تحميل رواية «غرام في قلب الصعيد» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يا جد عبد الكريم؟ يا جد عبد الكريم؟ أدار عبد الكريم رأسه تجاه الصوت وضيق حاجبه، كان عوض العلاف يركض نحوه قابضًا على طرف جلبابه بين أسنانه. همس عبد الكريم في سره: "عوض العلاف بوشه الفقرى مش بيجي من وراه خير". صرخ عبد الكريم: "خبريه يا ولد، أنت عامل تصرخ زي نمس الزرع؟" وقف عوض العلاف قرب الجد وهمس: "أنا لسه جاي من المحطة يا جد". رفع عبد الكريم حاجبه بغضب، تذكر الزرعة القبلية وخلافه مع عائلة أولاد صقر. "ما الصقورة عملوا حاجة تاني يا ولد يا عوض؟" "لا يا حج"، همس عوض بقلق وارتباك. صرخ عبد الكريم بغضب...
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم اسماعيل موسى
مراتك؟ مراتك إزاي؟
أوصل سادين غرفتها وأفهمك على كل حاجة يا أمي.
توصلها غرفتها؟ مين دي أصلًا؟
لارا اللي كانت نازلة من على السلم، ضيقت حاجبها، وهمست: دي واحدة من بنات عمامنا اللي في الصعيد بس مش فاكرة اسمها.
صعيد؟ ودار في عقل ليلى هانم، عبد الكريم وجبروته وقسوته وأولاده البهائم اللي لا يمتلكون عقل.
ده مش ممكن يحصل، أنا أنا مش موافقة.
وكان صوتها المضطرب قادم من أعماق سحيقة، غير مصدق ومصدوم.
سحب صقر يد سادين بلطف: مش وقت الكلام ده يا أمي، لازم أوصل سادين غرفتها، سادين تعبانة ولازم ترتاح.
انت فاكر إنك بتحطني في الأمر الواقع يا صقر؟ بتجيب أي واحدة على البيت فجأة وعايزين أقابلها زوجة ليك؟ ويا ريت أي واحدة؟ دي بنت اللي كانوا عايزين ينهشوا لحمي ولحميكم.
ماما؟
صرخ صقر بلطف: لو سمحتي سادين تعبانة لسه خارجة من عمليات، أوصلها غرفتها ونتكلم.
أنا مالي تعبانة ولا ميتة، بيتي ده محرم على آل عبد الكريم.
مدخلوهش وأبوكِ حي ومش هسمح يدخلوا وهو ميت.
ماما؟
همس صقر بنبرة أرادها معتدلة: بلا ماما بلا زفت، كفاية بقى.
انت عايز إيه؟ عايز تموتني؟
وكانت سادين واقفة بقلة حيلة وعينها مصوبة على الأرض والنقاب يغطي كل وجهها.
لا أموتك ولا تموتيني يا ماما، يلا بينا يا سادين، اسندي على كتفي وإيدي.
وأدار ظهره لوالدته وأخته.
صرخت ليلى هانم: انت رايح فين؟ إزاي تسيبني كده؟
رايح شقة الحسين يا ماما، هسيبك لحد ما أعصابك ترتاح.
أطلقت ليلى هانم نظرة غاضبة: انتي فاكرة إنك كده بتلوي دراعي؟ البيت والشقة وكلها حاجة لسه مكتوبة باسمي.
أنا ماشي يا ماما، قبل الكلام ما يصغر بينا، قلتلك سادين تعبانة ولسه خارجة من عمليات، كان بإمكانك تأجلي كل حاجة لحد ما أفهمك كل حاجة، ده لو كانت واحدة من الشارع مش مراتي كان المفروض تقفي جنبها وتساعديها.
مهما كانت لو كانت واحدة من الشارع كنت ساعدتها يا صقر، لكن دي من نسل شيطاني ملعون.
واصرخ: صقر لو سمحتي ولا كلمة زيادة.
وجذب سادين نحو باب البيت وصرخات ليلى والدته خلفه تعنفه بقسوة: مش هسمح لهم ياخدوكي مني ويعصوك عليا والبنت دي ملهاش قعاد هنا.
همست لارا: ماما خلاص من فضلك ملوش لازمة الكلام ده دلوقتي!!
اسكتي انتي.
صرخت ليلى هانم: انتي مش هتعلميني أقول إيه ومقولش إيه.
تسمرت لارا في مكانها، وبدأت دموعها تتساقط، إنها طوال عمرها لم تفعل شيء يغضب والدتها ولا تستحق هذا التعنيف.
ثم قصدت غرفتها دون كلام مسرعة كأنها تهرب من بلطة مجرم.
استني عندك.
صرخت ليلى، لكن لارا واصلت سيرها، رغم طيبتها كانت لا ترضى لنفسها أي وضع تشعر فيه إهانة غير مستحقة لها، مهما كان ذلك الشخص، لقد رباها والدها على الاحترام والطاعة والثورة التي لا تخمد أبداً طالما تتعرض لظلم.
ترك صقر سيارات والده وأوقف سيارة أجرة وساعد سادين على دخولها، ثم أجرى عدة اتصالات توجت بسرعة بشقة صديق له فارغة يمكنه الإقامة بها لحين استئجار شقة أخرى.
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم اسماعيل موسى
عندما وصلا درج البناية، كان صقر يعرف أن الشقة تقع في الطابق الخامس وأن سادين ربما تشعر بالتعب.
"همس: أنا هشيلك يا سادين."
انتفض جسد سادين، وشعر صقر بذلك من يدها.
"فهمست: تشليني إيه عاد يا صقر؟ متتخجلنيش يا ولد عمي."
وكانت سادين تشعر بالإحراج. إن ما يتحدث عنه صقر لم تره إلا في أفلام الأبيض والأسود، وأنها كفتاة صعيدية لا يمكن أن تسمح بهذا الدلع الماسخ الذي كانت تحتقره منذ وقت قريب.
وقت لنفسها أنها ستصعد بمفردها وأن قوتها الصعيدية ستمكنها من المثابرة وأنها تملك قدمين ولم تشل بعد، حتى لو كانت مطعونة بسكين أو خنجر. كيف تسبب الإحراج لابن عمها الذي تزوجها رغمًا عنه؟
"خلينا اتسند عليك بس يا ولد عمي."
وابتسم صقر كأنه يفهم ما يدور في عقلها والاضطراب والارتباك الذي تشعر به.
وبدأ أول طابق، شعرت سادين بالوجع، ألم لا يمكن تحمله. فوقفت في مكانها.
"أنتِ كويسة؟" سألها صقر بنبرة قلقة.
ألقت سادين نظرة على السلم الخالي ثم إلى الطريق وهمست بضعف وخجل: "شيلني يا صقر."
شعر صقر أن كلمات سادين تخترق قلبه وعقله وأنها في ضعفها أقرب إليه من قوتها.
انحنى بلطف واحتضنها بين يديه، وقد كانت سادين نحيلة ورقيقة، فلم يشعر بالإنهاك.
ولأول مرة منذ ولادتها وبعد أن كبرت، ترى سادين نفسها محموله بين يدي شخص غير والدتها وجدها عندما كان يلاعبها.
"امسك كويس يا سادين؟"
"حاضر." همست سادين بنبرة خجلة وأحاطت عنق صقر بيديها وألقت برأسها فوق صدره مثل الحمامة الوديعة. وقفازيها متشبثتين ببدن صقر والخجل يأكلها.
لكنها شعرت براحة. راحة لم تحس بها من قبل، فسمحت لجسدها أن يستكين في حضن الرجل الذي أنقذها من كل شيء.
"أنت تعبان؟ آسف."
اخترقت كلمات سادين الوديعة أذن صقر، فهمس: "وجعك راحة يا بت عمي. لكن أنا مش تعبان يا سادين خالص."
"امال أنت إيه يا صقر؟"
"أنا..." وتنهد صقر: "مبسوط."
وفي الطابق الرابع، كان لدى سادين يقين أنها تريد أن تعيد الكرة مرة أخرى. أن تطلب من صقر أن يحملها طوال العمر، لكن ذلك أمر غير مؤكد. هناك ليلى هانم وغضبها، وأنها تشعر أن رحلتها قصيرة جداً حتى على الفرح.
أنزل صقر سادين أمام باب الشقة وأخرج المفتاح من تحت السجادة ثم فتح الباب.
"اتفضلي يا سادين."
ثم أوصلها إلى غرفة النوم وأرقدها بحنان وغطاها بالفراش.
وابتسم بسعادة لحظات وأحضر الأكل.
"عاد!؟" همست سادين بنبرة صارمة وهي تحاول أن تنهض. "دا شغل حريم يا ولد عمي، أنا اللي هطبخ."
"اقعدي مكانك يا سادين، أنتِ مش هتعملي حاجة. الدماغ الصعيدي دي خليها ترتاح شوية."
فاقسمت سادين أن تبدأ، وأن ذلك واجبها تجاه زوجها حتى لو كانت مريضة.
أطلق صقر ضحكة كبيرة. "طيب ماشي، تعالي اقعدي في المطبخ على الأقل تسليني."
ثم أحضر مقعدًا وجلسها عليه، ثم غرق في الطبخ وهو يشكر صديقه الذي أحضر كل هذا الطعام من أجله.
"أنت طباخ كويس جداً يا صقر، تعلمت ده كله فين؟"
"في الجامعة يا بت عمي، كنت بطبخ لنفسي. ثم دا أمر تافه."
"ابن عمك لديه الكثير من الصفات، سوف أبهركم."
وكانت سادين منبهرة بالفعل، لكن صقر لم يمنحها فرصة للتعافي من قوة جذبها.
