تحميل رواية «جبران العشق» PDF
بقلم دينا جمال
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ل 1العشق .. ما به ؟غريب مخيف ساحريسلب الألبابيُسحر العقوليفتت المنطقيكسر الواقعيتخطي المألوفحين تجد نفسك كطفل صغير ليلة العيد فرحا فقط من ابتسامة عابرة فأعرف أنك سقطت في شرك العشق !حين تتدافق دقات قلبك تلكم صدرك حين تبصر طيفها يأتي من بعيد يتلهف لرؤيتها كما يتلهف الظمآن لرشفة ماء .. فأعرف أن قلبك بات عضو ينبض في صدرك ويعيش في جسدها هي ! قبل عدة أعوام من الآن في منطقة صحراوية والليل قد اسدل استاره يغطي المكان سودا تتجمع رجال الشرطة يلفون المكان بحواجز تمنع الاقتراب فلاش الكاميرا لا يتوقف عن التقا...
رواية جبران العشق الفصل الحادي عشر 11 - بقلم دينا جمال
توسعت عينيها هلعا تنظر له مذهولة كيف بات أمامها بتلك السرعة. كان يقف هناك مع الرجل الآخر لم تحرك عينيها عنه سوى لحظات. كيف إذا!
ابتلعت لعابًا جافًا كالصحراء تحاول أن تبدو متماسكة حتى لا يشك في أمرها، وكأنه لم يفعل وانتهى الأمر.
حمحمت تردف بلامبالاة:
عادي يعني ما كانش جايلي نوم فنزلت أتمشى شوية. أنا متعودة على كده.
رفع حاجبيه ساخرًا:
القطة الوردية تظن أنه أبله ليصدق كذبتها البلهاء.
ابتسم متهكمًا يدس يديه في جيبي سرواله يتشدق ضاحكًا:
نازلة تتمشي بلبس البيت الساعة 2 بليل ليه؟ نازلة تقولي اغتصبي شكراً.
احتدت عينيها غضبًا:
الهمجي صاحب اللسان السليط كلماته سامة مثل سم الأفعى.
قبضت على هاتفها في يسراها بعنف، أشهرت سبابة يُمناها في وجهه. احتدت نبرتها تهمس له غاضبة:
أنا ما اسمحلكش تتكلم عني بالشكل دا للمرة الألف. وبعدين أنا حرة، أنت مش ولي أمري. أيوه أنا نازلة أقول اغتصبني شكراً، عندك مانع بقي.
حرك رأسه بالنفي ببطء، تلذذت ابتسامته بلمحة مكر أخافتها. اقترب منها خطوتين لتعود للخلف تلقائيًا، خاصة حين مد يده لأحد أزرار قميصه يغمغم في خبث مخيف:
وهيكون عندي مانع ليه يا بنت الذوات؟ دا عز الطلب!
توسعت عينيها هلعًا فيما يفكر ذلك المجنون. عادت للخلف تلقائيًا، ارتجفت شفتيها تلعثمت الأحرف تخرج من بين شفتيها ترتجف:
اانت لو قربت مني هصرخ، أنت فاهم.
لم تتغير معالم وجهه، فقط يقترب يبتسم يبث فيها الرعب. إلى أن وقف فجأة، تحركت عينيه بعيدًا عنها لتري قسمات وجهه تتوتر للحظات. نظرت إلى ما ينظر، لكنها لم تر شيئًا. المكان فارغ لا أحد هنا، ويا ليته كان.
التفتت لجبران من جديد لتراه اختصر المسافة بينهما. قبل أن تعي ما يحدث، كان يحتضن وجهها بين كفيه ليرتعش جسدها من حركته المباغتة. وعلى حين غرة، كان رأسه يرتطم بجمجمتها بعنف يُفقدها الوعي.
***
رائحة الطعام الذي تحبه نجلاء عادت. جملة رددها عقلها جعلتها تهب من فراشها. ترتسم ابتسامة كبيرة فوق ثغرها. نجلاء هنا.
تخبطت في مشيتها من فرحتها إلى أن وصلت إلى مقبض الباب، تلمسته بلهفة تفتحه. وقفت عند باب الغرفة، ذلك المكان غريب عليها لا تعرف حتى أين تذهب. ولا يمكنها أن تحاول أتباع مصدر الرائحة لأن رائحة الطعام تأتي من كل مكان تقريبًا. لذلك قررت أن تنادي عليها:
نجلاء.. نجلاء أنتِ هنا. أنتِ رجعتي... نجلاء ردي عليا.
لحظات طويلة من الصمت لم تجد منها إجابة فانتبأها الخوف عليها. تحركت بحذر تمد يديها أمامها حتى لا ترتطم بشيء حتى تعتاد المكان. فقط المكان إلى الآن فارغ لا شيء تتملسه في طريقها. تشجعت ربما الطريق فارغ أمامها. تحركت عدة خطوات بشكل أسرع قبل أن تصرخ من الألم حين ارتطمت قدميها في ساق طاولة قصيرة. جلست أرضًا من الألم تمسد ساقها المكدومة برفق.
سمعت صوت خطوات تركض ناحيتها. تلك ليست خطوات نجلاء. شعرت به يجلس جوارها. مد يديه يمسد ساقها المكدومة. من حركة يديه شعرت به قلقًا. سمعت صوته يحادثها مذعورًا:
أنتِ اتخبطتي إزاي وليه خرجت من أوضتك؟ انتي ما تعرفيش حاجة هنا يا رسل.
توترت للغاية من حركة يديه لتمد يدها تدفع يده بخفة ليترك ساقها. أصفر وجهها حرجا همست تردف متوترة:
أنا شميت ريحة الأكل اللي بتعمله نجلاء فأفتكرتها رجعت فخرجت على طول عشان أشوفها.
انتظرت رده على ما قالت فلم تسمع منه شيئًا. رائحته ابتعدت تسمع صوت خطواته. أين سيذهب؟ عاد بعد لحظات في يده حافظة مربعة من الجلد بها قطع الثلج وضعها فوق الكدمة على قدمها لترتعش من برودة الثلج. مدت يدها تلتقط تلك الحافظة من يده ليسحب يده للخلف. جلس أمامها أرضًا تنهد يردف:
وقعتي قلبي افتكرت حصلك حاجة. نجلاء لسه ما جاتش ولا حاجة. لما تعوزي تروحي في حتة قوليلي لحد ما تحفظي المكان.
أومأت بخفة تقطب ما بين حاجبيها في عجب. نجلاء لم تأتِ إذا، فمن رائحة الطعام الشهية تلك؟ رائحة العكعك التي تحب لا يمكن أن تنساها ببساطة. لذلك رفعت وجهها تسأله مدهوشة:
أومال مين اللي عمل الأكل؟ أنا عارفة ريحة أكل نجلاء كويس.
من الجيد أنها لم تنظر لوجهه الوسيم الذي ارتبك. رفع يده يخلل بها خصلات شعره يضعها خلف رقبته. حمحم يغمغم بنبرة هادئة لامبالية:
أنا!
توسعت عينيها اندهاشا تنظر ناحيته مذهولة. ليحمحم مرتبكًا يردف:
نجلاء قالتلي أنك بتحبي البان كيك وأنا كدة كدة بعرف أطبخ فقولت أعملهولك. هاتي ايدك يلا أنا حطيت الأكل على ترابيزة قصاد البحر.
ذلك الرجل الغريب من يكون؟ خاطفها أم زوجها أم نجدة بُعثت لها لينتشلها من غياهب أحزانها التي تبتلعها بعنف يومًا بعد يوم. شعرت بأصابع يده تتماسك بكفها برفق تجذبها لتقف. تحركت معه خطوتين باستسلام شديد ليقفا فجأة يسألها قلقًا:
قادرة تدوسي على رجلك ولا أشيلك؟
تورّدت وجنتاها خجلًا تنفي برأسها سريعًا تهمش بصوت مرتبك خجول:
لا... أنا كويسة.
ابتسم سعيدًا حين رأى احمرار وجنتيها خجلًا منه. ظل محتفظًا بكفها يسير بها إلى الخارج حيث ضرب جسد كل منهما تيار الهواء وهو يتراقص مع قطرات البحر المالحة. جلست على مقعدها ليجلس جوارها وسمعت جملته التي دائمًا ما تقولها نجلاء لها:
أنا عملتلك أربعة بس عشان عارف أنك بتحبي تاكليهم سخنين. لو عوزتي تاني قوليلي أعملك!
