تحميل رواية «جبروت صعيدي» PDF
بقلم سامية صابر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في مدينة أسيوط، إحدى قرى الصعيد، حيث الأضواء والزينة في قصر الحاج يونس عبد السلام. يجلس في المنتصف وخلفه الكثير من رجال القرية، إنها وليمة لأجل زواج ابنه الثالث حسن. بينما في الداخل، عالم النساء الخاص بهم. تجلس زوجته فتحية وسط نساء القرية، تضع أمامهن الأطعمة قائلة بطيبة: "كلوا يا ولاد بالهنا والشفاء، نجيلكم في الأفراح." دلفت المطبخ قائلة بنبرة هادئة: "يلا يا ثريا، شهلي شوية، عايزين نخرّج الأكل للرجالة أومال." "عينيا ياما." تخطى فاروق النساء وهو يخفض بصره، ثم دلف إلى الداخل. تقف زوجته بمفردها، تر...
رواية جبروت صعيدي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سامية صابر
ارتبكت مُهرة ثم قالت بسرعة:
= اصل فرغلي قريبك بيحسبنى عملت عمليات، علشان كدا كُنت مختفية.
ضغط علي شفتيه وهو يهز رأسه ثم اقترب منهم وجذب مهرة خلفه قائلا ل فرغلي:
= نورت يا بن عمي، بس بعد كدا تسألني بلاش مراتي، وياريت تبعد عني أو عن اي حاجة تخصني، كفاية انى ساكت لحد دلوقتي، وانت عارف انا ساكت على إيه بالظبط، آه صح.. اتفضل جوا بلاش تقعد برا كدا.
تركهُ ثم دلف الى الداخل يجذب مُهرة خلفه بقسوة قائلا لها:
= اسمعى كويس تبعدي عن فرغلي لا كلام قريب ولا بعيد...
= فيه ايه يا حسن واحد كان بيسألني عن حاجة ما أرُدِش يعني؟
= ايوا مترديش، متتكلميش، متتحركيش...
= ايه الهبل اللى بتقوله دا.. انت عايز واحدة متتكلمش ولا تنطق خالص ولا ايه، مش انا إللى كدا مش معنى انى ساكته على تحكماتك فيا أبقي أسكت على طول... كفاية لو سمحت بقا...
= تسكتي غصب عنك يا مهرة إن مكانش برضاكي.
رمقته بغضب ثم تركته وصعدت للاعلى بينما ذهب هو خلفها بغضب شديد، فى حين فى الاسفل نهض عمران قائلا:
= اقوم انا بقا .. كفاية قعدة لحد كدا.
قال الحاج يونس بتذمر:
= متخليك قاعد شوية.
= اشوفك بكرا ان شاء الله، يلا يا عهد يلا يا عطر.
ودَّعت عطر ياسين مُبتسمة، ورحلت عهد معهم بينما ملس يونس الصغير على شعر الطفلة ميرا قائلا بحب:
= خلي بالك من نفسك هشوفك بكرا ماشي ؟
= ماشي..
ابتسم لها بحب ثم رحلت مع أهلها ،وصعد كُل منهم الى غرفته ،وانتهت السهرة الجميلة اللطيفة العائلية.
فى الاعلى ، قال حسن بغضب وهو يمسك يد مهرة:
= إستني هنا... هو انا شفاف ولا ايه ؟ اياكي تسبيني بتكلم معاكي مرة تانية، وتمشي.
= إنت عايز تتخانق ولا ايه؟
= انتِ مخبية عني ايه.. انا مش مطمئن ليكِ!
= هخبي ايه يعني؟
= معرفش يا مُهرة، انتِ بلاويكي كتير كل يوم اكتشاف جديد وكذبة جديدة، حذاري تكوني مخبية عني اي حاجة... كفاية القرف اللى استحملته منك...
= انت مش مجبور تستحمل كل دا يا حسن.. مش مجبور متعملش علشان خاطر أبويا انت اصلا مش بيهمك خاطر حد على الإطلاق، ف طلقني وكُل واحد يروح لحاله ونخلص من الهم والقرف اللى احنا فيه دا..
= معنديش طلاق مش هطلقك..
= لييه ايه سبب انك متمسك بيا كدا!
رمقها ببرود تام ثم تركها وبدأ فى تبديل ملابسه بتجاهُل، عجز هو عن الرد عن سؤالها، لانه نفسه لا يعرف ما سر تمسكه بها من اللحظة الاولي؟ ما سر موافقته على زيجة كهذه لا يعلم ولكن كل ما يعلمه أن هُناك قوة تربطة بتلك الفتاة الصغيرة ....
بينما تنهدت هي قائلة في نفسها:
= انسان غريب!
ثم فرشت على الارض كالعادة لتنام وبالفعل استسلمت للنوم من كثرة الارق ، فى حين أراد هو ان يجعلها تنام على الفراش ولكن جبروته يمنعه ويضعه عند حده مع هذة الفتاة ....!
فى صباح اليوم التالي.
ذهبت ميرا الى مدرستها واوصلها يونس بنفسه فهو يخاف عليها وكان معه ياسين فقالت عطر وهي تضحك:
= يونس دا غريب جدا...
= طالع لعمه طبعا...
= التواضع ياا..
= طبعا، رايحة على فين كدا؟
= رايحة مع عهد أشتري هدوم علشان عندها حفلة النهاردة تبع واحدة صاحبتها ،فهروح معاها ومهرة جاية معانا الحفلة ...
= نعم حفلة ايه وزفت ايه ؟ من غير ما تستأذني؟
= نعم من مين؟
= مني!!
= مش من حقك يا ياسين اصلا، احنا لسه مفيش حاجة رسمي، ولو فيه مش هقولك اصلًا! انا مش بحب الطريقة دي انا سيبت جمال علشان النقطة دي نقطة التحكمات وغيرها...
= عطر انا ما اقصد وو...
= انا لازم أعيد التفكير فعلا في علاقتنا عن إذنك..
= ع.. عطر استني عطر!!
لم تسمتع له وتركته ودلفت الى المنزل مرة اخرى، بينما ضرب هو جبهته مرة اخري بغضب شديد قائلا:
= طول عمرك متسرع يا ياسين متسررع...
فتح حسن عينيه على تلك التي تجلس امام مرآتها ترتدي فستان رقيق طويل وتُهندِم من شعرها الحريري كم بدت جميلة.. جميلة حد الفتنة حقاً ، وعن قُرب أجمل...
تأملها قليلاً ثم نهض ببرود تام ولم يتحدث اليها، فقالت بهدوء:
= أنا نازلة مع أخواتي هنجيب لبس.
= مسألتكيش.. ومن هنا ورايح مش عايز اعرف حاجة عنك لانك ببساطة متهمنيش....
= لو انا فعلا مش بهمك ، ليه خلتنى أتعالج؟ ليه فضلت جنبي اكثر من تلات شهور مش بتسبني، ليه مطلقتنيش أول ما عرفت! ليه متمسك بياا؟؟
اقترب منها يقف في مواجهتها قائلا ببرود:
= أوعى تكونى مفكرة اني دا اهتمام أو حب.. دا شفقة على واحدة مريضة زيك ...
أدمعت عينيها بقوة وشعرت بإختناق فى قفصها الصدري وقالت محاولة التماسك:
= احتفظ بشفقتك لنفسك مش ليا يا استاذ حسن.
التفتت مغادرة الغرفة وهي تركض للخارج باكية مكسورة الخاطر ، بينما تنهد هو مقويًا نفسه انه هكذا صحيح ولم يُخطأ، بدأ على مشارف الهوي وهذا أخطر طريق على الإطلاق يود إنقاذ نفسه وعدم ارتكاب تلك الجريمة التى ستؤدي به سجين لحبها .. لن يكسر جبروته لأجل طفلة..
= هي لا تهمني ولا تخصني تولع بجاز... وقريبا هنهي الحكاية السخيفة دي.. !
ذهب فاروق الى مكتب ثريا لا يعلم السبب ولكن قدمه فجأة أخذته اليها ، دلف الى المكتب ليراها تجلس مع هذا عثمان .. دلف بغضب اليها قائلا:
= انت ايه اللى جابك هنا؟
قال عثمان ببرود تام:
= جرا ايه يا فاروق قاعد بصفي حساباتي مع مدام ثريا ... بعدين وانت يهمك في ايه؟
= لو لمحتك ف المحل تانى همحيك من على وش الدنيا...
نهضت ثريا بغضب قائلة:
= بس انت وهو بقا... دا مكان شغل مش عايزة خناقات ولا اي حاجة.. أتفضل يا استاذ عثمان لو سمحت نتكلم وقت تاني..
= تحت آمرك يا ست ثريا.
نهض عثمان يطوي عبائته ثم خرج من المكان ببرود تام أغاظ فاروق الذي قال بعصبية:
= جيباه عندك المحل وبتتساهروا وتتكلموا عادي وكإنكم مبسوطين وانا منبه عليكِ كويس انك متكلميهوش ولا حتي تقفي معاه.....
= وانت مين اصلا علشان تحكم حكم زي داا ... هاه ما تنطق مين؟ احنا اطلقنا افهم دا.
= وععلشان اتطلقنى تروحى تتجوزي وتشوفي حياتك كدا اوام؟
= جواز ايه انت بتفكر ازاي.. هو انا بعد القرف اللى شوفته معاك أفكر أتجوز؟ خلاص توبة وادي النوبة.. بطل تفكر تفكير غلط يا فاروق ولو حصل ف انت مالكش دعوة انت كمان اتجوزت وماشاء الله من تاني اسبوع طلاقنا وعايش زي الفل...!
نطق بغضب شديد:
= انتِ عبيطة لو مفكرة اني مبسوط يا ثريا، انا ببص لكل مكان اشوفك فيه، جمالك ودلالك وشقاوتك، حنيتك عليا البيت انطفي من بعدك انا نفسي انطفيت ومبقيتش زى الاول صعب عليا ك راجل ابقي عاجز من غير واحدة ست.. ولا الف واحدة تملي مكانك وتيجي فى غلاوتك انا حاسس بخنقه كبيرة ولا مبين ولا ظاهر دا... بس معرفش قوة جبارة تخليني أعمل الغلط وأندم بعدين.... ولا عارف اتحرك حتي...
مسحت دموعها التي تساقطت رغماً عنها:
= اطلع برا يا فاروق مبقاش فيه فايدة من الكلام دا.. انت اللى ضيعتنا وضيعت الحب اللى كان ما بينا دا لو اسمه حب اصلا... انا عملت كُل اللى قدرت عليه معاك واستحملت من اول ما اتجوزنا كل حاجة ولا مرة أشتكيت، لكن لحد خيانتك ليا وخلاص فضناها سيرة...
= انا مخونتكيش، انا روحتلها لأجل عمي اللى طلبنى ومالقيتش حد هناك وقتها وأصرت اني اشرب فنجان قهوة شربته ومعرفش حصل ايه والله ما اعرف صحيت لاقيت نفسى فى وضع زباله زى دا انتِ عارفاني عمري ما أرفع عينى في الحرام...
= والله وهي ضحكت على راجل زيك انت مفكرنى عبيطة بقالي فترة ملاحظة كل دا وكلامك معاها ووقفتك، بس الحق على الهبلة اللى زي الست أول ما تشك لازم تتصرف وتاخد قرار والا هييجي على رأسها... أصل الست شكها بيبقي فى محله... اطلع برا يا فاروق...
أبعدته بقوة خارج المكتب وهو لم يحاول أكثر وكأن قوة إلهية تبعده عنها وتجعله يكتفى منها رغم حاجاته للمزيد بقربها، بينما اغلقت هي الأبواب وجلست على الارض تبكى ك طفلة صغيرة قائلة:
= وحشني اوي...
الحُب عذاب على صغِيرة مِثلك.
فى الامس...
ظل حسن يتطلع الى ساعته كٌل فترة وأُخرى بغضب شديد ف مُهرة تأخرت وبشدة عنهُ يحاول عدم الاهتمام ولكن قلبه رغماً عنه خائف لأجلها، امسك الجوال يود الاتصال بها وتردد بين عقله وقلبه...
دلف اليه ياسين بضيق قائلا بعبوس:
= انت قاعد هنا يا حسن وانا هتجنن؟
= فيه ايه يا ياسين؟
= عطر خرجت من بدري ومش بترد عليا ،وما اعرفش هى فين قلقان عليها أوي ، اللى اعرفه انى مهرة معاها أتصل كدا يمكن ترد...
= لاء مش حابب.
= علشان خاطر أخوك بالله...
= احم علشانك بس يعنى...
اتصل بمهرة ولكنها كنسلت فى وجهُة ولم تُجيب احمرت عيناه بغضب قائلا بصرامة:
= دي كنسلت ومش بترد عليا هي اتجننت ولا ايه !! ماشي يامهرة والله لأوريكى ، تعرف هما فين؟
= يادى الوكسة اللى احنا فيها يا أخويا... طيب هو مفيش غير باسل اكيد يعرف فين عهد وهما معاها ورايا...
نهض الاثنان معاً الى غرفة باسل الذي يجلس يتناول ثمرة الفاكهة ويتسلى، ما ان رآهم امامه ك الذِئاب، قال بقلق وهو يبتلع ريقه:
= جرا ايه يا خوانا فيه ايه... هو انا عملت ايه ؟ هى التفاحة دي بتاعت حد ولا حاجة..؟
أمسكه ياسين من قفاه قائلا:
= قوم معانا ايدك معايا يا حسن...
امسكه حسن من الجانب الاخر واصبح باسل في يديهم ك كتكوت ضعيف بينهم صارخاً بخوف:
= الحقونااااا
ياوقفهم يونس الصغير قائلا لهم:
= استنوا عندكم خدوني معاكم لازم اعرف الست ميرا مش بترد على اللاب بتاعها لييه يومها اسود معايا .. !
اغلقت مهرة الهاتف بغضب وهي تعدل من فستانها الرقيق فقد كانت ترتدي فستان طويل رقيق للغاية مع حجاب وميك آب خفيف لم تقل عنها عطر أو عهد وكانت الطفلة الصغيرة ميرا ترتدي فستان زيتوني جميل...
قالت مهرة بضيق:
= جاي يتصل بعد تهزيق الصبح ... لاء انا افوقلك بقا واوريك النجوم في عز الضهر..
قالت عطر هي الاخري بضيق:
= ليهم عين يتصلوا كمان بعد القرف اللى عملوه... بجد رجالة عايزة الحرق ميملاش عيونهم غير التراب...
قالت عهد بغرور:
= شوفتوا السنجلة حلوة ازاي.. عايشة ملِكة في زماني ولا حد يضايقني أو يحكُمني.
ماهى الا دقائق حتي جاء شبان يقفان بجانبهم احدهم عاكس عطر بكلِمات الغزل والاخر جذب يد مهرة لترقص معه ابعدته عنها بغضب:
= إبعد عنى انت مجنون ازاي تمسكنى كدا بأقرب شبشب وعلى دماغك عِدل... غور فى داهية من هنا انت وهو...
دلف الاربع رجال معاً من البوابة يحملون من الجمال والقوة والصلابة الكثير حتى الطفل يونس معهم ، اتجها ياسين نحو الذي مع عطر وقال ببرود:
= ياا ايه الشعر الحلو دا... ما انت بتعرف تتكلم بتعرف تضرب على كدا؟
لكمه بقسوة كذالك حسن قال للذي أمسك مهرة:
= عارف مين دي؟ مرات حسن العسال.. وانت بقا متعرفش اللي يلمس حاجاتي بعمل فيه ايه... ما بالك مراتي !
لكمه بقوة شديدة نفس بها عن غضبه وحرقته، اخذ رجال الامن الرجال الاخرون واعتذروا لحسن فمن لا يعرف حسن فى تلك المنطقة بأكملها، لم يخلو من اعجاب الفتيات به وبقوته وجبروته رمقته مهرة بغضب شديد ثم رحلت ، رحل خلفها بقوة قائلا:
= استني هنا بتمشي وانا بكلمك؟
= سيبك ايدي يا حسن...
= لاء مش سايب انتِ ليلتك سوداء معايا اصلا .. على عدم ردك وعلى القرف اللى انتِ لابساه...
= مالكش دعوة البس اللى عايزاه واعمل اللى عايزاه انت اصلا.. آآآه...
حملها فجأة على كتفه دون كلام ك عصفورة بين ايدي أسد ظلت تضربه بقبضتها الصغيرة ولكن لا فائدة وضعها بالسيارة كشوال البطاطا ودلف للناحية الأخرى ينطلق..
بينما قال ياسين فى الداخل:
= امشى قدامي يا عطر... امشياخذت حقيبتها بتوتر من عصبية ياسين التى تراها للمرة الاولي وهو خلفها يغلي من الغضب في حين ركض يونس تجاه ميرا يجذبها بغضب قائلا:
= الله الله! ايه اللى لابساه دا ياهانم وواقفة عريانه كدا قدام الرجالة...خلع جاكيته ووضعه عليها قائلا:
= وميش قولت مفيش فرد شعر ولا لاء؟ حسابك في البيت اتفضلي قدامي..!!
ذهبت امامه وهي تمسح دموعها بخوف منه وهو خلفها ك رجُل وليس طفلا على الإطلاق يشبه حسن كثيرًا...
قالت عهد وهي تنظر حولها:
= انا غلطانه العزوبية مش حلوة لاء... مين ياخدني دلوقتي؟
ظهر باسل أمامها قائلا بغضب:
= امشي قدامي...
= بس ياض...
قالتها وهي تمشى للامام بضيق في حين حك هو رأسه بغرابة قائلا:
= هى مجابتش معاها ليه؟
ذهب خلفها دون أدني كلام ويبدو ان الليلة لم تنتهي فكُل واحدة ستنال عقابها من حبيبها...وإن المُحِب لمن أحب غيَوُر... أغار عليها!
رواية جبروت صعيدي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سامية صابر
دلفت وفاء إلى منزل أبيها، خصوصاً غرفة أخيها فرغلي. أغلقت الباب خلفها ودلفت.
قال فرغلي بحيرة:
= بتعملى ايه يا وفاء؟
= ايه يا خويا عايزة أتكلم معاك، ولا هو حرام ولا حاجة؟
= ولا حرام ولا بتاع... بس اصلك عمرك ما اتكلمتي معايا.
جلست بهدوء قائلة:
= سمعتك اليوم اياه وانت بتتكلم مع البت مرات حسن. كنتوا بيتكلموا في ايه وكذبتوا على حسن فيه؟
= هاه.. لا ابدا مفيش حاجة مهمة يعنى.
= لاء متلفش وتدور عليا والا هقول لحسن على طول.
= انتِ عايزة ايه يا وفاء؟
= بالبلدي تساعدني أكره أهل فاروق فى ثريا علشان اعرف اخد راحتي في البيت واعيش. وفى المقابل اخلصلك من حسن. والجو يفضى ليك فى السوق.
رمقها لبعض الوقت ثم قال:
= ماشى موافق اهو. وجودك فى البيت هيساعدنى شوية.
= ماشى.. هعمل ايه بقا؟
= اسمعيني كويس.
توقف ياسين بالسيارة في أحد الأزقة الهادِئة بغضب شديد.
فقالت عطر بعصبية:
= مكنش ليه لازمة اللي انت عملته ده خالص يا ياسين. ايه الأفورة دي كلها؟
= أفورة! انتِ شايفة غيرتي عليكِ وخوفي عليكِ أفورة؟ يا عطر ده اسمه حب واهتمام إن كنتِ تعرفي دا. بس طالما مش عاجبك يبقى خلاص أنا هبطل أعمل كده وهفكر في علاقتنا.
= انت.. انت بتقول ايه؟
= بقول زي ما حضرتك فكرتي وعملتي. أنا قولت إني غلطان بس لاء أنا مش غلطان. لأن ده خوف وقلق عليكِ. ومن أول مرة زعلتي ومشيتي وكمان مش بتردي عليا..! وعايزة تفكري في علاقتنا.
أدمعت عينيها قائلة بتنهيدة:
= يا ياسين أنا خايفة وقلقانة. محتاجة منك تطمئني شوية. مش عايزة أجرب نفس التجربة اللي فاتت والتحكمات، وإني أستأذن والكلام ده كله.
= أنا قصدت منك تقوليلي على الأقل. أظن ده من حقي يا عطر. ولما حد يعاكسك قدامي لازم أتصرف وأتكلم. أنا عملت اللي عليا. الباقي عليكِ.
