تحميل رواية «جبروت في قلب صعيدي» PDF
بقلم نور الشامي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في قرية نائية من قرى الصعيد، حيث تمتد الأرض برمالها الصلبة وتتمايل النخيل تحت شمس لا تعرف الرحمة، وقف الزمن لحظة في دارٍ عتيقة تحكي جدرانها حكايات الصبر. هناك، وفي قلب الدار، وقفت سحابة بثوبها الأسود الفضفاض وعيناها شاخصتان نحو الطريق الطويل الذي يتعرج بين الحقول. كانت تنتظر منذ ست، تسع سنوات وهي على ذات الحال، لا تغادر فناء الدار إلا قليلاً، ولا تنام إلا على أمل، ولا تستيقظ إلا على خيبة. بعد زواجٍ لم يدم سوى أسبوعين، شد أسد رحاله إلى بلاد بعيدة حالماً بأن يصنع لهما مستقبلاً لا يشبه بؤس البدايات...
رواية جبروت في قلب صعيدي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نور الشامي
كانت خطوات أسد تتسارع وهو يحمل فارس بين ذراعيه، بينما تركض سحابة خلفه والدموع لا تتوقف من عينيها. وصلوا إلى أبواب المستشفى، فصرخت برجاء وهي تلهث:
"الحقونا بالله عليكم… ابني مش جادر يتنفس."
هرع الطبيب والممرضون إليهم وتناولوا الطفل من بين يديه بسرعة. بينما ظل أسد واقفًا في مكانه يراقب المشهد كأن قلبه يُنتزع. فقال الطبيب وهو يمد يده لطمأنته:
"اطمن… هندخله فورا… إن شاء الله خير. حالته مبدئيًا مستقرة بس محتاج متابعة دقيقة."
كانت سحابة تتحرك خلف الفريق الطبي تحاول اللحاق بابنها، لكن يدًا قوية أمسكت بها من الخلف. فالتفتت ووجدت عيني أسد تطلان عليها بنظرة ممتلئة بالأسى والحيرة، تلك النظرة التي لم تغب عن ذاكرتها يومًا. وشدها إليه فجأة وصوته خرج خافتًا مبحوحًا من فرط الألم:
"كنتي فين؟… كل السنين دي كنتي فين يا سحابة؟"
تجمدت الكلمات على شفتيها وارتجفت عيناها من شدة التوتر. لم تكن تتوقع سؤاله ولا هذا القرب، لكنه لم يمنحها فرصة للهرب، بل ضمها إلى صدره بقوة كأنما وجد وطنه الضائع مرددًا:
"أنا دورت عليكي في كل مكان… كل يوم أصحى وأجول يمكن ألاجيكي… كنتي وحشانى… وحشانى جوي والله."
أغمضت سحابة عينيها بشدة تحاول أن تحبس دموعها المتدفقة، أن تخفي ضعفها، أن تقاوم هذا الحضن الذي طالما اشتاقت إليه. لكنها تمالكت نفسها وابتعدت عنه بهدوء وهمست بصوت مخنوق:
"مينفعش اكده يا أسد… إحنا خلاص مطلطين… وكل واحد بجي في حاله."
تغيرت ملامحه فجأة ونظر إليها بعينين تمتلئان بالخذلان وهتف:
"انتي ال اجبرتيني أطلجك… وأنا عمري ما بطلت أحبك."
وقبل أن تنطق بكلمة، انفتح باب الطوارئ وخرج الطبيب بخطوات سريعة ونبرة مطمئنة:
"الحمد لله… الطفل حالته اتحسنت… بجا مستقر ودلوجتي يجدر يشوفكم."
اندفعت سحابة نحو الغرفة تسبقها دقات قلبها ولهفتها. ولم تكن تدري هل تركض نحو ابنها أم نحو ذكرياتها القديمة التي كانت تظن أنها دفنتها إلى الأبد.
وبعد فترة قصيرة، كانت الغرفة تغمرها رائحة المطهرات وهدوء ثقيل يخيم على الأرجاء. ووحدها أنفاس فارس الصغيرة كانت تقطع الصمت من حين لآخر. حيث وقفت سحابة إلى جوار سريره وعيناها متعلقة بالباب وكأنها تنتظر شيئًا ما… أو أحدًا.
