تحميل رواية «غوي بعصيانه قلبي» PDF
بقلم نهال مصطفي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"لا ينبض القلب إلا لعاصٍ" قبل.. أقصد قبل أي رواية أكتبها، كان كل حرف بها موجّه لشخص ما. بالخصوص، كان لدي حبيب أرسل له حبي من خلالكم. واليوم، وبعد انقطاع دام عامًا عن الكتابة حدادًا على حبي، أكتب لكم ولم أملك شخصًا بعينه أخصه بحروفي، بكلماتي، بشوقي الذي يفترسني كل ليلة. فإذا أصابت حروفي قلبك، اعلم أنني كتبت هذا في لحظة حنين. وإن لم تصب كلماتي وأخفق سهمي في طريقه لقلوبكم، اعلموا أنني أحاول أنساه وفشلت محاولاتي كما فشل سهمي. "ما قبل البداية" معذرةً عن ضعفي المبالغ فيه للحد الذي يعجزني عن كتابة كلمة...
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم نهال مصطفي
أحيانًا لا تحتاج الشخص الذي يعطيك المظلة وإنما تحتاج الشخص الذي يبتل معك .. فمساحة الشعور دومًا تفوق مساحة العطاء
كم هو مؤلم عندما تعجز عن تحديد نقطة ألمك!
أن تفشل بوصلة الإحساس أن تصل لمصدر الصخب، ومركز النيران التي توهجت بجسدك.
أيكون القلب .. هل هو السبب! ولكنه يتألم ويحترق معي وبرُمة الحرائق الكائنة بي!
إنه ضحية حدث ما لم يُحدد سببه حتى الآن، يتقلب على سيخ مصيبة جديد حلت به.
أم هي خطيئة العقل يا ترى! تلك هي الفجة الكُبرى، العقل لا يعترف بالأخطاء وجميع طُرقه وإن خالفت القلب فهي تُشير للصواب.
هل ساقني عقلي تلك المرة لقعر المصيبة وجُب الألم! هل ضحى بي ويأس من حماقتي وترك لي ساحة القتال وولى ظهره!
على من سأستند .. انهارت جميع مصادر قوتي ولم يتبقى بي إلا حُطام امرأة.
مرت الساعات العصيبة على خريطة عقلها فسُلبت منها الشعور والإدراك، باتت طريحة الفراش لوقت طويل تتأمل سقف الغرفة الذي شاهد حروبها وخرابها، وتحولها من مدينة حضارية إلى عشة تتراكم بها كومة النفايات.
فر النوم من بين جفونها، باتت عينيها لا تنغلق إلا لتعتصر ماء وجع جديد.
ولكن المرة الأخيرة قفلت فيها جفونها كي تسترد حدثًا جديدًا.
سبحت ذاكرتها فوق قمة الوجع وهي تدون سطر من كتاباتها وتكتب كلماتها الملونة بلون البحر والغروب:
الـ يقدر يغيّب يَومين في الهَوى يقدر يبعِد سِنين
ثم تركت قلمها بمنتصف دفرتها ورفعت رأسها لتتنفس هواء البحر وتستمع بصخب أمواجه.
إلا أن تلك المرة جاء الصوت ممزوجًا بنبرة تتوق إليها.
جذب الكراس منها وارتسمت ابتسامة ساحرة على وجهه وهو يعترف:
وأنا أهو متحملتش أغيب أكتر من يومين، والشوق جابني لعيونك.
وثبت قائمة برشاقة والهواء يغازل فستانها القصير متعمدة إخفاء سعادتها لمجيئه وخطفت منه مجلد اعترافات قلبها:
جيت متأخر أوي يا أستاذ قاسم.
ثم دنت منه محذرة بقلمها الذي ترفعه بوجهه:
ولأخر مرة بحذرك تقرأ حاجة أنا ماسمحتش تشوفها.
طوق خصرها بنظراته التي انخدعت بها طويلًا وقال بمكرٍ:
مش مهم، بس اسمح لي أبص في عنيكي وأنا هفهم كل حاجة.
دفعته متدللة:
أكلت كتير من الكلام ده، اتفضل ارجع مكان ما كُنت.
منا رجعت أهو.
ولت ناحية البحر وعقدت ساعديها مترنحة:
انسى، مش هتضحك عليـا زي كُل مرة.
كان من نصيب وجنتها قُبلة اعتذار سريعة منه كي ينال رضاها.
تلك القُبلة التي عادت وعيها بشعور من الاشمئزاز القوي وهي تفارق مرقدها كمن أصعقته الصاعقة.
ترمي الغطاء أرضًا وتنفجر باكية وهي تدفن وجهها بين كفيها.
تحسست صقيع قلبها للمرة الثانية، نفس الوجع ولكن لأول مرة يمنح القلب للعقل أعذارًا.
غاصت في مقارنة بينه وبين تلك الهواجس التي اجتاحت عقلها ولم تحدد مصدرها.
لا تعلم ما سبب غضبها منه ربما كان بسبب سن الكبرياء سيوفه عليه، رغم أن قلبها الذي لم يشن عليه العتب للحظة.
وثبت قائمة تجر في ذيول خيبتها متجهة نحو المرحاض حتى ارتطمت بملامحها المنعكسة والمنكسرة في المرآة.
ملامحها التي تحطمت كزجاج صعقته الريح العاتية.
تفقدت المكان المقلوب رأسًا على عقب حولها، والأشياء المبعثرة والمنتشرة بالأرض، والفوضى العارمة التي حلت به فلم تختلف كثيرًا عن فوضى روحها.
تذكرت كل شيء وكل ما حدث وكم كانت هي المُبادرة بشكل يخرج عن زمام عقلها وشموخها.
أدركت أنها للحظات فائتة خسرت عقلها وضلت في ظُلمة المشاعر.
تمسكت برأسها ووجهت لنفسها جميع أنواع الذم والاشمئزاز.
تهاوت قطعة قطعة حتى لم يتبقى منها إلا رائحته.
نكست أرضًا وصرخت بنبرة منتفضة وعاجزة عن الاستيعاب:
أنا أيه وصلني لكده؟ أيه اللي حصل فيـا، في حاجة غلط، آكيد في حاجة غلط!
استغرقت في البكاء، وأخذت تتنفس بشكل يشير أنها ما زالت على قيد الحياة.
مدت يدها لتفتح الصنبور فوقها تاركة للماء مهمة إخماد تلك الحرائق التي لا تهدأ.
انصب الماء الغزير فوق رأسها ممزوجًا بملوحة عبراتها.
ابتلى جسدها بحت الماء وأجهشت بندمٍ:
لم تكن ديارك مأمني، أنا من توهمت، والآن اسدد ضريبة حماقتي.
ارتفع صوت آذان الفجر وما زالت بنت البحر تتقلب بموج الأيام القاسية في حضن الماء، الذي منه وإليه تعود.
استجمعت نفسها وتناولت المنشفة لتجفف نفسها بعد ما تخلصت من ثيابها المبللة.
خرجت إلى الغرفة وتوجهت نحو الخزانة لترتدي أول شيء نالته يدها.
لم تهتم بتجفيف شعرها بل تركته يشارك عينيها في البكاء.
طافت عينيها بالمكان حولها، الغرفة التي تحمل تفاصيله وعطره وصوره.
دخلت في نوبة من الذعر، وهبت عواصف غضبها لتُطيح بكل ما يخصه.
تهشمت صوره وعطره ونظارته باهظة الثمن.
لم تتوقف عند ما ظهر أمامها بل فتحت خزائنه وفرغتها من جميع ما تحويه.
باتت ملابسه الثمينة مداسًا لجنونها وكرهها الشديد إليه.
أصبح محتوى الخزانة كله بالأرض كالهرم الذي يشبه هرم حزنها الشامخ.
اهتزت كأنما بجوفها معركة طاحنة.
جلست بين كومة الملابس المتكدسة بعد ما رفست بقدمها سترته دافنة وجهها بين ركبتيها وهي تلوم على البحر الذي حدفها إلى شواطئه التي لا ترحم:
اليوم رأيت بطش موج البحر بعيني ولكن تلك المرة كان على البر، البر الملييء بالأفاعي وأنا ببلاهتي عانقت الحية كي أنجو!
لجأت "حياة" إلى النوم لتستريح من تلك المعارك القوية.
قديمًا كان النوم طريق النجاة منا ومن قلوبنا المضلة.
بمجرد أن ينطفئ الضوء يحضر النوم كمخدر فعال لشتاتنا.
أما الآن فكلما أطفأنا الأنوار لكي ننام أوقد التفكير شموعه حتى الصباح.
وهذا ما سقطت في بئره "حياة".
جميع الطرق باتت مهلكة، جميعها حادة ووعرة، كافة الطرق تحمل الموت على جوانبها.
أين المفر!
أمام البحر في الإسكندرية
يعلمك الزمن ألا تلهث وراء ضوء يخفت كي تعيد وهجه، ولا وصل ينقطع لتصلحه.
كل ما تلاشى من حياتك كان ببساطة ذاك حجمه فيها وانتهى.
ظننت أني مُمتحنة فيك، تقبلت رسائل ووقائع الأقدار.
أخذت الطريق إليك برضاي بعد ما أجبرت عليه.
أمنت بأن الخطاوي نصيب ووافقت على نصيبي معك حتى ولو لم تكن حلمي يومًا ما.
أنا الآن في المنتصف؛ بين عقلي وقلبي.
ولكن المُريح بالأمر أن قلبي رضخ مستسلمًا لجميع أوامر العقل، لازلت امتلك السيطرة عليه، فلم يفقد صوابه هو الآخر ولن يطيح في بحور هواك للحد الذي كنت سأفقد فيه نفسي.
لكني شخص يبغض الاحتمالات والبدائل، يفتش عن الأمان دومًا.
تراني شخص حينما يشك في مكانته يتخلى عنها فورًا.
قبل أربعة ساعات
الكأس لا يمتلئ من نقطة، والإنسان لا يغضب من كلمة، كل القصة تراكمات.
تحملت ما تحملت من عناء خلال رحلتها معه ولكن ختمت قصته معه بعبير الغفران.
بل يبدو أن للحياة رأي آخر، كأنها أقسمت أن تفتش الحقائق وتعري الستور للمرء عند رغبته في البدء من جديد.
ظنت أن بمجيئتها إليه ستوقع على معاهدة السلام معه ولكن فاح دخان غدر العدو فحرق كل ما عهده لأجله.
تسمرت "عالية" عندما رأت هذه المرأة المشبوهة تظهر أمامها.
كانت مطرقة واجمة ذاهلة.
أرادت أن تتكلم ولكن الدموع غلبت كلماتها.
لم يختلف الحال عند مراد كثيرًا غير أنه لن يبتلع قسوة الحدث بالصمت ويستغرق وقتًا في الدهشة بل صاح مزمجرًا:
أنت مين! وأيه جابك هنا!!
بلغة متدنية أردفت المرأة:
أنت لحقت تنسى يا سيدي!
اندفع مراد إليه بنيران الحارقة تحت سطو صدمته فيها:
أنا أعرفك ولا عمري شوفتك يا بتاعة أنتِ! هتنطقي وتقولي أنتِ مين ومين زاقك عليا وإلا اكلم البوليس يقررك بنفسه!
لم يهتز جفن القلق بالسيدة بل أكملت تدلل ومراوغة عليه.
دفعها مراد بكل قوته وهو يخرج هاتفه ليبلغ الشرطة.
نهضت "عالية" من فورها، فلم تتحمل الصمت أكثر وقالت باشمئزاز:
وفر عن نفسك الحركات الرخيصة دي يا بيشمهندس، الرسالة وصلت خلاص.
أصبح مراد في موقف عصيب، كيف يبرر تلك المسرحية المحكمة عليه.
نشج بصوت حاد:
استني يا عالية أنتِ.
ثم أمسك بشعر المرأة بقوة وهو يرجها بعنفوان:
انطقي يا بت أنتِ، دخلتي هنا ازاي!!
ثم جذبها بعنف متجاهلًا صدح صراخها متجهًا ناحية الباب وصرخ:
دخلتي هنا ازاي!
هنا جاءت عالية التي استجمعت نفسها ونادت عليه باحتقار:
ما كفاية تمثيل بقا، أنتَ مصنوع من أيه!!
التفت مراد لعالية التي لم تتوقف عن قصف الاتهامات إليه.
وما أن سنحت الفرصة للمرأة أن تهرب، هرولت مسرعة وفتحت الباب وركضت كي تنجو بحياتها من بطشه.
التفت مراد بحيرة، أيركض خلفها أم يقف بوجه تهم عالية التي لم تمنحه مهلة ليدافع عن نفسه.
اقترب منه متخذًا أنفاسه بصعوبة:
عالية.. أنتِ آكيد مش هتصدقي الهبل ده، ده ملعوب عليا وأنا هعرف مين وراه.
التوى ثغرها بسخرية:
ااه هبل!! تصدق ما حد طلع أهبل وعبيط كمان غيري! تعرف ليه؟
مسحت دمعة انبثقت من طرف عينيها سريعًا ثم أكملت بنبرة مخيفة لم يسمعها من قبل وهي تلوح بيدها:
عشان استسلمت لظلم عاصي واتجوزت واحد زيك، ما حاربتش عشاني وضعفت.. عشان صدقت أن جواك شخص نضيف وقررت أساعدك على كده، ووثقت فيك ونسيت أنكم كلكم عايشين في مستنقع مش عايزين تطلعوا منه، كلكم زي بعض، حياتكم كلها عك و أرف.
حاول أن يتمسك بكفيها كي تهدأ:
عالية معاكي حق في كل ده بس أهدي ممكن!
دفعته بعيدًا عنها صارخة بانهيار:
ما تلمسنيش، أنت من النهاردة محرم عليا، أنا مش هقبل جوزي يكون بالقذارة دي.
أخذت أنفاسها بهدوء ثم تفوهت:
بس الغلط كله غلطي، أيوه.. أنا اللي فشلت في اختيار حاجة واحدة في حياتي، بس خلاص يا مراد، كل ده انتهى ومن اللحظة دي مش هقبل حاجة تحصل غصب عني، جيه الوقت اللي اصلح فيه كل اللي فات.
حاول أن يهدأها من نوبة الانهيار التي انخرطت فيها:
هنفذلك كل حاجة، بس اهدي.. اسمعيني الأول واللي عايزاه هعمله يا عالية.. بس افهميني الأول.
رمقته بسهام الخسة:
أنا مش قادرة اسمع صوتك، متتصورش أنا شايفاك أزاي دلوقتي.
حملت حقيبتها على كتفها وقالت باختناق:
أنا همشي من هنا على بيتنا، قصر دويدار.. وورقتي توصلني على هناك يا مراد.
ثم حدقته بنظرات التهديد:
ومش هقولك هتحامي في عاصي وهو اللي هياخدلي حقي منك، لاني وقتها هوريك عالية دويدار تقدر تعمل أيه.
خرج عن هدوئه وصدمته صارخًا:
أنت ليه مش مصدقة إني معرفهاش!
التوى ثغرها بسخرية:
وسايب بيتك ومراتك والقاهرة كلها وجاي هنا عشان تقيم الليل، مش كده! كفاية يا مراد كذب، أنا مش صغيرة ولا هيضحك عليا بكلمتين.
ثم دفعته وغادرت المكان بسرعة لانها أوشكت على الاختناق من تلك الأجواء المشحونة بالكذب والخداع.
ركض كي يحضر مفاتيحه ويلحق بها على درجات السلم ركضًا لانها استقلت المصعد ورحلت.
أتبعها بسرعة فائقة حتى تساوى موعد وصولهم، تلى خُطاها وهو يهمس باسمها مناديًا بنبرة منخفضة:
عالية هتروحي فين الساعة دي.. لو سمحتِ استنى.
تجاهلت ندائه حتى وصلت إلى صف السيارات المركونة.
قبض على رسغها بقوة ولفها إليه:
كفاية بقا عناد يا عالية!
حاولت التخلص من قبضته بإصرار:
أنت جاي ورايا ليه!! افتكرت كذبة جديدة تقولها! ولا ضميرك صحي فجأة!
عض على شفتيه بتفاذ صبر فجره بسقف السيارة المركونة وهو يضربه بقوة وجهر بصوته الشبيه بصوت الرعد:
أنا لحد اللحظة دي مقدر الموقف اللي أنتِ فيه، لكن أكتر من كده مش هسمح لك يا عالية.
حدقته باستهتار:
تسمح ولا ما تسمحش بقى، أنت خلاص بقيت شفاف في نظري، أنت مش فارق لي أصلًا.
قفل جفونه ليستجمع نفسه وشتاته ثم أطلق زفيرًا قويا نفض فيه غبار كلماتها وقال بنبرة رغم هدوئها الا انها مبطنة بالتحذير والصرامة:
اركبي يا عالية.
مستحيل اركب عربيتك دي، ولا عايزة أشوف وشك تاني!
جزع من أسلوبها الحاد، هنا لجأ إلى العنف وتحولت أوامره إلى أفعال.
جذبها بقوة متجاهلًا أصوات استغاثتها وأنظار المارة إلى ودفعها دخل السيارة بالإجبار.
ما أن استقلى مقعده بجوارها أخذت تثثر وتتشاجر بطريقة فوضوية.
تعمد تجاهلها ولكن لم يستطع تجاهل شحنات الغضب المتقدة بجوفها تلك التي فجرها بالسواقة الجنونية.
مرت قرابة النصف ساعة حتى صرخت بصيغة آمرة:
بقولك أقف هنا اتخنقت وعايزة أشم هوا البحر.
عودة إلى الوقت الحالي
نزع مراد سترته ووضعها على كتفيها من الخلف ليحميها من شر هواء البحر.
وقف بمحاذاتها عاقدًا يديه وراء ظهره وقال:
هوا البحر عمره ما هيداوي الجروح بالعكس، ده بيفتحها من أول وجديد.
نزعت سترته من فوق كتفيها وقالت بشرودٍ:
يمكن بيعمل كده عشان حابب ينضفها من تاني، شايف أنها اتقفلت غلط ومش على نضافة فحب يصلح أخطاءنا!
رد بإصرار:
أنا ما غلطتش يا عالية ومن اليوم اللي بقيتي فيه مراتي وأنا محترمك، أنا معملتش ده زمان عشان أعمله دلوقتِ!
جفت صحف قراراتها ورفعت أقلام قلبها كي تمنحه صكًا جديدًا من الغفران.
أومأت بخفوت:
زي ما قولت لك الغلط من البداية، وزي ما حياتنا ابتدت بغلطة انتهت كمان بغلطة، عشان كده أنا مش عايزة اسمع حاجة يا مراد.
الموضوع خلص بالنسبة لي.
يعني أيه يا عاليـه!
يعني طلقني.
على كوبري قصر النيل
قضى عاصي ليلته في سيارته المركونة جنبًا بعدما انتهى الاستجواب المتعلق بمقتل المدعو "قاسم" وعدم ثبوت دليل يذكر عليه.
خرج من القسم بعد ما ترك شأن محاميه وأمر السائق أن يغادر ليتركه وحده.
هبط من سيارته بعد ما نزع سترته السوداء مرتديًا فقط بنطاله الأسود وقميصه الأبيض وولى ظهره عن العالم وباتت عيناه تشكو السماء والنيل تحته.
بات طيفها يحاصره كشبح عنيد لا يصرفه حتى آذان الفجر.
بات بريق عينيها يلمع بالنجوم فوقه، وانعكاس الأنوار في المياه أسفله، ويحرك الهواء سطح النيل مثلما يغازل شعرها.
باتت طريدة ذاكرته، وملازمة إليه كنبض قلبه.
انتقل من جولة التوق إليها لشوط الهدنة من سطوها المسلح عليه.
وتحولت مشاعره الجامحة إلى أخر ماجنة تُوبخه تارة وتعلن اللوم عليه طورًا.
أخذ يتساءل في نفسه.. ماذا فعلتِ بقلب ناسك عن قربك!!
سلك طريق التعبد مكتفيًا بالطواف حولك!
كيف بلمسة خرت جميع قواه تحت جفونك وبات الليلة صريع هواكِ!
أي نوع من النساء أنتِ شردتي كل ما بي بضحكة واحدة!
كيف لقُبلة منك بللت كل أجزائي؟!
يعز على قلبه أن أعترف بأنك الركن الهاديء الذي تصالحت فيه مع الدنيا.
كلما جئتك منطفئًا كانت عينيكي تشع نورًا ليهديني.
وبعد زلزال الليلة والشق العميق الذي أصبح بيننا فقدت الهدوء والهدية والهدايا وضعت أنا بينهمـا.
تذكر جملة أخبرته بها "مها" من قبل وهي تشبك يدها بيده:
الحُبُّ هو الجِسرُ الذي بينك و بينَ كُلِّ شيء.. أن مَلكت الحُب ملكت كل شيء، و أن أضعته ضعت أنت ولم يبقى منك شيئًا.
أحس بحرقة قلبه فرفع كفه ضاغطًا على الوجع محاولًا الهرب من مرارة هالشعور لكن لا مفر.
أنصت لصوت الألم الصادح منه:
تحطم جسرك، وتحطمت معه ثقتي.
بات وجودك خطرًا عليّ وعلى كبريائي.
يعز على قلبي أن أقول بُعدك الذي يحمل كفني قبلته.
واستبدلت قُبَلي بقبري.
الظلمة أهون من خداع نجومك.. وسحر تعويذتك التي طوتني كقطعة صلصال بين يديك.
من أيا ضِلع خُلقتِ! تراكي خُلقتي من ضلع الحب حتى منحك عصاته السحرية!!
أطلق جياشة قوية وهز رأسه بفظاظة كأنه يُلقن عقله وقلبه درسًا:
لكل بداية نهاية.. فوق يا عاصي، فوق.. أنت محبتهاش! واللي كنت عايزه وصلت له، محتار ليه!!
أنت كُنت مفكر أنها ممكن تاخد مكان مها!
البنت دي لازم تختفي من الوجود تمامًا، خدت أكتر من وقتها وزيادة!
صباحًا
انفلق الصباح، وتوسط قرص الشمس صحن السماء.
لن يتغير الحال كثيرًا عما طواه الليل.
ما زالت "حياة" تجلس في مكانها ولم تتحرك.
أصرت "عالية" على العودة لمنزلها بالقاهرة كي تلملم أشياءها.
قرر "عاصي" العودة إلى القصر آخيرًا بعد ما أخذ قراره النهائي بشأنهـا.
بغرفة "تميم" الجالس على نفس الطاولة مع "شمس" يتناولان فطارهم.
بدأت شمس حديثها برشفة من كوب الماء وقالت:
اللي حصل إمبارح ده غريب أوي.. يعني حياة تختفي من الحفلة، عاصي يروح القسم حتى هدير دي متحركتش من البار، فضلت تشرب كتير أوي والمفروض ده غلط على البيبي.
أيد تميم أفكارها وقال:
أنا قلتلك أيه! راقبي.. وتابعيهم من فوق، العالم ده زي الألعاب النارية اللي بتتضرب في الهوا تعمل مفرقعات وألوان وأشكال مبهرة، لكن لو قربتي منهم هتتحرقي يا شمس.
ثم أطلقت تنهيدة قوية:
تعرف أن هدير دي بتصعب عليـا، شخصية مريضة بحب عاصي، معندهاش مانع أنها تنتقم من نفسها عشان تلفت نظره، هتندم أوي على العمر اللي ضيعته هدر ده!
لكل منا صراع يجعل السكوت بداخله صراعًا أبدي.
لزم تميم الصمت مركزًا في حديثها حتى لاحظت شروده وهي تلملم المائدة الصغيرة:
أنا أسفة رغيت كتير.
مسك كفها بحنو وسألها:
رايحة فين؟
انتفض قلبها وهى تشد كفها من قبضته:
أبدًا بس الكلام أخدنا ولقيتك سكتت، حسيت إنني ادخلت في حاجات متخصنيش!
مش شايف أي خصوصية، أنتِ عرضتي مشكلة مهمة وكان لازم افكر الأول قبل ما أرد عليكي.
تراجعت للخلف بسكون تراقب طريقة كلامه وتبدل معالم وجهه حتى قال:
العقل في حرم الحب ما بيقدرش يتحكم.
رفعت حاجبها بعدم اقتناع:
أزاي! حتى لو الحب ده بيأذيني!!
الحب نبيل ومذل، ملهوش منطق.
ثم أصدر إيماءة خافتة وتردد قليلًا قبل أن يكمل بتخابث:
شكلك عمرك ما حبيتي قبل كده!
أحمر وجهها بحمرة الخجل:
هاه.. لا طبعًا أنا مش فاضية للكلام ده، ده أصلًا كلام فارغ بتاع مراهقين.. أنا هروح اسأل على "حياة".
شبح ابتسامة خفيفة ارتسم على ثغره، وأخذ يطالعها وهى تلملم الأطباق على عجل حتى جاء إشعار على هاتفه الذي تلقاه بلهفة وبعد ما قرأ ما تحويه الرسالة قال باهتمام:
شمس، في مشوار مهم لازم نروحه سوا.
وصل عاصي بزيه المبعثر وقميصه الهارب من طوق حزامه، تجاهل هتاف ونداء الحرس عائصًا في كينونة قراراته السريعة التي اتخذها.
ركضت سيدة إليه مجرد ما رأته فهتفت بذهول:
بعد الشر عنك يا بيه!! هما ضربوك في القسم؟ شالله تنقطع يدهم اللي اتمدت عليك هما ما يعرفوش أنت مين ولا أيه؟
لم تتفرغ رأسه لسخافات "سيدة" التي نسيت أنها تقف أمام عاصي دويدار بفخامته.
تراجعت خطوة للوراء منتظرة رده ولكن بدون فائدة.
هرولت خلفه قرب درجات السلم:
تحب أجيب لك فطار تلاقيك على لحم بطنك.. والست حياة هي الأخرى محدش شاف وشها!
وقف فجأة بدون أي مقدمات ثم استدار إليه بزاوية 180 درجة وقال بصرامة:
شوفي شغلك يا سيدة!
تراجعت برتابة:
ما هو معاليك شغلي بردو يا بيه! وأنا بشوفه أهو.. إلا بالمناسبة، ست حياة مالها!! دي آكيد اتنشت عين من امبارح، الست كانت حتة قشطة.. هي كده عيون الناس رصاص.. تحب أرقيها يا بيه.
أحب ماشوفتش وشك النهاردة يا سيدة.
ثم ولى ظهره نحو وجهته ومقصده ولكنه لم يخط خطوة فتوقف إثر نداء أمه:
عاصي!
رمى بفتور سترته السوداء على جانب السلم وطالع أمه بحنق:
لو عندك حاجة عايزة تقوليها أجليها.
صاحت نبرتها المعترضة:
طبعا! وأنتَ عليك بحاجة؟ عيد ميلادي اللي باظ، وشكلي اللي بقى زي الزفت والظابط بيسأل عليك، ولا الهانم اللي طلبت معاها دلع واستعباط في يوم زي ده! كل ده عادي؟
ثم اقتربت منه خطوتين:
أنتَ كنت فين؟ مرجعتش البيت ليه، المحامي قال لي أن الموضوع بسيط ووقاطعها عاصي بحزم:
وفري كل ده عشان أنا مش شايف ولا سامع حاجة.
ااه بس في خبر حلو هينسيكي عيد الميلاد اللي باظ إمبارح ده.
احس باختناق قلبه لقراره المعاكس لهواه:
أنا رديت هدير، خليها تهدى!
ندبت سيدة على صدرها بدهشة:
يا نصيبتي!
جحظتها "عبلة" بغضب فتقهقرت تلك المسكينة تهذي مع نفسها وهي تضرب كف على كف.
يبدو أن القرار لم يرق لأمه، بل اقتربت منه وقالت بضيق:
طيب خلي الموضوع ده بينا لحد ما اتأكد من حاجة كده.. بلاش هدير تعرف دلوقتِ.
طالعها بعيونه الذابلة من كثرة التفكير وقلة النوم:
اللي عايزاه اعمليه.
وصلت عالية إلى شقتها وأخذت تلملم أشيائها وتضب حقائب حكايتها القصيرة معه بعجل.
أخذت ما تحتاجه فقط واستغنت عن كل ما أحضره إليه.
اقتحم الغرفة وقال بجزع من كثرة محاولاته:
أحنا لازم نتكلم، أنا مش هقبل تخترع أوهام في دماغك وتاخدي عليها قرارات.
رمت بكلل ما بيدها في الحقيبة، وأخرجت الوجه الأخر لنسل دويدار:
أنت ما بتزهق! يعني خاين وكمان بجح!
صرخ بوجهها بحدة:
متنسيش نفسك يا عالية ومتخليش الغضب يسوقني ويسوقك لطريق سد مفيش منه رجوع.
تقدمت إليه وواجهته بحزم:
ايه بتبلى عليك لاسمح الله!! ولا الست اللي لقيتها في شقتك بقميص نوم دي كمان تهيؤات!
أنتِ ليه مش حاطة احتمالية إني أكون بريء وأن الست دي والله ما اعرفها ولا عمري شوفتها ولا عمري دخلت واحدة ست شقتي!
قهقهت بحزن دفين:
ااه براڤو صدقت أنا كده.
ثم لوحت بكلتا يديها:
أنا شوفتكم بعينيا! وبصراحة مستبعدش أنك تعمل حاجة زي دي بسهولة، من غير حتى ما يرمش لك جفن الضمير!
لان كلكم واحد وكلكم عايشين في مستنقع مُقرف لا يعرف يفرق بين الحلال ولا الحرام.
أنا مش عاصي يا عالية.
هربت الجملة من مخزن ظلمها إليه والاتهامات التي سددتها بقلبه.
كانت جملته كقنبلة موقوتة فجرت دموعها وصوتها وهي تصرخ بوجهه بانهيار:
ما تجبش سيرة أخويا على لسانك أنت فاهم! أنت متجوز عالية دويدار، عارف يعني أيه! يعني ممكن اقبل أي حاجة منك إلا الخيانة عشان مش أنا الست اللي تتخان حتى ولو كان جوازنا صوري.
مسح وجهه المحمر من شدة الغضب ثم قال بصوت خافت:
وأنا مش هقبل أنك تمشي من غير ما تسمعيني يا عالية!
خرج من الغرفة وانشغلت هي بمسح عبراتها ولملمت بقية أغراضها ولكنها فوجئت بأنه يقفل باب الغرفة بالمفتاح ويمنع خروجها بالطريقة القسرية من ذلك السجن الذي اختارته بإرادته.
ركضت عالية نحو الباب وأخذت تضربه بعنفوان:
دي اسمها حركات عيال وأنا مش هقبل أكون طرف في لعبتك الرخيصة دي يا مراد، انسى، انسى أنك ممكن تجبرني أعيش معاك للحظة.
ثم عادت خبطت الباب بقوة قبل ما تنهار في البكاء:
سيبني في حالي بقا وارجع للعالم بتاعك براحتك، أنتو عايزين مني أيه!!!
كأن مراد رفض أن يكون عابرًا في حياتها، كـخدشٍ بسيطٍ يمكن أن تعالجه بكحولٍ رخيص ضماد تتخلص منه في يومين وسرعان ما يلتئم.
بل أراد أن يكون ندبةً من شجارٍ عنيفٍ وقديم، ندبةً لا تُمحى فوق جلدها للأبد.
ربما هذا هو غرور الرجل، أو بذور حبه التي تبدأ بجذور التملك.
ثمَّة أوقات يكونُ فيها جوابنَا الوَحيد على أيّ شيءٍ يحدث سواء كان رائعًا أو مروعًا هو مُجرَّد تنهيدَة صغيرَة.
تلك التنهيدة التي اكتفى بها عاصي على أعتاب غرفته قبل ما تلمس يداه مقبض الباب.
تردد قبل الدخول، أحس بزوال جميع قراراته، وإنصهار غضبه، وتبخر حالة الحزن التي كانت سببها.
لفح قلبه عطر وجودها بهذه الغرفة.
لأول مرة يقف في مواجهة عواصف قلبه وجهًا لوجه أمامه.
تأكد أن كل ما مر قبل لقائها كان مجرد أشباه حب، ولكن ذلك الحب الذي يحدث العواصف ويغرق في دوماته ويتخذ من النجوم خريطة ليصل إليها لم يعهده على امرأة من قبل.
بلل حلقه الذي جف وهو يتذكر تفاصيل تلك الليلة المسروقة من الزمان، وتلك الأحاسيس التي عاشها في طوق قربها ومذاق التوت الذي تذوقه من سحرها، فصدق تلك المقولة التي تُشيد: لكنّك لن تَتذوق رغيف الحياة حتّى يُطحَنُ قمح قَلبك.
تذكر حديث قديم بينهما بخصوص حزنه من "عالية" عندما ختمت نصيحتها إليه كي تحثه بالذهاب ليراضي أخته:
لما يفوت الأوان كُل واحد هيعرف قيمة اللي كان موجود معاه كويس.
وصلت رسالة إلى هاتفه من يسري الذي أتم ما أمره به:
كل حاجة اتنفذت بالحرف، وحياة هانم العربية هتيجي تاخدها بالليل زي ما أمرت.
علقت غصة الوداع في حلقه ولكن ابتلعها بنبيذ كبريائه وغروره المخدر الأول لمشاعره التي تتحكم فيه.
انكمشت ملامحه ودخل الغرفة مشدوهًا مما رأه، ملابسه المبعثرة، جلوسها بالأرض، الزجاج المهشم بالأرض، لم يبقى شيئًا بمكانه.
اتسعت عينيه بدهشة ورهبة إثر قطرات الدم المنبثقة من قدمها.
اندفع إليها بلهفة صرفت أشباح جبروته ونواياه وسألها وهو يفحص قدمها:
أنتِ كويسة.. !
لم تجبه بل اكتفت بالصمت والانكماش حول نفسها.
ركض وأحضر علبة الاسعافات الأولية من المرحاض الفوضوي وعاد إليها ليضمد جرحها.
كانت هادئة مستسلمة تمامًا، لم يتحرك بها ساكن إلا عيونها.
أخذت تراقبه وهو يضمد جرحها بحنان بالغ وبحرص ألا يؤذيها.
رفع أنظاره الملهوفة نحوها:
مين عمل كده! أنتِ؟
ما انتهى من ضماد الجرح أحست بالميل له، أنها تريد أن ترتمي في حضنه لتشكو منه إليه.
أرادت إعادة ترتيب فوضاها وخراب قلبها بعناق طويل منه، نسيت أن الألم منه وباتت تبحث فيه عن الدواء.
كرر سؤاله بحدة بعد ما وضع علبة الإسعافات الأولية جنبًا وأخذ يتفحص الغرفة:
أنتِ ازاي تعملي كده، أنتِ اتجننتي!
ابتسمت بيأس:
ده بالظبط نفس اللي عملته فيـا! حولتني لعشة مهجورة هيخاف أي حد يقرب منها، زعلان أوي على هدومك وحاجاتك، معلش بكرة تجيب غيرهم، أما قلبي وروحي اللي أنت خربتهم مش في السوق يا عاصي بيه!
هز رأسه متفهمًا الحالة التي انخرطت بها، وثب قائمًا بصمت متجاهلًا الرد عليها ومتجاهلًا حنين قلبه لها، ولى ظهره ليغادر ولكنها هرولت خلفه بدون الاهتمام بجرحها وعاتبته:
أنت كده مبسوط بعد ما وصلت للي عايزه.. كده رضيت غرورك ورجولتك!
ثم دارت حوله وهي في حالة ذهول:
أنا أزاي صدقتك، وأزاي وثقت فيك كده! أنا اتخدعت فيك للدرجة دي، أنت عملت كل المسرحية الرخيصة دي عشان توصل للي عايزه وبس!
اندفع سيل الحزن من مقلتيها وهي تقف أمامه وجهًا لوجه:
هو سؤال واحد وبس، ليه عملت فيا كده! طيب كنت تستنى لحد ما أعرف أنا مين، وأوصل لأهلي؟ أنت رجعتني البحر ورميتني للسمك من غير حتى ما تسيب معايا سلاح أدافع بيه عن نفسي!
ثم حدقته بنظرات العتب:
أنت كسرتني أوي، أنا عمري ما هسامح يا عاصي.. عمري!
لم ينكر تأثره بالحالة التي وصلت لها ولكنه قرر أن يدافع عن رجولته أمامها:
أنتِ ليه محسساني إني ضربتك على أيدك! ما هو كله كان برضاكي!
حرقها بجمر الإهانة في صميم قلبها، قفلت جفونها لتسكب ماء الضعف وطاحت بوجهه بانفعال:
أنا مكنتش في وعيي.. العصير، العصير اللي شربته ده كان فيه حاجة.. بس، بس كل ده ماينفيش التهمة من عليك، لقيتني لقمة سهلة وقتها وقلت تستغل الفرصة، وأهي مش واعية بحاجة.. انا بكرهك، بكرهك يا عاصي دويدار، وهفضل كل يوم أجدد كرهي ليك على اللي أنت عملته فيا.
أغضبته إهانتها ونفورها منه للحد الذي اختلط فيه التبرير من التبجيح، بخ سمه بوجهها:
أنت أيه الدراما دي كلها! هي كانت أول مرة ولا أيه.
ثم اعتصر رسغها بقبضته القوية وأكمل بصوته الجمهوري:
متعيش في دور الضحية وتشيليني الليلة كلها، واضح أن الهانم ماضيها كان ما يسرش وجاية عندي ترسم دور ستنا الشيخة!
شُل تفكيرها لاستهجانه وسوء أدبه، طالعته بعيونها الذابلة والحامضة من البكاء:
أنا مش فاهمة حاجة، أنت بتقول أيه؟
دفعها بقوة على السرير فأرتطم كوعها بألم وصرخ عليها:
القدر كشف لعبتك يا خسارة وأنا اللي اتخدعت فيكي وفكرت أنك ممكن تكوني أم ولاد في يوم من الأيام.. اااه واللي حصل ده بجملة المحطات اللي عديتي عليها.
يبدو أن كل منهما سبب جرحا غائرا في قلب الأخر لا يداويه إلا الحب، الحب الذي لا يقبل اللوم ولا العتاب، لا يحمل إلا راية الشوق والغفران.
احترق كل منهما في نيران أفكاره وانساق وراء اتهامه للآخر دون ما يلتمس العذر أو يفسح مكانًا لغدر الزمن بقلوبنا.
مساءً
زي ما بقول لك كده يا ست هدير، والله عاصي بيه ردك لعصمته.
هلت إحدى الخادمات التابعة لهدير بتلك الجملة بعد ما تلقت نواح سيدة وحزنها على تلك الجميلة التي أحبتها.
وقفت هدير مشدوهة لا تدرك ما ستفعله، تفرح أم تحزن!
تخشى أن يكون هراء يبعثر عقلها أكثر، مزيج من الفرح والدهشة والقلق.
أخذت تقفز هنا وهناك ثم رمت الخادمة برزمة من النقود:
والله تستاهلي كل ده، خدي حلي بؤك، وارمي ودنك دي مع سيدة أد ما تقدري!!
الخادمة بفرح:
عيوني يا ستي.
ارتدت هدير "روبها" وهندلت هيئتها وقالت بصوت مسموع:
كده بقينا ضراير يا ست حياة، لازم أزف لك الخبر بنفسي.
بعيدًا في حي الجمالية
بأحد المساكن القديمة وصل "تميم" بصحبة "شمس" بعد ما استعانوا بأحد النجارين لفتح الباب القديم الذي ضاع مفتاحه.
ما أنهى النجار عمله دخل تميم ليفتش عما جاء لأجله.
قفلت شمس الباب وراءه وتفقدت المكان بحيرة ورهبة:
تفتكر هنلاقي اللي جايين عشانه!
رد بأمل:
الشقة دي فضلت ادور عليها سنين لحد ما وصلت، يمكن ده وقته يا شمس!
تقدمت خطوة نحو أحد الغرف ثم تراجعت متسائلة:
أحنا ممكن نلاقي فيران هنا!
صدرت منه ضحكة عذبة على براءتها وخوفها الواضح من الفئران ثم قال بمزاح:
ده فيران وتعابين وممكن تلاقي كائنات فضائية كمان.
تنهدت بارتياح ثم وبخته:
ممكن متهزرش في الحاجات دي، هيبقى موقف مش لطيف عشان بجد بخاف.
طيب خلاص خليكي جمبي وندور مع بعض في نفس المكان.
ثم رفع حاجبه مازحًا:
عشان ألحق الموقف من أوله.
تبسمت شمس مؤيدة فكرته وشرع الثنائي في البحث عن دليل قطعي كانت تخبأه أمه وأسرارها الدفينة عن قصر دويدار، غرفة وراء الأخرى حتى المطبخ لم ينج من بحثهم وتفتيشيهم المتواصل.
عثرت شمس على صندوق بأحد ضُلف المطبخ فصاحت بفرحة:
تميم أنا لقيت ده!!!
تحرك تميم إليها وقال بأمل:
هو ده اللي بندور عليه.
عودة إلى قصر دويدار
مرت الساعات خاصة بعد ما فجرت هدير قنبلتها في وجه حياة التي لا حول لها ولا قوة.
عزمت حياة أن ذلك ليس مكانها ولا ملجأها وأن وجودها هنا إهانة لها ولذاتها.
أحست بالدنوء والظلم والإذلال، وأنها أصبحت فتاة ليلية لا تختلف عن ضحاياه كل ليلة.
ارتدت بنطلون أسود وسترة سوداء وقررت الرحيل وهجر عرين الأسد والتخلص من قهره.
قفلت الباب بحذر وتسللت بخفة كاللصوص.
أكلت خطاوي الأرض بسرعة هائلة، كانت تراقبها عبلة من أعلى وهي تشيعها بنظرات النصر:
وأخيرا خلصنا منك يا ست حياة!
على المقابل وصلت السيارة التي ستنقل حياة إلى الغردقة، لتغادر حياته بلا عودة.
وصلت حياة إلى الباب الخلفي وهي تفحص المكان وراءها جيدًا.
أخذت تتوارى وراء الجدران كي لا يراها أحد فيفسد مخططها في الهرب.
كانت هناك أعين خف تتبعها برهبه وخوف، تتبع خريطة هروبها حتى أجرت مكالمة هاتفية سريعة ثم أكملت تتبع مسار "حياة".
قطعت مساحة كبيرة من الحديقة الخلفية حتى وصلت إلى جراج اسطول سياراتها في اللحظة التي كانت تفحص المكان خلفها ولت وجهها لتصطدم بعيونه الصقرية وهو يسألها:
على فين؟؟؟!!!!
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم نهال مصطفي
بالخارج وصلت السيارة التي ستنقلها إلى الغردقة، لتغادر حياته بلا عودة.
وصلت حياة إلى الباب الخلفي وهي تفحص المكان وراءها جيدًا، أخذت تتوارى وراء الجدران كي لا يراها أحد فيفسد مخططها للهروب. كانت هناك أعين خفية تتبعها برهبة وفضول، تتبع خريطة هروبها حتى أجرت مكالمة هاتفية سريعة ثم أكملت تتبع مسار "حياة".
قطعت مساحة كبيرة من الحديقة الخلفية حتى وصلت إلى جراج أسطول سياراته، في اللحظة التي كانت تفحص المكان خلفها ولّت وجهها لتصطدم بعيونه الصقرية وهو يسألها:
- على فين؟
فرغت فاها في ذهول وتهتهت:
- أنا، أنا كنت...
ثم رفع حاجبه بفظاظة منتظرًا ردها. تراجعت خطوة للوراء كي تتخلص من دخان أنفاسه الحارق وقالت بتمرد:
- وأنت مالك! عايز مني إيه تاني وبتراقبني ليه؟ ومش عملت كل اللي عايزه؟ في إيه تاني؟
- هو الطبيعي لما أسأل سؤال يترد بسؤال؟
ذبحته نظرتها الحادة ذبحًا وهي تقول بشيء من السخرية:
- الطبيعي اللي بجد إن مبقاش ليا وجود هنا بعد اللي حصل. اااه وبعد ما رديت مراتك.
ثم نغزته بأصبعها في صدره وقالت بعتب وحرقة:
- تعبت نفسك أوي في مسرحية رخيصة يا عاصي بيه.
أخذت نفسًا طويلًا ثم أكملت:
- ااه هجاوبك على سؤالك.
دنت نحوه أكثر حتى باتت كلماتها تصطدم بملامحه الحادة، وأردفت بتحدٍ:
- كنت بهرب منك ومن وجودك في حياتي، وجودك اللي بقى زي الكابوس على قلبي. أنا بقيت بتخنق لمجرد إننا بنتفس نفس الهوا في مكان واحد.
ثم صاحت ببكاء وأعلنتها صريحة:
- وجودك بيخنقني.
عادت نبرتها لحالتها المحترقة وشنّت حربها الباردة عليه:
- وأنت لو راجل وبتحس هتسيبني أمشي وتحفظ اللي باقي من كرامتك!
كان لحربها الباردة وقعًا على قلبه أحر من قنبلة موقوتة. هو صاحب قرار ذهابها ورحيلها من حياته بلا رجعة، ولكن الأمر تحول عندما بات هجره رغبتها. لم تُخلق امرأة بعد لتخدش كبرياءه وتود البعد عنه بإرادتها. تولدت جميع الأفكار برأسه ولكنها لم تكن إلا حجج قلبه المتسربة إلى ذهنه.
ظلت ترمقه منتظرة مصيرها أمامه برتابة حتى أجابت يده القابضة على رسغها وجرها خلفه بقوة. لم يمنحها فرصة للتأوه بل بات تركيزها في السرعة التي يشدها بها وكيف ستواكبه. وصل إلى السيارة المصفوفة أمام البيت وأشار بريحه العاصفة للسائق أن يهبط من السيارة. فتح الباب بيمينه ثم دفعها بالداخل. شرعت أن تثثرثر بوجهه ولكنه ألجمها بقسوة:
- مش عايز أسمع نفسك.
رزع الباب بقوة ثم خطف مفتاح السيارة من السائق وصعد مكانه وتولى مهمة إقصاءها عن القصر بنفسه وهو لا يعلم إلى أين سيأخذها وما عاقبة أفعاله الماجنة!
خرج بسرعة فائقة من القصر حتى كادت أن تصطدم رأسها. هو يتهمه:
- أنا إزاي مخدتش بالي إنك مجنون ومحتاج تتعالج!