= أنا عايزة أروح.
= تمام.
بينما في المقاعد الخلفية، كان يونس يجلس بغضب شديد.
فقالت ميرا:
= والله أنا مش كلمت حد يا يونس. أنا آسفة.
نطقت عطر بغضب:
= ششش. متعتذريش يا ميرا. هو بيتحكموا على إيه أصلًا؟
قال ياسين بعصبية:
= فكك منها يا يونس. واوعي تكلمها لحد ما الهانم تعرف غلطها.
قالت ميرا بعبوس:
= لاء يا ماما أنا غلطانة. كان لازم أقوله. مش هو حبيبي وخايف عليا؟ مش عمل حاجة غلط.
تابع يونس قائلاً بهدوء:
= ولو هي ما اتكلمتش أنا هكلمها. لأن بحبها وبخاف عليها يا عمي. ف لازم أراضيها وأفهمها غلطها براحة. وهي مش هتعمل حاجة من غير ما تقولي تاني. صح يا ميرا؟
هزت رأسها وهي تبتسم. فنظروا لهم بحيرة. الأطفال أكثر عقلانية منهم. يجب ألا نترك الخلافات والمشاكل تؤثر علينا بشكل سلبي. الحياة أبسط بكثير من تضييع الوقت وخسارة كل لحظة مع بعضنا. ففي لحظة واحدة سهل جداً أن نخسر بعضنا البعض ونندم على ما فوتنا من وقت. فلنستغل الفرص. ومن أخطأ يعتذر. ليس بعيب.
تنهدت عطر قائلة:
= أنا آسفة يا ياسين. يمكن فعلاً أنا غلطانة. بس أي حاجة في الماضي خلتني خايفة. وخوفي أرضخ ليك تتقلب وتتحول وتعمل زي جمال.
= أنا مش جمال. جمال ده إنسان حقير. ولا أقبل أني أكون مكانه. أنا مش بتحكم، أنا بطلب أعرف منك. ولما نبقى متخانقين تتكلمي معايا مش ترفضي المكالمة وتخليني أقلق عليكِ.
= خلاص أنا آسفة. بعد كده هقولك.
= وأنا آسف إني زعلتكَ مني.
أمسك كفيها يُقبلهما بحب شديد قائلاً:
= تُشبهينَ "ال" التعريف، تجعلين لكلِ الأشياءِ موطِناً. كلما كانت في حيزُكِ.
ابتسمت بخجل شديد وهي تشعر بسعادة تعتري قلبها. فكلماته المغازلة لها تجعل قلبها يُرفرف. بينما صفق يونس وميرا بسعادة لتصالحهم. وقرر ياسين الذهاب بهم ليتناولوا طعام العشاء.
***
في المنزل.
يجلس عمران ويونس كعادته يلعبان الطاولة. دلف إليهم حسن يحمل تلك الصغيرة على كتفه كشوال بطاطا. نظروا لهم بصدمة شديدة.
فقال عمران:
= إيه ده؟ أنت شايل مُهرة كده ليه يا ابني؟
= الحقنيي يا بابا خليه ينزلنييي.
= لا إله إلا الله. هو جرا إيه تاني!
قال يونس بتنهيدة:
= سيبهم يا عمران. حسن مش هيعملها حاجة. بس للأفضل مندخلش بينهم دلوقتي. ولو حصل حاجة نتدخل.
= ربنا يستر يارب.
ألقى حسن بمهرة على الفراش بقوة شديدة لتتألم من ظهرها. ثم نهضت قائلة بغضب شديد:
= أنت بتتصرف معايا كده ليه؟ أنت اتجننت!
= أنتِ تخرسي خالص. أنتِ إزاي تخرجي من الصبح لبليل ومترديش عليا كمان!
نهضت بغضب تقف أمامه:
= وأنت قلت إنك مش مهتم بيا واعمل اللي عايزاه. فعملت اللي عايزاه. وكمان بعد كلامك ده مش هرد. أنا حرة.
= حرة دا ف عالم الأحلام عندي. أنا مفيش حرة والكلام والهبل ده كله. ! وكمان الزفت اللي كان واقف جنبك ده سيباه يشدك يرقص معاكِ. انتِ عبيطة!
= أنا مسمحلكش. أنا كنت بزعق وهضربه كمان لو ممشيش.
= ششش. أنا إللي غبي أصلًا. المفروض أفهم إن حاجة زي دي عادية بالنسبة ليكِ أساساً!
أظلمت عيونها وأدمعت قليلا وهي تتذكر أيامها السيئة. بينما أعطاها هو ظهره وبدأ في خلع ملابسه. لتقول بصوت ضعيف:
= مكنش بإيدي. غصب عني.
التفت لها فجأة ليرى مدى الحزن وتأثير كلماته عليها. لا يجب أن نُلقي كلام عبثًا على القلوب كي لا تبقى آثارها طوال العمر.
تنهد بضيق في صدره شاعرًا بخطئه الكبير في حقها. اقترب منها ومسح دموعها برفق شديد قائلاً بصوت هادئ:
= أنا آسف يا مهرة. مكنش قصدي أزعلك.
ثم تنهد بغضب يكتمه بداخله:
= بس كنت هموته من رغبته في الرقص معاكي. وكُل ما أفتكر ماضيكي ب...
قاطع كلماته ثم قال بهدوء:
= أنا آسف يا مُهرة. أنا آسف.
رفعت نظرها إليه بحيرة وهي تتعجب من أسفه لها. وهي في تلك الفترة تعلمت جبروته وأن يُلقي الكلام ويتخطى. لا يعتذر أو يتأسف على الإطلاق. أهو الآن واقف أمامها يعتذر؟
ضغطت على شفتيها بحيرة من جملته. ولكنها لم تلاحظ ذلك الذي اشتعلت الرغبة فيه بها. ولأول مرة تشتعل به تجاه فتاة. وكأنها خُلقت له فقط لتحرك ذلك الجبل الحديدي القوي.
مال على شفتيها يُقبلهما باهتمام كبير. وهي فقط مصدومة من فعلته تلك معها. ولم يكن بوسعها فعل شيء إلا الانجراف حول مشاعرها تجاهه وبقوة. لينجرفا في عالم خاص بهم. لاول مرة وكلاهما ليس لديه مُبرر لما يفعل. ولكن الفكرة تكمن في حب هذا الشيء.
***
عادت عطر إلى منزلها مع الطفلة ميرا. قبَّل ياسين كفي يديها ثم قال بهدوء:
= مع السلامة يا حبيبتي.
ودعته وكذا ودعت الطفلة ميرا يونس ورحلوا معاً إلى الداخل. غافلين عن الرجال الذين يراقبون عطر وطفلتها الذين دخلوا إلى المنزل. بينما ركب ياسين مع الطفل وغادروا معاً بعد ليلة طويلة شاقة.
بعد مرور قليل من الوقت بدأ الرجال في التسلل من الباب الخلفي للمنزل. فلا يوجد أحد سوى عطر وطفلتها. لم تأتِ عهد بعد ولا حتى عمران.
دَلفت إلى المطبخ تحضر لبن لطفلتها التي جلست تبعث في ألعابها. حتى صرخت بقوة شديدة:
= ماماااااا.
دلف الرجال وأخذوها بسرعة. فخرجت عطر صارخة فيهم بخوف:
= سيبوا بنتي سيبوها ابوس ايدكم. سيبوها. انتوا مين وعايزين ايه؟
= ارجعي لوراء أحسن ليكِ والا هنقتلها.
= سيبها ابوس ايدك دي طفلة وخايفة. طيب خدني أنا. خدني أنا.
= ارجعي بقولك.
رجعت إلى الخلف ليخرجوا بسرعة غالقين الباب. ركضت خلفهم عطر صارخة ببكاء:
= ميرا ميرا.
رحلوا بسرعة داخل سيارتهم ولم تلحقهم. لتلتفت ترى عهد وباسل آتين. هرولت إلى عهد قائلة:
= الحقيني يا عهد الحقيني. الحقني يا باسل.
= اهدي اهدي يا عطر. حصل ايه؟
= خ... خدوا ميرا بنتي. خدوها مني.
= ايه بتقولى ايه.
قال باسل بسرعة:
= اركبوا بسرعة نروح لياسين ونشوف هنعمل ايه ونبلغ الشرطة.
دلفا إلى السيارة ولم تكفُ عطر عن البكاء بقوة وشدة على ابنتها.
***
نهض حسن من على الفراش إلى الشرفة ينظر لها بفراغ شديد. بينما ارتدت هي روب طويل على جسدها بتوتر وقلق.
فقال حسن بصدمة شديدة:
= انتِ إزاي بنت! أنا عايز أفهم انتِ إزاي بنت!
ابتلعت ريقها بتنهيدة قائلة:
= محدش لمسني ولا حد كان يقدر يقرب مني.
التفت لها بغضب وعروقه بارزة بقوة قائلاً:
= إزاي... انتِ مش ..**؟
أدمعت عيونها بخوف شديد قائلة:
= هي أجبرتني. بس أنا مكونتش بحب كده نهائي. ف مستحيل أخلي حد يقرب مني. أنفذ رغبتها بس بحطلهم منوم في العصير. واتعودت على كده. كنت بقرف حد يلمسني. بس هي السبب في كل حاجة. هي... أمي هي السبب. الأم هي اللي دمرتني.
بدأت تنتحب بقوة شديد وهي ترتعش. فاقترب حسن منها يضمها إلى صدره كطفلته الصغيرة. وهي الأخرى عانقتهُ قائلة وهي ترمشِ بعينيها:
= أنت حضنك حلو أوي يا صعيدي.
لاحت شبه ابتسامة على محياه ثم ضمها أكثر رابطًا على ظهرها قائلاً:
= وانتِ مجنونة خالص يا مُهرة.
ابتعدت عنه بعبوس قائلة:
= بقا أنا مجنونة!
ابتسم لاول مرة بخفة في وجهها يقول في نفسه:
= شكلي أنا إللي مجنون. لاني هحب واحدة زيك!
نهض بهدوء قائلاً:
= ادخلي خدي شاور وتعالي.
هزت رأسها ونهضت بهدوء لتدلف إلى الداخل. بينما شعر هو بالراحة والسعادة لكونها ليست كما فكر وإنما أنقى وأجمل. نطق بقلق:
= خايف أحبك بجد يا مُهرة. وجت اللي تخليني أخاف.
***
جاء باسل لياسين الذي قد وصل للتو ويركن سيارته مع يونس. التفت بصدمة قائلاً:
= عطر فيه إيه؟
= الحقني يا ياسين خطفوا ميرا. خطفوها.
= إيه! خطفوها إزاي يعني.
بدأت تحكي ما حدث تحت صدمته وغضب يونس الذي قال بصرامة:
= إزاي يخطفوا حبيبتي. إزاي. أنا لازم أجيب السكينة وأقتلهم كلهم واحد واحد. إزاي يتجرأوا ويخطفوا حبيبتي.
= أهدي يا يونس انت كمان.
تابع ل عطر بحب:
= أهدي يا حبيبتي أهدي علشان خاطري. أهدي. أنا هتصرف دلوقتي. هعمل أي حاجة وهنرجع ميرا.
قاطعه رن هاتفه برقم غريب. أجاب قائلاً:
= مين.
= ميرا معايا.
صُعِق ياسين ثم أبعد الهاتف وفتح مُكبر الصوت ليستمع الجميع معه. فتابع ببرود قائلاً:
= لو عايز ميرا... يبقي تعمل اللي هقولك عليه.
= انت مين وعايز إيه بالظبط؟
= أولاً تسيب عطر. وتخليها ترجع لجوزها جمال. والا مش هتشوف بنتها خالص. معاك بكرة لحد العصر. بعدها ميرا مش موجودة في مصر كلها. وانسي تشوفها تاني.
أغلق الهاتف فجأة ليلقي الهاتف في الأرض بغضب قائلاً:
= دي لعبة من جمال الكلب. بس على مين مش هسمحله وهرجع ميرا.
مسحت عطر دموعها برعشة وخوف قائلة:
= هياخد مني بنتي. هيبعدها بعيد عني. لاء مش هقدر.
= يعني موافقة على شرطه؟
= أنا آسفة بس دي بنتي يا ياسين. أيوا موافقة.
رواية جبروت صعيدي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سامية صابر
نظر لها ياسين بوجع في قلبه ثم قال بإستسلام تام:
=براحتك يا عطر.. اعملي اللي انتِ عايزاه...
ابتعد من جانبها قليلاً ثم دلف إلى الداخل، في حين بدأت عطر تبكي مرة أخرى بقهر قائلة:
=لازم يفهم إنّي غصب عني برضه أعمل حاجة زي دي مش بالساهل عليا... بس دي بنتي بنتي أكيد مش هسيبها كده...
قالت عهد بهدوء:
=أكيد مش هنسيبها يا عطر. الفكرة كلها إنّي هو كان هيعمل حاجة ويرجعها بس من غير ما تسيبوا بعض.. لكن خلاص مش مهم دلوقتي. تعالي نتكلم مع بابا لازم يعرف.... معلش يا باسل ناديله.
دلف باسل واستدعى عمران على عجلة شديدة، الذي أتى وعلم كل شيء. توترت الأجواء كثيرًا، ولكن يونس طمأنه أنه سيفعل شيئًا لإعادة حفيدته المفقودة. وما بين خوف وقلق هم، ولكنهم عادوا إلى المنزل على اللقاء في الغد، ولكن بالطبع النوم لم يحالف أحد، وخصوصًا ياسين وعطر.
بينما، لأول مرة تنقضي ليلة بين عاشقين متمردين. غفت مهرة على كتفي حسن في الفراش وهو يقرأ لها رواية محببة لقلبها. جذب عليها الغطاء بخفة ثم أخفق رأسها لأسفل لتنام، يتأمل ملامحها بحب شديد، فهو لم يستطع التحديق بها عندما تكون مستيقظة. ما زال بين حيرة الاعتراف لها... أو الاعتراف لنفسه أولاً... ظل يتأمل ملامحها إلى أن غفى ونام بجانبها بعد أول ليلة بينهما ولهما على الفراش.
في صباح اليوم التالي. فتحت مهرة عينيها بحب وهي تتثاءب، ثم نظرت قليلاً لحسن النائم وهي تبعث في ملامحه بيديها بحب مبتسمة، تحفر ملامحه في قلبها وهي تتيقن من بداية عشقها له وتعلقها به. ابتعدت برفق عنه عندما بدأ أن يستيقظ. ركضت كطفلة صغيرة تقول:
=رايحة الحمام علشان أنزل.. نروق.. نعمل أكل.
تركته وركضت إلى المرحاض، بينما لاحت شبه ابتسامة على تلك الطفلة الصغيرة وأفعالها الغير متوقعة في أي لحظة.
بينما، جاء عمران مع بناته الاثنتين عطر وعهد إلى المنزل يجلس مع يونس ومعهم الحاجة فتحية، التي قالت لعطر بحنان:
=متزعليش يا ضنايا بنتك هترجع بأي ثمن. كلنا جنبك هنا وأنا زي أمك موجودة.
عانقتها بعشق شديد وحب وهي تربط على كتفها برقة. وتركت عطر نفسها تبكي بخوف وتفكير على ابنتها. وجاء فاروق يجلس معهم، وكذاك باسل يتحدثون بأنهم سيأتون برجال وسيفعلون كل شيء لأجل عودة الطفلة.
بينما في وسط كل هذا، هبط ياسين من أعلى ببرود تام ولم يتحدث مع أحد. راقبته عطر بعينيها الدامعة وانتظرت منه أي شيء في وقت صعب عليها، لكنه لم يفعل وخرج من القصر. ربطت عهد على كتفها بحب تطمئنها.
هبطت مهرة السلالم وهي ترى تجمعًا غريبًا، قالت بصدمة:
=هو فيه إيه؟!
مر اليوم ما بين توتر وقلق واطمئنان من الجانبين، حتى جاء الموعد المقرر وذهب حسن مع باسل وفاروق ومعهم رجال. وأصر عمران على التواجد، وأصرت عطر هي الأخرى بقوة، ولكن أمام صلابة الرجال لم تستطع الرفض أو الاعتراض وبقت في المنزل وقلبها يشتعل بالنار.
توقفت سيارة الرجال في إحدى المناطق المهجورة الخفيفة، قال باسل بهدوء:
=هو ده المكان اللي قاله الزفت جمال.
نطق حسن بصرامة:
=اخفوا يا رجالة في المكان هنا واستنوا مني إشارة. روح معايا يا حاج عمران علشان ميحصلكش حاجة، وأنا وباسل هنفضل هنا.
=بس يا ابني عايز أشوف حفيدتي أنا خايف عليها.
=متخافش يا عم عمران، إحنا هنا. يلا روح.
بالفعل ذهب معهم عمران وتبقي حسن وباسل وفاروق فقط ينتظرون قدوم ذاك جمال. فقال حسن بتنهيدة:
=محدش معاه أي حاجة نتواصل بيها معاه؟
=للأسف يا حسن ياسين الوحيد اللي معاه الرقم.
=واهو ياسين كمان اختفى. غبي والله.
بينما في مكان بعيد بقليل عن تلك الوجهة، توقف ياسين بسيارته أمام سيارات رجال جمال المتخفي ومعه ميرا التي تبكي بقهر شديد. قال ياسين بحنان:
=اهدي يا ميرا اهدي يا حبيبتي.. اهدي متخافيش أنا هنا.
=الحقني يا عمو ياسين.
نطق جمال بغضب:
=فين عطر مجبتهاش معاك ليه انت بتستهبل.
=انزلي يا عطر.
هبط أحدهم متخفيًا في ملابسها، ولكنه بنسبة كبيرة شبه عطر في المجمل والملابس. اقترب من جمال ببطء وجمال ينظر له بشك. يرفع المسدس فجأة في وجهه ويخلع الحجاب. وركض ياسين بعده يضرب الرجال بمهارة واشتعلت حرب خفيفة وميرا تبكي بقهر وخوف شديد.
وإذ فجأة خرج من شنطة السيارة يونس الذي اختبأ بها من الأمس ليستطيع إنقاذ حبيبته بعدما تسنط على ياسين وعرف خطته فقرر إنقاذ حبيبته بنفسه. ركض إليها قائلاً:
=ميراا.
أمسك قطعة طوب وألقاها على رأس ذاك الذي يمسك بها ليُصاب بجرح عميق. أخذ ميرا من يديها وركضوا إلى السيارة بخوف تحت خوف ياسين وندائه عليهم بالاختباء.
بالطبع لم يأتِ أحد لحسن من فترة، لذلك ظل يتمشى قليلاً حتى استمع أصوات خفيفة آتية من بعيد، قال بحيرة:
=فيه صوت غريب هناك... أنا هروح أشوف فيه إيه!
قال باسل بقلق:
=بلاش يا حسن لأحسن يكون فخ!
=مش مهم لازم بس أعرف فيه إيه. تعالى معايا يا فاروق خليك انت هنا يا باسل.
أخذهم وذهبوا تجاه الصوت ليصطدموا بأخيهم في معركة، قال حسن بصدمة:
=ياسين... نادي الرجالة يا فاروق بسرعة وتعالى.
ركض حسن إلى أخيه يتصادم مع الرجال بقوة شديدة، وما هي إلا دقائق جاء جميع الرجال وأصبحت معركة، ولكن انتصر رجال حسن وجاءت الشرطة بعدها أخذت جمال وأشباهه. وكان ياسين قد بلغهم واتفق معهم.
وبعد انتهاء تلك المعركة العنيفة، ركض ياسين إلى الطفلة قائلاً وهو يحتضنها:
=انتِ كويسة يا حبيبتي؟
هزت رأسها بهدوء وهي تختبئ بجانب حبيبها يونس، فقال ياسين بغضب شديد:
=انت ليلتك سوداء معايا. تعالى يا فاروق شوف ابنك ركب من غير ما أعرف وكان هيجيب لنا مصيبة افرض كان حصلك حاجة؟
=أنا معملتش حاجة غلط كنت بنقذ حبيبتي. لو أي حد فيكم حبيبته اتخطفت كان هيعمل كده وأكثر.
نظروا إلى بعضهم بحيرة، فحديثه صحيح رغم صغر سنه. فقال حسن بتنهيدة:
=خلاص يا جماعة الموضوع انتهى على خير الحمد لله. يلا بينا نروح زمانهم قلقانين على ميرا وحساب يونس معانا بعدين. يلا.
