تحميل رواية «غرام المغرور» PDF
بقلم نسمة مالك
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تجلس على جانب الطريق أمام مقر عمل زوجها كعادتها مؤخراً. عيناها تنهمر منها عبراتها بلا توقف. بين يوم وليله انقلبت حياتها رأساً على عقب. توفي زوجها الحبيب بعد زواج استمر لثلاث سنوات فقط، وأصبحت أرملة وهي لم تتم عامها الثاني والعشرون. تدهور بها الحال للغاية، ووصل بها الأمر أنها تركت شقتها الصغيرة التي كانت تسكن بها هي وزوجها بعدما قامت ببيع كافة أثاثها حتى تستطيع الإنفاق على صغيرتها ذات العام والنصف. وانتقلت للعيش برفقة والدتها التي بالأساس كان ينفق عليها زوجها نظراً لضيق الحال، ولأنهما من طبقة أقل...
رواية غرام المغرور الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم نسمة مالك
تجلس إسراء على الطاولة المستديرة بجوار خديجة ووالدتها. تجمعن في حفل خاص نظمه غفران وزوجته احتفالاً بزواج صديقهما فارس. تتابع زوجها الذي يمثل انشغاله عنها بالحديث مع هاشم وغفران. عيناها حزينة برغم وضعها لبعض لمسات المكياج القليلة. تجاهد لكبح عبراتها حتى لا تخونها وتهبط على وجنتيها بغزارة من شدة اشتياقها له. أكثر من أسبوع لم تنعم بلمسة من يده، لم يضمها بحماية بين أضلاعه. رباه كم تشتاق لرائحته وأنفاسه.
خفضت رأسها سريعاً تخفي تلك الدمعة الحارقة التي وقفت على أطراف أهدابها. بينما ذلك العاشق الذي يمنعه غروره عنها يختلس النظر لها من وقت لآخر. كور قبضة يده بعنف حين شعر بقلبه الذي ينبض بجنون وإلحاح شديد يأمره أن يخطفها بين حنايا صدره ويضمها بعناق محموم حتى يطفئ نار شوقه لها. داهمته رعشة لذيذة حين تذكر لحظاتهما سوياً التي باتت أروع شيء يشعر به بحياته حين تكون تلك الساحرة خاضعة لفيض وبركان غرامة الجارف.
استغل أنها لم تره وبدأ يتأملها بشغف حتى توقف بنظره على شفتيها. يود لو يلتقطهما بين شفتيه. أقسم بداخله لن يتركها حتى يدميها. تعالت وتيرة أنفاسه، وأطلق آهة حارة، وهب واقفاً وقد وصل اشتياقه ورغبته بها لزروته. فقرر الهروب من المكان بأكمله حتى لا يضعف ويسحبها خلفه الآن نحو جناحهما ويجتاحها فورًا، مفرغًا فيها و عليها جام شوقه وضيقته ويأسه.
"عن إذنكم هعمل مكالمة مهمة."
صوت خديجة التي تحدثت بنبرة راجية جعلته يتسمر مكانه لبرهة حين قالت:
"أرقص مع مراتك يا فارس. الحفلة دي معموله علشانكم."
أسرعت إسراء برفع وجهها ونظرت له بلهفة، وقلب تسارعت نبضاته. تتمنى بداخلها أن لا يذهب، أن يستمع لحديث خديجة ويرأف بحالها ويقترب لو قليلاً منها. رسم ابتسامة زائفة على محياه الوسيم رغم أن قلبه يتراقص فرحاً وكم كان ممتناً لطلب تلك خديجة الرقيقة. استدار حول الطاولة متجهاً نحو زوجته بخطوات هادئة. للحظة شعر أنه يسير على صوت إيقاع نبضات قلبهما معاً.
دوي صوت التصفيق الحار فور وقوفه أمامها ومد كف يده لها. حبست أنفاسها، ومدت يدها المرتجفة ووضعتها بين راحة يديه لينتفض قلبها انتفاضة جعلته أوشك على مغادرة صدرها من عنف دقاته. هبت واقفة وسارت بجواره بخطى مرتجفة. لتبدأ رقصتها برفقته للمرة الأولى أمام أعين الجميع المتطلعة لهما بابتسامة حالمة.
صدع صوت نغمات الموسيقى الناعمة على كلمات أغنية كانت تصفها كثيراً. وكأنها كتبت خصيصاً لهما.
"ممكن تخلينى فى حضنك..
محتاجة إن أسمع صوت قلبك..
نبضة بيحيينى نبضة بيحيينى.."
مد يده يطوق خصرها بذراعيه مقربها من صدره دون حتى أن أصبحت داخل حضنه أخيراً. لتقترب هي أكثر والتصقت به بعدما شعرت بكل ذرة بها تنجذب إليه. بينما هو يدور بعينيه بكل مكان حتى يتفادى النظر لها.
دفنت وجهها بمقدمة صدره الظاهرة من أوائل أزرار قميصه المفتوحة، وهمست بشفتيها متعمدة ملامسة بشرته بكلمة واحدة:
"واحشتني."
فعلتها هذه وأنفاسها الساخنة التي تدغدغ حواسه أطارت اللب من عقله، ودون إرادته ضغط على خصرها بقليل من العنف المحبب.
"ممكن تخلينى فى حضنك..
محتاجة إن أسمع صوت قلبك..
نبضة بيحيينى نبضة بيحيينى..
أصل أنا لما بكون متشافة بتوتر اصل أنا خوافة
فى حضنك إحمينى فى حضنك إحمينى
ممكن تخلينى فى حضنك
محتاجة ان أسمع صوت قلبك
نبضة بيحيينى نبضة بيحيينى
أصل أنا لما بكون متشافة بتوتر اصل أنا خوافة
فى حضنك إحمينى فى حضنك إحمينى
والساعة اللى بعيشها فى قربك
60 دقيقة حياة
والوقت الضايع طول بعدى
من عمرى أنا مش حاسباه"
رواية غرام المغرور الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم نسمة مالك
حالة من الذهول اعتلت ملامح "إسراء" الباكية، وتوقفت عن البكاء للحظات حين رأت "هاشم" يدخل الجناح حامل "خديجة" على يديه.
بينما "إلهام" انبلجت ابتسامة عابثة على محياها الطيبة رغم أنها كانت تبكي لبكاء وحيدتها.
شهقت "إيمان" بخجل، وأسرعت بخفض رأسها لتخفي ابتسامتها هي الأخرى.
أما "خديجة" كانت بعالم آخر. عالم لا يوجد به أحد سويها هي وهذا ال "هاشم" الذي حطم حصونها المنيعة، وجعل قلبها ينبض نبضة غريبة عليه كلياً، ولكنها راقت لها كثيراً.
لم يتخلى "هاشم" عن ملامحه الجدية، الصارمة حتى وهو حاملها بين يديه بكل هذه اللهفة، ولكنه فشل في السيطرة على تلك الرجفة التي داهمت قلبه وجسده المتصلب عندما شعر بجسدها يتوسط صدره.
"أنا هجيب الدكتورة حالاً."
قالها "هاشم" وهو يقترب من إحدى الأرائك ومال بها وضعها برفق، وسحب يديه من حولها ببطء زاد من توترها.
"دكتورة ليه؟ مالك يا ديجا؟!"
قالتها "إسراء" بنبرتها الباكية وهي تقترب منها حتى وقفت جوارها وبدأت تربت على ظهرها بحنان بالغ.
"اطمني يا حبيبتي، دي حاجة بسيطة، أنا بخير الحمد لله."
أردفت بها "خديجة" بصوتها الرقيق، ومن ثم تابعت سريعاً موجهة حديثها ل "هاشم" الذي يسير نحو الخارج بخطوات مسرعة.
"مافيش داعي تجيب دكتورة، أنا هبقى كويسة يا هاشم."
هكذا أوقفته "خديجة" بصوت هامس يدل على شدة إحراجها.
أبتسم بتسع حين استمع لحروف اسمه من بين شفتيها خاصةً أنه هو من طلب منها تناديه باسمه بدون الألقاب.
أخفى ابتسامته سريعاً، والتفت ينظر ل عينيها نظرة متفحصة وهو يقول بقلق خفي.
"متأكدة يا خديجة؟!"
احتقن وجهها بحمرة قاتمة، وحركت رأسها له بالإيجاب متمتمة.
"اممم، متأكدة."
نظرته لها، خجلها، تلك الهمسات بين حديثهما جعلت "إلهام" تتنقل بنظرها بينهما بابتسامة متسعة وتتحدث بثقة قائلة.
"إحنا شكلنا هنبل الشربات قريب ولا إيه يا خديجة يا أختي."
انتبه "هاشم" على حالته فتنحنح بحرج وسار للخارج بخطوات مهرولة وهو يقول.
"عن إذنكم، أنا برة لو احتاجوا أي حاجة."
انهى جملته واختفى عن أعينهم بغلق الباب خلفه.
"ايه اللي حصل يا ديجا، وفارس فين؟!"
قالتها "إسراء" بصوت متحشرج بالبكاء.
تنهدت "خديجة" بتعب وهي تجيبها.
"جريت وراه علشان ألحقه رجلي اتلوت وملحقتوش."
هبطت "إسراء" على ركبتيها أمامها، وهمت بإمساك قدمها لتفحصها. فأسرعت "خديجة" بإبعادها.
"وريني يا ديجا متتكسفيش مني ليكون رجلك حصلها حاجة."
"دي حاجة بسيطة زي ما قولتلك، أنا كويسة يا حبيبتي اطمني."
أردفت بها "خديجة" وهي تساعدها على النهوض، وجذبتها تجلس بجوارها وتابعت بتساؤل.
"احكيلي بقي إيه اللي حصل علشان فارس يزعل منك كل الزعل ده؟!"
هبطت دموع "إسراء" بغزارة على وجنتيها وبتقطع همست.
"والله يا ديجا مكنتش أقصد أزعله، ولا أعرف أن كل دا هيحصل، وهو مشي وسبني هنا من غير ما يسمعني حتى؟!"
أطلقت "إلهام" زفرة نزقة، وبتعقل قالت.
"يابنتي استهدي بالله وبلاش عياط، الراجل دلوقتي غضبه متملك منه وأي كلام وهو زهقان كده ممكن يزود المشكلة بينكم."
"سبيه يهدي ويروق وأكيد هيجيلك وتتكلموا ويسمعك يا إسراء لأن واضح أن اللي حصل في العيادة وضرب النار اللي سمعناه بيقول أن الموضوع أكبر من اللي عملتيه، وشكلك وقعتينا في خطر وأنتي مش واخده بالك، وهو لحقنا اسم الله عليه جوز بنتي."
تعالت شهقات "إسراء" أكثر، وتحدثت بندم قائلة.
"أنا آسفة يا ماما، متزعليش مني علشان حطيتك في الموقف ده، أنا عارفة أني غلطانة، وكنت المفروض أسمع كلامك وأصارح فارس بكل حاجة."
نظرت ل "خديجة" وتابعت بنبرة متوسلة.
"كلميه خليه يجي يا ديجا علشان خاطري، هو حلف عليا يمين مخرجش من الباب، مش هعرف أخرج أروحه أنا، كلميه انتي قوليله إسراء بتقولك هي آسفة ومش هتزعلك تاني، خليه يجي علشان أراضيه لعنيه ترجع تتعبه تاني."
أقتربت منها "إلهام" بكرسيها المتحرك، وسحبتها عليها برفق، وضمتها لصدرها بحنو مرددة.
"كفاية عياط يا ضنايا عينك بقت زي كاسات الدم، قولتلك جوزك هيهدي وهيجيلك، كلنا بنغلط يا بنتي، محدش معصوم من الغلط، المهم نتعلم من غلطنا ده، ومتكررهوش تاني، الصراحة بين الراجل ومراته بتريح وبتمنع المشاكل."
أقتربت منها "إيمان" هي أيضاً، وربتت على كتفها بحب قائلة.
"خلاص يا إسراء، كفاية عياط بقي يا حبيبتي، وصلي على الحبيب كده في قلبك."
"خديجة..."
"كلام ماما صح يا إسراء، اللي حصل حصل خلاص، دلوقتي بقي لازم تهدي وتفكري لما فارس يجي هتحلي المشكلة دي بينك وبينه إزاي."
رفعت "إسراء" يدها وضعتها على موضع قلبها وهمست بلهفة.
"يجي بس، ييجي وأنا هصالحه وأبوس قلبه وعينه كمان."
لكزتها "إلهام" برفق متمتمة بخجل.
"اختشي يابت، بقيتي جريئة كده إمتي؟!"
ضحكت "خديجة" وهي تقول بمرح.
"لازم تتعلم الجرائة يا لوما، مش مدام الباد بوي فارس الدمنهوري."
ابتسمت لها "إسراء" ابتسامة باهته، وهبت واقفة وهي تقول بضعف.
"أنا هريح جنب بنتي شوية."
سارت نحو الفراش النائمة عليه صغيرتها تمددت بجوارها، وضمتها لحضنها تستمد منها بعض القوة، وتقبلها بحب وامتنان فلولها كانت أصبحت حاملة لقب مطلقة الآن.
"ربنا يهدي سرك، ويصلحلك حالك يا إسراء يابنتي."
تمتمت بها "إلهام" بسرها، ونظرت ل "خديجة" نظرة ماكرة وتحدثت بجدية مصطنعة قائلة.
"طمنيني على رجلك يا خديجة يا أختي عاملة إيه دلوقتي؟"
"اححم، كويسة الحمد لله."
غمغمت بها "خديجة" بخجل.
انبلجت ابتسامة متراقصة على ملامح "إلهام" وهي تقول.
"طبعاً لازم تبقي كويسة بعد الشيلة الحلوة اللي شلها لك اسم النبي حارسة وصاينه هاشم أفندي."
عضت "خديجة" على شفتيها بخجل.
رمشت "إلهام" بأهدابها أكثر من مرة، وتابعت ببرائة مزيفة.
"إلا متعرفيش سي الأستاذ هاشم متجوز ولا عازب يا خديجة؟!"
أجابتها "خديجة" بأسف، وكثير من الحماس.
"كان متجوز بس مراته وبنته وجوزها اتوفوا في حادثة، وهو عايش مع مامته وحفيدته بنوتة صغيرة عندها خمس سنين مامتها وبابها اتوفوا وهي مكملتش شهر حتى، بعد موتهم استقال من شغله، كان شغال عميد في الشرطة، وفتح شركة أمن خاصة بيه هو، ومش أي حد يطلع حرس معاه."
"يا حول الله يارب، دا حكايته حكاية سي هاشم دا، بس انتي ماشاء الله عليكي، عرفتي كل ده عنه إزاي بقي ديجا؟!"
قالتها "إلهام" وهي تضع أصابعها أسفل ذقنها.
ابتسمت لها "خديجة" ابتسامة تظهر مدى براءتها الطفولية.
"هو اللي قالي يا إلهام، وصعب عليا أوي والله، لدرجة كنت عايزة أطبطب عليه وأقوله متزعلش نفسك بس اتكسفت."
ضحكت "إلهام" وهي تقول بثقة.
"لا مدام كنتي عايزة تطبطبي عليه واتكسفتي يبقي هنشرب الشربات قريب بإذن الله."
"فارس."
اعتدل بجزعه على الفراش بجوار "مارفيل" بدهشة من تصرفه الذي لم يخطر على باله بيوم.
أيعقل بعد كل ما تعرض له على يد تلك المرأة مازال يشعر بالاحتياج لها؟
أبتسم بتهكم على حاله، وهب واقفاً وهو يتأوه بصوت خفيض، وسار بخطوات مجهدة متجه نحو الخارج.
ليوقفه صوت همس "مارفيل" تتحدث بضعف دون أن تفتح عينيها.
"أعلم أنني لم أكن في يوم أماً صالحة لك."
ازدردت ريقها بصعوبة، وتابعت.
"ولكني كنت ابنة بارة بوالدتي، ولم أعصي لها أمراً مهما فعلت معي من أخطاء، وما فعلته معها أحصده منك الآن فارس."
أستدار ينظر لها بملامح جامدة، وتحدث بهدوء قائلاً.
"كوني مطمئنة أنا هنا لمساعدتك، فأنتي ما زلتي وستظلين أمي، فلا داعي لحديثك هذا، أنا أعلم واجبي نحوك جيداً أمي."
"إذاً فبلغ خديجة أنني مدينة لها بجزيل الشكر."
همست بها بصوت اختنق بالبكاء، وأكملت وهي تفتح عينيها الذابلة بوهن، ونظرت له نظرة يملؤها الندم.
"فقد أحسنت تربيتك."
رواية غرام المغرور الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم نسمة مالك
"فارس"..
أجتاحه شعور غريب بعدما غادر جناح "مارفيل". سكينه تعانق روحه، جعلتها تنتعش. إحساس عابق بالدفء في نظرتها له وحديثها معه. لأول مرة يمكث معها لعدة ساعات، تحدثت له خلالهم قليلاً دون أن يشعر منها بالنفور. أسعده هذا كثيراً. نظرة الندم بعينيها لمست شيئًا شديد الحساسية بداخله.
أيقن أنه كان يدخر مشاعر قوية يكنَّها لها، حين داهمه إحساس من الأبوة تجاهها جعله يعاهد نفسه على البقاء دوماً بجوارها. فهذا واجبه نحوها. مهما فعلت به من أفاعيل لن تُغفر، ستبقى رغماً عنه أمه بالأخير.
خرج من المصعد متجه نحو جناحه الخاص به هو وساحرته. هم بفتح الباب ليوقفه صوت "هاشم" يتحدث بتساؤل وهو يتنقل بعينيه بين يديه المجروحتان.
"فارس أنت كويس؟!"
حرك رأسه بالإيجاب مردداً.
"الحمد لله.. أنا تمام يا هاشم.. قولي أنت إيه الأخبار؟!"
تنهد "هاشم" وتحدث قائلاً.
"أنا مكلف مجموعة من رجالتنا يدوروا على ديمة.. بس للأسف هي اختفت من الفندق كله في نفس الوقت اللي كنا بنجري وراك فيه على العيادات. دا خلى أبوها يتأكد إن مش إحنا اللي ورا اختفائها وعمال يدور عليها زي المجنون ولسه موصلهاش. وغفران اتصل عليا وقالي إنه حاول يكلمك أكتر من مرة وتليفونك مغلق.. كلمه علشان عايزك ضروري."
"تمام.. هكلمه دلوقتي.. أكيد عرف ب اللي حصل. وبالنسبة للحقيرة ديمة أنا هعرف أوصلها، والليلة مش بكرة كمان."
قالها وهو يخرج هاتفه المغلق من جيب معطفه. فتحه وطلب إحدى الأرقام ليأتيه صوت "غفران" يتحدث بقلق قائلاً.
"فارس أنت فين يا ابني.. كلمتك كتير.. طمني عليك."
"أنا كويس يا غفران اطمن.. هاخد بس شاور علشان أفوق كده وهكلمك تاني."
قالها "فارس" وهو يدلف لداخل الجناح.
"غفران".. بحدة.
"تكلمني إيه.. أنا في الغردقة من ساعتين يا بني آدم أنت. الدنيا مقلوبة على بنت رئيس الوزراء اللي اختفت من الفندق عندك، وعندي أخبار مهمة ليك لازم أشوفك دلوقتي ضروري."
"فارس".
"طيب هتجيلي ولا أجيلك أنا؟!"
أجابه "غفران" قائلاً.
"خليك عندك هجيلك أنا علشان معايا مفاجأة لهاشم.. يله سلام على ما نتقابل."
أغلق "فارس" الهاتف ونظر ل"هاشم" قبل أن يغلق الباب مغمغماً.
"هاشم من فضلك عايزك تشرف بنفسك على الأكل اللي وصيت عليه للعمال."
صمت لبرهة واتجه بعينيه لجناح "خديجة" التي تمكث به زوجته مكملاً.
"وخلي الحسابات تصرف لهم شهر مكافأة كمان."
"هاشم" وهو يستعد للسير.
"تمام يا فارس.. متشلش هم أنت."
سار خطوتين، وتوقف فجأة مكملاً.
"على فكرة في مندوب جالك هنا معاه أوردر أون لاين أنا استلمته منه، والاوردر موجود عندك في الجناح."
رفع "فارس" يده وضرب بها جبهته مردداً.
"أيوه أنا نسيت خالص إني طلبت أوردر لعيد ميلاد خديجة."
انبلجت ابتسامة على وجه "هاشم" قمعها سريعاً، وتحدث بنبرته الصارمة قائلاً.
"كل سنة وهي طيبة."
"فارس".. بابتسامة.
"وأنت طيب يا هاشم.. اسبقني أنت علشان غفران جاي في الطريق وأنا هغير وأحصلك."
انصرف "هاشم" من أمامه، وأغلق هو الباب مستند عليه بظهره، وبدأ يفتح أزرار قميصه واحد تلو الآخر بيد، وممسك بيده الأخرى هاتفه طلب إحدى الأرقام ليأتيه صوت "خديجة" تتحدث بلهفة قائلة.
"فارس.. أنت فين يا حبيبي؟"
كانت "إسراء" مستكينة بحضن والدتها. رأسها تتوسط صدرها، و "إلهام" تربت على شعرها بحنان بالغ. أغلقت "إسراء" عينيها تمثل النوم، بينما تنهمر عبراتها على وجنتيها بصمت. منذ أكثر من 5 ساعات هاتف زوجها مغلق، ولا تعلم عنه شيئاً.
"بسم الله الرحمن الرحيم.. فزعتيني يا بنتي."
قالتها "إلهام" حين انتفضت "إسراء" من حضنها فجأة وهبت واقفة فور سماعها صوت "خديجة" تنطق باسم زوجها.
هرولت تجاهها ووقفت أمامها تنظر لها بأعين متورمة من شدة البكاء وبهمس بالكاد يسمع قالت من بين شهقاتها.
"فارس كويس يا خديجة؟"
حركت "خديجة" رأسها بالإيجاب لها، وسارت نحو باب الجناح بخطي حذرة حتى لا تؤذي كاحلها أكثر.
"أنا جيالك حاضر.. ثواني وابقي عندك."
"هو فين يا خديجة.. طمنيني عليه أنا هتجنن والله."
قالتها "إسراء" وهي تسير برفقتها حتى وصلت لباب الجناح، وتوقفت لتمنع سقوط يمين زوجها عليها.
فتحت "خديجة" الباب، وتحدثت بابتسامة مطمئنة.
"اطمني يا حبيبتي هو كويس.. لسه داخل اوضتكم حالاً، وقالي إنه هيغير ويجلنا.. بس أنا هروحله وأجيبه بنفسي لحد عندك كمان."
بكت "إسراء" وضحكت بأن واحد وتحدثت بنبرة راجية قائلة.
"متخلهوش يمشي قبل ما أشوفه يا ديجا علشان خاطري."
رفعت "خديجة" يدها ومسحت عبراتها بحنو مرددة.
"حاضر يا حبيبتي.. بس أهدي وكفاية عياط بقى، واغسلي وشك كده، وأنا هجبهولك وأجي على طول."
حركت "إسراء" رأسها بالإيجاب، وانتظرت حتى أغلقت "خديجة" الباب، وركضت مسرعة نحو حمام الجناح مرددة بفرحة غامرة.
"هاخد دش سريع وأجي.. ادعيلي من قلبك يا ماما."
"إلهام" بحب.
"دعيالك يا ضنايا.. ربنا يهدي سرك، ويصلح حالك ويفرح قلبك يا إسراء يا بنت إلهام."