وفجأة انفتح الباب ببطء ودخل شاب في أواخر العشرينات، ملامحه هادئة وخطاه واثقة. ولم تمضِ ثوانٍ حتى لمعت عينا فارس وصرخ بفرح خالص وهو يركض نحوه:
"باباااا!!"
ارتمى الطفل في حضن الرجل الذي احتواه بين ذراعيه، بينما تجمد أسد في مكانه وقد شلت ملامحه وعينيه تتأملان المشهد كأن الزمن توقف. فرمقته سحابة بنظرة متوترة وتقدمت خطوتين ثم قالت بصوت خافت وهي تشير إلى الرجل:
"أحب أعرفك… ده جوزي آدم."
لم يتغير تعبير وجه أسد، لكنه أومأ برأسه ببطء وصوته خرج خافتًا، مكسورًا:
"آه… أهلا وسهلا… بعد إذنكم."
ثم استدار وخرج من الغرفة بخطوات بطيئة وكأن كل خلية في جسده تئن من الداخل. لم يتكلم ولم يلتفت، فقط أغلق الباب خلفه بصمت… وترك خلفه قلبًا يتصدع.
وفجأة شعر أسد بدوار شديد وبدأ كل شيء يدور من حوله وقدماه لم تعودا قادرتين على حمل جسده المثقل. وعيناه بدأت يظهر بها غشاوة ثقيلة. وقبل أن يسقط أرضًا، امتدت ذراع سريعة لتسنده بقوة مرددة:
"أسد… مالك… في إي عاد.. انت كويس؟"
رفع أسد عينيه بصعوبة ليجد ريم أمامه تمسك به ووجهها يحمل ملامح القلق الحقيقية. فتسمرت نظرته عليها كأنما لم يصدق عينيه وخرج صوته متحشرجًا:
"انتي؟… انتي إي ال جايبك اهنيه؟"
أجابته ريم بنبرة هادئة وهي لا تزال تمسك بذراعه:
"جايه مع بابا… عنده فحوصات اهنيه وجيت أخده واطمن عليه… بس انت؟… إي ال جابك؟"
أبعد أسد يدها عنه فورًا وحاول أن يستعيد توازنه وقال بجفاف:
"كويس… أنا تمام."
نظرت إليه ريم ثم قالت بإصرار:
"لع انت مش تمام… شكلك تعبان جوي… تعالى أوصلك للعربية."
هز أسد رأسه بسرعة كأنه يهرب من شيء ما بداخله مردفًا:
"لع… أنا كويس. شكرا… خلي بالك من نغسك سلام."
أنهى أسد حديثه ثم استدار ليكمل طريقه وخطواته متثاقلة، لكنه كان يرفض أن يظهر ضعفه أمامها. فوقفت ريم في مكانها للحظات تحدق فيه وهو يبتعد عنها. ثم أخرجت هاتفها بسرعة واتصلت بأحدهم وصوتها خرج مضطربًا بعض الشيء مرددة:
"اسد تعبان… خليك معاه هو لوحده ومش طايج نفسه… خليك جمبه متسيبهوش."
أكملت ريم حديثها ثم أغلقت الخط ونظراتها لا تزال معلقة على ظهره وهو يبتعد. ظهر رجلاً يسير كأنه يحمل جبالًا فوق كتفيه، وحده تمامًا.
وفي عمق الليل، كانت الرياح تعصف بين شواهد القبور تحمل معها أوراقًا جافة وصمتًا ثقيلًا يطبق على المكان. والسماء كانت ملبدة بالغيوم والقمر يحاول أن يشق طريقه بينها.
وفي ركن مظلم من المقبرة، وقفت ملك بجوار جهاد تلف جسدها بذراعيها تتلفت حولها بقلق واضح. بينما كانت جهاد تنظر أمامها بثبات تحمل كيساً صغيراً بين يديها وتفتحه بحذر.
فهمست ملك وهي تحاول أن تخفي ارتجاف صوتها:
"جهاد… أنا مش مقتنعة بال هنعمله ده… والله حرام… إحنا جينا لحد المقابر بالليل… اكده مش طبيعي… ولا حتى منطقي."
ردت جهاد ببرود وهي تخرج علبة صغيرة أشبه بعلبة البخور:
"ده الحل الوحيد يا ملك… انتي عايزة ترجعي فهد ليكي ولا تفضلي جاعدة بتعيطي عليه… لازم نربطه بيكي بأي طريجه."