بالفعل ركبوا جميعًا وانطلقت السيارات إلى منزل الحاج يونس. كانت مجرد ساعة ووصل الجميع تحت توتر النساء. ما إن استمعت عطر إلى صوت السيارات ركضت تجاه الباب لتحتضن ابنتها بلهفة وهي تبكي:
=بنتي بنتي. اللهم لك الحمد يا رب.
خرج الجميع أيضًا إلى الخارج يطمئنوا على الطفلة، فقال باسل بهدوء:
=الحمد لله اتقبض على اللي اسمه جمال ده وياسين هو اللي عمل كل حاجة لولاه ميرا مكنتيش هترجع.
نهضت عطر بابنتها قليلاً تنظر إلى ياسين الذي لم ينظر إليها قط وتخطاها إلى الأعلى، وكذاك خلفه حسن الذي لم يكلف نفسه للحديث مع مهرة التي نظرت له بعينيها منتظرة كلامه، لكنه غريب الأطوار تارةً هكذا وتارةً هكذا. فصعدت إلى الأعلى لتراه وذهب الجميع للراحة، بينما ذهبت فتحية لإعداد طعام العشاء لهم.
دَلفت مهرة إلى غرفة حسن قائلة وهي تفرك يديها معاً:
=شكرًا ليك على اللي انت عملته مع أختي يا حسن.
=أنا معملتش حاجة عملت اللي يرضي ضميري. بعد إذنك أنا عايز أنام شوية. أطفي النور واخرجي.
هزت رأسها بحيرة ثم خرجت وهي تغلق الباب تتساءل مع نفسها بحيرة:
=هو أنا عملت إيه.. علشان يعاملني بالطريقة دي طيب؟!
تنهدت بحيرة وهبطت تساعد فتحية في الطعام.
في المساء، كانت الطاولة جاهزة بأشهى الأطعمة. وقف باسل يلتقط من الطعام عشوائيًا، ضربته فتحية على يديه قائلة:
=بطل طفاسة وروح لبيت عمك عمران. ناديه هو وبناته على العشاء.
هز رأسه وهو يضبط من نفسه، فهو سيري عهد وهناك شيء يحركه بقوة أمامها في ترتيب مظهره ورؤيتها دوماً. بالفعل ذهب إلى المنزل ودق جرس الباب لتفتح له عهد وهي تربط شعرها للأعلى بطريقة مضحكة. انهار من الضحك بسببها قائلاً:
=هو إيه اللي انتِ عملاه ده؟
عبست بضيق قائلة:
=مالكش دعوة انت. انت عايز إيه؟
=أمي بتدعيكم على العشاء. اندهي عم عمران والكل. وسيبي البتاعة اللي على راسك خلي أهل البلد يضحكوا عليكِ.
=طيب يلا بقا خليك واقف قدام الباب زي الأهبل كده.
=لأ لأ بت يا عهد.
أغلقت الباب في وجهه وهي تضحك بخفة، بينما جز هو على شفتيه بغيظ منها ومن أفعالها، وانتظرها رغمًا عنه حتى خرجت مع عطر وهي تخرج لسانها له ومعهم عمران الذي اصطحبه وظلوا يتحدثون. قالت عطر إلى عهد بضيق:
=ياسين زعلان مني أوي. مش عارفة أعمل إيه؟
=طيبي خاطره بكلمتين ولا حاجة. هو برضه من حقه يزعل. اتخليتي عنه بسهولة وبعدين هو رجع ميرا الحمد لله. شكلكم مش هتتجوزوا في ليلتكم السوداء دي.
!=مش عارفة حياة نحس.
وصلوا إلى منزل الحاج يونس، استقبلهم يونس بحب وأخذ عمران يجلسون في الحديقة. بينما ركضت ميرا إلى يونس الذي أخذها ليلعب معها في الحديقة. وجلست عهد في الصالون وجلس بجانبها باسل ولم تخلُ جلستهم من المناقرة بين بعضهم البعض.
في حين ذهبت عطر للأعلى وقررت الذهاب إلى غرفة ياسين حتى تستطيع تتحدث معه. طرقت الباب ليفتح ياسين وهو عاري الصدر وشعره غير مرتب. شهقت وهي تستدير، بينما شعر هو بالإحراج ثم أغلق الباب في وجهها ودلف ليرتدي ملابسه.
بينما ظلت هي تضحك بخفة على حاله، ثم عاد لها وهو يفتح الباب قائلاً بحرج:
=احم... اتفضلي.
=مش هقدر أدخل، أنا جاية أتكلم معاك شوية.
=تتكلمي فيه إيه عطر، خليني ساكت أحسن.
=يا ياسين كان غصب عني والله بجد. أنا في لحظة خوفت أخسر بنتي وقولت أي كلام!
قال ياسين بضيق:
=انتِ اتخليتي عني في لحظة. وهتروحي لجمال.
=أنا مقدرش أتخلي عنك مهما حصل أصلًا!
صمت ولم يتحدث، فقالت وهي تبتسم له بطريقة جميلة:
=ياسين.
=عايزة إيه؟
=أحبّك وكأنّك أمانَة وضِعت في عُنقي، و كّأن العَالم كُلّه قد أوصانِي عليك.
=ايه! انتِ قولتي إيه .. عيدي الكلام ده تاني.
=تؤ هو مرة واحدة وبعدين علشان تعرف إنك مش لوحدك اللي بتقول كلام حلو يعني.
=كده كتير يعني حلوة وبتقولي كلام حلو. طيب أنا عايز أسمع أول كلمة تاني. علشان خاطري.
ابتسمت بخفة قائلة:
=أنا بحبك يا ياسين.
=يا صبر أيوب. إحنا ننزل نكتب الكتاب.
ضحكت بقوة قائلة:
=يلا غير وتعالى علشان ناكل.
=هوا.
التفتت وهبطت إلى أسفل وهي تضحك بفرحة وسعادة وقلبها يرفرف من كثرة عشقه.
صعدت مهرة لتبديل ملابسها المتسخة من آثار الطعام، وبالفعل دلفت إلى المرحاض وكان حسن مازال نائمًا أو يتصنع النوم. أبدلت ملابسها وخرجت تقف أمام المرآة لتمشط خصلات شعرها، وحسن يراقب تلك الجميلة التي سرقت عقله وقلبه معًا.
التفتت إليه قائلة بهدوء:
=انت صحيت يا حسن؟
=أيوا.
نهض وأخذ المنشفة وملابس ولم يتحدث، فقالت وهي تقترب منه بغضب:
=هو فيه إيه؟
=حصل إيه؟
=أنا اللي بسألك. بتتصرف معايا كده ليه بتتجنبني ليه ممكن أفهم.؟
=أنا مش بتجنبك بتصرف عادي.
=لأ دا مش عادي انت مش عايز تتكلم معايا ولا تقرب مني. لو انت ندمان على اللي حصل امبارح ف خلاص كل واحد يروح لحاله.
=مهرة بطلي تعصبيني بقا وتقولي الكلام الأهبل ده إني أطلقك. أنا مش هطلقك.
اقتربت منه بقوة تقف أمامه قائلة:
=بتتهرب مني ليه يا حسن؟
=لو قلتلك هيغير إيه.
=يمكن مش هيغير كتير. بس يفرق معايا.
صمت قليلاً والعيون هي فقط من تتلاقى، حتى نطق بعجز شديد:
=خايف أحبك. خايف أتعلق بيكِ أكتر من كده يا مُهرة.
=يعني انت بتحبني؟
=معرفش إيه حب. بس أعتقد إني عايزك هنا وده مخوفني. فكرة إني أبطل طباعي علشان خاطر حد صعبة. أتغير من القسوة والجبروت للحب والاهتمام أتنازل علشان خاطرك. مبقيتش عارف أأذيكي، كل ما أشوفك عايز أخفيكِ في قلبي وده مخوفني.
أدمعت عيونها بفرحة قائلة:
=مسألتنيش ليه. مش يمكن أنا عايزة أستخبى هنا؟
=ب.. بجد.
هزت رأسها وهي تحتضنه بقوة ليطبق على حضنها بشدة، يدخلها إلى ضلوعه وهي تتعلق فيه وكأنهُ طوق نجاة لها. ابتعدت عنه برفق لينهال على شفتيها يُقبلهما بعشق شديد. ثم حملها بين أحضانه لتقول بخجل:
=لازم ننزل علشان ناكل.
=مهو أنا هاكل أهو. بس هاكلك انتِ.
ابتسمت بخجل وهي تتعلق به، وهو قرر ألا يخشي مه العشق يستسلم لمرة. ماذا سيحدث إذاً. عاشوا أجمل لحظات مع بعضهم البعض في ثاني ليلة ولكنها ليلة الحب الأولى. هل سيدوم أم للقدر رأي أخر.
رواية جبروت صعيدي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سامية صابر
خرج الجميع إلى الحديقة واضعين الطاولة بها ورصوا الأطعمة عليها. قرروا تناول العشاء في الهواء الطلق.
جلس جميع الثنائييات ومعهم وفاء التي تبتسم بنبرة خبيثة. ظنت أن ما قررت فعله سيجعل العائلة تكره ثريا.
قالت فتحية بتساؤل:
= مهرة وحسن لسه منزلّوش ليه؟
قال عمران بهدوء:
= اطلعي ناديلهم يا عهد.
هزت عهد رأسها وصعدت للأعلى لتطرق على الباب بخفة. انتفضت مهرة في مكانها بخجل شديد، وحسن يضحك على خجلها الواضح. ثم قال بإستمتاع:
= مين؟
= أنا عهد يا حسن، يلا علشان العشاء.
= لأ أنا ومهرة مش فاضيين، مش هناكل. ممكن بعد ما تخلصوا تجيبوا الأكل هنا.
ابتسمت عهد بخجل قائلة:
= خلاص ماشي، عيوني. ليلة سعيدة.
قالتها وركضت لأسفل وهي تضحك. بينما انهالت مهرة على حسن بالضرب المبرح وهو يضحك بلا مبالاة. قالت بخجل شديد:
= لازم تقولها كده. هتفكر فينا إزاي طيب؟ ولا قدام العائلة هيبقى شكلنا إيه؟ حرام عليك يا حسن، هموت من الكسوف والله. مش عارفة هبص في وشهم إزاي بعد كده.
= هو أنا جايبك من شارع الهرم؟ انتِ مراتي يا عبيطة. بعدين عادي يقولوا اللي يقولوه، المهم إنك معايا.
= أوعي طيب خليني أقوم، أوعي. مينفعش كده.
= قولت لأ.
أمسكها بقوة يحتضنها في حضنه بقوة شديدة. فقالت بتهكم:
= اللي يشوفك دلوقتي ميشوفكش من شوية وانت مش طايق تقرب مني.
= فيه فرق بين "مش عايز".
= و"عايز بس خايف". فقررت أسيب نفسي مرة واحدة.
وتوبة إن كنت أحبك تاني، توبة.
توبة لو اشتاقلك وأتمناكِ.
توبة.
مال على شفتيها يقبلهما بعشق شديد، وهي فقط تستسلم له بحب وسعادة.
***
كانت سهرة جميلة بين العائلة. انتهوا من الطعام وجلست النساء تتحدث براحة ويضحكون بخفة، والرجال جميعهم يلعبون طاولة.
فقالت فتحية بحزن شديد:
= آه لو ثريا موجودة كنت هبقى فرحانة أوي. البنت وحشتني أوي، البيت من غيرها خراب.
قالت عهد وهي تغمز لها:
= بكرة عطر تيجي تملى البيت فرحة.
قالت فتحية بخبث:
= عندك حق، بس لو أخوات عطر كلهم يجوا هيبقى البيت كله جمال ودلال.
ضحكت عطر وهي تغمز لها بضحكة. فشعرت عهد بالحرج قليلاً من هذا الكلام، وفهمت أنه عليها وعلى باسل.
ماهي إلا دقائق حتى خرجت الخادمة وهي تصرخ قائلة:
= الحقوني يا ستي، المطبخ بيولع. الحقوني.
نهضت النساء بسرعة، ولكن الرجال منعوهم من الدخول. وركض ياسين الذي صرخت فيه عطر بخوف أن يتوخى الحذر، وخلفه باسل وفاروق. منعوا دخول عمران ويونس.
نظرت عهد إلى باسل بقلق شديد خوفاً أن يحدث له شيء. بينما لطمت فتحية على كتفها قائلة:
= استرها يارب... استرها. يالهوي دا دا حسن ومهرة فوق، يالهوي.
خرج ياسين بصعوبة قائلاً:
= الولعة مسكت في البيت كله، مش هنعرف نطفيها. لازم كلنا نخرج حالاً.
نطقت فتحية بصراخ:
= أخويا ومراته فوق، لازم ننزلهم.
قال فاروق بسرعة:
= أنا أنا هحاول أطلع لهم طيب. ياسين باسل، خدوا الستات على بره.
نطق باسل بإصرار:
= أنا جاي معاك.
أمسك ياسين الستات بصعوبة وأخرجهم للخارج، حيث تجمعت معظم القرية صارخين بسبب اشتعال النار في المنزل. وفتحيّة تصرخ باكية على أولادها.
بينما صعد ياسين إلى حسن ومهرة في غرفتهم. فتح حسن وهو نصف عارٍ قائلاً بصدمة:
= إيه دا؟ فيه إيه؟ إيه الخبط ده كله؟
قال باسل بعصبية:
= انت مش حاسس بحاجة يا حسن؟ البيت بيولع، لازم نخرج حالاً. هات مهرة وتعالى بسرعة.
= إيه.. بيولع! إزاي؟ إيه دا؟
= مش وقت اندهاش، يلا بسرعة.
ركض حسن يرتدي بقية ملابسه، ثم قام بالطرق على مرحاض مهرة قائلاً بقلق:
= مهرة اخرجي بسرعة، البيت بيولع.
= إيه؟ انت بتقول إيه؟
قال باسل بضيق:
= يا جماعة، مش وقت اندهاش، اخلصوا.
ارتدت مهرة ملابسها بسرعة شديدة، ثم خرجت مع حسن وباسل وفاروق. الذين شعروا بالاختناق من كثرة الأدخنة القوية، والنار انتشرت بصعوبة في المنزل. احترق كتف باسل مما جعله يصرخ بقوة. وخشي فاروق عليه، فحمله برفق على كتفيه. وكذاك حمل حسن مهرة بين يديه خوفاً عليها من النار.
ما إن خرجوا من المنزل حتى لم يتبق جزء منه سليم، احترق بالكامل. وهم ينظرون له باختناق وحزن شديد. المنزل الذي آواهم جميعاً احترق وأصبح رماداً.
بينما جاءت ثريا على أثر كلام أهل البلد لترى هذه الفاجعة. شهقت وهي تشعر باختناق، حتى أن دموعها هبطت رغماً عنها.
مع شقشقة الصباح، كانت أتت الشرطة وفريق الحريق. بينما الجميع يجلس في الشارع بضيق وحزن. ربطت ثريا على كتف فتحية قائلة بدموع:
= متزعليش يا ماما، الحمد لله إنكم كلكم بخير. جت سليمة والحمد لله.
= البيت اللي عشت فيه وربيت وخلفت أجمل ذكريات عمري راحت.
بدأت تبكي وشاركتها ثريا البكاء. بينما ذهبت عهد إلى الصيدلية لتأتي بعلبة إسعافات أولية. ذهبت إلى باسل الذي يقف بصمت في أحد الأركان.
قالت بهدوء:
= باسل.. تعالى شوية.
= مالوش لازمة يا عهد، أنا كويس.
= تعالى بقولك من غير أي اعتراض.
أخذته وجلسوا على أحد المصاطب. ثم شمرت عن ساعديه بهدوء. ليشعر بالألم الشديد حينها. وبدأت هي في تعقيم جرحه بهدوء وتركيز، ولفته بشاش في النهاية قائلة:
= إن شاء الله هتبقى كويس.
= مش مهم أنا... البيت ده مش هيرجع زي الأول خالص.
= لعله خير، حاجة جت مكان حاجة. الحمد لله على كل شيء.
نطق عمران بصوت عالٍ:
= يلا يا جماعة، كلنا هنروح بيتي نقعد. كفاية قعدة في الشارع لحد ما نشوف هنعمل إيه.
قالت وفاء بصراخ وغضب:
= كل القرف اللي حصل ده من تحت رأس ثريا. هي اللي جابت البنزين للبيت.
نظرت لها ثريا بحيرة قائلة بضيق:
= أنا جبته لأنه أمي طلبت مني أجيبهولها ومتأخرتش. لكن وأنا مالي بالحريقة اللي حصلت دي؟
قالت الخادمة بغضب:
= انتِ هتكدبي يا ست ثريا؟ مش انتِ اللي قولتيلي أعمل كدا في البيت علشان تجيبيها في وفاء، وإنها عايزة تخرب البيت وترجعي انتِ مكانها؟
قالت ثريا بصدمة:
= أنا؟ أنا أعمل كدا ليه؟ انتِ كدابة والله كدابة. أنا مقولتلهاش تعمل كدا. حرام عليكِ، ليه الافتري ليه؟
قال فاروق بغضب شديد:
= مش وقت الكلام ده. مش ناقصة هري وكلام كتير. انتِ جاية ليه يا ثريا؟ مش كل حاجة انتهت بيننا؟ جاية ليه بقا؟ اتفضلي من هنا خلاص.
مسحت ثريا دموعها المتمردة على خدها قائلة:
= بكرة تندم يا فاروق وتعرف إنك ظالم وتدور عليا علشان تعتذر مني، بس وقتها مش هتلاقيني خالص.
نهضت فتحية بهدوء قائلة:
= كلنا هنروح على بيت عمكم عمران علشان عايزكم كلكم في موضوع مهم، وانتِ هتيجي معانا يا ثريا.
أخذت ثريا وذهبوا في الأمام، غافلين عن أعين وفاء الغاضبة. وسار خلفها الباقي إلى منزل عمران.
قامت عطر بعمل قهوة وأعطتها إلى الجميع مع بسكويت للفطار الخفيف. وساعدتها عهد ومهرة ومعهم ثريا. بينما جلست فتحية تنتظر قدوم أخيها الشيخ ومعه رجل دجال يقوم بأعمال. ما أن رأته وفاء تحول وجهها للإصفرار الشديد بقسوة.
قال حسن بحيرة وعدم فهم:
= هو بيحصل إيه يا أمي؟
= الكل يصبر وهتعرفوا اللي بيحصل.
جلس هذا الرجل الدجال في الأرض بخوف ينظر لهم مبتلعاً ريقه بخوف. فقال شقيق فتحية بغضب:
= انطق يا رجل يا ضلالي وقول كل حاجة. انطق بدل ما انت عارف اللي هيحصل.
نطق الرجل بخوف مشيراً لوفاء:
= حاضر حاضر هقول. الولية دي جاتلي وطلبت مني أعمل عمل يكره فاروق في مراته ويبعده عنها، وعملتهولها تحطهوله في أي حاجة يشربها.
قالت وفاء بغضب شديد:
= انت كداب كداب. الراجل ده بيتبلي عليا أصلاً، وأكيد انتِ يا مرات عمي متفقة معاه علشان ترجعي مرات ابنك للبيت، ما هو أنا مش عاجباكي.
نهض باسل بغضب قائلاً:
= اخرسي يا عقربة انتِ خالص واوقفي مظبوط واتكلمي مع أمي بإحترام، وإلا هنسى إنك بنت عمي وهدفنك مكانك كدا. عقربة بصحيح. كمل يا راجل انت.
تابع الرجل بخوف شديد:
= دلوقتي هو بيكره مراته بسبب العمل ومش عارف بيعمل إيه. وكمان مجذوب لوفاء بسبب الأعمال، والعمل لازم يتفك ويتدفن.
نطق باسل بتساؤل:
= المفروض نعمل إيه علشان نفكه؟
= هقولكم.
***
في المساء، جلست ثريا رغماً عنها بأحد الغرف بجانب فاروق الذي ينام بهدوء. فقد أعطوه منوم ليرتاح بعدما مر به طوال اليوم. فقد تم فك العمل ودفنه، وكان فاروق غاضب من وفاء وهائج. فقام بضربها بقسوة شديدة وطلقها وألقاها خارج المنزل.
مدت يديها إلى جبين زوجها تتلمسه وهي تبكي بقهر شديد. فقد فرقوا بينهم بالقوة، ومالهم حول ولا قوة. ظلت تتأمله قائلة بصوت خفيض:
= وحشتني... وحشتني أوي يا فاروق.
