تحميل رواية «جبروت في قلب صعيدي» PDF
بقلم نور الشامي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في قرية نائية من قرى الصعيد، حيث تمتد الأرض برمالها الصلبة وتتمايل النخيل تحت شمس لا تعرف الرحمة، وقف الزمن لحظة في دارٍ عتيقة تحكي جدرانها حكايات الصبر. هناك، وفي قلب الدار، وقفت سحابة بثوبها الأسود الفضفاض وعيناها شاخصتان نحو الطريق الطويل الذي يتعرج بين الحقول. كانت تنتظر منذ ست، تسع سنوات وهي على ذات الحال، لا تغادر فناء الدار إلا قليلاً، ولا تنام إلا على أمل، ولا تستيقظ إلا على خيبة. بعد زواجٍ لم يدم سوى أسبوعين، شد أسد رحاله إلى بلاد بعيدة حالماً بأن يصنع لهما مستقبلاً لا يشبه بؤس البدايات...
رواية جبروت في قلب صعيدي الفصل الأول 1 - بقلم نور الشامي
في قرية نائية من قرى الصعيد، حيث تمتد الأرض برمالها الصلبة وتتمايل النخيل تحت شمس لا تعرف الرحمة، وقف الزمن لحظة في دارٍ عتيقة تحكي جدرانها حكايات الصبر.
هناك، وفي قلب الدار، وقفت سحابة بثوبها الأسود الفضفاض وعيناها شاخصتان نحو الطريق الطويل الذي يتعرج بين الحقول. كانت تنتظر منذ ست، تسع سنوات وهي على ذات الحال، لا تغادر فناء الدار إلا قليلاً، ولا تنام إلا على أمل، ولا تستيقظ إلا على خيبة.
بعد زواجٍ لم يدم سوى أسبوعين، شد أسد رحاله إلى بلاد بعيدة حالماً بأن يصنع لهما مستقبلاً لا يشبه بؤس البدايات. كانا يومها فقيرين لا يملكان شيئاً، لكن أسد لم يكن رجلاً يرضى بالقليل. ومنذ رحيله لم تطأ قدماه أرض الصعيد. لم يحضر مولداً ولا ميتماً، ولا أرسل ما يشرح غيابه سوى المال. مال كثير تحول مع الوقت إلى عقارات وأراضٍ وذهب، حتى غدت سحابة ووالدته وإخوته من أغنى نساء القرية. ولكنها في قلبها كانت الأشد فقراً.
مرت السنوات بطيئة تبتلع الأيام وتخفي خلفها العمر، حتى جاءها الخبر الذي أوقف قلبها لحظة.
أسد عائد.
ومنذ أن سمعت الخبر وهي لا تعرف طعم النوم. ليلتها الأخيرة كانت ثقيلة كألف عام، أما صباحها فكان صامتاً، كأن الكون كله ينتظر معها على باب الدار. لم تكن تعلم من سيعود إليها، الرجل الذي أحبته أم الغريب الذي غيرته الغربة خلف وجوه لا تعرف الرحمة.
وفي ذلك النهار المشحون، لم تكن سحابة وحدها في الانتظار. كانت والدته السيدة "زينب" تتحرك بين أرجاء الدار بنشاط لم تعرفه منذ أعوام، تعطي التعليمات، وتعيد ترتيب المقاعد، وتشرف على أواني الطعام التي فاضت بخيرات لم تجتمع في بيتهم من قبل. أما هالة، شقيقة أسد الصغرى، فكانت تزين المداخل وتساعد الخادمات في تجهيز المائدة. والكل ينتظر.
أما سحابة، فكانت تحاول جاهدة أن تخفي ارتباكها، وهي تمسك بطرف ثوبها بين الحين والآخر وتمرر يدها على شعرها في توتر صامت، كأنها تستعد للقاء حبيبٍ لم تره منذ قرن.
وفجأة، دوت في الأرجاء أصوات زمامير سيارات تقترب. فارتفع قلبها إلى حنجرتها وهتفت بفرحٍ غمر ملامحها مرددة:
"أسد وصل... أسد وصل."
تقدمت نحو الباب والكل خلفها يركض، وتسبقهم الدهشة واللهفة، حتى توقفت السيارة أمام بوابة الدار ونزل منها سليمان، شقيق أسد الأصغر، والذي كان قد سافر ليحضره بنفسه من المطار. لكن وجهه بدا شاحباً متوتراً، كأنه يحمل ما لم يُقل بعد.
فنظرت إليه سحابة بقلق وسألته سريعاً:
"فين أسد يا سليمان.. ومالك أكده عاد كأنك جاتل جتيل؟"
فتح سليمان الباب الخلفي، لينهض منه أسد. رجل مهيب بملامح تغيرت ووسامة نضجت بقسوة الحياة، وعيونه كانت حادة. وصوته لم يُسمع بعد، لكن حضوره وحده كان كافياً ليجعل الزمن يتوقف للحظة.
فركضت إليه أمه وهي تبكي وتضحك في آن واحد. ثم احتضنه شقيقته باكية. أما سحابة، فوقفت في مكانها تتأمله بصمت. لم تستطع أن تتحرك. كانت على وشك أن تنطق باسمه، أن تخبره كم اشتاقت، لكنه سبقها بخطواته نحو الداخل.
وقبل أن تقترب أكثر، نزلت فتاة شابة في كامل أناقتها وابتسامة امتلكت الثقة، وتقدمت بخفة نحو أسد، ثم أمسكت يده أمام الجميع. وصمت قاتل خيم على الدار، قبل أن تقطع والدته السكون بصوت متحشرج:
"مين دي يا أسد؟ يا أسد ال ماسكه يدك أكده يا ابني؟"
أجابها أسد بهدوء لم يعرفه أحد منه من قبل وهتف:
"دي جهاد... مرتي."
انهار كل شيء في لحظة. وشهقة هادئة خرجت من قلب سحابة قبل فمها، وخيالها انفجر بأسئلة لم تجد لها إجابة. حدقت فيه تبحث في ملامحه عن أي تبرير، أي ندم، أي أثرٍ لما كان بينهما، لكنها لم تجد سوى رجلٍ آخر... غريب.
وفي اللحظة ذاتها، نزل من على الدرج طفل صغير لا يتعدى السابعة، بملامح تشبه أسد في صغره. وقف متردداً، يحدق في المكان والوجوه، ثم قال بصوت خافت متلعثم:
"بابا؟"
انحنى أسد سريعاً وفتح ذراعيه واحتضنه بقوة، وكأنه يحميه من العالم، ثم تمتم بكلماتٍ ناعمة:
"أنا بابا يا فارس... واحشتني جوي."
كان أسد يحتضن الطفل الصغير بقوة، يمرر يده على شعره ويقبله مراراً، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة لم تر عليه منذ أن وطأت قدماه أرض الصعيد. وبدا وكأن العالم كله توقف في تلك اللحظة، وكأن ما حوله لا يعنيه، لا دهشة أمه، ولا نظرات شقيقته، ولا حتى عيون سحابة التي كانت ما تزال واقفة في مكانها لا تصدق ما ترى.
فتقدمت زينب، والدته، بخطى سريعة وغضبها يسبقها، وأمسكت بذراعه وسحبته بعيداً عن الطفل وهتفت بصوت مبحوح يكاد يُسمع بين الغيظ والخذلان، مرددة:
"مرتك أزاي.... إيه ال بتجوله دا يا أسد... بعد تسع سنين داخل علينا بوحدة ماسكة يدك وتجول مرتك.. أكده من غير حتى ما تاخد رأينا ولا تعرفنا.. للدرجادي مش عامل لحد فينا اعتبار.. مبحاش لينا قيمة ولا لازمة في حياتك؟"
نظر إليها أسد ببرودٍ مستفز، كأن لا شيء مما يحدث يستحق الانفعال، ورد بهدوء قاطع:
"أيوه مرتي يا حجة... حبيتها واتجوزتها. فين المشكلة مش فاهم؟"
كأن كلماته سقطت على رأس سحابة كالسيف. لم تنتظر تفسيراً، ولم تطلب توضيحاً. كانت تعلم في أعماقها أن الغياب الطويل لا يأتي إلا ومعه الكارثة. لكنها لم تتخيل أن تكون هي الضحية.
فركضت... لا تعرف إلى أين. خرجت من الدار بخطى متعثرة، والدموع تغرق وجهها، ويدها ترتجف على قلبها، وكأنها تحاول أن تمنعه من الانفجار. تتنفس بصعوبة والهواء صار ثقيلاً، والدنيا تدور من حولها، وهي تتذكر لحظات الغربة وكم عانت وحدها.
وفي لحظة كانت كافية لإنهاء كل شيء... لم تنتبه للصوت ولم ترَ الأضواء، فقط شعرت بالاصطدام ووقعت على الأرض مغشية عليها، بعدما اصطدمت بها هذه السيارة.
ثم ساد السكون، وارتفع صراخ النساء من الدار وأصوات الأقدام تهرول نحو الطريق. وكانت سحابة ممددة على الأرض، فستانها الأسود تلطخ بالتراب والدماء، وعيونها شاخصة إلى السماء.
رواية جبروت في قلب صعيدي الفصل الثاني 2 - بقلم نور الشامي
في هدوء مشوب بالألم كانت سحابة مستلقية على سريرها القديم والغرفة يملؤها عبق المسك والدم المجفف. ولفافة بيضاء تحيط برأسها الذي نزف كثيراً، أما قدماها فكانتا ممددتين على شرشف قطني بلون الحزن. تتنفس ببطء، لكن عينيها بقيتا مفتوحتين على اتساعهما. تنظر إلى الفراغ وكأنها لا تصدق أنها لا تزال على قيد الحياة.
وبجوارها جلس فارس الطفل الصغير متكئاً على الوسادة ويداه الصغيرتان تقبضان على كفها وعيناه دامعتان يتأمل وجهها بخوف مردداً:
"متسبينيش يا ماما... أنا كنت خايف عليكي جوي... بالله عليكي خليكي معايا أنا والله بحبك جوي... بحبك انتي اكتر واحده في الدنيا كلها."
لم ترد سحابة، فقط نظرت إليه وابتسامة شاحبة مرت على وجهها كطيفٍ عابر، ثم عادت عيناها إلى الشرود. ودخلت الحجة زينب في هدوء ووجهها مجهد، وجلست عند طرف الفراش وهي تمسح على كتف سحابة برفق وقالت بصوت مكسور:
"أنا عارفة إن الوجع كبير يا بنتي... بس والله ما هسكت... هتكلم معاه... وهخليه يطلج ال اسمها جهاد دي... أنا مش هسمح إن حد يجي عليكي مهما حاصل... انتي بنتي والله مش مرت ابني. وأنا معاكي ضد أي حد حتى لو كان ابني."
ألقت زينب كلماتها وظلت سحابة صامتة... لا دمعة نزلت ولا كلمة خرجت، فقط أنفاسها كانت ثقيلة كأنها تحمل أعوام القهر في صدرها. حتى قاطعها خبطات خفيفة على الباب المفتوح سبقتها خطوات يعرفها الجميع. ودخل أسد ووقف على العتبة لحظة كأنه يستأذن. ثم اقترب بخطى ثابتة. وجهه لا يحمل نفس الجمود السابق، بل نظرة حزن لا يعرف كيف يخفيها وقال بصوتٍ منخفض:
"الف سلامة عليكي يا سحابة... عاملة إيه دلوجتي... بجيتي كويسه."
وقبل أن ترد، وقف فارس فجأة وركض ناحيته وهو يبكي بحرقة وصرخ بصوت رج الغرفة:
"إنت السبب... إنت السبب ... كنت عايز تموت ماما... أنا مش بحبك.. انت رجعت ليه.. يلا امشي تاني أنا مش عايزك.. أنا عايز ماما بس أنا معرفكش اصلا امشي."
ارتبك أسد وانكسر قلبه للحظة وجثى على ركبتيه أمام ابنه، لكن زينب أسرعت وأخذت الطفل في حضنها وهمست:
"تعالى يا فارس... تعالى يا جلب جدتك.. ماما هتبجي كويسه والله متخافش... يلا وخلينا نخرج ونسيب ماما ترتاح شويه."
حملته زينب وخرجت به بهدوء تاركة الغرفة تغرق في صمت ثقيل. فاقترب أسد من السرير وعيناه على يد سحابة المرتجفة. ومد يده ببطء ليلمسها، لكنها سحبت يدها بفزع كأن النار لامستها. ثم همست بصوت خرج من أعماق وجعها:
"طلجني."
شهق الهواء بينهما وارتعشت عيناه وردد:
"سحابة... استني... اسمعيني الأول... إحنا محتاجين نتكلم... والله انتي مش فاهمه حاجة."
وقاطعته سحابة دون أن تنظر إليه ورددت:
"مش عايزة كلام... مش عايزة أسمع حاجة... أنا بس عايزة أطلج."
تنهد أسد بضيق وهتف:
"سحابه.. أنا طبيعي كنت اتجوز. أنا كنت عايش كل دا لوحدي بره محدش معايا.. وجوازنا كان لمده شهر ونص بس وأنا مكنتش اعرفك قبل اكده.. يعني مكناش واخدين بعض عن حب واتشغلت بجا ومكنتش بعرف انزل ولا اجول اني اتجوزت."
تسمرت سحابة في مكانها وقد اتسعت عيناها بدهشة ممزوجة بالغضب والخذلان. ثم رفعت جسدها قليلاً رغم الألم وقد بدا أن كلمات أسد قد أيقظت شيئاً عميقاً وموجعاً بداخلها. ونظرت إليه بنظرة تخللتها آلاف الليالي الباكية. ثم نطقت بصوت مرتجف لكنه حاد:
"مكنش هاين عليك تجولي انك اتجوزت... لاجيت الموضوع ملوش لازمة وطبيعي.. بجد والله انت شايف ان دا طبيعي.. لما انت يا استاذ أسد كنت بتتجوز وشايف حياتك هناك أنا كنت متمرمطة اهنيه... أنا اتذليت اهنيه يا أسد... أنا كنت بعدي يومين تلاتة من غير ما اطبخ كنت بوفر كل قرش علشان فارس وعلشان تنزل تلاجي فلوسك اتعمل بيها حاجة. جسما بالله أنا كنت بجعد باليومين تلاته مش باكل. أنا مكنتش بشتري هدوم بجالي سنين علشان بجول بلاش أضيع الفلوس علي تفاهة. أنا حتى لما كان نفسي في حاجة كنت أجول مش وجته… المهم فلوس أسد المهم لما ترجع تلاجينا صبرنا صبرنا واستنيناك بكرامتنا."
انحدرت الدموع على وجنتيها لكنها لم تمسحها وكأنها فخورة أن الألم قد خرج أخيراً ورددت:
"أنا كنت بستخسر في نفسي العلاج والادوية جسما بالله وانت بجا... إنت فين؟! إنت في بلاد بره بتتجوز وتعيش وأنا اهنيه بدفن عمري وساكته. أنا كنت مراتك، حتى لو شهر ونص… بس أنا مخونتكش ولا نسيتك ولا بدلتك بواحد تاني.. انت خاين.. خاين وقليل الاصل وأنا مامنش علي نفسي مع واحد زيك.. بجيت دلوجتي من أغني ناس في الصعيد وأنا طلعت من غير ولا حاجة ومش عايزة حاجة.. أنا هاخد ابني وأمشي.. دا كل ال يهمني وبس.. وانت تطلجني علشان أنا مستحيل أعيش مع واحد زيك."
ظل أسد صامتاً وكأن كل كلمة منها كانت تسقط على صدره كحجر ثقيل. بينما سحابة تابعت هامسة هذه المرة:
"لو لسه عندك شوية ضمير طلجني.. لو سمحت."
نظر أسد إليها بحزن ثم ذهب من الغرفة تاركاً سحابة في أحزانها. وبعد فترة وتحديداً عند مدخل قصر كبير كانت ريم تهبط الدرج بسرعة ولهاثها يسبق خطواتها وشعرها يتطاير حول وجهها وعينيها تلمعان بنار الانتظار. وما إن رأت الحارس حتى صاحت بصوت يقطر توتراً:
"وصل بجد أسد رجع؟!"
رفع الحارس يده بتحية خفيفة وهز رأسه مؤكداً:
"أيوه يا ست هانم... أسد بيه وصل."
كادت أن تنطلق للداخل حين أوقفها صوت أجش من خلفها جاء كالسوط على ظهرها مردداً:
"امشي يا عبد الرحمن... سيبنا لوحدنا."
