مرتدية ملابس نوم خفيفة تسترها بالكاد.
صرخت:
"مفيش أي إنسان هنا غيري أنا يا شيخ البلد. مش لازم تكدب عشان تضربني."
تحرك عبد التواب الهائج يفتش غرف البيت ولم يجد أي رجل لو حتى عنزة داخل الدار سوى سادين.
ولما جمع رجاله أكدوا كلهم رؤية رجل يدخل الدار قبل الفجر.
جلس عبد التواب يفكر ثم أرسل رجل إلى بيت فرغلي وطلبه على وجه السرعة.
وصل فرغلي المكسور عند شيخ البلد الذي كان قاعد قدام بيت سادين.
"انصرف عبد التواب رجاله وهمس لفرغلي: عامل إيه يا فرغلي؟"
"بخير يا شيخ البلد."
"لسه عايز سادين يا فرغلي؟"
"بحلم بيها كل ليلة يا شيخ البلد."
"وإيه اللي مانعك تاخدها يا فرغلي؟ قول الحقيقة."
"وكفاية كدب وخداع. إيه اللي حصل لما جيت هنا من ورا ضهري المرة اللي فاتت؟"
تحكي فرغلي ما حصل معه والخذي والعار يتملكه.
"نخر شيخ البلد: هي وصلت لكده؟ طيب اطلع دلوقتي ومش عايزك تنزل غير وانت واخد سادين زي أي راجل."
همس فرغلي:
"لكن دي بنتك."
صرخ عبد التواب:
"بقولك اعمل اللي أمرتك بيه يا فرغلي."
دلف فرغلي ساحة الدار وصعد يركض إلى غرفة سادين التي كانت تأخذ حمام وقعد على السرير يستناها تدخل.
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم اسماعيل موسى
سمعت سادين صوت حركة داخل الغرفة. أحكمت غلق باب الحمام ولبست هدومها كاملة. ولما فتحت الباب، لقيت فرغلي في وشها.
"انت بتعمل ايه هنا؟" صرخت سادين بصوت مرعب.
"أنا لسه ما عملتش حاجة يا سادين أصلاً."
واصلت سادين صراخها: "كيف تجرأت ودخلت هنا؟ داخل عند واحدة ست ساكنة لوحدها؟ اصرخ وآلم عليك الدنيا!"
"اصرخي زي ما تحبي يا سادين، أنا مش هخرج من هنا غير وإنتي مراتي وأنا جوزك."
رفع فرغلي يده. "وهسيبك إنتي تحددي الطريقة براحتك. شوفتي إزاي أنا بحترم الديمقراطية إزاي؟"
نهض فرغلي ورفع جلبابه. "عايزها بالعافية؟ ولا بالرضي؟"
عندما نظرت سادين من الشرفة، لمحت والدها شيخ البلد يجلس على الدكة وحوله رجاله. عرفت أن والدها باعها.
"بالعافية يا فرغلي، لو تقدر."
ركض فرغلي يسد على سادين كل طرق الهرب. لكن سادين وقفت بثبات وسمحت لفرغلي أن يقترب منها. ثم بلكمة غير متوقعة ضربت فرغلي في صدره، قبل أن تركله بين ساقيه بكل عزمها.
سقط فرغلي على الأرض وركضت سادين هاربة من الغرفة. وقبل ما توصل الشارع، والدها سد عليها الطريق هو ورجاله.
"أمرهم يمسكوها. كتفوا الكلبة دي." ثم صرف رجاله ولم يبق منهم سوى رجل واحد معروف بالقذارة وانعدام الضمير، رجل بقلب ميت. وأمره أن يجر سادين ويرجعها إلى البيت ويتركها في الغرفة العلوية.
وكان فرغلي قد خرج بوجه متورم ويتألم من خصيتيه. وهو يهمس: "ورحمة أبويا لأقطعها حتت، مش هخلي فيها مرة."
"بس اسكت، جاتك نيلة!" صرخ عبد التواب. "أخدتني خوانة يا شيخ البلد، ما كنتش أتخيل إنها كده. طيب اديني كتفتها لك يا سبع البرمبة، يلا أمشي غور من قدامي وشوف هتعمل إيه."
وكان شيخ البلد يشعر بالسعادة وهو يشتم ويسب ويلعن فرغلي، أقوى شاب في القرية، وهو لا يستطيع الرد عليه. لقد حوله لبركة من القذارة وأصبح مجرد شخص عادي، شخص نكرة مثل الجميع.
"أجرى يلا انجر، جاتك نيلها."
"حاضر يا شيخ البلد." أومأ فرغلي رأسه.