تقلب فاروق برفق في مكانه. لتمسح هي دموعها بسرعة وتظهر وجهها الجامد. نظر لها بهدوء قائلاً:
= ثريا.
= عايز حاجة؟
= عايزاك جنبي.
= أنا موجودة أهو.
= قربي مني شوية. حاسس إني بقالي سنين مقربتش منك.
= متنساش إننا مطلقين، ف مينفعش أقرب منك. بعدين أنا اتأخرت ولازم أمشي.
= ثريا علشان خاطري خليكي. أنا عايزك جنبي. فيه كلام كتير أوي لازم أقوله ليكي.
نهضت ثريا برفق قائلة بجمود:
= مبقاش ينفع. مبقاش فيه حاجة نتكلم فيها.
نهض بهدوء وألم يقف أمامها قائلاً وهو ينظر لها بحزن:
= والحب اللي بينا؟
= كان... كان ما بينا. كله اتهدم. المشاعر والحب وكله، زي البيت اللي راح ده اتحرق وبقا رماد، فمعدش هيرجع.
= البيت مش هيرجع، بس ممكن نعمل زيه، ونبني من تاني.
= لأ مش بالبساطة دي. العلاقة دي حصل فيها خلل كبير، وصعب ترجع زي الأول تاني.
تنهد فاروق قائلاً بحزن:
= غصب عني. كله غصب عني. انتِ متخيلة لو أنا في وعيي كنت هعمل كدا يعني. انتِ متعرفيش بحبك قد إيه؟
= ظاهر إني فعلاً معرفش.
التفتت تتركه وتغادر. وهو ينده عليها ولكن لا إجابة. خرجت من المنزل وهي تبكي وقلبها يُعصر من الألم. بينما جلس هو مرة أخرى على طرف الفراش يضع رأسه بين يديه بغضب شديد من نفسه ومن ما وصل إليه.
***
جلس يونس بجانب عمران أمام أخيه محمود قائلاً بغضب:
= بنتك خربت بيت ابني يا محمود. عملت أعمال وفرقت بينه وبين ثريا، لأ وكمان عملت حاجات تانية.
= وابنك اتجوز بنتي برضاه وطلقها ورماها. لو مفكر إن أنا هسكت على حق بنتي تبقى عبيط يا خويا. أنا هاخد حق بنتي تالت ومتلت.
= حق إيه؟ أنا رحمتها من تحت إيده بعد ما فاق من وعيه. انت عارف يعني إيه؟ احمد ربنا جت على طلاقها بس، وهي اللي خربت بيت ابني ودمرت البيت. أنا علشان العشرة اللي ما بينا دي، لو انت أصلاً فاكرها، جيتلك وبنهي الموضوع ده بالمعروف واللي عندك أعمله. يلا بينا يا عمران.
نهض عمران مع يونس وخرجوا. في حين قال محمود بغضب شديد:
= ماشي يا يونس يا خويا، بكرة تعرف أنا هعمل إيه معاك.
بينما راقبتهم وفاء من غرفتها وهي تبكي وحالها يُرثى لها. ثم قالت بتوعد:
= ما أبقاش وفاء لو مقلبتش حياتكم كلها جحيم.
***
غفى ياسين وباسل على الأرائك. ذهبت عطر على أطراف أصابعها تضع الغطاء برفق على ياسين حتى لا يبرد. ثم ابتسمت بحب ورحلت. بينما خلفها ذهبت عهد وهي تنظر لباسل بتردد شديد. ثم حسمت أمرها ووضعت عليه غطاء ثقيل تتأمل ملامحه بهدوء. ثم ابتسمت بخفة ورحلت مرة أخرى قبل أن يمسك بها.
في نفس الوقت الذي ذهبت مهرة إلى حسن النائم في الحديقة، على النجيلة. نظرت له بضيق قائلة:
= يارب، فيه حد ينام هنا بس؟ هتبرد يا حسن يا عنيد.
وضعت الغطاء عليه تدثره بخفة. ليجذبها بقوة إليه. فشهقت هي بفزع قائلة:
= خضتني يا حسن.
= قلبي حسن. لو خايفة لأبرد دفيني.
= مينفعش يا حسن، عيب والله.
= يا ستي، انتِ مراتي. بعدين مش هنعمل حاجة، هننام بس محترمين.
= انت غاوي تحرجني؟
= غاوي أحبك.
= انت قولت توبة تحبني أو حتى تشتاق ليا.
= آخر مرة، هشتاق المرة دي بس. وتوبة أشتاق ليكي تاني. وتوبة أحبك تاني.
ابتسمت بعشق وهي تحتضنه بحب، وهو يدثرها في أحضانه نائمين تحت ضوء القمر.
رواية جبروت صعيدي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سامية صابر
في الصباح، خرج باسل وياسين إلى الحديقة يتمطون بخفة.
فقال باسل وهو يضحك:
=الحق روميو أخوك نايم هو ومراته.
=إيه دا حسن مش معقول، دا لأول مرة أشوفه كدا.
=الحب بيسوي الهوايل يا ياسين يا أخويا.
نطق ياسين بحب:
=انت هتقولي دي حقيقة، في ثانية ممكن يغير حياتك.
=إيه يا أخواتي المحن دا.
=انت عايز تفهمني إنك محبتش؟ أو مثلاً مبطلتش تسهر أو تشرب سجاير وحشيش والقرف دا كله عشان الحب.
=هاه؟ لأ طبعًا، هو أنا وش ذاك؟ أنا اتغيرت عشان كلام أبويا.
=كلام أبوك برضه، مهو طول عمره بيكلمك، إيه الجديد؟ أنا شاكك إن عهد ليها يد في الموضوع، قول متتكسفش.
=طيب، بس بقى تعالى نصحي حسن أحسن، عشان نشوف هنعمل إيه في حوار البيت والكلام دا كله يا خفيف.
ذهبوا إلى حسن، فقال باسل بنبرة مقلدة مضحكة:
=سونة، يا سونسن.
فتح حسن عيناه بغضب قائلاً:
=غور يا كلب من هنا.
=دا أنا بدلعك بس.
=امشي يلا.
ركض باسل وظل ياسين يضحك عليه قائلاً:
=أحسن عشان تبقى تعمل فيها قوي أوي يا أخويا.
=أنا مش هصحى حد فيكم تاني، أنا غلطان.
ظل ياسين يضحك على تذمره، بينما التفت حسن إلى مهرة التي تنام بسلام في أحضانه كالملاك. لاعب وجنتيها بحب قائلاً بصوت دافئ:
=مهرة.
=اممم.
=اصحي يا كسولة، اصحي.
فتحت عينيها بحب قائلة بدفء:
=صباح الخير يا حسن.
=صباح النور يا قلب يا حسن.
قبل وجنتيها بحب لتنهض من تحت يديه بصعوبة قائلة وهي تعدل حجابها بصرامة:
=كفاية بقى يا حسن، يلا قوم، انت عندك شغل كتير أوي النهارده.
=هقولك حاجة واحدة بس.
=لأ، مفيش حاجات، قوم.
نهضت وهي تركض ضاحكة، بينما راقبها وهو يبتسم بسعادة قائلاً بقلق:
=حُبَّك هيوديني على فين يا مُهرة؟ إمتى هتوب عن حُبِك؟
نهض برفق إلى الداخل ليرى الجميع يجلس، فقال يونس:
=تعالى يا حسن عشان نشوف هنعمل إيه في موضوع البيت.
=محدش يشيل هم خالص، حوار البيت هيتحل بسرعة، أنا كنت شاري البيت الكبير اللي في الزراعية، من غير ما أقولكم، لوقت الزنقة، ناقص بس حبة ترتيبات، هنروح إحنا والرجالة نظبطهم ونقعد فيه.
اقترب من والدته يقبل جبينها قائلاً بحنان:
=البيت دا جديد علينا، نعمل ذكريات جديدة، والمهم إننا مع بعض، مش مهم هنقعد فين.
هزت رأسها وهي تبتسم برضا:
=الحمد لله إنكم كلكم معايا يا ابني، الحمد لله على كل حال.
تابع حسن بصوت عالٍ:
=يلا بينا عشان نمشي يا رجالة، نلحق نشوف الشغل اللي ورانا. ومهرة وعهد متنسوش اللي أنا قولته، ماشي.
هزوا رؤوسهم في خبث، بينما عطر لا تفهم شيء، لكنها أثارت الصمت. ثم نظر حسن إلى مهرة يودعها بعينيه غامزًا لها، فابتسمت برقة شديدة وخجل، في حين رحل الجميع إلى المنزل الجديد.
كل شخص اهتم بشيء، وقف حسن مع العمال لإعادة الدهان والديكور، وذهب ياسين مع باسل يشتروا باقي العفش، وكان فاروق يهتم بالعمل الذي أُهمل لفترة. وطبعًا قامت مهرة وعطر بإعداد الطعام وأعطوه للرجال.
انتهت كل الترتيبات بحلول موعد أذان العصر. أدوا الرجال فريضتهم، وكان والدهم الإمام في منزل عمران. ما إن انتهوا، نطق يونس بهدوء:
=تقبل الله منا ومنكم يا أولاد. يلا جهزوا كل حاجة عشان ننقل.
قال عمران بضيق:
=أخص عليك يا يونس، ما انت في بيتك برضه، مستعجل على إيه.
=أنا عارف طبعًا، بس الأفضل ننقل عشان الستات يرتاحوا، انت عارف. بس هستناك بليل عشان الموضوع إياه.
غمز له عمران قائلاً بهمس:
=هتبقى مفاجأة للأولاد. ربنا يتمم بخير يا أخويا.
=يارب.
عانقه ثم استأذن ورحل. وودعت مهرة شقيقتها ورحلت مع زوجها، ورحل ياسين الآخر بعدما ودع عطر والصغيرة. ولم يكن بوسع باسل الكلام، إلا أن عينيه نطقت.
بعدما تمت جميع الترتيبات على أكمل وجه، في منزل عمران، دلفت عهد وبيديها فستان رقيق طويل وفستان صغير للطفلة ميرا. وضعتهم على الفراش قائلة لعطر بخبث:
=البسي عشان خارجين.
=خارجين! فين؟
=أصل فاروق رايح يطلب إيد ثريا ويرجعها تاني.
=طيب ما نلبس أي حاجة، لازم الفستان دا؟
ابتسمت عهد قائلة بخبث:
=أيوا لازم، يلا البسي بقى. يلا يا ميرا، البسي.
قالت ميرا بجدية:
=لازم يكون محترم يا أبلة عشان يونس ميأزعلنيش.
=إيه يا أختي ميرا المفعوصة بتحب وخايفة منه كمان، أروح أنا أشرب اللبن بقى وأنام.
قالت ميرا وهي تضحك بخفة:
=انتِ كدا بقيتي عانس.
=اتلمي يا بت، أنا لسه صغيرة. ما تلمي بنتك يا عطر، الله الله، انتِ كمان بتضحكي!
كانت عطر تكتم ضحكتها بصعوبة حتى انفجرت قائلة:
=آسفة والله، بس حالتك تصعب على أي حد.
=منكوااااا لله، هتجننوني.
انفجرت ميرا وعطر في الضحك على عهد التي تشعر بالغيظ الشديد.
***
وقف فاروق يرتدي بدلة لأول مرة في حياته، عن عباءته المعتادة. ووقف بجانبه باسل وياسين يهتمون بأنفسهم.
قال فاروق بقلق:
=أنا خايف وقلقان أوي لو ثريا رفضتني.
قال ياسين بهدوء:
=اللي بيحب بيسامح، وهي بتحبك بس زعلانة، ودا حقها يا فاروق. الحقيقة متزعلش، بس طالما انت غلطان اعتذر واكسب قلبها. الحب قليل أوي لما نلاقيه صح في الحياة دي.
قال باسل برفض شديد:
=لأ يا بني، الستات مش عايزة المناهدة، عاملها بقسوة وقوة هتجيب معاك سكة، زي حسن ومهرة كدا، لكن الحنية بتذل صاحبها.
نطق ياسين بضيق:
=اسكت، انت متعرفش حاجة، اللي بيحب مش بيقسي، فيه أوقات نقسي فيها وأوقات لأ. انت فاهم غلط خالص، سيبك منه.
قهقه باسل قائلاً:
=طيب، شوف عطر هتعمل معاك إيه النهارده لما تعرف إنك هتعمل كتب الكتاب النهارده وهي متعرفش حاجة، وقال إيه عايز تفاجئها؟ دي هي اللي هتفاجئك وتفتح نفوخك.
=ششش، إن شاء الله مش هيحصل حاجة.
قال فاروق بنفاد صبر:
=ششش، اسكت انت وهو.
***
وقفت مُهرة أمام المرآة تضبط حجابها، ثم وضعت من الكحل في عينيها، ليقف خلفها حسن يضع يديه حول خصرها يقربها منه برفق قائلاً:
=الجميل ملامحه باهتة ليه؟
التفتت إليه وهي ترمش بعينيها ناعسة:
=عايزة أنام أوي يا حسن، اليوم كان شاق جدًا.
ملس على وجهها بحنان قائلاً:
=معلش يا حبيبتي، هنفرح النهارده، وبعدين أما نرجع هننام براحتنا.
ابتسمت بهدوء قائلة بتساؤل:
=بتحبني يا حسن؟
صمت قليلاً يتأمل ملامحها، ثم قال بلغة مُنقمة:
=أحبُّك حبًّا لو يُفَضُّ يسيرُهُ على الخلق، مات الخَلـق من شـدَّة الحُـب.
ابتسمت قائلة بشحوب:
=كل لما أشوفك بييجي في بالي جملة، لو كان فيه اتنين بيحبوا بعض ف مفيش نهاية للحب دا، حاسة إني الحب دا مش هيكمل.
=طول ما إحنا سوا وانتِ مش بتخبي أو بتكذبي عليا ف مفيش حاجة تقدر تفرقنا.
هزت رأسها بقلق وتوتر، ليقول بخبث:
=تعالى هقولك حاجة في ودنك.
=يووه يا حسن بقى.
ضربته بخفة في صدره ليضحكا معًا، استمعت لصوت فتحية العالي تقول:
=يلا يا أولاد بقى هنتأخر، كدا دا المأذون جه حتى.
بالفعل هبط الأربعة رجال، أوسم رجال البلد، يمتلكون من القوة والجمال الكثير، وكانت مهرة خلفهم لأنها الأنثى الوحيدة الموجودة الآن.
قالت فتحية مبتسمة:
=اللهم بارك، ربنا يحفظكم من عيون الحساد يا أولاد بطني.
قبل كل منهم يد والدتهم ووالده، ثم خرجوا جميعًا إلى السيارات وانقسموا.
في نفس الوقت، خرج عمران بسياراته ومعه بناته الاثنين والطفلة ميرا، ثم غادروا إلى منزل ثريا، التي كانت تجلس في الصالون ووالدها بجانبها يشاهد التلفاز.
دق الباب عليها لتنهض تفتح برفق وترى أمامها العائلة كلها، تصمّرت مكانها في حيرة، لتقول فتحية بابتسامة:
=إيه يا ثريا مش هتدخلينا ولا إيه يا بنتي؟
=لأ طبعًا، يا ماما اتفضلوا.
عانقتها فتحية بحب، ثم عانقتها عطر وكذلك البقية. ودلف فاروق الذي نظر لها بحب شديد واشتياق، لكنها أخفضت نظرها بحرج وتوتر. دلف آخرهم باسل الذي همس لها في أذنها:
=منورة يا مرات أخويا يا عسل.
ضربته بخفة في كتفه قائلة وهي تبتسم:
=بطل لماضة يا باسل وادخل.
=عيوني.
شعر فاروق بالغيرة من أخيه الصغير لأنها ضحكت وتحدثت معه وتجاهلته هو، فهو يريد أن يحصى حبها واهتمامها كسابق. طلبت من الخادمة تقديم القهوة للجميع وصعدت تبدل ملابسها بشيء أفضل، ثم هبطت إلى الأسفل مرة أخرى وجلست على المقاعد بجانبهم دون أن تتحدث.
فبدأ الحاج يونس حديثه قائلاً:
=اسمعي يا ثريا، انتِ بنتي قبل ما تكوني مرات فاروق. عارف إن ابني غلط ويستاهل كتير أوي، بس أنا هسيبه للأيام تربيه ولربنا وليكي كمان، لأنه في الآخر كان تحت ضغط حاجة مش في إيدينا على الإطلاق. بس الموضوع دا انتهى، وإحنا هنا النهارده نعتذر منك ومن أبوكي الراجل المحترم دا ونرجعك لفاروق.
شكره والد ثريا قائلاً:
=مفيش بينا حاجة يا حاج يونس، مهما كان إحنا أهل، ولكن القرار يرجع لثريا.
قالت ثريا بهدوء:
=كلكم على راسي، بس أنا مش هقدر أرجع لفاروق مرة تانية. كل حاجة بينا انتهت، أنا آسفة.
حاولت أن تنهض ولكن فاروق منعها واقترب منها بحب جاثيًا على ركبتيه دون خجل. هو رجل نعم وصعيدي، ولكن كونه يفعل كل شيء لحبيبته لا يقلل من قيمته أي شيء.
نطق بحب واشتياق:
=أنا مكونتش عارف بعمل إيه أو بتصرف إزاي. كنت زي الأعمى والله، مابين عايزاك ولاء. أنا دلوقتي فوقت، أنا فاروق بتاع زمان اللي بيحبك وعايزك. أنا مش قادر أعيش من غيرك يا ثريا، عشان خاطري اديني فرصة وخلينا نرجع لمرة واحدة وبس.
أمسك كفي يديها يقبلهما بعشق شديد لتهبط دموعها بقهر شديد. في حين قالت فتحية:
=ارجعي يا بنتي، كلنا محتاجينك، وابنك محتاجك، ارجعي يا بنتي.
ركض يونس باتجاهها وعانق والدته قائلاً:
=ارجعي يا ماما، البيت دمار من غيرك.
هزت رأسها وهي تبكي:
=أنا هرجع عشانكم كلكم.
ابتهج وجه فاروق بقوة، وكاد يحتضنها، فقال باسل وهو يمنعه:
=هوب هوب، عندك يا أخويا، مش هيصة هي. دي طليقتك لازم ترجعلك الأول، بعدين يبقى احضن براحتك.
قالت فتحية بضجر:
=اتلم يا واد.
بينما ابتسم الجميع على ما حدث. جلس المأذون في المنتصف وأعاد فاروق لثريا كزوجته شرعًا وقانونًا، ثم بعد ذلك لم يتحمل واحتضنها بقوة داخل أحضانه، بينما حاولت هي الابتعاد بخجل قائلة بصوت هامس:
=يا فاروق، عيب، بتعمل إيه بس.
تركها وهو يُقبل جبينها قائلاً:
=مبارك عليا رجوعك ليا.
ابتسمت بسعادة قائلة:
=مبارك لينا يا حبيبي. بس عارف يا فاروق لو عملت أي حاجة تاني.
=توبة، توبة.
قبل يديها بحب، بينما قالت مهرة بسخرية:
=واضح إني التوبة عندكوا عالية أوي.
قال حسن وهو يضحك:
=أيوا، متعرفيش ولا إيه.
ابتسمت بخفة، في حين نهض ياسين قائلاً بصوت عالٍ:
=ششش، اسمحولي بقى أتكلم، لأنه جه دوري.
راقبه الجميع في ضحك، فقال إلى عمران بتساؤل:
=عمي، أنا طالب إيدك بنتك للمرة التانية، وبطلب إن النهارده يكون كتب الكتاب قبل رمضان، لأني مش هستحمل فراق أكتر من كدا.
ابتسم عمران قائلاً بتصنع:
=أنا عن نفسي موافق يا بني، الأهم رأي عطر.
قالت عطر بصدمة:
=ك.. كتب كتاب النهارده؟ إزاي!
تابعت بغيظ:
=انتوا كنتوا عارفين وبتمثلوا عليا، ماشي، ماااشي.
قال ياسين بحيرة:
=يعني موافقة ولا لأ دلوقتي؟
=هفكر.
=لأ، معاكي ربنا، يلا يا مولانا، هروح أكتب على واحدة تانية.
=خلاص يا ياسين، والله خلاص.
