تحميل رواية «غرام في قلب الصعيد» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يا جد عبد الكريم؟ يا جد عبد الكريم؟ أدار عبد الكريم رأسه تجاه الصوت وضيق حاجبه، كان عوض العلاف يركض نحوه قابضًا على طرف جلبابه بين أسنانه. همس عبد الكريم في سره: "عوض العلاف بوشه الفقرى مش بيجي من وراه خير". صرخ عبد الكريم: "خبريه يا ولد، أنت عامل تصرخ زي نمس الزرع؟" وقف عوض العلاف قرب الجد وهمس: "أنا لسه جاي من المحطة يا جد". رفع عبد الكريم حاجبه بغضب، تذكر الزرعة القبلية وخلافه مع عائلة أولاد صقر. "ما الصقورة عملوا حاجة تاني يا ولد يا عوض؟" "لا يا حج"، همس عوض بقلق وارتباك. صرخ عبد الكريم بغضب...
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسى
وقف الرجل الملثم على جرف النهر يراقب صقر.
لكن رصاصة انطلقت من مكان بالنهر، شرزت في الحجر، جعلته يهرب بين الحقول المظلمة.
توقفت الفلوكة فوق المكان الذي سقط فيه صقر.
وقفز شخصان داخل النهر خلف صقر.
كان التيار حركه لكن ليس لبعيد.
أخرجوه من الماء وضغطوا على صدره حتى أفرغ المياه.
ثم تركوه ممددًا على البطن حتى وصلوا الشاطئ.
"هنعمل إيه يا ريس يوسف؟"
داعب الريس يوسف شاربه.
"إحنا عملنا اللي علينا يا رجالة."
"ارفعوه على البر وهو ونصيبه."
همس واحد من المطاريد.
"أنا أعرف الشاب ده."
صرخ الريس يوسف.
"اكتم خشمك يا عدس. ورانا طلعة لازم نخلصها. لو كان ابن أصول وله عمر هيفتكرنا."
تركوا صقر ممددًا على التراب وانطلقت الفلوكة نحو المداعة.
سمع فرغلي صوت الرصاصة.
وكان فرغلي منذ نشأته لا ينام إلا متأخرًا، ويسير وسط الحقول المظلمة والأرض المقطوعة المسكونة بالأشباح، ولا يهمه شيء.
وكانت البيوت نائمة، فلا أحد يخرج في نص الليل إلا إذا كان مجرمًا أو ذا قلب ميت مثل فرغلي.
وهو يسير وسط الحقول، لاحظ حركة قادمة وأدرك أن هناك خطرًا.
"فصرخ: من هناك؟"
توقفت الحركة.
وبغريزة الثعلب، انبطح فرغلي على الأرض في اللحظة التي عبرت فيها رصاصة فوق جسده.
ثم حل سكون مميت، قبل أن يركض فرغلي بكل سرعته خلف الرجل الذي ركض هو الآخر، لكنه أفلح في الهرب منه.
لم يحتاج فرغلي أن يفكر كثيرًا ليدرك أن هناك مصيبة حدثت.
"فمشى تجاه النهر بسرعة ورأى كتلة ممددة على الأرض."
ركض نحوها، كان صقر.
تحسس فرغلي نبض صقر الضعيف.
ودار داخله صراع بين الشرف والجبن.
وجوده هنا في هذه اللحظة ورطة كبيرة مع عبد الكريم.
فـ"لعب العصا غير ضرب النار"، وإذا ترك صقر سيموت.
رفع فرغلي صقر فوق ظهره ومشى به خلال الحقول.
ثم دار حول الساقية البحرية حتى اقترب من دار عبد الكريم.
في حوش البهائم، ترك صقر وهرب وهو يسمع صراخ عوض العلاف.
"حرامي يا ناس! حرامي يا خلق!"
نزل عبد الكريم إلى حوش البهائم يحمل بندقيته.
وهناك وجد صقر يصارع الموت.
ارتفع صراخ النسوة، ونقل صقر إلى المشفى.
أخضع عبد الكريم عوض العلاف لتحقيق مغلق.
"من كان؟ ما شكله؟ ما هيئته؟ صوته؟ يحمل بندقية؟"
قال عوض العلاف بصراحة:
"يا أبا الحاج، إن شفت واحد وصرخت حرامي، بس هو كان شايل صقر ورماه على الأرض. عرفت كده لما انت وصلت."
"يا جدودي، عايزة كلام. دا أكيد فرغلي."
صرخ عبد التواب الذي اقتحم الغرفة عنوة.
"اقفل خشمك يا عبد التواب. دا كلام كبير، تروح فيه أرواح. يا ابوي، ملهاش حل تاني. مين هيعمل كده غير فرغلي؟"
"دا عايز يقضي علينا كلنا. بعد ما هزمني في العصا، مكنش قدامه منافس غير صقر. قال أخلص عليه بالمرة."
"وانت كنت فين يا عبد التواب؟"
"الليل بطوله مشفتكش غير دلوقتي."
نكس عبد التواب رأسه.
"هكون فين يعني يا ابوي؟ واحد مهزوم وتلقح في الترعة، هجيبها رقص قدام البلد كلها؟ أنا كنت مرزوع تحت نخلة حسين أبو دومة لحد ما سمعت صريخ عوض. مكنش ليا عين أدخل الدار."
عندما وصل مأمور المركز، عرف عوض ما عليه قوله أمام الحكومة في التحقيق.
"مشفتش حاجة. معرفش. الدنيا كانت ضلمة. أنا كنت خايف يا بيه والله مظلوم وما قتلته."
حاول المأمور أن يأخذ كلمتين من عوض، لكن عوض كان مثل الصنم، حتى فقد المأمور صبره وتركه يذهب، فلا فائدة منه.
أنقذ صقر.
وأخرجت الرصاصة التي اخترقت صدره.
ثم ترك في غرفة العناية المشددة لأكثر من يومين حتى استقرت حالته.
كانت والدته ليلى هانم حضرت من القاهرة، وأقسمت بالله أن تأخذ صقر إلى القاهرة وأن لا يعود لهذه البلدة العفنة مرة أخرى أبدًا.
وما أن استقرت حالة صقر حتى نقل في الطائرة إلى القاهرة.
داخل البلدة، لم يكن هناك حديث إلا عن صقر.
الرصاصة التي أطلقت عليه، ومن فعلها.
والشكوك كلها تروح نحو فرغلي.
وعبد الكريم يسعى وراء الخيوط التي أمامه.
فحق صقر لابد أن يعود.
وكان فرغلي يسمع الهمسات ولا يرد عليها.
التزم الرجل الصمت وأغلق فمه، حتى أنه توقف عن التفاخر بانتصاره في العراك على أولاد عبد الكريم.
كان شيء فيه تغير بعد هذه الليلة.
وكان يرى ويسمع الأصابع تشير نحوه في الطريق وفي المقهى.
وانقسمت الناس فرقتين: واحدة تتهم فرغلي، وأخرى تقول أن فرغلي رجل ابن رجل ولم يفعلها، وإن كان فعلها لقال ذلك ولم يخشى أحد.
وساد القرية هدوء حذر.