"اسفه يا صقر، آسفة بجد."
"آسفة ليه يا سادين؟"
"آسفة لأني ورطتك في كل ده وأنك اضطريت تتجوزني، آسفة لأن من أول دخولي في حياتك تسببت في زعل بينك وبين والدتك."
اقترب صقر من سادين ونزع قفازيها، ثم أمسك بيديها الصغيرتين الناعمتين، وأحست سادين بنفسها مرتعشة متوترة. كانت صغيرة، أصغر من أن تفهم كيف تتصرف. فتركته يمسك يديها وينظر إلى الخطوط التي تمزقها عرضيًا وطوليًا.
"معقول فيه حد هيجهز أكل وهو لابس قفاز؟"
نهضت سادين منتفضة من مقعدها، وكان توترها طافحًا في حركاتها ونبرة صوتها.
"وهمست بتوتر: قولي أعمل إيه بس وأنا هعمله."
"خليكي مرتاحة يا سادين، أنا بس عايز أقولك إن غضب والدتي غير مبرر وهياخد وقته وترجع لعقلها. وأنك ملكيش ذنب في أي حاجة حصلت أو هتحصل، وأنا عايزك تكوني هادية ومستقرة نفسيًا، مش عايز ضميرك ولا عقلك يصورلك إنك ملامة على أي شيء."
***
"شايف يا مختار صقر عمل إيه؟"
"اهدأي يا ليلى وقوليلي حصل إيه؟"
"صقر اتجوز يا مختار، وعارف اتجوز مين؟ واحدة من بنات أعمامه، واحدة جاية من ورا البهايم علشان تسكن فيلتي وتملك كل شيء. لا مشفتش شكلها ولا أعرف اسمها، لكن أنا متأكدة إنها زي الزفت ومغطية وشها بنقاب. معرفش بنت مين فيهم يا مختار، معرفش. لكن لارا كانت بتقول اسمها سادين. طيب، سيبيني شوية وأنا هجيبلك كل الأخبار يا ليلى."
"أنا منهارة يا مختار، منهارة ومش عارفة أعمل إيه."
"متقلقيش يا ليلى هانم، كل حاجة ولها حل. صقر زي ابني، أنا ه أتكلم معاه وأعرف إيه اللي حصل."
"صرخت ليلى بغضب: أنا مش عايزة أعرف اللي حصل، أنا عايزة أشوف حل للمصيبة دي. أنا كنت رافضة فكرة قعدة في البلد عن جده، وأنتي اللي أقنعتيني أسيبه على راحته. شوفت بقا حصل إيه؟"
"ملوش لازمة الكلام ده دلوقتي يا ليلى هانم، بس أنا عارف أخوات جبر الله يرحمه، وهعرفلك دي بنت مين فيهم وبعدين نتصرف."
وكان مختار محامي العائلة من وقت طويل جداً، ويعرف كل أسرارها حتى لو لم يذهب للصعيد. فهاتف شيخ البلد وعرف منه أن سادين ابنة عبد التواب وتحسين.
"بنت عبد التواب وتحسين؟ دا شكلهم وحش جداً، ودا أول سر انكشف. سادين مغطية وشها لأنها مش جميلة."
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم اسماعيل موسى
لاحقت الشائعات رحيل صقر وسادين الذي حدث فجأة.
أن العرف يقتضي أن يكون هناك خطبة وفرح ومعازيم وزغاريد وطبخ وعشاء وسهر إلى الصبح.
ما الذي حدث إذًا ومنع كل ذلك؟
هناك سر في الأمر.
لابد أن الشائعات حول سادين وصقر حقيقية وليست اختراع.
البندري أخذ شرف الفتاة العبيطة، ثم أقسم عبد التواب أن يقتلهم.
محمد علي أقسم أنه رأى عبد التواب يضرب صقر بغشومية داخل الحوش ويصرخ، لكن عبد الكريم منعه وأجبر صقر على الزواج من سادين والرحيل عن القرية.
الشائعات التي وصلت بيت عبد الكريم وعائلته وإخوته وأولاد عمه أن يتحدثون عن الفضيحة فيما بينهم، وأن عبد الكريم أقسم أن يطخ بالنار كل من يفتح خشمه على سادين، وأن سادين أشرف من الشرف، وكل ما حدث غيره وحقد من عائلة أولاد صقر بعد أن لقنهم صقر درسًا وهزمهم جميعًا.
وانطلقت إشاعة قصاد إشاعة، وأن عبد الكريم صرخ أمام شيخ البلد: "إذا لم تتوقف عائلة أولاد صقر عن الخوض في عرضه هيطير فيها رقاب".
وكان الزمن علم عبد الكريم أن الإشاعات لن تتوقف في القرية حتى تظهر مصيبة أخرى.
فما كان منه إلا أن تواصل مع المعلم يوسف، زعيم المطاريد، ودفع له المال ليسطو على بيته البحري ويسرق منه البهائم، ثم يبيعها في سوق البداري ويسلمه المال ثمن البهائم.
ولم يمضِ فجر الليلة التالية حتى انتشر خبر سرقة بهائم عبد الكريم وعدائه مع المطاريد وإطلاق الرصاص عليهم.
كل ذلك وفرغلي يلتزم الصمت من جهته وعائلته أيضًا.
أن صقر هزمه ولن يرتاح له بال حتى ينتصر عليه.
وكان مهمومًا لدرجة كبيرة وشوهد على شاطئ النيل أكثر من مرة شاردًا في ملكوت الله.
كان فرغلي بينه وبين نفسه يعتقد أنه يستحق سادين أكثر من صقر، وأن صقر سرق منه البنية التي كان يتمناها زوجة له.
ولم يكن يعرف أنه يحبها حتى اختفت، حينها صعقته لوعة الحب والاشتياق.
كان مجرد وجودها داخل القرية حتى وهو يعرف أنها ليست من نصيبه وأن عبد التواب سيرفض الزيجة أمر مريح، لكن الآن سادين رحلت.
ومع من؟ مع صقره.
هذا القاهري الذي ظهر فجأة وحطم كل أحلامه.
علاقة فرغلي القوية مع المطاريد أوصلت له الخبر.
خبر الاتفاق الذي تم بين عبد الكريم والمعلم يوسف، زعيم المطاريد.
لا أحد يعرف الحقيقة غيره.
إنه وحده من شاهد ما حدث وسط الجزيرة.
وإذا قال إنه رأى صقر مع سادين في وضع مخل لن يكذبه أحد.
إنهم يعرفون فرغلي ويعرفون أنه لا يكذب.
قاوم فرغلي تلك الرغبة المريعة التي تقتل روحه الشريفة، لكن الحب يحكم بأحكامه.
وصقر هرب منه، هرب من لقائه وترك له العار.
لابد أن يجبر صقر على العودة وليس هناك طريقة أسرع من الشرف.
وراح عقله يصور له أكثر من ذلك، ربما يطلق صقر سادين.
ربما يقتله عبد التواب.
ربما تعود لبيتها مرة أخرى مكسورة حزينة، وعندها سيعرض هو إنقاذ شرف عائلة عبد الكريم.
وسيتعرض بنفسه لكل من يفتح فمه على سادين ويؤدبه حتى لو اضطر أن يخلق كل يوم عراك.
وكان يعرف امرأة تدعى فاطمة، لا ينبل في فمها فولة، تبيع الجرجير والخضروات، فراح يشتري منها وكان معه أخيه بدر.
فوقف أمام المرأة وعنف بدر بلا سبب صارخًا: "ملناش دعوة ببيت عبد الكريم ولا اللي حصل معاه.
ماذا كنت أنا بنفسي اللي حضرت الواقعة؟ التزم الصمت بدافع الشرف، فما شأنك أنت أو غيرك؟ ربنا أمر بالستر وإحنا عندنا ولاية".
التقطت فاطمة الكلمات وصاغها عقلها بسرعة.
فرغلي رأى كل ما حدث لكنه أغلق خشمه لأنه رجل شريف يعرف ربنا.
وكتمت الخبر يوم أو يومين، ثم حضرت بتلات ابنة علي نفادي تشتري منها الخضروات.
وكانت تتحدث عن الإشاعة وأنها مجرد هراء كاذب، فأطلقت عليها فاطمة نظرة قاتلة وهمست: "يا أختي اسكتي، إنتي متعرفيش حاجة".
وكلمة من هنا وكلمة من هناك، وفيكي من يكتم السر؟
إن فرغلي رآهم بعينه إلى هياكلها الدود في وضع مخجل.
وسار الكلام الفاحش أقوى هذه المرة مع وجود شهود.
ووصل عبد الكريم الذي كان يعرف أن فرغلي لا يكذب أبدًا.
لكن في هذه الحياة أحمق جدًا من يثق في شخص ثقة مطلقة.
لم يتحمل عبد الكريم الخبر وسقط من طوله، أصابته أزمة قلبية قضت عليه بعد ساعتين.
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم اسماعيل موسى
مات عبد الكريم.
سقط فجأة.
عقل عبد التواب لم يستوعب كيف يسقط إنسان سليم معافى هكذا فجأة.
كان يأكل مع والده منذ ساعة، ويدوبك تركه ليطل على الزرعة البحرية التي تحتاج للري، وعندما عاد وجده ميتاً.
الموت لا يمكن توقعه، ولا يُمكن الهرب منه.
إنه قريب جداً في كل اللحظات.
وليس معنى أن عقلك شغلته الحياة أنه لا ينظر إليك كل صبيحة يوم؟
إنه يطوف بأحبائنا كل ليلة، فأملأ عينك منهم، فقد لا تراهم مرة أخرى إلا في صور الاستديو ومقاطع الفيديو.
