تحميل رواية «جبران العشق» PDF
بقلم دينا جمال
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ل 1العشق .. ما به ؟غريب مخيف ساحريسلب الألبابيُسحر العقوليفتت المنطقيكسر الواقعيتخطي المألوفحين تجد نفسك كطفل صغير ليلة العيد فرحا فقط من ابتسامة عابرة فأعرف أنك سقطت في شرك العشق !حين تتدافق دقات قلبك تلكم صدرك حين تبصر طيفها يأتي من بعيد يتلهف لرؤيتها كما يتلهف الظمآن لرشفة ماء .. فأعرف أن قلبك بات عضو ينبض في صدرك ويعيش في جسدها هي ! قبل عدة أعوام من الآن في منطقة صحراوية والليل قد اسدل استاره يغطي المكان سودا تتجمع رجال الشرطة يلفون المكان بحواجز تمنع الاقتراب فلاش الكاميرا لا يتوقف عن التقا...
رواية جبران العشق الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم دينا جمال
توقف ثبتت عينيه على تلك القلادة التي تعانق رقبة طارق يشعر وكأن شيئًا ما ينفجر في رأسه. اندفع صوبه يقبض على مقدمة ثيابه، نقل عينيه بين القلادة وطارق الذي يبتسم ساخرًا. نفرت عروق وجهه ورقبته، يصرخ فيه:
- السلسلة دي جت على رقبتك إزاي؟
ابتسم طارق في سخرية وكأنه يقول له: أحقًا لا تعرف.
في حين اندفع سفيان يقف بين جبران وطارق، يردف سريعًا:
- في إيه يا جبران؟ أنت ماسكه كده ليه؟ وسلسلة إيه اللي بتتكلم عنها دي؟
قبض جبران على القلادة في عنق طارق، يجذبها بعنف لتجرح رقبة الأخير. رفعها أمام سفيان يصيح غاضبًا:
- السلسلة دي كانت على رقبة وتر أنا اللي ملبسها لها بأيدي. بقت على رقبة الكلب ده إزاي؟
هنا تدخل مجدي، هب واقفا يتوجه صوبهم، يوجه حديثه لسفيان:
- لا بقى كده كتير. إحنا مش جايين نتهزق في بيتك يا سفيان، ولا حتة بلطجي لا راح ولا جه يشتم ابني.
نظرة حادة خرجت من عيني سفيان إلى مجدي، يطلب منه أن يصمت. ليعود لجبران يحاول أن يهدئه قليلاً:
- وهي السلسلة دي ما فيش غيرها نسخة واحدة في البلد؟ ما يمكن واحدة شبهها يا جبران.
أمسك جبران القلادة ينظر إلى ظهر القطعة الحديدية المسطحة، ليجد اسمه الذي نحته هو بطرف مادّيته يقبع هناك. رفع القلادة أمام وجه سفيان، يردف محتداً:
- واسمي اللي أنا ناغشه بأيدي بردوا واحد شبهه؟
أزاح جبران سفيان بعنف من طريقه، ليقبض على عنق طارق يزمجر غاضبًا:
- السلسلة دي جت على رقبتك إزززززززاي؟ انطق قبل ما أطلع روحك في إيدي.
صوت طلقة عالٍ خرج من مسدس سفيان، أصابته الحائط جوار جبران. ليتجه سفيان إليه من جديد، يدفعه بعنف بعيدًا عن طارق قبل أن يقتله، يصيح فيه:
- اهدي يا جبران وبطل جنان. أكيد الموضوع فيه سوء تفاهم.
وقف يتنفس بعنف، عينيه الحمراء مسلطة على طارق الذي يبتسم في سخرية. رغم ما حدث، لازال يسخر منه. اندفع لخارج الغرفة ليشعر بأحد ما أمسك بذراعه. التفت للفاعل ليجده طارق الذي ابتسم ساخرًا يهمس له:
- حقيقي وتر مميزة أوي. عارف إيه أكتر حاجة مميزة فيها؟ الحسنة اللي في نص ضهرها.
هنا وسبق السيف العذل، لم يعِ جبران بنفسه سوى وطارق تحت يديه يكيل له باللكمات. وسفيان ومجدي يحاولان جذبه دون فائدة. ابتعد عن طارق، يضربه بحذائه في بطنه بعنف، ليندفع لخارج الغرفة. التفت مجدي لسفيان يصرخ فيه:
- أنت إزاي سايبه يعمل كده؟ بدل ما تضربه بالنار؟
صرخ سفيان فيه حين نفذ صبره:
- محتاجينه. ما أقدرش أقتله. وبعدين شوف ابنك قاله إيه؟ خلاه عمل فيه كده. ترتيب الحفلة لو باظ هيبقى بسبب المحروس ابنك. وساعتها أنا اللي هقتله بإيدي.
من بعيد تراقب وهي ترتشف من كأس النبيذ، وابتسامة كبيرة تعلو شفتيها. لم تفارق عينيها جبران لو للحظة واحدة. ذلك الرجل يضج عنفوانًا لم تره قبلاً. ربما عليها أن تعرفه أكثر.
على صعيد آخر، قبض جبران على القلادة في يده، يهرول الخطي لأعلى، يحرق الطريق غاضبًا. دفع الباب بكفيه لينفتح بعنف، فانتفضت وتر مذعورة على أثر دفعته القوية. ازدردت لعابها تسأله مرتبكة:
- في إيه يا جبران؟ إيه اللي حصل؟
اندفع صوبها يقبض على مرفقها يقربها منه. تأججت نيران الغضب والغيرة والثأر في قلبه، يصرخ فيها:
- هو سؤال واحد وعايزله إجابة. السلسلة دي بتعمل إيه على رقبة طارق؟
شخصت عينيها ذعرًا تنظر للقلادة في يده. كانت ترتديها صباحًا. طارق أخذها منها وهي غائبة عن الوعي. حاولت أن تجدد مبررًا لأي شيء تقوله، فتعلثمت تهمس خائفة:
- وقعت مني الصبح يمكن هو لقاها.
القى القلادة أرضًا بعنف، ليقبض على ذراعيها بكفيها يهزها بعنف، يصرخ فيها:
- والحسنة اللي في نص ضهرك وقعت منك الصبح وهو لقاها بردوا؟
اضطربت مقلتاها ترتد داخل حدقتيها بعنف. لا تجد ما تقوله. كيف ستخبره أنها قامت بخيانته دون حتى أن تعي أن ذلك حدث لها بالفعل. أغمضت عينيها تنهمر الدموع من خلف جفنيها المغلقين. شهقت تهمس بصوت خفيض بح من البكاء:
- أنا...
لم يدعها تكمل. شعرت بيديه تتركها. فتحت عينيها لتراه يقف بعيدًا عن الفراش، ينظر لها. عينيه حمراء، ملامحه تقطر ألمًا. ابتسم دون حياة يردف:
- إنتِ خونتيني يا وتر مش كده؟ خونتيني؟
حركت رأسها بالنفي بعنف. لم تكن تعي ما حدث. شهقت في البكاء تهمس بحرقة:
- أنا ما خنتكش والله ما خونتك. هو خدرني ولما فقت لقيت نفسي في أوضته. عمل فيا اللي كان عايز يعمله قبل كده في الحفلة وأنت منعته. أنا آسفة.
أخفت وجهها بين كفيها تبكي، تشعر بالوهن. كوّش ضاري يجثم عليها. ظل ينظر لها للحظات، يبتسم في سخرية. يتذكر خيانة كارمن الذي شقت قلبه حرفيًا. خيانتها أودت بحياته إلى الدمار. لم يقل شيئًا. فقط نزل لأسفل، يتوجه إلى مكتب سفيان. لم يجد أحد منهم. لم يجد سوى سفيان. ليصيح محتدًا:
- هو راح فين؟ الكلب اللي اسمه طارق ده راح فين؟
ترك سفيان الهاتف من يده يتوجه إليه. وقف أمامه يدس يديه في جيبي سرواله، يغمغم حانقًا:
- أنت عارف باللي عملته ده؟ كان ممكن تخسرني مجدي التهامي. وده شريك مهم في الصفقة وصديق عمر. وصدقني مجدي زعله وحش أوي.
اشتعلت ثورة جبران. كم ود أن يقبض على عنق الواقف أمامه. لولا أنه تمالك نفسه. ليخرج صوته يهز جدران البيت غضبًا:
- ملعون الشغل على الصفقة على مجدي بتاعك أبو زعل وحش. أنا اللي يجي جنب مراتي أشيل اسمه من سجل الأحياء. أنت ما تعرفش هو عمل إيه.
رفع سفيان كفيه سريعًا يحاول تهدئة ذلك الثأر أمامه، يغمغم في هدوء تام:
- اهدي يا جبران. اتعلم تتحكم في غضبك. أنت مضطر تستحمل وجود طارق للأسف لحد يوم الخميس. بعد كده اعمل اللي أنت عاوزه. عاوز تقتله؟ ما حدش هيُمانع. أنت هتبقى الكبير في السوق يا جبران.
حدج سفيان الواقف أمامه بنظرة كارهة. يشعر بالاشمئزاز منه. الرجل على أتم استعداد أن يضحي بكل شيء حتى يصل لما يريد. فقط. تركه وصعد لغرفته. ليبتسم سفيان في أثره ساخرًا. ظل يتابعه إلى أن اختفى من أمام عينيه. ليغمغم مع نفسه متوعدًا:
- براحتك يا جبران. أنت كده كده وجودك على الساحة مؤقت. وأنا بإيدي هقطع لك تذكرة خروجك من الدنيا يا جوز بنتي.
على صعيد قريب، توجه جبران لغرفته من جديد ليجد وتر في انتظاره. تجلس على أحد المقاعد تفرك يديها متوترة. أشاح بوجهه بعيدًا عنها. يتوجه صوب مرحاض الغرفة. لتقف سريعًا تعترض طريقه تغمغم سريعًا:
- أقسم لك بالله يا جبران أنا ما كنت في وعيي لأي حاجة. هو خدرني. مش دايما بتقولي أنا أعرف أن كان اللي قدامي بيكذب ولا لأ. أنا مش كدابة والله يا جبران.
نظر لها واضطربت حدقتاه بعنف. لم يكن غاضبًا منها بقدر غضبه من نفسه. وجوده هنا. انغماسه مع صفقة سفيان السوداء جعلها تغيب عن ناظريه. جعل منها لقمة سائغة لذلك الثعلب. مجرد فكرة أنه اعتدي عليها في غيابه تقتل رجولته. وهو لم يكن هنا. لم يكن موجودًا ليحميها. وعليه الآن أن يترك ذلك الوغد دون حساب إلى أن تنتهي صفقتهم. أي رجل هو! كم يشعر حقًا بالاشمئزاز من نفسه. نظر ناحية وتر ليرى كفيها تهتزان. جسدها به رعشة خفيفة. وتر تبدل حالها في ظرف أيام قليلة. تركها يبحث بعنف عن حقيبة يدها إلى أن وجدها. ليفتحها يفرغ محتوياتها ليرى شريط الأقراص يقبع فيها. ما أن امسكه اقتربت وتر منه سريعًا تغمغم بتلهف:
- سيبه يا جبران. ده المسكن الوحيد اللي بيضيع الصداع اللي بقى بيجي لي. أنا عارفة أنك مش مصدقني بس والله أنا...
صمتت حين مد كفه يبسطه على رأسها من الخلف. جذبها لصدره لتريح رأسها سريعًا تطوقه بذراعيها. ليلثم قمة رأسها بقبلة طويلة. تساقطت معها الدموع من عينيه. تشنجت نبرة صوته ألمًا يهمس لها:
- أنا آسف. آسف لأني بعدت وانشغلت وسيبتهم يعملوا فيكِ كده. بس والله أنا بعمل كده عشانك وعشاني. سامحيني يا وتر. أنا اللي آسف.
ضغط بكفه على شريط الأقراص بعنف. يغمض عينيه. زوجته أدمنت. وعليه أن يجد حلاً في أسرع وقت ممكن.
بعد رحلة سفر طويلة من أسوان إلى قصر صاحب الظل، وصلت السيارة في الحديقة أخيرًا. نزل وليد أولاً يشير لحراسه بأن يخرجوا الحقائب من السيارة. فتح الباب المجاور لرسل لتنزل تشبك يدها في يده. نزل بعدهم بيجاد يحرك عينيه في كل مكان. قصر بعيد في مكان نائي في الصحراء. تحركت خطاه خلفهم للداخل.
ينظر لكل أركان القصر الفخم. أول ما لفت نظره كاميرات المراقبة الدقيقة التي زرعت في كل شبر تقريبًا تغطي كل مكان. أجفل على جملة وليد التي قالها مبتسمًا:
- اقعدوا ارتاحوا من تعب السفر. أنا عشر دقايق وراجع.
تحرك ناحية السلم الكبير يصعد لأعلى سريعًا. نظر ناحية رسل ليجدها تجلس على مقعد بعيد عنه تبتسم سعيدة بوجود شقيقها. تنهد متعبًا يهمس بصوت خفيض للغاية:
- كاميرات المراقبة مالية الدنيا ليه يا وليد؟
تحرك وليد ناحية غرفته. فتح بابها ليجد حياة تخرج من المرحاض تجفف شعرها. توجهت صوب مرآة الزينة تمشط خصلات شعرها. نظر لها من خلال انعكاس المرآة. استطاع أن يرى الفراغ الساكن داخل روحها من خلال نظرات عينيها الخاوية. اقترب منها خطوتين إلى أن صار خلفها. دس يديه في جيبي سرواله يغمغم:
- غيري هدومك والبسي حجابك. في ضيوف عايزك تقابليهم.
توسعت عينيها في دهشة تنظر له ذاهلة. وليد الذي كان غاضبًا بالأمس فقط لأن ثيابه طويلة يطلب منها الآن أن ترتدي حجابها؟ كيف؟ وأي ضيوف يريد أن يعرفها عليهم؟ تركت المشط من يدها التفتت له ابتسمت تردف ساخرة:
- ضيوف مين دول اللي عايزني البس قدامهم الحجاب ده؟ أنت ما كنتش طايق هدومي عشان طويلة.
زفر حانقًا يقلب عينيه. يكره الجدال حقًا يكرهه.
اقترب الخطوة الفاصلة بينهم. يقبض على مرفق يدها يغمغم بنزق:
- أنا بكره الجدال. تنفذي اللي أقوله من غير نقاش. ولما ننزل تحت مش عايز كلمة غلط قدام أختي وصاحبي. إحنا اتعرفنا على بعض وحبينا بعض واتجوزنا بس من غير أي تفاصيل. فاهمة؟
تحركت حدقتاها على وجهه باشمئزاز. لا تصدق مدى وضاعة ذلك الواقف أمامها. نزعت مرفقها من يده ضحكت تردف ساخرة:
- آآآه هو الموضوع كده؟ الأخ الحنين مش عاوز يظهر بوشه الحقيقي قدام أخته عشان ما تتصدمش يا عيني لما تعرف أن أخوها شيطان.
زفر حانقًا. مد قبضته يقبض على فكها بعنف يغرز أصابعه في وجنتيها لتنكمش قسمات وجهها ألمًا. تحرك للأمام وهو يقبض على فكها ليضرب ظهرها بباب المرحاض. نظرت بهلع إلى حدقته السوداء لتسمعه يهسهس متوعدًا:
- بالظبط. ما أنتِ طلعتي بتفهمي أهو. لو كلمة واحدة من اللي حصلت بينا اتقالت قدام رُسل صدقيني هدفعك تمنها غالي أوي.
انسابت الدموع من عينيها كرهاً وقهراً، لتبصق في وجهه.
توسعت حدقتاه للحظات غضباً. أبعد يده عن فكها ليصفعها. سقطت أرضاً تنخرط في البكاء.
لا أحد هنا لينقذها.
صرخت من الألم حين قبض على شعرها يجذبها لتقف أمامه. شدها إليه ليقترب وجهها منه، تسمع صوته يهمس لها غاضباً:
- ما تكرريش اللي عملتيه دا تاني لو عايزة تحافظي على لسانك. خمس دقايق الاقيكِ جاهزة، والأفضل اللي قولته ينتفذ، والا صدقيني هتندمي أوي.
دفعها بعيداً عنه. ارتطمت بأحد أبواب دولاب الثياب. تغمض عينيها تبكي. أومأت له سريعاً.
التقطت ثيابها لتدلف إلى المرحاض. بدلت ثيابها إلى فستان من اللون الأسود وحجاب رمادي غامق. وضعت بعض مستحضرات التجميل لتخفي أثر صفعته.
نظرت إلى انعكاس صورتها في المرآة لتتذكر زياد والوعد الذي قطعه أن يحميها من ذلك الجالس خارجاً. ولكن ماذا حدث؟ لم يفعل شيئاً. وها هي هنا حبيسة قصر الوحش لأيام طالت لم تحسب حتى منذ متى وهي هنا.
ترقرقت الدموع في مقلتيها، اختنق صوتها تهمس بحرقة:
- أنت كذبت عليا يا زياد. ما نفذتش وعدك. ما حمتنيش منه... كنت فاكرة إني هعرف أرجع أعيش حياتي تاني، بس حتى دي الدنيا استكترتها عليا.
مسحت دموعها بعنف. تصلح زينتها. خرجت له ليتجه إليها. ارتجفت خوفاً حين أمسك بطرف ذقنها يرفع وجهها إليه. تنهد بعمق يهمس لها:
- ينفع كدة وترجعي تعيطي؟ بطلي تعصبيني يا حياة. أنا مش عايز آذيكي، صدقيني. بالعكس، أنا عايز نفتح مع بعض صفحة جديدة لحياتنا سوا يا حياة.
أمسكت زمام أمرها بصعوبة قبل أن تتقيأ في وجهه. ابتعدت عنه خطوة للخلف تنظر لوجهه الكاذب. نظراته الخادعة تشير إلى نفسها تهمس بحرقة:
- ليه أنا؟ ليه أنا بتعمل فيا كل دا؟ ليه رجعتني ليك تاني؟ أنا ما قولتش أي حاجة عنك لأي حد. نسيتك وخرجتك من حياتي، ليه مصر تدمر آخر ذرة إنسانية فيا؟
ابتسم في هدوء يقترب منها. مد يده ناحية قرط أذنها الأيسر ينتزع منه دائرة صغيرة للغاية، تكاد لا تُرى. حركها بين أصبعيه السبابة والإبهام. يغمغم:
- أنا عارف أنك ما قولتيش. أنا عارف وسامع كل كلمة قولتيها من ساعة ما سيبتك. بس كنتي هتقولي... طول ما أنتِ في بيت اللوا دا، كان ممكن في أي لحظة تقولي توصفيني. وأنا ما ينفعش أخاطر أبداً. دا سبب من الأسباب اللي عشانه جبتك هنا. السبب التاني والأهم إني فعلاً عايزك تسامحيني على اللي عملته عشان خاطر مراد صاحبي الله يرحمه، كان أعز أصدقائي.
نظرت له باشمئزاز، تقسم بداخلها أنها من ستقتله على كل ما فعله بها. مد كفه لها يبتسم ببساطة وكأن شيئاً لم يكن. على مضض مدت كفها ليستقر داخل جمر كفه. تحركت معه مرغمة إلى أسفل لتري فتاة تقريباً في نفس عمرها ورجل آخر يجلس معها. قامت الفتاة سريعاً ليبتسم وليد في لطف يحادث الفتاة:
- رسل تعالي سلمي على حياة مراتي.
اتسعت عينا رسل من السعادة. ابتسمت فرحة لتهرول إليهم تعانق حياة تغمغم سريعاً:
- أنت اتجوزت؟ مراتك قمورة أوي. أنا رسل أخت وليد الصغيرة. أنتِ جميلة أوي يا حياة.
ارتسم ما يشبه ابتسامة صغيرة مرتبكة على شفتي حياة، تشكرها بصوت هامس ضعيف. ليضحك وليد يردف سريعاً:
- معلش يا رورو أصل حياة بتتكسف جامد زيك بالظبط. أنا هسيبكوا تتعرفوا على بعض وأخد بيجاد عشان عندنا شغل كتير.
حياة، تلك الفتاة يعرفها. رأى صورتها مرة على هاتف زياد. إذاً تلك هي حياة قريبة زياد الضائعة. ولكن كيف يقول وليد أنها زوجته؟ متى تزوج منها؟ أجفل على يد وليد تقع على كتفه وصوته يغمغم ضاحكاً:
- اللي واخد عقلك يا عم بيجاد؟ مش تباركلي بدل ما أنت سرحان كدة.
ابتسم بيجاد يعانق صديقه يبارك له قبل أن ينسحب كلاهما إلى مكتب وليد ليخططان كيف سيهدمان الحفل على رأس سفيان ومجدي!
***
في صباح اليوم التالي باكراً، في غرفة بعيدة لا أحد يعلم أين هي، يجلس هو أمامه شاشة كبيرة تغطي حائطاً بأكمله تعرض له ما يحدث في منزل سفيان في كل غرفة، وما يحدث في منزل مجدي في كل غرفة، وأخيراً في قصر صاحب الظل. الجميع يتصرف، وقفته خطته دون أن يعلم أحد أنه من يحركهم كالعرائس.
دق أحد حراسه الباب. سمح له بالدخول ليدخل الأخير. انحنى له قبل أن يهمس:
- سيدي، روزا الجميلة لم تخرج من الحي إلى الآن. يبدو أنها عالقة بالداخل. أتريد منا أن نأتي؟
التف له بمقعده. ابتسم ساخراً ينفي برأسه يغمغم ببساطة:
- لا. لا حاجة لي بها الآن على أقل تقدير. اذهب وأخبر الجميع ليستعدوا للحفل بعد الغد. ما سيحدث في الحفل سيكون مفاجأة للجميع.
انحنى له الحارس من جديد يغمغم باحترام:
- أوامرك مطاعة سيدي المايسترو.
ابتسم المايسترو يصرفه ليعود يراقب ما يحدث. يبتسم ساخراً. ذلك جبران لطيف للغاية وهو يعانق زوجته وهي نائمة. ربما أول شيء يجب أن يفعله أن يدمر علاقته بتلك الصغيرة النائمة بين أحضانه. وتلك الفتاة رسل جميلة للغاية. ربما تكن له بعد الحفل بعد أن يقضي على وليد وبيجاد معاً!! ابتسم متلذذاً بالقادم يعود المراقبة بشغف.
***
في مكان آخر في الحي الشعبي قرب الظهيرة، في إحدى جولات حسن اليومية الذي بات يقوم بها بدلاً عن جبران، لفت انتباهه ذلك الطبيب الشاب إيهاب يحمل علبة حلوى يتجه بخطاه إلى العمارة التي تسكن فيها أمل. قطب جبينه متعجباً. كاد أن يصعد خلفه ليتوقف. حتى لو ذهب ليطلب يدها للزواج، أمل لن توافق. ابتسم يطمئن نفسه ليعود ما كان يفعل. اليوم زفاف تلك الممرضة. عليه أن ينتهي من تلك الورطة سريعاً.
مرت دقائق قليلة فقط قبل أن يسمع صوت زغاريد عالية قادمة من شقة أمل. شخصت عيناه ذهولاً. ركض إلى شقتها سريعاً. دفع باب الشقة النصف مفتوح ليجدها. ها هي تجلس على المقعد بالقرب منه ترفع كفيها تقرأ الفاتحة، هي وذلك الأبله الذي يبتسم سعيداً. ضربت الصدمة رأسه ليقف كالصنم عاجزاً عن أي فعل. رفعت وجهها تنظر إليه لتشيح بوجهها بعيداً تخفي دموع عينيها. ليضحك. خرجت من بين شفتيه ضحكات عالية القدر. دائماً يسخر منه. حتى الآن لا يعرف لماذا تفعل ذلك. ألم تكن قاب قوسين أو أدنى من أن تسامحه أخيراً.
دخل إلى شقتهم يتجه إلى إيهاب الذي قام واقفاً يرحب به. عانقه حسن يغمغم مبتسماً وكأن شيئاً لم يكن:
- مبروك يا دكتور إيهاب. مبروك يا آنسة أمل. ورحمة أمي الفرح دا ما هيتعمل.
نظر إيهاب له مستنكراً ليضحك حسن يكمل ممازحاً:
- إيه يا عم مالك اتخضيت كدة ليه؟ أنا قصدي أن الفرح دا عندي على حسابي. فستان العروسة وبدلة العريس. هو إحنا عندنا كام إيهاب وأمل؟ أنت بس قولي وصدقني أحلى واجب يا عريس. إيه يا جماعة؟ أومال فين الشربات؟ انتوا بخلا ولا إيه؟
التفتت أمل تنظر له مدهوشة. قلبها يعتصر ألماً. ألدرجة لم يعد يريدها؟ بالطبع. فصفا تفوقها جمالاً اليوم. زفافه لها سيهتم لأمرها من الأساس!!
***
فتحت عينيها فجأة تشعر بنفس الألم، نفس الشعور المميت بأن هناك ألف يد تنهش في جسدها. يؤلمها الصداع أبشع مما قد تحتمله، وحكة غير مبررة بالمرة. قامت سريعاً من جوار جبران النائم، توجهت إلى حقيبة يدها تنبش فيها بعنف علها تجد ضالتها. لا شيء. أين شريط الأقراص؟ أين المسكن لذلك الألم؟ رمت الحقيبة بعنف تحتضن نفسها تتحرك للأمام وللخلف. الألم يزداد بشاعة. لم تحتمل فصرخت. انتفض جبران على أثر صرختها. رآها ليهرع إليها. جلس أمامها يسألها فزعاً:
- مالك يا وتر أنتِ عاملة كدة ليه؟
فكت يديها تمسك كفيه يشعر بها ترتجف بعنف. أدمعت عينيها تتوسله باكية:
- جبران فين شريط المسكن؟ أبوس إيدك ادهولي. أنا مش قادرة استحمل الوجع دا. عشان خاطري يا جبران أنا بتعذب.
عليها أن تذهب إلى مستشفى. عليه أن يعالجها من ذلك السم الذي يسري في دمائها الآن قبل غد. ولكن كيف؟ سفيان سيقتلها أن حدث ذلك قبل الحفل الكبير. تبقى فقط غداً والحفل بعد غد. أدمعت عيناه يستمع إلى توسلاتها التي لا تتوقف. مد يده في جيب سرواله يخرج لها أحد الأقراص. توسعت ابتسامتها تلتقطها منه بلهفة كأنها تلتقط حياتها. راقبها وهي تبتلع القرص بتلهف. المياه ترتجف في يدها تسقط على ثيابها تـغرقها. والألم ينهش قلبه. لا يصدق أنه من قدم لها السم بيديه!!
رواية جبران العشق الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم دينا جمال
يجلس جوارها يمسح بيده علي خصلات شعرها وهي تنام في عالم آخر بفعل السم الذي سقاه لها بيديه، وكأنه لم يكتفِ بأن يكن سبب عذابها سلفًا، ليأتي الآن ويكمل دوامة الألم والعذاب، يعطيها السم، يشعر بالغضب والاشمئزاز من نفسه.
انسابت دمعات لم يستطع حبسها أكثر، فمال علي جبينها يطبع قبلة حزينة طويلة، تساقطت معها دموعه علي جبهتها. مسح علي خصلات شعرها برفق، جذب مفاتيح سيارتها، يتحرك للخارج يهرول. دقات قلبه تتسارع، أنفاسه تختنق داخل صدره. صفع باب القصر حين خرج للحديقة، وقف يتنفس بعنف يحصل على الهواء، فما بالداخل سم ينتشر. لا يعرف حتى كيف أحبت وتر ذلك المكان.
اندفع إلى سيارتها، يلج المفتاح في مكانه، يدير بعنف، يدوس الدواسات تحت قدميه بعنف. يتحرك بلا هدى، لا يعرف حتى أين سيذهب. عيناه حمراء، لا يرى أمامه سوى مشهد وتر وهي تتوسله لأن يعطيها السم. رفع يديه عن المقود، ينظر لها متقززًا. انحرفت السيارة أثر حركته المفاجئة، لم يستطع السيطرة عليها، فاصطدمت بعنف في السيارة أمامه.
من الجيد أن السيارة التي اصطدم بها لم تنقلب أو تنجرف بعيدًا. نزل من السيارة ليطمئن على حال السائق، حين وجد باب السيارة يُفتح وصوت السائق يسبقه صارخًا:
"أنت أعمى؟ طالما ما بتعرفش تسوق بتتنيل تركب عربيات ليه؟ هو أنت؟"
نظر جبران إلى زياد غاضبًا، حقًا اليوم لم يكن ينقصه سوى زياد حتى يصبح أعتم من سواد الليل. صفع جبران باب سيارته بعنف، توجه ناحية زياد يصرخ هو الآخر:
"أنت اللي واقف في نص الطريق، مين فينا بقى الأعمى؟"
شخصت عينا زياد غضبًا، ذلك البلطجي يتطاول عليه. تقدم بخطى سريعة يقبض على ثيابه، يصيح فيه:
"أنت اتجننت يا زفت؟ بتطول لسانك عليا؟ دا أنا أقطعهولك!"
فما كان من جبران إلا أن رفع يديه يقبض على كفي زياد بعنف، دفعه بعيدًا عنه، لكمه في وجهه بعنف. ترنح زياد يمسح الدماء النازفة من جانب ثغره، ليصرخ غاضبًا يتوعده بالكثير:
"دا أنت المخدرات اللي بتبيعها لحست مخك بقي، ورحمة أمي ما هتشوف الشمس تاني!"
ابتسم جبران في سخرية، يدس يديه في جيبي سرواله وكأن شيئًا لم يكن. يشاهد ما يحدث بسخرية، كيف تواصل زياد مع أقرب قسم منهم، وبعثوا له بأحدي سيارات الشرطة. اقترب العسكري منه ليمد جبران يده له دون مقاومة، قبل أن يدوي صوت الأصفاد يقفل على يديه بعنف. دفعه العسكري إلى السيارة، فتحرك دون مقاومة، يبتسم مستهجنًا أمام نظرات زياد التي تتوعده بالكثير.
ما أن غادرت سيارة الشرطة، ظهر ذلك الواقف بعيدًا يتحدث في هاتفه، يبدو متلهفًا قلقًا:
"الحق يا سفيان باشا، جبران ضرب الظابط اللي اسمه زياد دا في الشارع قدام الناس، والظابط حالف أنه ما هيخرجه من السجن!"
مرت ساعة وكان سفيان يقف بسيارته الفارهة أمام قسم الشرطة. دخل إليها سريعًا يسب جبران في نفسه، ذلك الأحمق يُفسد خططهم أجمع برعونته. وقف أمام مكتب زياد، أعطى بطاقة تعريفه الخاصة للعسكري الواقف خارجًا:
"قول لزياد باشا، سفيان باشا الدالي."
العسكري غاب للحظات ليعود يعطي البطاقة لسفيان يفسح له الطريق:
"اتفضل يا باشا."
دخل سفيان إلى مكتب زياد للمرة الثانية بسبب جبران. توسعت عيناه في دهشة حين رأى وجه جبران يملؤه الكدمات المتفرقة، يديه مقيدة بالأصفاد، وأحد العساكر يقبض على ذراعه. رغم كل ذلك، لازال يصرخ في زياد يسبه غاضبًا:
"لو أنت راجل فك ايدي وأنا أوريك الرجولة اللي بجد يا..."
انتفض سفيان يكمم فم جبران بيده، قبل أن يطلق سيلًا من السباب البذيء. يهمس له مدهوشًا:
"الله يخربيتك، إيه اللي أنت بتهببه دا؟ اخرس خالص عشان أعرف أخرجك من هنا."
حمحم سفيان يرسم ابتسامة صغيرة محرجة على ثغره. تقدم ناحية زياد يود مصافحته، ليمد زياد أطراف أصابعه يصافحه ببرود. حمحم يغمغم:
"والله يا زياد باشا أنا حقيقي مش عارف أقولك إيه، بس هو جبران بيعاني الفترة دي من حالة نفسية سيئة جدًا. دا اللي مخليه عصبي بشكل لا يطاق."
ضحك زياد ساخرًا، التف حول مكتبه، وقف بالقرب من جبران يغمغم متهكمًا:
"إيه اتجنن؟ وماله لو اتجنن؟ أنا أرد له عقله مكانه. جوز بنتك أبو نفسية وحشة بيتطاول عليا بالسب والضرب؟ دي قضية يتكلبش فيها كام سنة حلوين، وفي شهود عليه."
التفت سفيان لجبران يرميه بنظرة غاضبة حانقة. زفر أنفاسه بعنف، يدير وجهه لزياد من جديد، يردف مبتسمًا:
"زياد باشا، أنا بكلمك بصفة ودية دلوقتي، اعتبرني زي والدك. وأنا بعتذر لك جدًا، وحقك على راسي. يرضيك يعني ابنه ولا بنته لما تيجي الدنيا يلاقوا أبوهم مرمي في السجن؟"
توسعت عينا زياد غيظًا، ليردف فجأة بحدة:
"هي وتر حامل؟!"
صمت حين رأى نظرات سفيان المتعجبة من غضبه المفاجئ. زفر لهيب أنفاسه الغاضبة بعنف، ينظر لجبران كارهًا. التف ناحية سفيان، يغمغم:
"ماشي يا سفيان باشا، عشان خاطرك أنت ووتر، بس صدقني لو لمحت ضله بس تاني مش هتشوفه تاني."
ابتهجت ابتسامة سفيان، يصافح زياد بحرارة، يغمغم ممتنًا:
"أنا حقيقي مش عارف أشكرك إزاي يا زياد باشا."
أشار زياد للعسكري ليزيل الأصفاد من يد جبران. ليسرع سفيان يمسك بكف يده قبل أن يقدم على أي رد متهور يعيدهما لنقطة الصفر. حدج جبران زياد بنظرة قاتلة يتوعد له بالهلاك على ما فعل. تحرك رغما عنه، فسفيان حقًا كان يجذبه بعنف إلى الخارج. توجها إلى السيارة، أدار سفيان المحرك في صمت.
ما أن ابتعدا عن محيط القسم، التفت إلى جبران يصرخ فيه غاضبًا:
"اللي أنت عملته دا قمة التخلف. قولتلك بدل المرة ألف، مش عايزين مشاكل الأسبوع دا عشان الصفقة تكمل والحكومة ما تحطش عينيها علينا، وأنت رايح تضرب ظابط وتدخل القسم؟ كنت هتبوظ كل حاجة!"
التفت جبران ناحية سفيان، عيناه حمراء كجمر يشتعل. أوردته تصرخ، فكه مشدود، عروق وجهه تنفر بعنف. ضرب فخذه بقبضته، يغمغم متوعدًا:
"اسمع بقى يا سفيان باشا، الصفقة دي كوم ورقبة اللي اسمه زياد دا كوم تاني خالص، وأنا اللي هقتله بأيدي. قولت إيه؟"
تنهد سفيان حانقًا، ذلك الأرعن عليه مجاراته إلى أن يحين الموعد، تبقى فقط القليل. أومأ بالإيجاب، يوجه تركيزه إلى الطريق أمامه:
"ماشي يا جبران، الصفقة دي تخلص وتبقى كبير السوق، وأنت وشطارتك بقى، اعمل فيه اللي أنت عاوزه."
ارتسمت ابتسامة قاتمة تحمل الكثير، رآها سفيان بطرف عينيه، وحقًا شعر بالقلق منها. كان يظن أنه هو فقط المجنون هنا، ولكن يبدو أن لجبران وجهًا آخر لم يروه بعد!
***
حل الليل في الحي الشعبي هناك، وأُضئ المكان بحبال الزينة الملونة المعلق بها مصابيح صغيرة بكافة الألوان. تصارت المقاعد، وها هي كوشة العروسين في المنتصف على مسرح ليس بصغير. وبدأت أصوات الأغاني الشعبية تتعالى من مكبرات الصوت. تبقى القليل ويبدأ الزفاف.
في إحدى محال التجميل الشعبية، تجلس صبا، أو روزا، على مقعد أمامها عاملة تضع لها مستحضرات التجميل. يلتف حولها العديد من السيدات والفتيات في الحي حين علموا أنها هنا يتيمة لا أحد معها، تطوعن أجمع. لا يشعرن العروس بالحزن أو الأسى. أما روزا، فكانت تجلس شاردة، لا تعرف حقًا ماذا تفعل. أغلقت جميع طرق الهرب أمامها. صاحب الظل اختفى، والمايسترو أين هو؟ لما تركها الجميع بعد أن كانت محور الجميع؟ هل نبذوها الآن؟ انتهى المايسترو من دميته، باتت قديمة ممزقة، لا حاجة بها، فحكم عليها أن تقضي حياتها هنا داخل حي شعبي، زوجة لبلطجي مثل حسن.
توسعت عيناها تتذكر السم في حقيبة ثيابها، تخفيه دائمًا. ابتسمت في خبث، اليوم سيحصل العريس على قبلة مميزة لن ينساها أبدًا، ربما لأنها ستكون الأخيرة في حياته. وحينها ستهرب من ذلك المستنقع إلى المستنقع الذي تحب!
نظرت مشمئزة إلى عاملة التجميل التي تضع المستحضرات على وجهها. روزا الجميلة لا تحتاج أي من تلك الأشياء. تفحصت عينيها فستان زفافها المتواضع التي جلبه لها حسن صباحًا. تنهدت تحاول أن تهدئ، فقط ساعات وسينتهي كل شيء.
سمعت زغاريد عالية تأتي من الخارج، ليظهر بعدها حسن يدخل إليهم. جعدت جبينها متعجبة لما يرتدي قميصًا أزرق وبنطالًا من الجينز الأسود. أين حلة الزفاف؟ لا يهم حقًا، ولما تهتم. رسمت ابتسامة خجلة على شفتيها، تنظر أرضًا على استحياء. ليبتسم حسن ساخرًا. اقترب منها، لم يشبك يدها في ذراعه، فقط أمسك بكف يدها يجذبها لتسير معه. تحاوطهم السيدات اللاتي لا تخلو نظراتهن من التعجب والاستنكار، ولكن رغم ذلك لازلن يطلقن الزغاريد العالية.
في الأعلى، وضعت أمل يديها على أذنيها تبكي بعنف. ها هو زفاف طليقها بالأسفل. لما تبكي؟ لما هي حزينة من الأساس؟ هي لم تحب حسن. تنفست بعنف، تردد داخلها مرارًا وتكرارًا أنها لم تحب حسن. لا يجب أن تحزن على فراقه أبدًا. نعم، هي لا تحبه. إيهاب أفضل طبيب صيدلي شاب وسيم، حنون. سيدهما مستقبلًا بالتأكيد.