وكان كل رجل يحذر أبناءه من الخروج ليلاً إلى الحقول أو الابتعاد عن المنزل.
"محدش يضمن عيار طايش."
وازدادت حالات السرقة في هذه الفترة، ونشط المطاريد في السطو على المنازل المنعزلة، يسرقون منها البهائم وينقبون الجدران.
ولم يكن مستغربًا أن يسمع صوت الأعيرة النارية خلال الليل.
وما كان فرغلي أن يستمع لتلك التحذيرات، فقد كانت مثل عادته يخرج في نص الليل، يمشى وسط الحقول الواسعة ويدور حول القرية والساقية، بحثًا عن لصوص يوقفهم، أو شخص يحتاج مساعدة فيقوم بنجدته.
والتقى مرة بالمطاريد على جانب النهر.
ودار بينهم حديث طويل على أبخرة الشاي وصوت قرقرة الشيشة.
وحكى الريس يوسف أنه أنقذ شخصًا من الغرق بعد أن ضرب بالرصاص، وأنه تركه على البر.
وأن عدس رجله يقول إنه صقر حفيد عبد الكريم المتولي، وأنه لا يعرف إن كان ميتًا لو حيًا.
ولم يعلق فرغلي.
لكنه قال أن صقر حي، والفضل يعود إلى الريس يوسف ورجاله.
وكان فرغلي يفكر أثناء رجوعه إلى بيته.
"الريس يوسف لا يكذب، إنه قتال قتلة، لكنه لا يكذب."
وقد كان يظن أنه ربما يكون المطاريد وراء الرصاصة التي أصابت صقر، فربما يكون أحد اكتشفه عليه.
لكنه يعرف الحقيقة الآن.
من ضرب صقر بالرصاص حاول قتله هو أيضًا.
إنه رجل لا يمتلك شرف.
خائن ورخيص، ولابد أن يقبض عليه.
وكان عبد التواب وأولاد عبد الكريم يصرون أن فرغلي من ضرب صقر بالرصاص.
والدماء تغلي في عروق عبد الكريم.
أن ما حدث له في آخر أيامه لا كان على بال ولا خاطر.
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسى
تحسنت حالة صقر في القاهرة، خرج من المشفى وعادت إليه صحته. استطاع أن يركض في البداية، ثم بدأ يمارس تمارينه الرياضية.
وكانت ليلى هانم أقسمت على صقر أن لا يعود إلى الصعيد أبداً، وأنهم لا يحتاجون ورث ولا غيره.
عرفت من صقر الصراعات داخل القرية وما تعرض له أولاد عبد الكريم من ذل ومهانة، حتى جده نفسه كسر كرامته. وكانت ليلى سعيدة بتلك الأحداث، وفرحتها بعبد الكريم لا حد لها. ورغم أنها قليلة صلاة وعبادة، إلا أنها كانت تكرر أن هذا نتيجة دعائها المتواصل على عبد الكريم وكل نسله.
وكان هناك شيء مكسور داخل صقر. رغم شبابه والرياضة التي يمارسها، كانت هزيمته ضد فرغلي حاضرة في ذهنه. وهو يلعب ملاكمة، وهو يلعب تايكوندو، أو يركض، وهو في النادي، أو في البيت، أو حتى يتابع شغل والده.
كان صوت فرغلي يرن في أذنه: "قابل الحديد يا ولد. بقا أنت يا ابن البندر فاكر إنك ممكن تنتصر عليه؟"
وكان فرغلي عدوه، لكنه يكن له احترام كبير. ورغم بعده عن القرية، إلا أن صوتها حاضر في عقله.
وقد عرف أن فرغلي تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة قرب الساقية البحرية في النصف الأخير من الليل، وأن المجرم هرب دون أن يقبض عليه.
كما أنه عرف أن فرغلي حاول أن يمد يد الصلح إلى عبد الكريم بعد ما حدث له، أي صقر من الإصابة بعيار ناري. وأنه قال إن عليهم أن ينسوا الماضي ويفكروا في مصلحة العائلتين، وأن ذلك لن يحدث إلا عن طريق المصاهرة بين العائلتين، وأنه يطلب يد سادين للزواج.
رفض عبد التواب ذلك قبل أن يرد والده. لقد أقسم عبد التواب أنه حتى لو مات، فإن ذلك لن يحدث.
وغادر فرغلي المجلس غاضباً ويشعر بالإهانة، وقال لشيخ البلد إنه لا يرى رجالاً في عائلة عبد الكريم، وأنه سيواصل هزيمتهم إلى آخر يوم في عمره.
وكان أولاد عم عبد الكريم حاولوا أن يتعاركوا مع فرغلي، لكنه هزمهم جميعاً. وصرخ وقتها أن هذا بفضل الله، وأن الله يساند لأنه على حق.
كل تلك الأخبار التي كانت تصل صقر كانت ترفع سقف التحدي في صدره. "محدش هيقدر يوقف فرغلي إلا هو، ولم يفعلها شخص غيره من قبل."
وراح على مدى أسابيع يتفرج على نزالات بالعصا في اليوتيوب، ويتعلم الحركات. لكنه لم يشاهد شخصاً بنفس مهارة فرغلي، الذي كان يطلب في الموالد بالاسم والناس تتفرج على مهارته في كل مكان.
وكان صقر يعرف ما عليه فعله. إنه ابن أبيه خضر، ولن يترك جده في هذه المهانه.
اختلق صقر عذراً مقنعاً لوالدته يسمح له بالعودة إلى القرية. قال إنه لابد أن يأخذ ورث أبيه ويبيعه، ويقطع علاقته بالقرية والصعيد، ثم يستثمر المبلغ في المصنع.
استقل صقر القطار هذه المرة، ووصل القرية يرتدي جلباب صعيدي كان يحتفظ به. ووصل القرية قبل منتصف الليل، حيث كان معظم الناس نيام.
وجد جده عبد الكريم نايم على الدكة جوار الحطب وعيونه مفتوحة. وكان قد كبر عمراً كاملاً منذ تركه. لم يصدق عبد الكريم عينيه، واستقبل صقر بالقبل.
ثم نهض من مكانه ونادى على سادين باسمها أن تحضر غرفة صقر ابن عمها. ولم يستطع عبد التواب أن يكسر كلمة والده، وكان غير مرحب بالمرة بعودة صقر ولا رؤيته. وظل واقفاً على باب الدار، ولم يسمح لصقر بالدخول إلا بعد أن تأكد أن سادين انتهت من توضيب غرفة صقر وعادت إلى غرفتها.
استأذن صقر للذهاب إلى النوم. أغلق باب الغرفة ورمى جسده على السرير، فسمع خشخشة ورقة تحت الوسادة. فتح صقر الورقة التي كانت من سادين، وراح يقرأها.
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسى
كيفك يا ولد عمي؟
أتمنى تكون كويس وتكون عادت لك قوتك. سمحت لنفسي أن أكتب لك لأنني أحتاج ذلك، ولأن فرصة أن ألتقي بك وجهًا لوجه قد تكون معدومة.