تجمدت ريم في مكانها ثم استدارت ببطء وواجهت نظرات أبيها، الحاج جابر العمدة التي كانت تحمل كل شيء إلا الحنان ورددت:
"مش من حقي أعرف يا ابوي لما يرجع."
ضاق ما بين حاجبيه وهتف بغضب مكتوم:
"لأ... مش حقك وانتهينا... وانسي الموضوع دا اتجفل من زمان جوي.. انسيه يا ريم."
نظرت إليه ريم بعيون لا تعرف الخضوع، وصرخت:
"مستحيل.. مستحيل أنسى... ولا حتى بعد مليون سنة. زي ما خسرت عريسي يوم فرحي هخسره حياته كلها ال بيكسرني... أنا بكسره حتى لو بعد أي.. جسما بالله ما هسيبه وهندمه على كل حاجة."
ألقت ريم كلماتها ثم تركته واقفاً في ذهوله بينما كانت خطواتها تطرق الأرض كأنها تقسم أنها ستعيد كل شيء بطريقتها... وبثمن أغلى بكثير.
وفي المساء في تلك الليلة ساد الصمت أرجاء الغرفة إلا من صوت الماء المتساقط من شعر أسد الخارج لتوه من الحمام. كان يلف حول خصره منشفة بيضاء وملامحه تحمل عبوساً ثقيلاً وكأن شيئاً أثقل من الماء يثقل صدره. ووقف أمام المرآة يتأمل وجهه حتي اقتربت منه جهاد بهدوء ولفت ذراعيها حوله من الخلف ثم قالت بصوت حنون:
"مالك يا حبيبي؟ شكلك زعلان قوي... مدام مضايقك اكده، طيب ما نرجع نسافر تاني... ننسى كل حاجة ونبدأ من جديد."
استدار نحوها ببطء ومسح على شعرها برفق ثم أجاب بصوت خافت:
"أنا غلط... غلطت بجد كان لازم أجولهم إني اتجوزت حتى لو مش بحب سحابة بس كان لازم أكون صريح معاها."
تراجعت جهاد قليلاً ونظرت إليه بعينين يغمرهما الأسى ثم قالت:
"يعني إي.... إحنا ممكن ننفصل لو ده هيريحك يا أسد.. انت عارف إن أهم حاجة عندي سعادتك وبس."
أمسك أسد يدها بسرعة وقال بنبرة حاسمة:
"لأ طبعا... إزاي تجولي اكده.. أنا بحبك... إنتي مرتي وكل حاجة ليا.... بس لازم أتكلم مع سحابة تاني علشان مظلمهاش... وعلشان فارس ابني."
أومأت جهاد برأسها ببطء تحاول أن تخفي ما في قلبها من ضيق وقالت بابتسامة باهتة:
"طبعا يا حبيبي... اعمل ال يريحك."
وفي تلك اللحظة قطع الحوار بخبطات هادئة على الباب، تبعتها الشغالة وهي تطل برأسها وتقول:
"العشا جاهز يا بيه... الست زينب بتجولكم انها مستنياكم."
ألقت الخادمة كلماتها وذهبت. وبعد فترة كان الجميع يجلسون حول مائدة العشاء والسكون يخيم على الأجواء لا يسمع سوى صوت الملاعق الخفيف وهمسات لا تكاد تميز. حتى قطعت زينب الصمت بنبرة أم يعتريها القلق:
"يا بنتي جومي شوفي سحابة وفارس خليهم ينزلوا يتعشوا معانا."
كانت ابنتها توشك أن تنهض لتنفيذ طلب أمها، إلا أن أسد سبقها فجأة ودفع الكرسي بقوة وهو يقول بحزم:
"لأ أنا ال هطلع."
غادر أسد المكان دون انتظار رد وصعد الدرج بخطوات ثقيلة وقلبه ينبض بشيء لم يستطع تفسيره. وما إن وقف أمام باب الغرفة حتى طرقه ثلاث مرات، ثم انتظر... لا صوت. وطرق مجدداً حتي مد يده إلى المقبض وفتح الباب ببطء. وفي لحظة توقف الزمن ووجد الغرفة... خالية. ف، تراجع خطوة إلى الوراء وعيناه تتفحصان المكان الموحش. لم تكن هناك حاجة لتفسير لقد فهم فورا... لقد هربت هي وفارس.
وعلى الجانب الآخر كانت سحابة تمشي بخطى مسرعة تجر ابنها المرتجف بين ذراعيها والخوف ينهش صدرها ولظلام يملأ الطريق والبرد يتسلل إلى عظامها لكنها لم تتوقف ورددت:
"شد حيلك يا فارس.. خلاص يا حبيبي.. قربنا."
لكن خطواتها بدت أضعف وصوت أنفاسها أثقل وشعرت أن الأرض تميد تحت قدميها وأن الهروب بدأ يتباطأ. وفجأة اقترب منها شاب لا تعرف من أين أتى يخطو نحوها بثبات. رفعت عينيها نحوه... وما إن وقعت نظراتها عليه حتى اتسعت عيناها وصاحت بصدمة:
"انت..."
رواية جبروت في قلب صعيدي الفصل الثالث 3 - بقلم نور الشامي
كانت تقف سحابة في مكانها كأن الزمن جمد لحظة نزول ذلك الشاب من السيارة السوداء الفاخرة.
عيناه الحادتان ووقفته المتحدية وملامحه التي تحمل شيئًا من أسد. كان يشبهه في كل شيء، لكن فيه غربة لم تألفها. فهي تعرفه جيدًا، هذا فهد ابن عم أسد.
اقترب منها بخطوات واثقة وقال بصوت هادئ ساخر:
"سحابة... مش كفاية كده. ينفع برضه اللي بتعمليه ده؟ مفيش واحدة تسيب بيت جوزها في نص الليالي بالطريقة دي. ارجعي معانا... ابنك محتاجك وأنتي مش هتعرفي تمشي خطوة لوحدك."
نظرت إليه سحابة بعناد ورددت بحدة:
"مش هرجع... مش هرجع غير بإرادتي... ومش هسيب نفسي لعبة في إيدكم. خلاص أنا مش عايزاكم... مش عايزة أبقى معاكم نهائي. سيبوني في حالي بقى حرام عليكم."
تنهد فهد ببرود ثم التفت للحرس وأشار على الطفل وتحدث بلهجة حازمة:
"خدوه وحطوه في العربية يلا دلوقتي وبراحة عليه."
انفجرت سحابة بصراخ ورددت:
"لأ... ابني... سيبوه سيب ابني يا فهد اتجى الله. حرام عليك ليه كده... أنا عايزة ابني."
حاولت سحابة الاندفاع نحوهم، لكن فهد وقف في وجهها ومد يده ليوقفها ثم قال بجفاء:
"ابنك في بيته... معزز مكرم عايزاه؟ تجيله هناك. لكن إنك تاخديه وتبهدليه كده في الشوارع مش هيحصل. أنا وأبوه بقى لنا سنين وسنين متمرمطين في بلاد بره عشان كل اللي هنا يعيشوا كويسين، مش عشان تاخدي الولد وتبهدليه بعد كل ده."
ألقى فهد كلماته بحزن. وكان الطفل قد بدأ في البكاء يناديها بصوت باكي. فصرخت بكل ما فيها من ألم واندفعت تحاول الوصول إليه، لكن فهد وقف في وجهها ومد يده يمنعها.
وقال بنبرة حاسمة:
"بس... خلصنا. تعاليله هناك لو عايزة تشوفيه."
ألقى فهد كلماته وذهب وترك سحابة التي تجمدت الكلمات في حلقها وارتجفت شفتاها. بينما دموعها سالت رغماً عنها ولم تحملها قدماها أكثر من ذلك، فجلست على الأرض تبكي بحرقة.
وبعد فترة، في إحدى زوايا القصر، كان الليل قد أسدل ستائره. لكن صوت البكاء الصغير ظل يخترق السكون. كان فارس يجلس على طرف السرير يحتضن دميته بشدة ودموعه تتساقط على خديه. بينما جدته تحاول تهدئته بحنانها المعتاد. لكن قلب الصغير كان ثائراً لا يهدأ.
فدفع باب الغرفة بهدوء ودخل أسد يتبعه جهاد. وعلى الفور ارتفع بكاء فارس كأنما اشتعلت النار بداخله وصرخ بعينين غاضبتين:
"برا... مش عايزكم... أنا بكرهكم... أنتوا السبب... أنتي!"
وأشار بإصبعه الصغير نحو جهاد مرددًا:
"إنتي خطفتي بابا من ماما... إنتي السبب في كل حاجة وحشة. أنا مش بحبك وبكرهك."
شهقت جهاد وتراجعت للوراء كأن الطفل سدد لها طعنة في القلب. أما أسد فتجمد مكانه للحظة ثم تنهد وقال بصوت هادئ:
"كلكم سيبوني معاه شوية بعد إذنكم."
نظرت له زينب بحزن، لكن أطاعته وخرجت معهم ببطء تاركين الغرفة لهما. فاقترب أسد من السرير وجلس على الأرض مقابله. رفع عينيه نحو الصغير المشتعل غضباً وردد:
"أنا عارف إنك زعلان... وأنا كمان زعلان من كل اللي بيحصل. بس أنا هرجعهالك والله العظيم وهخليها تعيش معاك هنا ومفيش حاجة في الدنيا هتمنعني إني أرجعلك أمك... ده وعد مني ليك يا فارس. بس اهدي بقى وبطل عياط ونام عشان أنت كده هتتعب. وأنا وعد هرجعلك سحابة لحد هنا."
ارتعش قلب الطفل وهدأ أنينه شيئًا فشيئًا حتى سقط برأسه الصغير على الوسادة، يهمس:
"أنا عايز ماما دلوقتي... عايزها دلوقتي حالا."
رد أسد وهو يمرر يده على شعره:
"حاضر... قريب قوي يا بطل. بس ارتاح دلوقتي، عشان لما ماما تيجي تلاقيك قوي كده ومستنيها."
أغمض فارس عينيه والدموع لا تزال تبلل رموشه. ثم انساب في النوم ببطء. بينما أسد جلس إلى جواره يراقب أنفاسه الصغيرة تهدأ. وعيناه تتوعدان العالم أن يعيد له حضن أمه مهما كلفه الأمر.
وبعد فترة، فتح أسد الباب بهدوء. فرأى جهاد تجلس على طرف الفراش ووجهها مدفون بين كفيها ودموعها تسيل في صمت. فتقدم منها خطوة، ثم ناداها بصوت خافت:
"جهاد... مالك كده في إيه عاد؟"
رفعت جهاد رأسها بسرعة وقد احمر وجهها من البكاء. وحاولت مسح دموعها المرتبكة ثم تمتمت بصوت مختنق:
"أنا آسفة يا أسد... والله مكنتش عايزة أوصل الولد للحالة دي... هو بيكرهني... وأنا مش عايزة أعيش مرفوضة في بيت واحد معاه. لو حابب نطلق وأسافر... أنا موافقة والله بس مش عايزة أعمل مسافة بينك وبين ابنك وأم ابنك."
اقترب أسد منها أكثر حتى جلس إلى جوارها وقال بنبرة حاسمة:
"أوعي تجيبي سيرة الطلاق مرة تانية. فارس صغير وزعلان... ومصيره هيحن. أنا بحبك ومش هسيبك. وعارف إنك قلبك طيب و أكيد ابني هيحبك مع الوقت."
نظرت إليه جهاد بعينين غارقتين في الندم والخوف وتمتمت بصوت مكسور:
"بس أنا تعبت يا أسد... أنا مش قد كل ده والله."
أمسك أسد بيديها برفق وهمس:
"وأنا جنبك... هنعدي كل ده مع بعض. بس بطلي عياط بقى واهدي شوية."
ألقى أسد كلماته، ثم اقترب منها أكثر حتى صار وجهه قريبًا من وجهها ومسح دموعها بإبهامه برقة. ثم طبع قبلة هادئة على شفتيها.
وبعد دقائق معدودة، انفتح باب البيت بعنف وظهرت سحابة وهي تترنح داخله. كانت ثيابها ممزقة والدم ينزف من رأسها وعيناها تشتعلان كالنار. حتى دوى صوتها في أرجاء البيت مرددة بصراخ:
"أسد... أنت فين... أنا عايزة ابني... هو ابني فين؟ أنا عايزة ابني دلوقتي حالا."
هبط أسد من أعلى السلالم عاري الصدر تتطاير شرارات الغضب من عينيه. ووقف أمامها بثبات وصوته خالي من الرحمة وهتف:
"ابنك؟! ده ابني أنا... امشي لوحدك بس الولد مش هيمشي معاكي."
تقدمت نحوه ودموعها تغمر وجهها وصرخت بحرقة:
"ابنك؟! ده أنت مكنتش تعرف عنه أي حاجة! أنا كنت ليه الأم والأب... كنت حضنه وسنده. جاي دلوقتي تفتكر إنه ابنك... مش همشي من هنا غير وهو معايا."
أجابها أسد ببرود قاتل:
"مش هتاخديه.... عايزة تقعدي معاه اقعدي واتقبلي اللي حصل. مش عاجبك؟ الباب مفتوح. امشي لوحدك."
نظرت سحابة حولها بجنون ويداها تبحثان عن شيء. حتى أمسكت بسكين من على الطاولة ورفعتها أمام صدره:
"يا تجيب ابني... يا هقتلك دلوقتي حالا."
ضحك أسد ضحكة فارغة من الإحساس وردد بسخرية:
"اعملي اللي يريحك... اقتليني."
اهتزت نظراتها ثم همست والدموع تسيل على وجنتيها:
"أنا خصيمك عند ربنا يوم القيامة... حسبي الله ونعم الوكيل فيك."
وفجأة، في لحظةٍ خاطفة، مزقت سحابة شرايين معصمها أمامه. ليسقط السكين من يدها وتتهاوى على الأرض. تسمرت قدما أسد ثم صرخ بقوة وصوته يهز الجدران مردفًا:
"سحـــابه."
اقترب أسد منها بسرعة وهو يلهث من الصدمة. ركع إلى جوارها وحمل جسدها النازف بين ذراعيه وهو يهتف بجنون:
"حد يجيب الحكيم بسرعة... يلا بسرعة اتصلوا بالحكيم."
ارتفعت الأصوات في القصر وركض الجميع. بينما الدم ينزف من معصم سحابة كأن حياتها تتسرب بين يديه. ووجهها الأبيض ازداد شحوبًا وعيناها تفيض بالرعب. فظل يحتضنها ويضغط على الجرح بيده المرتجفة. حتى دخل الطبيب على عجل، وبدأ بفحصها وعالج النزيف وسط صمت مشحون.
مرت الدقائق كأنها دهر. وحين انتهى الطبيب مسح جبينه وقال بصوت حازم:
"حالتها مش مستقرة... النزيف كان شديد، ولازم تهتموا بيها كويس الفترة الجاية. الضغط النفسي ممكن يخليها تنهار تاني."
أومأ أسد برأسه وهو لا يزال ينظر إليها بحزن. لكن قبل أن يتحدث، دوى صوت زينب بغضب عارم وهي تقترب منه وفهد مرددة:
"انتوا السبب... انت وهو... انتوا الاتنين السبب في كل المصايب دي. مبسوطين كده باللي بيحصل... رجعتوا ورجعتوا معاكم الخراب للبيت."
أشارت لهم بأصبعها وقد غطت الدموع عينيها ثم صرخت بوجه أسد:
"وأنت بتقول ابنك؟! إنت شفت الولد إمتى.... دي ضحت بحياتها عشانه وانتوا كلكم كنتم فين.. كنت فين يا ابن بطني... في بلاد بره بتجمع فلوس.. مين جالك إننا عايزين فلوس لو هتجيب معاها الخراب ده."
ثم التفتت إلى فهد وصفعته بكلماتها:
"وانت يا فهد... قلبك فين؟ دي أم... تاخدوا منها ابنها كأنها حرامية... ده أنا كنت بقول دايما إن مفيش أطيب من جلبك. إيه اللي حصل يا ابني... الغربة قست قلوبكم كده ليه عاد مبقاش عندكم لا رحمة ولا قلب."
ثم زفرت بحرارة وهي تشير لهم بيدها:
"امشوا من وشي... مش عايزة أشوف وش حد منكم قدامي دلوقتي... امشوا يلا."
نظر فهد إلى الأرض. بينما أسد وقف متصلبًا لا يعرف إن كان يستحق البقاء أم الرحيل. ثم تحركا ببطء خارج الغرفة تحت صراخها ودموعها ليتركا الباب خلفهما مغلقًا. أما زينب فعادت إلى سحابة وجلست على الأرض بجوارها تمسك يدها بحنان وهي تهمس ببكاء:
"معلش يا بنتي... أنا معاكي... والله معاكي ومش هسيبك تاني أبدا."