التزم الصمت المحشو بالصخب، وتولت هي مهمة النقر فوق رأسه كطائر عنيد مثلها. زفرت بضيق لأنه لم يعرها أي أهمية حتى ختمت ثرثرتها بخوف:
- أنت عايز مني إيه؟
كانت نبرتها توحي بالضعف والاستسلام. فرغت كل غضبها بالتبذير في وصف كرهها إليه، حتى لانت فجأة متخذة طريق الهزيمة ربما يرقق قلبه. صهرت نبرتها الطفولية جليد قسوته فلم يعد يتحمل أكثر حتى انفلت منه زمام القيادة وأوشك أن يصطدم بأحد الأعمدة بالطريق. ما بين صراخها وفزعها وشحناته المتضاربة التي أفقدته السيطرة على نفسه قالت:
- أنت مش طبيعي، والله ما بني آدم طبيعي!
ثم حاولت فتح باب السيارة كي تفر منه وتنقذ ما تبقى من حياتها.
أدار السيارة بسرعة بعد ما أخذ قسطًا من الراحة نحو وجهته. تعبت من كثرة الجدال الفارغ فاستسلمت منتظرة نهايتها معه. مرت الساعة طويلًا حتى وجدت نفسها بأحد المنتجعات السكنية التي تنتمي للطبقات العليا حتى صف سيارته أمام بناية سكنية تنتمي لأملاك دويدار. هبط من سيارته ثم اندفع نحوها بعد ما جذبها بنفس الطريقة التي أدخلها بها، وجرها كما تُجر البعير إلى الدور الثاني بالمبنى. وقف الثنائي أمام إحدى الشقق فسألته:
- إحنا هنا بنعمل إيه؟
فتح الشقة وأدخلها مرغمة ثم قفل الباب خلفه وقال بصورة قطعية:
- هتقعدي هنا!
وقفت أمامه معترضة:
- أنا عايزة أرجع الغردقة، رجعني مكان ما لقيتني!
- البحر!
حدقته باحتقار:
- هيكون أحن عليا من جبروتك! أنت مستحيل تكون بني آدم زينا.
تنهد بمرارة ليحرق قش إهانتها المنثور بوجهه وقال متأهبًا للذهاب:
- مش عايز الجيران تشتكي منك!
قرأ الخوف بعيونها:
- أنا هقعد هنا لوحدي؟
- على الأقل أهون من الشارع اللي كنتِ هتروحي له.
ثم ولى ظهره كي يغادر ولكنها أوقفـته بعيونها الدامعة:
- أنت بتعمل معايا كده ليه!
نطق قلبه الجواب وهو يخفق بجملة "لأني أحببتك، وجاء الوقت لتدفعين ثمن إخضاع قلبي لسلطان العشق مرة أخرى. هذه عقوبتك على ما أرغمتني عيناكِ عليه".
خرج وقفل الباب بإحكام. ومع صوت دقات المفتاح أعلنتها صريحة وهي تضرب الباب بقلة حيلة. تهدج صوتها لتغلبها دموعها:
- هفضل أكرهك وأكره البحر اللي جمعنا لأخر يوم في عمري.
***
"في حي الجمالية"
جرت "شمس" الصندوق الكبير بصعوبة مع إصدار تنهيدات التعب حتى وصلت لأقرب مقعد. جلست كي تستريح وما أن تبادل الثنائي النظرات حتى اتفقت الأعين على فتحه.
رفعت شمس سطح الصندوق فرأته مكدسًا بالعديد من الأشياء. بدأت الفرز بملابس طفولته التي احتفظت بهم والدته. أخذت تشاهده بفرحة شقت طريقًا إلى قلبه، وانبهارها الطفولي بجمالهم. ثم مدت يدها لتتناول صورة لأمه وأبيه ويتوسطهم الطفل الرضيع الذي لا يتجاوز العام من العمر. شهقت بإعجاب:
- الله! دي مامتك؟ أنت شبه مامتك أوي، مأخدتش ولا حاجة من باباك، شوف!
أخذ الصورة منها وتأملها بنظرات الحنين لأمه وتمتم:
- ألف رحمة ونور عليها، وحشتني أوي.
تفهمت حالة الشجن التي أصابت قلبه ثم غيرت الموضوع سريعًا وهي تفتش بداخل الصندوق:
- شوف لقيت إيه كمان.
فتحت العلبة الصغيرة فوجدت طقمًا من الألماس وبداخله رسالة نصية. لم تقرأها شمس بل مدتها له وقالت:
- اتفضل!
سألها بتعجب:
- ما تفتحيها.
- واضح إنها رسالة من مامتك، وحاجة تخصك أنت.
تناول الرسالة منها وفتحها كي يقرأ ما بها حتى ارتسم على وجهه ابتسامة ساحرة أثارت فضولها عما تحويه الورقة. طوى الورقة مرة ثانية وأخذ العلبة القطيفة من يدها وبعد ما تفحص تفاصيل العقد العريق وذهنه يسترجع محتوى الرسالة:
"حاسة إني مش هعيش لليوم اللي أشوف فيه عروستك، الهدية دي كانت شبكتي وهدية أبوك ليا، وأنا معنديش أغلى منك ومن مراتك عشان تلبسه. العقد ده تديه للبنت اللي هتخطف قلبك يا حبيبي." (مديحة عبدالسلام)
تحفظت شمس بفضولها ثم كملت تفتيش بالصدوق حتى أخرجت دفترًا مكتوبًا بخط اليد ووجدت بداخله ورقة. فتحت الورقة واطلعت على ما فيها وقالت:
- ورقة جواز مامتك وباباك الأصيلة، وشهادة ميلادك.
شد الورق منها وقارن التواريخ حتى قال:
- الفرق بين ورقة الجواز وشهادة الميلاد حوالي سنتين! ودي الحقيقة اللي حاولت تخفيها عبلة عشان تطلعني ابن حرام. بس في حاجة غريبة.
- إيه هي؟
- مش دي شهادة الميلاد اللي معايا، واضح إنها أجبرت أبويا يطلع لي شهادة تانية بتاريخ سابق عن اليوم ده!
شردت شمس للحظات:
- طيب هي تعمل ليه كده؟
- هنشوف، كملي يا شمس يمكن نلاقي دليل.
أخذت تفتش في الأوراق التي تثبت ملكية وورث أمه في أملاك دويدار. عقود لأراضي ومباني باسمها لا يعلم عنها شيء. أخرجت شمس ورقتين لشهادتين ميلاد باليتين. فتحت الأولى الذي يعود عمرها لأربعين سنة فائتة باسم "محمد عبدالعظيم دسوقي". رفعت حاجبها بتعجب:
- مين ده؟
فتحت الورقة الجديدة حتى تحول تعجبها لصدمة وهي تردد الاسم عدة مرات سرًا حتى صاحت بذهول:
- "تحية مرزوق خليفة الأسيوطي". شهادة ميلاد عمتي بتعمل إيه هنا!
ترنح تميم في مقعده وقال:
- عمتك إزاي؟
- وبابا اسمه شرف الدين مرزوق خليفة الأسيوطي!
ثم أعطته الورقة بتلقائية:
- حتى شوف!
ثم طالعت شهادة الميلاد الأولى فتضاعفت دهشتها وهي تقول بفم مذموم:
- تميم، دي طلعت أم الطفل في الشهادة اللي معايا!
امسكت برأسها تحت تحير تميم وفوضى رأسه:
- أنا دماغي هتنفجر، في حاجة مش مظبوطة هنا. وإيه جاب الورق ده كله في صندوق خاص بمامتك!
طبق تميم الورقة بيده:
- أكيد ليهم علاقة ببعض، في لغز كبير في الموضوع وأنا عارف هلقى حله فين!
***
"صباحًا"
قضت "عالية" ليلتها في الصراخ حتى اختنق صوتها واستسلمت للصمت. فتح مراد الباب حاملًا مائدة الإفطار بين يده وقال:
- يلا عشان تفطري يا عالية.
نهضت من مكانها معترضة:
- والله! أنت لو مربي كلب كنت هتعامله أحسن من كده!
وضع المائدة على طرف التسريحة وقال بهدوء:
- أنتِ اللي أجبرتيني على كده!
أطلقت ضحكة ساخرة:
- ااه، سيبنا من المصايب بتاعت البيه، وندخل في جو قلب الترابيزة ده بتاع كل الرجالة.
ثم دنت منه مشيرة بسبابتها:
- بس للأسف ده بتاع الرجالة الضعيفة يا مراد، اللي تعرف تعك لكن ما تعرفش تواجه.
ثم صرخت بوجهه:
- عشان كده أنت ما ينفعش تبقى جوزي. ولو سمحت كفاية لحد كده وبطل لعب عيال ده وسيبني أروح برضاك وإلا ههد الدنيا كلها فوق دماغك!
انخفضت نبرتها باشمئزاز:
- روح شوف واحدة غيري تربية كباريهات تليق بيك.
رمقها من أعلى لأسفل بمقت وقال:
- افتكرتك أذكى وأعقل من كده يا خسارة يا عالية.
- والنبي مش وقت حكم ومواعظ، هي كلمة واحدة خرجني من هنا يا مراد.
أومأ بعناد:
- وشكلك معرفتيش مين هو مراد المحلاوي يا عالية، ولو كنت اتخدعتي في وش الطيبة بتاعي ده بس عشان فكرتك واحدة مختلفة وهتفهميني، لكن أحنا فيها وجيه الوقت اللي أصلح فيه غلطي!
ضربته بكلتا كفيها على صدره:
- أنت اتجننت! أنا مش عايزة أعرف أي حاجة، أنت ماتفرقش معايا يا مراد، عشان كده بقول لك اتقي شري وجناني وخرجني من هنا!
قبض على معصمها بقوة مي تكف عن ضربه:
- أنتِ مراتي وتحت طوعي، وجو الجنتلة واسيبك على راحتك ده شيليه من دماغك خالص، وبلاش جنان يا عالية يجبرني على أفعال نندم عليها أحنا الاتنين.
تركها ثم أخذ هاتفها الذي نفذت بطاريته وقال بتحدٍ:
- المرة دي مش هقفل عليكي الأوضة، الشقة كلها بتاعتك لما تعقلي كده وحابة نتكلم زي الناس الطبيعية هسمعك، لكن الهبل ده واسيبك تشوهي صورتي بره قدام أهلك مش هسمح لك بيه يا عالية!
رمى قذيفة كلماته ثم غادر هاربًا من غضبه الجامح الذي فجرته بقلبه. خبط الباب الأساسي وراءه بقوة ثم توقف للحظات قال لنفسه فيهم:
- أنا عارف مين ورا الألاعيب الرخيصة دي. ياويلك مني!
***
دخلت "عبلة" المكتب على "عاصي" الشارد والذي قضى ليلته يتنقل من مقعد لمقعد يفتش عن شبح النوم الذي هرب عندها. قفلت أمه الباب ورائها وهي تجلس بجوار مكتبه:
- تصدق أنا من فرحتي مكنتش عارفة أنام الليلة دي.
نزل ساقه الممتدة فوق سطح المكتب بكلل وقال بجحود:
- خير؟
- إنك مشيت البنت دي وخلصنا منها. أف يا عاصي هم وانزاح عن قلبي.
لم تلق منه ردًا فأكملت:
- عاصي أوعى تفكر ترجع لها ولا ترجعها حياتنا تاني، خلينا نفوق لمستقبلنا وشغلنا، اللي جاي عايز تركيز.
رد بإيجاز:
- تمام، موضوعها خلص أصلًا.
هلت عبلة بفرح:
- أنا قلت كده، دي مجرد نزوة في حياتك، عاصي ابني حبيبي أعقل من كده؟
طوى عنها الموضوع الغارق فيه وقال بملل:
- كنتِ عايزة إيه؟
- عرفت أن تميم أخوك راح شقة الجمالية بتاعت أمه بالليل!
انعقد حاجبيه بغرابة:
- لا ليه! استنى هنا، مش قلتي إن العمارة دي وقعت!
ارتبكت عبلة من مكانها بقلق:
- أصلو اضطريت أقول كده. خفت أحسن يلاقي حاجة مخبياها اللي اسمها مديحة دي، ويفضل يدور ورانا وتكون وقعتنا على إيدين واحد زي تميم!
فكر عاصي قليلًا:
- طيب وإنتِ مدورتيش في الشقة دي قبل كده!
زفرت بشك:
- قلبتها مالقتش أي حاجة، شوية عفش قديم اللي فيها.
عاصي باطمئنان:
- تمام، أنتِ إيه اللي مخوفك!
- مش عارفة يا عاصي قلبي مش مطمن، والواد ده مش هيبطل يفتش ورانا، خايفة أحسن يكون وصل لحاجة.
شرد عاصي طويلًا متذكرًا جملة سابقة أخبرته بها حياة بعد ما خاض جدالًا طويلًا معها يشاكسها، ولأول مرة أعلنت هزيمتها أمامه ولكنها أرادت الانسحاب من مكره بشموخ:
"الحرب لا تحدد من هو صاحب الحق، وإنما تحدد من تبقى."
لوحت عبلة بوجهه:
- بكلمك، روحت فين؟
تنهد باستسلام:
- صاحب الحق مش هيبطل يدور عليه، ومهما خفينا الحقيقة مسيرها تظهر للعالم زي الشمس!
أحست عبلة باستسلامه وثارت بوجهه:
- أنت بتقول إيه! لا فوق كده وأعرف المصيبة اللي هتقع فوق راسنا لو أنت مافتحتش عينيك واتغذيت بعدوك قبل ما يتعشى بيك.
هدأت نبرة صوتها المشحونة وهي تقترب منه وتربت على كتفه:
- عاصي، تميم لو قامت له قومه هيدفنا كلنا وأولهم أنتَ.
وثب قائمًا كي يفر من النار التي فتحتها أمه بوجهه وقال:
- هغير وأروح الشركة في اجتماع مهم النهاردة.
بعد ما بث الخوف والقلق في قلبها تركها في جوف النيران تحترق. ضربت كف على الآخر:
- شكلك ما يطمنش يا عاصي، المركب دي أنا اللي بنيتها ومستحيل اسمح لها تغرق.
وصل عاصي إلى غرفته فوجد "هدير" تتوسط فراشه، مرتدية ملابس خفيفة. كانت دعوة صريحة منها للفتنة. جرى الغضب بعروقه مجرى الدم وهو يسألها:
- أنتِ هنا بتعملي إيه؟
تغنجت بذراعها البضة المرمرية واقتربت منه خوداء مروضة:
- حبيت أعملك مفاجأة وأقولك إن قلبي بيحس بيك قبل ما تندهلي.
بعد يدها الثقيلة على قلبه عنها بسخرية:
- إيه الجنان ده؟
ضحكت بدلال:
- بلاش أسلوبك ده، أنا خلاص عرفت إنك رديتني لعصمتك.
رفع حاجبه بغرابة:
- والله! عرفتي إزاي بقا؟
- مصادري الخاصة يا عاصو!
شعر بالاشمئزاز منها ومن دلالها إليه:
- اتأكدي من مصادرك كويس؟
ركضت خلفه لازقة في ظله بصمغ:
- حتى لو قولت لك مصدري القيادة العليا في قصر دويدار، عبلة هانم المحلاوي!
تفحصت ملامحه بعيونها الكاشفة لحقيقة لعبلتها التي كشفته. زفر بضيق وهو يبعدها عنه:
- طيب انزلي أوضتك يا هدير، ومش عايزك تعتبي الأوضة دي تاني!
- ياسلام! ليه إن شاء الله؟
دار إليها متمايلًا على أذانها مما أوحى لها بقربه حتى ألجمها بكرباج اعترافه:
- عشان كل ركن في الأوضة فيه ريحتها.
عاد قلبها المنتفض في حضرته خائبًا مخذولًا:
- إيه؟
نصب قامته الشامخة:
- اللي سمعتيه، أنتِ مراتي لحد ما تولدي وبعد كده عايز أسمع عنك كل خير يا هدير!
أجابته بخيبة مريرة:
- يعني أنت رجعتني عشان اللي في بطني وبس!
- أومال عشان جمال عيونك! للأسف غلطتي وبصلحها.
نشجت في صمت:
- بس أنا ليا حق فيك!
- والله أنتِ اللي قابلة الوضع ده وموافقة عليه، استحملي.
***
"بالأسفل"
صوت طرق الباب تحمس له كلًا من تميم وشمس. صاحت بنبرة مرتعشة:
- تعالي يا سيدة.
فُتح الباب فظهرت منه نوران المنتفضة. بللت حلقها ثم قالت:
- شمس عايزاكي.
رمقت تميم بنظرة تعجب:
- مالك يا نوران، وشك مخطوف كده ليه؟
شدت نوران أختها إلى شرفة الغرفة لتخبرها، أخذت تحك كفيها بضجر:
- اسمعيني يا شمس، بس ورحمت جدتك اسمعيني للأخر.
- قلقتيني يا نوران، في إيه انطقي؟
- امبارح بالليل شفت اللي ما تتسمى هدير دي خارجة من الأوضة عند حياة.
تترقب حزنها المسافر على صفحات ملامحه وقالت لأختها:
- وبعدين.. احكي.
- بعدها حياة نزلت وكانت بتعيط وبتجري. روحت وراها خفت القنبلة دي تعمل فيها حاجة، ولما الخوف والقلق زادوا أجبرت أكلم عاصي بيه يلحق حياة.
تراقب أختها التي تتأريج على بنادول الساعة:
- أنتِ إزاي تعملي كده، وأصلا انتِ مالك باللي بيحصل هنا!
- المشكلة مش هنا، المشكلة إن حياة اختفت من القصر، عاصي بيه أخدها بالعافية وخرجوا، ولما رجع كان لوحده. أنا قلقانة أوي يا شمس، هو ممكن يكون قتلها!
كانت مطرقة ذاهلة:
- بصراحة مش عارفة! بس فعلًا ما رجعتش معاه ليه؟ يا ترى وداها فين!
وعندما رأت سيدة جاءت الغرفة، قالت بسرعة:
- ارجعي الأوضة أنتِ وأنا هاجي لك.
مشت نوران مطرقة الأنظار حتى لن ترمي التحية على تميم. قفلت شمس الباب وراء أختها حتى شرع تميم بالحديث:
- اقعدي يا سيدة.
جلست سيدة، وانضمت شمس إلى مجلسهم. بدأ تميم مفتشًا عن حل اللغز الذي يشغله:
- أنتِ بتشتغلي هنا ليكي كام سنة!
سيدة بفخر:
- ليا ٤٠ سنة، من وقت ما سي عاصي كان حتة لحمة حمرة.
- يعني كنتِ تعرفي مامت تميم من زمان!
ابتسم ثغر سيده كأنها تذكرت أمرًا هامًا:
- طبعًا، كانت هي وأمها شغالين معانا في الفيلا القديمة، وكان سي شهاب دويدار روحه فيها. أنا شوفت قصة الحب اللي مابينهم خصوصي لما الست جدتك اتوفت يا تميم بيه. مكنش ليها في الدنيا كلها غير البيه الكبير. اااه كانت أيام حلوة والله.
نظرت شمس إلى تميم ثم هرولت بالسؤال التالي:
- تعرفي واحدة كانت شغالة معاكم اسمها تحية.
فكرت طويلًا:
- اللي أعرفه إن قبل الست مديحة وأمها، عبلة هانم غيرت كل الخدم وجابت غيرهم. بس اسم تحية ده لا معرفش، يمكن كانت ضمن الخدم القدام. هو في حاجة يا دكتورة!
رد تميم:
- أبدًا يا سيدة، بندردش معاكي بس.
اندفعت شمس قائلة:
- طيب متعرفيش حد من اللي كانوا شغالين هنا قبلك!
فكرت سيدة طويلًا:
- افتكر إن الحج حسين اللي جابلي الشغل هنا لسه عايش، كان شغال جنايني هنا، ممكن يفيدكم أكتر مني.
تعـلقت شمس في جملتها بأمل:
- طيب معاكي عنوانه أو رقمه، نوصله إزاي!
- لا إزاي دي مش عارفة، بس أديني يومين أشوف وأقولك.
شمس برجاء:
- أهم حاجة السرية يا سيدة، خليكي حريصة!
فرحت سيدة بالمهمة الجديدة:
- حطي في بطنك بطيخة صيفي، أنا شوفت مسلسل رأفت الهجان وهو خايف حد يقفشه، أنا هعمل زيه كده وإن شاء الله منصورين يا بيه.
ما كادت أن تغادر ولكنها توقفت وأخرجت زجاجة دواء:
- ست شمس، أنا لقيت العلبة دي في المطبخ تحت. ده دواء إيه، أصلو يشبه دواء الضغط بتاعي.
قرأت شمس اسم الدواء ثم جحظت ذاهلة:
- دي حبوب هلوسة!! إيه جابها المطبخ!!!!
***
- أنتِ بأي حق تتدخلي في حياتي بالشكل ده وتبوظيها!
اقتحم مراد نادي الجزيرة على الطاولة التي تجلس عليها أمه. وقال جملته مفرغًا شحنات الغضب المكدسة بجوفه. تركت جيهان كوب القهوة وقالت بفظاظة:
- قول صباح الخير الأول! ولا هو على رأي المثل قاعدين يكفي شر جايين!
ضرب مراد على سطح الطاولة بضجر:
- الحركات النص كوم دي مش عليا، ولاخر مرة بحذرك ابعدي عن سكتي وحياتي يا جيهان يا محلاوي.
ثارت جيهان بوجهه:
- أنت شكلك نسيت نفسك ولا إيه!! هي البنت دي كمان هتقلبك عليا؟ لا يا حبيبي فوق معاش ولا كان اللي تيجي تأخذ مني ابني. ده أنا أنسفها من على وش الأرض.
هز رأسه متفاهمًا ومتأكدًا أن أمه وراء كل ما حدث. وقف أمامها رافعًا رؤية التحدي وهتف:
- مش عشان تحققي أحلامك تدخلي في حياتي بالأسلوب ده وكمان تشوهي صورتي، وتبعتيلي لي بنت رخيصة ولا تسوى!!
جلست جيهان على مقعده مرة أخرى ووضعت الساق فوق الأخرى وقالت بنبرة قائد انتصر في معركته:
- عشان أنا عايزة مصلحتك ودي الطريقة الوحيدة اللي هتبعد اللي اسمها عالية دي عن سكتك لأني اكتشفت إنه لا وراها أبيض ولا أسود. أنا أمك وخايفة على مصلحتك.
رفع سبابته محذرًا:
- وأنا بقولها لك ابعدي عني وعن حياتي. وبعدين أنت لسة فاكرة إنه عندك ابن بعد السنين دي كلها بعد ما شبعتي من عز دويدار وأولاده!!
- أنت هتنسى نفسك ولا إيه؟
- لا أنا هنا جاي عشان أفكرك أنت، لأن واضح أنت اللي نسيتي نفسك ونسيتي إزاي رميتي ابنك الكبير لأبوه جده وإنتي ما تعرفيش عنه أي حاجة، وجاية الوقتي ببساطة تتدخلي في حياته بحجة أنه ابنك!! لا، مش هيحصل.
ثم ضرب الطاولة بقدمه الحديدية:
- فاهمة! مش هيحصل!!!
***
تحجج عاصي بالمهام المتكدسة فوق رأسه التي تخلى عنها برمته ليسري. أخذ يتجول الطرقات والشوارع الهادئة ولكن لم يهدأ صخبه بعد. ساعات طويلة لم يتذكر فيها حتى فنجان قهوته المهم بيومه. على ما يبدو أن سحرها فاق سحر قهوته. لاجئ تائه لا يجد مكانًا يأويه كعصفور خانه غصن الشجر الذي اتخذه مأوى فتساقطت أوراقه. صف سيارته وأشعل سيجارته وأخذ يحاور رأسه:
"انتهت سنوات التجبر والنعيم، وحل وقت عودة الحق لأصحابه. لا أنكر كم سعيت للحفاظ على شموخ مجدي، كنت أخشى تخيل فكرة خسارة طوبة واحدة منه، والآن وخاصة بعد ما وجدتك ووجدت كنزي الحقيقي وليت ظهري عن الدنيا، أصبحت لا أريد منها إلا زُرقة عيناكِ الغارقة، وسن سيف أهدابهم القاتلة. عاهدت الجميع ونفسي على أنني طويت صفحتك للأبد، لكني اختنق، وتختنق روحي، أشعر وكأن لم يتبق بالعمر إلا دقائق والعجيب أردت أن أقضيهم معك."
غمض عينيه الحائرة التائهة وهو يتذكر الليلة التي أسكنتها في قلبه للأبد، عندما وصل للحد الذي لا يوجد منه رجعة معها. استأذنها بعيونه التي لا تعرف الأذن قبل أن تطرق قلب أي امرأة قبلها. كانت الأولى التي اختصها بالسماح للعبور إلى قلبها قبل امتزاج بحرين حبهما الذي لم يظهر للعلن بعد. لم ينس الجملة التي همست بها في جوف سكرها وسُكرها بنشيج خافت، وبين نصب وضم أحاسيسها وكسر جفونها الفاتنة:
"-ما الذي قالته عيناك لِقلبي فاستَجَاب؟!"
نهض من غيبوبته كالملدوغ بعدما عثر على ملجأه بعد سويعات التيه. شغل سيارته بسرعة وانطلق بسرعة الصاروخ حتى انطفأ أمام البناية التي تسكنها. نزل من سيارته مسرعًا متجهًا إليها.
أما عنها اشتدت بها حالة الجوع، فأخذت تقلب في الثلاجة الفارغة لتجد ما تأكله ولكن بدون فائدة. فتحت المبرد فوجدت كيسًا مجمدًا من البطاطا سريعة القلي، خبز تراكم الثلج فوقه. تناولت ما وجدته ووضعته بالفرن كي يدفأ، حتى سمعت صوت مفاتيح تعلن قدومه. قفلت الفرن الكهربي وتوجهت إليه بنيران غضبها، صرخت بوجهه:
- أنت جيت ليه؟ جيت عشان تشوفني عايشة ولا ميتة! متقلقش مش هموت دلوقتي قبل ما أدفعك التمن غالي أوي على اللي عملته فيا.
ركل الباب بقدمه ثم طوق خصرها بغتة وجذبها إليه بقوة دون التفوه ببنت شفة. اتسعت عيونها وتجمد كيانها. ثرثر لسانها ببقية الكلمات المحشوة بفمها ولكن عقلها وقلبها فقدا للتو:
- هدفعك التمن غالي، فاكر إني هنسى اللي عملته فيا، أنا أنا هفضل أكرهك طول عمري! عمري ما هسامحك!
انصتت لصوت قلبه الهائج وأنفاس الحارقة التي تأكل في كتفها. ضمها إليه أكثر وكأنه اعتراف صريح منه بأنها خُلقت من ضلع الأمان بصدره لذا فهو بين يديها الآن. بلل حلقها الذي لم يتخيل صاعق الحدث وقالت بنبرة ضعف:
- أنت جيت تاني ليه! متطلبش مني السماح، لأني عمري ما هسامحك.
اكتفى بالوشوشة في أذنها كي تصمت:
- أشششش.
رضخت لطلبه وخانتها يدها لتطوقه ولكنها تراجعت في آخر لحظة مستكينة بين يديه. فرغ غضبه بها حتى نصب قامته وجذبها برفق ليجلسا على أقرب أريكة. جلست وجلس الآخر بجوارها. وجدته يتخذ من ساقيها وسادة لرأسه وهو يقول:
- أنا ما نمتش من امبارح، وعايز أنام.
قفل جفونه وغربت شمس غضبها وهي تتأمله وتتأمل ملامحه النائمة بسكن طفل عثر على أمه للتو. تريد أن تتغلغل بداخله لمعرفة الجزء الممزق وتزرع فيه أزهارًا. أخذت أناملها تداعب جدائل شعره بدون إدراك منها حتى اطمئن ثم نام بعمق.
"حينما أجاورك أشعُر بأني بالمكان الصحيح الذي يبتعد عن كُل شوائب وخراب هذه الحياة، المكان الآمن الذي تطمئن رُوحي بالبقاء به دائمًا."
استسلمت لإرادته ولمطلبه ووفرت له الهدوء والسكن كي ينعم بنوم هادئ. استغرق نومه قرابة الأربع ساعات حتى تفتحت عيناه على لمساتها الساحرة التي لم تكف عنها حتى بعدما خاصت في النوم. اعتدل في نومته ثم حملها برفق ووضعها على الفراش بغرفته وشد الغطاء فوقها ثم طبع قبلة رقيقة فوق جبينها وغادر بعدما طوى مشاعره المشتعلة للبقاء بجوارها.
***
"صباح اليوم التالي"
في حديقة القصر.
بعد ما جاءت مكالمة مجهولة لعبلة، أخذت تترقب بعينيها الحاقدة والناقمة "تميم" الجالس على طرف المسبح يقرأ كتابًا في مجال الأدب الذي يفضله، صفحة وراء الأخرى تطوي بين سطورها أذهانه وتسارع ضربات قلبه تارة وأخرى تهدأ. فارقت "عبلة" الطاولة التي كانت تجلس بجوارها واقتربت منه حتى وقفت خلفه عاقدة ذراعيها أمام صدرها وقالت بخبث:
- مش كفاياك كذب وتمثيل! ووقف المسرحية البايخة بتاعتك دي؟
كان لصوتها أثر الصاعقة التي تتصدع لها الآذان. قفل الكتاب بكلتا يديه محدثًا صوتًا مسموعًا وقال بجزع:
- أهو بنتعلم منك يا عبلة هانم!
زفرت باختناق ثم هتفت بسخرية:
- لا إزاي! دا أنت أستاذ ورئيس قسم!
ثم مالت إلى أذانه هاتفه بنبرة كفحيح الأفعى:
- قبل ما دماغك توديك كده ولا كده، اعرف حجم خصمك الأول، وعبلة المحلاوي لحمها مر أوي!!
التوى ثغره ببسمة ساخرة وتلاقت عيونهم الثائرة في ساحة الحرب الصامتة الدائرة بينهم ورد بـ مضض:
- الله يكون في عون الكلاب اللي هتاكلها!
انتصبت قامتها بعد ما بدأ شبح الخوف يطوف بمقلتيها وقالت بتوجس:
- ولا تقدر تعمل حاجة!! أنت فاكر نفسك مين! اللي كان عايز يعمل كان عمل من زمان، لكن أنت فضلت العجز.
- الهدنة مش نهاية الحرب، دي فترة من الاستعداد والتجهيز عشان نرجع أقوى!! فبلاش تستعجلي وتحطي نتيجة وهمية من دماغك، هتتفاجئ بعدين!
- أحنا ممكن نوفر ده كله ونتفق، لأن المفاجئات بتجنني وبتخليني أفقد السيطرة وممكن أنت اللي تزعل بعدين!
عض على كبريائه وحزنه؛ وتفوه بضجر كظيم:
- لابد من ماتش اعتزال لأي لاعب محترف! واللي عمله في شبابه مش هيتكرر، مهما حاول وسعى! وأنت دلوقتي مكانك على الدكة يا مرات أبويا.
ثم رفع أنظاره إليها:
- قتلتي أمي، وحاولتي تقتليني أنا كمان. إيه أنتِ ما بتعرفيش غير القتل!
رفعت حاجبها باختناق لفشلها السحيق وقالت بتوعد:
- المرة دي هخليك تستناه وتتمناه يا تميم.
ثم رفعت أنظارها نحو الشرفة التي تراقبهم منها شمس بعيونها الفاحصة والقلقة. اهتز الكوب الذي تحمله بين راحتي كفها عندما صوبت أسهم النظرات إليها، فأيقنت أن الحديث انحرف إليها وباتت محور كلامهم. شق سيف الانتقام ثغرها وقالت عبلة بنبرة مهددة:
- المرة دي هاخد كل اللي حوليك، هخليك عايش لوحدك لحد ما تتجنن، هتبقى الحياة بالنسبة لك قبر، هيوحشك صوت البني آدمين.
رفع حاجبه مستمتعًا لتلك المعركة الشيقة وسألها:
- يا أما؟
صمتت لدقيقة أخذت فيها نفسًا طويلًا وقالت:
- أو تاخد قرشين يكفوك أنت والسنيورة بتاعتك وسفرك برة البلد على حسابي، وتختفي من حياتنا يا تميم! يا أما هخفيك أنا من على وش الأرض!
عصر مسند المقعد المتحرك بقبضته الحديدية وهو يدفن غضبه بداخله كي لا يحقق مناها ومقصدها في خروجه عن السيطرة واندفاعه بوجهها. جز على فكيه بمرارة حتى ختمت حديثها بسؤالها الحارق:
- يا ترى العروسة بتاعتك عارفة بكذبك! يعني مخدوعة فيك زي كل الناس كده؟
- ينفع تشليهـا من دماغك خالص، النار اللي بينا مش هسمحلها تحرق شخص ملهوش ذنب.
قهقهت بصوتها الرقيع في ضحكة فاتنة وقالت بنبرة لا يسمعها غيره:
- ومش حرام تضحك على البنت كده!! عمومًا ما يرضنيش أنها تكون مخدوعة فيك أكتر من كدا.
تلقى تهديدها بسخرية:
- أي هتروحي تقوليلها!!
- لالا.. أنا هثبت لها وهثبت لعاصي أخوك اللي واقف فوق بيتفرج علينا!
لم تمنحه الفرصة كي يفكر في مدى دهائها للانتقام وما ستفعله بتلك السرعة. ألقت الهاتف من يدها ثم جثت على ركبتها متحججة به وبشاشته المكسورة كي تتمكن من تنفيذ مخططها الشرير. وفجأة طالت أصابعها مركز التحكم بالمقعد المتحرك حتى فقد تميم اتزانه وانكب لوجهه بالماء على غفلة. تبسمت بمكر قبل ما تصيح مستغيثة ومؤدية دورها على مسرح جريمتها:
- وريني بقا، هتستسلم للموت ولا هتفضح نفسك وتطلع على رجليك!!
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم نهال مصطفي
ما كنت أعرف إن المكان الذي تحل به قدميك موطني
و إن البلاد الخالية منك محطات انتظار
لو كنت أعلم إلى أي خراب سيقودني الرحيل
لقطعت شراييني قبل أن ينبض لك قلبي
في رفة عين، وقع تميم بالفخ الذي نصبته عبلة
بات يصارع الماء كي ينجو
ورغم مهارته بالسباحة، إلا أن ذلك سيكشف كذبته
أ يستسلم لتلك المكيدة وينجو من الموت
أم يبايع العمر محتفظًا بكذبته الطويلة
تخلى عنه مقعده المتحرك وتركه لوحده لمواجهة تلك الخديعة
اختنقت روحه وتفاقمت فقاقيع أنفاسه الأخيرة
على المقابل شاهد عاصي فخ أمه الذي نصبته لأخيه
هام كالمجنون يتأكل خطاوي الأرض بدون وعي
لأول مرة يصل لحالة الجنون التي حلت بكيانه
جاءت شمس تحمل مائدة القهوة
وما أن رأت الكارثة التي نزلت فوق رأسه
هوت الفناجين من يدها وهرولت إليه بأقصى سرعة ممكنة تصيح باسمه
تمـيم!
هنا تغير جلد الحية وأخذت تهتف بعواصف الخداع أن ينقذهم أحد
وهى تراقبه يستسلم للموت بشماتة
رمت شمس نفسها بالماء رغم عدم اتقانها للسباحة
ولكن تحملت على دوافعها وجعلت همها الأول هو إنقاذه من الغرق
رست قدميها على مقعده المتحرك الراسي بالأسفل وطلبت منه أن يتحمل على كتفيها وهي تعاونه على النجاة
تحركت قدميه بدون إرادة منه كي ينقذ حياته بمساعدتها
ما أن تلاقت أعينها المرتجفه بعينيه الذاهلة من هول الحدث قالت بتنهيدة
أسند عليا ومتقلقش، هنخرج
ثم صاحت مستغيثة
ياجماعة حد يلحقنا
وصل عاصي وقفز بالحوض بحرفية وتسابق مع الماء كالحوت الماهر بالسباحة كي يساعد أخيه
وصل إليهم وضم خصره بقوة وهو يقول
اتحمل يا تميم
ثم جهر بأنفاسه المتقطعة
اطلعي أنت يا شمس عشان تمسكيه معايا
سلمت المهمة لعاصٍ
ثم تحركت بحذر نحو الجزء المنخفض بالمسبح وخرجت بسرعة
تولى عاصي مهمة إخراجه من الماء بمساعدة شمس حتى أجلسوه على حائط المسبح
عاد عاصي ليأتي بمقعده الغارق بالأسفل ثم تلقته منه شمس
ركضت عبلة إليهم وهي تمثل اللهفة
سامحني يا حبيبي مبعرفش أعوم كنت أنقذتك
رمقها بنظرة انتقامية ولم يجبها بحرف
مدت يدها لعاصي كي تعاونه يخرج من الحوض
تركت شمس المقعد بالهواء كي يجف ثم عادت إليه وهي تربت على كتفه بلهفة لم تدركها
أنت كويس، فيك حاجة بتوجعك
ربت على كفها ليطمئنها
بخير يا شمس متقلقيش
خرج عاصي من المسبح وهو ينادي على الحرس بصوته الأجهر كي يساعدوه في حمل تميم
جاء الرجال يركضون إثر النداء
انفجر عاصي بوجههم بغضب
أنتوا أزاي سايبين المكان هنا من غير حرس! يعني لو حد وقع يبقى بالسلامة كده!
طأطأ الرجال رؤوسهم وقال أحدهم
دي تعلمات عبلة هانم، لأنها بتحب تنزل البسين دايما ومش حابة حد مننا يكون موجود
رمقتها شمس بنظرة كاشفة لكذبها
تراجعت عبلة للخلف خطوة وما أن تهتهت لتبرر أوقفتها يد عاصي التي صدرها بوجهه
أمر الرجآل قائلاً بعد ما تمتم بالتوعد إليهم
ساعدوا تميم بيه ووصلوه لأوضته فوق، يلا اتحركوا
أفسحت شمس المجال للرجال ووقفت أمام عبلة موجهة اتهاماتها
لو اتأكدت انك ورا الحادثة دي مش هرحمك المرة دي
لوحت عبلة بوجهها
أنتِ اتجننت يا بتاعة أنتِ! أدي أخرة مجايبك على القصر يا عاصي
ثم حدجتها بنظرة توعد
بس قريب القصر هينضف من أشكالك، وده وعد مني
"إذا كان الطريق أمامك أمنًا .. أعلم أن هناك كمين"
تلك أول جملة قفزت في رأس حياة عند رفع جفونها
تتفقد المكان بأعينها الحائرة تتسائل
أي ريح عصفت بي إلى هنا!!
تتطوف عينيها باحثة عنه فلم يتبقى شيئًا منه إلا رائحته المُعلقة كالجراد بملابسها
اعتدلت في نومتها وضمت ساقيها إلى صدرها وغاصت في تفاصيل ليلة البارحة التي أسكنها به على سهوة
مسحت على شعرها المتدلي وزفرت باختناق لا تعلم مصدره
ربما خلو المكان منه! فكيف يكون أخر من عانق ليلها وتركها تحترق بشمس الوحدة نهارًا!!
وثبت قائمة بعد ما رفست الغطاء بملل ولامست أقدامها العارية الأرض
ألتقت بطعامها المُحترق فوق بار المطبخ
توقفت للحظة تفتش عن الجوع الذي كان يقرض أحشائها وفجأة تبخر كالماء عند رؤيته
لهذا الحد اختلط عليها الأمر وباتت لا تميز بين جوع المعدة وتضور القلب جوعًا؟؟
أكملت طريقها بممر الشقة ذات الطراز الفاخر الحديث وتوقفت عند رؤية العديد من الحقائب البلاستيكية الممتلئة
فتشت بداخلهم فوجدت مستلزمات البيت وما يمكنها ان تحتاجه من مأكل
فرغت محتوى الأكياس حتى توقفت أمام الأنواع العديدة التي أحضرها عاصي من الجمبري
لا تعلم سبب الضحكة التي شقت ثغرها وسرعان ما ذابت في سماء أحزانها
فرغت أخر حقيبة والتي كانت ممتلئة بالحلوى الفاخرة والتي تحبها للغاية
غرقت بأنواعها وتذكرت موقف ما جمعهم سويا يتعلق بهذا الأمر
في قصر دويدار
وخاصة في ليال العشر الذي حكم عليها فيهم بنيل عقابها منه
عندما رأت نور سيارته يقترب من القصر وتأكدت من قدومه
هرولت مسرعًا كي تحتمي منه ومن ضعفها إليه بالنوم
وضعت وسادة بجانب الأريكة لتنستند عليها واخرى فوق رأسها كي تستر ملامحها اليقظة
مرت قرابة النصف ساعة ولم يأت
حتى ملت الانتظار وما كادت أن تنهض فوصل إليها صوت دقات حذائه
ارتمت بحضن الأريكة مواصلة مسرحيتها
دخل عاصي الذي يتأكد من يقظتها خاصة أنه لمح طيفها بالشرفة من أسفل
ارتسمت ضحكة المكر على ثغره ونزع سترته وألقاها بدون اهتمام
ثم ترك الحقيبة المغلفة من يده على طرف الكومود واقترب منها ليُجري محادثة تليفونية بصوت عالٍ قاصدًا أن يصل لمسامعها
قول اسمه تاني كده يا يسري
المهندس مينا ميشيل
مش هنسى يا يسري متقلقش
تستمع إليه من تحت الوسادة بعيونها المنفرجة
أجرى مكالمة ثانية وهمية وأخذ يفتعل أحاديث وهمية عن العمل حتى نسي اسم المهندس
افتعل النسيان واخذ يعصر في فكره محاولا تذكر الاسم حتى أحست بورطته ووقعه في مأزق النسيان
فنسيت مخططها وسقطت في فخه
فزعت قائلة بحذر وبصوت خفيض
اسمه مينا ميشيل
ارتخت ملامحه المنكمشة بالحيرة إلى ابتسامة انتصار وهو يرمي الهاتف من يده
كنت متأكد انك صاحية
لكت الحجج بشدقها وهي تقول بلوم
صحيتني! في حد يتكلم بصوت عالى كدة جمب الناس النايمة
رفع حاجبه مشاكسًا
مش لو كانوا نايمين فعلًا!!
تقصد ايه! أني بمثل عليك؟ لالا أنا مش بتاعت حركات الأطفال دي
ثم هزت كتفيها بتلقائية
وهعمل كدا ليه أصلا!
اتكئ على الاريكة ممدًا وقال بتثاقل
شوفي بقا بتهربي من أيه .. يا ترى مني ولا منك!
يبدو أنه كشف ألاعيبها الطفولية التي تتصرفها بحماقة أمامه
انتفضت من مكانها كي تهرب من أسهمه الاتهامية الصائبة
مفيش الكلام ده .. كبرت الموضوع على فكرة
وثبت لتفر من أمامه ولكنه أمسك بيدها وقال بنبرة هادئة
استني .. عايزك
ثم قام ليحضر الحقيبة ومدها لها
دي ليكي
بدهشة
ايه دي ؟؟
افتحي وشوفيها
شرعت في فتح التغليفة فوجدت بها العديد من الحلوى
لكنه قطع حيرتها قائلًا
معرفتش بتحبي أي نوع .. جبت كل الأنواع اللي في السوبر ماركت
انبهرت باعجاب
أنت مين قال لك على موضوع الشكولا ده
صُحابك يا ستي فتنوا عليكِ
ضحكت بعدم تصديق وتوتر
البنات!! أحنا كنا بنلعب على فكرة مكنش في دماغي حاجة .. بس بجد مرسيي
مقدرش أعرف إنك بتحبي حاجة واتاخر فيها
ثم دنى منها خطوة واضعًا كفه برفق على عنقها المختبئ تحت ستائر شعرها الطويل الذي لا يليق به إلا القُبـل
أخذ يُداعب وجنتها بإبهامه وقال بهيام
أنت بقيتي حاجة مهمة أوي في حياتي يا حياه
نظر إليه بطريقة سحرت قلبها وهو يعلن أعترافه بأن الحظ لا يمكن أن يأتي بشخص مثلها مرتين
ابتعدت عنه كالملدوغة
أنا هنزل أكل مع البنات تحت
تحمحم بخفوت واسترد وعيه وقال
أنا جبتلهم زيك بالظبط .. يعني كل ده ليكي لوحدك .. أأمم وممكن لو تفضلتي وعزمتي عليـا هكون مبسوط أوي
"حتماً كان الطريق إليك ممهداً للدرجة التي أمنت فيها إليك ولم احترس من وجود فخي بأخر
ولكن ما يرهقني حقاً إنك غدرت وأنا في أمس الحاجة الى يد تخفف عني وطأة حزني
فكيف أعفو وكيف أنسى الشوك الذي مزق قلبي أربابًا؟!"
"أعلم أن الحياة لا تعطينا كل ما نريد ولكن بالقناعة والقليل من التمرد يمكنك أن تمتلك الحيـــاة"
لم تنعم عالية بنومة هنية بعد ما كٌشف لها ستار مراد الحقيقي من وجهة نظرها
باتت تنظره طول الليل حتى يأست من عودته عندما انفلق الصباح
وقفت أمام المرآة تتسائل
إلى متى ستبقى كقطعة صلصال بيد أمها!
إلى متى ستقضي حياتها لتنفذ أوامر عاصي فقط!