وكان عبد التواب ينظر إليه كواحد من رجاله الذين يملك مصائرهم ويستحقرهم. ثم جلس يهمس في سره: "جه الوقت اللي لازم تدفعي فيه التمن يا سادين. الوقوف في وجه شيخ البلد لا يمكن يعدي من غير عقاب. فسدتي كل خططي وفاكراني نايم على وداني؟ لا يا بت تحسين، أنا مفيش دبة نملة بتحصل من غير ما أعرفها."
ثم أخرج سبحته عند مرور مجموعة من الرجال واستقبل القبلة وأغمض عينيه وراح يهمس بصوت مسموع: "الله الله، أستغفر الله، استغفر."
"سلام عليكم يا شيخ البلد." ارتفع صوت الرجال. وعبد التواب يلوح لهم بتقوى ووداعة ويسألهم عن موعد الصلاة.
دخل فرغلي الدار مرة أخرى وفتح الباب الذي تئن داخله سادين. وجدها مقيدة على السرير. أطلق ابتسامة وهمس: "وأخيراً يا بت التواب؟"
"إنت راجل إنت؟ فين فرغلي اللي الناس كانت بتحلف بروحه وشهامته؟ إزاي تاخد واحدة غصب وفي الحرام؟"
"اسمعي يا بت، الكلام ده معدش بيأثر فيه. فرغلي اللي الناس كانت تعرفه مات خلاص."
ثم اقترب منها وتشمم جسدها ووجهها مثل الكلب، قبل أن يطلق. دفعت آهات متتالية مشحونة بالرغبة. ثم احتضن الجسد المرتعش النافر. وسادين تهز رأسها وتصرخ: "ابعد عني!"
كتم فرغلي فم سادين، لا يريد أن يسمع صوتها ولا اعتراضها. ثم رفع نقابها، ليرى الوجه اللامع الدامع والشفاة الرطبة. وربت على كرشه باستمتاع.
***
استقل صقر الطريق نحو المدينة. وقبل أن يقطع تذكرة القطار وهو في الانتظار، شعر بنغزة في قلبه. نغزة غريبة ومؤلمة تحرك الروح وتشعرك أن هناك شيء تعيس سوف يحدث، أن جسدك ليس بخير على الإطلاق.
"فيه إيه؟" همس صقر. ودار عقله بسرعة حتى تذكر سادين. أن قلبه لا ينبض إلا بها ولا يتألم إلا لها.
فترك المحطة وغطى وجهه واخترق الحقول البعيدة خلف المنازل حتى وصل البيت البحري. راقب البيت ولمح عبد التواب يجلس أمام البيت. ثم تسلق البيت من الخلف بهدوء ومشى في الأروقة على طرف أصابعه. لم يكن هناك صوت، لكنه بالكاد سمع أنات وآهات مكتومة وصوت حركة داخل إحدى الغرف.
ازدادت النغزة في قلب صقر كأن قلبه على وشك أن ينفجر. ثم فتح الباب ليجد فرغلي يحتضن سادين بالعافية وسادين تقاوم بيديها المقيدتين.
"يا ابن الكلب!" صرخ صقر وهو يهوي على رأس فرغلي وظهره بالضربات القاسية. سقط فرغلي على الأرض وهجم عليه صقر يلكمه في وجهه وكل مكان في جسده. الدم ينفر ويفور من وجه فرغلي وصقر يركله بقدمه. ثم سحب العكاز المسنود جوار الباب ونزل في فرغلي ضرب.
"حاسب يا صقر هتقتله!" همست سادين بخوف.
"اللي زيه لازم يموت ميت مرة يا سادين." وأخذ سادين في حضنه. ضمها ضمة اشتياق. "إنتي كويسة؟ الكلب ده عمل حاجة معاكي؟"
ارتدت سادين ملابسها وصقر يجر فرغلي من ذراعه في الرواق ثم على السلم. وسادين تهمس: "كفاية يا صقر خلينا نهرب من هنا."
لكن صقر أقسم أن يفضحه أمام كل القرية.
"لا!" همست سادين. "لو فضحته سمعتي هتيجي معاه وترتبط بيه. كفاية اللي حصل. إحنا لازم نمشي، أبويا مش سهل ومرتب كل حاجة."
لكن صقر كان في حالة من الهياج ورغبة في الانتقام دفعته أن يجر فرغلي ويلقي به تحت قدمي عبد التواب وهو يصرخ.
"بقى هو ده شرفك يا شيخ البلد؟ بتجيب رجالة لبيت بنتك؟ لبيت ست متجوزة وجوزها حي؟"
رفع عبد التواب يده والسبحة الطويلة ملفوفة على أصابعه. "صقر ولد أخويا حي؟ يا مراحب يا مراحب. مين الكلب ده وكان بيعمل إيه جوه بيتي؟" ثم أخرج طبنجته الميري. "انطق يا صقر كان بيعمل إيه؟"
تردد صقر في الكلام ثم صرخ: "كان بيعتدي على عرضك وشرفي!"