***
ألم بشع يدور بها مع عقلها في دوامة من الأشواك. رفعت يدها تتحسس مقدمة رأسها لتنكمش ملامحها تتأوه متألمة. بالكاد فتحت عينيها انتصفت جالسة تحاول تذكر ما حدث. الليل. جبران. الحقيبة. الهاتف. مقطع الفيديو. البربري الهمجي صدمها برأسه ففقدت الوعي.
مدت يدها سريعًا تلتقط هاتفها تفتحه ببصمة إصبعها تبحث بلهفة عن مقطع الفيديو. لا أثر له بالطبع سيحذفه حتى لا تحمل دليلًا ضده. قامت من فراشها تترنح قليلًا، لا تزال تشعر بالألم العنيف يغزو رأسها.
توجهت إلى مقعد صغير ارتمت بجسدها عليه تتساءل حائرة. هل هو من أتى بها إلى المنزل؟ ولكن والدتها ماذا قال لها؟ هي حقًا لا تفهم ما الذي يجري في مستشفى المجانين هذه.
صاحت باسم والدتها مرة واثنتين وكما توقعت والدتها ليست هنا. توجهت إلى المرحاض نظرت لوجهها لتري بقعة حمراء مؤلمة تغطي جبهتها. شدت قبضتها حانقة تتوعد له. اغتسلت وبدلت ثيابها. حاولت إخفاء تلك البقعة عن جبهتها قليلًا بمستحضرات التجميل.
نزلت لأسفل قاصدة ورشة النجارة الخاصة بجبران بخطى غاضبة. توجهت إليه رأته يمسك بورقة (سنفرة) يحرك يده بخفة على لوح خشب ضخم يرقد أمامه كجثة. دون مقدمات صاحت تحادثه محتدة:
طبعًا أنت اللي مسحت الفيديو من على الموبايل عشان ما يبقاش في أي دليل على قذارتكم.
من الجيد أنها تعلمت من أخطائها السابقة ولم يكن صوت صياحها عالٍ. فقط خفيض هو فقط من سمعه. فابتسم ساخرًا ترك السنفرة من يده يكتف ذراعيه أمام صدره يغمغم ساخرًا:
إيه اللي أنتي بتقوليه دا يا بنت الذوات. أنتي سخنة ولا حاجة. فيديو إيه اللي بتتكلمي عنه؟ أنا ماليش في الفيديوهات دي. حرام يا بنت الذوات لو بتشوفيها توبي وامسحيها.
توسعت عينيها اندهاشا من الذي يتحدث وكيف قلب الطاولة في لحظات بشكل مخيف. لاحظت نظرات العمال المشنئزة نحوها لترمي جبران بنظرة حادة غاضبة. تحركت ناحية فرشة الخضروات الخاصة بوالدتها ارتمت على المقعد القصير جوارها تحادثها حانقة:
ماما أنتِ مش ملاحظة إني من ساعة ما جيتلك ما قعدناش نتكلم ساعة واحدة مع بعض؟ على طول حضرتك على الفرشة دي. بابا ما كانش بيعدي يوم غير لما أحكيله ونتكلم مع بعض فترة طويلة.
تنهدت فتحية حزينة يائسة:
وتر لا تفهم قدر المعاناة والمشقة التي تتلقاها لتحصل على بضع قروش من تلك الفرشة الصغيرة. تنهدت تردف حزينة:
والنبي يا وتر سيبي اللي مكفيني ما تزوديش على همي. ما بعتش من الصبح ولا رابطة جرجير حتى.
ابتسمت وتر ساخرة أخرجت هاتفها تعبث فيه. لم تمر سوى دقيقتين ورأت جمع غفير من الرجال والسيدات يقفون أمامهم. في أقل من عشر دقائق كان جميع ما على الفرشة البسيطة قد اختفى. آخر (حزمة) جرجير كانت في يد أحد رجال جبران. أخرج من جيب سرواله الجينز النقود يعطيها لفتحية يغمغم مبتسمًا في سماجة سخيفة:
المعلم جبران بيمسي يا ست فتحية وبيقولك في أي حال يزنق بلغيه والفرشة هتتنسف زي ما حصل من شوية.
توسعت حدقتا وتر تنظر لوالدتها مذهولة. هو من فعل ذلك؟ ولكن كيف علم من الأساس؟
قامت والدتها تنفض الغبار عن ملابسها تغمغم سريعًا:
لأ أنا رايحة أشكر المعلم جبران. الراجل يشكر دا أنا قولت البضاعة هتبوظ من الركنة. تعالي معايا يا وتر.
ابتسمت تؤمئ بالإيجاب لتذهب علها تكتشف جانبًا آخر من شخصيته الغريبة. تحركت بصحبة والدتها إلى ورشته. وقفت خلف والدتها بخطوتين حتى يصبح المشهد كاملًا أمامها وكأنها تراقبه من الخارج. تسمع والدتها وهي تشكره بامتنان شديد:
متشكرة يا معلم جبران ألف شكر ليك. الواحد مش عارف والله يرد جمايلك إزاي.
ابتسم منتشيًا بانتصاره كما توقعت. يغمغم مزهوًا:
ما تقوليش كدة يا ست فتحية. انتوا كلكوا مسؤولين مني. هو مش أنا كبير المكان ولا إيه.
نرجسي بدرجة امتياز. بدأت والدتها تشكره بحرارة من جديد ليغمغم جبران ضاحكًا:
ما خلاص يا ست فتحية لو عايزة تشكريني بجد، اطلعي عندي الشقة واعملي لي طبق فتة باللحمة. هتلاقي كل حاجة فوق مستنية حد يعملهالي.
لم تتردد والدتها لحظة بل أقسمت أنها ستقوم بذلك وأخذت منه مفتاح شقته. ابتسمت وتر ساخرة ترفع كتفيها لأعلى. ولما لا؟ ربما ستجد ذلك شقته شيئًا ما يساعدها لتحليل شخصية ذلك المجرم النرجسي. التفتت فتحية لها تحادثها سريعًا:
اطلعي أنتي يا وتر وأنا هحصلك على طول.
نفت برأسها في هدوء تام. عيناها هناك معلقة عند جبران. تغمغم مبتسمة:
لأ يا ماما أنا مش هسيبك لوحدك. هطلع معاكِ أساعدك.
ابتسمت تتحداه بنظراتها في حين ضحك هو متهكمًا يحرك إصبعيه السبابة والابهام على طول ذقنه بحركة مخيفة وكأنه يتوعدها. ولكنها لم تخف. أقسمت أن تفك طلاسمه كما فعلت قبلًا مع حالات كثيرة وهو لا يختلف عنهم شيئًا. حالة؟ مثلها مثل سابقيه.
تحركت بصحبة والدتها إلى شقته في عمارة سكنية قريبة. دخلت إلى شقته قبلًا ولكنها هنا الآن لتحلل كل جزء فيها. وخاصة غرفة نومه. أوراقه. ذوقه في الثياب.
أجفلت على يد والدتها تحادثها:
وتر خليكي قاعدة هنا مش هتأخر. على طول وهنمشي.
ابتسمت في وداعة قطة وردية كما يراها. تؤمئ بالإيجاب. ففي خبث وقفت مكانها هادئة صامتة إلى أن اختفت والدتها داخل المطبخ لتبتسم في خبث تتسلل على أطراف أصابعها بخفة. تلتفت هنا وهناك. أين غرفة نومه؟ فتحت باب أول غرفة. غرفة مظلمة مليئة بالكراكيب القديمة لا فائدة منها. وربما فيها الفائدة بأجمعها. ربما هنا شيئًا يتعلق بطفولته وسبب ما هو عليه الآن. ستتركها فيما بعد.
من الجيد أن الغرفة المجاورة لها كانت غرفة نوم. ذلك القميص الملقي أرضًا هو ذاك الذي كان يرتديه وهو يعطي حقيبة المخدرات للرجل في الزقاق. دخلت إلى الغرفة تتطلع إلى كل جزء فيها. فراش ليس بكبير كما ظنت. غرفة بسيطة بشكل جعلتها تتردد في احتمال كونه نرجسي يحب الزهو بما يملك.
تقدمت إلى (الكومود) الصغير جوار الفراش تفتحه بخفة. فارغ لا شيء سوى بضع وصلات للغاز وأخرى للمياه وحجارة قديمة وقلم شبه فارغ. أزاحت الوسادات تبحث خلفها. لا شيء تمامًا.
زفرت أنفاسها حانقة تتوجه إلى دولاب ثيابه. مكتز بالملابس بشكل يعيد تشكيل فرضيتها الأولى من جديد. ملابسه موضوعة بعناية لا علاقة لها بالغرفة المبعثرة. بدأت تبحث بتروٍ وحذر بين طيات ثيابه علها تجد ولو ورقة. استمرت في البحث فيما يزيد عن ربع ساعة كاملة.