إلى متى تظل أسيرة لأنانية مراد؟
غسلت وجهها بالماء وقالت بنبرة مخيفة
لحد هنا وكفاية يا عالية .. لازم تقولي لأ .. لازم ترجعي لحياتك القديمة حتى ولو مش عجباكي
وأول خطوة هي إني اخلص من مراد ومن وجوده في حياتي
تناولت المنشفة وجففت قطرات الماء من عليها وقفزت الفكرة برأسها
ـ أكيد في مفتاح استبن .. أنا لازم اخرج من هنا .. أنا مش هعيش عبدة لحد من النهاردة
ثم ركضت واخذت تفتش في كل الأدراج بجنون
وقلبت الشقة رأسًا على عقب باحثة عن مفتاح أخر للباب
وصلت الي درج الجزامة الكائنة بجوار الباب فتعثرت بالكثير من المفاتيح
اخذت تجرب كل منهما حد دق الأمل قلبها بصوت فتح الباب
تنهدت بفرحة
الحرب اللي بينا أنت اللي بدأتها يا مراد
"كنت أظن أنني سأتوقف عن التساؤل عندما أعرف الأجوبة
لم أكن أعلم أن التساؤلات الحقيقة تأتي بعد المعرفة"
عاونت شمس تميم على تبديل ملابسه المبللة بحياء شديد وهي تطرق بخجل منه ومن الموقف التي وقعت به
لأول مرة يحس تميم أن له جدار متين يمكن أن يتكئ عليه بقية عمره
جلست شمس أمامه وقالت بتساؤل
ليه رفضت عاصي يغير لك؟ يعني كان هيفهمك أكتر مني
ورد بثقة وبدون تفكير
لانك موجودة .. تفكريني ينفع؟
أحمرت وجنتها بدماء الخجل وقالت بخفوت
معاك حق
شرعت في قفل أزرار قميصه فسألها
أحنا متفقناش بعد ما كل واحد يوصل للي بيدور عليه .. هيكون أيه مصيرنا؟
لم يتلق منها إلا صمت أزعجه كثيرا
ثم أكمل موضحا
يعني احنا الاتنين هدفنا واحد وهو نكشف عبلة والسر اللي وراها
بعد ما نوصل لده .. انت وانا يعني
فهمتك يا تميم .. انا فكرت في الموضوع ده كويس
ولقيت اني ما ينفعش ابني حياتي على كذبة ولا انتقام
عشان كده اسلم حل لينا .. البُعد .. كل واحد يكمل حياته بالطريقة اللي يحبها
بس أنا عندي سؤال
حدجها غير مقتنع بحديثها
سؤال ايه؟
أنا وافقت اتجوزك عشان محددة هدفي من الاول وكنت عارفاه
أنت بقي اتجوزتني ليه؟ ليه اتقدمت لي وأنتَ متعرفش عني غير اسمي؟
وقع السؤال على صدره كالجمر
أيخبرها الحقيقة المندسة في خوفه من خيانته وأنها جاسوسة لعاصي
أو أنه استحب رؤيتها كل صباح خاصة بعدما سلكت طريق النور بقلبه بدون سعي منها أو ارادة منه
هز رأسه قائلا بتمويه
أنا كمان كنت محدد هدفي
الـ هو؟
رد قلبه بالكلمة فانعكست بعيناه ولكن صوت طرق الباب ألجم لسانها
نطقت شمس
اتفضل!
جاءت سيدة وبيدها صحن الشُربة الساخنة ووضعتها جنبًا
ماتشوفش شر أبدا يا تميم بيه
تسلمي يا سيدة
سألتها شمس باهتمام
متعرفيش حاجة عن حياة يا سيدة؟
لا ياست الدكتورة.. والله قلبي متوغوش عليها أوي
من رايك أسال عاصي بيه؟
شمس ناصحة
خليكي بعيد أنت .. اللي زي عاصي ده مش عارفين بيفكر في أيه!
رد باندفاعية
والله ما في زيه ولا في حنيته .. انت لو شوفتيه أيام الست مها كان واحد تاني خالص
مكنش يخليها تلمس الأرض
لو كانت عايزة تروح الحمام يشيلها كده على قلبه ويوصلها
والله البيه الكبير ده مفيش زيه
هي بس الايام اللي جات عليه وغيرته
تحيرت شمس في هوية ذلك المتخل الذي لم تر منه شعاعا للرحمة
تأهبت سيدة أن تغادر ولكنها عادت متذكرة شيئا ما
ست شمس ده عنوان عم حسين .. أنا كلمته واخدت لكم معاد
هو بس في الفيوم عند بنته وهيرجع الاسبوع الجاي
ورحب أوي بسي تميم
أخذت منها الورقة بلهفة وشكرتها بعرفان ثم أكدت عليها
سيدة مش عايزة حد يعرف الموضوع ده
في بير ياهانم
ولت ظهرها وفارقت الغرفة ثم عادت شمس لتميم متسائلة باهتمام
أنت وقعت ازاي في البسين!!!
"بين الحرية والحبِ، يقف قلبه حائرًا، لا يدري أيهما يجب أن يختار!"
يجلس في مكتبه يقاتل شعور الحنين بداخله
يهلك رأسه بالعمل كي تبتعد عن فكره
ينبض فؤاده للعودة إليها والاختباء من وحشية العالم بين ذراعيها
لم يستطع قراءة أول ورقة من الملف الذي فتحه
فـشرد بجوارحه لعندها
لـحالة الضعف التي كان عليها متقويًا بحضنها
كيف احتوت ضعفه وقوته بين مساحة يديها الصغيرة
كيف لم تكف عن مداعبة جدائل شعره حتى في أشد لحظات غضبها منه
تمسك بالخنجر الكائن فوق مكتبه وأخذ يحركه بتيه حتى ثبت منقاره براحة كفه
فـ وخزه بألم يضاهي الألم المغروس بقلبه
حتى ظن أنهم قَبل إختراع الخناجر كانوا يَستعملون في الحروب ضِحكات النِساء الجميلات
فأقسم قلبه لو رأى قائد أكبر معركة بالتاريخ لمح طيفها لغادر المعركة برمتها واتبعها لأخر العمر
زفر بضيق وهو يرمي ما بيده بلوم
أي تصرفات المراهقين دي! فوق وركز في شغلك، ومن أمتى واحدة عملت فيك كده!!
يظن أنه يدفع قلبه ثمنًا لأشياء لم يدركها
ربما عقاب أهماله لبناته
ام عقوبة بناء عمره على متن كذبة!
أم هو ذنب جميع الفتيات الاتي جاورهن!
أي ذنب يستحق حُرقة وعناء القلب الهالك وراء ضلوعه!!
فتح درج مكتبه وكادت يداه تنال كتابها ولكن تراجع اِثر صوت الباب
سمح للطارق بالدخول
إذن بنوران تتقدم إليه بخطوات مترددة
اِطرقت بقلق
ممكن اتكلم معاك!
حاورها بنبرة لطيفة وهو يشير إليها كي تجلس
خير يا نوران
أخذت تعض على أناملها بصخب
ثم قالت
أنا هدخل في الموضوع على طول
سامعك
أنا معرفش حضرتك ولا أنت كمان، واتعرفنا في ظروف صعبة وأنت صاحب فضل علينا
حتى لو ماليش حق اسأل السؤال ده، بس عايزة أعرف عشان اطمن؟
سؤال أيه؟
هي حياة فين؟ أنت قتلتلها صح؟
تبسم إثر حماقتها وطريقتها العفوية بالحديث
ليه شيفاني قتال قُتلى يا نوران؟
أنا ماشوفتش منك خير يخليني اطمن لك
وضعت يدها على ثغرها إثر هروب اللفظ منها بدون رقابة
حتى بررت معتذرة
قصدي اننا مش اتعرفنا قبل كده، او اتعرفنا في ظروف صعبة خلتني أخد عنك فكرة غلط
يووه بعك صح، طيب أنا كده ابقى شريكة معاك في قتل حياة!
لاحظ عاصي براءتها وعفويتها في الحديث ثم جاء ليطمئن قلبها ولكنه وجد عبلة تتجسس على الباب
فتظهر انعكاس ظلها بالغرفة
تحولت ملامح عاصي وهو ينهرها
وأنت مالك! أنتِ مين أصلا عشان تقعدي تحققي معايا كده
أنت هنا ضيفة، يعني قضي أيامك في سُكات وخصوصيات القصر دي كلها متخصكيش، فاهمة
صُعقت من تحوله المفاجئ فوثبت قائمة بذعر وقالت بعناد
تصدق أنك بني آدم مجنون ومحتاج تروح مصحة تتعالج زي ما شمس بتقول، بجد طلعت مجنون ومعتوه وانا اللي غلطانه أني عاملتك باحترام وانت مش أهله
أنا ماشية بس مش هبطل ادور على حياة ولو اذيتها فعلا هبلغ عنك عشان أنت مجرم ولازم العالم كله يعرف حقيقتك
ضربت الأرض بقدميها بحركة طفولية وما كادت أن تولى ظهرها وجدت عبلة تصيح أمامها
أنتِ شكلك اتجننتي يا بنت ولا أيه، ازاي واقفة تبجحي قدام ابني كده، أنتِ نسيتي نفسك!
ولت رأسها إليه وقالت جملتها الأخيرة قبل أن تركض هاربة من بطشهم
اقولك حاجة كمان ابقى خد الست دي عشان تتعالج معاك
صرخت عبلة بوجه عاصي خاصة بعد ما فقدت الامساك بنوران
انت ازاي ساكت لها، البنت دي لازم تتربى!
ابتلع عاصي ضحكته وقال بثبات
سيبك منها وخلينا فيكي!
ثم نصب قامته ليقفل الباب ويتأكد من خلو المكان بالخارج ثم دنى من أذانها
أنا قبلت كدبتك دي كلها بشرط واحد، فاكرة ولا تحبي افكرك يا عبلة هانم؟
ثم خشنت نبرته وقال بحدة
قولت لك مش عايز شعرة تتمس من تميم، وحياته مقابل السر الكبير اللي دفنينه سوا، بس شكلك ناوية على خراب القصر ده قريب
أخذت تربت على كتفه بخوف مصطنع
حبيبي اهدى بس، هو اللي استفزني بالكلام انا، أنا معرفش عملت كده ازاي، متزعلش مني والله ما هتتكرر أنت بس روق كده وفوق للشغل والحاجات الكبيرة اللي مستنيانا، احنا ما صدقنا خلصنا من اللي ما تتسمى
ثم قبلت كتفه بترجى
متزعلش نفسك، والبت نوران دي أنا هربيها!
قبض على معصمها بقوة وقال بتحذير
شيلي تميم من دماغك يا عبلة يا محلاوي، وألا النار هتطول الكل، فاهمة
عاتبته بقوة بعدما نزعت ثوب التوسل إليه
هو ده جزاتي أني خايفة عليك وعايزة اامنك؟
ياستي مالكيش دعوة بيا، طلعيني من دماغك
أخذت تربت على كتفه ثم قالت
طيب اقعد ارتاح كده عشان نتكلم عندي كلام مهم
زفر بضيق
مش فاضي اسمع حاجة
وقفت أمامه معاندة
لازم تسمع، البت هدير بتخطط لك لحاجة كبيرة وناوية تدمرك، عشان كده لازم نتكلم
وبخها بلوم
مش هدير دي اختيارك وبنت اختك وهي المناسب لمجد آل دويدار
ورجعت في كلامي يا عاصي، ولازم نحل المشكلة دي
أنتِ حلي، أنا مش فاضي لهدير ولا اللي زيها
هزت رأسها متفهمة
خلاص سيبك من هدير خالص، أنت فعلًا خلصت من البت حياة؟
لملم مفاتيحه على مضض
قولت لك موضوعها خلص، وانسيها
تبسمت عبلة بفرحة
يعني اترحم عليها
ارتدى سترته السوداء ولم يجبها، فاستقبلت صمته على أنه تأييدًا لوهمها
طيب في حد عايزاك تقابله
مين
فريد، شهرته حوت البحر الأحمر، ومصمم يقابلك بنفسه
رد بعجل متأهبًا للذهاب
خليه ياخد معاد مع مديرة مكتبي
في مكتب إحدى المحاميات، تجلس عالية بعد ما ارتشفت رشفة من فنجان قهوتها
فسألتها المحامية
هاا يا مدام عالية، أي أسباب الخُلع؟
بللت حلقها الجاف وقالت بتيه
قفشته بيخوني
مازحتها الاستاذة منال قائلة
وحد يخون القمر دي، فعلًا الرجالة دول مايملى عينهم غير التراب
المهم نرجع لموضوعنا .. في شهود؟
عالية بسكون وضلال لم تجد من يوجهها
لا مفيش، معرفش
طيب حصل أيه، احكي لي
أغرورقت أعين عالية وهي تروي ما رأته
كنا راجعين شقته في اسكندرية، وكنا بنتكلم عادي، فجاة طلعت البنت دي من أوضة نومه
استني بس يا مدام عالية، معنى كده أن جوزك كان معاكي بره، يعني مكنش في وضع مُخل مع البنت دي
أومأت رأسها بالموافقة
بالظبط
تركت المحامية القلم من يدها وسألتها
طيب هل جوزك بيضربك وفي ما بينكم محضر قبل كده؟
هزأت رأسها يمينًا ويسارًا
لا خالص، كان الأول بس في سوء تفاهم، بعد كده ما شوفتش منه حاجة وحشة .. لا
تفحصتها منال بأعينها الثاقبة
طيب قولتيلي انه حبسك وقفل عليكِ، ليه، أيه السبب!
عالية بفتور
كان عايز يكذب عليا تاني والمفروض إني لما أصدق كذبته اسامحه
طيب مابيصرفش عليكي، يعني شخص بخيل مثلًا
ردت على الفور
لالا مفيش الكلام ده خالص، بالعكس عمره ما بخل في حاجة، كان بيجيب لي كل حاجة بزيادة رغم أنه مش بيلاقي مُقابل لده
يعني عمره مثلًا
ثم صمتت وعجز لسانها عن استكمال سرد مميزاته
انتبهت لها منال بتركيز
استنى كده، يعني أيه مش بيلاقي مُقابل، قصدك أيه؟
أخذت عالية نفسًا طويلًا ثم قالت
أحنا اتجوزنا في ظروف غريبة شوية، يعني أجبرتنا أننا ناخد وقتنا نتعرف على بعض قبل أي حاجة
قصدي قبل ما نبقى زوج وروجة بالفعل
اتسعت أعين منال بذهول
قصدك تقولي أنك لسه بنت؟ يعني كان جوازكم على ورق بس؟
أطرقت عالية بخجل وهي تومئ راسها بالايجاب
تركت منال مقعدها ونهضت لتجلس أمامها وقالت بنبرة حريصة
قوليلي يا عالية، انتِ عايزة تخلعي جوزك كيدي ولا لانك عايزة تخلعيه بالمعروف؟
أغرورقت أعين عالية بالدموع وهي تسرد وجعها
هو معتذرش عن خيانته حتى، ده جرجرني زي البهيمة وحبسني في شقته وقالي مفيش خروج من هنا وإني تحت طوعه وعصمته ومحدش هيخلصني منه
ربتت منال على ركبتها لتواسيها ثم قالت
زي ما توقعت، كيدي .. طيب اسمعيني يا عالية .. كل الكلام اللي قولتيه ده محاميه هيرد عليه وهيخسر القضية، ألا ثغرة واحدة
أيه هي؟
مفيش راجل يسمح ببعد مراته عنه الأ لو كان عنده خلل، بمعني مريض، وأحنا معانا الاثبات القطعي لده، وصدقيني هتكسبي القضية من أول جلسة
وهتبقى حديث كل الجرايد
فزعت عالية كالملدوغة رافضًا رفضًا قاطعًا
لا مستحيل، أنا مش ممكن اتبلى على مراد بحاجة زي دي، لا مش هينفع، أنا عايزة أمشي
اقعدي بس واسمعي مني، ده الحل الوحيد اللي هيخلصك من جوزك وكمان هتعلميه الأدب عشان يعرف يعامل بنات الناس
ثم وقفت لتبخ سُمها في آذانها
صدقيني، اقعدي وفكري هتلاقي حقك رجع لك في جلسة واحدة، حاجة زي دي بتجننهم وهتبقى ضربة في مقتل لجوزك بتاع الستات ده .. هاا قولي أيه ..؟
"يرفض كلَّ الكؤوس الممدودة إليه .. وأصبح وفيًا لعطشه العنيد.."
تلك الحالة التي وصل إليها عاصي
بعد ما أقسم بعدم العودة وجدت وجهة سيارته وقلبه عندها
تحركه أقدامه للصعود إليها، ليتلذذ بسم توبيخها وعنادها
كل أجزاءه باتت تقوده إلى دربها حتى كبريائه خضع وسلم لها
صعد البنية على درجات السلم كي يمهل العقل فسحة من الرجوع وعدم اتباعه لأهواء القلب حتى فشل مخططه أيضًا ووقف أمام بابها يدق مفتاح حنينه
خفق قلبها الذي كان ينتظره بشوق اغتال غضبها
تركت ما بيدها بسرعة وهرولت لاستقباله
وبدلًا من إلقاء السلام على الخير الذي أتى به إلا هنا، استبدلته بعناد الانثى الذي يسكنها قائلة بضيق
خير؟!
لبس ثوب رجل الجليد أمامها وجلس على أقرب أريكة
لم يجد ما يفعله كي ينشغل عنها
في التو انقذه رنين هاتفه
رد على الهاتف وتعمد أن يطيل المكالمة بقدر الإمكان حتى ختم حديثه
أول ما يسري يرجع من لندن هيشوف الحوار ده
أنهى مكالمته ولم تنه شجارها بعد
مازالت صامدة أمامه عاقدة ذراعيها أمام صدرها وكررت سؤالها
جيت ليه؟
رد ببرود
جيت اتغدى!
اغتالها جموده وتصرفاته البريئة
والله! أيه مفيش أكل عند مدام هدير؟
وضع ساق فوق الأخرى وقال بفظاظة
لا طبعًا فيه، بس قولت أجيب لك العلاج بتاعك، نسيتيه وأنت بتهربي
جلست بجواره بخفه وقالت بفتور
أنت ليه بتتصرف كأنه محصلش حاجة؟
رفع حاجبه متعمدًا
وهو كان أيه اللي حصل؟
رمقته بسخط
ااه سوري، نسيت أنك متعود على الحاجات دي، فـ بالنسبالك مفيش حاجة حصلت!! لكن مش معايا يا عاصي بيه..
دفن نيرانه المتوهجة بشوقه إليها وقال
بالظبط .. أنتِ اللي مكبرة الموضوع .. وبعدين أنتِ شرعًا وقانونًا مراتي
ضحكت باستهزاء
أنت بتضحك على نفسك! أنت متجوز واحدة ملهاش وجود غير في خيالك أنت وبس
مال على أذانها وقال بنبرة اخضعت لمعان سيوفها لأجله تمادى في وقاحته قائلًا
أنتِ لو تفتكري كُنت عاملة ازاي وقتها، هتعرفي أنه مش في خيالي لوحدي وبس .. وأنها الحقيقة الوحيدة اللي عرت قلوبنا لبعض
أنت وقح، وكل تفكيرك كده وعمرك ما هتتغير، ومش بعيد تكون أنت الـ قولت لسيدة تحط لي حاجة في العصير
تبسم بهدوء ممزوج بالتخابث
تصدقي، هتجنن وأعرف اسم الحاجة دي واللي حطها وأنا هشكرهم .. بس هو فعلًا كان في حاجة فـالعصير ولا دي ستارة لـ
قاطعته بنفور
انت جرحتني، وخليتي أقرف أبص لنفسي في المراية، أنت طلعت مني شخصية أنا معرفهاش وبكرهها، وبكرهك .. بلاش توهم نفسك بحاجات موجودة في دماغك وبس!
هتف على مضض
حياة
قاطعته بحدة
رسيل، اسمي رسيل .. حياة ده ملهوش وجود في حياتي، دي لعبة أنت لقيتها وعجبتك وكملت فيها
يبدو أن الحُب بد بحفر طقوسه عليه
هدوءه الذي بات يعهده، حنينه الذي يغلبه في كل مرة يعكف عن مجيئه إليها
يقظة قلبه التي باتت تشعر بكل من حوله، غفرانه الدائم وكانت أول من غفر لها خطيئتها
تنهد بحيرة
أنتِ ليه عايزة تقتلي مشاعرك؟ ليه الإنسان يستحلى عذابه؟
خرت دموعها وأصرت
كذب، مفيش ليك جوايا غير مشاعر كره يا عاصي، كفاية لحد كده واختفي من حياتي
ما تبقى من طاقتها لا يحمل رمشًا
شتت جيش قوتها أمامه لم يتبقى منها سوى دمعة الهزيمة أن انسكبت لتروي جفاف قلبه فتلقاها على طرف إبهامه ثم قال بنبرة حنونة
أنتِ بتعاندي مين! انا سامع صوت قلبك من مكاني! اللي حصل ما بينا مش جرح، ده شق طريق جديد لينا، واختبار، وأنا رضيت ورضيت أنسى كل حاجة، هنسى كل ما يتعلق برسيل وماضيها، وهابقى مع حياة وبس
تحير عقلها ثقته
أنت ليه محسسني أنك صاحب فضل عليا؟
ماهي دي الحقيقية، مفيش راجل يقبل أن مراته يكون لها علاقة مع حد قبله، وأنا طويت الصفحة دي، صفحة إنك مش بنت مع أن كل بياناتك تقول أنك متخطبتيش قبل كده، ومع ذلك مش هحاسبك على حاجة انتي مش فاكراها …! وأنت كمان أغفري غلطتي الوحيدة معاكِ ااه كان لازم أكون أقوى من كده بسس
حياة بصاعق من الذهول جعلها لم تستمع لبقية حواره
أنت بتقول أيه ؟!!!!
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم نهال مصطفي
عندما ألتقيت بك شعرت أنك لم تكن مجرد شخصًا عابرًا بسُلم العمر.
وعندما تحول ظني ليقين عشقك خشيت المرحلة الزمنية التالية الخاوية منك، التي تسمى بالفراق.
تلك المرحلة التي يضطر فيها الميت أن يمثل دور الحي بجميع طقوسه.
~ رسيل المصري
“أكاد أتجمد بردًا وسقيعًا في صحراء قاحلة بعدما هبت بها رياح الغدر وعصفت بي وبكل ما تحويه جنتي، أقف عاجزة حتى عن اختراع النار التي تبعث الدفء والسلام على روحي المرتعدة.”
تلك الجملة التي توقف على أعتابها عاصي في نهاية الفصل الأول لقصتها، قصتها التي تحوي الغموض والاضطراب، تشعل بالرأس شيبًا لكثرة الأسئلة التي تدور حول آسيل بطلة روايتها ورسيل بطل روايته.
حاول أن يربط بين الشخصيتين حتى تمسك بحبل الحدوتة الذي يربط بينهن وهو الألم.
كل واحدة منهن تتضور وجعًا حول قصتها المؤلمة.
قفل عاصي الكتاب متنهدًا:
يا ترى إيه قصتك المحيرة يا حياة، إيه القصة اللي ربنا أنعم عليكي بنسيانها!
كنتِ بتحاولي تهربي من حاجة، وفعلاً هربتي منها ومن الدنيا كلها.
ثم سقطت عيناه على عنوان الكتاب وقرأه كأنها أول مرة:
خُلق القلب عصيًا، مين عصى قلبك عليكي، مين اللي وصل لك للحالة اللي تبكي فيها بين السطور!
مر يومان منذ آخر مرة رآها، عندما قذف قنبلته الموقوتة في حقل رأسها المشعب ببترول الحيرة والتيه حتى جاءت شرارة كلماته لتفجر شخص رسيل الحقيقي، الشخص الذي تفجرت منه جميع الحمم البركانية.
( قبل يومين )
حير عقلها من ثقته الزائدة:
أنت ليه محسسني إنك صاحب فضل عليا؟
ماهي دي الحقيقة، مفيش راجل يقبل أن مراته يكون لها علاقة مع حد قبله، وأنا طويت الصفحة دي، صفحة إنك مش بنت مع إن كل بياناتك تقول إنك متخطبتيش قبل كده، ومع ذلك مش هحاسبك على حاجة انتي مش فاكراها.
وأنتِ كمان اغفري غلطتي الوحيدة معاكِ.
آه كان لازم أكون أقوى من كده بس.
حياة بصاعق من الذهول جعلها لم تستمع لبقية حواره:
أنت بتقول إيه؟
توتر عاصي لأنه أحس بتسرعه وزيادة الأمور سوءًا، فتح معها موضوعًا لم يكن وقته ولا أوانه، يحاسبها على فعل لم تتذكره، وأي نازلة حلت بها حتى اغتالت روحها القديمة.
تسرع في النبش مفتشًا بجروحها الغائرة حتى تدفق الوجع من بحيرتي وجهها وهي تسأله مرة ثانية:
أنت بتقول إيه؟
حاول أن يمسك كفها المرتعش كي تهدأ ولكنها انتفضت كالملدوغة من أمامه:
أنت عامل زي اللي دخل وسرق خزنة وبعد ما خد كل اللي عايزه منها، جه يقول أصلها كانت فاضية؟
ثم ولت وجهها إليه وأكملت:
تفتكر ده مبرر لجريمتك عشان أصدقك! ده سبب مقنع لعملية سرقة محدش قام بيها غيرك.
وثب قائمًا كي يبسط من ارتعاش جسدها الملحوظ:
طيب اقعد واهدي!
دفعته بكل قوتها صارخة بوجهه:
أنت جاي تتهمني في شرفي وتقولي أهدي! فاكر لما تقول لي كده هرمي تحت رجليك وأقول لك سامحني.
لا، لا يا عاصي بيه المجرم الوحيد في كل ده هو أنت.
رفعت أنظارها لأعلى وهي تتحداه بنبرة مبطنة بالقهر:
شوية حنية ومثالية عشان تكسب ثقتي، حباية هلوسة تتحط في العصير تخليني مش في وعيي عشان أبقى حتة صلصال في إيدك تشكلها زي ما تحب، وجاي في الآخر تقلب الترابيزة فوق دماغي وتطلعني واحدة زبالة من اللي تعرفهم.
مش هسمح لك.
ابتلع مرارة وجعها وإهانتها ثم صرخ مبررًا:
أنتِ ليه مش عايزة تفهمي إن اللي حصل بينا ده كان خارج إرادتنا، ليه عقلك وقف لحد إني شخص مؤذي وعايز بس يضرك.
أنا معاكي مش ضدك.
رمقته بأسهم الخسة:
أنا مش عايزة أشوفك تاني.
ثم خرت باكية وتقطعت نبرة صوتها:
أنا بقيت بقرف أبص في المراية، كرهت ملامحي، كرهت نفسي.
أنت، أنت نجحت إنك تطلع مني الشخصية الضعيفة اللي أنت عايزها، أنا مش عايزة أشوفك تاني، افهم بقا وسيبني في حالي.
كفاية لحد كده أرجوك كفاية.
حاول أن يدنوها منه، أن يدفن وجعها بين ضلوعها، أن يرمم شروخ قلبها ولكنها أبت، أبت بإصرار وهي تطرده من المكان الذي يجمع أنفاسهم المحترقة.
تمرجحت النظرات الحائرة بينهم حتى هتفت:
اطلع بره، متجيش هنا تاني، مش عايزة أشوفك، أبعد عن طريقي خليني أنساك وأنسى اللي عملته فيا.
هز رأسه ملبيًا طلبها الذي لا يقبل الجدال قائلًا:
تمام، أنا همشي بس كلامنا مخلصش، هسيبك لحد ما تهدي وبعدين نتكلم.
أنا مش عايزة أقعد هنا، رجعني الغردقة.
رجعني لوقت ما كنت.
قبل ما أعرفك.
ساد الصمت بينهم للحظات حتى زفر بتحدٍ وتمتم بحزم:
وعاصي دويدار مش هيفرط في حاجة صدق ما لقاها.
حطي ده كويس في دماغك.
يبقى أنت اللي اخترت، اخترت تعيش في جحيمي اللي آخرته مش هترضيك أبدًا.
قيل زمان أن القط يُغرم بخناقه، على ما يبدو أن الحرب القلبية بينهم قد أُعلنت، بين امرأة أبت خضوعها لسلطانه المتجبر، الذي لا يرحم بقوانين عشقه، رفضت ضعفها الذي لازمها تحت عرشه، وسلطان اكتمل مُلكه ببدر وجهها في سماء ظُلمته، قد وجد ضالته بين ملامحها، فالمصير محتمًا إذا كُسر للملك أمرًا! هو الموت شنقًا أو عشقًا!
سحب نفسه من هذه الجولة وغادرها، ضب حقيبة لهفته وخرج كي لا تدنس بغضبها فؤاده المتيم بعيونها.
استرد وعيه إثر صوت الباب، زفر باختناق ثم أخفى كتابها وسمح للطارق بالدخول:
ادخل.
دخلت تاليا تتمسك بكف أختها داليا باستحياء حتى هتفت الأخيرة:
بابي ممكن نتكلم معاك شوية؟
••••
تجلس في الأرض، تضم ساقيها إلى صدرها، لم تبك، لن تتفوه بكلمة، لقد جفت الدموع ورُفعت الكلمات من فوق لسانها.
تركها يومين بمفردها كادت أن تجن، من الواحد والوحدة.
الواحد الذي سرقها من زحمة الحياة واحتفظ بها لنفسه بدون رحمة.
قضت ساعاتها تتساءل بأي ذنب سُجنت؟
أيكون ذلك ذنب حبها الذي صبته في جوفه صبًا؟
أم عقوبة لتمردها على قوانينه؟
أي ذنب هذا الذي ألقت حدفها إلى هنا بسببه؟
أخذت تتأمل خريطة كفها، حيث كانت لا تؤمن بهذه الخرافات ولكنها كانت ترافق العرافات كي تضحك، كي تستقل بهم وهن يبايعون الهواء بالزجاجات.
قرأت بخطوط يدها حديث سبق وقيل لها من قبل.
أتت به ذاكرة قلبها وليس عقلها المفقود.
“سترين أيامًا بيضاء بلون سحابة عيناكِ، وهناك عاشق مجنون يقف أمام قصرك يعزف، ويلحن بصوت متيم بجمالك، صار سكير خمر كلماتك، وصريع هواكِ، وسيرصع سماءك بنجوم عشقه، سيراقصك في البر والبحر وتحت المطر، سيفترش لك الطرق بالورد والرمل، سيكون عالمك بين ذراعيه، وعطره هواكِ وهواكِ، ولكن…”
تبسمت بسخرية وهي تستمع لهذه الكلمات كأن شخصًا ما يوسوس لها، ضمت كفها الذي كذب على العرافة وقالت بسخرية لنفسها:
أين تلك المنجمة التي وعدتني برجل الأحلام!
تأتي لترى الكوابيس المحيطة بعالمي.
آهٍ لو تعود لتشاهد أكاذيبها على أرض الواقع.
وثبت بملل وذهبت إلى المطبخ كي ترتشف المياه بكفوفها المرتعشة وهي تفكر جيدًا في جمل عاصي الحارقة، ولكن الأكثر ألمًا ذلك الرجل الذي يشاركها الكوابيس، يشاركها مساوئ الذاكرة، يلازمها النفور والاشمئزاز من أنوثتها.
تذكرت تلاطم موج البحر وزئير الأسد وغضب السماء الباكية عليها، استرجعت ذاكرتها المشهد المؤلم بتفاصيله الذي هربت منه كثيرًا ولكنها عجزت على تذكر صورة الوحش الذي أدى بها إلى هنا.
تهشم الكوب الذي بيدها كما تهشم قلبها للمرة التي عجزت عن أحصائها، تفجرت بِرك عينيها وقدمها الجريحة وهي تصرخ كي تنسى لتلك الواقعة المؤلمة التي أنصب ألمها بأحشائها، صرخت بصوت لم ترده إلا الجدران، دخلت في نوبة من الهلع والرعب عندما تفتح الطريق لذاكرتها القديمة فولت ظهرها هاربة منه، لا تريد العودة، لا تريد الرجوع لغابة الحياة التي نجت منها بأعجوبة.
•••••••
” عودة لقصـر دويدار ”
انعقدت غمامة الحزن على قلب عالية التي أجرت لها المحامية غسيل مخ ومبادئ، صورت لها وحشية الرجال، ودخلت لها من جانب الدين وأن ما فعله مراد بحقها جريمة لا تحمل الغفران.
خلطت رأسها جرائم أبيها وأخيها وتلاعبهم بالفتيات على طاولات القمار.
وجمع الشمل مراد برمة الجرائم الذكورية.
تجلس بالشرفة تضم في أظافرها، تبكي دمًا وندمًا على تلك الجريمة التي ارتكبتها بحق رجل ما زال قلبها يدافع عنه رغم براهين العقل المقنعة.
تقدمت نوران التي تحيرت من أمر صمتها المُريب وجلست بجوارها وسألتها بثرثرة:
أنا آسفة، بس أنتِ من وقت ما جيتي هنا وأنتِ ساكتة.
أنا مضايقاكي في الأوضة مش كده، والله أنا كنت همشي بس أنتِ صممتي أقعد معاك.
أنتِ في حاجة مزعلاكي!
خيم الصمت على مجلسهم حتى يأست نوران من العثور على ردٍ يُرشد حيرتها، كادت أن تذهب ولكنها توقفت إثر حديث عالية الحائر:
عارفة الثور المربوط في ساقية ومغمين عينه وهو بيلف وبيقطع مسافة كبيرة ومجهود شديد، وفي الآخر وبالأخص لما يفتح عينيه يلقى نفسه في نفس المكان متقدمش خطوة.
أنصت لها نوران باهتمام ثم أجابت:
يمكن مش فاهمة حاجة، بس حاسة إن جواكي وجع كبير ومش أي حد ممكن يداويه.
أنتِ محتاجة شخص واحد وبس هو اللي يطبطب على الجروح دي، غير كده هتفضلي تايهة وموجوعة باقي عمرك.
زفرت عالية وكأنها تؤيد رأيها ثم قالت بخفوت:
معاكي حق، وأنا خسرت الشخص الوحيد ده للأبد، الدنيا بنت بينا سور عالي مستحيل يتهد!
أنتِ لسه بتحبي جوزك يا عالية.
فزعت عالية من صاعقة الجملة التي لم تخطر ببالها من قبل وتلك الحقيقة التي هربت منها وهي أنها وقعت بحب جلادها.
أحست نوران بتوترها وخوفها وهي تجيب:
ليه بتقولي كده.
عشان هو لو مجرد شخص عادي مكنتش خيانته هتوجعك للدرجة دي؟
“بالطابق الأسفل”
تحمل سيدة مائدة القهوة وتتجه لأعلى حتى أوقفتها عبلة:
لمين القهوة دي يا سيدة.
دي للست شمس وسي تميم.
ضربت عبلة كفًا على الآخر بنفور:
عال والله، قاعدين في فندق خمس نجوم هنا!!
بتقولي حاجة يا ست عبلة.
صرخت عبلة بوجهها:
امشي من وشي يا سيدة.
خرج عاصي برفقة بناته من غرفة المكتب متجهًا إلى الباب توقف إثر نداءها عليه:
أنت مش قلت في ناس مهمين جايين النهاردة.
رد بعجل:
لغيت الميعاد.
ليه؟
رد متأففًا من تدخلها المتزايد بتحركاته خاصة تلك الفترة:
عشان البيت مش مكان للشغل.
هزت رأسها بعدم اقتناع متسائلة:
على فين كده.
ردت تاليا بجزع طفولي:
رايحين مكان سيكريت مع بابي يا نانا.
دب القلق بصدرها وهي تتساءل بعيونها قائلة بخبث:
سيكريت على ناناه!
وضعت داليا ذراعيها بخصرها وقالت:
أه.
ثم رفعت صوتها بحماس:
يلا يا بابي عشان متأخرش.
أخذت تراقبهم بأعين قاتلة من شدة الفضول حتى اتبعت خُطاهم وأشارت لأحد الحرس الذي يشتغل لحسابها كي ينقل لها أخبار عاصي، أن يتبع خُطاه ويترقبه.
وعلى المقابل وصلت سيارة فاخرة من ماركة مرسيدس لتصف مكان سيارة عاصي التي غادرت للتو.
هبطت منها سوزان فشتت تركيز عبلة عنهم قليلا وأسرعت لاستقبالها.
“بالأعلى”
وزعت سيدة القهوة على تميم وشمس ثم قالت بصوت خفيض:
عم حسين منتظركم النهاردة يا بيه، ده ساب بنته مخصوص ورجع بسرعة عشان قولتله في حاجة مهمة بخصوص الباشا الصغير.
الود وده كان يجي لحد هنا، بس طبعًا حسب تعليمات الست الدكتورة قولتله هما هيجوا لحد عندك.
ارتشف تميم رشفة من القهوة ثم قال بحماس:
تمام يا سيدة، أحنا ساعة كدة وهنتحرك على هناك.
ربنا يسلم طريقكم يا بيه.
إلا هو أنتوا عايزين عم حسين في إيه؟
تدخلت شمس لتوضح الأمر بحكاية مزيفة:
ما أحنا قولنالك يا سيدة، بندور على تحية دي عشان تميم بيه قرر يصرف لهم مرتب شهري، هي وكل طاقم الخدم القدام، كمساعدات يعني.
لم تقتنع سيدة بكلمات شمس المزيفة بل طوت الأمر وقالت بعدم اهتمام:
ربنا يوسع عليكم يارب.
عن إذنكم أنا.
غادرت سيدة حتى تفوهت شمس بتردد:
تفتكر هنلاقي معلومة تفيدنا عند عم حسين!
أدينا بنحاول يا شمس.
بس أنا بفكر في حاجة تانية خالص.
تحمست شمس وهي تقترب منه:
حاجة إيه دي؟
هتعرفي كل حاجة في وقتها.
قومي اجهزي بس.
“بالأسفل”
قلت أجي لك مدام مش عارفة أقابلك يا عبلة هانم.
تلك الجملة التي أردفتها سوزان وهي تتناول فنجان قهوتها براحة، تبسمت عبلة:
والله الدنيا متلخبطة خالص.
مش عارفة ألقاها منين ولا مين.
احكي لي.
ارتشفت رشفة خفيفة من القهوة:
أقولك على إيه ولا إيه بس!
قولي كله يا عبلة، من إمتى أحنا في بينا الرسميات دي.
في إيه؟
قولتل لك إن عاصي بعد عن البنت دي، بس فيه حاجة مش مريحاني، حاسة إنها لسه في حياته!
انكمشت ملامح سوزان بالغضب المدفون:
إزاي يعني؟
تنهدت عبلة بتحير:
إزاي دي لسه هعرفها.
وكمان كملت باللي اسمه تميم والبنت اللي معاه، ولا عالية اللي زعلانة من جوزها ليها يومين وقاعدة فوق.
مالها عالية!
أنا قولت لك يا عبلة، البنت لسه صغيرة ملهاش جواز في السن ده، أنتِ اللي صممتي، معرفش بتفكري إزاي.
ثم شردت سوزان بحزن وأكملت:
ساعات بقعد أفكر وأقول لو رغد بنتي لسه عايشة، كنت هخليها أسعد بنت في الدنيا، كنت هخليها تعيش الحياة صح مش جواز وهم ومسؤولية.
كانت هتبقى بعمر عالية لو لسه عايشة.
تلون وجه عبلة التي غيرت مجرى الحديث بسرعة وقالت:
سيبك من كل ده، البنت هدير بنت جيهان ناوية لعاصي على نية سودة، غلطتي إني وافقت أجوزهاله، سوزان أنا عايزة أخلص من البنت دي النهاردة قبل بكرة.
قولت لك يا عبلة البنت دي مش سهلة، ومش هتستفيدي حاجة لما تجوزيها لعاصي.
تفوهت عبلة بندم:
كنت فاكرة إني هحطها زي الخاتم في صباعي، بس من وقت حملها والبنت محدش بقى عارف يكلمها.
طيب وأنتِ ناوية معاها على إيه؟
تنهدت عبلة بشرارات الحقد:
مستنية أشوف لو حامل في ولد ولا بنت.
بمعنى؟
لو طلعت بنت، يبقى تذكرت سفر لبعيد، هخلص منها هي واللي في بطنها قريب.
ولو ولد هستناها تولد الأول وبنفس الطريقة اللي قتلت بيها مها، هتموت بيها.
لم يتبدل لون وجه سوزان كأنها روت عليها قصة لمصفف الشعر، استقبلت الأمر براحة ويسر، حتى سألت عبلة بغرابة:
سرحتي في إيه تاني؟
فجرت عبلة جملتها الساحقة:
عايزة بنت من بتوع تأجير الأرحام دول.
لمين؟
هتفت عبلة بإصرار:
عاصي دويدار لازم يكون عنده ولد من صلبه يا سوزان والأ هيعيش عمره كله مطمع من اللي حواليه.
هو بس يجيب لي الولد ومش عايزة حاجة تانية.
تعجبت سوزان:
أنتِ غريبة أوي يا عبلة.
نفسي أفهم دماغك فيها إيه!
عايزة تعرفي اللي في دماغي.
عاصي يجيب لي الولد واكتبه باسمك أنتِ وتتجوزوا.
تحرك الفنجان من يدها:
إيه!
مش عايزة عاصي يحب ولا يتجوز أي واحدة، عايزاه يركز في البزنس وبس وانتِ انسب واحدة للطريق ده، أنا مش هجيب له عيلة صغيرة تأكل بعقله حلاوة، ما صدقت بعدته عن اللي اسمها حياة دي.
••••••
وصل مراد من سفره الذي أخذ منه ثلاثة أيام في مدينة العلمين الجديدة ليباشر مشروعه الجديد بالمنطقة، واستغلها لتكون فرصة معقولة كي تسترد فيها عالية رشدها، ويمكن أن يتحدث معها.
وصل إلى شقته قبل الظهيرة وما أنه جاء ليفتح باب شقته أوقفه نداء المُحضر قائلًا:
دي شقة المدعو مراد المحلاوي.
تعلقت المفاتيح بالباب وأجابه:
أنا مراد.
أشار له الرجل:
طيب ممكن تمضي هنا.
أيه ده!
أمضي على إيه.
دي دعوى خُلع من السيدة عالية شهاب دويدار.
انسكبت الجملة على رأسه كدلو مليء بالثلج وهو يأخذ الإخطار منه ويمضي بعجل وما أن غادر المُحضر دخل مراد شقته وهو يطلع على الصحيفة المُعلنة بميعاد الجلسة.
أحمر وجهه بدماء الغضب الكظيم حتى توقف على أعتاب الأسباب التي قُدمت للمحكمة بالأدلة القاطعة تحول مراد إلى بركان محترق، يلتهم كل ما يُقابله.
غادر شقته على الفور متجهًا إلى قصر دويدار.
في الدقيقة التي غادر فيها تميم وشمس القصر وصل مراد بصوت سيارته المجنون، دفع الحارس من أمامه واقتحم البيت صارخًا باسمها:
عاليـــة.
وثبتت عبلة مفزوعة ثم لحقت بها سوزان، تقدم ثنائي الشر نحو مصدر الصوت حتى جهر مراد بصوته الأشبه بالرعد:
بنتك فين؟
لوحت عبلة بتوبيخ:
إيه الهمجية دي!
انت داخل زريبة؟
وأنتوا لسه شوفتوا همجية!
ثم صرخ مناديًا:
يا عالية!
بالأعلى تنتفض رعبًا وهي تدور حول نوران التي لا تعلم شيئًا:
طيب اهدي وانزلي شوفيه، ده شكله مجنون كويس إنك سبتيه!
عالية برعب:
مش هينفع مش هقدر يا نوران.
اجري اجري اقفلي الباب كويس.
أما عنه بالأسفل تفاقم صياحه حتى حاوطه الحرس من الخلف، هددته عبلة قائلة:
اسمعني يا مراد أنت لو ممشيتش من هنا هتندم ندم عمرك وهنسى إنك ابن اختي؟
رد ساخرًا:
وأنتِ من إمتى كنتِ فاكرة!
ثم ركض على السلالم مفتشًا عنها، تابعت عبلة خُطاه بعد ما أشارت للحرس أن يبقوا مكانهم، صعدت خلفها سوزان وهي تتساءل:
ماله المجنون ده يا عبلة.
غرفة وراء الأخرى فتح بابهم بدون إذن حتى وصل إلى باب غرفتها المغلق بإحكام، فلم يستطع فتحه، أخذ يطرق عليه بعنف:
أنا عارف إنك جوه يا عالية افتحي والا هكسره على دماغك!
صرخت عبلة بوجهه:
بص لي هنا، أنت عايز إيه منها ما خلاص يا أخي طلقها وريحنا هو بالعافية!
ثم قالت سوزان:
ده مجنون ولازم يتعلم الأدب كلمي البوليس يا عبلة.
لم تتحمل عالية أن يُبلغ عنه، ركضت وفتحت الباب بسرعة ووقفت أمامه بوجهها الشاحب وضعفها وقالت بصوت خفيض:
عايز إيه يا مراد!
أمسك بمعصمها بقوة ورجها أمامه وهو يرمي الورقة بوجهه:
بقا أنت يا عالية تروحي ترفعي عليا قضية خلع، وتستغلي رحمتي معاكي بالطريقة دي!
تصدقي فعلًا إن عرق دويدار عمره ما هينضف!
صرخت عبلة بوجهه:
دا أنت كمان قليل الأدب.
أنا هكلم عاصي يجي يتصرف مع اللي زيك.
تناولت سوزان الورقة الساقطة بالأرض وقرأتها، تحمست للدفاع عن عالية، وصاحت:
البنت غلطت في إيه؟
ده بدل ما تستخبى في بيتكم جاي تتهجم على بيوت الناس!
تدخلت عبلة بعدم فهم:
في إيه يا سوزان؟
الورقة دي فيها إيه!
صرخ مراد بوجهها:
عاجبك كده؟
لم يمنحها الفرصة للتبرير بل جرها خلفه كما تُجر البعير حتى امتزج صراخها بتهديدات سوزان وعبلة.
وقفت أمامه عبلة لتوقفه ولكنه صرخ بوجهها:
ابعدي عن طريقي الساعة دي.
وبنتك لما تتعلم الأدب وتتربي هبقى ابعتهالك، بلاش تدوري عليها لإنها هوديها في مكان الجن الأزرق ما يعرفهوش.
ضرب أحد الحرس بكتفه واخترق صفوفهم وأخذ زوجته من لعنة قصر دويدار وبعدما دفعها بالكنبة الخلفية للسيارة انطلق كالمجنون مغادرًا ذلك القصر الذي أقسم على هدمه يومًا ما!
صرخت سوزان بوجه عبلة بقلق:
أنتِ إزاي تسيبي البنت كده، ده متهور وممكن يعمل فيها حاجة، كلمي عاصي بسرعة يا عبلة!
صرخت عبلة بوجه الحرس:
انتو واقفين تتفرجوا، روحوا شوفوه هيروح بالبنت فين!
•••••••
وصل عاصي لشقـة حياة برفقة بناته، فأشار إليهم نحو أحد المقاعد:
استنوا هنا.
دخل عاصي باحثًا عنها بجميع الغرف مناديًا باسمها بدون فائدة، تسرب القلق لصدره حتى أنصت لصوت أنينًا خافتًا، اتبع مصدر الصوت بلهفة حتى وصل إلى المطبخ وجدتها تنكمش حول نفسها وترتعش، جلس على ركبتيه أمامها وهو يفرد في ساقيها المضمومة التي يتقطر الدم من أواخرهن:
حياة مالك، بص لي هنا.
حصل لك إيه!
تمتمت بكلمات غير مفهومة:
هو، البحر.
أنا خايفة.
ثم صرخت بصوت مدويٍ رماها بين ذراعيه تنتفض وخرطت دموعها على كتفه وقالت بحالة من الهذيان:
هو.
أنا ماليش ذنب، أنا كنت متأكدة إنك جاي، خليك هنا عشان هو مش هيسيبني.