"كلب!" صرخ عبد التواب وهو يطلق الرصاص على جسد فرغلي.
سمع رجال شيخ البلد المنصرفين المنتظرين بعيد صوت الرصاصة فركضوا يحملون أسلحتهم نحو البيت البحري. وكان الظلام أسدل ستاره والفلاحين رحلوا من حقولهم وأصبحت الناحية البحرية خالية من الناس.
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم اسماعيل موسى
معقولة يا شيخ البلد تتخلى عن حليفك، فرغلي؟ خاطبة صقر بسخرية.
ولم يراوغ عبد التواب هذه المرة، لم يقل إنه اعتدى على عرضي وهذا أقل عقاب يستحقه، لم يصرخ أهان شرفي، لم يقل الكلمات المناسبة، بل نظر إلى بعيد وهمس: الرجل الذي يركض وراء امرأة ومستعد للتخلي عن كرامته من أجلها ليس رجلًا من الأساس، وإن فرغلي أصبح ورقة محروقة.
رفع عبد التواب بصره وقال بنبرة ثابتة: فرغلي كان لازم يموت من زمان، دوره انتهى، زي ناس كتير كان لازم تموت وما تظهرش مرة تانية، لكن تقول إيه، الشيطان شاطر وبيلعب في دماغ العيال.
اسمع يا صقر يا ولد جبر، كلام راجل، ارحل من هنا، رجلك متعتبرش القرية تاني وأنا حي، سوف ترحل بمفردك وتترك سادين خلفك، روح لأمك ليلى هانم، شوف لك واحدة من نفس جلدك وابعد عني.
ولم تتحدث سادين، ظلت صامتة وعينيها تمسح المكان في كل جهة كأنها غير معنية بالأمر، ثم تحركت ببطء وسارت نحو الحوش، وشيخ البلد يراقبها بتركيز.
أنا مش همشي من هنا يا شيخ البلد يا عمي غير لما كل شخص ياخد عقابه.
أطلق عبد التواب ضحكة ضخمة: وانت بقا اللي هتعاقبني يا صقر بيه؟
صرخ صقر: نعم، سأعاقبك.
عاتبني على إيه ولا إيه يا صقر؟
محاولة قتلك؟ ولا قتل والدك ولا اغتصابك لسادين؟
افتحني يا ولد أخويا، قول اللي في نفسك، يمكن التاريخ يتذكرك.
شعر صقر بالقلق، إن ما يقوله عبد التواب يثير شكوكه، الأمر أكبر مما يبدو.
تقدم من عبد التواب وأمسكه من ياقة جلبابه وهزه بقوة: انت شيطان يا عبد التواب، شيطان.
ورفع يده وبكل قوته راح يصفع عبد التواب، لكن يده توقفت قبل أن تصل طريقه.
رصاصة مصوبة بعناية أصابت ذراعه، كأن قناص أطلقها، سقط صقر على الأرض وركض عبد التواب بسرعة بعيدًا عن الرصاص، وركضت سادين بكل سرعتها لتجر صقر نحو جدار للبيت.
استند صقر على الجدار وهو يصرخ بغضب، وسادين تمسك بندقية إلى جواره وتأمره: ادخل معايا الحوش بسرعة.
ولم تتم كلمتها حتى انطلقت رصاصات كثيرة نحوهم.
ارتمت سادين على الأرض وزحفت خلف صقر داخل الحوش.
حضر رجال عبد التواب المسلحين، وشيخ البلد يصرخ بغضب: حاصروا البيت، مش عايز حاجة تخرج حية منه، توزع الرجال.
واقتربوا بحذر من الحوش، سحبت سادين البندقية وأطلقت الرصاص على الرجال، وكان صقر يحاول بيده السليمة أن يطلق الرصاص من غير فائدة.
همست سادين: اسمع يا صقر، أنا محتاجة إنك تحمي ضهري، ولم مقدرتش تحمي ضهري، هنموت هنا.
همس صقر: عايزاني أعمل إيه؟
قطعت سادين قماشة من جلبابها وربطت بها ذراع صقر المصابة، ثم انبطح صقر على الأرض وحشرت سادين البندقية بين كتف صدرها والجدار: ضع يدك على الزناد وأطلق الرصاص حتى لو لمحت ذبابة.
وانتي هتعملي إيه يا سادين؟
أنا مش مصابة وأقدر أتحرك بخفة أكتر منك، أنا هصد الهجوم من أكتر من ناحية، وانت خليك حجر الأثاث، ما تسمحش ليهم يدخلوا هنا يا صقر مهما حصل.