أمنت "إيمان" على دعائها، وهبت واقفة، وتحدثت بخجل.
"خالتي إلهام أنا هاخد محمود وأروح على اوضتي.. ميصحش أفضل هنا لما جوزها يجي يرضيها."
ابتسمت لها "إلهام" بامتنان قائلة.
"كلك زوق ومفهومية يا بت يا إيمان."
بادلتها "إيمان" الابتسامة ونظرت للصغيرة "إسراء".
"تيجي معنا يا إسراء؟"
حركت الصغيرة رأسها بالنفي وتحدثت بوجه عابس قائلة.
"لا أنا مستنية فالس."
.....................................
.. بغرفة فارس..
كانت "خديجة" تجلس بجواره على إحدى الأرائك ممسكة يديه تتفحصها بنفسها وتقوم بتطهيرها.
"مراتك مبطلتش عياط من ساعة ما جبتها الأوضة عندي يا فارس."
أردفت بها "خديجة" بعتاب، وتنهدت براحة حين تأكدت أن جروح يده جميعها سطحية.
أطبق جفنيه حين شعر بقبضة قوية تعتصر قلبه بسبب بكاء ساحرته. صك على أسنانه بعنف، وأطلق زفرة نزقة من صدره وهو يقول بجمود مصطنع.
"غلطت ولازم تتعاقب يا ديجا."
ربتت "خديجة" على كتفه، وتحدثت بتعقل قائلة.
"يا حبيبي اسمعها الأول.. أفهم منها وأعرف اللي حصل براحة.. متعاقبهاش من غير ما تسمعها.. انت كده بتظلمها، وبتوقع نفسك في غلط أنت كمان."
نظر لها "فارس" قليلاً.. يتأمل ملامحها البريئة، وعينيها التي تفيض له بالحب والحنان.
"بتبصلي كده ليه يا فارس؟!"
قالتها "خديجه" بنبرة متعجبه.
أبتسم لها "فارس" ابتسامة هادئة. رغم بريق العبرات التي ظهرت بعينيه جعلت "خديجة" تشهق بصوت خفيض، وأسرعت باحتضان وجهه بين كفيها، وبدأت تبكي بنحيب وتتحدث بلهفه قائلة.
"فارس أيه الدموع اللي بتلمع في عيونك دي.. مالك يا حبيبي."
أمسك "فارس" كلتا يديها وضعهما فوق شفاهه ليلثمها مغمغمًا.
"كل سنة وانتي طيبة."
صمت لوهلة وتابع بامتنان وحب، واعتزاز شديد يظهر على ملامحه ونبرة صوته.
"يا أمي."
أنهى جملته ومد يده لصندوق كبير من اللون الوردي بشريط حريري عريض من نفس اللون كان موضوع أمامه على الطاولة حمله، وأعطاه لها، وهو يجذب رأسها عليه ويطبع قبله مطولة فوق جبينها مكملاً.
"يا أحن وأطيب قلب في الكون كله."
لم تتمالك "خديجة" نفسها من الفرحة، واجهشت بالبكاء وهي تتنقل بنظرها بينه، وبين هديته لها وتردد بعدم تصديق من بين شهقاتها.
"معقول يا فارس.. فاكر عيد ميلادي في وسط المشاكل اللي أنت فيها دي كلها؟!"
"أنسى نفسي ومقدرش أنساكي ولا أنسى فضلك عليا يا أحلى ديجا."
قالها وهو يمسح عبراتها بأنامله جعلتها تبكي بنحيب أكبر، ووضعت الصندوق على الطاولة مجدداً، وفتحت زراعيها له متمتمه بصعوبة.
"تعالي في حضني يا روح قلب ديجا."
"طول عمرك وأنتي واخداني في حضنك يا خديجة.. المرادي أنا اللي هاخدك في حضني."
قالها، وهو يضم رأسها لصدره ويربت على ظهرها بكف يده مغمغمًا.
"ربنا ميحرمنيش منك أبداً."
"ولا يحرمني منك يا فارس."
قالتها وهي تقبل كتفه، ورفعت عينيها الباكية ونظرت له بابتسامة مكملة.
"كل مرة بتأكد ليِ إن عمري معاك مرحش هدر.. وإنك أغلى وأحلى حاجة طلعت بيها بالدنيا يا ابني."
"فارس."
"أنا اللي محظوظ بيكي وبوجودك في حياتي يا أغلى الناس."
عبست بملامحها بغضب مصطنع، وابتعدت عنه متمتمه.
"لو فعلاً أنا غالية عندك صالح مراتك، وخدها هي في حضنك.. البنت هتتجن عليك وعيونها تعبتها من كتر العياط يا فارس."
هبت واقفة، وسحبته من يده خلفها متجهة لخارج الجناح.
"يله تعالي معايا خد مراتك ودي هتبقى فعلاً هديتي لما أشوفكم مبسوطين مع بعض يا حبيبي."
"فارس."
"هاجي معاكي بس خدي هديتك الأول، واعملي حسابك هعملك أحلى عيد ميلاد زي كل سنة.. بس لما أظبط الدنيا شوية."
حملت "خديجة" هديتها على عجل، وسارت معه للخارج بابتسامة متسعة تدل على شدة فرحتها. بينما هو يسير بخطوات متوترة بعدما ازدادت دقات ذلك القلب الراجف بين أركان الضلوع يصرخ بعشق تلك الساحرة.
رباه لم يمر سوى بضعة ساعات تضاعف بهم شوقه لها أضعاف مضاعفة. يود أن يطوقها بين ذراعيه ليطمئن قلبه الذي ارتعد وأوشك على التوقف من فزعه وهلعه وخوفه من فقدانها.
توقفت "خديجة" أمام الباب، وطرقت عليه بمرح مرددة.
"افتحي يا إسراء.. فارس معايا."
"ادخل يا فالس."
صرخت بها الصغيرة بفرحة غامرة، وهي تركض نحو باب الغرفة، وتحاول فتحه.
فتحت "خديجة" الباب، ودلفت أولاً، ومن ثم خطي "فارس" خلفها. لتقابله الصغيرة فاتحة ذراعيها تحثه على حملها.
"أهلاً بحبيبتي."
قالها وهو يميل بجزعه عليها، ويحملها بين يديه، ويعانقها بحب أبوي صادق، وعينيه تدور بأنحاء الغرفة بحثاً عن زوجته.
انقطعت أنفاسه للحظة وبهتت ملامحه حين وجد الغرفة خالية. لا توجد بها غير الصغيرة وإلهام جدتها تنظر له بعتاب متمتمه.
"إسراء في الحمام يا ابني."
تنهد براحة، وأعطى الصغيرة ل "خديجة" وهو يقول.
"طيب أنا هروح أغير هدومي علشان عندي مشوار مهم.. خليها تحصلني على اوضتنا لما تخرج."
"إلهام".. بتساؤل.
"هتحصلك إزاي وأنت حالف عليها يمين متخرجش من باب الأوضة يا فارس يا ابني؟ كده لازم تخرج كفارة يمين الأول علشان بنتي تقدر تخرج وتجيلك."
"خرجته طبعاً يا مدام إلهام.. اطمني."
قالها وهو يستعد للسير بخطوات مجهدة.
تهللت أسارير "إلهام" وتحدثت بابتسامة قائلة.
"رغم أن ليا عتاب عليك بس مش هتكلم معاك دلوقتي.. لينا كلام مع بعض لما تروق كده وتهدي وتتصافي مع مراتك.. ربنا يصلح حالكم ويملي حياتكم هنا وسعادة وميحرمكوش من بعض أبداً قادر يا كريم يارب."
"اجي معاك يا فالس."
قالتها الصغيرة التي تحملها "خديجة" ببوادر بكاء جعلته يلتفت لها، ويميل عليها قاصداً وجنتيها المملؤتين لثمهما بعمق وهو يقول.
"عيوني لعيوني."
نظر ل "خديجة" مكملاً.
"لبسيها يا خديجة على ما أجهز.. هاخدها معايا."
أنهى جملته، وسار لخارج الجناح غالقاً الباب خلفه. لتفتح "إسراء" باب الحمام الذي كانت تختبئ خلفه بعدما تأكدت من ذهاب زوجها، وخرجت بخطي مرتجفة خافضة رأسها وتتحدث ببكاء.
"خايفة أوي، ومش قادرة أواجهه يا ماما."
انتفضت بفزع، وشهقت بصوت خفيض حين تحدثت "إلهام" فجأة بغضب، ونفاذ صبر قائلة.
"بت أنتي بطلي خوفك اللي بيخليكي تعملي كوارث دا، وأمشي انجري من هنا روحي ورا جوزك.. متفقعيش مرارتي الوحيدة."
"براحة عليها يا لوما."
قالتها "خديجة" وهي تقترب من "إسراء" وتربت على ظهرها بحنو مكملة.
"متخفيش من فارس يا إسراء.. فارس بيحبك أوي ومش هتهوني عليه يقسى عليكي أكتر من كده، كل اللي عمله معاكي دا على فكرة من خوفه عليكي والله.. خايف يطولك غضبه وقتها.. فجابك عندي هنا."
أخذت "إسراء" نفس عميق، وسارت نحو الخارج وهي تقول.
"أنا عارفه يا ديجا.. وواثقة من حبه ليا."
.................................
داخل غرفة مظلمة.. خالية من الأثاث إلا من كرسي صغير متهالك تجلس عليه "ديمة" مقيدة اليدين والقدمين تبكي بصمت، وجسدها يرتجف بقوة بعدما ظلت وقت طويل تصرخ بلا توقف.
أصبح الهدوء يسود المكان بشكل يثير القلق.. حتى تسلل ضوء خافت عبر النافذة الحديدية أضاء الغرفة من حولها. ارتعد قلبها أكثر حين استمعت لأصوات أقدام تقترب من الغرفة.
فُتح الباب ودلف منه رجل بأواخر عقده الخامس قوي البنية.. شديد الهيبة والوقار. اقترب منها بخطوات هادئة حتى توقف أمامها مباشرةً.
رمقها بنظرة نارية، وتحدث بابتسامة مصطنعة تزين محياه التي مازالت وسيمة وتنبض بالحياة رغم تقدمه بالعمر.
"مرحباً ديمة."
نظرت له "ديمة" بأعين زائغة، وابتلعت لعابها بصعوبة متمتمه بتساؤل.
"من أنت؟.. وماذا تريد مني؟!"
صمتت لبرهة، وتابعت بنبرة تهديد.
"أنا أحذرك.. أنت مختطف ابنة رئيس الوزراء."
وضع يديه بجيب معطفه سرواله مغمغماً.
"امممم.. أعلم من تكوني، ودعيني أخبرك أنا من أكون."
صمت لوهلة وتابع بجملة جعلتها تطلع له بأعين جاحظة حين قال.
"أنا محمد الدمنهوري.. والد فارس الدمنهوري.. جئت من فرنسا خصيصاً لأعاقبك بنفسي على كل أفعالك الحمقاء بحق ابني، وزوجته."
أنهى جملته، ونظر لإحدى رجاله مغمغماً بأمر.
"هيا ابدأ عملك."
"اتركني.. أنا لم أفعل لهما أي شيء."
قالتها "ديمة" بصراخ وهي تتحرك بهيسترية كمحاولة منها لفك قيدها. حين رأت إحدى رجاله يحمل ماكينة حلاقة ويقترب منها قاصداً خصلات شعرها.
.......................................
.. داخل شاليه فخم على بعد خطوات من فندق فارس ..
يمكث به "غفران" وعائلته الصغيرة.
"عهد".. تقف خلف زوجها عاقدة ذراعيها أمام صدرها. تتابعه وهو يهندم ثيابه ويمشط شعره الغزير بعناية، وتتحدث بغضب قائلة.
"ممكن أعرف أنت سايبني ورايح فين دلوقتي.. أنت قولتلي إننا جايين هنا في إجازة يا غفران."
ترك الفرشاة من يده على منضدة الزينة، والتفت ينظر لها بابتسامة دافئة مغمغماً.
"حبيبة قلبي عندي مشوار مهم.. هخلصه وارجعلك هوا.. وكمان انتي ناسية الأمانة.. مش لازم جدها يعرف إننا جبناها معانا."
اقترب منها وحاوطها بذراعيه مقربها منه حد الالتصاق، واستند على جبهته بجبهتها وتابع بجدية مصطنعة.
"وبعدين أنا عايز أعترفلك بحاجة كده."
داعبت صدره بأصابعها الصغيرة، وهمست بغنج.
"أعترف."
لثم جانب شفتيها بلهفة مدمدمًا.
"اممم.. الحقيقة أنا جاي هنا في مأمورية مهمة وشديدة أوي يا عهودة."
ضحكت بدلال بعدما تفهمت مقصده، وهمست بخجل قائلة.
"ويا ترى بقى إيه هي المأمورية دي يا حضرة المقدم."
غمز لها بمكر، واعتلت ملامحه ابتسامة متراقصة وسار بكف يده على جسدها حتى توقف فوق بطنها مباشرةً. مسد عليها بلمساته التي تبعثر مشاعرها.
"ناوي بأمر الله منرجعش غير وإنتي حامل مني تاني يا عهد."
دست نفسها داخل حضنه، ودفنت وجهها بحنايا صدره وبحياء همست.
"طيب هتروح مشوارك، ولا نبدأ المأمورية من دلوقتي؟"
زاد من ضمها له مستنشق رائحتها باستمتاع وهو يقول.
"هروح وأرجعلك على طول.. مش هتأخر عليكي."
..................................
"إسراء"..
رفعت يدها المرتجفة وطرقت على باب جناحهما الخاص. لحظات وصدع صوته المزلزل لكيانها قائلاً بصرامة.
"أدخل."
تسارعت دقات قلبها بجنون. تلاحقت أنفاسها، وأصبح صدرها يعلو ويهبط بوضوح. فتحت الباب ببطء ودلفت للداخل بخطوات هادئة، وأغلقته خلفها. وقفت لبرهة مكانها وجهها مقابل الباب تحاول السيطرة على أنفاسها المتهدجة.
أخذت نفس عميق واستدارت تبحث عنه بلهفة، أعين تصرخ من شدة الاشتياق. احتقن وجهها بحمرة قاتمة عندما وقعت عينيها عليه.
كان "فارس" يقف أمام المرآة عاري الصدر ممسك منشفة قطنية يجفف بها خصلات شعره الغزيرة. ومنشفة أخرى لف بها خصره بإحكام. فكما يبدو أنه فرغ للتو من غسل كامل. ازدرت لعابها بصعوبة من هيئته المثيرة التي تدفعها للإنهيار.
"هتفضلي واقفة عندك كتير؟!"
قالها دون أن يستدير لها. بينما عينيه تتابعها بشغف عبر المرآة.
انبلجت ابتسامة ماكرة على ملامح "إسراء" الرقيقة، وسارت نحوه بدلال وغنج حتى أصبحت خلفه مباشرةً. يشعر بأنفاسها الملتهبة تلفح بشرته وهمستها ذات الحنين المتأوه.
"فارس.. لازم تسمعني.. عايزة أحكيلك."
تسمر بمحله حين رفعت كلتا يديها ولفتها حوله تضمه لها بكل قوتها. بينما تسللت يدها الصغيرة على عضلات بطنه السداسية حتى وصلت لصدره وربتت عليه بحركتها المعتادة جعلته يغلق عينيه بستمتاع بلمستها التي تذيب قلبه، وتفقده صوابه.
سيطر على مشاعره تجاهها بصعوبة. رسم الجمود على ملامحه، والتفت لها ببطء، وتحدث ببعض الحدة قائلاً.
"احكي.. أنا سامعك."
لم تبتعد هي عنه.. بل تمسكت به أكثر.. ملتفة بيدها حوله تضمه لها، واضعه رأسها على صدره. انبلجت ابتسامة على ملامحه المرتعبه حين استمعت لدقات قلبه المتسارعة بفعل تأثيرها عليه.
رفعت رأسها ونظرت له نظرتها التي تسحره، وهمست ببوادر بكاء.
"والله العظيم يا فارس الوسيلة دي أنا كنت مركباها من بعد ما خلفت بنتي إسراء على طول."
هبطت دمعة حارقة على وجنتيها، وتابعت بغصة مريرة.
"أنا بين يوم وليلة لقيت نفسي أرملة، والدنيا ضاقت بيا أوي لدرجة إني كنت قربت أشحت اللقمة علشان آكل بنتي وأمي، وأنت قولتلي إنك كنت متابعني وعينك عليا دايماً صح يا فارس."
لف يده حولها بحناية، وقربها منه، وهو يحرك رأسه بالإيجاب، وعلامات الأسف والخزي ظاهرة على ملامحه حين داهمته ذكرى أفعاله معها.
"مكنتش فايقة ولا فاكرة أروح لدكتورة وقتها تخلصني من الوسيلة دي.. لحد ما اتجوزتني."
تمعنت النظر لعينيه ورفعت يديها عانقت وجهه بين كفيها.
"وقتها قولت إن عمري ما هحبك، ومستحيل يكون ليا ولاد منك."
رأت الغضب يتملك من ملامحه لتسرع هي وتكمل بلهفة.
"بس أنت حققت المستحيل، ومش بس خلتني أحبك يا فارس."
وقفت على أطراف أناملها، وهمست أمامه شفتيه.
"أنا بعشق كل حاجة فيك."
ختمت جملتها بقبلات صغيرة توزعها بالتساوي بين شفتيه العلوية والسفلية.
كم راقته فعلتها هذه.. وجد نفسه يضمها.. بل يعتصرها بين أضلاعه، وبهمس خطر قال.
"كنتي هتروحي مني بعد ما صدقت لقيتك."
اصطك على أسنانه بعنف، وترقرقت عينيه بالعبرات مكملاً بغصة يملؤها الأسى.
"لو كنت اتأخرت عليكي لحظة واحدة كانوا هيحروموني منك عمري كله يا إسراء، ودا كله بسبب تهورك واندفاعك اللي هيوقف قلبي في مرة من خوفي عليكي."
"بعد الشر عليك يا حبيبي.. ربنا يجعل يومي قبل؟!"
منعها بشفتيه من إكمال حديثها.
لف يديه حول خصرها رفعها داخل حضنه حتى لم تعد قدماها تلمس الأرض. عمق قبلته لها.. يقبلها بلهفة واشتياق عاشق مجنون.. مغرم بها غرام ليس له مثيل.
هبط بشفتيه، ودفن وجهه بعنقها يلثمه بحرارة تاركاً عليه إحدى علاماته المميزة التي تستمر بالظهور لأيام.
تخدرت على أثرها جميع حواسها، لمسته لها تجعلها تغرق بأعماق بحر غرامة الذي يمنحها شعور من اللذة والإكتفاء الكامل.
طرقات متتالية على باب الجناح جعلته يبتعد عنها على مضض حين استمع لصوت "هاشم" يصرخ باسمه بجملة سقط قلبها أرضاً على أثرها.
"فارس.. والدتك طالبة تشوفك حالاً."
رواية غرام المغرور الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم نسمة مالك
كانت "إسراء" تنعم بقرب زوجها مستمتعة بالدفء بين ضلوعه.
حتى أنها لم تنتبه لطرقات الباب المتكررة، ولا لصوت "هاشم" الذي يهتف بأسم زوجها.
غالقة عينيها، منفصلة عن العالم أجمع، ومكتفيه بضمته لها، وضمتها له.
تود لو تختفي وتذوب بداخله.
ينهال هو من شهدها بلهفه واشتياق.
همهمت بإعتراض حين أبتعد عنها بشفتيه، وتنحنح كمحاولة منه لإيجاد صوته.
"دقايق وجاي يا هاشم."
"هتروح فين.. خليك معايا.. أنت واحشتني أوي يا أبو الفوارس."
أردفت بها "إسراء" وهي تجذبه إليها مرة أخرى، وتبادر بتقبيله.
ليسرع "فارس" ويضع أنامله على شفتيها.
جعلها فتحت عينيها ببطء ونظرت له بتعجب حين لمحت ابتسامته الماكرة تزين محياه الوسيمة.
مسح على ثغرها بأصابعه.
وتحدث ببعض الحدة قائلاً.
" لسه عقابك منتهاش يا بيبي."
غمز لها وسار من أمامها بخطي واسعة نحو غرفة ملابسه.
اختفي بداخلها وبدأ يرتدي ثيابه على عجل.
مكملاً بتأكيد ونبرة واعدة.
"العقاب مستمر يا إسراء هانم.. يلي مكنتيش عايزة تخلفي مني؟!"
تسمرت "إسراء" محلها لبرهه.
تحاول لملمة مشاعرها التي بعثرها هو بلمسته وقبلاته التي أصبحت ألذ شيء بالنسبة لها.
أخذت نفس عميق تملئ به رئتيها وزفرته على مهل متمتمه.
"فارس أنا دايماً بحط نفسي مكان اللي قدامي، وتخيلت لو كنت أنت اللي عملت فيا كده.. مش هكدب عليك حسيت بوجع في قلبي وجرح جامد في كرمتي."
صمتت للحظة حين داهمتها رغبة قوية في البكاء.
وتابعت بنبرة راجية.
"وبعترفلك أن اللي عملته غلط في حقك."
دلف "فارس" خارج غرفة الملابس بعدما ارتدي سروال من الجينز قاتم اللون، وقميص أبيض أزراره جميعها مفتوحة.
يغلق هو أكمامه، وحذاء رياضي من نفس لون القميص.
عينيه مثبته على زوجته يرمقها بنظرات جامدة.
بدلته هي نظراته هذه بنظرة حانية، وابتسامة هادئه، واقتربت منه وقفت أمامه، ومدت يدها تغلق أزرار قميصه واحد تلو الأخر متعمده لمس بشرته الساخنه بأناملها البارده.
"خليك معايا..عايزه أصالح فيك لحد ما ترضي عني، وأبوس قلبك وعيونك زي ما قولت لماما."
مسدت على موضع قلبه بكفها.
ومالت عليه قبلته قبله عميقه، ووقفت على أطراف أصابعها.
وجذبت رأسه عليها قليلاً.
وغمرت لحيته بقبله رقيقه صعوداً بوجنتيه حتي وصلت لعينيه، وقامت بتقبيلها كل واحدة على حدا.
" لما ارجعلك.. أبقى أشوف بنفسي."
قالها بصوت أجش، وهو يبتعد عنها ويقف أمام المرآه.
هندم ثيابه.
ومشط شعره الحريري.
وسار بخطي مسرعة للخارج.
فهمساتها وقبلتها له كادت أن تفقده صوابه.
يجاهد ليلجم نفسه عنها حتي لا ينقض عليها ويفترسها الآن.
"هاشم" كان يقف على مقربة من جناح "فارس" ممسك هاتفه يطلب رقم حفيدته للمره التي لا يعلم عددها.
بوجهه يظهر عليه القلق.
"هاشم..في حاجة حصلت."
قالتها "خديجة" بصوتها الرقيق، وهي تسير بتجاهه بخطوات هادئه ممسكة بيد "إسراء" الصغيرة بعدما قامت بتجهيزها كما طلب منها عزيزها.
حتي توقفت بجواره.
التفت لها ببطء، ونظر لها بابتسامة جذابه وهو يتأمل ملامحها البريئة.
ابتسامته ونظرته الجريئه لها خطفت أنفاسها.
توردت وجنتيها بحمرة الخجل.
وابتعدت بعينيها عنه سريعاً.
"كل سنة وانتي طيبة يا خديجة."