في تلك الأثناء دخل إلى شقته ليرى ماذا فعلت القطة الوردية. تركها نصف ساعة تعثو في منزله فسادًا. ارتسمت ابتسامة عابثة على شفتيه. في الأغلب ستكون في غرفة نومه كما اعتاد. مد يده ينزع قميصه. عادة لا دخل للقطة بها. ألقى القميص أرضًا بإهمال. يتحرك إلى غرفته. الباب شبه مفتوح. دفعه برفق شديد ليجدها تقف أمام دولاب ثيابه تخرج أحد القمصان تفتش بين جيوبه.
منع ضحكته بصعوبة. تبدو كزوجة تبحث بين ملابس زوجها الخائن عن شعرة شقراء. دفع الباب يدخل لتري بطرف عينيها شيئًا ما يقف هناك بعيدًا. التفتت لتراه أمامها عاري الصدر إلا من قلادة من الفضة تأخذ شكل (موس) مخيف. ذلك المشهد تعرضت له قبلًا وكادت أن تصاب بخسائر فادحة. لذلك فتحت فمها لتصرخ تستنجد بوالدتها. ليتحرك هو سريعًا يكمم فمها بكف يده. ابتسم يهمس في خبث:
هش أمك برة هتسمعنا. ولو دخلت وشافتنا كدة هتطب ساكتة!
رواية جبران العشق الفصل الثاني عشر 12 - بقلم دينا جمال
تضاربت دقات قلبها، تموء داخل كفه بعنف. تحاول دفعه بعيدًا ولكنه لا يتزحزح، وكأنه أقسم ألا يتركها. تحركت حدقتاها هلعًا هنا وهناك، لا مفر. هنا هو أمامها، وباب الدولاب المغلق يسند جسدها الذي يحاول الفرار، وكفه يكمم فمها.
حين مل من دفعاتها، قبض على رسغيها في كفه الأخرى ببساطة. تنهد ساخرًا يردف متهكمًا:
- ممكن أعرف يا بنت الذوات إيه اللي مدخلك أوضتي وبتفتشي في أي؟ أنتِ مخبر يا بت ولا إيه؟
رفعت حاجبيها تنظر له ساخرة من تحليله الجهنمي الخارق لحدود تفكير الإنسان الغبي من الأساس. حركت رأسها بالنفي، تحاول جذب كفيها منه بعنف. إلى أن ترك يديها وأبعد كفه عن فمها، لتأخذ نفسًا قويًا. لهثت بعنف تحادثه حانقة:
- نفسي كان هيتكتّم كل ده كف إيد. وبعدين هكون بعمل إيه في أوضتك يعني؟ ااا... ااا.
تلعثمت لعدة لحظات تحاول إيجاد كذبة مقنعة، في حين وضع هو يديه على خاصرته يراقبها بابتسامة ساخرة وهي تحاول أن تكذب. لتغمغم سريعًا:
- أيوه، أنا كنت بنضف الأوضة. ماما قالتلي روحي نضيفها وأنا كنت بعلق هدوم مرمية في الدولاب. وأنا هعمل إيه يعني في أوضتك؟
ضحك بخفة، يومأ برأسه في صمت، يرميها بنظرات متهكمة. عينيه صوب ذلك الكتاب الملقي جوارها أرضًا. مال في لحظة يختطفه من جوارها، رفعه أمام عينيه يغمغم ساخرًا:
- والكتاب دا كنتي بتعلقيه بردوا ولا بتكمريه عشان تاخديه؟
توسعت عينيها غضبًا من ألفاظه السوقية المقززة، لتشهر سبابتها أمام تهمس محتدة:
- ما اسمحلكش تتكلم لا معايا ولا عني بالطريقة دي. الكتاب وقع من دولابك. المفروض أنا أسألك، كتاب "من السجن إلى الحرية" بتاع بيير داكو، طبعة أصلية مش مترجمة، بيعمل إيه في دولابك؟
ما تلك الأسماء الغريبة التي قالتها؟ ذلك الكتاب اشتراه من بائع الخردة. فتح صفحات الكتاب، يحركه بخفة، ليسقط من بين ورقه أبيض صغير غريب الشكل. ولكنه تعرفه، تلك الأوراق التي يضعون فيها المخدرات كالسجائر. توسعت عينيها وتدلى فمها، خاصة حين غمغم ساخرًا:
- حاطط فيه ورق البفرة يا بنت الذوات.
رأت كنز نادر مغروس بين الوحل، لم تشعر بنفسها سوى وهي تنتزعه من بين يديه بعنف، تصرخ فيه:
- كتاب من أحسن كتب علم النفس عامله قرف للقرف. أنت إيه؟ أنا عمري ما تخيلت إن فيه نوعية زيك كدا من البشر. فخور أوي إنك مخبي فيه ورا بتاع ده. أنت فعلًا عايش في سجن عمرك ما هتخرج منه للحرية.
اختفت ابتسامته الساخرة شيئًا فشئ، إلى أن تماهت تمامًا. قبض كفه ونفرت عروقه، وهسهس غاضبًا:
- أنت ليه مصرة تخرجيني عن شعوري يا بنت الناس؟ أنتِ اللي ناجدك من إيدي إنك واحدة ست، وأنا عمري ما امد إيدي على ست.
بالطبع، صوت صياحهم الغاضب جذب انتباه فتحية التي خرجت تركض من المطبخ تبحث عن ابنتها. إلى أن وجدتها. دخلت إلى الغرفة لتتسع عينيها قلقًا حين رأت جبران يقف عاري الصدر في غرفة نومه مع ابنتها.
ارتابت قلقًا، لتتقدم منه سريعا تنظر لوتر محتدة:
- تعالي يا وتر، عيزاكي عشان نحط الأكل. عن إذنك يا معلم.
تحركت خلف والدتها، التقت عينيها بعينيه وهي تغادر. نظراتها تملؤها الكره والنفور، ونظراته يحتلها الغضب والغيظ منها. ما إن خرجت من الغرفة، قبضت فتحية على رسغ يدها بعنف تجرها خلفها إلى المطبخ. أغلقت الباب عليهم، وقفت أمام ابنتها تهمس لها في حدة:
- أنت إيه اللي دخلك أوضة نومه؟ وازاي توقفي معاه وهو قالع كده؟ أنتِ مجنونة؟
تنهدت بملل. والدتها لا تعرف أنها مرت بأشياء أسوأ بمئات المرات في فترة تدريبها في إحدى المستشفيات. تنهدت بعنف تُنهي ذلك النقاش العقيم قبل أن يبدأ من الأساس:
- لما نروح يا ماما هبقى أقولك. يلا نوديله الأكل عشان نمشي.
رمت فتحية ابنتها بنظرة حادة، لترتسم ابتسامة ساخرة على شفتي وتر. تلك هي والدتها التي كانت لا تتمنى شيئًا بقدر رؤيتها ولو لمرة.
على طاولة صغيرة في الصالة، وُضعت الأطباق الساخنة يتطاير منها الدخان. خرج جبران من غرفته متوجهًا إلى الصالة. نظر لفتحية حين قالت:
- بالهنا والشفا على قلبك يا معلم. يلا بالإذن إحنا بقى.
امسكت فتحية يد ابنتها لتجذبها معها للخارج. ليتدخل جبران يردف سريعًا:
- يعني تبقوا في بيت المعلم والأكل محطوط وتنزلوا من غير أكل؟ والله ما تيجي. اقعدي يا ست فتحية، اقعدي يا أستاذة.
نظرت وتر له محتدة، خاصة حين لاحظت نبرة التهكم الواضحة في صوته حين نطق اسمها. لتبتسم في اصفرار تحادثه:
- لأ متشكرة جدًا، إحنا مش جعانين. عن إذنك.
ولكنه رفض. أردف في حدة منفعلًا:
- طب على الطلاق بالتلاتة منك لانتوا قاعدين واكلين.
الجملة أدهشتها هي ووالدتها معًا. من تزوج من ليطلقها؟ ما الذي يهذي به ذلك البربري؟ جلست مرغمة حين جذبتها والدتها تجلسها جوارها. زاد غيظ وتر حين لم تعقب والدتها على جملته الغريبة. أمسكت الملعقة تتظاهر بأنها تأكل، تختلس النظرات له لتراه يشمر عن ساعديه، يمسك بدجاجة ليست بصغيرة الحجم تتوسط الطاولة. ذلك البربري يتناول الدجاج واللحم في وجبة واحدة. انكمشت ملامحها متقززة، تنظر له مشمئزة وهو يمزق أعضاء الدجاجة بمنتهى العنف. لتجد جزء كبير منها يوضع أمامها. يوجه حديثه لها بابتسامة كبيرة مستفزة:
- كلي يا بنت الذوات، شكلك ضعفان خالص. لاء أحسن توقعي مننا واحنا محتاجينك.