هبت واقفة فجأة، احتدت عيناها، تقرر أن تذهب لتراه وهو جوار زوجته، حتى تزيل أي رواسب علقت في قلبها أثر وجوده. تحركت خطوتين لتخونها قدماها، تسقط على الفراش. جواره جالسة تخفي وجهها بين راحتيها. على من تكذب؟ أحبته، دق قلبها له، وانتهى الأمر. مسحت دموعها بعنف من جديد، تحركت للخارج.
وقفت في الشرفة تُجبر نفسها على مشاهدة ما يحدث. دق قلبها بعنف، تشعر بنغز قاسٍ ينخر قلبها وهي تراه يمسك بيدها متجهًا بها إلى الكوشة. سالت دموعها دون حتى أن تشعر. اقترب حسن من الكوشة لتجلس روزا مكانها. قبضت أمل يدها على سور الشرفة تنتظره إن يجلس هو الآخر، ولكن ما حدث لم يكن حقًا تتوقعه. ابتعد حسن عنها، نزل إلى أسفل يقترب من عمر!!! الذي يرتدي حلة عريس. عانقه حسن يغمغم سعيدًا:
"مبروك يا عريس، يلا اطلع مكانك على الكوشة."
نظرة الدهشة والذهول التي صرخت على وجه أمل، صرخت بنفس القدر على وجه روزا وهي ترى ذلك الشاب يجلس جوارها. نظر إليها يغمغم مبتسمًا:
"مبروك يا عروسة."
ما الهراء الذي يحدث هنا؟ نظرت روزا إلى حسن مذهولة، عيناها شاخطة، لتري ابتسامة الأخير الساخرة، مما جعل دماءها تصرخ غيظًا. كافحت بصعوبة رغبتها في أن تصرخ، تمزق رقبة ذلك المدعو حسن بيديها. ساعات قليلة وينتهي ذلك الهراء بأكمله، وذلك الشاب المسكين الجالس جوارها سيكون هو الضحية بدلاً عنه الليلة. ولكن حسن لن ينجو من يدها أبدًا.
صعد حسن من جديد إلى المسرح حيث كوشة العروسين. التقط مكبر الصوت من ذلك الشاب المسؤول عن تنظيم أغاني الزفاف، يُطلق عليه في تلك المناطق الشعبية اسم «النباطشي». حمحم ليسود الصمت قليلًا، ليردف مبتهجًا:
"مسا مسا على الناس الكويسة اللي شرفتنا النهاردة. مبروك يا عمر، أنت عارف غلاوتك عندي أنا والمعلم جبران، دا أنت أخونا الصغير. الليلة ليلتك يا عريس."
نظر إلى صفا يبتسم في سخرية، لاحظتها جيدًا، يكمل:
"مبروك يا آنسة صفا، حقيقي أنتي محظوظة جدًا براجل زي عمر، راجل شهم وجدع هيحافظ عليكي. ويوم ما يزعلك تيجي تقولي لي، وأنا أشد لك ودانه."
احتقنت عينا روزا غضبًا. كانت تظن أن ذلك الحسن مجرد أحمق يسهل خداعه، لتجد نفسها في النهاية هي الحمقاء الوحيدة هنا. ابتسمت رغما عنها، ليكمل حسن مبتهجًا:
"ولعها يا مصطفى."
ألقى إليه مكبر الصوت، لتبدأ الأغاني الشعبية الصاخبة تصدح في الأجواء. اتجه حسن صوب عمر يجذبه من يده لينضم للشباب. نظر لروزا يغمزها خفية، يبتسم ساخرًا، قبل أن يتحرك بصحبة العريس إلى منتصف المسرح حين صعد جميع الشباب للرقص.
صدمة صعقت عقلها. فوقف عاجزًا عن فهم أي شيء. ذلك ليس زفاف حسن، زفاف عمر، وعمر من رجال جبران وحسن المقربين. لذلك حسن كان يشرف بنفسه على تحضيرات الزفاف. كيف كانت بذلك الغباء؟ استمعت فقط من والدتها، لم تسأله حتى عن صدق ما سمعت. أصدرت الحكم دون كفاية الأدلة. دخلت إلى غرفتها تلتف حول نفسها، تعتصر كفيها. كيف تفعل بها والدتها ذلك؟ عليها أن تجد حلاً. عليه أن يفهم أنها لم تكن تعرف.
بدلت ثيابها إلى جلباب أسود وحجاب، جذبته دون حتى أن تعرف لونه. تحركت للخارج. نظر لها صابر حزينًا على حالها، لتتحرك إلى باب شقتهم سريعًا. ارتدت خفها، تُسرع إلى أسفل حيث الزفاف المقام. رأت حسن يخرج من بين جمع الشباب يحادثهم ضاحكًا:
"لأ خلاص، أنا نفسي اتقطع، هروح أشرب حاجة ساقعة وسيجارة وأجيلكم تاني."
تركهم ونزل يتوجه إلى المقاعد التي يجلس عليها الحضور، بحث عن أبعد مقعد عن الزحام ليتجه صوبه. التقط زجاجة مشروب غازي ليتوجه إلى هناك. ارتمى على المقعد يشعل سيجارة. ابتلعت لعابها مرتبكة، توجهت صوبه إلى أن باتت بالقرب منه. التفت نحوها حين شعر بأن شخصًا ما قريب منه. أبعد السيجارة عن فمه، ابتسم يغمغم بلامبالاة:
"خير يا آنسة أمل؟ لو بتدوري على خطيبك، فما أعتقدش أنه جه. ممكن تلاقيه في الصيدلية."
شعرت بالخجل، ربما الإحراج من طريقة كلامه الساخرة ونظراته الباردة. حمحمت تهمس مرتبكة:
"لأ، أنا كنت عاوزة أتكلم معاك كلمتين لوحدنا برة الدوشة دي."
لقي السيجارة من يده، تنهد ليقم من مكانه، يتقدمها للخارج بعيدًا عن الزفاف. جوار عربة الطعام المغلقة الخاصة بها، وقف هناك كتف ذراعيه أمام صدره، يغمغم مبتسمًا ابتسامة سخيفة ساخرة:
"خير يا آنسة أمل، عاوزة إيه؟"
ظلت للحظات طويلة صامتة، تفرك يديها مرتبكة، تبتلع لعابها بين حين وآخر متوترة. اضطربت حدقتاها حين رأت نظراته الفارغة، تهمس:
"أنا ما كنتش أعرف.. هما قالوا لي أنه فرحك أنت، ساعتها حسيت إنك بتخدعني، إني لعبة بتضحك عليها. إزاي بتقولي بحبك وعايز نرجع، وفي نفس الوقت رايح تتجوز؟"
قاطعها قبل أن تكمل، غمغم ساخرًا يتهكم من عذرها الواهي:
"هنا بقى مربط الفرس، أنتِ لو كنتي شرياني بجنية واحد كنتي جيتي سألتيني، مش ما صدقتي تجري تتخطبي مجرد ما سمعتي."
نفت برأسها سريعًا، لم تكن تعرف. لم تكن تقصد. أدمعت عيناها، اندفعت تردف سريعًا:
"حسن، أنا ما كنتش أعرف والله ما كنت أعرف، حسن ردني يا حسن."
ارتسمت ابتسامة ساخرة تقطر ألمًا على ثغره. كم كان يطوق لسماع تلك الجملة منها، ولكن بعد ما حدث لم يعد يريدها. لم يعد يريد أي شيء في هذه النقطة، فقط ينتهي ليعود لعزلته البعيدة من جديد. رماها بنظرة جافية وبقسوة، قال:
"أنتِ عمرك ما عرفتي زي عمرك ما وثقتي في حبي ليكِ. أنا دلوقتي اللي مش عايزك يا أمل، خلاص كده الحكاية خلصت، عن إذنك."
ورحل، تاركًا واقفة كعابر سبيل طلب المساعدة، فأُغلقت جميع الأبواب في وجهه. يقف وحيدًا يشعر بالقهر والألم. قبضت على كف يدها بعنف، تمنع دموعها بجهد شاق. أجفلت على يد وُضعت على كتفها. التفتت خلفها، ظنته هو، ولكنه لم يكن. جعد إيهاب جبينه يسألها متعجبًا:
"مالك يا أمل؟ واقفة لوحدك ليه كده؟"
نفت برأسها، تبتعد عنه وعن المكان بأكمله. مرت جوار الزفاف القائم، لتراه بين جموع الشباب يرقص وكأن شيئًا لم يكن!!
***
على صعيد آخر، في قصر صاحب الظل، وقف بيجاد في حديقة القصر ليلاً ينظر للقمر المكتمل، يتنهد قلقًا، يشعر بشيء خاطئ يحدث هنا. الوضع برمته مقلق. وليد الحي الميت الذي ظهر فجأة من العدم. حياة قريبة زياد، كيف تزوجت من وليد؟ الفتاة صامتة بشكل مخيف، نظرات عينيها كسيرة خائفة طوال الوقت. رُسل التي ابتعدت عنه فجأة، نامت بالأمس في غرفة بمفردها. المكان هنا يشعره بالاختناق بشكل مخيف. تنهد يحادث نفسه بصوت مسموع:
"القمر بدر والصحرا بليل، حقيقي مخيفة. تحس كأن في 3000 كيلو من الهم، والغريب أن الحياة هنا إزاي ما أعرفش وسط الصحرا حياة."
"دا أنت بقيت شاعر بقى يا عم بيجاد، غريب الحب، مين فاهمه؟"
غمغم بها وليد ضاحكًا. اقترب من وليد يلف ذراعه حول رقبته، يغمغم ضاحكًا:
"جوز أختي الرومانسي، أومال مزعل رُسل ليه يا عم الحنين؟"
ابتسم يأسًا، يحرك رأسه للجانبين، يغمغم ساخرًا:
"أنت عارف رُسل من زمان بتتقمص على طول، وموضوع الحادثة اللي حصلتلها خليتها حساسة جدًا. أنت عارف هي زعلانة ليه؟ عشان أنا خرجت من غير ما أقولها. شايف السبب تافه! مراتك بردوا بتزعل كده لو خرجت من غير ما تقولها."
ضحك وليد عاليًا، مد يديه يعدل تلابيب ثيابه، يغمغم مختالًا بذاته:
"لأ يا عم، أخوك مسيطر أوي، يعني مش معايا أنا الكلام ده. أنت اللي حنين زيادة."
ضحك مجاملًا، ليصمت للحظات طويلة، قبل أن يلتفت لوليد، يغمغم قلقًا:
"إحنا هنعمل إيه في الحفلة يا وليد؟ أنا قلقان. كل اللي أنا فهمته منك إن وقت التسليم هيدخل البوليس ويقبض على مجدي وسفيان والتجار اللي جايين من بره، بس كده بالبساطة دي؟"
ضحك وليد، يدس يديه في جيبي سرواله، يردف ساخرًا:
"إيه يا عم، أنت عايز أي أكشن وخلاص. السابينيس والجري وضرب النار ده في الأفلام الأجنبي، بس هنا الموضوع هيتم ببساطة. أنا متفق مع البوليس، حتى مع لواء كبير في الداخلية. وقت التسليم أنا هبعتله إشارة وهتدخل عناصر الشرطة وهيتقبض على الكل، وأنا واخد منه كلمة إن أنا وأنت هنبقى بره الليلة دي وهما يتصرفوا بقى، وبكده هنبقى خدنا حق الكل من مجدي وسفيان."
ابتسم وليد يومأ بالإيجاب، ليردف سريعًا:
"بس رُسل ومراتك ما ينفعش يبقوا موجودين. رُسل مش هتستحمل تشوف مجدي مقبوض عليها، أنت عارف هي حساسة قد إيه."
أومأ وليد بالإيجاب، يردف مكملًا:
"أكيد طبعًا، حتى لو نسبة الخطر واحد في المية، أنا مش هعرضهم ليها. تعالا نشوف يلا، هنلبس إيه في الحفلة التنكرية؟ أنت بتقترح تلبس الأمير عريق."
ضحك بيجاد يصدم وليد على كتفه، يتشاكسان كالأطفال في طريقهما للداخل.
***
عقد المأذون القران بالبطاقة المزيفة باسم صفا، وكان حسن شاهدًا على العقد. انتهى الزفاف بعد ساعتين فقط. اقترب حسن من عمر يعانقه، يغمغم مبتسمًا:
"مبروك يا عريس، يلا على شقتك. فين يا جماعة الزغاريد؟ مش سامع!"
انطلقت الزغاريد العالية من كل حدب وصوب، ليتجه عمر ناحية روزا. حملها بين ذراعيه، ليتعالى ضحكات الشباب. تقدمهم حسن إلى عمارة سكنية قريبة منهم في الطابق الثاني. صعد هو أولًا، يفتح باب شقتهم. أنزل عمر روزا عند باب الشقة، لتسبقه للداخل. اقترب حسن من عمر، مال على أذنه يهمس له:
"ما تنساش اللي قولته لك عليه."
تبادلت نظرات عمر لأخرى حادة، يومأ برأسه بالإيجاب. رفع يده يربت على كتف حسن:
"ما تقلقش يا معلم حسن."
أعطاه المفتاح، دخل عمر إلى شقته، ليجذب حسن الباب يغلقه، وكأنه ينهي كل شيء في لحظة.
في الداخل، تحركت روزا سريعًا تبحث عن غرفة النوم، إلى أن وجدتها. بالطبع حقيبتها ستكون هنا. دخلت تبحث عن حقيبتها في كل مكان بلا أثر. أين ذهبت؟ أجفلت على صوت عمر خلفها يسألها:
"إنتي بتدوري على إيه؟"
شدت بكفيها على قماش فستانها بعنف، قبل أن تلتفت له. رسمت ابتسامة خجولة على شفتيها، تردف مرتبكة:
"شنطة هدومي مش لاقياها، فيها حاجة مهمة عايزاها."
ابتسم عمر في رفق، يغمغم:
"شنطتك مش هنا، أمي الله يبارك لها جابت لك هدوم جديدة من كله. هتلاقيها في الدولاب، أنا اديتها لأمي تتصرف فيها."
شخصت عيناها غضبًا. لم تشعر بشيء سوى وهي تدفعه بعنف في صدره، تصرخ فيه:
"إنت إزززاي تعمل كده؟ أنت غبي ما بتفهمش؟ مين قالك تعمل كده يا متخلف؟"
صمتت تتنفس بعنف. أما عمر، فكان يبتسم لازال يبتسم رغم كل ما قالت. فقط تحرك صوبها خطوتين. وفجأة صرخت حين هوى كفه على وجهها بعنف. قبض على خصلات شعرها يجذبها نحوه، يصيح فيها:
"تقلبي أدبك هكسر عضمك، فاهمة يا بت؟"
دفعها بعيدًا عنه بعنف، ليتجه إلى دولاب الثياب، يخرج لها غلالة بيضاء، ألقاها على وجهها. نظر لها من أعلى لأسفل، يغمغم محتدًا:
"عشر دقايق، وألاقي دا عليكي."
تحرك ليخرج صوب المرحاض، حين سمعها تحادثه ساخرة:
"على فكرة، أنا مش عذراء، والمعلم حسن أخوك عارف، وعارف مين اللي عمل كده. المعلم جبران كبير المنطقة بتاعتكوا، وفي الآخر حاسبت أنت على مشاريبهم."
التفت عمر إليها يبتسم في سخرية. كتف ذراعيه، يغمغم ساخرًا:
"طب ما أنا عارف يا زينة البنات."
وتركها وخرج. قبضت على الغلالة في يدها بعنف، تنظر في أثره إلى أن رأته يدخل إلى المرحاض يغلق الباب. تلك كانت فرصتها لتهرب. تحركت سريعًا بخطى خفيفة إلى الباب، أدارت المقبض بخفة ليُفتح. ابتسمت في توسع، تخرج سريعًا، تاركة الباب خلفها مفتوحًا. حملت طيات الفستان بين يديها، تهرول لأسفل. أطلت برأسها من مدخل المنزل، المكان فارغ جيد. تنهدت بارتياح لتركض للخارج من الحي إلى الشارع الرئيسي. أوقفت سيارة أجرة، تحادث السائق من خلف الزجاج بهلع، أجادته:
"أرجوك أبوس إيدك ساعدني، أهلي عايزين يجوزوني غصب عني."
فتح لها السائق الباب من الداخل لتدلف سريعًا. أغلقت الباب. التفتت له لتشكره، لتشخص عيناها ذعرًا:
"إنت؟!!"
***
ليلًا في فيلا سفيان، دقت الخادمة باب غرفة جبران تخبره أن سفيان ينتظره في مكتبه. نظر جبران لوتر التي تجلس هناك أمام مكتبها تذاكر إحدى المحاضرات، تنهد حزينًا على حالها. غدًا الحفل، غدًا ينتهي كل شيء. نزل لأسفل يدلف لمكتب سفيان، لا أحد. المكتب فارغ. تنهد يشعر بالاختناق، يتجول في غرفة المكتب الكبيرة. استوقفته المكتبة الكبيرة التي تأخذ حائطًا بأكمله. تحرك يتفحص الكتب القريبة منه. أسماء كتب فلسفية وكتب قديمة تراثية. قطب جبينه ينظر لأحد الكتب، قبل أن يجذبه عنوان الكتاب يتكلم عن تسخير الجان!! كتاب قديم مهترئ عتيق. ابتسم ساخرًا، ماذا يفعل كتاب كهذا في مكتبة سفيان؟ أجفل على يد سفيان التي وضعت على كتفه، ليلتفت له يغمغم ضاحكًا:
"يا عمي أنا ناقص رعب، مش كفاية الكتاب دا! إيه يا عمي الشغل ده؟ أنت بتشعوذ ولا إيه؟"
ضحك سفيان ساخرًا، يأخذ الكتاب من يد جبران يضعه مكانه، يغمغم ضاحكًا:
"تصدق أنا أول مرة أشوف الكتاب ده من ساعة ما حطيته في المكتبة. كان جاي لي هدية من عميل من جنوب أفريقيا، هدية مريبة والله. تصدق أنا كام مرة قولت أحرقه وخفت بصراحة."
ضحك جبران يشاركه سفيان في الضحك لعدة ثوانٍ، قبل أن يحمحم سفيان يردف بجد:
"جبران، الحفلة بكرة ومجدي وعيلته هيكونوا موجودين هنا من بدري. مش عايز مشاكل مع طارق لحد ما الحفلة تخلص، واللي أنت عاوزه بعد كده أنا هعمله. المهم الحفلة تكمل على خير، مش عايز أي مشاكل يا جبران."
أومأ مرغمًا، سيتحمل هذا الفتى الغد فقط، قبل أن يزهق روحه بيديه!!
رواية جبران العشق الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم دينا جمال
في الصباح، وقفت سيارة مجدي في حديقة قصر سفيان. قبل أن ينزل مجدي، وجه حديثه لطارق:
"طارق، مش عايز مشاكل خالص النهاردة. بدل ما أقتلك بأيدي، تبعد عن وتر وجوزها خالص، فاهم؟"
تنهد طارق ضجراً. منذ الأمس، ووالده لا يتوقف عن تحذيره بأنه لا يريد مشاكل في الحفل وأن يبتعد عن وتر وزوجها. أومأ له لينزل هو أولاً.
ابتسمت شيرين ساخرة: "الحفل اليوم سيكون مفاجأة. المايسترو سيتألق بعرض خاص سيُذهل الكل."
مدت يدها تشبكها في يد مجدي، رفرفت بأهدابها تردف مبتسمة: "يلا يا حبيبي ننزل."
ابتسم سعيدا، يومأ لها، يقبض على كفها بين أحضان كفه.
توجه طارق إلى الداخل، ليكون سفيان أول ما قابله. توجه طارق إليه يصافحه مبتسما:
"صباح الخير يا عمي."
ابتسم سفيان على مضض، يصافحه بأطراف أصابعه، يردف ساخراً:
"أهلاً بالبيه اللي عامل مصايب في كل حتة. طارق النهاردة..."
قاطعه طارق قبل أن يسرد نفس التهديد الذي حفظه عن ظهر قلب:
"عارف، عارف. مش عايزين مشاكل وابعد عن وتر وجوزها."
"أنا لو لمحت ضلك جنب وتر، مش هيكفيني عمرك كله."
صدح صوت جبران الغاضب وهو يخرج من مكتب سفيان. عينيه حرفياً كانت تقدح شرراً، على وشك الاحتراق. اتجه صوب طارق، يمسك مقدمة القميص الذي يرتديه بين كفيه، حركه بعنف يتوعده صارخاً:
"بص يالا، أنت تبعد عني أنا ووتر النهاردة خالص لو عايز الليلة دي تعدي على خير، بدل ما أزفر بدمك البلاط اللي واقفين عليه، فاهم ياض؟"
تنهد طارق ضجراً، يقلب عينيه، يبتسم ساخراً. ذلك الأحمق يظن حقاً أنه يستطيع إيذاءه في وكرهم. رفع كفيه يبعد يدي جبران عنه، يغمغم بلامبالاة:
"طيب، طيب. سيبني بقى في حالي. أنا لحد دلوقتي مش عارف أتنكر ألبس إيه."
ابتسم جبران في سخرية، كتف ذراعيه أمام صدره، ينظر له من أعلى لأسفل ليردف متهكماً:
"اعمل راجل، ما حدش هيعرفك."
شخصت عيني طارق في ذهول، يشعر وكأن قنبلة انفجرت، فتتت كرامته إلى أشلاء لا نفع لها بعد الآن. في حين ابتسم جبران في سخرية، ينظر له بجانب عينيه. في لحظة دخول مجدي ومعه شيرين، ليغمغم جبران سريعاً في نفسه:
"لأ، أنا أطلع أحسن قبل ما أم قويق دي تيجي تتحرش بيا."
في الأعلى، في غرفة النوم الخاصة بها، تجلس على مقعد أمام مرآة الزينة الكبيرة، تنظر لقسمات وجهها المجهدة. عينيها الذابلة، هالات سوداء قاتمة تحتل المنطقة أسفل عينيها. حالتها مزرية بشعة. أدمعت عينيها، تنظر لنفسها باشمئزاز. أدمنت دون حتى أن تدري. لم تكن أن الطعنة ستأتيها من أقرب الأصدقاء. لازمتها تلك الحالة منذ أن أعطتها "سو" شريط الأقراص. العقار المهدئ للصداع، ما هو إلا مخدر، سمٌ يختفي ليأتي طارق ويكمل خطتهم البشعة. هي على أتم ثقة أن طارق هو من فعل كل هذا ليوصلها إلى حالتها تلك.
رفعت يديها تغرزها في خصلات شعرها. لا تعرف ماذا عليها أن تفعل. يجب أن تتوقف عن تناول تلك العقاقير، يجب أن تتخلص من السم الذي يعثو في جسدها فساداً. الآن، ولكن كيف؟ وهي لا طاقة لها للعيش بدونه. أبعدت يديها عن شعرها، تنظر لكفيها لترى الكثير من خصلات شعرها بين كفيها. شعرها يسقط بسبب ذلك السم. أغمضت عينيها، تنساب دموعها.
فتح جبران باب الغرفة، توسعت عينيه ذعراً حين رآها بحالتها تلك. هرول إليها، يجلس على ركبتيه أمامها يسألها قلقاً:
"مالك يا وتر؟ فيكِ إيه يا حبيبتي؟"
فتحت عينيها، ليمد يديه يمسح تلك الدموع التي لا تتوقف، يسألها خائفاً بعينيه عن ما بها. لتمد يديها ناحيته، تريه خصلات شعرها الممزقة. غص صوتها، تهمس مختنقة:
"شعري بيقع يا جبران... أنا بقيت مدمنة، صح يا جبران؟ أنا بقيت مدمنة. هما خلوني مدمنة."
نظر لخصلات الشعر بين يديها، ليستخلصهم برفق من بين كفيها، يضعهم جانباً. أمسك بذراعيها، يجذبها لتقف بصحبته إلى الفراش. جلس أمامها، يمسك كفيها بين كفيه. عينيه لم تفارق عينيها للحظة. تردد كثيراً قبل أن يتنهد بعنف، يهمس لها:
"هتتعالجي، وهكون معاكِ ثانية بثانية. وهاخد حقك من اللي عمل كده... حتى لو أنتِ ما بقتيش عايزاني تاني في حياتك يا وتر بعد اللي هيحصل النهاردة. أنا مستحيل أسيبك. هتفضلي بنت الذوات اللي قلبي ما حبش غيرها."
جذبت كفيها من يديه، تنفي برأسها بعنف. اقتربت منه، تلف ذراعيها حول عنقه، تحتمي داخل صدره. أجهشت في البكاء، تغمغم بحرقة:
"أنا عمري ما هبعد عنك يا جبران... ما تسبنيش أنت أبداً. ما تسيبش السم ده يموتني. أنا مش عايزة أفضل كده يا جبران، عشان خاطري."
صرخ قلبه ودمعت عينيه، وطوقت ذراعيه جسدها بعنف، يشد عليه، يغمض عينيه. يبتسم في سخرية. ستطرده خارج حياتها الليلة بعد أن تعلم الحقيقة. يجب أن ينكشف كل شيء، يجب أن تنتهي. ولكن للأسف، نهاية قصة العشق لم تكن سعيدة. أبعدها عنه، يحتضن وجهها بين كفيه، يقبل جبينها. حاول أن يبتسم.
ليغمغم عابثاً: "كفاية نكد بقى. انزلي صحيح، أبوكِ عايزك، مش عارف ليه."
ابتسمت، تومأ له. تحركت للخارج لتختفي. ابتسامته، يكسو الحزن وجهه. نظر أمامه إلى انعكاس صورته في المرآة، فابتسم ساخراً. ذاك هو عقابه على ما فعل في حقها. وكم سيكون العقاب قاسياً.
نزلت وتر السلم متجهة إلى غرفة مكتب والدها. دقت الباب، لتسمع صوت والدها يأذن لها بالدخول. فتحت الباب ودخلت. ابتسم سفيان ما أن رآها، يغمغم:
"وتر، تعالي يا حبيبتي. شوفي الفستان ده. لسه جاي من باريس مخصوص لكِ عشان الحفلة."
ابتسمت ابتسامة شاحبة، تتوجه صوب الفستان الموضوع على أريكة كبيرة، تكشف عنه. لتبتسم شيرين في خبث: "وتر هنا إذاً جبران بمفرده بالأعلى."
قامت تستأذن للدخول للمرحاض، صعدت السلم سريعاً، تلتفت خلفها كل لحظة وأخرى تتأكد من أن لا أحد يراها. بخطى سريعة، توجهت إلى غرفة وتر. فتحت الباب بخفة، لتري جبران يتسطح ينام على أحد جانبيه، يوليها ظهره. أغلقت الباب بخفة، تتوجه ناحيته. جلست خلفه، لتمد يديها، تحركها بنعومة على كتفه وذراعه. ليبتسم هو، يغمغم عابثاً:
"بس يا وتر، أنا عايز أنام شوية. مش وقت مساج."
ابتسمت هي، تكمل ما كانت تفعله. ليمسك كف يدها، يريد تقبيل يد زوجته. قرب كفها من فمه، ليقطب جبينه مستنكراً: "تلك ليست يد وتر أبداً."
انتفض جالساً عند تلك النقطة، ينظر لمن خلفه، لتتسع عينيه في دهشة. ينظر للجالسة أمامه، يهمس لها غاضباً:
"أنتِ إيه اللي دخلك هنا؟ وبتهببي إيه؟ اطلعي برة بدل ما أفضحك قدام جوزك أبو قرون ده اللي سايبك ماشية على حل شعرك."
ابتسمت شيرين في سخرية، مدت يدها، تحركها على وجهه. ليشيح بوجهه متقززاً. فضحكت عالياً، تردف ساخرة:
"أنت الخسران."
وقامت تتمايل في خطاها إلى باب الغرفة، وهو ينظر في أثرها مشمئزاً منها. عجوز متصابية، هو في عمر أبنائها تقريباً، ومع ذلك تتحرش به بشكل مقزز.
حملت وتر الفستان بين يديها، تشكر والدها. ابتسم لها. تحركت لتخرج من المكتب، لتسمع والدها ينادي باسمها. التفتت له، ليردف مبتسماً:
"وتر، عايزك برنسيس الحفلة الليلة دي."
ابتسمت دون حياة، تومأ بالإيجاب. تحركت لأعلى، لتري طارق ينزل من أعلى. يضم شفتيه، يصفر لحناً رتيباً مخيفاً. نظرت له مشمئزة، تشيح بوجهها بعيداً. في حين علا ثغره بابتسامة خبيثة. اقترب منها، ليقف أمامها في منتصف السلم، يمنعها من الصعود. يغمغم ساخراً:
"إيه يا بيبي، وحشتيني... عاملة إيه دلوقتي؟ لسه بيجيلك صداع؟"
اشتعلت أوردتها غضباً، تقبض على الفستان في يدها، على وشك أن تمزقه. لم تنظر إليه، عينيها تنظر بعيداً، تمنع دموعها بصعوبة. شهقت مصدومة حين اندفع طارق بعنف، ليسقط على وجهه أسفل السلم. التفتت بوجهها، لتجد جبران يقف أمامها. بصق عليه، يحادثه غاضباً:
"ابقى المح طيفك جنبها تاني يا كلب الصحرا أنت."
أمسك بيدها، فابتسمت مطمئنة، تنظر له سعيدة. تحركت بصحبته إلى أعلى، يختفي بصحبتها خلف باب غرفتهم.
وقفت شيرين تراقب، لتتنهد متحسرة على ضياع ذلك الرجل من بين يديها. دفعة واحدة فقط منه أسقطت طارق على وجهه كالحشرة. ولكن الأحمق مخلص للغاية لزوجته.
***
اقترب المساء في قصر صاحب الظل. وقف وليد أمام المرآة يعدل من وضع حلته الكلاسيكية الفاخرة، يبتسم ساخراً على ما سيحدث اليوم. مد يده يمسك بالفرشاة ليمشط خصلات شعره، ليقع عينيه على انعكاس حياة الجالسة على الفراش. عينيها سابحة في الفراغ. تنهد ضجراً قبل أن يلتفت لها يسألها:
"مالك يا حياة؟ قاعدة كده ليه؟"
حركت عينيها إليه، لتبتسم ساخرة. يبدو كرجل نبيل على قدر ضخم من الوسامة، ولكن تلك فقط قشرته الخارجية. هي الوحيدة التي من خلف ذلك القناع الذي يمسكه في يده شيطان بشع بلا قلب. شيطان يجب أن يُعدم على جرائمه أجمع. الموت رحمة، يجب أن ينال العذاب أشواطاً قبل أن يحصل عليه.
اقترب منها، يجلس أمامها صامتاً للحظات. ابتسم، يحادثها:
"خديها مني نصيحة يا حياة. حاولي تتأقلمي مع حياتك الجاية معايا، عشان ما تعذبيش نفسك. أنا مش هفضل صابر أكتر من كده. أنتِ مراتي في الأول والآخر، وأنا ليا عندك حق حلال. بدل ما أروح للحرام... اقنعيني نفسك بالكلمتين دول كويس على ما أجي من الحفلة."
توسعت حدقتاها ما بين الذعر والاستنكار والذهول. لن توافق، لن يحدث، لن نسمح له بأن يضع إصبعاً عليها. حرام؟ هل يخاف الشيطان فعل الحرام؟ عن أي حرام يتحدث؟
طالعته بأعين مذعورة، وهو يضع قناعاً فضياً غطى وجهه. لم يعد يظهر سوى عينيه. ابتسم لها من خلف القناع، يربت على وجنتها قبل أن يترك الغرفة. ما أن خرج، انتفضت سريعاً، تخرج السكين الكبير الذي دسّته بين ثيابها قبل عدة أيام دون أن يراها. ستقتله الليلة وينتهي كل شيء!
في حين، في غرفة بيجاد ورسل، ارتدى بيجاد حلة مشابهة لحلة وليد. يمسك في يده قناع أسود اللون. توجه صوب رُسل التي تقرأ في أحد الكتب دون أن تعيره انتباهاً. جذب الكتاب من يدها عنوة، لترفع وجهها إليه، ضيقت حدقتاها، حاولت جذب الكتاب من يده، ليلقيه بعيداً. احتدمت عيني رسل، تصرخ فيه:
"أنت اتجننت؟ أنت إزاي تعمل كده؟"
وضع القناع جانباً، ليمسك ذراعيها بين كفيه. أبعدت وجهها عنه، ليترك يسراها. بسط يده أسفل ذقنها، يدير وجهها ناحيته. تلاقت عينيها بعينيه رغماً عنها، لتري نظرة غريبة في مقلتيه. بيجاد يبدو خائفاً لسبب تجهله. لم تره خائفاً لتلك الدرجة من قبل. ابتسم لها، تنهد بعمق، يهمس لها:
"بصي بقى يا برنسيس رُسل، أنا عارف إنك زعلانة مني لسبب كوني غير مفهوم. كل الأوهام اللي دماغك دي، لو عشت وكان ليا عمر، هفهمهالك. المهم دلوقتي إني عايزك تعرفي حاجة مهمة جداً... أنا بحبك وبحبك من زمان، بس دايماً كنت بستحقر نفسي عشان القرف اللي كنت فيه، وشايف إنك تستاهلي حد نضيف. ده سبب معاملتي البايخة ليكِ في الأول، بس اسمعيها مني للمرة الأخيرة."
رفع كفها، يبسطها على صدره موضع قلبه، يغمغم مبتسماً:
"من زمان والقلب ده ما دقش غير ليكِ... هتوحشيني أوي يا رُسل. خلي بالك من نفسك."
أدمعت حدقتاها، تهتز مقلتاها خوفاً لما يحدثها بتلك الطريقة وكأنه سيذهب دون عودة. رفع كفها، يقبل باطنه، ليقبل جبينها، يغمغم مبتسماً:
"تعرفي، أنا نفسي الزمن يرجع تاني ونفضل أنا وأنتِ في الكوخ اللي على البحر."
ترك كفيها، ليضع القناع الأسود على وجهه. تحرك للخارج، لترتخي قدما رُسل. جلست على المقعد خلفها، ترتجف خائفة من كلماته.
نزل بيجاد لأسفل، ليجد وليد يجلس ينتظره على أحد المقاعد. ابتسم، يغمغم ما أن رآه:
"يلا يا عم... رجالي بلغوني إن ما فيش كماين ولا نقط تفتيش في الوقت ده على الطريق، فنلحق نتحرك بسرعة."
خطوتين فقط للخارج، قبل أن يتوقف وليد أمام بيجاد، يسأله سريعاً وكأنه كان قد نسي وتذكر فجأة:
"صحيح يا بيجاد، أنا نسيت أسألك. أنت مش على تواصل مع أي من البوليس عشان لو كده نبلغ خالد باشا اللوا اللي بقولك عليه عشان يتفقوا مع بعض، ما نروحش إحنا في الرجلين؟"
حرك بيجاد رأسه بالنفي، يغمغم في هدوء دون تردد:
"لأ، أبداً. مش من مصلحتي إني أبلغ. كنت أنا اللي هتمسك. مجدي وسفيان يقدروا يجيبوا بدل الدليل ألف. أني أنا اللي عملت كل البلاوي بتاعتهم."
أومأ وليد بالإيجاب، مقتنعاً لسببين. أولهما أن بيجاد محق، ليس في صالحه أبداً أن يبلغ الشرطة دون أدلة. والثاني والأهم أنه وضع في كأس العصير الذي شربه بيجاد قبل ساعة واحدة أقراص تدفع من شربها رغماً عنه ليقول الحقيقة. وهو الآن يقول الحقيقة، ليس لسبب سيء إطلاقاً. ما هو فقط يتأكد من مدى ثقة صديقه به! ابتسم وليد، يربت على كتف بيجاد، يردف مبتسماً:
"يلا بينا عشان ما نتأخرش."
***
في مكان بعيد عن سابقه، في غرفة نوم، يجلس على مقعد كبير ضخم. تجلس روزا أرضاً جوار قدميه، تنام برأسها على أحد ساقيه. ويسمح هو بكفه على خصلات شعرها. تنساب دموعها، تتوالى شهقاتها:
"كنت فاكرة إنك خلاص ما بقتش عايزني، استغنيت عني. هتسيبني أندفن هناك في الحارة دي. أرجوك ما تبعدنيش عنك تاني. أنا هعمل كل حاجة أنت عايزها."
ارتسمت ابتسامة ساخرة قاتمة على شفتي المايسترو. مال بجذعه ناحيتها، قبض على ذراعيها لتقف معه دون مقاومة. جذبها لتجلس على قدميه، يمسح على وجنتيها، يغمغم بالتواء:
"الشيطانة التي صنعتها يداي لا تبكي، مفهوم روزا... هيا حبيبتي، ارتدي فستانك وتجهزي، فالحفل بانتظارنا."
ابتسمت وكأنها طفلة صغيرة على وشك الذهاب في نزهة، لتومأ بالإيجاب سريعاً، تهرول إلى الفستان الموضوع على الفراش، تحتضنه سعيدة. ليبتسم المايسترو ساخراً. تلك اللعبة البائسة المشوهة هربت منهم لتعود لعذابها من جديد.
قام هو، يتثأب ناعساً، قبل أن يبتسم في خبث، يتخيل ما سيحدث ويتلذذ به.
***
في قصر سفيان الدالي. هنا في الحديقة، المكان مزين بشكل خيالي. الخدم يتحركون كخلية نحل دون توقف. بدأ الحضور بالقدوم، وتراقصت الأنوار، وصدحت الموسيقى.
في غرفة وتر وجبران، خرج جبران من مرحاض الغرفة، ليطلق صفير طويل. ينظر لزوجته التي تتألق بفستان أزرق قاتم يلمع. ما أعجبه حقاً فيه أنه مغلق من الأعلى ويصل لنهاية ساقيها من أسفل. وإلا لكان مزقه أمامها دون أن يهتم لما سيحدث. ابتسمت وتر بشحوب، أخفاه مستحضرات التجميل. التفتت إليه، تنظر لما يرتدي، لتقطب جبينها تسأله:
"مش هتلبس عشان الحفلة؟"
ابتسم، يلتف حول نفسه، يريها ما يرتدي. وقف يغمغم ضاحكاً:
"طب ما أنا لابس أهو. مش دي حفلة تنكرية برضوا؟ أنا متنكر في لبس واحد شعبي. بنطلون جينز قديم وسلسلة موس وتيشرت أسود عليه سيجارة."
أوه، أوه. ضحكت يائسة، تصدم جبينها براحة يدها، تهز رأسها. جبران لن يغير رأيه، تعرف رأسه الصلب. اقتربت منه، تبسطها كفها على كتفه، تغمغم مبتسمة:
"هتصدقني، ابن الحواري أنظف بكتير من ولاد الذوات اللي تحت دول. دول ناس بشعة أوي يا جبران."