أنا فرحت لما شفتك راجع الدار، وأخيرًا قدرت أتنفس. أنا بحملك مسؤولية أن ترفع راسنا تاني وسط الناس بعد ما العار طالنا. هو أنت يا ولد عمي ترضى أن بنات عمك يمشوا في البلد مطأطين الرأس وكل واحدة ملهاش أصل تلقح علينا الكلام؟
أنا بموت من نظرات الناس بعد نكسة والدي وهزيمته. أقولك، أنا كنت عارفة إن أبوي هيخسر، لكن البنات هنا محدش بياخد برأيهم. والدي اتكسر يا صقر، اتكسر قوي قوي. أنا حاسة بيه.
لازم تقف قدام فرغلي في أسرع فرصة وتاخد حقنا. ناخد حقنا يا صقر، وأنا... بأمنحك نفسي. يوم ما تكسر فرغلي ولد مدكور، أنا هصرخ قدام البيت كله، أنا هتجوز صقر.
وممكن تسأل نفسك إيه الجنان ده؟ وليه أعرض نفسي للخطر علشان خاطر واحدة يمكن مش عجباك ولا فكرت فيها كزوجها؟ أقولك ليه يا ولد عمي؟ لأني مكسورة قوي وكل ليلة بنام والدموع في عيني، ومافيش حاجة في إيديا أقدمها ليك إلا نفسي.
اهزم فرغلي يا صقر، ومتفكرش في أي حاجة تانية. لا والدتك ليلى هانم ولا والدي ولا أي حد. فوز يا صقر، وأنا في انتظارك. ومتنساش تتخلص من الرسالة.
قريت الرسالة وأنا بابتسم. حسيت بمشاعر مختلطة. أنا فعلًا رجعت البلد علشان كده، لكن مكنتش متوقع إن الوضع متأزم أوي للدرجة دي. وحسيت بالحزن على سادين وعلى بنات عمي وكل حريم الدار. لأول مرة أعرف إنهم منتظرين مني الكثير وشايفين فيا المنقذ لكل متاعبهم.
كانت ليلة مظلمة، ومن شراعة الغرفة النجوم تلمع مثل القناديل. في الخارج امتدت الحقول التي تحوي أسرار وخطايا ومطاريد، وكنت أسمع نباح كلب أو صياح ديك، قنقة ضفدع. وبدت النخلات خارج الدار كأشباح تحرس مقبرة متحركة.
الصبح على طاولة الفطار عرفت أن فيه عرس كبير عند أولاد صقر. قال جدي: "شيخ البلد المعفن وافق يجوز بنت أخوه لأخ فرغلي". بيركب الموجة شيخ البلد، هكذا وصفه جدي. في الماضي كان بيستعر من عيلة أولاد صقر، ودلوقتي بيناسبهم. وكان عبد التواب غضبان وسعيد بيلعن ويسب. ولم أعقب.
خلصت أكل وشربت الشاي وخرجت إلى الحقول. كنت عايز أقعد على شاطئ النهر. عقلي كان مشغول وكنت محتاج ألتقط أنفاسي بعيد عن الصخب والعراك.
وأخذتني رجلي للمطرح اللي انضربت فيه بالرصاص. وكان عقلي مشوش وأنا بتذكر الشخص اللي ضربني بالرصاص وجرني على النهر. كنت بحاول أتذكر شكله لأنه مش غريب علي. والشخص اللي شالني على كتفه، كنت فاقد الوعي وعنيه مغبشة، ولما كنت بفتح عيني مكنتش أشوف غير أكتاف قوية وأنفاس بترقص. أنا كنت هموت هنا واتكتب لي عمر جديد. وكانت الشمس دافئة وشقشقة العصافير تحيط بي.
قلعت جلابتي ومسكت عكازي، وكان جنبي جذع شجرة مقطوع. قعدت أضرب فيه بكل قوتي لحد ما جسمي تعب. ولاحظت إني بتعب بسرعة وأنفاسي مش ملاحقاني. وكان لازم ألاقي حل قبل نزال فرغلي. معقول تكون الرصاصة أثرت علي؟
وعلى شاطئ النهر المنعزل بعيد عن الناس، حيث تنمو حشائش الحلفا والغاب والغبيرة والسعدي، وجدت بقعة غطتها الرمال في فيضان النهر. كانت محاطة بسياج من الحلفا كأنها معزولة عن العالم.
مكان مثالي للركض. وهكذا فعلت. ركضت في الرمال التي تغطي قدمي، ركضت بلا توقف، ألف وأدور في مساحة تتعدى المائتي متر حتى انقطعت أنفاسي ثم سقطت على الأرض والعرق يغرقني.
بعد شوية ركضت تاني لحد ما الليل نزل. ثم قصدت الدار، وكان هذا سري الصغير. بعد كل يوم تشرق فيه الشمس، أتناول فطاري ثم أخرج ولا أحد يعرف وجهتي. أضرب جذع الشجرة المقطوع بالعكاز، ثم أختفي داخل الجزيرة وأركض حتى تغيب الشمس.
مضى أكثر من أسبوع على هذا الحال، وكانت قدرة تحميلي تتزايد باستمرار، حتى أنني كنت أركض أكثر من ساعتين متواصلتين. وبدأ جسدي ينحت وعضلاتي تشد والتعب يفارقني رويدًا.
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماعيل موسى
كنت دايما بروح مكاني السري من الناحية البحرية، بمشي لحد نهاية الحقول ونظري قدامي جزيرة الحلفة والغاب والهيش اللي بترعى فيها بهايم الفلاحين. أمشي على العشب جنب الهيش لحد ما أقرب من النهر وهناك أنعطف وأختفي داخل الجزيرة. وكنت أسمع الفلاحين بيقولوا إن فيه ذئاب بتحضر للجزيرة خلال الليل وإنهم بيسمعوا عواؤها. يمكن ده كان سبب إن ناس كتير مش بتروح هناك وإنهم بيقودوا الحيوانات قبل أذان المغرب لبيوتهم.
أديت تمارين التسخين والضغط. بعدها بدأت بالركض وقعدت أركض لحد ما استقر نفسي وحسيت بحركة وسط الحلفة.
بعدها طلع فرغلي شايل عكازه.
ما كنتش متوقع ظهور فرغلي وده أصابني بالدهشة والقلق.
رفع فرغلي صوته: "يعني لو قتلتك هنا محدش هيشعر بيك؟"
"يمكن أقتلك أنا يا فرغلي، وكنت عارف إن الرد الصارم بيمنحني بعض الوقت."
ضحك فرغلي: "إنت عارف وأنا عارف إني أقوى منك وأكثر خبرة وقسوة منك. إنت طري يا ابن جبر."
النهروسي.
وكانت المرة الأولى اللي أسمع فيها حد بيناديني باسم جدي الكبير.
"المرة اللي فاتت رحمتك قدام الناس وما رضيتش أهينك. اكتفيت بهزيمة أعمامك وجدك. لكن هنا وسط الجزيرة لازم أضع حد لعنادك. ليه رجعت القرية مرة تانية؟ ليه ما قعدتش في مصر وسط الناس اللي تعرفهم؟"
قلت: "أنا إنسان حر أقعد مكان ما يعجبني."