قالها "هاشم" بصوته ذو البحة المميزة التي تجعل قلبها يرتجف بين ضلوعها.
عضت على شفتيها السفليه، وبهمس بالكاد يسمع من فرط خجلها قالت.
"ميرسيي يا هاشم.. وأنت طيب."
اقترب منها خطوة، ومال على أذنها جعلها ترفع وجهها وتنظر له بأعين جاحظه حين وصل لسمعها حديثه يتحدث برزانته المثيرة قائلاً.
"خديجة انتي عجباني من أول لحظة وقعت عيني عليكي."
رمشت بأهدابها أكثر من مرة، وابتلعت لعابها بصعوبة، وبتقطع تحدثت قائله.
" ه هااشم اييه اللي بتقوله دا؟!"
"بقول اللي جوايا في الوقت المناسب."
هكذا إجابها بمنتهي البساطة.
وتابع بجدية مكملاً.
"أنا راجل مليش في اللف ولا الدوران.. ولا انا مراهق ولا عامل شعري استشوار يا ديجا."
تمعن النظر لعينيها الزائغه.
وتابع بجملة جعلتها على وشك الإغماء حين قال.
" أنا هتجوزك علشان أعرف أحب فيكي براحتي."
"جدووووو."
صرخت بها حفيدة "هاشم" فور فتح باب المصعد.
خرجت منه خلفها "غفران" وصغيره"مالك" صاحب الثمانيه أعوام يمشي بوقار وهيبه مثل والده.
بينما ركضت الصغيرة نحو جدها بكل سرعتها فاتحة زراعيها.
هرول" هاشم" بخطوات مسرعة فاتح زراعيه هو الأخر لها ويضحك بصوته كله مردداً بتفاجئ.
"حبيبة قلب جدو."
استدار نصف أستداره ونظر ل "خديجة" التي تسمرت مكانها بعد ما ألقاه على سمعها.
لتشهق "خديجة" بصوت خفيض حين نطق أسم حفيدته بابتسامة واسعة.
"ديجااااا."
نعم أسم حفيدته "خديجة" على أسم المرأه الوحيدة التي جعلت قلبه يميل لها بعد رحيل زوجته.
يا لها من صدفة رائعة.
كانت "خديجة" في حالة يرثي لها.
تنظر ل "هاشم" وحفيدته بابتسامة بلهاء.
"إزيك يا ديجا."
قالها "غفران" بنبرة عابثة حين لمح نظرتها ل"هاشم".
انتبهت "خديجة" لحالتها، ونظرت له بتوتر، وهمست بستحياء قائله.
"الحمد لله يا غفران.. أيه المفاجأه الحلوه دي.. جيتوا أمتي."
قالتها وهي تميل على "مالك" وتقبله بحب.
بينما الصغير عيناه مثبته على تلك الفاتنة الصغيرة.
يتأملها بنظرات بريئة منذهلة لا تخلو من الإعجاب بجمالها الخلاب.
"لسه واصلين من شوية."
غمغم بها "غفران" وهو يداعب وجنتي "إسراء" الصغيرة.
"أيه الجمال دا كله."
أردف بها "مالك" وهو يقترب كالمغيب من "إسراء" التي تبتسم له بطفولة.
وبدأ يمسد على خصلات شعرها الحريرية المنسدلة على وجهها وظهرها.
نظرت له "خديجة" بدهشه وتنقلت بنظرها لوالده الذي يبتسم بفخر على أفعال ذلك الشبل النابعة من هذا الأسد.
" أنتي أسمك؟."
غمغم بها "مالك" بتساؤل.
لتجيبه الصغيرة بقليل من الغرور.
"أسمى اسلاء."
جحظت أعين الجميع حين جذبها "مالك" من رسغها عليه دون سابق إنظار وغمر وجنتيها بسيل من القبلات الطفولية مردداً بابتسامة واسعة.
"وأنا أسمى مالك المصري يا إسراء."
ختم جملته وغمر وجنتيها ثانياً بقبلاته المتتاليه.
لحظة خروج "فارس" من جناحه.
تسمر بمحلة لبرهه حين وقعت عينيه على هذا النمس الصغير.
فنظر لوالده وتحدث بغضب مصطنع قائلاً.
"جراااا ايييه يا عم غفراااان أنت واقف منشكح على الأخر ليييه كده؟! .. ما تحوش ابنك عن البنت يا جدع."
قالها وهو يقترب منه واحتضنه بترحاب مكملاً.
" حمدلله على السلامه يا صاحبي."
سحبه "غفران" معه وسار نحو المصعد على عجل وهو يقول.
"مالك خليك هنا على ما أجيلك."
" مش اجي معاك يا فالس؟!"
قالتها الصغيرة بوجهه عابس.
" شوية وهاجي أخدك يا روح فارس."
قالها أثناد سيره بجوار صديقه.
ليقبلها" مالككمن جديد وهو يقول بنبرة راجية.
" خليكي هنا معايا علشان نلعب سوا."
ابتسمت له الصغيرة بحماس متمتمه.
" أوكي."
بينما انزل" هاشم"حفيدته وسار خلفهما هو الأخر وهو يقول.
" ديجا حبيبتي خليكي هنا.. شوية وراجعلك."
نظر ل "خديجة" وتابع باستأذان.
" لو مش هيضيقك طبعاً."
جثت" خديجة" على قدميها، وضمت الصغيرة لها بحنو متمتمه.
" لا مش هضايق أبداً..اطمن يا هاشم."
دلف فارس وغفران وخلفهما هاشم داخل المصعد.
ضغط" فارس " على زر الصعود للطابق التي تمكث به والدته.
" والدك هو اللي ورا إختفاء ديمة."
قالها" غفران" جعل" فارس" ينظر له بصدمة، وانبلجت ابتسامة على ملامحه وتحدث بفرحة ظهرت على نبرة صوته.
" وهو اللي بعتلي الرسايل علشان الحق مراتي."
ربت "غفران" على كتفه، وتحدث بابتسامة حين شعر بفرحة صديقه.
" والدك وصل مصر انهاردة يا فارس."
ختم جملته وصدع صوت المصعد يعلن عن وصوله للطابق المقصود.
بخطوات مهرولة دلف "فارس" لخارج المصعد خلفه "غفران وهاشم".
سار " فارس" بالممر الطويل حتي وصل لجناح والدته الخاص واندفع نحو الداخل بلهفه.
بينما ظل "غفران" برقفة "هاشم" أمام باب الجناح.
كان هناك صوت شجار قوي، وتتحطيم بلورات زجاجية.
"ماذا أتى بك إلى هنا.. أغرب عن وجهي الآن، و إلا سأزهق روحك بيدي."
صرخت بها "مارفيل" بصوت متعب محمل بالغضب، والغيظ الشديد.
"أيه اللي بيحصل دا."
قالها "فارس" أثناء دفعه للعاملات والطبيبات القائمات على رعاية والدته.
تيبس مكانه وحجظت عيناه حين وقعت على والده.
" محمد الدمنهوري."
يقف بشموخ ووجه محتقن بالدماء من شدة غضبه.
يرمق "مارفيل" بنظرات نارية، ولكنها ممزوجة بعشق دفين.
" بابا.. حضرتك هنا بجد؟!"
أردف بها "فارس" بذهول، وهو يقترب ببطء حتي وقف أمامه ينظر له بفرحة فشل في اخفاءها.
"أجعله يذهب من هنا حالاً فارس، و إلا نهضت وركلت مؤخرته بقدمي."
قالتها "مارفيل" بشراسة، وهي تجاهد حتي تغادر الفراش.
"نعم أنا هنا.. ابني."
قالها "محمد" بابتسامة، واعتلت ملامحه اللامبالاه وتابع بستفزاز مقصود وهو يختلس النظر ل "مارفيل" التي تتحامل علي نفسها لتنهض من مكانها.
" وسأظل هنا برفقتك أنت و زوجتي مارفيل."
لم يتمالك "فارس" نفسه وغلبته عطفته وحنينه له.
ففاجئه بعناق قوي مغمغماً.
"حمد على السلامه.. نورت بلدك يا أبو فارس."
"دايماً تكون منورة بيك يا ابني."
قالها "محمد" وهو يربت على ظهره، ويبادله عناقه بحب أبوي يظهره له لأول مرة.
ابتعدوا عن بعضهما سريعاً حين استمعا لصوت صرخة مكتومة بعدما افلتت يد" مارفيل" وكادت أن تسقط من فوق الفراش.
ليسع "فارس" و "محمد" بنفس اللحظه نحوها.
لكنها أستندت على وحيدها، وهي ترمق" محمد" بنظرة حارقة متمتمه.
"إياك أن تفكر تلمسني."
"اهدئي أمي..رجاءاً."
قالها "فارس" وهو يعدل وضعها، ويضع الوسائد خلف ظهرها.
"اجعله يذهب الآن فارس.. لم أعد اتحمل رؤيته، اختنق من عبقه، و أنفاسه.. لا أريد تنفس نفس الهواء الذي يتنفسه هو."
"لن أذهب إلى أي مكان..سأظل هنا وأنتهى الأمر تقبليه وتعايشي معه."
قالها "محمد" بهدوء خطر، وابتسامة مصطنعه تزين محياه.
"مارفيل."
بإزدراء.
"لن يحدث محمد.. أنت ستغادر فوراً وتعود من "حيث أتيت.. لم يعد لك أملاك هنا.. جميعها بأسم إبني وأنا أمه وأطردك منها.. هيا أرحل حالاً قبل ان اجعل العاملين هنا يلقون بك بالخارج."
ضرب" محمد" الأرض بقدميه، وسار نحو إحدي المقاعد وجلس عليها بهنجعيه وتحدث بعناد قائلاً.
" لن أرحل مارفيل.. لن أرحل.. أنا أيضاً هنا بأملاك ابني..ثم أخبريني منذ متي تعترفي انكِ أمه.. منذ متي مارفيل؟!"
" مارفيل."
ببرود مريب.
" أنا أمه رغماً عن أنفك، وسأظل انا الوحيدة التي منحتته الحياة."
نظرت ل "فارس" الذي يتنقل بعينيه بينهما بنظرات منذهله وتابعت ببكاء مصطنع.
" أخبره أنني أمك التي حملتك داخل أحشائها وتغذيت من دمائها يا فارس."
تنهد "فارس" بحزن وبعد فهم تحدث قائلاً.
"ماذا حدث لكل هذا أمي؟ .. أنتم للمرة الأولى تتجمعان برفقتي."
صمت لبرهه، وتابع بسعادة اعتلت ملامحه.
" لن أنكر ولكن اليوم أنا بغاية السعادة بوجودكما."
بعد جملته هذه التي لمست قلوبهما.. بل ألمت روحهما ساد الصمت للحظات، وخفض "محمد" رأسه بخزي من أفعاله المشينه بحق وحيده الذي نجحت "خديجة" بجدارة في تربيته.
بينما "مارفيل" زمت شفتيها، وعبست بملامحها، وانفجرت بالحديث فجأة جعلتهما ينتفضا بفزع حين قالت.
"أنا اكرهك محمد،واكرهك فارس.. أنا إمرأه لا تحب الرجال نهائياً.. تلك المخلوقات الشمطاء الشنعاء كم أتمنى أن أخترع مبيدات رجاليه مثل المبيدات الحشريه وأقوم بتوزعها على الإناث.. بحيث إذا قام رجلها بأي فعل سيء لا يروقها تقوم بأبدته من الحياة بأكملها."
صرخت بغيظ شديد، وصكت على أسنانها، وتابعت ببكاء طفولي موجهه حديثها ل" محمد" الذي ينظر لها بحاجبين مرفوعين.
" أريد أن ابيدك الآن أيها الرجل."
نظرت ل" فارس" الذي يدلك جبهته بكف يده، ويرمقهما بابتسامة مصطنعه وتابعت بتحذير.
" إذا تركتني برفقته ستعود تجده جثة هامدة او العكس."
رواية غرام المغرور الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم نسمة مالك
مرت بضعة أيام، لم يعد خلالها "فارس" لجناحه. ظل برفقة والديه، خاصةً حين تدهورت حالة "مارفيل" الصحية وإلحاحها عليه أن يظل معها. مما أجبره على إخماد نيران شوقه الشديد لساحرته مؤقتاً والمكوث بجوارها. يهتم بها وباحتياجاتها بنفسه، يطعمها بيده، يعاملها برحمة وعطف لا يخلو من المحبة. أظهر لها رحابة صدر تفاجأ بها هو شخصياً. أيقن وقتها أنه لم يكرهها لحظة واحدة برغم كل ما فعلته به. فماذا عساه أن يفعل غير ذلك؟ هي ستظل أمه، هذه الحقيقة لن يستطيع تغييرها.
"مارفيل".. استهلاكها الزائد للكحول جعلها بحالة يرثى لها. فقدت الكثير من الوزن، عيناها ذابلة ووجهها أصفر وشاحب دائمًا. يظهر عليها الوهن والإرهاق بوضوح.
فقد اكتشف الأطباء المشرفون على حالتها أنها تعاني من مشاكل بالكبد بسبب تلك السموم التي كانت تتناولها، جعلت خلايا الكبد غير قادرة على تجديد نفسها، وتحتاج إلى فترات طويلة من العلاج المكثف لتطوير خلايا جديدة. وفي كل مرة تعمل فيها خلايا الكبد على ترشيح الكحول، يتم موت عدد منها. وإساءة استخدام الكحول لفترة طويلة قد تؤدي إلى أضرار جسيمة في الكبد، والتقليل من قدرة خلاياه على التجدد. وضعها أصبح يحتوي على العديد من المخاطر الصحية.
ارتعد قلب "فارس" من شدة فزعه وخوفه عليها بعدما رأى والده يبكي بكاءً مريرًا لأجلها. أيعقل أن يفقدها للأبد الآن بعدما عادت إليه برغبتها؟
ألقى كل الأفكار المفزعة خلف ظهره، وقرر الوجود معها أكبر قدر كافٍ. وصل به الأمر لعدم النوم والراحة. طيلة الوقت يجلس على مقعد بجوار فراشها ممسكًا بالمصحف الشريف، يقرأ لها ما تيسر من القرآن بقلب خاشع وأعين دامعة. لا يريد أن يغفو فيستيقظ على خبر مفزع يتمناه قلبه عدم حدوثه.
داخل جناح مارفيل..
يقف "فارس" أمام باب الحمام المغلق، بوجهه يظهر عليه القلق، ينتظر "مارفيل" التي تقوم الممرضات بمساعدتها على أخذ حمام دافئ.
فُتح الباب أخيرًا وتحدثت إحدى الممرضات باحترام قائلة:
"فارس باشا.. الهانم خلصت، تقدر تتفضل."
ليهرول "فارس" نحوها، ودلف إلى داخل الحمام بخطى مسرعة.
كانت "مارفيل" تجلس على حافة حوض الاستحمام، حولها أكثر من فتاة يدعمونها بالمساعدة حتى لا تستسلم لتهاوي جسدها الضعيف غير المتزن وتسقط أرضًا.
بابتسامة بشوشة اقترب منها وحيدها، ومال عليها واضعًا ذراعه حول ظهرها والآخر أسفل ركبتيها، وقام بحملها بين يديه بمنتهى الخفة وسار بها للخارج مغمغمًا:
"امممم تفوح منك رائحة الزهور البيضاء الرائعة مارفيل."
يا الله، هيئته وهو حاملها تخطف القلوب. ضئيلة هي للغاية بين ذراعيه القويتين كطفلة صغيرة يحملها والدها ليضعها بالفراش حتى تخلد للنوم. من يراهما لن يصدق أنه يحمل والدته أبدًا.
جلس بها على الفراش، ووضعها بجواره بحرص، وبدأ يجفف شعرها بحنو بمنشفة قطنية حتى انتهى، وأمسك فرشاة الشعر الخاصة بها الموضوعة على طاولة بجوار الفراش وقام بتمشيط خصلاتها الناعمة بحنان بالغ.
معاملته لها واهتمامه بها أذاب الجليد الذي يغلف قلبها. رفعت يدها بوهن وأمسكت يده، وبهمس بالكاد يُسمع قالت:
"كيف لك أن تهتم لأمري بعد كل ما فعلته بك؟!"
نظر لها "فارس" قليلاً، نظرة شفقة ممزوجة بعتاب، وتنهد براحة وهو يجيب على سؤالها:
"أنتِ أمي.. شئت أم أبيت ستظلين أمي مهما فعلتِ."
أمسك يدها الهزيلة بين كفيه وتابع بهدوء وتراوٍ:
"أخبرتني زوجتي بشيء راق لي كثيرًا.. أنها دومًا تضع نفسها مكان أي شخص أخطأت بحقه لتستطيع رؤية رد فعله بنفسها. وأنا يا أمي قد وضعت نفسي مكانك، وسألت نفسي ماذا لو كنت فعلت بابني كما فعلتِ أنتِ معي؟ ماذا سيكون رد فعله تجاهي.. أو بالأحرى ما هو رد الفعل الذي أتمنى أن يفعله معي. وجدت أنني أتمنى لو يستطيع أن يمنحني السماح.. فأنا والده في الأخير. وهذا ما فعلته معك مارفيل دون معرفة أسبابك حتى. أنتِ أمي وأنا هنا بجوارك وسأظل حتى تتماثلين للشفاء."
نظر لعينيها التي تفتحها بصعوبة مكملاً بنبرة راجية:
"لن أطلب منكِ سوى أن تكوني بخير.. فقط كوني بخير لأجلي مارفيل.. ليس أكثر من ذلك."
حديثه الهين، اللين، وقلبه المملوء بالرحمة رأف بحالتها، جعل حالة من الطمأنينة تجتاحها، أوصلها لم تشعر بها منذ زمن. قررت بتلك اللحظة أن تبوح له بكل ما تخفيه بين ثنايا روحها.
"هل تعتقد أنني أعاني من عقدة أو ما شابه حتى يصل بي الأمر أن أقتلك بني؟"
حركت رأسها بالنفي، وتابعت بأسف قائلة:
"سيخبرك والدك بكل تأكيد عن سبب ما فعلته بحقك، ودعني أنا أخبرك بشيء أهم.. فربما تكون نهايتي حان وقتها."
ضمها "فارس" لصدره بلهفة، وربت على ظهرها برفق مردفاً:
"لا لا.. بقدرة الله أنتي ستكونين بخير.. كوني قوية مارفيل رجاءً."
أستكانت داخل حضنه بتعب حين شعرت ببداية دوار شديد يداعبها، وبدأت تتحدث بغصة مريرة يملؤها الأسى والندم.
"كنت واثقة أنك ستكون بخير." همست بها "مارفيل" بضعف وهي تجاهد حتى لا تفقد وعيها. رفعت يدها المرتجفة وضعتها على موضع ذلك الشق الكبير بصدره وتابعت بابتسامة رغم عبراتها التي تتساقط على وجنتيها دون بكاء: "حتى عندما أخبروني أن القناص قد أصابك وأعلنوا خبر وفاتك.. كنت على يقين أنك ما زلت على قيد الحياة لأن قلبي لم يتوقف عن النبض يا بني."
رواية غرام المغرور الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم نسمة مالك
خارج جناح "مارفيل"..
يقف "فارس" بملامح مرتعدة بجوار والده يتابع الأطباء وهما يحاولون تهدأت والدته التي دخلت بنوبة بكاء حاد حتي أصبحت على وشك الإنهيار.
كانت "مارفيل" تصرخ بكل قوتها مرددة بكلمات غير مرتبة تحمل بينها لغز يصعب حله بسهولة.
"أنا صامتة لأجلك.. لأجلك فارس.. لأجلك فقط بني".
تراخي جسدها، وأغلقت عينيها بضعف بعدما قامت إحدي الممرضات بحقنها بحقنة مهدئة.
جعلتها تستلم لنوم عميق خلال ثواني معدودة.
زفر "فارس" براحة، ونظر لوالده الذي ينظر لزوجته بلهفة وأعين تترقرق بها العبرات.
وتحدث بهدوء قائلاً: "بابا ممكن أتكلم مع حضرتك شوية".
"عايز تتكلم في ايه يا فارس؟!" قالها "محمد" وعينيه ثابتة على "مارفيل" يرمقها بنظرات مختلطة بين العشق والاشتياق، والعتاب.
سار "فارس" نحو أقرب مقعد جلس عليه واضعاً رأسه بين كفيه.
وتحدث بتعب قائلاً: "في حاجات كتير أنا مش فاهمها، وأسئلة كتير مش لاقي ليها أجوبة".
أخذ "محمد" نفس عميق، التفت ببطء ينظر له مغمغماً.
"هجاوبك على كل أسئلتك، وهفهمك كل حاجة يا فارس.. بس ممكن تسبيني مع مارفيل شوية لوحدنا".
صمت لبرهه وتابع وهو يصطك على أسنانه بغيظ.
"من ساعة ما رجعت من برة وأنت لازق معانا هنا.. انت مش المفروض عريس وفي شهر العسل؟!"
رفع "فارس" رأسه ونظر له بدهشة حين تابع بنبرة ساخرة.
"حد يسيب عروسته ويجي يقد جنب أمه يا عريييسس".
رمقه بنظرة ماكرة، ولاعب حاجبيه له بحركة أذهلت "فارس" وأكمل بأسف.
"شكلك كده مرفعتش راسنا ولا أيه؟!"
"لاااااااا.. لااااااا وكمان لااااااااا بقي.. دا أنا رفعت راسكم للسما يا أبو فارس".
قالها "فارس" بفخر، وهو ينهض من مكانه، واقترب من والده وضع يده حول كتفه وتابع بحاجب مرفوع.
"دا أنا فارس الدمنهوري.. يعني مينفعش تشك في قدراتي يا والدي".
مال علي أذنه مكملاً بتساؤل.
"احكيلي بقي عملت أيه في مارفيل يا أبو فارس يا شقي خلتها كرهت الصنف كله، وعايزة تخترع لنا مبيد رجالي يمحينا كلنا؟!"
رفع "محمد" حاجبيه ونظر له بشرار، وتحدث بغضب مصطنع.
"ما أنا قولتلك هتزفت أحكيلك بس مش دلوقتي.. خليني أقعد مع حبيبتي شوية قبل ما تفوق وتطردني زي كل مرة".
أنهى حديثه، ودفعه للخارج ببعض العنف.
لتتعالي ضحكات "فارس" وتحدث وهو يغمز له بشقاوة.
"الله عليك يا أبو الفوارس يا حبيب".
توقف "محمد" عن دفعه، وتنهد باشتياق وهو يقول بجدية.
"آه حبيب، ورجعت مصر بعد كل السنين دي علشان أنا بلدي اللي فيها".
أشار بيده على الغرفة النائمة بها "مارفيل" وتابع بعشق.
"أمك يا فارس.. الست الوحيدة اللي قلبي عشقها.. لا قبلها ولا هيكون في بعدها.. برغم كل حاجة واي حاجة هتفضل مارفيل هي حبي الوحيد".
نفخ بضيق، وتابع بنفاذ صبر.
"ويله اتفضل بقي.. انت ناسي أن غفران عاملك حفلة عنده انهارده في الشاليه، ولا أيه؟!"
ضرب "فارس" بكف يده على جبهته، وتحدث بأسف.
"أيوه فعلاً.. إزاي نسيت دا مأكد عليا، وعازم حضرتك كمان".
"محمد" بهدوء.