عبد التواب، الذي كان أي خلاف مع عبد الكريم، والده، في معظم قراراته، وجد نفسه فجأة كبير عائلة.
وجد نفسه يفتقده من أول لحظة.
لو كان والده حاضراً، لسأله: ماذا نفعل الآن؟ وكيف نتصرف؟
وكانت النساء تصرخ في كل ناحية وتنوح نواحاً حزيناً، وعبد التواب ضائع وشارد.
غسل الميت.
غسله أمام الجامع.
ونودي في مكبر الصوت: من كان له عليه دين فليخبرنا لنسدده.
وصل الخبر إلى صقر عن طريق عوض العلاف.
هاتف عبد التواب وطلب منه أن لا يدفن جده إلا في حضوره.
لكن عبد التواب رفض.
"رجلك مش هتدخل البلد تاني يا صقر، وملكش عندنا أرض ولا زرع."
"أنا مش عايز أرض، أنا عايز أحضر دفنة جدي."
"جدك أنت اللي موته بعمايلك يا صقر، هتقتل القتيل وتمشي في جنازته، دا حتى يبقى حرام. سيبنا في حالنا يا صقر وكفاية اللي حصل."
راحت سادين تبكي وتنوح.
لم يكن جدها فقط، بل كان والدها وصديقها.
والآن فقدت الشخص الوحيد الذي من الممكن أن يساعدها على الرجوع إلى القرية وإصلاح العلاقات المتالفة.
ولم يكن صقر أقل حزناً منها.
فقد أحب جده رغم الوقت القليل الذي قضاه معه.
وكانت سادين لا تزال مريضة تتعافى، وصقر يعتني بها ولا يتركها إلا لفترات قصيرة، لشراء الطعام أو قضاء حاجة.
ورغم أنها كانت تتمشى في الشقة، إلا أن المجهود يتعبها.
"البقية في حياتك يا سادين. أنا حاولت ننزل البلد، بس والدك رفض."
"جدي مات يا صقر من غير ما أشوفه، أنا حاسة بألم كبير. معقول مش هقدر أشوفه أو أسمع صوته مرة تانية؟"
"أنا حاسة إن الدنيا مستكتره عليّ الفرح يا صقر."
"والدنيا لا تقصد أحداً ولا تستكثر على أحد شيئاً، وغير عابئة بذلك المخلوق المتقزم الذي يحملها خسائره ونكساته. فأنت بالنسبة لها شخص غير مهم على الإطلاق، ولا تراك."
"كل حاجة هتبقى كويسة يا سادين."
"هتبقى كويسة إزاي بس يا صقر؟ أنا حاسة روحي هتخرج مني."
وتذكر صقر يوم فقد والده وكيف كان يشعر.
فهمس بضعف: "دي حاجة خارجة عن إرادتنا يا سادين، وملناش يد فيها."
ربما كان عليه أن يحتضنها حتى تهدأ وتستكين، لكن علاقتهما كانت لا تزال سطحية حتى الآن.
وكل شخص منهم ينام في غرفة مفردة.
فقد كانت زيجتهما بالنسبة لهم مجرد مهمة نبيلة، كل واحد منهم تحمل جزءاً منها.
وكان يشعر بالحرج للتقرب منها، فهو لا يعرف ردة فعلها.
ساد سكون الشقة برمتها.
سادين قاعدة على الكنبة، وصقر قاعد قصادها مش عارف يعمل إيه.
"سادين، تقدري تمشي؟"
"أمشي أروح فين يا صقر؟"
"هننزل الشارع، أنا مخنوق وعايز أشم هوا."
لم تكن أفضل فكرة، لكن سادين وافقت.
واستغرقت وقت طويل في تغيير ملابسها.
وعندما دخل صقر عليها الغرفة، كانت تعدل نقابها.
الجورب في قدمها، والحذاء قريب منه.
انحنت سادين وتألمت.
أمسك صقر بيدها.
أجلسها على المقعد ثم البسها الحذاء وهمس: "يلا بينا."
"بقى صقر يسيب بنات الناس المهمين، البشوات ورجال الأعمال؟ البنات اللي زي القمر يتجوز دي؟"
وكادت ليلى أن تضحك من فرط السخرية.
"إذا كانت مش ولابد، أكيد هيطلقها بسهولة وتاخدلها قرشين. ما أنا عارفة أبوها كلب فلوس."
وكانت علاقتها بلارا لا تزال متوترة.
رغم ذلك، سألتها: "إنتِ شفتي البنت دي لما كنتِ في الصعيد؟"
حاولت لارا أن تتذكر.
"لا يا ماما، مشفتهاش. مشفتش حد أصلاً، كنت قاعدة في غرفتي."
"طيب، أنا عايزة إنتي تروحي تشوفيها. اتصلي بصقر وروحي زوريهم. مختار بيقول إن شكلها سيء جداً، وربما مشوهة."
همست لارا: "طيب، واحنا هنسيب صقر أخويا عايش بعيد عننا كده؟"
"صقر لازم يعتذر يا لارا قبل ما يرجع."
"يتعذر ليه إذا كان مش غلطان يا ماما؟"
صرخت ليلى: "اسكتي إنتي، متعرفيش حاجة ومش فاهمة حاجة."
"أنا عارفة صقر يا ماما، وعارفة إنه مش هيرجع غير لو إنتي كلمتيه."
"هيرجع غصب عنه يا لارا. صقر متعود على الأكل المريح واللبس والنوم المريح، وكمان بيصرف كتير ومش هيقدر يتحمل الوضع ده."
فتحت لارا فمها بابتسامة.
"طيب، ما صقر معاه الفيزا بتاعته، ودي فيها فلوس كتير جداً."
شردت ليلى للحظة.
"صقر مستخدمش الفيزا بتاعته. أنا كلمت البنك ووضحوا لي إنه ملمسش قرش منها ومعملش أي عملية سحب."
"وإنتي تكلمي البنك ليه يا ماما؟"
"علشان أوقف الفيزا طبعاً، وأجبره يرجع لطوعي."
"وقفلتيها يا ماما؟"
"أيوه، وقفتها. دي فلوسي، ومش هسمحله يصرفها على أي حد. مش ممكن البنت تضحك عليه ويشتريلها حاجة غالية."
نهضت لارا.
"لكن دا مش تصرف حضاري يا ماما، إنتي بتستخدمي طرق ملتوية. خلافك مع صقر ملوش علاقة بالماديات. صقر لازم يكون معاه فلوس يأكل ويشرب ويسكن، من غير ما يحتاج حاجة من حد."
صوت ليلى عينين قاسيتين على وجه لارا.
"اسكتي إنتي بدل ما أوقف كارتك كمان؟"
فتحت لارا حقيبتها وألقت بالكريدت كارد على الطاولة بغضب.
"خديه أهو، أنا مش عايزاه."
"هتصرفي من فين يا فالحة؟ الجامعة والشوبينج وأدوات التجميل؟"
صرخت لارا من على السلم: "هتصرف يا ماما، متشغليش بالك."
كان صقر يساعدها في تلك الحالات، فقد كانت لارا دائماً سريعة الغضب، لكن صقر الآن هو من يحتاج إلى المساعدة.
أجرت ليلى مجموعة اتصالات، بعدها ابتسمت في سخرية.
"وريني هتعمل إيه بقى يا صقر بيه."
ولم يكد صقر يصل الشقة حتى هاتفه صديقه يخبره أنه يحتاج الشقة فوراً ودون تأخير، لأن ظروفاً شديدة آلمت به.
"الصبح هسيب الشقة، حاضر."
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم اسماعيل موسى
همست سادين: "فيه يا صقر؟"
صاحبى عايزنا نسيب الشقه بكره الصبح لأنه احتاجها فجأه.
بنبرة مستنكرة قالت سادين: "يوه يوه يا ولد عمى، هى غفلقت كده ليه مرة واحدة؟"
أطلق صقر ابتسامة: "هو انتى قلبتى هندى كده ليه يا سادين؟"
"هندى ايه يا ولد عمى؟ له عاد بلاش تستفزنى."
"ولو استفزيتك هتعملى ايه؟"
"هتكلم ذى بنات البندر."
رفع صقر يده: "خليكى ذى ما أنتى، اتكلمى براحتك، انا بحبك كده."
شهقت سادين، تحرك شيء داخلها. هل حقاً يعنى قوله؟ معقول صقر يكون بيحبنى وهو الذى لم يرى من خلفي التوريطات؟
لازم تحبني يا صقر، أنا أصلاً أتحب.
"تحلى إزاي يا ست سادين؟"
"كلي على بعضي أتحب، روحي، ضحكتي، مزاحي، حتى حزني ينحب."
وكادت أن تقول: "وعيوني تنحب ووجهي وجسدي"، لكنها سكتت.
"والله أنا لا شفت ضحكتك ولا شفت حاجة."
وقفت سادين بتحدي: "هتشوف يا صقر، ووقتها مش هتقدر تغمض عينيك."
واندهش صقر أن سادين لا تتحدث عن موضوع الشقة وظن أنها نسيته، وهو أيضاً.
حتى توقفا أمام محل لبيع الذهب وقالت سادين: "إن عايزة أدخل أتفرج."
شعر صقر بالإحراج، أنه لا يملك نقوداً في حال أعجبها شيء.
استترت سادين في ركن ونزعت حلقها، ثم وضعته أمام الصائغ.
"شوفلي دا يساوي كام بعد إذنك."
فتح صقر فمه: "انتي بتعملي إيه يا سادين؟"
كان الصائغ وزن الحلق وضرب الرقم على الآلة الحاسبة.