ضحكوا الجميع ليبدأون في عقد قرآن عطر وياسين أخيرًا. زغردت فتحية وكذلك ثريا، ثم نهض ياسين وعانق الجميع وأخذ التهنئات، وكذا عطر. إلى أن ذهب إليها وعانقها بعشق شديد قائلاً:
=واخيرًا بقيتي ملكي يا عطر.
=وهبقى ملكك دائمًا وأبدًا.
=كما بَدأت معك سَأنتهي معك، و كَما نبضقلبي للقائِك، سأبقى على وَعد أنّي أحبّك.
ابتسمت فرحة وسعادة شديدة، فقال يونس الصغير وهو يقترب من ميرا بهمس:
=إيه رأيك نكتب كتب كتابنا احنا كمان؟
=لأ، أنا مش هتجوز دلوقتي يا يونس، أنا عايزة أكمل تعليمي وأشتغل.
=وانا قولت لأ، هتتجوزيني وتقعدي معايا في البيت.
قطبت ذراعها أمامها قائلة بعند:
=لأء.
=ااه.
قالها بجبروت وصرامة، يبدو أنها قصة جديدة ستشتعل بها حرب مسلوبة الرأي!
في حين همس حسن إلى مهرة في أذنها:
=تيجي نتجوز مرة تانية؟
التفتت إليه بحب قائلة:
=كل يوم أصلًا بحبك وبتجوزك. يمكن أحسن حاجة حصلت في حياتي هي إني اتجوزتك، ولو غصب عني.
قبل جبينها بحب شديد وسعادة، في حين جاء باسل بالكاميرا الكبيرة ليقوم بالتصوير.
قالت عهد بسعادة:
=باسل، خليني أنا أصور عشان خاطري.
=وتديني كام؟
=طول عمرك مصلحجي يا باسل، عايز إيه؟
=عايز أتجوزك.
=إيه؟
=ها؟
=إيه؟
=ولا حاجة، صوريني حلو بس.
تركها وركض إليهم ليقفون للتصوير، بينما ابتسمت هي بسعادة وخجل وهي تتيقن أنها استمعت لعرض جوازه عليها بالفعل. جلسوا الكبار على الكنبة ووقف الجميع حول بعضهم البعض معًا، وشغلت عهد الكاميرا ثم ركضت لتقف معهم، والتقطت الكاميرا صورة كبيرة للعائلة بعدما اكتملت وأخيرًا، ويبدو أن للقدر رأي آخر في هذا التكامل.
رواية جبروت صعيدي الفصل السادس عشر 16 - بقلم سامية صابر
بعد مرور أسبوع في منزل يونس الجديد، يركض الجميع هُنا وهُناك لتعليق الزينة ووضع المقاعد في الحديقة، فاليوم إقامة عُرس ياسين وعِطر.
بينما تقف ثريا في المطبخ لتشرف على الأطعمة، دلف إليها فاروق قائلاً بتساؤل:
= بتعملي إيه ياحبيبتي؟
= بجهز الأكل وكل حاجة، إنت عارف مفيش وقت. واه هتلاقي هدومك كلها مكوية ومتظبطة فوق وكله تمام، ماشي؟ اطلع استحمى والبس وانزل علشان تستقبل الرجالة...
قبل يديها بحب شديد قائلاً بدموع:
= أنا لو لفيت العالم كله مش هلاقي زيك في حياتي كلها مهما حصل، ربنا يديمك ليا صديقة وحبيبة وزوجة...
= ويديمك ليا سندي في الحياة.
قبل جبينها بحب ثم قال بحذر:
= المهم متضغطيش على نفسك وتخلصي وتطلعي تلبسي، ماشي؟
= عيوني، حاضر.
بالفعل ذهب ليُبدل ملابسه ويهتم بنفسه.
مر اليوم بسلام في مركز التجميل حيثُ أصبحت عطر جميلة ورقيقة جداً في حجابها والميك آب الخفيف الخاص بها، وكانت الطفلة ميرا ترتدي فستان قصير جميل بالفعل، وكذالك عهد ومُهرة التى كانت أجمل واحدة فيهم حقاً.
جاء ياسين مع إخوته الاثنين، حسن وباسل، والطفل يونس. كانت الزغاريد عالية وصدح صوت الأغاني بشدة حينها. دلف إليهم وهو سعيد يمسك باقة من الورد، أعطاها لعطر ثم قبل جبينها وأخذها في أحضانه. وقام باسل بالتصوير في سعادة.
ثم ذهب حسن إلى مهرة يأخذها في أحضانه قائلاً بغزل:
= كُل يوم تحلوي أكتر من اليوم اللي قبله!
ابتسمت بخجل قائلة:
= أنا حِلُوة علشان معاك يا حسن.
ملس على عينيها برفق شديد قائلاً بنبرة عاشقة:
= كُل ما بشوف عيونك بتمني يكون عندي قلبين، كُل قلب يعشق عين.
= خلاص يا أستاذ حسن، دا إنت رومانسي جداً. خلينا نشوف العروسين بقا.
بالفعل أخذ حسن مهرة وخرجوا وراء عطر وياسين، وأخذ باسل عهد في سيارته مع الطفلة ميرا ويونس الذي كان يمسك يديها بخوف شديد عليها.
وصلوا إلى المنزل بعد وقت قصير، وكانت التجهيزات تمت على أكمل وجهة، واستقبلهم فاروق وعمران ويونس مع الأغاني. وهبطت ثريا بعدما أبدلت ملابسها بعباءة مُزينة جميلة وفضفاضة. عانقت العروس وباركت لها.
وجلسوا بعدها العروسين في المكان المخصص لهم مع الأغاني الشعبية، ورقص يونس وعمران سوياً، وفرحة الجميع في أجواء بسيطة.
حتى اشتغلت موسيقى رقيقة هادئة ليرقص العروسين عليها. وأخذ يونس ميرا في أحضانه يرقص معها في الحديقة، طفلين ولكن يبدوان كعاشقان. وأخذ حسن ميرا يرقصان سوياً. كذالك أخذ فاروق ثريا بصعوبة، فهي كانت تشعر بالخجل ولكن إستسلمت في النهاية ورقصوا معاً بحب.
نظر باسل إلى عهد التى تظاهرت بعدم الاهتمام، لكن بداخلها ودت لو لها الحق في الرقص معه بأي طريقة كانت.
بعد مرور أفضل ليلة على الجميع، ذهب العروسين إلى غرفتهم التي أُعدت لهم في المنزل الجديد، كانت مُزينة وجميلة بشكل لائق. أوصلت مهرة وثريا العروس إلى الغرفة وطمأنوها قليلاً.
بينما عند ياسين، قال باسل بهمس:
= عايزاك تشرف أخوك يا ياسين، متعرناش.
= عيب عليك.
= أخويا الأسد.
بينما قال فاروق بهدوء:
= صلوا، أهم حاجة. وإن شاء الله ربنا يبارك في الجوازة دي.
= حاضر يا خويا. وانت يا حسن مش عايز تقول لي حاجة؟
نطق حسن بهدوء:
= ربنا يوفقكم ويكرمكم، يلا نسيب العروسين.
= يلا يا لمضِ بقا يلا.
رحل الجميع، بينما دلف ياسين إلى غرفة عطر التى كانت جالسة أمام المرآة تفك الحجاب الخاص بها. اقترب ياسين منها ثم سحبها إلى أحضانه بحب قائلاً:
= مش مصدق بجد إنك بقيتِ معايا خلاص. بقيتي مراتي وحبيبتي وملكي.
ابتسمت عطر بخجل قائلة:
= وأنا مبسوطة أكتر منك. لما اتجوزت جمال كنت فرحانة وبحسبه هو الشخص اللي اتمنيته، بس اتخذلت ومكنش هو نهائي. لكن كنت حاسة إني لسه هقابل اللي اتمنيته، وفعلاً انت الشخص اللي اتمنيته من زمان يا ياسين، من أول مرة شوفتك فيها بتوتري وخوفي كنت حاسة بحاجة معاهم.
عبس ياسين قليلاً ولم يتحدث، فقالت بتساؤل:
= انت زعلان عشان اتجوزت مرة تانية؟
= زعلان إننا متقابلناش في الأول، إني مكونتيش أول حد يدخل القلب ده.
= ماهو أنا مشاعري كانت غلط تجاه جمال، فانت فعلاً أول راجل أحبه وأديله مشاعري.
= قولي والله.
= آآآه والله.
قالتها وهي تضحك، ليحملها بين ذراعيه، لتشهق قائلة:
= ياسين انت بتعمل إيه؟
= هقولك كلمة سر.
= ياسين انت طلعت قليل الأدب؟
= أيوا طبعاً، اومال.
ليأخذها ويعيشوا لأول مرة في عالمهم اللطيف النقي الجميل مع مشاعرهم.
في صباح اليوم التالي، كانت مهرة تنام على الفراش من الإرهاق وشعرها منتشر حولها برقة. لاعب حسن وجنتيها قائلاً بحب:
= غيبوبة هانم لسه نايمة. فوقي وصحصحي كدا.
= حسن، أنا عايزة أسألك سؤال بجد.
= قولي.
= لو مكونتيش قابلتني كنت هتحب غيري؟
= طبيعي.
= نعم!! يعني إيه يا حسن؟ يعني إيه! بتخونيني كدا عادي؟!
قهقه حسن بشدة قائلاً:
= مهو أنا مكونتيش هقابلك كنت هخونك إزاي بقا؟
= معرفش، دي خيانة برضوا. المفروض تعرف إنك هتحبني وتقابلني.
نطق بحنان وهو يتأمل ملامحها:
= عموماً، لو كنت قابلت ألف واحدة غيرك، ف ما أظنش إني فيه واحدة ممكن تخليني أحبها غيرك.
ابتسمت ببلاهة قائلة برومانسية:
= بجد يا حبيبي؟
= أيوا طبعاً. يلا قومي بقاا.
= بس انت كنت هتخونى عادي!!
نهض ينفذ عن صبره قائلاً:
= ربنا يخفف هرموناتك يا حبيبتي.
هبط الجميع إلى الأسفل فيما عدا ياسين وعطر، الذي لم ينزلوا. بل صعدت لهم ثريا بالطعام، ثم هبطت مرة أخرى لتضع الطعام للجميع. فقبل فاروق يديها قائلاً:
= يسلم إيدك في كل حاجة ياحبيبتي.
قال باسل بغيظ:
= كفاية رومانسية بقا، الواحد سنجل ومش لاقي كلبة تعبره.
قالت فتحية وهي تضحك:
= شوف لك عروسة انت كمان يا باسل، خلينا نخلص.
ما بين ضحك وجذب، دلفت الخادمة إليهم تقول بصوت هادئ:
= حسن بيه، فيه واحد مستني حضرتك برا تبع الشغل.
= طيب، روحي أنتِ وأنا هروح له.
نهض برفق قائلاً:
= أنا خارج يا جماعة، وكمان هحجز تذاكر النهاردة لشهر العسل بتاع ياسين وعطر. وإن شاء الله هطلع أنا ومهرة، بس دي مفاجأة ليها، محدش يقولها. وانت يا فاروق هتيجي معايا وثريا كمان.
قالت ثريا برفض:
= لأ مش هسيب أمي لوحدها.
قالت فتحية بإبتسامة:
= أصيلة يا بنتي، بس لأ. روحي عشان خاطري، فكوا من النكد اللي حصل وافرحوا. وأنا قاعدة في بلدي مبسوطة، بس الأهم تخلوا بالكم من نفسكم.
قالت ميرا بفرحة:
= وأنا هاجي معاكم يا آبيه، صح؟
قال يونس الصغير بضيق:
= لأ يا ميرا، مش هنروح هناك. فيه رجالة وحاجات كتير مش هتعجبني، وتفضلي تقوليلي البس مايوه والكلام العبيط دا كله، مش هوافق على الكلام دا على الإطلاق.
= لأ، أنا رايحة، مالكش دعوة بيا بقا.
ضحك الجميع على تلقائيتهم وحكاياتهم التي يرفرف لها القلب. في حين نهض يونس الصغير بغضب وغادر غاضباً من ميرا العنيدة التي قررت ألا تتحدث معه، فهو يتحكم فيما تحب وهي لا تحب ذلك على الإطلاق.
في حين بعد ذهاب كل منهم لأعماله، في غرفة ياسين وعطر، قالت وهي تترجاه بقوة:
= يا ياسين، عشان خاطري سيبني أقوم شوية. مينفعش نفضل في الأوضة كدا، بجد عيب جدا.
= عيب إيه؟ أنا ما صدقت اتملكتك، أقوم أسيبك؟
= طيب شوية بس عشان خاطري، وهرجع تاني.
= ماشي يا ستي. اتفضلي.
نهضت عطر بصعوبة، أبدلت ملابسها، خرجت من الغرفة إلى غرفة مهرة تجلس معها، لتراها جالسة مع ثريا وعهد. قالت بعبوس:
= كدا من غيري كدااا؟
نطق الجميع في صوت واحد:
= عروستنا الحلوة.
أتوا بها لتجلس في المنتصف، فقالت عهد بفضول:
= ها بقا احكيلي حصل إيه؟
= مبدئياً، انتِ لسه صغيرة. إتفضلي يلا من هنا يا طفلة.
= يووه، لاء أنا هقعد معاكم، ماليش دعوة. هااه.
بدأوا الضحك والهزار والتحفيل. كانت جلسة خفيفة لذيذة بينهم تحتوي الإخوة الثلاثة، وانضمت إليهم ثريا كشقيقة لهم أيضاً.
حتى شعرت مهرة بالغثيان، لتنهض بسرعة إلى المرحاض تفرغ الكثير، ثم خرجت وهي مرهقة ووجهها شبه أصفر. قالت عطر بقلق:
= مالك يا مهرة، انتِ كويسة؟
= مش عارفة مالي، مش قادرة.
قالت ثريا بحماس:
= أنا حصلي كدا لما كنت حامل في يونس. يبقى بإحتمال كبير انتِ حامل.
= إيه؟ حامل إيه؟ هو أنا لحقت؟ أكيد لأ، ممكن يكون برد.
قالت عطر بهدوء:
= هنعرف دلوقتي. ثريا، عندك اختبار حمل؟
= أيوا عندي.
= هاتيه وتعالي، ودلوقتي نعرف، وإن شاء الله خير، متقلقيش يا مُهرة.
بالفعل جاءت ثريا بعد قليل بالاختبار، وقامت مهرة بعمله وانتظروا قليلاً حوله بقلق وحماس، حتى قالت عطر وهي تقفز من الفرحة:
= مُبارك يا مهرة، انتِ حامل.
بينما في الأسفل، شعرت ميرا بالضيق والملل، فمن كان يُسليها يونس وهو الآن في خصومة معها. ذهبت على أطراف أصابعها إليه قائلة بطفولية:
= يونس.
لم يجيب عليها، لتقول تتراقص كطفلة صغيرة جميلة:
= يونس، يونسي حبيبي. آسفة يا حبيبي، سماح المرة دي بس سماح.
ابتسم بخفة عليها ثم قال بصوت دافئ:
= تعالي يا ميرو.
ذهبت تجلس بجانبه، فابعد خصلة عن عينيها خلف أذنها قائلاً:
= أنا بس خايف عليكي عشان بحبك، مش أكتر. مش بحكمك! بعدين لما أكبر هعملك بحر في بيتنا وتعومي براحتك، ماشي؟
= ماشي، مسامحني بقا؟
= مقدرش أزعل منك.
جذب يديها لتجلس على المرجيحة ويقوم بهزها وهي تضحك بسعادة.
انتهى حسن من أداء عمله هذا اليوم، ثم نهض وهو يأخذ التذاكر في جيبه الأيسر. ثم حاول الخروج، ولكن دلف فرغلي بغضب شديد قائلاً:
= إنت بتعلي عليا في السوق يا ابن عمي؟
قالت السكرتيرة بقلق:
= والله حاولت أمنعه، بس هو دخل غصب عني.
قال حسن بهدوء:
= ماشي، اطلعِ أنتِ.
تابع بنبرة قوية لفرغلي:
= التجارة مكسب، والشاطر يكسب يا فرغلي. أنا معملتش أي حاجة غلط، بشتغل بس.
= طالما هي كدا، ف أكبر مصايب حرمك معايا؟
تجمدت تعابير وجهه بقوة قائلاً:
= تقصد إيه؟
= أقصد إن مهرة تاجرة مخدرات. عارف يعني إيه تاجرة؟ يعني عملت كذا عملية تهريب واشتغلت معايا بالصدفة ومع كذا حد. تخيل تبقى حرم أستاذ حسن تاجرة مخدرات.
= إنت بتقول إيييييه؟
اقترب منه بغضب وتهور، ثم لكمه بقسوة وظل يضربه، ليدلف رجال الأمن ويفصلوهم عن بعض بصعوبة شديدة. فترك حسن كل شيء وغادر والنار تتطاير من عينيه بقسوة وقوة.
وصل إلى المنزل في غضون قليلاً دون أن يتحدث إلى أحد، وملامح وجهه متجمدة. ذهب إلى غرفتهم ليفتحها على مصراعيها ويرى النساء جالسات بفرحة وسعادة. قال بنبرة قاسية:
= الكل يطلع برا. برااا.
نظروا لهم بقلق وخوف، ثم خرجوا جميعًا. فنهضت مهرة قائلة بصدمة:
= مالك يا حسن؟ فيه حاجة مزعلاك؟
امسك يديها بقسوة قائلاً بغضب شديد جدا:
= انتِ تاجرة مخدرات يا مهرة؟ مش كفاية إنك كنتي مدمنة، لاء وكمان تاجرة. انطقييي، قولييي حاااجة.
قالت ودموعها تهبط على وجنتيها:
= أيوا تاجرة، بس دا كان زمان وغصب عني والله يا حسن، أنا بطلت كل القرف دا.
ترك يديها وملامح وجهه تجمدت، نطق بقهر شديد:
= أنا قولتلك بلاش الكذب، بلاش تخدعيني يا مهرة. شكلي إيه وأنا مرات تاجرة مخدرات؟ لاء وفوق كل دا الحب والمشاعر، كله مبني على أكاذيبك اللي مش بتنتهي. أنا مش هقدر استحملك تاني.
= يع.. يعني إيه؟
= يعني اطلعي برا يا مهرة.
أمسك يديها بقسوة لتخرج برا وهي تتجاهره أن يسمعها وتحاول الشرح له، وأمسكت ملابسه بقوة تحاول أن تفهمه:
= اسمعني بس يا حسن، اسمعني.
القي بيديها بعيداً عنه لتتدحرج إلى الخلف وتقع من أعلى، ليمر جسدها بدرجات السلالم ويبدو أنها سوف تُجهِض طفل لم يمر وقت على علمها بوجوده بعد.
رواية جبروت صعيدي الفصل السابع عشر 17 - بقلم سامية صابر
صرخ الجميع باسم مهرة التي فقدت الوعي وحولها بركة صغيرة من الدماء، بينما شعر حسن بأنه غاب عن الواقع لدقائق من هول الصدمة والخوف عليها.
ثم عاد للواقع بعدها ليركض إلى الأسفل متخطياً السلالم بجدارة وقوة، ثم وصل إليها ليضرب بيديه على خديها بخوف قائلاً:
= مهرة، مهرة، فوقي.
قالت فتحية وهي تلطم على صدرها:
= جرالها إيه يا بنى؟
= مش عارف والله، فجأة لقيتها وقعت من على السلالم وإحنا بنتخانق. أنا مقصدتش أزقها والله، مقصدتش.
فحصتها عطر وهي ترتعش ثم قالت بخوف وهي تبكي:
= لازم ناخدها على المستشفى فوراً، شكلها أجهضت.
= إيه؟ إيه؟
= أختي لسه عارفة إنها حامل مكملتش ساعتين حتى، حسبي الله ونعم الوكيل. الحقني يا ياسين.
كان ياسين قد جاء على أثر تلك الأصوات، ثم حمل مهرة معهم ليوصلها إلى السيارة، وذهب معهم عهد وباسل.
في حين قالت ثريا بدموع:
= ما لحقتش تتهنى بيه، ده كنا لسه بنحتفل وفرحانين، هنقولكم إيه، زي ما جه زي ما راح، لله العوض.
بينما كان حسن في عالم آخر تماماً، جلس على أول درجات السلم ووضع رأسه في يديه يردد:
= أنا السبب.. أنا اللي قتلت ابني بإيدي دول، أنا.. أنا السبب.
قالت فتحية وهي تربت على كتفه باكية:
= متقولش كده يا حسن، دي حكمة ربنا يا بنى، مالناش دخل فيها أبداً.