في صباح اليوم التالي، خرج فهد من غرفته وهو عابس الملامح. رأسه مثقل بالأفكار والأحداث. وبينما كان يهم بالنزول، لمحها من بعيد. كانت تسير بهدوء في الممر وشعرها الطويل منسدل على ظهرها وعيناها تحملان مزيجًا من العناد والوجع. فـ توقف للحظة يحدق بها. هي ملك ابنة عمه... وأخت أسد.
لم يتمالك فهد نفسه واندفع نحوها. وقبل أن تنبس بكلمة، أمسك بذراعها وسحبها بعنف إلى غرفته. فرددت بعصبية:
"فهد.... سيبني! إنت بتعمل إيه عاد."
لكنه لم يستجب وأغلق الباب خلفه بعنف واستدار يواجهها وصوته مخنوق بالغضب وهتف:
"ليه.... ليه بتعامليني كده من وقت ما رجعت من السفر... ليه بتتجنبيني.... بتعملي كأني غريب."
ابتعدت عنه وهي ترفع ذقنها بكبرياء ونظرت إليه بقلب ينزف، لكنها أخفته خلف جمودها مرددة:
"عايز مني إيه يا فهد... بعد تسع سنين... تسع سنين استنيتك... وفضلت أحبك... وانت؟ اخترت الفلوس! اخترتها.. وخسرتني."
حاول الاقتراب منها لكنها صدته فقال:
"أنا بحبك... والله العظيم لسه بحبك وعمري ما حبيت واحدة غيرك."
صرخت ملك بحدة وهتفت:
"الحب مش لعبة يا فهد.. مش على مزاجك.. الكون مش تحت أمرك تيجي تحب لما تفضى؟ لأ أنا خلاص مش عايزاك... وهتجوز واحد تاني... واحد يستاهلني."
اشعلت النار في عينيه وانقض على يدها يمسكها بعنف وصوته خرج غاضبا:
"مستحيل... مستحيل اسمح لحد يقربلك... غيري."
انتفضت ملك بعصبية وسحبت يدها من قبضته وهي تصرخ:
"انت اتأخرت! وأنا مش لعبة في إيدك... هتجوز واحد غيرك قدام عيونك واللي عندك اعمله بقى."
ألقت ملك كلماتها ثم فتحت الباب بعنف وخرجت تاركة خلفها قلبا محطما.
وفي صباح يوم جديد، دخل أسد الغرفة بهدوء. كانت سحابة مستلقية على الفراش شاحبة الوجه، تغرق في نوم ثقيل لا يخلو من الألم. فاقترب منها ببطء وجلس على طرف الفراش يتأمل ملامحها المتعبة. ثم مد يده ببطء ولمس وجهها بحنان وكأنه يعتذر بصمت. بعدها نزلت عيناه نحو يدها المصابة فمرر أنامله عليها بلطف يتأمل الجرح بمرارة.
حتى تنهدت سحابة بضعف ثم فتحت عينيها فجأة. وحين وقعت عيناها عليه شهقت بفزع:
"ابعد عني... ابعد.. عايز مني إيه عاد."
مد أسد يده ليهدئها وردد:
"اهدي يا سحابة... فارس في أوضته ومش عايزة أشوفك كده."
ازدادت نظراتها حذرا وخوفا ورددت:
"انت مالكش صالح بيا... طلقني وخلاص."
ظهرت على وجهه علامات الحزن الحقيقي ثم تنهد قائلًا:
"مش عايز أطلقك... إحنا نقدر نحل بينا بهدوء.... أنا عارف إني غلطت... بعترف قدامك أهه مش بنكر.. أنا فعلا ظلمتك كتير قوي."
نظرت إليه سحابة بعينين دامعتين، لكنه أكمل:
"أنا مستعد أوافق على أي شرط تقولي عليه... هديكي كل اللي نفسك فيه، بس افضلي هنا... متسيبيش فارس هو محتاجك."
قالت سحابة بجفاء:
"مش عايزة حاجة... ولا هعيش في بيتك.. أنا كل اللي عايزاه ابني وبس."
رفع أسد حاجبيه وأسرع في الكلام مردفًا:
"خلاص هكتبلك البيت ده باسمك يبقى بيتك إنتي مش بيتي وإحنا اللي عايشين فيه معاكي.. بس وافقي بلاش تسيبي فارس لوحده.. عشان أنا كمان مش ناوي أخليه يبعد عني."
نظرت سحابة إليه مطولًا وقلبها يضج بصراعات لا تهدأ. وكانت على وشك أن ترد... لكن الباب انفتح فجأة. دخلت ريم بخطوات واثقة. وبمجرد أن وقع نظرها على أسد، ركضت نحوه واحتضنته قائلة بلهفة:
"ينفع كده؟ ترجع من السفر من غير ما تيجي تسلم على مراتك؟"
تجمدت سحابة في مكانها ونظراتها بين الاثنين وقلبها يهوى في قاع الخيبة.
رواية جبروت في قلب صعيدي الفصل الرابع 4 - بقلم نور الشامي
كانت سحابة في غرفتها حين بلغها صدى الكلمات التي لم تكن تتمنى سماعها.
شعرت كأن قلبها يتوقف للحظة ثم تدفق الدم إلى رأسها كطوفان عارم.
نهضت من على طرف الفراش ووقفت تحدق فيه بعينين مصدومتين قبل أن تصرخ بصوت اخترق سكون المكان مرددة:
"هو إي دا.... هو مش لما اتجوزتني جولتلي إنك سيبتها.... ازاي... إزاي كنت بتضحك عليا طول الوجت دا.. هو اي انت شيطان... حرام عليك ليه اكده... ليه"
كان صمته في تلك اللحظة أشد قسوة من أي اعتراف. لم ينكر، ولم يبرر. فقط نظر إليها بعينين يكسوهما تعبٌ قديم وردد بصوت خافت:
"والله العظيم سيبتها... وانتي عارفة إن جوازنا كان على الورق بس"
وقبل أن ترد، تقدمت ريم نحوهما وصوتها ارتفع وهي تتحدث:
"بالساهل اكده.... يعني تجتل جوزي في يوم فرحي وتتجوزني شوية وبعدين تطلجني اكده بالساهل"
اشتعلت ملامحه بالغضب وارتفعت نبرته فجأة وهتف:
"أنا أصلا بكرهك يا ريم.. بكرهك وبكره كل حاجة ليها علاقه بيها. دا كان يوم اسود يوم ما اتجوزتك وعرفتك. جسما بالله"
تجمدت ريم للحظة ثم رفعت رأسها ببطء وقد استعاد وجهها هدوءا زائفا يخفي وراءه العاصفة وهتفت:
"كنت جاية أجولك إني مش هسكت... ومش هسيبك. هتندم على كل حاجة عملتها فيا وهتشوف هعمل فيك اي عاد"
ألقت ريم كلماتها واستدارت وذهبت من البيت بأكمله.
وفي بيت صغير على أطراف القرية جلست جهاد أمام خالتها التي لم تزرها منذ أعوام.
كانت نظرات الخالة قاسية تزنها بحدة وكأنها تفتش عن الذنب القديم خلف ملامح وجهها المنهك.
فـ رفعت الخالة حاجبيها وسألت بجفاء:
"انتي اي ال رجعك تاني؟ ومين جالك إننا عايزين نشوف وشك اصلا"
ارتبكت جهاد وزاغ بصرها كمن لا يعرف إلى أين ينظر. ثم تمتمت بصوت مبحوح:
"انتي واحشتيني يا خالتي... بجالي سنين مشوفتكيش .. وجيت علشان أشوف أختي كمان.. انتوا واحشتوني جوي والله العظيم"
نهضت الخالة من مكانها ببطء ووضعت يديها على خصرها وقالت بنبرة تقطر قسوة:
"لا ليكي أهل ولا ليكي أخوات... وهي عمرها ما جابت سيرتك... ولا عايزة تشوفك... وابعدي عننا بشرك.... أنا الوحيدة ال عارفاكي وعارفة وشك التاني"
أدمعت عينا جهاد بالدموع وارتجف صوتها وهي تردد:
"طيب كنتي عايزاني أعمل إي عاد ؟ كنت خايفة... ومكنتش فاهمة أي حاجة"
قاطعتها الخالة بصرخة:
"كنت عايزاكي تبجي بني آدمه... مش حيوانه ال عملتيه ميعملوش حد عنده ضمير... محدش هينسى يا جهاد... وكل بيت تدخليه هيدخله الخراب وراكي... ربنا يستر على جوزك منك... ويستر على أهل جوزك كلهم كمان. يلا من وشي... اطلعي برا... ومترجعيش اهنيه تاني"
تجمدت جهاد في مكانها لحظة كأن الكلمات قد جمدت أوصالها. ثم انحنت للأرض تلتقط عباءتها بصمت وخرجت.
وفي المساء وقف أسد شامخا في ساحة الدار كأنه أسد حقيقي يترقب الخطر أو الفريسة.
كانت ملامحه متوترة وكتفاه مشدودان ويده تتنقل من ساعة معصمه إلى جيبه ثم إلى خاصرته كأنه لا يعرف كيف يهدئ ذلك التوتر المتصاعد في صدره.
عيناه كانت تراقبان الطريق في صمت. ثم انفجر فجأة قائلا بصوت جهوري قاطع السكون:
"هي راحت فين كل دا.... سايبة البيت ورايحة فين من غير ما تجول ومين جالها تخرج أصلا... هي جالت ولا استأذنت من الاصل"
ساد صمت ثقيل بين الواقفين لا أحد تجرأ على الرد. فحاولت زيني أن تتحدث لكنها تراجعت عندما رأت النار المشتعلة في عينيه.
وفجأة، انفتح الباب الكبير، وتوقفت الأنفاس. ودخلت سحابة بخطى واثقة ترتدي ثوبا أنيقا بلون صاخب لم تعتده البيوت الصعيدية وشعرها منسدل بعناية وملامحها متزينة بهدوء عجيب.
كانت تحمل في يديها عدة أكياس من المشتريات ورائحة عطرها ملأت المكان في لحظة.
فـ اقتربت زينب منها بخطى حذرة، وحدجتها بنظرة تجمع بين الدهشة والقلق ثم سألتها:
"إي دا يا بنتي كنتي فين؟! ولابسة اكده ليه عاد"
ابتسمت سحابة ابتسامة خفيفة وقالت بنبرة ساخرة:
"روحت أهتم بنفسي يا حجة… علشان إن شاء الله لما أطلج… أعرف أتجوز تاني زي الناس"
صعق الجميع. أما أسد فكانت تلك الكلمات كمن صب الزيت على ناره المتأججة.
تقدم منها بخطوات سريعة وصاح بصوت غاضب:
"اي المنظر دا.... مينفعش تمشي اكده بشعرك وسط الناس"
رفعت حاجبيها وردت بثبات:
"أنا حرة… وانت مالك؟"
اشتعل الغضب في عينيه أكثر وتقدم منها حتى كاد وجهه يلاصق وجهها وهدر:
"لع مش حرة… انتي مرتي… وأنا ليا الحق أجولك تلبسي إزاي وتتصرفي إزاي… وجواز إيه تاني عاد ال بتتكلمي عنه هااا"
رمقته سحابه بنظرة حادة وقالت:
"زي ما انت اتجوزت… ولا هو بمزاجك انت بس"
فقد أسد أعصابه تماما ومد يده وسحبها بقوة من ذراعها وهو يقول:
"تعالي معايا دلوجتي بدل ما ارتكب جريمه فيكي"
لم تقاومه سحابه لكنها نظرت للحاضرين بنظرة حاده قبل أن تختفي معه داخل البيت.
وصعد بها إلى غرفتهما بخطوات متسارعة ودخل خلفها وأغلق الباب بقوة، فارتج البيت كله على صدى صوت الباب.
فـ اندفع أسد إلى الداخل وعيناه تقدحان شرا وصوته خرج مدويا كالرعد:
"اي ده.... إي المنظر ده وازاي تخرجي اكده لبس ومكياج فاكرة نفسك عروسة"
وقفت سحابة بثبات في منتصف الغرفة وكتفاها مرفوعان ونظرتها حادة كالسيف. ثم ردت ببرود مستفز:
"براحتي وأول ما تطلجني هتجوز... وأعيش حياتي زي ما إنت عايش حياتك"
هدر الغضب في صدره ويده هوت على الطاولة الصغيرة بجواره فكسرها في لحظة وتناثر الخشب والزجاج على الأرض.
فـ رفعت حاجبيها وهي تصرخ:
"متضايج ليه..... مش إنت بتحب مرتك التانية مش إنت سيبتني اهنيه زي الكلبة تسع سنين ولا نسيت"
تقدم منها بخطواتٍ غاضبة وصوته غلظ من شدة القهر:
"وإنتي كمان مرتي! فاهمة...... مرتي.. ولا انتي ال خلاص نسيتيني ونسيتي اني جوزك"
اهتزت أنفاسها، وتراجعت خطوة ثم هتفت بنبرة تحمل وجعا دفينا:
"أنا عمري ما نسيتك... ولا حبيت حد زيك... بس إنت واطي... متستاهلنيش"
اقترب منها فجأة ورفع يده ليلمس وجهها بأنامله المرتعشة كأنه يتحسس شيئا كان يخاف أن يضيع منه للأبد. ثم همس بصوت مكسور:
"من يوم ما نزلت مصر... وإحنا بعاد... هو أنا خلاص؟ موحشتكيش"
اضطربت سحابة وارتعشت عيناها وهي تحاول الابتعاد لكنها لم تكن تملك القوة الكافية. فهتفت بصوت مرتجف:
"أوعى تلمسني... إنت ملكش حق تقربلي اصلا... ابعد عني"
لكن أسد لم يتوقف. كان جسده يقترب أكثر ولمسته تذيب ما تبقى من مقاومة. ثم في لحظة صامتة مشتعلة مال برأسه نحوها وطبع قبلة على شفتيها.
قبلة ليست كالقبل بل انفجار من الشوق والغياب والعذاب. لم تستطع سحابه أن تبعده ولم تستطع أن ترفضه. ولأول مرة، لم يكن هناك إلا الحنين بينهما.
وفي صباحٍ جديد كانت سحابه نائمة في بين أحضان أسد وصدره العاري يلاصقها كأن لا شيء قد حدث بالأمس سوى دفءٍ خادع.
وما إن فتحت عينيها حتى صدمت بالمشهد واتسعت عيناها وتشنج جسدها في لحظة. ثم نهضت فجأة يكسو صوتها ارتعاش وغضب:
"ضحكت عليا تاني"
فتح أسد عينيه ببطء ونظر إليها بثبات ونبرة صوته تحمل هدوءا لا يخلو من عناد:
"ضحكت عليكي في إي عاد.... إنتي مرتي وال حوصل بينا طبيعي"
أدارت وجهها عنه محاولة الابتعاد ثم صرخت بحرقة:
"لغ مش طبيعي علشان .. أنا مش عايزاك"
اقترب منها ورفع صوته مرددا:
"وأنا عايزك.... وعايزك تفضلي معايا... ومع ابننا. ومش هطلجك مهما حصول ومهما عملتي واعتبريها زي ما انتي عايزه"
وقبل أن ترد انفتح الباب بعنف واقتحمت جهاد الغرفة بخطوات غاضبة. فـ استدار إليها أسد وقد علا صوته بانفعال:
"إنتي داخلة ليه من غير ما تخبطي؟!"
نظرت إليه بعينين يكسوهما التحدي وقالت بنبرة قاطعة:
"أنا عايزاك... دلوجتي حالا"
ثم استدارت وذهبت إلى غرفتها. أما أسد فنظر إليها لحظة طويلة بنظرة يصعب تفسيرها ثم تبعها دون أن ينطق بحرف.
و وقفت سحابة وحدها ودموعها تتساقط في صمت. وضربت صدرها بكفيها وهمست بألم:
"انا غبية... غبية إني ضعفت جدامه ومجدرتش أقاومه... لازم أشيل حبه من جلبي بأي طريجه.. يارب ساعدني.. انت العالم بيا وشايف ال بيوحصلي.. ساعدني يارب"
وعند أسد كان يقف في غرفة جهاد وعيناه مشتعلة بالغضب وجسده مشدودا وكأن كل عضلة فيه على استعداد للانفجار.