همست سادين: "ماشي، هات الفلوس."
"مش هينفع كده يا سادين، لو سمحتي خدي حاجتك."
"صقر، ولد عمي، لو زودت في الكلام وعملت فرق بيني وبينك هزعل بجد، ولو زعلت هتخسرني."
وقبل أن يعودا إلى الشقة، كان صقر قد وجد شقة جديدة.
ثم قام بنقل الأغراض إلى الشقة الجديدة وسلم المفتاح إلى صاحبها.
ثم اشترى طعام كافٍ مليء به الثلاجة واشترى لسادين القهوة.
الغريب أن سادين توقفت عن الشكوى بخصوص مرضها، فهي لم تقل "متعبة" مرة أخرى.
وساعدت صقر في نقل الأغراض.
عندما جلسوا داخل الشقة أخيراً، أخبرها صقر أنه سيُبحث عن عمل، فلديه أصدقاء كثيرون.
ولديه دين عند واحد منهم سيسدده له وكل الأوضاع هتبقى تمام.
وكان عبد التواب بعد أن وجد نفسه كبير عيلة، ارتدى العباءة الصوف السوداء وأمسك بعصا معقوفة وأصبح يمشي داخل القرية متبختراً، فرح بمنصبه الجديد وسرعان ما نسي والده.
وشوهد يتحدث مع أكابر العائلات ويبرم الصفقات لزيادة أرضه.
ورغم أن أثر الإشاعة كان لازال باقياً، إلا أن زواج صقر وسادين أسكت الألسنة.
ثم إن فرغلي بدأ يتحدث عن الثأر والعراك بين عائلته وعائلة عبد الكريم، وأنه سيرد هزيمته أمام كل القرية.
قال إنه سيواجه عبد التواب مرة أخرى طالما أن صقر هرب من مواجهته.
وكان عبد التواب لا يمكنه رفض النزال طالما فرغلي طلبه منه أمام الناس.
فكان يبتعد عن الأماكن التي يجلس فيها فرغلي، حتى اضطر مرة وهو يحضر عرس فتحية محمد لمقابلة فرغلي.
وهناك طلب منه فرغلي ثأره.
لكن عبد التواب تحجج بالحداد المستمر على والده والذي سيستمر ثلاثة أشهر كاملة.
وصرح بأنه غير خائف من مواجهة فرغلي، لكنه كبير عيلة الآن وقد نسي خلافات العيال بتاعت أيام زمان.
"إذا كان فرغلي يرغب بشخص يهزمه، سيمنحه شخص يهزمه وينتهي الأمر عند هذا الحد."
"أنا عايز صقر يا عبد التواب، هتقدر تديني صقر أتعارك معاه؟"
"صقر غادر البلدة ولن يعود مرة أخرى"، هكذا أخبره عبد التواب.
بعصبية، لكن فرغلي كان له رأي آخر، ترك المجلس ورحل ثم أرسل رسولاً إلى عبد التواب أن يلاقيه خلف الدار.
وعندما حضر عبد التواب، أخبره فرغلي أنه رأى صقر مع ابنته بوضوح داخل الجزيرة وكانا مثل الزوجين.
وإذا لم يلبِ له طلبه، فإنه سيفتح فمه الذي أغلقه منذ زمن.
وبعد صراخ ومجادلات، اتفق عبد التواب مع فرغلي أن يحضر صقر إلى القرية.
سيقوم فرغلي بهزيمة صقر ثم يغلق فمه، وبهذه الحالة يكون عبد التواب نال انتقامه أيضاً.
لا يزال انتصار صقر مدوياً بين أفراد العائلة وينسبون إليه الفضل حتى الآن.
لكن عندما يهزم، لن يكن أمامهم سوى عبد التواب.
تعهد فرغلي أن لا يطلب أو يذكر اسم عبد التواب مطلقاً لأي عراك أو نزال، وأن يحترمه أمام أهل القرية، وأن يناديه بكبير العائلة، وأن يصلح علاقته مع شيخ البلد.
"بس اديني فرصة أرتب الموضوع دا على هوايا يا فرغلي."
وقال فرغلي إنه متفهم المصاعب التي تواجه عبد التواب، وأنه سينتظر حتى تهدأ الأمور.
وكان الأمر أتى على هوا عبد التواب، فرغبته في الانتقام من صقر الذي لطخ شرفه لم تنتهِ بعد.
وهو لن يرفع رأسه حقاً حقاً غير لما يتخلص منه.
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم اسماعيل موسى
إيه الزعيق ده، فيه إيه يا نرجس؟
ركضت الخادمة نرجس إلى سيدتها، ليلى هانم، التي كانت استيقظت من نومها على صوت صاخب. لاحظت الخادمة أن العفريت تتقافز على وجه ليلى هانم وأنها تدخن سيجارتها بعصبية. فهمست بنبرة حيادية:
فيه واحد واقف بره ومصر يقابل صقر بيه. أسامة الجنايني بيحاول يقنعه إن صقر بيه مش هنا، لكنه مش راضي يتزحزح من مكانه.
اطلبيله الشرطة. أمرتها ليلى وهي تهم بالعودة لغرفتها.
أدى إلى بناخده من الصعيد ومجايبه. تمتمت نرجس بقرف.
لما سمعت ليلى كلامها توقفت.
هو صعيدي؟
أيوه يا هانم، صعيدي. بيقول إنه من قرية عبد الكريم، الله يحرقه.
عايز إيه الراجل ده؟
بيقول إن فيه حساب بينه وبين صقر ولازم يسويه يا هانم.
حساب إيه؟ سألت ليلى بتعجب.
معرفش يا هانم.
طيب، خليه يدخل. هغير هدومي وأقابله.
سمح الجنايني لفرغلي أن يدخل الفيلا. لم يتحمل فرغلي المهلة التي طلبها عبد التواب، فحضر بنفسه إلى القاهرة. كان الشوق قد غلبه ويرغب في رؤية سادين، وجعلها حجة في ذيل حمار.
نزلت ليلى هانم من على السلم وهي تعاين الغريب المجهول. الذي نهض بسرعة وهمس:
أزيك يا هانم.
ومد يده ليسلم، لكن ليلى صرفته بإشارة وطلبت منه أن يجلس.
انت مين وعايز إيه؟
اسمي فرغلي يا ليلى هانم، وليه تصفية حساب مع صقر، لازم أخلصها.
حساب إيه؟
قال فرغلي: كان بيني وبين صقر عراك بالعصا. هزمني مرة وهزمني مرة، ولابد أن يكون هناك جولة تحدد الفائز.
ابتسمت ليلى بسخرية، تضحك من تلك العادات العبيطة.
هو ده اللي جابك مصر؟ انت اسمك إيه؟
اسمي فرغلي يا ليلى هانم.
وعارف اسمي إزاي؟
هو فيه حد في البلد كلها ما يعرفش ليلى هانم؟ الناس كلها تعرف حضرتك.
شعرت ليلى براحة غريبة، وشخص نطح ضخم ينافقها.
هو صقر ساب البلد ليه أصلاً يا فرغلي؟
تنهد فرغلي بقهر.
اتجوز سادين بنت عمه وهرب يا هانم. ده حتى ما علمش فرح.
لأنها أنثى، شعرت ليلى بشيء غريب في نبرة فرغلي.
انت تعرف سادين؟
أعرفها يا هانم طبعاً. بس كلامك مش بيقول إنك تعرفها بس، انت بتحبها؟
وكانت كلمة فارغة خرجت من فم ليلى هانم بلا تفكير.
سادين ست مجوزه دلوقتي يا هانم، ومينفعش أقول بحبها ولا لا. أنا أفهم في الأصول برضك.
أطلقت ليلى نظرة خانقة على فرغلي وقالت:
رد من فضلك.
همس فرغلي: أنا كان نفسي أجوزها، لكنها اختارت صقر.
يعني انت لسه عايزها يا فرغلي؟
أيوه طبعاً يا هانم.
أخرجت ليلى هانم لفافة تبغ بارتياح.
ولعل. همست بنبرة آمرة إلى فرغلي الذي أخرج ولاعة وأشعل سيجارتها. ثم تأملت ملامح فرغلي الجلفه.
إن ما أحضره الحب وليس الانتقام. أنا كمان مش عايزة صقر مع سادين.
شعر فرغلي بالسعادة تغمره.
وبرم شاربه الطويل.
طيب، والعمل يا هانم؟ أنا من إيدك دي لإيدك دي.
هاديك سادين يا فرغلي، لكن صقر مش لازم يحصله حاجة. أنا عايزة أخلص منها ومن أبوها كمان، وكل حاجة تخص الصعيد.
والتقت طرقهم البعيدة مع بعضها، وراحت ليلى تخطط مع فرغلي كيف يجعلون صقر يطلق سادين ويتخلى عنها. فما يهمها في النهاية أن يعود صقر إلى حضنها وأن يتزوج الفتاة التي اختارتها له.
هتعمل اللي أقولك عليه بالحرف الواحد لو كنت عايز سادين تبقى مراتك؟
هعمل أي حاجة يا هانم، تأمري بيها.
عبد الكريم وعبد التواب، وكل من يمت بصلة إلى الصعيد لابد أن يتلقى عقابه. عبد التواب الذي كان لا يتوقف عن إرسال رسائل التهديد لها أيام زواجها من جبر، لابد أن يتحطم وينكسر مثل الزجاج.
ومن خلال عيونها عرفت أين استأجر صقر شقته الجديدة، وعرفت متى يذهب إلى العمل ومتى يعود منه. كتبت لفرغلي عنوان شقة صقر وأخبرته أن البواب سيسهل مهمته. كل ما عليه أن يفعله أن يذهب لشقة صقر وينفذ ما أمرته به.