تفرست عينيه ملامحها المجهدة. مساحيق التجميل لم تُخفِ حزن عينيها، الألم الصارخ في حدقتيها. بسط كفه على وجنتها، يسألها قلقاً:
"أنتِ عاملة إيه دلوقتي؟ لسه مصدعة؟"
نفت برأسها بعنف، انهمرت دموعها في لحظة، تلطخ مساحيق التجميل التي تغطي وجهها. غصت نبرتها، تشهق باكية:
"ما قدرتش يا جبران، ما قدرتش. استحمل الصداع وخدت من الحبوب دي تاني. أنا تعبت من اللي بعمله في نفسي يا جبران. أنا لازم أتعالج يا جبران."
حرك رأسه بالإيجاب، سريعاً يحتضنها، يربت على ظهرها برفق، وكأنه يعانق طفلة صغيرة، يهدهدها:
"هتتعالجي، هتبقي كويسة. اهدي بقى عشان خاطري."
ظلت لدقائق طويلة تحتمي داخل صدره، إلى أن هدأ بكائها. ابتعدت عنه، تسمح دموعها بكفيها. ضحكت ساخرة، تسمح دموعها بعنف:
"بوظت الميكب، أنا بقيت عيوطة أوي... أنا عمري ما كنت كده."
تركته وتوجهت إلى مرآة الزينة، تُصلح زينة وجهها التي فسدت، وهو يقف يراقبها، يُشبع قلبه من رؤياها.
على مقربة منهم، في غرفة مجدي وشيرين. أجبرت شيرين نفسها على تحمل ذلك العجوز الخرف وهو يأخذها بين أحضانه، يشوه روحها المشوهة من الأساس بلمساته المقززة. أمسك زمام أمرها بصعوبة. وكلما نظر لوجهها، ابتسمت، ليظنها سعيدة راضية. تنفست الصعداء، ما أن ابتعد عنها أخيراً، متجهاً صوب المرحاض ليرتدي ثيابه للحفل. قامت تلملم شرشف الفراش حول جسدها، تنظر للفراغ، كارهة، تشعر برغبة ملحة تدفعها لأن تمزق لحم جسدها بأظافرها، لعله يشمئز ولا يقترب منها من جديد. لن يكن هناك جديد من الأساس. سراج سيأتي الليلة وسيقتل مجدي، سيدفع الجميع الثمن، حتى هي. اضطربت حدقتاها، قلقاً، تخشى أن يضمها سراج لقائمة انتقامه. حين رأته آخر مرة، كان حقاً مختلفاً. سراج لم يكن يوماً بتلك الشر. سراج الذي عرفته في الصبا، كان شخصاً آخر، حنون، طيب، لم يكن ليخون أخيه لولا أنها وضعت أقراص معينة في العصير. حاول الابتعاد، حاول الهرب منها. صرخ فيها أنه حتى لو كان يحبها، لن يخون شقيقه أبداً. ولكن مفعول الأقراص أفقده عقله. أما سراج الذي ظهر الآن، شخص آخر مختلف، قاسٍ بشكل مخيف. حتى نظراته مخيفة، تُرجف الأبدان فزعاً.
أجفلت على صوت باب المرحاض، خرج مجدي يرتدي حلة فاخرة. ابتسم لها، لتشق شفتيها ابتسامة رغماً عنها. ليغمغم هو:
"قومي يلا يا حبيبتي، البسي. الحفلة خلاص بدأت."
أومأت بالإيجاب، لتتحرك تجر الشرشف معها إلى دولاب الثياب. أخرجت فستانها، لتتوجه إلى المرحاض، تغلق الباب خلفها.
على صعيد آخر، صعيد مهم للغاية. صاحب حفل اليوم، يقف سفيان في غرفته. لا حاجة له للتنكر، فهو في الأساس متنكر. لا أحد يعلم كم قناع يملك. فقط حلة رائعة من تصميم أشهر مصممي الأزياء. نظر لانعكاس صورته في المرآة، ليبتسم. ليبدأ الحفل إذا... خرج من الغرفة بخطى رشيقة ثابتة، يُسمع صداها رغم صوت الموسيقى الصاخب. لا تسمع سوى صوت خطواته التي تدوي بإيقاع ثابت، منتظم، مخيف. نزل لأسفل، يقف في منتصف ردهة القصر، حيث يقف بعض الضيوف الذين ليسوا سوى التجار الصغار الذي يعملون تحت يده. هم اليوم هنا فقط، حتى تظهر حفلة عادية، لا شك فيها، غطاء لا أكثر. كل واحد منهم يعلم لماذا هو هنا الليلة. عيني سفيان تحركت للرجلين الجالسين هناك بعيداً على الأريكة. يجلسان في هدوء تام. ابتسم ساخراً، ينظر لهما، يقيم الوضع. موردو المواد المخدرة تغيروا كثيراً عن السابق. أحدهما يرتدي نظارة شفافة للنظر!! شابين تقريباً في منتصف العمر، على قدر كبير من الوسامة. أحدهما ابن أكبر تجار المواد المخدرة في الخارج، والآخر حفيده. سام ابن مارسيليو وجاك حفيده. الإثنين هنا، يعني أن مقدار الصفقة التي دخلت ليس بقليل على الإطلاق. نظر سفيان خلفه، ها هما مجدي وشيرين ينزلان. اقترب مجدي من سفيان، ليشير له بعينيه إلى الجالسين هناك. تنهد مجدي قلقاً، يتمنى أن تنتهي الليلة فقط على خير.
عند بداية السلم فوق، تقف وتر تشبك يدها في يد جبران، تتنفس بعنف، تحاول أن تهدأ قليلاً. تشعر بالتوتر. مال جبران على أذنها، يغمغم عابثاً:
"إيه يا بنت الذوات؟ مالك؟ محسساني إنك أول تحضري حفلة."
ارتعشت ابتسامة مرتبكة على شفتيها، تحاول أن تهدأ. شدت على كف يده، ينزلان لأسفل. ابتهج سفيان ما أن رآها. اقترب من منظم الموسيقى، أخذ مكبر الصوت. حمحم، ليسود الصمت. ابتسم في توسع، يغمغم:
"مساء الخير. أنا حقيقي مبسوط بالجمع الموجود. وأحب بالمناسبة السعيدة دي أعرفكم على أجدد فرد في عيلة الدالي."
أشار بيده صوب جبران ووتر، يردف مبتسماً:
"جبران باشا، جوز بنتي وتر، وذراعي اليمين في الشغل كله."
نظر الحضور إلى بعضهم البعض. وصلت إليهم الرسالة. جبران عضو جديد ينضم للسوق السوداء، ولكن الماكر تزوج الأميرة، ابنة الملك. فيكن وزير الملك الآن، والملك نفسه فيما هو قادم. صفق الحضور سعداء، وربما أظهروا ذلك.
اقترب سفيان من طاولة الشراب، يلتقط كأس به نبيذ، رفعه قليلاً، يردف مبتسماً:
"أتمنى تكون أمسية سعيدة على الكل. في صحتكم."
رفع الحضور الكؤوس في أيديهم، يرتشف كل منهم من كأسه. نظرت شيرين لجبران، تغمزه بطرف عينيها وهي ترتشف من كأسها. عاد سفيان يردف من جديد:
"نبدأ سهرتنا السعيدة برقصة."
وضع مكبر الصوت جانباً، ليصطحب كل واحد منهم المرافقة له، والتي في الأغلب ليست زوجته. على صوت الموسيقى، يتمايل الجميع. جذبت وتر يد جبران ليشترك معهم في الحلقة. لف ذراعيه حول عنقها. نظر حوله، يفعل كما يفعل الرجال حوله، يتحرك ببطء نوعاً ما. زفر حانقاً، ينظر لوتر، يغمغم بنزق:
"هو إيه الرقص ده؟ استفدت أنا إيه؟ ولا هو أي تحرش وخلاص؟"
ابتسمت وتر، تضع رأسها على صدره، تتمايل معه بخفة. لتتسع ابتسامته، يغمغم راضياً:
"آه، إذا كان كده ماشي."
فراشة زرقاء تلمع، تتمايل بين أحضان رجل ضخم مخيف الهيئة. ولكن الفراشة تستحق المغامرة. قام جاك من مكانه، يعدل من وضع نظارته البيضاء المستديرة. اقترب من وتر، يوجه حديثه لجبران مبتسماً:
"Can I dance with your partner, please?"
جعد جبران جبينه، ينظر لذلك الرجل الأجنبي، يشبه الممثل في أحد الأفلام الأجنبية التي كانت تعرض على التلفاز. نظر لوتر، يسألها عما يريد ذلك الرجل. لترتبك حدقتاها، تهمس مترددة:
"بيقولك إنه عايز يرقص معايا."
توسعت عيني جبران في حد ضيق حدقيه، يردف غاضباً:
"قوليله ده عند your mother يا خواجة. هو شايفني بقرون."
ويبدو أن جاك تفهم رفضه، فابتسم في هدوء، يعود لمكانه من جديد. انتهت الأغنية، وقفت الرقصة، وبدأ الجميع بالتصفيق، ليصفق معهم دون أن يفهم لماذا؟
في تلك اللحظة، دخل منظم الحفلة، يحادث الحضور مبتسماً:
"مساء الخير يا جماعة. معلش، ممكن حضرتكوا تتفضلوا معايا للجنينة؟ في فرقة مسرح شهيرة جداً. المسرح مستعد ليهم. هيقدموا عرض كوميدي مخصوص لحضرتكوا."
لم يعترض أحد، بدأ الجمع يخرج للحديقة، عدا سفيان ومجدي والرجلين. أمسكت وتر بيد جبران، تغمغم سعيدة:
"جبران، أنا بحب المسرحيات دي أوي. يلا عشان نلحق من الأول."
نظر صوب سفيان، ليحرك الأخير رأسه بالنفي، يخبره بأن عليه أن يبقى. لا يجب أن يخرج. فأمسك بيد وتر، يتحرك معها للخارج، تحت نظرات سفيان الغاضبة.
في أحد الصفوف، جلست وتر جوار جبران، وبدأت المسرحية. دقيقتين فقط، ومال جبران على إذن وتر، يهمس لها:
"أنا هقوم أروح الحمام. ما تخليش حد ياخد مكاني. مش هتأخر عليكي."
ابتسمت، تومأ برأسها. عينيها لا تنزاحان عن العرض أمامها. تحرك هو، يعود للقصر من جديد. قابل سفيان في طريقه، ليردف سريعاً:
"وتر، ما كنتش هتخرج من غيري. واديني جيت أهو. ها، هنبدأ إمتى؟"
أمسك سفيان بذراع جبران، يجذبه معه إلى غرفة المكتب. وجد هناك طاولة كبيرة تشبه طاولة الاجتماعات. جلس سفيان وجبران جواره. أشار سفيان صوبه، يغمغم:
"زوج ابنتي، وذراعي الأيمن، والعضو الجديد في محفلنا."
تفرسته عيني سام بنظرات حادة، قبل أن يلتفت لسفيان، يغمغم بنبرة حادة:
"من أمر بتعيينه؟"
ارتبكت ابتسامة سفيان، يغمغم سريعاً:
"صاحب الظل، وأخذ الإذن من مارسيليو."
ابتسم جاك ساخراً. إذاً، ذلك الهمجي سيكون شريكهم الجديد. اضطجع إلى ظهر المقعد، يردف ساخراً:
"وأين هو صاحب الظل؟"
"صاحب الظل هنا."
غمغم بها وليد بنبرة ضاحكة مرحة، وهو يدخل من باب جانبي في الغرفة، ليدخل خلفه بيجاد. ابتسم جاك في سعادة، ما أن رأى بيجاد، ليقم من مكانه، يتجه صوبه، يعانقه، يغمغم سعيداً:
"القناص هنا. كنت أعلم أنك ستعود للساحة من جديد. اشتقت لك يا صديقي."
نقل بيجاد نظراته مدهوشاً. سام وجاك. ابتسم لصديقه، يعانقه، قبل أن يأخذ مقعده بجواره. في حين ذهب وليد إلى رأس الطاولة، يغمغم مبتسماً:
"أهلاً بالجميع، بالأصدقاء القدامى، والأعضاء الجدد. أحب أن أعرفكم من أكون لصديقنا الجديد، صاحب الظل، العقل المدبر، رئيس تلك العصبة."
التفت برأسه ناحية جبران، ليمد يده صوب جبران، يود مصافحته. نظر جبران إلى عيني وليد، الشيء الوحيد الظاهر من خلف القناع. حتى ذلك بيجاد لم يكن يظهر منه سوى عينيه. لا يعرف حتى كيف عرفه ذلك الشاب. مد يده يصافحه، ليجذب وليد يده، يغمغم مبتسماً، يوجه حديثه لجبران من جديد:
"جبران رزق، السواح كبير. منطقة الـ... راجل ذكي، وعندك طرق مبتكرة في توزيع وتخزين الحشيش. بس يا جبران، الحشيش ما بيأكلش عيش. إحنا متابعينك من فترة طويلة. يمكن الصدفة اللي عرفتنا عليك لما وتر جت عندك. بس من ساعتها وأنت تحت عينينا. خسارة موهبتك وشطارتك دي يا جبران تدفن في الحارة. أنت معانا هتبقى فوق... فوق أوي."
"وأنا حقيقي سعيد إنك وافقت تنضم لينا."
التفت للحضور حوله، يغمغم مبتسماً:
"دعونا نتناقش بأمر صفقتنا. سام، لا تنسى أن ترسل تحياتي إلى مار. اشتقت لتلك العابثة. مارسيليو أخبرني أن الشحنة تلك المرة ثلاثة أطنان. كيف أدخلتموها؟"
ضحكت سام في سخرية، رفع كتفيه، يردف ببساطة:
"إنها مار. أنت تعلم عقلها السام. أحياناً كثيرة أشعر بالذعر من تلك الفتاة."
ضحك وليد عالياً، ليقطب جبران جبينه. ما ذلك المار الذي يتحدثون عنه؟ ليسأل سفيان بدلاً عنه:
"من مار؟"
ضحك كل من وليد وسام في سخرية، دون أن يعطي أي منهم إجابة. من نظرات سفيان ومجدي، حتى ذلك المدعو بيجاد، يبدو أن لا أحد يعرفها. رفع جاك كتفيه، يردف حانقاً:
"لا أحد يسأل، لا إجابة. منذ أشهر وأنا أطرح نفس السؤال. من تلك المار؟ لا أحد يجيب. ولكني سأعرف قريباً. جل ما أعرفه أنها عشيقة سامح."
حمحم وليد، ليردف بنبرة أكثر صلابة:
"لنعد إلى ما كنا عليه. بالنسبة للصفقة."
وصمتوا. لم ينطق أي منهم بحرف، حين فُتح باب المكتب الكبير، وذلك مستحيل أن يحدث. لأن سفيان أوصده من الداخل جيداً. كيف ينفتح هكذا ببساطة دون حتى أن يصدر صوت رصاصة واحدة خارجاً؟ كان يقف رجل لم يتعرف عليه أي منهم، يُمسك في يده اليمنى مسدس مزود بكاتم للصوت، واليد الأخرى يستند على عكاز من الفضة. يعلو رأسه مجسم صقر. بجواره تقف فاتنة بفستان أحمر وشعر أشقر. أعين زرقاء ظهرت من تحت قناعها الوردي. في لحظة، استل كل من كان جالساً سلاحه، صوب ذلك الرجل. ليضحك هو ساخراً. تحرك بصحبة الفتاة خطوتين للداخل. طرق بأصبعيه، ليظهر رجلان ضخما الجثة. جذبوا الباب ليغلق عليهم من الخارج. كان سفيان أول من صاح محتداً:
"أنت مين؟ وازاي تدخل بيتي بالشكل ده؟... دخلت إزاي من الحرس أصلاً؟"
ضحك ذلك الرجل من جديد. تنهد، يردف ساخراً:
"سفيان، الجنينة اللي ورا عليها أربع رجالة بس. بذمتك في حفلة مهمة زي دي أربع رجالة بس على الباب اللي بيدخل للمطبخ؟ ومن للمطبخ للفيلا؟ ده أهم من الباب الرئيسي يا سفيان."
جذب سام أجزاء سلاحه، يصيح فيه محتداً:
"Who are you?"
ضحك هو من جديد، ليمد يده، يخلع القناع الأسود من فوق وجهه. لتشخص عيني مجدي في مزيج ما بين الذهول والذعر والفزع. خرجت الأحرف من فمه بمعجزة:
"سس... سسراج... إزاااي؟ أنت ميت. أنا قتلته بأيدي."
ضحك سراج عالياً، يتمشى في الغرفة. ترك العكاز من يده، يتحرك بسهولة. فتح ذراعيه، متجهاً صوب مجدي، يغمغم مبتسماً:
"أخويا اللي قتلني. وحشتني يا مجدي. هو لو أنا اللي ما سألتش، ما تسألش أنت. ده إحنا أخوات، والدم عمره ما يبقى ميه، حتى لو الدم ده أنت سيحته بإيدك."
عانق سراج مجدي رغماً عنه. ليقف الأخير متجمداً في مكانه، لا يفهم ما يحدث. عقله يحاول أن يترجم تلك الصدمة التي حلت توا. ضحك سراج من جديد، يتوجه صوب روزا. لف ذراعه حول خصرها، ليمد يده، ينزع القناع عن وجهها. شخصت عيني كل من وليد وبيجاد في ذهول. ليصرخ وليد محتداً:
"روزا! أنتِ بتعملي إيه مع الراجل ده؟"
ضحكت روزا عالياً، لتترك سراج، تتحرك صوب وليد. وقفت أمامه، رفعت يدها، تمشي بأظافرها على وجنته. ضحكت، تردف ساخرة:
"وليد يا حبيبي، الحكاية من البداية خالص، من تأليف وإخراج المايسترو. وأنتوا كنتوا عرايس بيحركها بإيده."
اتسعت حدقتاه، لا يفهم ما يحدث. ما الذي تهذي به؟ قبض على رسغ يدها، يصرخ فيها:
"يعني إيه؟"
جذبت يدها من يده، تفتح ذراعيها بحركة درامية، ضحكت، تغمغم ساخرة:
"يعني من أول الحكاية خالص، من ساعة ما بيجاد لقاني وجيت عشت معاكوا لحد اللحظة دي، كل ده من تخطيط المايسترو."
حرك وليد رأسه بالنفي، لا يفهم ذلك. كذب! ما تقوله كذب. في اللحظة التالية، انفتح الباب من جديد، ودخل أحد الحراس بصحبته وتر وشيرين. اقتربت وتر من أبيها، تسأله:
"في إيه يا بابا؟ الراجل ده بيقولي إنك عايزني ضروري في مكتبه."
قطبت وتر جبينها، تنظر للفتاة الواقفة أمامها، لتعاود النظر ناحية جبران، تغمغم مستنكرة:
"جبران، مش دي الممرضة اللي اسمها صفا؟ هي لابسة كده؟ ومين الناس اللي لابسة أقنعة دي؟ وإيه اللي بيحصل هنا؟ ما تفهموني؟"
صرخت بها ولا إجابة. صمت رهيب. الجميع مستعد على أتم استعداد. يمسك بسلاحه جيداً. في خضم ما يحدث، اقتربت شيرين من سراج، أسندت كفها على صدره، تقبل خده، تغمغم مبتسمة:
"وحشتني من آخر مرة شوفتك فيها."
والصدمة من جديد كانت من نصيب مجدي، الذي تسمر في مكانه. حتى هي كانت تعلم أنه حي. إذاً حبها له لم يكن سوى خدعة، وهو الأحمق الذي صدقها. ضحك عالياً، تتابعت ضحكاته لأكثر من دقيقة، ليغمغم من بين ضحكاته:
"يعني انتوا عايزين تفهموني إننا كلنا كنا لعب في إيدين سراج، أخويا اللي قتلته بإيديا، وطلع عايش؟"
أومأت روزا بالإيجاب، لتلتفت صوب جبران، تغمغم مبتسمة:
"أعتقد إنك أنت الوحيد اللي مش فاهم إيه اللي بيحصل هنا، ولا إيه يا معلم جبران؟"
ابتسم جبران في هدوء، كتف ذراعيه أمام صدره، نفى برأسه ببطء، يغمغم ساخراً:
"بالعكس، أنا فاهم... فاهم كل حاجة يا كارمن!!"
شخصت عيني روزا فزعا، ارتدت خطوة للخلف، تنظر لسراج مفزوعة. توترت نظرات سراج للحظات، كيف عرف جبران بذلك الاسم؟ اقترب روزا منه، تسأله صارخة:
"أنت عرفت الاسم ده منين؟"
"هو إيه اللي بيحصل يا جبران؟ فهمني."
"سراج فين ابني؟ أنت قلت إن هو عايش."
"سراج عايش إزاي؟ عايش؟ أنا قتلته!"
"أنا هقتلك يا روزا! أنا بتلعب بيا!"
"بسسسسس!"
صرخ بها بيجاد، خرج عن صمته، وهو يرى أبيه الميت يقف أمامه، يتلاعب بالجميع. ذلك مستحيل أن يحدث. والده؟!!!! اندفع صوبهم، قبض على ذراع روزا، ليزيح القناع عن وجهه، يلقيه أرضاً. نظر صوب أبيه، يصرخ فيه:
"أنت اللي بعت الشيطانة دي تلعب بحياتي؟ تفهمني إنها أختي؟ أنت اللي كنت بتلعب بحياة الكل... لييييه؟ استفدت إيه؟ يعني البت دي بنتك ولا لأ؟"
ابتسم سراج بخمول، ليتحرك صوب الأريكة القريبة، يجلس هناك، وضع ساقاً فوق أخرى، يغمغم ساخراً:
"تقدر تقول زي بنتي بالظبط. أما أنا عملت كده ليه؟ استفدت إيه؟ لاء، أنا استفدت كتير. يعني الشيطانة اللي في إيدك دي قدرت تعمل كتير أوي. أبسط حاجة، قدرت تسيطر على وليد المغفل ده وتخليه يخونك أنت ومراد، ويخلص منكوا. وليد بقى زي الخاتم في صباعها. بيدخل كل الصفقات اللي أنا عايزها، بيعمل كل العمليات اللي أنا محتاجها. إيدي اللي بحركها بينكوا وأنا بعيد عن الصورة."
نظر بيجاد لتلك التي يقبض على كف يدها، ليمر أمام عينيه شريط سريع، سريع للغاية. وفاة والده، الوصية التي وجدها أن يبحث عن شقيقته. سنوات قضاها يبحث عنها، إلى أن عثر عليها شابة في ربيعها العشرون في أحد دور الرعاية بالخارج. زهرة بريئة خائفة، كارمن الجميلة التي سحرت الجميع بجمالها وبرائتها. شعر برغبة ملحة في البكاء، ولكنه لن يفعل. احتقنت الدموع في عينيه، يصرخ فيها:
"ليه؟ أنا آذيتك في إيه؟ ده أنا قعدت سنين وسنين أدور عليكِ. ما صدقت لقيتك. أنا عملت كل حاجة في الدنيا عشان أسعدك، عشانك أنتِ. أنتِ أختي ولا لأ؟"
ابتسمت روزا ساخرة، ترفع كتفيها لأعلى. انسابت الدموع من عينيها، ضحكت، تغمغم بنبرة تقطر ألماً:
"مش عارفة. اسأل المايسترو. هو اللي عارف. أنا فتحت عيني في الدنيا في حضنه. هو أنا ما أعرفش حاجة. هو اللي عارف كل حاجة، وأنا بس بنفذ اللي هو بيقوله. أنا ما أقدرش أخالف أوامره. أنت ما تعرفش عقابه سيء إزاي."
شخصت عيني بيجاد فزعا، ينظر لأبيه الجالس أمامه، يبتسم بلامبالاة. هنا صرخت شيرين غاضبة، اقتربت من سراج، تقبض على تلابيب ملابسه، تصرخ فيه:
"دي بنتي! انطق! هي دي بنتي؟"
بهدوء، نفى سراج برأسه، يشير بعصاه ناحية مجدي، يغمغم ساخراً:
"لأ، دي بنت صغيرة. أنا خدتها من الملجأ لما كان عندها 10 سنين. بنتك قتلها مجدي، أو مش قتلها، هو راح رماها في مستشفى حكومي، وما أعرفش بصراحة مصيرها إيه. أو أعرف بس مش عايز أقولك. خليكي متعذبة كده. ده جزاء خيانتك."
صرخت بشراسة، حاولت أن تنقض عليه لتقبض على عنقه، ليشير إلى أحد حراسه، الذي أسرع بالإمساك بها، وهي تصرخ بين يديه، تتلوى بشراسة.
قام سراج من مكانه، يمسك المسدس في يده، تثأب، يغمغم ناعساً:
"أنا زهقت."
"استنى بس يا سراج باشا، مش أنت لوحدك اللي الجراب بتاعك فيه حكايات."
غمغم بها جبران ساخراً، ليتحرك صوب بيجاد، وقف أمام روزا، يبتسم. ليرفع يده، يمزق ذلك القناع الذي طُبع على وجهه منذ سنوات طوال، يكاد يقسم أنه نسي شكله الحقيقي. توسعت عيني روزا، تشهق مذعورة:
"مراااد!!!"
ضحك مراد، يومأ برأسه، ليلتفت برأسه صوب وليد، تلك المرة مد هو كف يده ليصافحه، يغمغم مبتسماً:
"إزيك يا صديق العمر؟ إيه نسيت شكلي؟ إيه مش هتسلم عليا ولا إيه؟"
"What nonsense is going on here?"
صاح بها سام غاضباً. الوضع أسوأ ما يكون، لا يفهم ما يحدث. تلك الصفقة يجب أن تلغى، يجب أن يرحلوا في أسرع وقت. وذلك ما فعل. بعث رسالة لمار أن تسرع لتخرجهم من هنا. التفت مراد إلى سام، ابتسم، يغمغم ساخراً:
"Calm down, Sam. You are always angry."
حين نظر صوب سام، وقعت عينيه عليها، تنظر له مذهولة، مذعورة، وكأنها تبحث عنه ولا تجده في ذلك الواقف أمامها. لا وقت الآن ليبرر لها أي شيء. صدح صوت سفيان يصرخ فيه غاضباً:
"إزاي أنت ميت؟"
ابتسم مراد في سخرية، ينفي برأسه، يغمغم ضاحكاً:
"طب ما أنت ميت. بس الفرق إن أنا صحيت من الموت، وأنت هتروحله بأيدي."
في لحظة، وقفت وتر أمام أبيها، تحميها من رجل عشقته كل يوم. تنظر له مصدومة. انهمرت دموعها، تصرخ فيه:
"إياك تقرب منه! أنا مش هسمحلك تأذيه. اقتلني أنا الأول."
لم يشعر بما يفعل. لا يجب عليها أن تحميه. اقترب منها، يقبض على ذراعيها، يصرخ فيها:
"اللي بتحميه ده شيطان... شيطان مش بني آدم! ده تاجر مخدرات، أكبر تاجر مخدرات في مصر وفي 12 دولة زي ما هو بيفتخر دايماً. مستعد يقتلك عشان مصلحته. أنت بالنسبة ليه مش أكتر من كارت يبيعه ويكسب من وراه. شوية لوليد، وشوية لطارق، واللي كان هيدفع أكتر كان هيرميكي ليه."
هنا ضحك سفيان، يزيح وتر من أمامه، ينظر لمراد. ضحك، يردف متهكماً:
"وأنت بقى ملاك الصفقات دي؟ مش كانت بتدخل بتخطيطك أنت؟ الحادثة اللي حصلت لوتر في المستشفى، مش كانت فكرتك أنت ولا إيه يا وليد؟ مش هو اللي قال قدامنا: اكسروا شوكتها، خلوا مريض نفسي من اللي هي بتعالجهم يحاول يعتدي عليها، ويا سلام لو يسيب لها علامة. تفتكر الحادثة دي كل ما تشوفها، وهي شوكتها هتتكسر؟"
مؤلم، حاد، مخيف، ذلك الشعور بالخذلان والخيانة. ذلك الألم لا يُحتمل. فاض الكيل بوليد، وجد نفسه مجرد لعبة تتقاذف بين أيديهم. ليوجه سلاحه صوب مراد. تلك المرة لن يصحوا من الموت. دفع بيجاد يد وليد، لتصيب الرصاصة الحائط جوار سراج. صرخ الأخير غاضباً:
"أنا واقف أسمع حكاوي المشاوي بتاعتكوا. أنا جاي هنا عشان آخد روح كل واحد في الأوضة دي."
اندفعت الرصاصات في لحظة من الخارج، وأصوات صافرات الشرطة. دفع مراد سفيان من أمامه، ليجذب وتر، يخبئها بين أحضانه. يُخفيها خلف مكتب سفيان. الرصاصات تنهمر فوق رؤوسهم بشكل مخيف. اندفع، يمسك سلاحه. قنبلة من الضباب انفجرت فجأة، تُغشي الرؤية، وصوت الصرخات من الخارج لا يتوقف. رأى وليد بصعوبة، وهو يركض صوب الباب، ليطلق نحو قدمه. صرخ وليد متألماً، سقط أرضاً. ليظهر بيجاد جواره، يصرخ:
"خد بالك يا مراد! اااه!"
صوت الزجاج يتهشم، صوت اقتحام الباب، أصوات أقدام كثيرة تتدافع إلى الغرفة، وصمت حل المكان. بعد ذلك، بدأ الغبار ينقشع شيئاً فشئ، لتظهر الصورة. رجال الشرطة تملأ الغرفة. شيرين مصابة بطلق ناري في صدرها، ولكنها لا تزال تتنفس. سفيان يجلس على مقعده عند الطاولة، لم تصبه رصاصة واحدة؟!!!!!!! مجدي ملقى أرضاً، قتيلاً. ووليد بين يدي الشرطة. بيجاد إصابته رصاصة في ذراعه. ولا أثر للمايسترو ولا الشابين ولا روزا.
دخل زياد يركض صوب مراد، يسأله قلقاً:
"مراد، أنت كويس؟"
أومأ مراد بالإيجاب. لتلمح عينيه شيئاً ما. اتجه صوبه، ليجد قناع وجه. وجه سراج. مال يلتقطه. إذا لم يكن سراج هو من كان هنا، فمن إذا فعل؟ أجفل على جملة زياد، وهو يصرخ في جهاز اللاسلكي:
"يعني إيه اختفوا؟ دوروا كويس. هما شايلين صغيرين في السن، مش مصريين."
تجه مراد ناحية زياد سريعاً، يغمغم محتداً:
"3 مش اتنين. سراج اختفى."
جعد زياد ما بين حاجبيه، مستنكراً، يردف:
"سراج مين يا ابني؟ الكاميرات لقطت هليكوبتر، والاتنين اللي بقولك عنهم. ما فيش حد تالت؟"
***
في سرداب أسفل قصر سفيان، في غرفة كبيرة، أمامها شاشة ضخمة، يراقب منها كل ما يحدث. جلس على مقعده، يضع ساقاً فوق أخرى، يراقب الشاشات، مبتسماً. الحمقى يظنون أنهم من السهل الإمساك به. يظنون أنهم حقاً يعرفون من هو؟!!
***
شوف رغم إني سهرانة عليه بقالي يومين، بس حاسة إنه مش عاجبني... ولسه في تفاصيل كتير هتظهر.
أتمنى ينال إعجابكوا حقيقي بجد.
رواية جبران العشق الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم دينا جمال
في تلك الأثناء في قصر صاحب الظل تجلس حياة في غرفتها تُخبي السكين بين ثيابها علي أتم إستعداد لقتله أن فكر بتدنيس روحها مرة أخري يكفي ما فعله بها قبلا اهتزت حدقتيها ألما حين تذكرت وهي لم تنسِ من الأساس كيف تفعل وكوابيس ما فعله لم تتركها يوما تخاف في كل لحظة يحتجزها هنا رغما عنها قلبها يرتعد حين يراه لن توافق علي عرض اعتذاره وصلحه الواهي الدم بالدم كما قتلها وهي حية يجب أن يموت .
طُرق باب غرفتها لتنتفض مفزوعة تقبض علي السكين تكاد تبكي خوفا توجهت صوب الباب لتطعنه ما أن يفتح الباب رفعت يدها مع حركة مقبض الباب لتسمع ذلك الصوت الذي يقول:
- حياة أنتِ صحية كنتي عايزة ارغي معاكِ شوية
ارتدت للخلف تنزل يدها الممسكة بالسكين في حين شخصت عيني رُسل تنظر لحياة مدهوشة اقتربت منها عدة خطوات تسألها قلقة:
- حياة أنتِ ماسكة السكينة دي كدة ليه
ابتلعت لعابها خائفة اهتزت يدها الممسكة بالسكين بعنف تلعثمت فلم تعرف ماذا تقول:
- اا ... اانا كنت فاكرة في حرامي
ضحكت رُسل بخفة أخذت السكين من يد حياة تضعها علي الطاولة بعيدا عادت اليها تغمغم ضاحكة:
- حرامي ايه بس يا بنتي ... دا وليد موقف جيش حراسة برة .. وليد مستحيل يخلي حد يأذيكِ أو يأذيني .. هو اه طيب وحنين جداا بس اللي يفكر يقرب لينا بسوء بيتحول حقيقي أنتِ وهو كابل هايل وأنا مش بجامل بس حقيقي أنتِ محظوظة عشان اتجوزتي وليد
- بسسس بقي بسسس أنتِ ما تعرفيش حاجة خالص
صرخت بها حياة لم تعد تحتمل من ذلك الملاك الذي تتباهي به .. وليد ؟! الحمقاء لا تعرف وربما لا تري أنه الشيطان الهارب من الحجيم والذي سيسقط فيه مهما طال الأمر صمتت رسل مدهوشة لا تفهم ما الذي حدث لتصرخ حياة ... اندفعت حياة صوبها قبضت علي ذراعيها تصرخ بلا توقف:
- وليد اللي عمالة تمجدي فيه دا مش ملاك زي ما أنتي فاكرة دا شيطان حتي الشيطان ما عندوش ربع الشر اللي عند أخوكِ ... دا دمر حياتي هقولك أنا عمل فيا ايه عشان تعرفي أخوكِ الملاك بشع قد ايه
وبدأت تقص عليها ما حدث كاملا منذ اللحظة التي اشتراها فيها وليد من عمها إلي الآن ... انهت كلامها لتندفع صوب الطاولة تأخذ السكين من عليها قبضت عليها جسدها بالكامل يتنفض لتصرخ بقهر:
- أنا هقتله لو لمسني تاني هقتله
ارتدت رُسل للخلف تحرك رأسها بالنفي بعنف لا لا مستحيل وليد ليس بتلك البشاعة حياة تكذب ولكن صرخاتها جسدها المرتعش عينيها المذعورة لا تكذب أخيها هو الكاذب الشيطان الوحش هو السئ في روايتها ورواية المسكينة الواقفة أمامها ... وليد يرتدي قناع البراءة أمامها إذا بالطبع بيجاد مثله بيجاد يخدعها بيجاد ووليد أعز صديقين وجهين لعملة واحدة اندفعت للخارج تود الركض الهرب الدموع تغشي حدقتيها الطريق أمامها ضبابي لم ترِ أولا درجات السلم فكانت النتيجة السيئة أنها صرخت حين تعثرت قدميها لتسقط من أعلي علي رأسها مباشرة لتنفجر الدماء من رأسها ...
خرجت حياة تركض علي صوت صرخة رسل ...صرخت باسمها حين رأتها ملقاه أرضا لتهرع إليها تصرخ في الخدم وضعت رأسها علي قدميها تكتم سيل الدماء بأحدي كفيها تربت علي وجهها بيدها الاخري الملطخة بالدماء:
- رُسل فوقي يا رُسل .... يا نهار مش فايت دي قطعت النفس ... انتوا ياللي هنا حد يلحقنييي
لا أحد لا إجابة وكأن القصر هُجر فجاءة ارتعدت مذعورة علي صوت طلقات رصاص تأتي من الخارج وصوت صافرة عالية ... احتضنت رُسل خائفة تحاول جذبها للخلف أصوات الطلقات تتوالي بعنف مخيف صرخت مذعورة حين كُسر الباب ظهر أحد رجال الشرطة نظر لهما ليمسك بجهاز اللاسكي الخاص به يحادث شخص ما:
- تم العثور علي الرهاين يا افندم وهيتم نقلهم حالا لعربية الإسعاف
اقترب منهم يرفع كفيه أمام صدره يغمغم مترفقا:
- ما تقلقيش أنا الرائد عمر هخرجكوا من هنا ما تخافيش
أومأت تبكي بحرقة لا تصدق أن اخيرا جاء من ينقذها من قصر الشيطان ... اقترب عمر منهم حمل رُسل بين ذراعيه متوجها للخارج لتسير حياة جواره من القصر للحديقة رأت بعض حراس وليد قتلي والبعض الآخر قيد الاعتقال سيارات الشرطة تملئ المكان تغطي أضوائها الحمراء والزرقاء وسيارة إسعاف قريبة اقترب أحد المسعفين يأخذ رُسل من بين يدي عمر إلي داخل السيارة يحاول اسعافها سريعا إلي أن يصلوا إلي المستشفي وقفت حياة تنظر لقصر الشيطان من الخارج ابتسمت تومأ سريعا حين أخبرها عمر بأن عليهم الذهاب
مضت ساعات في غرفة في أحدي المستشفيات ثلاثة أسرة علي كل منهم أحد أضلاع مثلث قديم مثلث رسمه ذكاء مراد ودقة بيجاد وشراسة وليد أصدقاء العمر أو كانوا يوم.