وهو نظر إليها بتركي ثم تحدث بصوت غاضب:
"علشان هي مرتي... مرتي افهمي بجا"
ردت جهاد بنظرة مليئة بالشك والقلق:
"لع... انت بتحبني أنا وبتكرهها.. انت مش بتحب حد غيري"
أجابها أسد بعنف، وهو يهز رأسه في استنكار:
"عمري ما كرهتها ولا جولت إني بكرهها... انا مكدبتش عليكي في حاجة يا جهاد وانتي عارفه كل حاجه من الاول"
اقتربت جهاد منه بسرعه وأخذت المنشفة من على الطاولة وبدأت تمسح صدره العاري بحركات بطيئة وهمست بنبرة مليئة بالهوس:
"مش لازم تكون لمساتها عليك.. مينفعش.. مينفعش تلمسك.. ولا اي واحده غيري لازم تلمسك.. انا بس.. انت جوزي انا... جوزي لوحدي"
سحب أسد المنشفة منها بعنف وألقاها على الأرض، وعيناه تبرقان بالغضب الشديد وردد:
"مالك إنتب اتجننتي ولا إي عاد.. ما تفووجي شويه اي الجنان دا"
نظرت إليه جهاد بعينين مليئتين بالجنون وقالت بنبرة مرتجفة:
"أيوه... اتجننت بيك... أنا مجنونة بيك... وبحبك... وانت بتحبني.. بتحبني لوحدي"
تنهد اسد بضيق نظر إليها نظرة حادة، ثم قال ببرود:
"وأنا بحبك بس دي مرتي وأم ابني يا جهاد.. اوعي تنسي الموضوع دا"
وقبل أن يواصل حديثه فجأة جاء صوت صراخ من الخارج. فـ هرع أسد نحو الباب ليجد الجميع في حالة من الفزع.
وكانت سحابة على الأرض، تبكي بصوت عالي وتصرخ قائلة:
"فارس مش موجود... ابني اتخطف يا أسد.. ريم خدت ابني"
توقفت اللحظة فجأة وعم الصمت في المكان. كانت عيون أسد تتنقل بين الجميع بينما الدماء تتجمد في عروقه.
رواية جبروت في قلب صعيدي الفصل الخامس 5 - بقلم نور الشامي
كان فارس جالسا في حضنها يختبئ من الخوف يبلل كتفها بدموعه الصغيرة وهي تمسح على رأسه بحنان تهدئه بكلمات دافئة علها تطفئ ما في قلبه من فزع وردد بخوف:
هو انتي هتجتليني؟
قالها بصوت باكي مرتعش وهو يتشبث بملابسها أكثر فـ ابتسمت له ريم رغم الألم في عينيها وربتت على ظهره مردفه:
لع طبعا يا حبيبي مستحيل أجتلك... دا أنا بحبك وهجيبلك حاجات حلوة كتيره جوي.
وقبل أن تنهض لإحضار قطعة شوكولاتة كانت على الطاولة دوى صوت إطلاق نار في الخارج تبعه صوت ارتطام الباب بقوة واتسعت عيناها وجمدت في مكانها وقلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها حتي انفتح الباب بعنف واقتحم المكان أسد يتقدمه فهد وعدد من الحراس وجميعهم يحملون وجوها صارمة ونظرات مشتعلة فصرخ فارس فجأة وركض نحو الداخلين وهتف:
بابااا.
انحنى أسد سريعا واحتضن ابنه بقوة، ضاما إياه إلى صدره كمن استعاد روحه وردد:
انت كويس؟ حد عملك حاجة.... حد لمسك؟
قالها بصوت ملهوف مرتعش وهو يتفقد الطفل من رأسه حتى قدميه ووقفت ريم تنظر إليهما بصمت ثم قالت بهدوء مشوب بالمرارة:
متخافش... أنا مش زيك. مستحيل أأذي طفل صغير.
تحول وجه أسد في لحظة ونهض واقترب منها بخطوات غاضبة ثم أمسك يدها بشدة وعيناه تلمعان بالغضب:
بس أنا... أنا هجتلك.
ابتسمت ريم بسخريه وهي تلامس وجهه مردده بابتسامه:
وآهون عليك برده تجتلني؟
وفجاه تدخل فهد بسرعة وجذب أسد للخلف وأبعده عنها ثم وقف أمامها وقال بصوت حازم:
احنا فاهمينك كويس يا ريم. وعارفين إنك بتلعبي معانا بالطريجه دي علشان تخوفينا بس لو قربتي من الولد تاني... أنا ال هجتلك.
رفعت ريم ذقنها بشموخ وصوتها اهتز بالغضب وهتفت:
زي ما جتلتوا جوزي صوح احنا لسه بنبدأ. ومهما حوصل... مستحيل أسيبكم. وهنتجم منكم.
نظر إليها أسد بسخرية وضحكة خفيفة خرجت قبل أن يقول:
ابجي وريني هتعملي إي عاد؟
انهي اسد كلماته ثم أمسك يد ابنه وخرج دون أن يلتفت خلفه وخلفه فهد والحراس تاركين ريم واقفة في منتصف المكان والنار تتقد في صدرها.
وفي صباح يوم جديد...كانت سحابة جالسة في غرفتها تقلب في هاتفها بملل قبل أن تجري اتصالا سريعا ورفعت الهاتف إلى أذنها وهمست بنبرة خافتة:
متقلقش... مش هتأخر.... هاجي في الميعاد ان شاء الله.
أنهت المكالمة وهي تنهض من على طرف السرير تهم بالخروج لكن خطوات خفيفة جذبت انتباهها ورفعت عينيها لتجد جهاد واقفة عند باب الغرفة تنظر إليها بنظرة مشحونة ورددت بحده:
احنا لازم نتكلم يا سحابة.. دلوجتي حالا.
رفعت سحابة حاجبها في استنكار وهتفت:
نتكلم؟ عن إي بجا ان شاء الله؟
خطت جهاد للداخل وارتجف صوتها وههتفت:
انتي متعرفيش أنا بحب أسد قد إي... مجدرش أعيش من غيره لحظه واحده.. هو كب حياتي لو سابني انا هكوت ومهما وصفتلك والله ما هتستوعبي انا ازاي بحبه.
أغمضت سحابة عينيها لوهلة ثم فتحتها ونظرت إليها بجمود:
والمطلوب مني إي بجا ان شاء الله؟
جهاد بحده:
تسيبيه... وتبعدي عنه خالص... اطلجي وامشي انا حاولت معاه كتير جوي علشان نرجع نسافر تاني بس هو رفض.. فلازم انتي ال تمشي.
ضحكت سحابة بسخرية ثم اقتربت منها خطوة ورددت بحدة:
انتي ازاي بجحه اكده.... متجوزة جوزي وكمان عايزاني أنا ال أسيبه؟
ردت جهاد بانفعال وهي تلوح بيدها:
علشان أنا أحق بيه منك.... أنا ال كنت معاه طول التسع سنين ال فاتوا.
تقدمت سحابة نحوها وهي تصرخ:
وأنا؟ أنا ال عيشت في نار سنين أنا ال اتعذبت واتمرمطت وأنا ال كنت كل يوم بعيط وهو مش موجود اصلا وانتي جاية دلوجتي تاخدي كل حاجة بالساهل وكمان عايزاني اسيب جوزي؟
تراجعت جهاد خطوة وهي تصيح:
أنا مش هسيبه... وجيت أحذرك بالذوق بدل ما أتصرف معاكي بالعافية.
اشتعلت عينا سحابة بالغضب لكن قبل أن ترد انفتح باب الغرفة بعنف وظهر أسد من بعيد يقترب من الغرفه وفي لمح البصر، التفتت جهاد نحوه ثم أمسكت بكوب زجاجي من على الكومود و ضربته بالحائط فتكسر وأخذت شظية حادة وجرحت بها ذراعها ثم صرخت وهي تسقط على الأرض:
اااااه.. ساعدوني.. ليه اكده ياسحابه.. حرام عليكي انا عملتلك اي؟
اندفع اسد نحوها سريعا مرددا:
جهاد!..... إي ال حوصل.. مالك اي ال عمل فيكي اكده؟
وقفت سحابة مصدومه تتنفس بعنف وعيناها تتحركان بين جهاد التي تئن على الأرض والدم يسيل من ذراعها وبين أسد الذي جلس جوارها يحاول إسعافها وبعد فتره أسند أسد جهاد بحذر وقادها خارج الغرفة بخطوات ثابتة ثم أجلسها على الأريكة المجاورة ووضع يده على كتفها ليطمئنها قائلا بنبرة هادئة رغم غضبه المكتوم:
ـارتاحي دلوجتي... أنا هتصرف.
هزت رأسها وهي تذرف دموعا مصطنعة ثم مسحت خديها بكفها المرتجف وقالت بصوت متهدج:
هي ال عملت فيا اكده يا أسد... والله ما عملتلها حاجة دي هجمت عليا من غير سبب.
ضاقت عينا أسد وهو يزفر بضيق ثم التفت عائدا إلى الغرفة بخطوات متسارعة وما إن فتح الباب حتى وجد سحابة تستعد لمغادرة المكان فوقف أمامها مانعا إياها من المرور وهتف بنبرة غاضبة:
ـرايحة فين؟ إزاي تعملي اكده في جهاد؟
تطلعت إليه سحابة بدهشة ممتزجة بالغضب ثم أجابته ببرود يخفي وراءه جرحا عميقا:
معملتلهاش حاجة... وعايز تصدج صدج مش عايز إنت حر.
شدد اسد على أسنانه واقترب منها حتى كاد يلامسها وهو يقول بلهجة حادة:
مش هتمشي ومتتكلميش بالاسلوب دا تاني.
رفعت سحابه رأسها في تحدي وقالت بثبات:
لع همشي... عندي مشوار مهم وهروح يعني هروح انت ملكش انك تجولي اكده اصلا.
أشار اسد بيده نحوها وهو يتقدم خطوة أخرى مرددل:
وإنتي المفروض تستأذنيني الأول... أنا جوزك وبطلي العناد ال انتي فيه دا بجا.
ضحكت سحابة بسخرية مؤلمة ورددت:
جوزي؟ أنا مش بعتبرك جوزي أصلا روح للممثلة ال اتجوزتها وسيبني في حالي بجا واها لو ريم عملت حاجة في ابني تاني... والله ما هسكت.... أنا مش مجبورة أستحمل مصايبك ولا بلاوي الناس ال جايبهم يدوسوا على حياتي.
تجمد وجه أسد للحظة قبل أن ينفجر صوته غاضبا:
مصايب إي؟ انتي عبيطة ولا إي؟ إنتي عارفة كويس مين ال جتل الراجل ال كان هيتجوز ريم... بلاش تستعبطي بجا.. ليه محسساني انك انتي البريئه المظلومه في موضوع ريم دا؟
ارتجف وجه سحابة وانطفأ بريق عينيها للحظة ثم نظرت إليه بنظرات مضطربة لا تعلم ما إن كانت صدمتها مما قال أم من جراءته حتي استدارت دون أن تنطق وفتحت الباب محاولة الخروج واسد لا يزال يحدق في أثرها حتي أشار إلى أحد الحراس واقترب منه بصوت خافت صارم:
راقبها... وعايز أعرف كل حركة بتعملها لحظه بلحظه.
أومأ الحارس بطاعة بينما كانت سحابة تغادر المكان وخطواتها مثقلة بتلك الحقيقة التي باتت تلاحقها الآن أكثر من أي وقت مضى.
وفي المساء كان الليل قد بسط أجنحته على المكان والسكون يلف الحديقة الواسعة إلا من صوت خطوات فهد المتثاقلة وهو يتمشى ذهابا وإيابا ممسكا بهاتفه ويتحدث بانفعال متصاعد فقال وهو يضغط على أسنانه مردفا:
بطلي العناد ال انتي فيه دا يا ملك... أعمل إي أكتر من اكده يعني... أنا رجعت وبرده مش راضية تسامحيني ولا حتى تردي عليا بكلمة....انتي عارفه زين اني كان لازم اسلفر حتي لو غصب عني... كان عاجبك واحنا مش لاجيين ناكل؟
ساد الصمت لثواني ثم تابع بصوت أعلى وقد بدأت نبرته ترتجف بالغضب:
يعني خلاص.... مش فارق معاكي؟ مش مهم اي حاجه عندك اكده؟
وفجأة ودون تردد القى بالهاتف أرضا بعنف فارتطم بالصخور وتبعثرت أجزاؤه. في تلك اللحظة ظهر أسد من بين الظلال يقترب بخطوات هادئة وصوت منخفض:
فيه إيه يا فهد.... مالك اكده؟
تنهد فهد بعمق وركل حجرا صغيرا تحت قدمه ثم نظر إلىه وقال بمرارة:
اختك يا أسد...ملك مش راضية تسامحني ولا تكلمني... أعمل إي تاني كان عاجبها زمان وإحنا بنعافر في لقمة العيش... بس لما قررت أسافر علشان أبني نفسي... اتقلبت عليا... انا عملت اي عاد لكل دا مش فاهم.
وقف أسد إلى جواره يضع يديه في جيبه وعيناه تتأملان السماء الملبدة ثم قال بصوت هادئ:
بكرة تفهم كل حاجة... الزمن كفيل يوضحلها ال في جلبك.
ظل فهد صامتا لثواني قبل أن يحول نظره إلى أسد فجأة ويقول:
وأنت؟ إي حكايتك مع سحابة؟
أطرق أسد برأسه قليلا وزفر بضيق ثم أجاب بصوت مبحوح:
م عارف... كنت فاكر إنها مش مهمة بالنسبالي بس الموضوع طلع مش إني عايزها علشان فارس وبس انا عايزها علشاني أنا كمان مش عايزها تبعد... أنا حاسس إني تايه من غيرها.
ابتسم فهد بخفة وهز رأسه:
يبجي بتحبها...وأنت أصلا ساعة ما اتجوزتها مكنتش بتكرهها...
انت كنت معجب بيها بس عنيد زي عادتك!
وقبل أن يرد أسد ظهر أحد الحراس من بعيد يقترب منهم بخطوات ثابتة وفي يده ظرف مغلق وتوقف أمام أسد وقدم له الظرف باحترام:
اتفضل يا بيه... دا الشخص ال سحابة هانم كانت جاعدة معاه النهاردة.
تجمدت ملامح أسد وحدق في الظرف بين يديه ثم تمتم بصدمة:
شخص مين؟
فتح الظرف بسرعة وأخرج الصور واحدة تلو الأخرى وما إن وقعت عيناه على ما فيها حتى اتسعتا بذهول وسقطت إحدى الصور من بين يديه دون أن يشعر.
وبعد فترة وقف أمامها عاري الصدر وعيناه تتقدان غضبا واحتقارا، ويده تقبض على مجموعة من الأوراق النقدية، ورفعها ورماها في وجهها دون أن يرمش وصوته يجلجل في المكان مرددا:
عايزة فلوس؟ خدي مش دول اللي خونتيني علشانهم.. أهم معاكي دلوجتي.
تجمدت سحابة في مكانها وتبدلت ملامحها بين الصدمة والإنكار وتمتمت بصوت مرتجف:
انت بتجول إي؟ خيانة إي عاد اللي بتتكلم عنه؟
اقترب أسد منها بخطوات ثقيلة، وكل خطوة منه كانت كسكين يمزق صمتها، ونظر إليها نظرة حارقة ثم قال بصوت مبحوح يقطر مرارة:
أنا عرفت كل حاجة.. وانتي عاملالي البريئة طول السنين.. وانتي أصلا بتخونيني.. وأنا اللي كان ضميري بيأنبني على اللي عملته فيكي.. انتي طلعتي متستاهليش أي حاجة خالص.
أنهى أسد كلماته ومد يده عنوة ووضع المال في يدها المرتجفة ثم أكمل بسخرية جارحة:
مش دي اللي كنتي عايزاها؟ خدي فلوس أهي.
دفعته سحابة بدموع حارقة وانكسار لا يمكن إخفاؤه وهتفت:
انت فاكرني واحدة رخيصة علشان تتعامل معايا أكده؟
ضحك أسد ضحكة قصيرة مشوبة بالقهر والخذلان ثم قال وهو يحدق في عينيها:
إنتي أرخص واحدة شوفتها.. واتعاملت معاها ومن النهاردة.. لما أعوز أقربلك بعد أكده هدفع تمنك بالفلوس يا مرتي الحلوة المظلومة.