انطلق فرغلي إلى شقة صقر. إن الأمور التي لم يحسب حسابها حصلت، وابتسم له الزهر. سادين ستكون له. ثم بعد ذلك يبحث عن انتقامه.
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم اسماعيل موسى
عندما وصل فرغلي العماره اوقفه البواب.
همس فرغلي: "أنا فرغلي تبع ليلى هانم."
هز البواب رأسه: "طيب، اطلع ومتتأخرش. الشقه في الدور الخامس."
ثم أغلق كاميرات المراقبه قبل أن يظهر فيها فرغلي.
صعد فرغلي درجات السلم بحماس، ثم وقف أمام باب الشقه وبرم شاربه قبل أن يشعر أنها فكره حمقاء.
ثم طرق باب الشقه بوهن حتى ردت سادين.
"مين؟" همست سادين من خلف الباب.
"أنا واحد من تبع صقر بيه جاي أبص على وصلات الميه."
همست سادين: "لكن صقر مش موجود!؟"
"منا عارف انه مش موجود، هو اللي بعتني أصلا."
"طيب لحظه."
بدلت سادين ملابسها. فكرت أنها ستفتح الباب ثم تذهب لغرفتها وتغلق على نفسها الباب.
لكن شيء داخلها أخبرها أن صقر لم يتحدث معها بخصوص وصلات مياه.
ثم إن المياه تعمل بطريقة جيدة.
فعادت نحو باب الشقه وهمست معتذرة: "مش هقدر أفتحلك الباب وصقر مش موجود."
"افتحي بقا!" صرخ فرغلي بغضب.
لم تتعرف سادين على صوت فرغلي، لكنها شعرت أنه شخص مجرم وشرير.
وقبل أن تدفع الباب، ضرب فرغلي الباب بقوة ليحطمه، لكن الباب صمد.
حضرت سادين سكين طويلة ووقفت خلف الباب.
"أي حد كان ذلك الشخص سوف تقتله بلا تردد."
دفع فرغلي الباب مرة أخرى بقوة أكبر. مال الباب تعاد مكانه.
صرخت سادين: "امشي، والله هقتلك."
همس فرغلي: "بقا الأيدين اللي زي دي لها القشطه دي تعرف تقتل؟"
"فرغلي؟"
صمتت سادين طويلاً بعد أن نطقت الكلمة.
توقف فرغلي عن ضرب الباب وهمس بوداعة: "أيوة فرغلي."
قالت سادين بصرامة: "لا، أنت مش فرغلي. فرغلي اللي أعرفه ميهجمش على بنات بلده في بلاد غريبه. فرغلي اللي أعرفه دافع عن شرفي قصاد ناس ميعرفهاش ومش ممكن يجي دلوقتى علشان يتهجم عليّ وأنا ست متجوزة."
وسأل فرغلي نفسه: "أحقًا تعرف أنني قاتلت من أجلها؟"
وضرب زلزال عقل فرغلي، الذي تحول لإنسان لا يعرفه، معدوم الشرف والمرؤة.
ثم تذكر وعود ليلى هانم: "خد سادين بالقوة وأنا هخلي صقر يطلقها وتبقى ملكك وكل واحد فينا يبقى نال مراده."
لطالما حلم بجسد سادين على سريره كل ليله في الأيام الماضيه.
"ملعون أنت إيه الحب، ظلمًا. فكل رجل يشتهي امرأة من قبل أن يطرق الحب باب قلبه. إن ما يعجبه بها ليس الحب على الأطلاق، ولم يكن الحب حاضر حينها ولم يأتي إلا متأخرا."
"إذا أخبرك شخص أن يحبك من أول نظرة أو لقاء أو كلمة، أخرج مسدسك صوب على قلبه ثم أطلق رصاصتك وأنت مرتاح الضمير. ما قبل الحب هناك متاهات من العتمة والرغبات المدفونة عميقًا داخل جسد متداعي يئن من الحرمان."
ترك فرغلي يديه إلى جوار جسده.
"إنها فقط مجرد امرأة ممنوعة والممنوع مرغوب، وأحيانًا يستحق، وأحيانًا لا يستحق. وأحيانًا نستحقه وأحيانًا لا نستحقه، وأحيانًا يستحقنا وأحيانًا لا يستحقنا. يحب الرجل بالعين ثم يدق قلبه، فلا تكوني أنثى ساذجة أو نرجسية تعتقد بتفردها. فكل الذين يدهسهم القطار يطون في دفاتر النسيان."
"أنا فرغلي يا سادين وقد حضرت هنا لأعمل معك عمل سيء، عمل أرغبه. لكن معك حق، أنا لست فرغلي في الفترة الأخيرة، كنت شخصًا غيرها."
"أخبرى زوجك صقر أنني أنتظره في القرية، أخبريه أن فرغلي ينوي منازلته وهزيمته. وأخبري نفسك أنك ستكونين لي إذا انتصرت!!"
صمتت سادين. كان الأمر محرجًا وخطيرًا جدًا، لكن فرغلي يقف على باب شقتها وما يمنعه عنها سوى بضع كلمات.
إما تقولها أو أما لا تقولها.
همست سادين: "سأخبر صقر."
سأل فرغلي: "والوعد الآخر؟"
"تعرف أنني أستطيع أن آخذك بالقوة، امنحني اختيار."
فكرت سادين: إذا حطم فرغلي الباب ستنتهي حياتي ولن أجد نفسي مرة أخرى.
إن شرفها الآن أهم من صقر، أهم من قلبها الذي بدأ يدق، أهم من العالم كله.
هناك ضريبة ستدفعها بنفس راضية.
"فهست لك كلمتي ولك وعدي."
"هناك شيء آخر يا سادين، لا تخبري صقر أنه في حال هزيمته ستكونين لي. هذا شرطي الأخير لأرحل من هنا."
"كم مرة علينا أن نتنازل؟ الحياة سلسلة متتالية من التنازلات اللعينة. كم مرة علينا أن نخرج خاسرين قبل أن نجد أنفسنا؟ لا أحد يعرف أنه أمر غير مؤكد، شريط جرار طويل لا آخر له ولا يعرف أحدنا متى يصل نهاية الطريق."
"أعدك،" همست سادين بنبرة ثابتة ثم أدارت ظهرها إلى الباب وهي تبكي بحرقة.
غادر فرغلي القاهرة والفرح يتنطط في صدره.
سادين ستكون له، ستكون له برغبتها، حينها سيرتشف رحيقها إلى آخر قطرة.
هذا النوع الفاخر من الترامادول سيسكره، سيجعله يحلق في عوالم من المتعة صاغ تفاصيلها ببراعة مع كل لحظة شرد قضاها على شاطئ النيل، تحت النخلة.
عندما عاد صقر إلى الشقه وجد سادين ميتة من النياح.
تبكي البنية حظها العاثر وحبيب على وشك أن تخسره.
حبيب لم يعرف بعد أنها تحبه.
وربما لا يعرف إلا الأبد أنها كانت تشتهيه مع كل حركة لو كلمها وهمس.
"فيه إيه يا سادين؟"
مسحت سادين دموعها: "اسمع يا ولد عمي أنا اديت راجل كلمة وعايزاك تحترمها."
وكان أكثر خوفها أن لا يحترم صقر كلمتها فتضطر أن تترك الشقه وتعود إلى الصعيد بمفردها.
"الوعد دين يا صقر."
"راجل مين؟"
"فرغلي يا صقر."
"فرغلي؟ وفرغلي كان بيعمل إيه هنا؟"
"كان جاي ياخد شرفي."
ضرب صقر الطاولة بيده كاد أن يحطمها.
"الكلب، الجبان." ثم أقسم أن يقتله.
قالت سادين بنبرة صارمة: "أنا مش هكون مراتك يا صقر غير لما تنتصر على فرغلي."
صرخ صقر بغضب: "الكلب دا لمسك؟ عمل معاكي حاجة؟"
"بتحدي،" همست سادين، "هيعمل لو انت مكسرتوش في نزال يا صقر."
ثم حكت لصقر كل ما حدث منذ أول لحظة وحتى وقت رحيله.
صمت صقر فترة طويلة، صنع لنفسه شاي ولسادين ليمون.
"أنا هحترم كلمتك يا سادين. هننزل البلد وهتعارك مع فرغلي، لكن المرة دي لأما أنا واما هو. شخص اعتدى على حرمة بيتي لا يستحق سوى الموت."
ترك صقر كل شيء خلف ظهره واستقل القطار إلى الصعيد.
يتبع….
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم اسماعيل موسى
جلس صقر جوار نافذة القطار حيث تمتد الحقول الخضراء، يتابع الفلاحين المبعثرين بين غيطان القمح والبرسيم والبطاطس. إلى جوارهم ترعى مواشيهم، وبين فينة وأخرى يلمح كلبًا أو هرة أو حتى يمامة تنقر طريقًا متربًا خاليًا. غير متأكد مما سيحدث له، لكنه مصر على بذل كل جهده.
"النتائج غير مهمة عندما تزرف عرق جبينك!"
إن كان فرغلي أو غيره سيهزمه صقر، ثم يقطع تلك الألسنة التي تأتي على سيرة سادينا. "بالله عليك، لا أفهم كيف يستطيع أن يخوض رجل أو امرأة في عرض امرأة أخرى، حتى لو كانت آثمة. إن اقتحام هذه المناطق الممنوعة يجعلها أسهل ويعتادها اللسان حتى تصبح شيئًا تافهًا مثل كلمة صباح الخير. اعتد الناس الموت أيضًا، توقفوا عن احترامه فتوقف عن احترامهم."