هناك فراش بيجاد جوار فراش مراد أمامهم فراش وليد الذي بدأ يتأوه متألما يصحو من غفوته المؤقتة يشعر بألم شديد في ساقه فتح عينيه قليلا الرؤية أمامه تتضح شيئا فشئ إلي أن بات يري من أمامه بيجاد ومراد كلاهما ينظران إليه أعينهم كطلقات الرصاص ابتلع لعابه متوترا حاول أن يعتدل جالسا ليجد يده اليمني مقيده إلي الفراش بأصفاد من حديد .... جذب يده بعنف يحاول نزعها ليسمع صوت بيجاد يغمغم ساخرا:
- ما تحاولش ما بتتفكش
نظر ناحيته ليراه يرفع يده ليُريه القيد الذي يلف يده تلقائيا نظر ليد مراد ليجدها مقيدة هي الأخري ثلاثتهم تقيدهم الاصفاد ... عاد برأسه للخلف يبتسم في سخرية يغمغم متهكما:
- 5 سنين عدوا من آخر مرة شوفنا فيها بعض ما كنتش متخيل أبدا أن أنا هيتقيض عليا بالبساطة دي
نظر صوب مراد يكمل ضاحكا:
- فاكر يا مراد لما كنت دايما بقولك أنك اللي هتلبسنا في حيطة وهيتقبض علينا بسببك وهتلاقي أخوك الظابط مكلبشنا
ابتسم مراد ساخرا ينظر لوليد بازدراء قبل أن يردف:
- عشان كدة قولت تقتلني عشان اخويا الظابط ما يقبض علينا ولا عشان كارمن اللي هي روزا اللي خليتك زي العروسة في ايديها يا مهزق يا اهبل
احتقن وجه غضبا استند علي يده الأخري ينتصف جالسا وجه حديثه لمراد غاضبا:
- أنا مش اهبل يا وليد أنت اللي كنت مغفل صدقت فيلم الحب اللي عملته عليك وكنت عايز قال ايه تتوب وتبدأ معاها صفحة جديدة ما تعرفش يا مهزق أنها كانت راسمة الفيلم دا معايا عشان نخلص منكوا وابقي أنا كبير السوق
- وبقيت يا وليد خونت عشرة السنين وبعتنا بأبشع الطرق عشان تبقي الكبير
غمغم بها بيجاد متهكما ليتوجه وليد إليه ضحك عاليا يردف ساخرا:
- شوف مين بيتكلم دا أنت اللي مدخل الشيطانة وسطينا ... أختك الصغيرة البريئة الملاك
Flash back
قبل ستة أعوام في إيطاليا...
في أحدي القصور الفخمة يجلس مراد بصحبته وليد أمام لعبة كرة قدم جديدة ثلاثية الأبعاد يصيحان بحماس:
- يا ابني ما تحاولش الجيم دا بتاعي
- بتاع مين هو جون الفارق بينا وهيجي فيك دلوقتي يا ميرو
- جووون كدة بقوا جونين يا حدق وريني بقي يا ليدو
- أنت عيل سمج مش لاعب
ترك وليد اللعبة من يده ترك الغرفة غاضبا ليضحك مراد عاليا يصيح باسمه:
- وليد خد يا ابني ما تبقاش عيل .. طب خد تعالا وهخليك تكسب أنت
ترك مراد اللعبة يتحرك للخارج يبحث عن وليد إلي أن وجده يجلس علي اريكة كبيرة أمام شاشة ضخمة تعرض فيلم إيطالي غير مناسب لكل الفئات العمرية ارتمي مراد جوار وليد علي الأريكة يغمغم ساخرا:
- يا ابني يا مراهق بطل فرجة علي الأفلام الهبلة دي ... مش مكفيك كل ليلة النايت بتاعنا بيبعتلك واحدة شكل
ضحك وليد يعتدل إلي الطاولة أمامه يصب كأسين من النبيذ وضع الثلج في كأس مراد يعطيه له يغمغم ساخرا:
- احسن منك ياللي عملي أبو الشرف ولاء أنا ماليش في العلاقات يا ابني احنا تجار مخدرات مش مدرسين فيزيا فوق
ضحك مراد عاليا يرتشف ما في كأسه جرعه واحدة يغمغم ببساطة:
- يا عم أنا واحد بيقدس الحب ماليش في العلاقات المعفنة دي أنا عايز أحب واحدة وتحبني حاجة كدة شيك علي نضافة
ضحك وليد يضطجع بظهره إلي الأريكة يغمغم ساخرا:
- علي نضافة ازاي يعني عايز واحد بتقضي علي 99 في المية من الجراثيم بتحب صابونة ديتول
ضحك مراد هو الآخر يصدم كأسه الممتلئ من جديد في كأس وليد ... صوت المفتاح في باب المنزل ليسود الصمت نظر كلاهما للباب ليدخل بيجاد مبتهجا صاح سعيدا ما أن رآهم:
- وليد ، مراد ... انا لقيت أختي لقيت كارمن خشي يا كارمن خشي يا حبيبتي ما تخافيش
نظر مراد إلي وليد ليعاود كلاهما النظر للباب ينتظران دخول كارمن ودخلت تجمد كل منهم في مكانه ثبتت أعينهم علي ما دخلت توا تتعلق بذراع بيجاد تنظر لهما تبتسم متوترة ليست من البشر كيف يمكن أن تكون بتلك الطاقة المخيفة من الجمال جالت عيني وليد دون عيني يتفحصها من رأسها إلي أخمص قدميها في حين ثبتت عيني مراد علي وجهها خاصة عينيها الخجولة غرة شعرها التي تغطي جبينها خديها المتوردين ... انتفض كلاهما علي صوت بيجاد الغاضب:
- أنت يا حيوان منك ليه كلتوا البت بعينيكوا
حمحم كل منهما سريعا التفت وليد إلي مراد يغمغم محرجا:
- لاء بس عظيم الفيلم
صرخ بيجاد غاضبا يضع كفيه علي عيني كارمن يصيح فيهم:
- اقلبوا القرف دا عظيم ايه وزفت ايه
اغلق وليد التلفاز سريعا اصطحب بيجاد كارمن يجلسها جواره يشير لها إلي صديقيه يغمغم مبتسما:
- دول يا ستي أصحابي دا مراد ودا وليد يبقي ابن عمنا بردوا بس عيل صايع مالكيش دعوة بيه
ضحكت بنعومة ضحكات لطيفة كزقزقة العصافير ... اقترب وليد منهم يمزح يضاحكها يلقي الكثير من نكاته السخيفة في حين ظل مراد جالسا مكانه ينظر اليها وهي تبتسم، تضحك ، تفرك كفيها توترا .. تبعد خصلاتها الشقراء من علي وجهها يشعر بنابضه يدق سعيدا خاصة حين نظرت إليه وابتسمت خَجلا ليستأذن منهم خرج إلي الحديقة وقف يبتسم يعلو ثغره ابتسامة كبيرة يتذكر ابتسامتها فقط أيعقل أن يكن ذلك العشق الذي طالما انتظره ظل مكانه إلي ما يقارب نصف ساعة يتختيل الكثير وكأنه شاب مراهق وقع في إعجاب شقيقة صديقه ... ليغمض عينيه فجاءة حين سمع صوتها يأتي من خلفه لا يعقل أن يكن صوتها بذلك القدر من السحر أبدا:
- مراد ... مراد مش كدة بيجاد بيقولك يلا عشان نتغدي كلنا
التفت لها يتأملها عن كثب يبتسم سعيدا أومأ لها بالإيجاب ببطئ لتعطيه ابتسامة خجولة توردت وجنتيها تتحرك للداخل ترفرف كما الفراشة تعثرت في طريقها في حجر ربما تعثرت في شئ لم يراه ليهرع إليها ارتمي علي ركبتيه أرضا جواره يسألها قلقا:
- أنتِ كويسة حصلك حاجة
حركت رأسها بالنفي بان الألم جليا علي قسمات وجهها الرقيقة تهمس متألمة:
- أنا كويسة اتخبطت بس ...
مد يده يمسك بكف يدها يجذبها لتقف يشعر بقشعريرة تضرب جسده وربما انتقلت إليها تستند علي كف يده ينظر لكف يدها الصغير الذي يغوص داخل كفه ابتسم مقررا أن يبقي كفها داخل كفه إلي الأبد مرت بعدها أيام وأسابيع والعلاقة بينهم تتوطد شيئا فشئ تلتحم برفق قلبها بدأ يدق له وقلبه غرق عشقا فيها دون مقاومة في أحد الأيام في الحديقة كانت تجلس علي الارجوحة وهو يقف يدفعها تتعالي صرخاتها الممتزجة بالضحكات العالية:
- مراد براحة يا مراد ...
يا مراد هقع يا مراد.
أمسك بالارجوحة يُعيدها للخلف ليقترب وجهها من وجهه.
ابتسم يهمس في وله:
- ما تخافيش طول ما أنا موجود.
أبدا وكالعادة ابتسمت خجلة لتقفز من الارجوحة تغمغم بشقاوة:
- شوف بقي لو هتعرف تمسكني.
ركضت وهي تضحك كطفلة صغيرة. عرف من بيجاد أنها في الثانية والعشرين من عمرها. ليضحك عاليا يرفع كتفيه لاعلي:
- تبا لكل شئ.
ركض خلفها يضحك سعيدا إلي أن وصل إليها. لف ذراعه حول خصرها يدور بها في الحديقة. توجه ناحية المرش في الحديقة فتحه ليغرقهما معا.
صرخت كارمن حين ابتلت ثيابها لينفجر مراد في الضحك عليها. فما كان منها الا أنها أمسكت المرش اليدوي تغرقه به. تركض في الحديقة تضحك شامتة.
أمامهم مباشرة في غرفة المكتب يقف وليد خلف الزجاج المغلق يراقب غاضبا يشعر بالحقد والغيرة. كل محاولاته لاستمالت كارمن فشلت بجدارة. وجاء مراد وأعلن انتصاره كما يفعل دائما. مراد الذكي صاحب الأفكار الخارقة.
التفت صوب بيجاد ينفت أنفاسه غاضبا يغمغم حانقا:
- بيجاد أنت سايب مراد وأختك كدة. دول ولا المتجوزين اللي في شهر العسل. ما كنتش خطوبة يعني بحتة خاتم كحيان.
رفع بيجاد وجهه عن الأوراق ينظر لوليد مستنكرا نبرة صوته الغاضبة. وضع القلم من يده يغمغم ببساطة:
- أنا واثق في مراد يا وليد. وبعدين كلها كام يوم ويتجوزوا. خلينا بس في شغلنا عشان زي ما اتفقنا دي هتكون آخر عملية ونبطل القرف دا بقي.
أومأ وليد علي مضض جلس جوار بيجاد إلي الأوراق أمامهم.
حين دخل مراد إلي الغرفة علي شفتيه ابتسامة كبيرة ثيابه مبتلة يغمغم سعيدا:
- شوفت أختك المجنونة غرقتني ازاي. خلصتوا ولا لسه.
دخل مراد ما أن جلس علي الطاولة هبت وليد يغمغم بنزق:
- أنا رايح الحمام.
خرج من الغرفة غاضبا. نظر مراد إلي بيجاد يسأله متعجبا:
- ماله دا.
رفع بيجاد كتفيه بلامبلاة. مستحيل بالطبع أن يكن وليد يغار من مراد. هم أعز أصدقاء منذ الدراسة.
علي صعيد آخر اندفع وليد إلي غرفته يشعر بالغضب من مراد ومن نفسه ومن كل شيء. أمسك باحدي التحف يلقيها أرضا يتنفس بعنف غاضبا. سمع دقات علي باب الغرفة فلم يرد.
لحظات وفُتح الباب وظهرت هي تبتسم في رقة تسأله قلقة:
- أنت كويس. أنا سمعت صوت حاجة بتتكسر.
هي.
ابتلع لعابه يشيح بوجهه بعيدا ليسمع صوت الباب يُغلق. ظنها رحلت قبل أن يلتفت تجمد جسده حين شعر بيد ناعمة تتحرك علي ظهره تلتف حول خصره ورأسها يحط علي ظهره وصوتها الناعم يغمغم برقة:
- أنا بحبك أوي يا وليد. بحبك أوي أوي. مش فاهمة ازاي أنت مش حاسس بحبي. دا أنا اتخطبت لمراد عشان اخليك تغير وتعترفلي بحبك بس شكلك أنت اللي ما بتحبنيش.
توسعت عينيه مدهوشا لا يصدق ما يسمعه منها. تحبه هو. كل ذلك الوقت كانت تحبه هو لا تحب مراد. ابتسم سعيدا التفت لها سريعا أمسك ذراعيها بين ذراعيها يردف متلهفا مبتهجا:
- أنتِ بتتكلمي بجد يا كارمن. يعني أنتِ بتحبيني أنا.
ابتسمت في رقة تسبل عينيها بنعومة لتقضي ما بقي له من تماسك. جذبها له بعنف يقبلها يثبت لها ولنفسه انها بين ذراعيها أنها تحبه أنها لا تنفر منه. لحظات مرت قبل أن يبتعد عنها يستند بجبينه علي جبينها يلهث مبتسما:
- بحبك. بحبك أوي.
مدت كفها تبسطه علي وجنته تبتسم خجلة. رفرفت بأهدابها الكثيفة قبل أن تهمس قلقة:
- وأنا كمان يا وليد. بس دلوقتي مراد لو سيبته وبعدين ارتبطنا أنا وأنت دا هيعمل مشكلة كبيرة بينكوا.
احتدت عيني وليد حقدا ابتعد عنها نظر للفراغ للحظات طويلة وكأن يفكر في شئ ما قبل يتمتم شاردا:
- مش هسمحله ياخدك مني حتي لو اضطريت إني أخلص منه.
ابتسمت في خبث قبل أن تخفي ابتسامتها سريعا شهقت مذعورة اقتربت منه سريعا تتمتم قلقة:
- لا يا وليد ما تعملش كدة. أنت مش قاتل. أنت طيب أنت أطيب واحد فيهم يا وليد. للدرجة انهم بيضحكوا عليك وأنت مش عارف.
توسعت عينيها ذعرا لتضع يدها علي فمها سريعا تكتم سيل الكلمات التي يخرج من فمها وكأنها قالت ما قالت خطاءً. عجد وليد ما بين حاجبيه وكلماتها تطرق في رأسه كالرصاص. قبض علي رسغ يدها بعنف يحذبها ناحيته يحادثها غاضبا:
- بيضحكوا عليا ازاي انطقي يا كارمن.
أدمعت عينيها خوفا منه اضطربت حدقتيها تلألأت دموع عينيها تهمس خائفة:
- وليد سيب ايدي أنت بتوجعني. أنا مش قصدي اقول حاجة سيبني أمشي.
ارتبك ليترك رسغ يدها يكوب وجهها بين كفيه يمسح عبراتها المسالة برفق بإبهاميه يتمتم مترفقا:
- كارمن حبيبتي أنا آسف. بس أنتِ المفروض لو عارفة حاجة تقوليلي ولا عايزة وليد حبيبك يتضحك عليه.
حركت رأسها بالنفي عينيها تشع براءة لا مثيل لها. رفعت كفها تمسح ما بقي من دموعها. نظرت حولها بحذر قبل أن تقترب منه تهمس خائفة:
- بس ما تقولش أن أنا اللي قولتلك أحسن مراد. مراد دايما بيخوفني تعرف من كام يوم حاول يعتدي عليا وانتوا مش موجودين وهددني أنه هيقتلني لو قولت لحد. بيجبرني امثل اني سعيدة معاه قدامكوا.
توسعت عيني وليد في دهشة لا يصدق. ولما لا ومراد العقل المدبر لا أحد يستطيع أن يفهم إلي مدي يصل عقله الخبيث هذا. مراد سئ عكس ما يوهمهم تماما. نظر لها من جديد يطمئنها يحثها أن تخبره بما تعرف.
ابتلع لعابها خائفة تهمس بنبرى قلقة ترتجف:
- أنا عارفة انكوا بتجاروا في المخدرات والحاجات الوحشة دي. سمعت بيجاد وهو بيقول مراد أنه عايز يبطل عشان خاطري فمراد قاله انهم يمثلوا قدامك أنهم هيبطلوا عشان يبعدوك عن السوق. مراد عايز يبقي الكبير بدالك. بيجاد رفض بس هو فضل يقنع فيه. بيجاد طيب مش قصده هو مالوش دعوة والله مراد هو الشيطان.
ابتعد عنها قليلا يفكر في كل حرف قالته والغضب والحقاد يتصارعان داخله. مراد يحاول نفيه ليعتلي عرشه لن يسمح له أبدا سيريه من هو وليد. التفت لكارمن ابتسم يغمغم:
- ماشي يا حبيبتي روحي أنتِ أوضتك وما تخافيش من مراد طول ما أنا موجود.
ابتسمت برقة تومأ برأسها تحركت سريعا للخارج ليكور وليد قبضته يهمس غاضبا:
- صبرك عليا يا مراد هنشوف مين اللي هيكسب في الآخر.
في نفس اليوم ليلا في الحديقة يقف مراد يرتدي قميص أسود وسروال من الجينز الأزرق وحذاء انيق ينتظر نزول كارمن ليأخذها في نزهة كالمعتاد. نظر لساعة يده ينتظر ظهورها يتلظي علي جمر العشق إلي أن أطلت عليه اخيرا تتهادي بفستانها الازرق الناعم يلتف حول كتفيها شال من الفرو الأبيض يكاد يماثلها نعومة وربما هي تفوقه. سحرت عينيه وخطفت أنفاسه ابتسم كالأبلة أمام ابتسامتها الرقيقة الخجولة. اقترب منها مأخوذا بجمالها إلي أن صار أمامها رفع كفها يلثمه بقبلة لطيفة رفع وجهها ينظر لها لا تصدق عينيه أن قلبه عشق ملاك خُلق له فقط. فلم يقاوم حين جذبها لأحضانها يعانقها مترفقا حذرا وكأنه يعانق قطعة زجاج. فما كان منها إلا أن ظهر الخوف جليا علي وجهها ونظرات عينيها. لما؟ لأن وليد يقف هناك يراقبهم فأرادت أن تأكد له ما قالت صباحا إن مراد يُجبرها أن تظهر سعيدة. ابتعد مراد عنها لتختفي نظراتها الخائفة امسك يدها يشبكها في كفه إلي سيارته. التفت لها ما أن جلس جوارها يغمغم مبتسما:
- هوديكي حتة مطعم أنا عن نفسي أول مرة اروحه بس ريفيوهات الناس عنه عظيمة وبيقولوا أنه فيه زوار من العرب والمصريين بيرحوه.
ابتسمت كعادتها تومأ برأسها بالإيجاب لينطلق بسيارته. الطريق لم يخلو من دعابته وغزله العفيف وضحكاتها وابتسامتها الخجولة إلي أن وصلوا للمطعم المنشود. نزل من السيارة التف سريعا يفتح الباب المجاور لها يمسك بكفها برفق لتخرج من السيارة أغلق الباب أمسك بكفها يجعلها تتأبط ذراعه توجها إلي الداخل. تحدث مراد مع النادل ليشردهم إلي الطاولة الخاصة بهما ترك يدها يجذب لها المقعد جلست ليدفعه للأمام برفق جلس أمامه يغمغم مبتسما:
- حلو المكان عجبك.
تحركت بعينيها في أنحاء المكان تتأفف داخلها لا تعرف متي ستنتهي تلك اللعبة لتتخلص من دور البريئة المقزز هذا. عادت تنظر اليه ابتسمت تغمغم:
- جميل أوي شكرا يا مراد.
انتقل من المقعد أمامها إلي المقعد المجاور لها يمسك بكف يدها يلثم باطنه يغمغم بولة:
- أي حاجة عشان خاطر تكوني مبسوطة يا كارمن أنا مستعد أعملها.
سحبت كفها من كفه تضم يديها لبعضها تبتسم خجلة ليضحك سعيدا على خجلها المحبب لقلبه. استأذن منها للذهاب للمرحاض قام متوجها صوبه فتح باب المرحاض الخارجي وقف أمام أحد الأحواض الخارجية يغسل يديه حين بدأ يتسلل إلي أذنيه صوت يأتي من خلف أحدي الأبواب الشبه مغلقة. تحرك بحذر ناحية الصوت من الباب الشبه مفتوح رأي شابين لم ييلغا العشرين من العمر بعد. المشهد الذي رآه لم يكن لطفلين مستحيل بل عجائز آكل السم شبابهم بشرة شاحبة أعين غائرة ذابلة عروق الوجه والرقبه والذراعين نافرة بشكل مخيف. سحابات قاتمة تحتل أسفل عيني كل منهما. احدهما يمسك بسرنجة بها مادة بيضاء ربما يعرفها ربما. أما الآخر فيلف رباط حول ذراعه لتنفر عروقه أكثر. بنبرة واهنة ضعيفة همس لصديقه يستنجد به:
- بسرعة بقي مش قادر اتحمل.
أراد أن يتحرك يمنعهم من ذلك ولكنه شعر وكأن ساقيه التصقت بالأرض ترفض التحرك. رأي سن الإبرة وهو ينغرز في جسد الشاب والسم الأبيض يتدافع إلي جسده. لما يبدو غاضبا أليس هو من يبيعه. رأي كيف أغمض الشاب عينيه وارتخت قسمات وجهه الذابلة للحظات فقط قبل أن يفتح عينيه علي اتساعهما يشهق بعنف وكأن روحه تُنتزع منه. ارتبك الشاب الآخر يسأله مذعورا:
- في اي يا أحمد.
اندفع الشاب الآخر يفتح الباب ما أن خرج سقط أرضا علي أرض المرحاض الخارجي يرتجف بعنف. هنا استطاع أن يحرك قدميه هرع إلي الشاب الملقي أرضا ينتزع جسده عن الأرض يضرب علي وجنتيه نظر لصديقه يصرخ فيه:
- أنت اديتله ايييييه.
انتفض الشاب مذعورا يخبره بنوع المخدر لتشخص عيني مراد فزعا يشعر وكأن الأرض تلتف به بعنف. حمل الشاب الصغير بين يديه تحرك للخارج يصرخ يستنجد برواد المطعم. هرع أحد الرجال إليهم يغمغم سريعا:
- أنا طبيب.
سطح مراد الشاب أرضا ليجثو ذلك الطبيب جواره يحاول فتح جفنيه المغلقين يفحص نبض قلبه ومراد يقف يراقب يتنفس بعنف ينظر للطبيب علي أمل أن يخبره أن ذلك الطفل لازال حيا ولكن الأمل تبدد حين رفع الطبيب وجهه إليه يغمغم بنبرة حزينة:
- أنا آسف.
تحركت قدميه للخلف يحرك رأسه بالنفي بعنف. مات هو السبب هو القاتل. سنوات وهو يظن أنه يقدم خدمة عظيمة بذلك السم يخفف بها من ضغوط الحياة ويغض الطرف عن أنه يقدم الموت ايضا. انهمرت الدموع من عينيه ليشعر بيد توضع علي كتفه التفت ليري كارمن تنظر له حزينة أمسك بيدها يتوجه بها إلي السيارة دون حرف. لم تتوقف عينيه عن ذرف الدموع طوال الطريق مشهد الشاب وهو يحتضر لا يتوقف عن الظهور أمامه. ما أن وصلت السيارة للقصر اندفع خارجها دون أن يهتم بتلك الجالسة جواره إلي غرفة بيجاد يركض دفع باب الغرفة بعنف يصرخ في صديقه:
- بيجاد خلاص خلصت. أنا مش هكمل في الشغل دا تاني. الصفقة دي مش هتروح مصر يا بيجاد علي جثتي لو حصل.
تحرك بيجاد من مكانه قطب جبينه ينظر لحاله مراد الرثة يحادثه متعجبا:
- مالك يا مراد عامل كدة ليه. وبعدين ما احنا اتفقنا خلاص هنبعد نسلمهم الصفقة دي يتلهو فيها علي ما نظبط أمورنا. إنت عارف مجدي وسفيان.
حرك رأسه رافضا بعنف يصرخ بصوت كله:
- ملعون مجدي علي سفيان. الصفقة دي مش هيوصل منها جرام واحد لمصر لو فيها موتي. وبعدين ما تخافش هما ما يقدروش يقربوا مننا احنا ماسكين عليهم ورق كتير أوي.
يكاد بيجاد أن يقل شيئا حين دخل وليد إلي الغرفة يغمغم موافقا علي ما يقول مراد:
- أنا مع مراد طالما احنا كدة كدة ناوين نبطل. يبقي مالهاش لزوم الصفقة دي من الأساس.
انسحب مراد يدخل إلي غرفته يغلق الباب عليه ليسمعوا صوت صرخات غاضبة تأتي من الداخل. اندفع بيجاد قلقا إلي باب الغرفة يدق عليه يصيح فيه أن يخرج. في حين ابتسم وليد ساخرا. مراد ممثل رائع هل يظن حقا أنه سيصدق تمثيله. انسحب في غفلة من بيجاد إلي غرفة المكتب حيث الخزنة التي يخفون فيها كل الصفقات التي بها أسماء مجدي وسفيان. تلك كانت فكرة مراد ليأخذوا حذرهم كضمان لعدم الغدر منهم.
أخذ الورق من الخزنة، يغلقها ليتوجه إلى غرفته. دس الأوراق داخل خزنة سرية في غرفته، لا أحد يعلم عنها شيئاً.
ليتحرك في أنحاء الغرفة يفكر حاقداً:
"دلوقتي أنا لازم أتغدى بيهم قبل ما يتعشوا بيا."
"عندك حق، حتى بيجاد اشترك مع وليد. أنا حقيقي زعلانة منه."
التفت وليد خلفه سريعاً ليجد كارمن هنا في غرفته. كانت في المرحاض تقف أمامه، ترتدي غلالة بيضاء شبه شفافة بحمالات رفيعة للغاية.
اختفت أنفاسه. ينظر لها مبهوراً. لتقترب هي منه. وقفت أمامه تلف ذراعيها حول عنقه. ليضرب عطرها الأخاذ جسده بالكامل. أغمض عينيه ليشعر بأنفاسها قريبة من أذنه وصوتها يتسلل لعقله بخفة:
"لازم تتغدى بيهم. أنا عندي فكرة. قعدت طول الوقت أفكر فيها عشانك."
"أول حاجة، أمام اللي في مصر يعرفوا بخطتهم."
"تاني حاجة، نعمل إحنا خطة. هنعمل فيلم صغير إن أنا موت أو اتقتلت. وده هيزعل بيجاد أوي ويقرر يبعد من غير أذى ليه. وبعدين تعمل إن أنت اتقتلت وتختفي عن الأنظار. وساعتها تقدر تاخد حقك من مراد وحقي أنا كمان يا وليد. وتبقي أنت كبير السوق. تتخفى بشخصية جديدة زي الظل، ما حدش يعرف يمسكك. إيه رأيك في اسم صاحب الضِل؟ اسم حلو أوي."
فتح وليد عينيه ينظر لتلك الفتاة قلقاً من أفكارها الشيطانية المخيفة. كيف تكون تلك الصغيرة بذلك القدر المخيف من الخبث؟ كاد أن يقول شيئاً حين بدأ يشعر بشفتيها تقبل فكه، تنزل إلى رقبته. فلم يعد يحسب شيئاً. وافق دون مقاومة. لتبتسم في خبث، تعانقه بقوة. لم يكن ليتركها. حملها يتوجه بها إلى فراشه. يضرب بكل جذور الصداقة عرض الحائط.
مرت عدة أيام انشغل فيهم وليد بوضع خيوط خطته على أكمل وجه.
في صباح أحد الأيام، اتجهت كارمن إلى غرفة مراد لتبدأ أولى خيوط خطتهم الخبيثة. دقت الباب، دخلت لتجد مراد يجلس على مقعد أمام الشرفة ينفث التبغ بعنف. اقتربت منه بخفة تجذب السيجارة من فمه. نظر للفاعل غاضباً. لترتسم ابتسامة شاحبة على ثغره. ما أن رآها يهمس باسمها حزيناً:
"كارمن."
ابتسمت في رقة، تومئ له. وقفت أمامه تعقد ذراعيها أمام صدرها تغمغم حزينة:
"أنا زعلانة منك يا مراد عشان بقالك كام يوم حابس نفسك في أوضتك. وحتى ما بتسألش عليا. انت ما بقتش تحبني زي الأول."
وادمعت عينيها تنساب الدموع على خديها. ليقم من مكانه، أمسك ذراعيها برفق يغمغم سريعاً:
"كارمن، أنتِ عارفة أنا بحبك قد إيه. أنا بس تعبان شوية الفترة دي. حقك عليا يا حبيبتي. أنا عارف إني مقصر معاكي."
طبع قبلة خفيفة على جبينها. لتتعلق برقبته تغمغم مبتسمة:
"لأ، زعلانة. لو عايزني أصالحك تعال ننزل نقعد في الجنينة شوية. عشان خاطري يا مراد. عشان خاطري."
تنهد مبتسماً، يومئ موافقاً. لتصرخ سعيدة تطبع قبلة على وجنتيه. أمسكت بكف يده تجذبه معها للخارج إلى الحديقة حيث الأرجوحة. جلست تجذبه يجلس جوارها. الأرجوحة تتحرك بهم بخفة. مالت تضع رأسها على كتفه تحتضن ذراعه. همست له برقة:
"مراد، أنت بتحبني؟"
قبل قمة رأسها، يمسك كف يدها بيده الأخرى يهمس لها:
"أنا بحبك يا كارمن. بحبك أوي لدرجة ما أقدرش أوصفها أبداً. أنتي مش بالنسبة لي خطيبتي اللي كلها كام يوم وتبقى مراتي بس. لاء، أنتي حياة ساكنة جوا قلبي."
وكان الرد منها ابتسامة خجولة ووجنتيها التي تورّدت خجلاً. لتسحب يدها من يده تفركهم متوترة، خجولة كورقة زهرة جورية تخشى ضمها فتتفتت.
في لحظة ما، حدث جري. في لحظة صوت طلق ناري. حتى أنه لم يرى ضوء بندقية القناص. صوت الرصاصة شق السكون. انتفض مفزوعاً ليجد بقعة دماء كبيرة تلطخ فستانها الأبيض. احتضنها يصرخ باسمها مذعوراً:
"كارمن... كارمن ردي عليا يا حبيبتي. كااارمن. بيجااااد. ولييييد. بسسسرعة. كااارمن."
فتحت عينيها قليلاً. ارتسمت ابتسامة شاحبة على ثغرها. تدمع عينيها من الألم. اختفت أنفاسها. تهمس بصعوبة:
"أنا بحبك يا مراد. بحبك أوي."
"كااارمن..."
صرخ بها بيجاد مذعوراً يركض يتعثر فيسقط يقف بصعوبة يركض إليها. أخذ شقيقته الصغيرة بين أحضانه يصرخ باسمها يشهق في البكاء:
"كارمن... كارمن عشان خاطري ردي عليا. مش هتموتي يا كارمن. أنتِ هتبقي كويسة يا حبيبتي. ما تخافيش. أنا هنا مش هسيبك أبداً."
أمسكت يده بصعوبة تهمس له بصوت يرتجف من الألم:
"بيجاد عشان خاطري أنت ومراد ابعدوا عن اللي انتوا فيه دا. ما تأذوش حد تاني بالسم ده."
فتحت عينيها فجأة تشهق بعنف قبل أن تغمض مقلتيها. صرخ بيجاد باسمها. ليصرخ مراد فيه:
"لسه بتتنفس. بسرعة نوديها المستشفى. فين وليد؟"
دب الأمل في قلب بيجاد. حمل مراد كارمن يركض بها إلى السيارة. ليجد وليد يسبقهم إليها. احتل مقعد السائق يندفع بسرعة إلى إحدى المستشفيات. وصل لهناك. ليأخذ بيجاد شقيقته من مراد يركض بها إلى الداخل. سلموها إلى الأطباء في الطوارئ. يقف ثلاثةتهم خارجاً يتلظون بنيران القلق. أو بمعني أدق، اثنين فقط. أما الثالث فيعرف ما سيحدث. أليس هو من أوصلهم إلى تلك المستشفى تحديداً.
مرت ساعة قبل أن يخرج أحد الأطباء يبدو حزيناً للغاية. يحادثهم:
"أنا أعتذر. لم نستطع إنقاذها في الوقت المناسب. ملاك بريء صعدت روحه إلى السماء."
صرخ بيجاد بهستريا يقبض على ثياب الطبيب يصرخ مذعوراً:
"لأ، أنت كدااب. كارمن عايشة. أختي عايشة. كارمن ما ماتتش."
وقبل أن يقترب منه أحد سقط أرضاً وقد فقد الوعي. الطبيب والممرضات ووليد أخذوه إلى إحدى الغرف سريعاً. أما هو فنظر من الزجاج الصغير المطل على غرفة العمليات يرى جسدها مغطى بفراش أبيض عليه بقعة دماء. صرخت كل خلية في جسده ألماً. كور قبضته يتوعد بالانتقام. خرج من المشفي يركض إلى السيارة. يدهس الدواسات تحت قدميه بعنف إلى القصر. يركض إلى غرفة المكتب سيأخذ الأوراق ويسلمها بيديه إلى الشرطة هنا وفي مصر. سيضع نهايتهم الآن.
فتح الخزنة بعنف لتتسع عينيه الباكية. أين الأوراق؟ الخزنة فارغة. لا أحد يعلم بوجود تلك الأوراق سوي ثلاثةتهم. ولا أحد يعلم أنه وضع كاميرا مراقبة صغيرة للغاية داخل الخزنة سواه هو فقط. فتح هاتفه يبحث بعنف بين سجلات الكاميرا ليصل للفيديو المراد.
"وليد يأخذ الأوراق... وليد!!"
ولكن لما؟ لما يفعل وليد بهم ذلك؟ لما يأخذ الأوراق؟ وربما فعل ذلك ليخفيهم بعيداً عن أيدي سفيان ومجدي في مكان أكثر أماناً. أليس كذلك؟
قام من مكانه يتحرك للخارج. هناك على الأرجوحة رأى ورقة معلقة تتطاير مع الهواء. أمسك بها ليري رسالة تحذير منهم خط فيها:
"دي تحذير بسيط. ارجعوا عن هبل العيال ده. وإلا هتلحقوا كارمن الصغيرة."
كور الورقة بعنف يدهسها في كفه. نظر لحيث كانت جالسة. الدماء تغطي المكان. كانت بين أحضانه قبل قليل فقط. تخبره أنها تحبه. وهو لم يعشق غيرها. سقط على ركبتيه أرضاً يتلمس بقعة الدماء يجهش في البكاء. وضع رأسه على الأرجوحة يصرخ باكياً:
"سامحيني يا كارمن... سامحيني يا حبيبتي... بس والله لهاخد حقك. دمك مش هيروح هدر أبداً."
قضى ساعات يبكي بعنف يتذكر جميع ما مر به معها. يسمع صوت ضحكاتها في كل مكان. إلى أن استطاع أن يتمالك نفسه قليلاً ليعود للمشفي ليطمئن على بيجاد. وجد وليد يقف أمام غرفته خارجاً ليتوجه إليه يسأله قلقاً:
"طمني. بيجاد عامل إيه؟"
مسح وليد دموع عينيه يغمغم منهكاً:
"فاق من شوية وفضل يصرخ باسمها. الدكاترة هدوه ونام بالعافية."
تحرك للغرفة. ليري صديقه. أمسك مقبض الباب قبل أن يفتحه. التفت لوليد. كاد أن يسأله عن سبب أخذه للأوراق. إلا أنه قال جملة أخرى تماماً:
"الورق اللي في الخزنة اتسرق."
شخصت عيني وليد ذعراً. ليهب من مكانه اندفع صوب مراد يصرخ فيه فزعاً:
"يعني إيه اتسرق؟ دا الدليل الوحيد اللي معانا ضدهم. أكيد هما اللي سرقوه زي ما قتلوا كارمن عشان نبقى تحت رحمتهم."
أومأ يوافقهم بالطبع. هم من سرقوه يا صديق العمر. أدار مراد المقبض ليجد بيجاد ينام على أحد جانبيه. جفنيه مغلقين. عينيه تذرف الدموع وهو نائم. جلس على المقعد المجاور لفراشه يربت على رأسه برفق. نظر لوليد بجانب عينيه يبتسم ساخراً. وليد يخفي الكثير. وليد يتآمر معهم ضد أصدقائه. أيعقل أنه فعل؟
مر يومين فقط. حالة بيجاد سيئة. تتحسن ببطء. لا يتوقف عن البكاء. يصرخ باسم كارمن في نومه.
في أحد الأيام في المستشفى في غرفة بيجاد. اقترب مراد منه يهمس له حذراً:
"بيجاد اسمعني كويس. قبل ما وليد يجي. أنا شاكك إن وليد ليه إيد في قتل كارمن. وليد هو اللي سرق الورق من الخزنة. ولما قولت الورق عمل نفسه مش عارف حاجة. ما تنساش كان مختفي لما كارمن اتضربت بالرصاص وظهر فجأة. أنا مش عايزك تاخد خطوة من غير حذر. أنا بقولك عشان نشوف هنتصرف إزاي. وليد دلوقتي بقى هو الخطر."
شعور بيجاد بالغضب كان لا يوصف. صديقه هو السبب في قتل شقيقته. لو ثبت ذلك فعلاً سينتزع قلبه حياً. مراد محق. عليه أن يأخذ حذره.
أجفل حين غمغم مراد من جديد:
"مش هينفع. رقدتك في المستشفى دي بقت خطر عليك. بكرة الصبح بدري جداً هعدي عليك ونتحرك. أنا دلوقتي همشي عشان في حاجة مهمة لازم أعملها."
خرج مراد من غرفة بيجاد يتحرك لخارج المستشفى. قرب الثانية بعد منتصف الليل توجه إلى سيارته. ما أن جلس فيها توسعت عينيه ألماً حين شعر بشيء ينغرز في رقبته من الخلف. زجاج سيارة مراد السوداء لم يُظهر ما حدث في الداخل. سقط مراد على المقود فاقداً للوعي. ليتحرك ذلك الملثم يزيحه عن المقود يأخذ مكانه ينطلق بالسيارة بعيداً.
في تلك اللحظات تحديداً كان هاتف بيجاد يضيء برسالة من رقم مشفر. التقط الهاتف تلك الرسائل التي يحصل عليها دائماً قبل كل ضحية. هذه المرة توسعت عينيه فزعاً حين رأى صورة وليد؟!!!!! لم يفهم كيف؟ ألم يخبره مراد أن وليد متواطئ معهم؟ إذا كيف يريدون منه أن يتخلص منه؟
دق هاتفه برقم مجدي ليفتح الخط يصرخ فيه دون أن يعطيه فرصة للحديث:
"أنا مش هقتل وليد. وصدقني هدفعكوا تمن كارمن غالي. دمكوا قصاد دمها. واستنوا القناص وهو بيصفيكم."
وأغلق الخط دون كلمة واحدة. ظل طوال الليل مستيقظاً. قام وبدل ثيابه ينتظر مراد. ولكن مراد هو من جاء. اقترب منه يغمغم مبتسماً:
"كويس إنك صاحي. يلا عشان نمشي. كفاية بقى قاعدة في المستشفى يا عم بيجاد."
تحرك معه. أحمق. وليد لو ظن أنه يستطيع إيذاءه. فهو القناص هنا. لا تنخدع بالوجه الهادئ أبداً. فخلفه شخص آخر يظهر في الوقت المناسب.