نهض بسرعة ثم تركهم وخرج، دلف إلى السيارة وانطلق بها بخوف وقلق على مهرة، وهو مشوش في أفكاره بقوة وشدة.
بينما في المستشفى، وبعد مرور ساعة، فاقت مهرة من البنج وحولها الجميع، فيما عدا حسن الذي انتظر في الخارج.
قالت مهرة بصعوبة شديدة:
= أنا فين؟
قالت عطر وهي تملس على خصلات شعرها:
= مهرة، انتِ في المستشفى، تعبانة شوية، بس بلاش تتكلمي كتير علشان انتِ تعبانة.
= حصلي إيه.. الطفل كويس؟ أنا فاكرة، فاكرة حسن زقني من على السلالم وبعدها.. بعدها مش فاكرة، بس ابني كويس؟
مسحت عطر دموعها برفق قائلة:
= انتِ أجهضتي لأن الوقعة كانت شديدة عليكِ، والجنين لسه في الأول، ربنا يعوضك يا حبيبتي.
= إيه؟ لأ لأ، أنا ما لحقتش أفرح، ما لحقتش.
بدأت تبكي بصوت عالٍ وقهر، عانقتها عطر تربت على كتفها قائلة:
= الحمد لله يا حبيبتي، ربنا يعوضك.
دلف في تلك اللحظة حسن ينظر لمهرة التي تبكي ولم تراه.
فقال باسل بنحنحة:
= تعالوا معايا يا جماعة برا.
بالفعل خرج الجميع وتركوا مهرة التي أشاحت بوجهها للناحية الأخرى وهي تكتم دموعها بقهر.
جلس حسن على المقعد ينظر إليها قليلاً ثم يفرق في يديه حتى قال بألم:
= ما كنتيش أعرف إنك حامل.. ما كنتيش أعرف، صدقيني ومقصدتش دا يحصل.
= مش مبرر، انت على طول بتتعامل بطريقة فظة معايا، قولتلك اسمعني، افهمني، انت تعرف إيه عن الماضي اللي عيشته؟ وانت عارف إني عملت حاجات غصب عني كتير، ف لازم تكون كنت عارف إني هعمل دا غصب عني تاني.
= انتِ عايزاني أعرف حاجة زي دي وأجي آخدك بالأحضان ولا إيه يا مهرة؟ انتِ متعرفيش عملتي فيا إيه.. أنا تعبت من حواراتك وأكاذيبك، أنا استحملت اللي مفيش راجل يستحمله.
ضغطت على شفتيها بقهر قائلة:
= وأنا هريحك من ده كله.. إحنا جربنا نكون حبايب معرفناش نكمل، واضح إني لازم نفضل أغراب وكده أفضل، حتى مبقاش فيه أي حاجة ما بينا تربطنا ببعض. طلقني يا حسن.. طلقني وحررني من السجن اللي أنا فيه ده.. حررني.
= شايفة إني حياتك معايا سجن يا مهرة؟
لم تتحدث وأثارت الصمت، ولكن دموعها أغرقت وجهها.
فنهض برفق قائلاً بنبرة قاسية:
= ما دامت دي رغبتك، ف انتِ حرة، انتِ طالق يا مهرة.
ألقى عليها خنجراً ثم غادر وخرج من الغرفة، لتنكمش هي على نفسها أكثر وتبكي بحرقة قائلة:
= ليه مشيت؟ ليه ما اتمسكتش زي كل مرة.. ليه مقولتش معنديش طلاق يا مهرة؟ ليه سبتني.. يا خسارة الحب اللي كان ما بينا يا حسن، يا خسارة يا حبيبي.
انهارت في البكاء، بينما غادر حسن من الغرفة ولم ينتبه لنداء أشقائه أو حديثهم، وهو يقول في نفسه:
= طالما خدت طريق مش طريقك، لازم تتعب يا حسن.. جربت الحب؟ آدي الحب وسنينه.. انسى بقا كل حاجة.
بعد مرور أسبوع؛ عاد حسن ليعمل بقوة، لا يفعل أي شيء سوى العمل ولا يعود للمنزل، فهو يكره ذكرياته معها القليلة في هذا المنزل، ويبقي في مكان جديد اشتراه بنفسه. يحاول النسيان، ولكن لو كان الأمر بالبساطة لم يتعذب العاشقين على مر تلك السنوات.
بينما عادت مهرة إلى منزل والدها، تجلس فيه يومين مع نفسها لتعيد ترتيب حساباتها مع نفسها وهي تحاول نسيان حسن هي الأخرى.
بينما توطدت علاقة باسل وعهد واقتربوا من بعضهم البعض كثيراً، حتى إن كل منهم شعر بمشاعر تجاه الآخر، ولكن لم يعترف أحد للان!
وكانت عطر تحاول التأقلم مع ياسين في العمل والمنزل، وأصبحت علاقتهم أجمل بوجود زواجهم وحبهم وتمسكهم ببعض البعض، وكذلك علاقة فاروق وثريا وميرا ويونس.
هبطت مهرة السلالم بهدوء لتشاهد والدها يجلس مع الحاج يونس، ألقت السلام بهدوء ثم قالت لوالدها:
= بابا، أنا راجعة القاهرة.
= إزاي فجأة كده؟
= مبقاش ليا حاجة هنا، هرجع علشان ناوية أشتغل وأشوف حياتي بقا، وطبعاً انت مش هتعارض.
= لأ مش هعارض، بس قبل كل ده اختك مسافرة هي وجوزها علشان يقضوا شهر العسل اللي فاتهم.
قالت مهرة وهي تضم يديها معا:
= طيب وأنا مالي؟ هعمل إيه يعني؟
= هتيجي معانا، أصل الكل طالع!
تورّدت وجنتيها بالحرج ثم قالت وهي ترتبك:
= لأ، مش عايزة أطلع.
قال يونس بابتسامة:
= متخافيش يا مهرة، حسن ابني مش طالع أصلاً، محدش يعرف عنه أي حاجة، ف علشان خاطري تعالي وبعدها ارجعي البلد، ده أنا حتى هروح لأول مرة معاكم وعايزك تنقيلي اللبس علشان أبين شباب أكتر.
ضحكت مهرة بهدوء قائلة:
= خلاص، حيث كده أجهز الحاجة بقا.
ودعتهم وصعدت لتجهيز أشياءها، بينما ضحك عمران ويونس بقوة وخبث، فقال يونس:
= لازم نعلمهم الأدب وإنهم يتمسكوا ببعض، مش كل حاجة فراق وطلاق.. إحنا مش بنلاقي الحب الحقيقي في الشارع يا عمران يا أخويا.
= على رأيك يا يونس يا أخويا.
ظل باسل يحوم حول حسن في منزله الجديد يقنعه بالسفر معهم، فقال حسن بضجر:
= قولتلك مش طالع.
= يا عم بقولك مهرة مش جاية.
= متتنطقش اسمها قدامي يا باسل واخرس واطلع برا يلا.
= علشان خاطري يا سونة، لازم تبقى مع أخوك وتساعدني بحكم خبرتك علشان أعترف لعهد بحبي ليها.
= عندك فاروق وياسين، فكك مني يا باسل.
= علشان خاطري يا حسن، اطلع معانا بقا، دي رحلة جماعية وهتعجبك أوي!
= أنا مستحيل أروح معاكم الرحلة دي.
في صباح اليوم التالي...
وضع حسن الحقيبة الخاصة به في شنطة السيارة قائلاً وهو يتصبب عرقاً:
= يلا يا باسل الكلب، بتعمل إيه؟
خرج باسل وهو يتنفس بصعوبة قائلاً:
= كنت بسرح شعري.. بس ثواني، إيه الجمال ده كله.
كان حسن يرتدي شورت قصير وقميص يرفع أكمامه للمنتصف ويترك أولى أزرار قميصه مفتوحة ويرتدي نظارة، فكان كشاب أنيق جميل بالفعل.
لمح ببصره تلك الصغيرة التي تأتي من بعيد تبتسم بفرحة وحماس مع أهلها. خلع نظاراته، كم اشتاق لها.
عادةً عندما نترك أحد ولا نفكر فيه ليوم مثلاً أو أكثر، نتوهم بنسيانه، ولكن طالما كان هناك حب حقيقي، عندما تراه ستعود تلك الذكريات والحب الحقيقي، ويتبخر ما أوهمت نفسك به.
لمحته هي الأخرى لتتصمّر بصدمة مكانها قائلة بغضب لعهد:
= انتِ مش قولتي دا مش جاي معانا؟
نظر حسن إلى باسل قائلاً بنفاذ صبر:
= إنت مش قولت إنها مش جاية معانا ولا إيه؟
ركض باسل إلى عهد ليقول لها:
= يلا يا عهد، هنركب عربيتي الجديدة.
دلفوا بسرعة إليها ومعهم يونس وميرا، ودلفت عطر إلى سيارة ياسين معه، ودلفت ثريا مع فاروق في السيارة ومعهم فتحية، ودلف يونس مع عمران في سيارة عمران ليقودها.
وقفت مهرة مكانها بصدمة قائلة:
= إيه ده كله؟ ركب كدا وأنا هركب فين إن شاء الله؟ يا بابا استنوا، إيه ده، استنوا.
لم يجب عليها أحد، وبدأت السيارات في الرحيل خلف بعضها، بينما ضرب حسن بيديه السيارة قائلاً:
= فهمت، دي لعبة منهم.. ماشي، ماشي.. والله لأوريك يا باسل الكلب.
نظر لها بضيق قليلاً ثم تابع بضيق:
= لو عايزة تركبي معايا تعالي.
لم تجب عليه واستمرت في التجاهل، فقال بعصبية:
= أنا بكلمك على فكرة!
لم تجب أيضاً، فقال وهو يجز على أسنانه:
= خلاص تمام، براحتك.
دلف إلى السيارة وكاد أن ينطلق، فركضت إليه قائلة:
= اسمع، أنا مش عايزة أركب معاك، بس هما أجبروني وما سابوش ليا عربيات! فهركب معاك بس، ولا تكلمني ولا أكلمك.
= مش ميت على كلامك يا مهرة هانم.
= ولا أنا ملهوفة عليك أصلاً.
وضعت الحقائب في الشنطة ثم دلفت إلى السيارة في المقعد الخلفي. التفت لها قائلاً وهو يجز على أسنانه بغضب:
= أنا مش سواق حضرتك، تعالي اقعدي قدام.
= هقعد هنا، مش عايزة أقعد جنبك قدام أصلاً.
= انتِ تطولي أصلاً، أنا نص البنات تتمنى تركب جنبي.
قالت بغيرة شديدة:
= ليه من حلاوتك أوي يعني! مفكر نفسك عمر الشريف مثلاً؟ ده انت حتى مش حلو خالص.
= هوريكي يا مهرة.
أخرجت لسانها له بغيظ، لينطلق هو بعصبية شديدة وغيظ منها، وهكذا تسابقت السيارات على الطريق الصحراوي، وكانت جميلة حقاً، فيما عدا سيارة حسن التي كانت بعيدة كل البعد عنهم.
ضغط حسن على الراديو لتشتغل موسيقى عبد الحليم "حلو وكداب". وظلت الأغنية شغالة حتى نطق حسن مع عبد الحليم بصوت عالٍ:
= كداااااب، آآآه، كدااااب.
نظرت له بغيظ شديد ثم تقدمت للأمام وهي تشغل أغنية "أسمر يا أسمراني" لمين قساك عليا. لم يتحدث وفقط استمع لنصف الأغنية، واستمرت مشاجرتهم في اختيار الأغاني هكذا حتى جاءت أغنية "توبة" بالغلط، ليسكت كلاهما. هو اشتاق لتلك الكلمة لها، التوبة عن الاشتياق لها وحبها، ف للصراحة هو لن يتوب على الإطلاق بل يزداد. وهي تذكرت مشاغبته بتلك الكلمة. الذكريات حقاً مؤلمة.
هبطت دموعها على وجنتيها حتى نامت من كثرة التعب والهواء يلفح وجهها، ولأن الملابس عليها خفيفة والهواء شديد. وقف قليلاً على الجانب ثم هبط ووضع عليها جاكيت جلد يُدفئها، ثم ملس على وجهها برفق، ولكن سحب يديه فجأة، فهو ليس من حقه فعل ذلك، يجب أن يكون أقوى قليلاً.
بعد مرور عدة ساعات وصلوا إلى الفندق الذي تم حجزه من قبل فاروق وياسين. هبط الجميع من السيارات للصعود، وابتسم عمران ويونس في الخبث وهم يرون مهرة مع حسن في السيارة وأن خطتهم بدأت في النجاح.
التفت حسن لها يتأمل ملامحها النائمة ثم قال بصوت قاسٍ:
= مهررررررة.
= إيه.. مين؟ حصل إيه؟
= اصحي وصلنا، كفاية نوم.. غيبوبة معايا في العربية.
نظرت إلى الجاكيت الذي عليها وقالت بضيق:
= مهرة: إيه ده؟ إيه اللي جابه عليا؟
= حسن: أوعى تفكري أنا! انتِ مديتي إيدك خدتيه من السقعة وحتى مش استأذنتى.
= مهرة: أنا معملتش كده على فكرة.
= حسن: قوليه لنفسك بقا.
ألقته بعيداً عنها ثم هبطت من السيارة ودلفت إلى الأوتيل لتري عهد وتضربها في كتفها قائلة بغضب:
= حسابك معايا عسير.
ابتلعت عهد ريقها بخوف، في حين ما إن دلف حسن حتى تحدث مع موظفة الاستقبال الشقراء التي بادلته الابتسامة وهي تضحك بدلال:
= أوه مستر حسن! انت ظريف بجد جدا.
= ثانك يو مايا.
لوت مهرة فمها بغضب وغيرة قائلة:
= ثانك يو نينيني، اتكلم عربي يا خويا ولا لسانك لازم يتعوج هنا يا صعيدي؟ ما صدق وقف يتكلم معاها، مش عارفة أنا إيه ده.
نظرت لهم بضيق وحاولت الرحيل ولكنها اصطدمت في جسد طويل القامة، نظرت له بحرج قائلة:
= معلش آسفة.
وضع يديه في جيبه قائلاً:
= لأ ولا يهمك.. أول مرة تيجي مرسى مطروح؟
= آها.. الحقيقة دي أول مرة أجيها، بس سافرت مناطق خارج مصر كتير.
= مش معقول، يبقى تسافري بره ومتجيش هنا خالص، عموماً هتحبي مرسى أوي، لو احتاجتي حاجة انت موجود، أصل أنا عايش هنا.
= آها، شكراً لحضرتك.
= سامي أبو العدل.
قام بمد يديه لمصافحتها، لتحاول مصافحته، ولكن سبقتها يد ذلك الصعيدي حسن الذي مد يديه يعتصر يد سامي في يديه قائلاً بنظرات نارية:
= عارفك، مش انت رجل أعمال؟
قال سامي بحيرة:
= أيوا يا فندم.. حضرتك مين؟
نطق حسن ومهرة معاً:
= مهرة: طليقي.
= حسن: جوزها.
نظر إليهم سامي بحيرة ثم قال بعدها:
= عموماً أنا موجود دايماً لو احتاجتي حاجة.
قالت وهي تبتسم برقة:
= تسلم.
رحل سامي ليقول حسن بغضب شديد:
= إيه المياصة والقرف اللي عملتيهم دول؟ انتِ مجنونة ولا شكلك كده؟
= مالكش دعوة بيا، إحنا مش اتطلقنا؟
= اتطلقنا أيوا، لكن تحترمي نفسك وتظبطي كده، بدل ما هوريكي الوش التاني يا مهررررررة.
= كل واحد حر بقا، كل واحد يشوف حياته.
نطق حسن بغيظ:
= بقا هي كده.
= كده وابو كده.
= انتِ اللي حكمتي، متبقييش تزعلي.
التفت كلاهما وذهب كل منهم في طريقه بعند وتحدي مع الآخر.
في حين في غرفة عطر وياسين، ألقت بالحقيبة أرضاً قائلة:
= إيه اللي حصل تحت ده؟
= حصل إيه يا عطري؟
= سيبك من جو الحب والرومانسية يا ياسين، مش هياكل معايا أصلاً. شوفت البت اللي بتنضف دي وهي بتكلمك وتتمايع، بتكلمها ليه؟
قال ياسين وهو يبتسم:
= يا حبيبتي، كنت بسأل عليها حاجة عادي، وبعدين عيني مش شايفة غيرك أصلاً.
اقترب منه بغيظ قائلة:
= عيونك أصلاً متقدرش تشوف غيري، فاهم يا عم ياسين، وإلا هاخدهالك.
= لا الله إلا الله، اهدي يا عطري، اهدي يا حبيبتي.
أخذها في أحضانه وهو يربت عليها بحب وعشق.
بينما في غرفة فاروق وثريا، دق الباب الخاص بهم. حاول الذهاب لكنها أمسكته قائلة بغل:
= ارجع، عندك تلاقيها البت أم شعر أصفر دي، أنا هتعامل معاها. متتكلمش انت معاها.
= وليه يعني؟
= وعايز تكلمها ليه؟ عجباك؟ الفهالك؟
= أنا مفيش حد عاجبني غيرك.
= متكلش بعقلي حلاوة يا فاروق، وارجع.
= لا إله إلا الله.. اكفينا شر النساء يارب.
ويبدو أن هذه الرحلة لن تعدي هباءً، فغيرة النساء سوف تفتك بالرجال!
رواية جبروت صعيدي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سامية صابر
دلفت وفاء بغضب إلى فرغلي الذي يجلس في غرفته شاردًا.
قالت بغضب شديد:
=انت هتفضل قاعد كدا يا فرغلي ولا إيه؟ مش هتعمل حاجة؟
=وفاء بقولك إيه، أنا مش فايقلك، دماغي فيها مليون حاجة والله.
=لأ معلش، ماليش دعوة، أنت قلت إنك هتساعدني ولازم توفي بوعدك بقى وساعدني أعمل أي حاجة تفرق بيها فاروق وثريا بأي طريقة كانت.
نطق فرغلي بضيق:
=لازم أخلص من حسن الأول، بعدين هشوفلك موضوع فاروق دا.
=لأ أنا مش هفضل مستنية، أنا هفكر بنفسي وهتصرف، مش هما يتهنوا هناك وأنا تعبانة ومخنوقة هنا.
=خلاص استنى، أنا عندي خطة.
=خطة إيه دي إن شاء الله؟
ارتاح الجميع في غرفة إلى الأمس ولم ينزل أحد سوى عهد التي نزلت تتمشى وسط الأجواء الهادئة الجميلة.
رآها باسل من أعلى وهو يقف في شرفة المنزل وقرر الهبوط إليها.
التفت إلى حسن بتوتر قائلاً:
=أنا بفكر أبدأ ألمح لعهد بحبي، دي لو أي واحدة كنت قلت على طول، بس دي مش أي حد، ف لازم أخطط ليها.
نطق حسن بملل:
=بكرة تندم، مفيش حاجة حلوة من ورا الحب إلا القرف والإرهاق والتعب يا باسل. عيش حياتك من غير ما تتنازل وتتعب عشان خاطر حد كذاب ميستهلش.
=بص يا حسن، أنا يمكن مش فاهم كتير في حكايتك مع مهرة، بس أنا شايف إنه الموضوع ما استحقش كل اللي حصل دا إنها تجهض، تخسروا بعض وتبعدوا والكلام دا كله.
=إحنا خلاص مبقاش فيه مجال ما بينا للرجوع، الحب واللهفة والمشاعر مش هتبقى زي الأول.
قال باسل وهو ينهض رابطًا على كتفه:
=سمعت مرة جملة قالها ياسين: "الخلافات لا تقتل الحب بل تجدده، فإن اتخذتها حجة للفراق، يبقى أنت لا تعرف معنى الحب". أديك شفت فاروق وثريا حصل ما بينهم اللي ممكن يخليهم ينفصلوا للأبد، بس لأن حُبهم قوي وحقيقي متهزمش، مش الخلافات اللي تهزم الحب، دي هي اللي بتقويه.
التفت وغادر الغرفة تاركًا حسن غارقًا في أفكاره ما بين عقله وقلبه.
وصورة مهرة تتأصل أمامه بعينيها ببرائتها وضحكتها بكل ما تحمل المعنى.
وداخل تلك البراءة كاذبة وماكرة كبيرة دومًا عذبته.