ذاق مرارة رخو يد أحببها للمرة الثانية، فتحول الأمر بالنسبة له كصراع مع الحياة ألا يترك لها شيء تعلق به مرة أخرى.
ربت على كتفها قائلًا:
هتبقي كويسة، أنا جنبك فوقي.
بعدها عنه كي يجفف دموعها فوجدها تنهار أكثر وتغوص في نوبة عصبية:
هو قتل قلبي ودمر حياتي، أنا افتكرت.
أنا افتكرت كل حاجة.
جاء ليمسح على جبهتها وشعرها فوجدها عبارة عن لوح من الثلج المتجمد من كثرة البرودة، تمسك بكفوفها الباردة وتفاقم قلقه وخوفه:
أنا لازم أكلم دكتور.
ثم انحنى ليحملها بين يديه وأخذت تلتمس من صدره الدفء وهي تنكمش بداخل صدره حتى قالت جملتها الأخيرة بدون وعي:
متمشيش، خليك هنا معايا.
أنا خايفة أوي.
وضعها على الفراش وقام بتدفئتها جيدًا ثم أسرع الاتصال بالطبيب متجاهلًا سيل الرنات المنهمر على هاتفه، وبعد ساعة من فحص الطبيب لحالتها وضرب حقنة مهدئة بوريدها، وقف عاصي معه أمام باب الغرفة:
طمني يا دكتور.
زي ما اتوقعت صدمة عصبية، وكمان لخبطت في أودية المخ والأعصاب اللي بتاخدها، وصلوها للحالة دي، اديتها حقنة مهدئة، خليك جنبها عشان أي مضاعفات لازم تروح المستشفى.
ما كاد أن يتحرك الطبيب خطوة فتراجع قائلًا:
المدام بدأت دماغها تعمل استرجاع بين الماضي بالحاضر، يعني ممكن موقف يحصل يفكرها بموقف مرت بيه قبل كده.
خليك جنبها الفترة دي لأنها فترة مش سهلة.
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم نهال مصطفي
قدمت روحي استقالتها عن الحياة ومتاعها
وقررت الاعتكاف بمحراب الحُلم الذي يمنحها أيامًا هنية
اقتلت من تُربة العمر
بُتر الحب من قلبي وبات الآن فارغًا ومهجورًا حتى استوطنت العناكب صدري
أصبح فؤادي خرابًا بعدما كان بستانًا من الورد يفوح منه رائحة حبك
استقبل العم حسين كل من شمس وتميم بشوق وترحيب
وكانت صدمته عندما وجده على مقعدٍ متحرك
تغاضى عن الأمر بسرعة وأمر بنت أخيه أن تُرحب بضيوفه وتقديم واجب الضيافة إليهم
غادرت الفتاة كي تترك عمها مع ضيوفه
ساد الصمت للحظات قطعه عم حسين متسائلًا
طمني يا بني أي حال القصر دلوقتي وناسه عاملين أيه
ثم تفوه بحنين
هييييييه والله زمان
تدخلت شمس
واضح أن المكان وأهله غاليين عليك
قوي يا دكتورة
هناك اتعرفت على أم إيمان مراتي الله يرحمها
عشت في القصر سبع سنين
وكانوا أحلى أيام والله
سأله تميم
طيب ومشيت ليـه
تنهد الرجل المُسن بتأوه
شوف يا ولدي أي حاجة تدخل فيها الحريم لازم تخرب
تبادل الثنائي النظرات بغرابة حتى سألته شمس
يعني أيه يا عم حسين
هز الرجل رأسه ثم قال
أيام الست فردوس
كانت أحلى أيام
ست كُمل ومحترمة وبنت أصل
كانت أول واحدة اتجوزها شهاب بيه دويدار
وهي سبب سعده وهناه
لحد ما مرضت وجالها المرض الخبيث
خيم فطر الدهشة على وجوه المستمعين
وأيضًا ملامح وجه العم التي سيطرت عليها الحزن
قال تميم
كمل يا عم حسين
أقول أيه بس
فجاة البيه الكبير حاله اتشقلب
بالأخص بعد ما شاف بت صغيرة من دور أحفاده
بنت المحلاوي
كان في مصالح مع أبوها واتجوزها
كانت عيلة صغيرة كل ليلة لازمًا تروح المستشفى
لم يتفهم تميم مغزى حديث العم وسأله
هي كانت مريضة
لا يا بيه
البنت كانت عيلة صغيرة مش دارية بعالم الجواز ده كله
هز تميم رأسه متفهمًا
بعد ما اطرقَت شمس رأسها باستحياء ثم غيرت مجرى الحديث
طيب والست فردوس
عاشت الباقي من عمرها ترعاها واحدة من الشغالين
لحد ما ماتت بحسرتها بعد جواز البيه بسنتين
لا حول ولا قوة إلا بالله
قالها تميم وشمس في نفسٍ واحد
سأله تميم بعد ذلك
وايه اللي حصل بعد كده
بعد وفاة الست فردوس
وحال البيه الكبير اتشقلب أكتر بقا واحد تاني
خاصة أن الهانم الصغيرة كانت
كانت أيه يا عم حسين
ثم واصلت شمس سؤالها بسؤال تميم قائلة
حاله اتشقلب ازاي
دخلت نعمة بنت أخيه فقطعت حوارهم لتقدم مشروب الضيافة
شكرها العم ثم شمس التي أردفت بامتنان
تعبتي نفسك ما كانش له لزوم
وده كلام
دانتوا نورتونا
ثم انسحبت مغادرة في هدوء جعل الأنظار تنتقل نحو العم لسماع بقية الحكاية
أكمل العم بخجل
يعني شُرب وستات وأمور استغفر الله
كان يرجع من بره مش واعي بالدنيا
عاش سنين كده لحد ما كان هيخسر كل فلوسه
ارتشف رشفة من القهوة ثم صمت بعدها
أخذ يفكر قبل ما يواصل حديثه حتى أكمل قائلًا
كانت الست عبلة كبرت ووعيت
من هنا مسكت هي وأبوها أملاك دويدار وقدرت ترجع اسمه تاني للسوق
وكمان رجعت تكسب البيه الكبير بالخصوص لما حملت
توقف العم عن سرد الأحداث
فسأله تميم
ما تكمل يا عم حسين وقفت ليـه
أصلو في الوقت ده الست هانم مشت كل الخداميين والعمال وبما فيهم أنا
وجابت غيرهم
شمس بفضول
متعرفش أيه السبب
معرفش يا بتي فجأة لقيتها بتقولنا استغنيت عن خداماتكم وهتجيب أجانب يخدموها عشان خدمتنا مش عاجبة الهانم
خيمت نظرات اليأس والإحباط على الثنائي
حتى تفوه تميم متسائلًا
تعرف واحدة من الخدم كان اسمها تحية
اكملت شمس بحماس
تحية مرزوق الأسيوطي
تغيرت ملامح العم حسين بمزيجٍ من الخوف والنكران حتى قال بتمويه
بين حيطان القصر ده أسرار كتير
أحنا ما كناش نعرف منها غير المسموح لنا نعرفه وبس
يعني مش فاكر واحدة بالاسم ده
العتب على السن يا بيه
كانوا كتير أوي وناس بتمشي وناس بتيجي
بس اللي أعرفه أن فيهم واحدة كانت عاجبة البيه الكبير
ويمكن ده سبب تغير الخدم كل شوية
سألته شمس بعد ما استأذنت بعيونها تميم
تقصد الست مديحة مامت تميم
هز رأسه نافيًا
لالا
الست مديحة كانت بنت خال مراتي
وهي اللي ودتها القصر عشان تشتغل هناك بعد ما مشينا بكام سنة
وهي الوحيدة اللي اتجوزها البيه رسمي
وأنا كنت شاهد على عقد الجواز ده بنفسي
لانها كانت وحدانية وملهاش حد
غربت الشمس وغربت معها المشاعر التي تحولت لدماء تلطخ السماء
ظل يتجول الطرقات بعشوائية بدون جهة بعينها
خارج صامت لكن داخله ثورة عارمة تريد الانفجار
كان موقف عالية أصعب من أنها تبدأ ببنت شفة
ظلت ترمقه بعيونها الحائرة بصمت حتى أصيبت بدوار من كثرة الطوف والسرعة الجنونية التي يتنقل بها
أصدرت أنين الوجع وهي تتمسك ببطنها حتى تفوهت بألم
اقف هنا لو سمحت
لم يستجب لطلبها بل زود سرعة عربيته أكثر حتى صرخت متوسلة وهي تسند رأسها على المقعد الأمامي
بقولك أقف هنا مش قادرة
أوقف السيارة فجأة محدثة صوت صاخب
حتى هبطت منها بسرعة وتقيأت مياه أحشائها
أخذ يُراقبها من بعيدٍ خلف زجاج سيارته مكابحًا قلبه ألا يحن أو يئن لضعفها
جلست على أحد الأسوار وهي تخسر وعيها شيئاً فشيئاً
ترتفع أنفاسها وتنغلق جفونها حتى لاحظ بوادر تغيبها عن العالم
هبط بسرعة من سيارته واتجه نحوها
لم تر منه إلا سواد حذائه اللامع
تشبثت في سترته الرمادية بأصابعها الضعيفة وتكاد روحها تنسحب
تفوهت بأنين الضعف وهي تبتلع حلقها
أنا مش قادرة
حاسة روحي بتتسحب مني
لان صلب غضبه وهو يرمق أصابعها المتشبثة بملابسه حتى اقفلت جفونها ورمت رأسها على بطنه
انصهر جليد الثلج بقلبه وحملها بين يديه بحنو ووضعها بالكنبة الخلفية بالسيارة
تمددت بضعف وهي لا ترى منه إلا صورة مشوشة
صعد مراد سيارته مرة واخرى
ولكن تلك المرة حدد وجهته
بابي هي أنطي حياة هتفضل نايمة كدة كتير
أردفت تالية جملتها الأخيرة بعدما ملت من الانتظار
هز عاصي رأسه بعجز وقال
هي تعبانة
شوية وهتبقى أحسن
أحنا هنبات هنا
ظرفته بسؤالٍ غير مخطط له برأسه
فقد توقف تفكيره حد اللحظة التي كانت تتعلق بعنقه وترتعش من شدة خوفها
تنهد بحيرة وهز رأسه
لو بقيت كويسة هنمشي
تدخلت داليا في حوارهم وسألته ببراءة
بابي حضرتك بتحب مامي أكتر ولا أنطي حياة
فرغ فاهُ في ذهول
لسؤالٍ آخر لم يكن مستعدًا للجواب عليه ولكنه وضعه أمام قلبه وجهًا لوجه
فأخذ يُقارن بين الاثنين
بين امراة أسعدها الحظ لتكون زوجته
وبين آخرى أسعده الحظ ليكون زوجها
واحدة حلت مذاق الحياة بقلبه
وآخرى منحته قلبًا جديدًا وحياة جديدة
إمراة لم يتجرع إلا الحب في هواها
وآخرى جعلته يعيش جملة من المشاعر في آنٍ واحد
الأولى قُدمت إليه كوجبة سائغة ولذيذة
أما الثانية كمن طهى وجبته بنفسه وشاق في إعدادها
أنثى الشمس وأنثى القمر أيهما سيختار
من أنعشت قلبه في لؤلؤ حبها
أم تلك التي أحرقتـه في هواها ومازال يُحبها
كررت داليا ندائها عليه بعدما طال شروده
يا بابي
روحت فين
معاكي يا داليا
كنتِ بتقولي أيه
لوحت بكفها بيأس
حضرتك لحقت تنسى
معلش
سرحت فالشغل بس
صرحت تاليا بصوت أعلى
دودو يابابي كانت بتسألك بتحب مين أكتر أنطي حياة ولا مامي
آه
ثم عقد جبينه
مش صعب السؤال ده
لو سمحت يا بابي جاوب بقا
فكر لبرهة ثم مط الحديث لينال وقتًا إضافيًا من التفكير
أنتِ بتحبي الأيس كريم ولا الشوكولا أكتر
رفعت أصبعيها
أنا بحب الاتنين أكتر من بعض
تعلق في جوابها كالغريق في بحر الهوى
وأنا كمان بحب الاتنين أكتر من بعض
لا مش ينفع الكلام ده
معلش ينفع ومشيها
قطعت تاليا حوارهم
بابي حضرتك ليه مش بتحكي لنا عن مامي
يعني أنا معرفش غير صورتها وبس
هي كانت طيبة كدة زي أنطي حياة
مسح عاصي على شعرها بإرهاق
أنتو حد مسلطكم عليا النهاردة ولا أيه
ما تيجو نعمل حاجة مفيدة بدل الرغي ده
هتفت تاليا بمرح
تيجي نلعب
لا نلعب أيه
تيجو نعمل أكل لأنطي قبل ما تفوق
بابي أنت بتعرف تعمل أكل
أسبل عيونه بتفكير ثم وثب قائمًا وحملها على كتفه
أدينا هنجرب لو نجحنا يبقى بعرف أطبخ
ركضت داليا ورائهم وسألته بعفوية
طيب لو فشلنا
أخفض نبرة صوته
يبقى نخبي الأكل ونطلب من بره ومحدش يطلع السر ده لأي حد
مفهوم
شرع عاصي في تجهيز طلبات ما سيصنعه من شوربة صحية بأجواء من المرح مع صغيراته ولكنه كان في ورطة كبيرة خاصة بعد ما فصلت بطارية هاتفه فلم يجد وسيلة للمساعدة إلا الاستعانة بالوصفة التي كان يُعدها لزوجته أثناء فترة حملها
وصل مراد لشقته حاملًا عالية بين يده
عاونه حارس العمارة على فتح الباب مهللا
الف مليون سلامة على الهانم يا بيه
أردف مراد بحدة
اقفل الباب وراك
وأي حد يسأل عليا أنا مش موجود هنا
فاهم
اتجه نحو غرفة نومها الأولى ووضعها برفق وشد فوقها الغطاء
أصدرت أنين الكلل والعناء ممسكة بيده فتلاقت أعينهم المدججة بالتيـه
ثم قالت بوهن
لازم نتكلم
سحب كفه بجفاء
ارتاحي أنت دلوقتي
ثم ترك الغرفة وقفل بابها برفق وهو يقفل ألف باب بقلبه لا يريد اغلاقهم
تقلبت عالية في فراشها تذرف عبرات الندم وهي تضم الوسادة إلى صدرها مردفة بلوم
أزاي يا عالية توافقي تهيني نفسك وتهنيه معاكي بالطريقة دي
مهما عمل ازاي توافقي تردي الاساءة بالاسوأ
ضمت ساقيها إلي صدرها أخذت تبكي بصوت مكتوم
ياربي سامحني
أنا عارفة أنك زعلان مني
كان مراد يتألم بالخارج مثلها
يعاتب نفسه سرًا ويعاتبها علنًا وهو يطيح بكل ما يقابله متسائلا
ليه ياعاليه لييه
ليه تحطينا في الموقف السخيف ده
لــــــــيه
ايه اتشقت الأرض وبلعته
مش عارفين هو فين
صرخت عبلة بجملتها الاخيرة بنبرة غاضبة بوجه الحرس اللذين فشلوا في العثور على عاصي
نظرت إلى سوزان بجزع
كلهم أغبية
شايفة الاشكال اللي أحنا مشغلينها
في تلك اللحظة دخل شمس وتميم بعد ما أنهوا لقاءهم مع العم حسين
بلعت بقية غضبها من اختفاء عاصي وخيبة رجالها ووجهت شعلة نيرانها إلى تميم
أهلا
أهلا بيكم في قصر دويدار إللي بقى فندق للي رايح واللي جاي
جاءت نوران تركض من أعلى وهي تتوسل لشمس وتميم
عالية جوزها جيه واتخانق هنا واحنا من الصبح هنتجنن من قلقنا عليها
يعني أيه الكلام ده
قال تميم جملته بصدمة وهو يخرج هاتفه
فأوقفته عبلة ساخرة
متحاولش محدش بيرد لا مراد ولا عاصي
وأدينا أهو بنتفرج على الكوارث وهي بتحصل ومحدش عارف يلحقها
شمس بقلق
تميم أنت عارف شقته فين
تعالى نروح لهم
أردفت عبلة ساخرة
شوفي غيرها يا دكتورة
مراد مش في شقته ومش مجنون عشان يروح على مكان نعرفه
جهر تميم بغضب ممزوجًا بالعجز
يعني ايه الكلام ده
أخدها وراح فين يعني
كلموا هدير أو كريم يتصرفوا ويوصلوا لأخوهم
ربتت شمس على كتفه
ممكن تهدى
ممكن سوء فهم بينهم وهيتحل
تفوهت سوزان بضجر مفعم بملامحها
دي رافعة عليه قضية خلع وفضحته علنًا
هو أيه اللي هيتحل ده شخص مريض وهيدمر البنت ومش عارفين ممكن يعمل فيها ايه
صُدم تميم مما سمعه وقال بحيرة
خلع ايه وايه الهبل ده
عبلة باستهزاء
يعني طلع عيان ومختل وبيبجح
ثم تمتمت متوعدة
وديني لأربيك يا مراد
هو مش عارف عالية دي تبقى بنت مين
كادت رأس شمس ان تنفجر
أنا مش فاهمة حاجة
أيه اللي وصل علاقتهم لكدة
مدت نوران ورقة الدعوى لأختها بتردد
قرأت شمس ما بها سريعًا بفاه مفتوحٍ ثم قالت
عالية مستحيل تعمل كده حتى ولو ده حقيقي
في حاجة أحنا منعرفهاش
ضحكت عبلة بسخرية
تعرفي تنقطينا بسكاتك
اللي البنت مش عارفة تقوله لحد فينا راحت قالته في المحكمة
زفرت شمس بإصرار
عالية مستحيل تعمل كده أنا متأكدة
جاء كريم من الخارج متسائلا بدهشة
متجمعين عند النبي
بس أيه اللمة اللي تقلق الواحد دي
صرخت عبلة بوجهه
اسمع يا كريم تتصرف وتلاقي أخوك اللي اسمه مراد ده من تحت الارض ومن غير ليه
تشتت رأس كريم وغمغم
يبقى في مصيبة فعلا
صرخت سوزان بحرقة لا تعلم سببها
ربما لأنها دوما ما تهتم بحقوق المرأة ومناصرتها
أنت لسه هنا
أخوك لو مظهرش أنا هنزل أعمل محضر في القسم
وأنا كمان يا بابي عايزة أدوق
هتفت تاليا بحماس لتذوق ما صنعه أبيها بكل حب
وساعدوه فيه
ملأ الملعقة ووضعها بفم صغيرته منتظراً تقييمها بلهفة
تابع تغير ملامح صغيرته التي صاحت مهللة
دي جميلة أوي يا بابي
غمز بطرف عينه
جميلة
جميلة ولا جميلة وهنتفضح عند أنطي حياة
اتسعت ابتسامتها وأشارت له بعلامة إعجاب بإبهامها وهي توصف مذاقها
تجنن بجد يابابي
أنت شيف شاطر جدًا
هتفت داليا بحماس
أروح أصحي أنطي حياة
فك مريلة المطبخ من حول خصره وقال
لا تعالى
سيبوني أصحيها أنا وأنتم جهزوا السفرة
هتعرفوا
تبسمت داليا
هنعرف هنعرف
سيدة علمتنا
أخذ نفسًا طويلًا قبل الذهاب إلى الغرفة النائمة بها
حيث فتح بابها بهدوء وقفل الباب خلفه
ثم اقترب من المخدع الذي يحويها بأحزانها وجلس بجوارها يتأمل تلك الحورية التي خُلقت القصائد لوصفها
أخذ يداعب شعرها بحنو لن يزور قلبه منذ زمن مضى
بمشاعر من التملك كأنها جاءت من عالم بعيد لأجله
أنفاسها المنتظمة كانت شافية لعليل قلبه
وجهها النائم الوافي لمقاصد باب الهوى
لم يتمالك نفسه لطبع قبلة حنونة فوق جبينها وقال بهمس
كفاية نوم بقا عشان تأخدي علاجك
اهتزت كأن في جوفها معركة
أنت هنا بتعمل أيه
ممكن تهدي
أهدي يا حياة
التوتر دا مش صح عشانك
ابتعدت عنه منكمشة حول نفسها وصرخت
أنا مش عايزة أشوفك تاني
جيت هنا ليه
كبح يده بألا تلمسها كي لا يتضاعف خوفها وقال بهدوء
هنفذلك كل حاجة
بس أهدي
بدأت ثورتها تهدأ تدريجيًا وهى ترمقه بنظرة كأنها أرادت أن تمنحه فيها وسام الأمان حتى أكمل
البنات بره ومستنينك من بدري
ممكن نأجل أي خناق وزعل وكل ده عشانهم
مش عايزهم يحسوا بحاجة
ممكن
حياة أنا أول مرة أطلب منك طلب
طالعها بعيونه الراجية
هاه
قولتِ أيه
لم تنكر أنها بحاجة الي اللمة لتعوض قلبها الخائف عن أيام الوحدة والقهر
لن تنفى الاعذار التي منحها له القلب جعلتها قبلت على مضض وهى تومئ بالموافقة حتى تمدد شدقه ببسمة أمل في الغفران
تنهد بارتياح قائلًا
غيري هدومك ويلا مستنيكي بره عشان تاكلي
رفعت جفونها بحيرة من أمره وتحوله الغامض وهزت رأسها باستسلام
حاضر
تحبي أساعدك في حاجة
توترت قليلًا
لا شكرا
أنا هتصرف
بس
هز رأسه متفهمًا وقال برتابة كي لا يفضح اهتمامه الزائد بها
ااه البنات جابولك هدايا بره
وحاجات بنات كده أنا مفهمش فيها حاجة
رغم الصداع الذي يضرب برأسها لكنها لم تكبح نظراتها المكذبة بشك
البنات
ااه محبوش يجوا فاضيين
ذوقهم هيعجبك متقلقيش
في الثانية عشر بعد منتصف الليل
كنت متأكدة أنك لسه منمتش
أردفت نعمة التي تقوم بمراعاة عمها بجملتها الأخيرة عندما وجدته يتحدث مع نفسه وهو يطالع السماء
أفسح لها مكانًا على الكنبة الخشبية
تعالي يانعمة يا بنتي تعالى
ليه ياعمي ما قولتش الحقيقة
السر مهما عدت عليه سنين لازم يطلع للنور
هز رأسه مؤكدًا لحديثها
معاكي حق يابنتي
بس مينفعش
مش هقدر
هما جم هنا ليه يا عمي
زي ما قولتي كده يا نعمة
السر لازم هيجي عليه وقت ويتكشف
ودي ريحته يابنتي
وهتفضل ساكت لحد أمتي ياعم حسين
أنت عشت سنين طويلة قلبك مش عارف يرتاح
أهو جيه الوقت اللي تريح فيه ضميرك
شرد العم في حديث بنت أخيه وقال بعجز
هقول حقيقة مش كاملة
قلبي بيقول لي أن دي مش كل الحقيقة
وفي جزء مهم مفقود سره عند عبلة المحلاوي
رفضت نعمة ما يقوله عمها وقالت معترضة
وهو في سر أكبر من أنها اخدت ولد من الست الشغالة عندها وكتبته باسم جوزها
دي ست جبروت
أيوة يا نعمة يا بنتي في
زي ما قولتي دي ست جبروت
نعمة متسائلة
يعني كدة تميم بيه المفروض هو الوريث الشرعي لعيلة دويدار
هز رأسه بعدم اقتناع
عاصي ابن تحية
الست اللي كانت شغالة خياطة في القصر
طيب أبو عاصي ده فين
أزاي ساب ابنه كده بسهولة
تحية كانت جاية هربانة من بلدهم مع الواد اللي بتحبه
وضحك عليها بورقة جواز مزيفة
ولما حملت هرب ومحدش يعرف له طريق لحد دلوقتي
رمقته نعمة بذهول
والله ياعمي أنا حاسة أني بتفرج على مسلسل
معقولة كل ده حقيقي
ثم تفوهت بسؤالها الأخير
بس أنت عرفت كل ده أزاي يا عمي
صخب الأرض برمتها تكدس في رأسها التي تصدح بصداع لم تعهده من قبل
تتقلب على جمر من تأنيب الضمير يحرق في جدار قلبها فتنذرف بدموع لم تنهن
نهضت من فراشها بحالة من الجزع والضعف عدم قدرتها على تحمل المزيد من العذاب
وثبت قائمة وفتحت باب غرفتها ووقفت على أعتاب غرفته ذات الباب المفتوح وأخذت تراقبه من بعيد بعيون معتذرة
دنت منه ببطء افاقه رائحتها التي لم تخاصم قلبه بعد
رفعت الغطاء وتمددت بجواره
وفي تلك اللحظة ولى مراد وجهه ناحية الاخرى التي لا تطل عليها
اقتربت منه وحاوطت خصره بهزل واندست بجسدها المرتعش به
ظل محافظًا على هدوئه وصمته كي لا يُقاطع أفعالها التي تعلن بضعفها
بللت حلقها وقالت بنبرة متحشرجة
أنا عارفة أنك صاحي
وعارفة انك مش طايق تبص في وشي بعد اللي عملته
انخرطت دموعها على وسادته وأكملت معتذرة
أنا معرفش ليه سمعت كلام المحامية وازاي اقنعتني أوافق بكلامها
أنا مستحيل أعمل كده ولا كنت افكر في كدة
كانت انتفاضة صوتها وجسدها صداهم بقلبه
أكملت نزيف قلبها
أنا تايهة أوي
حاسة أن كل المكان مش بتاعتي
حتى أهلي والناس اللي حوليا حاسة انى معرفهمش ولا انتمي لحد فيهم
لحظتها خرت في بكاء كالشلالات وأكملت
عشت حياة كلها قهر وظلم
معنديش صحاب
كله بيخاف يقرب مني لما يعرف أني بنت دويدار
عشان كده مكنتش بخرج من البيت ولا أروح مكان
حتى لما كبرت
محدش من الشباب كان يستجرى يتعرف عليا ولا يقرب مني
لانهم مش أد عيلة دويدار وكان الرفض هيبقى مصيرهم
كله كان عادي
لحد ما لقيت نفسي متعلقة في ورطة وفضيحة
وفجأة لقيتك دخلت حياتي إهانة وتعذيب
منكرش أنك حد كويس
ولما عرفنا بعض بقي في بينا احترام
ثم اجهشت باكية بصوت دفين
حتى لما قولت لك طلقني
حسيت اني مش عايزة كده ورجعت معاك
كنت حاسة أنك نصيبي من الدنيا وخلاص رضيت بيه
ولما جيت لك اسكندرية كنت ناوية أننا نعيش طبيعي ونبني حياة جديدة سوا
لحد اللي حصل واللي مش عايزة افتكره
خلاصة كلامي أن أحنا الاتنين غلطنا
أو الدنيا بتختبرنا وبتمرنا على حياتنا سوا
ساد الصمت طويلًا منتظرة جوابه حتى همست برجاء
أنا أسفة يا مراد
سامحني
أنا أول مرة أغلط في حقك
وعارفة أنه غلط مش مغفور وإهانة كبيرة ليك
بس من كل قلبي أسفة
متزعلش مني
كانت كلماتها كالجمر المتساقط على قلبه يحرقه حرقًا
اعتدل في نومته نائمًا على ظهره وهو يطالع السقف
تفوهت بصوت مرتجف
مش هترد عليا
ثم ضمت على كفه
مراد أرجوك
متعملش فيا كده
حاسة قلبي هيقف من عذاب الضمير
زفر دخان غضبه وطل على بحر دموعها وأخذ يجففهم بحنو
وضعت كفها المرتعش على كفه المبلل بمطر حزنها
حقي عليا
والله أسفة
تحمحم بخفوت ليتخلص من زفير وجعه وهو يداعب خدها بإبهامه وسألها بعتب
انا عارف أنك عشتي أيام مش سهلة يا عالية
وعارف وجعك وأد ايه بتعاني
بس كل ده مبرر عشان تهنيني وتهيني عرضي
ده جزاء إني كنت بتقي ربنا فيكي وكنت عايزك تبقي مراتي بإراداتك
غلبت دموعها حديثها
أنا تايهة أو يا مراد
متشتتة
ثم فاض الدمع منها وطالعته بعيونها المشتعلة بحمرة الألم
تعالى ننسى كل ده ونبدأ من جديد
كأننا أول مرة نتقابل وأنا أوعدك والله مش هزعلك
قولت أيه
لما قفلت عليكي وأصريت أننا نتكلم عشان تعرفي أني والله معرفش الست دي
كان عشان نفتح صفحة جديدة فعلا يا عالية
مش عشان أنا حابسك ومقيد حريتك
الغضب عماني والله
اتوجعت أوي لما شوفت البنت دي في بيتك
كنت حاسة بنار بتاكل في قلبي من جوه
اهتز لكلامها ثم طبع قبلة اعتذار على جبينها
بدأ خفقان قلبها الضائج يهدأ
رفعت جفونها الراجية
سامحتني مش كده
صدقيني يا عالية
أنا زعلان عليكي مش منك
ثم وثب قائمًا ولم يجرؤ على تكملة الحديث بعيونها وقال
راجل مكاني كان هيبقى له تصرف تاني على اللي حصل
بس أنا لأخر لحظة بحترمك
وبحترم نفسي
وثبت قائمة بثقل
قصدك أيه يا مراد
فكر طويلًا ليحسم الصراع الدائر بين قلبه وعقله وكبريائه
ربت على كفها برفق وأخذ يتأملها لأخر لحظة تحل فيها له ثم قال بثبات
أنتِ طالق يا عالية
أنطي عجبك الأكل
أردفت داليا سؤالها الأخير وهي تندس بصدر أبيها بعدما ارتمت على ساقه
لاحظت قُربه وانسجامه معهم فأدخل السرور على قلبها رغم غضبها منه
أومأت بخفوت
جميل يا حبيبتي
ردت داليا بعفوية
بابي هو اللي وقف في المطبخ وعمل الأكل بنفسه
دي أول مرة تحصل في الدنيا
حدجته بعيونها الكاشفة
غريبة
قال لي أنه طلبه من بره
هو يا أنطي خاف مش يعجبك
عشان كده مش قال الحقيقة
حك عاصي ذقنه مفكرًا للخروج من هذا المأزق
ولكنها علقت قائلة
يعني بابي كان بيكذب
تدخل موضحًا
كذبة بيضة
عديها
جاءت تاليا لتجلس بالمنتصف بينهم وقالت بحماس
أحنا هنبات هنا يا بابي
ثم أكملت داليا
أصلا بكرة أجازة
يعني مفيش school
أطال النظر بحياة ثم قال
نستأذن أنطي حياة الأول
لو وافقت هنبات
سُلطت الأنظار نحوها حتى وجدت نفسها تجيب بتلقائية
أنتوا أصلا وحشتوني أوي
خليكم هنا وبابي يروح عشان شغله
أيه رأيكم
عض على شفته متمتمًا
ده طرد علني
ثم جهر
على فكرة
أنا كمان أجازة بكرة
هلل الصغار بمرح
يس
يعني هنبات هنا وهنلعب كتير
ربت عاصي على كتف صغيرته داليا ثم قال
ممكن تروحوا تناموا عشان كده كتير
والصبح هعملكم اللي عايزينه
وقفت تاليا أمامه واضعة ذراعيها على خصرها
هننام فين
ألقى نظرة حائرة نحوها ثم قال
الأوضة اللي تعجبكم ناموا فيها
وأنا وحياة ننام في الأوضة التانية
أمسكت داليا بكف أختها وركضا الاثنان ناحية أحد الغرف
ولى وجهه نحوها فوجدها عركت ملامحها من جديد
ثم قال ممازحًا
أي الوش ده
أنادي على البنات من تاني طيب
لا أنا مش بحب الست اللي تكشر في وشي
تتأهب للمغادرة فأمسك بساعدها قائلًا
رايحة فين
استني
تراجعت عن فكرة الهرب منه ولكنها لم تتراجع عن وجهها المكتظ
صمت للحظات منتظرًا ترتيب الحديث قبل أن يقوله
اقترب منها قليلًا ثم أطال النظر بعيونها تاركًا زمام الحوار لقلبه
مكنش قصدي أوجعك
أو أجرحك
ولا أجبرك على حاجة أنتِ رفضاها
ارتخت عروقها وهي تنصت إليه بآذان قلبها ثم أكمل بلين
أنا لحد اللحظة دي مش مصدق أني عملت كده
مش أنتِ لوحدك اللي كنت خارجة عن الوعي يا حياة
أنا زيك في لحظة مابقتش شايف غيرك
ومتسأليش ازاي بس ده اللي حصل
ذرفت دمعة من طرف عينيها تعلن حيرتها المتكدسة بقلبها فتلقاها على إبهامه متوسلًا
مش عايز أشوف دموعك ممكن
أنا عارف أن غلطي مش سهل
وعارف اسف الدنيا كلها مش هيوفي غلطي
بس قوليلي أعمل أيه
استخرطت في البكاء ثم قالت
سيبني وأمشي
تعالى نرجع لنقطة أننا متقابلناش
وقت ما كنا ما نعرفش بعض
رد بعجز
حاولت بس مقدرتش
شوفي أي حل تاني غير أنك تبعدي
أنا مش هفرط فيكي
ليـه
مش وصلت للي عايزهُ
عايز مني أيه تاني
أطرق بأسف ثم سرد وجعه الذي لم يواجه حقيقته منذ زمن
منكرش أن دي كانت نظرتي ليكي في الأول
أول ست ترفضني
اتجننت
كنت عايز أوصلك بأي وسيلة
بس بعد اللي حصل
ثم أخذ نفسًا طويلًا
لا
وألف لا
الموضوع طلع جوايا أكبر ما كنت اتوقع
لأول مرة ابقي مش فاهم أنا بعمل أيه
أنت عايـز توصل لأيه يا عاصي
رد بعفوية
أوصل لك
قفلت جفونها كي تخفي ما أجابه لقلبها وقالت
وأن قولت لك لا
مش هينفع
رد بإلحاح
هفضل وراكي لحد ما ينفع
مسح على وجهه مزفرًا بقوة
حتى مش لاقي تفسير لتصرفات المراهقين دي
أنا ماكنتش كده
حدجته بزرقة عيونها الغارق بيهم
كده أزاي
مش عارف أركز في أي حاجة حوليا
تايه ومش شايف غيرك قدامي
بقيت الدنيا كلها متساويش حاجة وانت مش هنا
هنا جمبي
روض الكلام قلبها فتحرك نحوه بفيض من المشاعر المدججة بالحب
وقالت بمرارة
أنا فعلًا ممكن أكون متجوزة قبل كده
بلع مرارة سؤالها ثم قال
لا أنتِ مش متجوزة
وفي حاجة مش مظبوطة في الموضوع ده كله
وممكن تنسيـه زي ما أنا نسيته
خلاص مش هنتكلم في اللي فات
تفاقمت الحيرة على ملامحها الحائرة كأنها تريد أن تقول شيئا ثم تراجعت عنه
ما كادت أن تنهض ولكنه أوقفها متسائلًا
عايزة تقولي أيه ورجعتي في كلامك
فكرت طويلًا حتى أحست بالحاجة للحكي
أرادت التخلص من أشباح واقعها وقالت بتيـه
بحر وموج ومطر
وانا متكتفة عاجزة مش قادرة اتحرك
حتى مش قادرة أصرخ
كان البحر متعصب أوي والسما كمان
كنت مرمية على الشط في مكان بعيد
كان قدامي شخص مش قادرة اتخيله غير حيوان متوحش بيفترس ضحيته
أنا كنت بنهار
ده كابوس مش مفارقني
بشوفه وأنا نايمة وأنا وصاحية
كل ما افتكره بدخل في نوبة عصبية
ببقى عايزة أموت نفسي
ثم طالعته بمقلتيها الذابلة
أنا مين
فكر طويلًا فيما سردته حتى قال باهتمام
حياة ركزي معايا
ده حلم شفتيه ولا حاجة بين الماضي والحاضر
يعني حاجة حصلت فعلًا وذاكرتك بتسترجعها
هزت رأسها يمينًا ويسارًا وهي تسترجع تفاصيل ما يرعبها حتى سالت دموعها وقالت بوهن
مش عارفة
أنا مش عارفة أحدد حاجة
لاحظ تغيرها وتبدل حالة الهدوء التي كانت عليها إلى حالة أكثر اضطرابًا وصخبًا
بدأت برعشة صوتها ثم انتقلت لبقية جسدها
أسرع ومد لها القرص المهدئ الذي وصفه الطبيب مع كوب ماء
ترددت قبل أن تأخذهم حتى أرغمها بنظرته الحادة أن تتناول دواءها
لبت طلبه على مضض وما أن ابتلعت قرصها
جذبها هو إلى صدرها وأخذ يمسح على شعرها كي تستكين بين يديه
أغمضت عيونها كي تفتش عن لحظات غضبها منه ونفورها الدائم نحوه فلم تجد
نشجت في صمت مما جعله ينطق بلهفة
قولنا أهدي
أنتِ تمام ومفيش أي حاجة
أنا جمبك
من منهم بحاجة إلى هذا الحضن
هي الخائفة أم هو التائه والمُضل في بحر هواها
أخذ يمسح على شعرها حتى آمنت فـ نامت بين يديه
طبع قبلة خفيفة على رأسها ثم باتت يده المطوقة والمتوقة بلهب العشق من أعلى لأسفل تسعى بأمان سكن به وفيه قلبها
مد يساره ليتناول هاتفه المُعلق بالشاحن
ما أن فتحه انهالت التنبيهات بالرسائل فوق رأسه
فتح آخر رسالة وصلت على هاتفه وكانت من يسري عبارة عن رسالة صوتية يقول بها
“عاصي بيه
في حاجة غريبة شوفتها النهاردة ولازم تعرفها لحد ما اتاكد
قاسم صفوان عايش وموجود هنا في لندن “
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم نهال مصطفي
لقد جئتني في الوقت الذي أدركت فيه أن لا فائدة للحلم، جئت لتحرق أحلامي الوردية التي تنتظر على ناصيتها الفارس صاحب الحصان الأبيض وقصر الهوى الذي سيشهد على ضحكاتي الرغدة. جئت بعيد كل البعد عن خيالي، ومع ذلك نسيت أميري وأحببتك بثيابك المهلهلة ووجهك المشحم، وسقطت في وادٍ عيناك التي رسمت لي الحب جسرًا وأشتهيت المرور عليه بكامل إرادتي. أحببتك وأنت لا تنتمي لأحلامي، وفارقتك كعقوبة من قاضي الهوى الذي تمردت على قوانينه ورضيت بأقل مما هفا له فؤادي.
***
تبدلت ملامح وجهه الساكنة بقربها، وثارت عريكته التي تحولت لغضب يحرق كل ما يقابله. أنصت لصوت دقات قلبه التي ازدادت فجأة، وابتعدت عنه بعد ما أرجعت خصلة من شعرها وراء أذنها، وسألته:
"حصل حاجة؟"
انتهى من كتابة رسالة نصية ليسري يؤكد عليه أن يتبع خطوات المدعو قاسم، وسيتواصل معه صباحًا. قفل شاشة هاتفه بعد تلقيه لتلك الصاعقة التي لم يعد يتحمل بعدها كارثة أخرى، ورد بنفي:
"لا، متشغليش بالك أنتِ."
حدجته بنظرة تكذيب:
"متأكد؟"
غير مجرى الحديث وسألها:
"بقيتي أحسن دلوقتي؟"
أومأت بخفوت:
"أنا تمام.. أحسن شوية."
احتوى كفها بحنو مفرط، وقال وهو يناظر نجوم عينيها اللامعة:
"وأنا مش عايز أشوفك غير في أحسن حال."
أطال التأمل بسمائها معلنًا لقلبه حقيقة تمسكه بها:
"وأدركت أن مبرري وشغفي بهذه العزلة معك أني أجد فيكِ ما لا أجده وأنا مع الناس، قربك مرآتي التي أكون أنا فيها على الحقيقة بلا لون آخر. يحيى المرء بفضل تلك الأشياء النادرة، وقلبي حيّ بكِ."
وصلت رسالته لقلبها فانتفض من مكانه واهتز كيانه، وقالت لتهرب من تلك الورطة التي لا مفر منها:
"أنا هقوم أنام.. بعد إذنك."
وثب أمامها بقامته العالية وهيبته الشامخة، ووقف أمامها قائلًا بعرفان:
"شكرًا لأنك كنتِ لطيفة معايا قدام البنات، وبالعكس انبسطوا قوي."
بعدت عيونها عنه وقالت بجمود:
"ده عشان خاطر البنات وبس."
تبسم لعنادها الطفولي وقال:
"وأنا راضي ياستي."
ثم تنهد بتعب:
"يلا روحي نامي، وأنا هنام هنا."
رغم رفض دواخلها لقراره، إلا أنها اكتفت بإيماءة خافتة ونظرة أخيرة من مقلتيها، وانسحبت بهدوء تجر ذيول تخبطها وحيرتها. أخذ يتابع حركتها في الممر حتى اختفت. توقفت على باب الغرفة وألقت عليه نظرة لم يفهمها، واختبأت بعدها محتمية بالجدران التي تفصل بين قلوبهم التائهة.
ظل قلبها يخفق بشدة خاليًا من مشاعر الغضب التي استبدلت بمشاعر السلام المحيطة بقلبها كالغيمة الباردة التي تتوق لقوسي شمسه لتتلاشى بينهم كأنها لم تكن. أمسكت برأسها المعترضة على طيشها ومراهقتها التي لا تليق بامرأة واعية مثلها، وقالت بحزم:
"الجنان ده مش هينفع.. لازم يكون في حل!!"
ثم ألقت نظرة على ملامحها بالمرآة وسألت قلبها الصاخب:
"أنتِ عايزة إيه بس؟!"
أما عنه، تمدد على الأريكة رافعًا ذراعه فوق جبهته، ثم زفر بضيق:
"ولما نشوف موالك إيه أنت كمان يا قاسم أفندي."
ثم نهض سريعًا وفحص هاتفه للمرة الثانية التي اكتشف فيها ما حل بعالية وما فعله مراد نهار أمس، بدون تفكير أخذ مفاتيحه وفارق المكان هائمًا على وجهه متوعدًا:
"وشرفي ما هرحمك يا ابن المحلاوي.."
***
"من وقت الحفلة وأنا مش ملاحقة على الكوارث والله يا فريد."
قالت "عبلة" جملتها وهي تتمدد على فراشها بكلل بعد يوم متعب استنفذ كل طاقتها. أشعل فريد سيجارته واتجه نحو مخدعه وهو يهاتفها بنبرة الخداع والمكر:
"مش أنا قايل لك أي مشكلة تكلميني على طول.. ولا أنتِ مش واثقة في فريد؟"
"لا لا يا فريد بيه، بس محبتش أشغلك بمشاكلي، أنت أكيد عندك حياتك وشغلك."
ثم غمغمت بتخابث:
"ومراتك..؟"
اندلعت منه ضحكة مرتفعة وقال:
"أولًا أنا مش متجوز، ثانيًا بقا وده الأهم عبلة هانم المحلاوي تتكلم في أي وقت، والشغل وحياتي كلها تقف عشانها."
تبدلت ملامحها الفضولية لأخرى منتصرة وقالت بدلال:
"ده كتير والله.."
"ولا كتير ولا حاجة، المهم حصل إيه معكر مزاج الهانم، احكي لي."
"في الغرفة الثانية"
التي يقطن بها تميم وزوجته، أحضرت شمس كوبًا من مشروب "الينسون" الدافئ له ووضعته بجواره بعجز وهي تعاتبه بعيونها:
"لازم تنام شوية، السهر ده هيتعبك أكتر."
رد باختناق:
"أنام إيه بس يا شمس، وده وقت نوم! أنتِ مش شايفة المصايب اللي بتتحدف فوق دماغنا."
جلست أمامه على طرف السرير وقالت بهدوء:
"من حقك تقلق، بس من كلامك حسيت أن مراد شخص محترم مش زي أخته ومامته.. يعني أكيد مش هيأذي عالية."
"مش كده؟"
تنهد بضيق شديد لعجزه وقلة حيلته:
"نار الغضب بتحرق الأخلاق والعقل، وعالية ولعت نار هي مش قدها.. مفيش راجل هيبقل الإهانة دي ويسكت."
ثم ختم جملته بقبضته القوية التي فرغت غضبها بالكومود وأكمل بعصبية:
"والدليل أهو اختفى ومحدش فينا عارف يوصلها.. أنا هبلغ الشرطة."
"استنى بس، متكبرش الموضوع، دي في الأول والآخر مراته يعني ممكن تلاقيهم اتصالحوا دلوقتي وبقوا سمن على عسل."
ثم ارتسمت ابتسامة خفيفة على ثغرها كأنها تذكرت شيئًا فاحت رائحة ذكراه، وقالت بشرود:
"فادية الله يرحمها، لما كنت أتخانق أنا ونوران مكنتش تدخل بينا خالص، كانت تقول لنا: اتنين ما ينفعش تدخلوا في مشاكلهم مهما حصل، واحد ومراته، واتنين أخوات.. المتجوزين بينهم صلة روح، والأخوات صلة دم.. وأي طرف تالت هيبوظ مش هيحل."
رمقها بإعجاب ثم تمتم:
"يارب يا شمس، أنتِ متتصوريش عالية دي مش أختي وبس، لولا الظروف كنت هعرف أحميها كويس."
ثم عادت ملامحه المنكمشة مرة أخرى:
"بس وديني لأرد لك القلم اتنين يا مراد، عشان تعرف تبلطج وتمد إيدك على أختي."
قطع حوار صوت صخب سيارة عاصي التي اقتحمت ممر القصر بسرعة متناهية:
"عاصي جايه.."
ركضت شمس نحو النافذة وقالت بلهفة:
"عاصي جايه.."
تحرك تميم بمقعده بسرعة نحو الباب فلحقت به شمس:
"استني رايح فين!"
هبط تميم على المنحدر الملاصق للسلم الذي خصص لأجله ليواجه أخاه معلنًا الحرب بينهم:
"أهي كل المصايب دي بسببك.. شوفت آخر تهورك وعنادك! مين دفع التمن دلوقتي غير عالية المسكينة."
"هو إزاي الحيوان ده يتجرأ ويتهجم على البيت بالهمجية دي!"
قال عاصي جملته بصوت كالرعد أيقظ أهل القصر. قفلت عبلة مع فريد بسرعة وارتدت روبها الحريري وخرجت إثر مصدر الصوت. خرج تميم عن صمته الذي طال لسنوات وقال:
"الهمجية مش بتولد غير همجية زيها، أنت اللي هنت أختك لما أجبرتها تتجوزه، وأدي النتيجة مش عارفين هي فين ولا ممكن يكون عمل فيها إيه."