رمى أسد دفعة أخرى من النقود في وجهها ثم مد يده نحوها محاولا انتزاع ما تبقى من كرامتها، لكن الزمن تجمد عند تلك اللحظة ومزق ثيابها فصرخت سحابة وهي تدفعه بعيدا مرددة:
الشخص اللي انت بتجول إنّي بخونه معاك ده وجايبلي صورة يبقي رأفت.. شخص أنا هشتغل عنده علشان أستقل بنفسي.. علشان لما أطلق وأمشي من هنا أنا وابني يبقي معايا فلوس أعرف أصرف عليه.. انت فاكرني إيه.. واحدة رخيصة.. أنا محترمة ومستحيل أعمل كده مش عشانك.. عشان نفسي.. وخد الفون أهه شوفه واتأكد من كل حاجة بس من اللحظة دي أنا مش عايزاك.. أنا بكرهك.. سيبني في حالي بحق انت عايز مني إيه... عايز تموتني.. عايزني أقتل نفسي.. عايزني أعيش طول عمري تعيسة... والصبح بتجولي على جوز ريم.. أيوه أنا... أنا اللي قتلته.. بس قتلته إزاي؟ عشانك.. انت كنت بتموت وأنا مش بعرف أسوق كان لازم أوصلك المستشفى وخبطته فـ ضب عني.. جسماً بالله غصب عني وجولتلك كتير بلاش تتهم نفسك إنك أنت اللي عملت كده.. وسيبني أعترف على نفسي وانت رفضت وبسبب كل ده أجبروك تتجوز ريم.. أنا كنت بحاول أنقذك بأي طريقة.. ومستعدة أستحمل نتيجة اللي عملته وأروح أقول للشرطي إني أنا السبب مش انت بس كفاية.. كفاية يا أسد ارحمني أنا تعبت.. أنا ماشية.. مش هقعد هنا خلاص.
تقدمت سحابة نحو باب الغرفة ويدها على المقبض والدموع لا تزال معلقة في عينيها وأنفاسها تتسارع وقلبها مثقل بالكلمات التي قالتها والجرح الذي لم يندمل بعد.
لكن قبل أن تتمكن من فتح الباب سحبها أسد من ذراعها بقوة جعلتها تستدير رغما عنها وجسده التصق بها كأنما يريد أن يمنعها من الرحيل بأي طريقة وردد:
استني... بالله عليكي متسبنيش كده... أنا آسف... آسف على كل حاجة... خليكي هنا.
حاولت سحابة أن تدفعه وأن تبعد يده عن ذراعها لكن يدها كانت ترتجف وقلبها يخونها ونظرت إلى عينيه المشتعلتين فاهتزت بداخلها كل جدران الغضب ورددت:
سيبني يا أسد... كفاية... أنا مش قادرة أكمل.
لكنه لم يتركها بل ضمها إليه بقوة أكبر، كأن دفء جسده هو آخر حائط يمكنه الاحتماء خلفه وهتف:
لأ.. مش هسيبك... انتي لازم تفضلي معايا... متبعديش عني يا سحابة... بلاش تروحي بالله عليكي.
ثم اقترب منها ببطء ويداه ترتجفان وهو يرفع كفه ليمسح دمعة سقطت على خدها وهمس:
أنا بحبك... وغبي إني فهمت ده متأخر.
لم تمنعه سحابة حين انحنى وقبلها قبلة مرتجفة كأنها اعتراف أخير، فحاولت أن تبتعد أن تذكر نفسها بكل الألم لكنها فشلت بين ذراعيه وشعرت بأنها ما تزال تنتمي إلى هذا القلب رغم كل شيء.
حتى اختفى الفاصل بين الانكسار والحب، بين الندم والعشق، ورغم كل الانكسارات... كان قلبه قد بدأ يستكين وروحه المضطربة وجدت في عينيها ما هدأ من عاصفته وضمها إليه بقوة، كأنه يخشى أن تفلت منه من جديد فاستسلمت له هي الأخرى رغم كل الألم ورغم كل الذكريات التي حفرت جراحها في أعماقها ولم تكن تعلم أهو حب أم مجرد ضعف، أما هو فكان يظن أن لحظتهما تلك ستبقيها معه للأبد فهمس لها وهو يمسح دموعها:
أنا مش هسيبك تاني... وعد.
لكن وسط هذا الهدوء الغريب تسلل شعور ثقيل إلى صدره كأن شيئاً ما ينذر بالخطر وتجهمت ملامحه فجأة وأدار رأسه نحو الباب... ورائحة حارقة تسللت إلى أنفه منبعثة من الغرفة نفسها فـ تراجع بخطوة ثم قال بقلق:
فيه ريحة دخان جامدة.
اقترب أسد من الباب ببطء وعيناه تتابعان ذلك الخط الرفيع من الدخان الذي بدأ ينساب من تحته، ولحظة واحدة فقط... كانت كافية لتتحول السكينة إلى فزع، ففتح الباب بعنف، وفجأة... اندلع اللهب فـ تراجع على الفور وقلبه يرتجف والشرر يتطاير أمام عينيه والغرفة بدأت تشتعل والجدران تلتهمها ألسنة النار والدخان الكثيف بدأ يخنق الهواء فصرخ وهو يركض نحوها:
سحابة النار.. جومي معايا بسرعة.
رواية جبروت في قلب صعيدي الفصل السادس 6 - بقلم نور الشامي
اقترب أسد من الباب ببطء وعيناه تتابعان ذلك الخط الرفيع من الدخان الذي بدأ ينساب من تحته.
ولحظة واحدة فقط، كانت كافية لتتحول السكينة إلى فزع.
فتح الباب بعنف، وفجأة اندلع اللهب.
فتراجع على الفور وقلبه يرتجف والشرر يتطاير أمام عينيه.
والغرفة بدأت تشتعل والجدران تلتهمها ألسنة النار.
والدخان الكثيف بدأ يخنق الهواء.
فصرخ وهو يركض نحوها:
سحابة النار، قومي معايا بسرعة.
رواية جبروت في قلب صعيدي الفصل السابع 7 - بقلم نور الشامي
تقدمت ريم من فهد بخطوات واثقة ونظراتها تتحدى عيون الجالسين.
حتى وقفت بجواره.
ثم مدت يدها وأمسكت بيده أمام الجميع.
فتجمدت الحركة على المائدة وساد صمت ثقيل.
قبل أن يرتفع صوت ملك فجأة وهي تنهض من مكانها بحدة:
"إيه ده؟! إنتي ماسكة إيده كده ليه عاد... هو في أي بالظبط... ما حد يتكلم ويقول أي حاجة."
نظرت ريم إليها بابتسامة باردة وقالت بثقة:
"لو ممسكتش إيد جوزي... همسك مين عاد."
نظر الجميع إليها بصدمة، بالتحديد ملك التي تجمدت مكانها.
حتى تدخلت زينب ورددت بصوت مختنق وهي تضع يدها على صدرها:
"ليه يا فهد... ليه كده يا ابني سايب بنات الدنيا كلها وجاي تتجوز دي... ريم اللي كانت السبب في كل المصايب اللي حصلتلنا في حياتنا... ليه بس كده يا ابني."
كانت زينب تتحدث بحسرة، لكن فهد لم يتفوه بأي حرف.
حتى تدخل أسد بصوت حاد مرددًا:
"وريها الأوضة يا فهد... ومش عايز أسمع ولا كلمة في الموضوع ده... كفاية كده بقى... محدش فاهم أي حاجة."
تحرك فهد بصمت وريم تسير بجواره دون أن تلتفت لأحد.
في حين كان الجميع يتابعهم بعيون متوترة مشدوهة.
وفجأة أطلقت ملك شهقة بكاء وركضت نحو غرفتها.
دموعها تنساب بغزارة وهي تغلق الباب خلفها بقوة.
ليَبقى صداها يرتج في أرجاء المنزل.
وفيما خيم التوتر من جديد، اقتربت جهاد من أسد وأمسكت يده.
وابتسمت بنبرة تمزج بين الخبث والانتصار وهتفت:
"بصراحة يوم حلو قوي... خبرين يفرحوا... جواز فهد وحملي... إحنا لازم نعمل حفلة بقى."
لكن أسد سحب يده منها بهدوء دون أن يعطي أي رد فعل.
وعيناه على سحابة التي وقفت مكانها دون أن تتكلم.
ونظرت للحاضرين نظرة صامتة.
ثم استدارت وصعدت إلى غرفتها بخطوات ثقيلة.
وكأن الألم يسحبها بعيدًا عن كل ما يحدث.
فأقتربت جهاد من أسد مرة أخرى ورددت بضيق:
"إيه يا أسد... أنا حاسة إنك مش مبسوط بحملي... هو في أي عاد... المفروض تبقى أسعد واحد في الدنيا دلوقتي. ولا عشان عندك ولد تاني."
تنهد أسد بضيق وهتف:
"لأ... أنا مبسوط... ومبسوط قوي كمان. أنتي اللي مش واخدة بالك ومش عارفة تختاري الوقت المناسب اللي تقولي فيه الخبر."
نظرت جهاد إلى أسد بضيق ورددت بحده:
"أسد... هو في أي بالظبط... مش ملاحظ إن قلبك بقى قاسي معايا قوي؟ أنا عارفة إني بغلط كتير قوي بس ده مش مبرر للمعاملة دي. ولا أنت جالك حن لست الحسن والجمال."
اقترب أسد منها وقال بصوت متهدج يسيطر عليه الغضب المكبوت مرددًا:
"لأ يا جهاد... قلبي محنش... بس أنا كنت فاكر إنك اتغيرتي وصدقتك لما قولتي إنك ندمانة وعاوزة تفتحي صفحة جديدة. أنا حذرتك قبل ما ننزل مصر... طولتلك متعمليش أي غلط ومتدخليش في أي حاجة متخصكيش... بس إنتي مسمعتنيش وكنا هنموت كلنا بسببك."
اتسعت عينا جهاد وجاءت لتتحدث، ولكن أسد لم يمهلها الرد.
بل أكمل بثبات:
"أنا وقفت قصاد الكل عشانك... وخسرت كل حاجة ودمرت بيتي... وفي الآخر؟ ولا كأنك شايفه ولا هامك غير نفسك وبرودك وغرورك وبس. لو ما غيرتيش... وفضلتي على النظام ده ودماغك دي، قسما بالله العظيم ما هتفضلي على ذمتي يوم تاني وهطلقك، وساعتها مش هينفع ندم."
ثم أشار بيده إشارة حاسمة وهو يضيف:
"وسحابة؟ سحابة مرتي... وأم ابني وزيك زيها بالظبط... يعني لما تتكلمي عنها تتكلمي كويس وباحترام... علشان أنا مش هسمح لحد يهينها حتى لو كنتي إنتي."
استدار أسد دون أن يضيف كلمة ومشى مبتعدًا بخطوات هادئة.
وغاب صوته، لكن كلماته ظلت ترن في أذنها كصفعة لا تُنسى.
وفي هدوء الليل كانت ملك تجلس على حافة سريرها والغرفة تكتسي بسكون ثقيل.
لا يقطعه سوى صوت بكائها المكتوم.
وكانت عيناها متورمتين من كثرة الدموع ويديها تتشابكان في حضنها.
كأنها تحاول احتضان الألم بداخلهما.
دون أن تطرق الباب و دخلت سحابة بخطوات خفيفة.
ورغم الحزن في ملامحها إلا أن عينيها كانتا تحملان دفئًا مختلفًا.
واقتربت منها وجلست بجوارها.
ثم مدت يديها تمسح دموعها برفق وقالت بصوت هادئ:
"هتفضلي على النظام ده لحد امتى يا ملك؟ البكا مش هيرجع حاجة... ولا هيغير الواقع... هو خلاص اتجوز."
نظرت ملك إليها بعينين باكيتين وهمست بصوت مختنق:
"أنا لسه بحبه يا سحابة... بحبه قوي ومش قادرة أستوعب إنه خلاص... خلاص اتجوز وإنه بقى لحد تاني. وريم كمان... ريم... فهد اتجوز ريم."
تنهدت سحابة بحزن ووضعت يدها على يد ملك وقالت:
"عارفة إنك موجوعة... ووجعك كبير. بس متعتيش في إيدك أي حاجة عشان تعمليها... هتفضلي كده تعيطي وتتعبي أكتر وبرضه كل حاجة هتفضل زي ما هي... أنا متأكدة إن فيه سبب خصوصًا إن أسد ساكت... أنا والله حاسة إن فيه حاجة كبيرة قوي أو خطة منهم مثلا."
رفعت ملك نظرها نحوها والدموع لا تزال تلمع في عينيها ورددت:
"أنا مليش صالح بكل ده. أنا حلمت بيه سنين... فهد ده حب عمري... ده الشخص الوحيد اللي حبيته في حياتي كلها يا سحابة. أنا محبيتش حد زيه."
أجابتها سحابة بهدوء حزين وهتفت:
"والله ما عارفة أقولك إيه... بس كل اللي أقدر أقوله إن إن شاء الله كل ده هيعدي... بطلي عياط بقى بالله عليكي."
وفي تلك اللحظة فتح باب الغرفة برفق ودخل فارس الطفل الصغير بخطواته البريئة.
وفي يده وردتان صغيرتان، واحدة حمراء وأخرى بيضاء.
وا اقترب منهما بابتسامة عذبة ومد يده ليعطي ملك وردة ثم سحابة الأخرى.
وهو يقول بصوته الطفولي الجميل:
"عشان انتوا زعلانين... أنا جبتلكم ورد... مينفعش تزعلوا وانتوا حلوين كده."
لم تتمالك ملك نفسها فضحكت وهي تمسح دموعها.
بينما سحابة ضمت فارس إلى صدرها وقالت:
"ربنا يخليك لينا يا حبيبي... دايما بتعرف تطيب الخاطر كده... والله انت عوضي في الدنيا دي كلها."
احتضنهما فارس معًا وظلوا هكذا للحظات.
كأن براءته كانت البلسم الوحيد في ذلك الليل المثقل بالوجع.
وبعد فترة قصيرة كان فهد يقف أمام نافذة غرفته يدخن سيجارته بنظرات شاردة.
عارٍ الصدر والغرفة تغمرها ظلال خافتة من ضوء القمر المتسلل.
لم يكن يسمع سوى صوت أنفاسه وصدى أفكاره المتشابكة التي لا تهدأ.
وبينما هو غارق في شروده شعر بحركة خلفه.
فالتفت بسرعة ليفاجأ بريم تقترب منه بخطوات هادئة.
ترتدي قميص نوم حريري ينساب على جسدها في إغراء متعمد.
فانفزع فهد وارتبك للحظة.
ثم التقط قميصه الملقى على الكرسي وارتداه على عجل.
قبل أن يهتف بغضب:
"إيه اللي انتي لابساه ده.... هو في أي بالظبط."
اقتربت ريم أكثر بعينين ثابتتين ونبرة هادئة وهتفت:
"مش إحنا متجوزين... هو في حد غريب هنا عشان ال بتعمله ده... أنت اللي في أي عاد."
أجابها بحدة وهو يشيح بوجهه بعيدًا:
"متجوزين؟! ده جواز على ورق وبس يا ريم... مفيش بينا حاجة من دي فاهمة."
ابتسمت ريم بسخرية باهتة ورددت بهدوء:
"على ورق بالنسبالك... بس بالنسبالي جواز كامل... وأنا مش طالبة منك حاجة بس لما أخلف... همشي ونتطلق... ولا كأن فيه حاجة حصلت."
نظر إليها فهد بذهول واتسعت عيناه بصدمة وهو يهتف:
"إنتي مجنونة صح... والله العظيم مجنونة.... إنتي مش طبيعية خالص... وأنا مستحيل ألمسك ولا أفكر ألمسك أصلًا. أنا بحب ملك... ومش هقدر أخونها حتى لو بكلمة."
ألقى فهد كلماته بنفور ظاهر واتجه نحو الباب وخرج بسرعة مغلقًا إياه خلفه بقوة.
أما ريم، فوقفت في منتصف الغرفة وعيناها تتبعان الباب المغلق.
قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة باردة وهمست لنفسها بنبرة خافتة مملوءة بالإصرار:
"أنا مش هخرج من هنا... غير لما آخد المقابل اللي يرضيني على كل اللي خسرته.. ودي الحاجة الوحيدة اللي هترضيني وتخليني أوقف انتقامي."
ثم التفتت نحو السرير وجلست وعيناها تتلألأ بشيء خفي بين الحزن والإصرار.
وفي صباح يوم جديد كانت أشعة الشمس تتسلل بخجل من نافذة الغرفة تنير أركانها بضياء خافت وهادئ.
وفي وسط هذا السكون دلف أسد إلى غرفته بخطواته الثقيلة يبحث عنها بعينيه.
ليجد سحابة تقف أمام الخزانة تهم بالخروج.
فأقترب منها بخطوتين سريعتين ثم أمسك بيدها برفق ولكن بحزم.