حكى له جبر والده عندما كان صغيرًا أنه من حيث يأتي الناس تحترم الموت. فلا يفتح تلفاز، ولا يوضع قدر فيه لحم، ولا تحلق لحية حتى يفعل أهل الميت ذلك. وإذا كنت تبني بيتًا أو تجهز شقة تتوقف عن ذلك، ولا يقام عرس إلا بعد مرور ستة أشهر. في هذه الأيام كان الناس يحترمون الموت، وكنت لا تسمع عن شخص خطف شابًا أو رجل سقط من طوله إلا نادرًا. أما الآن، يدفنون الميت وهم يحدقون بشاشات هواتفهم، وعندما يركبون السيارة ينتهي كل شيء. لا أحد يتذكر الميت سوى أهله، لأيام قليلة. فأعرف أن مصيرك النسيان من القريب والبعيد.
توفى جده منذ أقل من شهر، وتربع عبد التواب على قمة هرم العائلة. عبد التواب الذي رفض حضور دفنة جده وأقسم أنه إذا أتى سيقوم بقتله. "فليفعل عبد التواب ما في وسعه، اكتفى صقر من التنازلات. توكل من يقف في طريق الحق سينال عقابه."
"عايزاك تهزمه يا صقر، لازم تهزمه قدام كل الناس ومش أي هزيمة، نصر يجعله لا ينهض مرة أخرى."
"أنتِ صاحية؟"
"آه صاحية، بتفرج عليك وأنت سرحان، شكلك بيبقى حلو جدًا."
"المشكلة في أبوكي يا سادينا. أبوكي هيقف ضدي كمان وأنا مش عايز أزعله عشانك."
وضعت سادينا يدها على يد صقر. "أبويا تبراء مني وظلمني وصدق ما لا يصدقه إنسان شريف على ابنته. افعل ما تراه صواب يا صقر، أنا في ضهرك. سمح للناس أن تخوض في عرضي ولولا وجودك لكنت الآن ميتة جثة متعفنة تحت التراب. هو ووالدتي ليس لهم إلا ما أمر به الله، الطاعة فيما يرضيه. أما وقد حادوا عن الحق فلا طاعة لهم عندي."
"أنا عايزة سمعتي ترجع تاني وما أمشيش وأنا موطية في الأرض قدام الناس."
"وه يا بنت عمي، كلامك واعر. أنا وأنتي عارفين الحقيقة. مش كفاية يا صقر؟"
"لازم الدنيا كلها تعرف إني شريفة، وخصوصًا والدي ووالدتي."
همس صقر: "متسألش لما ننزل هنقعد فين؟"
"أبوكي مش هيسمح إننا نقعد في البيت الكبير؟"
"هننزل في البيت البحري يا صقر، إحنا لينا بيت في آخر البلد لسه متقسمش والكل ليه فيه نصيب."
رفع صقر عيونه: "وإذا اعترضنا حد هنعمل إيه يا سادينا؟"
"قلتلك يا صقر أنا في ضهرك. هتعمل اللي بيعمله أي شخص بيدافع عن حقه مهما كان الشخص ده مين."
لما وصلوا محطة القطار، كان عوض العلاف يحش البرسيم للبهائم في الزرعة الغربية. خلفه أكوام الربيع متراصة ورا بعضها، وإلى جواره ربط حمار أبيض يأكل العشب.
"يا مراحب، يا أهلًا وسهلًا، البلد نورت والله."
صرخ عوض عندما رأى صقر وسادينا يخرجون من المحطة ويسيرون في الطريق، ثم ركض ليسلم عليهم. عندما مد يده إلى صقر، سلم عليه صقر وجذبه ناحيته وأخذه في حضنه كصديق مقرب.
"تخرب هدومك يا صقر بيه."
همس عوض وهو يبعد جسده عن صقر.
"ازيك يا ست سادينا؟"
"بخير يا عم عوض، الأوضاع عاملة إيه في البيت؟"
"زي الزفت والله، والواحد مش عارف يلاقيها من فين ولا فين. الله يرحمك يا أبا عبد الكريم، كنت الوحيد اللي واخد بالك مني."
"اترك ما في يدك واركض جهز البيت البحري لصقر بيه يا عوض." همست سادينا بنبرة آمرة.
"طيب وإذا اعترضني حد ولا عبد التواب زعق لي، أعمل إيه؟"
"قول له صقر بيه أمرني بكده، واللي عايز حاجة يروح يقابله."
"هو انتوا جايين البلد تعملوا إيه يا صقر بيه؟ لا مؤاخذة في الكلمة يعني."
"هتعرف كل حاجة في وقتها يا عوض. عبد الكريم لو كان مات، لكنه ساب رجالة وراه."
راقبت العيون صقر وسادينا وهما يمرون في طريق القرية تجاه البيت البحري، وكان عوض العلاق يصرخ في البنات اللاتي أحضرهن لترتيب البيت: "بسرعة يا بت منك ليها! الباشا وصل وعايز كل حاجة تبقى تمام."
ثم اتكأ على الباب وزعق: "صقر رجع يا بلد، وكل واحد هيحط لسانه في بقه."
همست واحدة من البنات ساخرة: "هو صقر بيه هيعمل إيه؟ فرغلي مش هيسيبه."
صرخ عوض: "صقر سيهزم فرغلي ويصبح كبير العائلة، وحينها ستعرف كل واحدة منكن شأنها."
ضحكت فتاة وهي تتمسخر: "ليه يعني يا عوض؟"
"لأن صقر بيه هيخليني دراعه اليمين، وحتى المطاريد نفسهم هيخافوا مني."
ولم تتوقف الضحكات حتى وصل صقر وسادينا.
وما هي إلا دقائق حتى حضر عبد التواب وسعيد في العربة التي يجرها حصانين، وهو مرتدى جلبابه البلدي والشال الصوف فوق كتفه، وفي يده عصا والده عبد الكريم المنثنية عند نهايتها.
صرخ عبد التواب: "أنت! أنت يا زفت أنت يا بعوضة البرك! بتعمل إيه هنا؟"
وقبل أن يرد عوض، ظهر صقر وصرخ: "أنا اللي أمرته!"
"أنت! أنت ليك عين تظهر تاني بعد اللي عملته؟ والله عيب، مبقاش فيه كسوف ولا اختشى."
سار صقر بخطوات بطيئة وعكازه في يده حتى وصل عمه وثبت عينه في عينه.
"أنا صبرت عليك كتير يا عبد التواب، وسمعت واستحملت منك كلام يسم البدنة. اقفل خشمك ومتخلنيش أقل منكم."
"مش كده يا ولد أخوي، عيب." همس سعيد بنبرة تأنيب. "دا مهما كان عمك."
حدج عبد التواب سعيد بنظرة قاتلة تخبره أن يصمت. "أنا كبير العائلة وكل سيحترمني."
"اطلع برا بيتي يا صقر، أنت ملكش مكان هنا."
"دا بيتي زي ما هو بيتك يا عبد التواب، واحمد ربك إني منزلتش في البيت الكبير واحترمت رغبة سادينا مراتي."
"هتطلع يا صقر وهتسيب البلد كلها؟"
"مش هطلع يا عبد التواب، واعلى ما في خيلك اركبه. وأي حد هيقول كلام ماسخ ملوش عندي غير ده." ورفع صقر عكازه.
فرفع عبد التواب عكازه ووقفا أمام بعضهما.
ركض عوض العلاف ناحية سادينا التي كانت ترتب الهدوم في خزانة الملابس، وهو يصرخ: "يا ست سادينا! صقر بيه وأبوكي عبد التواب بيتعاركوا بره."
"بلا مبلاه." همست سادينا. "صقر عارف هو بيعمل إيه كويس. متخافش على أبويا، صقر مش هيأذيه."
"لكن مش هسيب حقه."
"طيب اطلعى هديه يا ست سادينا، ممكن الموضوع يخرج عن السيطرة؟"
"أنا عايزاه هايج يا عوض."
وفي الخارج، تجمع دياب وعقل أعمام صقر يحاولون تهدئة الموقف المتأزم. كان صقر قد شمر أكمام جلبابه وأقسم أن كل من يقع تحت يده لن يرحمه. وكان الناس قد تجمعوا يفصلون بينهم، وعبد التواب يصرخ: "مش هسيبه!"
وصقر ببرودة أعصاب يقول: "اتركوه، سأدبه ليعرف كيف يحترم الحق. سأقسم معه الأرض والبيت وأخذ حق والدي رغمًا عنه ورغم عن أي شخص هنا."
وكان هذا ما يوجع سعيد تحديدًا، الأرض والبيوت. فراح يهمس في أذن عبد التواب: "أهزمه هنا، وأنهي كل شيء."
لكن عبد التواب، وكان قد رأى التصميم في عيون صقر، همس بصوت خافت: "هسيبه لفرغلي. ولو فرغلي مخلصش عليه، أنا هخلص عليه بطريقتي."
ثم رحل سعيد وعبد التواب، وظل دياب وعقل مع ابن أخيهم صقر يؤنبونه أن ما حصل خطأ وأن عبد التواب عمه مهما كان.
عاملهم صقر باحترام بالغ وطلب منهم أن يقفوا في ظهره. "المشكلة ليست مشكلة عبد التواب، بل فرغلي وعائلته اللي بيخوضوا في عرض بنت أخيهم ولازم نأدبهم."
واستمالهم صقر بالحديث عن الشرف والنخوة حتى أصبحوا في صفه. ثم جلسوا أمام البيت يدخون الشيشة، وحينها ظهر فرغلي يسير نحوهم.