خرجت هدير من غرفتها وعلى المقابل كانت عبلة تركض على درجات السلم بلهفة وذعر:
"إيه! صوتكم عالي كده ليه؟ أنتوا فاكرين بالزعيق ده حل!"
ثم اقتربت من عاصي وحدقته معاتبة:
"ولا حضرتك لسه فاكر إن ليك أهل وبيت مسئولين منك! لسه راجع دلوقتي تدور على أختك؟!"
نفض دخان غضبه الحارق بوجهها:
"ابن اختك لو لمس شعرة من عالية أنا هنسفه من على وش الأرض."
ثم وجه نظره لهدير وأكمل بعواصف غضبه مهددًا:
"وصلّي الكلام ده لأمك.. أخوكي لو مظهرش أنا هخليه يتمنى الموت ومش هيطوله."
ساد الصمت للحظات يتبادل فيها الجميع النظرات حتى تدخلت شمس قائلة:
"ممكن تهدوا، ده جوزها ومهما كان سوء الفهم مابينهم هيتحل."
تحولت أنفاس الجميع لدخان يحترق عقد ضباب سوداء فوق رؤوسهم. هاتف عاصي رئيس الحرس بغلظة:
"تعالالي.."
في تلك اللحظة سمعوا صوت وقوف سيارة بالخارج وحارس الأمن يهاتف عاصي بواسطة اللاسلكي المعلق بالبيت:
"عاصي بيه، مراد بيه وعالية هانم دخلوا القصر."
ركض عاصي هائمًا على وجهه وتابعه الجميع بلهفة. هبطت عالية صاحبة أعين السمك الميت، عيونها الجاحظة ولكنها مغيبة تمامًا عن الوعي. انطلق عاصي إلى السيارة وهجم على ياقة مراد وسحبه من السيارة صارخًا بوجهه:
"انزل.."
هرولت عالية لتفصل بين شجارهم صارخة:
"عاصي أنت مش فاهم حاجة.. سيبه."
دفع عالية من أمامه بيساره، تابعتها يمينه بلكمة قوية تحت عينه وصرخ بوجهه:
"أنت بأي حق تتهجم على بيتي بالسلاح وتمد إيدك على أختي!!! ده أنا انسفك من على وش الأرض يالا!"
دفعه مراد بقوة ليتخلص منه، وعاتبه بغضب:
"لسه فاكر إن ليك أخت؟ أختك اللي رميتها عشان بس صورتك قدام الناس ومكانتك؟ عشان تنفي شوية إشاعات!!"
ثم ثبت عيونه بعيني عبلة:
"ولا خالتي اللي معتبتش بيتي تطمن على بنتها؟ كأنها بيعة وصدقتوا ما خلصتوا منها؟!"
فأشار بسبابته نحو صدره:
"أنا آه غلطت وغلط مش هسامح نفسي عليه من أول ما قبلت بالجوازة دي.. قبلت أدخل لعبة رخيصة واستخدم حد ملهوش ذنب عشان أحقق اللي عايزه!!"
بلل حلقه ثم أتبع:
"بس اللي عايز أوصل له، ما عشّمني قلبي؟ ولا خلاني أقرب من واحدة لسه مش عارفة مشاعرها إيه ناحيتي! أختك دي أنا غلطت في حقها زيكم بالظبط ومهما حاولت أعوضها مش كفاية، الطريقة الوحيدة اللي ترجع بيها لنفسها هي إني أطلقها.. علاقتي بأختك بقيت مستحيلة، أهي عندك ملمستش فيها شعرة."
ثم أخفض نبرته منبهًا:
"بس يا ريت تعرف تحافظ عليها وتحميها زي ما أنا عملت."
مجرد ما أنهى حديثه صعد سيارته على الفور وغادر لعنة ذلك القصر بسرعة. اقتربت عالية من عاصي ومسكت يده وقالت بأنين ضعف:
"أنا كويسة، محصلش حاجة."
أطرق نظراته بصدمة مما سمعه ولم يتحمل النطق بشفاه كلمة. اكتفى أن يضمها إلى صدره ويربت على ظهرها بحنان ثم همس معتذرًا:
"حقك عليا يا عالية.. كل واحد غلط في حقك وأولهم أنا لازم يتعاقب."
تدفق سيل دموعها الذي لم يتوقف، وقالت باستسلام:
"كلها دروس عشان نتعلم منها، وأنا اتعلمت واتعلمت كتير أوي.. متحملش هم ذنبي، أنا المذنب الوحيد في كل ده، أنا اللي كنت بقول حاضر على حساب نفسي وحياتي.. أنا اللي كان لازم أتعاقب وأهي الدنيا مقصرتش معايا."
أردفت كلماتها ثم انسحبت بهدوء، بدون كلمة واحدة مكتفية بالمعارك الطاحنة الدائرة بها. تود أن تبحث عنها وعمن تكون في داخلها في وسط الزوبعة العاكسة للأوهام، فلم تجد إلا دخانًا قد تلاشى مع بقية الأرواح المهاجرة بعد كل كارثة حلت بها.
اندفعت هدير نحوه وأخذت تربت على كفته بثقة وقالت:
"معلش يا عاصي متزعلش نفسك.. يلا تعالى ارتاح في أوضتك."
حدقها باشمئزاز ثم ابتعد عنها بدون كلام. جاءت عبلة من الخلف متنهدة:
"الحمد لله عالية بخير، هنام وأنا مطمنة عليها. بالحق بناتك فين يا عاصي؟"
أغمض عيناه طويلًا ثم أجاب بملل:
"عند خالتهم مروة."
مجرد ما أردف جملته رحل مفارقًا ساحة القصر متجهًا إلى غرفته. مالت شمس على أذن تميم قائلة:
"تعالى نطمن على عالية."
ما زالت عبلة تحت سطو ذهولها ثم صرخت لنفسها باعتراض:
"البنات بيعملوا إيه عند مروة!!"
تمتمت هدير ببراءة مزيفة:
"أنا هروح أطمن عليه."
انصرفت هدير محددة وجهتها وهي غرفة نومه. مجرد ما دخلت وجدته ملقيًا على مخدعه بحذائه الذي لم يتكلف ويخلعه. اقتربت منه بهدوء الحية قبل أن تلدغ فريستها وقالت بلين:
"معقولة نمت بالسرعة دي!"
ثم جلست بجواره وأخذت تداعب جدائل شعره بدلال حتى وشوشت إليه:
"إيه رأيك في حمام دافي ومساج يخلي كل الهم اللي على وشك ده يفك."
لم يتكرم ويفتح جفونه حتى لا يرى وجهها الذي يذكره بأخطائه الكبرى:
"اطلعي بره يا هدير."
ببرود:
"هطلع بس لما أطمن عليك بقيت كويس ولا لا."
فرغ من مرقده ثم خلع حذائه بكلل ورماه بعشوائية. شد العضلة فوق جسده متجاهلًا وجودها تمامًا وخلد إلى النوم. لم تتحرك من جانبه إلا لتنزع سترتها الفضفاضة مكتفية بملابس النوم وتمددت هي الأخرى بجانبه.
***
"لم يتحرك مراد من مقعده الذي احتواه طوال الليل وملابسه المقيدة لحركته. أحس بأزميل الفراق بدأ ينخر في قلبه، بات صدره وبيته خاليًا من وجودها للأبد، بات طيف وجودها يحاصره بكل مكان. من بداية قسوته معها لنعومة أيامهم سويًا. مر شريط الذكريات سريعًا حتى نطق عقله ليحسم المعركة:
"مكنش ينفع.. أنتِ اللي اخترتي يا عالية."
أما عنها، فلم يزر النوم عينها للحظة. كل ما بها ساكن تحت صاعقة الصدمة، صدمة الكلمة "أنتي طالق" والفراق وتبدل حالها لحال أسوأ. تجلس تحت الشرفة كالقرفصاء تناجي الليل والنجوم أن تدل حيرتها. لم تفارق هاتفها الذي كل حين وآخر تلقي عليه نظرة متأملة في اتصال حتى ولو بالخطأ منه.
ثم تدفق إلى قلبها سيل الشوق والحنين إلى التحدث مع الله كما كانت تفعل كل ليلة. نهضت بهدوء للتوضأ ثم افترشت سجادة الصلاة وبعد وقت طويل من السجود خرت باكية ومناجية:
"أعلم أنك لن تتركني وأنني في عنايتك وأنك ستدلني كلما تهت وستعيدني إليك كلما ابتعدت، وأعلم أنك تسامحني أكثر مما أستغفر، وتحرسني أكثر مما ألجأ، وتحميني أكثر مما أحذر، وتحبني أكثر مما أطيع. وأعلم أنني بئس العبد، وأنك نعم الرب. أستغفرك وأتوب إليك يا عظيم ولا حول ولا قوة إلا بك."
نهضت نوران على صوت نحيبها الدفين، فغاصت هي الأخرى في البكاء لأنها لا تملك وسيلة لتهون عليها، بل شاركتها في الهم والدمع.
***
فتح عاصي عينيه ما زال الغضب والنفور يحاوطه وتيقن من مصدره عندما ولى وجهه ووجد تلك الأفعى تتوسد مخدعه وتطوقه بذراعها. رماها بعيدًا ثم قال بضيق وهو ينفث دخان غضبه بقوة. نهضت هدير متخذة دور الزوجة الحنونة:
"حبيبي نمت كويس؟"
رد بإختصار:
"لأ.."
قامت خلفه:
"ليه..؟"
"عشان مش بحب حد ينام جمبي."
اقتربت منه متعمدة إثارة غضبه وتغنجت:
"حبيبي هو أنا وابنك حد! على فكرة أنا كنت همشي بس ابنك هو اللي صمم، شكله محبش يسيبك وأنت مضايق."
ثم غمزت بعينيها:
"مهنتش عليا."
تجاهل الشجار معها وشرع في خروج ملابسه من الخزانة ففوجئ بها تمرر أناملها على جدار عنقه وتقول:
"أنت هتاخدني بذنب مراد ولا إيه."
رد بتأفف:
"لا متقلقيش، كل واحد سجله عندي مليان وزيادة."
"يعني إيه..؟"
ولى وجهه إليها:
"تعرفي أنا عملت في حياتي جرايم كتير ومندمتش على حاجة فيهم.. إلا جريمة واحدة هفضل أدفع تمنها عمري كله، وهي إني اتجوزتك."
استقبلت إهانته ببرود وحاولت تلطف الأمر معه وهي تعانقه بدلال:
"أخص عليك يا عاصي، تصدق إن دي أحلى حاجة في حياتي إني اتجوزتك."
أجابها بفتور:
"طبيعي.. عشان حياتك كلها مفهاش حاجة عدلة ياهدير."
ثم أسقط ذراعيها من عليه واقترب منها بابتسامة غامضة حتى اندمجت أنفاسهم وهمس إليها بتخابث:
"حطيتي إيه لحياة في العصير؟!"
رفرفت رايات الصدمة على ملامحها وهي تغمغم:
"أنت عرفت إزاي!"
ابتسم بانتصار ثم قال:
"كنت متأكد إنك أنتِ اللي ورا الحركة الرخيصة دي! مش بقولك كل واحد دفتره مليان عندي."
هتفت مبررة:
"أنت بتقول أي جنان وخلاص! مالي أنا ومالي بست بتاعة دي."
اخفض نبرته:
"أهدي يا هدير! أنا بسألك بس عشان عايز أعرف اسمه إيه، مش يمكن أحتاجه تاني."
توترت قليلاً:
"أنت بتقول إيه! لو عايزني أمشي من البيت قول لي أمشي يا هدير لكن مش تتهمني بحاجات عشان تطلعني وحشة كده."
"أنا مش محتاج مجهود عشان أظهرك على حقيقتك، كل حاجة واضحة وضوح الشمس.. بس أنا ماشي معاكي بمبدأ خلي عدوك تحت عينك تسلم."
ثم انقض على ذراعها واحتدت نبرته المرعبة وصرخ بوجهها:
"أنا لو وريتك وش دويدار الحقيقي هتتمنى الموت، وللمرة الألف بقولهالك طلعيني من دماغك يا هدير."
"بلاش يا عاصي، بلاش تحطني في خانة العدو عشان مجربتش عداوتي."
أشعلت نار الانتقام برأسه من عائلة المحلاوي، فثارت عواصف غضبه معلقة بشعرها وشدها بعنفوان وهو يجهر:
"بس أنتِ مجربة."
فتح باب غرفته تحت صوت صراخها ودفعها بكل قوته بعيدًا عنه فاختل اتزانها وتكومت لتأكل بجسدها منحدر السلم الطويل وهي تستغيث صارخة.
هرول الجميع إثر صوتها الصاخب وصرخات استغاثتها. أما عنه فوقف ثابتًا يشاهدها بصدمة، فلم يسعى لأذيتها بهذه الوحشية. ركضت شمس ثم تابعها نوران وعبلة نحو مصدر الصوت. جلست شمس على ركبتيها وحاولت إفاقتها فوجدتها تغيبت عن الوعي وفقدت إدراكها.
تفوهت عبلة بصراخ:
"اطلبوا الإسعاف بسرعة دي بتنزف.."
***
فتحت حياة جفونها المطلة على الفتاتين اللاتي مللن الانتظار بمفردهن. تفوهت بصوت متكاسل:
"أنتوا صحيتوا بدري ليه؟"
تاليًا ببراءة:
"اتعودنا عشان المدرسة كل يوم."
أفسحت لهم مكانًا:
"طيب تيجوا تناموا جمبي؟"
داليا برفض:
"أنا جعانة عايزة أفطر."
ثم أيدتها تاليا:
"وأنا كمان جعانة."
أحست حياة إنها بورطة جديدة. نهضت بتكاسل وهي تلم شعرها:
"هو بابي مش بره؟"
هزت تاليا رأسها يمينًا ويسارًا:
"لا.. بابي خرج."
أصدرت حياة إيماءة خافتة:
"طيب تحبوا تفطروا إيه؟"
لم تلق منهم أي رد ثم أكملت:
"تعالوا نفكر في المطبخ!"
خرجت حياة من الغرفة ثم اتبعها البنتين وشرعت في إعداد وجبة الإفطار. سألتها داليا ببراءة:
"أنطي.. ممكن أسأل سؤال؟"
أخرجت حياة الخبز المجمد من المبرد ووضعته بالفرن الكهربي وقالت:
"اتفضلي طبعًا."
"أنتِ بتحبينا..؟"
"أكيد طبعًا وبحبكم أوي كمان."
"وبتحبي بابي!"
ظلت ترمقها بنظرات خرساء ثم قالت بذهول:
"ليه السؤال ده يا داليا؟"
"مش عارفة، بس أنا بشوف بابي فرحان أوي هنا."
ثم تدخلت تاليا:
"أنطي، حضرتك ليه مشيتي من القصر؟"
"والله يا توتا السؤال ده يجاوب عليه بابي، مش أنا.. هو اللي عايز كده."
ثم جاءت بسؤالٍ جديد:
"أنطي، أنتِ وبابي متجوزين.. مش كده؟"
غمغمت بتيه:
"والله منا عارفة حاجة؟"
ثم جهرت بصوت مسموع:
"آه.. آه يا حبيبتي."
"يعني أنتِ تبقي مامي؟"
تتزاحم الأفكار في ذهنها فلم تستطع تميز شيئًا منها سوى إيماءة خافتة ثم قالت:
"آه، طبعًا مامي عند ربنا.. بس أنا موجودة هنا لو احتجتوا أي حاجة."
طلبت منها الصغيرة بترجّي:
"طيب ممكن تبقي تروحي معانا المدرسة عشان صحابي يشوفوا ويصدقوا إنك مامي بجد."
"إن شاء الله يا حبيبتي."
ثم أردفت تاليا سؤالًا أحدث رجة بصدرها:
"أنطي.. لو جبتي بيبي هيكون أخونا الصغير؟"
"إيه!"
ثم بللت حلقها ونبرتها المبحوحة وقالت:
"ليه الكلام ده يا توتا."
"عشان نفسي يكون عندنا بيبي صغير نلعب بيه أنا وداليا. بس مامته متكونش أنطي هدير عشان مش بتحبنا.. ولا أحنا كمان بنحبها."
هربت حياة من قسوة أسئلتهم على رائحة الخبز المحترق وقالت بفزع:
"العيش اتحرق.."
جاء عاصي في هذه اللحظة، فسمع البنات صوت مفاتيحه فركضن فرحين مهللين بقدومه. تنفست حياة الصعداء وأخرجت زفير أسئلتهم المحرجة وقالت لنفسها:
"اهدي اهدي.. دول عيال صغيرين.. هتعملي عقلك بعقلهم!"
ثم عادت لتكمل الفطار بفوضى وعدم تركيز ولم يصدح برأسها إلا طلب البنات الغريب. وضعت كفها على قلبها النابض ثم جوفها فقالت برفض قاطع:
"مستحيل.. أنا أخلف من البني آدم ده!!!!!"
استلمت الفتاتين رأس أبيهم الذي خلع هموم القصر بخلع حذائه أمام الباب متناسيًا أمر هدير التي تجهض بالمشفى. سُحب بواسطة بناته إلى المطبخ وسألته أحدهم:
"بابي أنت رحت فين؟"
"روحت شغل ورجعت أهو."
ثم رفع صغيرته على بار المطبخ وأكمل بصوت عال:
"مقدرتش أبعد عنكم أكتر من كده.. لقيت قلبي مجرور لعندكم وسايب شغل أد كده ورايا."
ثم حمل الثانية بجوارها وهي تقول بسعادة:
"بابي أنا مبسوطة أوي."
"ليه، فرحيني معايا."
قالت داليا ببراءة:
"اتفقنا مع أنطي حياة هتجيب لنا بيبي نلعب بيه.. إيه رأيك؟"
ارتسمت ابتسامة واسعة على محياه وهو يجيب:
"وأنا جاهز جدًا، بس هي تأشر بس."
سألته بجزل طفولي:
"أحنا هننزل نشتريه سوا من عند الدكتور؟"
قهقه عاصي بصوت عالٍ جعله يتناسى همومه المتكدسة ويهرب إلى ملاذه الوحيد بين صخب الحياة. رصت حياة الأطباق على الطاولة ثم نادت بحدة:
"الفطار جاهز."
تاليا بمرح:
"يلا يا بابي نفطر."
ملأ الرباعي أضلاع السفرة المربعة وشرعوا في تناول فطورهم بصخب مفعم بأسئلة بناته ومزاحه معهم حتى غمز لها بطرف عينه متسائلًا:
"سرحانة ومش معانا خالص على فكرة."
لكت اللقمة في ثغره ثم ابتلعتها برشفة ماء وقالت:
"لا أبداً شبعت."
ثم وثبت قائمة وهربت من نظراته الحارقة ودخلت غرفتها. مسح ثغره ثم دخل وراءها بعد ما أكد على صغاره بتناول إفطارهم كاملًا، ومجرد ما قفل الباب خلفه قال:
"أنتِ زعلتي ولا إيه؟ أنا كنت بهزر على فكرة."
جلست على طرف السرير وسألته بجفاء:
"أنت جبتني هنا ليه؟"
حرر أول زرارين من قميصه ثم فكر طويلًا حتى جلس أمامها وقال بارتياح:
"عشان عايز أبعدك عن عاصي دويدار وجبروتـه."
أشاحت نظرها كي لا ترى عيناه وهي تتحدث فتصاب بأسهم الضعف مرة أخرى. قرأ الحيرة بعيونها فأكمل موضحًا:
"عالم عاصي دويدار مخيف ومرعب، أنا عايز أبعد عن كل ده، عايز أجيلك هنا كأنك تذكرة سفر حرة قادرة تخليني ألف العالم كله وأنا قاعد مكاني باصص في عيونك."
صمت طويلًا ثم قال:
"عمرك ما هتحبيني وأنا لابس توب دويدار.. التوب ده أكبر لعنة في حياتي، عايزك الركن الهادي اللي أرتاح من الدنيا بحالها عندك. هنا عايز أنسى أنا مين، وأنتِ الوحيدة اللي حسيت معاها بكل ده."
تركض في حلقة مستديرة يملأها الخوف. رجل لا يمكنه أن يفرط بها حتى ولو اتبع خطاها إلى آخر العالم. احتوى كفيها وتمتم راجيًا:
"خليكي مركبة النجاة اللي هتنقذني من العك اللي أنا عايش فيه."
"أنت قررت كل حاجة من غير ما تاخد رأيي، أنا مش الشخص اللي في خيالك؟"
نظراتها المهترئة المهزوزة التي تعلن قسوة قراره جعلته يتحرك من مكانه ليقترب منها قائلًا:
"أنت الحاجة الصادقة اللي جات لي من الخيال، مكنتيش مجرد خيال يا رسيل."
رفعت حاجبها باستغراب:
"أول مرة تقولي رسيل."
"لما الموضوع يتعلق بالبحر تبقي رسيل، كنتِ المية العذبة اللي خرجت لي من البحر، المية اللي روت قلبي، كنت رسول الحب بيني وبين البحر الوحيد اللي حس وفهم أنا عايز إيه وجابك لحد عندي.. تفتكري كل ده صدفة؟"
حانت منه التفاتة إلى ساعة الحائط ثم أكمل:
"كنتِ قاطعة النفس، كل اللي حواليا خافوا عليا اتورط فيكي، لما أمرتهم يرموكي في البحر حسيت بسلك كهربي كلبش في قلبي.. ودي كانت أول مرة قلبي يتحرك فيها من زمان أوي ومكنتش عارف السبب. لما بصيت في عيونك عشان أستدل تهت، تهت أكتر منا تايه."
أخذ نفسًا طويلًا:
"أول مرة أرغي وأكتشف إني رغاي قدامك، مش بقولك لقيت معاك عاصي اللي بدور عليه من زمان!"
"بردو ما ردتش على سؤالي، كل كلامك بتفكر في نفسك وبس، أنا فين من كل ده؟ مش يمكن مشاعرك دي كلها من طرف واحد! ليه بتعلق نفسك بواحدة هي مش عارفة هي مين!! ومستني منها تنور حياتك!"
أخذ يبتسم في هدوء عجيب مناقض لمجرى الحديث:
"طيب ما تقولي الكلام ده وأنتِ باصة في عيني."
اهتزت نظرتها وقالت:
"أي كلام."
"اللي قولتيـه.. قوليلي مش عايزاك، أبعد عني.. بس وأنتِ باصة في عينيا."
أصبحت أجمل في تمنعها وتدليلها عليه عندما أثقل على كتفيها مصيرهم. تحمحمت بخفوت ثم قالت بتوتر:
"أنت جايب الثقة دي كلها منين؟"
رد بثقة:
"مني."
زفرت بضيق أخفت وراءه ابتسامتها وقالت:
"والله!"
ثم أعلنت رفضها:
"بس أنا مش موافقة على الوضع ده.. أنا مش شقة مفروشة تيجي فيها عشان تريح دماغك."
"ما كنا حلوين قلبتي ليه؟"
ثارت محتجة:
"عشان الوضع ده مش عاجبني."
ثم فرت من أمامه هربانة وخرجت من الغرفة لتحتمي بالصغار من مكر الثعلب الذي يراوغ بقلبها بدون شفقـة. من قبيل خبرته بالنساء خفق صدره بانتصار وهو يقول لنفسه:
"شكلك هتغلبيني."
رن هاتفه في تلك اللحظة، أذن بعبلة معترضة:
"أنت فين يا عاصي، هدير هنا بتسقط وخالتك وكريم هنا وأنت اختفيت مرة واحدة، فينك."
هلل بفرح:
"يا فرج الله؟!"
ثم تحجج قائلًا:
"عندي شغل.. مضطر أقفل، سلام دلوقتي."
***
"يا عالية أنتِ لازم تاكلي عشان صحتك يا حبيبتي."
أردفت شمس جملتها التي كررتها كثيرًا حتى يأست من قبول عالية للطعام. تدخل تميم قائلًا:
"طيب أنتِ زعلانة ليه، مش اتطلقوا، ولو على حقك هيرجع لك صدقيني، وابن المحلاوي هنعلمه الأدب."
فزعت متوسلة:
"لا يا تميم.. وغلاوتي عندك بلاش أذية، مراد عصبي بس عمره ما قل مني بالعكس أنا اللي غلطت فيه."
رمقها تميم بنظراته الكاشفة:
"فيكي إيه يا عالية! متغيرة ليه؟"
"أبدا يا تميم.. أنا كويسة."
ثم تحججت هاربة من حصار نظراته:
"هنزل أتمشى شوية في الجنينة."
انصرفت عالية فاقتربت شمس منه وطالعته بنظراتها الحائرة. سألها تميم بفضول:
"شايفة إيه؟"
تنهدت شمس بألم ثم قالت:
"بتحبه، دي مش عالية اللي أعرفها، غير كده نوران بتقولي إنها طول الليل بتعيط، دا يدل إنه أثر فيها."
نفى تميم نظريتها:
"لالا.. عالية موجوعة وشايفة إنها اتهانت وهي ماتستاهلش، هي صعبانة عليها نفسها مش أكتر. حاسة إنها مكسورة."
أجابته بثقة:
"الحب الحاجة الوحيدة اللي تكسر أقوى ست.. وده اللي شايفاه في عالية."
ثم رفعت حاجبها متحدية وهي تعد له خبزة محشية:
"هتشوف مين فينا الصح."
مدت له الخبز وقالت بخفة:
"اتفضل كل أنت كمان ومتغلبنيش زيها."
أخذ الرغيف من يدها ثم غير مجرى الحديث قائلًا بغزل:
"أنا قلت لك قبل كده إن شعرك جميل!"
شرعت بطوي شعرها بخجل وهي تبرر:
"أسفة مأخدتش بالي، أنا اتشغلت بس مع عالية."
وأمسك ذراعها كي يكف عما تفعله وقال بحنو:
"وأنا عشان بقول لك شعرك جميل، تحرميني من شوفته، تاني مرة هبقى أعاكسك في قلبي يا ستي."
بات قلبها تحت خيمته يتراقص. بللت حلقها الذي جف وقالت بحزن:
"فادية كانت بتحب تضفره دايمًا، من يوم ما مشيت وأنا مش بعرف أعمله ولا عارفة أهتم بيه، بقيت مهملة فيه خالص."
"أنا بعرف أضفره على فكرة.. أممم لو حبيتي يعني، أنا بردو مش غريب!"
وثبت كالملدوغة متحججة:
"هروح أشوف نوران فطرت ولا لسه."
دومًا ما تكون حقائب صبر العاشق ضائعة في بحور الهوى. إلى متى سيتعمد دفن مشاعره المتحركة باستمرار نحوها؟ متى تفتح قلبها وترافقه دربه الخالي من البشر مكتفيًا بها بقية عمره.
***
"تحبي أخلصك من الجدع اللي اسمه مراد ده خالص؟"
أردف فريد جملته الأخيرة بعدما اطمأن على حالة عالية ووصولها لمنزلها. ابتعدت عبلة عن أختها بحذر ألا تسمعها وقالت:
"لا طبعًا، أحنا هنربيه مش هنخلص عليه.. ده مهما كان ابن اختي!"
نفث دخان سيجارته وقال:
"عمومًا أنا في الخدمة في أي وقت، حسيت بس إنه مزعلك، وأنا ما يهونش عليا أشوفك مضايقة."
"أفوق بس من الورطة دي، وهنفكر سوا نعمله إيه عشان يعرف إزاي يتهجم على بيتي."
فريد بمكر:
"أنتِ لحد دلوقتي ناسيه معادي مع عاصي بيه، وبصراحة البضاعة اللي معايا مينفعش تقعد أكتر من كده وزبونها واقف على الباب، ده بس لإن اديتك يا هانم كلمة."
"متقلقش بكرة بالكتير هاخدلك معاد من عاصي وتتفقوا."
اقتربت منها جيهان التي تشع نارًا من شدة الغضب وقالت:
"ده ابنك عاصي؟"
توترت عبلة وقفللت المكالمة سريعا:
"لا يا جيهان ده شغل."
هتفت جيهان بانتقام:
"هو فعلاً عاصي السبب في اللي حصل لبنتي يا عبلة!"
***
"قهوتك."
مدت له فنجان القهوة التي أعدته خصيصًا لأجله. أخذه منها كالغريق المتعلق بحبل النجاة:
"ده جه في وقت بالتمام."
وقف الثنائي يتأملان المنظر من وراء الشرفة. وبعد أول رشفة من القهوة أبدى أعجابه بمذاقها فقال:
"واضح كده مش عيونك وبس اللي هتجيبني على ملا وشي، فنجان قهوتك كمان طلع حكاية!"
تبسمت بخفوت ثم قالت دون النظر إليه:
"لما شفتك قُلت ده رجل مش بيعرف يتكلم غير بلغة الفلوس، حتى مشاعره واللحظات الحلوة اللي بيعيشها بيشتريها بفلوسه."
رفع حاجبه منتظرًا تكملة رأيها فيه:
"طيب ودلوقتي!"
"لازم؟!"
"لا أفهم، ما بحبش اللي يقول حاجة وميكملهاش."
أخذت رشفة من القهوة وقالت:
"حتى ولو هيضايقك!!"
يخشي نظرتها الحادة التي يفهم مغزاها جيدًا. مد قامته بشموخ ثم قال مراوغًا:
"خلي بالك اللي بيضايقني مجبر يصالحني، وأنا بكون استغلالي أوي في الحتة دي، بالذات معاك.. أممم هتلكك."
تراجعت على الفور:
"وليه الطيب أحسن؟!"
"خوفتي؟"
تحدته قائلة:
"مبخافش."
وبعينين لامعتين من شدة حبه للحديث معها:
"أومال جبتي وراي ليه وسحبتي كلامك!"
تنهدت بثقة ثم قالت:
"محصلش.. بس مش لطيفة لما أقول لعاصي بيه دويدار إنك اتعلمت الأونطة."
ضحك ملء فمه ولأول مرة تراه يضحك هكذا. ظلت ترمقه بعيون لامعة حتى انتهى من ضحكه قائلًا بثبات:
"منا لقيت إن الفلوس مش سكتك، قلت أما أجرب الأونطة."
"ولو مكنتش سكتي؟"
"متقلقيش هفضل أحاول لحد ما أعرف إيه هي سكتك؟!"
ثم غمز بطرف عينه:
"وراكي وراكي، مفيش مفر."
رمقته بشفقة على حاله:
"ربنا يعينك بقى."
تجرع آخر شيء بفنجانه وقال باحثًا عن هاتفه:
"موبايلي فين؟"
ردت على الفور:
"مع البنات بيتفرجوا على كرتون."
ثم أخذت الفنجان من يده وقالت:
"هرجعه المطبخ وأجيبلك الموبايل."
انصرفت من أمامه تتخبط بجدران حيرتها وتعجبها من تصرفاتها المبهمة، من أين ترفضه وتسعى لخلق الحديث معه، كيف تريد بعده وهي التي تتحاشى الأركان لتبقى بجواره! أخذت الأسئلة تجوب في رأسها حتى دخلت الغرفة على البنات وجدتهن نيام. شدت الغطاء فوقهم وسحبت الهاتف برفق وغادرت. أثناء عودتها إليه لم يتوقف يسري عن إرسال بيانات قاسم التي عثر عليها وبالصدفة فُتحت أمامها صورة قاسم القديمة، صورة جلاد روحها قبل ما يتحول لقاسم بيه صفوان.
تجمدت في مكانها تتفقد معالم الصورة حتى أحضرت ذاكرتها تفاصيل كابوسها المرعب.
###
"قاسم أنا مصدعة أوي، من وقت العصير ده وحاسة إني دايخة!! يلا نروح!"
مد ذراعه كي تستند عليه:
"نروح إيه، اسندي عليا بس واقعدي يلا اقعدي."
لم تتذكر إلا آهات وجعها وعجزها عن المقاومة، صوت صرخات البحر وتلاطم الموج غضبًا عن اغتصـاب روح حوريته. سُلبت روحها وسُلب معها الحياة وباتت فريسة لمكر ذلك الثعلب الذي تسلل إلى جسدها بدافع الحب:
"أنا مش هسيبك لحد غيري، أنتِ ليا وبس فاهمة! فاهمة يا رسيل!"
ساحت دموعها من مقلتيها وهي لا حول لها ولا قوة وتغمغم بحسرة:
"ليه.."
صرخ بصوت ينافس صوت البحر:
"عشان أعرف قنديل المصري مين هو قاسم صفوان اللي رفض يجوزه بنته، أعرفه إنك بتاعتي وبس حتى ولو العالم كله وقف قاصدي."
استردت حياة وعيها على صوت سقوط الهاتف من يدها ثم سقطت ورائه تائهة في حالة لا توصف من الذهول حتى اندلعت منها صرخة رفض لماضيها رجت قلب عاصي قبل أركان البيت.
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم نهال مصطفي
عندما يدق صوت فيروز أبواب قلبي ..
لا أتذكرك فقط .. بل أعود بكل قلبي إلى حكايتي معك التي كانت تشبه يومًا ما حكايات ديزني ، وإلى أكذوبة عهدك التي طوقت قلبي برائحة الياسمين.
يمر الوقت سريعًا في ذكراك وصبا قلبي الذي تحول لعجوز عاقر لن يجني إلا سنوات من القحط والفقر.
لم يحمل إلا قفة الخيبة بعد ما كان بستانًا من الورد المتنقل الذي تفوح منه رائحة الحب أينما ذهب.
تحولت أحلامي الوردية التي كانت ترسم خريطة فارس أحلامها من رجل ذي هيبة وجاه، رجل مفرط في رومانسيته، كثير المال والحب.
جميعها أحلام تحولت لكوابيس وتفاهة عندما أدركت المعنى الحقيقي للرجولة!
بالأخص عندما عرفتك!
بركان خامدٌ تفجر منها بدون إنذار مسبق، نحيب ثم بكاء هستيري ثم صراخ.
رج كيانه وانتفض لأجلها قلبه المندس بين ضلوعه عندما وصل صوتها إليه.
ردد بعدم تصديق:
حياة؟
هرول إليها وتحول خوفه لذهول لما وجدها في تلك الحالة.
جلس على ركبتيه بجوارها وهو يمسح على رأسها بلهفة ويتساءل:
حياة، حياة فتحي عينيكي وبصي لي.
ثم صرخ بجنون مبطن بالعجز:
حياة!! حياة مالك؟
دفعته بقوة كي يبتعد عنها وقالت بحرقة:
متقربش مني، أبعد.. أبعد، كلكم كذابين كلكم.
حاولت أن تنهض من مجلسها ولكن خدعتها أقدامها فأختل اتزانها.
فتلقاها بيده القوية وهو يتمتم:
طيب على مهلك.. فهميني حصل أيه!
بعدما استعانت به لمساعدتها أن تنهض، وقفت على ساقيها المرتجفة وأخذت تلملم شمل شعرها المتدلي على وجهها وهي تطلب منه بجفاء:
قولت لك أبعد عني.. متقربش.
ثم انخفضت أنظارها أرضًا، نحو الصورة ذات الملامح الوحشية.
فأحس بذعرها وهي تهذي:
هو ده.. هو، هو الشبح اللي كان بيطاردني في كل أحلامي.
أنا.. أنا مهما نسيت مش قادرة أنسى الخنجر اللي ضربه في قلبي.
دنا منها وحاول أن يهدئ من روعها، مجرد أنه لمس أكتافها صرخت كمن لدغه ثعبانًا وقالت برجفة فزع:
قولتلك متقربليش، مش عايزة أشوفك، مش عايزة أشوف راجل قدامي كُلكم كذابين كلكم.
توقف حائرًا بين تلبية مطلبها ومطلب قلبه.
فحسمت مشاعره الموقف واقترب منها قسرًا وهو يحملها بين راحتي يديه متجاهلًا خوفها وتمردها.
اتجه إلى أقرب أريكة ووضعها برفق.
كادت أن تعارضه فحدجها بحسم:
مدام مش حابة تتكلمي براحتك، لكن انسي إني أسيبك وأمشي وأنتِ في الحالة دي.
سكب الأقراص المهدئة ببطن كفه، وأرجع الباقي بالعُلبة.
مد لها القرص مع كوب المياه وقال برفق:
اشربي.
تململت على جمر الوجع وأبت أن تطاوعه بصمت، ولت أنظارها الجهة الأخرى.
فاض صبره من تمنعها فأحتدت نبرته:
متعانديش على حساب صحتك، اتفضلي اشربي ولا هضطر أحجزك في المستشفى بالحالة دي.
انسكبت سيول الحزن من مقلتيها ثم نهضت مرغمة وأخذت بكفها المرتعش الكوب.
وما أن ابتلعت القرص عادت مستلقية على الأريكة مرة أخرى وهي تضم ساقيها إلى صدرها وهي تتأوه بصوت مكتوم.
جلس على ركبته بجوارها وسألها بحيرة:
حصل لك أيه فجأة؟
أغمضت جفونها وتجاهلت الرد عليه.
زفر بضيق ثم عاود التساؤل:
حاسة بأيه طيب؟ تحبي اطلب لك دكتور؟
أجابته بدمعة منبثقة من طرف جفونها المنغلقة وهي تنشج بخفوت.
مسح على رأسها بحالة من العجز لم يعشها من قبل وقال:
هعمل لك حاجة سخنة تشربيها.
ما الذي يمكن أن يفعله المرء عندما تتحول غرفة قلبه الزجاجية إلى فتات؟
يجد نفسه أمام باب العزلة الجبرية عن جميع البشر، لأنه حتما سيجرح كل من يقترب من عتبة مشاعره.
إما لا يقبله أحدًا بحطام قلبه المتراكم!
مر طيف كابوسها كمشهد من فيلم رعب أمام عينها.
جرح واحد ارتكبه عاصي فتح كل الجروح بروحها.
جميع الجروح التي ضمدتها بالورقة والقلم.
اشتد حبل الذكرى حول رقبتها وهي تئن وتئن بعجز حتى ارتفع صوتها تدريجيًا فوصل لقلبه المنقبض قبل أذنه.
ترك ما بيده بسرعة وعاد إليها فوثبت من مرقدها صارخة بذعر وهي تنفي لذاكرتها كل ما حدث:
لا.. لااااا!
تلقى نوبتها العصبية بين ذراعيه وهو يطوقها برفق.
أخذت تتملص من حضنه حتى استسلمت في النهاية إليه.
أول ما فعلته سندت رأسها على قلبه وأرخت سدول تشنجها الرافض له.
لم يتوقف لسانها عن التمتمة بالرفض:
لا.. لا، في حاجة غلط… لا.
أحس باستسلامها ورضوخها وهدوئها التدريجي.
ظل يربت على ظهرها كالطفلة الصغيرة التي احتمت بحضن أبيها.
انخفضت أنفاسها حد السكون بعد مرور دقائق طويلة.
همس بأذنها بقلق:
اكلم الدكتور.
هزت رأسها بالنفي وقالت بنبرة مبحوحة مبطنة بالخوف:
هنام.
رد بلين:
تمام.. أهدي خالص، وأنا جمبك.. اطمني.
رمقته بعيني طائر ذبيح يلوم الجاني عما فعله حتى انقفلت عيناها تدريجيًا على لحن قلبه المضطرب والخائف أن يخسرها بعد ما وجد قلبه وحياته معها.
تناول المفرش بجانبه وبسطه فوقها كغطاء لتدفأ ثم ضمها إليه أكثر وملأ فراغات أصابعها المرتجفة بأصابعه وأخذت يساره تبث ميض الأمان بجسدها بتربيته عليها.
هي عاملة أيه يا دكتور؟
أردفت عبلة سؤالها في غرفة الكشف للطبيب لتطمئن على حالة هدير.
أجابها الأخر برسمية:
هي أحسن دلوقتي بس للأسف معرفناش نحافظ على الجنين لان الوقعة كانت جامدة والحمل مش مستقر.
ردت بجمود وهي تكتم صوت الهاتف الذي يعلن باتصال فريد:
يلا حصل خير، المهم هي كويسة.. عن أذنك يا دكتور.
قبل مغادرتها من باب المكتب ردت عليه قائلة:
ألو؟
كُل دي مكالمات.. كدة هتخليني اندم عشان أديتك رقمي.
ضحك فريد بخبث:
ده من حسن حظي بقي معايا رقمك.
طيب بالمناسبة، ينفع أشوفك؟
عقدت حاجبيها بغرابة:
دلوقتي؟
يا ريت.
ردت بتردد:
مش عارفة، أنا مع هدير.
وقفل طريق الأعذار قائلًا:
مسافة السكة بقى.. نتقابل فين؟
وديني لأعرفك مين هي هدير المحلاوي يا عاصي.. ورحمة أبويا لأحرق قلبك على بناتك زي ما حرقت قلبي على ابني.
تحت سطو المخدر الذي لم تفق منه هدير كليًا قالت جملتها الأخيرة التي استقبلتها جيهان معترضة:
قومي بس بالسلامة وعاصي دويدار هنخليه يكتب شهادة موته بنفسه.
ثم صمتت للحظات وسألتها:
قوليلي ايه اخبار البنت اللي كانت معاه؟
ردت بتأوه:
اختفت من القصر وحسب كلام أختك إنه طلقها.. بس ليه؟
رمقتها جيهان بشك:
أمم وأنتِ هبلة وصدقتي الكلام ده؟
كادت أن تعتدل من نومتها ولكنها تراجعت متأوهة بتعب:
أنتِ قصدك أيه؟
قصدي أن في ملعوب من ورانا وأنا اللي هعرفه، وعاصي له قصة كبيرة مع البنت دي وهتشوفي.
شردت هدير في حديث أمها:
تقصدي أنها لسه على ذمته؟
مطت شفتها السفلية بتحير:
أنا مايفرقش معايا يتجوز مين يطلق مين، أنا عايزة أعرف البنت دي مين!
تجاهلت هدير شرار المكر المندلع برأس أمها وقالت بتوعد:
والله لخلي حياتك كلها جحيم يا عاصي، عشان تعرف تمد أيدك عليا.
غَروبت الشمس ولم تغرب أحزانهم.
عاد مراد إلى شقته بكلل وهو يرفس الباب بقدمه، لقد عاد وحيدًا كما كان.
عادت الحيطان ببرودتها تلفح في عظامه، أصبحت شقته خالية من أنفاس الونس.
خلع نعله بملل وفك رابطة عنقه مرتميًا على أقرب مقعد.
امتدت أنظاره للمطبخ الذي يطل على صالة شقته فتذكرها وتذكر الشخص الآثم الذي كان عليه.
تذكر تلك العلاقة المبنية على قبلتين وحضنٍ عن طريق الصدفة.
سبحت ذاكرته في بحيرة لقاءاتهم الفقيرة بأول موقف أسكنها بقلبه على سهوة.
دنى منها خطوة سلحفية وهو يطالعها بنظرات خبيثة:
مستنيكي! أيه أنتِ كمان مستنياني!
رمقته باستحقار متجنبة الحديث معه وهي تبحث عن الخبز.
اقترب منها حتى أصبحت تحت سيطرته وحصاره وقال:
أظن مش ممانعة!
لم يملأها قربه إلا رعبًا.
ظل يتأمل ملامحها المنتفضة والمكدسة بالرعب والضعف في آن واحد.
سقطت ثمرة الخضار من يدها من شدة الخوف وهي تبلل حلقها الذي جف إثر أنفاسه الحارقة.
اتسعت ابتسامة مراد بمكرٍ وهو يعلن اشتهاءه لتلك الملامح البريئة تحت غيمة انتقامه التي تبرر له سبب فعله هذا.
ظل يقترب ويقترب منها حتى لامست أنفاسه جدار عنقها الأشبه بعود من الريحان.
وما أن أحست بشوك ذقنه و شفته يخربش على جدار عنقها الرقيق، انفجر بركان الذعر منها على هيئة بكاءً غزيرا شلالات منهمرة من جسدها المتصلب تحت خيمته منتظرًا مصيره الهالك.
صوت بكائها كان كـ سن خنجر انغرز في قلبه.
لا يعلم من أين تحول انتقامه فجأة إلى عطف.
أحس برعشة جسدها المنكمش من قربه كأنها في قلبه الذي أخذ يضخ دماء اللوم بشراينه.
غير مسار نيته وارتفع شدقه إلى مسامعها هامسًا بصوتٍ يخفي رقة قلبه وشهيته في آن واحد، وقال بنبرة مبحوحة:
جعان! عندك أيه ممكن يتاكل!
قفلت جفونها بشدة وهي تحاول استيعاب تلك العاصفة التي اجتاحت جسدها وسرعان ما سُكب فوقها دلو من الثلج بجملة باردة وغير متوقعة.
ابتعد عنها قليلًا رافعًا حاجبه وكرر سؤاله بنفس ذات النبرة:
بقولك جعان، هناكل أيه؟
مسح على وجهه المحمر ثم ركل المنضدة الصغيرة بقدمه وهو يوبخ نفسه:
أنت ازاي كُنت تعاملها بالحقارة دي! أزاي، ولا انتقامك من عيلة دويدار عماك للدرجة دي.
وثب قائمًا يجر ذيول حسرته على غيابها حتى توقف مُغيرًا لاتجاه إثر رن الجرس.
تردد في فتح الباب ولكن في النهاية أخذ قراره ليعرف من الطارق.
فتح باب شقته بفتور فظهرت أمه التي دخلت قبل أن يأذن لها وهي تصيح:
قلت اسأل على ابني البكري بدل ما بعرف أخباره من بره.
ندم على لحظة فتح للباب الذي هبت منه عواصف صاخبة.
قفل الباب بضيق ويسير نحوها.
رمت جيهان حقيبتها وولت وجهها إليه مكملة جولة عتابها:
وقال أنا اللي قلت هتجيب لي رقبة عاصي تحت رجليا.
ثم اقتربت منه خطوتين وخفضت نبرة صوتها ولكن أشد حدة:
لكن بت زي عالية دي جابت رقبتك أنت تحت رجلين العيلة كلها، سبق وحذرتك وقولت لك صنف نمرود لازم تمسكلها الكرباج من أول ليلة.
ثم أطلقت ضحكة ساخرة:
أهي هي اللي جلدتك بالكرباج، وطلعتك من ملاك الرحمة لـ** لامؤاخذة.
أغمض عيونه باختناق:
خلصتي؟
لا يا حبيبي مخلصتش، تعالى أعرفك اللي أنت فضلت تطبطب على أخته عمل أي في أختك، عاصي سحل هدير ضرب وقتل ابنه في بطنها وأهي مرمية فـ المستشفى.