تحرك وليد جوار بيجاد في الشارع يغمغم مبتسماً:
"أنا قولت نتمشى أحسن في الهوا. ولا إيه رأيك؟"
أومأ بيجاد شارداً. بعد دقائق عند أحد التماثيل الضخمة القديمة في منطقة خاوية فارغة من أي إنسان. وقف وليد أمام بيجاد. ارتسمت ابتسامة حزينة شاحبة على ثغره يغمغم:
"مراد شاكك فيا يا بيجاد. فاكرني هخونكوا. الورق أنا خدته ومالقيتلوش عشان خبيته في مكان أمين على ما نفوق من اللي إحنا فيه. خوفت ليكونوا بيتجسسوا علينا ويعرفوا إن الورق معايا. أنا مش خاين يا صاحبي. أنا عمري ما أخونكوا أبداً."
اندفع وليد يعانق بيجاد يبكي بين ذراعيه بحرقة لدقائق. قبل أن يبتعد عنه. ربت بيجاد على كتفه يغمغم في هدوء:
"مراد لازم يعرف الكلام ده. يلا بينا بسرعة."
خطوتين فقط وفجأة وقف وليد. توسعت عينيه ذعراً. ليقف أمام بيجاد يصرخ مذعوراً:
"حاسب يا بيجاد."
توسعت عيني الأخير ذعراً. رأى القناص. ضوء بندقية. رأى ابتسامته الساخرة. سقط وليد أرضاً أمامه ودماء غزيرة تخرج من فمه وابتسامة أخيرة تعلو شفتيه. يغمغم:
"عرفت بقى يا صاحبي إن أنا مش خاين... رُسُل يا بيجاد."
رُسل بتحبك أوي خلي بالك منها يا صاحيي صرخ بيجاد وهو يري صديقه يغلق عينيه للأبد ليشعر بألم بشع فجاءة علي رأسه وسقط الظلام يلتهمه بعد عدة أيام في مكان آخر بعيد كثيرا عن سابقه في مصر في أحد المخازن القديمة التابعة لشركات مجدي علي مقعد يجلس مراد مقيد وفي الظلام يجلس شخص ما علي مقعد يضع ساقا فوق أخري لا يجلس بمفرده جواره رجلين يشاهدان بسخرية ما سيحدث أشار أحدهم إلي الحراس ليقترب حارس ضخم يمسك بسطل ماء كبير ألقاه فوق مراد ليشهق الأخير فتح عينيه يسعل بعنف ينظر حوله الصورة ضبابية مشوشة يشعر بصداع بشع حرك رأسه يغلق عينيه ويفتحها مرة بعد أخري قبل أن يصرخ في من حوله :- انتوا مين وأنا ايه اللي جابني هنا قام من مكانه يخرج من دائرة الظلام إلي الضوء وقف أمام مراد ليبتسم الأخير ساخرا يغمغم متهكما :- كنت واثق أنك ورا اللي حصل دا كله يا وليد وطبعا اللي في الضلمة دول مجدي وسفيان اقترب وليد من مراد قبض علي شعره يرفع وجهه إليه ابتسم يغمغم حاقدا :- تعرف يا مراد أنا من زمان وأنا بكرهك اه والله زي ما بقولك كدة من واحنا في الكلية دايما الشاب المميز اللي كل البنات بتحبه حتي لما سافرنا دي املاكي أنا ومع ذلك بتتعامل علي أنك المدير صاحب كل حاجة ... قارفنا بذكائك وأنك اللي بتدخل كل شحنة وأنا مجرد اسم وخلاص ... كنت عايز تخلعني من السوق اديني هخلعك من الدنيا كلها هقتلك ضحك مراد عاليا ليبصق علي وجه وليد القريب منه يغمغم مشمئزا :- طول عمرك غلاوي وبتكره اي حد أحسن منك بس ما تخيلتش إن قذارتك تخليك تقتل أخت صاحبك وعايز تقتلني عشان بس تثبت لنفسك أنك أحسن من الكل يا قذرضحك وليد عاليا يدفع رأس مراد بعيدا عنه يغمغم ساخرا:- تعرف يا مراد في حاجات كتير أوي إنت ما تعرفهاش ومش هتعرفها ما فيش وقت بيجاد سهل السيطرة عليه إنما أنت شوكة لازم نخلص منها ابتعد عنه بضع خطوات ليخرج مسدسه يوجهه أمام صدره لم تهتز يده ولو قليلا ابتسم يغمغم ببساطة :- مع السلامة يا صديق العمر !!!ورصاصة واحدة اطلقها علي صدره ليسكن جسد مراد تماما .... قام مجدي في تلك اللحظات يوجه حديثه لرجاله :- شوهوا وشه مش عايز ملامحه تبان حتي السلسلة اللي علي رقبته دي شوهوا ملامح البنت اللي فيها وبعدين تحطوه في اي خرابة جنب عربية محروقة ومعاه ورق وليد يلا بسرعة في منطقة صحراوية والليل قد اسدل استاره يغطي المكان سودا تتجمع رجال الشرطة يلفون المكان بحواجز تمنع الاقتراب فلاش الكاميرا لا يتوقف عن التقاط الصور لجثة مشوهة الملامح ، جثة لرجل يرتدي حلة فاخرة في جيبه عُثر علي هاتف حديث وجواز سفر وساعة يد وسلسلة من الذهب بها صورة فتاة غير ظاهرة الملامح يبدو أن من قتله شوه صورة الفتاة أيضا ... تقرير الطب الشرعي المتلاعب به افاد بأن الضحية وليد التهامي ابن رجل الأعمال الشهير مجدي التهامي قُتل بعدة طلقات أصابت القلب والصدر والرئيتين وتم تشويه الجثة بعد قتلها ... وتوالت الاخبال التي تصدرت الصحف لاسبوعا كاملا« مجدي التهامي يتوعد الانتقام من قتله ابنه»« رجال الشرطة لم يجدوا اي بصمات تفيد للفاعل »« وليد التهامي شخصا غامضا عاش حياته كلها خارج البلاد وجاء ليُقتل هنا »« وشم ثعبان يأكل نفسه ... وشم غريب حير رجال الطب الشرعي .. منقوش علي ذراع الضحية »« أغلقت القضية ضد مجهول » !!Blackضحك مراد يغمغم ساخرا :- أنا مش فاهم شوهتوا جثتي ايه لازمته التوتو عجبك كدة ابان عيل لمؤخذة في الصحافة والتلفزيون قام مراد من مكانه ببساطة يفتح الأصداف الموصد بها يده تحرك صوب فراش وليد قبض علي عنقه بعنف يصرخ فيه :- أنا هقتلك يا وليد قام بيجاد يجذب مراد بعيدا بيده السليمة يصرخ فيه :- ما توديش نفسك في داهية عشانه هو خلاص كتب نهايته بأيدهبجهد شاق جذب بيجاد مراد بعيدا عن وبيدخ ليسعل الأخير يحاول التقاط أنفاسه يصرخ فيهم :- المفروض تخنقه البيه اللي واقف جنبك أبوه والحية أخته هما السبب في اللي إحنا فيه هي اللي وسوستلي انكوا بتتفقوا ضدي كور بيجاد قبضته السليمة يشد عليها يتذكر كم العذاب الذي حصل عليه حين ظن أنها ماتت ليجد في النهاية نفسه عروس معلقة بخيوط في لعبة تمسكها شقيقته أو التي ظنها كذلك وأبيه الحبيب ؟!!! فُتح باب الغرفة ليظهر زياد يغمغم في هدوء :- مراد ، بيجاد في حاجة مهمة برةتوجه بيجاد للخارج في حين القي مراد نظرة حادة قاتلة علي وليد قبل أن يلحق به خرجا من الغرفة خلف زياد إلي غرفة أخري فارغة ما أن دخل مراد مد يده إلي القناع الذي يرتديه ينتزعه بعنف ليظهر وجه جبران !! نظر إلي المرأة في الحائط يتحسس قسمات وجهه ذاك هو وجهه الحقيقي الذي يعرفه ... اقترب بيجاد منه وقف خلفه يسأله :- ما وحشكش وشك الحقيقي ولا ايهنفي مراد برأسه بعنف ينظر لقسمات وجهه في المرآة تنهد بعمق يغمغم :- دا وشي ... مراد دا كان شخص قذر كان لازم يموت أنا حتي ما بحبش افتكر ذكريات زمان محيتها تماما من عقلي هو فين زياد مش قال في حاجة مهمةفي تلك اللحظات دخل زياد سريعا إلي الغرفة يغمغم سريعا :- مراد وتر فاقت وعمالة تصرخ بشكل هيستري تعالا معايا بسرعةخرج يركض خلف زياد في ممرات المستشفى صوتها وهي تصرخ يقترب منه إلي أن وصلا لاحدي الغرف فتح بابها دون أن ينتظر ليجد وتر تقف منكشمة عند أحد أركان الغرفة تصرخ بهستيريا مخيفة ... ابتلع لعابه يهمس باسمها مترفقا :- وتر !!نظرت صوب الصوت لتنكمش علي نفسها تحرك رأسها بالنفي اقترب منها بحذر يغمغم قلقا :- وتر أنتِ خايفة مني ... وتر دا أنا جبران يا بنت الذواتشهقت تبكي بعنف ترفض ما يقول وضعت يديها علي أذنيها تغطيهما تنفي برأسها بعنف ليتقرب منها سريعا يغمغم قلقا :- وتر مالك يا وتر والله دا أنا جبران يا حبيبتي حتي حطي ايدك علي وشي دا أنا يا وتر نظرت له بحذر مدت يدها المرتجفة إلي وجهها حركتها أصابعها علي وجهه بقليل من الحدة لتنجرح ذقنه وتخرج منها قطرات الدماء وضع يده علي ذقنه عبس يغمغم عابثا :- بتعوري وشي يا بنت الذوات قفزت من مكانها تلقي بنفسها بين أحضانه تلف ذراعيها حول رقبته تغمر رأسها في صدره تبكي بلا توقف ضمها له يشدد علي احتضانها حين سمعها تهمس بنبرة ترتجف :- أنت مش مراد اللي بيقوله عنه دا صح يا جبران أنت مش هو مش كدة خرجت هي من بين احضانه أمسكت بذراعيه بين كفيها تنظر لعينيه تنساب دموع عينيها ارتجفت نبرتها تسأله :- أنت مش هو صحيح يا جبران تهرب بعينيه جبران لا يتهرب بعينيه لدقائق طويلة قبل أن يعاود النظر إليها ينظر لها متألما نادما وفجاءة تبدلت نبرة صوته من صوت جبران الذي تعرفه لصوت ذلك المراد الذي سمعته مرة واحدة فقط :- سامحيني يا وتر !!
رواية جبران العشق الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم دينا جمال
شخصت عينيها ذعراً حين سمعت صوته. نزل على أذنيها وكأنه صوت الرصاص.
"ذاك ليس جبران، ليس جبران الذي عرفت وأحبّت."
ابتعدت خطوتين للخلف، وضعت كفيها على فمها، وحركت رأسها بالنفي بعنف. تنساب دموعها بلا توقف. تعود قدماها للخلف إلى أن التصقت بالحائط خلفها. حينها خرجت من بين شفتيها شهقة بكاء عنيفة، تخرج مع بقايا روحها المهشمة تماماً.
تحرك هو صوبها قلقاً مما أصابها. ربما كان عليه أن ينتظر أكثر قبل أن تعلم الحقيقة، ولكن إلى متى ستظل مخفية؟ يجب أن تعرف.
وقف على بعد خطوتين منها، ينظر لها نادماً حزيناً. همس باسمها بذلك الصوت الذي لا تعرفه:
"وتر، أنا آسف!"
لتهز رأسها بالنفي بعنف. ذلك ليس جبران، ليس صوته، ليس هو من حكم على حياتها بالإعدام. جبران أخذها بين أحضانه حين علم ما أصابها. لم يلومها، لم يعاتب، لم يشمئز. دوماً ما كان يخبرها بأنها أجمل امرأة رآتها عيناه. ليكن في النهاية هو السبب في مأساتها.
منذ البداية، وضعت يديها على أذنيها ترفض اعتذاره، لتصرخ بحرقة:
"أنت مين؟ أنت مين جبران اللي أنا حبيته؟ سلمته قلبي وروحي وحياتي، ولا شخص تاني مجرم مريض هو السبب في اللي حصلي. أنت مين؟"
توترت حدقتاه، ينظر لها قلقاً. اقترب خطوة واحدة يحاول أن يمسك بيديها. لتنتفض بعنف، تصرخ فيه:
"ما تلمسنيش! أنت مين؟ انطق!"
صرخت بها بشراسة. ليبتسم متألماً. وشريط طويل يمر أمام عينيه. إلى أن وجد مقعداً بعيداً من الخشب في أحد أرجاء الغرفة. تحرك يحمله، عاد به إليها. وضعه أمامها، يغمغم:
"ممكن تقعدي وتهدي؟ وأنا هحكيلك على كل حاجة. أرجوكِ يا وتر اسمعيني لأول وآخر مرة."
نظرت له غاضبة، كارهة. نظراتها بها من النفور ما أخافه. تحركت إلى المقعد، جلست هناك. ليجلس على طرف الفراش القريب منها، يستند بمرفقيه إلى فخذيه. تنهد، ابتسم، يغمغم شارداً:
"أنا اسمي الحقيقي مراد ظفار نور الدين... ابني أخو حضرة الظابط زياد. أنا أخوه الكبير على فكرة. والدي الله يرحمه كان ظابط شرطة وكان عايزني أبقى ظابط زيه، بس أنا خيبت أمله زي ما قال. ودخلت اقتصاد وعلوم سياسية وسقطت فيها. أنا ما بحبش التعليم أصلاً. في أول سنة كلية اتعرفت على بيجاد ووليد بالصدفة في الكافتيريا واتعرفت عليهم. ومقابلة في التانية بقينا أصحاب... أنا بقى خدت سنة أولى في سنتين وخدت سنة تانية بردوا في سنتين وسقطت في تالتة فاتفصلت من الكلية."
نظر لها ليراها تنظر ناحية مدهوشة. عيناها متسعتان على آخرهما. تبدلت نظراتها ما أن نظر لها، لتتحول لأخرى غاضبة، حانقة، لا مبالية لما يقول من الأساس. ابتسم، تنهد بعمق، يكمل:
"زياد ساعتها كان في أولى كلية شرطة وناجح بامتياز. روحت لوالدي وقولتله: 'رفدوني'. تحسس وجنته بأصابعه. رأت الدموع في عينيه وهو يكمل ساخراً: 'ضربني بالقلم قدام أخويا الصغير وطردني من البيت وقالي إني شخص فاشل عمري ما هنجح وهعيش وهنموت فاشل، وزياد أحسن مني ألف مرة'."
كور قبضته، يبتسم في ألم، يتذكر ذاك الموقف الذي مر به قبل سنوات.
***
وقف أمام باب منزلهم يلتقط أنفاسه بعمق، يحاول أن يهدئ. دس مفتاحه في قفل الباب. فتحه ليجد زياد يندفع نحوه، عانقه، يصرخ سعيداً:
"مراد! بارك لي! أنا جبت امتياز، طلعت الأول على الدفعة."
ابتسم مراد سعيداً متوتراً؛ سعيداً لأخيه وقلقاً من رد فعل والدهم على الخبر الذي يحمله في جعبته. عانق شقيقه يهنئه سعيداً:
"مبروك يا زياد، عقبال ما تبقى لوا."
"والبيه نتيجته فين؟ أنت مش قلت رايح تجيبها بردوا؟"
ارتعش جسد مراد حين وصل صوت والده الحاد القاسي من خلفه. ابتلع لعابه مرتبكاً. التفت ببطء ناحية أبيه، ينظر أرضاً. تلعثمت نبرته، يغمغم متوتراً:
"بصراحة يا بابا أنا سقطت واتفصلت من الكلية."
غمغم بها دفعة واحدة. ليسود الصمت المكان لمدة لا بأس بها. رفع مراد وجهه بحذر، ينظر للغضب المشتعل بعيني والده الخضراوين كعيني زياد. فتح فمه ليقول شيئاً، ولكن بدلاً من ذلك تأوه متألماً من صفعة قاسية على وجهه من يد والده. لم يكد يعي ما فعل أبيه إلا ووجد صفعة أخرى تهبط على وجهه. توسعت عيناه ألماً، يشعر بخط دماء يسيل من أنفه. كرامته تهشمت أمام أخيه الصغير.
اقترب ظافر من ابنه، قبض على مقدمة ثيابه، يصرخ فيه غاضباً:
"أنت فاشل! هتفضل طول عمرك فاشل، هتعيش وتموت فاشل وعمرك ما هتحقق حاجة أبداً. أخوك الصغير أحسن منك ألف مرة. يا ريتني ما خلفتلك! أنت عار علينا. امشي! اطلع برة! مش عايز أشوفك تاني، يلا برة!"
صرخ بها ظافر غاضباً، ليدفع مراد بعنف ناحية باب الشقة. ارتطم به بعنف. التفت برأسه صوب والده، ينظر له مدهوشاً، لا يصدق أن ذلك يحدث فعلاً. زياد دوماً ما كان يخاف من أبيهم. لم يجرؤ على النطق بحرف واحد، فقط شاهد في صمت.
فتح مراد باب المنزل، يهرول للخارج، يركض في الشارع. قدماه لا تتوقف. صفعات والده وكلماته المهينة لا تنفك تضرب رأسه بعنف. لم يشعر بنفسه سوى وهو في أحد المناطق البعيدة النائية، يجلس على درجات سلم محل مغلق، يبكي كطفل صغير تائه. استمر على ذاك الوضع لساعات، إلى أن وقف مقرراً الانتحار. النهاية له وللجميع.
شردت عيناه، تحركت قدماه نحو كورنيش النيل. عقله يدفعه بعنف لأن ينهي ذلك العذاب الذي يشعر به. وصل عند النيل. وقف للحظات. ابتسم ساخراً. يغمض. فمرت صورة أبيه وهو يصرخ فيه. قبل أن يرفع قدميه ليقف على سطح السور.
وقفت سيارة بيجاد، نزل منها يركض بصحبة وليد، يجذبانه بعيداً عن السور بعنف. وبيجاد يصرخ فيه:
"فوق يا مراد! أنت اتجننت؟ هتموت نفسك!"
جذبه بيجاد ووليد إلى السيارة. ارتمى بجسده على الأريكة الخلفية، يميل برأسه للخلف، يضحك. تتدافع دموعه، يصيح ساخراً:
"أنا فاشل... أنا فاشل وعار عليهم... ده ضربني وطردني. أنا عار على حضرة اللوا وابنه الظابط المتفوق."
ظل يهذي ما يقارب نصف ساعة. ليمد وليد يده في جيب سرواله، يخرج له عقار أبيض. مد يده له به، يغمغم متوتراً:
"خد دي، هتهديك شوية."
توسعت عينا بيجاد غضباً. يقبض على القرص قبل أن يأخذه مراد. ألقاه من نافذة السيارة. نظر لوليد، يهمس غاضباً:
"أنت اتجننت؟ عايز تديله مخدرات؟ ولا الزفت الصنف الجديد اللي كان تحت ايدك بتعمل بيه إيه؟ أنت مش المفروض وزعته كله على التجار هنا؟"
بدأ ينتبه لهم، اعتدل في جلسته، ينظر لهما في حذر، يغمغم بشك:
"تجار وتحت ايده... أنتوا بتتاجروا في المخدرات؟"
ضحك بيجاد سريعاً، يردف ساخراً:
"مخدرات إيه يا عم بطل هبل! دي شحنة أدوية تبع شركة أبوه."
لم يقتنع مراد، وبدأ بيجاد حقاً متوتراً. فقرر وليد أن يحسم ذلك الموقف. حين غمغم فجأة:
"بقولك إيه؟ ما هو صاحبنا بقاله سنين ومش هيروح يقول لأبوه بعد اللي عمله فيه. يعني... أيوه يا عم، عيلة التهامي من أكبر تجار المخدرات وبنشتغل في حاجات كتير ممنوعة. من الآخر، إحنا عيلة ****، وأنا وبيجاد مسافرين الصبح إيطاليا عشان هنشتغل من هناك. قال يعني بندير أملاك العيلة من الخارج. تحب تيجي معانا؟"
توسعت عينا مراد في دهشة. في حين صدم بيجاد جبينه بكف يده. وليد ما هو إلا أحمق، كشف سرهم ببساطة.
كانت تلك فرصة مراد المناسبة ليبتعد عن أبيه وليثبت له ولنفسه أنه ليس بفاشل. نظر لوليد يسأله:
"هو أنا ينفع فعلاً أسافر معاكوا؟ أنا عايز أسافر. ينفع يا بيجاد؟"
نظر صوب صديقه الآخر. ظل بيجاد صامتاً للحظات، ينظر له حزيناً، وكأنه يرفض انغماسه معهم في الوحل. تنهد حائراً، يومأ برأسه:
"ولو إني مش موافق، إحنا مغروسين في الوحل غصب عنا يا وليد عشان من العيلة. بس طالما أنت عايز كده."
ابتسم مراد، يشعر بنشوة الانتصار لأول مرة.
***
نظر لها، ابتسم، يغمغم في سخرية:
"طبعاً مجدي وسفيان رفضوا في البداية وجودي. بس تحت إصرار وليد وبيجاد وافقوا وقالوا إني لازم أثبت نفسي وإلا هيصفوني.... وده اللي عملته على مدار سنين. كنا مثلث؛ وليد الوجهة، هو اللي بيظهر في الاجتماعات وبيتفق على الصفقات، وأنا اللي بخطط لدخول وخروج كل صفقة من ورا الستار، وبيجاد القناص اللي بيخلص على أي شريك بيفكر يغدر."
نظر وتر له باشمئزاز. لا تصدق ذلك القدر المقزز من الشر والحقد الذي يحكيه لها. لتغمغم نافرة:
"انتوا مقرفين."
ابتسم، يومأ برأسه، يصدق على كلامها، مردفاً:
"عندك حق. ما كانش في دماغي أي حاجة وقتها غير إني أنتقم من أبويا وزياد. مش هما لابسين الأسود والأبيض، أنا بقى شغال في الأزرق. كنت ببقى في قمة سعادتي وأنا بسمع أخبار دخول شحنة للبلد تحت عينيهم وهما مش عارفين. أنا أهو مش فاشل... انتوا اللي فشلة، ما عرفتوش تمسكوا المخدرات اللي أنا بدخلها."
أنا اللي نجحت. للحظة فقط، شعرت بالشفقة عليه من نبرة صوته المنفعل الحزين. دموعه التي تحتل مقلتيه بين الحين والآخر. مراد كان يريد أن يثبت لوالده بأي شكل كان أنه ليس بشخص فاشل كما كان يدعوه. ولكنه للأسف اختار أسوأ الطرق ليثبت ذلك.
قام فجأة من مكانه، توجه إليها ليجلس على ركبتيه أمامها. أمسك ذراعيها، لتنظر لوجهه، ترى دموعه تهبط بغزارة. ليصيح بحرقة:
"في يوم قررت أتصل بيهم من رقم مشفر عشان ما حدش يعرف يوصل لي. كنت عايز أتباهى بانتصاري عليهم. كنت عايز أكلمه، كنت عايز أقول له: 'أنا نجحت! أنا انتصرت! حتى عليك!' بس اللي رد كان زياد. قالي إن والدي مات... والدي مات يا وتر... مات قبل ما أقول له إني ناجح... مات قبل ما أشوف في عينيه نظرة فخر واحدة... مات ما ياخدني في حضنه تاني. ما كنتش عايز منه اعتذار. أنا والله مسامحه... أنا بس كنت نفسي يفتخر بيا ولو لمرة واحدة. يبص لي، ما بيبص لزياد. بس حتى دي استكترتها عليا ومات."
مدت يديها إليه، تحتضن رأسه إلى صدرها. ليتمسك بها، يبكي بحرقة. نزلت دموعه معه، تمسح على رأسه برفق. ظل هكذا لدقائق طويلة، إلى أن بدأ يستكين. فابتعد عنها فجأة، ارتد للخلف، وقف يمسح دموعه بعنف. حمحم مرة بعد أخرى، يردف:
"كنت مقرر إني هبعد حتى قبل ظهور كارمن ولا روزا دي. ومع وجودها كانت حافز أكبر ليا إني أبعد عن الطريق ده كله."
عاد يجلس مكانه على طرف الفراش، يقص عليها ما حدث منذ أن ظهرت كارمن في حياتهم، نهاية بإطلاق الرصاص عليه من وليد. ضحك، يردف ساخراً:
"وليد عشان شخص نرجسي جداً ضرب عليا رصاصة واحدة وافتكر إنه جاب خلاص كده. الرصاصة كانت تحت الكتف بشوية."
***
"لا تخف من صوت الرصاص، فالرصاصة التي ستقتلك لن تسمع صوتها من الأساس."
مقولة قالها أحد الحكماء. إذاً، لما سمع هو صوت الرصاصة وشعر بألمها البشع يخترق لحمه؟ أغمض عينيه منتظراً النهاية. ينتظر أن تصيب جسده أخرى وأخرى حتى النهاية. ولكن ذلك لم يحدث.
سمع صوت مجدي وهو يأمر رجاله بأن يشوهوا وجهه. حتى القلادة التي بها صورة كارمن. غاب عن الوعي من شدة الألم والدماء تنزف من جرحه بلا توقف. بين الوعي واللاوعي، كان يشعر بألم بشع ينهش وجهه. استمع إلى صوت أحد الحراس يحادث صديقه:
"أنا حاسس إنه عايش وبيتنفس. اضربه رصاصة تانية."
لم يكن لديه القدرة على حركة ولو إصبع واحد وهم يشرحون وجهه. والألم يرتفع بجسده إلى أعلى السحاب ليعاود رميه ليرتطم بالأرض بعنف. فقط صرخ عقله بكلمة واحدة: "يارب، يارب، يارب."
فجاء صوت الحارس الآخر يغمغم سريعاً:
"بقولك إيه يا عم؟ مالناش دعوة، إحنا نعمل اللي اتقالنا عليه بالظبط. هتلاقيها حلاوة روح ولا حاجة. شيلوه يلا معايا نرميه في العربية."
حاول جاهداً كتم أنفاسه حتى لا يشعروا به يتنفس. وهم يحملوه إلى الخارج. فتح أحد الحارسين صندوق السيارة الخلفي، ألقاه داخله وكأنه خرقة بالية. من خارج الصندوق، سمع صوتها! جاهد ليفتح عينيه ولو قليلاً، فراى صورة مشوشة تملؤها الدماء لكارمن حبيبته تقف تعانق وليد تخبره سعيدة:
"أخيراً خلصنا منهم وبقيت أنت الملك يا حبيبي!!"
كارمن كانت تخدعه. ما مر به كان فقط خدعة سيدفع ثمنها حياته. فقد الوعي من الألم من جديد. تحركت به السيارة إلى منطقة نائية. أخرجه الحارسان من السيارة، يلقيانه على جانب الطريق ينازع الموت. يرى وجه أبيه أمامه، الدماء تغطيه بالكامل. يشعر بالموت حوله يقترب منه. من بعيد، وصل إليه صوت أذان الفجر. قبل أن يستسلم إلى النفق الطويل المظلم. يري الضوء في نهايته. يقترب الضوء منه سريعاً، إلى أن صدمه بعنف.
فتحت عينيه لقدر بسيط للغاية. يستمع إلى صوت صافرات الشرطة تملأ المكان حوله. ووجه قريب منه للغاية. وجه يعرف صاحبه. ها هو زياد شقيقه هنا. بصعوبة استجمع ما تبقى لديه من حياة لم تُستنزف. ليخرج صوته بالكاد:
"زياد... أنا مراد."
وأغمض عينيه متمنياً أن يكون قد استمع لما قال. كم مر من الوقت لا يعرف. يوم، أسبوع، شهر؟ لا يعرف. جل ما يعرفه أنه بدأ يفتح عينيه من جديد. كان في غرفة. نظر حوله للحظات قبل أن يعي أنه في غرفته القديمة. يشعر بوهن شديد. الكثير من الأجهزة الطبية حوله. رأى زياد ينام على مقعد مجاور لفراشه. زياد الصغير كبر كثيراً. ابتلع لعابه الجاف، يهمس باسمه عدة مرات، إلى أن بدأ الأخير يستيقظ. فتح زياد عينيه، انتفض، اعتدل في جلسته، يغمغم متلهفاً:
"مراد! أنت كويس؟ حمد الله على سلامتك."
بالكاد ابتسم. خرج صوته ضعيفاً، وهِناً للغاية:
"كبرت يا زياد... وحشتني. وحشني البيت أوي."
قام زياد من مكانه، جلس على طرف الفراش، ينظر لوجه شقيقه الذي لا يظهر من كم الرباط الذي يغطيه بالكامل. لولا تحليل الحمض النووي (DNA) الذي تطابق مع حمضه، ما كان ليصدق أن ذاك هو شقيقه أبداً. تردد قبل أن يتكلم، خائفاً من أن تسوء حالته. ولكن لا وقت، يجب أن يعلم كل شيء.
"مراد، أنا لازم أفهم... مراد، أنا آخر معلومة وصلت لي عنك إنك بتتاجر في المخدرات بره مصر. ودلوقتي ألاقيك مضروب بالرصاص ووشك متشوه. كنت بين الحياة والموت. ربنا نجاك بمعجزة. وكل الأوراق اللي معاك تثبت إنك وليد التهامي. وفجأة من غير ما يحصل لا كشف ولا نيلة، يطلع تقرير الطب الشرعي إن المتوفي هو فعلاً ابن مجدي التهامي. أنا بحمد ربنا إن كنت أنا اللي موجود، وإلا كانوا دفنوك بالحيا. أنا اتصرفت وحطيت جثة تانية كانت جاية في حريقة مكانك، وأمرت بتغسيلها وتكفينها قبل ما يستلموها. وما حدش ركز أصلاً واتعمل العزا وطلعت شهادة الوفاة. ممكن تفهمني في أي حاجة؟ أنا حرفياً هربتك من المستشفى على مسؤوليتي."
وكان رد فعل مراد على كل ذلك الكلام الذي قاله زياد جملة واحدة فقط:
"أنا عايز مراية. عايز أشوف وشي."
تنهد زياد حانقاً. هذا هو مراد حقاً. شقيقه المستفز. ولكن حقاً لا وقت لما يفعل. لم يشعر سوى وهو يصرخ فيه:
"بعد كل اللي قولته لك دا تقولي عايز مراية؟ أنت ما عندكش دم؟ أنت بتتاجر في المخدرات صح يا مراد؟"
اصفر وجه زياد، يشعر وكأن حجر ضخم سقط فوق رأسه. لما يفعل شقيقه هذا؟ سنوات طوال ابتعد فيهم ليعود شبه جثة. يعود وهو يتاجر في تلك السموم. نفي برأسه بعنف، يصيح فيه غاضباً:
"ليه يا مراد؟ ليه؟ كنت بتنتقم من مين؟ من بابا ولا من نفسك؟ أنا عارف إن اللي عمله فيك صعب، بس أنت ما تعرفش اللي حصل بعد كده. ده ما سابش مكان ما دورتش فيه عليك. كنت بسمعه كل ليلة بيبكي في أوضته بيكلمك. نفسه ترجع. كان نفسه يشوفك تاني. انتقمت من مين؟ آذيت ودمرت كام حد بالقرف ده؟"
اندفعت الدموع إلى عيني مراد. ينظر لشقيقه مصعوقاً. طرفت عيناه، الدموع تنزل على الشاش الذي يغطي وجهه. صرخ رغم ما به من ألم:
"لا! ما تقولش كده... ما تقولش إنه بيحبني. عمره ما قالهالي. كان دايماً بيقولي إني فاشل وإنه ندمان إن خلف ابن زيك... كان دايماً بيقولي إني هعيش وهنموت فاشل. هو بيكرهني؟ شايف إني فاشل؟"
ابتسم زياد في سخرية، يشيح بوجهه بعيداً عن أخيه. ليحرك مراد رأسه نافياً بعنف. والده لم يحبه يوماً. هو من دفعه لفعل ذلك. انتصف، يتأوه متألماً، يغمغم سريعاً:
"أنا عارف مين اللي بيتجاروا في المخدرات وبيدخلوها. سفيان الدالي ومجدي التهامي. هما دول. اقبض عليهم."
ابتسم زياد في سخرية. التفت لأخيه، يزيح يده من فوق كفه، يغمغم متهكماً:
"وأنت فاكر إننا مش عارفين؟ بس فين الدليل؟ الشحنات اللي كنت بتدخلها بفضل ذكائك الخارق ما خلتش دليل عليهم. كنت عامل حسابك كويس أوي. برافو يا مراد. أنا حتى لو سلمتك ما فيش دليل ضدك. كل اللي هيحصل إنهم هيعرفوا إنك لسه عايش وهيقتلوك. وأبوك الله يرحمه وصاني عليك قبل ما يموت."
ظل كل منهم صامتاً، لا يجد ما يقوله. إلى أن التفت زياد لأخيه في النهاية. رأى في عينيه نظرة حسرة وألم كالتي كان يراها في عينيه أبيه. ليتمتم زياد متألماً:
"ليه عملت كده؟ ليه؟ استفدت إيه؟ أنت خسرت كل حاجة، حتى وشك. التشوه اللي فيه الدكاترة قالوا مستحيل هيرجع زي ما كان. شكلك محتاج عملية في أسرع وقت وإلا هتفضل مسخ. أنت ما شفتش هما عملوا إيه في وشك."
"عشان أنا قررت أتوب وأبعد. والله هما عملوا كده عشان أنا قررت أتوب وأبعد. أنا هحكيلك كل حاجة."
غمغم بها مراد منفعلًا وهو يبكي بحرقة. ليقص على أخيه كل ما حدث. أنهى كلامه، ليمسك بيدي زياد، يتوسله:
"أنا أقدر أسلم لك رقابهم كلهم، صدقني. أنا الوحيد اللي أعرفهم. سيبني أكفر عن غلطتي. إن شاء الله أعيش طول عمري مشوه، أنا راضي بعقاب ربنا على اللي عملته. صدقني يا زياد."
نزع زياد يده من يد مراد، ليخرج من الغرفة، تاركاً إياه وحده في غرفته القديمة. يتسطح على الفراش، لا حول له ولا قوة. تبكي عينيه بين حين وآخر ندماً على ما فعل، شوقاً لأبيه الراحل.
بعد مرور ساعتين تقريباً، دق زياد الباب ودخل ومعه رجل تقريباً في نهاية بداية الخمسينات تقريباً. شعره يغطي نصفه وأكثر الشيب. ابتلع لعابه مرتبكاً من حدة نظرات الداخل. جذب زياد له مقعداً، يضعه جوار فراش مراد. جلس الرجل هناك، يضع ساقاً فوق أخرى، يتفحص مراد بنظراته لعدة دقائق قبل أن يبتسم، يغمغم في هدوء:
"إزيك يا معلم جبران؟"
قطب مراد ما بين حاجبيه، مستنكراً ما يقول ذلك الرجل. نظر لزياد الذي يقف بعيداً لا ينطق بحرف. لما يبدو زياد خائفاً. عاد ينظر للرجل، حين ابتسم يردف:
"قصدي يا مراد يا ابن سيادة اللوا الراحل ظافر نور الدين. أخوك حكالي على كل حاجة. وعشان خاطره، والدك الله يرحمه قررنا نديك فرصة تانية. أهو بالمرة نستفيد منك زي ما غيرنا استفاد."
التفت برأسه ناحية زياد، يغمغم ببساطة:
"عملية الحشيش اللي اتمسكت الأسبوع اللي فات كان المعلم بتاعها اسمه جبران، مش كده؟ ده اتصاب وكان بين الحياة والموت على ما اتذكر."
أومأ زياد سريعاً، يردف باحترام:
"أيوه يا أفندم. المستشفى بلغتني بوفاته من ساعتين بس لسه الخبر ما اتعلن."
"ولا يتعلن تماماً."
أردف به الرجل بنبرة حادة. ليعاود النظر صوب مراد. ابتسم، يغمغم ببساطة:
"المعلم جبران ما ماتش وقدر يهرب. ده الخبر اللي لازم يتعرف. ولا إيه يا معلم جبران؟ قصدي يا مراد."
ابتلع مراد لعابه مرتبكاً، يومأ برأسه بالإيجاب دون أن يفهم. هو فقط يشعر أنه يجب أن يوافق على ما يقول دون نقاش. فابتسم الرجل، يكمل بهدوء:
"بص يا سيدي، أنت من دلوقتي المعلم جبران السواح. كل التفاصيل هيفهمها لك زياد. هتتفق على العمليات، هتسلم المخدرات، وبعد التسليم هنتعامل إحنا. لازم سمعتك تكبر يا معلم لحد ما يجي الوقت المناسب اللي هتسلمنا فيه كل الكبار. فاهم؟"
قام ذلك الشخص من مكانه، توجه صوب زياد، يوجه حديثه له:
"أنت عارف أنت هتعمل إيه. مراد خلاص بقى من الماضي."
نظر زياد لشقيقه للمرة الأخيرة، يومأ برأسه بالإيجاب.
***
ضحك، يردف ساخراً:
"وزي ما بيحصل في كل الأفلام الأجنبي، بقيت المعلم جبران. وجابولي خبير أصوات عشان يدربني على طبقة صوته لحد ما اتعودت عليها وبقيت المعلم جبران السواح. أتفق مع تاجر الحشيش، آخد منهم البضاعة وأسلمها للحكومة، أو أسلمهم أنا البضاعة ويتقبض عليهم متلبسين وأنا برة الصورة. ده أنا حتى البطاقة بتاعتي خلصت ورحت جددتها. تخيلي، لما بصماتي اتحطت على البانر ظهرت صورة المعلم جبران، يعني أنا بقيت رسمياً المعلم جبران. خلال السنين اللي فاتت وأنا بتنقل من مكان لمكان لحد قبل سنتين. روحت الحتة اللي فيها فتحية والدتك طرف خيط لسفيان، وكان محطوط خطط كتير عشان أتعرف عليه. بس اللي حصل صدفة وجودك في الحارة واللي قطع نص المسافة تقريباً."
ابتسمت ساخرة. كانت طعم لاصطياد والدها. جبران أو مراد استخدمها كطعم. بدأت تشعر بأعراض انسحاب ذلك المخدر من جسدها منذ مدة طويلة لم تأخذ منه. تشعر بكل جزء منها يرتجف. اقتربت منه. ضحكت، تردف ساخرة:
"يعني أنا كنت طعم؟ طعم بتصطاد بيه بابا؟ قد إيه أنت ذكي ومبدع وممثل شاطر. مثلت عليا الحب وأنا اللي كنت فاكرة نفسي ذكية."