غمزها بطرف عينيه في نهاية كلامه، دون أن يهتم بأن والدتها تجلس معهم على نفس الطاولة. ومنذ متى وذلك الوقح يهتم؟ كافحت رغبتها العارمة من أن تتقيأ حين تنظر له وهو يأكل بيديه المغطاة بدهون الدجاجة. قطعة اللحم تدخل كاملة إلى فمه. أشفقت حقًا على من ستكون زوجة له. لن تهنئ لها وجبة طعام واحدة معه.
أخرجها من شرودها الطويل صوت رنين هاتفها. انتزعته من جيب سترتها لتري رقم زياد ينير الشاشة. قامت سريعًا من مكانها تبتعد عنهم قدر الإمكان، تراقبها أعين جبران بحذر. أبعدت هي لأقصى الصالة بعيدًا، فتحت الخط تضع يدها بالقرب من فمها تهمس بصوتها:
- أهلاً يا زياد، حضرتك قربت ولا إيه؟
صمت لبعض اللحظات. لما ذلك الرجل كثير الصمت هكذا؟ كأنه كان يريد أن يقول شيئًا ولكنه تراجع عنه. سمعته زفرته الحائرة من خلال الهاتف ليغمغم في هدوء:
- قدامي ساعة بإذن الله. أنا كنت متصل أقولك أنك لازم تيجي بكرة عشان نقفل التحقيق في قضية والدك. صدقيني أنا حاولت أأجل التحقيق لأطول وقت ممكن بس ما بقاش ينفع أكتر من كده.
ارتسمت ابتسامة حزينة يائسة على شفتيها. أومأت برأسها بالإيجاب. ابتلعت غصتها المريرة تتمتم:
- ماشي يا زياد باشا، بكرة هكون عندك. في انتظارك النهاردة، مع السلامة.
أغلقت معه الخط، تزيح الهاتف من على أذنيها. شردت عينيها في الفراغ، تنظر بعيدًا ترى طيف والدها يضحك لها. طفقت دموع خفيفة على سطح مقلتيها. رفعت يدها سريعًا تمسحها. والدها سيعود. كل شيء سيعود كما كان عليه الحال. لتعتبرها فقط تجربة جديدة، وهي خير من يعشق التجارب. الآن الأهم فالمهم، ستذهب لأمل لتخبرها أن زياد على وشك الوصول. نظرت لوالدتها التي بالكاد أكلت بضع لقيمات من طبقها، تحادثها:
- يلا يا ماما كدة كفاية. عن إذنك يا معلم جبران.
ابتسم متوعدًا حين استشف سخريتها. ابنة الذوات تتهكم منه. سيرى من يضع القوانين هنا.
توجهت وتر مع والدتها إلى منزل سيدة. دخلت وتر سريعًا إلى غرفة أمل تهمس لها متلهفة:
- قومي بسرعة اجهزي، زياد قدامه ساعة. بسرعة يلا.
توترت قسمات وجه أمل، تومأ برأسها. شئ قلبها خائف وعقلها يوافق، يثور. وهي بين ذلك وذاك، تلتف في دائرة من الحيرة.
في حين على جانب آخر، نزل جبران على سلم البيت بخطوات ثقيلة ناعسة بعد تلك الوجبة الدسمة. كان يخطط للنوم لعدة ساعات، ولكن تلك الداهية المسماة وتر تخطط لشيء ما. ترى ما هي؟
ارتَمى على مقعد أمام ورشته، يصيح في صبي المقهي:
- واد يا مصطفى، كوباية شاي تقيلة أحسن الواحد كل لما اتنفخ وعايز يحبس!
أخرج سيجارة تبغ من علبته الخاصة، أشعلها ينفث دخانها الأبيض الملوث. ليرى من بعيد حسن يقترب منه. جذب مقعدًا من المقهي يضعه أمامه، يغمغم سريعًا:
- جايبلك حتة شغلانة سقع. بص يا سيدي، المعلم عويض من أسيوط دا بتاع مقابر وآثار وتماثيل. عايزاك في شغل معاه.
أبعد جبران السيجارة عن شفتيه، ابتسم ساخرًا ينفث دخانها قبل أن يضحك في تهكم:
- آه، مش دول بتوع "انزل يا محمد عمك لقي تماثيل دهب" وعايزين حد يصرفهم؟ قديم أوي الحوار دا يا حسن. دا زمان محمد هرب بالتماثيل.
ضحك حسن في سخرية، يغمغم سريعًا:
- ما تبطل هزار يا جبران، دول تجار آثار وسلاح وحشيش.
- ياللهول، ما بيؤدوش بنات بالمرة.
قالها جبران ضاحكًا، لينفجر في الضحك بعدها مباشرة. في حين ابتسم حسن متهكمًا:
- هزر هزر، مش وقت خفة دم يا جبران. الحوار أكبر من كده. الناس دي ما بتتفاهمش غير بالسلاح.
اختفت ابتسامة حسن الساخرة، قبيل أن ينخفض بصوته يهمس في حذر:
- طرف خيط لصاحب الظل!
اختفت ابتسامة جبران في لحظة. اعتدل، يقترب من حسن. ألقى السيجارة من يده، يهمس له بحذر:
- أنت متأكد؟
أومأ حسن له يؤكد له ما قال. لتشرد عيني جبران يفكر في ذلك الاسم وصاحبه. صاحب الظل حاكم السوق السوداء. الجميع يمشي بأمره، حتى سفيان ومن معه. لا أحد يعرف لا شكله ولا اسمه ولا حتى صوته. صاحب الظل لقب أطلقه هو على نفسه. الجميع يسعى لمعرفة من صاحب الظل هذا؟!
جذب انتباههما معًا وقوف سيارة دفع رباعي سوداء أمام منزل أمل. لينزل منها ذلك الضابط زياد يحمل في يده باقة من الأزهار وعلبة حلوي تبدو فاخرة. نظر كل من حسن وجبران إلى بعضهما البعض في حيرة. لمن جاء هو؟
في الأعلي، في غرفة أمل، وقفت أمام مرآة الزينة الصغيرة في غرفتها تتنفس بعنف. لا تنظر لما ترتدي. الحكاية ليست سوى لعبة لتتخلص من قيود حسن. فقط تحاول أن تهدئ وتر جوارها، تشجعها بأن تثبت بأن ما سيفعلانه هو الصحيح لتتخلص من تحكم حسن المفرط فيها، لتعيش حياتها كما تريد.
بعد أن هدأت قليلًا، تبخر ذلك الهدوء في لحظة. دق جرس الباب. انتفضت لتهرول وتر سريعًا تفتح جزء صغير من باب غرفة أمل تنظر منه للخارج. لتري زياد يدخل يبتسم في لباقة وتهذيب. يصافح زوج والدة أمل، ذلك الرجل الطيب. لا تذكر اسمه الآن. نظرت له تبتسم ممتنة. تمنت حقًا أن يكن هو عريس لأمل. فتاة في مثل طموحها تستحق زوج كزياد. بالطبع سيدعمها لتصل إلى ما تحلم. ليس حسن ذلك البلطجي الذي يريد خادمة له لا أكثر، يفرض نفسه عليها بالقوة غصبًا.
توجه زياد إلى أحد المقاعد يجلس على مقعده المتحرك. بالقرب منه زوج السيدة، سيدة التي تجلس على الأريكة جوار والدتها يتطلعان للضابط الوسيم صاحب الأعين الخضراء يتسألون عن سر زيارته المفاجئة. حمحم زياد بهدوء، يحادث الرجل الجالس أمامه:
- بص يا عم صابر، من غير مقدمات مالهاش لازمة. أنا راجل بيحب يدخل في الموضوع على طول. أنا جاي طالب إيد بنتك أمل على سنة الله ورسوله.
- جاي تخطب خطيبتي يا باشا.
صاح بها حسن محتدًا وهو يدخل من باب المنزل المفتوح. لما نسوا إغلاق الباب. دخل حسن بعنف كعاصفة هوجاء مليئة بالأتربة. وقف ينظر لزياد يتحداه بنظراته. دماءه حرفيًا كانت تغلي من الغضب. ذلك الرجل هنا ليأخذ محبوبته منه. لن يسمح له أبدًا. توترت الأجواء من جميع الأطراف عدا زياد الذي ابتسم في سخرية ينظر لحسن متهكمًا يحادثه:
- خطيبتك إزاي؟ المعلومات اللي عندي أن آنسة مش مخطوبة.