وصوته خرج متوترًا يحمل بين نبراته رجاء وغضبا مكبوتا وهتف:
"استني... الوضع ده مبقاش ينفع... ولازم نحدد موقفنا بقى يا سحابة... لازم دلوقتي حالا مش هنفضل نلف حوالين بعض كتير كده."
نظرت إليه سحابة بهدوء يخفي خلفه نارا مشتعلة من الألم.
وسحبت يدها ببطء ثم قالت بنبرة ثابتة:
"فعلا... لازم نحدد... أنا شفت شغل وهيتبدأ الأسبوع الجاي... ونويت أدور على شقة كمان... وبعدها هاخد فارس وأمشي."
نظر أسد إليها بصدمة كأن صاعقة ضربت قلبه وارتبك للحظة.
قبل أن ينفجر بصوته العالي:
"إيه؟! تمشي إزاي يعني؟ تاخدي ابني وتمشي؟ هو مش ابنك لوحدك... ده ابني أنا كمان يا سحابة... ابني.. إنتي ناسيه ولا إيه عاد."
نظرت إليه سحابة والدموع في عينيها تحاول أن تحبسها ورددت بصوت مرير:
"أنا مش بقول هحرمه منك... بس أنا مش هينفع أكمل في الوضع ده أكتر من كده... أنا اتكسرت كتير قوي يا أسد وكله بسببك."
اقترب منها أكثر وصوته بدأ يخفت ويمتلئ بالصدق:
"أنا عايزك... وبحبك... والله ما قلبي ارتاح إلا ليكي... ولا عرفت أعيش بجد غير وإنتي في حياتي."
هزت سحابة رأسها بعدم تصديق وهمست:
"مش مصدقاك... مش بعد كل اللي حصل ده... الكلام مبقاش يكفي يا أسد.. أنا مبقتش واثقة فيك."
وفجأة مد يده إلى درج صغير في المكتب وأخرج ملفا ووضعه بين يديها.
فتحت ببطء لتتفاجأ بعقود موثقة رسمية وجزء كبير من أملاكه كتب باسمها.
فرفعت عينيها إليه بصدمة وهمست:
"إيه ده؟!"
رد أسد عليها بثبات:
"ده حقك... حقك عن كل سنة عيشتيها لوحدك وعن كل مرة كنتي بتبكي وأنا مش جنبك. عن كل كلمة وجعتك مني... ده أقل حاجة ممكن أعملها عشانك."
نظرت إليه سحابة بعينين دامعتين وأغلقت الملف بهدوء ثم قالت:
"حقي..... أنا عمري ما كنت عايزة حقي يبقى فلوس يا أسد... أنا كان نفسي تبقى جنبي وأنا بولد ووأنا بتعب ووأنا بحاول أربي ابنك لوحدي... ابني بالنسبالي أغلى من أي حاجة......و أنا فعلاً بحبك... وبموت فيك كمان... ومش عارفة أعيش من غيرك بس... كرامتي مش هتتنازل عنها تاني... أنا مش واثقة فيك... والثقة أهم من الحب."
تركت سحابة ثم التقطت حقيبتها الصغيرة، وخرجت من الغرفة دون أن تنظر خلفها.
تاركة أسد واقفًا في مكانه قلبه ينهار بصمت.
وفجأة اخترق شروده صوت صراخ مفاجئ... عالٍ ومخيف كأنما مزق ستار الطمأنينة التي خيمت على البيت.
وانتفض من مجلسه واندفع يعدو عبر الممرات.
وقلبه يخفق بجنون والخوف يتسلل إلى صدره مع كل خطوة يخطوها نحو مصدر الصوت.
ودفع الباب بقوة فارتطم بالجدار ووقف عند العتبة للحظة.
وعيناه اتسعتا من الذهول.
كان ابنه ممددًا على السرير بلا حراك ووجهه شاحب كشمع ذائب.
وفمه مفتوح قليلا ينزلق منه سائل أبيض كثيف.
فاقترب منه بخطى مرتجفة ثم هتف:
"مالك يا حبيبي؟! فارس... رد عليا يا ابني.. فارس."
مد أسد يده يحركه ولكن الجسد ظل ساكنًا باردًا بشكل مريب.
ويده بدأت ترتجف بينما عينيه ظلت معلقة بذلك السائل الغريب.
ووقف للحظة مشلول التفكير وكل ما حوله أصبح صامتًا كالقبر.
وفجأة.
رواية جبروت في قلب صعيدي الفصل الثامن 8 - بقلم نور الشامي
ساد الصمت الرهيب أرجاء المستشفى. كان يُسمع فقط صوت أنفاس متقطعة وأنين مكتوم يتسرب من الحناجر المرتجفة في ركن الممر.
كانت سحابة واقفة كأنما انتُزعت منها الحياة. تضع يديها على صدرها في محاولة يائسة لتهدئة نبضات قلبها المتسارعة، بينما عيناها لا تفارقان باب غرفة الطوارئ المغلق.
أسد كان يسير ذهابًا وإيابًا بعصبية ظاهرة، يضع يده على رأسه تارة، ويشد شعره تارة أخرى، ويتلفت بقلق، وكأن الانتظار يفتك به.
على المقاعد جلس الجميع بقلق وخوف.
فجأة، انفتح باب الغرفة بخفة وخرج الطبيب بخطوات بطيئة ووجهه شاحب ونظراته حزينة. فتقدم أسد نحوه بسرعة ووقف أمامه، وصوته خرج متهدجًا مملوءًا برجاء:
"ابني كويس يا حكيم؟ طمني بالله عليك."
تنهد الطبيب بحرقة ثم قال بصوت خفيض وكأنه يعتذر:
"ربنا يرحمه يا أسد. الطلب وجف… وكل المحاولات منجحتش."
سقطت الكلمات على الجميع كالصاعقة. تجمدت الأنفاس وخيم الصمت الثقيل.
نظرت سحابة ولم تصدق ما سمعته، وصرخت بصوت مجروح:
"لاااااا… كدب… ابني لسه حي… نايم بس… نايم… أنا عارفه ابني عايش… فارس عايش!"
ركضت سحابة نحو الغرفة ودفعت الباب بعنف وانطلقت إلى السرير حيث يرقد فارس ممددًا بلا حراك، ووجهه أبيض كالقمر، وشفتاه منفَرَجتان قليلاً، وسكونه يرعب القلب.
فكشفت الغطاء عن وجهه بيدين مرتجفتين، ثم ارتَمت عليه تحتضنه وتهمس له:
"جوم يا فارس… جوم يا حبيبي ماما أهنبه… مش جولتلي هتجبلي ورد كل يوم؟ قوم جولي ماما بس… مرة واحدة بس يا فارس… جوم بالله عليك… أبوس يدك.. أبوس يدك يا ابني."
كانت سحابة تهزه برفق وكأنها تحاول أن تعيد الروح إلى جسده، بينما دموعها تنهمر على خديه الصغيرين وقلبها يتمزق من الداخل.
دخل أسد خلفها واقترب منها ببطء وجلس بجوار السرير، ووضع يده على رأس فارس وهمس بانكسار لم يعرفه من قبل مرددًا:
"سامحني يا ابني… سامحني أنا السبب… أنا السبب في كل حاجة… سامحني بالله عليك."
أخذت سحابة تبكي بحرقة وعيناها لا تفارق وجه ابنها وهي تقول:
"فارس… متسبنيش أكده… أنا مش هعرف أعيش من غيرك… كنت عايشة علشانك… أنت اللي كنت مخليني جادرة أكمل… أبوس يدك يا ابني جووم بالله عليك.. جوم يا فارس يلا."
انهارت سحابة على صدره… تحتضنه وكأنها ترفض أن تودعه.
في الخلف كان الباقون يبكون بحرقة على هذا الصغير الذي فقد حياته بدون ذنب.
في صباح يوم جديد، عاد الجميع من المقابر يجرون أقدامهم جراً كأن الحزن ألقى بثقله على أرواحهم. والعيون مطأطئة والوجوه غارقة في شحوب لا تخطئه عين.
أما سحابة فكانت تسير كأنها لا تشعر بما حولها، نظراتها زائغة وخطاها ثقيلة، وكأنها تركت قلبها مدفونًا بجوار ابنها. فدخلت البيت بصمت دون أن تلتفت لأحد وصعدت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها. لا صوت… ولا بكاء… فقط وجع صامت يصرخ في أعماقها.
وقفت زينب تنظر خلفها بعينين دامعتين ثم التفتت إلى أسد وهمست بانكسار:
"اطلع ورا مراتك يا أسد… هي محتاجالك دلوجتي أكتر من أي وقت تاني."
هز أسد رأسه بصمت وتنهد تنهيدة ثقيلة قبل أن يصعد خلف سحابة بخطوات بطيئة.
في تلك الأثناء، كان فهد يستعد لمغادرة البيت متجهاً نحو الباب، لكن ملك وقفت في طريقه فجأة وعيناها محمرتان وصوتها خرج مرتجفًا، وهتفت:
"فهد… استنى أنا عايزة أتكلم معاك شوية."
قبل أن يرد فهد، اقتربت ريم بخطوات سريعة وقالت بنبرة مليئة بالحدة:
"عايزة تتكلمي مع جوزي بخصوص إيه يا أختي بجا إن شاء الله؟"
رمقتها ملك بنظرة ثابتة وقالت بجرأة:
"جوزك دا يبجى ابن عمي… ومن حقي أتكلم معاه جت ما أحب."
ردت ريم وهي تعقد ذراعيها بحِدة:
"لا مش من حقك… فهد مش هيتكلم مع حد.. هو هيطلع معايا أنا دلوجتي."
فجأة ارتفع صوت فهد بغضب مكبوت وهو يصرخ:
"ولا طالع ولا هتكلم…. أنا خارج… مش فاضيلكم.. هي الحكاية ناقصاكم انتوا كمان."
استدار فهد مغادرًا بخطوات سريعة، لكن ملك لحقت به وأمسكت بيده بقوة وقالت بصوت مجروح:
"فهد… استنى بالله عليك… إحنا لازم نتكلم… ليه عملت فيا أكده؟!"
سحب فهد يده منها بقسوة ونظر إليها بسخرية مرددًا:
"بجد؟ أنتي اللي جاية تسأليني دلوطتي وزعلانة كمان؟ أنا اتحايلت عليكي قد إيه لما رجعت من السفر… أنا عملت المستحيل عشان أعرف أكلمك بس، وانتي ولا ماثر فيكي حاجة. هو أنا عملت إيه أصلاً يستاهل كل اللي انتي عملتيه دا؟ ولا انتي عايزة تقلدي سحابة وخلاص؟"
أشاحت ملك بنظرها ودموعها تنهمر، لكنه لم يتوقف، وتابع وهو يتحدث بحنق:
"إحنا مكنش لاقيين ناكل… وانتي عارفة إني كنت مسافر عشان أجيب فلوسي مش ألعب بس، لع طبعًا كل دا ولا في دماغك.. مش في دماغك غير نفسك وأنانتك. لولا إني أنا وأخوكي يا آنسة ملط سافرنا واتمرمطنا بره حضرتكم، مكنتيش عيشتي في بيت زي دا ولا ركبتي عربيات زي دي ولا الناس احترمتك أكده، ولا أخوكي سليم راح يدرس بره مصر. إحنا مكنش بنلعب هناك بس انتي كالعادة مش شايفة غير نفسك وبس…. ملكيش دعوة بيا تاني… أنا دلوجتي متجوز."
رددت ملك بصوت باكي:
"يعني خلاص أكده مبجيتش تحبني؟ مش عايزني؟"
ابتسم فهد بسخرية وقال وهو يهز رأسه:
"ياريتني ما كنت حبيتك… اللي حصل دا كله سببه حبك ولو كنتي اتعاملتي معايا كويس… مكنش ده حصل.. اتفرجي مبسوطة أكده بكل اللي إحنا فيه… دلوجتي أنا مجبور أعيش مع واحدة من أكبر أعدائي… بس على الأقل عارفة تتصرف.. عدوتي دي بتعمل واجباتها معايا أكتر من البنت اللي فضلت أحبها أكتر من 15 سنة… ملك ابعدي عني… كل حاجة بينا انتهت… ومش فاضي لحب ولا عتاب… أنا فاضي لحاجة واحدة بس دلوجتي… إني أعرف مين قتل فارس."
ألقى فهد كلماته ثم تركها واقفة وحدها والدموع تنهمر من عينيها دون توقف، بينما هو مضى في طريقه… لا يلتفت.
في المساء، كان الليل ثقيلًا كأنما يحمل على كتفيه كل الحزن الذي يعصف بالبيت. وكانت الغرفة غارقة في سكون مخيف لا يكسره سوى أنفاس متقطعة تأتي من سحابة الجالسة فوق سرير صغير يتوسط الغرفة، ترتدي ثوبًا أسود فضفاضًا وعيناها غائرتان من السهر والبكاء. ويديها تحتضن شيئًا صغيرًا كأنها تتشبث بآخر ما تبقى لها من روح ابنها.
فدخل أسد الغرفة بهدوء ينظر إليها بصمت لحظة، ثم تقدم منها ببطء وجلس إلى جوارها وقال بصوت خافت مشحون بالحزن:
"لازم ترتاحي يا سحابة… جسمك مش هيتحمل أكده.. انتي منمتيش ولا أكلتي أي حاجة."
هزت سحابة رأسها بلا رد ثم همست بصوت مخنوق:
"أرتاح؟… إزاي وأنا مش سامعة صوته؟… مش شايفة ضحكته… ابني يا أسد… ابني كان نور البيت راح… راح في ثانية واحدة أكده من بين إيديا… شوف دي كانت كراسته المفضلة… كان بيرسم فيها كل يوم… دايما يجولي هفرج بابا على الرسومات لما يرجع من السفر."
نظر أسد بداخلها. فتح أسد الكراسة وقلب صفحاتها بحذر، وفي كل صفحة وجد وجهًا صغيرًا يرسم أباه، خطوط ساذجة لكنها محملة بالحب. في كل رسمة يبتسم له الطفل بعينين واسعتين، وفي الزاوية يرسم أمه تضحك وبيته وألعابه.
فانزلقت دمعة حارقة من عيني أسد وسقطت على ورقة بالكراسة وهمس:
"كان بيحبني جوي… وأنا… وأنا مكنتش معاه..كنت بعيد عنه."
ردت سحابة وهي تبكي:
"كان بيحبك جوي.. وبيستناك بالساعات… هو كان ابني الوحيد… وسندي… وصاحبي… أنا كنت عارفة إن ده هيوحصل… أنت ظلمت ناس كتير يا أسد… وأنا كنت حاسة إن العقاب جاي… بس مكنتش متخيلة إنه هيبجى في ابني…. أنت دخلت بيتي ناس لا شبهنا ولا طبعنا… وأنا واثقة… ابني مات مقتول… مش زي ما الدكتور قال… مش أكل حاجة مسممة وخلاص.. لع.. ابني اتقتل."
نظر إليها أسد بعيون دامعة وقال بصوت ممتزج بالغضب:
"أنا هعرف مين عمل أكده… وهقتله… والله هقتله."
صرخت سحابة بصوت مكبوت وهي تنهض واقفة:
"وهستفاد إيه لما تقتله؟! هستفاد إيه يا أسد…. ابني هيرجع؟ لا يا أسد… مش هيرجع… مهما عملت مش هيرجع… وأنا كمان مش هرجع معاك."
اقترب منها بخطوات بطيئة ثم رفع يده ولمس وجهها برفق ومسح دموعها بإبهامه وقال بصوت منهار:
"سامحيني… بالله عليكي سامحيني يا سحابة… أنا آسف… أنا دمرت كل حاجة بإيدي… وضيعتك… وضيعته."
سقطت دموع أسد فوق يديها المرتعشتين وانفجرت هي في البكاء مرة أخرى. ثم ببطء… كأن جسدها فقد القدرة على المقاومة… ارتَمت بين ذراعيه واحتضنته بقوة، كأنها تبحث عن الدفء في جسده. فاحتضنها بقوة وهو يهمس:
"مش هسيبك تاني… ولا هسكت… هجيبله بتاره والله العظيم."
ساد الصمت سوى من صوت بكاء مختلط بأنفاس مرتجفة… وحضن طويل.
مع أولى خيوط الصباح تسللت أشعة الشمس الخافتة إلى الغرفة وهي تتراقص على الجدران كأنها تبحث عن حياة فقدت.
في منتصف السرير كان أسد مستلقيًا… ملامحه مرهقة وعيناه نصف مغلقة ويده تمسك رأسه بألم شديد. ففتح عينيه ببطء يتنفس بثقل يحاول أن يعي أين هو… ثم بدأ يتلفت حوله للحظة… لكن فجأة وقعت عيناه على دولاب الملابس المفتوح… وفارغ.