تنهدت ملك بنفاذ صبر وهتفت:
"أربطه…. أروح رايحه عملاله عمل…. طب وافرضي حوصله حاجه؟ افترضي حاجة وحشة حوصلت بسببي… هعمل اي دلوجت بجا ان شاء الله."
نظرت جهاد لها بنفاذ صبر واقتربت منها بخطوة مردفة:
"بصي… هو مش هيموت يعني.. ده شغل مضمون ومجرب… كل ال عليكي إنك تحطي ده…"
وأخرجت جهاد كيساً صغيراً به مسحوق رمادي ثم أكملت:
"تحطيه ليه في الجهوة… مش هيتأذى بس هيبدأ يحس إن مفيش في الدنيا غيرك."
تراجعت ملك خطوة إلى الوراء ما بين الخوف والفضول وتمتمت:
"أنا… مش عارفة… جلبي مش مطمن."
وضعت جهاد يدها على كتفها وقالت بنبرة خادعة فيها بعض الحنان:
"بصيلي يا ملك… انتي بتحبيه صوح.. انا متاكده انك بتحبيه."
ردت جهاد بلهفة:
"يبجى لازم تعملي اكده… الحب لو محاربتيش عليه… حد تاني هياخده منك… فهد بيروح وبيجي بس لو حد تاني سكن جلبه… ساعتها هتبجي خسرتيه للأبد."
سادت لحظة صمت بينهما ثم مدت جهاد يدها بالكيس نحوها وهمست:
"خديه… وحطي منه معلقة صغيرة بس في فنجان الجهوة … وساعتها هتشوفي بنفسك."
ترددت ملك ثم ببطء مدت يديها وأخذت الكيس بأنامل مرتعشة وعيناها لا تزالان تراقبان المقابر من حولها وكأنها تنتظر شيئًا يخرج من تحت الأرض ليحذرها.
وبعد فترة، في شقة أنيقة وهادئة، جلست سحابة على الأريكة وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة ويدها في يد ريم التي كانت تجلس بجانبها تحتضنها بحنان. والدموع كانت تتساقط بغزارة من عيني سحابة تعبيرًا عن ألم مختلط بالأمل.
فنظرت ريم إليها بعطف وحاولت أن تواسيها مرددة:
"يا سحابة أنا عارفة قد إي الموضوع صعب عليكي بس صدجيني أنا هفضل جمبك طول الوجت."
تنهدت سحابة بحزن ورددت:
"والله يا ريم واحشني جووي…. مكنتش مصدجة إني شفته بعد كل ال فات… حتى لو كان حاجة بسيطة… وجوده جمبي خلاني أحس بسلام محسيتوش من زمان."
ابتسمت ريم وأمسكت يدها بحنان وهتفت:
"أنا ساعدتك يا سحابة مش بس علشان أنتي اتظلمتي… لكن كمان علشان تتاكدي إني مجتلتش فارس… بس ال بيوحصل دلوجتي غلط وحرام والله."
نظرت سحابة إليها بعينين شاكرين مرددة:
"لما عرفتي إن أسد معايا جبت واحد يعمل دور جوزي وأبو فارس… شكرا انك معايا دايما."
ضحكت ريم بصوت مرتفع مرددة:
"أيوة و فارس ولد شاطر… أنا وريته صورة آدم قبل ما يشوفه وجولتله أول ما تشوفه جول عليه بابا علطول و الولد ده فعلا ذكي طالع لأبوه في كل حاجة."
ابتسمت سحابة رغم دموعها وهي تتحدث:
"ربنا يخليكي يا ريم… والله ما كنت أتصور إنك هتوجفي جمبي اكده."
همست ريم بصدق:
"أسد لسه بيحبك يا سحابة… مهما حوصل… لسه مش جادر ينساكي والله وبيحبك جوي."
عاودت سحابة البكاء وقالت بمرارة:
"الحب مش كل حاجة يا ريم… أنا مش مستعدة أخسر ابني التاني زي ما خسرت الأول. مش عايزة ألم تاني ومش عايزة أعيش اكده مره تانيه…. لازم نفضل بعيد عن بعض دا الحل الوحيد اللي ممكن يحفظلي نفسي وفارس."