في تلك اللحظة تحديدًا، دخل جبران يبتسم في هدوء ورزانة لا يعرفها من الأساس. يحادث زياد مرحبًا:
- نرحب بالباشا الأول، منورنا والله يا باشا. بس معلش يا باشا، امسحها فيا أنا. معلومات جنابك، لمؤخذة يعني في اللفظ، ناقصة. حسن قارئ فتحته على أمل. والفتحة عند ولاد البلد مش خطوبة بس لاء، دي كأنها كتب كتاب بالظبط. يعني أنت دلوقتي جاي تطلب إيد واحدة متجوزة يا باشا.
توسعت عيني وتر في دهشة من تلك الكلمات التي قالها ذلك البربري الذي بات حكيم قومه فجأة! التفتت لأمل تدفعها للخارج تهمس لها محتدة:
- اخرجي قولي لاء، ما حصلش. دافعي عن مستقبلك اللي بيضعه البلطجي ده.
أومأت أمل سريعًا لتندفع للخارج. نظرت لزياد تبتسم وكأنها تعرفه منذ سنوات طوال، تحادثه برقة:
- إزيك يا زياد؟ الورد ده جميل أوي!
توسعت عيني حسن مما حدث توا. في حين ابتسم جبران ساخرًا. تلك إذا هي الداهية التي كانت تخطط لها وتر. كان عليه أن يعرف أن تلك الداهية صاحبة عقل شيطان. وما جديد؟ أليست ابنة سفيان؟ ابتسم ساخرًا دون تعقيب. في حين صاح حسن بصوته كله يصرخ فيها غاضبًا:
- الورد ده أنا هحطه بإيدي على تربتك. خشي أوضتك وما تطلعيش براها، لهكسر دماغك.
ارتجفت نابضها خوفًا. تثبت قدميها في الأرض بعنف. لن تهرب. هي ليست بجبانة أو ضعيفة. لن تدعه ينتصر هنا. جاء دور زياد الذي اندفع ناحية حسن يمسك بتلابيب ثيابه بشكل مهين له، يصيح فيه:
- ولااا! اقف عوج واتكلم عدل، بدل ما أشدك من قفاك وأعلمك الأدب. من النهاردة لاء، من دلوقتي حالا لو لمحت ضلك بس جنب ضل خطيبتي، ها سامع؟ خطيبة زياد باشا. هسففك تراب الأرض.
تسارعت أنفاس حسن بعنف شديد. أحمر وجهه وقتمت حدقتا عينيه. عينيه مثبتة على تلك التي تقف هناك تنظر له تبتسم متشفية. تشمت به! رفع يده يبعد يد زياد عنه. ابتسم في هدوء، يومأ بالإيجاب في هدوء يسبق عاصفة الصحراء. رفع يده يربت على كتف زياد بخفة يتمتم مبتسمًا:
- ألف مبروك يا باشا، ربنا يتمم لك على خير. عن إذنكم.
غادر في هدوء مخيف. هدوء بث في قلبها الرعب. توترت حدقتاها تنظر ناحية جبران لتري ابتسامة لا تقل رعبًا عن هدوء حسن ترتسم على ثغره. صافح زياد يغمغم مبتسمًا:
- عقبال البكاري يا باشا، وابقى اعزمنا بقى. عن إذنك.
ولحق بصديقه. وساد صمت غريب من جميع الجهات. لم تخرج وتر حتى لا تشك والدتها أن لها يد في الموضوع وتسمعها محاضرة طويلة عن مدى خطورة جبران وأنها لا يجب أن تتحدّاه أبدًا.
حمحم زياد يوجه حديثه لصابر، يحاول طمأنتهم:
- يا عم صابر، أنا جاي وعايز بنتك في الحلال. وما تخافش من حسن، أنا هعرف كويس أوقفه عند حده. نقرا الفاتحة.
اضطربت عيني الرجل العجوز خوفًا. ينظر لسيدة التي لا تقل عنه رعبًا. ابتلع لعابه، تنهد قلقًا يغمغم متوترًا:
- يا زياد، إنت عريس ما تترفضش طبعًا. وأنا أكيد مش هحب أجوز بنتي لبلطجي. أكيد هطمن عليها مع حضرتك. بس حسن مش هيسيبنا، لاء هو ولا المعلم جبران.
هنا شعرت زياد بالإهانة حقًا. زياد لا يقل نرجسية عن جبران. لا يحب أن يقلل أي من كان من قدره. ثارت ثورته يغمغم منفعلًا:
- طب يبقى يفكر يتعرض لها بحرف، مش بكلمة. وشوف أنا هعمل فيه إيه!
أنا، أنا، أنا. ها هو مغرور آخر يعتز بالأنا. يقدسها حد الموت. ابتسمت وتر ساخرة تراقب ما يحدث. الرجل المسكين خاف من حدة زياد ليومأ برأسه سريعًا يوافقه. فابتسم زياد يغمغم:
- بإذن الله هيكون لينا قاعدة تانية نحدد فيها ميعاد الخطوبة. عن اذنكوا ونتكلم أكتر بسبب اللي حصل ده. أعتقد ما فيش مجال لأي كلام دلوقتي. عن اذنكوا.
صافح الجميع. اختطف نظرة سريعة حوله يبحث عنها، لعله يراها. ليرى طيفها من خلف باب غرفة شبه مغلق. ابتسم لها. كم كان يتمنى أن تكون وتر هي العروس بدلًا من أمل. هل تُرى أحبها بتلك السرعة؟!
واد يا سلكة، تروح للواد عاطف نابطشي الأفراح وتقوله المعلم جبران عايزك. وبعدين تعدي على عمك طه بتاع الفراشة تقوله المعلم جبران عايزك بردوا. بلا غور.
انتهى جبران من دفع الأوامر لصبيه. ليلتفت برأسه إلى حسن الذي يكاد يحرق خشب المقعد من نيرانه المستعرة غضبًا. تنهد بعمق يغمغم ببساطة:
- اهدي يا حسن، اللي أنت عاوزه أنا هعمله. اديني بعت أجيب النباطشي وبتاع الفراشة أهو وهعملك ليلة يحكي ويتحاكى بيها الحتة كلها لشهر واتنين وتلاتة وهجوزهالك. اهدي بقى.
حرك رأسه بالنفي مرة بعد أخرى بعنف. لا.. لا يكفي. لا يكفي أبدًا. لا يكفي نظرة الشماتة والانتصار التي رآها في عينيها. وذلك الزياد يهينه أمامها. كم كانت سعيدة وكم شعر بالذل والإهانة لأنه يحبها فقط. خرج من شروده حين رأى ذلك الزياد ينزل من منزلهم. رمى حسن بنظرة ساخرة متهكمة يملؤها الاحتقار والاشمئزاز. ومن ثم استقل سيارته وغادر. ليهب حسن واقفًا، يشعر برغبة ملحة في البكاء. عينيه احمرت تكاد تنفجر منها الدماء. التفت لجبران يهمس له محتدًا:
- الدخلة آخر الأسبوع ده، وبلدي!! أنا هجيب مناخيرها الأرض. صبرك عليا يا أمل!
عالم أسود وكر لشياطين من الجحيم. حفل أقيم في الجحيم. المكان مخيف. ملهى ليلي مخصص لهم هم فقط لأصحاب القلوب السوداء في منطقة راقية للغاية. يمكن أن تكون داخل مصر، ويمكن أن تكون خارجها. ولكنها في الأرجح خارجها. وقفت الكثير من سيارات الدفع الرباعي. نزل جيش كامل من الحراس. هنا السلاح أرخص من الطعام. توجه أحد الحراس إلى إحدى السيارات الضخمة فتح بابها، ينحني برأسه احترامًا وخوفًا. نزل من السيارة. وقف جوارها بمعطف أسود من الصوف وسروال حلة لمصمم شهير. قفازات من الجلد تغطي يديه. قناع أسود يغطي وجهه لا يظهر سوى عينيه اللامعة بلونها الأسود الحاد وشعره الطويل يتدلى منه غرة تغطي جبينه. هرول صاحب الملهى إليه. اقترب منه يحادثه مرتجفًا:
- سـ.. سـ.. سيدي صاحب الظل... جلالتك المزاد في انتظارك لتختار ما تريد قبل بيعهم.