فنهض بفزع وكأن قلبه سقط من مكانه مرددًا:
"سحابة…؟!"
نادى أسد باسمها وهو ينهض مسرعًا يفتح باب الحمام، يفتش في أرجاء الغرفة، وينظر إلى السرير وإلى الأرض… حتى وقعت عيناه على ظرف أبيض صغير موضوع على الطاولة بجوار السرير.
فاقترب منه ببطء كأن جسده يرفض أن يعرف ما بالداخل، لكن قلبه يعرف… وفتح الظرف وهو يقرأ مرددًا:
"يا أسد… لو وصلت للورقة دي يبجى أنا خلاص مشيت… سيبت الصعيد وسيبتك للأبد… أنا مكسورة يا أسد… ومفيش كسر بيرجع يتصلح زي الأول… خسرت ابني… خسرت قلبي… وخسرت كرامتي وكل ده بسبب حبي فيك وبسبب أنانيتك وأنا مش هخسر نفسي كمان. طلقني علشان في كل الحالات أنا مش راجعة. الحاجات اللي انت كتبتها باسمي كلها موجودة في البيت… مش هاخد منك حاجة ولا حتى حقي… لأن الوجع اللي في قلبي أكبر من أي حاجة تانية… خلاص… قصتنا انتهت يا أسد…. سحابة."
رواية جبروت في قلب صعيدي الفصل التاسع 9 - بقلم نور الشامي
مر شهران على وفاة فارس. شهران لم يعرف فيهما البيت طعم الراحة ولا ذاق أهله طيف السكينة. تحول المكان إلى جدران صامتة تئن في الخفاء وأرواح متعبة تبحث عن ظل حياة.
وأسد، الذي كان يومًا رمزًا للقوة والصلابة، بات اليوم هيكلًا متهالكًا يسير بنصف وعي، يأكل الألم من داخله كما تأكل النار الحطب اليابس.
في ليلة باردة سكن فيها كل شيء إلا الرياح، دفع باب البيت بقوة ودخل أسد مترنحًا، تفوح منه رائحة الخمر، ووجهه شاحب وعيناه دامعتان من أثر التعب والسكر.
كانت والدته تجلس في صمت على المقعد الخشبي العتيق في الصالة. رفعت بصرها إليه ورأت ابنها الذي لم تعرفه. فاقتربت منه بخطى متثاقلة وهمست بألم مكتوم:
"انت إيه حكايتك إيه يا أسد... هتفضل أكده لامتى يا ابني؟ هتفضل تدمر نفسك لامتى؟ بالنهار مش مركز غير في الشغل وبس، وجلبك بقى جاسي مع الموظفين ومع كل الناس، وبالليل كل ليلة ترجع سكران أكده."
نظر إليها أسد بنظرة مشوشة وضحك بسخرية مريرة، ثم قال بصوت مخنوق:
"وعايزاني أعمل إيه عاد بجا إن شاء الله... مطلوب مني إيه عاد؟ ابني مات ومؤتي سابتني وحياتي كلها اتدمرت. المفروض أعمل إيه عاد... أفرح وأرقص يعني؟"
اقتربت الأم أكثر ووضعت يدها على صدره وقالت بحرقة:
"انت دمرت الدنيا يا ابني... انت السبب في كل اللي بيحصل ده."
تجمد أسد مكانه وشدد أنفاسه بعنف وصاح بعينين دامعتين:
"السبب... أنا السبب عشان روحت اشتغلت بدل ما كنا مش لاقيين ناكل... أنا السبب عشان كنت عايز نبقى كويسين ونعرف نعيش زي باقي الناس... هو ده عقابي يا حجة؟ ده جزائي؟"
هزت الأم رأسها بأسى والدموع تلمع في عينيها، وقد اختنق صوتها من شدة الألم، ثم قالت بنبرة حزينة:
"ابنك ما كانش محتاج فلوسك يا أسد، كان محتاج حضنك... ومراتك... ما طلبتش حاجة... كانت بس عايزة راجل يطمنها ويبقى حنين عليها... إنت كنت بعيد عنهم بجسمك وروحك... والنهاردة بتدفع التمن."
تجمد أسد في مكانه وعيناه زائغتان كأن الكلمات اخترقت صدره. صمت لوهلة طويلة، ثم زفر تنهيدة ثقيلة ورفع نظره نحو السقف قبل أن يتهاوى جسده المنهك على درجات السلم المؤدية إلى غرفته، وكأن كل خطوة يصعدها تحمل فوقها ثقل عمر من الندم.
"أيوه... أيوه، عندك حق... أنا الغلطان... وأستاهل كل اللي حصل فيا."
تابع صعوده إلى غرفته ببطء شديد، وكأن جراحه تسحبه إلى الوراء. وحين بلغ الباب، أغلقه خلفه بصمت، ثم استند إلى الحائط وأخذ يهبط إلى الأرض تدريجيًا حتى جلس مطأطئ الرأس، لا يقوى حتى على البكاء... دفن وجهه بين كفيه، وكل ما فيه يصرخ دون صوت. لقد وصل إلى القاع، إلى النقطة التي لا يبقى فيها شيء... سوى الأسى.
وبعد فترة قصيرة، في الجهة الأخرى، دفع فهد باب الغرفة ببطء ودخل مترنحًا يجر قدميه، وكأن جسده يرفض أن يحمل قلبه المنهك. تفوح منه رائحة الخمر ونظراته شاردة لا تستقر على شيء، فكل شيء من حوله بدا باهتًا... لا لون له ولا معنى. حتى ألقى بجسده على طرف السرير كمن يسقط من هاوية، ووضع رأسه بين يديه وتنهد تنهيدة طويلة تحمل وجعًا لم يُقال، وانكسارًا لم يُعالج.
وفي تلك اللحظة، أسرعت ريم إليه ورددت بلهفة:
"إنت شارب ليه أكده؟ إنتوا إيه اللي حصل لكم؟ اتجننتوا ولا إيه عاد؟ مالك؟"
لم يرفع رأسه، فقط ضحك ضحكة قصيرة مكسورة، مزيج من السخرية والقهر، وهتف:
"أيوه... شارب وهفضل أشرب... يمكن أنسى... يمكن أبطل أفكر فيها... شوية."
ارتجف قلبها عند سماع "فيها"، لكنها تمالكت نفسها وجلست إلى جواره، تمد ذراعها لتسنده، لتجعله يرفع رأسه، مردفة:
"قوم ارتاح... تعالى نام على السرير... أكده مش هتعرف تتنفس حتى. يلا."
ساعدته ريم على الاتكاء وأزاحت خصلات شعره عن جبينه، وعيناها تراقبه بصمت. هو ليس لها ولم يكن يومًا، لكنها لم تكن تريد منه حبًا... فقط وجودًا... قربًا يشعرها أنها ليست وحدها، ولو كذبًا.
"أنا بحبها يا ريم... بحبها جوي... مش عارف أعيش من غيرها... جلبي بيوجعني جوي... ومش عارف أعمل إيه... أنا تعبت."
كانت كلماته كالسكاكين، لكنها لم تتراجع. لم تكن تحبه، لكنها كرهت أن تظل في الهامش وأن يفكر في امرأة أخرى، لا تعرف لماذا. فاقتربت أكثر وسندت رأسه على كتفها. لم تفكر ولم تتردد، فقط فعلت، وهتفت بحزن:
"أنا مش طالبة منك تحبني... ولا حتى تشوفني زيها... بس أنا معاك... واللي بتدور عليه هناك ممكن تلاقيه هنا... ولو للحظة."
كانت كلماتها حقيقية بقدر ما كانت مخادعة. هي لا تحبه، لكنها لا تطيق فكرة خسارته. لا تطيق أن تظل ظلاً لا يرى حتى في خياله. كانت تعرف تمامًا أنه لا يحبها، لكنها أرادت أن تكون الأقرب إليه، ولو للحظة... أن تسرق شيئًا من حضوره، حتى لو لم يكن لها بالكامل.
فنظر إليها بعينين غائرتين، لا يرى فيهما ملامحها، بل يرى فراغًا يشبه ما بداخله. واقترب منها ببطء دون وعي... دون تفكير... مجرد جسد مرهق يبحث عن مخرج من ألمه، عن حضن يسكنه، ولو مؤقتًا.
فاقتربت هي أيضًا بيدين مرتجفتين، ووضعت كفها على صدره تشعر بنبض قلبه الذي لا ينبض لها... لكنها مضت في ما بدأت به. وبهدوء بدأت تفك أزرار قميصه. وكان هو ينظر إليها نظرة غائمة، لم يمنعها... بل ساعدها.
فأزاحت عنه قميصه، وما إن انكشف صدره حتى اقترب منها أكثر ورفع يديه ببطء وسحبها إليه. وأصابعه بدأت تلامس أطراف كتفها، ثم امتدت لتفك عقدة ثوبها. وهمس قرب أذنها بكلمات غير مفهومة، لكن أنفاسه الساخنة على رقبتها كانت أبلغ من أي كلام.
واقترب منها أكثر وضمه إليه وقبلها قبلة طويلة... قبلة صامتة بلا حب، بلا شغف حقيقي، لكنها كانت مليئة بالهروب. وذابت المسافات وتساقطت طبقات القماش واحدة تلو الأخرى، حتى لم يبق بينهما شيء... سوى الصمت. اتحد الجسدان فوق السرير. وما كان بينهما لم يكن حبًا، كانت لحظة ضعف... لحظة انكسار وقرار خاطئ. ومع ذلك... لم يتراجع أحد.
وفي صباح يوم جديد، جلست سحابة أمام قبر فارس تضم كفيها في حجرها، وعيناها مغروقتان بالدموع لا تكفان عن الانهمار. تنظر إلى شاهدة القبر كأنها تنتظر أن ينطق الطفل الغائب بكلمة... أو أن يعود بلحظة.
"واحشتني يا فارس... واحشتني جوي... كل ليلة بصحى وأنام على ريحتك... وأحضن لعبتك كأنك فيها... أنا مش عارفة أتنفس من غيرك يا ضنايا... مش عارفة أضحك ولا أعيش... كنت نور عيوني... أكده أهون عليك تسيبني أكده لوحدي؟"
مسحت سحابة دموعها بكفها المرتجف، ثم مدت يدها تلامس تراب القبر كأنها تحتضن الغياب. وفجأة تناهى إلى سمعها صوت خطوات تقترب ببطء. فرفعت رأسها، رأته... كان أسد هو الذي يقترب منها. فـ تجمدت في مكانها وقلبها انتفض، لكن ملامحها تشنجت، وكأنها تتذكر كل شيء.
ونهضت في صمت وهمت بالرحيل، لكنه مد يده فجأة وأمسك بيدها مرددًا:
"استني يا سحابة... بالله عليكي استني... أنا مش قادر أعيش من غيرك... واحشتيني جوي."
سحبت سحابة يديها بسرعة وقالت بصوت مختنق:
"سيب إيدي يا أسد... انت... انت عامل إيه؟ أمك جالت إنك اتغيرت... وباين عليك فعلاً إنك اتغيرت جوي."
خفض أسد رأسه، ومرت لحظة صمت قبل أن يجيب بصوت واهن:
"أنا مش قادر أعيش من غيرك... أنا كل يوم بموت من جوايا... بالله عليكي يا سحابة متسبنيش."
أغرورقت عيناها بالدموع لكنها تماسكت وردت بصوت متهدج:
"ولا أنا كنت قادرة أعيش من غيرك... بس خلاص كل حاجة ماتت جوايا... ولو بتحبني بجد... طلقني بالله عليك."
اتسعت عينا أسد وسقط على الأرض أمامها جاثيًا على ركبتيه، ورفع رأسه نحوها كأنه يتوسل الحياة ذاتها مرددًا:
"بلاش تقولي أكده بالله عليكي... أنا آسف... آسف على كل لحظة بعدت فيها... آسف إني ضيعتك وضيعت ابننا... سامحيني ومتسبنيش.. أنا مش عارف أعيش والله العظيم."
اهتزت يداها واقتربت منه ثم وضعت يدها على كتفه وأجبرته أن ينهض، وقالت بصوت باكي لكنه حاسم:
"أنا مسامحة... من قلبي والله العظيم.. بس مقدرش أعيش معاك تاني... خلي بالك من نفسك يا أسد... وأرجوك متضيعش الباقي من عمرك.. كفاية أكده."
استدارت سحابة وذهبت وقلبها يتمزق، لكنه لم يوقفها هذه المرة. ظل واقفًا يراقب ظهرها يبتعد، وكل ما فيه يتداعى، كأنها كانت آخر خيط نجاة... رحلت وبقي وحده مع القبر... والندم.
وبعد عدة ساعات، تحرك فهد على السرير ببطء. كان عاري الصدر يتصبب عرقًا، وعيناه تجولان في الغرفة كأنها أرض غريبة عليه. فجلس فجأة وراح يتلفت حوله... ثم تجمد في مكانه حين أدرك الحقيقة المروعة. كان وحده على السرير... لكن آثار الليلة الماضية لم تزل حاضرة على الجسد والروح.
ومرت لحظة صمت قبل أن يفتح باب الحمام وخرجت ريم وهي ترتدي رداء خفيف. وتقربت منه بخفة واحتضنته من الخلف ثم طبعت قبلة سريعة على خده وهمست بصوت ناعم:
"ما كنتش أعرف إنك بتحبني جوي أكده يا فهد."
ابتعد فهد عنها بعنف وصاح بوجهها وعيناه تشتعلان صدمة وغضبًا:
"بحبك إيه؟ إنتي عارفة كويس إني مبحبكيش... إزاي ده حصل بينا أصلًا؟"
ضحكت ريم ضحكة خفيفة ومالت بجسدها نحوه بثقة وهي تهمس:
"إنت اللي قربت مني... وأنا مراتك... مقدرش أقولك لأ."
ثم سارت نحو الباب وخرجت وهي تضحك كأنها خرجت منتصرة. فنظر فهد حوله ثم صوب عينيه نحو المرآة... واقترب منها وصرخ بقهر وضربها بيده بقوة حتى تحطمت شظاياها وتناثرت حوله، بينما انغرست إحدى القطع الحادة في كفه وبدأ الدم يتساقط من أصابعه.
فدخلت ملك مسرعة بعدما سمعت صوت الزجاج و هرعت إليه تمسك بيده الدامية وهي تصرخ:
"فهد.... إيدك في إيه؟ إيه اللي حصل؟"
لم يجبها فهد، كان مشوشًا... مذهولًا... لا يرى أمامه سوى ملامح الخيانة والضياع. وفجأة... ظهرت ريم مجددًا في باب الغرفة مستفزة كعادتها وألقت عليه نظرة جانبية وهي تقول بنبرة واثقة:
"يا حبيبي متنساش تاخدلك دش وتنزل عشان الفطار... أنا جهزته مخصوص عشان... متتأخرش بجا."
غمزت لها بخفة وخرجت تاركة وراءها صمتًا ثقيلاً ومشهدًا ملوثًا بالخذلان. فتجمدت ملك مكانها ثم حدقت في السرير وذهلت مما فهمته. والتفتت إليه بعينين يملؤهما الذهول والدموع مردفة:
"هو... هو انت كنت معاها؟"
صرخ فهد بألم ونار مشتعلة في صدره:
"أيوه كنت معاها... مش مرتي.. طبيعي أبقى معاها."
ثم اقترب منها فجأة وأمسك بذراعها بقوة وصوته يرتجف بين الألم والغضب:
"انتي السبب.... انتي السبب في كل اللي حصل.... مستحيل أسامحك أنا بكرهك يا ملك!... بكرهك.... ياريتني ما حبيتك. لو أقدر أشيل جلبي من مكانه وأدوس عليه بالجزمة كنت عملت أكده والله. خلاص... كل حاجة انتهت... من النهاردة مفيش بينا غير الكره. كره وبس يا بنت عمي."
ألقى فهد كلماته وتركها واقفة مكسورة... مذهولة والدموع تنزل من عينيها بصمت كأنها لم تعد تملك حتى الحق في البكاء. وخرج من الغرفة وهو يلف يده بجزء من قميصه الممزق، وترك خلفه قلبًا مكسورًا وامرأة تحطمها ندم لا ينفع.