احمي شرف يا صقر، الرجال بره ميعرفوش شرف.
اخترق رصاص رجال عبد التواب جدار الطين وأسقط الجاموس الذي كان داخل الحوش.
وكان صقر يحتمي بعامود من الخرسان، من حسن حظه.
بينما صعدت سادين الطابق الثاني بسرعة، لمحت رجال عبد التواب يتحركون خلف المنزل، فرشقتهم بالرصاص.
أكثر ما تخشاه أن يتسلقوا جدار البيت الخلفي ويصبحوا محاصرين.
تراجع رجال عبد التواب على الفور واختفوا داخل الحقول، ثم عاودوا ضرب الرصاص.
استمر الوضع القلق خمسة دقائق.
بعدها صرخ شيخ البلد: يا ولاد الـ... بقا مش قادرين تقتلوا عيل وحتة بت؟
ثم سحب بندقيته، وخلع جلبابه، وأمر رجاله أن يتمركزوا خلف المنزل وأمامه، وأن لا يسمحوا لسادين بالحركة لأن صقر مصاب.
وبعد دقيقة من التفكير، حسب مسار رصاصات بندقية صقر المستيقظة وابتسم.
صقر مثبت البندقية ومش قادر يحركها، ووسط صدمة رجالهم.
مشى ناحية باب الحوش والرجال يصرخون: الرصاص يا شيخ البلد؟
وصل شيخ البلد لصقر الذي كان منبطحًا على الأرض يحاول أن يغير وضعية البندقية، حتى أصبح فوقه.
أكل عبد التواب البندقية لبعيد، ثم سحب صقر من ذراعه المصابة أمام الملأ.
وصوب البندقية على نفوخه وصرخ: انتهى كل شيء يا سادين، استسلمي وإلا هفجر نفوخ حبيب القلب، وغرز ماسورة البندقية في ذراع صقر الذي صرخ من الألم.
توقف ضرب الرصاص، وخرجت سادين تحمل بندقيتها من الباب، ثم ألقتها على الأرض ورفعت يدها فوق رأسها كما أمرها شيخ البلد.
تحرك أحد رجال عبد التواب وجر سادين وألقاها على الأرض بجوار صقر.
هناك بعض القصص لابد أن تنتهي بنهاية منطقية، لكننا لا نرغب أن ينتصر الظلم، لكنني لا أبالي بما تعتقد.
ابتسم عبد التواب بسخرية وأحاط رجاله بصقر وسادين.
نقلت لك يا ولد جبر، اترك قريتي، لكن كرامتك نقحت عليك.
ماذا أردت أن تثبت؟
ثم غمغم: الموت علينا حق، وما حدش بيهرب من قدره.
وصوب بندقيته الآلية تجاه صقر وسادين: اقرأوا الفاتحة قبل ما تقابلوا وجه كريم.
والرجال يضحكون بسخرية.
همس صقر: الشرطة مش هتسيبك يا عبد التواب.
الشرطة؟ صرخ عبد التواب وهو يركل صقر في معدته: الشرطة قبضت التمن من زمان يا ولد.
أغمضت سادين عينيها وتبعها صقر.
من بعيد جدًا انطلقت رصاصة أصابت قلب عبد التواب الذي سقط على الأرض من فوره.
وقبل أن يتمكن رجاله من الهرب، رشقهم الرصاص من كل ناحية.
أصيب البعض وقتل البعض، ثم ظهر رجل ملثم خلفه بعض الرجال: انهض يا صقر وسادين، أنا مش هقدر أقعد هنا كتير.
الشرطة زمانها جاية ناحيتنا.
عوض؟ صرخ صقر بفرح.
قيد عوض ورجاله رجال عبد الكريم، وقبل حضور الشرطة اختفى داخل الحقول نحو الجبل الشرقي.
اعترف رجال عبد التواب بكل جرائمه تحت تهديد الشرطة، وسجلت جريمة قتله ضد مجهول.
حمل صقر إلى المشفى وعولج ثم خرج، وكانت والدته في انتظاره.
فرغلي، الذي نجا من الموت، اعترف أن سادين شريفة، وأنه كان حاضرًا يوم الجزيرة، ولم يحدث أي شيء خاطئ بينها وبين صقر.
أخذ صقر زوجته إلى القاهرة وعاش مع والدته وأخته.
سادين الآن تدير شركة للاستيراد والتصدير، وتمارس لعبة العصا سرًا في قبو البيت.
أصبحت قصة صقر وسادين تحكى لأطفال القرية، كيف ينتصر الحق، وكيف تقف الزوجة بجوار زوجها في أزماته، حتى لو اضطرت للضرب بالعصا.