رفع فرغلي عكازه وضرب الأرض: "هنا أهزمك من غير ضميري ما يأنبني. ارفع عكازك يا ابن جبر، لاشوف يمكن فيك من دم أبوك."
مسحت العرق من على جسمي. مواجهة فرغلي حدثت بسرعة أكثر مما أتصور.
قلت: "لو هزمتك يا فرغلي هتعترف قدام الناس إني هزمتك؟"
همس فرغلي: "أنا راجل يا صقر. ولدي شرف وما ممكن أنكر هزيمتي."
قلع فرغلي الصديري وظهرت عضلات صدره وبطنه وساعده. كان فرغلي كتلة عضلات، أقدام قوية، وذراع صخري.
وأنا كنت قالع التيشيرت والعرق بيتصبب من جسمي.
حدد فرغلي دايرة بعكازه اللي جره بقوة وسط الطينة.
"نتعارك وسط الدايرة علشان ما يكونش فيه مكان للمراوغة أو الهرب."
"لو كنت خايف يا ولد جبر، امنحك اختيار الاستسلام وأوعدك محدش هيعرف حاجة؟"
"ارفع عكازك يا فرغلي، الظاهر إن البلد مش هتساعنا احنا الاتنين."
رفع فرغلي عكازه وهو على... بضربة بقوة صخرة. تلقيت الضربة القوية. كانت إشارة من فرغلي إن مفيش رحمة.
رفعت عكازي وضربت فرغلي بعكازي. ورغم إني استخدمت كل قوتي ضربتي كانت أضعف من ضربة فرغلي بكتير.
"أنا لعنتكم يا ولاد عبد الكريم، العفريت اللي طلع لكم من تحت الأرض." وضربني تاني وتالت وأنا بصد الضربات.
وارتفع صراخنا وسط الجزيرة وليس هناك متفرجين سوى حشائش الغاب والحلفة.
قعدت أتطوح يمين وشمال علشان أضيع تركيز فرغلي. اللي صرخ: "قاتل مثل الرجال يا ولد، تقدم، تقدم." ولم تكن هناك فرصة للرجوع. وروحت استخدم سرعتي، أركض بكل سرعتي وأضرب فرغلي ثم أتراجع بسرعة ولا أسمح له بضربي.
سد فرغلي على كل الطرق وحصرني في مكان ضيق.
وهناك التقى العكاز بالعكاز. ضرب سريع من كل جهة.
وصد بسرعة لا تحمل الخطأ.
تلقيت ضربة من عكاز فرغلي وأمسكت طرف عكازه وجذبته نحوي. التقى صدري بصدر فرغلي وقعد كل واحد منا يدفع التاني يحاول زحزحته. وكان يصرخ وأنا أصرخ وأدفع بكل قوتي. ثم في لحظة مفاجأة أرخيت عضلات يدي، سحبت نفسي ثم أمسكت فرغلي من كتفيه ورفعته. دورت به في الهواء وأسقطته على الأرض خلفي. ثم بسرعة استدرت وضربته بعكازي.
تصدى فرغلي الضربة بعكازه وهو واقع على الأرض. ثم ضربني بقدمه في ساقي أسقطني أرضاً.
وبقينا في مواجهة بعض على الأرض مثل ذئبين يستعدان لأكل بعضهم. ضربني فرغلي في صدري بلكمة وضربته بلكمة وسقط كل واحد منا على الأرض.
حسيت إن صدري بيوجعني. ضربة فرغلي جات في جرح الرصاص.
وكان العرق يتصبب منا.
لما وقفنا مرة تانية.
صرخ فرغلي: "إنت أخدت أكتر من وقتك يا ولد جبر."
وقعد يضربني بقوة وبسرعة ومهارة حتى أنهك جسدي.
ضرب من كل ناحية وبمهارة غير معقولة وقلبي ينبض داخلي بقوة وصدرى يوجعني.
ضربت فرغلي مرتين على ضهره وضربني تلت مرات في بطني وضهري وكتفي.
كانت قوتنا ضعفت وعضلاتنا استسلمت وأصبح تلقي الضرب أمر عادي.
يضربني فرغلي بعكازه وأضربه بعكازي. أصبح البقاء الأكثر صمود. ولم يمضى وقت طويل حتى شعرت إن قوتي سوف تخونني. أدرك فرغلي ذلك.
لكنه كان مرهق أيضاً ولأول مرة أحس إنه خايف من الهزيمة حتى لو كانت احتمالاتها قليلة.
صرخ فرغلي: "استسلم يا ولد جبر، استسلم هنا قدامي."
صرخت: "مش هستسلم يا فرغلي."
فما كان منه إلا أن ضربني بكل قوته على كتفي. ضربة كادت أن تسقطني على الأرض.
نهضت وضربته في جانب معدته ضربة قوية جدا.
وكنت عارف إني مش هستحمل أي ضربة تانية.
رفع فرغلي عكازه ولوح بيه في الهواء وأنا أنتظر مصيري بثبات. بعدها صرخ: "مش النهاردة يا ولد جبر، لازم تكون قدام الناس."
أدان فرغلي ضهره ومشى. صرخت فيه: "إنت ما انتصرتش يا فرغلي. وأوعدك اللي بعد كده هيكون كله ليا."
بعد ما فرغلي اختفى رميت نفسي على الأرض ميت من التعب والإرهاق.
كان جسمي كله عرق وعضمي كله متكسر.
من بين الحشائش طلعت سادين كأنها ملاك.
"أنا شفت كل حاجة يا صقر."
همست بخوف: "إنتِ إيه اللي جابك هنا؟"
"خليك نايم." همست سادين وهي بتشيل طرحتها وبتجفف بيها عرقي.
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماعيل موسى
ما قدرتش أخبي قلقي على سادين.
"إنتي ليه خاطرتي بنفسك وجيتي هنا؟"
"كان لازم أكشف سرك يا صقر."
"كل يوم الصبح تخرج من الدار ومترجعش غير وقت الليل."
"إنتي لازم تمشي يا سادين حالا، مش لازم حد يشوفك هنا."
همست سادين: "لكن جسمك متكسر يا صقر؟"
"إنتي شفتي العراك؟"
"أيوه شفته."
"وإيه رأيك؟"
"إنت قوي يا صقر، لكن تنقصك الثقة اللي عند فرغلي. لازم تكسب الثقة قبل عراكك مع فرغلي."
ابتسم صقر: "ودا يحصل إزاي إن شاء الله يا ست سادين؟"
"تكسب نزالات يا صقر. عارك ناس مختلفة وجديدة، حقق انتصارات وخلي فرغلي للآخر."
بدأ الليل يتسلل بين أغصان الحشائش، وكان لازم سادين تروح. قمت ولبست التيشيرت بتاعي وحسيت بنغزة في صدري أجبرتني أقف.
همست سادين: "اتكي علي يا صقر، خليني أرجعك البيت."
فرغلي:
"وكنت واقف هناك بين الحشائش أحمل عكازي، شاهد على قصة حب اتولدت أمام عيني."
"سمعت خطوات سادين قبل ما أرحل، فوقفت في مكاني أسمع وأرى ما يحدث."