وقفت ريم ببطء وأمسكت بيد سحابة بشدة وقالت:
"يمكن فعلا لازم تكونوا بعيدين دلوجتي بس متيأسيش من الوجت…. يمكن الأيام تجمعكم تاني لما الظروف تكون أفضل."
نظرت سحابة إليها وأومأت بحزن ثم استندت على كتف ريم وأغمضت عينيها مستسلمة لبعض الراحة التي جلبتها تلك اللحظة بين صديقتها.
بعد فترة، كان فهد جالساً مع أسد في غرفته حيث بدا منهاراً تماماً وهو ينظر إلى الأرض وكلماته تخرج بصعوبة:
"مش جادر أنسى سحابة… اتجوزت وعاشت حياتها وخلفت كمان… وأنا لسه عايش في دوامة مش جادر أعيش حياتي طبيعي."
ربت فهد على كتفيه مردداً:
"كل حاجة هتتحسن مع الوجت والله يا اسد وأنا معاك، ومش هسيبك اهه وخلاص يا اسد.. مدام شافت حياتها ربنا معاها هي اتظلمت كتير جوي."
في تلك اللحظة، دخلت ابنته أسد وعيناها مليئتان بالقلق واقتربت من أبيها بسرعة ووقفت أمامه ثم احتضنته بقوة وهمست له بصوت طفولي حنون:
"بابا مالك ليه اكده… انت زعلان متزعلش."
ابتسم أسد وهو يمسك بها واحتضنها بحنان مردداً:
"مش زعلان يا جلبي… طول ما أنتي معايا مستحيل ازعل."
ابتسمت الفتاة بخجل وشعر أسد ببعض الراحة يتسلل إلى قلبه.
وفي صباح يوم جديد، كان يقف فهد أمام باب غرفة ابنته بهدوء وأخذ نفساً عميقاً قبل أن يفتح الباب ويدخل بهدوء ليوقظها. لكن ما إن دخل حتى صدم بشدة… كانت ابنته نائمة بعمق غير طبيعي لا تستجيب لأي صوت أو حركة.
فاقترب منها وردد بقلق:
"يا حبيبتي… جومي يا روحي… يلا يا حبيبتي انتي اي ال منيمك لحد دلوجتي."
حاول فهد يهزها بلطف لكنه لم يحصل على أي رد وقلبه بدأ يدق بسرعة والهلع بدأ يتسلل إليه حتى انصدم عندما وجدها بلا حراك ولا تتنفس. فصرخ بفزع.
وفي الطرف الآخر من المدينة، كانت سحابة تركض في أرجاء الشقة وصرخاتها تملأ المكان وهي تدور حول نفسها تبحث عن فارس طفلها الغالي بين الغرف والدهاليز مرددة بتوتر:
"فارس!… يا حبيبي… انت فين يا جلبي."
قفزت سحابة على الكراسي وفتشت في كل زاوية لكن لا أثر له والذعر يزداد في عينيها. وفجأة دخلت ريم الشقة بسرعة ووجهها مليء بالفزع وقالت بصرخة:
"سحابة…. فارس اتخطف."
رواية جبروت في قلب صعيدي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نور الشامي
وقف فهد بجوار الطبيب داخل الغرفة ويده ترتجف وهو يطالع وجه ابنته الباهت. كان أسد واقفًا خلفه بصمت، وعيناه معلقتان بجسد الطفلة النائمة. القلق يكسو ملامح الجميع. عدد من أفراد العائلة كانوا يقفون في الخلف في حالة ترقب مشدودة الأعصاب.
حتى قطع الطبيب الصمت بنبرة مطمئنة وهو ينظر إلى فهد مرددًا:
الحمد لله… البنت كانت عندها أعراض تسمم خفيف بسبب حاجة شربتها… عملنا ليها غسيل معدة واستجابت كويس وهتفوق دلوجتي حالا… متخافوش.
تنهد فهد براحة وكأن روحه رجعت لجسده. مد يده بسرعة يصافح الطبيب وهو يتمتم:
شكرا يا حكيم… ربنا يبارك لك يارب.. الحمد لله.
أومأ الطبيب بهدوء ثم خرج من الغرفة، تاركًا وراءه جوًا مشحونًا بالترقب. مرت ثوانٍ قليلة قبل أن تفتح الطفلة عينيها ببطء. تتجول نظراتها البريئة بين الوجوه القلقة المحيطة بها وكأنها تبحث عن الأمان.