"اعتذر بالنيابة عني.. أنا هفضل مع مارفيل، وأنت إياك المح طيفك هنا الليلة.. خلص حفلتك، وخد مراتك وأطلع على اليخت أنا كلمت العمال وقالولي انه وصل المينا في الغردقة.. دا هدية جوازك مني.. أنا مرتضتش اسميه.. شوف هتسميه أيه أنت بمعرفتك".
"شكراً على كل حاجة يا بابا.. لولاك بعد ربنا كنت خسرت مراتي".
غمغم بها "فارس" وهو يقطع المسافة بينهما وعانقه بحب، مقبلاً كتفه مرات متكررة.
"ربنا ميحرمنيش منك أبداً".
تسمر "محمد" محله لوهلة لم يبدله عناقه.
أطبق جفنيه بقوة يكبح عبرات الندم التي تجمعت بعينيه، ومن ثم رفع يده وربت على ظهره متمتماً.
"ولا يحرمني منك أبداً يا ابني".
ابتعد عنه قليلاً، ورفع يده ربت على وجنتيه بحنو، وتابع بابتسامة.
"مش عايزك تشيل هم أي حاجة بعد كده.. أنا عقبت ديمة على كل اللي عملته، ورمتها في مصحة نفسية، والدكتورة اللي اسمها سلمي دي كانت متهدده بابنها، البنت اللي معها كانت تبع ديمة، وخدت نصيبها من العقاب.. اطمن".
حرك "فارس" رأسه بالنفي، وتحدث بأسف قائلاً.
"مش هعرف اطمن طول ما أبو ديمة شريك معانا، وواثق أنه مش هيسكت على اللي حصل في بنته.. علشان كده أنا هفضل واخد احتياطات كافية لحد ما أفض الشراكة دي في أقرب وقت".
"اعمل اللي يريحك، وخليك واثق إني هبقي في ضهرك من هنا ورايح".
أردف بها "محمد" بابتسامة يخفي بها لمعة الدموع بعينيه.
مال "فارس" عليه، وطبع قبلة مطولة فوق جبهته.
وهو يقول.
"وأنا دايماً هكون سندك وعزوتك يا أبو فارس".
أنهى جملته و سار نحو الخارج مكملاً باستعجال.
"هسيبك أنا بقي مع حبيبتك، وهروح اطمن على اليخت بنفسي، والحق أجهز للحفلة، ولو في أي حاجة كلمني هجيلك على طول".
انتظر "محمد" حتى تأكد من ذهاب "فارس" وأغلق الباب خلفه، وهرول نحو غرفة زوجته بخطي مرتجفة، وقلب ينبض بجنون من شدة عشقه، واشتياقه، وخوفه أيضاً.
داخل مكان مخصص للهو الأطفال.
يقف "هاشم" ورجال الحرس التابعين له يقومون بحراسة كلاً من.
"إسراء، إلهام، خديجة، إيمان، عهد، والصغار الذين يلهون بمرح وفرحة غامرة.
تجلس "إسراء".
"مالك حبيبي سيب إسراء تلعب مع مكة وديجا، وألعب أنت مع زين بالكورة".
قالتها "عهد" بنبرة صارمة لا تخلو من الحنان.
أجابها "مالك" الذي يمسك بيد "إسراء" يمنعها من اللهو برفقة أحد غيره.
"يا عهوده هي صغيرة مش هتعرف تلعب لوحدها وممكن تقع.. أنا باخد بالي منها".
حركت "عهد" رأسها بيأس من تصرفات الصغير التي تشبه والده إلى حد التطابق، ونظرت لـ "إسراء" الشاردة، وتحدثت بمزاح.
"خلاص كده اطمنو بنتكم بقت في حماية الباشا مالك المصري".
لكزت "إلهام" ابنتها حتى تنتبه للحديث، وابتسمت لـ "عهد" وتحدثت بفضولها المعتاد.
"بس انتي شكلك اتجوزتي بدري أوي يا عهد يا بنتي".
نظرت لـ "مالك" وتابعت قائلة.
"دا اسم الله حارسة وصاينه مالك قالي عنده تمن سنين، وانتي شكلك من سن بنتي إسراء مكملتيش الـ 22 سنة لسه!!"
أجابتها "عهد" بصوت خافت حتى لا يصل لسمع الصغار.
"غفران جوزي كان متجوز قبل ما يتجوزني، ومالك ومكة ولاد غفران من مراته الأولى".
لمحت الدهشة على وجوههم فاكملت بصدق قائلة.
"بس أنا بعتبرهم زي ابني زين بالظبط والله يا أنطي إلهام".
"إلهام".
"صادقة يا قلب أنطك.. دا أنا فكرتك أمهم والله يابنتي من حنيتك ولهفتك وخوفك عليهم".
تنهدت بصوت عالٍ، وتنقلت بنظرها بين "خديجة" التي تختلس النظر لـ "هاشم" من حين لآخر بخجل، وبين "إسراء" التي تبتسم ابتسامة حزينة، و"إيمان" التي تضم الصغير "محمود" لحضنها، وتقوم بأرضاعه بابتسامة حانية.
وتحدثت بتعقل قائلة.
"سبحان الله كل واحد بياخد نصيبه كامل من الفرح وحتي الجرح.. علشان كده بنلاقي دايماً ربنا رؤوف بعباده وبيجعل بعد الصبر جبر".
انتبهوا جميعهن لحديثها.
خاصةً حين قالت "إيمان" برضا تام بقضاء الله وقدره.
"عندك حق يا خالتي.. أنا أهو ربنا أراد إني مخلفش.. بس جبر خاطري ورزقني بابني محمود.. ابن قلبي قبل عيني".
ابتسمت "عهد" ونظرت باتجاه الصغار مدمدمة.
"وأنا اتجوزت واحد كان متجوز قبلي ومعاه طفلين ربنا جعلهم عايلة ليا بعد ما كنت عايزة انتحر من الوحدة".
قالت "خديجة" بفخر.
"وأنا رفضت الجواز وفضلت ابني "فارس" عن كل رجالة الدنيا، وبقيت زي ما الناس بتقول عانس.. بس دا كله مهمنيش.. كفاية أني ربيت وكبرت وزرعت زرعة صالحة على هيئة طفل بقي أحسن راجل في الدنيا، وبحصد من تربيتي ليه دلوقتي خير وفير ملوش نهاية، ولسه بمشيئة الله واثقة إن ربنا شالي خير أكتر، وعلشان كده لو رجع بيا الزمن تاني.. هختار فارس تاني من غير تفكير حتى".
نظروا لـ "إسراء" يحثوها على مشاركتهن في الحديث.
فابتسمت لهن وتحدثت بتنهيدة حزينة قائلة.
"وأنا اتجوزت بعد ما خلصت دبلوم من شاب محترم وأصيل حبني أوي وكنت عايشة حياة بسيطة، وهادية لحد ما ربنا اختاره وبقيت في يوم وليلة أرملة وبنتي يتيمة.. حسيت أن خلاص الدنيا وقفت وحياتي أدمرت".
تورّدت وجنتيها بحمرة الخجل ونظرت لوالدتها وتابعت بامتنان.
"بس بعد ما ربنا رزقني بحب أبو الفوارس عرفت أن كلامك يا ماما اللي كنتي بتقوليه ليا كان كله صح، وفعلاً بعد الصبر جبر، وأنا ربنا جبر قلبي أنا وبنتي وعوضني بزوج شالني جوه عينه وبيعامل بنتي كأنها بنته من صلبه، وهي كمان بتحبه أكتر مني".
أمسكت "خديجة" وجنتي "إلهام" بين أصابعها، وتحدثت بمرح قائلة.
"وانتي يا لوما يا شقيه احكلنا يله.. شكلك عندك قصة كبيرة".
ضحكت "إلهام" ضحكتها الهادئة التي تدل على طيبتها الزائدة مرددة.
"بقي أنا شقية يا خديجة يا أختي".
أخذت نفس عميق، وأكملت بفرحة ظهرت على محياها.
"هحكلكم.. أنا بحب أوي اتكلم عن إبراهيم أبو إسراء الله يرحمه".
صمتت لبرهه، وأغمضت عينيها ببطء تسترجع تلك الذكريات التي لم تفارقها للحظة واحدة.
إزدادت ابتسامتها اتساع وتابعت.
"كنت عيلة بنت خمس سنين لما أمي وأبويا ماتوا في حادثة، وخدني عمي الصغير علشان يربيني.. كان لسه متجوز جديد ومراته حامل وعلى وش ولادة.. مش هنكر هي كانت بتعاملني ساعات كويس.. جريت السنين وبقي عند عمي ولد وبنتين اعتبرتهم أخواتي الصغيرين بعد ما عمي اتوفى.. بقيت أنا اللي شايلة البيت كله من غسيل وطبيخ وتنضيف، وكل ما يجيلي عريس يطلب أيدي مرات عمي ترفض.. لحد ما اتجوزوا بناتها وابنها سافر كذا سنة الخليج بعد ما خلص جيش، وفضلت أنا معها لحد ما قربت على الـ 35 سنة بخدمها كأنها أمي بالظبط".
صمتت قليلاً تلتقط أنفاسها، وتكبح عبراتها التي تجمعت بعينيها، وتابعت.
"رجع ابنها معاه قرشين كويسين اشتري بيهم شقة وخدني أنا وأمه فيها، وفتح محل بقالة والدنيا بقت مستورة معاه دخل في يوم على أمه وقالها أنا قررت اتجوز.. أمه فرحت أوي وبقت تزغرط وتقوله من بكرة هجبلك دستة عرايس تختار منهم اللي تعجبك.. بس هو قالها لا متتعبيش نفسك أنا عروستي موجودة".
هبطت عبراتها بغزارة على وجنتيها رغم ابتسامتها التي لم تبرح محياها.
لتسرع "إسراء" التي بدأت تبكي لبكائها بمسح عبراتها بلهفة وحنان بالغ.
وأكملت "إلهام" بصوت مرتجف.
"أنا هتجوز إلهام بنت عمي.. أنا أولى بيها يا أمه.. بقت تصرخ بعد ما كانت بتزغرط، وتقوله هتاخد واحدة أكبر منك بخمس سنين.. عايز تعمل فيا وفي نفسك كده ليه.. دا انت ابني الوحيد وبتمني أشوف ولادك قبل ما أموت.. تقوم تتجوز واحدة عانس قطر الجواز والخلفة فتوها".
ابتلعت غصة مريرة، وسيطرت على بكائها، ونظرت لوحيدتها بحب وفرحة غمرت ملامحها مكملة.
"بس إبراهيم كان راجل شهم وجدع مسمعش ولا كلمة من اللي قالتهم أمه، وصمم يتجوزني.. سترني وكان ونعمة الزوج والابن البار خصوصاً ان أمه ورتنا الويل أول ما اتجوزني لحد ما حملت في إسراء بنت عمري، وهي رجعت تعاملنا كويس تاني لخاطرك يا ضنايا".
"طيب وأبو إسراء توفي إزاي يا لوما؟!"
قالتها "خديجة" بصعوبة من بين شهقاتها.
أجابتها "إسراء" ببوادر بكاء قائلة.
"هقولك أنا يا ديجا.. أنا فاكرة اللي حصل كأنه إمبارح.. كان عندي وقتها 12 سنة، وبابا حبيبي الله يرحمه تعب فجأة.. ماما بقت تلف بيه على الدكاترة، اللي اكتشفه أن عنده كانسر في مرحلة متأخرة، وبدأت رحلة علاج مكثفة خدت كل اللي كنا نملكه".
أمسكت يد والدتها وقبلتها وتابعت بفخر.
"امي دي أعظم أم وزوجة في الدنيا فضلت شايلة أبويا بحب وخوف في مرضه هو وجدتي كمان اللي تعبت من حزنها على أبويا، وعمرها ما قصرت معاهم أبداً لحد ما ربنا استرد أمانته".
"اللي عملته معاهم قعدلي فيكي يا بنتي، واديكي شيلاني في تعبي ومستحملاني وأنتي عارفة أني مش هعرف أقف على رجلي تاني".
شهقت "إسراء" بصوت خفيض، وتحدثت بتوتر قائلة.
"أيه اللي بتقوليه دا بس يا ماما،، بإذن الله أنتي هتخفي وهترجعي أحسن من الأول كمان، والعملية اللي المفروض تعمليها الدكتور نصحنا أننا نستنى شوية علشان في علاج لازم تاخديه قبل ما تعمليها".
ابتسمت لها "إلهام" وتحدثت بتروي قائلة.
"إسراء يا بنتي مافيش داعي تكدبي عليا يا حبيبتي.. أنا وقعت الدكتورة اللي كانت متابعة حالتي في مصر قبل ما أجي هنا وقالتلي الحقيقة، وأنا الحمد لله راضية بكل اللي يجبه ربنا، وبحمده وبشكر فضله كمان".
بكت "إسراء" وارتمت داخل حضنها تضمها بقوة وبثقة تردد.
"هتخفي.. بأمر الله تعالي هتخفي يا ماما، والله ربنا كريم وهيقومك بالسلامة إن شاء الله يا حبيبتي".
ربتت "إلهام" على ظهرها بحنان، وتنقلت بنظرها بين "خديجة، عهد، وإيمان" الذين انفجروا في نوبة بكاء حاد.
وتحدثت بغضب مصطنع قائلة.
"أيه دا أنتو قلبتوها عياط ونكد ليه كده.. مش المفروض أنكم معزومين على حفلة انهارده، ولا أنتي غيرتي رأيك يا ست عهودة".
مسحت "عهد" دموعها بظهر يديها بحركة طفولية، وتحدثت بتقطع قائلة.
"لا طبعاً يا أنطي.. دا أنا مجهزة حفلة لاسراء تجنن، هتعجبكم أوي والله، وكنت هستأذن حالاً علشان أروح اطمن ان كل حاجة تمام، وهنتظركم تشرفوني انهارده الساعة 8".
نظرت "خديجة" بساعة يدها وتحدثت هي الأخرى بتقطع من بين شهقاتها.
"طيب يله علشان نلحق نجهز.. الساعة داخلة على 6".
"ساحرة الفارس".
هذا هو اسم اليخت الذي دونه "فارس" على جوانب اليخت بنفسه.
وبعدما أنتهي وقف على متنه يتابع الديزاينر الذين يقومون بتزين اليخت بأروع وأفضل أنواع الورود، والكثير من البلونات الطائرة بمختلف ألوانها وأشكالها جميعهم مدون عليهم اسم زوجته "إسراء".
"أيه رأيك يا غفران".
قالها "فارس" وهو يشير بعينيه على المكان من حوله.
"ولا أحلى من كده يا فارس.. ربنا يبارك فيه ويكفيك شره يا صاحبي".
أردف بها "غفران" وهو يربت على كتفه.
ومن ثم دفعه برفق أمامه وسار على عجل لداخل ممر طويل داخل اليخت يؤدي إلى الغرف مكملاً.
"ويله أبوس أيدك أجهز علشان تحصلني ومتتأخرش عليا، وأنا هسابقك على الشاليه أستقبل الضيوف.. انت عارف إني عزمت رئيس الوزراء وكمان حمايا سيادة الوزير كلهم على شرف سيادتك".
"اطمن مش هتأخر عليك يا أبو مالك".
غمغم بها "فارس" وهو يخلع كنزته، ويختفي داخل إحدى الغرف المجهزة ببراعة من كافة شيء لاستقبال ساحرته.
بعد مرور أقل من ساعتين.
كان يخطو "فارس" بجوار زوجته "إسراء" التي ترتدي فستان بغاية الرقة من اللون الفيروزي بحزام رفيع من اللون الكافيه حول خصرها، وحجاب من نفس لون الحزام.
تسير بتوتر بين زوجها وبين "خديجة" التي ترتدي هي الأخرى فستان من اللون الأسود.
شعرها مصفف بعناية بهيئة تعكس جمالها، وبرائتها.
لداخل حديقة الشاليه الخاص بـ "غفران" الذي تم تجهيزه على أعلى مستوى.
"نورت يا فارس باشا".
قالها "عباس" والد "ديمة" الذي هرول نحو "فارس" مسرعاً فور رؤيته.
توجه بنظره لـ "إسراء" وابتسم لها ابتسامة مزيفة لا تخلو من الإعجاب، ومد يده لها وهو يقول.
"أهلاً يا هانم؟!".
قبل أن يكمل جملته كان وقف "فارس" أمام زوجته حتى أخفاها خلف ظهره بحماية عن أعين "عباس".
ونظر لها من فوق كتفه مغمغماً.
"ادخلي وأنا هحصلك".
دون النطق بحرف.
سارت "إسراء" للداخل بجوارها والدتها بكرسيها المتحرك، وخديجة، وإيمان.
أستقبلتهم "عهد" بابتسامة بشوشة.
بينما اقترب "غفران" ووقف برفقة "فارس"، و"عباس" الواقفين أمام بعضهما كالذئاب التي تستعد للقتال.
يرمقان بعضهما بنظرات حارقة، وإنذارات بالتهديد.
"خير يا معالي الوزير؟! في حاجة سيادتك ولا أيه؟!"
قالها "غفران" وهو ينضم لصف "فارس" برسالة واضحة وصريحة انه لن ولن يسمح له أو لغيره أن يمس صديقه بسوء.
ضحك "عباس" بقوة ضحكة مستهزءة، وتحدث بوعيد قائلاً.
"حاجات يا سيادة المقدم مش حاجة واحدة، وكل شيء في وقته هياخد حسابه".
توجهه بنظره تجاه الطاولة الجالسة عليها زوجة فارس وتابع.
"الحساب يجمع يا فارس".
نظر له "فارس" لدقيقة كاملة حاول خلالها السيطرة على الفزع الذي زحف لقلبه، وأخرج علبة السجائر سحب منها سيجار أشعله، وسحب منه نفس زفره على مهل، وتحدث بهدوء يثير القلق.
"معالي الوزير أوعى يكون مركزك مقوي قلبك، وتفكر إنك تقدر تهدد فارس الدمنهوري!!".
مال على أذنه وتابع.
"مركزك دا أنا ممكن أدفع تمنه، وأطيرك منه خالص".
بعد عنه وربت على كتفه بعنف مكملاً وهو يسير بجوار "غفران" و"هاشم" من أمامه بهنجعية.
"منورنا يا عباس".
بينما "إسراء".. تجلس على الطاولة المستديرة بجوار خديجة ووالدتها.
تجمعوا بحفل خاص نظمه "غفران"، وزوجته احتفالاً بزواج صديقه "فارس".
تتابع زوجها الذي يمثل انشغاله عنها بالحديث مع "هاشم وغفران".
عينيها حزينة برغم وضعها لبعض من لمسات قليلة من مساحيق التجميل.
تجاهد لكبح عبراتها حتى لا تخونها وتهبط على وجنتيها بغزارة من شدة اشتياقها له.
أكثر من أسبوع لم تنعم بلمسة من يده.
لم يضمها بحماية بين أضلاعه.
رباه كم تشتاق لرائحته وأنفاسه.
خفضت رأسها سريعاً تخفي تلك الدمعة الحارقة التي وقفت على أطراف أهدابها.
بينما ذلك العاشق الذي يمنعه غروره عنها يختلس النظر لها من وقت لآخر.
كور قبضة يده بعنف حين شعر بقلبه الذي ينبض بجنون وإلحاح شديد يأمره أن يخطفها بين حنايا صدره ويضمها بعناق محموم حتى يطفئ نار شوقه لها.
داهمته رعشة لذيذة حين تذكر لحظاتهم سوياً التي باتت أروع شيء يشعر به بحياته حين تكون تلك الساحرة خاضعة لفيض وبركان غرامة الجارف.
أستغل أنها لم تراه وبدأ يتأملها بشغف حتى توقف بنظرة على شفتيها.
يود لو يلتقطهما بين شفتيه.
أقسم بداخله لن يتركها حتى يدميها.
تعالت وتيرة أنفاسه، وأطلق آهة حارة، وهب واقفًا وقد وصل اشتياقه ورغبته بها لزروته فقرر الهروب من المكان بأكمله حتى لا يضعف ويسحبها خلفه الآن نحو جناحهما ويجتاحها فورًا، مفرغًا فيها و عليها جام شوقه و ضيقه و يأسه.
"عن إذنكم هعمل مكالمة مهمة".
صوت "خديجة" التي تحدثت بنبرة راجية جعلته يتسمر مكانه لبرهة حين قالت.
"أرقص مع مراتك يا فارس.. الحفلة دي معمولة علشانكم".
أسرعت "إسراء" برفع وجهها ونظرت له بلهفة، وقلب تسارعت نبضاتة.
تتمني بداخلها أن لا يذهب.. أن يستمع لحديث خديجة ويرأف بحالها ويقترب لو قليلاً منها.
رسم ابتسامة زائفة على محياه الوسيم رغم أن قلبه يتراقص فرحاً وكم كان ممتن لطلب تلك الخديجة الرقيقة.
استدار حول الطاولة متجها نحو زوجته بخطوات هادئة للحظة شعر أنه يسير على صوت إيقاع نبضات قلبهما معاً.
دوي صوت التصفيق الحار فور وقوفه أمامها ومد كف يده لها.
حبست أنفاسها، ومدت يدها المرتجفة وضعتها بين راحة يديه لينتفض قلبها انتفاضة جعلته أوشك على مغادرة صدرها من عنف دقاته.
هبت واقفه وسارت بجواره بخطي مرتجفة.
لتبدأ رقصتها برفقته للمرة الأولى أمام أعين الجميع المتطلعة لهما بابتسامة حالمة.
صدع صوت نغمات الموسيقى الناعمة على كلمات أغنية كانت تصفها كثيراً.
وكأنها كتبت خصيصاً لهما.
ممكن تخلينى فى حضنك..
محتاجة إن أسمع صوت قلبك..
نبضة بيحيينى نبضة بيحيينى..
مد يده يطوق خصرها بذراعيه مقربها من صدره حتى أصبحت داخل حضنه أخيراً.
لتقترب هي أكثر والتصقت به بعدما شعرت بكل ذرة بها تنجذب إليه.
بينما هو يدور بعينيه بكل مكان حتى يتفادى النظر لها.
دفنت وجهها بمقدمة صدره الظاهرة من أوائل أزرار قميصه المفتوحة، وهمست بشفتيها متعمدة ملامسة بشرته بكلمة واحدة.
"واحشتني".
فعلتها هذه وأنفاسها الساخنة التي تدغدغ حواسه أطارت اللب من عقله، ودون إرادته ضغط على خصرها بقليل من العنف المحبب.
ممكن تخلينى فى حضنك..
محتاجة إن أسمع صوت قلبك..
نبضة بيحيينى نبضة بيحيينى..
أصل أنا لما بكون متشافة بتوتر اصل أنا خوافةفى حضنك إحمينى فى حضنك إحمينىممكن تخلينى فى حضنكمحتاجة ان أسمع صوت قلبكنبضة بيحيينى نبضة بيحيينىأصل انا لما بكون متشافهبتوتر اصل أنا خوافةفى حضنك إحمينى فى حضنك إحمينى
والساعة اللى بعيشها فى قربك
60 دقيقة حياة
والوقت الضايع طول بعدى
من عمرى أنا مش حسباه
رفعت رأسها ونظرت له حين شعرت به يطوقها بذراعيه باشتياق، وهمست بلهفة.
"لسه زعلان مني يا فارس؟!".
وأخيراً مال برأسه عليها ونظر لعينيها، وملامحها بفتنان، وهمس بتساؤل قائلاً.
"قولتيلي أني وحشتك؟!".
أحتقن وجهها بحمرة الخجل، وحركت رأسها بالإيجاب.