لاحت ابتسامة شرسة مخيفة على ثغره لم يرها أحد غيره. تحرك للداخل بخطي واسعة يدس يديه في جيبي معطفه. ما أن دخل للملهى توقفت الأصوات خوفًا. ذلك الرجل لا يُفضل الاقتراب منه أبدًا. وكأن الشيطان تجسد على الأرض في جسده. اقتربت إحدى النادل تأخذ منه المعطف لتظهر حلته السوداء وقميصه الأبيض ورابطة عنقه السوداء. تحرك إلى طاولته الخاصة يضجع بظهره إلى ظهر أريكة سوداء من الجلد. أشار بيده ليبدأوا العرض. فُتح الستار أمام عينيه ليظهرن أمامه فتيات ربما أغلبهن عاهرات هنا للمزاد الخاص بهم. ذوق ذلك الملهى تدنى كثيرًا. لا شيء جديد ملفت. رأى مثلهم الكثير. مط شفتيه قليلًا بدأ يشعر بالاستياء. لف رأسه ناحية صاحب الملهى ابتسم يغمغم ساخرًا:
- بدأت أشعر بالملل. أين الجديد سام؟ أسرع، فوقتي كما تعلم يُقاس بجرامات الذهب.
توسعت عيني الرجل مذعورًا. ألم يعجبه أي منهن؟ تلك المجموعة الأفضل التي سيقامر عليها في حفل الليلة. لا يوجد أحد. لا يوجد. لا يوجد غيرها! لم يكن لديه حل آخر. هي آخر من تبقى. ربما تنقذه من تلك الورطة. غاب لبضع دقائق ليظهر من جديد يقبض على ذراع فتاة ربما هي في بداية العشرينيات تصرخ فيه تتلوي بين يديه أن يتركها وإلا قتلته. وقف بها أمامه يغمغم سريعًا:
- جلالتك، ابنة أخي. أتمنى أن تنال إعجابك.
رفع يسراه يحرك سبابته وإبهامه تحت ذقنه ينظر لها يقيمها بنظراته. مختلفة، عنيدة، شرسة. ليست سيئة. ليست سيئة أطلاقًا. لا تذكره، ولكنه يعرفها جيدًا. وكم هو سعيد الحظ ليعثر عليها ببساطة دون حتى أن يبدأ في البحث عنها. أومأ برأسه في هدوء يشير لأحد حراسه:
- خذوها إلى إحدى السيارات!
رواية جبران العشق الفصل الثالث عشر 13 - بقلم دينا جمال
صرخت وصاحت، قاومت أذرعاً كالخطاطيف تحاول جرها بعنف إلى إحدى السيارات الواقفة خارجاً.
غرست أسنانها بعنف في ذراع الحارس الذي يحاول جرها لتتخلص منه.
ركضت مذعورة تختبئ خلف عمها، تنهمر دموعها مذعورة تتوسله:
"أتوسل إليك يا عمي لا تتركني لهم، دعني أبقى هنا، سأعمل خادمة إن أردت، لكن لا تتركني لهم!"
نظر الرجل لابنة أخيه دون أن يرتجف له جفن. نظرات خاوية من الإنسانية، المشاعر، الرأفة. لم يشفق عليها حتى، فقط أمسك بها بعنف يدفعها ناحية أحد الحراس، يحادثها ساخراً:
"وهل كنتِ غير خادمة لا تجيد عملها... هيا يا حياة ارحلي دون رجعة، جلالته لن يبقيكِ حية أبداً... سأشتاق لكِ يا ابنة أخي العزيز."
قبض الحارس على ذراعيها بعنف يجرها جراً للخارج وهي تصرخ تتلوي تستنجد عمها:
"ارجوك يا عمي، أتوسل إليك، أرجوك."
حاولت أن تمد يديها في الهواء علها تمسك به كما لو كانت طفلة صغيرة تحاول الوصول لوالدها. دموعها تنهمر كشلال. ارتجف نابضها ذعراً، غير قادرة على تحرير نفسها من قبضة ذلك الرجل الضخم.
ما كاد يتوجه بها إلى إحدى السيارات، فُتح باب سيارة صاحب الظل. أطل من الباب بوجهه المغطى بالقناع، يوجه حديثه للحارس:
"أحضرها لهنا."
يجرها للموت، ذاك ما شعرت به وهي تُجر جراً نحو الموت الجالس في سيارة فارهة. دفعوها داخلها رغماً عنها لينغلق الباب من الخارج.
تحركت حدقتاها بجنون، مذعورة منه ومن مما قد يفعله بها. الرجل مخيف، بالرغم من أنها لم ترَ قسمات وجهه، لكنها تشعر بتلك الهالة السوداء المحترقة بنيران معاصيه تخترق نقاءها.
ضمت ذراعيها لصدرها تبتعد لأقصى مكان بعيد عنه. بدأت السيارة تتحرك لتنتفض مذعورة. التقتت برأسها له، أرادت أن تقول ولو حرفاً واحداً. تلجلجت الأحرف من بين شفتيها، تهمس له مذعورة:
"سييدي... سسيدي... ار ارجوك."
لم تكمل حين التفت ناحيتها في لمحة خاطفة. أخرستها نظرات عينيه. ذلك الرجل لا يمكن أن ينتمي لبني البشر أبداً.
أخذها عقلها لرحلة طويلة من المشاهد المخيفة التي يمكن أن يفعلها بها وهي لا حول لها ولا قوة.
أجفلت من شرودها المخيف على توقف حركة السيارة. دارت بعينيها في المكان. إيطاليا بها أماكن رائعة، ولكن ذلك كان الأروع على الإطلاق. لم تر يوماً قصراً هكذا، يشبه قصور الملوك والحكام قديماً. المكان مدجج بالحراس وكاميرات مراقبة تتحرك تمشط المكان بأكمله.
تحرك هو من جوارها ينزل. لم تمر ثانية ووجدت الباب المجاور لها يُفتح، والفاعل هو. لم ترَ وجهه، ولكنها شعرت بأنه يبتسم شامتاً بها. مد يده لها يدعوها لتمسك بكفه. حركت رأسها بالنفي مذعورة. ارتسمت على شفتيه ما يشبه ابتسامة ضحك، يغمغم ببساطة:
"لا بأس، أتذكر آخر فتاة رفضت دعوتي؟ كنت في الثامنة عشر، رفضت الرقص معي فقط، قطعت يديها. المسكينة قتلتها بعد ذلك. هل تريدين مصيراً مشابهاً؟"
توسعت حدقتاها، عذراً، تنفي برأسها. ليمد يده من جديد. تلك المرة أمسك برسغ يدها يجرها من السيارة إلى الداخل.
لم ترَ شيئاً حولها، كل ما كانت تشعر به أنها شاهد تُجر لتُذبح. خلف خطواته السريعة كانت تتحرك مرغمة، إلى أن وصل بها إلى باب غرفة ما. ألقاها داخلها ليدخل خلفها يغلق الباب عليهم من الداخل.
حركت رأسها نفياً بعنف، تنهمر الدموع من عينيها خوفاً. حتى الكلمات علقت داخل فمها مذعورة.
في حين مد هو يده ينزع قناع وجهه الأسود. نظر لها يبتسم كشيطان انتصر حين أقنع قابيل بقتل أخيه.
لتشهق هي مذعورة حين رأت وجهه. ارتدت للخلف بعنف. ارتعدت الأحرف بين شفتيها تتمتم مذعورة:
"أأنت؟!"
خرجت من بين شفتيه ضحكة قاتمة، يومئ لها ببساطة. تخلص من سترة حلته ليرتمي على مقعد وثير في غرفته، يضع ساقاً فوق أخرى، يطفقها بنظرات انتصار. مال بجسده قليلاً للأمام، يمسك بزجاجة نبيذ فاخرة وكأس من الزجاج. ملأ ربع الكوب، يمسك بالكأس في كفه. اضطجع بظهره إلى ظهر الأريكة، يغمغم مبتسماً:
"أوعي تكوني مش فكراني، زعلت."
توسعت عينيها في ذهول. يتحدث العربية بل واللهجة المصرية أيضاً. ألجمتها الصدمة عن التحدث.
ليضحك هو ساخراً. ارتشف ما في الكأس على دفعة واحدة، يغمغم ضاحكاً:
"إيه يا حياة؟ أنا عارف إنك مصرية وأكيد فهماني. على رأي المثل بتاعكوا، هي القطة أكلت لسانك؟"
شهقت مذهولة، تحرك رأسها بالنفي بعنف، تتذكر أول مرة رأته فيها صدفة.
**Flash back**
حياة تنبض بالحياة بين جدران القسم الخاص بالأطفال. حياة الممرضة الجميلة صاحبة العشرين ربيعاً، صاحبة الأعين السوداء والبشرة السمراء وشعر أسود مموج. نعمل في قسم الأطفال في إحدى المستشفيات.
خرجت من غرفة المريض بعد أن أنهت عملها، تتحرك بين طرقات المستشفى إلى غرفة الاستراحة لتنال بضع دقائق من الراحة. الساعة تجاوزت الثانية ليلاً حين سمعت صوت الإنذار في قسم الأطفال.