"لم يكن لدي أدنى شك في صقر، كنت أعرف أخلاقه. إنه عدوي لكنه شريف ويمتلك قلب طاهر ونقي."
"راقبتهما وهما يغادرون الجزيرة، وعندما وصلا الحقول المفتوحة قصدت منزلي."
أنزلت سادين يد صقر من على كتفها.
"معلش يا ولد عمي، لازم تكمل طريقك لوحدك من هنا. مش لازم حد يشوفنا مع بعض!"
وقف صقر في مكانه، واختفت سادين بين الحقول نحو الدار.
وبعد ساعة، جلسها صقر على الأرض قصد الدار حتى لا يربط أحد بين وصولهم للمنزل.
وما كان لليل أن ينطوي دون مفاجآت، فقد سرت الهمسات بين جنبات البيوت الطينية المسقوفة بالخص عن علاقة محرمة تجمع بين صقر وسادين.
لقد كانا بمفردهما في الجزيرة وسط الحشائش، ولم يتركها إلا عند بداية الحقول، وكان يحتضنها بذراعه.
تلك الهمسات التي كانت خافتة في البداية، سرعان ما توسعت حتى شملت كل بيوت القرية، بين مصدق ومكذب. لم يكن للقرية شغلة إلا تلك العلاقة السرية.
"إن ابن البندر أوقع البنت في حبه، فأخلاق القاهريين تختلف عن أخلاق الصعيد."
لكن الهمس واللمز الذي انتشر توقف عن عتبة دار عبد الكريم.
ففي كل مكان يتوقف الخبر عند باب صاحبه.
بعد أن استعاد صقر عافيته، اتبع نصيحة سادين. كان يبحث عن الأعراس كل ليلة، وينازل بالعصا وينتصر على كل من يواجهه. وكان يذهب لكل عرس لا يوجد به فرغلي، وراحت سمعته في الضرب بالعصا تنتشر وتتعدى حدود القرية.
وكان موسم الموالد قد حل، وكان يقصد تلك النزالات شبان من كل البلاد والنواحي، وعلى صوب الطبل والزمر يعارك صقر وينتصر، والأخبار تصل إلى فرغلي فيزداد غضباً وحقداً.
فقد كان دائماً هو من يتلقى المديح وليس شخص غيره.
لكنه كان مشغولاً بعرس أخيه من ابنة أخ شيخ البلد، ولم يمكنه ترك البيت أو القرية.
وكان يعرف أنه عندما يعود للساحة، فإن مكانه محجوز، لا أحد يهزم فرغلي.
في يوم العرس، دعا فرغلي كل عائلات القرية وعائلة عبد الكريم أيضاً.
لكن عبد الكريم أقسم أن لا يذهب وأن لا يضع واحد من أولاده قدمه في أرض عائلة أولاد صقر حتى يأخذ بثأره.
فبأي عين يمكنهم أن يذهبوا إلى هناك؟
وفي يوم العرس، ارتفع الطبل والزمر في مكبرات الصوت، وكل البيوت ارتدت ملابسها الجديدة وذهبت إلى الفرح، إلا بيت عبد الكريم.
بعد العشاء، كان عبد الكريم قاعداً أمام البيت، جنبه عبد التواب وبقية أولاده.
نزل صقر من غرفته يرتدي ملابس جديدة، وفي يده عكاز قديم يعرفه عبد الكريم.
"إنت رايح فين يا صقر؟"
صمت صقر لحظة.
"رايح فرح فرغلي يا جدي."
"فرغلي؟" صرخ عبد التواب. "إنت اتجننت؟ آخرة اللي بناخده من عيال البندر!"
وقف صقر أمام جده بثبات.
"إحنا لينا حق عند فرغلي ولازم ناخده يا جدي!"
صرخ عبد التواب: "وإنت بقا اللي هتاخد بتارنا؟ تكونش صدقت نفسك يا صقر؟ دا أنا نفسي هزمني فرغلي قدامك ومقدرتش أعمل حاجة."
"إذا كان فرغلي هزمني أنا، فمحدش هيقدر يقف قدامه."
همس صقر: "أنا رايح على كل حال، مش هيحصل أكتر من اللي حصل."
صرخ عبد التواب: "إنت بقيت بتلقح زي الحريم يا صقر؟ متقولها بالمفتشي يا ولد أخوي! إنت شمتان فيه وفي أعمامك؟"
"أنا معنديش وقت للكلام ده يا جدي. إنت لازم تيجي معايا يا جدي. الليلة رأسه هتترفع تاني بين الناس. الليلة هاخد بتاري من فرغلي قدام كل الناس."
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسى
صرخ عبد التواب:
"هتروح معاه يابوي؟ هتروح وسط ولاد صقر عشان تتقل قيمتك مرة تانية؟"
"لأ، والمرة دي انت اللي رايح بنفسك، مفيش حد طلبك ولا اعتدى عليك."
"تخيل يا والدي، صقر ينهزم وانت واقف وسط كبارات البلد ومشايخ القرى؟ واقف عريان وسط هدومك، هيكون شكلك إيه؟"
صرخ صقر بغضب:
"كان جدي حاضر وقت هزيمتك يا عبد التواب، وكان حاضر وقت عركة الأرض وانت مطروح على الأرض."
رد عبد التواب ببرود:
"معاك حق تسخر مني يا واد ليلى، أصل أبوك سابك لأمك تربيك. لكن أنا هقولك على الأصول يا واد أخويا."
"يوم العركة كان عركة ووارد أي حاجة تحصل فيها، وهما كانوا أكتر مننا واتجمعوا علينا."
"ويوم الكوبري لما تهورت أنا وقاتلت فرغلي، كان في مكان محايد وكان الوقت عصر وكل اللي موجودين شوية شباب مالهومش أصل."
"لكن انت يا صقر هتروح لفرغلي قدام بيته، لأ ومش بس كده."
"قدام كل الناس في فرح أخوه."
"يعني ملكش حق، ومعتدي عليك ولو قتلك ملكش دية."
تأبر صقر:
"اسمع يا عم عبد التواب انت وكل أعمامي، أنا زهقت من كل الكلام ده."
"أنا مش قادر أشوف نظرات الناس ليكم."
"جدي عبد التواب اللي الناس كانت تحلف باسمه بقى لبّانة على كل لسان."
"وحتى لو هموت فيها مش راجع، وانت يا عبد التواب أبكي ونوح زي النسوان، هي عاداتك ولا هتشتريها؟"
ثم مشى صقر وعكازه في يده وسط الطريق الخالي، بعد أن ذهب كل الناس إلى العرس.
مشى وهو يطلق دفعات من الغضب جعلت جسده يتعرق.
"أما أنا، أما انت يا فرغلي. أنا دخلت مطرح مش مطرحي ولقيت نفسي محشور فيها ومش هقدر أتنفس ولا أرجع زي زمان غير لما أتخلص من العقده دي."
وكانت المقاعد والدكك المفروشة جلس عليها الناس، والنساء تغني وتزغرد، وضيوف شيخ القرية الذين حضروا من كل مكان يجلسون في أبهة يأكلون الفاكهة ويدخنون الشيشة.