خرج مراد عن صمته:
عاصي عمره ما فرض نفسه على هدير، وكل اللي شافته ده جزاء عملها، دي واحدة خاضت في عرض عالية ودمرت حياتها عشان لعبة رخيصة من بتوعكم، مستنين أيه يعني؟ مستين تجنو ورد من أرض مزرعتوش فيها غير شوك!
انفجرت جيهان بوجهه:
وكمان لسه بتدافع عنها! أنتَ أيه معندكش كرامة ولا نخوة! دي واحدة اتهمتك في رجولتك وأنت واقف قدامي تسقف لها؟
ثم رمته برصاصة المكر:
ولا هي ماسكة عليك ذلة فعلًا.
وفاض صبره من سخرية أمامه وحقدها وقال منهيًا للحوار بينهم:
لولا أنك أمي كنت هتصرف معاكي تصرف هيزعلك.
ثم أطلق زفير غضبه في وجهها وجهر بالقول معلنًا:
وعشان ترتاحي خالص، حربي مع دويدار وولاده انتهت، ومابقتش عايز أعرفهم تاني وهصفي كل شغلي هنا ومسافر بره، وهسيب النار اللي ولعتيها أنتِ وعبلة المحلاوي تحرق الكل.
ثم خفض نبرته قائلًا:
كلامي خلص اتفضلي عشان تعبان وهنام.
أشششش!
أشار بسبابته محذرًا للفتاتين ألا يحدثا صوتًا مزعجًا، مكتفيًا بكلمته الأخيرة.
يتبادلون النظرات بهمس ثم وشوشت تاليا بحذرٍ بنبرتها المبحوحة:
عندنا school بكرة لازم نروح، ميس ندى هتزعل مننا.
عض على شفته السفلية وسب في نفسه ثم أردف بوجس خافت:
ما تزعل ميس ندى ولا تخبط دماغها في الحيط، روحوا ناموا مفيش زفت مدرسة بكرة.
تململت حياة في حضنه بعد مرور ساعتين من النوم العميق بين يديه حتى فتحت جفونه الذابلة واكتشفت المكان حولها ثم قالت بوهن:
حصل أيه؟
تمسكت داليا بـ مساعدة حياة:
أهي أنطي صحيت، تعالى اسمعي بابي بيقول ألفاظ نوتي ومش عايزنا نروح المدرسـة تاني.
اعتدلت حياة من نومتها ولكن بقي شعرها نائمًا على فخذيه.
كادت أن تتحدث ولكن أحست بغصة قوية بقلبها.
تأوهت للحظة خطفت انتباهه ولهفته:
فيكي أيه؟
ابتعدت عنه بهدوء وقالت:
أنا كويسة.
حياة!!
تدخلت تاليا بثرثرتها الطفولية:
يابابي بتقول لك كويسة، هنروح أمتى بقا أحنا عندنا Homework كتيـر.
سب في نفسه سرًا ثم قال علنًا:
طيب أجهزوا هكلم السواق يجي ياخدكم.
تدخلت حياة التي أوشكت رأسها أن تنفجر:
لو سمحت اتفضل وصلهم، أنا كويسة وكمان محتاجة أقعد مع نفسي شوية.
رفض بشدة:
أنتِ مش شايفة حالتك؟
بللت حلقها ثم قالت بخفوت:
أنا كويسة، هاخد شاور وأبقى أحسن.
ثم أصرت بضيق وبصوت لم يسمعه غيره:
لو سمحت أمشي.. عايزة أقعد لوحدي.
لازم نتكلم.
أقفلت جفونها بمرارة سال من بينها الدمع:
معنديش حاجة أقولها.
خرج عن هدوئه منفعلًا:
يعني أيه مفيش حاجة تقوليها!! وأنا قاعد هنا هتجنن وهموت وأعرف مالك؟ أيه جرى شقلب حالك فجأة.
تعلق ببريق عيونها المعاتبة والراجية ألا تحملني همًا إضافيًا، تراجع عن غضبه وفجره بناحية أخرى وهو يأمر الفتاتين:
روحوا أجهزوا يلا عشان ننزل.
ما أن اختفوا من أمامه عاد إليها بعد محاولة صعبة من تمالك أعصابه التي تعبت منها:
لأخر مرة بسألك حصل أيه؟
بلعت مرارة ما تحمله بقلبها وقالت بخزى:
اسفة عشان قلقتك عليا، بس لازم تعرف إنك مش ملزم بكل التعب ده. أنت اللي تاعب نفسك.
كان يطالعها بمثابة المنزل لقلبه اللاجئ ولكن كلّ ما فعلته به منعه من الدخول فيه والتغلل بأعماقها!
هل تلك قسوة قلبها أم قسوة ما مرت به؟
لم يستطع أن يتفوه ببنت شفا، اكتفى أن يفض غضبه بعينيها، فـ الروح للروح كالخنجر الذي تعجز الكلمات عن توصيله.
تناول سيجارة ورماها بفمه وهو يهز ساقه بتوتر وغضبه توهجت ناره بملامحه المحمرة، ثم صرخ بأطفاله:
أيه كل ده بتلبسوا؟
مرت أمّر ليلة بعد الفراق عليها، ليلة سيظل علقمها متعلقًا بحلقها مهما حاولت أن تتناساه.
سدت أذنيها عن الجميع واختلت بقلبها تحت الشجرة التي دومًا ما كانت تشاركها همومها طيلة السنوات الماضية.
ألقت على هاتفها نظرة تساؤل مغلفة بالحنين حتى نطقت أم كلثوم بلسان قلبها:
مخطرتش على بالك يوم تسأل عني؟
ملأت صدرها بأوكسجين الوجع وقفلت الصوت بجزع ثم قالت لنفسها:
ياريتني ما عرفتك يا مراد.. أنا كنت لوحدي مرتاحة.
ثم عادت لتفتح هاتفها مرة أخيرة وبالأخص تطبيق ” تويتر” ودونت ما يتجول بقلبها:
كنت إنسانة متصالحة مع الأقدار.. مؤمنة بها وبلطفها وبرحمة خالقها.
كنتُ – دائمًا – أخبر قلبي وأخبرك أن الحياة قدر.. الحب قدر.. والغياب قدر.
أنا وأنت مقيدان بالقدر قبل أن نولد.
كنت اذكرك واذكرني بـ هذه الأسباب حتى لا تحزن عندما أرحل.
لكن أنت من اختار أن يرحل أولًا!
رحلت وتركت لي الخيبة والحزن.
عندما حررت قيود قلبها ضغطت على “نشر” وقفلته ولجأت للكتاب الذي تقرأه وتذوب بين سطوره حزنها ووقتها.
عادت “شمس” إلى غرفتها ثم نزعت حجابها بكلل ورمته على أقرب مقعد.
قفل تميم شاشة الحاسوب وسألها:
حصل أيه؟
زفرت بحزن وهي تجلس بجواره:
عالية حالتها صعبة أوي، حتى أنت أقرب حد ليها رفضت تكلمك.
أخدت بنصيحتك وقلت يمكن محتاجة ترغي كبنات مع بعض، بردو مفيش فايدة، ساكتة وسرحانة.
قلبي وجعني عليها بجد.
وضع الحاسوب على المنضدة وقال بيأس:
عالية طول عمرها كده.. ساكته، فرحانة بتسكت، حزينة بردو بتسكت.
بس ده مش صح، لازم نفتح قلوبنا ونحكي.
الهم والحزن عامل زي الدبابير في القلب، لازم نحررها ونفتح لها الباب عشان تبطل تاكل فينا.
أيد حديثها برأسه ثم تنهدت مغيرة مجرى الحديث:
كنت بتشتغل وعطلتك؟
لا أبدًا كنت بفكر نسافر يومين كلنا أي مكان، وناخد عالية ونوران. يغيروا جو، أي رأيك.
فكرت للحظات ثم قالت:
فكرة حلوة وكمان عالية محتاجة لمتنا حواليـها. بس تفتكر الوقت مناسب؟
شوفي رأيهم بس، وهظبط لكم سفرية حلوة، هتفرق معانا كُلنا.
تبسمت شمس بحماس ثم انكمش وجهها مقتطبًا:
مامت عالية، قصدي اللي اسمها عبلة دي، معاملتها جافة أوي، جات علينا وأحنا بنتكلم، وكانت لابسة ومتشيكة تحس أنها في عالم تاني.
مش شايلة هم بنتها ولا حفيدها اللي سقط ولا كل المشاكل دي.
الست دي غريبة بجد يا تميم.
حرك مقعده ليقترب منها قليلًا وهو يقول بشرود:
الست دي مريضة، اللي فيها اسمه مرض، عبلة المحلاوي مش بتحب حد غير نفسها وبس، واحدة مستعدة تهد الدنيا عشان تحقق مرادها.
ثم التوى ثغره بضحكة ساخرة:
القتل عندها زي شربة المية، لما حست بالخطر من ناحيتي قررت تتخلص مني للمرة التالتة، واخرهم محاولة البسين.
ثم ضحك باستهزاء:
بس على مين، هفضل الشوكة اللي في زورها لآخر يوم في عمري.
انكمشت ملامح شمس بذهول:
حادثة البسين كانت بسببها؟
ثم شردت لربط الأحداث ببعضها:
والله كنت حاسة؟
وثبت قائمةً بصدمة وذهول:
أنت ازاي مش تقول لي حاجة زي كده.
لاحظ تميم جدية النبرة التي تتحدث بها شمس، فرمقها متعجبًا:
شمس اهدي، أنا كنت بدردش معاكِ.
تجلس “عبلة” على الأريكة الجلدية تفحص بعض المستندات حتى دخل عليها عاصي المكتب مُتسائلًا:
بتعملي أيه هنـا؟
نزعت نظارتها الطبية وقالت بعتب:
بلم من وراك يا عاصي بيه!
ثم وثبت قائمة بلوم:
أنا مش عارفة يسري اتأخر كل ده ليه؟ هو هيرجع أمتى.
ركل الباب بقدمه ثم نزع سترته بملل:
هيخلص مصلحة ويرجع.
جلس على كرسي مكتبه بفظاظة:
أيه بقا اللي مش عاجبك يا عبلة هانم؟
رمت الملف من يدها وقالت بتوبيخ:
أنت أيه مشقلب حالك كده؟ يعني ما صدقنا خلصنا من اللي ما تتسمى دي، وكمان هدير وحوارها خلاص بح؟ مالك تايه ليه؟ مهمل في شغلك وحياتك متشقلبة.
متشقلبة ازاي؟
هزت كتفيها بتحير:
شوف أنت بقا؟ بتظهر، وتختفي.. لا بتروح مواقع ولا شركات، كل اجتماعاتك بتتلغي، كل ده طبيعي! أنت بترجع لورا بدل ما تتقدم كمان وكمان.
لُكّمت الكلمات في ثغرها ثم قالت:
حتى بطلت تسهر وتنبسط وتسافر، حياتك بقيت معقدة وروتينية!
بصراحة مش مقتنعة بالتغير ده؟ فين عاصي بتاع الفرفشة والدلع؟ فين!
زفر بضيق:
يعني أنتِ مشكلتك دلوقتي الشغل ولا السهر والخروج وكل الكلام ده؟
ردت بحدة:
الاتنين يا عاصي.. أنت متغير ومتغير للأسوأ.
ضحك بسخرية:
طيب الشغل وقلنا ماشي! لكن السهر والستات اللي كنتوا مسمية البيت عشانهم بكباريه.. ده مزعلك في أيه المفروض تفرحي؟
طبيعي لازم يزعلني، أي حاجة تتقطع من جذورها وفجأة بتقلق، لأن اللي جاي ميطمنش.
أغمض جفونه ليتحكم في غضبه ثم سألها:
عايزة أيه؟
غادرت مقعدها وفتحت حقيبتها وأخرجت منها عُلبة قطيفة بداخلها ” لؤلؤة ” قيمة، ووضعتها أمامه قائلة:
بما أنك مش مهتم بالشغل.. شوف دي العينـة لو مش هتشيـل البضاعة كلها، فريد هيتصرف فيها!
ألقى نظرة سريعة عليها ثم قفل العُلبة ووضعها في جيب سترته المُعلقة وقال بفضول:
ويطلع مين سي فريد ده كمان؟
ما أنت لو مركز في شغلك كنت هتعرفه.
على العموم هستنى ردك بكرة.؟
كرر سؤاله بنبرة أحد:
مجاوبتيش يطلع مين حمادة؟
دخلت تاليا في تلك اللحظة مردفة:
بابي، أحنا نسينا حاجة مهمة لما كُنا عند…
ثم ابتلعت بقية كلماتها عندما وجدت عبلة، فغيرت مجرى الحديث قائلة ببراءة:
هاي ناناه!
حدجتها بنظرات فاحصة ثم قالت بخبث:
هاي حبيبتي، كنتوا فين إمبارح؟
اقتربت تاليا من أبيها وهي تغمز له بإشارة الحرز:
كُنا عند خالتو مروة، بتسلم عليكي أوي يا ناناه.
رمقتها عبلة بشك:
مروة؟ سبحان من مألف القلوب.
ثم طالعت عاصي بمكر:
أهي مروة دي عمري لا بلعتها ولا بلعتني.
ثم وثبت قائمة:
أنا هقوم، بس مش هصبر عليك أكتر من كده.
غادرت عبلة ثم وشوشت تاليا أبيها بفرحة:
عجبتك يابابي؟
قبل رأس صغيرته ثم قال بتنبيه:
محدش يعرف موضوع أنطي حياة ده خالص، ده سر ما بينا أحنا التلاتة وبس.
وصلت عبلة إلى غرفتها وما كادت أن تقفل الباب، فدفعته شمس بكل قوتها ثم قفلته بعنف وهي تقول:
سمعتي عن الدبور اللي بيزن عشان خراب عشـه؟
أيه الجنان ده؟ أنتِ نسيتي نفسك يا بتاعة أنت؟
قاطعتها ” شمس ” بحدة:
اهدي كده واسمعي الكلمتين دول، أنا جدتي ماتت بسببك، يعني في بينا تار قديم لسه متحاسبتيش عليه، لكن لو فكرتي تأذي حد تاني سواء تميم أو نوران. والله ما هرحمك.
جحظت عيني عبلة من قسوة وجبروت شمس أمامها، صرخت بوجهها:
أنتِ اتخبلتي؟ ما تفوقي يا بت أنتِ وتعرفي أنت واقفة قدام مين؟
للاسف عارفة وعارفة كويس أوي أنتِ مين؟
ثم دنت منها وهمست بنبرة مخيفة:
قتالة قُتلى، بير أسود في القصر ده ومحدش هيكشفه غيري.
ثم أشارت لها بسبابتها:
اتقي شري، عشان بنات شُبرا زعلهم وحش أوي.
دخلت عبلة في نوبة ضحك هستيري حتى تحولت لوحشٍ فجأة انقضت حوافه على عنق شمس بقوة وقالت بنبرة مفعمة بالشر:
كويس أنك عارفة، يعني أنا ممكن اتغدى بيكي قبل ما تفكري تتعشي بيا، وزي ما قولتي، أنا واحدة اسهل ما عندها القتل. خافي على نفسك.
تملصت ” شمس ” من قبضتها على قصبتها الهوائية حتى حررتها عبلة بصعوبة وأكملت:
وباللي أنت عملتيـه ده، دخلتي القائمة السودة بتاعت عبلة المحلاوي، القائمة دي بتسفر على مكان واحد وبس، وهو جمب جدتك يا أمورة.
استعادت شمس قوتها ثم قالت بنبرة مفعمة بالانتقام:
زمنك انتهى يا عبلة هانم، من الساعة دي استمتعي بأيامك يوم يوم لانهم بقيوا يتعدوا.
ما كادت أن تُغادر ثم تراجعت لتردف جملتها الأخيرة:
والشويتين دول مش عليا، لإنك وقعتي مع واحدة بايعة الحياة كلها، واللي يخاف بجد هو اللي زيك.
قُفل بابان في لحظة واحدة، لحظة خروج شمس من جحيم عبلة المحلاوي، والباب الآخر أعلن بصوته عن هروب عاصي من مملكة دويدار.
في أحدى الخيم المنصوبة بالصحاري والتي يفوح منها رائحة المشاوي والنيران، ودق الدف والموسيقى العربية الأصيلة بأحد التجمعات البدوية، جلس ” رشيد ” الذي نزع عمته وألقاها بجواره بكلل ثم قال معبرًا لأخيه:
أنا تعبت من العيشة دي يا يونس.
رد عليه يونس المنهمك في تركيب السلاح:
بس مش ده اتفاقنا، طول بالك.
انفعل رشيد:
يعني احنا نفضل مرميين الرمية دي، وفريد الـ*** شغال ينهب في فلوسنا؟ أنا مش قادر استحمل يا يونس، طالع معايا اخد السلاح اللي معاك وافجره في نفوخه.
ترك يونس ما بيده وفارق مجلسه ليجلس بجوار أخيه:
أهدا يا رشيد، لو كانت بالدراع كان فريد عمل كل ده في عهد أبوك، لكن ده لعبها صح. ودي فرصتنا الأخيرة نرجع حقنا منه بعد ما حاول يقتلنا.
تقلبت أحداث الحادثة التي حاول فريد فيها التخلص من أبناء عمه، والاتفاق الذي دار بينهم وبين رجاله مقابل صندوق صغير يحوي سبائك من الذهب.
وفي لحظتها أرسل الرجل الخبر لـ فريد بانتهاء مهمته ورمي أقاربه كوجبة دسمة لسمك القرش.
تفجر بركان الغضب من حنجرته متوعدًا:
ورحمة أبويا وأختي لاشرب من دمك يا فريد!
مش قُلت لك عايزة أقعد لوحدي! رجعت تاني ليـه؟
قالت ” حياة ” جملتها وهي ترفع وجهها الشاحب من كثرة البكاء بعدما دخل عليها الغُرفة فوجدها تجلس في ظلام دامس.
ألقى مفاتيحه على “الكومود” ثم نزع حذائه ومدد بجوارها وأخذ يتنفس بصوت مسموع.
لمحت الهموم على وجهه فـ طوت مشاعرها المحترقة ومددت بجواره وتفصل بينهم مسافة الحزن المدفون بصدورهم.
وضعت يمينها على قلبها وتأوهت بوجع في جوف الظُلمة:
لعنة التفكير أصعب من أي لعنة تانية.
قصدك أن الإنسان هو اللي بيدمر نفسه بنفسه؟
يبدو أن كلاهما يستريحان في نفس المكان ربما تشابهت همومهم أيضًا.
ظل كل منها يحملق بالسقف لفترة طويلة لم يصدر منه أي فعل سوى قبضته على يدها المرتجفة حتى دفئت فـ هدأت.
يعلم أن كل الكلام يعجزها عن فهمه ويبعدها عنه أكثر لذا لجأ للصمت متأملًا أن يُعانق سره سرها ويشبه صمته صمتها.
كانت تعاقبه وتعاتبه بطريقة قاسية للغاية تتأمل جميع الأركان وتتمرجح نظراتها في كل الاتجاهات إلا الجهة المُطلة عليه.
تنهدت بأنين ثم سألته:
رجعت ليـه؟
عايز أبقى معاكِ.
يعلم جيدًا أنه يمضي إلى حيث لا يعلم ولكن الطريق المجهول الذي يسير فوقه يحمل رائحة الياسمين، ربما هذا هو السبب الذي يعجزه عن الرجوع.
رفع ساعده فوق رأسه ثم تنهد:
قلبي كان مجرد حديدة مصدية، وعيونك مغناطيس، ومن وقتها مش قادر أقـاوم.
ذرفت دموعها بحسرة ثم قالت:
ليـه؟
أنا معنديش اجابة. أنتِ عندك؟
تنهدت براحة وبهدوء كأنها خالية تمامًا من كل العواصف:
الحياة كُلها لُغز، لحد ما نموت هنفضل ندور على أجابته.
وأنا معنديش مانع أضيع عمري كله وأنا بدور على أجابته عندك.
حرك ساقه الممدودة ليضعها فوق الأخرى ثم قال بشرود:
وبداية اللغز.. “ليـه أنتِ؟!”
سحبت كفها من تحت رحمة كفه الذي احتواه حتى امتلكه وقالت:
وأنا لغزي بيبتدي بـ ليـه أنا، وليـه حصل معاها كل ده.. أنا وقعت ليه في البحر؟ وليـه أنت اللي تنقذني؟ وليـه اللخبطة اللي أنا فيها دي..؟!
ثم تنهدت بصوت عالٍ أشعل نار ملتهبة بصدره لا يعلم مصدرها وأكملت:
أيـوة ليـه أنت؟
ليـه حاسة معاك بكل حاجة وعكسهـا…؟!
بقول لك أمشي وقلبي مش عايز!!
أبعد وحاجة بتنادي عليك تقرب!!
متلمسنيش.. وأنا بكون عايزة اترمي في حضنك وأعيط؟
سالت دموعها بغزارة ثم أجهشت بالبكاء فقفلت جفونها بقوة وقالت بتيه متذكرة تلك الليلة الغامضة التي عاشها الاثنان بأرواحهم:
ليـه كُنت معاك طايرة زي واحدة لمست رجليها السحاب لأول مرة، وكُنت أول واحد عاقبته على اللي حصل بينا؟
فزع من مكانه عندما قالت جملتها الأخيرة التي ثقبت قلبه واكدت له أن ما مر به لم يكن مجرد حُلم عاشه بمفرده.
لم تفتح عينيها بعد وأكملت:
أنا أيه اللي بيجرالي دا؟
أنا عايزة أيه؟
قرب منها كثيرًا وتلقى بقية عبراتها على يده وهو يهمس لها راجيًا:
ممكن تهدي؟
غاصت في الظلام ففتحت مقبرة أسرارها وهي خارجة عن الوعي، حتى وجوده ظنته شبحًا من كثرة تفكيرها به.
رسى أبهامه على شفتها المرتعشة وطلب منها بهمس:
كفاية عياط.
لم تهدأ بل تضاعف بكاؤها وأنينها، تعلق كفها بكفه الراسي على ملامحها وضمته بقوة، حتى في أسمى لحظات ضعفها مذهلة ومسكرة لجوارحه، ومغرية لقلبه، لم يتحمل انتفاضة وذعر جسدها أكثر، حيث أراد أن يحمل عنها قلقها وجراحها وعقدها النفسية وصراعاتها الداخلية وخيباتها بقُبلة، قُبلة جذبته من صميمه إليها، كان يسلب صراعها بتئن وبرفق.
كيف أصبحت شفتيها سماءً وبحرًا في آنٍ واحد، كيف له أن يُحلق وهو غارقٌ بها.
كانت يده اليمنى تقف على باب قلبها حتى أحس انتظام ضربات قلبها وهدوئها، وتردى في قلبه صدى صخب وضجيج روحها الذي انتقل له منها من ممر روحهم السري.
فارقها بحرب طاحنة مع نفسه ثم استلقى مجددًا بجوارها بعدما انفرد بعواصف روحها لتفعل به ما تشاء.
باتت تحت سطواه، هادئة تمامًا، حتى دموعها جفت، لحظة سكون جعلتها تنفجر بما تبقى بقلبها.
أكملت سرد حيرتها:
كنت وقتها فرحانة فرحة الطفلة يوم العيد، لبست فستان جديد وخرجت أجري وأطير كمان، كنت ماشية على قلبي مش رجليا والله، مش مصدقة وهو بيقول لي خلاص مش هيسافـر ومش هيسيبني، نسيت زعلي وقسوته وروحت له عشان نبدأ صفحة جديدة!
ثم بللت حلقها الذي اشتغل بجمر الذكرى:
طلع ناوي يحرق كتابنـا كله.
ثم رمقته بحزن:
هو أنا استاهل ده كله؟
انقلب لينام على جنبه الجهة المُطلة عليها وسألها باهتمام:
أنا مش فاهم حاجة، مين ده وأيه حكايته؟ أنتِ افتكرتي حاجة؟
هزت رأسها بالموافقة، تلهف لسماع ما تذكرته:
احكي، افتكرتي أيه؟
هحكيلك.
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم نهال مصطفي
ظننت يومًا أن رسائلي وقصة حبي المجيدة ستكون تراثًا أدبيًا للعشاق، طاقة نور لكل اثنين اختلفا، افترقا!
أردت أن تكون كلماتي حبل الوصل المنعقد بقلوبهم مهما ابتعدا.
ظننت أن سلاح حبي سيُنافس رسائل حب غادة السمان ومي زيادة.
كل هذا تدفق من قلبي لأني عشت حبًا بمذاق التوت، وأردت أن أوزعه على الجميع بعدي.
أن أعري قلبي وأصرخ بأعلى صوت لدي وأعلنها صراحة أن الحب هو جنة الله على الأرض.
واليوم وأنا أقف أمام محرقة أيامي وذكرياتي، ويعلن الدخان المتصاعد خيبة قصتي الزائفة معك، سقطت الدنيا من بين يدي وبتُ أحذر الجميع من نار الحب بعدما خُدعت بجنته المؤقتة.
رسيل.
هل أنا أستاهل ده كله؟
اعتدل لينام على جنبه ناحية الجهة المطلة عليها وسألها باهتمام:
- أنا مش فاهم حاجة، مين ده وأيه حكايته؟ أنتِ افتكرتي حاجة؟
هزت رأسها بالموافقة، فـ تلهف لسماع ما تذكرته:
- احكي، افتكرتي أيه؟
- هحكيلك.
كانت كلمتها خافتة مترددة، صمتت بعدها طويلًا تُراجع قرارها المفاجئ، كيف ستروي إليه جرحًا غائرًا كهذا؟ من سيكون لتعري قلبها أمامه، ولماذا؟
انتفضت من نومتها وهربت منه ومن المأزق الذي أوقعت نفسها بجوفه. تمتمت بعجل:
- مفيش حاجة.
وثب خلفها إثر نهوضها المفاجئ وقلقها الملحوظ:
- استنى! هتروحي فين؟
تحججت:
- الحمام.
لمع الكذب في عيونها التي اخفضتهم سريعًا، كشف أكذوبتها قائلًا بثقة:
- حياة!
كادت أن تخطو خطوة للأمام ولكنه عاق خُطاها قائلًا بنبرة أكثر حدة:
- هروبك مش حل!
- ولا أني أحكي لك حل؟
رد بحسم:
- لا حل، مفيش مخلوق ممكن يساعدك في اللي أنتِ فيه ده غيري.
- بصفتك مين؟
رفع حاجبه قائلًا بشك:
- جوزك مثلًا.
زفرت بوجهه باختناق ودفعته بإصرار مغادرة المكان الذي يجمعهم سويا، منفردة بجروحها العميقة دون السماح لمخلوق آخر أن ينبش بهما.
مرت دقائق قليلة وقف فيها حائرًا كيف يكتسب ثقتها، حسم قراره وغادر الغرفة متبعًا خُطاها حتى وقعت عيناه على شعرها الأسود الذي يغطي ظهرها واقفة أمام الشرفة الزجاجية.
اقترب منها ببطء وهو يقول بهدوء:
- بلاش بصفتي جوزك، بس ماينفعش أكون معاكي من بداية الحدوتة، وتنهيها لوحدك من غيري. أحنا الاتنين في مركب واحدة لحد ما توصلنا لدار الأمان سوا أو نغرق سوا.
- أنت عايز أيه؟
- عايز أعرف حالتك وصلت لفين؟ وافتكرتي أيه!
طالعته بصمت مريب ما بين حيرتها في الكتمان أم الإفصاح، حتى يأس عاصي من جوابها قائلًا:
- طيب بلاش أنا، تيجي نروح للدكتورة بتاعتك؟
شردت لدقائق ثم أخذت نفسًا عميقًا وغاصت في تلك التفاصيل القليلة التي تذكرتها عن الماضي، زغللت أنظارها في العتمة المرصعة بالأنواع الصناعية أمامها وقالت بخفوت:
- واضح أن ذكريات الماضي كلها ضلمة. ضلمة ما تختلفش عن الحاضر.
ثم طالعته بعيونها الذابلة:
- طلع النسيان للي زيي هدية، مش عقاب!
لم يقطع خلوتها مع قلبها الذي شرعت في فتحه، عقد ذراعيه أمام صدرته منصتًا باهتمام، فأكملت:
- كنت واقفة قدام المراية بختار أحلى فستان عندي، كنت بلم شعري لأنه مش بيحبـه مفرود، افتكر يومها رفضت أحط ميك أب على ملامحي لانها كانت منورة من غير حاجة. كان الوقت بدري، الشمس لسه مضحكتش للكون بس قلبي أنا اللي ضحك للعالم وقتها. نزلت أجرى من البيت عشان أقابله خصوصا لما عرفت أنه لغى سفره عشاني.
لمعت عيناها بدموع الحسرة وابتلعت ما بجوفها من أكاذيب هواها الزائف، دنى منها خطوة سُحلفية باهتمام:
- كملي.
تقطرت دمعة من عينيها وقالت:
- معرفش أيه اللي حصل، فجأة وقعت على الشط، كنت حاسة بكل حاجة بس مش قادرة أقوم ولا أقف على رجليا، كان كابوس، كابوس مش بشوف فيه غير غدر وخيانة وعجز وحسرة. حسيت فيه بأبشع إحساس ممكن أي حد يتخيله. أخد مني كل حاجة بدون وجه حق، روحي وحبي وضحكتي ومستقبلي، طبع ختم أنانيته على كل حتة فيا، أخد كل ده بمنتهى الوحشية ومن غير ذرة رحمة. شعور بشع، فجأة كل المشاعر الجميلة اللي جوايا اتحولت لكره وغضب ونفور!
"تظنه ضمادًا هو الذي جاء كجرح إضافي لا أكثر"
هذا ما تجول في خاطرها وهي تسرد بشاعة الحدث، تغلفت كلماتها بالبكاء المكتوم وهي تطالع ملامحه بعتب:
- نفس الموقف عشته مرتين. كل حاجة حصلت ما بينا كانت مش مفهومة بالنسبة لي، صورته كانت بتطاردني في كل لحظة وأنا معاك، مكنتش عارفة أنا مع حبيب ولا عدو. أنا فين وأيه اللي بيحصل فيا؟ طيب أنا كنت معاك حياة اللي أنقذتها وأمنت على نفسها معاك، ولا رسيل اللي نبشت في مقبرة جروح الماضي وبقيت الأشباح تطاردها هنا وهناك!
انهمرت عبراتها وقالت بعجز:
- دماغي وقفت عند الموقف ده، أنا مش قادرة افتكر حاجة تاني، حاسة أن الموقف ده هو البير الغويط اللي أنا وقعت فيه وضاع فيه أيديا الحاضر والمستقبل.
ثم قفلت جفونها بهدوء وتساءلت بتيهٍ:
- أنا مين؟ وليه بيحصل معايا كل ده؟ وليـه بحكي لك أنت بالذات؟
- حياة!
ابتلع بقية سؤاله عن حقيقة الاعتداء على روحها، وتقاسمت حمرة الغضب معالم وجهه وهو يحاول نفي كل ما أدركه من مغزى كلماتها، أخذ يدق الأرض بمشط قدمه، ساد الصمت بينهم طويلًا حتى تفوه متسائلًا ومحاولًا تمالك أعصابه قدر الإمكان:
- مين هو؟
ترددت قبل أن تُجيبه، تراجعت خطوة للخلف وهي تحدجه بعيونها الحائرة، حتى فاض صبره وتفجر غضبه صارخًا مع صوت تحطيم الزجاج الفازة التي طاحت بها يده:
- بقول لك مين هو؟
انتفضت من مكانها بذعرٍ وبللت حلقها الذي جف، تحركت ببطء نحو هاتفه المتروك على المنضدة ومسكته بكفها المرتعش وقالت بتوجس:
- افتحه.
فتح هاتفه على الفور فكانت صورة قاسم أمامه، أخذ يعاين الصورة وشرعت هي الأخرى في سرد ما يدور بخاطرها:
- لما شفته في الفندق اتخنقت حسيت أني عايزة أهرب من المكان اللي هو فيه، بس لما نداني باسمي "رسيل"، قولت ده يعرفني، ووقتها كنت تايهة عايزة أعرف الحقيقة وبس. عشان كده روحت له الأوضة بتاعته ووو للأسف.
التقت أعينهم التائهة للحظات أشار لها بحاجبه أن تُكمل، فأطرقت بخفوت:
- حاول يكرر غلطه و يعتدي عليا تاني.
وبعدما تأمل الصورة وتحولت ظنونه ليقين هتف بغلٍ وهو يتوعد أمامه صورته:
- يا ابن الـ***، وديني ما هرحمك ولو كنت في بؤ السبع.
اقتربت منه بخوف:
- هتعمل ايه؟
لزم الصمت لبرهة ثم قال وهو متأهب للذهاب:
- هتشوفي.
توقفت أمامه بترجي:
- استنى، هتروح فين؟
جهر بغضب:
- هروح أجيبه من تحت الأرض.
وقفت أمامه راجية بدموعها:
- خليك هنا، متروحش مكان، أنا جوايا خوف وإحباط هيقتلوني، مش عايزة أبقى لوحدي، شكل الحيطان مرعب، أنا بترعب لوحدي، خليك هنا.
صمت للحظات ثم قال بعدما حسم قراره:
- ادخلي غيري لبسك، هننزل.
- هنروح فين؟
- هتعرفي. يلا البسي لحد ما هعمل تليفون.
"في قصر دويدار"
أصبحت تتقلب بجواره على طرف السرير بقلق، منكمش في لحافها بتوجس في الغرفة المظلمة التي لم يشع منها إلا نور شاشة "التابلت" الخاص بتميم. لاحظ قلقها وتقلبها، قفل الحاسوب وقال بهدوء:
- بدل القلق ده كله ممكن نتكلم.
لم تتحرك من نومتها وقالت بفتور:
- هنقول أيه؟
- هنقول أن اللي عملتيه غلط يا شمس، وأنا ما رضتش أعتابك وأنت متعصبة لأنك للأسف على حق، وبتحاولي تظهرلي الحق للنور في مكان ماشافش غير الظلم!
أخذت تستمع إليه باهتمام، تنهد تميم بوجع وأكمل:
- أيام احتلال اليهود لأحد الدول الأجنبية في القرون القديمة، كانت الحرب على أخرهـا، والجماعة دول أضعف ما عندهم المواجهة، كل الرجالة راحت تحارب عدوها الصهيوني، وسابت بيوتها وستاتهم ومشوا، وقتها اليهود استغلوا ده وبدل ما يروحوا على ساحة المعركة، هجموا على القرية دي بكل قوتهم وقاموا بالاعتداء على جميع السيدات.
اعتدلت شمس في نومتها لتستريح على ظهرها وهي تستمع إليه باهتمام حتى أكمل:
- طبعًا العار والخزى خيم على وجه الستات، كلهم اتعرضوا للاغتصاب الجماعي من عدوهم إلا ست واحدة كانت خارجة من بيتها وماسكة في إيدها رأس الجندي اللي حاول يقربها، وفضلت تصرخ بكل فخر وهي بتقول "يا أما يقتلوني يا أقتله". تعرفي حصل أيه بعد كده؟
حان منها صوت الأنين منصتة إليه:
- أيه؟
- كل الستات هجموا عليها وقتلوها، عشان يقتلوا معاها صوت الحق، عشان لما أزواجهم يرجعوا من الحرب، مش يلوموا عليهم، وليـه مدافعوش عن نفسهم زي الست دي. اتكاتر صوت الشر على الحق لحد ما دفنوه. دفنوه عشان محدش يعايرهم ولا يكون أحسن منهم.
ثم تنهد بحرقة:
- أهو أحنا بقينا عايشين في الزمن ده، وبالأخص في القصر ده، أن الحقيقة اختفت كل ده ومظهرتش للنور معناه أن سيف الشر بيقطع لسان كل واحد بيحاول يقول الحق.
نهضت شمس من نومتها معاتبة:
- أنت كنت عايزني اسكت لها بعد اللي عملته معاك ومع حياة ومع جدتي؟ دي ست القتل بيجري في دمها، أنا مش هعرف اسكت لها بعد النهاردة؟
- هل مواجهتك ليها حل؟ بالعكس دي فتحت أبواب شرها في وشنا. عبلة المحلاوي مستعدة تعمل أي حاجة عشان تحافظ على مكانتها.
أعلنت شمس بتحدٍ:
- وأنا وراها، شوفت الحكاية اللي أنت لسه قايلها! أنا بقا الست دي، يا أقتلها يا تقتلني؟ أنا مش هسمح لها تاخد مني تاني حد يخصني؟
لاحظت ابتسامته المحياة على وجهه التي جاءت منافية لمغزى الحديث، رمقته باستغراب:
- أنت بتبتسم ليـه؟
جملتها العفوية تشبه انبعاث الضوء من زاوية صغيرة في جوفه الذي ظل مظلمًا لسنين طويلة، أطال النظر إليها وقال بأمل يتدفق في مقلتيه:
- اعتبره اعتراف صريح بأني حد مهم في حياتك مش عايزة تخسريه؟
تضاربت رغباتهـا مع قناعتها وهي تسترجع ما قالته بعفوية، انتفضت مقلتيها هنا وهناك حرصًا منها ألا تلتقي بعيونه الكاشفة وقالت هربـة من حصار نظراته:
- أنا هنام، تصبح على خير.
تكومت تحت غطاءها وهي تعاتب نفسها عما أفصحت به بتلقائيتها، بدأ سؤاله يخربش على جدار عقلها تارة وجدار قلبها طورًا، حتى غاصت في أعماق الحيرة واستسلمت للنوم الذي اتخذته كهدنة من تلك الحرب الشرسة التي اندلعت بها.
"بعد الثانية عشر من منتصف الليل"
خرجت "نوران" من الغرفة تتسلل كاللصوص وتخطو بحرص كي لا يراها أحد حتى وصلت إلى الحديقة الخلفية بالقصر وانفجر خوفها وحرصها الشديد بوجه كريم الذي لم يكف عن الاتصال بها، فهتفت معاتبة بجزع:
- تصدق أنا غلطانة اني اديتك رقمي، اقولك على حاجة انا هغيره خالص.
كريم بحيرة:
- ممكن تهدي؟
- اف؟ هديت أهو، ايه المهم اللي ينزلني اقابلك في الساعة دي؟
تجولت عيني كريم بالحديقة حولهم للحظة ثم زفر متنهدًا:
- أنا كنت عند مراد من شوية، وحالته كانت صعبة اوي.
جهرت نوران بصوت عالٍ باعتراض واضعة يديها على خصرها:
- وأنت جاي تقول الكلام ده بعد ما أخوك جرجرها وبهدل البنت، بصراحة يستاهل، دانا نفسي اشوفه عشان أكسر دماغه بنفسي.
حدجها كريم معارضًا:
- وبالنسبة للي عمله عاصي في هدير؟ ده عادي بالنسبة لك؟
- عاصي قال قدامنا انه مش قصده يوقعها، اختك اللي وقعت لوحدها.
تفوه كريم باصرار:
- قصده ولا مش قصده متنكريش انه السبب في اللي حصل لهدير.
وبخته باعتراض:
- وانا مالي بكل ده، هو أنا اللي وقعتها، روح حل مشكلتك مع ابن خالتك الغريب ده اللي عمري ما استريحت له.
- مش موضوعنا، وهدير وعاصي سيبك منهم، المهم عايزك تساعديني نرجع مراد لعالية.
ضحكت باستهزاء:
- أنت بتحلم! أخوك الهمجي ده يروح يتعالج مش يتجوز.
- يا نوران افهميني، أنتِ الوحيدة اللي قاعدة مع عالية طول الوقت، وهتعرفي تاخدي وتدي معاها فالكلام، عايزك تفهمي منها لو فعلا بتحب مراد وفي سوء فهم حصل ما بينهم، نحاول نصلحه سوا ونجمعهم.
ثم اقترب منها متوسلًا:
- مراد بيصفي حساباته وهيسيب البلد كلها ويسافر، أنا مش عايز اخسر أخويا، أنا اتربيت بعيد عنه، جيه الوقت اللي اقف جمبه، مراد طول عمره وحيد وبعيد عننا وانا مش عارف ازاي الحياة كانت وخداني كده عنه، ممكن يا نوران تساعديني؟
فكرت قليـلًا ثم قالت:
- طيب سيبني أفكر الاول وأعرف عالية عايزة أيه!
ثم تراجعت سريعًا:
- بس ده مايغيرش رأيي بردو أن أخوك يستاهل كل ده. أوعى تكون أنت كمان غبي كده زيه!
تبسم كريم بطيف ابتسامة وهو يقول بفخر:
- أنا مفيش أطيب ولا أحن مني، والأيام هتثبت لك ده.
حدجته بإنكار:
- وتثبت لي ليه؟ الكويس كويس لنفسه. تصبح على خير يا هندسة.
- استنى بس.
تأفف بضيق:
- في أيه تاني؟
- متغيريش رقمك والكلام الأهبل ده عشان المرة الجايه هتلاقيني جيت لك من الشباك، ومش بعيد عليا وأنتِ عارفة.
تبسمت بتحدٍ:
- بلاش، عشان أنت اللي مش عارف أنا ممكن أعمل فيك أيه لو كررتها.
مجرد ما أردفت جملتها ولت ظهرها مغادرة لتضب حقائب قلبها التي فُتحت أمامه على مصرعيها بدون رقابة منها. وهي تلوم نفسها:
- أيه الهبل ده!! مش ناقصه غير سي كريم كمان!
"صباحًا"
صف عاصي سيارته أمام قريته السياحية بالغردقة، وفك حزام الأمان ثم ولى إليهـا يتأمل ملامحها النائمة بحب ممررًا ظهر كفه على وجنتها الناعمة مناديًا باسمها الذي أطلقه عليها:
- حياة!
فتحت جفونها ببطء:
- أحنا فين؟
ثم تفحصت المكان حولها وكررت سؤالها:
- أحنا هنا بنعمل أيه؟
- أهدي ممكن، انزلي يلا نرتاح ساعتين عشان عايزك فايقة النهاردة.
حاولت استيعاب كلماته ولكنها كررت حيرتها متسائلة:
- برضو أحنا جينا هنا ليـه؟
- عشان تعرفي كل حاجة. ممكن تنزلي بقا.
حررها من حزام الأمان وقال بهدوء:
- انزلي يلا مش عايز أسئلة كتير.
هبط من سيارته وأشار للسائس كي يصف السيارة بمكانها، نزلت "حياة" خلفه وانتظرته قليلاً حتى جاء وغلغل أصابعه بكفها المرتجف وقال بهمس:
- مفيش داعي للخوف ده على فكرة، أنتِ معايا في أمان.
أومأت بخفوت وتابعت خُطاه بصمت حتى وصل إلى جناحه الخاص، قفل الباب عليهم بعدما طلب لها الإفطار، رمقته بتردد حتى قطعه بحزم:
- ارتاحي شوية لحد الأكل ما يجي.
جلست على طرف السرير بتوجس وهي تراقبـه يجري العديد من الاتصالات الهاتفيـة بشرفة الجناح الذي يفصل الزجاج بينهم فلم تفهم منها إلا أن عصبيته فاقت الحد. امتدت عيونها وأذانها محاولة منها أن تسمع شيئًا ولكن بدون فائدة، نهضت إثر صوت الباب لتفتحه، إذا بالندال يجر أمامه طاولة الطعام، شكرته بخفوت حتى انصرف، جاء عاصي في هذه اللحظة مغيرًا جلده تمامًا راسمًا على وجهه ابتسامة طفيفة وقال:
- يلا عشان نفطر.
- ماليش نفس.
حدجها بحدة:
- اسمعي الكلام من غير مقاوحة، لو سمحتي اتفضلي عشان تاكلي وتنامي.
- أنا مش هنام ولا أعمل أي حاجة غير لما تقول لي جينا هنا ليـه؟
قفل جفونه للحظة كي يتمالك أعصابه ثم قال:
- طيب اقعدي ناكل وهقولك بعدها عشان ماينفعش ننزل وأنت مأكلتيش حاجة من امبارح. يلا اقعدي.
جلست مرغمة لأوامره واكتفت بالقليل من الخضراوات ولكنه لم يجبرها أكثر على تناول المزيد، انهى الثنائي إفطارهم الذي ختمه عاصي قائلًا:
- ترتاحي شويه ولا نقوم ننزل؟
- هنروح فين الأول؟
مسك كفها بحنو ثم قال:
- هنتعرف سوا على رسيل قنديل المصري.
بدهشة:
- أيه؟
هز رأسه متسائلًا:
- يلا؟
تحمست بمزيج من الخوف والقلق:
- تمام.
"عودة إلى القصر"
- صاحية بدري ليه يا عالية؟
لمست أقدام عالية آخر درجة من السلم فتوقفت إثر سؤال عبلة الأخير، فأجابت بضيق:
- عندي جامعة والامتحانات قريب وكفاية لحد كده اهمال.
هلت عبلة بفرحة:
- برافو عليكي، أيوه كده أنا عايزاكي قوية، كل اللي فات ده ارميه تحت رجيلكي.
أومات بخفوت وتأهبت للمغادرة:
- تمام. بعد إذنك.
- استنى يا عالية، طنط يسرية من أول ما عرفت باللي حصل لك وهي متأثرة وعايزة تقعد معاكي شوية.
ثم مالت على أذنها بهمس:
- وشكلها كده عايزة تخطبك لابنها وليد، حقا يا عالية لو حصل هيبقى عوض ربنا بحق، أصلك متعرفيش ابنها شغال في الخارجية وباباه سفير، أنا مش عارفة ازاي كنت بأجل الموضوع ده من زمان.
أحست عالية بالاختناق ثم قالت بضيق:
- مامي عندي جامعة، ومش وقته الكلام ده.
جاء كريم من أعلى وألقى تحية الصباح:
- صباح الخير.
التوى وجه عبلة بضيق:
- أنت هنا يا كريم؟
- ااه يا خالتو، جيت أخد حاجات لهدير والوقت اتاخر فنمت.
أردفت عبلة بضجر:
- بصراحة كده يا كريم من وقت اللي عمله أخوك في بنتي وأنا.
قاطعتها عالية بحزم:
- مامي، كريم ملهوش دخل بكل اللي حصل.
غير كريم مجرى الحديث قائلًا:
- تعالي أوصلك في سكتي.
أومات عالية بالإيجاب. فسبق كريم خُطاها، تأهبت أن تلحق به فأوقفتها عبلة:
- كلامنا ما خلصش يا عالية.
تجاهلتها عالية وهربت من أسر ولعنة أمها متبعة خطاوي كريم، أما عن عبلة فأخذت حقيبتها ومفاتيحها وغادرت البيت هي الأخرى.