تحركت تركض تعود أدراجها لتجد عند قسم الطوارئ الخاص بالأطفال. طفل صغير في العاشرة تقريباً، ذراعه به أثر طلق ناري. المنظر كان حقاً بشعاً لا يوصف. طفل صغير مصاب بطلق ناري. مشهد جعلها تصرخ مذعورة. تعمل في المستشفى منذ عامين، لم يأتِ طفل واحد حاله كهذه.
أسرع أحد أطباء المناوبة الليلية وهي وبعض الممرضات يساعدن في إخراج الرصاصة من جسد الطفل المسكين.
جلست على مقعد صغير جوار فراش الصغير، تمسح بقطعة قطن صغيرة حبات العرق المتنداة على جبينه. تمسح على خصلات شعره بحنو. أدمعت عينيها حزناً، تهمس له مشفقة:
"ماذا فعلت يا صغيري لتصاب برصاصة غاشمة كادت أن تنتزع زهرة براءتك."
ظلت جواره حتى غلبها النعاس، فوضعت رأسها على حافة الفراش وغطت في النوم. مرت عدة ساعات تقريباً قبل أن تستيقظ على صوت حركة. فتحت عينيها سريعاً قلقة، لتجد رجلاً غريب الشكل يرتدي حلة سوداء بقميص يماثلها سواداً فوقها معطف أسود ثقيل. ما ذلك الرجل الغريب؟ هل مات عزيز لديه قبل قليل؟
ملامح وجهه حادة، كأنه خُلق غاضباً دوماً. عينيه مخيفة، نظراته خبيثة بها شيء سام تستطيع أن تشعر به من الوهلة الأولى.
قامت من مكانها سريعاً، وقفت جوار الفراش تنظر له تسأله محتدة:
"من أنت؟"
أشار بطرف عينيه إلى الصغير الراقد في فراشه، يغمغم بلامبالاة:
"والده!! ... كيف حاله؟"
توسعت حدقتاها في ذهول. والده؟ ذاك والد الطفل؟ إذاً لما لا يوجد ولو ذرة قلق واحدة في صوته؟ كأنه يزور صديقاً يكرهه، لا ابنه قطعة من قلبه أليس كذلك؟
شعرت بالغضب والشفقة على الصغير في آن واحد. لتصيح فيه محتدة:
"والده!! أي والد أنت؟ أين كنت وطفلك يصارع الموت؟ أين كنت وهو يُرمى بالرصاص؟ والآن لا ذرة قلق أو ندم واحدة في صوتك؟ أبي كان لا ينام الليل إن أُصبت بالزكام."
لم تتبدل قسمات وجهه للحظة، فقط دس سيجارة رفيعة بين شفتيه، يغمغم متهكماً:
"ظننته مات، فجئت لأخذ جثته. ولكن الوغد الصغير لا يموت بسهولة، تماماً كوالده."
كلماته كانت كصفعات تنزل على وجهها بعنف. ذلك الرجل مجنون، مريض، لا قلب له. تحركت سريعاً تصرخ فيه:
"هيا إلى الخارج!! شيطان مثلك يجب أن يكون في الجحيم. إلى الخارج."
ابتسم ساخراً، يرفع حاجبه الأيسر متهكماً. امتص نفساً عميقاً من سيجارته، ينفث دخانها في المكان. لتصرخ هي فيه محتدة:
"أطفئ السيجارة! الطفل سيموت. هيا للخارج قبل أن أستدعي الأمن يرمونك بالخارج."
خرجت من بين شفتيه ضحكة عالية ساخرة. ألقى السيجارة أرضاً يدعسها بطرف حذائه. ألقى عليها نظرة ساخرة، يطفقها من أعلى لأسفل، يغمغم يتشدق متوعداً:
"سنلتقي من جديد!"
**Back**
وها هما التقيا فعلاً! ها هو الشيطان يظهر أمامها من جديد. لم يشفق على طفله الجريح، كيف يمكن أن يشفق عليها.
تلجلجت الأحرف بين شفتيها، تهمس له مرتعدة:
"أنت عايز مني إيه؟"
علا ثغره ابتسامة مريضة مخيفة. تحرك من مكانه بخفة، يخطو خطواته إليها، خطوة تليها أخرى إلى أن صار أمامها. تحسس خصلة مجعدة من خصلات شعرها، يتمتم متلذذاً:
"أريدك خاضعة!"
***
الساعة الآن تجاوزت الثانية ليلاً. لماذا تجلس هكذا على شاطئ البحر على الرمال؟ تفترش كملاك حزين.
وقف عند باب المنزل يراقبها من الخارج، يبتسم حزيناً. علاقتهم الفترة الماضية لم تتجاوز بضع كلمات، لا تصل للجمل حتى.
الجو بارد. عاد أدراجه يحمل معطفاً ثقيلاً من معاطفه. اقترب منها يتحرك بهدوء حتى لا يفزعها. دنا بجذعه، يضع المعطف على كتفيها بخفة.
لم تبدِ رد فعل مما فعل، ليتنهد بعمق. جلس جوارها على الرمال يحادثها:
"الجو برد يا رسل. تعالي جوا."
حركت رأسها بالنفي بخفة. شدت معطفه حولها، ليخترق عطره أنفها. لاحت على شفتيها ابتسامة صغيرة، تتمتم شاردة:
"أنا فاكرة شكل البحر وخصوصاً بليل كان جميل أوي."
"مهما يوصل جماله مش هيوصل لربع جمالك."
همست بها شفتيه، يوجه أنظاره إليها. لتلتفت برأسها إليه. رأى حدقتيها وكأن لمعة صغيرة أنارت بها للحظات. ارتسمت ما يشبه ابتسامة دلال على شفتيها، تهمس برقة:
"يعني أنا جميلة فعلاً؟"
"أجمل بنات الأرض."
غمغم بها بثقة دون تردد. لتبتسم في هدوء. قامت من مكانها تحكم المعطف على ذراعيه، تتحرك تعود أدراجها إلى المنزل. وقفت فجأة في منتصف الطريق. التفتت برأسها إليه، تغمغم مبتسمة:
"في حاجات مستحيل نقدر نخبيها مهما حاولنا، بتتعرف يا عز... تصبح على خير يا أمير عريق!"
قالتها لتكمل طريقها إلى الداخل. قطب ما بين حاجبيه يفكر فيما تقصد مما قالت توا.
***
مضى الليل سريعاً. جاء الصباح موعدها مع زياد في قسم الشرطة في التاسعة لتكمل التحقيق في قضية والدها.
اغتسلت وبدلت ثيابها، نزلت لأسفل سريعاً لتري أمل تنزل هي الأخرى من منزلها تتجه إلى عربة (الكبدة). لحقت بها تحادثها مبتسمة:
"صباح الخير يا أمل. مين كان يصدق إني هيجي يوم وأصحى الساعة 8؟ دا أنا كنت بنام 10."
ضحكت أمل مرتبكة متوترة. اختفت ضحكاتها بعد لحظات فقط، تزدرد لعابها الجاف. اقتربت من وتر تمسك بكف يدها، تهمس لها قلقة:
"أنا قلقانة أوي يا وتر. خايفة أحسن حسن يعمل حاجة. ودا بلطجي، ما يهموش. وجبران أول واحد هيحاميله ويداري عنه أي مصيبة لو عملي حاجة."
تتفهم خوفها بل وتشعر به أيضاً. حسن لا يفرق كثيراً عن جبران، وربما أسوأ. رد فعله عما فعله زياد بالأمس قد لا تكون جيدة اطلاقاً.
تنهدت قلقة تحاول أن تطمئنها. ربتت على كفها بخفة، تبتسم لها تحاول تهدئتها:
"يا بنتي ما تقلقيش. حسن دا كبيره يخوفك. وبعدين زياد معانا. لو حصل أي حاجة مش هيسبنا. المهم أنتي ركزي في امتحاناتك. يلا سلام."
ودعتها، تأخذ طريقها إلى الطريق الرئيسي. لوحت لأقرب سيارة أجرة وقفت بالقرب منها. جلست وأغلقت الباب تخبر السائق بوجهتها. أدار السائق المحرك. وقبل أن تتحرك السيارة بلحظات، شهقت مذهولة حين دخل إلى السيارة من الباب الآخر يجلس جوارها يبتسم لها في سماجة.
على صعيد آخر، حاولت أمل جاهدة التغلب على وسواس خوفها. بدأت بتحضير (الكبدة) وتقطيعها وفتح الأرغفة الفارغة، تدعو في نفسها أن يمر الأمر على خير.