في تلك اللحظة انهار فهد من الداخل وسقط على ركبتيه إلى جوارها يضمها إلى صدره بقوة مرددًا:
حمد الله على السلامة يا روحي… جلبي كان هيوجف من الخوف عليكي والله.
همس بها وهو يحتضنها بشدة وكأنه يحاول أن يعيد الحياة إليها بأنفاسه المرتجفة. الدموع تملأ عينيه دون أن يطرف له جفن.
اقترب أسد منها وربت على رأسها بحنان بالغ ثم سألها بصوت منخفض مليء بالقلق:
انتي أكلتي إي يا حبيبتي؟ اي ال حوصل ك بالظبط مش جولنا مينفعش تاكلي حاجه غلط.
هزت الصغيرة رأسها نافية وأجابت ببراءة غافلة عن ثقل كلماتها وهتفت:
مأكلتش حاجة يا عمو… أنا بس شربت عصير من طنط ملك… كانت جابتلي كوباية عصير.
في لحظة ساد السكون التام. التفتت الأنظار جميعها ناحية ملك وعلامات الصدمة تعلو الوجوه.
فجأة… صفعة عنيفة كسرت الصمت ودوّى صوتها في أرجاء الغرفة. عندما اندفعت ريم إلى الداخل بخطوات سريعة وصفعت ملك على وجهها بقوة جعلتها تتراجع من شدة الصدمة مرددة بصراخ:
إنتي مجنونة…. إزاي تعملي اكده في طفلة… مالك ببنتي… هب دي الامانه يا فهد ال انت جولتلي هتحافظ عليها… هي دي الامانه ال جولناي متخافيش دي في عيوني… اي عيون دي… بنت عمك. كانت هتجتل بنتك جدام عيونك وانت واجف تتفرج.
ارتجفت ملك ووضعت يديها على خدها. لم ترد ولم تقدر حتى على البكاء. كانت ملامحها مشوشة مزيج من الذهول والخوف والانكسار.
تقدم أسد ببطء ونظر إليها نظرة حادة تحمل خيبة أمل عميقة ثم سألها بصوت حاد:
ليه يا ملك….ليه اكده… إنتي فعلا كنتي عايزة تأذيها.
رفرفت رموش ملك وبدأت الدموع تتجمع في عينيها وتمتمت بصوت مرتجف:
أنا… والله ما كنت أجصد… انا مكنتش أعرف إن ممكن يوحصل اكده.. هي اديتني حاجه زي مسحوق اكده وانا حطيته ليها في العصير وجسما بالله جالتلي ان ملوش اي اضرار… جهاد ال جالتلي.
نظرت ريم إليها بغضب ورددت:
انا عايزه بنتي يا فهد… مش هسيبها اهنيه دجيجه واحده.
تجمدت ملك وانهارت باكية على الأرض وهمست بصوت بالكاد يسمع:
أنا كنت تايهة… وخفت أخسرك يا فهد جسما بالله اكتر من اكده..انا بحبك جوي ومش جادره اعيش من غيرك .. جهاد جالتلي إن دي الطريجة الوحيدة… وأنا كنت… ضعيفة مش مركزه في اي حاجه… كل ال يهمني وجتها هو انك تبجي معايا يا فهد والله ما اعرف انها هتتأذى.
اقترب فهد منها ببطء وعيناه تشتعلان غضبًا… لكن صوته جاء هادئًا بشكل مرعب:
يعني علشاني… كنتي هتموتي بنتي…. ومش جصدك.. هو اي ال مش جصدك هاا… انتي بجيتي انانيه مش بتحبي غير نفسك وبس.
ارتعشت ملك وانهارت أكثر بينما كان الجميع يرمقها بصمت ثقيل ولحظة محاسبة لا مفر منها وكأن الحقيقة انكشفت أخيرًا أمام الجميع.
في تلك الليلة كان الغضب يشتعل في عيني أسد وهو يدفع باب غرفته بعنف كاد أن يخلعه من مكانه. دخل بخطوات غاضبة تملأها العاصفة حتى وقفت جهاد مفزوعة من على السرير. وقبل أن تنطق بكلمة كان قد أمسك بيدها بعنف وصرخ بعينين تتقدان غضبًا:
انتي مالك بأختي هاا….دي اخرتها…بجيتي تعملي سحر وأعمال ومدخله اختي معاكي وفاكراني هسكتلك… دي أختي يا جهاد… أختي.. انا خلاص مش عايزك وهطلجك.