انتفض سريعاً، يقترب منها. يرى رعشة جسدها التي تحاول السيطرة عليها. اقترب، يقف على بُعد خطوة واحدة منها، يردف سريعاً:
"لا يا وتر... أنا فعلاً حبيتك. أنا نسيت مراد بكل قرفه وبدأت حياة جديدة من زمان. أنا حتى ما كنتش عايز أنتقم لنفسي. أنا بس كنت بنفذ وعدي اللي حلفت إني هكفر بيه عن كل القرف اللي أنا عملته. صدقيني وسامحيني... سامحيني يا بنت الذوات."
ارتجافة جسدها زادت، وبدأ الألم يصفع جسدها بأسواط من نار. اضطربت حدقتاها، تصرخ فيه بشراسة:
"اطلع برة! أنا مش عايزة أشوف وشك تاني في حياتي! بررررة! حياتي! ياريتني ما قابلتك ولا حبيتك. أنا دلوقتي ما بكرهش حد قد ما بكرهك. طلقني."
رواية جبران العشق الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم دينا جمال
برة أنا مش عاوزة أشوف وشك تاني في حياتي.
برة.
حياتي.
ياريتني ما قابلتك ولا حبيتك.
أنا دلوقتي ما بكرهش حد قد ما بكرهك.
طلقني.
حرك رأسه نفيا بعنف. تقدم صوبها يحادثها نادما حزينا.
وتر اسمعيني بس. والله العظيم أنا بحبك. وما كنتش واخدك كُبري ولا كل الكلام دا. أنا حبيتك بجد.
ابتسمت في سخرية وجسدها لا يتوقف عن الارتجاف. تحتضن نفسها بذراعيها.
بتحبني. بتحبني وأنت بتتفق معاهم انهم يكسروا شوكتي. أنهي حب دا. العذاب اللي عيشته دا كله بسببك أنت. أنت فاكر أن أنا ممكن اسامحك. في ألف سبب وسبب يخليني اكرهك يا جبران. ولا يا مراد بقي.
اطلع برة. برررة.
صرخت بها بجنون وجسدها انهار تماما. ما عادت تملك ذرة مقاومة واحدة. لا ترغب في تلك اللحظة سوي في تلك الأقراص ليتوقف ذلك الألم الذي لا يحتمل.
تحركت ناحيته تقبض علي تلابيب ثيابه تصرخ بلا وعي.
أنا عايزة البرشاااام. هو فييين.
كم أراد أن يبكي علي ما صابها. تماسك بصعوبة يلجم زمام نفسه بشق الأنفس.
حرك رأسه بالإيجاب ليمسك بها جيدا. ادارها إليه ليرتطم ظهرها بصدره. يلف ذراعه حول ذراعيها والذراع حول خصرها.
صرخت بشراسة تقاومه تضرب جسدها فيه عله يحررها.
سيبني يا حيوان. سيبني.
لهقتلك. انتوا كلكوا شياطين. أنت وبابا وكلكوا.
صرخ جبران في الأطباء بالخارج. لا يفهم لما لم يأتي أحد علي صوت صراخها إلي الآن. يحاول السيطرة عليها وهي تتلوي بين يديه بعنف. تخدش ذراعه بأظافراها. تصرخ فيه أن يتركها.
أخيرا لبي الطبيب النداء. دخل إلي الغرفة يحادث وتر بحذر.
اهدي يا آنسة وتر. اهدي. أنا هديكي اللي أنتي عايزاه.
إلي طاولة صغيرة وضع فوقها بعض الأدوية. توجه يملئ سرنجة بمادة شفافة. عاد إليها ابتسم يغمغم مترفقا.
ما تخافيش خالص. سيب دراعها لو سمحت.
حرر جبران احدي يديها. اقترب الطبيب يدس السن بتروِ في عرق يدها الظاهر. لتندفع تلك المادة داخل جسدها. وهي تراقب بلهفة تظن أنه مخدر كالاقراص.
لم تشعر بنفس شعور الأقراص. لحظات بسيطة وبدأت تشعر بأن جسدها يثقل وعينيها تنغلقان ورغبة النوم تهجم عليها.
حملها جبران يتوجه بها إلي الفراش. سطحها فوقه برفق. نظرت ناحيته عينيها شبه مغلقة تهمس بنبرة خاملة.
امشي اطلع برة. أنا مش عاوزة أشوفك.
مال بجزعه ناحيتها يمسد خصلات شعرها القصيرة يومأ برأسه. أمسك كفها يلثمه بقبلة حزينة يهمس لها.
هبعد يا وتر بس لما تخفي وتبقي كويسة. مش هتشوفي وشي تاني من بعدها.
أشاحت بوجهها في الإتجاه الآخر تقاوم النوم لبضع ثوانٍ إلي أن غلبها رغما عنها. ليقبل جبينها ويخرج من الغرفة يجذب الباب عليها.
تحرك يبحث عن بيجاد إلي أن وجده اخيرا أمام غرفة العمليات. اقترب منه يسأله قلقا.
بيجاد مين في العمليات. حياة.
انسابت دموع بيجاد ينفي برأسه بعنف. رفع وجهه من بين كفيه ليري جبران عيني بيجاد الحمراء ووجهه الشاحب الخائف.
وقف عن مقعده تحرك ناحيته صاح بنبرة خائفة تغص ببكاءه.
رُسل يا مراد. رُسل. بيقولوا حالتها حرجة عشان العملية بتاعت عينيها. أنا خايف عليها أوي. أنا ربنا بيعاقبني فيها علي اللي كنت بعمله. مش كدة بس. أنا توبت يا مراد. والله توبت واستغفرت ربنا.
جذب جبران بيجاد إليه يعانقه لينفجر الأخير في البكاء مذعورا علي تلك القابعة خلف باب غرفة العمليات. لا يعرف ما سيكون مصيرها.
مرت دقائق قبل أن ينطفي المصباح الذي يعلو غرفة العمليات يعلن انتهاء الجراحة. فُتح الباب ليهرول بيجاد وجبران إلي الطبيب الذي خرج توا.
غمغم مبتسما يطمئنهم.
الحمد لله قدرنا نتعامل مع الجرح اللي في راسها وما حصلش اي نزيف داخلي ولا ضرر للمخ. لما تفوق بإذن الله هنعمل باقي الأشعة عشان نطمن أكتر. عن إذنكوا.
شقت الابتسامة شفتي بيجاد ليسجد مكانه تنهمر دموعه تقطر علي أرض المشفي. هب واقفا يعانق جبران يصيح سعيدا.
رُسل كويسة يا مراد. الحمد لله يارب.
ضحك جبران بخفة يربت علي كتفه بخفة يغمغم.
طب سيبها ترتاح. هي كدة كدة تحت تأثير البنج وتعالا معايا نروح لزياد عشان لو فاضل اي ورق ولا حاجة عشان نخلص من الليلة دي كلها.
أومأ بيجاد مترددا من ترك رُسل بمفردها. ولكن عناصر الأمن تملئ المشفي. والجميع تحت أيديهم الآن عادا أبيه الذي كان السبب في كل شئ وشقيقته السامة التي تأمرت علي قتله مع أعز أصدقائه.
تحرك كل من جبران وبيجاد إلي مديرية الأمن القريبة من المستشفى. ولكن الحقيقة أن زياد لم يكن في مكتبه في المديرية. زياد كان لا يزال في المستشفى يقف أمام أحدي الغرف التابعة لقسم الطب النفسي. حياة بالداخل.
أمسك مقبض الباب يتنفس متوترا خائفا من ان يراها قد تفتت من جديد. الأطباء أخبروه أنها هادئة للغاية لم تقم بأي رد فعل كما توقعوا. حتي أنها لم تصرخ.
فتح الباب برفق يبحث عنها بعينيه. وجدها جوار الشرفة تجلس تضم ركبتيها لصدرها. توجه انظارها إلي الحديقة. ابتلع زياد لعابه مرتبكا يخطو صوبها. لا يعرف أكان يتوهم أم ما يراه صحيح. ولكنه شعر بجسد حياة يرتجف وهو يقترب منها.
جذب مقعد يجلس بالقرب منها. التفتت له لتبتسم ساخرة تعاود النظر أمامها من جديد. ارتبك من رد فعلها الغريب. يحاول أن يقول شيئا.
حياة!!
لم يعرف ما يقول بعد فصمت ينظر لها متوترا. وهي لم تنطق بحرف واحد. تعلثم يتمتم.
حياة. والله كان غصب عني. أنا قلبت عليكِ الدنيا. ربنا يعلم ما سبتش مكان ما دروتش فيه. حياة. أنا آسف بجد آسف.
ومن جديد ابتسمت في سخرية ترفع كتفيها بلامبالاة تغمغم ببساطة مخيفة.
مش فارقة عادي. في ناس كدة الدنيا بتحكم عليهم بالإعدام من غير سبب. ناس تعيش في عذاب لحد الموت زيي كدة يعني. أنا مثلا عملت ايه عشان يحصلي كل دا. أنا كنت طفلة أهلها ماتوا. كنت طفلة عمها كان بيعذبها من طفولتها. بقيت خدامة كل اللي رايح واللي جاي يتحرش بيها. وبعدين المفاجأة الكبيرة. اتبعت زي الجواري بتوع زمان لشخص مريض. شوفت منه كتير أوي. ولما اخيرا بعدت وبدأت اعيش حياتي رجعت لنفس الدوامة تاني. انت فاكر أن الدنيا دلوقتي ضحكتلي عشان بعدت عن وليد. هقابل اللي أسوء منه. مش بعيد الاسوء دا يكون انت. أنا خلاص ما بقاش عندي ثقة في حد.
التفتت له لترتطم مقلتيها بعينيه. انتفضت كل خلية يري العذاب يتعذب في مقلتيها. أما هي فابتسمت ساخرة تردف.
أنت نفسك قولتلي ثقي فيا. أنا هحميكِ منه. مش هيقدر يوصلك. وايه النتيجة. رجعت لنقطة الصفر تاني. يلا الدور علي مين يجي يكمل نهش فيا.
حياة اسمعيني.
همس بها بنبرة راجية يتوسلها أن تستمع له. فما كان منها الا أنها ابتسمت. قامت من مكانها صوب الفراش تمددت تغطي جسدها بالغطاء جيدا. نظرت له تغمغم ناعسة.
أنا عاوزة انام يا زياد. اقفل النور وشد الباب وأنت خارج.
ورفعت الغطاء تغطي وجهها لتُنهي النقاش. قام زياد يجر ساقيه إلي الخارج ينظر لها يشعر بالغطاء يهتز وصوت أنين بكائها المنخفض. تنهد بحرقة خرج من الغرفة يغلق الباب. استند بظهره إلي الباب المغلق لتدمع عينيه حزنا علي حالها.
وصل جبران وبيجاد إلي مديرية الأمن. توجها إلي مكتب زياد. دخلا لم يكن زياد هو من بالداخل بل شخص آخر. ابتسم جبران ينظر للجالس علي المقعد خلف المكتب. في حين ضحك الأخير يردف مشاكسا.
الله المعلم جبران السواح. أكبر تاجر حشيش في المنطقة. داخل برجليه مديرية الأمن.
ضحك جبران عاليا تحرك يجلس علي أريكة سوداء من الجلد يغمغم ساخرا.
جري ايه ياض يا حسن!! انت عشان هتترقي هتشوف نفسك علينا. دا أنا المعلم يا صبي المعلم.
ضحك حسن عاليا يتذكر ما حدث قبل عامين من الآن.
Flash back
يوم صيفي حار درجة الحرارة حقا خانقة. يقف أمام مكتب اللواء يزفر أنفاسه مختنقا غاضبا. دق الباب بخفة عدة مرات إلي أن سمع صوته الهادئ يأذن له بالدخول. فتح الباب خطي للداخل. رفع يده يؤدي التحية للجالس أمامه يغمغم بتهذيب.
طلبتني يا افندم. خير ان شاء الله.
رفع محمد عينيه عن الأوراق أمامه ينظر للواقف أمامه محتدا غاضبا. ذلك الشاب الأحمق يودي بمستقبله إلي الهاوية. صفع محمد سطح المكتب أمامه بكف يده يصيح فيه غاضبا.
لآه مش خير. مش خير أبدا. ايه اللي أنتِ فيه دا يا حسن. أنت لسعت خلاص. واخد جزا مرة واتنين وتلاتة. ترقياتك واقفة بقالها 3 سنين. أول ما بدأت تشتعل كنت ماشي زي السيف. ايه اللي جرالك. اتهبلت. أسلوبك عنيف بشكل مش مقبول مع الكلكور.
حسن قبضته يشد عليها يتنفس بعنف يحاول أن تكن نبرته هادئة.
يا افندم أنت عارف إني ماليش في شغل المكاتب دا خالص. دا كبت لطاقتي. أنا مكاني مش هنا.
وضع محمد القلم من يده في هدوء شبك كفيه أسفل ذقنه يغمغم.
أنت عارف أنك ممنوع من طلوع أي عملية عشان آخر مرتين عرضت الفريق اللي معاك كله للخطر. بترمي نفسك والفريق اللي معاك في النار من غير لا خطة ولا حساب للعواقب. عشان كدة اتمنعت من طلوع أي عملية. عندك كبت تخرجه في التدريب. ما تتجنش.
زفر حسن أنفاسه حانقا يومأ برأسه علي مضض. كاد أن يغادر حين دُق الباب ودخل شخصا آخر إلي الغرفة. توجه يجلس علي المقعد أمام المكتب اشار لحسن يغمغم يسأل.
ماله دا يا محمد.
اشار محمد إلي حسن يغمغم حانقا.
حسن بيه كان من أشطر الظباط اللي عندنا وكان ما شاء الله طالع زي السهم ترقية في الثانية. قبل ما يتهبل تقريبا.
حرك ذلك الرجل الجالس اصبعيه السبابة والابهام أسفل ذقنه قطب جبينه يسأل الواقف أمامه.
تحب تطلع عملية بس مختلفة شوية.
رفع حسن وجهه يومأ برأسه بالإيجاب سريعا دون تردد ليبتسم الجالس اشار بيده إلي حسن لينصرف.
طب روح أنت دلوقتي وأنا هجيلك مكتبك نتناقش.
انصرف حسن وهو في طريقه سمع ذلك الرجل يوجه حديثه لمحمد يسأله.
مش دا ابن رجل الأعمال كمال شريف الدين.
هو يا سيدي. الراجل ما فيش علي سمعته غبار. مش عارف ابنه طالع كدة ليه.
ضحك حسن ساخرا في نفسه. لا أحد يعلم خفيفة ذلك الشيطان غيره هو.
في غرفة المكتب نظر الرجل لمحمد يردف بترو.
بقولك ايه. أنا بدور علي ظابط جديد ينزل مع جبران الحارة. هو خلاص خلص شغل في أسيوط وناوي اخليه ينزل الحارة اللي فيها طليقة سفيان كأنه بلطجي وعايز ظابط معاه. حسن ينفع.
حرك محمد رأسه بالنفي سريعا يغمغم مستهجنا.
حسن ما ينفعش طبعا. حسن عصبي ومندفع وأنت بتقول أن جبران دا نفس الحكاية. الاتنين هيطقشوا في بعض.
ضحك الرجل الجالس بخفة يرفع سبابته ينفي بها ببطئ يغمغم.
بالعكس. هما الإتنين شبه بعض فهيعرفوا يتفاهموا. سيبك من جو الفيزيا بتاع الأقطاب المتشابهة تتنافر. دا في علمي رياضة إنما في الحقيقة العكس تماما. ما أنا وأنت شبه بعض وأعز أصدقاء. وأنا واثق انهم هيبقوا أصدقاء مش مجرد عملية بيعملوها.
في مكتب حسن كان اللقاء الأول بينه وبين جبران بعد أن أخبره محمد طبيعة المهمة الذي هو بصددها. وقف حسن أمام جبران يتفحصه بعينيه ليكتشف أن جبران كان يفعل المثل. بادر جبران مد يده ليصافحه يغمغم مبتسما.
جبران السواح.
ابتسم حسن بلا اكتراث يمد يده يغمغم.
المقدم حسن كمال.
ضحك جبران عاليا يسحب يده من يد حسن يغمغم ساخرا.
جرا ايه يا حسن باشا. هتروح الحتة تقولهم أنا المقدم حسن كمال. ابقي الدراع اليمين لتاجر الحشيش دا.
ضحك حسن بلا مرح يومأ له بالإيجاب ليلف جبران ذراعه حول كتفي حسن يغمغم ضاحكا.
دا احنا هنبقي تيم عسل واحنا مش طايقين بعض كدة.
ضحك حسن تلك المرة يومآ برأسه موافقا. في صباح اليوم التالي وقفت سيارة نقل كبيرة يقودها من الأمام حسن وجواره جبران وبالخلف رجالهم منهم عمر ذلك الضابط الصغير الذي تعين قبل أشهر بسيطة. قفز الرجال من السيارة لينزل جبران من مقعده القي السيجارة من يده أرضا يدعسها بحذائه في مشهد سينمائي تقليدي للغاية. توجه الي محل النجارة الذي استأجرته له الشرطة دفع الباب ليصدر صدى عالي مخيف. تحرك رجال جبران لداخل المحل يخرجون المعدات للخارج. في حين توجه جبران إلي المقهي الشعبي جلس هناك تحت نظرات أهل الحي التي تراقب ما بين ترقب وحذر وخوف. قاطع ما يحدث صوت صافرة سيارة الشرطة التي دوت في المكان. وقفت أحدي سيارات الشرطة لينزل زياد منها ينظر لجبران غاضبا محتدا. اقترب منه ليقف جبران من مكانه ابتسم يغمغم مرحبا.
اهلا اهلا زياد باشا بشحمه ولحمه. دي الدنيا ضيقة صحيح. بتعمل ايه هنا يا باشا.
وضع زياد يده علي كتف جبران يغمغم متوعدا.
أبدا بشد البلطجية وتجار الحشيش اللي زيك من قفاهم.
ابتسم جبران ساخرا ينظر ليد زياد التي وُضعت علي كتفه يغمغم مبتسما.
طب وأنا مالي يا باشا. دا أنا فاتح ورشة نجارة وعايز آكل لقمتي بعرق جبيني بالحلال.
ضحك زياد عاليا قبل أن تختفي ضحكاته وتحتد عينيه غضبا.
حلال. هو اللي زيك يعرف حلال. دا أنت ما فيش حاجة حرام ما عملتهاش من سرقة لبلطجة لفردة لحشيش. وما خفي كان أعظم. وكل مرة تتشد وتتحبس وتخرج. ورحمة أبويا لو وقعت تحت أيدي ما هتخرج ولا بالطبل البلدي.
ابتسم جبران ساخرا ولم يرد. في تلك الأثناء ظهر حسن اشار زياد إليه يغمغم ساخرا.
وذا مين دا كمان. بلطجي جديد من عينتك. ايه بتوسع النشاط. أنا حذرتك يا سواح ما تخلنيش اوريك النجوم في عز الضهر.
نظر زياد ساخرا إلي حسن قبل أن يغادر. لتحتد عيني حسن غضبا. الأحمق يسخر منه. زياد لم يكن سوى مساعد له. والآن بعد أن تأخرت ترقياته وصل زياد لنفس رتبته.
اجفل علي صوت جبران الذي علا يصيح في خيلاء.
المعلم جبران السواح. من النهاردة من اللحظة دي أنا كبير المنطقة دي. واللي عنده أي اعتراض يبروزه ويعلقه في الصالون. عمررر. مش عايز الاقي حد واقف قدامي.
تنهد حسن يبتسم ساخرا. بدأ العمل الآن.
Back
قام حسن من مكانه توجه إلي الشرفة الكبيرة ينظر لانعكاس صورته في زجاجها وهو يرتدي زيه الرسمي. حقا افتقده. عامين وهو يتلبس شخصية ذلك البلطجي إلي أن باتت جزء لا ينفصل من شخصيته.
في تلك اللحظات فتح زياد الباب دخل إلي الغرفة وجهه حزين شاحب ارتمي علي اقرب جواره يمسح وجهه بكفيه يغمغم تعبا.
كانت ليلة طويلة أوي. شيرين ما ماتش. الدكاترة بيقولوا أنها كويسة. مجدي الرصاصة كانت في قلبه. احنا تحت ايدينا سفيان ووليد وطارق قبضنا عليه. الشابين الأجانب دول لقينا الهليكوبتر بتاعتهم محروقة في الصحرا وفيها جثتين متفحمين مش ظاهر ليهم اي ملامح.
اعتدل جبران يسأل زياد سريعا.
الحريقة كانت بسبب رصاص أو بفعل فاعل.
فهم زياد إلي ما يرمي جبران تحديدا لينفي برأسه يغمغم.
لا يا مراد. أنا فاهمك قصدك انهم دبروها وهما هربوا. بس الحريقة كانت بسبب عطل في محرك الطيارة.
اومأ جبران ولكن جزء لازال بداخله يشك في أمر ذلك الحادث. قاطع الصمت في الغرفة صوت بيجاد وهو يغمغم منتصرا.
بس احنا الحقيقة عملنا شغل فاخر. كنا واخدين بالنا من كل التفاصيل لحد ما وقعناهم في المصيدة.
وافق كل منهم بإيماءة من رأسه. وكل منهم عقله شارد يفكر في القادم. وعقل جبران مع المايسترو الذي اختفي وكأن الأرض انشقت وابتلعته هو وروزا.
في تلك الاثناء دق هاتف مكتب زياد. رفع حسن السماعة يضع الهاتف علي أذنه يغمغم.
ايوة يا افندم. مع حضرتك المقدم حسن كمال.
صمت حسن للحظات يستمع لما يقول الطرف الآخر قبل أن تتسع عينيه في ذهول يهمس مدهوشا.
حاضر يا افندم. احنا جايين حالا.
أغلق الخط لينظر للاعين التي تراقبه بفضول. في حين تتمتم هو مدهوشا.
سفيان الدالي بعد ما اعترف بكل حاجة لقوه منتحر في الزنزانة بتاعته.
رواية جبران العشق الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم دينا جمال
هرعوا جميعا من المكتب خلف حسن الذي هرول بخطاه تجاه إحدى الزنزانات الصغيرة التي تستخدم للحجز الانفرادي.
لتتسع أعينهم في ذهول، ها هو سفيان ملقى أمامهم أرضاً، وجهه أزرق، عيناه جاحظتان، شفتيه زرقاء، يخرج من فمه رغوة بيضاء. مات مسموماً، إذاً وليس منتحراً. قتل بمعنى أدق.
اقترب بيجاد من جبران يهمس له خفية:
- ده مات متسمم، انتحر إزاي؟ هو اللي سمم نفسه يعني؟ هيجيب السم منين؟ أنت فاهم حاجة؟
نفى جبران برأسه، يراقب زياد عن كثب وهو يقترب من جثة سفيان. انحنى جوارها يتفحصها بعينيه عن قرب. لا وجود لأي آثار عنف في الجثة. ولكن كيف وصل السم لسفيان؟ من صانع الحلقة المفقودة؟
أما حسن، فاقترب من يدي سفيان يفتحها. لا وجود لأثر أي شيء، لا محقن، لا بقايا سم علقت على أصابعه. يديه لا يرتدي فيهما أي خواتم قد تحمل السم بداخلها. إذاً كيف وصل السم إليه؟
حرك يده بين خصلات شعر سفيان عله يجد شيئاً، ولكن لا شيء أيضاً.
أجفلوا جميعاً على صوت غاضب يأتي من خلفهم:
- البهوات اللي فاكرين نفسهم من الطب الشرعي يبعدوا عن الجثة.
ابتعد حسن وزياد. توجه حسن صوب الرجل الداخل يسأله متعجباً:
- ده ميت مسموم؟ جاب السم إزاي؟ مش المفروض إن فيه تفتيش قبل ما بيدخل أي مسجون الزنزانة؟
أومأ الرجل برأسه بالإيجاب. تحركت عيناه إلى حذاء سفيان يغمغم حانقاً:
- المفروض... وده حصل فعلاً، بس سفيان طلع مخبي السم في الجزمة بتاعته. أنا مش فاهم ليه ينتحر بعد ما اعترف؟ ولا غروره ما سمحلوش إنه يتحبس؟
هنا تدخل زياد، عيناه تجوب جثة سفيان والتعجب يملأ نبرة صوته:
- الغريب فعلاً إن جثة سفيان متخشبة بشكل غريب، يعني ما اعتقدش إنه ميت من ساعات عشان جثته تبقى متخشبة بالمنظر ده.
همهم الرجل الواقف موافقاً على ما يقول زياد. ولكن الأهم فالأهم دائماً. أشار لجبران يغمغم:
- فعلاً، وده اللي هيثبته تقرير الطب الشرعي. دلوقتي الأهم عندنا الفلاشة اللي سفيان اداهالنا، وعليها أسماء كل تجار المخدرات هنا في مصر وورق إدانتهم... جبران تعالا معايا عاوزك لوحدنا.
أومأ جبران بالإيجاب. تحرك ليغادر. نظر لجثة سفيان للمرة الأخيرة قبل أن يغادر. ليقطب جبينه يحاول أن يتذكر، هل كان يمتلك سفيان شامة مستديرة على رقبته؟!!!
تحرك خلف ذاك الرجل إلى غرفة مكتبه. أشار له ليجلس. في حين اقترب الرجل من مكتبه، التقط ملف أزرق، مد يده له به يغمغم مبتسماً:
- صحيح مجدي مات وسفيان انتحر، بس إحنا بردوا كسبنا. قطعنا رأس الحية ومسكنا المورد اللي برة اللي هو وليد، ومعانا دلوقتي أسماء كل التجار وجاري القبض عليهم. وطبعاً ده كله بفضل ربنا ومساعدتك يا مراد... صدقت لما قولت عايز أكفر عن غلطتي وفعلاً عملت كده... اتفضل يا سيدي ورقك الرسمي. رجعت مراد تاني وغيرنا صورتك القديمة في الورق الجديد. أما الورق القديمة زي ما هو، وهتلاقي هنا بردوا شهادة طبية من دكتور تجميل إن حصلك حادثة كبيرة واضطروا يغيروا في ملامح وشك عشان ينقذوك... تقدر ترجع لحياتك تاني وجبنا لك شهادة تخرج من كليتك يا سيدي. صحيح مش هتشتغل بيها، بس اهو تبقى خريج قدام الناس.
ارتسمت ابتسامة حزينة ساخرة على شفتي مراد. سنوات وهو اعتاد على شخصية جبران، حتى باتت جزء لا يتجزأ منه. فتح الملف ليجد بطاقة شخصية جديدة وشهادة تخرج من جامعته وقسيمة زواجه من وتر باسمه الحقيقي وصورته التي هو عليها الآن وبعض الأوراق الأخرى....
قام من مكانه يصافح الرجل الواقف أمامه، يغمغم مبتسماً:
- متشكر يا أفندم. أنا حقيقي إني قدرت أوفي بوعدي، بس سامحني أنا مش هقدر أرجع مراد تاني. أنا اتعودت على المعلم جبران السواق. هفضل كبير المنطقة بس مش تاجر حشيش... هفضل بس على الورق الرسمي مراد لو ينفع يعني.
أومأ الرجل مبتسماً. صافحه يغمغم ببساطة:
- مفيش مشكلة يا معلم جبران. اللي تحب تفضل عليه كمل فيه.
ابتسم جبران ممتناً. يودع الواقف أمامه. تحرك ليغادر ليسمعه يصيح باسمه:
- مراد.
التفت له ليبتسم الرجل يغمغم:
- والدك الله يرحمه كان حقيقي بيحبك أوي. وأنا واثق إنه لو كان عايش دلوقتي كان هيبقي حقيقي فخور جداً بنجاحك ده. مع السلامة يا مراد، ولو احتجتني في أي وقت رقمي معاك.
ارتعشت ابتسامة مراد، يشعر بالدموع تغزو مقلتيه. ليومئ برأسه سريعاً. خرج من المكتب يتحرك بين الطرقات. أدمعت عينيه يغمغم مع نفسه سعيداً:
- كان هيبقي فخور بيا... هو دلوقتي فخور بيا أكيد. أنا نجحت!
________________
على صعيد آخر في مكان آخر يبعد عنهم كثيراً، في قصر بعيد... بعيد للغاية. تقف فتاة طويلة القامة، صاحبة جيد طويل وشعر أحمر ناري يتطاير كشرارات النار. خلفها تقف أمام نافذة كبيرة تنظر لضوء الصباح وهو يصعد يملئ المكان. تنفث سيجارة طويلة تمسكها بين أصابعها الرفيعة. يقف ذلك الوسيم الأشقر خلفها، تنهد يغمغم ساخراً:
- مار؟ سفيان انتحر؟ الأسد العجوز لم يتحمل قبضة الشرطة.
التفتت له بوجهها فقط. نفثت دخان سيجارته، ابتسمت تغمغم ساخرة:
- بتلك البساطة؟ سام؟ الأحمق المغرور أخيراً انتهينا منه. أتعلم؟ كنت أفكر قتله بنفسي، ولكنه فعل. لن أضطر لفعلها إذاً.
ضحك سام يلف ذراعيه حول خصرها، يميل برأسه يضعها على كتفها يغمغم ضاحكاً:
- الأحمق جاك يتحرق شوقاً ليعرف من مار؟ ولكن خدعة الطائرة حقاً كانت مذهلة. عطل مُتقن. لن يصدق أحد أنه بفعل يديكِ الناعمة هذه يا مار.
ضحكت الأخيرة عالياً. كم تعشق سام حين يتغزل في ذكائها. ليُشبع غرور عقلها الثائر. طبعت قبلة صغيرة على وجنته تغمغم برقة:
- أعتقد أنها أنا من ستتولى أعمال العائلة في مصر بعد أن سيتم القبض على الجميع. فبالطبع سفيان لن يسقط بمفرده.
أومأ سام برأسه موافقاً، يغمغم:
- الأمر بيد ألكسندر، ولكني أظن اللعبة تلك المرة ستكون في يدك.
صرخت مار سعيدة، تقفز فرحة. تعلقت بعنف سام تحتضنه بقوة تغمغم مبتهجة:
- أنت الأفضل يا سام. صدقني أنت الأفضل.
ضحك سام عالياً، ليحملها بين ذراعيه كأنها عروس، يغمغم ضاحكاً:
- وأنتِ فتاة مشاكسة صاخبة. هيا لدينا حفل كبير لنحضره. عليكِ أن تكوني سيدة الأعمال الجميلة، صاحبة الشركات المهذبة الخجولة. الخجولة مار لا تنسي. وأنا علي أن أتقمص ذلك الدور السخيف للرجل النبيل. هيا مار تأخرنا.
أومأت له. قلبت عينيها ساخرة تتنهد حانقة. عليها أن تُمثل وهو أيضاً.
_______________
عودة مرة أخرى إلى مديرية الأمن. داخل مكتب زياد، يتسطح جبران على الأريكة هناك، يغط في النوم بعد ليلة طويلة للغاية. جافٍ النوم عينيه فيها. دخل بيجاد يبحث عنه، ليشير له زياد بالهدوء، يهمس له:
- هشش، ده أنا ما صدقت إنه نام. بقالي ساعتين بقنع فيه... فيه حاجة؟
نفى بيجاد برأسه. تحرك يجلس على مقعد قريب من أريكة جبران. كاد أن يقول شيئاً حين دق هاتف زياد. أجاب سريعاً، أخذ الهاتف يخرج من الغرفة حتى لا يزعج شقيقه. في حين التفت بيجاد إلى مراد، يتذكر المرة الأولى التي رآه فيها بعد هروبه من قبضتهم وعودته لمصر.
Flash back
خرج من المطار يتلفت حوله قلقاً حذراً. وقف خارج المطار يحمل حقيبة صغيرة يبحث عن سيارة أجرة. لم يجد سوى واحدة فقط. دخلها، يُملي السائق عنوان مكان ما. تنهد بارتياح، يضجع إلى ظهر الأريكة ينظر إلى الطريق أمامه. مرت عدة دقائق قبل أن يقطب جبينه يغمغم حذراً:
- أنت ماشي منين ده؟ مش طريق العنوان اللي قولتلك عليه خالص.
ابتسم السائق في هدوء. التفتت له يغمغم ببساطة:
- ما تخافش يا بيجاد. دا أنا مراد يا صاحبي.
شخصت عينا بيجاد في دهشة. الجمته عن الحديث. تجمد مكانه يراقب ذلك الشاب الذي لا يشبه مراد. ولكن كيف عرفه؟ هل يعقل أنه أحد رجال سفيان ومجدي؟ توقفت السيارة أمام منزل في منطقة صحراوية. ذلك البيت تابع لبيجاد لا يعلم به سوي مراد. حتى وليد لا يعرف عنه شيئاً. نزل مراد سريعاً، فتح الباب المجاور لبيجاد يجذبه لداخل المنزل. أغلق الباب ليقبض بيجاد على عنق ذلك الواقف أمامه يصيح فيه:
- أنت مين بالظبط؟ ومراد إزاي يعني؟ وعرفت البيت ده منين ومعاك مفتاحه إزاي؟
دفع مراد بيجاد بعيداً عنه بقوة، يسعل بعنف يحاول التقاط أنفاسه، يسب بيجاد غاضباً:
- يخربيت التخلف! كنت هتموتني يا حيوان. اديني فرصة أفهمك... هتموتني ويطلع عفريتي يشرحلك مثلاً؟
أسلوب السخرية ذاك يعرفه. ولكن كيف؟ ذاك لا يشبه مراد. أشار مراد له لأقرب مقعد يغمغم ساخراً:
- اترزع عشان أفهمك كل حاجة. مافيش وقت.
جلس بيجاد مضطراً لذلك. ينظر للواقف أمامه حذراً. ليتنهد مراد ويقص عليه كل ما حدث له الفترة الماضية. ليهب بيجاد واقفا يشعر وكأن ألف خنجر ينغرس في قلبه. احمرت عيناه تنهمر دموعه يصرخ غاضباً مقهورا:
- يعني كل اللي أنا فيه، كل اللي أنا شوفته ده بسبب أختي؟ أختي عايزة تموتني؟ اتفقت مع صاحب عمري عليا؟ أنا مش مصدق... مش حقيقي. أنا اللي دخلتها بإيدي في حياتنا. كنت عاوز أعوضها. دا أنا كنت هموت من حزني عليها لما افتكرتها ماتت... تطلع هي اللي كانت عايزة تموتني. ليه يا مراد؟ لييييه؟
اقترب مراد من صديقه يعانقه لينهار بيجاد في البكاء. تنهد مراد حزيناً على حال صديقه. ذكره بحاله قبل سنوات صرخ وانهار وبكى. ولكنه بعد سنوات أدرك أنه كان فقط عقاب على جرائمه. ربت مراد على رأس بيجاد برفق. أبعده عنه قليلاً يحادثه مترفقاً:
- أنا عملت زيك أول ما فوقت واكتشفت إن وشي اتشوه... مشهد كارمن وهي بتحضن وليد مش بيفارق خيالي. بس أنا قررت انتقم وآخد حقك وحقي. وأنت كمان لازم تساعدني يا بيجاد.
أمسك مراد بذراعي بيجاد يغمغم سريعاً:
- وليد ما كشفش حقيقته الـ**** قدامك لسبب مهم. ممكن يكون عايزك ترجع تثق فيه وتشتغل معاه. ويمكن عشان رسل... المهم دلوقتي فعلاً رسل... من ساعة الحادثة اللي حصلتلها ومجدي راميها في بيت صغير ليه في **** وحاطط معاها خدامة. البنت دي مالهاش علاقة بالمستنقع ده كله. ابعدها عنهم وأنا هكون معاك دايما. أنا أو زياد أخويا. المهم اوعي أبداً تثق في وليد مهما مر من وقت. صدقني ده شيطان بيتلون بألف لون.
Back
وليد الأحمق وقع في شر أعماله أخيراً.
الخبيث أن صديقه القديم عاد إليه ويريد أن يأخذه في كنفه ويحتضنه هو وشقيقته. هو من أبلغ الشرطة بمكان قصره البعيد في ذلك اليوم الذي كان يقف فيه في الحديقة، وأن حياة قريبة زياد موجودة هناك وهو ينشد الشعر.
«تنهد يحادث نفسه بصوت مسموع:
- القمر بدر والصحرا بليل حقيقي مخيفة، تحس كأن في 3000 كيلو من الهم. والغريب أن الحياة هنا ازاي ما اعرفش وسط الصحرا حياة.
- دا أنت بقيت شاعر بقي يا عم بيجاد. غريب الحب مين فاهمه.»
ضحك ساخراً. هو فهم الحب، والأحمق وليد لديه سنوات كافية في السجن ليفهمه هو الآخر، أن لم يُحكم عليه بالإعدام في تلك اللحظات. فُتح له ليدخل زياد. يوجه أنظاره لبيجاد يغمغم سريعاً:
- خدنا عينة من رفات والدك زي ما أنت طلبت، والمعمل الجنائي أثبت أنه سراج والدك.
هنا تنفس بيجاد الصعداء. إذاً والده بريء، لم يفعل شيئاً... والده قُتل غدراً، وقبل قليل فقط عرف أن عمه هو قاتل أبيه. والده بريء، والده أبداً لم يكن يوماً بذلك الشر. اقترب زياد من بيجاد يحادثه ممتناً:
- أنا متشكر حقيقي أنك رغم كنت في قصر وليد في عش الدبابير، ورغم كدا اتصلت بيا عشان تبلغني بمكان حياة.
ابتسم بيجاد ينفي برأسه، يغمغم ببساطة:
- يا عم ما تقولش كدة، دا رد جميل بسيط. ما أنت بتساعدني من ساعة ما وصلت مصر، أنا اللي متشكر.
- أيوه أيوه، قضوها بقي. أنا اللي متشكر، لاء أنا اللي متشكر.
غمغم بها جبران ساخراً، ليلتفت زياد إلى شقيقه. دس يديه في جيب سرواله. ضحك يغمغم متهكماً:
- ما تتلم يا معلم جبران، ولا عايزني أشدك على القسم تتربي يومين.
ضحك جبران عالياً في سخرية. تحرك من مكانه، اقترب من زياد ليباغته بصفعة عنيفة على رقبته من الخلف. قبض على تلابيب ثيابه يغمغم حانقاً:
- فكرتني. تعالي بقي يا حلو، أنا ياض تقل مني قدام المزة، وقال إيه عاملي الشاب النحنوح الطيب وعايز ترتبط بآنسة وتر. دا أنا هربطك ولا خروف العيد.
تأوه زياد حانقاً، يمسد رقبته بيديه. يدفع جبران بعيداً عنه، يغمغم ساخطاً:
- أوعي يا عم، إيدك تقيلة. وبعدين مش كنت بسبك الدور...
- تسبك الدور رايح جاي تهزق في اللي خلفوني وتقولي بسبك الدور يا حيوان.