ليميل هو على أذنها أكثر حتى أصبحت أنفاسه الساخنة تلفح بشرتها، وتابع بمكر.
"هاخدك و نروح حالاً، وعايزك توريني أنا وحشتك اد أيه، وأنا هوريكي أنتي وحشاني اد ايه".
ختم جملته ولثم وجنتيها بقبلة عميقة ببطء دفعها للانهيار، وتهاوت قدميها لتسرع بلف ذراعيها حول عنقه تستمد منه القوة على الوقوف، دفنت وجهها داخل صدره، وتحدثت بنبرة راجية بهمس بالكاد يسمع قائله.
"طيب يله نرجع أوضتنا يا أبو الفوارس".
رواية غرام المغرور الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم نسمة مالك
رواية غرام المغرور البارت التاسع والثلاثون 39 بقلم نسمة مالك
رواية غرام المغرور الفصل التاسع والثلاثون 39
صفعة الخذلان!!..
كلاً منا بحياته شخص يمثل له الحياة.. شخص نثق به ثقة عمياء.. ثقة تتخطي الحدود.. أكبر حتي من ثقتنا بأنفسنا !!..
الأمان بالنسبه لنا يتمثل في وجود هذا الشخص..لم يخطر على بالنا أن تأتي الصفعة الدامية منه هو..
الضربة القاضية تكون على يده هو..
ليوقعه القدر بشر أعماله، ويكشف عنه غطاء الستر ليظهر وجهه الحقيقي الذي يصفعنا به على قلوبنا بكل قوته صفعة قاتلة تسمي صفعة الخذلان.. حينها لم يخسر ثقتنا فيه فقط.. بل يخسرنا للأبد..
لدواعي أمنية اختفي "فارس" و زوجته فجأة أثناء الأحتفال بمساعدة صديقه "غفران" الذي قام بتوفير الحماية اللازمة له..
بينما قام "هاشم" بتأمين "خديجة" التي عادت برفقته إلى الفندق هي و "إلهام، وإيمان، والصغيران إسراء، ومحمود"..
صدع صوت المصعد مشيراً لوصوله الطابق المقصود.. خرجت" إلهام" بكرسيها المتحرك حامله حفيدتها النائمة على قدمها..
خلفها "إيمان" التي تحمل رضيعها النائم أيضاً.. ظلت "خديجة" تقف مكانها بشرود بجوار "هاشم" الذي يحمل حفيدته النائمة..
" وصلنا يا ديجا".. غمغم بها" هاشم" بخفوت، وهو يتأمل هيئتها الرقيقة بابتسامة إعجاب واضحة..
لم تنتبه له "خديجة" ، وظلت على شرودها..
عقد حاجبيه بدهشة حين لمح نظرة حزينة أطفئت لمعة عينيها فجأة.. كانت منذ قليل تنظر له بأعين متوهجة.. زحف القلق لقلبه دون معرفة السبب..فحمل الصغيرة بيد، ومد يده الأخرى نحوها و ربت على كتفها ببعض العنف، وتحدث بلهفة قائلاً..
"خديجة أنتي كويسة؟!.."..
كتمت صرخة كادت أن تطلقها من قوة يده التي يراها هو تافه بجانب لكماته وضرباته الشديدة.. استدارت ببطء،ونظرت له بأعين جاحظة مردفة بدهشة..
"هاشم أيدك تقيلة أوي.. وجعتني!!"..
انبلجت ابتسامة متراقصة على ملامحه الصارمة جعلت دهشتها تضاعف ، ورمقها بنظرة ماكرة وهم بالرد عليها إلا أنه تراجع سريعاً، والتزم الصمت حين استمع لضحكات "إلهام" الخافتة التي تجاهد للسيطرة عليها..
رسمت الجدية على ملامحها مرددة ..
" بقي كده توجعها يا سي هاشم أفندي.. أنت مش عارف أن خديجة البسكوتة بتاعتنا؟! "..
صمتت لوهله، وتابعت حديثها بجملة جعلت وجنتي "خديجة" تشتعل بحمرة الخجل حين قالت بابتسامة عريضة..
"اللي انت هتتجوزها بأمرالله علشان تحب فيها براحتك"..
شهقت "خديجة" و هرولت لخارج المصعد خلفها "هاشم" يسير بخطوات حذرة.. هادئة، وتحدث بنبرة متمنية..
" بس هي توافق بيا يا ست أم إسراء" ..
توقفت "خديجة" عن السير، ونظرت له نظرة طويلة بأعين تصرخ باستغاثة من نفسها التي أجبرتها على إتخاذ قرار حاسم لا رجعه فيه...
"وانا مستحيل أوافق أني اسيب ابني فارس، واتجوز بعد العمر دا كله!!"..
ابتعدت بعينيها عن عينيه التي تنظر لها بصدمة، و رمقت "إلهام " نظرة عاتبة، و وجهت نظرتها ل
"هاشم" وتحدثت بأسف و أعين تترقرق فيها العبرات..
" طلبك مرفوض يا أستاذ هاشم.. شوفلك عروسة غيري"..
صمتت لبرهه، وهمست بجملة من بين شهقاتها التي فقدت السيطرة عليها أعتصرت بها قلب"هاشم"، و"الهام"، وحتي "إيمان" التي بكت لبكائها..
"تكون مش عانس زيي".. تمتمت بها، وركضت مسرعة نحو جناحها حتي وصلت إليه.. فتحت الباب ودلفت للداخل وأغلقته خلفها بعنف، ووقفت مستندة عليه بظهرها تبكي بنحيب دون إصدار صوت..
.......................................
" إسراء"..
كانت تسير بجوار زوجها الذي يمسك كف يدها بين قبضة يده.. أصابعه تتخلل أصابعها و تشتبك بهم بقوة..
تسمرت مكانها فجأة، واعتلت ملامحها البريئة الذهول حين وجدته يسحبها نحو مبني عملاق شديد الفخامة عائم على سطح المياه.. مدون عليه أسمها الذي ينعتها به زوجها دوماً "ساحرة الفارس"..
تنقلت بنظرها بينه وبين "فارس" الذي ينظر لها بابتسامة دافئة تزين ملامحه الوسيمة..
"ساحرة الفارس دي أنا؟!!".. همست بها "إسراء" بصوت تحشرج بالبكاء من فرط سعادتها،وبدأت عبراتها تتساقط، وتضحك بأن واحد..
"أيوه انتي لوحدك يا إسراء اللي سحرتيني و ملكتي قلبي، وقدرتي تقتحمي حصون غروري لحد ما بقيتي غرام المغرور"..
قالها "فارس" هامسًا بحميمية وهو يضغط على كفها بخفه كانت بمثابة ضغطه على قلبها الذي تسارعت نبضاته..
اقترب منها حتي أصبحت المسافة بينهما لا تذكر، لكنهما لا يتلامسان..
رفع يده الأخرى ومسح عبراتها، وداعب وجنتيها بأنامله بتمهل أذاب عظامها جعلت أنفاسها علقت بصدرها فأطبقت جفونها فورًا، وأخذت نفس عميق تملئ رئتيها بعبق رائحته التي اشتاقتها حد الجنون..
إزدردت لعابها بتوتر حين مال عليها بوجهه ببطء حتي شعرت بأنفاسه المهتاجة الملتهبه تلفح بشرتها الناعمة.. ليفاجئها بقبلة رقيقة مطولة بجانب شفتيها..
شهقت بفزع، وفتحت عيناها على وسعهما في هذه اللحظة تنظر حولها بأحراج وخجل شديد متمتمه..
"فارس أحنا نعتبر في الشارع"..
التوى فمه ببسمة جانبيه عابثه، ورسم الجديه على محياه، محرك كتفيه ببراءة مزيفة..
"دي Small kiss على خدك يا بيبي، و اطمني
المكان دا كله ملكنا يا روحي.. خاص بينا محدش يقدر يدخل هنا غيرنا"..
هبط بعينيه وتوقف على شفتيها بنظره، وغمز لها بشقاوة مكملاً .. "وبعدين دي بمهد بيها للي جاي"..
عضت على شفتيها بحركة تلقائية تفعلها أثناء خجلها تفقده بها صوابه.. حاوط كتفيها بذراعه لصقها به.. وعاد بنظره لليخت وتحدث بتساؤل قائلاً..
"قوليلي عجبك اليخت؟"..
"جميل أوي ماشاءالله يا فارس".. غمغمت بها "إسراء" بصوت مبحوح أثر مشاعرها المبعثرة من همساته، ولمساته لها..
نظر لها بابتسامة تظهر مدي فرحته مغمغماً..
"تخيلي دا هدية أبو فارس لينا بمناسبة جوازنا !!، ورغم انه كاتبلي كل أملاكه بأسمي إلا أن الهدية دي تقدري تقولي إني فرحان بيها جداً، وتعتبر أجمل رابع هدية تجيلي في حياتي كلها"..
تنظر له بابتسامة حانيه..تتأمل فرحته بقلب يتراقص من السعادة لأجله .. رباه فرحته التي تراها بعينيه الآن تشبه فرحة طفل صغير أحضر له والده لعبته المفضلة..أو ربما هو كذلك بالفعل فلم ينعم يوماً بوجود والده أثناء طفولته..
تلاشت أبتسامتها،وحل مكانها التعجب، ورمقته بنظرة نارية مردفة من بين أسنانها..
"أجمل رابع هدية جاتلك؟!"..
عقدت ذراعيها أمام صدرها، وتابعت بابتسامة مصطنعه.. "ويا تري أيه هما التلاته التانين يا فارس باشا؟!"..
ضيق عينيه وهو يرمقها بنظرة متفحصة، وقد احتقن وجهها بحمرة قاتمة تدل على شدة غضبها.. بل عفواً شدة غيرتها التي تجعل قلبه يغادر صدره ويحلق عالياً بسعادة بالغة، و تحدث دون أن يقاوم ابتسامة انبلجت على محياه..
"غيرة دي يا بيبي؟! "..
كشرت "إسراء " في وجهه و ظلت صامته، جاءت لتشيح عنه للجهة الأخرى، فلحق بها قبل أن تفعل، و أمسك ذقنها الصغيرة بين سبابته و إبهامه أجبرها على النظر إليه..
"اممم دي غيرة شديدة كمان"..
قالها بضحكة خافتة، و أكمل بشيء من الجدية..
"يا إسراء هديتي الأولى كانت خديجة، وهديتي التانيه أنتي و إسراء بنتي الصغيره، والتالته لما اتجمعت أنا و والدي و والدتي لأول مرة بعد كل سنين الفراق والغربة واليتم اللي عشتها في وجودهم، والرابعه اليخت اللي اتكتب عليه اسمينا سوا"..
احتضنت كف يده بين يديها.. تتمني لو تضمها لقلبها ولكنها لجمت نفسها بأعجوبة، ونظرت له بانبهار مردفة.." يعني لما غبت عني التمن أيام دول مكنتش هاجرني و كنت قاعد مع مامتك وباباك يا فارس؟ "..
"أنتي الوحيده في الكون اللي مقدرش أهجرها يا عيون فارس".. قالها بلفهه، وهو يرفع يدها على شفتيه ولثم باطنها بعشق مكملاً..
"على اد ما كنت هتجنن من عمايلك، وعايز أكسر عضمك ودماغك اللي بتخليكي تعملي تصرفات متهورة مش متوقعة ولا محسوبة "..
صمت لبرهه، وأطال النظر لعينيها نظرة جعلت انتفاضة قلبها تزيد وتتدافع،وتابع بهمس بصوته الذي يدغدغها..
"بس كنت هتجنن في كل لحظة فاتت عليا وأنتي بعيد عن حضني.. هتجنن عليكي يا إسراء"..
أنهى حديثه وبدأ يقترب منها كالمغيب قاصداً شفتيها.. لتسرع هي،و رفعت يدها وضعتها على صدره تدفعه عنها بضعف مردده..
"فارس أعقل قولتلك احنا مش في البيت"..
صك على أسنانه بغيظ، و جذبها فجأه من خصرها، وسار بها بخطي مسرعة و هو يقول بخبث..
"طيب تعالي افرجك على اليخت من جوه، و عايزك تعتبري أننا في البيت بالظبط"..
تلاحقت أنفاسها ،و شحبت ملامحها، و بدأ جسدها يرتجف،وقبضت على قميصه بكلتا يديها المرتعشه مدمدمه بتقطع..
"فارس أنا شوفته من بره وعجبني والله، و أكيد من جوه هيبقي أجمل اللهم بارك .. بس كفايه كده، و بلاش ندخل خلينا نرجع الأوضة في الفندق.. أنا بدوخ و معدتي بتقلب، ومش عايزه يحصل زي اللي حصلي لما ركبت معاك الطيارة"..
"أنا هضيعلك الدوخة دي خالص".. أردف بها "فارس" وهو يحملها بيد واحده بمنتهي الخفه من خصرها ويصعد على الدرج المؤدي لداخل " ساحرة الفارس"..
تعلقت" إسراء " برقبته بكلتا يدها دافنه وجهها داخل تجويف عنقه، وتتحدث بصوت مكتوم قائله..
" فارس علشان خاطري نزلني"..
ظل يسير بها حتي وصل للطابق المزين بأروع وأجمل الورورد والبلونات الطائرة، و هم بأنزالها.. لكنها تمسكت به بخوف..
"لا نزلني بس متسبنيش.. هقع لو سبتني"..
ربت على ظهرها بكف يده وزاد من ضمها له مردفاً..
"مستحيل أسيبك.. بس ارفعي رأسك كده وبصي حواليكي..
رفعت رأسها ،وفتحت عينيها ببطء، وفجأة أطلقت شهقه قوية حين رأت المكان من حولها..
" أيه رأيك؟ "..
قالها وهو يلفها بين يديه حتي أصبح ظهرها مقابل صدره..
طوق خصرها بذراعه، ويده الأخرى تتخلص من حجابها حتي خلعه عنها، ومال بوجهه على عنقها يستنشق عبقها، و يلثمه بتمهل..
"واحشتيني يا ساحرة"..
تراخت عضلات جسدها المتشنجة أثر لمساته، وقبلاته التي يغمرها بها..
أطلقت آهه خافتة حين تحركت يده على خصرها صعوداً إلى موضع قلبها يستشعر عنف دقاته بتلذذ لعلمه انه هو السبب وراء تسارع نبضاته حتي وصل لعنقها، ومن ثم وضع أصابعه أسفل ذقنها أدار رأسها إليه يحثها على النظر له..
علت وتيرة أنفاسها وأصبح صدرها يعلو ويهبط بقوة حين التقطت عينيها بعينيه التي ترمقها بنظرة تملؤها العشق، والرغبة الجامحة،وانبعث صوته الخافت المزلزل لكيانها..
"دايخة؟!"..
حركت رأسها بالنفي، ورفعت يديها لفتها حول عنقه تجذبه عليها أكثر متمتمه كالمغيبه وهس تتأمل ملامحه التي اشتاقتها كثيراً ..
"واحشتيني يا فارس.. هتجنن عليك"..
ابتعد بعينيه عنها، ودار بالمكان من حوله مغمغماً..
"هو أنا كنت ناوي أوريكي المكان الأول "..
التف حولها بتراوي مريب، ووقف أمامها ونظر لها قليلاً، وبلحظة كان سحبها من خصرها لترتطم بصدره، حملها لداخل حضنه حتي أصبحت قدميها لا تلمس الأرض، وهرول بها نحو الغرفة الخاصة المجهزة لهما..
"بس أنا هتجنن عليكي أكتر يا روح فارس"..
قالها وهو يميل بوجهه على وجهها وأنتزع شفتيها نزعاً بقبلة عاشقة يبدأ بها ليلته الملحمية معها..
......................................
"داخل غرفة هاشم "..
بعدما قام بوضع حفيدته بفراشها..خرج بهرولة نحو جناح"خديجة" ظل يطرق عليها، ويتحدث بنبرة متوسلة..
"خديجة من فضلك ممكن نتكلم؟!"..
"مافيش بنا كلام يا أستاذ هاشم، و لو سمحت اتفضل شوف شغلك وبس"..قالتها "خديجة" بصوتها الرقيق الباكي دون أن تفتح الباب حتي..
هم "هاشم" بتحطيم الباب الحاجز عنه رؤيتها، و لكنه توقف بأخر لحظة، و قام بلكم الحائط بقوة عدة مرات ينفس فيه عن غضبه، و أقسم لو كانت أمامه الآن لخطفها داخل حضنه بعناق محموم لن يتركها حينها مهما فعلت..
بدأ يسير ذهاباً وإياباً أمام غرفتها.. اعتلت ملامحه الصدمة من حديثها، و تغيرها المفاجئ تجاهه.. كان يشعر بانجذابها، وإعجابها به الظاهر بعينيها، و فرحتها عندما عرض عليها الزواج رأها بوضوح على ملامحها الطفولية البريئة..
إذا ماذا حدث حتي تحزن، و تبكي بقهر هكذا؟! .. بدأ يدور حول نفسه، ويمسح على شعره كاد أن يقتلعه من جذوره.. سيفقد عقله لا محاله... ماذا حدث لتلقي تلك الجملة المؤلمه التي أدمت قلبه بها لأجلها هي؟!..
.....................................
.. داخل جناح إلهام..
بصدر رحب قامت "إيمان" بمساعدة "إلهام" على تبديل ثيابها، وأستلقت على الفراش بجوار حفيدتها..
"يا تري أيه اللي حصل و زعل ديجا أوي كده يا خالتي؟!، و الله انا قلبي اتقطع عليها"..
أردف بها "إيمان" الباكية بطيبة شديدة..
وضعت "إلهام" أصابعها أسفل ذقنها، وأخذت تفكر، وتستعيد أحداث اليوم مردده..
" بعد ما إسراء بنتي ربنا يهدي سرها جوزها خدها و فلسعو من الحلفة وسبونا أحنا، شوفت اسم الله حارسه هاشم واقف لوحده بيتكلم في التليفون، وخديجة شافته راحت واقفه زي القرد اللي بيطلع من العلبه مرة واحدة من غير أحم ولا دستور، وقالتلي هروح اسأل هاشم فارس و إسراء راحوا فين"..
رفعت يدها وأشارت بأحدي أصابعها على عقلها، وتابعت.."بس أنا فهماها وعارفة أنها رايحة تشوفه واقف في الركن البعيد الهادي بيتودود في التليفون مع مين"..
صفقت بكلتا يدها بحذر حتي لا توقظ الصغار، ولوة فمها أكثر من مرة مكمله..
"كانت رايحة ضحكتها من الون للودن، ومنشكحه على الاخر كأنها بتعمل أعلان لمعجون سنان.. رجعت يا حبة عيني مبوزة ولا اللي واخده بونيتين وشلوط في وشها.. تقريباً كده هاشموله كان بيحب في بني آدمية، وهي اتصدمت يا قلب أمها.. كبدي عليها"..
"ولما هو بيكلم غيرها كان بيطلبها للجواز ليه بس؟!"..
قالتها" إيمان " وهي تستعد لحمل صغيرها النائم بجوار "إسراء" الصغيرة..
بعدت "إلهام" يدها عن الصغير برفق، و بدأت تربت عليه بحنو وهي تقول بلهجة حادة..
"سيبي الواد نايم جنبنا على ما تغيري هدومك وابقي تعالي علشان نروح نطمن على خديجة.. زمنها هديت وهتفتح لنا الباب، وأنا مش هسبها إلا لما أعرف أيه اللي حصل وزعلها كدهون"..
نظرت لها "إيمان " بخجل، وفركت أصابعها ببعضهما.. جعلت "إلهام" تنظر لها بحاجب مرفوع، وابتسامة عابثه مدمدمة..
" امممم أسطوانة كل يوم جوزي واحشني أوى وعايزه ارجعلو يا خالتي مش كده؟! "..
حركت" إيمان " رأسها بالايجاب سريعاً، و تحدثت بلهفة قائله.."أيوه كده يا خالتي.. واحشني أوي أوي كمان الصراحة.. مش واخدة أبعد عنه كل دا، وأنا داخلة على العشر أيام هنا.. كفاية كده وهرجع أصبح بأمرالله"..
أردفت" إلهام " بتعقل قائله.. "الصباح رباح.. يله روحي اوضتك غيري قبل ما الواد يصحي يا عين خالتك وتعالي"..
مالت "إيمان" على الصغار قبلتهما بحب، وسارت نحو الخارج وهي تقول.." مش هتأخر عليكي يا حبيبتي.. علشان نطمن على ديجا الغلبانه دي"..
أنهت جملتها، وأغلقت الباب خلفها..
"ربنا يهدي سرك يا إيمان يا بنتي أنتي كمان"..
قالتها" إلهام " وهي تمسك الهاتف الموضوع بجوار سريرها، و قامت بطلب إحدي الأرقام ، ووضعت الهاتف على أذنها تنتظر الرد وهي تحدث نفسها بفخر..
"الحمد لله أنك ختي الإبتدائية يابت يا لوما.. التعليم حلو برضوا وبينور العقل"..
بينما" إيمان " دلفت لداخل جناحها غالقة الباب خلفها.. رفعت يدها تبحث عن مفتاح الإضاءة حتي عثرت عليه، وقامت بأشعاله..
لتصعق حين وجدت زوجها "تامر" يقف بجوارها مستند بظهره على الحائط واضعاً يديه بجيب سرواله، وينظر لها بابتسامة هادئه..
لم يستوعب عقلها بعد وجوده، وأنه هو زوجها ليس رجل غريب، وبالفطرة فتحت فمها، وهمت بالصراخ بكل قوتها،ولكن شفتيه التي أطبقت على شفتيها بلمح البصر مبتلع صرخاتها بجوفه، ويردد من بين قبلاته دون أن يبتعد عنها..
"هششششش.. أهدي متخفيش.. أنا تامر جوزك يا إيمان"..
التقطت أنفاسها بصعوبه ، واستكانت بين يديه، تنظر له بأعين جاحظه، وبهمس يكاد يسمع قالت بعدم تصديق..
"انت هنا بجد؟! "..
ضمها "تامر" لصدره بقوه مغمغماً.. "اممم.. أنا هنا..واحشتيني يا أم محمود.. مقدرتش أبعد عنك أنتي وابننا أكتر من كده"..
بدلته" إيمان" عناقه، وهمست بعشق قائله..
"أنت اللي واحشتني أكتر يا تامر..واحشتيني أوي يا حبيبي، وكنت ناويه اجيلك بكرة والله "..
" واديني أنا اللي جيتلك".. أردف بها وهو يبتعد عنها قليلاً، ووضع جبهته على جبهتها، وتابع باشتياق وهو يسير بها نحو الفراش..
" تعالي أشبع منك شوية قبل ما ابنك يصحي"..
.......................................
.. بجناح مارفيل..
لأكثر من ثمانية ساعات يجلس" محمد" على الفراش بجوار" مارفيل" التي تغص بنوم عميق.. يغمرها بسيل قبلاته المتفرقة على كافة وجهها دون كلل أو ملل..
"أشتقت إليكِ مارفيل.. أشتقت إليكِ كثيراً حبيبتي"..
هبطت دمعه حارقه من عينيه ببطء حتي أستقرت فوق جبهتها، وتابع بندم..
" أخطأت بحقك أعترف،ولكن دعينا ننسي ما حدث، ونبدأ من جديد"..
"لن يحدث محمد".. همست بها "مارفيل" بضعف شديد، وهي مازالت غالقه عينيها..