هبط باسل إلى الأسفل يبحث عنها ليراها واقفة تتحدث مع أحد الرجال.
شعر بالضيق الشديد وربما بالغيرة.
ذهب إليها بغضب قائلاً وهو ينظر للآخر بقوة:
=عهد.. بتعملي إيه؟
=باسل! ولا حاجة، كان بيسألني عن حاجة مش أكتر.
تابع الآخر بهدوء:
=شكرًا يا آنسة عهد، عن إذنك.
غادر وتركهم ليقول باسل بضيق:
=كان بيتكلم معاكي في إيه إن شاء الله؟ وليه توقفي تتكلمي معاه بالطريقة دي؟
=جرى إيه يا باسل؟ أنت مكبر الموضوع أوي، هو أنا كنت عملت إيه يعني؟
=بصي يا عهد، بصراحة أنا مش بحبك تتكلمي مع أي حد والسلام كدا. شخص متعرفيهوش توقفي تتكلمي معاه ليه؟
=هو بس سأل عن حاجة ورديت وخلاص، متكبرش الموضوع بقى.
تنهد قائلاً بهدوء:
=ماشي يا عهد، أنا بس خايف عليكي لا أكتر ولا أقل.
=متخافش عليا.
=خلصانة كدا، مش هخاف.
ابتسمت بخفة ليقول لها بتنهيدة:
=تعالى معايا، هجبلك حاجة حلوة.
رحلت خلفه ليجيب لها آيس كريم ثم يدخلون إلى حديقة الملاهي يلعبون بضحك وسعادة.
هم إلى حد كبير شبه بعض في الطباع، ولكن باسل كان يتخذ طريق السوء أحيانًا إلى أن هداه الله ليبتعد تدريجيًا عنه، وكأن إعجابه وحبه لعهد سببًا في التغيير.
في صباح اليوم التالي.
قرر الجميع النزول على الشاطئ.
وقفت عطر تنظر بضيق لياسين الذي يرتدي ملابسه أمام المرآة.
ثم قالت وهي تمط شفتيها للأمام:
=متشيك أوي كدا ليه؟
نظر لها بغرابة قائلاً:
=عادي، يمكن عشان في رحلة والمفروض يعني ألبس حاجة كويسة.
=ماشي يا ياسين، بس حسك عينك قراقيش بتتكلم مع بت كدا أو تبص لبت كدا.
التفت لها قائلاً بحب:
=يحبيبتي، عينايَّ لا ترى سواكِ.
=كل بعقلي حلاوة، كل. قدامي يا عم ياسين.
خرج الجميع من الغرفة إلى الأسفل وكل منهم مع بعضهم، فيما عدا مهرة التي جاءت آخر واحدة وهي ترتدي ملابس لطيفة خفيفة وتضع حجاب خفيف فوق رأسها.
ولسوء الحظ تقابلت مع حسن لتتجاهله تمامًا ولم تنظر له مقررة تعليمه الأدب قليلاً وأن يكف عن تسلطه عليها.
بينما نظر لها من أسفل إلى أعلى قائلاً بضيق:
=مش شايفة إن البنطلون ضيق ومينفعش تنزلي بيه أصلاً؟ ملبستيش فستان ليه؟
لم تجب وظلت متجاهلة إياه.
ليضرب بيديه بقوة على حائط المصعد ويوقفه بغضب قائلاً:
=أنا بكلمك، لما أكلمك كلميني يا مهرة!
رفعت نظرها إليه بغضب قائلة:
=إنت مين عشان تتحكم فيا يا حسن؟ إحنا خلاص اتطلقنا، يبقى ألبس اللي أنا عايزاه بقى، مفهوم ولا لأ؟ ومش من حقك تعترض أو حتى تتكلم معايا.
=متختبريش صبري، لما أقول كلمة تتسمع وتتنفذ، ولا عشان ما صدقتي طلقتك.
قالت بعتاب شديد:
=مين اللي طلق واتخلى ومشي؟
=ومين اللي كذب؟ ومين اللي طلب الطلاق؟ ناقص قلاقلِك بتكذبي عليا في موضوع حبك ليا؟
نظرت له بصمت ولم تتحدث وهبطت دموعها رغمًا عنها، فنفسها صعبت عليها بالفعل كثيرًا.
وحاولت الرحيل إلا أنه أمسكها وشعر بالضعف تجاه دموعها التي تكويه كويًا من الداخل.
مسح دموعها بأطراف أصابعه بحنو قائلاً بنبرة دافئة:
=آسف.
أعاد تشغيل المصعد ثم خرج هو أولاً منه وهي خلفه إلى الشاطئ.
كان الجميع نصبوا الخيام والكراسي، جلس عمران ويونس كعادتهم يلعبون طاولة على الشاطئ.
وذهب يونس الصغير إلى ميرا ليلعبوا معًا قائلاً لها بصرامة:
=ملبستيش فستان ليه؟ إيه البنطلون دا؟
=يونس يا حبيبي، مش هعرف أتحرك، ممكن أقع وميرا حبيبتك تتكسر.
قال برفض وخوف عليها:
=بعد الشر عليكي، خلاص ماشي، بس ارفعي شعرك دا مش تفرديه عشان بغير حد يشوفه غيري. وكمان قريب هتتحجبي.
هزت رأسها بطاعة ليأخذ بيديها إلى البحر ويعلمها العوم وهي تبتسم وتضحك وهو سعيد بفرحتها، ولكن غيرته من أن أحد يراها قوية بالفعل.
ذهب فاروق إلى ثريا وسحب يديها قائلاً:
=تعالى ننزل البحر.
قالت بحرج:
=مش بعرف أعوم يا فاروق، ما أنت عارف.
=عارف يا حبيبتي، ولا أنا بعرف أعوم، بس مش مهم نغرق سوا في بحر الحب.
قهقهت بخفة قائلة:
=آه منك يا فاروق والله.
ذهبوا معًا إلى أطراف البحر، وكذاك نهض يونس قائلاً:
=قومي يا حاجة ننزل نتبل شوية ونطلع.
=يوه يا حاج، أخاف أغرق.
=متخافيش، نقعد على الشط سوا، قومي.
نهضوا معًا وذهب عمران إلى الداخل ليعوم قليلاً، وكذاك ذهبت عطر مع ياسين معًا.
وبقيت مهرة ظلت تقرأ في كتاب ما وحسن يجلس مقابلها الناحية الأخرى.
مرت من أمامهما فتاة شبه عارية اصطدمت بحسن عمدًا ثم قالت بإغراء:
=سوري والله، ما خدتش بالي.
=ولا يهمك يا آنسة.
=مايا اسمي مايا.
=حسن!
=حسن، واو، اسم جميل جدا.
نظرت لهم مهرة بعصبية شديدة ثم نهضت تتمتم بغضب:
=بلا قلة أدب.
لاحظها حسن ليبتسم خفية ثم تركها وذهب خلف مهرة قائلاً بصوت عالٍ:
=على فين!
لم تجيب عليه فامسك يديها يلفها نحوه قائلاً بغضب:
=ميت مرة أقولك ردي عليا لما أتكلم يا مهرة، ردي علياااا.
=جاي ورايا ليه هاه؟ جاي ورااايا ليييه؟ روح للست هانم دي.
=الله، وأنتِ متضايقة ليه؟
=وهضايق ليه إن شاء الله؟ أوعى تفكر إني غيرانة منها ولا حاجة، دي متجيش جنبي حاجة.
رمقها بتسلية لتنظر له بغيظ وضيق ثم تركته وتقدمت للأمام.
ليقول أحد الشباب بطريقة غير مهذبة:
=تعالى بس فكري.
وقف أمامه حسن قائلاً بنبرة باردة:
=إبقى فكر أنت لما تعاكس حد ميخصكش.
=وأنت مالك؟ هو أنا كلمتك؟
=كلمت حاجة تخصني، ودا أسوأ لو كنت تعلم. وشكلك نفسك تتربى جديد.
قام بضربه بقوة وقسوة ليخرج إخوته على أثر صوته بقلق يفكون تلك المعركة العنيفة التي لم يهدأ فيها حسن من غيرته.
ولكن لحسن الحظ اليوم مر بسلام والمشاجرة انتهت.
وبعد وقت طويل وقت الغروب رحل الجميع إلى الأعلى للاغتسال وبقي حسن ومهرة التي أصرت على البقاء.
دلفت إلى البحيرة بهدوء مع وقت الغروب ويوجد فقط القليل من الماء.
غطست مرة واحدة ثم خرجت لتصطدم بجسد كبير وهو حسن الذي وقف أمامها.
شهقت بفزع وهي تتراجع للخلف قائلة:
=بتعمل إيه هنا؟
=بعوم. يكونش البحر بتاعك وأنا معرفش.
اقترب منها بخفة ليستنشق عبيرها وهي فقط تبتعد بخجل.
ثم قالت فجأة:
=يلا نطلع بقى، كفاية.. ك..دا.
تركته ثم خرجت من البحر وهو فقط ينظر لها.
أهو حقًا أحب بتلك الطريقة؟ للدرجة عدم تحمله وصبره على فراقها؟
يود احتضانها وتقبيلها كما في السابق، ولكن كبرياؤه وجبروته يمنعاه.
وكالعادة هو في حيرة ما بين عقله وقلبه.
في مساء اليوم.
بعدما ارتاح الجميع وأبدلوا ملابسهم، خرجوا لتناول الطعام.
ولكن لم يخرج فتحية ويونس وعمران.
وخرج الشباب والفتيات.
كانت مهرة لا تريد الخروج أيضاً، ولكن مع إصرار الجميع رسخت لهم.
خرجت أولهم ميرا التي كانت ترتدي فستان طويل وكعب صغير وتركت شعرها للعنان.
نظر لها يونس بضيق قائلاً بغيرة:
=مش قولتلك متفرديش شعرك يا ميرا؟
=يا يونس، إحنا في رحلة وأنا عايزة أفرد شعري. عشان خاطري يا يونس، عشان خاطري، هاه، مرة واحدة بس.
=طيب خلاص، المرة دي وبس. اتفضلي قدامي يا ست ميرا.
ابتسمت بطفولة ليضحك بخفة على طفولتها.
بينما خرجوا الأربعة فتيات معاً.
ذهب فاروق يأخذ يد ثريا مقبلاً لها قائلاً:
= "كلما نظرت إليك.. إيه؟ هي كانت إيه يا ياسين؟"
=يا فاروق، أحفظ بقى، بقالي ساعة بحفظ فيك.
= "كلما نظرت إليك خفت أن تخرج عواطفي من عيني".
= أيوا هي زي ما قال ياسين، أصل مش بعرف أقول شعر.
ضحكت بقوة قائلة:
=وأنا مش بفهمه، خلينا بطبيعتنا، كلامنا العشوائي دا وخلاص.
=أنا بقول كدا برضوا.
رحلوا أولاً ثم أخذ ياسين يد عطر قائلاً بهمس في أذنها وهي خجلة:
=حين أحببتك.. أدركت معنى أن يكون للإنسان روحاً بعيدة عنه لكنها أقرب إليه من كل شيء.
ابتسمت بهدوء قائلة:
=وحين رأيتك، فهمت معنى الاطمئنان والراحة اللي قعدت أدور عليهم قبل الحب يا ياسين.
نطق باسل بنفاذ صبر:
=ما يلا يا ممحونين من هنا يلا.
ضحكوا على حديث باسل ثم خرجوا، وخرج ورائهم عهد وباسل.
نظرت مهرة حولها فلم تجد حسن.
رحلت بمفردها خلفهم إلى مطعم رقيق وغالٍ في مكان أنيق جداً.
جلسوا جميعاً حول الطاولة يطلبون الأطعمة المختلفة حسب رغبة كل منهم.
وقاموا بالعشاء بهناء ثم طلبوا عصائر ومنهم قهوة وظلوا يتحدثون ويضحكون في سهرة جميلة لطيفة جداً.
حتى نهض كل منهم ليرقص مع الآخر على أغنية أجنبية.
وجلست مهرة بمفردها دمعت عينيها بقهر ثم نهضت بهدوء من أمامهم وحاولت الخروج إلى الشرفة لتشعر بمن يجذب يديها بقوة.
شهقت بخوف لتري نفسها في أحضان حسن الذي جاء للتو.
كان أنيقاً جميلاً جذب أنظارها لكنها شهقت قائلة:
=ح... حسن، أنت بتعمل إيه؟
=وحشتيني.
=سيبني يا حسن، خلاص مبقاش ينفع.
=لسه بتحبيني؟ لسه عايزاني؟
=سيبني يا حسن، أرجوك، مينفعش كدا.
=رُدي عليا يا مهرة.
قالت وعينيها ممتلئة بالدموع:
=مبقاش ينفع خلاص.
=طالما إحنا موجودين، ينفع. مش هسيب حُبنا يضيع هباءً.
=إنت اللي ضيعته يا حسن.
=وأنا اللي هرجعه يا مهرة.
ابتعدت عنه بقوة شديدة وهي تتراجع للخلف وتهز رأسها برفض شديد.
ولكن فجأة انقطعت الأنوار ودلف إلى المطعم رجال مسلحون يطلقون النار عليهم بقوة وأصوات كثيرة غير مفهومة.
أصابت الطلقة حسن وثريا، هما فقط من أصيبوا ثم رحلوا الرجال بسرعة وقوة.
ركض خلفهم باسل وياسين.
بينما صرخ فاروق وهو يحمل ثريا الغارقة في دمائها بين أحضانه.
صرخ وهي يبكي عليها:
=ثريا، لاء، ثريا فوقي.
ابتلعت ريقها بألم شديد وهي تمسك فاروق بقوة قائلة بدموع:
=متنسانيش يا فاروق. إوعى تنساني.
=لأ، ثريا فوقي، يا ثريا فوقي عشان خاطري.
بينما صرخت مهرة وهي تحتضن حسن الغارق في دمائه ولكن لا نفس ولا صوت.
فأخذ طلقتين ليست واحدة.
صرخت ببكاء وبصوت عالٍ وهي تحتضنه بقوة باكية صارخة لا تتوقف، ولكن يبدو أنه قبل أن ينفس أنفاسه الأخيرة مسك يديها ولم يتركها على الإطلاق.
تحول المكان لبركة من الدماء ليفقد اليوم شخصين عزيزين عليهم.
رواية جبروت صعيدي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سامية صابر
استندت مُهرة على الحائط بفستانها المُلطخ بالدماء، وكذلك يديها ووجهها شاحب شحوب الموتى. أن تتخيل أن يموت حبيبها وأن تعيش بدونه، فقط قتلها وهي حية. دموعها تهبط على وجنتيها وهي في عالم آخر، لا تتحرك ولا تتنفس. ما مرت به صعب على شخص واحد، ويوم لاقت الأمان فقدته مرة أخرى. لن تتحمل فقدان الشخص الذي كان لها كل شيء حقًا.
بينما على الجانب الآخر، يقف فاروق يضع رأسه بين يديه ودموعه تهبط، ولم يستطع إمساك نفسه إطلاقًا. زوجته ورفيقة دربه على وشك الموت.
خرج الطبيب الذي يُجري عملية ثريا ليركض باتجاهه فاروق وعطر وعهد.
قال فاروق بلهفة:
"مراتي يادكتور، مراتي عاملة إيه؟ علشان خاطري قولي."
رد الطبيب:
"اهدوا حضرتك، مراتكم الحمد لله جت سليمة، ودلوقتي هي كويسة بس نايمة من البنج شوية وهتفوق وتطمئنوا عليها، متقلقوش."
قالت مُهرة بألم شديد:
"وحسن... ح... حسن فين؟"
قال الطبيب:
"حضرتك أول ما الدكتور اللي بيعمله العملية يخرج هتعرفي كل حاجة. عن إذنكم."
تركهم الطبيب وخرج، لتعود مُهرة لصمتها وخوفها، في حين ظل فاروق يحمد ربه بفرحة وسعادة على أن زوجته وحبيبته عايشة.
***
دلف باسل برفقة أخيه ياسين قسم الشرطة بعدما أمسكوا برجلين وهرب الباقي منهم. أخذهم العساكر وجلسوا هم مع مدير الأمن الذي قال لهم بهدوء:
"متقلقوش، هفتح محضر دلوقتي وهحقق معاهم وهنعرف بالظبط مين وراء الموضوع ده. بس انتوا شاكين في حد معين؟"
قال ياسين:
"ممكن يكونوا من الشغل، معرفش والله، عقلي مش مجمع إطلاقًا للأسف. بس إزاي ييجوا ورانا في الرحلة؟ مش فاهم فعلًا."
قال باسل:
"أنا شاكك في فرغلي ابن عمي، احتمال كبير يكون هو وراء كل ده وبمساعدة العقربة الحرباية أخته."
قال ياسين:
"اهدوا يا باسل، إن بعد الظن إثم، منعرفش الحقيقة فين."
طلب مدير الأمن الرجال اللي أمسكهم باسل وياسين ليدخلوا عليهم في فوضى، وبدأ المدير في الحديث معهم واستجوابهم وهم ينكرون الموضوع من أصله. ولكن نهض ياسين يقف أمامهم بصرامة قائلاً:
"قولوا الحقيقة أحسن لكم لو خايفين على نفسكم، وأنا هنزل العقوبة لكم بس تقولوا مين خلاكم تعملوا كده."
نطق أحدهم بخوف:
"والله كنت عبد المأمور، أنا عندي عيال بجري عليهم، كان غصب عني يا بيه."
قال ياسين:
"ماشي، انطق بقى مين وزّكوا تعملوا كده؟ واشمعنى تيجوا لينا بلد غير بلدنا؟ وفوق كل ده ثريا وحسن بس اللي يتصابوا؟"
قال الرجل:
"صدقني يابيه معرفش والله ما أعرفهم. كل اللي أعرفه إنه راجل كبير ومعاه واحدة ست، وكمان جم اتفقوا معانا بس كانوا مخبيين وشهم ومش من هنا. دول من أسيوط كمان."
نهض باسل بسرعة ولهفة قائلاً:
"جالك كلامي؟ قولت لك هو العقربة الحية وأخوها. استنى كده."
أخرج صورة لفرغلي ووفاء ثم قربها من أعين الرجل قائلاً:
"فيهم شبه من دول؟"
بعد قليل من التدقيق قال الآخر:
"أيوا هما بالظبط نفس الطول والجسم والهيئة."
قال ياسين بصدمة:
"ولاد عمي! يعملوا فينا كده، أومال الغريب يعمل فينا إيه لما القريب عمل كده؟"
قال باسل:
"أحيانًا الطعنة بتيجي من الغريب قبل القريب. لازم نتصرف ونحول الموضوع لشرطة بلدنا."
قال ياسين:
"إحنا لازم نرجع يا باسل أنا وانت على الأقل... وبعدين نرجع ليهم تاني."
قال باسل:
"هنسيبهم في الأزمة دي؟"
قال ياسين:
"كلها ساعات بالعربية، يلا بينا."
***
جلس فاروق بجانب ثريا بصمت ودموع ينظر لها. لن يتحمل فقدانها إطلاقًا. قيمة الشخص لا نعرفها إلا عندما نشعر بفقدانه.
فتحت عينيها بألم شديد قائلة بصوت ضعيف:
"ف... فاروق..."
نطق بلهفة:
"عيون فاروق وقلبه، أنا هنا يا حبيبتي أنا هنا، فوقي يا قلبي فوقي."
قالت بإبتسامة:
"انت كويس؟"
قال:
"كويس لما شوفتك صحيتي، حاسة بإيه؟"
قالت:
"كويسة طول ما انت كويس."
قبل يديها بحب وسعادة ثم قال بدموع:
"كنت بموت من غيرك، فاهمة يعني إيه بموت؟"
قالت:
"بعد الشر عليك."
نهض برفق يضع وسادة خلف ظهرها كي تستطيع الجلوس بطريقة صحيحة. دلفت إليها عطر وعهد ومعهم يونس وميرا، الذي ركض إلى أمه يحتضنها ويبكي بحب قائلاً:
"حمد الله على سلامتك يا أمي."
ابتسمت ثريا براحة وهي تحمد ربها للمرة الثانية. اختبار من الله يبعدها عن العائلة ولكن يرجعها لهم لتعرف قيمتهم ويعرفوا قيمتها. ولم يخلُ الحديث من الضحك والهزار كي تتحسن حالتها قليلاً.