وارتفعت العيون مع مرور صقر في الممر بين المعازيم بملامح وجه صارمة، ثم صعد الفراشة وأمسك مكبر الصوت من يد الطبال وقال:
"أنا صقر جبر عبد الكريم، حضرت هنا لأعارك أولاد صقر كلهم عن آخرهم، فالأعراس لا تحلو دون ضرب العصا."
استحسن الناس الفكرة وسرعان ما تجمعت الناس حول الدائرة.
ولم يكن فرغلي موجود وازداد الحماس بين الناس، واضطر أحد أولاد عمه أن يتقدم للنزال وخسر بعد جولتين.
ثم خسر شاب صغير آخر من أولاد خالة فرغلي، وخسر ابن شيخ البلد الذي كان يجامل نسايبه.
وكل من دخل الدائرة هُزم بعد جولة أو جولتين، وكان الناس يتهامسون: "أين فرغلي؟"
وهمس شيخ البلد: "هذا الولد سيتواصل هزيمة أولاد صقر حتى تشرق الشمس."
وأحس باستياء واغتاظ من عبد الكريم لاختياره ذلك الوقت بالتحديد لإرسال حفيده لإفساد فرحته.
صرخ شيخ البلد في الغفير:
"هات لي فرغلي من تحت الأرض ومتتأخرش."
وكان وقت عودة صقر تأخر وعبد الكريم يضرب يد على يد أمام الدار.
عبد التواب يهمس بسخرية:
"تلاقيه دلوقتي رماه في الترعة؟ ولا ربطه فوق حمار وهيلف بيه البلد كلها."
ولم يتحمل عبد الكريم أكثر من ذلك، صرخ بأعلى صوت:
"عوض؟"
ركض عوض العلاف نحو الجد:
"نعم يا أبا الحج؟"
"روح شوف لي صقر تأخر ليه يا عوض."
لف عوض عينيه في أولاد عبد الكريم وتساءل:
"لما أنا؟ قد يضربني أولاد صقر أو يقتلونى وأنا فقير، لا دية لي؟"
همس له:
"يا أبا الحج، هو صقر ملهوش أعمام ولا إيه؟ مقطوع من شجرة يسيبوه لوحده وسط عيلة كاملة؟"
سحب عبد التواب حذائه وصرخ:
"بتقول إيه يا كلب انت؟ والله لأقطع شلقك خالصورك."
ركض خلف عوض العلاف لكن عبد الكريم صرخ:
"سيب عوض يا عبد التواب."
ثم مشى وهو يترنح:
"روح يا عوض متدخلش الصوان، اعرف الأخبار من بره وتعالى قولي."
وصل عوض العلاف الفرح الهائل كان هناك خلق كثير. نظر من فتحة داخل قماش الصوان فوجد صقر يتعارك مع أولاد صقر ويهزمهم واحد تلو الآخر والناس يصفقون. صقر هزم كل العائلة ولم يتبقى سوى فرغلي.
فركض بكل سرعته مثل جحش على بليلة، أسرع جحش في القرية ووصل وهو يلهث ويصرخ:
"يا أبا الحج، يا أبا الحج، صقر يا أبا الحج، صقر بيهزمهم كلهم."
وقف عوض يسترد أنفاسه:
"شفت صقر يا جد زي الوحش بيضربهم بعكازه وسايقهم زي الغنم وسط الناس."
"واين فرغلي؟" سأل عبد التواب.
همس عوض العلاف:
"بيقولوا هرب لما عرف إن صقر رايح هناك يا عم الحج، أصل الواد صقر دا ولد بمية راجل."
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسماعيل موسى
همس عبد الكريم
بتقول فرغلي مش هناك؟
زعق عوض العلاف
أيوه يا أبا الحاج مش هناك
صمت عبد الكريم
لو صقر ذكي يسيب الفرح دلوقتي
وقتها هيكون فرغلي بعد هزيمة كل عيلته مضطر يطلب عراك مع صقر
ويكون صقر حر في اختيار الزمان والمكان
والمكان هيكون هنا قدام بيتي أمام كل الناس
همس عبد التواب بلؤم
متزدوش طموحك قوي يا أبوي
صقر طري، لين، وفرغلي حتة حديد اسألني أنا
صرخ عبد الكريم
اسكت انت يا عبد التواب
عمال تكسر في مقاديف أخوك من الصبح
والله لو فتحت خشمك تاني لكون ضاربك بالبلغة
صقر راجل وهناك وسط أعدائنا وأنت هنا قاعد تقطع في جثته يا أخي
خلى عندك شوية نخوة
افتكر لما فرغلي رماك في الترعة قدام كل الناس
دلوقتي صقر بيحاول يرجعلك كرامتك
كسرت الصقيع في جسد عبد التواب
أن ما يقوله والده حقيقي
لكن كون ابن أخيه يهزم فرغلي ويعود الفضل له
فكرة لا يحبها ولا يرحب بها أبدًا
وأقسم أن لا يسمح لصقر بالفوز حتى لو اضطر لضربه بنفسه
ارتفعت الزغاريد عند عائلة أولاد صرخ
و أدرك عبد الكريم أن فرغلي رجع إلى مكانه
شعر بنغزة في صدره ثم نهض وهمس
تساعدني يا ولد يا عوض
لازم أكون جنب صقر دلوقتي
ولما وصل هناك كانت العركة بين صقر وفرغلي بدأت منذ زمن
وفرغلي يحمل على صقر بكل قوته
صقر المنهك من العراك الذي خاضه منذ أول الليل
عندما رأى صقر جده، عادت إليه قوته
وعندما جلس عبد الكريم بين الرجال بفخر
أقسم صقر في سره أن ينتصر حتى لو مات واقفًا
وكان النزال استمر أكثر من نصف ساعة
وفرغلي يصرخ مثل الوحش
ثم ضرب صقر في صدره في جرح الرصاصة
شعر صقر بالدوار وكاد أن يسقط
حينها أدرك صقر أن لديه فرصة واحدة
أن يهزم فرغلي بأقصى سرعة
ابتسم فرغلي عندما لمح صقر يترنح
ونظر إلى الجمهور بفخر وغروره
وكان صقر منحني نصف انحنائه
عندما نوى فرغلي أن يقضي عليه
رفع عصاه وضاع تركيزه للحظة
سمحت لصقر أن ينقض عليه
ضربه في معدته بالعكاز
وقبل أن ينتبه ضربه في رأسه ثم في قدمه
انحنى فرغلي
وتلقى الضربة الساحقة من عكاز صقر
ضربه أسقطته على الأرض
وساد صمت طويل بين الحضور
عندما وقف صقر فوق فرغلي بعكازه ورفعه في الهوا
وضع فرغلي يده فوق وجهه يتقي العكاز
لكن صقر توقف في آخر لحظة ولم يضربه
بل رفع عكازه وصرخ
واحدة بواحدة
ضرب فرغلي أعمامي وانتصر عليهم
وهزمت أنا عائلته
وانتصرت عليه أمام بيته
وارتفع همس صقر
اصمله عليه اصمله عليها
اخترق صقر الحشود وامسك بيد جده
يلا بينا يا جدي
سير وأنت مرفوع الرأس
وترك فرغلي خلفه مضرج بالدماء
وتحول العرس إلى مأتم
عندما وصل صقر إلى دار عبد الكريم ارتفعت الزغاريد
وهزت جدران الدار
حينها نزلت سادين وهمست في أذن جدها ببعض الكلمات
صمت عبد الكريم لحظه ثم ابتسم
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسماعيل موسى
انتفضت القرية على خبر هزيمة فرغلي. كان فرغلي أسطورة، مثل أبو زيد الهلالي. لم يتخيل أحد هزيمته أبداً. حتى في أضعف حالاته، مثل مان سيتي مع جوارديولا، كانوا واثقين من نصره.