تراجعت جهاد خطوة للوراء بعينين مرتعشتين وحاولت أن تتماسك لكن صوته كان أشبه بسيف حاد. فهتفت بتوتر:
هتطلجني علشان سحابة ظهرت.. صوح… هي رجعت ووشها بس قلب حالك.. بجيت مش انت واتغيرت اول ما شوفتها.
اقترب منها أسد بخطوة عنيفة وصوته انخفض لكنه صار أكثر قسوة:
سحابة مالهاش صالح بحاجه …أنا بكرهك يا جهاد بكرهك من زمان جوي ويوم ما اتجوزتك بره مصر كنت غبي.. كان بتهيألي اني محتاج حد في حياتي علشان بعيد بس اكتشفت اني دخلت حياتي اكبر مصييه في العالم كله…. وكل ال كنت بعمله لحد دلوجتي كان علشان بنتي… وبس ولولا البنت، كنت رميتك من زمان جوي.
شهقت جهاد بدهشة وقلبها يتفتت من كلماته. مدت يدها إليه كأنها تحاول التمسك بآخر فرصة وهمست بصوت منكسر:
بس أنا بحبك…أنا مجدرش أعيش من غيرك يا أسد… جسما بالله بحبك جوي.
صرخ أسد بقهر وهو يزيح يدها بعيدًا:
بس أنا بكرهك.. وخلصنا..ال بينا الطلاج وبس وانتي طالق من دلوجتي…وابعدي عني وعن أختي وعن فهد وعن حياتي كلها.
أنهى أسد كلماته ثم استدار بخطوات سريعة وخرج من الغرفة دون أن ينظر خلفه تاركًا جهاد تنهار وهي تسقط على الأرض. وبعد لحظات… تحول الانكسار في وجهها إلى غضب أسود وتغيرت نبرة دموعها إلى حقد دفين. فصرخت بصوت مسموم وهي تضرب الأرض بقبضتها:
كله بسبب سحابة…هي السبب في كل حاجة…ووالله…ما أنا سايباها.
صدى كلماتها ظل يتردد في الغرفة بينما وجهها اشتعل بنار الحقد. ولم تكن تدري أن ما تنوي فعله قد يكون طريقًا بلا عودة.
في صباح يوم جديد جلست سحابة في ركن من أركان الحديقة الخلفية لبيت ريم تحت شجرة التوت العتيقة تحتضن ابنها الصغير فارس وكأنها تخشى أن يتلاشى بين ذراعيها. إلى جوارها جلست ريم تتابعهما بنظرة حزينة وقلبها لا يزال يحمل أثر الليلة الماضية.
حتى قالت ريم بهدوء وهي تمسح على رأس الطفل:
الحمد لله إنه طلع بيلعب ومستخبي…جلبي كان هيوجف وأنا فاكرة إنه اتخطف ولا جراله حاجة.
هزت سحابة رأسها ببطء وضمت الطفل أكثر لصدرها كأنها تحميه من العالم وهمست:
بس أنا مش هجدر أفضل عايشة في الرعب دا كل يوم…مش هجدر أفضل قلقانة عليه كل ثانية…أنا لازم أبعد تاني يا ريم… ولازم أخرج من اهنيه.
نظرت إليها ريم بصدمة ورفعت صوتها قليلًا:
كفاية يا سحابة… هتفضلي مستخبية لحد إمتى… ومخبية عن أسد إن فارس ابنه… الراجل طلج جهاد خلاص… وانا اصلا جيبت بنتي علشان خايفة من ملك واسد مسكتس اهه.
رفعت سحابة نظرها إليها بسرعة وعيناها تلمعان بالدموع، ورددت بصوت مرتجف:
والله يا ريم… ملك طيبة مش زي ما انتي فاكرة…وانا مش خايفة من جهاد… أنا… خايفة على ابني… خايفة أخسره زي ما خسرت الأول.
كانت الكلمات تخرج من فمها كأنها جمرات تحرق روحها. فسكتت ريم للحظة ثم قالت بهدوء أكثر:
اسد اتغير يا سحابة…مش هو نفس الراجل ال كان زمان… بجا أب حقيقي وبيهتم…بس المشكلة الأكبر إننا لحد دلوجتي مش عارفين مين ال جتل فارس… الله يرحمه.