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم اسماعيل موسى
كان فرغلى يمشى تجاههم بخيلاء ويهز عكازة الذى يشبه الشومة بين يديه، شالة الصوف يرفرف فوق كتفيه كنسر.
شاربه الفاخر منتصب باستقامة تشعر أنه يؤدى تحية عسكرية، وفى عينيه بريق مزيج بين الثقة والأمل.
وكانت الريح خلفه تهز أعناق الحقول التى تمايلت برشاقة راقصة باليه روسية.
"أنت رجعت البلد يا ولد يا صقر؟ والله وجيت لقضاك."
راح عقل عم صقر يقف ليرحب بفرغلى، لكن صقر جذبه بقوة والصق مؤخرته بالدكة.
"عايز إيه يا فرغلى؟ إيه اللي جابك هنا؟ أنت المفروض رجلك ما تطأش الأرض دي. لكن أنا هحترم الأصول وأطلب منك تمشي في سلام."
أطلق فرغلى ابتسامة ساخرة.
"بقا أنت يا ولا هتعرفني الأصول، أنت متعرفش ماذا يعني اسم فرغلى داخل القرية؟"
"يعني إيه؟" سأل صقر ببرود.
"يعني الناس كلها لازم تحترمني وأولهم أنت وعيلتك. أنا فرغلى ولد صقر، أنا صاحب العكاز، أنا صاحب السلسلة غير المنتهية من الانتصارات."
نهض صقر بعصبية ووقف في وجه فرغلى.
"لو ما مشيتش من هنا يا فرغلى هقتلك ومش هيكون ليك دية."
"تقتلني؟" صرخ فرغلى. "تقتلني إزاي؟"
رفع صقر عكازه وبكل قوته ضرب فرغلى في جانبه، ثم دفعه بقدمه أسقطه على الأرض.
غير مصدق، تمرغ فرغلى على التراب بينما ارتفعت حواجب أعمامه بقلق وخوف.
نهض فرغلى بسرعة ونزع جلبابه وألقاه على الأرض، ثم رفع عكازه والشر يتطاير من عينيه.
وعندما لمح سادين تنظر من الشرفة، ارتفع الأدرينالين في عروقه.
"بقا أنت يا كلب بتاخدني على خوانة وأنا في أرضك. احمد ربنا إني ما قتلتكش. ولما أقول كلمة تعلم تقول حاضر. لو عندك مشكلة معايا، اقف تولول وتثرثر كيف الحري. ارفع نبوتك وواجهني راجل لراجل، دا لو كنت راجل."
وكان فرغلى أول مرة يسمع هذا الكلام من فم إنسان حي. أذنه غير معتادة على سماع تلك الكلمات، إنه يظن أنها غير موجودة في القاموس.
رفع فرغلى نبوته وضرب صقر، لكنه وجد يد صخرية تصد الضربة وعيون مستعرة بالغضب.
صقر الذي رفع عكازه وصرخ.
"صرخة مرعبة. متجبرنيش أقتلك هنا يا فرغلى، أنا عايز أقتلك والناس كلها حاضرة."
رفع فرغلى عكازه مرة أخرى وضرب صقر. إن رؤيته لسادين تتابع القتال أثارت حماسته ولن يخرج أمامها مهزوماً مهما حدث.
قفز فرغلى وسدد ضربة على رأس صقر. رفع صقر عصاه وصد الضربة قبل أن يتراجع خطوتين، تمنحه مساحة للمبادرة.
"جاى في أرضي وقدام بيتي تتحداني؟ يبقى ملكش عندي احترام ولا شفقة."
ورفع عصاه وضرب فرغلى ضربة علوية، ثم عدت ضربات قبل أن يضرب جانبه وجانبه الآخر. كان صقر يضرب بسرعة وفرغلى يصد الضربات المتتالية التي بقوة بلطة.
ضربات تحركه من مكانه، ضربات مشحونة بالغيظ والكره.
وكالعادة كان فرغلى يفكر بطريقة العصا، سينهد حيل صقر، سينهك ويتعب وحينها ستكون المبادرة له، سيريه من يكون فرغلى حقاً.
في الجزيرة عندما تعارك مع صقر، تعب صقر فجأة والأمر يتكرر مرة أخرى.
وكان صقر يعرف كل ذلك، لقد تعلم الدرس مائة مرة ويده القوية المتعرقة تهوي بالضربات على جسد فرغلى في كل مكان.
وعندما أصابه الإعياء، تذكر تهجم فرغلى على زوجته في شقتها، فزاد من قوة ضرباته.
ضرب لا يتوقف وفرغلى يكافح للوصول لسرعة صقر.
برشاقة، قفز صقر، أوهم فرغلى أنه سيضربه في رأسه، لكنه رفع عكازه في آخر لحظة ودفعه طولياً في صدر فرغلى.
وشعر فرغلى أن صدره شق من قوة الضربة.
الضريبة الأخرى في جانب فرغلى الخالي من الحماية.
ثم ركله من القدم أسقطه على الأرض.
"سوف أنهي كل شيء الآن."
رفع صقر عصاه والثقة تغمره وتعمي عينيه. تأخر للحظة سمحت لفرغلى أن يضربه في قدمه وهو ساقط على الأرض.
برقت عيني صقر ببريق مرعب. ألقى عصاه على الأرض وفتح صدره، ثم قفز فوق فرغلى المتمدد على الأرض كبل يديه وأجبره يسقط عكازه.
ثم بلكمات سريعة أمطر وجهه ورأسه.
لم يجد فرغلى طريقة سوى عصر جسد صقر، ثم تمرغا على الأرض حتى سقطا في الترعة.
وصقر لاعب الملاكمة يسدد ضرباته لجسد فرغلى حتى أخرجه من الجهة الأخرى.
"امشي من هنا يا فرغلى، ولو عيني لمحتك في ناحية تخصني، ورحمة أبويا جبر ورحمة جدى عبد الكريم، لأقتلك."
ابتعد فرغلى عن صقر. لم يرى العراك أحد من أهل القرية سوى عقل ودياب أعمام صقر وشهادتهما غير مقبولة.
إن ما حدث لم يحدث بالفعل، لكن داخله شيء اهتز. ثقته بنفسه، كيف يواجه تلك الآلة البشرية المدمرة؟ كيف أصبح صقر بتلك القوة التي لا تمل ولا تتعب؟
غاص وسط الحقول حتى لا يرى أي شخص الطين على ملابسه والماء يغرقه.
"والله لأقتلك يا صقر، هقتلك مهما كان الثمن."
أطلقت سادين زغرودة مجلجلة من الشرفة ونزلت تركض تجاه صقر.
أخذت العكاز من بين يديه وهمست.
"تعالى غير هدومك، كفاية لحد كده."
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الثلاثون 30 - بقلم اسماعيل موسى
سيب العكاز من ايدك يا صقر.
نزعت سادين العصا من يد صقر بقوة وهي تهمس: "وه عاد!"
ابتسم صقر: "مكنتش اعرف انك قوية للدرجة دي."
"واقدر اهزمك بدراعي كمان يا صقر، تحب تجرب؟"
أزال صقر العرق من على وجهه، وهمس: "نجرب."
أحضرت سادين طاولة واطئة ومدت يدها عليها وقالت بنبرة ثابتة: "تعالى."
جلس صقر وشمر كم جلبابه ومد يده ثم قبض على راحة يد سادين.
"أوريك يا ولد عمي."
تركها صقر تجذب يده وتميلها، كانت قبضتها قوية فعلاً.
"العب يا صقر، متقفش كده من غير حركة."
أسقط صقر يد سادين على الطاولة وهو يبتسم.
"العب تاني يا صقر، لازم أفوز عليك."
همس صقر: "مش هلعب ببلاش."
"تقصد إيه يا صقر؟"
"أقصد إن كل هزيمة هيكون لي طلب ينفذ بلا جدال."
"مع كل هزيمة هشوف حتة منك."
"واه عاد يا صقر؟"
"مالك خايفة؟"
"مش خايفة ولا حاجة، أنا لي قلب يفوت في الحديد."
"طيب يلا، مدي إيدك."
"متخليش ثقتك تعمي عينيك يا ولد عمي."
هزم صقر سادين في أول جولة ورمقها وهو يبتسم وهو تتخلى عن نقابها.
كانت المرة الأولى التي يرى فيها شعرها الأسود بوضوح، شعر ناعم مثل الحرير.
"مرة أخرى هزمها صقر."
توترت سادين وهي تنزع عبايتها.
ولما عرض عليها صقر أن تستمر همست: "خليها لليل، أنا عندي مشوار مهم."
"طيب اوعديني نكمل لعب بعد ما ترجعي."
همست سادين: "اوعدك."
قال صقر بنبرة أمره: "من حيث انتهينا."
"حاضر يا صقر، من حيث ما انتهينا، بس أنا بحذرك، لما أرجع هتلاقي واحدة تانية، صلبة مثل جذع الشجرة."
ثم همست بخوف: "إلى جاي هيكون أصعب، فرغلي مش هيسكت."
"ولا أنا كمان يا سادين، وقت السكات عدى من زمان ومن دلقوتي الإهانة هتترد بإهانة."
"أنا مش خايفة عليك من قوة فرغلي، متفهمنيش غلط، أنا خايفة عليك من الغدر."
ثم ضغطت على يد صقر فجأة جعلتها تلمس الأرض: "دا إلى خايفة إنه يحصل يا صقر، إنك تتاخد فجأة."
همس صقر: "انتي ضحكتي عليه يا سادين."