"أرحل من هنا.. فأنا أصبحت بحماية ابني، ولن تستطيع إجباري على العودة إليك مهما فعلت"..
"مارفيل لأجل ابننا اعطيني فرصة واحده فقط"..
أردف بها" محمد " بتوسل، و بصوت متحشرج بالبكاء..
فتحت" مارفيل "عينيها بوهن، ورمقته بنظره محتقرة، وتحدثت بسخرية..
"ابننا!!.. الآن تعترف بأبوته محمد بعدما ظليت طيلة تلك السنوات تشكك بنسبه لك؟! "..
أطبق جفنيه بعنف لعدم مقدرته على تحمل نظرتها له، وتحدث بندم قائلاً..
" التمسي لي العذر مارفيل.. أنا عشقتك من صميم قلبي، و تزوجتك سبعة أشهر فقط، وأنتي وضعتي قبل أن تتمي شهرك السابع وهذا أفقدني صوابي"..
دفعته بعيداً عنها بضعف بعدما شعرت بالاشمئزاز من قربه، ورائحته، وتابعت بغضب..
"أيها الحقير أخبرك للمرة المليار أنني تزوجتك وأنا طفلة عذراء لم تتم عامها الخامسة عشر بعد.. لم يمسني اي رجل غيرك في حياتي بأكلمها"..
ابتلعت مرارة بحلقها كادت أن تزهق روحها، وتابعت بغصة يملؤها الآسي..
"يشاء إلهي أن أحمل جنينك في أحشائي ، و لصغر سني تمت الولادة مبكراً عن المعاد المحدد لها ،وكدت أن أفقد حياتي، وحياة صغيري الذي ظل تحت الرعاية أسبوع كامل.. لم تتركني اضمه لحضني مرة واحدة خلالهم رغم توسلي الشديد إليك ، وأرسلته لشقيقتك فور خروجة من المشفى أيها النذل، ولم تكتفي بفعل هذا.. بل أصبحت تفكر حتي تصل لخطة حمقاء تستطيع التخلص منه فيها دون فضائح تأثر على أعمالك.. كتبت له أموالك حتي لا يشك في أمرك أحد ، واستخدمتني أنا ضد ابني جعلته يظن أنني من تريد محاولة قتله.. جعلتني ستار لافعالك المشينة"..
صمتت لبرهه تلتقط أنفاسها وتابعت بأسف..
"والحقيقة أنك أنت الذي كان يجاهد ويسعى لتزهق روحه دون التأكد حتي إذا كان حقاً ابنك ام لا"..
خفض رأسه بخزي من نفسه، وتحدث بندم شديد..
"تأكدت انه ابني انا مارفيل"..
رفع رأسه ونظر لها بأعين تفيض بالعبرات مكملاً..
" بعد 33 عام تأكدت أنني ظلمتك و أنني أخطأت بحقك وحق ابني الوحيد، وأطلب السماح منك واتوسل إليكِ لا تخبري فارس الحقيقه"..
" لأجله هو.. لأجل ابني فقط محمد.. أنا صامته،والآن غادر فورًا دون عودة"..
همست بها "مارفيل" بملامح جامدة لا تبكي بينما قلبها ينزف من شدة ألمها..
ساد الصمت قليلاً يقطعه نظرتهما لبعض غافلين عن تلك التي تقف مختبئه وقامت بتصوير كل ما حدث وأرسلته لابنهما "فارس " الذي سيصدمه القدر بصفعة خذلان موجعه في أقرب الأشخاص له..
رواية غرام المغرور الفصل الأربعون 40 - بقلم نسمة مالك
صباح يومًا جديد..
داخل يخت "ساحرة الفارس" تسللت أشعة الشمس عبر واجهة الغرفة الزجاجية ذات الميزة اللامرئية التي تتيح للرائي من الداخل فقط تبين ما بالخارج.
كانت "إسراء" متكومة بأحضان زوجها دون حراك، ظهرها مقابل صدره، محاوطها بكلتا يديه، وحتى قدميه.
لم يتركها تنعم بالنوم لو قليلاً، كان يغرقها بفيض عشقه المجنون لها، وبدورها استقبلته بلهفة واشتياق أشد.
تنازلت عن عنادها، وهو تنازل عن كبريائه، حينها بلغ عشقهما القمة.
"إسراء.. نمتي يا بيبي؟" قالها "فارس" بنبرته المدوخة جعل جسدها ينتفض بين يديه.
تأوهت بخفوت وهي تشد الغطاء عليهما أكثر.
حانت منها التفاتة نحوه وهي ترد بصوت هامس ظاهر عليه الإجهاد.
"لأ صاحية يا عيون إسراء."
أغلقت عينيها ببطء، وارتعش قلبها حين رفع يده وسار على طول ذراعها ذهاباً وإياباً، وهو يقترب بوجهه من وجهها وداعب أرنبة أنفها بأنفه، ومن ثم لثمها بقبلة صغيرة، وتراجع للخلف بضعة أنشات ليتمكن من تأمل ملامحها البريئة بافتتان.
فتحت عينيها ونظرت له بانبهار من معاملته لها، يعاملها كأنها قطعة من الماس نادرة الوجود.
تفهم "فارس" نظرتها فابتسم لها ابتسامته التي تفقدها صوابها وتجعل نبض قلبها يدق كالطبول، خاصةً حين نظر لعينيها نظرة يملؤها حب وغرام، ولمسة يديه تغمرها بالشوق والحنان.
"أنتي اللي عيون وقلب وغرام فارس يا إسراء."
التفت بجسدها واندست بين ضلوعه رأسها تتوسط صدره، واضعة أذنها على موضع قلبه تستمع لنبضاته بستمتاع وابتسامة هادئة تزين محياها.
رفعت يدها وبدأت تمسد على صدره بحركتها المعتادة، والتي يفضلها زوجها كثيراً متمتمة بسعادة بالغة.
"أول مرة أشوفك مبسوط أوي كدة! يارب دايمًا تبقى فرحان يا حبيبي."
ضمها له أكثر، ومال على خصلات شعرها المشعثة بفضل أنامله يستنشق عبقه من بين قبلاته مدمدماً.
"فعلاً أنا مبسوط أوي يا إسراء برجوع أبويا، وعندي أمل إننا نبقى زي أي عايلة وربنا يكرمنا بولاد يتربوا وسطنا ومع جدهم وجدتهم. بحلم باليوم دا، وبتخيله قدامي، وبدعي ربنا يحقق حلمي دا ومصحاش منه على كابوس يدمرني ويخليني أرجع أسوأ مما كنت."
نهضت "إسراء" برأسها مستندة على صدره بكلتا يديها، ونظرت له بابتسامة حانية مرددة.
"حبيبي خلي عندك دايمًا حسن ظن بالله، وتأكد أن رب الخير لا يأتي إلا بالخير."
"ونعمة بالله." قالها وهو يخرج زفرة نزقة من صدره.
مالت "إسراء" برأسها ثانياً عليه وهمست بنعاس.
"ننام شوية بقي يا فارس باشا علشان أنا قربت أفصل منك خالص."
ضحك "فارس" بشقاوة، وتحدث بخبث، وهو يسير بيديه على منحنياتها بجرأة.
"بتفرهدي مني بسرعة أنتي يا بيبي."
لكزته بقبضة يدها برفق متمتمة بخجل.
"فارس اسكت، ويله نام؟"
قطعت حديثها وشهقت بقوة حين حملها فجأة من خصرها واعتدل بجزعه العاري جالساً على الفراش، وأجلسها على قدميه. لتسرع "إسراء" بسحب الغطاء حولهما، ودفنت وجهها بعنقه.
"طول ما أنا مبسوط كده النوم بيطير من عيني."
قالها "فارس" وهو يضمها بذراعيه، ويغمرها بسيل من قبلاته على كتفها، ومال بها وضعها على الفراش بحذر مكملاً.
"نامي أنتي شوية على ما آخد أنا شاور سريع، وأخلص التمارين بتاعتي، وهحضرلك فطار ملوكي."
رمقها بنظرة مشاكسة على جسدها، وغمز لها بمكر مكملاً.
"وهاجي أصحيكي بطريقتي علشان نفطر ونعوم سوا شوية بعد الفطار، وأعلمك السباحة يا بيبي."
ختم حديثه بقبلة عميقة من شفتيها، ودثرها جيداً بالغطاء، ونهض من جوارها متجه نحو حمام الغرفة.
تنهدت "إسراء" براحة، وهمت بإغلاق عينيها استعداداً للنوم. ليصدع رنين هاتفها جعلها تعتدل بكسل، ومدت يدها لحقيبتها الصغيرة الموضوعة على طاولة بجوار السرير فتحتها، وجذبته منها، وضغطت زر الفتح مغمغمة.
"ديجا حبيبة قلبي صباح الخير."
ل يأتيها صوت "خديجة" تتحدث بصوت مرتعش من بين شهقاتها قائلة.
"إسراء قوليلي فارس جنبك؟"
انقطعت أنفاس "إسراء" من شدة فزعها، وأجابتها مسرعة بصوت خافت حتى لا يصل لسمع زوجها.
"لأ مش جنبي.. في إيه يا عمتو؟"
"أهدي يا إسراء وركزي معايا، وقوليلي حد كلم فارس على تليفونه؟"
ابتلعت "إسراء" لعابها بصعوبة، وأجابتها بنبرة مرتجفة.
"لأ يا ديجا.. فارس ممسكش تليفونه خالص طول ما أنا معاه."
التقطت "خديجة" أنفاسها المسلوبة، ووضعت يدها على قلبها تهدئ من روعها، وتحدثت بنبرة متوسلة قائلة.
"طيب اسمعيني كويس يا إسراء.. شوفي تليفون فارس فين، وارميه في البحر دلوقتي حالاً، وإلا هيحصل كارثة لو فارس فتحه."
بكت "إسراء" من شدة خوفها، وبدأت تبحث عن هاتف زوجها بهلع، وهي تقول.
"فهميني في إيه يا عمتو أنتي رعبتيني؟"
أجابتها "خديجة" بأسف.
"في دكتورة بتعالج مارفيل فارس طلب منها تبعتله كل حاجة بتحصل في الجناح عند مامته وباباه، وهي صورت كلام بين محمد أخويا والد فارس وبين مارفيل لو فارس سمعه مش بعيد يحصله حاجة يا إسراء.. أبوس إيدك اتخلصي من التليفون دا في أسرع وقت يا بنتي."
"حاضر يا ديجا.. اطمني أنا بدور عليه أهو."
قالتها "إسراء" وهي تبحث بين ثياب زوجها. حتى أخيراً وجدت الهاتف بجيب سروال زوجها الملقى أرضاً.
أمسكت قميص زوجها الأبيض، وارتدته على عجل، وهبت واقفة وسارت لخارج الغرفة بخطى مترنحة. مرتعبة وقد بدأ دوار البحر يهاجمها بشدة.
بدأت تتمايل بقوة، وترتطم بالجدران حولها حتى استطاعت الوصول لسور صغير، ورفعت يدها التي تحمل الهاتف، وألقته بالمياه. ليهاجمها دوارها بقوة أكبر جعلها لا تستطيع السيطرة على نفسها، وبلحظة ودون سابق إنذار كانت سقطت بالمياه.
رواية غرام المغرور الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم نسمة مالك
داخل جناح "مارفيل"..
يجلس "محمد" بجوارها على الفراش ممسك بكف يدها رغم أعتراضها يقبله مرات متتالية مردفاً بنبرة متوسلة.
"سامحيني مارفيل.. أعدك لن أخذلك بعد اليوم، ولكن فقط سامحيني حبيبتي".
رفع رأسه ونظر لها بأعين تملئها الشوق والندم مكملاً.
"سأفعل كل شيء أي شيء حتى تعفو عني وتغفر لي خطأي بحقك".
لم تتحدث "مارفيل" مكتفية بالنظر له.
ترمقه بنظرة تحمل الكثير من العتاب.
كان رجلها الوحيد، أول رجل بحياتها قام بصفعها وجرحها دون رأفة بقلبها الذي كان متيم به عشقاً.
نعم كانت تعشقه ولهذا ظلت كل تلك السنوات دون أن ترتبط برجل غيره.
"وأنا أيضاً أعشقك ولم أستطع أن أكون مع امرأة غيرك".
أردف بها "محمد" حين تفهم ما يدور بعقلها من نظرة عينيها الحزينة.
أطبق جفنيه بعنف لم يعد قادر على تحمل نظرتها له، وتابع بغصة يملؤها الأسى.
"إن لم تعفُ عني لن أتردد لحظة في قتل نفسي أمام عيناكِ حتى أطفئ نيران قلبك المشتعلة تجاهي".
أنهى حديثه، وقبل كفيها مجدداً.
ومن ثم أخرج سلاحه من جيب معطفه وصوبه نحو رأسه، واضعاً أصابعه على الزناد.
انتفض قلبها بخوف حين استشعرت صدق كلماته، وأنه ربما يفعل ما يقوله حقاً ويقتل نفسه أمامها الآن.
لم تفكر حينها سوى بوحيدها الذي جعلها تتحدث بلهفة راقت "محمد" كثيراً.
"توقف عن أفعالك الحمقاء، وأترك هذا المسدس اللعين من يدك محمد".
"أخبريني أنكِ سامحتيني أولاً".
قالها "محمد" وهو يستجديها بعينيه أن ترحم قلبه.
أخذت "مارفيل" نفساً عميقاً، وتحدثت بتعقل قائلة.
"أصلح علاقتك بأبنا وكُن له أبًا كما ينبغي حينها سأفعل لك ما تريد لأجل وحيدي فقط.. تذكر هذا جيداً.. لأجل فارس فقط محمد".
حديثها كان كمثابة شرارة أمل بالنسبة له، وأنه أخيراً على وشك امتلاك قلبها مجدداً جعله يلقي مسدسه، واقترب بوجهه منها وتحدث بفرحة غامرة قائلاً.
"سأفعل.. أعدك أنني سأفعل كل ما بوسعي حتى يصبح كل شيء كما كنتِ دوماً تتمني مارفيل".
وزع نظره بين عينيها وشفتيها مغمغماً بصوت أجش من فرط مشاعره.
"أنتِ تقتليني بأنوثتك يا امرأة".
هم بتقبيلها وغمر شفتيها بشفتيه.
لتبعد هي سريعاً حين لمحت الطبيبة التي تقوم بتصويرهما، وبهمس قالت.
"إحدى العاملات تقف على باب الغرفة وتقوم بتصويرنا".
تسمر "محمد" مكانه قليلاً، وهب واقفاً فجأة وسار نحو الباب بخطوات مهرولة جعل الفتاة تركض مسرعة بعيداً عن الباب فوراً.
ليوقفها صوت "محمد" الغاضب.
"اقفي عندك".
ارتعشت الفتاة برعب بشكل ملحوظ، واستدارت ببطء ونظرت بوجهه شاحب مردفة.
"أفندم يا محمد باشا".
مد يده لها، وبأمر قال.
"هاتي تليفونك".
لهنا تمكن الهلع من قلب الفتاة جعلها تبكي بنحيب، وتتحدث بهذيان قائلة.
"والله يا محمد باشا.. فارس بيه هو اللي قالي أصور حضرتكم علشان يطمن عليكم.. والله هو اللي قالي أنا مليش ذنب".
"بعتيله اللي صورتيه؟!".
قالها "محمد" بصدمة، وقد انسحبت الدماء من عروقه، وشحب وجهه هو الآخر حين حركت الفتاة رأسها بالإيجاب قائلة.
"أيوه بعته بس لسه مشافش الرسالة".
اصطك "محمد" على أسنانه، ورفع يده مسح على خصلات شعره الحريرية بعنف كاد أن يقتلعها من جذورها.
وقطع المسافة بينه وبينها واخذ الهاتف من يدها بعنف مردداً بصراخ.
"افتحي الزفت دا".
انصاعت الفتاة في الحال وقامت بفتح الهاتف.
قام "محمد" بتشغيل مقطع الفيديو التي أرسلته الفتاة.
لتجحظ عيناه حين وجدها قامت بتصوير كافة حواره برفقة "مارفيل" وأرسلته لوحيده على برنامج الواتساب.
وهذا يعني أن الفيديو أصبح على هاتف ابنه الآن حتى إذا قام بحذفه، ولكن هناك أمل ف "فارس" لم يشاهد الرسالة حتى الآن.
"خديجة".
قالها "محمد" وهو يندفع راكضاً نحو الخارج، وتحدث بأمر لحراسه الخاص الواقفين أمام الجناح وهو يشير على الفتاة.
"متغبش عن عنيكم لحد ما أرجع".
قالها، واختفى داخل المصعد ضاغطاً على الزر الموصل للطابق الذي يتواجد به جناح شقيقته الوحيدة.
لحظات قليلة وكان يقف أمام غرفتها يطرق عليها طرقات متتالية، وقد بدأت أنفاسه تتلاحق وهو يتخيل رد فعل "فارس" بعدما يرى ويسمع حديثه اللاذع مع والدته.
"محمد.. مالك يا حبيبي؟!.. حاجة حصلت".
قالتها "خديجة" التي فتحت الباب بوجهه يظهر عليه القلق وجذبته للداخل اجلسه على أقرب مقعد حين رأت جسده يرتجف وحالته بدت مزرية.
لم يتحدث "محمد" لم يجد كلمات تصف ما فعله.
فقام بإعطاء الهاتف الذي مازال يعمل على مقطع الفيديو.
أخذته منه "خديجة" وبدأت تتابع الحوار بينه وبين "مارفيل" باهتمام.
لتشهق بقوة، وأسرعت بوضع كف يدها على فمها تكتم شهقاتها، ونظرت له بصدمة مردفة.
"الفيديو دا اتبعت لفارس؟!".
حرك "محمد" رأسه بالإيجاب، وتحدث بأسف قائلاً.
"خديجة أنا واقع في عرضك، وبترجاكي تساعديني مخسرش فارس".
خفض رأسه بخزي من نفسه مكملاً بندم.
"أنا عارف إني مكنتش ليك الأخ اللي بتتمنيه، ورميتلك ابني تربية وبسببه أنتي رفضتي الجواز واكتفيتي بيه؟! ".
"انت بتقول ايه بس يا محمد.. انت أهدتني بأجمل هدية في حياتي كلها.. فارس دا ابني ولو رجع بيا الزمن هختاره هو تاني".
قالتها "خديجة" بابتسامة وعبراتها تهبط ببطء على وجنتيها، وربتت على كتف شقيقها بحنان مكملة.
"خلينا نفكر هنعمل أيه سوا ونشوف حل قبل ما فارس يشوف الفيديو".
"محمد" بلهفة.
"فارس مع مراته على اليخت.. كلمي مراته وخليها تتخلص من تليفونه دا خالص وترميه في البحر يا خديجة".
أسرعت "خديجة" نحو هاتفها الموضوع على منضدة بجانب سريرها، وتحدثت بتراوي ونضج.
"هكلمها.. بس هكلم غفران صاحبه الأول وهخليه يروحله علشان لو حصل أي حاجة لا قدر الله يبقى جنبه".
"كلميهم، وأنا كمان هروحله يا خديجة".
قالها "محمد" وسار نحو الخارج بخطوات راكضة وقد حسم أمره بأن يفعل كل شيء وكل ما بوسعه حتى لا يخسر وحيده.
بشالية "غفران".
كانت "عهد" مندسة بين ضلوع زوجها الذي يحاوطها بجسده بحماية.
ينعمان بنومٍ هادئ.
رنين هاتفه باستمرار أزعجهما.
اعتدل "غفران" بكسل ومد يده جذب الهاتف ينظر بشاشته بنصف عين.
"خديجة!!".
قالها بقلق وأسرع بالرد عليها مغمغماً.
"خديجة.. في حاجة حصلت؟! ".
أجابته "ببكاء".
"غفران أنا آسفة إني بكلمك بدري كده.. بس أنا قلقانة أوي على فارس.. وعيزاك تروحله بنفسك اليخت أرجوك وتطمني عليه".
"طيب أهدي أنا مأمن اليخت كويس جداً بأحسن طقم حراسة، وهتحرك من عندي واروحله حالاً وأول ما أوصل هكلمك.. اطمني".
قالها "غفران" وهو يبتعد عن زوجته برفق، ونهض مغادراً الفراش وبدأ يرتدي ثيابه على عجل.
"هاجي معاك".
أردفت بها "عهد" بصوتها الرقيق الناعس، وهي تنهض هي الأخرى وتسرع بارتداء ثيابها.
اقترب منها "غفران" وقبل جبهتها مردداً.
"عهد حبيبتي كملي نومك، وأنا مش هتأخر عليكي".
"لا يا غفران خدني معاك بدل ما أجي وراك، وأنت عارف إني أعملها".
صرخت بها "عهد" بغضب طفولي، وأمام إصرارها خضع لطلبها كعادته مع عنيدته.
مرت عدة دقائق.
حدثت "خديجة" خلالها "إسراء"، وعادت بالاتصال ب"غفران" مرة أخرى.
بجوار يخت "ساحرة المغرور".
توقف "غفران" بإحدى الماكينات المائية شديدة السرعة يقودها هو بمهارة عالية.
تجلس زوجته خلفه متمسكة بخصره بكلتا يديها.
كان هناك حشد من القوارب الصغيرة يجلس بها حرس "فارس" الخاص تقف على جانبي اليخت.
"اطمني يا ديجا أنا وصلت لليخت والجو هادي ومافيش أي حاجة تقلق؟!".
أردف بها "غفران" عبر السماعة الموضوعة داخل أذنه.
توقف عن الحديث فجأة، وعقد حاجبيه بدهشة حين لمح "إسراء" تسير بخطي مترنحة ويظهر عليها الإعياء الشديد، وقامت بإلقاء الهاتف بالمياه.
شهقت "عهد" حين رأتها هي الأخرى وتحدثت بفزع مردفة.
"يا نهاري دي شكلها دايخة خالص".
أستعد "غفران" للقفز حين رأى تمايلها يزيد ويتضاعف حتى أوشكت على السقوط هي الأخرى مردداً برجاء.
"لا لا لا لا أوعى تعمليها وتقعي يا مدام فارس".
ولكنها لم تكن عند حسن ظنهما، وسقطت بالمياه جعلت "غفران" يسرع بالقفز هو الآخر، ومن ثم قفزت خلفه "عهد" وسبحوا نحوها بأقصى سرعة لديهما.
"فارس"..
رباه ماذا يحدث؟!.
يتردد هذا السؤال بداخله حين اختفى عبق ساحرته فجأة.
كان يحاوطه ويملئ رئتيه.
كل شيء بدأ يتلاشى.
انقطعت أنفاسه، تسارعت نبضات قلبه، وانهمرت حبيبات العرق على جسده مختلطة بالمياه المنسكبة فوقه.
يتصبب عرقاً رغم البرودة الشديدة التي اجتاحت أوصاله.
أطلق آهة ألم نابعة من أعماق قلبه الذي انقبض بل اعتصر بخوف وفزع مبهم لا يعلم سببه.
تلاحقت أنفاسه وكأنه أوشك على الموت غرقاً فصرخ بعلو صوته مردداً اسم زوجته وهو يركض لخارج الحمام باحثاً عنها كالمجنون.
"إسرااااااء ؟!".
لم يجدها مكانها على الفراش.
لا يعلم كيف ومتى قفز داخل سرواله أثناء ركضه لخارج الغرفة راكضاً.
جحظت عيناه حين لمح صديقه "غفران" وزوجته يتسابقان نحو شيء ما بجوار اليخت.