***
بينما في الخارج، ظلت مُهرة على حالها واقفة فيما يقارب الأربع ساعات لم تتحرك ولا تشتكي. حتى خرج الطبيب بتعب وألم لتركض إليه قائلة بلهفة:
"حسن حسن عامل إيه؟ دكتور طمني عليه."
كسى الدكتور وجهه أرضاً قائلاً بقهر:
"أستاذ حسن حالته صعبة جداً، نزف دم كتير أوي. الأربعة وعشرين ساعة اللي جايين في حياته مهمين جداً، ادعي ربنا يعديها على خير."
قالت مُهرة:
"أنا... أنا عايزة أشوفه، أرجوك علشان خاطري لازم أشوفه، مش هطول والله."
قال الطبيب:
"اتعقمي وادخليله."
ركضت لتتعقم ثم دلفت إليه وهي ترتدي ملابس كالطبيب. اقترب منها وهي تكتم شهقاتها ودموعها. جلست بجانبه وهي تبكي برعشة وخوف قائلة:
"ح... حسن... فوق يا حسن... قوم واتكلم وزعق فيا زي الأول، اتحكم فيا بقوتك وجبروتك، بص لي وكلمني... قول لي توبة أحبك... ارجع علشان خاطري وأنا كمان هرجع لك. مش هسيبك، مش هسمح لحاجة تفرقنا مرة تانية، مش هسمح نهائي يا حسن."
ظلت تبكي وهي تتأمله، ليعلن جهاز القلب صوتًا معلنًا توقف القلب نهائيًا. صرخت بأعلى ما فيها:
"حسسسسسن..."
***
ظل فرغلي قلق ومعه وفاء التي قالت بغضب:
"هو محدش اتصل بيك ليه؟ عايزة أعرف حصل إيه، ماتوا وخلصنا منهم ولا لأ، الله!!"
قال فرغلي:
"مش عارف، ما اتصلوش. داهية يكون حسن كشفهم وعرف يسيطر على الوضع."
قالت وفاء:
"ربنا يستر يا رب."
رن الهاتف ليركض إليه يجيب قائلاً بلهفة:
"أيوا، عملت إيه؟"
جاء الصوت:
"كله تمام، حسن وثريا اتصابوا وزمانهم ماتوا... بس انت لازم تختفي عن الأنظار شوية لأن فيه رجالة مننا اتفقوا، هما ما يعرفوش انت مين بس برضه للأمان."
قال فرغلي:
"خلاص ماشي، ولو حصل حاجة تانية كلمني."
أغلق الهاتف ثم قال لوفاء براحة:
"خلاص يا وفاء متخافيش، كله بقى تمام الحمد لله، اتصابوا وزمانهم ماتوا وخلاص. قومي خلينا نخرج علشان نبقى في العزبة ومفيش أي حاجة علينا."
قالت وفاء:
"يلا."
نهضوا برفق ثم جاءوا ليخرجوا اصطدموا برجال الشرطة وياسين وباسل. نطق باسل لوفاء بغضب:
"على فين يا حرباية؟ على الصحراء المكان اللي انتي منه؟"
توترت وفاء بقلق ونظرت إلى فرغلي الذي قال بارتباك:
"جرى إيه فيه إيه مالكم يا ولاد عمي؟ إيه جابكم من السفر؟"
قال ياسين بتنهيدة:
"صحيح مكوناش قريبين من بعض بس زعلت إن حد منا عمل كده. وده عقابكم يا ولاد عمي."
أخذتهم الشرطة تحت صراخهم وحديثهم الذي لا ينتهي. فقال باسل بتنهيدة:
"أدينا خلصنا منهم، يلا نرجع بقى، مش هينفع نسيبهم أكتر من كده."
قال ياسين:
"يلا يا باسل."
***
في الأوتيل، قال يونس بحيرة لعمران:
"هما العيال مجوش لحد دلوقتي ليه؟"
قال عمران:
"والله يا حاج مش عارف، مش معقول ده كله سهر برا، ده أنا عمال برن عليهم مفيش أي رد."
قالت فتحية بقلق:
"أنا خايفة وقلبي واكلني عليهم، داهية ميكونش فيه مصيبة أو حاجة حصلت لهم. استرها يارب."
قال عمران:
"متقلقيش يا أم فاروق، هحاول أرن على عطر بنتي تاني يمكن ترد أو عهد أو حتى مُهرة."
بالفعل اتصل بعهد التي أجابت عليه فقال لها:
"انتوا فين يا بنتي؟"
روت له عهد كل شيء لينفزع الجميع وذهبوا إلى المستشفى.
***
قام الأطباء بإنعاش قلب حسن مرة أخرى بالجهاز حتى عاد بنبض ولكن بضعف. ليخرج بعدها الأطباء ثم قال الطبيب ل مُهرة:
"لو سمحتي اخرجي، مش هينفع تفضلي هنا."
خرجت وهي تبكي بقهر ثم استندت على زجاج غرفته وهي تنظر له بخوف وتوتر وتبكي.
الفكرة تكمن في أننا نعيش نكابر ونبعد ونعاند ولا نلاحظ أن هذا الشخص غدًا ربما لا يكون معك، حينها ستندم على الوقت الذي أضعته في عدم قضاء الوقت معه. يجب أن نترك الخلافات ونستمتع بقرب بعض، فلن نعيش إلا مرة واحدة ولن نراهم إذا رحلوا. مهما تعذبنا وبكينا لن يرجع هذا الشخص! لذلك استغل فرصتك في قضاء وقتك مع من تحب، ربما يرحل غدًا أو أنت الذي ترحل.
***
مر يومان، أصعب يومان على العائلة كلها، خصوصًا بسبب حسن الذي ما زال في غيبوبة لم يفق منها لأن الطلقة كانت قريبة من القلب بقوة شديدة. ماهي إلا قليل وكانت ستضر به. ولكن تعافت ثريا بطريقة جيدة وهذا الشيء الجيد الذي هون على الجميع.
في تمام الساعة السادسة، كانت مُهرة نائمة بجانب حسن من الإرهاق. ليفيق هو حينها ببطء وينظر حوله حتى رأى تلك الصغيرة. ليبتسم برفق ثم قرب يديه من رأسها يُملس عليها برفق وحنان قائلاً بصوت دافئ جدًا:
"مُهرتيَ..."
فتحت عينيها بصدمة ألجمتها، ثم التفتت له لتصطدم بأنه فاق. قالت بدهشة:
"ح... حسن! انت انت فقت.. انت انت عايش.."
ركضت إليه تحتضنه ليصرخ من الألم قائلاً بكوميديا:
"أنا هموت تاني أحسن."
ابتعدت عنه وهي تبكي قائلة بأسف:
"أنا آسفة آسفة مش هعمل كده تاني بس بس فرحانة انت عايش مموتش."
قال حسن:
"مموتش أنا، أيوا مموتش."
قالت مُهرة بغضب:
"انت بتهزر وتضحك وأنا هنا بعيط عشانك وهموت بسببك!"
جذب يديها لتقترب منه قائلاً بحب:
"طلعتي ميتة في دباديبى بقا...!!"
نظرت لأسفل بخجل ثم قالت بدموع:
"أنا كنت حاسة إني يتيمة ووحيدة وانت مش هنا، كنت هموت لمجرد التخيل بإنك ممكن تسيبني وترحل."
قال حسن:
"أنا يستحيل أسيبك يا مُهرة، يستحيل."
أمسك يديها يُقرّبها من شفتيه يُقبّلهما بعشق. ليدق الباب فتبتعد عنه فورًا وتدلف فتحية لتصطدم بأن ابنها فاق.
"حسن يا ابني حسن... حسن فاق!"
صرخت تنادي للجميع الذي دلفوا غرفة حسن وانقلب تعاسة الجميع إلى سعادة وفرحة شديدة. وظل الجميع بجانبه في فرحة ولم تخلُ الأحاديث من الضحك والسعادة.
قال الحاج يونس بهدوء:
"أنا شايف كفاية غربة يا ولاد ونرجع بلدنا بقى."
نطق عمران بهدوء:
"أنا شايف كده برضه، خصوصًا إني فيه عريس عايز يقابلني علشان خاطر بنتي."
نطق باسل وحسن الاثنين معًا بصرامة:
"بنتك مين..؟!"
قال عمران:
"بنتي مُهرة."
قال حسن وقد أظلمت عيناه بنار الغيرة:
"مُهرة! مُهرة متجوزة يا عمي. متجوزاني أنا. صحيح انفصلنا بس أنا هرجع ليها."
قال عمران:
"أنا آسف يا حسن يا ابني بس كفاية اللي حصل بينك وبين بنتي لحد كده، هشوف لها حد بيحبها ويقدرها ويفهمها."
كاد حسن أن يتكلم بغضب ولكن جذب عمران يد بنته مُهرة التي غابت عن الواقع وأخذها للخارج. فقال حسن بغضب:
"هو اتجنن إزاي يعمل كده؟ أنا هقلب الدنيا، مُهرة ليا مش لحد تاني."
نطق يونس بهدوء:
"اهدوا يا حسن يا ابني لحد ما نرجع للبيت ويحلها ربنا من عنده إن شاء الله."
***
تعافى حسن وخرج من المستشفى وعادوا جميعاً إلى أسيوط مرة أخرى تحت صرامة وإصرار عمران على زواج مُهرة من آخر وهي ترفض وحسن يرفض ولا تنتهي الخلافات إطلاقًا بينهم.
بعد راحة طوال اليوم، في المساء، خرج حسن إلى أبيه يونس قائلاً بضيق:
"أنا رايح لعم عمران لازم أحط النقط على الحروف، مش هينفع كده."
قال يونس:
"يا حسن يا ابني اهدي مش كده."
قال حسن:
"أهدي إزاي وهما هيجوزوا مراتي لحد تاني؟ يستحيل أهدي!"
خرج بغضب شديد من المنزل والجميع يضحك عليه وعلى غيرته القوية والشديدة. في حين في منزل عمران جلست مُهرة مع والدها في الصالون قائلة بعصبية:
"يابابا انت ليه بتجبرني على حاجة مش عايزها؟"
قال عمران:
"أنا جبرتك على حسن ووافقتي عليه، اشمعنى دا؟"
قالت مُهرة:
"علشان دلوقتي بحب حسن ومش عايزة غيره خالص."
قال عمران:
"اطلقتي منه ليه طالما عايزاه؟"
قالت مُهرة:
"ي بابا سوء تفاهم... و..."
قال عمران:
"شش، اقفلي على الكلام ده، أنا قررت وخلاص."
وقف حسن عند باب الصالون وهو يشاهد حديثهم بنار تغلي في قلبه. فقال عمران وهو يشير خلف مُهرة:
"هتتجوزي الشاب ده يعني هتتجوزي الشاب ده."
نظرت خلفها بلهفة لتري حسن يقف. فنظر حسن خلفه ولم يرى أحد. نظر للأمام مرة أخرى وتفهم الأمر أنه يقصد عليه. ضحك بشدة وسعادة لتضحك هي الأخرى بعدم تصديق.
في حين جاءت العائلة كلها وخرج الجميع. فقال عمران وهو يضحك:
"كل حاجة كانت خطة مننا نرجعكم لبعض ونخليكم تحسوا بقيمة بعض وأد إيه انتوا بتحبوا بعض. وحكاية ضرب حسن بالنار جت بفائدة. يا ولاد الحب مش بنلاقيه في الشارع، ده حاجة قيمة واللي محظوظ بس هيلاقيه. اعرفوا قيمة بعض شوية وحلوا مشاكلكم من غير عصبية وخناق."
"اسمع وافهم يا حسن الأول وبعدين احكم. وانتِ يا مُهرة مش كل حاجة طلاق طلاق يا بنتي، لازم تبقي راسية، لأن الطلاق مش بالساهل."
قال حسن بهدوء:
"عندك حق يا عمي، اديني اتعلمت وفهمت إني ماليش غير مُهرة."
قبل يديها بحب وابتسمت هي بخجل. فقال يونس بهدوء:
"يبقى بكرة نكتب كتب الكتاب ليكم سوا. ومع كتب الكتاب بقترح حاجة تانية، كانت طلبتها منك أنا وباسل يا عمران."
قال عمران وهو يضحك:
"أنا عن نفسي موافق، المهم رأي عهد."
نظرت لهم عهد بحرج وقالت بارتباك:
"احم، اللي تشوفه يا بابا."
قال عمران:
"يبقى على بركة الله بكرة خطوبة باسل وعهد وكتب كتاب حسن ومُهرة. للمرة التانية بس المرة دي الصح."
ابتسم الجميع في سعادة وراحة. ونظرت عهد إلى باسل الذي غمز لها بعشق فابتسمت هي بسعادة.
رواية جبروت صعيدي الفصل العشرون 20 - بقلم سامية صابر
تمَّ كتب كتابة حسن ومُهرة مرة أُخري، وخطوبة باسل وعهد أيضًا واتفقوا على الزواج بعد عيدِ الفطر المُبارك.
مر شهر رمضان عليهم في العبادة والسعادة والفرحة بينهم وبين بعضهم البعض والعائلة تماسكت اكتر، انتهت المشاكل الا القليل منها، وأحبوا بعضهم البعض كثيرًا وعلم كٌل واحد منهم اهمية الاخر.
وكان الخبر المفرح للجميع أن مهرة تحمل في احشائها طفل فقد عوضها الله واخيرا.
خرج الحاج يونس مع ابنائه ومعهم عمران والطفل يونس من صلاة العيد.
قال يونس بإبتسامة:
=لمة سعيدة عليكم يا ولادي وان شاء الله تبقي سنة خير علينا والسنة الجاية مع بعض دايماً ومتجمعين.
نطقوا جميعاً:
=ويخليك لينا يارب.
ذهبوا الى المنزل ليجدوا النساء أقاموا الغداء.
اتجه الحاج يونس يقبل زوجته بحب وحنان قائلا:
=يديمك ليا يا أم العيال ودايما جنبي وسندي وحبيبتي.
قال باسل بشقاوة:
=ايوا يا يونس يا شقي ايوا.
ضحكوا جميعا بخفة لتحتضن هي زوجها بحب ف اخرج جزء من المال وقال لها:
=عديتك.
=انت عيدي يا حاج.
نطق باسل:
=ياا على الرومانسية والحلاوة.
بينما ذهب فاروق الي المطبخ ليري ثريا واقفة تعد الطعام كالعادة.
قبل جبينها بحب قائلا:
=ثريا حبيبتي.
=فاروق انتوا جيتوا طيب كويس انا خلصت.
=ششش.. سيبي كل حاجة من ايدك النهاردة انتِ ليا وبس فاهمة يعني ايه ليا وبس.
=بس.
=مبسش، كُل عيد وانتِ عيدي. كُل عيد وانتِ مراتي وحبيبتي وانا مفترقش عنك ابدا وان كُنت زعلتك سامحيني. وان كان افترقنا ف دا فادني اني عرفت قيمتك مش في الحياة العملية وفي قلبي انا كنت بموت من غير يا مراتى يا أغلى ما فى حياتي اصلا.
=وانت كمان كل حاجة ليا. كنت بموت من غيرك يا فاروق. بس حبك فى قلبي مقلش ولا ثانية اصلا.
=يا سلام قلبي يا جماعة الحقوه. بقولك ايه تعالى هستفرد بيكي شوية.
=فاااروق.
حملها ولم يستمع الى منادتها وهي تضحك بخفة ويديها حاوطت عنقه واستلسمت له فهو زوجها وحبيبها في النهاية.
بينما فى الخارج، قبل ياسين يد عطر بعشق شديد قائلا:
=كٌل عيد وانتِ عيدي وكُل حياتي. انا مبسوط وممنون انك شريكتي وحبيبتي في الحياة يا عطر حياتي.
=صدَّقني انا كمان مبسوطة بيك يا ياسين. انتَ المكافأة اللى جت بعد الصبر لسنين طويلة أوي. ربنا يديمك ليا ولقلبي.
بينما أعطي الطفل يونس وردة الى ميرا قائلا بحب:
=الوردة دي مني ليكِ.
=انا بحب الورد يا يونس.
=طبيعي تحبي أولادك. ما انتِ وردة زيهم وأجمل وردة. هفضل أجيب ليكِ ورد حتي لما نكبر ونتجوز وتبقي بتاعتي بتاعتي وبس.
نظر لهم باسل بصدمة قائلا:
=دا كله بيحب ! اشمعنا انا؟!. عهد حبيبتي.
=أخرس يا باسل.
=دا حتي يونس بيحب وانتِ مش مدياني ريق حلو. انا اتعذبت بقا حبيب البنات اتعذب كدا.
=أحسن احترم نفسك بقا وأسكت.
=حاضر.
=باسل.
=ايوا كدا كُنت عارف اني مش ههون عليكِ.
=تعالى نروح ناكل عقبال ما يخلصوا فقرة الحب بتاعتهم.
=ناكل! ومالوا الاكل حلو برضك أهو اي حاجة.
ابتسمت خفية على تعذيبه لكن بداخلها فهي أحبت ذالك الفلاتي.
بينما في الخارج، كانت مهرة تسقي الورد وهي تبتسم بخفة.
حاوط خصرها من الخلف لتلتف اليه وتحاوط بيديها عنقه قائلة:
=حسن.
=كُل ما بتنطقي إسمي من شفايفك الحلوين دُول، بفتكر جملة "سيظل اسمك عادياً حتّى تَجد من يلفُظه بطريقة تجعلك تظن أنّك وَحدك من سُمِّي بهذا الإسم.". أهو انتِ اللى خلتيني أعشق اسمي.
=وإنت خلتني أعشق الحياة، وأعيش من تاني. إنت النفس اللى ربنا إدهولي علشان أبدء حياة جديدة وصح.
=انتِ الشخص اللى كسر جبروت صعيدي محدش يقدِر بكسره. كسرتي شخص مكنش بيقدر يعمل حاجة غير الزعيق والضرب. معاكِ بقي شخص أقل.
أقترب من أذنها قائلا:
=أحبّك فوق ما وسعَت ضُلوعيو فوق مدى يديَّ و بُلوغ ظنّي.
فجأةً ركضت بعيد عنهُ ليركض خلفها بحب يزغزغها، ثم ناما على النجيلة كعادتهم لترمقه بنظرة عاشقة تقول في نفسها:
بعد الكره حب، بعد المستحيل ممكن، بعد الحرمان شبع، بعد الصبر راحة ومكافئة كبيرة من الله عزوجل. اتغيرت حياتي وهبقي أم قريب وشخص مهم. لاقيت شخص بحبه. تفتكروا دي النهاية؟ لاء.. دي بداية قصة وحياة جديدة مع عائلتي.
قال حسن بعشق وهمس:
=تيجي نسيب اهلنا واقولك كلمة سر؟
=انت مش بتزهق يا حسن؟
=آخر مرة. توبة توبة إن كُنت احِبك تاني توبة. توبة لو كنت اشتاقلك تاني. توبة.
بعد مرور يومين، كان زفاف عهد وباسل.
دلفوا الى القاعة مُتأنقيَّنْ في أيدي بعضهم في سعادة وفرحة وخلفهم الجميع.
قاموا بالرقص معاً على الساحة ليل يقول لها كلام رومانسي وهي تتريق عليه وما بين شد وجذب حكايتهم كانت.
وقفت عطر ترقص مع زوجها وحبيبها الذي حصلت عليه بعد التعب والارهاق الذي رآته في حياتها الاولي. الله عوضها عوض الله كبير والله دومًا مع الصابرين ولكن إذا صبروا.
وفاروق وثريا معاً وهم يضحكون في راحة وسعادة. لا يوجد فى حياتهم شيء مقرف أو مُتعِب أو أحد يفرق بينهم على الإطلاق.
ووقفت الطفلة ميرا ترقص مع يونس وهي تبتسم بخفة وهو يحتويها بذراعه بتملك وعشق.
بينما وقفت مُهرة بين يديَّ حسن في رومانسية بين بعضهم البعض. الحكاية اكتملت وكُل شخص مع الاخر ولا يوجد نقص.
جاء المصور وطلب منه باسل تصويرهم جميعاً. جلست فتحية على كرسي بجانب يونس وحولهم الجميع كل شخص مع معشوقته يحتويها بتملُك. ليهمس حسن بأذن مهرة:
=صغيِرة قضت على جبروت صعيدي. لتجعله عاشق لها بكُل حواسه.
التقط المصور الصورة لهم جميعاً، لتنتهى روايتنا مع أبطالنا الذي يعيشون في سعادة وراحة.