بعد مرور أربع سنوات، كان الهواء ساكنًا إلا من وقع خطواته الثابتة على الرصيف. وترجل أسد من سيارته الفاخرة وقد تغيرت ملامحه كثيرًا عما مضى، ووجه صارم وتقاسيم قاسية كأن الزمان نحتها بفأس الألم... لم يعد يبتسم ولم يعد في عينيه نور، بل نظرة حادة وباردة كأنها لا ترى إلا ما وراء الحياة. كان يرتدي نظارته الشمسية يخفي خلفها وجعًا عتيقًا لم تفلح السنين في محوه. ووقفته قامته شامخة ولكن قلبه كان ساكنًا كقبر قديم لا يزوره أحد.
وما إن أوشك أن يخطو نحو مدخل البيت حتى سمع صوت صغير... دافئ اخترق كل جدران الصمت مرددًا:
"بابااااا!"
توقف أسد فجأة وارتعشت أصابعه. وببطء رفع يده ونزع النظارة عن عينيه ليراها... طفلة صغيرة تركض إليه بكل فرح الدنيا، وشعرها يتطاير كأجنحة نور، وعيناها تلمعان كأنهما مرآة روحه التي ظن أنه فقدها للأبد. وانحنى إليها وفتح ذراعيه، فاندفعت نحوه واحتضنته بقوة وضمها إليه كأنها وطنه المفقود. وهمس بأنفاس متقطعة:
"واحشتيني جوي... يا جلب بابا من جوه."
رواية جبروت في قلب صعيدي الفصل العاشر 10 - بقلم نور الشامي
كانت ضحكات الطفلة الصغيرة تدوي في أرجاء المنزل كما لو أنها ترمم الشقوق العتيقة في جدرانه بصوتها البريء. حملها أسد بين ذراعيه بقوة يضمها إليه وكأنها وطنه الوحيد، يمضي بها خطوات ثابتة ووجهه لا يحمل سوى مسحة هدوء خادعة تخفي وراءها جحيم السنين.
وما إن دخل عتبة البيت حتى توقفت زينب والدته عن الحركة. كانت تنتظره منذ اللحظة الأولى لعودته. فاقترب منها وطبع قبلة طويلة على يدها المتجعدة وقالت بحنان:
"نورت بيتك يا حبيبي… تعالي اجعد ارتاح."
لكن الفرحة لم تكتمل إذ كانت جهاد تقف على مقربة تتأمله. وهمت بضمه لكنها لم تجد غير هواء بارد إذ ابتعد عنها بجسده ونظراته متعمدا تجاهلها.
فاقتربت جهاد من الطفلة الصغيرة ومدت ذراعيها بابتسامة باهتة وقالت برقة مصطنعة:
"تعالي يا حبيبتي… يلا في حضن ماما."
لكن الصغيرة رفعت رأسها من على صدر أسد ونظرت إلى جهاد بنظرة حادة لا تشبه براءة عمرها ورددت بصوت واضح:
"إنتي مش ماما… مش عايزاكي… وملكيش دعوه بيا."
تجمدت جهاد في مكانها وصدمتها الكلمات كما لو كانت طعنة في القلب. فحاولت زينب التدخل سريعا قالت بحدة:
"عيب اكده يا روحي… ميصحش دي مامتك يا سيليا."
لكن أسد أنهى الموقف سريعا و صوته خرج غليظا متعبا وهتف:
"ما خلاص بجاا… كفاية كلام كتير… هي حره يا حجه مش هتاخد البنت عافيه. الغلط عليها انها معرفتش تحبب بنتها فيها."
ثم ضم ابنته بقوة إلى صدره وهم بالصعود إلى غرفته. خطواته كانت ثقيلة لكنها تحمل قرارا لا جدال فيه. فأوقفته زينب مرة أخرى قبل أن يختفي عن ناظريها وقالت بقلق:
"مش هتاكل يا حبيبي؟ لسه عاملين الواكل يلا تعالي اجعد علشان تاكل معانا."
أجابها دون أن ينظر وصوته ينضح بالإرهاق وهتف:
"ملوش نفس… لازم أطلع أغير هدومي علشان همشي تاني عندي شغل مهم بعد اذنكم."
أنهى أسد حديثه وصعد إلى غرفته.
وبعد فترة في أحدي الغرف كان يقف فهد في غرفته ينحني قليلا أمام طفلته الصغيرة التي وقفت على السرير تتمايل بخفة وهي تنظر إلى المرآة بفرحة وتضع يديها خلف ظهرها. بينما ينشغل هو بتسريح شعرها الطويل يرفع خصلاته بلطف ويزينه بتوك صغيرة بألوان زاهية.
فابتسم لها وهو يحكم تثبيت آخر توكة وهمس بحنان:
"اكده الأميرة جاهزة تطلع الرحلة.. ها اي رايك بجا.. بجيتي زي الجمر."
ضحكت الطفلة بمرح وهتفت باستعجال:
"يلاااا يا بابا… عمو مستنينا خلينا نمشي بجا."
ثم توقفت فجأة ورفعت وجهها إليه بنظرة حائرة وسألت بصوت منخفض:
"هي ماما مش بتيجي اهنيه ليه؟"
تغيرت ملامح فهد في لحظة وتجمدت ابتسامته وزفر زفرة قصيرة. ثم انخفض لمستواها وقال وهو يربت على كتفها:
"ماما بتحب تجعد مع باباها… زيك اكده ما بتحبي تجعدي معايا دايما."
هزت الطفلة رأسها ببطء وكأنها تحاول أن تقنع قلبها الصغير بالإجابة.
وفي تلك اللحظة، انفتح الباب ودخل أسد يحمل سيليا بين ذراعيه. وكانت تدور بفستانها الوردي الجديد وتضحك بخفة. ثم وقفت فجأة أمام فهد وفتحت ذراعيها بفخر وقالت:
"شوف يا عموو فستاني الجديد… بابا جابهولي."
ابتسم فهد وربت على رأسها وهو يرد:
"دا جميل جوي يا سيليا… يجنن والله… شكلك زي الجمر."
أنهى فهد حديثه واقترب من أسد و قال بصوت منخفض:
"هتروح برده النهارده كمان؟"
أومأ أسد برأسه وقال:
"كل يوم لازم أروح… أكيد هشوفها صدفة مره… أنا حاسس إني هشوف سحابة مهما الوجت عدى…. هتصادف معاها في يوم من الايام."
ثم ابتسم بهدوء وضم سيليا إليه وأضاف:
"يلا بجا نتحرك… نخرج البنات يغيروا جو يمكن إحنا كمان ننسى شوية."
أومأ فهد ثم حمل طفلته ونظر إلى أسد نظرة فيها شيء من الطمأنينة النادرة… وخرجا سويا.
وفي المساء كانت ملك تجلس بصمت في غرفتها تحدق في الفراغ بعينين شاردتين والغصة تسكن بين أضلعها كأنها لم تخرج من نوبة البكاء منذ أيام. كان الجو ساكنا إلا من صوت أنفاسها المتقطعة وأفكارها المتشابكة لا تمنحها لحظة راحة.
وفجأة فتح باب الغرفة بهدوء ودخلت جهاد بخطوات بطيئة تتردد في الاقتراب لكنها لم تتراجع. وقفت للحظات تراقب ملك بصمت ثم قالت بنبرة خافتة:
"انتي هتفضلي اكده لحد إمتى يا ملك؟… هنفضل كل واحده في حالها لحد ما نخسرهم للآخر."
رفعت ملك عينيها إليها ببرود دون رد. فأكملت جهاد بصوت مكسور:
"إحنا لازم نبجى مع بعض… لو لسه عايزين نرجعهم لينا تاني… أنا بنتي مش طايجاني ومش عايزاني وبتجولي في وشي إني مش أمها… وانتي فهد خلف من ريم واهتمامه كله لبنته… حتى لو طلج ريم ب لسه بيحترمها وبيعاملها كويس علي غير العاده."
نظرت إليها ملك بنظرة مشوشة وقالت بفتور:
"وانا أعمل إي بجا؟ مش فاضية يا جهاد… انتي بتتكلمي كأني انا ال ضيعت الدنيا… بنتك لو بتكرهك فانتي السبب… انتي طول عمرك بتضربيها وتخوفيها… دلوجتي مستغربة ليه عاد. ما طبيعي تكرهك."
ارتبكت جهاد لكنها لم تتراجع واقتربت وجلست بجوارها على طرف السرير وقالت بنبرة أكثر جدية:
"خلينا نتفج مع بعض… لازم نرجعهم… فهد لسه بيحبك يا ملك بس محتاج فرصة بس… وأنا عندي خطة حلوة جوي ممكن ترجعهم لينا بس لازم تساعديني."
نظرت ملك إليها بدهشة وقلق ثم سألتها بتردد:
"خطة إي عاد ؟… انتي ناويه على إي بالظبط."
ابتسمت جهاد ابتسامة صغيرة فيها شيء من الحماسة الممزوجة بالمكر وقالت وهي تنهض:
"هتعرفي كل حاجه بس جومي البسي وتعالي معايا دلوجتي… لازم نخرج وانا هجولك على كل التفاصيل في الطريج.. يلا جومي."
ترددت ملك للحظة ثم نهضت ببطء من مكانها وعيناها لا تزالان ترقبان جهاد بتوجس. لكنها في أعماقها… لم تعد تملك شيئا لتخسره.
وفي آخر الليل عاد أسد إلى غرفته بخطوات متثاقلة. وكان يحمل سيليا الصغيرة بين ذراعيه نائمة بسلام ووجهها ملائكي يبعث في القلب شيئا من الطمأنينة التي لم يعرفها منذ سنوات. ودخل الغرفة بهدوء وسحب الغطاء برفق ثم وضعها على السرير كأنها كنز لا يجوز كسره. وقبل جبينها في صمت ثم خلع قميصه ليستعد لتبديل ملابسه.
وقبل أن يخطو نحو الخزانة فتح باب الغرفة فجأة ودخلت جهاد دون استئذان تتقدم نحوه بخطوات بطيئة. نظراتها مشتعلة ويدها امتدت ببطء لتلمس صدره العاري وهمست:
"هو أنا موحشتكش يا أسد؟"
لم ينظر إليها مباشرة فقط ثبت عينيه عليها بنظرة حذرة ثم سألها بحدة:
"انتي خرجتي انتي وملك روحتوا فين انهارده؟"
ارتبكت جهاد وتلعثمت قبل أن ترد سريعا:
"كنا بنشتري شوية حاجات للبيت… حاجات بسيطة يعني وجينا علطول متأخرناش."
رفع حاجبه باستنكار وقال بصوت خافت لكنه حاد:
"حاجات إي؟… وليه مجولتليش؟… ومن إمتى وانتي بتخرجي من غير ما تجوليلي… جهاد.. ابعدي عن اختي احسن."
ازدادت اضطرابا وحاولت التهرب من المواجهة وهي تقترب أكثر تضع يدها على كتفه وتقول بنبرة خافتة:
"هو أنا عملت إي علشان كل دا؟… انت بتعاملني اكده ليه؟… أنا مش فاهمة غلطي فين… لا بتقرب مني… ولا حتى بتلمسني… ولا حتى بتكلمني… انت بتعاقبني على إيه."
نظر إليها أسد بجمود ثم أشار إلى الطفلة النائمة وقال بصوت خفيض:
"وطي صوتك… البنت نايمة."
لكنها لم تتراجع بل زادت اقترابا ولفت ذراعيها حول عنقه وهمست في أذنه:
"أنا واحشاك… بجد واحشاك جوي… مش اكده؟"
انتفض جسده وأبعدها بقوة وهو يهمس بحدة:
"أنا عايز أنام… اطلعي برا."
تجمدت نظراتها للحظة قبل أن تشتعل بعصبية مكبوتة وصرخت بصوت مخنوق:
"كل دا علشان لسه بتحبها صوح؟… لسه بتحب سحابة… ال سابتك ومشيت ومتعرفش عنها حاجه؟… دي واحدة رخيصة."
لم تمر الكلمة الأخيرة بسلام فقد اشتعل وجه أسد غضبا وصرخ بعينين تتطاير منهما شرارات:
"إنتي اتجننتي!"
ثم أمسكها من ذراعها وسحبها خارج الغرفة بسرعة وأغلق الباب خلفه حتى لا توقظ الطفلة. وفتح باب غرفة أخرى ودفعها إلى الداخل ثم أغلق الباب خلفهما وقال بصوت جهوري يرتجف من فرط الغضب:
"انتي ازاي تتجرائي وتجولي عليها اكده؟! دي أحسن واحدة شوفتها في حياتي… دي ال شالتني وجت ضعفي وال متستحقتش أي حاجة من ال حوصلها… وآه لسه بحبها ولسه مش جادر أعيش من غيرها… وانتي؟ وجودك في حياتي ملوش أي لازمة… أنا سايبك على ذمتي علشان ملكيش حد… لكن بلاش تفتحي موضوعها تاني… ولا تجيبي سيرتها على لسانك… فاهمة؟"
تلعثمت جهاد وحاولت الرد لكنه لم يمنحها الفرصة. فقد فتح الباب وخرج بصمت مغلقا الباب خلفه بقوة. فصرخت جهاد وهي تردد بغضب:
"اعمل اي تاني…. اعملها اي اكتر من اكده علشان اخلص منها.. جتلت ابنها… اعمل اي اجتلها هي كمان."
ألقت جهاد كلماتها بغضب ولم تري هذه الصغيرة ابنة فهد التي تقف خلف الباب تستمع إليها بصدمة. فركضت بسرعة. وشعرت جهاد بشئ غريب وفتحت باب الغرفة وانصدمت عندما وجدت الصغيرة تركض بسرعة بعيدا. فرددت بصدمة:
"لع مستحيل.. اكيد مسمعتش.. مستحيل تكون سمعت. يا لهووي… دي هتبجي مصيبه.. هتبجي مصيبه لو سمعت انا لازم اتصرف بسرعه."
وفي صباح اليوم التالي جلس أسد أمام قبر ابنه. والليل قد ألقى بظلاله الثقيلة على المقابر. والهدوء يخيم كأنه حداد دائم. وكانت عيناه تحدقان في اسم فارس المنقوش على الرخام البارد وصدره يعلو ويهبط بأنفاس متقطعة فيها ألم لم تقدر السنين على تهدئته. وهمس بصوت مبحوح وهو يمد يده على القبر:
"واحشتني يا فارس… نفسي أشوفك بس لحظة. واعتذرلك علي كل تجصيري معاك."
ولم يكد ينهي كلماته حتى تناهى إلى سمعه صوت بكاء ضعيف… وارتجف قليلا واعتدل في جلسته. ثم رفع رأسه فرأى طفلا صغيرا لا يتجاوز الرابعة من عمره يخطو على الأرض الترابية بخوف يبكي وينادي:
"ماماااا… مامااااااا… فين ماما… انتي فين.. ماما تعاليني."
نهض أسد سريعا واقترب منه بخطوات حذرة حتى لا يفزعه. وانحنى عند مستواه وهمس بلطف:
"مالك يا حبيبي… مالك اي ال حوصل متخافش… فين مامتك؟"
تراجع الطفل خطوتين إلى الوراء ونظر له بعينين دامعتين وقال بخوف:
"انت عايز مني إي؟ أنا مش لاجي ماما… كانت اهنيه واختفت."
اقترب أسد أكثر ومد ذراعيه إليه بحنان:
"هشش… متخافش يا بطل… تعال بس وإحنا سوا ندور على ماما."
رمى الطفل في حضنه باكيا وقال بصوت مبحوح:
"أنا عايز ماما… تعبان… مش جادر أتنفس."
ارتبك أسد واحتضنه أكثر ثم وضع يده على جبينه ووجهه شاحب:
"مالك يا حبيبي…. استحمل شويه أنا هساعدك… بس إوعي تقفل عيونك طيب خليك معايا اكده."
وفجأة… سمع صوت خطوات مسرعة وصرخة من بعيد:
"فــــارس… فارس يا ابني انت فين."
تجمد أسد في مكانه وصوته اختنق داخله. والتفت ببطء… هناك على بعد خطوات كانت تقف سحابة. فركض الطفل باتجاهها وهو يصرخ:
"ماااما."
فتحت سحابة ذراعيها له وركع في أحضانها باكيا وهي تضمه بقوة وهتفت:
"فارس ابني… انت كويس يا حبيبي… كنت هموت وأنا بدور عليك."
وقف أسد مذهولا.. عاجزا عن الحركة أو النطق. وعيناه متسمرتان على ملامحها على تلك الدموع التي يعرفها جيدا.. على الصوت الذي ظل يحلم به كل ليلة منذ سنوات. وقبل أن يكمل ذهوله ارتخت يد الطفل بين ذراعي سحابة وغابت ملامحه عن الوعي. فصرخت سحابة وهي تهزه بخوف:
"فارس… فارس رد عليا."