فجأة… وقبل أن تنطق سحابة بأي كلمة قطعت عليهما الحديث الطفلة الصغيرة ابنة ريم وفهد. وهي تمسك لعبة في يدها ووجهها مليء بالبراءة لكنها نطقت بجملة زلزلت المكان:
أنا عارفة يا ماما…عارفة مين ال جتله.
تحولت رؤوسهم بسرعة إليها واتسعت عيونهما بصدمة شديدة. ساد الصمت فقط صوت زقزقة العصافير كان يرافقهم كأن الكون كله توقف ليستمع لما ستقوله الصغيرة.
وفي المساء كان الليل قد بدأ يلقي بظلاله الثقيلة على البيت الكبير. وداخل الجدران كان القلق ينهش قلب فهد وهو يتحرك في أرجاء المنزل كمن يبحث عن نبض الحياة. فصرخ بصوت ملعلع يملأ المكان بالغضب والقلق:
ـهي راحت فين تاني؟! ست ملك تعمل المصيبة وتختفي!دي فاكرة نفسها في فيلم أنا زهجت والله.
كان صوته يعلو حتى ارتج له البيت وهو يفتح أبواب الغرف واحدة تلو الأخرى إلى أن وصل إلى غرفة جهاد. دفع الباب بعنف… وفجأة، تجمد مكانه وعينا فهد اتسعتا من الصدمة وصدره ضاق من الفزع.
كانت ملك ملقاة على الأرض والدم ينزف من رأسها و يتسلل على الأرضية البيضاء بهدوء قاتل. فركض نحوها وارتمى بجانبها يحتضن رأسها المرتجف بين يديه:
ملك فوجي يا ملك… إي ال حوصل… مين عمل فيكي اكده؟! ملك.. بالله عليكي كلميني.
بدأت تتحرك شفتاها ببطء وصوتها بالكاد خرج:
جهاد… جهاد عرفت إن فارس… ابن أسد…هتجتله يا فهد…هتجتله.
تجمدت ملامح فهد وكأن الوقت توقف وعقله رفض استيعاب ما سمع:
فارس… ابن أسد؟!
لكن لم تأتي إجابة..وفجأة انغلقت عينا ملك وسقط رأسها للخلف وفقدت وعيها. فصرخ فهد بكل ما فيه من وجع:
حد ييجي اهنيه بسرعه… اطلبوا الاسعااف. ملك بتموت.
وفي مكان آخر، خارج البيت كان فارس الصغير يقف يضحك ويلعب مع الطفلة الصغيرة ابنة ريم أمام السور. وضحكاتهما كانت تطغى على هدوء ما قبل العاصفة.
وفي تلك اللحظة توقفت سيارة سوداء أمام البيت ونزل منها أسد…. فابتسمت الطفلة ما إن رأته وركضت نحوه:
عموووو… واحشتني جوي.
فتح أسد ذراعيه لها وضحك وهو يحضنها:
وانتي كمان واحشتيني جوي والله.
وما إن أبعدها قليلا حتى وقعت عيناه على فارس..جمد في مكانه واقترب بخطوات بطيئة وعيناه تمتلئان بالدهشة:
فارس؟
انحنى أمامه وحدق فيه طويلا… ثم ضمه إلى صدره وكأن قلبه عرف الحقيقة قبل لسانه:
انتت بتعمل اي اهنيه يا حبيبي… دا بيت ريم.
لكن قبل أن تكتمل لحظة الدهشة…لمح من زاوية عينه شخصًا يقف بعيدا خلف شجرة يصوب سلاحا صغيرا باتجاه فارس. وفي ثانية واحدة فقط…ركض أسد بكل قوته وصرخ:
فااااااارس.
ودفع الطفل بعيدًا عن مسار الطريق وانطلقت الرصاصة في جسد أسد الذي سقط أرضًا بقوة ويده لا تزال تحيط بفارس. فصرخ الطفل بفزع.
رواية جبروت في قلب صعيدي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نور الشامي
ودفع الطفل بعيدا عن مسار الطريق وانطلقت الرصاصة في جسد أسد الذي سقط أرضا بقوة ويده لا تزال تحيط بفارس فـ صرخ الطفل بفزع و
يتبع….