الآن، هناك من يحكي أن صقر أسقط فرغلي على الأرض وأذله، ورفع عكازه فوق رأسه، وأن فرغلي استسلم. زم صقر كل عائلة فرغلي في ليلة واحدة. وكان هناك من لم يصدق ذلك حتى رأى وسمع بعينيه.
أمر عبد الكريم بإحضار الطبل والمزامير.
"كما احتفلوا بهزيمته، سنشرب الشربات على شرف هزيمة عائلة أولاد صقر."
حضر الطبل والمزامير. وقف عبد الكريم فوق خشبة المسرح بيده مكبر الصوت.
"اليوم الفرحة فرحتين. سنحتفل بانتصار صقر على فرغلي، و بخطبته على سادين بنت عمه عبد التواب."
وقع الخبر على عبد التواب مثل الصاعقة. رغم ذلك، لم يكن بيده شيء ليفعله. والده قرر أمام كل البلد، وما عليه سوى السمع والطاعة.
بدأ الناس يتوافدون على بيت عبد الكريم يهنئون، يدخنون الشيشة ويتضاحكون. هذه الليالي التي ينتظرونها وتعيدهم لزخم الماضي القريب.
وفي بيت فرغلي، بعد أن انصرف الناس، صرخ أخوه عتريس:
"سبقنا صقر ولد جبر ينتصر علينا ويتجوز بنت عمه، وإحنا نسكت كده؟"
وكان فرغلي يجلس على الدكة يفكر في شرد، غير مهتم بالفوضى التي تحيط به.
"والله لأفضحن هذا النجس."
صرخ عتريس بغضب:
"الناس كلها عارفة إيه اللي بينه وبين سادين، وشافوه معاها في الجزيرة. وعبد التواب عامل نفسه شريف، وعبد الكريم عايز يبقى شيخ بلد."
"طاب بلد إيه دي، إلا شيخة حفيدة نجس وبتاع نسوان؟"
صرخ فرغلي:
"اسكت يا عتريس، متخضش في أعراض الناس من غير دليل."
صرخ: "دليل إيه يا فرغلي يا أخويا؟ بقلك الناس شافتهم مع بعض في الجزيرة وسط الحلف والغاب."
همس فرغلي:
"محصلش. الكلام ده كله كذب. صقر شريف وبريء."
"انت اللي بتقول كده يا فرغلي؟ دا عدوك يا فرغلي، عدوك. ولا كمان أخد البت اللي انت غاويها وعايزها!"
"عداوتي مع صقر أمر، وخوضي في شرفه وشرف عائلته شيء آخر. أنا مش شفت من صقر غير الشرف والرجولة. وأي إنسان في بيتي يخوض في سيرته بما يغضب الله، هيبقي لي معاه صرفة تانية."
ثم شرد مرة أخرى يتذكر عراكه مع شباب القرية المجاورة هذه الليلة، وقبل عراكه مع صقر، لأنهم كانوا يذكرون صقر وابنة عمه بالسوء. لقد وقف لهم فرغلي وتحداهم وأسكتهم عند حدهم، وتعرض لضربة سكين من واحد منهم في مؤخرة ظهره، فما كان منه إلا أن يسكت عن الحق، وهو الذي رأى بعينه كل شيء.
وبين ضرب الطبلة وصفير المزمار، وصلت الإشاعة لوالدة سادين، ومنها إلى عبد التواب. وكان صقر يرقص بفرح مع جدته على نغمات المزمار. وعبد التواب يرمقه بغضب، وقد استعرت الدماء في صدره.
"الكلب اعتدى على شرفي، والآن يستغفلهم ويريد أن يصلح خطأه."
ثم ركض داخل الدار وأمسك سادين من رأسها وجرها على الحوش والسكين في يده.
وسادين تصرخ فيه:
"إيه يابا، فيه إيه؟ كتير يا بت تحسين، جبتي راسي الأرض وفضحتيني. سبتيه يعمل فيكي كل حاجة، وبعد كده تطلبيه للجواز؟ إيه اللي حصل بينك وبين صقر في الجزيرة يا فاجرة؟"
أقسمت سادين أن لا شيء حدث بينهم، والله شاهد على كلامها.
"يعني كنتي في الجزيرة يا سادين؟"
"نعم كنت يا أبويا."
"لوحديكم؟"
"لوحدنا يا أبويا."
"وعايزني أصدق إن مفيش حاجة حصلت بينكم؟"
"والله العظيم دي الحقيقة يا أبويا."
رمى عبد التواب سادين على الأرض ووضع السكين على رقبتها.
"هقتلك وأغسل عاري."
صرخت تحسين:
"سيب البت يا عبد التواب، اللي بتعمله ده هيزيد الطين بلة."
"خليه ياخدها ويغوروا من هنا."
صرخ عبد التواب:
"ياخدها ونثبت للناس إنها غلطت معاه؟"
همست تحسين:
"حتى لو قتلتها يا عبد التواب، هتثبت الجريمة. العار طالنا وخلاص."
راحت سادين تصرخ:
"يا مراري، يا مراري. والله ما حصل حاجة."
وبالجريدة، راح عبد التواب يضرب سادين ويفش فيها قهره، مما أفزع البهائم التي كانت تشاهد الضرب وراحت ترفض وتهيج.
"الحق يا أبا الحاج." همس عوض العلاف في أذن عبد الكريم.
"عبد التواب هيقتل بنته سادين."
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اسماعيل موسى
اقفل خشمك.
همس عبد الكريم محذرًا عوض العلاف بنبرة لائمه، ثم تسلل من بين الناس وهو يلوح لعوض أن يتبعه.
ضغط بيده باب الحوش.
برق بعينيه: ارفع ايدك عن البت يا عبد التواب، انت هتقتلها؟
انت متعرفش عملت ايه يا ابوي مع صقر.
صقر إلى انت جبته هنا وعملت منه راجل بيدافع عن شرف العيلة، اتريه بينخر في شرفنا.
همست سادين: والله ما حصلت حاجة يا جدي.
لكمها عبد التواب في ضلوعها وهو يصرخ: اسكتي يا ملعونة.
رفع عبد الكريم يده: فيه إيه يا تحسين؟
حد يفهمني فيه إيه؟
صقر ابن جبر وسادين الناس شافوهم في الجزيرة وسيرتنا بقيت على كل إنسان.