صوبت سادين نظرة صارمة على وجه صقر.
"اوعدني إنك تفضل صاحي على طول وعينيك وسط راسك يا ولد عمي."
"حاضر يا سادين."
صمتت سادين وصمت صقر.
"إيه مش هتنام؟ إحنا جايين من سفر طويل."
"أنا جهزتلك أوضتك يا صقر، تقدر تنام في أي وقت."
"غرفتي؟ يعني إيه؟ هتنامي في مكان وأنا أنام في مكان؟ الناس تقول علينا إيه؟"
"هنام في أوضتك حاضر، هروح المشوار دا وأرجع."
وقبل أن تصل الباب استدارت وخاطبت صقر: "اقلع."
"أنا هزمتك."
***
مرت سادين على البيت الكبير تسلم على جدتها ووالدتها، الأصول بتقول كده.
لكن جدتها قابلتها بوش متغير ووالدتها رفضت تشوفها.
تركت سادين البيت الكبير وقابلت عوض العلافي.
"عايزاك تراقب فرغلي وعينك متترفعش عنه، بعد إلى حصل ممكن فرغلي يعمل أي حاجة مجنونة."
"متقلقيش يا سادين، هراقبه زي ضله، أنا بحب صقر بيه وبعتبره زي أخويا."
"ولكن مش هعرض نفسي للخطر يا سادين، أنا راجل من غير عيلة ومفيش حد هيدافع عني، لكن انتو ما شاء الله."
"ماشي يا عم عوض، لو لاحظت حاجة غريبة تعالي قولي على طول."
انصرفت سادين وتركت عوض مع أفكاره.
"تقول عم عوض وأنا يدوبك أكبرها بعشرة سنين؟ والدها يصرخ طول النهار يا واد يا عوض يا زفت يا عوض وجدها يمنحني المهمات القذرة، إنهم لا يفرقون بيني وبين البهائم التي أعلفها ويعتبروني بهيمة زايدة والآن يسعون نحو خدماتي القذرة أيضاً. لماذا يقوم عوض بالتجسس على فرغلي؟ أليس عوض إنسان لديه شرف أيضاً؟ فما بالهم يربطون بين علافتي للبهائم وبين شخصيتي الحقيقية؟ يقولون يخدم البهائم ويعتقدون أنني حيوان، كلب أرمي له عظمة وأركله حيث أحب، أجله أطرده متى أحببت وقربه منك متى أحببت، وعلى كل حال سيأتيك راكضاً. نعم أنا كلب. الكلب في هذه الحياة يمثل علاقة الحب من طرف واحد، حينما يكون الشخص مضطر لتقبل أقل شيء ومهما رفض أو تعامل بسوء يأتي راكضاً بعد أول تلويحة."
ثم مر عوض بين البهائم التي يرعاها، إنه يخدمها من أيام كان طفل عندما قتل والديه بالخطأ في ثأر بين عائلتين كبيرتين.
ثم أخذه عبد الكريم ليخدمه من وقتها وهو يعيش مع البقر والجواميس وينام قربها، إنهم حتى لم يفكروا في منحه غرفة يسكن فيها.
أطلق عوض تنهيدة وجع طويلة: "أنا شخص غير مهم على الإطلاق ولن يتذكرني أحد إذا مت، ولا أعتبر كائن بشري."
وتذكر عندما هم أن يخطب ابنة علي الفاعل والتي رفضته لأنه علاف يخدم البهائم.
رغم أن والدها يشتغل عامل باليومية في أرض الناس من طلوع الشمس لغروبها.
"الملابس والوظائف والعائلة، ارتقى على قدر وظيفتك في هذه البلد الملعونة. أرى خلق لا تستنضف أن ترتديهم، حذاء يتحكمون في أرزاق العباد، سفهاء ومنافقين وأولاد ذوات."
"ياواد يا عوض مالك كده قاعد زي هباب البرك وسايب البهائم بتعيط؟ تكونش بتفكر؟ قوم ازقيهم ميه ولا ارميلهم شويت برسيم."
"وانت واحد منهم."
همس عوضي في سره وهو ينهض باصقاً نظره على عبد التواب: "جبان وخائن وقذر ولا أحد يعرف حقيقتك سواي، مرتدياً جلباب صوف وكبير عيلة. هزمك فرغلي مرتين وألقاك في الترعة، لو كنت شخص له كرامة لقتلت نفسك أو جلست في بيتك مثل الحريم."
وزع عوض حزم البرسيم على الجاموس ورمى العلف في المخالة.
وكان عبد التواب لا يزال واقفاً.
"انت مالك يا وله كده؟ بقالك كام يوم مش على بعضك؟"
"مفيش يا عبد التواب، تعبان شوية."
"عبد التواب بيه يا كلب، صرخ عبد التواب بعصبية، تكونش فاكر إن أيام زمان هتعود؟ عبد الكريم مات وأنا سيدك دلوقتي، والله وبالله لو ما احترمت نفسك لاربطك في النخلة واجلدك بالسوط إلى بضرب بيه خيل الكبرته."
"تحيلك، حيلك يا عبد التواب بيه، يا راجل بقا كده؟ دا أنا عاشرتك أكتر من أهلي وخدمتك وخدمت عائلتك أكتر من خمسة وعشرين سنة وبعتبر نفسي واحد من البيت تعمل فيا كده؟"
صرخ عبد التواب: "واحد من إيه يا ابن الصرمة؟ امشي انجر شيل السبخ من تحت البهايم، يلا يا وله قال إيه واحد من العيلة، جاتك القرف."
"والله لاقعدلك هنا يا عوض بيه."
ارتدى عوض قفازيه وراح يلم روث البهائم وعين عبد التواب تراقبه.
كان جلبابه قذر ورائحة العفونة تفوح منه وروحه تهيم في واد آخر.
"شفت إلى حصل لفرغلي يا عبد التواب بيه؟"
"ماله فرغلي يا زفت؟"
"هزمه صقر."
ثم جذ عوض العلاف على أسنانه واردف: "ثم ألقاه في الترعة."
يعرف عوض أن الذكريات لا تموت مهما حاولنا دفنها.
"إنسان لا تستطيع أن تواجهه احفر في ذكرياته عميقاً ستجد حتماً ما يؤرقه ويؤذيه، هناك حيث توجد أبواب الخذلان، الخيانات، يكفي أن تفتح باب."
"وانت مالك بشؤون الأكابر يا وله؟ خليك في حالك واشتغل من سكات."
شعر عبد التواب بالضيق في صدره، هذا الكلب ذكره بالماضي القريب، حيث ألقاه فرغلي في الترعة أمام كل الناس.
لو كان هو من هزم فرغلي لكان زمانه كبير البلد بلا منازع.
"الآن وقد هزم صقر فرغلي لابد أن يفكر في خطة أخرى، لن يترك شيء للصدف."
غادر عبد التواب حوش البهائم وأغلق الباب خلفه.
لقى عوض العلاف المقطف على الأرض بعصبية.
"بقا أنا تقول لي ما شأنك بالأكابر؟ ماشي يا عبد التواب، ماشي."
ثم سحب العصا التي يضرب بها البهائم وراح يضرب فلق نخل مزروع في الأرض، ضربه حتى تعب.
ثم خرج من الباب الخلفي ناحية بيوت عائلة أولاد صقر.
حيث الزرعة القبلية وكان فرغلي لحظتها خارجاً من دارهم.
مرتدياً جلباب نظيف ولاسة حمراء فوق كتفه.
مشى فرغلي ناحية الحقول وعيون فتحية بنت عمه ترمقه بلهفة من الشرفة.
"بنت زي القمر وفرغلي لا يعيرها أي اهتمام."
تأمل عوض فتحية وهو يبرم شاربه.
"كان لها وجه مدور مثل البدر في تمامه وعيون واسعة كعيون الخيل."
يمنح عوض نفسه حق تأمل البشر الذين يعرف أنه لن يصل إليهم إلا في الأحلام.
همس عوض في سره: "بنت مليحة بس يا خسارة واقعة في الحب."
"وعندما تقع فتاة في الحب تكون حكايتها انتهت."
والشمس كانت مائلة نحو الغروب من بعيد تتسحب خلف أشجار النخيل والصفصاف وتكسو الزرع بلون الذهب.
عبر فرغلي حقلاً وأخر قبل أن يمشي في فحيرة نحو النهر.
تأفف عوض وهمس: "هو الزفت دا راح يعمل إيه عند النهر دلوقتي؟ هي ناقصة قرف؟"
وعند النهر اظلمت الدنيا وكانت هناك قوارب راسية على الشاطيء عند شجرة الخروع.
لمح عوض المعلم يوسف كبير المطاريد ورجاله المسلحين.
يعرف عوض أن علاقة فرغلي مع المطاريد علاقة قوية ثابتة مثل جذوع النخل، لكنه شعر بشيء مريب.
شيء عليه معرفته.
تسحب بين سنابل القمح حتى وصل قربهم.
كانوا يتحدثون عن عائلة عبد الكريم، عن عبد التواب وسعيد.
ثم جاء ذكر صقر والعركة المنتظرة بينه وبين فرغلي.
"سيكون المطاريد حاضرين مختفين بين الحقول، إذا انتصر صقر سوف يقتلونه بلا تردد."
"فرغلي غير مستعد لخسارة سادين."
وقد سمع همسات تقول إنها لازالت عذراء لم تمس مثل جمر النخل العالي، جوهرة تنين في قصة خيالية.
سمكة تسبح في العمق بعيد عن شباك الصياد.
"أن سادين لي ولكم المال، بعد أن أتخلص من صقر سأضع عائلة عبد الكريم في جيبي."