دون أن يعطي نفسه فرصة للنظر حتى كان قفز من فوق اليخت داخل المياه، وبدأ يدور بعينيه باحثاً عن زوجته حتى لمحها تسارع الغرق.
بأقل من ثانية كان وصل لها وجذبها داخل حضنه مردفاً بنبرة أشبه بالصراخ.
"إسراء.. أنا هنا.. أنا هنا يا روحي.. خدي نفس.. متخفيش انتي في حضني".
تمسكت به "إسراء" بكلتا يديها، وحتى قدميها.
ملجأها هو ومنقذها الوحيد، وسيظل دائماً وأبداً.
يقبلها بجنون من كافة وجهها، وشفتيها بقبلة الحياة.
"خدي نفس.. متخفيش حبيبتي أنا معاكي".
بصعوبة شديدة همست له بضعف، وهي تختبئ فيه.
"فارس.. أنا شعري مكشوف، ومش لابسة حاجة غير قميصك".
لم يكن ينتبه "فارس" لهيئتها، ولكن عندما نطقت بجملتها هذه شعر بجسدها الشبه عاري بين يديه.
فحاوطها بجسده أكثر.
"هات البرنس بتاعي بسررررررررررررررعه".
قالها "فارس" بأمر لإحدى حراسه، وقد ظل "غفران" بعيداً ليترك لهما المساحة الكافية، ولا يكون مصدر إحراج لصديقه وزوجته.
بينما اقتربت "عهد" منهما وتحدثت بلهفة قائلة.
"إسراء أنتي كويسة؟".
"الحمد لله يا عهد".
قالتها "إسراء" بصوت مرتجف، وقد بدأ الخوف يتملك منها حين رأت وجه زوجها الغضوب أثناء مساعدته لها لترتدي مئزره الخاص والذي كان كبيراً جداً عليها، وقام برفع الكاب على شعرها، ومن ثم سبح بها نحو درج اليخت، وصعد بها حاملاً بخفة ورشاقة.
سار نحو أقرب مقعد ووضعها عليه، وبدأ يتفحصها بدقة متمتماً بعدم فهم.
"أيه اللي خرجك من أوضتنا يا إسراء؟!".
ابتلعت "إسراء" لعابها بصعوبة، وقد عجزت عن النطق بحرف.
لا تعلم ماذا تقول له.
"كانت بترمي تليفونك في البحر يا فارس".
قالها "محمد" الذي صعد للتو على متن اليخت بصوته الصارم رغم توتره، وقلقه البادي على محياه.
رفع "فارس" رأسه ونظر تجاه والده بملامح منذهلة.
ليحرك "محمد" رأسه بأسف جعل "فارس" ينظر ل "عهد" ويتحدث قائلاً.
"خليكي معاها يا أم زين من فضلك ثواني".
"عهد" بابتسامة بشوشة.
"من عنيا طبعاً.. اطمن عليها إسراء دي أنا بعتبرها زي أختي والله".
مال "فارس" على زوجته ثانياً وقام بحملها متوجهاً نحو غرفتهما، وقبل أن يسير بها نظر لوالده مردفاً.
"ثواني وراجعلك يا أبو فارس".
بالفعل عاد "فارس" خلال ثواني معدودة.
وقف أمام والده ينظر له يحثه على استكمال حديثه.
تنهد "محمد" بتعب وبدأ يتحدث بصوت مرتجف.
"أيوه يا ابني.. أنا طلبت من خديجة تكلم مراتك وتطلب منها ترمي تليفونك بعد ما الدكتورة اللي طلبت منها ترقبنا أنا ووالدتك صورتنا واحنا بنتعاتب بكلام لو سمعته علاقتي بيك هتدمر".
صمت لوهلة، وبدأت العبرات تلتمع بعينيه، وأطلق شهقة مكتومة، ونظر لعينيه يستجديه مكملاً.
"وأنا مش عايزك تزعل مني يا فارس يا ابني ونبدأ صفحة جديدة أرجوك".
اقترب منه بخطوات مرتجفة للحظة تخيل "فارس" أن الأدوار تبدلت و أنه أصبح والده وهو طفله وقد فعل خطأ لا يغتفر و يقف أمامه يبدو عليه الذعر الشديد.
هيئته المرتعدة اعصرت قلبه بقبضة من حديد فبعد زوجته عن حضنه برفق، وهب واقفاً وسار نحوه بخطوات هادئة حتى توقف أمامه مباشرةً.
تأمله "محمد" بابتسامة وعينين بدأت تفيض بالعبرات وما أصعب بكاء الرجال وشعور القهر والندم الظاهر عليه بوضوح.
"لو عايزاني أحكيلك هحكيلك؟! ".
قطع حديثه حين تحدث "فارس" بلهفة ونبرة متوسلة.
"متحكيش.. متحكيش يا أبو فارس".
ابتسم له ابتسامة يخفي بها عبراته مكملاً.
"أنا ابنك وانت أبويا مش من حقي أعقبك على اللي فات ولا حتى على اللي جاي.. من حقك أبرك وأطيعك وأبقى سندك وعزوتك.. دا حقك عليا وأنا مجبر أعمله.. خلينا نبدأ صفحة جديدة يا أبو فارس".
انهمرت دموع "محمد" بغزارة ونظر لوحيده الذي أدهشه بأخلاقه وسعة صدره بنظرات منذهلة، ودون سابق إنذار كان جذبه بعناق قوي وبدأ يبكي بنحيب ويتحدث بصعوبة من بين شهقاته.
"راجل يا فارس.. راجل يا ابني".
"راجل من ضهر أجدع راجل يا أبو فارس".
قالها "فارس" وهو يبادله عناقه وقد وجد راحة قلبه وباله التي كانت غائبة عنه لسنوات.
ابتعد عنه "محمد" و نظر له بغضب مصطنع مردفاً.
"أيوه طبعاً ياض أنت، ويله اتفضل خد مراتك ولف بيها العالم وقضوا شهر عسل عظمة، ومترجعش غير لما يحصل المراد".
ربت على كتفه بقليل من العنف مكملاً.
"أنا عايز أحفادي يبقوا حواليا في أقرب وأسرع وقت".
"علم وينفذ يا محمد باشا".
قالها "فارس" وهو يرفع كلتا يديه واحتضن وجه والده بين كفيه، وبدأ يزيل عبراته بحنان بالغ، ومن ثم مال عليه وقبل جبهته بحب مكملاً.
"أنت تأمرني يا أبو فارس".
بغرفة "خديجة".
"يا ترى عملت ايه يا محمد؟! ".
قالتها "خديجة" وهي تسير بقلق ذهاباً وإياباً، وتفرك يديها ببعضهما.
دقات هادئة على باب غرفتها جعلتها تركض بهرولة ظناً منها أن شقيقها قد عاد.
فتحت الباب بلهفة لتجد "هاشم" يقف أمامها، وينظر لها بابتسامة مدوخة.
"صباح الخير يا خديجة".
"هاشم من فضلك أنا مش فايقة خالص دلوقتي؟! ".
قطعت حديثها وجحظت عينيها حين خطى "هاشم" داخل الغرفة، وغلق الباب خلفه، وتحدث بإصرار وهو يتعمق النظر لعينيها قائلاً.
"مش همشي قبل ما أعرف سبب زعلك مني المفاجيء دا يا ديجا؟! ".
نبرته الحادة، ونظرته التي جعلت قلبها يدق كالطبول أجبروها على الحديث دون إرادتها، وكأنه يمتلك مفعول السحر عليها.
"سمعتك وانت بتتكلم في الفون و بتقول عليا لا خديجة متجوزتش أصلاً يا أمي".
عبست بملامحها بطفولة، وتابعت بنبرة أوشكت على البكاء.
"يعني قصدك إني عانس مش كده؟! ".
فتح "هاشم" فمه ببلاهة وهو يقول.
"أنا قولت لوالدتي إني لقيت بنت الحلال اللي هتجوزها ومستني ردها، وأمي كانت بتسألني عنك بعفوية بتقولي هي أرملة زيك ولا مطلقة فأنا جاوبتها وقولتلها أنك متجوزتيش أصلاً يا خديجة ومش شايف إن دي حاجة تعيبك أبداً بالعكس لو كنتي سمعتي باقي المكالمة كنتي هتعرفي مدى فرحتي إني هبقى أول راجل في حياتك".
صمت لوهلة يلتقط أنفاسه ومن ثم تابع.
"معقولة زعلتي مني عشان كده؟.. مش ممكن رقتك دي يا خديجة!!.. أنا مكنش قصدي اللي فهمتيه أبداً".
قالها "هاشم" بنبرة صوته الصارمة، ولكنها أصبحت مغلفة بحنو ولهفة راقت "خديجة" كثيراً، انبلجت شبه ابتسامة حالمة على ملامحها البريئة أخفتها سريعاً، عبست بطفولة، وابتعدت بعينيها عنه مردفة بغضب مصطنع.
"هاشم من فضلك سبني لوحدي. أنا مش عايزة أتكلم، ولا عايزة أسمع صوتك".
اعتلت ملامح "هاشم" ابتسامة متراقصة، واقترب منها ببطء جعلها تتراجع لا إرادياً للخلف حتى اصتدم ظهرها بالحائط.
رفعت عينيها و نظرت له بذهول حين وضع ذراعيه حولها، ومال بوجهه على وجهها حتى كادت أنفهما تتلامسان.
رمشت بأهدابها عدة مرات، وقد تسمرت مكانها من هول الموقف بالنسبة لها.
وجهها أصبح كتلة حمراء من شدة خجلها، وبهمس متقطع قالت.
"هاشم أنت بتعمل أيه؟! ".
تنقلت عينيه على ملامحها حتى توقفت عند شفتيها المرتجفة، وتحدث بمكر قائلاً.
"انتي زعلانه مني يبقى لازم أصلحك يا أرق ديجا وأبوس قلبك وعينك كمان".
أنهى جملته ومال على وجهها قاصداً جانب شفتيها.
فور لمسه لبشرتها الناعمة بشفتيه كانت سقطت "خديجة" فاقدة الوعي بين يديه.
خاتمة رواية غرام المغرور بقلم نسمة مالك
بغرفة "إلهام"..
طرقت "إيمان" الباب وخطت نحو الداخل بعدما وصل لسمعها صوت "إلهام" الحنون تأذن لها بالدخول.
"صباح الخير يا خالتي."
غمغمت بها "إيمان" بخجل وهي تقترب من صغيرها النائم بجوار الصغيرة "إسراء" وحملته بحذر أمام أعين "إلهام" التي ترمقها بنظرة عابثة، وابتسامة لعوب تزين ملامحها مردفة بشقاوة.
"صبحية مباركة يا عين خالتك."
ابتسمت لها "إيمان" ابتسامة حزينة جعلتها تعقد حاجبيها وتكمل مستفسرة.
"مالك يا إيمان يا بنتي؟!.. جوزك زعلك ولا أيه؟"
حركت "إيمان" رأسها بالنفي، وبدأت تبكي مرددة بغصة يملؤها الآسي.
"تامر مزعلنيش يا خالتي.. أنا اللي خايفة أكون بظلمه علشان كده هطلب منه يتجوز.. هو ملوش ذنب في أني مبخلفش."
"أيه يابت الهبل اللي بتقوليه دا؟!"
أردفت بها "إلهام" بهدوء وتراوي وتابعت بتعقل قائلة.
"يابنتي بلاش تنكشي على النكد بإيدك.. الراجل مشتكاش."
ربتت بكف يدها على ظهر "محمود" الصغير.
"واشتري خاطرك ونفذلك طلبك لما قولتيله نتبني عيل نربيه، والحمد لله بقي عندك واد زي القمر ربنا يحفظه ويباركلك فيه.. عايزه تفتحي على نفسك فتحة أنتي لا يمكن تكوني قدها، ولا هتستحملي لحظة واحدة تشوفي جوزك مع واحدة غيرك."
صمتت لبرهة تلتقط أنفاسها، وتتابع رد فعل "إيمان" لتري أثر حديثها عليها، ومن ثم نهضت جالسة بحذر مستندة على الفراش، والسرير حتى جلست على كرسيها المتحرك وتحدثت بتنهيدة وهي تضغط على زر الكرسي متجهة لخارج الغرفة.
"اعقلي يا إيمان يا بنتي وحافظي على بيتك وجوزك وابنك، وخليكي هنا مع إسراء لتصحي على ما أطمن على خديجة وأعرف مالها هي كمان، وأرجع أوام."
جلست "إيمان" على طرف الفراش تفكر بحديث "إلهام" الذي أعاد لها عقلها، وجعلها تتراجع عما كانت تنوي فعله فور استيقاظ زوجها من نومه.
"لا مستحيل أقدر أشوفك مع واحدة غيري يا تامر.. دا أنا أموت فيها."
قالتها "إيمان" محدثة نفسها وزفرت براحة وهي تضم صغيرها وتقبله بحب مكملة.
"عندك يا خالتي.. أنا لازم أحافظ على جوزي وابني، وواثقة ان ربنا قادر على كل شيء وبحول الله هيجبر قلبي."
...
وصلت "إلهام" لجناح "خديجة".
طرقت على الباب بهدوء، لحظات وفُتح الباب لتجحظ أعين "إلهام" بصدمة حين وجدت "هاشم" هو من فتح لها.
وضعت أصابعها أسفل ذقنها، ورمقته بنظرة حادة مردفة بتساؤل.
"أنت بتعمل أيه هنا يا سي هاشم أفندي؟!"
تنحنح "هاشم" بحرج، وابتعد عن الباب لتستطيع هي الدخول بكرسيها، ومن ثم أجابها بجرأة قائلاً.
"كنت بطلب إيد خديجة للجواز."
ابتسمت "إلهام" باتساع وهي تخطي نحو الداخل، وتحدثت بفرحة غامرة حقيقة قائلة.
"يا ألف نهار أبيض، يا ألف نهار مبروك؟!"
قطعت حديثها، وشهقت بقوة حين رأت "خديجة" مستلقية على الفراش فاقدة الوعي، ضربت على صدرها بكف يدها، ونظرت لـ "هاشم" وتحدثت بجدية مصطنعة وقد قرأت كل ما دار بينهما بذكائها.
"أنت سلخت قبل ما تدبح زي بوحة ولا أيه يا هاشم أفندي؟!"
نظر لها "هاشم" بعدم فهم فتابعت هي بنفاد صبر.
"قصدي دخلت قبل ما تعقد على البونية ولا أيه يا إنسان الغاب طويل الناب أنت؟!"
"هاشم" بتوتر فشل في إخفاءه من شدة قلقه على جميلته الرقيقة "خديجة".
"لا والله يا ست إلهام أنا كنت بصالحها عن سوء الفهم اللي حصل إمبارح، ولسه هبوس خدها راحت واقعة مني ومش راضيه تفوق."
ابتسمت "إلهام" ابتسامة تظهر جميع أسنانها مرددة.
"تبوس خدها!! يعني ملحقتش حتى يا عيني؟!.. بسكوتة نواعم خالص خديجة."
أخرج "هاشم" هاتفه من جيب سرواله، وتحدث وهو يطلب إحدى الأرقام.
"أنا هكلم دكتورة الفندق تطلع تكشف عليها."
ضيقت "إلهام" عينيها وهي تنظر لـ "خديجة" بتعمق وتحدثت بمكر قائلة.
"مافيش داعي لدكتورة يا سي هاشم."
غمزت له مكملة.
"صالحها أنت بس تاني وهي هتقوم تقف وتبقي زي الحصان."
انبلجت شبه ابتسامة على ملامح "هاشم" حين تفهم مقصد "إلهام" وتحدث بجدية زائفة قائلاً.
"تصدقي عندك حق يا مدام إلهام.. دا أنا هصالحها حالاً."
قالها وهو يسير تجاه "خديجة" التي انتفضت فجأة جالسة، وتراجعت لآخر الفراش سريعاً مرددة بخجل شديد.
"خلاص أنا فايقة، ومش عايزة حد يصالحني."
"إلهام" بعبث.
"أيوه كده يا خديجة يا أختي فوقي كده لسه بدري على السخسخة دي."
نظرت لـ "هاشم" الذي يرمق "خديجة" بنظرة عاتبة بسبب ما سببته له من خوف عليها.
"يبقي اتجوزها يا سي هاشم على بركة الله."
غمغمت بها "إلهام" وبعدها أطلقت سيل من الزغاريط.
"أيه دا يا إلهام.. جواز أيه بس اللي اتجوزه وأنا في العمر دا؟!"
قالتها "خديجة" بنبرة مرتجفة تعكس مدى حزنها.
"انتي زي القمر وألف راجل يتمنوكي يا خديجة، وبعدين أنتي عارفه أني اتجوزت وأنا أصغر منك بكام سنة."
نظرت "خديجة" لـ "هاشم" نظرة طويلة. تعمق هو داخل عينيها وحرك شفتيه دون إصدار صوت بكلمة جعلت قلبها ينبض بجنون حتى وصلت دقاته لعنان السماء، وأوشك على مغادرة ضلوعها من عنف دقاته حين قال.
"بحبك يا خديجة."
أطبقت "خديجة" جفنيها بعنف تكبح عبراتها مرددة بأسف.
"حتى لو أنا وافقت يا إلهام معتقدش أن فارس ممكن يوافق."
"هاشم" بلهفة.
"أنا طالب إيدك من فارس بقالي أكتر من شهر يا خديجة، وهو موافق وقالي الرأي في الآخر رأي ديجا.. لازم هي كمان توافق."
حركت "خديجة" رأسها بالنفي، وبدأت تبكي وهي تقول.
"لا طبعاً فارس مستحيل يوافق.. هو بيقول كده علشان يشوف رد فعلي أيه، وهقبل اتجوز وأبعد عنه ولا لاء.. أنتو متعرفوش هو متعلق بيا قد إيه، ولما كان بيجيلي عريس وهو صغير كان بيحزن قد إيه ويفضل حبيبي يعيط ولا بياكل ولا بيشرب."
اجهشت في البكاء وتابعت بإصرار.
"مستحيل أكسر قلبه وأسيبه أنا كمان وأتجوز.. أنا أمه اللي ربته، وهفضل جنبه ومعاه لحد ما أشيل ولاده على إيدي زي ما شيلته وهو صغير."
...
داخل يخت ساحرة الفارس.
تجلس "إسراء" على مقعد طاولة الزينة داخل غرفة الملابس الخاصة بها. تتابع "عهد" التي تساعدها لتغير ثيابها المبتلة.
"تحبي أساعدك وأنتي بتاخدي شاور يا إسراء؟"
قالتها "عهد" بود وهي تعطي لها ثيابها وتساعدها على النهوض.
"شكراً يا عهد.. تسلميلي يا حبيبتي.. أنا تعبتك معايا."
نظرت لها "عهد" بعتاب، وتحدثت بود قائلة.
"أيه اللي بتقوليه دا بس يا إسراء!! أنا قولتلك إني بحبك زي أختي.. يعني مافيش تعب ولا حاجة، ولو مكسوفة مني؟"
دفعتها برفق على المقعد ثانياً، وسارت نحو الخارج مكملة.
"هخرج أنا وأبعتلك جوزك يساعدك أفضل."
غمزت لها بشقاوة مكملة.
"وأحلى كمان."
أردفت "إسراء" بلهفة.
"طيب تعالي غيري هدومك المبلولة دي الأول لتاخدي برد يا عهد."
ابتسمت لها "عهد" وهي تقول بخجل.
"متقلقيش عليا.. أنا وغفران هنعوم سوا شوية."
بادلتها "إسراء" الابتسامة متمتمة.
"ربنا يسعدكم يا حبيبتي."
"يارب يا إسراء، ويفرحكم أنتي كمان ويرزقكم ببيبي جميل خالص زي مامته كده."
أمنت "إسراء" على دعائها بقلبها قبل لسانها.
بينما أنهت "عهد" جملتها، وتابعت سير نحو باب الغرفة، وهمت بفتحه.. ليسبقها "فارس" الذي فتح الباب فجأة جعلها تشهق بخفوت مرددة.
"كويس إنك جيت.. أنا كنت جايه أنادي عليك حالاً."
"إسراء فيها حاجة؟!"
قالها "فارس" وهو يندفع نحو الداخل بهرولة، ويبحث عن زوجته بلهفة حتى وجدها تحاول النهوض بضعف فقطع المسافة بينه وبينها، وبغمضة عين أصبحت إسراء داخل حضنه يضمها لصدره.. بل يعتصرها بين ضلوعه لعلها تهدأ من دقات قلبه المتسارعة، وتعيد له أنفاسه المسلوبة من شدة خوفه وفزعه من فقدانها.
"أنتي كويسة صح؟"
انسحبت "عهد" على الفور نحو الخارج غالقة الباب خلفها.. تاركة لهما بعض الخصوصية.
بينما "إسراء" دست نفسها بين ذراعين زوجها، وهمست بصوت تحشرج بالبكاء.
"كويسة يا حبيبي.. الحمد لله اطمن."
شعر بارتخاء جسدها بين يديه، فمال بجزعه قليلاً ووضع يد أسفل ركبتيها والأخرى حول خصرها، ورفعها بين يديه وتوجه نحو الحمام مغمغماً.
"طيب تعالي أساعدك تاخدي شاور دافي علشان تنامي وترتاحي شوية.. أنا عارف إنك منمتيش من امبارح."
تركت له نفسها يفعل بها ما يشاء.. ليبهرها هو بحنانه واحتوائه لها ولخجلها الزائد.. يعاملها بمنتهى العشق.. يغرقها بفيض غرامه، ويهمس لها بأروع كلمات الغزل وهو يحملها ثانياً بعدما قام بلف جسدها بمنشفة كبيرة، وسار بها نحو الفراش وضعها بحذر وكأنها قطعة من البلور الفاخر يخشي عليها من الكسر.
وأسرع بجلب منشفة أخرى، وجلس خلفها جعل ظهرها مقابل صدره، وبدأ يجفف خصلات شعرها الحريرية برفق، ويستنشق عبقها بستمتاع متمتماً.
"امممم تجنني يا بيبي."
حاوطها بذراعيه دافناً وجهه بعنقها يقبله بتمهل.
"إحنا محسودين تقريباً.. مش عارف مين راشق عينه في شهر العسل بتاعنا!!"
همهمت "إسراء" بصوت خافت، وهي تهمس بضعف وصوت ناعس.
"عندك حق.. أنا فعلاً محسودة عليك يا فارس."
التفت برأسها ونظرت له نظرة هائمة تتأمل بها ملامحه الوسيمة. "ومحظوظة بيك، وبحبك وبموت في كل حاجة فيك يا فارس."
قبلت جانب شفتيه قبلة دافئة، وتابعت بأنفاس متهدجة من قربه المعصف والمزلزل لكيانها.
"حتى غرورك.. علشان أنا بقيت غرامه."
اعتدلت داخل حضنه ملتفة بكلتا يديها حول خصره، ودفعته برفق، ومالت عليه حتى أصبحت رأسها تتوسط صدره، وأغلقت عينيها تستعد لنوم آمن على إيقاع دقات قلبه، وبثقة وقلب يتراقص فرحاً همست قائلة.
"أنت حياتي وعشقي الوحيد، وأنا لوحدي غرامك يا فارس."
زاد من ضمها له، وحاوطها بيديه وحتى قدميه بل حاوطها بجسده دافنا وجهه بشعرها، وأغلق عينيه هو الآخر لينعم بنوم هنيء لا يشعر به إلا بقرب ساحرته فقط.