وضع عبد الكريم يده فوق صدره: مين تجرأ وقال كده؟
هو دا اللي هامك يا ابوي؟
من تجرأ ومين متجرأش؟
أنا هقتل صدر بأيدي، هخنقه زي الكلاب.
صقر: لا يا عبد التواب، ده حديث فاضي، وكلام في الأعراض والبينة على من ادعى.
بكفاية يا ابوي الكلام ده عاد.
قعدت تقول قال الله وقال الرسول لحد ما البلد كلها تجرأت علينا ومكست في سيرتنا.
الناس لا تعرف ربنا ولا تعرف الرسول غير وقت الصلاة، الناس دي متعرفش غير القوة.
فين عبد الكريم بتاع زمان اللي كان يمسك بندقيته ويضرب أي كلب بيتحداه بالرصاص؟
صمت عبد الكريم، كان ابنه يجر عليه ذكريات حاول أن يدفنها من زمان.
انت قلت صقر لا يا ابوي، لكن دي بنتي وأنا أختار أربيها بمعرفتي.
يا ولدي حرام الكلام اللي بتقوله ده، متخليش الشيطان يضحك عليك ويخليك تخسر دينك.
زم عبد التواب فمه: أنا عمري ما عارضتك في شي يا ابوي.
لكن دلوقتي لازم أقولك لا وستين لا.
ما فيش دخان من غير نار.
مش يمكن الدخان ده ناشرينه أعدائنا يا ولدي؟ فرغلي وأولاد صقر؟
محصلش يا ابوي، لو كان الكلام طلع من عند فرغلي مكنتش هصدقه.
لكن فرغلي نفسه ألد أعدائنا حذر بيته وأخواته يخوضوا في عرضنا، يعني في الأول يهزمنا وبعد كده يداري على فضيحتنا.
شعر صقر إن هناك شيء خاطئ يحدث، بحث عن جده بعينه ثم تتبع طريقه نحو الحوش.
وجد سادين مرمية على الأرض زي الدبيحة وعبد التواب في يده سكين.
صرخ صقر: انت بتعمل إيه يا عمي؟
وركض تجاه عبد التواب.
بطهر عارك يا واد أخوي، شرفك اللي مرمطت بيه الأرض.
ثم هوى بالسكين على بطن سادين، فاتت السكين في جانبها الأيمن.
وقبل أن يهوي عليها مرة أخرى، أوقف صقر يده وتخلص من السكين.
وكان صقر لم يفهم بعد ما حدث.
حتى رأى نظرة منكسرة في عين جده.
فصرخ: والله ما فيه حاجة حصلت.
اخرج من بيتنا يا شيطان.
صرخ عبد التواب بكل صوته.
جدى اعمل حاجة؟
لكن عبد الكريم وقف صامتًا، المصيبة كانت كبيرة حتى لو كانت إشاعة.
وكانت سادين تتلوى على الأرض تصرخ من الألم وتحسين أمها تزعق: موتوا وريحونا.
تقدم صقر بثبات وحمل سادين من على الأرض، وعبد التواب ينظر إليه بغضب وحنق.
سادين من اللحظة دي بقت مراتي وأنا المسؤول عنها وأي كلب هيجيب سيرتها بسوء هقتله.
ثم نظر إلى عبد الكريم: هات المأذون والحقني على المستشفى يا جدي.
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل العشرون 20 - بقلم اسماعيل موسى
أول ما وصل صقر المستشفى صرخ:
"فين الدكاترة؟"
"خير يا أستاذ مالك، بتصرخ كده ليه؟"
"معايا واحدة بتموت يا دكتور، كان الدم مغرق هدوم صقر وإيديها."
"احنا لازم نبلغ الشرطة." همس الدكتور النابطشي ببرود، وكان معتاد على جرائم التعسف التي تحدث في الصعيد.
وكاد الأمر يتحول لمشاحرة لولا أن ممرضة كانت من القرية وتعرف سادين. نقلت سادين إلى العمليات، وبعدها إلى العناية المركزة.
طهر الجرح وقطب، واتضح أن السكين لم تصب أي أعضاء حيوية. وكان عبد الكريم وصل المشفى، وكان مدير المستشفى يعرفه، فتمت تسوية كل شيء.
"جبت المأذون يا جدّي؟"
"ودا وقت مأذون يا صقر يا ولدي؟"
"أيوه يا جدّي وقته، من فضلك نفذ رغبتي، أنا مش هخرج من المستشفى غير وسادين على ذمّتي."
لم يجد عبد الكريم بدًّا من أن يحضر المأذون في سرية على المشفى، فلم يكن عبد التواب موجودًا، وكان أقسم أن لا يذهب للمشفى مهما حدث.
"معقول هنكتب الكتاب في المستشفى يا حج عبد الكريم؟" سأل المأذون بريبة.
لكن صقر أقنعه أن لا شيء يمنع ذلك شرعًا، أن الزوجة موافقة ووليها موافق والشهود موجودين، فلا داعي لأي تأخير.
وكانت سادين بدت بصحة جيدة، الجرح لم يكن سيئًا. وضعت يدها في يد صقر، وأتم المأذون كتب الكتاب.
"فين أم العروسة يا عبد الكريم؟"
وكان المأذون يعرف تحسين لأنها من عائلته، وكان لديه فضول أن يعرف سر هذه الصربعة. لكن عبد الكريم أخذه على مطعم المركز ثم إلى المقهى، ونسي كل شيء وسط الاحتفال.
فقد أوضح عبد الكريم أن صقر قاهري ويريد الفتاة، وأنه كان خائفًا أن يتقدم أحد غيره للزواج منها.
فحفيدة عبد الكريم ألف من يتمناها، وكان الوضع برمته غريب جدًا، لكن الزواج تم على كل حال.
تمكنت سادين من المشي بمساعدة صقر، بعد أن استندت على ذراعه وكتفه. وسارت في ممرات المشفى على وجهها ابتسامة ضخمة ووجع دفين.
والدها ووالدتها حتى الآن لم يأتوا لزيارتها. وبعد نقاش مع صقر والجد عبد الكريم، اتفقوا أن يأخذ صقر زوجته إلى القاهرة.
كان ذلك الحل الوحيد في الوقت الراهن لإنقاذ كل شيء.
ترك صقر سيارته أمام بيت عبد الكريم، لم تكن لديه رغبة في دخول البلدة ولا رؤية أهلها. حجز مقعدين في القطار الفاخر.
وجلس جوار سادين طوال الطريق يتهامسان فيما حدث.
حتى وصلا القاهرة، وكانت السيارة التي ستقلهم إلى البيت في انتظارهم خارج المحطة.
نزلت سادين من السيارة واستندت على يد صقر نحو البيت الذي تحيط به الحديقة.
كان أول من لمحهم الخادمة التي ركضت نحو غرفة ليلى هانم.
"صقر جايب واحدة معاه البيت يا هانم."
"واحدة؟ واحدة مين؟"
"معرفش يا هانم."
وعندما وصل صقر رواق البيت كانت ليلى هناك نازلة من على السلم. في عينيها نظرة حنق.
"مين دي يا صقر؟"
"دي سادين مراتى يا ماما."