غمغم بها جبران حانقاً، يشمر عن ساعديه. لتتسع عينيه زياد في ريبة. عاد للخلف بحذر، يقف خلف بيجاد يحادثه قلقاً:
- حوش صاحبك المتخلف دا عني.
ضحك بيجاد عالياً، يفسح الطريق لجبران. لتشخص عينا زياد، يسب بيجاد في نفسه. اندفع جبران يقبض على مقدمة ثياب زياد. ابتسم يغمغم متوعداً:
- حبيب قلبي، دا أنا هعمل في وشك أحلى زفة وأعزمك فيها. بس مش دلوقتي، لما نطمن على البت حياة الأول.
تنهد زياد بارتياح. لم يدم سوى لحظات، وفاجأته لكمة من يد جبران. ضحك الأخير يغمغم ساخراً:
- سوري، بس كان نفسي أعمل كدة. يلا بينا، كل واحد يروح يشوف مراته.
***
هناك بعيداً في غرفة وتر، استيقظت بعد ساعات من مفعول المخدر. فتحت عينيها تنظر حولها، وكم تمنت أن يكون كل ما حدث ليس سوى كابوساً وستصحو منه تجد نفسها نائمة بين أحضان زوجها في شقتهم الصغيرة. ولكن الآن لا شيء بات كما كان. وضعت يدها على بطنها تبتسم ساخرة. الطبيب أخبرها أنها لم تكن حاملاً من الأساس، وتلك الأعراض التي شعرت بها كانت بسبب المخدرات التي دخلت جسدها. نزلت دموع عينيها رغماً عنها. الحياة بأكملها كانت كذبة. خدعة والدها الحنون الطيب تاجر مخدرات، والأكبر يبدو. والدها كان يعلم بما حدث لها في المستشفى، إذاً والدتها كانت محقة فيما قالت. وجبران الحب الذي عشقته لم يختلف كثيراً عنهم. شخصاً آخر لا تعرفه. شخص سئ للغاية، تأمر عليها منذ البداية. لما فعل ذلك؟ بما استفاد بما فعل؟ ضحكت ساخرة. لذلك لم يلومها أبداً. كيف يفعل وهو الجاني هنا. نفضت الغطاء عنها، توجهت تقف أمام شرفتها، فتحتها ليدخل نسيم الهواء. احتضنت نفسها بذراعيها فقط، تنتهي من تلك الكارثة التي تعثو في دمها فساداً، وسيكون لها رأي آخر ستريه. فقط ينتظر.
في الغرفة القريبة منها، استيقظت رُسل أخيراً بعد ساعات من العملية. فتحت عينيها تنظر للمكان حولها. لما هي في غرفة مستشفى؟ قطبت جبينها تشعر بألم بشع في جميع أنحاء جسدها، خاصة رأسها الذي يلتف بعنف. أين هي؟ وماذا حدث؟ والسؤال الأهم، من هي؟
استندت بكفيها إلى سطح الفراش بصعوبة لتعتدل جالسة. تنظر حولها. في ذلك الأثناء، فُتح الباب ودخل بيجاد. ابتهجت ابتسامته حين رآها مستيقظة. اقترب منها سريعاً، جلس جوارها يبتسم سعيداً. أمسك بكفها يقبله، يغمغم متلهفاً:
- رُسل، حمد لله على سلامتك يا حبيبتي. الحمد لله يارب أنك بخير.
سحبت يدها من يده. قطبت جبينها تنظر له بحذر، تسأله قلقة:
- أنت مين وأنا مين... ومين رُسل دي؟
***
في سيارة شرطة، تحرك من القسم إلى الحي. يريد حقاً أن يرى رد فعلها حين تراه. وقفت السيارة في منتصف الحي، لينزل منها بحلته الرسمية السوداء. توجهت نظرات الجميع إليه ما بين دهشة وذهول. صبي المعلم جبران ضابط شرطة. توجه صوب عربة الطعام الخاصة بها. ينظر لها وهي منهمكة فيما تفعل. لم ترفع عينيها له بعد. وقف أمامها يدق على الزجاج. يعرف أنها تكره تلك الحركة. رفعت رأسها غاضبة لتشخص عيناها في ذهول حين رأته يقف أمامها. ماذا يرتدي؟ تفحصته عيناها للحظات قبل أن يطرقع بأصبعيه، يغمغم ساخراً:
- تراخيص العربية دي فين؟
أجفلت، تومئ له. فتحت درج النقود تخرج له عدة أوراق. أعطته له. فتحها ينظر لها. رفع عينيه عن الأوراق، يغمغم ساخراً:
- التراخيص دي منتهية من 48 ساعة، يومين كاملين. تؤتؤتؤ... صحة المواطن. حسبي الله ونعم الوكيل. بتاجروا بأرواح الناس. قدامي يا آنسة أمل على البوكس. مش آنسة أمل بردوا.
شخصت عين أمل فزعاً. ما الذي يهذي به ذلك الأحمق؟ كادت عيناها تخرج من مكانها حين أخرج لها الأصفاد، قيد يدها اليمنى بيده اليسرى، يجذبها معه للسيارة.
رواية جبران العشق الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم دينا جمال
لا تعرفه ... لا تعرف من هو لم تعرف اسمها حتي كيف يعقل ذلك ... ظل ينظر لها مذهولا قبل أن يهرول خارج الغرفة يصرخ فيمن حوله يبحث عن الطبيب يخبره بما حدث ...
أخذوها إلي إحدي الغرف لإجراء بعض الفحوصات السريعة ... وقف بيجاد ينظر للطبيب وهو يتحاور مع رُسل ينظر للأشعة أمامه يسألها عدة أسئلة روتينية معتادة ليعرف إلي أي قدر نسيت ذاكرتها ... انتهي ليقترب منه امسك بيد بيجاد يأخذه لخارج الغرفة يعرض عليه ورقة الإشاعة يغمغم:
- رغم أن الوقعة كانت فعلا شديدة وكان الخوف الأكبر أنها تأثر علي مراكز الإبصار عندها بسبب الحادثة اللي قولتلي عنها الا أن اللي ما اتوقعنهوش أبدا أنها تفقد ذاكرتها .. في الأغلب النسيان دا سببه نفسي أكتر منه عضوي انا ما عنديش خلفية عن اللي حصلها بس كونها تفقد الذاكرة دا مالوش تفسير عضوي عندي تماما الأفضل تعرضها علي دكتور نفسي بعد ما تخف بإذن الله .. عن إذنك
سبب نفسي !! رُسل فقدت الذاكرة بسبب شئ ما عرفته أو حدث لها في غيابه لم يكن معها في قصر وليد سوي حياة ... مفتاح اللغز الآن لدي حياة ...
أخذته قدميه يبحث عن غرفة حياة وجد أحد العساكر يقف أمامها حاول الدخول ولكن العسكري رفض تماما تأفف بيجاد يحادثه حانقا:
- يا عم خمس دقايق أنا قريب
زياد باشا حرك العسكري الواقف رأسه بالنفي يرفض دخوله إلي الغرفة يرفض تماما:
- أنا آسف يا استاذ مش مسموح دخولك
في تلك الأثناء لمح بيجاد زياد يأتي صوبهم التفتت له يغمغم منفعلا:
- زياد أنا محتاج اشوف حياة رُسل فقدت الذاكرة بسبب صدمة نفسية وحياة كانت آخر واحدة معاها أكيد تعرف اللي حصلها
أومأ له زياد موافقا تقدمه إلي غرفة حياة دق الباب مرة واثنتين وثلاثة ولا إجابة شعر بالقلق أدار المقبض يفتح جزء صغير من الباب ليتنهد بارتياح حين رآها تجلس هناك علي المقعد أمام الشرفة تنظر للخارج ... دخل زياد أولا يغلق الباب خلفه ... تقدم صوب حياة يجلس جوارها تنهد يحادثها مترفقا:
- حياة ... بيجاد واقف برة عاوز يشوفك
توسعت عينيها التفتت ناحيته في أقل من لحظة تجمعت الدموع في مقلتيها تهز رأسها بالنفي بعنف ارتعش جسدها لتتحرك من مقعدها تصرخ فجاءة:
- أنا ما كنش قصدي ... ما كنش اعرف أن دا هيحصلها ... هي كانت عمالة تمدح في وليد شيفاه ملاك هو مش كدة ... قولتلها الحقيقة قولتلها كل اللي عمله فيا ... خرجت تجري من الأوضة وسمعتها بتصرخ جريت عليها لقيتها واقعة تحت أنا ما كنش قصدي يحصل فيها كدة .... هي ماتت مش كدة أنا اللي قتلتها أنا السبب في موتها
حرك زياد رأسه بالنفي سريعا حاول أن يقترب منها خطوة واحدة لتصرخ هي بجنون صراخ سجنته داخل أعماقها لفترة طويلة صرخت لتركض من الغرفة إلي الخارج حيث يقف بيجاد الذي وصل إليه كل ما قالت وفهم ما حدث ... انتفض بيجاد حين رأي حياة تندفع راكضة ليركض خلفها يحاول الإمساك بها خلفه زياد الذي يصرخ باسمها مذعورا ... أما هي فكانت تركض وكأنها تهرب من وحوش ضارية ترغب في التهامها تلتفت خلفها بين حين وآخر تبكي بلا توقف جميع من في المشفي ينظر لها ما بين تعجب وذعر ونفور من تلك المجنونة التي تركض بتلك الطريقة ... لمحت حياة ... رسل هناك علي مقعد متحرك يأخذونها إلي غرفتها ابتسمت كطفلة صغيرة ركضت صوبها تقاطع طريقها ترتمي عليها تعانقها شهقت بكاء عنيفة خرجت من بين شفتيها تصيح بحرقة:
- رُسل أنتِ كويسة أنتِ عايشة أنا آسفة والله أنا آسفة ما كنش أعرفه أن حقيقة وليد هتعمل فيكِ كدة
اضطربت حدقتي رُسل بعنف وومضات سريعة متتالية لا تعرف ما هي تقتحم عقلها دفعت حياة بعيدا عنها تشعر بألم بشع اخترق رأسها فجاءة رفعت يديها تضعها علي رأسها تصرخ من الألم ... هرع بيجاد إليها يحملها عن المقعد إلي غرفتها والطبيب خلفه ... في حين انهارت حياة أرضا تخفي وجهها بين كفيها تبكي وقف زياد علي بعد خطوتين منها يراقب حالتها البائسة بأعين تدمع ألما .... لم تجرؤ قدميه علي الاقتراب ... فاقترب آخر تقدم جبران منها جلس أمامها مباشرة مد يديه يزيح كفيها عن وجهها فارتعشت هي تنظر له مذعورة نظرت حولها تستنجد باحد لتجتد زياد يقف بالقرب منها في حين ابتسم جبران يصفعها علي ذراعها العاري بخفة يغمغم حانقا:
- خارجة من أوضتك ببلوزة نص كم ليه يا عفريتة العلبة
توسعت عيني حياة في دهشة تلك كلمة مراد التي كان يطلقها عليها ولكن ذلك الرجل لا يشبه صورة مراد التي تتذكرها ربما كبر وتغيرت ملامحه ولكنه لا يشبه زياد حتي .. نظرت له قلقة في حين نظر هو صوب زياد يحادثه ساخرا:
- بدل ما البيه واقف زي الصنم كدا ارميلي الجاكت اللي عليك
نزع زياد السترة سريعا يقذفها صوب جبران الذي وضعها علي ذراعي حياة يغلقه بالكامل لف ذراعه حول كتفيها لتنكمش قلقة قام يجذبها لتقف قدميها ترتعشان بعنف كادت أن تسقط ليسارع زياد اقترب منها يمسك بها بدلا من جبران حملها بين يديه ليبتسم جبران في سخرية يربت علي كتف زياد يغمغم متهكما:
- طب يلا يا حنين ... بقولك ايه أنا حاسس إن رجليا وجعاني ما تشيلني أنا كمان
ضحك زياد ساخرا في حين أخفت حياة وجهها بين كفيها جسدها يرتجف بعنف ... عاد بها زياد إلي غرفتها وضعها علي مقعدها ليدخل جبران قبض علي يد زياد يقربه منه يهمس له:
- تروح لوتر وتحاول تفهمها اني فعلا حبيتها وأنا هفضل هنا مع حياة لحد ما ترجع
ابتسم زياد في سخرية يهمس له متهكما:
- أنا بردوا اللي حنين دا أنت بقيت ارنوبي خالص
زفر جبران حانقا يعض علي شفتيه مغتاظا ليدفع زياد بعنف صوب باب الغرفة يصيح فيه:
- غور يا تور من هنا وعلي الله ما تعملش اللي قولتلك عليه اهو العيد قرب والعجول السنة دي مش كتير
أخذ زياد الباقي من كرامته وخرج من الغرفة ليتنهد جبران يبتسم برضا ينفض ثيابه التفت ناحية حياة التي تنظر له مترقبة في حذر جذب مقعد يجلس أمامها مد يده لها يغمغم مبتسما:
- مراد ظافر نور الدين الشهرة المعلم جبران رزق السواح لو اتلغبطتي من الأسامي دي كلها قولي يا حبيبي عادي
توسعت عيني حياة قلقا تنكمش علي نفسها تنظر ليده الممدودة لم تصافحه فأبعد هو يده تنهد يغمغم مترفقا:
- اهدي يا حياة أنا مش جاي ااذيكي بالعكس أنا جاي أعرف منك زياد رفض تماما إيه اللي وصلك لوليد وايه اللي حصلك أنا عايز أعرف ... أنتِ ممكن تكوني مش فكراني أو أنا مش شبه اللي أنتي فكراه بس والله أنا مراد ابن خالتك
وبدأ يذكر له عدة مواقف حدثت أيام طفولتها المشوشة بالنسبة لها تأكدت أنه هو وربما اقنعت نفسها أنه هو فانهمرت دموعها تغرق وجهها وجملة واحدة خرجت من بين شفتيها:
- أنا عايزة اموت يا مراد أرجوك
جملة واحدة ارجفته ... ماذا حل بحياة زياد الأحمق جل ما اخبره به أن وليد اختطفها قبل عدة أيام رهينة في وجود بيجاد ورسل ... وبيجاد أكد له أنها بخير تماما لم يصبها مكروه ... إذا لما كنت تصرخ وتركض في ممرات المشفي لما لا ترغب سوي في الموت ماذا حدث قام من مقعده نزل علي ركبتيه أمامها يمسك بكفيها تتفحص عينيه قسمات وجهها ابتلع لعابه يسألها مذعورا:
- ايه اللي جرالك يا حياة هو عمل فيكِ إيه
________________
وصلت سيارة الشرطة الي القسم التابع للحي العجيب في الأمر انها لم تجلس في الخلف كالمجرمين بل اجلسها علي المقعد المجاور له نزل من سيارة الشرطة توجه إلي أحد المكاتب تتحرك جواره مرغمة تحاول أن تواكب خطواته السريعة الواسعة والا سقطت أرضا ... دخل إلي الغرفة ليخرج مفتاح صغير يفتح الاصفاد يحرر يدها ويده توجه يجلس علي أحد المقاعد المجاورة للمكتب يضع ساقا فوق أخري ابتسم في عنجهية يغمغم ساخرا:
- اقعدي يا آنسة أمل واقفة ليه دا احنا لسه ليلتنا طويلة
اضطربت حدقتي أمل قلقا حسن مجنون وعنيد وهي تعرف ذلك مشت أمامه بثبات حتي لا يشمت بها توجهت إلي المقعد المقابل له تجلس هناك ابتسمت تردف ببساطة:
- يا باشا أنا ما كنتش أعرف أن الرخص منتهية وبعدين دول هما 48 ساعة أول عن آخر والأكل بتاعنا نضيف وأنت نفسك يا اما جربت منه يا باشا
لم ينتبه إلي كلمة واحدة مما قالت أمل وهي تتحدث دائما تحرك يديها وقعت عينيه عري خاتم خطبتها وهو يلمع في اصبعها ثبتت مقلتيه عليه وهو يتحرك مع حركة يديها لاحظت أمل نظرته الغاضبة للخاتم في يدها لتبتسم داخلها سعيدة في حين حافظت علي هدوء ملامحها دون تعبير واضح خارجيا غير الهدوء فقط الهدوء كور حسن قبضته يمنع نفسه بصعوبة من أن يمسك بيدها ينزع ذلك الطوق من أصبعها يدهسه بحذائه ... رسم ابتسامة صفراء رغما عنه علي شفتيه همهم يردف ساخرا:
- من ناحية مجرب فأنا مجرب ...ساندويتشات زي الفل ... قوليلي صحيح عاملة ايه مع خطيبك حددتوا الفرح أمتي ... ولا لسه
ابتلعت لعابها مرتبكة تحاول إخفاء يدها اليمني عن عينيه خوفا منه اضطربت فيروز عينيها لا تجد ما تقوله فرسمت ابتسامة بسيطة علي شفتيها تهمس متوترة:
- الحمد لله كويسين ... يعني لو حضرتك هتعمل محضر أو حاجة عشان بس ما اتأخرش
قام من مكانه فجاءة يلتف حول نفسه في الغرفة يشعر بالغضب فجاءة منها ومن نفسه لأنه يشعر أنها خائفة منه ... ومن ذلك الإيهاب الذي اقتحم حياتهم يقف سدا بينه وبينها ... كاد أن يقول شيئا حين دق الباب سمح للطارق بالدخول ليهرع إيهاب إلي الغرفة يوجه حديثه لأمل مذعورا:
- أمل أنتِ كويسة حصل ايه .. حصل ايه يا حسن باشا
لم يتفاجأ إيهاب بكون حسن هو الضابط فوالدة أمل هرعت إليه تستنجد به تخبره أن حسن تحول فجاءة إلي ضابط شرطة والقي القبض علي ابنتها ... في حين ابتسم حسن في سخرية يردف ضاحكا:
- اهدا يا دك مش كدة ... دا أنت بتحب خطيبتك جداا ... علي العموم كان سوء تفاهم واتمني المرة الجاية اللي اجي اشوف فيها التراخيص مالقيهاش منتهية ...
ابتسم إيهاب يشكر حسن ممتنا أمسك بيد أمل لتنفجر الدماء تفور غضبا في عروق حسن ينظر ليده التي امسكت يدها تنفس بعنف تتسارع أنفاسه ما أن وصل إيهاب إلي باب الغرفة فتح الباب قبل أن تخرج أمل من الغرفة نادي حسن باسمها غاضبا:
- أمل
التفتت له تنظر له قلقة مرتبكة ليردف هو محتدا:
- أنتِ مراتي أنا لسه ما طلقتكيش رسمي ... لسه في شهر في عدتك .... أنا رديتك لعصمتي يا أمل !!
_______________
من هنا لهناك تحديدا في غرفة وتر تعطل زياد قليلا في طريقه مع طبيب حياة يحاول أن يطمئن منه علي حالتها أخبره الطبيب أن صراخها مؤشر جيد فالتخلص من الآثار السلبية أفضل بكثير من احتجازها داخل النفس ... أكمل طريقه لغرفة وتر دق بابها دقيقة كاملة انتظرها إلي أن سمع صوتها تأذن له بالدخول فدخل رآها تنظر من الشرفة إلي الخارج ليقطب جبينه متعجبا هل منظر الحديقة رائع لتلك الدرجة جميعهن ينظرن إلي الحديقة ؟!! ... ابتلع لعابه مرتبكا يهمس باسمها:
- وتر
قبل أن يأتي بحرف آخر التفتت له رأي كيف ابتسمت ساخرة تنظر له من أعلي لأسفل متهكمة كتفت ذراعيها أمام صدرها تردف:
- أهلا زياد باشا الفنان حقيقي أنت ما ينفعش تبقي ظابط شرطة لاء أنت لازم تبقي ممثل وممثل شاطر تاخد الأوسكار قد ايه كنت مغفلة كنت بتصل استنجد بيك منه عشان تظهر المفاجأة في آخر الفيلم أنه أخوك طبعا كنت بتاخده القسم تعزمه علي العشا
زفر زياد حانقا مراد كان محقا وتر لديها لسان حاد يدفعه للجنون حاول أن يبدو هادئا ليردف:
- دي اوامر يا وتر خطة عشان نقبض علي شبكة من أكبر شبكات المخدرات في مصر والحمد لله نجحنا في دا
ضحكت عاليا اقتربت منه تردف ساخرا:
- وما قبضتش علي أخوك معاهم ليه يا حضرة مش هو كمان من ضمن الشبكة دي
رفع زياد يده يمسح وجهه بكف يده أعصابه تلفت تماما يكفي ما يجري لحياة زفر يردف حانقا:
- لاء مش معاهم لولا جبران ما كناش وصلنا ليهم ولا بعد 100 سنة ... وتر ممكن تسمعيني وتبطلي كلامك دا ... جبران بيحبك والله بيحبك اوي
ضحكت من جديد تلك المرة بشكل أعلي أكثر سخرية دون أن تشعر تجمعت الدموع في مقلتيها حركت يديها تصيح فيه بحرقة:
- بيحبني ... هو بقي اللي باعتك تقول كدة وعايزني اصدقه طب ما أنت قولت قبل كدة أنك بتحبني المفروض ايه بتحب مرات أخوك
احتدمت أعين زياد غضبا كم أراد أن يصفعها علي فمها لتتوقف عما ولكنه لم يفعلها قط بالإضافة إلي أن مراد سيقطع يده أن فكر في فعل ذلك ... زفر حانقا يشد علي قبضته يغمغم:
- أنا ما انكرش إني فعلا أعجبت بيكِ بس لما عرفت أن جبران بيحبك شيلت الفكرة من دماغي تماما دا اخويا وأنا ما اقدرش اخسره
ابتسمت في سخرية تقدمت صوبه خطوتين إلي أن صارت أمامه مباشرة تردف متهكمة:
- قد ايه أنت أخ طيب وحنين بيحب أخوه وممكن يضحي بحبه عشانه يا تري بقي يا سيادة الظابط أخوك ممكن يضحي بأي حاجة عشانك ...
ابتسم زياد في هدوء يومأ برأسه بالإيجاب يغمغم في هدوء:
- ما تتحسبش كدة يا وتر ... أنا جاي اقولك حاجة واحدة مراد بيحبك وبيحبك أوي كمان كان يقدر يستغلك بأكتر من شكل بس دايما كان بيقول وتر مالهاش ذنب وتر لازم تفضل بعيد ... كان مرعوب من اللحظة اللي هتعرفي فيها الحقيقة حاولي تديله فرصة واحدة
أشاحت بوجهها تبتسم في ألم أدمعت عينيها تنفي برأسها كسر تلك اللحظة اقتحام أحد العساكر الغرفة يلهث بعنف يصيح مفزوعا:
- الحقنا يا زياد باشا مصيبة
ركض العسكري من جديد ليركض زياد خلفه ولم تستطع وتر أن تقاوم فضولها فتحركت خلفهم مسرعة ...
قبل قليل في غرفة حياة وقف جبران عن الأرض تتسارع أنفاسه غضبا عينيه علي وشك أن تنزف الدماء ... حدقتيه حمراء ملتهبة عروق جسده تصرخ قلبه يلكم صدره ونيران تتفجر في عقله ... لم تكن بخير أبدا خدعوه أخيه وبيجاد خدعوه والجاني وليد ... وليد اغتصبها عذبها كاد أن يقتلها ما سمعها منه يفوق إدراك عقله لمحها بطرف عينيه وهي تبكي تنتفض خوفا ... وهنا فقد زمام السيطرة علي نفسه توجه ناحيتها قبض علي رسغ يدها يجذبها معه للخارج يأكل الخطي صوب غرفة وليد حاول العسكري منه من الدخول فدفعه بعيدا دفع الباب دخل ليري وليد كما تركه مقيد بأحد الاصفاد .... شعر بكف حياة ينتفض في يده ما أن رأته ليترك يدها اندفع صوب وليد قبض علي عنقه بيسراه يكيل له باللكمات يسبه بأبشع ما يعرف من سباب يصرخ فيه أنه سيقتله:
- أنا هقتلك ... هموتك هدفعك تمن اللي عملته فيها غالي يا وليد
قبض بكفيه علي عنق وليد يضغط بعنف لتجحظ عيني وليد أنفاسه تختنق روحه وكأنها تنتزع منه يشعر بالموت يقترب ... يحاول بإستماته دفع يد جبران عنه في تلك اللحظة اندفع زياد الي الغرفة قبض علي ذراعي جبران يجذبه بعنف عن وليد إلي أن استطاع إبعاده عنه أخيرا شهق وليد يتنفس بعنف يسعل بقوة كان بينه وبين الموت شعرة واحدة .... وقف زياد حاجز بينه وبين جبران يصرخ في اخيه:
- أنت اتجننت جاي تموته عايز تودي نفسه في ستين داهية
قبض جبران علي تلابيب ثياب زياد يصرخ فيه:
- كنت عارف هو عمل اييه في حياة كنت عارف ... كان المفروض أنت اللي تموته .. مش هسيبه ورحمة أبويا لهقتله
دفع زياد يدي جبران عنه يصرخ فيه:
- وأنت فكرك إني مش نفسي اطلع روحه في ايدي اوريله ألوان العذاب علي اللي عمله فيها بس دي اوامر ما اقدرش لازم يتحاكم ... في قانون اخد حقها وحق البلد بيه
ضحك جبران في سخرية دون رد التفت ليغادر ليجد وتر تقف عند باب الغرفة تنظر له ساخرة يبدو أنها فهمت لما هو غاضب فاقتربت منه اخفضت صوتها تهمس:
- دوق من نفس الوجع يا مراد ورحلت تركته وغادرت إلي غرفتها وقف جبران مكانه ينظر لحياة التي تنكمش علي نفسها تبكي خوفا تنظر لوليد كارهة خائفة اقترب منها لتختبئ بين أحضانه مسح علي رأسها بخفة يأخذها للخارج لينظر زياد في أثره يتذكر جملة وتر في تلك اللحظة ولا يعلم لما ( تري بقي يا سيادة الظابط أخوك ممكن يضحي بأي حاجة عشانك )
منذ أن عاد مراد لمصر وهو يفعل كل ما في وسعه من أجله والعكس ليس بصحيح إطلاقا ... التفت ينظر لوليد يهمس له متوعدا:
- صدقني نهايتك قربت ... قربت أوي
ابتسم وليد ساخرا يومأ برأسه بالإيجاب بلامبالاة
________________
أما في غرفة رُسل يجلس بيجاد جوارها يمسك بكفيها ها هي تستيقظ من اغمائتها اخيرا ... نظر لها مترقبا قلقا يقف الطبيب جواره لحظات وبدأت تستفيق فتحت عينيها تنظر ناحيتهم لتقطب جبينها تصرخ مذعورة:
- أنا ... أنا ... أنا مش شايفة
انتفض بيجاد علي أثر ما قالت قلبه كاد أن يتوقف في حين جعدت هي ما بين حاجبيها تردف متعجبة:
- لاء شايفة ... أنا أول ما فتحت عينيا الدنيا كانت ضلمة وبعد كدة نورت تاني أنا مش فاهمة حاجة ... ومين البنت اللي كانت بتصرخ وجت عندي دي
ابتسم الطبيب في هدوء يردف ببساطة:
- دي مريضة من قسم الطب النفسي حالتها صعبة شوية أنتِ الحمد لله بخير .... أستاذ بيجاد معايا ثواني
تحرك بيجاد مع الطبيب عند باب الغرفة من الداخل وقفا ليهمس الطبيب قلقا:
- لازم تعرض رُسل في أسرع وقت علي دكتور نفسي العمي اللحظي اللي حصلها دا اسمه عمي نفسي بيبقي نتيجة ضغط نفسي شديد لازم نلحق الوضع قبل ما يتدهور اكتر ربنا معاك
واستأذن وغادر ... ليبلع بيجاد لعابه قلقا يتمني أن يكن الطبيب مخطئا سيفعل ما قال سريعا ...
توجه ناحية رُسل يحاول أن يبتسم اقترب من فراشها يغمغم في مرح:
- حمد لله علي السلامة وبعدين بقي أنت كل شوية يغمي عليكِ هتجبيلي القلب يا بنتي وأنا راجل صاحب مرض
ضحكت رُسل خجلة تزيح خصلاتهت خلف شعرها نظرت له تسأله مبتسمة:
- هو أنت مين صحيح
عدل من وضع تلابيب ثيابه خمخم يغمغم متفاخرا:
- احم أنا حرمك المصون قصدي أنتِ حرمي المصون أنا جوزك
توسعت عيني رُسل في دهشة تنظر لبيجاد مصعوقة لينتفض الأخير يردف سريعا:
- اوعي يغمي عليكِ ... بصي احنا نبدأها من أب أنتي رسل وأنا بيجاد ابن عمك بنحب بعض أوي
ضحكت رُسل بخفة علي طريقة بيجاد الظريفة ربما من الافضل أن تطل رُسل علي الدنيا بذاكرة جديدة فما فات كان حقا أبشع من أن تظل تتذكره
____________
علي صعيد بعيد في عمارة سكنية في منطقة شبه راقية أمام شقة في الطابق الثالث وقف حسن يمسك بيد أمل التي تقف مرغمة بعد أن قال ما قال أمسك بيدها دون كلام يجذبها معه إلي أقرب سيارة أجرة شئ ما بداخلها كان سعيدا بما يفعل بأنه لم يحتمل أن تبتعد عنه فتح حسن باب المنزل دخل معها يُضئ الإنارة لتتسع عينيها في ذهول المنزل من الداخل وكأن إعصار قد ضربه فغرت فمها تنظر حولها مدهوشة في حين اشار هو للمنزل أمامها يغمغم:
- دا عش الزوجية بس هو مجهد شوية علي العموم الاوض شبه نضيفة اختاري اللي يعجبك منها وأنا هنزل اجيب شوية طلبات وأجيب حد ينضف المكان عن اذنك خدي راحتك
التفت ليغادر متعجبا لما لم تثور أمل علي ما فعل ما أن خرج ابتسمت هي تلتف حول نفسها سعيدة تغمغم فرحة:
- حسن يا أبو علي يا خفيف الدم .... لسه بيحبني دا أنا هوريك النجوم في عز الضهر استني عليا يا ابو علي
________
في مكان بعيد ... بعيد للغاية في منطقة مهجورة بعيدة جرت عينيه بين الأسطر في تلك الغرفة القديمة المعتمة لا ضوء حوله سوي ضوء الشموع التي انارها هو يقف في منتصف دائرة رسمها بالكبريت الأحمر حمحم مرتبكا ارتعشت نبرة صوته في البداية وهو يهمس بتلك الأحرف المبعثرة أمامه قبل أن ينطق الطلسم الماثل أمامه:
- أقسمت علي خدام تلك الأوراق حراس الكتاب جنود العهد أن يحضروا ... أقسمت علي خدام تلك الأوراق حراس الكتاب أن يحضروا بحق تلك الأحرف وما بين أسرارها بحق الملك ***** ملك الجان أن تحضروا أحضروا ولكم مني السمع والطاعة ولي منكم العهد والولاء
فعل كما قيل له تماما ولم يحدث شئ نظر حوله ينتظر أن تنطفئ الشموع تهتز الأرض يحدث أي شئ كما يحدث في أفلام الرعب لا شئ ... في لحظات اشتعلت النيران تحاوطه من كل مكان توسعت حدقتيه ليس خوفا بقدر ما هو ترقبا وذهولا وانتظارا راقب النيران التي تلتف تأكل حلقة الكبريت ينتظر إلي أن نبض قلبه يهدر بعنف حين تجسد من بين النيران ضباب أسود كثيف يأخذ شكل ضخم يأخذ شكل رجل طويل القامة عريض الجسد لا ملامح له فقط ضباب أسود وأعين كالجمر مشتعلة وصوت خبيث بدأ يتسلل لعقله:
- اهلا بابن آدم ... لك منا العهد والولاء ولنا منك السمع والطاعة
ابتسم هو في ثياب يضع الكتاب جواره أرضا يغمغم دون خوف:
- ايه اللي حصل
ابتسم الظل الواقف قبل أن تعلو ضحكاته تجلجل في المكان يغمغم في سخرية:
- أتعرف يا ابن آدم دوما ما يُقال أننا السبب في الفساد نحن من نعثو في الأرض فسادا من نبث الشر في النفوس من نفرق بين المرء وزوجه دوما نحن من نتهم علي ما أنفسكم من شر وحقد يشعل النيران الخامدة ... أنتم من أصبحتم تلهبون نيران الشر بنفوسكم السوداء ... أنت من تأمرون بالشر لأي مدى وصل سواد نفوسكم ... عُقبنا قبل سنوات طوال لأننا أفسدنا في الأرض ... وأنتم ماذا تفعلون نحن تلقينا العقاب والعاقبة لكم
ابتسم الواقف في سخرية يدس يديه في جيبي سرواله يغمغم:
- دا ايه الحكمة دي كلها ... ماشي المهم الخطوة الجاية سيف مات ولا لسه ؟!!!!
رواية جبران العشق الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم دينا جمال
هدأت حياة ونامت بعد ساعات. كلما يتذكر ما حدث لها، يلهبه قلبه ليذهب ويمزق جسد وليد. ولكن شقيقه الأحمق زاد الحراسة اضعافا على غرفة وليد حتى لا يصل له قبل المحاكمة.
يجلس هو الآن على مقعد أمام غرفة، وتر يفصله عنها باب. على بعد خطوات منه، يتذكر جملتها التي لا تزال تدوي في أذنيه: "تدوق من نفس الوجع يا مراد". ألتلك الدرجة باتت تكرهه؟ ألم تخبره أنها لن تتركه؟ بأنها تحبه؟ لما لا تتجوز فقط وتبقى مع جبران الذي عشقت وعشقها هو؟
تنهد بحرقة، يتذكر ما حدث قبل ظهور روزا بعدة أيام.
***
في إيطاليا، في القصر الخاص بهم، على إحدى الأرائك يجلس كل من مراد وبيجاد يلعبون ألعاب البلاي ستيشن. أصوات صياحهم في حماس تملأ المكان. قاطع تلك الصرخات صوت باب القصر وهو يفتح. نظرا للداخل، لترتسم ابتسامة كبيرة على شفتي كل منهم.
قام مراد يعانق صديقه، يغمغم ضاحكاً:
"حمد لله على سلامتك يا عم وليد. ها طمني، الفرح تم؟ ما شوفتش صور نازلة خالص."
زفر وليد حانقاً ليبتعد عن مراد. ارتمى بجسده إلى الأريكة. التقط زجاجة النبيذ الموضوعة على الطاولة، يلقي غطائها بعنف بعيداً. رفع الزجاجة إلى فمه، يتجرع نصفها على جرعة واحدة.
نظر بيجاد لمراد. كل منهم لا يفهم ما سر غضب وليد. اقترب مراد، جلس جواره يسأله:
"مالك يا ابني عامل كدة ليه؟ هي العروسة دبحتلك القطة ولا إيه؟"
رفع وليد الزجاجة إلى فمه من جديد، يرتشف الكثير. أبعدها، يمسح فمه بعنف. ألقى الزجاجة بعيداً لتتهشم بعنف. وقف يصيح غاضباً:
"بقي حتة بت زي دي تهزقني أنا... جت قدام المعازيم والمأذون والكل وتقولي لاء، أنا مش موافقة، مش هتجوزك!"
توسعت حدقتي بيجاد في ذهول، في حين لم يستطع مراد السيطرة على سيل ضحكاته. انفجر يضحك ساخراً. صدم وليد على كتفه، يغمغم ضاحكاً:
"يا نهار أبيض على الكسفة اللي أنت فيها يا حازم. حازم دا أنت اتعلم عليك حتة تعليمية."
في تلك اللحظة، دلف كل من مجدي وسفيان ليتوقف مراد عن الضحك. يراقب ما يحدث. جلس سفيان مقابلاً لوليد، يغمغم محتداً:
"أنت عارف من الأول أني ضغطت عليها عشان توافق، وما كنتش متخيل أنها هتعمل اللي عملته ده في الفرح."
هنا تحدث مجدي يوجه حديثه لسفيان غاضباً:
"اللي عملته بنتك دا إهانة لينا كلنا يا سفيان. لولا إننا سكتنا الصحافة كان زمنا اتفضحنا في كل حتة."
تحركت عيني مراد يراقب رد فعل سفيان الذي بدا غاضباً للغاية. زفر، يغمغم محتداً:
"أعمل إيه يعني؟ كنت فاكر أنها سمعت كلامي لما قولتلها إني هخليها تشوف والدتها لو وافقت على جوازها من ابنك. ما كنتش أعرف أنها هتعمل كدة. وتر عاملة زيي، ذكية، بتعرف تضرب إمتى... لازم شوكتها تتكسر قبل ما تتمرد عليا أكتر من كدة. واهو يبقى عقاب على اللي هببته. بس لازم أفضل أنا بعيد عن الصورة."
هنا تحدث مجدي حانقاً:
"أيوه يعني نعمل إيه بردوا؟"
حمحم مراد يتدخل في الحديث يسأل سفيان:
"هي في كلية علم نفس مش كدة؟ وليد كان قالي أنها في سنة أولى على ما أعتقد."
همهم سفيان يحرك رأسه بالإيجاب. ليردف مراد من جديد:
"طب يا جماعة، ما هي لسه صغيرة جداً. ودا طيش شباب مش أكتر. لما تكبر شوية، أكيد الموضوع هيتغير."
نفى سفيان برأسه بعنف، يغمغم ساخراً:
"وتر زيها زيي مش هتهدى. هتزيد عناد وقوة وفضول. أنا واثق إن كلها سنة ولا اتنين مش هتهدى غير لما تعرف حقيقة شغلي. هي من دلوقتي دايماً بتسأل عليه. لازم ألاقي لها حل."
لا يعرف لما، ولكن شيطان نفسه كان حاضراً وبقوة بفعل شياطين الإنس التي حضرت حوله، فنطق ما سيندم عليه دهراً قادماً:
"خلاص سهلة. اكسروا شوكتها، شوهوا عنجهيتها، وهي هتبقى تحت إيديكوا غصب عنها... خلوا مريض نفسي من اللي هي بتعالجهم يحاول يعتدي عليها. ويا سلام لو يسيب لها علامة تفتكر الحادثة دي كل ما تشوفها، وهي شوكتها هتتكسر... بس بردوا حاولوا تخلوا دا آخر حل، دي بنتك بردوا، وأكيد مش هترضي إنها تتعذب العذاب دا كله."
***
عاد من ذكراه. أخفى وجهه بين كفيه يبكي. يا ليته لم يقل تلك الكلمات يوماً. ها هي تعاني الأمرين بسببه. ها هو قد خسرها.