"بالطابق العلوي"
انتهت شمس من أداء صلاة الصبح، ما أن فرغت من صلاتها سبقها تميم بحب:
- تقبل الله.
- منا ومنكم.
ثم قامت من فوق سجادتها واقتربت منه:
- تحب تفطر أيه؟
- سيبك مني، أنتِ مش بتروحي جامعتك ليه؟ على فكرة أنا مش بحب الإهمال ده.
أجابت بتردد:
- معاك حق والله، أنا فعلًا مقصرة وكنت بفكر اسيب السنة دي كلها.
- تفتكري ده حل؟
- مش عارفة يا تميم، حياتي كلها اتشقلبت أنا مابقتش فاهمة بيحصل أيه ولا عارفة اتأقلم، أنا متلخبطة أوي.
- عشان كده حجزت لنا كلنا نغير جو وفرصة عشان ترتبي أولوياتك.
ثم صمتت للحظات وسألها بتخابث:
- نمتي كويس النهاردة؟
أومات بخفوت ثم ردت عليه:
- ااه نمت، وأنتَ؟
- بصراحة لا، منمتش خالص.
- ليه كده؟
اقترب منها بمقعده المتحرك ثم قال:
- البركة فيكي!
- أنا؟ ليـه بس؟
ابتسم بمكر:
- هربتي قبل ما تجاوبي على سؤالي، وسبتي دماغي تودي وتجيب لوش الصبح.
- هااه؟ أي سؤال؟ أنا مش فاكرة!
أنكرت فهمها لمغزى كلماته، كي لا تقع في فخه مرة ثانية حتى قال معترفًا وهو يحتوى كفها:
- بعد اللي حصل إمبارح وأنت بقيتي حد مهم أوي في حياتي يا شمس، حد مش حابب أخسره باقي عمري. مش هقول كلام لسه بدري عليه، بس أنا من أول وقت شفتك فيه اطمنت، يمكن شعور الأمان هو اللي جابني لحد عتبة بيتك.
أؤمن أن العلاقات بين البشر لا تُقاس بالحب بقدر ما تُقاس بالأمان، الحب يتوهج ويخبو أحيانًا أما الأمان فهو شعور دائم متصل، أن أستأمنك على عيوبي وزلاتي، على تلك الأشياء التي أخاف قولها لنفسي مع يقيني التام بإنك لن ترمي يومًا ما استأمنتك عليهِ في وجهي.
زاغت عينيها بتوتر حتى تفوهت بحيرة تمتمت بخفوت:
- يعني أيه… تميم.
ضغط على كفها المرتجف ثم قال بهدوء:
- الموضوع مش مستاهل الخوف ده كله، أنا حسيت بحاجة فحبيت أعبر عنها، وعلى فكرة أنا مش مستعجل خالص، خدي وقتك على أقل من مهلك.
تسارعت ضربات قلبها وتعالت أنفاسها المضطربة وغمغمت:
- أنا… أنا مش فاهمة، وقتي في أيه؟
- أيه يا دكتورة! كنت فاكرة أذكى من كده؟
ردت بشرود:
- أنا مقدرة مشاعرك ووثم تنفست بصوت مرتفع وضحكت بتوتر انعكس بحمرة ملامحها وأخذ تلوح بيسارها كي تخلق المزيد من الهواء:
- تميم، أنا جعانة وأنت؟
غمز بطرف عينه:
- شوفي هتفطرينا أيه وياريت في السريع عشان في مشوار مهم ورانا.
وثبت بحماس كي تهرب منه ومن عيناه القاتلة وقالت بتنهيدة عالية:
- حالًا. هجهز الفطار وأجي.
- طبعًا مكنتش متخيل أن الأيام تجمعنا تاني؟
أردفت عبلة جملتها الأخيرة على أذان العم حسين الذي باغتته بزيارتها الغير متوقعة، أجابها تحت غلاف صدمته:
- نورتي يا هانم، تعالى اتفضلي.
ردت بحدة:
- أنا مش جايه أضايف، هما كلمتين ملهمش تالت.
- تحت أمرك يا عبلة هانم؟
- قول لي تعرف أيه، أيه السر اللي عندك عشان تميم دويدار يجيلك لحد هنا؟
تأوه العم بمرارة مستندًا على عكازه:
- ااه!! هو نفس السر اللي جابك هنا عشان تتأكدي منه.
تلون وجه الحرباء وقالت بغضب:
- بس أنت عاقل وما قولتش حاجة لتميم؟
- قولتلـه اللي يخليه يحط رجله على أول سلمة للحقيقة، بس مسيره هيوصل، سواء دلوقت أو بعدين.
اقتربت عبلة بنيرانها التي كادت أن تحرقه:
- ما تلعبش بالنار وعيش الكام يوم اللي باقيين لك في سلام، وزي ما سكتت زمان، اسكت دلوقتي!
تبسم بغرابة:
- وأروح فين من ربنا؟ مش كفاية سكوت لحد كده والحق ترجعيه لصحابه؟
- أنت عرفت أزاي أن عاصي مش ابني؟
نور ضوء الحق بوجهه:
- منك، لسه قايلة بعظمة لسانك أهو!
وقعت عبلة في فخ شرها، تراجعت للخلف خطوة ثم عادت إليه بقوة:
- اسمعني يا راجل أنت، عشان أنا عارفة طريقة التعامل مع أشكالك بتكون أزاي. تاخد كام؟
- نص نصيب عاصي بيه دويدار.
- دا انت بترسم على تقيل بقا؟
أومأ بمكر:
- ونصف نصيب الهانم الصغير.
- كمان؟
- ماهي كمان مش بنتك، ولا أيه؟
بدا الارتباك يقاسم معالم وجهها فتفوهت بحرقة:
- أنت بتقول أيه يا جدع أنت؟ انت اتجننت!! أنا ممكن أمحيك من على وش الدنيا. وبعدين أنت فاكر حد هيصدق الجنان بتاعك ده؟
رد باستسلام:
- قادرة وتعمليها يا هانم. عموما أنا مش بقول كلام، أنا معايا الدليل كمان.
سقط قلب عبلة بين كفيها وقالت بقلق:
- دليل أيه؟
حسم العم حسين المقابلة وقال:
- المقابلة انتهت يا عبلة هانم. ااه ومش أنا اللي ابيع ضميري بشوية ورق ملون زيك، بس صوت الحق هيجيلـه يوم ويظهر.
حدجته عبلة بغل:
- كل كلمة قولتها هتتحاسب عليها.
ثم تركته مسرعة وانصرفت تهرول من أمامه، مجرد ما صعدت سيارتها هاتفت فريد بلهفة:
- فريد، أنا عايزة مساعدتك ضروري.
- هنا بقى يا ستي بيت "قنديل المصري". أبوكي.
قال عاصي جملته الأخيرة وهو يشاور بسبابته على أحد المنازل العريقة التي تتسم بالأصالة والفخامة، فتحت رسيل الباب ودلفت من السيارة تتفقد أنحاء المنزل بعيونها الشاردة، نزل عاصي وراءها ووقف بجوارها:
- ماينفعش حد يشوفك دلوقتي.
- ليـه؟
- عشان مش وقته، دلوقتي أنا عايز رسيل تفتكر وترجع لنفسها وتسترجع قوتها، عشان في حرب كبيرة مستنياكي.
دارت إليه بذهول:
- حرب أيه؟ ومع مين؟
نصب قامتـه وشرع في رواية ما توصل إليه:
- الحادث اللي حصل لكم في البحر، أدى لوفاة والدك، وطبعًا أنتِ مفقودة، وأخواتك كمان اختفوا من الوسط كله، يقال أنهم هربوا، وناس بتقول طلعوا رحلة صيد وغرقوا. لسه التحريات شغالة.
أغرورقت عيونها بالدموع وهي ترتجف:
- يعني أنا لوحدي! هفضل أدور ورا أمل باهت؟
ثم أجهشت بالبكاء وهي تتمسك برأسها:
- أنا عايزة أهرب من هنا. أنا مش عايزة افتكر حاجة، أنا راضية بالنسيان.
ربت على كتفها:
- أهدي ممكن! بقولك لسه التحريات شغالة.
- طيب أنا ينفع ادخل البيت؟
- ماينفعش دلوقتي مش عايزين نلفت النظر، خاصة أن ابن عمك بعد ما استولى على ورثكم كله مش هيسيبك لو عرف أنك لسه عايشة. واحدة واحدة وأنا معاكي ومش هسيبك.
ألقت نظرة أخيرة على البيت المقفول على ذكرياتها وقالت بنبرة مرتجفة:
- يلا بينا، أنا مش عايزة اقعد هنا.
مسك كفها بقوة وطالع عيونها بإصرار:
- أنا معاكي ومش هسيبك، مش عايزك تشيلي هم حاجة. يلا أركبي.
- وبعدين فيك، أنا عندي مذاكرة، هتفضل كل شوية ترن عليا كده مش هينفع!
أردفت نوران جملتها بفظاظة وضيق من رنين كريم المتواصل، صعد كريم سيارته وقال:
- أحنا مش بينا اتفاقيات ولا لا؟ وارد تلاقيني بكلمك كل شوية!
- وانا مش فاضية لصداعك ده؟
ضحك كريم بصوت هدر ثم قال:
- أنا لقيت حتة فكرة جهنميـة هترجع علاقة عالية ومراد.
- وانا قولت لك مش موافقة ولسه معرفش دماغ عالية فيها أيه؟
دور كريم سيارته متأهبًا للمغادرة:
- ما ده اللي مكلمك عشان تعرفيه النهاردة من عالية، أنا بصراحة حاولت أقررها النهاردة، بس هي رفضت الكلام في الموضوع خالص. المهم هعتمد عليكِ!
أصدرت إيماءة خافتة:
- هحاول بس مش وعد، أما نشوّف آخرتها معاك أنت واخوك ده أيه!
ضحك كريم بصوت مسموع:
- آخرتها تبات ونبات ونخلف صبيان وبنات.
- أيه الخفة دي؟
قالت جملتها باستنكار توارت خلفه ضحكتها، طوى كريم الأمر مغيرًا مجرى الحديث:
- طول عمري. أنا هروح اطمن على هدير دلوقتي وبعدين هرجع عشان اجيب عالية من الجامعة، مش عايزة حاجة!
- أنت هتقول لي خط سيرك!! يلا يا بابا من هنا أنت هتصاحبني ولا أيه؟
رفع حاجبه متعجبًا:
- كمان!! يلا لولا بس المصلحة كنت هرد عليكي رد تاني.
- ولا تقدر.
كانت كلمتها بتحدٍ حيث أنهت المكالمة بعدها على الفور وهي تقول بعناد:
- هو مفكرني واحدة من البنات الفرافير اللي يعرفهم ولا أيه!
"عودة إلى الغردقة"
على "الياخت" الخاص بعاصي دويدار وفي منتصف البحر تقف حياة شاردة متأملة الموج وهدوءه حولها، تفكر فيما أخبرها به وكيف ستواجه تلك المآسي بمفردها، تأملت السماء الملبدة بالغيوم فوقها فأحست بصقيع الكون حولها وهي تقف بمفردها بوجه هذه العاصفة القوية.
طوق خصرها من الخلف وضمها إليه بنعومة ورفق وهمس إليها:
- الحيوان اللي عمل فيكي كده هجيبـه راكع تحت رجليكي. وحقك وحق اخواتك هرجعه كله، أنا معاكِ لنهاية الطريق.
جاءها بالوقت المناسب، الوقت الذي تشكو فيه من الوحدة ومرها، ساند ظهرها لتتكئ عليه وترمي فوقه جميع همومها، تمتمت بحزن:
- وايـه اللي يخليك تورط نفسك في كل ده مع واحدة حياتها بالشكل ده؟
ضمها أكثر إليه وهو يستنشق عبير شعرها المتطاير وقال:
- عشان أنتِ عندي مش أي واحدة، أنتِ الواحدة اللي ماينفعش يجي بعدها حد تاني!
كان لكلماته صدى يدوي بجدار عنقها حتى تحولت أنفاسه لقبلات خفيفة منه تتدلل فوقه، أغمضت جفونها وعاشت معه تلك اللحظة التي روت فؤادها العطش والثائر مع هدوء ثورتها وأنفاسها.
تمتم قلبها بميثاق الاعتراف عن شعوره بقربه:
"- يبدو أن الغيوم والسماء والبحر يأخذوني إليك.. بينما يعجز الطريق الوعر الساكن بظلمتي عن ذلك!"
تملصت من أسره بالملدوغة وقالت بتوتر ورجفة:
- من فضلك.
تفهم الأمر سريعًا وحاول أن يمتص غضبها قائلًا:
- أسف عارف أعصابك تعبانة، بس حبيت أقولك أني في ضهرك ومعاكي وأني عمري ما هسيبك.
بدأ الارتباك يجتاح جسدها:
- تمام تمام، ولحد ما ده يحصل متضغطش عليا، أنا مش حابة أي تقارب بينا، واللي حصل، أنا اعتبرته حلم وانتهى ومش عايزة افتكره تاني. ياريت كل واحد فينا يلزم حدوده.
اقترب منها سابحًا في سماء عينيها وقال:
- بالنسبة لي اللي حصل بينا كان أجمل حلم وواقع أنا عشته، مهما حاولنا نهرب منه أحنا الاتنين. أنتِ سكنتي في روحي على سهوة مني.
انبسقت دمعة من طرف عينيها:
- أنا مش مراتك ولا حبيبتك وبلاش توهم نفسك بحاجة مش موجودة.
قطب حاجبيه معارضًا:
- أنت اللي بتحاولي تصدقي حاجة مش مقتنعة بيها.
- لو سمحت ما تحكمش عليا، أنت تعرفني منين أصلا عشان تحلل شخصيتي!
مسك كفها وسحبها خلفه إلى غرفته الخاصة بالمركب، فتح حقيبته الجلدية وأخرج منها كتابها "خلق القلب عصيًا". قلب في صفحاتها حتى عثر على الصفحة التي يريدها وقرأ ما كتبته:
"المشاعر أول وثيقة تبدأ بين قلبين، رجل وإمراة ذابا في بعضهما كما يذوب السكر بالماء، على من يقع اللوم يا ترى! على السكر الذي لا يقاوم الماء أم على الماء التي ذوبت السكر بها! خدعونا فقالوا: أن الحب الحقيقي يبدأ بعد الزواج! والزواج ما هو إلا وثيقة ختامية لنيران المشاعر التي توقدت بالقلب، اعتراف صريح بأن سكري يحن إلى ماءك باستمرار، الحب الحقيقي هو مفتاح الزواج، غير ذلك لا تصدق أكذوبتهم."
فارقت عينيه الكتاب وانتقلت إليها:
- ده كلامك على فكرة.
أخذت الكتاب من يده وغرقت في كلماته بشغفٍ حتى سألها حائرًا:
- من رأيك اللوم على السكر ولا الماء!
رفعت جفونها بحيرة:
- أنت قرأت الكتاب ده!
- مش كله، بس حابب نقراه سوا، كل كلمة مكتوبة في الرواية دي من قلبك وروحك، وأنا حابب أقرأك مع أني مش بهوى الكتابة، بس هويتك أنتِ.
ارتعش الكتاب بيدها حتى سقط منها بجوف الحقيبة مرة أخرى من حدة كلماته التي رجت قلبها، مالت لتأخذه فوقعت عيناها على تلك "اللؤلؤة" النادرة التي أرسلها فريد مع عبلة لتريها لعاصي، مسكت اللؤلؤة بذهول وقالت شاردة:
- أنا حاسة أني شفتها قبل كده!
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم نهال مصطفي
ارتعش الكتاب بيدها حتى سقط منها بجوف الحقيبة مرة أخرى من حدة كلماته التي رجت قلبها.
مالت لتأخذه فوقعت عيناها على تلك "اللؤلؤة" النادرة التي أرسلها فريد مع عبلة لِتُريها لِعاصي.
مسكت اللؤلؤة بذهول وقالت شاردة:
"أنا حاسة إني شوفتها قبل كده!"
عقد حاجبيه باستغراب:
"شكلك بتحبي النوع النادر ده من اللآلئ؟"
لا زالت عينيها ثابتة تفحص اللؤلؤة بإضطراب محاولة منها أن تتذكر ما يربطها بها حتى يأست تمامًا وهزت رأسها بعد اقتناع:
"جايز!!"
سحب منها اللؤلؤة ووضعها بمكانها وهو يقترب منها شيئًا فشيئًا ويقول:
"تشبهك، أول مرة شفت فيها اللؤلؤة دي، حسيتها تشبه روحك وهتليق عليكِ."
ثم شرد بملامحها الفاتنة:
"أزاي بتشبهي كل حاجة فريدة كده!!"
ثم بلل حلقه وأزاح خصلة شعرها القصيرة من فوق ملامحها لِوراء أذنها وأكمل:
"يعني هدوء البحر ودوشته في ملامحك.. روحك فيها سر عجيب، فيها طاقة تشبه طاقة الأحجار الكريمة.. الياقوت الأزرق بعيونك، ضحكتك وراها صف مميز من اللازوردي رغم أني شوفتها مرة واحدة بس سحرتني، قُربك فيه فتنة المرجان بيمد الروح بطاقة غريبة، فيكِ سحر يخلي الإنسان يسيب الدنيا كلها ويقضي الباقي من عمره جنبك من غير أكل وشُرب، ساعات كتير بسأل نفسي أنتِ جنيـة ولا حوريـة؟!"
ثم دنى منها أخر خطوة سُلحفية تفصل بينهم واضعًا كفيه الاثنين على وجنتيها ويداعبهما بإبهامه كأنه أراد أن يزيح أثر ملوحة الدموع من فوقهما اللاتي حولتهما لأرض بور كي يزرع بهما وردًا يُنير وجهها الحزين:
"عاملة زي الموجة القوية العنيـدة وأنا بكامل إرادتي وافقت أكون الغريق!"
أصابت قشعريرة نيرانه الحارقة جسدها حتى اهتزت ورجعت خطوة للخلف وهي تغلق جفونها كي يعجز عن قراءة ما بهما وقالت بترجى:
"لو سمحت!!"
كان مظهرها طفوليًا ولطيفًا لا يوحي بأي عواصف تقام في داخلها، ولكن لغة روحها التي تلبست به تبسمت إثر نجاحه في وصول مشاعره النارية إليها.
لأول مرة يتوقد لهبًا في شوقه لِامرأة للحد الذي لا يخبوه ماء المحيط، كيف سيكبح عطشه الدائم لها؟ كيف سيقاوم اشتهاءه لها بعد ما تذوق عذوبـة قُربها؟ كيف سيكون الطبيب لجروحها وجرحه لا يزال داميًا ينزف رفضها إليه؟!
ابتلع مرارة تمردها على عواصفه برحب وبادلها بنظرة آمنة كي تهدأ:
"اطمني.. أنا هنا مش هزود في جروحك، بالعكس أنا عايزك ترجعي أحسن."
أغرورقت عيناها بدموع العجز وقالت محتجة لتهرب من لحن كلماته المتواصل بقلبها:
"حاسة أني محتاجة أنام شوية."
هز رأسه متفهمًا:
"نامي واستريحي وهدي أعصابك خالص، أنتِ هنا في مكان بعيد عن البشر."
ردت بخفوت:
"تمام."
ثم فرت من أمامه وتكومت على طرف مخدعه بغرفته الخاصة بالياخت.
فتح خزانته الخاصة وأخرج منها لحافًا وافترشه فوقها بحنانٍ ثم جاء ليغلق نور الأباجورة الصغيرة بجوارها وقال موصيًا:
"اتغطي كويس عشان هوا البحر مايعرفش عزيز."
شعور أن لديك أجنحة ولكنك بقاع المحيط! هكذا كان شعورها في تلك اللحظة، فكيف تُحلق بجوف الكوارث المحيطة بخيالها! هربت من سطوته وهي تشد الغطاء على وجهها وتختفي تحته كي تتنفس براحة بعيدًا عن ثورتها العارمة التي اجتاحتها.
أغمضت جفونها فأخذها شريط الماضي معه وتذكرت الكثير من المواقف التي جمعتهما سويًا في فترة عقابها المكدسة باللحظات المسروقة من الزمن.
تذكرت رائحته التي كانت تنام عليها لمدة عشرة أيام، مداعبته لشعرها عندما يتأكد من نومها، حنيته المفرطة التي يتخلص منها مع شروق الشمس!!
تلك الليلة التي قاوم رغبته الجامحة في اختلاس قُبلة منها وهي في عالم الأحلام ولكنه تراجع بعناء كأنه يريد أن ينعم بها في واقعه قبل أحلامه!!
لحظات حنانه عليها وهو ينهض من نومه كي يتأكد من وجود الغطاء الذي ترفسه كل ساعة من فوقها..
تلك المرة التي نام فيها متناسيًا يديه متغلغلة بين خصلات شعرها!!
وضعت كفها على قلبها متوسلة إليه أن يهدأ، أنها لم تحتمل جرحًا إضافيًا.. استعانت بلحظات قسوته وجبروته، والليالي التي قضاها بين ذراعي الأخريات حتى ختمت حيرتها بدموع الألم والعجز وغاصت في نومها.
أما عنه فخرج بهدوء من الغرفة بعد ما أخذ كتابها معه ليتونس به أثناء فترة غيابها وأجرى مكالمة هاتفية:
"وصلت لأيه يا يسري؟"
"عاصي بيه، عرفت أنه مغير اسمه اللي نعرفه بيه، وله جواز سفر باسم 'باهر رافاييل'، حتى آندرو وبنته بيدوروا عليه لأنه طلع سارق ملايين الدولارات منهم وهرب."
"عاصي بضجر: عايزك تحت رجليا حي يا يسري."
"بحاول يا باشا، المشكلة ملهوش مكان ثابت وبيتنقل كل شوية، كام يوم بس وهجيب لك خبره."
"في أسرع وقت."
ثم أنهى المكالمة ثم جلس على أريكة "اليخت" وغاص بسردها للقاء الحبيبين ببعضهما.
توقف على أعتاب جملة البطل وهو يتضرع لحبيبته:
"عانقني بشدة قبل أن يلتفت العالم لسعادتنا فيفسدها."
ثورة حارقة أخرى اندلعت بصدره عندما وصفت شعوره بكلمات جعلته يتنهد بين الصحف، ويعترف لنفسه:
"ربما بعناق منك سيهدم السور الفارق بيننا!"
•••••••
هبطت شمس من السيارة الخاصة بتميم المجهزة لاحتياجات ظروفه الخاصة في أحد المناطق بمدينة أكتوبر.
وقفت تتفقد المكان الصحراوي حولها حتى سألته بحيرة:
"أحنا جينا هنا ليـه؟"
انتظر تميم عودة السائق "سعيد" إلى السيارة ثم سألها:
"أيه رأيك؟!"
ردت بانبهار:
"جميلة بجد وموقعها متميز.. دي بتاعتك!"
أومأ بالإيجاب ثم قال:
"أيوة، اشتريتها من سنة، وكنت ناوي أعملها مزرعة خيول، بس لما عرفتك غيرت رأيي."
نظرت إليه:
"ازاي!! الفكرة حلوة أوي."
"بس مش أحلى من فكرة مستشفى بتعالج الناس بالمجان، وتوفر كراسي متحركة للأشخاص العاجزة.. ولا أنتِ شايفة أيه!"
انعقد حاجبيها بغرابة ودهشة:
"تميـم! مش معقولة ده حلمي من زمان أوي، بس عمري ما اتخيلت أنه هيتحقق بسرعة كده!!"
ثم جلست على ركبتيها أمامه وعبرت عن عرفانها:
"أنتَ ازاي كده؟ أنا سمعت صح طيب!!"
تفقد لمعان ملامحها:
"لو أعرف أن الموضوع ده هيخلي وشك ينور كده كنت قلت لك عليه من بدري!"
أحست بالخجل وتمتمت بذهول:
"لا أنت متعرفش الفكرة دي بتطاردني من وأنا طفلة متملكة غير السرير اللي بتنام عليه هي وجدتها."
ثم شردت للحظة وقالت بحزن:
"مرة حكيت لفادية وقولت لها أنا نفسي أعمل مستشفى كبيرة وأبقى دكتورة مشهورة، تعرف قالت لي أيه؟"
رفع حاجبه متسائلًا:
"أيه..؟"
أكملت بشغف:
"قالت لي اطلعي البلكونة وبصي للسما وحطي إيدك اليمين على قلبك، وأدعي ربنا يفتح لك أبواب أحلامك الموجودة جواه، وربنا مش هيردك غير مجبور."
ثم لمعت عيونها ببريق من الفرحة:
"أنا عملت كده، عملت زي ما قالت لي بالظبط.. وقلت لربنا أنا واثقة أنك سامعني وعشان بتحبني هتساعدني أحقق حلمي."
فاندفعت بمرح طفولي وهي تعانقه بعدم تصديق:
"أنت رجعتني عشر سنين لورا، أنا مش مصدقة."
كاد أن يلمس ذراعيها ليبادلها ذلك الحضن المفاجئ، ولكنها تراجعت بسرعة معتذرة بحياء:
"أنا آسفة بس انفعلت ومكنتش مصدقة.. ده مش حلم صح؟"
ثم تمتمت بعرفان:
"تميـم شكرًا بجد، شكرًا لأنك فكرت بطريقة جميلة صادفت أجمل حلم ليا."
"مادام كده يبقى من بكرة نبدأ بإجراءات التراخيص والبناء، وأنتي عليكي الإدارة وأنا شريك برأس المال.. بس بشرط؟!"
ردت بحماس:
"موافقة قبل ما أعرفه."
باغتها بمكر:
"حتى ولو كان حضن زي اللي فات؟!"
تراجعت بخجل:
"هااه… أيه!!"
ضحك بصوت مسموع وأكمل:
"بهزر بهزر.. متتخضيش أوي كده."
ثم مسك كفها وطلب منها:
"خلي الموضوع يبقى سر ما بينا الفترة دي، لحد ما يتم، ممكن!"
اتسعت ابتسامتها اللامعة وهزت رأسها بالإيجاب:
"موافقة.. متقلقش خالص مفيش مخلوق هيعرف."
•••••••
"أنت هتفضل تنط لي كل شوية في الشركة!"
أردف مراد جملته مجرد ما دخل كريم عليه المكتب بدون سابق إنذار.
هتف كريم بمرح:
"أعمل لك أيه أنت اللي مش عايز تشغلني عندك."
أجابه مراد بنبرة بها خليط من الحزن ولكنه لطف الأجواء معه:
"امكانياتك محدودة ومتسمحش أني أشغلك في شركة مراد المحلاوي."
ثم فارق مكتبه قائلًا:
"هو عاصي دويدار مش بيقبضك كويس ولا أيه؟"
ضحك كريم وهو يجلس على أقرب أريكة:
"أصلهم مدلعيني جامد فالشغل، عشان ليا ضهر، وبصراحة أنا عايز اتعلم مش ادلع!!"
جلس مراد بجواره متنهدًا ومحاولًا تناسي ما ينهش في خاطره:
"يبقى تنزل مواقع وتشيل طوب ورمل مع العمال وبعدين نشوف حوار تعينك معانا!"
انكمش وجه كريم معترضًا:
"لا يفتح الله، أنا راضي بدلع عاصي دويدار.. هو أنا اشتكيت لك!!"
"يبقى هتفضل طول عمرك في نفس السلمة مش هتتحرك."
غير كريم مجرى الحديث قائلًا:
"سيبك مني و خلينا فيك، نويت على أيه؟"
تنهد بمرارة:
"كنت بحاول أفضي الشغل هنا بس ده مش هينفع غير بعد ٦ شهور على الأقل، في عقود والتزامات لازم أخلصها الأول.. وماتتصورش يا كريم الشغل والبلد كلها تقيلة على قلبي أزاي؟"
حاول كريم أن ينبش داخله:
"كل ده من امتى؟ أقصد من زمان ولا من بعد اللي حصل بينك وبين عالية!"
تبدلت ملامحه الثابتة لأخرى مضطربة:
"عالية!! لا ده كان موضوع وانتهى.. مود الشخص بس بيتغير من كل فترة للتانية في حوار الشغل، المهم أنت كنت عايز ايه؟"
حدجه كريم بعدم تصديق والكثير من المكر وقال:
"ندخل في المهم، الجامعة عندنا عاملة فكرة مشروع جديد، وهو تحديث دور الأيتام وترميمها.. وكمان في مشاريع دور هتعيد بناءها وتكون تدريب للطلبة كمشروع تخرج، المهم منزلين إعلان في الجرايد والكلية باشتراك رجال أعمال كتير وممولين، قلت أشوفك لو حابب تساهم…"
يبدو أن الفكرة راقت إليه ثم هز رأسه مقتنعًا:
"فكرة جميلة، خلاص معاك.. أعرف التفاصيل واتواصل مع حمدي برا وهو هيظبط معاك كل حاجة."
ساد الصمت للحظة ثم غير مراد مجرى الحوار قائلًا:
"عالية كويسة؟"
تلون كريم بلون الشفقة والتخابث:
"لا مش كويسة، البنت لا بتاكل ولا بتشرب ورافضة تنزل الجامعة ومش بتتكلم مع حد.. أومال لو كانت ما بينكم قصة حب أسطورية كانت هتعمل أيه في نفسها!!"
فزع في مكانه بلهفة وحزن وسرعان ما طواهم وراء الستار وقال بتوسل:
"كريم، عالية لوحدها وملهاش حد حتى أخواتها بعاد عنها.. حاول خليك معاها الفترة دي وشجعها على المذاكرة والشغل عشان تهرب من اللي هي فيه!!"
أسبل كريم عينيه بمكر:
"عشان كده أنت بتشتغل ليل ونهار؟ يا ترى أنت كمان بتهرب من أيه!!"
ثم تحمحم بخبث:
"طيب هسيبك أنا، بس أعمل حسابك هتلاقيني فوق دماغك كل شوية."
ما كاد أن يخطو خطوة ففُتح الباب ودخلت منه المهندسة "بتول" التي تفحصت كريم بنظرات غامضة وهي تعتذر بدلال:
"سوري، مكنتش أعرف أن معاك ضيوف يا بيشمهندس."
تدخل كريم بعد ما لاحظ تلونها كالحرباء وقال:
"أنا كنت ماشي أصلاً."
ثم غمر لأخيه:
"الله يعينك يا بيشمهندس!"
تدخل مراد بحوارهم مقدمًا أخيه:
"ده كريم أخويا، دي المهندسة بتول شريكتي المسؤولة التنفيذية بالشركة."
رمقها كريم بخبث مصدرًا إيماءة خافتة وألقى عليها التحية ثم خرج من باب المكتب سريعًا وأجرى مكالمته مع نوران التي ردت عليه متأففة:
"أنا كل ما أبتدي أذاكر وأركز ألقاك طلعت لي كده من بين الصفحات!! وبعدين يعني؟"
"اااه هيجرى.. أفندم!"
فتح كريم باب سيارته وهو يقول:
"مراد وافق يكون من ضمن الممولين وكمان عالية اشتركت في المشروع، كده نبدأ خططتنا بنجاح، أنتِ تقولي لي تحركات عالية وشوية تأثير عليها، ومراد سيبه عليا بس نستعجل عشان في نمس بتولي بيدعبس في الأمر."
سألته بعدم فهم:
"مش فاهمة..؟"
"نفذي اللي بقول لك عليه وخلاص ويلا ذاكري أحسن ما تفضحينا وتسقطي."
عضت على شفتها بغل ثم قالت:
"خليك في حالك."
•••••••
"طمني يا فريد، عملت أيه؟"
أردفت عبلة جملتها بالهاتف وهي قلقة بغرفتها تتحدث لنفسها خشية أن ينكشف سرها، فأجابها فريد وهو يصب النبيذ بكأسه مع إحدى الفتيات المجهولات:
"كله تمام، رجالي مراقبين البيت عنده وفي اللحظة المناسبة هخلصك من اللي اسمه حسين ده ومن غير نقطة دم واحدة."
تنهدت بارتياح:
"الله يطمنك، أنت فين كده!"
غمز بطرف عينه للفتاة المشبوهة التي تتوسط فراشه وقال بكلل مزيف:
"الشغل ما يرحمش يا عبلة هانم، هكون فين يعني!"
تبسمت عبلة بخبث:
"بجد مش عارفة أقولك أي وسط شغلك ده كله ومتأخرتش عليا، بجد مرسي ليك يا فريد."
"لا مرسي أيه!! أنا لسه عرضي قائم وليكي عندي سفرية ما حصلتش في الغردقة، شوفي أنتِ بس وأنا جاهز."
انخفضت نبرتها بإعجاب وكأن الأمر راق لها:
"هشوف…"
"بالأسفل"
وصلت هدير إلى القصر برفقة أمها وهي تستند على ساعدها وتتفحص المنزل بنظرات استياء.
جهرت جيهان منادية على الخدم:
"سيدة!! يا سيدة."
جاءت تركض من الداخل وهي تطالعهم بنظرات ازدراء:
"اتفضلي يا جيهان هانم..؟"
"وصلّي هدير لأوضتها، وقولي لعبلة أني هنا."
ثم جهرت بحدة:
"انتِ لسه هتنحي؟ يلا اتحركي!!"
عاد تميم وشمس في تلك اللحظة فالتفت إليهما جيهان وهي تطالعهم بضجر:
"وايه الضحك ده كله!! خير فرحونا معاكم؟"
حملق بها تميم بضيق وسألها:
"ليـه؟"
فوضحت لها شمس قائلة:
"تميم قصده يقول لك بصفتك مين بس خانه التعبير!!"
جحظت جيهان عيونها وقالت:
"أنتِ هتنسي نفسك يا بت أنتِ؟"
جاءت شمس لتجيبها ولكن سبقها رد تميم الحاد:
"اسمها الدكتورة شمس، واللي يكلمها يوطي صوته عشان اللي يزعلها كأنه زعلني ووقتها هنسى هو مين حتى ولو كان ضيف في بيتي؟"
"أنت بتهددني يا ابن مديحة؟"
"ابن مديحة وشهاب دويدار، يعني بكلمة واحدة مني ممكن متعرفيش تدخلي البيت ده تاني!"
ابتلعت جيهان ما تبقى في حلقها من كلمات كل لا تتفاقم المشكلة بينهما ورضخت مستسلمة:
"طبعًا حقك، وسوري عشان غلطنا في صاحبة الصون والعفاف!"
••••••••
"فـ الغردقة"
غُربت الشمس ولا زال عاصي منغمسًا في العيش بين صفحات كتابها والرومانسية الحالمة التي نقشتها على الورق.
تمنى ولو يعيش معها تلك التفاصيل بحذافيرها.
جاءه النادل متسائلًا:
"عاصي بيه، اجهز العشا؟"
قفل الكتاب الذي بيده ورد:
"استنى الهانم تقوم."
ولى النادل وجهه فجاءت "حياة" في هذه اللحظة ملتفة بالشال الصوف على كتفيها وشعرها يتطاير أمامها.
وثب من مكانه ملهوفًا وأرسل لها ابتسامة ترحيب.
استقبلتها بإيماءة خافتة وجلست بجواره تتأمل البحر.
قعد بجوارها وسألها:
"نمتي كويس؟"
أومأت بخفوت ثم عادت تشكو صبابتها للبحر.
حتى أكمل:
"سبتك تنامي على راحتك، عشان تصحي فايقة."
ردت بفتور:
"مرسي."
ثم سألته:
"أنت منمتش؟"
"لا."
"ليـه؟"
"خفت أجي أنام جنبك تقلقي فتصحي، فضلت قاعد هنا بقرأ في كتابك."
ألقت نظرة سريعة على الكتاب الذي خشيت أن تفتحه مرة أخرى وسألته:
"عجبك…"
تنهد بانتشاء ثم قال:
"فيه مشاعر جبارة، مشاعر رجعتني ولد ١٧ سنة."
"ودي حاجة حلوة ولا وحشة؟"
تبسم بهدوء ثم قال:
"هتبقى أحلى لو لقيت الشخص اللي أعيش معاه التفاصيل النادرة دي، وهتبقى زي حبايـة المسكن لما يروح مفعولها لما أفتح عيني وألقى نفسي لوحدي، كل ده مفيش، اتبخر."
نهضت من مكانها وتحركت إلى مقدمة اليخت شاردة ثم لحق بها وسألها:
"سرحتي في أيه؟"
ضمت طرفي الشال إلى صدرها وقالت:
"على اليخت ده اتكتب لي عمر جديد وقصة جديدة غير اللي هربت منها، كنت بتمنى الذاكرة ترجع لي في أسرع وقت عشان أعرف أنا مين."
أخذت نفسًا عميقًا ثم جلست على أرضية المركبة بهدوء ثم مدت ظهرها لتطالع السماء بحرية أكبر وهي تتنفس براحة شديدة.
فعل مثلها بالتمام ومدد بجوارها حتى أكملت روايتها القاسية:
"أول حاجة افتكرتها موقف بشع، مفيش بنت تتمنى أنها تعيشه، عرفت أني كنت عايشة من غير قلب لفترة طويلة، ودلوقتي عرفت أني وحيدة، بابا توفى وأخواتي معرفش فين أراضيهم."
انخرطت دمعة حزينة من طرف عينيها وقالت:
"يا ريت أبقى فاقدة الذاكرة لأخر يوم في عمري!! أنا مش مستعدة أرجع لحياتي القديمة بكل الكوارث دي! أنا حتى مش عارفة أسترد شخصيتي ولا بقيت عايزة أستردها، واضح أني كنت قوية أوي عشان أتحمل كل ده، ودلوقتي أنا أضعف مما تتخيلي."
صمتت للحظة ثم ولت رأسها إليه وسألته:
"تفتكر أيه الذنب اللي عملته عشان أتعاقب عليه بالطريقة القاسية دي؟ أنا بقيت خايفة افتكر حاجة تاني."
"وأنتِ ليه مفكرة أنه ذنب؟ الحياة رحلة، وكل ما المشوار يصعب اعرفي أن النهاية تستاهل."
اعتدلت من نومتها وضمت ساقيها إلى صدرها وقالت بشك:
"هي فين الحياة اللي خسرت فيها كل أهلي، وخسرت نفسي معاهم.. أنا مابقتش عارفة المفروض أعمل أيه! أفضل أعيط وأندب حظي؟ ولا أبدأ من الصفر أمممم بس هبدأ في أيه وأجيب طاقة منين لكل ده؟!"
اعتدل ليجلس مقابلها وقال:
"كل ده هيتحل لو وثقتي فيا."
تمتمت باعتراض:
"فيـك!!"
حاول تلطيف الأجواء المشحونة التي تملأها:
"ااه أنا ملاحظ أنك شغالة تندبي على اللبن المسكوب وماجبتيش سيرتي خالص!!"
"مش كفاية أني معطلاك عن شغلك وبناتك وحياتك؟"
رفع حاجبه متسائلًا:
"حيـاتي؟!"
وضحت مغزى حديثها:
"ااه حياتك، أول ما عرفتك كنت شخص تاني، شخص بيشتغل دايمًا، بيسهر بيشرب بيحب يبسط نفسه طول الوقت.. حتى لو كل ده مش صح بس فين كل ده فجأة كده!"
هز رأسه متسائلًا:
"يعني أنتِ عايزاني أرجع أسهر وأشرب وستات كل ليلة والجو ده…؟!"
غمغمت بشك:
"هي دي مش كانت حياتك؟"
"اااه كانت بس أنا حاليًا راجل متجوز ماينفعش أعمل كده."
أصدرت إيماءة خافتة وغمغمت بخبث:
"ااه سوري نسيت، أكيد هدير مش هتسمح بـ…"
قطعها على الفور بنفور:
"هدير مين بس!! أيه جاب السيرة دي دلوقتي؟"
"ليه مش هي مراتك بردو وأنت رديتها؟!"
"حصل بس شكلك نسيتي أنك أنتِ كمان المفروض مراتي."
هنا تدخل النادل قائلًا:
"عاصي بيه، الأكل جاهز تحت في الأوضة اتفضلوا."
••••••••
"هبقى متطفلة لو سألتك عملتي أيه في الجامعة النهاردة؟!"
نزعت "عالية" – الهيد فون – من فوق أذانها وقالت برتابة:
"إطلاقًا، عادي جمعت اللي أقدر عليه من المحاضرات اللي فاتتني، واشتركت في مشروع تبع دور الأيتام وكدة والمفروض ابتدي أرسم اقتراحات، وبس."
ثم تنهدت بمرارة:
"اليوم كان طويل وممل، بس كده أحسن من قعدة البيت."
شجعتها نوران قائلة:
"براڤو عليكي.. لازم تشغلي وقتك عشان تنسي، فادية الله يرحمها كانت تقولنا الفراغ مصيبة القلب، أنتِ بقا اشغلي نفسك على طول."
تبسمت عالية بفتور:
"معاكِ حق، أنتِ بقا أخبار المذاكرة معاكي أيه؟"
"أهي ماشية بحاول أخلص أول بأول، وأفصل عن كل الدوشة دي."
ثم تركت الفراش وجاءت إلى مكتبها وأكملت:
"شمس سألت عليكِ من شوية وكنتي نايمة، وقالت لي إن تميم بكرة هيبدأ يجهز لي أوضة جديدة.. عشان تبقي على راحتك وكدة."
ابتسمت عالية بحب:
"مفيش داعي، أصلًا وجودك مونسني."
ثم صمتت لبرهة وأكملت:
"أو يمكن اتعودت على وجود مراد عشان كده حابة وجودك معايا في الأوضة بدل ما أفضل قاعدة لوحدي."
ركزت نوران في فطر الحزن الذي خيم على ملامحها وقالت:
"محاولش يكلمك تاني؟"
هزت رأسها يمينًا ويسارًا:
"لا.. ولا هيتكلم، مراد نفسه عزيزة عليه ومستحيل يقبلني بعد اللي حصل بينا، وعموماً أنا قفلت الصفحة دي من دماغي خالص ومبقتش بفكر فيها."
تجولت عيني نوران بخبث:
"سمعت كريم كان بيتكلم في التليفون وبيقول إن مراد هيصفي كل شغله ويسافر بره، تفتكري ليـه؟!"
"رجُ قلب عالية بحزن: تفتكري عشان زعلان مني ومش حابب يقعد في البلد بعد اللي عملته."
من لاثم تمتمت بأسى:
"أنا والله اتنازلت عن القضية واعتذرت له، المفروض أعمل أيه تاني…"
وضعت نوران سبابتها على شفتيها بتفكير ثم سألتها:
"أنا طبعًا ماليش حق إني أسألك سؤال زي ده… ولو مش حابة تجاوبي أنا مش هازعل خالص."
"سؤال أيه؟"
"أنتِ ليه عملتي كده؟"
ثم زفرت بحيرة:
"مادام هو كويس معاكي وشخص محترم زي ما بتقولي؟"
خدرت نوران رأس عالية بمخدر السؤال الذي هربت منه عالية طويلًا في تلك اللحظة دخلت "عبلة" على فجأة وقالت برسمية:
"عالية تعالي عايزاكي…"
••••••••
"على اليخت"
تابعت حياة خُطاه بنفس مستسلمة ونزلت معه إلى الغرفة لتناول وجبة العشاء بعد ما قرص الجوع معدتها.
فتح عاصي باب الغرفة التي ينبعث منها أنوار خافتة وموسيقى هادئة وطاولة عشاء على ضوء الشموع، وبعض الورود الحمراء التي تزين الفراش.
تأملت حياة المكان الساحر الذي لا يليق إلا بعروسين بذهول.
شدت يدها من قبضة يده وولت ظهرها معلنة المغادرة.
مد ذراعه كحصن منيع أمامها كي يفسد مخططها قائلًا:
"رايحة فين؟"
بد الغضب يتراكض بصوتها:
"أيه ده؟! مش شايف يعني؟"
"طيب ادخلي نتكلم جوه!"
ضربت ذراعه بقوة وعناد:
"اللي في بالك ده عمره ما هيحصل، وأنا غلطانة من الأول إني وثقت فيك. وقلت هتتغير!!"
جاء النادل على صوتهم المرتفع من أعلى يتساءل:
"في أي مشكلة يا عاصي بيه؟"
فجر غضبه بالرجل:
"وأنت مالك ياحبيبي!"
ثم حدجها بحدة:
"ادخلي مش هنتكلم على الباب كده."
أخذت تفكر طويلًا حتى نفذ صبره فسحبها رغم عنها وقفل الباب خلفهم.
كادت أن تنفجر بوجهه، فأنقذ نفسه من شرها:
"أهدي.. مفيش حاجة هتحصل من اللي في دماغك دي ولا غصب عنك، وأنا هنا عشان أداوي جروحك مش أفتح جروح غيرها."
تأففت بضيق وهي تشاور على الشموع:
"ده تفسيره أيه؟!"
رد بعفوية:
"المفروض أني عريس جديد ومراته جايين يتبسطوا، فتصرف طبيعي من الاستاف بتاع اليخت.. لأن محدش يعرف اللي بينا.. فهمتي..؟"
تراجعت بشك:
"يعني مش أنت اللي قلت لهم يعملوا كده؟"
"لا طبعًا، أنا متفاجئ زيك بالظبط، المهم أهدي كده وروقي واتعاملي عادي.. ينفع؟"
رمقته بحيرة قطعها بيقينه:
"حياة أنا معنديش استعداد أعمل حاجة تانية تخليني أخسرك، اتفضلي بقا اتعشي."
أومأت بارتياب ثم توجهت نحو الطاولة.
زفر عاصي بارتياح واتبع خُطاها ليجلس على المقعد المجاور لها.
شرع الثنائي في تناول الطعام حتى سألته بريبة:
"أحنا جينا هنا ليـه؟"
وضع عاصي اللقمة بفمه ثم قال:
"بناء على تعليمات الدكتورة، مكان هادي تريح فيه أعصابها ويساعدها تفتكر أسرع، وهو ده اللي بعمله."
تناولت بيدها المرتجفة كوب الماء فلاحظ تراقصه بين يديها وقال بهدوء:
"ليـه التوتر ده كله!! بلاش شد الأعصاب ده كله أنا مش بخوف على فكرة."
ابتلعت الماء بصعوبة ثم قالت بعناد:
"أنا تمام."
ابتسم بخبث:
"مش باين بس هعديها."
ساد الصمت لدقيقتين ثم قال:
"هخلص أكل واشتغل شوية على اللابتوب، وأنتِ حابة تعملي أيه؟"
فكرة لبرهة ثم قالت بتوجس:
"عادي، مش هتفرق.. ممكن اطلع أقعد على البحر فوق."