---
صباح يوم جديد يحمل بين طياته الكثير من الأحداث.
داخل يخت "ساحرة الفارس" تحيا "إسراء" أقوى، وأجمل قصة عشق برفقة زوجها "فارس" الذي خطفها برحلة حول العالم، يتنقل بها من بلد لأخرى عبر اليخت أحياناً، ومرات عبر طائرته الهليكوبتر الخاصة المتواجدة على سطح اليخت، لا يمكثان بمكان أكثر من يومين، كل ليلة تفتح عينيها على مكان جديد تنبهر من شدة روعته، على هذا الحال لهما أكثر من خمسة أسابيع، منفصلين عن العالم أجمع، مكتفيان ببعضهما، غارقان حتى الثمالة بقاع بحر غرامهما.
تململت "إسراء" بقلق أثر ذلك الألم الذي يداهم معدتها منذ الأمس، خاصةً حين شعرت ببرودة تجتاح أوصلها، فمدت يدها الصغيرة تبحث عن زوجها بجوارها فلم تجد سوى الفراغ يحالفها.
فتحت عينيها ببطء، واعتدلت جالسة بتكاسل ساحبة روبها الحريري الأبيض الملقي على طرف الفراش، وارتدته قبل أن تغادر السرير.
أخذ منها الأمر لحظات قبل أن تهب واقفة وتركض باندفاع نحو المرحاض عندما شعرت بحاجتها للتقيؤ.
"فاااارس."
صرخت بها أثناء تقيؤها، أطلقت آهة حادة، وانتفض جسدها بقوة، تناثرت حبات العرق على جبينها، وبرغم كل هذا انبلجت ابتسامة على ملامحها المتعبة، وتابعت بضعف قائلة.
"بشرة خير."
بينما كان "فارس" يسبح كعادته كل صباح، زحف القلق لقلبه فجأة، عاشق هو وبإمكانه الشعور بساحرته أثناء تعبها، حزنها، وحتى فرحها.
خرج من المياه سريعاً، وسار نحو غرفته بخطوات مسرعة، فتح الباب واندفع نحو الداخل يبحث عنها بقلبه قبل عينيه عندما وجد فراشهما خالي مردفاً.
"إسراء أنتي فين حبيبتي؟!"
كانت تخرج من الحمام بخطى متثاقلة،
ضيق عينيه وهو يراها تقترب منه ببطء، وجسدها يتمايل بوضوح، وكأنها على وشك السقوط.
بلمح البصر كان قطع المسافة بينهما بخطوة واحدة، ولف يده حول خصرها خطفها داخل صدره مغمغماً بلهفة.
"مالك يا إسراء؟.. انتي دايخة؟!"
ارتمت بثقل جسدها عليه، تعلقت بعنقه دافنة وجهها بصدره تستنشق عبق رائحته المختلطة بمياه البحر، همهمت بستمتاع وبهمس بالكاد يسمع.
"اممم بقيت مدمنة ريحتك يا فارس."
رفعت رأسها ونظرت له بابتسامتها الفاتنة، ليلاحظ هو شحوب وجهها الشديد فضيق عينيه وهو يقول بقلق.
"إسراء فيكي أيه يا روحي؟!.. شكلك مش طبيعي؟!"
"أنا كويسة."
قالتها وهي تداعب أرنبة أنفه بأنفها بعدما وقفت على أطراف أصابعها، رفعت يديها وسارت بها على عضلات بطنه السداسية البارزة صعوداً بصدره ورقبته حتى استقرت على وجنتيه.
أحتضنت وجهه بين كفيها وتابعت بفرحة غامرة ملئت عينيها بالعبرات.
"بس شكلي كده.. حامل منك."
جمدت ملامح وجهه، ورمقها بنظرة خالية من المشاعر، للحظة انقبض قلبها وهي ترى رد فعله على خبر حملها الذي استقبله ببرود، ازداردت ريقها بصعوبة حين شعرت بتصلب جسده حين ضمها له بقوة أكبر.
نظرت لعينيه بتفحص تحاول قراءة ما يدور بذهنه، وهمست بتوتر مرددة.
"فارس أنا لسه متأكدش.. هتأكد أكتر لما أعمل تحليل دم."
أمسكت كف يده وضغطت عليه برفق مكملة بنبرة راجية.
"و لحد ما نتأكد ممكن متقولش لأي حد خالص."
"اطمني يا بيبي أنا مش هقول لحد خالص."
قالها "فارس" بملامح مريبة عجزت "إسراء" عن فهمها.
---
داخل مصحة لعلاج الإدمان.
تصرخ "ديمة" بجنون وتتحرك بهسترية على الفراش المقيدة به بأحكام جعلت والدها "عباس" يطبق جفنيه بألم كمحاولة منه لكبح عبراته على حالة ابنته، وما وصلت إليه.
"هاتلي حقي من فارس يا بابي.. مش هتعالج إلا لما تحرق قلبه زي ما حرق قلبي."
قالتها "ديمة" بأنفاس لاهثة من بين صرختها الحادة.
أطلق "عباس" زفرة نزقة من صدره، وتنهد بتعب مردفاً بنفاد صبر.
"يا بنتي محدش من رجالتي عارفين يوصلوا لـ فارس ولا لمراته.. مأمن نفسه على أعلى مستوى بأكفأ الحرسات."
التمعت أعين "ديمة" بفكرة حمقاء راقت لها كثيراً، فابتسمت بشر وهي تقول.
"يبقي خديجة.. موتها يا بابي.. بموت خديجة فارس هيتقهر واحتمال يموت وراها لأنها تعتبر كل عيلته."
ابتسم "عباس" هو الآخر بخبث، وحرك رأسه لها بالإيجاب ومن ثم أخرج هاتفه من جيب سرواله، وطلب إحدى الأرقام، لحظات واتاه الرد فتحدث بأمر قائلاً.
"خديجة الدمنهوري.. نفذ الليلة."
---
"خديجة".
تجلس على الشاطئ تتأمل صفاء المياه الزرقاء بشرود أمام أعين "هاشم" الهائمة بها عشقاً، تلك الرقيقة، صاحبة القلب الماسي التي أصرت على موقفها برفض الزواج منه وفضلت "فارس" عزيزها الغالي عليه، وحتى على نفسها كما تفعل دوماً. لن تغامر بعلاقتها به، هي له والدته وصديقته وشقيقته الكبرى، كل عائلته وهذا بالنسبة لها كافٍ. رغم المشاعر التي تكنها لـ "هاشم" إلا أن حب "فارس" أقوى وأكبر من أي شيء آخر بالكون كله، فارس ابنها الذي لم تنجبه، نعم هي لم تحمله بأحشائها، ولكنها حملت حبه بقلبها.
هبطت دمعة حارقة على وجنتيها ببطء أسرعت بمسحها، أخذت نفس عميق، ورسمت ابتسامة زائفة على ملامحها وهبت واقفة تسير بنعومة على الرمال بقدميها الحافية، خلفها حرسها على رأسهم "هاشم" الذي اقترب منها حتى أصبح يسير بجوارها.
"ارحمي قلبي وقلبك ووافقي على جوازنا يا خديجة."
قالها "هاشم" بنبرة راجية، وعينيه تشملها بنظرة لهفة لا تخلو من الإعجاب. نظرته لها تجعل قوتها تتبخر، وتزيد من توترها، وانتفاضة قلبها التي تتدافع خاصةً حين استنشقت عبق رائحته المزلزل لكيانها.
تنحنحت كمحاولة منها لإيجاد صوتها وهمست بخجل قائلة.
"هاشم من فضلك الموضوع دا منتهي بالنسبالي، فبلاش تفتحه تاني؟!"
قطعت حديثها، وشهقت بقوة حين لف "هاشم" يده حول خصرها، وجذبها داخل حضنه، وسقط بها أرضاً معتليها، وحاوط جسدها بجسده بحماية.
فتحت فمها لتوبخه على فعلته الفاضحة من وجهة نظرها، جحظت عينيها بهلع حين رفع "هاشم" رأسه ونظر لها بأعين زائغة، وفمه بدأ يسيل منه الدماء.
"بحبك يا خديجة."
همس بها بضعف، وتراخى جسده على جسدها فاقداً الوعي أو ربما فاقداً الحياة، صرخت "خديجة" مرددة اسمه بصوت مرتعش.
"هاااشم.. فيك أيه رد عليا؟!"
هنا دوى صوت وابل من الطلقات النارية متتالية جعلها ترفع كلتا يديها، وتضمه لها بكل قوتها لتشعر بسائل لازج على كف يدها يتدفق بغزارة من كتفه الأيمن، تعالت صرختها المرتعدة وهي ترى يديها الغارقة بدماء الرجل الوحيد الذي نبض قلبها له بما يسمي الحب.
توقفت عن الصراخ فجأة عندما رأت رجل ضخم الجثة يرتدي قناع على وجهه وقف أمامهما مباشرةً، وصوب تجاههما سلاحه عندها أدركت أنها ستلقي حتفها الآن هي الأخرى لا محالة، فأغلقت عينيها لتنهمر عبراتها بغزارة أكثر، وبصعوبة همست بتقطع.
"وأنا كمان بحبك يا هاشم."
دوى صوت الطلقات النارية مرة أخرى، وصوت "غفران" الذي يركض بهرولة حتى وصل لهما وجثى على ركبتيه بجوارهما يتفحصهما بملامح شاحبة مردفاً.
"خديجة أنتي كويسة؟!"
قالها وهو يحمل "هاشم" عنها بحذر مكملاً بأمر لرجاله.
"إسعاف بسرررعه."
---
بعد مرور عدة ساعات.
عاد "فارس" برفقة زوجته للغردقة بعد غياب دام لأكثر من شهر، بعدما هاتفه "غفران" وأخبره بما حدث لـ "خديجة" وإصابة "هاشم" تحرك باليخت على الفور.
كان التعب بدأ يتمكن من "إسراء" أكثر خاصةً حين صعدت معه على متن الطائرة الهليكوبتر التي هبطت بهما أمام مركز طبي تابع للقرية السياحية التي يملكها زوجها.
"إسراء حبيبتي وصلنا المستشفى خلاص أهدي."
همس بها "فارس" بلهفة داخل أذن "إسراء" التي تتقيأ بعنف.
أسرع هو بحملها وغادر الطائرة بحذر متجه لداخل المستشفى بخطوات مهروالة.
أستجمعت "إسراء" قوتها ورفعت يدها مسحت على صدر زوجها بحركتها التي يفضلها "فارس" كثيراً بعدما رأت ملامحه التي بدا عليها الزعر، والخوف الشديد.
"فارس والله أنا كويسة، متقلقش عليا، و خلينا نطمن على خديجة."
همست بها "إسراء" بخفوت، وهي تراه يخطو بها داخل غرفة الكشف.
كان في انتظارهما فريق طبي كامل على أبهى استعداد، مال بها "فارس" ووضعها على الفراش برفق، لتشعر هي بنتفاضة جسده المتصلب، والتي تدل على مدى قلقه عليها.
هندم لها حجابها، وزال حبيبات العرق بأنامله عن جبهتها، وابتسم لها ابتسامة هادئة مغمغماً.
"غفران طمني الحمد لله على خديجة، وكمان على هاشم الرصاصة جت في كتفه، هطمن عليكي الأول يا إسراء، وهطلع لهم.. هما معانا هنا في المستشفى."
---
داخل غرفة بالمستشفى.
تجلس "إلهام" بكرسيها المتحرك بجوار السرير النائمة عليه "خديجة" بعد أعطائها حقنة مهدئة ظلت نائمة على آثارها لساعات طويلة.
"هاشم."
تمتمت بها "خديجة" بضعف، وهي تجاهد لفتح عينيها، جعلت "إلهام" تقترب منها وتتحدث بلهفة قائلة.
"خديجة فوقي يا حبيبتي.. متخفيش سي هاشم بتاعك اتعور تعويرة بسيطة وهيبقي زي الفل إن شاء الله."
انتفضت بفزع حتى أنها كادت أن تسقط من فوق كرسيها أرضاً حين هبت "خديجة" فجأة جالسة، وصرخت بقوة مرددة.
"هااااشم."
شهقت "إلهام" بعنف، وهي تجذب ياقة عبائتها، وبصقت داخلها عدة مرات مردفة بغضب مصطنع.
"ايه يا خديجة يا أختي دا.. رعبتيني أخس عليكي."
نظرت لها "خديجة" تستجديها بنظرتها، وقد امتلئت عينيها بالعبرات، وببكاء قالت.
"هاشم يا إلهام خد الرصاصة بدالي.. قوليلي جراله أيه."
اجهشت بالبكاء أكثر مكملة بتوسل.
"قوليلي أنه مامتش ولسه عايش يا إلهام."
ابتسمت لها "إلهام" شقية واجابتها بجدية مصطنعة قائلة.
"اطمني يا حبيبتي والله سي هاشم عايش، والحمد لله الرصاصة جت في كتفه بعيد عن قلبه اللي بيحبك."
توردت وجنتي "خديجة" بحمرة قاتمة، ونظرت لها بعبوس مردفة.
"حب أيه بس يا إلهام.. هاشم كان بيشوف شغله مش أكتر."
ضيقت "إلهام" عينيها، ورمقتها بنظرة ماكرة، وتحدثت بمزاح قائلة.
"شغله؟!.. اممم شغله يا شغله اللي يخليه يضحي بنفسه علشان ينول رضا البسكوتة بتاعتنا."
ربتت على قدمها وتابعت بتعقل قائلة.
"الراجل بيحبك يا خديجة دي حاجة واضحة زي الشمس، وانتي كمان قلبك مايل ليه، وفارس عمره ما يرفضلك طلب، وأنتي واثقة من كدة يبقي لزمته أيه عندك، ودماغك الناشفة دي يا حبيبتي."
همت "خديجة" بالرد عليها، ولكن طرقات هادئة على باب الغرفة قطع حديثهما.
"ادخل يلي بتخبط."
قالتها "إلهام" بعفويتها المعهودة.
فُتح الباب، وخطي "غفران" للداخل وتحدث بابتسامة قائلاً.
"حمد الله على سلامتك يا ديجا.. الحمد لله جت سليمة."
"طمني على هاشم يا غفران."
غمغمت بها "خديجة" بلهفة فشلت في إخفاءها.
انبلجت ابتسامة عابثة على ملامح "غفران"، وهو يجيبها.
"اطمني.. هاشم كويس الحمد لله والدكاترة طلعوا الرصاصة من كتفه، وهو دلوقتي في الأوضة اللي جنبك على طول، وكمان فارس ومراته وصلوا تحت في الإستقبال."
"في الإستقبال؟!.. هي إسراء تعبت منه ولا أيه يا غفران يا ابني؟!"
قالتها "إلهام" بقلق بادٍ على وجهها.
فأسرع "غفران" بالرد عليها قائلاً.
"اطمني يا مدام إلهام بنت حضرتك كويسة.. بس دخت شوية لما ركبت اليخت، والطايرة في وقت واحد."
أسرعت "إلهام" بالتحرك بكرسيها، ونظرت لـ "خديجة" مغمغمة.
"هروح أطمن عليها وأرجع لك تاني يا خديجة يا أختي."
وجهت نظرها لـ "غفران" وتابعت بنبرة راجية.
"وديني ليها يا ابني الله لا يسيئك.. مش هتأخر عليكي يا ديجا."
قالت "خديجة". بقلق.
"أبقى طمنيني عليها يا إلهام."
انتظرت حتى تأكدت من ذهابهما، وتحاملت على نفسها، وهبت واقفة وسارت بخطى مرتجفة لخارج الغرفة قاصدة غرفة "هاشم".
وقفت أمام باب الغرفة، وأخذت نفس عميق، ومن ثم طرقت عليه، وفتحته ودلفت للداخل.
سارت ببطء حتى توقفت بجوار السرير النائم عليه "هاشم" تتأمل ملامحه بعشق ظاهر على ملامحها الرقيقة، تنهمر عبراتها على وجنتيها بغزارة رغم أنها تبكي بصمت.
"هاشم.. حبيبي فوق علشان خاطري."
همست بها "خديجة" واجهشت ببكاء مرير وهي تتخيل أنها كانت على وشك فقدانه للأبد. تلك الرصاصة كانت من المفترض أن تصيبها هي، ولكنه فداها بروحه دون لحظة تردد، يؤكد بها حبه الصادق لها.
"خديجة."
تمتم بها "هاشم" بين الوعي واللاوعي جعلها تميل بوجهها على وجهه وتنظر له بلهفة مردفة.
"أنا هنا يا هاشم.. بليز فتح عيونك."
إنصاع لطلبها على الفور، وفتح عينيه ينظر لها نظرته المتيمة بها عشقاً متمتماً.
"انتي كويسة؟"
حركت رأسها بالإيجاب، وقد عجزت عن الرد عليه بسبب بكائها الشديد، مما دفعه لرفع يده السليمة على وجهها، وضعها أسفل ذقنها يجذبها عليه أكثر حتى تلامست أنفهما، وللمرة الأولى لم تبتعد عنه "خديجة" بل اقتربت منه أكثر حتى شعرت بأنفاسه تلفح بشرتها.
"بلاش عياط يا خديجة.. دموعك بتوجع قلبي."
"سلامة قلبك يا هاشم."
همست بها "خديجة" بصعوبة من بين شهقاتها الملتاعة.
جعلت "هاشم" يبتسم لها ويهمس بفرحة غامرة اعتلت ملامحه المجهدة.
"اسمي طالع يجنن من بين شفايفك يا أرق وأجمل خديجة في الدنيا."
ختم جملته، وخطف من شفتيها قبلة صغيرة، جحظت أعين "خديجة" بصدمة من فعلته، وأسرعت بالركض لخارج الغرفة وهي تقول بتلعثم.
"ح حمدلله على السلامة."
---
"فارس."
ممسك بيد زوجته يضغط عليها برفق أثناء حديثه للطبيبة التي انتهت للتو من إجراء فحص شامل لـ "إسراء".
"بقالها كذا يوم أكلها ضعيفة، داخت مني كذا مرة، بتنام كتير على غير العادة، اشتكت من الصداع مرتين، رجعت انهارده 3 مرات وكل ما أديها عصير أو حتى ميه ترجعها، ولحد دلوقتي ما أكلتش أي حاجة."
صمت لوهلة، ونظر لزوجته التي تطلع له بنظرات منذهلة، لم تتخيل أن خوفه، وقلقه عليها يصل إلى هذا الحد، وأنه يتابع حالتها بترقب هكذا.
"فارس باشا اطمن سيادتك."
أردفت بها الطبيبة بعملية، وتابعت بابتسامة متسعة قائلة.
"تحليل الدم والبول أكدوا أن المدام حامل.. ألف مبروك."
تهللت أسارير "إسراء"، وأشرقت ملامحها بسعادة بالغة، بينما "فارس" ظهر الغضب على ملامحه أكثر، وتحدث بتساؤل مستفسراً.
"يعني معقول الحمل هو اللي تعبها أوي كده؟!"
الطبيبة.
"أيوه يا فارس باشا.. كل اللي بيحصل للهانم دا أعراض طبيعية جداً في بداية الحمل، وممكن تزيد كمان خلال الشهرين الجايين."
حرك "فارس" رأسه بالنفي، وتحدث بصرامة قائلاً.
"أنا مش عايزها تتعب."
ضم زوجته داخل صدره بقوة مكملاً.
"ولو الحمل دا هيتعبك يبقى أنا مش عايزه يا إسراء."
رباه تملك الخوف من قلبه، لن يغامر بفقدانها مهما كلف منه الأمر، هي أولاً وأخيراً وقبل كل شيء.
شعرت "إسراء" بما يدور بذهنه، وما يشغل خاطره، فضمته لها أكثر، وتحدثت بتفهم قائلة.
"فارس.. حبيبي أهدي، ومتخفش عليا أنا كويسة والله."
رفعت رأسها ونظرت له نظرتها العاشقة التي تبعثر مشاعره، وتغلف قلبه بالطمأنينة.
"ومبسوطة، وهطير من الفرحة علشان أنا حامل منك."
قبلت موضع قلبه بعمق، وتابعت بصوت تحشرج بالبكاء.
"ألف مبروك علينا يا حبيبي."
"لازم تعرفي أني معنديش أي استعداد أني أخسرك."
همس بها "فارس" بنبرة محذرة، فحركت له رأسها بالإيجاب، وهمست بثقة.
"عارفه، وواثقة كمان، واطمن بمشيئة الله كله هيبقي تمام."
"مبروك يا عيون يا فارس."
قالها وهو يميل على وجنتيها ويطبع قبلة مطولة، وعاد دفنها داخل حضنه مرة أخرى.
أغلقت "إسراء" عينيها تنعم بقربه، وحبه لها الذي دوماً يغرقها به، نهارت نفسها بقوة حين داهمها ذكرى إحدى محاولاتها للهروب منه، تسأل نفسها كيف كانت تجاهد حتى تبتعد عنه، وتحرم قلبها من عشق مثل عشق فارسها.
...
"إسراء"..
تسير بخطوات حذرة على أطراف أناملها.. واضعة إحدى أصابعها في فمها بطفولة.. نظرت حولها تتأكد من عدم وجود أحد.. تنهدت براحة حين تأكدت أن جميع من بالقصر ينعمون بنوم عميق.. فتابعت سيرها وهي تمتم لنفسها قائلة.
"يارب الحرس اللي قدام القصر يكون نايم هو كمان، وأعرف أخرج من هنا بقي."
ابتسمت باتساع، وحماس شديد وهي تقترب من باب القصر الداخلي.
تمايلت بخصرها يميناً، ويساراً، وقامت بتقليد "فارس" قائلة.
"مش هتعرفي تخطي بره باب الأوضة."
"بقي أنا بتكلم بالرقة دي، ولا برقص حاجات تجنن وتطير العقل كده؟!"
قالها "فارس" الواقف خلفها مستند على الحائط، وواضع كلتا يده بجيب سرواله، ويرمقها بنظرات ماكرة، مال عليها بوجهه وبدأ يسير بأنفه على وجنتيها مكملاً.
"وبعدين ينفع واحدة تهرب من جوزها قبل حتى ما تدوق حضنه وقربه اللي أنا واثق إنك مش بس هتحبيه.. دا أنتي هتدمنيني.. زي ما أنا هتجنن عليكي."
ازداردت لعابها بتوتر من قربه منها إلى هذا الحد، وحديثه الجريء الذي يجعلها على وشك الانصهار من شدة خجلها، وتحدثت بقوة مزيفة قائلة.
"اسمع يا فارس بيه.. أنا مش مراتك، وحتة الورقة اللي خلتني أمضي عليها دي بلها واشرب مياتها.. علشان الجواز اللي أنا أعرفه بيكون بمأذون وشهود غير كده ميبقاش جواز أصلاً."
"رغم أن حتة الورقة اللي بتقولي عليها دي عقد شرعي ومتوثق بشهود.. بس و ماله يا بيبي اكتب عليكي حالاً بمأذون وشهود زي ما أنتي عايزة لو دا هيخليكي تقتنعي إنك مرات فارس الدمنهوري."
أنهى جملته وأخرج هاتفه من جيب سرواله وطلب إحدى الأرقام وانتظر الرد للحظات.
"أيوه يا غفران.. هاتلي مأذون وواحد يشهد معاك وتعالى عندي القصر دلوقتي حالاً."
وبالفعل خلال دقائق معدودة كان يعلن المأذون فارس زوج لإسراء على كتاب الله وسنة رسوله.