قام يمسح دموعه. توجه إلى غرفتها. فتح بابها بخفة، يبحث عنها. ليراها تجلس على أريكة بعيدة، ترفع ساقيها تضمهم لصدرها، تحاوطهم بذراعيها، تستند إلى ذراع الأريكة السميك. تغمض عينيها.
دخل بهدوء، يغلق الباب برفق. يتحرك بخفة إلى أن وصل إليها. جلس جواره. فتحت عينيها حين شعرت بأن هناك من يجلس جوارها. أشاحت بوجهها بعيداً عنه حين أبصرته.
مد يده يزيح خصلات شعرها من فوق غرتها، يهمس لها قلقاً:
"أنتِ بتكرهيني يا وتر؟"
لم تنظر ناحيته، فقط حركت رأسها بالإيجاب.
ارتعشت نبرته يسألها من جديد:
"بتكرهي مين؟ مراد ولا جبران؟"
هنا التفتت إليه، ابتسمت في سخرية تردف متهكمة:
"وهي تفرق؟"
حرك رأسه بالإيجاب سريعاً. أحاط وجهها بين كفيه، ينظر لعيها، يهمس:
"طبعاً. مراد دا كان عيل تافه وفاشل، فرحان بذكائه. شيطان ضيع نفسه بغبائه. إنما جبران لأ... جبران بيحبك أوي يا بنت الذوات. صدقيني يا وتر، أنا من أول مرة شوفتك فيها لما جيتي الحارة، وأنا بدعي ربنا إنهم ما يكونوش عملوا فيكِ حاجة. قلبي دق ليكِ وكأنه كان مستنيكِ بس تيجي. لسه فاكر كل موقف جمعنا سوا في الحارة يا وتر... انسي مراد، واعرفي إن جبران بيحبك أوي. اعتبري مراد مات."
تعلق عينيها به، تحاول ألا تبكي. تنظر لوجهه. يمر أمام عينيها شريط سريع منذ رأته أول مرة في الحي حين اصطدمت به، مروراً بكل مرة ارتمت فيها بين ذراعيه، مشاكساته، غضبها منه، مواقفه المضحكة، كلمة "بنت الذوات" التي لا يتوقف عن قولها لها...
أبعدت وجهها عنه، وقفت أمامه. ضحكت في سخرية تردف:
"لأ، حقيقي. برافو. تصدق، كنت هصدقك. أنت وأخوك تستاهلوا الأوسكار، حقيقي... قولي يا جبران، لو أنا سامحتك ورجعنا وخلفنا ابننا ولا بنتنا، هيبقي اسم الأب إيه؟ مراد ولا جبران؟ البطاقة اللي معاك اسمك فيها إيه؟ مراد ولا جبران... أنت ومراد واحد. مراد اللي دمر حياتي، اللي بسببه عشت أسوأ لحظات عمري، لحظات عمري ما نسيتها. أنا بسببك اتدمرت شهور وأنا بتعالج عشان بس أعرف أتعايش."
لم تكبح دموعها حين وصلت لتلك النقطة. انهمرت دموع عينيها. فوقف سريعاً رافضاً رفضها له، لن يخسرها ببساطة. دس يده في جيب سرواله، يخرج مديته. فتحها، يعطيها لها. نزع قميصه، وقف أمامها عاري الصدر. لا حيلة له، لا يجد ما يفعله لتغفر خطئه.
وقف أمامها يصيح منفعلاً:
"أنا ما أقدرش أرجع اللي فات، ويا ريتني أقدر. بس اللي أنا واثق منه، إنهم كانوا هيلاقوا بدل الطريقة ألف عشان يأذوكي بيها، ويمكن أبشع. سفيان دا مريض مش طبيعي. عمره ما حبك. معاملته الحنينة ليكِ كانت ستار. أنتِ كنتي بالنسبة ليه كارت هيبيعه للي هيدفع أكتر. أنتي عارفة مجدي كان هيدفعله مهر 50 مليون لو الجوازة تمت. عشان كدة كان هيتجنن لما رفضتي قدام الكل واحرجتيهم... الست فتحية ما كذبتش في حرف واحد من اللي قالته، وهي مش مجنونة زي ما هو قال. أبوكِ كان بيتحرش حتى برُسل بنت مجدي صاحبه. ما تفهميش بقي هو بيدوفيلي ولا إيه نظامه. قال أكتر مما يجب أن تعرف."
رمت المادية من يدها، تضع يديها على أذنيها، تحرك رأسها بالنفي بعنف، تصرخ فيه تبكي بحرقة:
"بسسس! كفاية! مش عايزة أسمع حاجة! كفاااية!"
هرول يحتضنها. صرخت تحاول إبعاده. خدشت كتفيه بأظافراها، تحاول دفعه بعيداً دون فائدة. دس رأسها داخل صدره، يسب نفسه. كان يحاول الدفاع عن نفسه، فدمر ثقتها بأبيها تماماً، وهي في حالتها النفسية الشبه مدمرة تلك. انهارت مقاومتها، تشعر محتجزة داخل غرفة من ألواح الزجاج. انفجر الجميع مرة واحدة، لينغرز فيها دون رحمة، ليمزقها دون رحمة.
ابتعد جبران عنها قليلاً، يمسك بذراعيها. ابتلع لعابه الجاف، يهمس نادماً:
"أنا غبي. ما كانش ينفع أقول اللي قولته دا. أنا آسف. أنا بس كنت عايزك تسامحيني بأي شكل. الكلام اللي أنا قولته دا مش حقيقي. باباكِ بيحبك أوي، أوي."
ابتسمت ساخرة. يظن أنها حمقاء ستصدق ما يقول الآن. لم يعد لشئ معنى الآن. تشعر بأن قلبها بات فارغاً من أي شعور نحوه. ربما باتت تكرهه.
انحنى هو يلتقط المادية، مد يده لها به، يغمغم يائساً:
"صدقيني، أنا مش عارف أعمل إيه عشان تسامحيني. بس أنا قدامك أهو. اعملي فيا نفس اللي حصلك بسببي. خدي حقك مني."
ابتسمت في سخرية. مدت يدها، التقطت المادية، تقبض عليها بعنف. اقتربت منه، تضع نصل المادية على عنقه، تغمغم ساخرة:
"تعرف إن أنا لو قتلتك دلوقتي، ماخدش فيك ساعة سجن. أنا مدمنة وفي حالة هياج عصبي. قتلتك."
ابتسم، ينظر لها، يومئ برأسه موافقاً. مد رأسه ناحيتها، يهمس لها بصوت خفيض عميق:
"وأنتِ عايزة تقتليني يا بنت الذوات؟"
ارتكبت. تنظر له محتدة، لتحرك نصل المادية ببعض الحدة أسفل ذقنه لتسبب له جرحاً طولياً سطحياً. ابتسم في حين اهتزت حدقتاها قلقاً حين رأت الدماء تنساب من جرحه. حاولت أن تبدو ثابتة. أغلقت المادية، أمسكت كف يده، تضعها فيه، تغمغم في حدة:
"أنا مش زيك. أنت تقدر تأذي. أنا لأ... أمشي يا مراد، أنا تعبانة، عايزة أخلص من السم دا بقي عشان أبعد عنك نهائياً."
التقط قميصه، يرتديه. اقترب منها إلى أن صار خلفها، فضمها. ظهرها إليه. تململت بين يديه محتدة، تحاول إبعاده، تهمس له حانقة:
"أنت بتكلبش فيا كدة ليييه؟ وأنت شبه الحيطة، أنا ما بعرفش أزقك."
ضحك عالياً، يدس رأسه بين خصلات شعره، يهمس لها بشغف عاشق مشتاق:
"وحشتيني يا وتر. وحشني حضنك. وحشني بنت الذوات اللي ما بتبطلش شقاوة ودلع. يوم الحفلة حضتنيني وقولتيلي أنا عمري ما هبعد عنك يا جبران. أنا عمري ما كسرت وعد. وعدته ليكِ وأنتِ وعدك الوحيد بتكسريه أهو... والله بحبك. أنا ماليش غيرك في الدنيا. بالله عليكِ سامحيني بقي."
سكنت للحظات، تستمع إلى ما يقول. تتغلل كلماته داخل كيانها بالكامل. صمت أعقبه ابتعادها عنه فجأة. وقفت أمامه، تكتف ذراعيها أمام صدرها، تغمغم ساخرة:
"أعتقد أنك حبيت كارمن أكتر مني أضعاف. وفسحتها في إيطاليا، وودتها مطاعم كبيرة. وأنا أول يوم شوفتك فيه كنت عايز تخليني أنضف كرشة مع الستات. هي كنت بتخاف عليها من الهوا الطاير، وأنا بترمي في الوحل. مش كدة؟ هسألك سؤال وعايزة إجابته بصراحة. لما شوفت كارمن تاني، لما جت الحارة على أنها صفا، حسيت ناحيتها بإيه؟ بحاجة؟"
أومأ لها بالإيجاب. لتتسع عينيها غضباً. في حين اقترب هو منها خطوة واحدة، يكمل حانقاً:
"حسيت بالغيظ والكره. كان نفسي أخنقها، أطلع روحها في إيدي... وفي نفس الوقت كنت خايف، خايف الحية دي تأذيكِ وأنا مش موجود. غبية. كانت بتحاول بكل الطرق تغريني، ما تعرفش إني فاهمها كويس أوي... تعرفي لما شوفتها تاني حسيت إني مغفل إزاي حبيت شيطانة زي دي في يوم... يوم ظهور كارمن في الحارة، وقتها بس اتأكدت بجد إني حبيتك أوي."
شعرت بالحيرة. كلما انتفض قلبها يطلب بالسماح. تتذكر العذاب الذي عاشته لحظة بلحظة. تحركت قدميها تأخذها إلى الفراش. جلست على فراشها تتذكر مشهداً قريباً:
"شعرت بجسدها يحط على صدره العريض ويديه تطوقها. رأسه فوق رأسها يثبتها داخل أحضانه. لا تصدق أنها بين ذراعيه. يحتضنها. لم ينفر منها. يديه تمسح على ظهرها وكأنه يعتذر لها عن بشاعة ما لاقت. بكت بحرقة، تغرق وجهها داخل صدره. علا صوت بكائها، تتابعت شهقاتها. لتسمع صوت يخبرها مترفقاً: 'اصرخي يا وتر، طلعي النار اللي في قلبك جوا حضني، اصرخي'."
وفعلت. تمسكت، تصرخ بحرقة. ومشاهد ما حدث تُعاد أمام عينيها. أغمضت عينيها بعنف، تصرخ داخل صدره. صرخات يمتصها جسده لتهشم روحه. يشد بذراعيه على جسدها حتى هدأت شيئاً فشئ. بدأت صرخاتها تخبو وصوت بكائها يخف.
رفعت عينيها تنظر له. ابتسمت ساخرة، تسأله:
"قولي يا مراد، وأنت بتاخدني في حضنك وبتطبطب عليا لما حكيتلك على اللي حصلي، ما حستش بالذنب ناحيتي؟ أنك دمرت حياة واحدة ما تعرفهاش عشان بس تثبت لهم أنك ذكي وعندك عقل خارق؟"
جلس جوارها على الفراش، يتحاشى النظر لعينيها. ابتلع لعابه، يهمس نادماً:
"حسيت إني أحقر إنسان خلقه ربنا. حسيت أن ربنا بيعاقبني بيكِ. مش أنت السبب في أذيتها. عيش معاها نفس العذاب. كنت بتكويني وأنا شايفك بتنهاري. صدقيني مهما وصفتلك بشاعة اللي كنت بحس بيه. كنت لما بشوف سفيان ببقى هموت وأقتله لأنه وافق أن يحصل فيكِ. وطال الصمت. لم تنطق بحرف بعد تلك المصارحة الطويلة وهو يجلس يترقب صمتها. يشعر بقدر ضخم من الوهن والضعف ورغبة ملحة في النوم. تثائب رغماً عنه."
لتنظر ناحيته محتدة، تغمغم في غيظ:
"أنت جاي هنا تنام؟"
ابتسم في عبث، عل قلبها يلين قليلاً. ارتمى برأسه على كتفها، تثائب، يغمغم ناعساً:
"والله يا بنت الذوات، أنتِ أصعب من كيميا تالتة ثانوي. وأنا أصلاً كنت أدبي. وكل معلوماتي عن محمد علي أن المماليك كانوا خانقينه. قام مجمعهم في القلعة وعمل معاهم الجلاشة. الله يرحمه كان راجل برنس."
ضمت شفتيها بعنف حتى لا تضحك على ما يقول. لتسمعه يردف عابثاً:
"سامعك وأنت بتضحكِ من جواكِ. بصي، أنا هنام ساعتين ونقوم نكمل خناق جامد جداً."
***
تأخر ربما. متمدداً، قضى ما يزيد عن ثلاث ساعات بالخارج. لما لا يعرف، ولكنه فقط لم يكن مستعداً للقادم. لا يعرف لما فعل ذلك. كان يريد إبعادها عن حياته بأي شكل كان. ولكن فكرة وجود ذلك الفتى جوارها جعلته يجن. صدم يده في المقود بعنف. لم يكن يريد أن يعيدها لعصمته هكذا فجأة دون موافقتها. لم يكن يريد أن يكرر خطأ الماضي من جديد. ولكن ما حدث قد حدث، وهو حقاً يشعر بالغضب منها ومن نفسه.
نزل من سيارته، فتح الصندوق الخلفي، يخرج حقيبة ثيابها. فتح الباب الخلفي، يلتقط عدة أكياس بلاستيكية للطعام. تحرك للداخل، يطلب من زوجة حارس العمارة أن تصعد معه لتساعد زوجته في تنظيف منزلهم. فوافقت الأخيرة مرحبة.
استقل معها المصعد إلى أن وصلا إلى الطابق. وضع حقيبة ثيابها أرضاً. أخرج المفتاح من جيب سرواله، فتح الباب. لتتسع عينه في دهشة. المكان يكاد يبرق حرفياً. نظر للسيدة جواره، يدس يده في جيب سرواله، أخرج بعض النقود، أعطاها لها، يغمغم مبتسماً:
"معلش يا أم علي، عطلتك. المدام شكلها قامت بالواجب. اتفضلي أنتِ."
رحلت السيدة تدعو له بصلاح الحال. في حين خطى هو للداخل، يغلق الباب خلفه بخفة. تحرك في أرجاء المكان متعجباً. لم يكن يظن أبداً أن أمل ستفعل ذلك. توجه إلى المطبخ، وضع الحقائب على الطاولة الصغيرة فيه. ليتحرك لغرفة النوم، فتح بابها، دخل يضع حقيبة ثيابها على الفراش. ليجدها تخرج من المرحاض، تلف شعرها بمنشفة، ترتدي فستان بيتي. كان ملك لوالدته. والده أراد التخلص من ثياب والدته، فأخذهم هو حتى يبقى لديه شيء بسيط من ذكراها.
نظرت أمل متفاجئة لحقيبة ثيابها التي تتوسط الفراش، تسأله مدهوشة:
"أنت جبت هدومي إزاي؟"
ابتسم في سخرية، يشيح بوجهه بعيداً بقدر الإمكان، يغمغم:
"روحت عندكوا البيت، وقولت للست سيدة إني رديتك. طبعاً انبسطت جداً لأن جوز بنتها دلوقتي ظابط مش حتة بلطجي، وجوز أمك قعد ساعة يوصيني عليكِ. بيحبك أوي عم صابر."
أومأت برأسها، تبتسم. ذلك الرجل هو أبوها الذي تعرف بحنانه وقلبه الطيب. عوضها عن أبيها التي لم تراه يوماً. نظرت له. حين حمحم، يشكرها:
"ما كانش في داعي إنك تتعبي نفسك. أنا كنت جايب معايا حد ينضفها كدة كدة. على العموم شكراً... أنا جبت أكل جاهز في المطبخ وكذا حاجة للتلاجة. لو عاوزتي حاجة قوليلي وأنا هجبها وأنا جاي من الشغل بكرة."
أومأت برأسها، تنفض المنشفة عن رأسها. تحرك خصلات شعرها الندية برفق، لتعلق عينه بها وهي تنظر للمرآة، تبتسم. تمسك بمشط صغير، تمشط خصلات شعرها. حمحم سريعاً، يشيح بوجهه. ذهب إلى دولاب ثيابه، يلتقط بعض الثياب له. اتجه إلى المرحاض. ابتسمت حين أغلق باب المرحاض. تلملم خصلات شعرها. توجهت للخارج إلى المطبخ، تفرغ محتويات الأكياس كاملة. وضعت الطعام على طاولة المطبخ، والباقي في المبرد. وقفت عند حوض الغسيل تغسل بعض الخضراوات. حين دخل هو إلى المطبخ، رآها تقف. ليتذكر ذلك المشهد الذي يحدث في جميع الأفلام، حين يقترب البطل من البطلة يحتضنها وهي منهمكة في تحضير الطعام. ابتسم ساخراً على تفكيره المراهق. حمحم يجذب انتباهها. توجه إلى الطاولة، جذب مقعد، يجلس. لتجلس أمامه. كل منهم يأكل في صمت. كل منهم يتهرب من الحديث مع الآخر بأي شكل كان.
إلى أن قررت أمل المبادرة. رفعت وجهها إليه:
"أنت ردتني ليه يا حسن؟ أنت مش قولتلي قبل كدة أن حكايتنا خلاص خلصت؟"
تجمّدت يديه التي تمسك بقطعة الدجاج، ليتركها مكانها قبل أن يضعها في فمه. لا يجد حقاً، لا يجد إجابة سوى أن يصرخ، يخبرها أنه لا يزال يحبها، ولكنه لن يفعل أبداً، على الأقل الآن.
تنهد، يحاول ألا يكون مرتبكاً:
"أنا شبعت. عن إذنك. أنا قايم أنام. أوضة النوم تحت أمرك. أنا هنام في الأوضة التانية."
وهكذا رحل دون أن يعطيها إجابة. لتتنهد، تبتسم في سخرية. قامت تضع الطعام في المبرد، توجهت إلى غرفة النوم، ترتمي على الفراش، تنظر لسقف الحجرة تفكر. حين وجدت هاتفها يدق برقم إيهاب. تجاهلته مرة بعد أخرى، ولكنه لم يتوقف. فتحت الخط ترد، لتسمعه يغمغم غاضباً:
"طبعاً اللي حصل دا بسطك جداً. حسن باشا الظابط ردك لعصمته. صدقيني هندمك أوي يا أمل. أنتِ والباشا بتاعك."
أغلق الخط دون كلمة أخرى، لتلقي الهاتف بعيداً. ذلك الأحمق لن يفعل شيئاً، أليس كذلك؟
***
قرب الثالثة فجراً، في ذلك المخزن المهجور. يجلس هو على مقعد ضخم فخم مبطن، يضع ساقاً فوق أخرى. يضجع بظهره إلى ظهر المقعد، يستند برأسه، يغمض عينيه.
فتحت هي الباب. اقتربت منه، تجلس على قدميه. فتح هو عينيه، يبتسم في سخرية. مد يده يداعب خصلاتها الشقراء. لتلمع عينيه الرمادية في سخرية، يغمغم:
"ليه هربتي من الحارة يا روزا؟ كان زمانك دلوقتي متجوزة ظابط. ما الواد اللي اسمه عمر دا طلع ظابط معاهم."
وضعت رأسها على صدره، تختبئ بين أحضانه، وكأنها طفلة صغيرة. تغمغم بنبرة مرتعشة:
"أنا ما أعرفش غيرك أنت. كل حاجة ليا في الدنيا من ساعة ما فتحت عينيّ على الدنيا."
ابتسم في سخرية. يبدو أنه أجاد كما يقال "غسيل مخ". تلك التي تختبئ بين أحضانه، حتى تردي عذابها، مصدر أمانها الوحيد. طوقها بذراعيه، يمسح على خصلات شعرها. ابتسم ساخراً، يغمغم:
"احكيلك حدوتة... من سنين كتير. مجدي التهامي عرف أن مراته خانته مع أخوه، فقتل أخوه وخلى الموضوع يبان حادثة. مجدي الله يجحمه مش سهل بردوا. مع أنه كان عارف إن سراج وشيرين بيحبوا بعض، بس خدها منه عشان هو كان بيكره أخوه أوي... المهم يا ستي، مجدي عرف أن شيرين حملت. وعشان ينتقم منها، سابها تكمل حملها وخدت البنت ورماها في دار أيتام. وقال لشيرين إنه قتلها عشان يحرق قلبها. مين بقي كان معاه في كل الخطوات دي؟ أنا!! لما ساب البنت، أنا روحت الملجأ ودفعت فلوس كتير وخدتها ودتها لملجأ تاني تبعي. لحد ما كبرت وبقي عندها عشر سنين، فروحت خدتها عشان اربيها في حضني عشان تكبر وتبقي الشيطانة الجميلة اللي نايمة جوا حضني دلوقتي. ماسكة فيا زي العيلة الصغيرة."
شهقت روزا مذعورة. رفعت رأسها عن صدره، قامت تبتعد عنه. تجمعت الدموع في مقلتيها. تحرك رأسها بالنفي، تغمغم مذعورة:
"يعني إيه؟ يعني أنت أبويا... إزاي؟ إزاي؟"
ضحك ذلك الجالس عالياً، يضع ساقاً فوق أخرى، يغمغم ساخراً:
"بابا مات. واللي قتله عمك اللي أنا قتلته في وسط ضرب النار. أنا بقي مين؟"
لا تفهم شيئاً. ذلك الذي أمامها هو سراج بوجهه الذي تعرفه. تعالت ضحكاته بعنف. نزع القناع الذي يغطي وجهه. لتشهق روزا بعنف، تنفي برأسها، تعود للخلف. فالمشهد أمامها كان أفزع مما تصورت. سفيان!! بأعين حمراء تماماً وكأنها جمر ملتهب!!
ضحك عالياً. ليغمض عينيه. فتحها من جديد، لتظهر عينيه العادية تماماً. ليضحك هو، يغمغم ساخراً:
"حلوة العدسات دي. بتطلعني عفريت!!"
رواية جبران العشق الفصل الخمسون 50 - بقلم دينا جمال
وقفت تنظر له مصعوقة، خائفة، مذهولة. كيف سفيان؟ سفيان هو الرجل الذي عاشت معه عمرًا منذ أن كانت طفلة. هو الرجل الذي انتهك براءتها، خدعها كل تلك السنوات، استخدمها كدمية بلهاء يحركها كما يريد. توسعت عينيها حين أدركت ما حدث، كيف كانت حمقاء لم تدرك وقتها.
«أنا هوريكي المقرف دا هيعمل فيكِ إيه.»
جرها بعنف إلى الداخل، إلى غرفة النوم. لم يبحث عنها حتى، كان يعرف طريق الغرفة وحده. دفعها إلى الفراش يلقيها كخرقة بالية. تخلصت يديه من سترته وقميصه بعنف.
اتسعت عينيها ذعرًا، ومشهد اغتصابها وهي ابنة السابعة عشر من المايسترو يعاد أمام عينيها. تجمدت مكانها مذعورة، في حين أصر هو على أن يلقنها ثمن كلمتها غاليًا، أن يعاملها بالوضع الذي ارتضت أن تكن فيه عاهرة. لم تصرخ، لم تقاومه، فقط تجمدت مذعورة كما تفعل دائمًا حين تكون بين أحضان المايسترو.
اتسعت عينيها ذعرًا، تهمس له بهلع وهو يرتدي قميصه:
«إزاي أنت هو إزاي؟»
التفت لها يغلق أزرار قميصه الأخيرة، يردف ضاحكًا:
«أنا مين يا روزا؟ سفيان الدالي واحد بس، ما ينفعش تشبيهيه بحد تاني.»
جملة المايسترو التي كان يقولها لها دوماً: «أنا المايسترو يا روزا، المايسترو واحد بس، ما ينفعش يبقي شبه حد تاني.»
صرخت، تبتعد بخطواتها للخلف، ترتجف، تنهمر دموعها خوفًا. تنفي برأسها ما يحدث أمامها الآن. تحشرجت الأحرف بين شفتيها، تهمس مذعورة:
«يعني إيه؟ يعني أنا كنت عايشة مع مين السنين دي كلها؟ مين خلاني مسخ؟ يعني بيجاد أخويا فعلًا؟ أخويا اللي اتفقت على موته؟ أنت اللي خلتني شيطانة؟ عملت كدة ليه؟ ليه؟»
ضحك سفيان عاليًا. ضحكت، دوت صداها في المكان بشكل غريب مخيف. اقترب بخطواته منها، كـنمر يستعد لنهش لحم فريسته. التف حولها، يغمغم ضاحكًا في سخرية:
«هحكيلك الحكاية من البداية يا روزا. أنتِ من حقك تعرفي. أنا يا قلبي اسمي الحقيقي سيد صبحي النويري. كنت حتة عيل صغير عايش في قرية من القرى اللي ما حدش يسمع عنها، أنا وأبويا وأخويا التوأم سعيد. أبويا بقي كان دجال، ساحر، نصاب، من الآخر. بس كان نصاب بحق وحقيقي، كان ليه باع كبير مع عالم الجن والعفاريت. كنت بشوفه وأنا عيل صغير، يجي كدة 15 سنة، لما تجيله ست لوحدها، يبقي يا سعده يا هناه. يطلعني أنا وأخويا من البيت عشان يستفرد بيها، عشان يختلي بيها ويقولها: "أنا كدة بعملك عمل سفلي شديد يأذي عدوينك."»
شهقت روزا مذعورة مما تستمع إليه. ليضحك سفيان من جديد. عاد لمقعده من جديد، جلس يضطجع، يضع ساقًا فوق أخرى. ارتسمت ابتسامة خبيثة سوداوية على ثغره، يكمل متلذذًا:
«وكان يبقي يا سعدي أنا ويا هنايا لو الست دي معاها عيلة صغيرة. كان أبويا بيشوف مزاجه جوا، وأنتِ بضبط حالي على خفيف بره. ما أنا كنت لسه عيل بردوا. أما سعيد أخويا، كان عبيط متخلف، بس ابن الـ... كان شبهي بالظبط، فكنت أعمل العملة وأصدره هو يضرب مكاني.»
ارتجفت روزا مذعورة من كم الشر الذي يخرج من بين شفتي ذلك المريض الجالس هناك. لتسمعه يكمل متلذذًا بالماضي:
«لحد ما اتفتحت لنا طاقة القدر. أبويا جت معاه بالحظ وفك رصد مقبرة فرعونية قديمة وحمل كنوز اتباعت بملايين. فسيبنا البلد وجينا على مصر. وصبحي النويري بقي صلاح الدالي. ينفع نفضل بقي سيد وسعيد؟ بقينا سفيان وسيف الدالي. سيف رميناه في مصحة بعيدة، وما كنش قدامنا غير أننا نكبر الفلوس اللي معانا قبل ما تخلص.»
قام يتوجه صوب روزا. وقف أمامها، أمسك بذراعيها، يقرب رأسه من رأسها، يهمس لها:
«أبويا بدأ يشارك رجال الأعمال في العمليات الشمال عشان يوسع شغله. أنا بقي كان لسه معايا كتب السحر بتاعته. وعلى رأي المثل: "مات في القرية ساحر فاستراحوا من أذاه، خلف الساحر ابنا فاق في السحر أباه." عملت عهود كتير مع عوائل كتير، هما اللي وصلوني بمجدي التهامي، وبدأ الشغل مع مجدي يوسع، وساعتها قلبت صفحة السحر من حياتي مؤقتًا.»
ارتجفت مذعورة، ترتعش بين يديه بعنف، تتألم، تشعر وكأن كتلًا من نار هي من تمسك ذراعيها، لا كفي يده. ابتعد عنها، يوليها ظهره، لوى ثغره، يغمغم ساخرًا:
«مجدي الأهبل كان هيتجنن لما عرف أن مراته خانته مع أخوه.»
التفت لروزا، اقترب منها فجأة، يهمس جوار أذنها مباشرة بنبرة خبيثة:
«أنا اللي وسوستلها تعمل كدة.»
جحظت مقلتيها مذعورة مما يقول ويفعل. لا تفهم ما يحدث، ولكنها حقًا مرتعبة منه.
ابتعد هو من جديد، دس يديه في جيبي سرواله، يغمغم ساخرًا:
«كانت عايز تسقطها، بس أنا أقنعته أنه حرام يقتل روح، كأني ما قولتش قبل كدة لقابيل يقتل أخوه. المهم أقنعت مجدي الأهبل أنه يخلي شيرين تكمل وياخد الطفل، ويقولها أنه قتله، وده هيبقي أكبر انتقام منها. وهو عشان عبيط سمع كلامي. وفعلاً استنى لما ولدت، وراح واخد سيادتك وراميكي في ملجأ. أنا بقي عملت إيه؟ روحت للملجأ واشتريتك بمبلغ عظيم.»
طبعًا هتقوليلي هتستفاد إيه؟
صمت للحظات، قبل أن يرفع كتفيه لأعلى، يمط شفتيه قليلاً للأمام، يغمغم مبتسمًا في خبث:
«تعرفي أن الناس بتقول أن حواء هي السبب في خروج آدم من الجنة، وبيقولوا بردوا أن وراء كل رجل عظيم امرأة. يبقي السر في إيد مين؟»
اقترب منها، رفع يده يبسطها على وجنتها بخفة، ابتسم، يغمغم برقة:
«في إيد مين؟ في إيد بنت صغيرة كيوت، ما حدش يشك فيها أبدًا، جميلة زي الملايكة، تبقي إيدي اللي بحركها عشان نعبث في الأرض فسادًا، قصدي عشان أحقق اللي أنا عايزه. ومنها ترضيني أنا. شخص بيقولوا عني في علم النفس بيدوفيلي، وما كنش ناقص غير الوقت. نستنى لما روزا تكبر ونزور وصية كأنها من سراج لابنه. دور على أختك يا ابني. طب بذمتك سراج أصلاً مات قبل ما تتولدي، عرف منين أنه عنده بنت؟ إيه بينجم؟ أنا بس اللي بنجم.»
صمت يلتقط أنفاسه، يكمل متفاخرًا بما لوثت يديه.
نظرت هي حولها بهلع، خاصة وأن الأضواء بدأت ترتجف، والنافذة هناك فُتحت بعنف من تلقاء نفسها. في حين أكمل سفيان ضاحكًا:
«في الفترة دي، وإنتي لسه عيلة، كنت بكبر أنا شغلي. بقي اغتصبت فتحية الخدامة، وخليتها حملت، وبقي عندي بنت. ليه؟ عشان لو كنت اتجوزت أي واحدة من سيدات المجتمع، كانت هتوجع دماغي زي شيرين مرات مجدي. خدت البنت ورميت فتحية، وأهي ورقة معايا. مش يمكن أحتاجها بعد كدة؟ وتر حبيبة بابا. آه، بس مصلحة بابا أهم. هتقفي قدام مصلحة بابا؟ يبقي بابا هيزعل، وبابا زعله وحش أوي. بس يا ستي، لما كبرتي كدة وبقيتي بنوتة زي القمر، قولت نكمل لعب بس على كبير بقى. بعتك لبيجاد عشان تفرقي بين الصحاب التلاتة وتخليهم يموتوا بعض، ويفضل وليد الأهبل أبوه فاكر أنه ناصح، وهو في الحقيقة كان عروسة خيوطها في إيدك، زي ما أنتي خيوطك في إيدي. أنا عايز الصفقة دي، فإنتي تقنعيه بيها، وأنا أكسبها. يعني مثلاً، حياة ضربتني بالسكينة وهربت مني، فقولت خليه ينتقم منها، وكما فعل، فعل من جديد.»
اقترب منها سريعًا، يهمس جوار أذنيها بفحيح كالأفاعي:
«أنا اللي قلتله على فكرة صندوق التعابين.»
سقطت أرضًا مذعورة. ذلك الرجل المخيف، به شيء غريب مخيف لا تفهمه. مال بجسده إليها، يغمغم ضاحكًا:
«وبكدة أكون بحقق اللي أنا عاوزه وأنا بعيد عن الصورة. بس المشكلة إني كنت فعلاً صفقات في إيطاليا بتاعة صاحب الظل، وصفقات في روما مع مجدي، كان لازم أبقى موجود في مكانين في الوقت نفسه. إنتي متخيلة التعب؟ فرجعت تاني فتحت كتب السحر، وقرر قريني المساعدة. وبما أنه عارف كل حاجة عني، فاقترح عليا أنه يلبس سيف أخويا، وبكدة أبقى موجود في مكانين عشان ما حدش يشك فيا. يعني آخر مرة كنت معاكِ في إيطاليا قبل ما أسافر، كنت أنا بردوا عند وتر وجوزها في مصر في نفس الوقت.»
زحفت روزا للخلف مذعورة، تحاول البحث عن المخرج. عينيها مشوشة، نظراتها ترتجف. شهقت تصرخ مذعورة حين رأته أمامه. يمسك بفكها، يدير وجهه لها، يغمغم مبتسمًا:
«بتدوري على إيه؟ خليكي معايا أهم. لحد يوم الحفلة، خرجت من القصر بعد نص الليل، وحل سيف مكاني. يعني أنا اللي دخلت قصري، بيتي، ومطرحي. لما الوضع ساء زي ما شوفتي، خدرتك ودخلت من باب عندي في المكتب، المخزن اللي تحت الفيلا اللي كنت براقب منه الكل، حتى سبق أشوفه وهو أنا وسيف كالعادة، يا عيني بيدفع تمن أخطائي دايماً. هو اللي اتقبض عليه واعترف على الكل، وبعدين هوب، قريني قتله وسابه مرمي في الزنزانة عشان يتقال سفيان الدالي انتحر. وسفيان الدالي قدامك أهو.»
«أنت شيطان.» بالكاد خرجت من بين شفتيها ترتجف ذعراً.
ليجلس أمامها، يربع ساقيه هو الآخر. تنهد، يغمغم يائساً ساخراً:
«المشكلة بقى أن ابن آدم طماع وناكر للجميل. يعني شوفتي أنا عملت لسفيان كل دا، وفي الآخر مش عايز يعترف إني صاحب الفضل عليه، وإنه عمل كدة بذكائه. ذكاء مين؟ أبو ذكاء دا. أنا اللي كبرته. أصله بصراحة كان تلميذ شاطر.»
لا تفهم شيئًا. سفيان يتحدث عن سفيان؟ كيف؟ عقلها على وشك أن يتوقف، وقلبها يهدر خائفًا.
ارتعشت الأحرف بين شفتيها، تهمس مذعورة:
«أنا مش فاهمة حاجة.»
تنهد الجالس أمامها متأففًا، يردف ساخرًا:
«إيه اللي مش مفهوم بالظبط؟ آه، أنا إزاي سفيان وبتكلم عن سفيان؟ هفهمك، هفهمك.»
(قبل عدة ساعات فقط)
Flash back
ابتسم الواقف في سخرية، يدس يديه في جيبي سرواله، يغمغم:
«دا إيه الحكمة دي كلها؟ ماشي، المهم الخطوة الجاية، سيف مات ولا لسه؟»
زأر الجن الواقف غاضبًا، يصيح في سفيان بصوت غليظ أجش:
«تسخر الآن يا ابن آدم، بعد كل ما قدمناه لك؟ بدوننا كنت لتظل نكرة، أنت وأبوك.»
ضحك سفيان عاليًا في سخرية، يهمس بشيء ما بصوت خفيض. ليصرخ الجن الواقف من الألم، فتعالت ضحكات سفيان، يغمغم ساخرًا:
«أنا صاحب الفضل على نفسي. إنتوا هنا تحت أمري. أنا اللي مسخركوا عشان خدمتي، وأقدر أحرقك لو عايز، أنت وعشيرتك كلها.»
صرخ الجن الواقف غاضبًا، يحاول أن ينقض عليه. فسارع سفيان، يهمس بطلسم ما. في لحظات، اشتعلت النيران في الجن أمامه. وهو يقف يراقبه مبتسمًا، وهو يتلاشى، يتحول إلى ضباب أسود يتطاير شيئًا فشيء.
خلف الضباب، ظهر من توسعت عينا سفيان ذعرًا حين رأى نسخة أخرى منه تقف أمامه. عينيه حمراء كأنها جمر ملتهب. عاد سفيان بخطواته للخلف مذعورًا، يهمس بعدة طلاسم لتحميه، ولكن لا شيء ينفع ذلك الذي يشبهه. يقترب منه كلما ابتعد، إلى أن صار أمامه مباشرة. ابتسم له، يغمغم في سخرية:
«زي العادة، نعمل عهد، يقوم ابن آدم يخونه. لأ ومش بس كدة، بيتفاخر بالإنجازات اللي إحنا عملناها ليه، وبيحرق واحد من العشيرة جامد. أنت كدة.»
حاول سفيان حماية نفسه بالكثير من الطلاسم التي يعرفها، ليزفر الواقف أمامه، يردف متهكمًا:
«خلصت تمتمة؟ بص يا سفيان، ما ننكرش أنك حقيقي كتلة شر متحركة. شرك مذهل، وعملت حاجات كتير أوي عظيمة. أفسدت في الأرض، اغتصبت، اتحرشت، كنت السبب في موت ناس كتير بالمخدرات، قتلت بإيديك، بعت حتى دمك عشان مصلحتك. كل دا عظيم، بس أنت خونت العهد، ولازم تدفع التمن. أنك تفضل محبوس جوا جسمك، جوا فراغ مش هتخرج منه.»
في لحظة، قبض ذلك الشبيه على عنق سفيان حتى كاد يختنق. جحظت عيناه، يشهق بعنف. أغلقت جميع النوافذ بعنف، وانطفأت الإضاءة للحظات. حين عادت، كان الشبيه قد اختفى، وسفيان ملقى أرضًا يلهث بعنف. يلتقط أنفاسه، أغمض عينيه قليلاً، وحين فتحها، كانت حمراء كالجمر المتقد.
Back
سفيان تم تلبسه. ذلك الجالس أمامها ليس سفيان.
زحفت أكثر، تبتعد عنه إلى أن التصقت بالحائط. لا تعرف حتى آية واحدة لتساعدها في موقف كهذا. اقترب سفيان منها، لتكبح بعنف، تهمس مذعورة:
«أنت مين من جديد؟»
مال علي أذنها، توسعت ابتسامته الساخرة، يهمس لها:
«أنا على رأي الفنان يوسف الشريف، أنا الحقيقة. أقولهالك بشكل تاني، أنا اللي أحسن منكوا يا ولاد آدم. إنتوا كدة طماعين، ما يملاش عينكوا غير التراب اللي اتخلقتوا منه. بذمتك، التراب أحسن ولا النار؟»
ابتعد عنها للخلف. اضطربت حدقتاها ذعرًا، تهمس مرتعشة:
«أنت، أنت، أنت.»
وضع إصبعه على فمها، ابتسم، يهمس في خبث:
«هشششش.»