حركت ملامحه باعتراض وقال بلطف:
"مسموح لك بأي حاجة إلا أنك تخرجي من الأوضة."
ثم غمز بطرف عينه بمزاح:
"متخليش شكلي وحش بقا قدام العمال."
فضلت الصمت على أنها تجادله في قرارات قد حسمها مسبقًا.
أحس باختناق روحها فقال مقترحًا:
"كنتِ كاتبة وبتقولي أن الكتابة هي ملجأك الوحيد في كل وقت، ممكن تقعدي جمب البحر وتكتبي، حاولي تخلصي من كل الطاقة السلبية اللي جواكِ."
ردت بعدم اكتراث:
"تمام…"
مسح عاصي فمه معلنًا امتلاء معدته وقال:
"خدي راحتك، أنا هروح أخلص شوية شغل، كلي كويس.. هااه!"
تركها ليجلس أمام الحاسوب بأحد أركان الغرفة أما عنها فضلت الوقوف أمام البحر من وراء الزجاج بدون فعل شيء، فقد اكتفت بسرد أحزانها تلك المرة للبحر بدلًا من الورق.
مرت قرابة الساعتين حتى أحست بالملل وهروب النوم من جفونها.
لاحظ نفورها من الصمت فأنجز ما تبقى من عمله سريعًا وشغل أغنيتها المفضلة التي اعترفت بحبها سرًا للورق.
مع شرودها ومللها تسرب صوت الموسيقى التي أحييت قلبها من جديد إلى أذنها بغناء "كارم محمود" وهو يتوسل الليل:
"أمانة عليك يا ليل طول، وهات العمر من الأول."
حانت منها التفاته فوجدته بظهرها واقفًا يطالع البحر بعيونها.
أحست بتسارع ضربات قلبها وسألته:
"أنت شغلت الأغنية دي ليـه؟"
"عشان أنتِ بتحبيها."
حدقته بعدم تصديق فبرر لها:
"كنتِ قايلة أنك بتحبي تسمعيها كل ليلة قدام البحر.. قلت أما نسمعها سوا."
عقدت ساعديها ونظرت للبحر مرة أخرى.
أما عنه وضع كفه بجيب بنطاله وقال:
"طول عمري بسمع الأغنية دي، بس أول مرة أحسها، وأحس قلبي بيغني معاها وعايز الليل ما يخلصش.. رغم إني راجل عملي وماليش في كلام الروايات والأوهام دي."
تنهدت بصوت هدر ثم قالت تحت سطوة شرودها:
"وأيه دخل كونك راجل عملي في مشاعرك!! المشاعر والحب دول عالم تاني ما يعرفش الكلام ده."
ثم ألقت عليه نظرة سريعة وأكملت:
"مفيش راجل عنده فيض في المشاعر وراجل جاف ما يعرفش يعبر عن اللي حاسه."
"أزاي..؟!"
دارت إليه بجسدها وقالت:
"المشكلة كلها بتكون في طريقة حبه للست اللي معاه! في ست قادرة تفجر مشاعر من الراجل اللي قدامها ما يعرفش أنها موجودة جواه أصلاً.. وفي ست مملة بتهرب منها مشاعر الرجل أول ما يقف قصادها."
ثم تنهدت وأكملت:
"يعني نعتبر مشاعر الرجل والست زي العود، مش أي حد ينفع يعزف عليه غير صاحبه.. هما الاتنين بتكون ما بينهم طاقة إحساس عالية محدش يفهمها ويحسها غيرهم."
تبسم بإعجاب وانبهار لطريقة سردها لما يتجول بخاطره ثم تنهد وقال باندفاع:
"يعني لو حاسس إني عايز أرقص معاكِ دلوقتي على الأغنية دي، هتوافقي؟"
رمقته باستنكار ثم ولت وجهها للجهة الأخرى البعيدة عنه.
أحس بتسرعه في طلبه السابق لأوانه، حك ذقنه وقال معتذرًا:
"آسف مش قصدي حاجة، بس بحاول أخرجك من حالة الحزن اللي أنت فيها دي.. عمومًا أنا هنام عشان تاخدي راحتك، لو احتجتي حاجة أبقي صحيني."
في نفس اللحظة التي دار فيها نصف دائرة اتجاه مخدعه دارت هي إليه وتمسكت برسغه وقالت:
"استنى!"
خشيت الوحدة مجددًا، خشيت أن ينام وتظل وحيدة طول الليل.
رمقها بنظرات استفهامية حتى قالت بهدوء:
"موافقة."
رفع حاجبه مستفهمًا ليتأكد مما قالته، فأكدت عليه بطريقة لطيفة:
"الأغنية قربت تخلص على فكرة."
ابتسم برحب وجذبها برفق لمنتصف الغرفة.
لف يمينه فوق خصرها فدبت بها قشعريرة لذيذة أخرت سدول همهـا.
أطرقت جفونها بالأسفل كي لا تلتقي بعينيه الحادة.
مسك بيساره يدها الأخرى ثم ضمها إليه برفق.
رفع جفون عينيها لتصادف نظراته المفعمة بالشوق.
أخذ يتمايل الثنائي على ألحان الغناء:
"يا ليل طول على العشاق
وقول للشمس ما تبانشي
يهون العمر على المشتاق
ساعة القرب ما تهونشي"
مجرد الشعور بحرقة أنفاسه التي تداعب ملامحها جعل لقلبها أجنحة تتحرك لتتعلم التحليق من جديد.
كان حريصًا بألا يتجاوز حدوده معها، أن يكون قربه بالقدر المتاح الذي سمحت به كي لا يحرك نفورها منه مرة أخرى.
همس لها بنبرة مبطنة بالحب الذي لم يعترف به لنفسه حتى تلك اللحظة وقال:
"من لا يُغرم بجمالك يظل بقية عمره بالعتمة."
"كنتِ كاتباها في صفحة 60.. سبحان الله متفصلة عليكِ!"
"أنت لما بتكتبي بتكوني حاسة بأيه؟"
تحمحمت بخفوت وقالت:
"بنفس اللي بتكون حاسس بيه وأنت بتقرأه."
ابتسم لذكاء ردها الذي يفتح معها مجالًا للحوار لا ينتهي:
"لسـه خايفة مني!"
"مش عارفة؟"
"ده مش رد مقنع!"
"أنا مش جوايا رد مقتنع بيه عشان أقوله."
تركت يساره يدها وانتقلت إلى وجنتها وهو يدنو منها أكثر:
"لازم تثقي فيا، أنا معاكِ مش ضدك.. هل قدامك حلول أخرى؟"
"بردو مش عارفة!"
رسم بسمة خفيفة وسألها بخبث:
"حتى وأنتِ واقفة بين أيديا!"
"مش فاهمة؟! يعني أيه!"
"الرقص بين اتنين يعتبر ميثاق سلام، جسدين بروح واحدة بتحركهم على مزاجها، بالظبط زينا."
ذابت من سحر لمسته وتصلبت ملامحها وهي تومئ بالإيجاب بدون إدراك عما توافق عليه.
ابتسم بوميض من الأمل:
"بكرة هنروح المحكمة."
فقدت نبرة صوتها فسألته تلك المرة بعيونها اللامعة:
"ليـه؟!"
انتقلت أنامله لخصلات شعرها الناعمة وقال بتردد:
"موافقة تتجوزيني كرسيـل مش حياة!"
اندلعت منها صرخة قوية وهي تضع يدها فوق بطنه بأوهٍ:
"آآه!!"
رد بلهفة:
"مالك؟ أيه بيوجعك!! نرجع نروح لدكتور؟"
تشبثت بذراعه بضعفٍ وهي تتوجع:
"معرفش ليا كام يوم في مغص شديد بيجي فجأة ويروح."
حملها بدون تردد ووضعها برفق على الفراش وسألها:
"هكلمهم يعملولك حاجة سخنة تشربيها."
أخذت تتلوى من الألم لدقيقتين حتى هدأ الوجع تدريجيًا وقالت:
"أنا بقيت أحسن، متشغلش بالك."
"يعني أيه مشغلش بالي؟ أنتِ مش شايفة وشك اتغير أزاي؟ هننزل الغردقة تكشفي."
مسكت كفه وقالت بأنين:
"عادي والله متكبرش الموضوع."
جلس على طرف السرير وقال:
"عايزة تقنعيني أنه وجع من غير سبب!! نطمن طيب؟"
فكرت لبرهة حتى قالت بتلميح:
"طبيعي والله، تعب عادي.. هو شديد حبتين بس بيروح بسرعة."
"أنتِ متعودة يعني على التعب ده؟!"
أجابته بتوجس حيث بدأ المغص يشتد بها:
"كل البنات في فترة معينة من الشهر بيتعبوا كده، متشغلش بالك ومتكبرش الموضوع بقا."
توقف عقل عاصي محاولًا ترجمة ما تعنيه.
لأمت نفسها عما صرحت به خصوصًا أن الأمر بات مقلقًا، ألمًا غريبًا يجتاح رحمها من حين لآخر وتغير في هرموناتها المزاجية، وتأخر فترة عذرها الشهري عن ميعاده لمدة أسبوعين ولكنها فسرت كل هذا تحت مظلة الضغوط النفسية التي تمر بها.
توصل عاصي لما تقصده سريعًا حتى قال:
"مش المفروض في أدوية مسكنة للحاجات دي؟"
جحظتها مقلتيها بحياء:
"تصبح على خير."
لُطخ وجهها بحمرة الخجل واندست بسرعة تحت لحافها فلم يظهر منها شيئًا سوى كفها القابض على الغطاء.
ضرب عاصي كف على الأخر ونهض ليُبدل ملابسه فالتفت إلى هاتفه برسالة نصية:
"ألحقني يا عاصي…"
رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الأربعون 40 - بقلم نهال مصطفي
كنتُ أريد أن نتوقف .. أن نهرب بعيداً عن اللحظات القادمة ، أن نتوارى عن العالم ، أن نقف نحنونترك الزمن يمضي كما يشاء
لم أعد أريد الحياة
إنها طويلة ومُنهكة ومُملّة
كنتُ أنا أريد أن أعيشك ..
لكن جريمتك اقنعتني بأن الحياة ليست عادلة
الحياة قاسيةٌ كقساوة قلبك
" مصيـر الحي يتلاقى "
تلك الجملة هى عزائي الوحيد ، وعكاز صبري لعامين ماضيين ، يومًا ما سيجمعنا سلطان الأقدار ، وسترد الحقـوق ، و سأسقيك مر ما أسقيتني أياه ..
وهذا هو وعدي لك ، رسيل التي اعتادت دومًا على كسر عصى الظُلم ، فلم ولن تتنازل عن كسرك مثلها ..
•••••••
" صبـاحًا "
" فقل لطَبيبِ الحُبِّ إِن كانَ صادِقًا .. بِأَيِّ الرقى تَشفي الفؤاد المُتَيَّمـا ؟ "
يُطالعهـا بعيني أبت أن تنام كي لا تغفو عنها ، ممددًا على فراشه بجوارها باحثًا عن السر الذي ميزها عن معشر النساء اللاتي سبقوها ، تركت طرف السرير لذيل شعرها الطويل وتوسطت الفراش الذي جمعهما معًا وهي تتأبط ذراعه ولم تسمح له إلا بمساحـة صغيـرة لا تمكنه أن ينقلب يمينًا أو يسارًا ..
شرع أن يُدخن ولكنه تراجع كي لا يُزعجهـا ، باتت جوارحه مضطربـه بها وبرائحتها الساحرة ، فلم يعتـاد أمر امتناعه عن امرأة من قبل ! وكونـه يتحاشها متجاهلًا دواخله وفطرته البشـرية يعني أنها خطت بعيونها إلى أعتاب روحـه التي تتوق لروحها قبل جسدها ..
رفع جزء جسده العلوي العارٍ عن الوسادة بحرص، أمسك هاتفـه ليتفقد الرسائل التي تجاهلها أمس ، فلم يمر الكثير على نهوضها ، فتحت عينيها ببطء شديد وهي تراه صورة مشوشة ، تململت بخفـة فاتنـة تمتمت بنبرة مُفعمـة بالنوم :-
هي الساعـة كام ؟
ترك هاتفه وولى نحوها مبتسمًا :-
اسمها صباح الخير على فكرة !
فتحت عيونهـا لترى الصورة واضحـة ثم قالت بخفوت :-
أحنا بقينا الصبح ؟؟
- شوفتي ؟! أيه حكاية النوم ده كله ؟
نهضت بتكاسل وهي تفرك بعينيها وتتثاوب :-
بجد مش عارفـة ، عايزة أنام وخلاص ..
- ياستي نامي .. حد يلاقي نوم ويقوله لا !!
ثم وضع كفه فوق بطنها برفق وسألها :-
بطنك لسـه بتوجعك ؟
رعشة خفيفـة دبت بجسدها أثرت على نبرة صوتها الذي ارتعد قليلًا وقالت :-
أحسن شوية ..
- شوفي لو تعبتك تاني نروح لدكتور ..
- تمام ..
غمغمت بتوتر خاصـة وجوده بجوارها بدون سترته العلوية كان شعورًا مُربكًا للغاية ، بعناء بعدت أنظارها عنه وقالت :-
كده ممكن تاخد برد على فكرة ..
ابتسم الثعلب الماكر الذي يراوغها من جميع النواحي بفطنة وقال :-
لا متعود على كده ..
رفعت الغطاء من فوقها وفرت هاربة من جواره وهي تقول :-
براحتك ..
ألتوى ثغره بابتسامة خبيثة وقال بصوت مرتفع :-
كنت فاكر أن تاليا وداليـا هما بس الأشقية في نومهم .. طلعتي أشقى منهم !
توقفت إثر سخافته وقالت :-
قصدك أن نومي وحش ؟
غادر فراشـه واقترب منها :-
أنا قولت شقيـة بس …
أطرقت بخجل :-
تمـام ، عموما محدش قال لك تنام جمبي !
عقد حاجبيه مُتسائلًا :-
عايزاني أنام فين يعني !!
هزت كتفيها بلا مبالاة :-
اتصرف ، أنت متعود تتصرف في كل حاجة اشمعنا جيت هنا وعطلت !
غمز بطرف عينه :-
جايز بتلكك !!
ردت بجفاء تتوارى خلفه ابتسامتها :-
يبقى استحمل كل اللي يجرالك ..
رمقها بعينيه الماكرة:-
مستحمل وأمري لله ، لحد ما يجي الأوان وتتلجمي !
بعدم فهم :-
قصدك أيه بتتلجمي دي ؟ مش فاهمة !
تحمحم بخفوت :-
لما يجي أوانه هتفهمي ..
ثم وضع كفه على كتفها :-
اجهزي عشان يومنا طويل النهاردة ..
- هنروح فين ؟
- هتفهمي كل حاجة ، بس يلا مفيش وقت ، هعمل كام تليفون تكوني جهزتي …
استقبلت طلبـه بطاعة ثم توجهت نحو المرحاض الصغير باليخت ، أما عنه اشعل سيجارته وأجرى مكالمته الهاتفية قائلًا :-
أيوة يا عاليـة ..
جففت دموعها وقالت بنبرة مبحوحة :-
أيوة يا عاصي ..!
زفر باختناق :-
أنتِ لسه بتعيطي من أمبارح ؟! قلت لك الموضوع عندي يبقى خلاص يا عالية !! ليه تصرفات المراهقات دي !
نشجت بحزن :-
يا عاصي دي بتحطني قُدام الأمر الواقع ، ومامته طول الليل بتفرز فيا زي البضاعة .. انا مش عايزة اتجوز ولا عايزة بشر في حياتي..
رد بحدة :-
وأنا قولت لك مفيش حاجة هتحصل غصب عنك ..!! قومي روحي جامعتك يا عاليـة ، وأنا راجع بالليل وهنشوف الموضوع ده .. يلا قومي ..
••••••••
" ده أيه النشاط ده كُله "
تلك الجملة التى أردفها تميم بصوت مفعم بالنوم ، الذي اعتاد على ألا يسبقه أحد في الاستيقاظ لكن شمس كسرت القاعدة ، فرغت من لف حجابها وقالت بحماس :-
هنزل المستشفى عشان أخلص من أخر سنة امتياز بقا ، وبعدين نفوق لحوار المستشفى ..
ثم وثبت بخفـة واقتربت منه :-
تعرف أنا ما نمتش طول الليل أصلا ، لأول مرة أحس لقلبي أجنحـة ونفسـه يطيـر ..
صمتت للحظة وهى تطالعه بأعين لامعـة :-
أنا ليا كتيـر ما فرحتش كده ، كل ده بفضل لك يا تميـم .
كان صامتًا يراقب شغفها وحماسها الطفولي بإعجاب شديد وابتسامة لم تُفارقـه ، جلست بجواره على طرف السرير ثم قالت باستغراب :-
أنت بتبص لي كده ليـه ؟
ثم ضحكت بخفوت وأكملت :-
شكلك بتقول هي مالها دي اتجننت ولا أيـه !!
احتوى كفها الناعم وقال بهدوء :-
إطلاقًا ، أنا كل يوم بكتشف فيكي حاجة جديدة أصلًا ..
- بجد ! واكتشفت أيه المرة دي ؟
أصدر إيمـاءة خافتـة وهو يداعب كفها بإبهامه وقال :-
كنتي الأول جد كده ورسمي طول الوقت ، مكنتش متوقع أن السعادة هتخرجك من روح الطفلة الجميـلة دي !
اتسعت ابتسامتها بدهشـة :-
يعني أنت دلوقتِ شايفني طفلة !!
- روح طفلة في قالب أحلى بنوتـة !!
أحمرت وجنتها بخجلٍ ثم تملصت هاربة :-
أنا جهزت لك فطار ، هنزل بس أعمل لك القهوة وهخرج .. اااه ممكن اتأخر شـوية ..
رفض ترك يدها متسائلًا :-
شوية أد أيه يعني ؟!
- معرفش حسب الظروف ، بس ليـه ؟
فكر لبرهة قبل أن يفصح عن سر افتقاده لها وقال محتجًا :-
يعني هنتغدى سوا زي كُل يـوم ولا هتغدى لوحدي النهاردة ..
ابتسمت متحيـرة :-
اتغدى عشان علاجك ..
ثم حانت منها نظرة على الساعة جعلتها تنهض كالملدوغة :-
يا خبـر ، الوقت اتاخر ..
أخذت تتجول بالغرفـة بعشوائيـة وتلملم متعلقات حقيبتها بعجلٍ والكثير من الارتباك إثر نظراته الصقرية ، هتف تميم :-
على مهلك ، سعيد هيوصلك وهيستناكي .
فكرت للحظة :-
لازم ؟! كنت هروح مواصلات أصلًا ..
- ماينفعش يا شمس ، أنا مش هطمن عليك كده .. شوفي ظروفك أيه عشان تتعلمي السواقة الفترة الجايـة ويكون ليكي عربيـة لوحدك ..
تسمرت بالغُرفة لما قاله :-
هاه !! لا طبعا ، عربية أيه بس ماليش أنا في الجو ده ..
ابتسم بخفوت :-
طيب نشوف الموضوع ده بعدين ، يالا عشان ما تتأخريش
تأهبت حتى وصلت لباب الغرفة ولكنه اوقفها مُناديًا :-
استنى ..
ولت إليـه منتظرة ما سيقوله ، فتح درج الكومود وأخر منه بطاقته البنكيـة ومد يده إليها :-
خليها معاكي ..
أحمر وجهها من الخجل وأخذت تبلل حلقها:-
لا مايصحش ، أصلًا معايا فلوس ، والوزارة كمان بتنزلنا مرتب كل فترة ، مرسي ..
أصر بحدة :-
شمس ، خليها معاكِ احتياطي من غير كلام كتير ..
وقفت باضطراب كأن مهب الريح من تحت قدميها وقالت معتذرة :-
بجد مش محتاجة حاجة ، همشي عشان متأخرش أكتر من كده ..
مجرد ما انتهت من جملتها الأخيرة غادرت الغُرفـة وقفلت الباب خلفها وهي تتنفس عدة مرات كي تهدأ من سيل المشاعر الذي اندفع بقلبها ، هبطت السُلم سريعًا فألتقت بـ " عالية " ، دنت منها ببسمة هادئة :-
ده أيه الصباح القمر ده !! رايحة الجامعة ؟
ردت عالية بخفوت :-
ااه عندي مشروع شغالة عليه وهنزل كتير الفترة دي ..
- افهم من كدة أننا مش هنعرف نقعد مع بعض ونتكلم الفترة الجاية ؟
نفت عالية بتوجس:-
لا ازاي ، أنا و نوران بنرغي طول الليل أصلا ، تعالى أقعدي معانا ..
ربتت شمس على كتفيها وقالت معتذرة :-
أسفـة يا عالية الفترة دي واللي فاتت أنا قصرت معاكي جامد ، متزعليش مني ..
تقبلت عالية الأمر برضا :-
ماتقوليش كده ، أنتِ كفاية عليكي الجامعة والشغل وتميـم .. ربنا يقويكي يا حبيبتي ..
- بالمناسبـة تمـيم كان بيظبط لنا سفريـة سوا عشان نغيـر جو ، شوفي وقتك عشان نتفق على الميعاد ..
ردت بملل :-
ان شاء الله يا شمس ..يلا عشان مانتأخرش ..
•••••••
" في الغـردقـة "
خرجت " حياة " من الميناء فوجدته بانتظارها أمام سيارته السوداء " جي كلاس مرسيدس " ، كانت ترتدي " jumpsuit " فضفاضة ، تضم ألوان الطبيعة وعلى كتفيها شالًا باللون الأبيض ، رافعة شعرها على هيئة ذيل حصان ..
قطعت مسافة الميناء الخشبية تحت قدميها ، كانت خطواتها ثابتـة كثبات عينيه التي تراقبها عن بُعد ..
رفع نظارته السوداء منتظرًا قدومها حتى وقفت أمامه معتذرة :-
سوري اتأخرت ؟
- لا ابدًا ، جاهزة !
ألقت نظرة سريعة على عدد الحراس خلفه وسألته :-
أحنا هنروح فين ؟
- هتعرفي كل حاجة ؟
ألقت نظرة سريعة على الرجال خلفه:-
هم جايين معانا ؟
- ااه ، متقلقيش ، يلا اركبي ..
كادت أن تصعد بالمقعد الخلفـي ولكنه أوقفها قائلًا :-
خليكي قُدام ..
ثم أشار للسائق قائلًا :-
خليك مع الرجالة ، هسوق انا ..
- أوامرك يا عاصي بيـه ..
صعد السيارة بجوارها وتقدم سيارات الحرس التي اتبعت خُطاه في منظر مهيب للعين ، كانت ترمقه من نظرة لأخرى ثم تعاود النظر إلى البحر الممتد بجانب طريقهم ، أحست بالملل فأخذت تفتش في صندوق سيارته بفضول ، وجدت " سلاحه " الفضي وبجواره عُلبة عطره المميزة من ماركة ( No1 masculine ) ..
مسكت العُبلة واطلعت على تركيبتها والمادة المتكونة منها ثم نفث عطرها على كفها ، ألقى نظرة كاشفـة عليها ثم عاد لينتبه للطريق ..
قفلت العُلبـة ثم رفعت كفها لأنفها بتردد حتى استقرت تحت أنفاسها ، أغمضت جفونها وبد انتشائها بالرائحة واضحًا كوضوح الشمس ..
ملأت جيوب صدرها من تلك الرائحة التي كانت تبغضـها يومًا ما ، طالعها بذهول عن موقفها الغامض الذي ارتكبته وما سبب تعلقها بعطره لهذه القدر كأنها أول مرة تسنشقه ..
فاقت من سُكرها على صوته :-
عجبك !
ردت بتوجس :-
مش عارفة ، مكنتش بحب ريحة البرفيـوم ده خالص ، بس كإني أول مرة اشمه النهاردة ..
عقد حاجبيه بغرابة :-
وهو اللي حصل ؟
- مش عارفة ! فجأة كده !! ساعات الإنسان بيحب روائح غريبة زي الطين والمانيكير .. وحتى هوا البحر ، لما شميت البرفيوم ده النهاردة حسيت بحاجة شبه كده !! تفتكر ليـه ؟
ارتسم على محياه ابتسامة طفيفـة وقال ممازحًا :-
عموما أنا مش بغيرها ، لما تحبي تشميها حضني موجود !
رمقته باستنكار :-
أنا هاخد الازازة معايا ..
ضحك بصوت مسموع ثم قال :-
أنتِ الخسرانة .. عموما دي رجالي على فكرة ..!!
- مالكش فيـه ..!
دار مقود السيارة ثم قال :-
هنسافر باريس قُريب ، وهوديكي المكان اللي بجيب منه البرفيوم بتاعي ، عشان أنت كمان تختاري النوع اللي تفضليـه ويكون خاص بيكي لوحدك ..
- واضح أنك بتفهم في الحاجات دي كويس ؟
- جدًا ، العطر أول وأخر حاجة بتفارق ذاكرة الإنسان .. طابع مميز لكل شخص بيظهر شخصيتـه ..
فكرت بحديثه مقتنعة ثم قالت :-
تعرف أن الأشخاص كمان ليهم ريحة مميزة ..
أيدها باقتناع :-
مظبوط .. يعني من أول ما بشوفك ، بحس أني واقف قُدام البحر وشامم ريحته وهواه ..
قطعت لحن عزفه على أوتار قلبه وهى تخبره بسرعة :-
لو سمحت اقف على جمب ..
تفقد الطريق على جانبيه وسالها :-
أي جمب ؟! في أيه ..!
أشارت نحو " الصيدليـة " علي يسارها وقالت :-
معلش ، اقف هنا ..
مجرد ما وقف هبطت من السيارة بسرعـة ودخلت إلى الصيدليـة بدون كلام ، هتف مناديًا :-
معاكي فلوس طيب ؟!
انتظر قليلًا حتى هبط خلفها وتبع خُطاها ، دخل المكان باحثًا عنها حتى سأل الصيدلانيـة :-
فين المدام اللي لسـه داخلة من شـوية ؟
- في التويلت ..
اصدر إيماءة خافتـة ثم وقف حائرًا للحظات وقال :-
اشترت حاجة ؟!
- ايوة ..
- طيب ممكن الحسـاب .
أشارت إلى الكاشير وقالت إليه :-
حساب المدام اللي لسه داخلة ..
أنهى عاصي إجراءات الدفع وغادر المكان لينتظرها بالخارج ، تمشي على استحياء وسألت الفتاة :-
ممكن أعرف كام الحساب ؟
ابتسمت الصيدلانيـة وقالت :-
جوزك دفعه ..
أطرقت بخفوت ثم تمتمت بخجل :-
أيه نزله من العربية ده ..
ثم ولت وجهها للفتاة وشكرتها وغادرت ، وقفت خلفه بحياء وقالت :-
تمام ، ممكن نكمل طريقنـا ..
أومأ بصمت تام وتهذيب ، فتح لها باب السيارة لتصعد بها ثم صعد هو بالناحيـة المجاورة لها ، تعمدت أن تُطالع الطريق علي يمينها متحاشية النظر إليه تمامًا ، تحمحم بخفوت وسألها :-
المشكلة اتحلت ؟
انتفضت من مكانها:-
هاااه ؟!
- أيه مالك ؟! قصدي أقول لسـه تعبانة !
غمغمت :-
أنا تمام ..
طوى ابتسامته الخبيثـة وشغل الأغنيـة التي تفضلها مرة ثانيـة كي تتناسى همومها قليـلاً ..
•••••••••
بعد ليلة طويلـة من الحيـرة والقلق والشعور بالذنب ، وتمهيد القلب لطرق للعقل ، والتجول الطويل في الطرقات بدون فائدة حسمت عاليـة قرارها أخيرًا وصفت سيارتها البيضاء أمام مبنى شركة مراد المحلاوي ..
هبطت من السيارة بخطوات مترددة ثم توجهت للشركة مُتسائلة عن مكتبه حتى عاونها أحد العاملين على الوصول ، فأخبرها العامل أن تنتظر حتى يعود الاستاذ حمدي مدير مكتبه ، جلست عاليـة طويلًا منتظرة قدوم حمدي ولكن بدون فائدة ، فنهضت على الفور طرقت باب مكتبـه حتى أتاها صوته سامحًا بالدخول ..
فتحت الباب فوجدته جالسًا بجوار المهندسة بتول أمام لوحات الرسم الإنشائي والتصميمي ، اتسع بؤبؤ عينيه من الذهول متمتمًا :-
عاليـة ؟
ألقت نظرة خاطفة على بتول وملابسـها الرسمية القصيرة وقالت موضحة بتردد :-
أنا استنيت كتير مدير مكتبك ، بس اتأخر وكنت مستعجلة و
ترك مراد مقعده قائلًا :-
ااه حمدي نزل الموقع يخلص كام حاجة ، تعالى واقفـة عندك ليـه ؟
تقدمت عاليـة خطوتين وهي تفحص بتول التي تبادلها بنفس النظرات الغامضـة وقالت بتوجس :-
لو مشغول أجي لك وقت تاني ؟
- لالالا مفيش وقت تاني ، تحبي نعقد على المكتب ولا في الانتريه ؟
- عادي !
تدخلت بتول في حوارهم بخبث وغيرة عن هوية تلك الفتاة التي نهض مفزوعًا لاستقبالها بالكم الهائل من النظرات المجهولة بينهم ، تبسمت بمكر :-
مش هتعرفنا يا بيشمهندس ..
بد على مراد التوتر خاصة بعد ما لحظ نظرة عالية الغاضبة وقال محاولًا تلطيف الجو :-
المهندسة عاليـة دويدار سنة رابعة السنة دي وبنت خالتي ..
ثم اشار على بتول وقدمها :-
المهندسه بتول فؤاد معانا في الشركة ..
ابتسمت بتول ابتسامة زائفة وقالت :-
هاااي ..
استقبلتها عالية بعدم اهتمام وقالت بعجلٍ :-
تمام ، نقعد على الانتريه ..
أشار إليها بقلبه المتراقص وهو بتفحص بدلتها الزرقاء الفضفاضة والشال المزخرف الذي تطويه على رقبتها ، وشعرها الكستنائي وحمرتها الخفيفة التي تُنيـر وجهها ..
فضلت أن تجلس بعيدًا عن مسامع بتول التي لم تتركهم عيونها ، سألها مراد بصخب يحمل الشوق والشوك إليها ومنها وقال :-
تحبي تشربي أيه ؟
- ولا حاجة .
- لا ازاي !! دي أول مرة تنوري مكتبي ..
أصرت على قرارها وقالت :-
معلش مرة تانيـة ، هما كلمتين وهمشي..
جلس بقُربها وعلامات الاستفهام تتراقص على وجهه منتظرًا سبب الريح التي أتت بها إلى هنا ، لاحظ ارتباكها وصوت طرقعات أصابعها يوحي بالقلق حتى أخذت نفسًا طويلًا وقالت :-
كريم قال لي إنك ناوي تصفي شغلك وتسافر ..
تنهد بحرارة وقال بتيـه :-
فعلًا ، قُدامي ست شهور عشان أعرف أخلع من هنا خفيف خفيف ..
حدجته عيونها المكدسة بالحنين :-
كل ده بسببي ؟
توتر في جلسته مبررًا بكذب :-
لا أنتِ مالكيش دخل ، ده القرار الصحيح ، أنا كان لازم ابدأ بعيد عن هنا ، تعبت من حربي المستمرة مع عاصي وتميم ، قررت انسحب بهدوء وابعد واستثمر فلوسي في مكان تاني بره مصر ..
لمعت عيونها بدموع الحزن :-
طيب أيه اللي جد ؟ أنتو كده من ١٠ سنين ؟ اشمعنا دلوقت قررت تنسحب !
تنهد بمرارة :-
عشان مش المفروض نحارب بعض أكتر من كدة يا عاليـة ..
- بس أنتوا لو اتحدتوا هتواجهوا أقوى سوق سوا ، محدش هيقدر يهزمكم .
رد بيأس :-
العداوة اللي سببوها أهلينـا مش هنقضي عليها بسهولة ..
فركت كفيها بحيـرة :-
أنا خفت بس أني أكون السبب في أنك تسافر ، عشان كده جيت لك ..
ثم أطرقت بخفوت محافظة على كبريائها:-
أحنا في الأول والأخر أهل وبينا صلة دم ..
أن تُحدقين في عينيّ لمرة واحدة لمرة أخيرة ..
أن نحاول إيجاد معنى آخر لكلِّ ما حدث
أن نلتقط كلَّ ما لم يحدث بيننا
أو أن نلتقط أيَّ شيء معًابات حالي
كجداري غرفة
يتناوبان تعب الوقوف ،
يلتقطان كلَّ الصور الحزينـة التي أعيشها بدونك ..
كانت نظراته تشع بوميض من الاسى يعجز عن البوح به ، اخذ يفتش في عيونها عن لحظات حنينها ولكنها كانت بارعة في إخفاء مشاعرها كجبروت أنثى أحبت من طرف قلبها فقط ..
لم تُطيق بتول تحمل الأمر كثيرًا فاقتربت إليهم بتنورتها القصيرة وكعب صندلها حذائها المرتفع وقالت :-
اسفة ، بس كنت حابة أخد رأيك في دي يا بيمهندس قبل التنفيذ ..
تجاهلها مُراد قائلًا :-
خليها على جمب يا بيشمهندسة وانا هابقى أشوفها ..
أحست بتول بالضيق فعادت متأففة ،
قالت عاليـة معتذرة:-
أنا كنت ماشية أصلًا عشان عندي جامعة ، سوري عطلتكم ..
وقفت عاليـة متأهبـة للذهاب فوقف مراد أمامها ليعيق رحليها مخترعًا ألف حوار :-
شكلك بقا أحسن عن أخر مرة ، ومبسوط أنك رجعني الجامعة ، ركزي لو احتجتي حاجة مكتبي مفتوح لك ..
رغم انهيار دواخلها إلا انها نجحت في إظهار جانبها القوي الذي لا يتمايل مع الريح ، أرادت تخبره أنها امرأة تستطيع مهما أهلكتها التخبطات خاصة بعد ما أشعل وجود بتول بجوفها ثورة حارقـة من المشاعر المتخبطـة ..
مد مراد يده ليُصافحها فنظرت له بعيون معتذرة وقالت بأسفٍ :-
أنتَ عارف مابسلمش ..
"في التقاء المتحابين، نظرات العيون التي تسبق مصافحة الأيادي آسِرة"
سحب يده على الفور ربما تناسى أعرافها وتمسكها بمبادئ الدين الإسلامي وإعلانها صراحة بكونه أجنبيًا عنها ، أطرقت بخفوت ثم بررت :-
معلش الواحد مش كامل بس بيحاول يلتزم بأبسط الأمور .. بعد أذنك .
وقف أمامها رافضًا مغادرتها وسألها :-
هشوفك تاني !
تهيج القلب برفقة الذاكرة وأخبرته بحزن يأكل حشاشة قلبها :-
لو رجعت عن قرار سفرك أكيد هيجي يوم ونتقابل ..
وقف مراد صلبًا متجمدًا يتأملها كأنه يراها أول مرة بتلك الحيـوية والصبا يتساءل في نفسه :-
هل يا ترى فات الأوان !
رفعت جفونها وتوسلت إليـه عيناها :-
ممكن أعدي !
أدرك معاني تصرفاته الطائشة التي لا جدوى منها كمن يجمع الحطب من غابة لا خشب بها ، اليوم أعلنتـه غريبًا عنها فلا فائدة من إطالة الحديث وفتح أبواب القلب المقفولة جبرًا ، أفسح الطريق من أمامها ببطء ولا زالت عيناه ثابتـة تود إلتقاط صورة تذكارية أخيرة لها ..
مرت عالية من أمامه بخفـة الفراشة التي تتطاير هربًا من نيران حرق بستانها ، فلا يوجد فرصة للبكاء حتى ولا ظرفًا للوداع ، فارقت المكتب سريعًا حتى قفلت الباب ورائها ووقفت تلتقط أنفاسها المشتعلة ، وضعت يدها على صدرها المستمر في العلو والهبوط على جمر الغياب والغيرة والمسافات التي بُنيت بينهم ..
ظلت وراء قلبها حتى هدأ نبضه ، انسحبت فورًا من المكان الذي يخصه كي تقاوم الحروب بها ، ظلت تتذكر كيف قدمها على أنها ابنة خالته فقط كأنها لا تعني له شيئا أخر ، عن تلك الفتاة التى لم تزحزح عينيها من عليها وما هي مشاعرها نحوه ياترى ؟! وبأي حق تراه كل يوم وهي تخلق الحجج لتلقي عليه نظرة ؟! كيف باعد بينهم الزمن بعد ما جمعهما في ورقة واحدة وفراش واحد !!
اتجهت نحو سيارتها ويقر قلبها معترفًا :-
لم أتجاوز أي شيء ، فقط كنت استيقظ وأنامواستيقظ وأنام حتى تساقط مني الوقت والرغبة وتجاوزتني جميع الأشياء ، ولم أتجاوزها.
لازال يُراقبها من أعلى بجوار النافذة المُطلة على الطريق الرئيسي الذي صفت به سيارتها ، أخذ يتأملها بأنظاره المفعمة بالشوق ، ظلت طويلًا بداخل سيارتها حتى استجمعت نفسها وأمرها على القيادة وتحركت ، اقتربت بتول ذات الملامح الغاضبة منه وقالت بخبث :-
واضح أنها مش بنت خالتك وبس ؟
تحمحم مراد يضع حدًا للحوار معها :-
بتول كنسلي أي شغل النهاردة ..
أومأت متفهمة :-
اااه ، واضح ..
ثم قالت بضيق:-
عموما يا بيشمهندس لما تبقى فاضي وليك مزاج للشغل ابعت لي ..
لم يلتفت أساسًا لأسلوب ومكر بتول التي توبخه بأدب ، لملمت شغلها سريعًا وغادرت المكتب تتساءل نفسها :-
عالية دي وراها حوار وانا لازم أعرفه …
وقف مراد يتساءل على شُرفة التيـه وهو يتأمل المكان الفارغ من وجودها ، أين يذهب المرء عندما يشعر أنه بحاجة لمكان يحتويه ؟!
أين يذهب عندما تعتصره الخيبات ويقتله الغياب وهو في أمس الحاجة لمن يشعر به !!
•••••••
" عودة إلى الغردقـة "
صف عاصي أمام أحد المواني البحريـة ، فسألته باستغراب :-
حاسة أني أعرف المكان ده ؟!
مد يده للوراء ليناول حقيبته الجلدية ، أخرج منها هوية باسم " رسيل " وقدمها إليها :-
اتفضلي ..
قرأت معلومات الهوية وقالت بذهول :-
دي بتاعتي ..!!
ثم تمتمت مؤهلها الدراسي :-
بكالوريوس لغات وترجمـة !!
ثم تابعها بشهادة ميلادها وشهاداتها الجامعيـة وقال :-
الورق ده أنا جبته من أوضـة نومك ، وباقي الأوراق هنستخرجها سوا ..
تفقدت الأوراق بحزن ثم قالت :-
ليه ده كله ؟
- لازم ترجعي رسيـل ، مش هتقضي باقي عمرك باسم مُزيف ..
أغرورقت عينيها بالدموع وأخبرته :-
مش عايزة ..
رفض بهدوء وقال :-
رسيل الميناء اللي وراكي ده بمراكبه تابع لقنديل المصري ، أبوكي ، ومستولي عليـه ابن عمك .. متقلقيش هنشوف أيه حكايته الجدع ده بعدين ، أنا بس بساعدك تفتكري ، عايزك تتعافي وتواجهي مش تهربي ..
أومأت باقتناع :-
يلا انزلي وأنا جمبك ، النهاردة الجمعـة أغلب الصيادين في السوق والحركة في المكان خفيفة وكمان قريبك ده غير الاستف اللي شغال كله عشان كدة أفضل وقت النهاردة محدش هيتعرف عليكي .. يالا .
تقبلت أوامره بطاعة وهبطت من السيارة ، ألقى نظرة على رجاله بأن يتنظروا بمكانها إلى أن يستعين بهم ، اتجه نحوها ومسك كفها بقوة وتجول الثنائي بالمكان ..
أخذت تطالعه بعيون شارده تائهـة .. أفلتت يد عاصي وانطلقت أمامه تجوب أرجاء المكان ، حتى توقفت أمام المركبة المنقوش فوقها اسمها " رسيـل "
تسمرت أمام الشط وهي تتأمل الاسم بعمق وتيـه حتى سمعت صوت نداء أبيهـا يدوي بأذنها بطريقته المميزة ، فجميع جمله كانت تضم اسم " رسيل " تلك التي كانت عكازه بالمهنـة ..
بدت الأصوات المختلفة ترن بأذنها من كل صوب وحدب ، وضعت كفها على أذنيها رافضة سماع المزيد ، اقترب منها ومسكها من خصرها متسائلًا :-
أنتِ كويسة !
طالعته بعيونها المحمرة وأشارت بالنفي ، ضمها إليه أكثر وقال بحنو :-
أهدي ، وواحدة واحدة على نفسك ..
بللت حلقها :-
هو ينفع أنزل المركب ؟
- دلوقتي ؟!
- معلش..
- بلاش يا رسيل ، مش وقته ! أنتِ مش جاهزة للمواجهة ، ومش عايزين ندخل في جو المحاكم وأنتِ في حكم فاقد الأهليـة دلوقتِ ، اتعافي الأول وأنا هرجع لك كل ده ، مش عايزين ندخل في حرب خسرانة !
اقتنعت بكلامه :-
معاك حق …
دارت للخلف فوجدت اللوحة التي تحمل صورة أبيها موضوعة على الأرض والعمال يقومون باستبدالها بلوحة أخرى ، تسارعت ضربات قلبها وتفاقم الصداع برأسها وهي تنفي ما تراه صارخة :-
لا ، لا ، لا ..
رفعت جفونها إليـه :-
بابا أهو ..
ثم فاقت في بحر الدموع وصرخت :-
هما حاطيين صورته على الأرض ليه ؟! المتخلفين دول بيعملوا أيه ؟
جُن رأسها مما تراه فابتعدت عن عاصي راكضة نحو العمالة كالهائم على وجهه ، أشار عاصي بيده لرجاله أن يحلقون بهم ، أما عنه تابع الركض خلفها مُناديًا :-
استني يا رسيل .. رسيل مش هينفع ..
أصابها الغضب بالصمم فصرخت بالعمالة :-
أنتوا ازاي منزلين صورة المعلم قنديل كده في الارض !! أنتوا اتجننتوا ؟!
رد أحدهم :-
أنتِ مين يا ست ؟
صرخت بوجههم :-
رجعوا صورة بابا مكانها وإلا هبلغ عنكم كلكم ..
حضنها من الخلف كي تهدأ ويتحكم في انفعالاتها قائلًا :-
أهدي بقولك …
صرخت باكية متوسلة إليـه :-
عاصي عشان خاطري مشيهم من هنا ، قول لرجالتك يتصرفوا معاهم ، هما مايعرفوش قنديل المصري تعب ازاي عشان يوصل لكل ده ..
أخذت تلتقط أنفاسها بين يديه بعناء وهي تتوسل إليـه صارخة :-
عشان خاطري أعمل حاجة ، صورة بابا لا ..
تدخل أحد رجال فريد معترضًا :-
هو في أيه يا بيه …!!
قاطعه أحد الحراس واقفًا أمام الرجل كي يمنعه من الاقتراب من سيده ، محذرًا :-
خليك في شغلك ..
ضم عاصي رسيل إليه بقوة وجهر غاضبًا :-
فين الزفت اللي مشغلك ..
- البيه في مصر بيخلص شغل .. أنتو مين ؟
- وصل رسالة للحرامي اللي معينك أن عاصي دويدار مش هيسيب حق مراته لو كنت في جُحر جهنم ، مفهوم !!
ثم قال إليها :-
تعالي يالا نمشي..
اعترضت بإصرار :-
أنا مكاني هنا ، مش هتحرك من هنا ، أنا وعدت بابا مش هضحى في شبر واحد ، انا انا افتكرت ، أنا بنت المعلم قنديل المصري .. سيبني هنا عشان خاطري ..
قالت جملتها في حالة وهن شديدة حتى أوشكت علي التغيب عن وعيها بين يديه ، حملها برفق وطلب من رجاله :-
جيب العربية بسرعـة ..
أخذت تهذي بين يديه وهي فاقدة إدراكها وتترجاه :-
أنا مش هينفع أبعد عن هنـا ، بابا هيتعصب عليا ، أنت متعرفش قنديل المصري في الشغل ما بيرحمش ..
وصل الرجل بالسيارة ، فوضعها عاصي بالخلف ودار الجهة الأخرى ليجلس بجوارها ، حاول أن يُعيدها إلى حضنه ولكنه فقد السيطرة عليها تمامًا حتى لجأ إلى غلق أبواب السيارة إلكترونيًا ، أسرع متحدثًا إلى طبيبتها التي اقترحت عليه أن يذهب بها إلى طبيب آخر زميلاً لها وسترسل إليه تقارير حالتها ..
تحركت السيارة نحو العنوان الذي أرسلته الطبيبة ، أما عنها فهدئت تدريجيًا بعد ما سيطر عليها بين ذراعيه وأخذ يُلاطف شعرها كي تئن وتهدا ، ويعيدها قائلًا :-
حقك هرجعه والله هرجعه بس إهدي ، اهدي يا رسيل ..
استراحت على صدره وأغمضت عيونها بحزن وهي تنوح :-
بابا مات يا عاصي ، المعلم قنديل المصري مات ؟
- رسيل ده أمر ربنا ، بلاش تعملي في نفسك كده أنتِ مش مستحملة ..
دخلت في مرحلة الصدمة مفارقة مرحلة الثرثرة ، وضعت كفها فوق بطنه الرياضيـة مستسلمة تمـامًا ، فقدت قُدرتها على النطق والبكاء والسماع .. مكتفيـة بكلمة واحدة من صميم قلبها الخائف :-
متسبنيش …..
•••••••••
"- أنت بتقول أيه ؟!"
انتفض فريد من نومته عندما أخبره أحد موظفيه القدامة عما حدث قائلًا :-
أنت متأكد ؟
- أيوه يا باشا وأنا هخفى عنها وبالامارة كان معاها بيه أوباه وباين عليه غني ومتريش ..
- اسمه أيه الجدع ده ؟
حاول الرجل تذكر الاسم حتى جمعه قائلًا :-
كان بيقول اسمه عاصي دويدار …. وكان بيقول لسي جمال حسابي مع اللي مشغلك ..
شرد فريد قائلًا لنفسه :-
كده اللعب هيبقى على المكشـوف يا ابن دويدار ..