لفت انتباهها تحرك بعض الشباب في الحي وحبال من الزينة وفروع الضوء يحملون منها الكثير والكثير. اقترب أحد الشباب منها يغمغم:
"بقولك يا ست أمل، إحنا عاوزين خمسة وأربعين رغيف للرجالة والحساب عند المعلم حسن. أصل الرجالة دي هتطول."
حركت رأسها بالإيجاب. غلبها الفضول لتسأله سريعاً:
"انتوا بتعلقوا الحاجات دي ليه؟"
ابتسم الشاب في اتساع، يغمغم سريعاً:
"المعلم حسن هيتجوز. عقبالك يا أستاذة، ما تعوقيش علينا في السندوشات بقيا."
أومأت بالإيجاب. عينيها متسعة مذهولة. حسن سيتزوج؟ هل صدقاً ما سمعت؟ أخيراً ستتخلص من كابوسه المزعج وسيتزوج. ارتسمت ابتسامة سعيدة على شفتيها تتنهد بارتياح. وتر كانت محقة في خطتها. أخيراً تخلصت منه.
في حين كان هو يراقب من بعيد رد فعلها على خبر زواجه وكم أزعجه سعادتها به. المسكينة لا تعرف أنها العروس، وربما لا يجب أن تعرف الآن.
تحرك ناحيتها في هدوء. قسمات وجهه مرتخية، هادئة. حمحم في هدوء ليجذب انتباهها. نظرت ناحيته مرتبكة. ليدس يده في جيب سرواله، يخرج محفظة جيبه، يحادثها باحترام:
"صباح الفل يا آنسة أمل. العيال قالولي إنهم خدوا 45 ساندوتشات. يعني حسابك 135... ادي 150 والباقي عشانك."
ودون كلمة أخرى وضع النقود أمامها وغادر. لم ينظر إليها حتى وهو يحادثها. صوته هادئ يخلو من تهكمه الدائم منها. حسن أما أخرجها من حياته خوفاً من زياد، أو يخطط لأسوأ مما يمكن أن تتخيل.
***
تحركت سيارة الأجرة بهم وهي تجلس مكانها مدهوشة للحظات طويلة تعجز عن النطق. أخيراً استعادت تركيزها لتحادثه محتدة:
"أنت بتعمل إيه هنا؟"
التفت لها برأسه ينظر لها من أعلى. رفع حاجبه الأيسر ساخراً، يغمغم متهكماً:
"راكب تاكسي. إيه؟ هي التاكسيات حكر على ولاد الذوات بس ولا إيه؟"
رمشت بعينيها عدة مرات في ذهول. لا تجد ما تقوله. وماذا ستقول؟ زبون في سيارة أجرة، لا حق لها في طرده. ابتعدت عنه لأقصى الأريكة، تلتصق بالباب حرفياً. تسبه في نفسها.
وصلت السيارة بهم إلى قسم الشرطة. التفتت له قبل أن تنزل، تهمس له محتدة:
"عارف لو خرجت لاقيتك هبلغ عنك. وزياد أصلاً مش بيطيقك."
نظرة عينيه تبدلت في لحظة. كم بدا غاضباً مما قالت. لم تنتظر منه أي رد فعل. أسرعت خطاها لداخل قسم الشرطة دون أن تحاسب السائق، ربما نسيت؟
دخلت تسأل عن مكتب زياد. دلاها العسكري إليه. استأذنت ودخلت. ليقف هو يرحب بها بابتسامة واسعة. صافحته. أشار لها للمقعد المجاور لمكتبه:
"اتفضلي اقعدي."
جلست تبتسم له بخفة. لتتوه عينيه في ابتسامتها الجميلة. تنهد بعمق. حمحم يستعيد جديته. يتمتم مترفقاً:
"ما تقلقيش. هما كام سؤال بس نقفل بيه القضية. أنتي ما فيش عليكِ أي شبهة."
أومأت له ليبدأ بسؤالها. أسئلة تقليدية. ربنا سمعتها قبلاً في إحدى الأفلام على التلفاز. مضت حوالي خمسة عشر دقيقة إلى أن انتهى التحقيق. ليعطيها زياد دفتر المحضر، يمد يده لها بقلم:
"اتفضلي امضي على أقوالك."
خطت توقيعها على ما قالت. تعيد الدفتر له، تغمغم مبتسمة:
"طب استأذن أنا بقي يا زياد باشا."
قامت متوجهة إلى باب الغرفة، لتسمع صوت زياد يردف سريعاً:
"ثواني يا آنسة وتر. أنا عايزك في حاجة."
التفتت لهم لتجد الكاتب، ذلك الرجل الذي كان يجلس على مقعد جوار زياد يكتب المحضر. تحرك يخرج من الغرفة. لتنظر وتر لزياد مستفهمة.
قام زياد من مكانه متوجهاً إليها. وقف بالقرب منها. وقف للحظات صامتاً، يحمحم بين الحين والآخر. تنهد بعمق، يغمغم مرتبكاً:
"آنسة وتر، أنا من ساعة ما شوفتك أول مرة وأنا حاسس إني مشدود ليكِ. إنت عارف إننا نعرف بعض من مدة قليلة جداً، بس يعني المشاعر زي ما بيقولوا ما فيش عليها سلطان. فممكن يعني بعد ما تخلص حكاية أمل يكون في مجال لحكاية لينا."
اضطربت حدقتاها للحظات تنظر له بيآسة. كانت حقاً تتمناه زوجاً لأمل، ولكن ما العمل؟ أعطته شبه ابتسامة تومئ له، لتتوسع ابتسامته. يغمغم:
"بجد؟ أنا حقيقي أسعد إنسان في الدنيا. طب تسمحيلي أوصلك؟ أنا كده كده في وقت راحة دلوقتي."
ولما لا؟ على الأقل ستضمن عدم احتكاك جبران بها من جديد. أومأت له من جديد. ليعود سريعاً يلتقط مفاتيح سيارته وسترته. فتح لها باب الغرفة، يغمغم مبتسماً:
"اتفضلي."
تحركت أمامه إلى الخارج. خرج معها من قسم الشرطة ليراهم. يقف بعيداً ينظر للزوجين المتناغمين. ذلك زياد يعزف على وترين في آن واحد. وتره ووتر حسن؟ رأته وهو يقف لتوجه له نظرة ساخرة متهكمة بها قدر كبير من الاحتقار. تحاول به كسر نرجسيته التي تصل لأنفه. ليرفع كف يده على الرقم ثلاثة، وكأنه يخبرها بأن الثالثة أزفت وأن فرصها للنجاة منه قد نفدت جميعاً وحان وقت تلقي العقاب!
ابتلعت وتر لعابها مرتبكة. دق هاتفها في تلك اللحظة التالية. استأذنت من زياد حين رأت رقم طارق. تبتعد عنه فتحت الخط تحادثه:
"أيوه يا طارق."
سمعت صوته يغمغم سريعاً متلهفاً:
"وتر حصلت مشكلة ومضطر للأسف أسافر ومش هرجع غير بعد شهر. فالحفلة هتتعمل النهاردة. بليييييز تعالي يا وتر، أنا فعلاً نفسي تحضريها. هبعتلك العنوان في ماسدج. هتيجي صح؟ please say yes."
ضحكت بخفة على طريقته المضحكة، تومأ برأسها تغمغم ببساطة:
"Ok يا طارق. هاجي النهاردة."
صاح فرحاً يشكرها بحرارة. لتغلق معه الخط بعد أن ودعته. طارق فتى لطيف، وتؤكد على تلك المعلومة. ستحضر حفلته الليلة. اشتاقت كثيراً للمجتمع الراقي، وترغب في الانغماس بينه من جديد.
رواية جبران العشق الفصل الرابع عشر 14 - بقلم دينا جمال
إلى سقف الحجرة الفخمة عينيها معلقة،
تزرف الدمع،
وجهها شاحب كالموتى،
عينيها حمراء،
جسدها يرتجف بعنف...
ضمت ركبتيها لصدرها،
تنخرط في البكاء،
تتذكر ما حدث بالأمس.
**Flash back**
- أريدك خاضعة.
شخصت عينيها ذعرًا،
تلتصق بالحائط خلفها،
تحرك رأسها بالنفي بعنف،
صرخ الذعر خائفًا على وجهها،
مجنون،
كانت تشك في ذلك والآن تأكدت.
توسلته،
ترجوه أن يبعدها عن ذلك الجحيم الذي يرغب في رميها فيه،
قالتَ:
- أرجوك لا.
توسلت،
فابتسم،
انتشت ابتسامة مريضة تعلو ثغره،
بث الذعر في نفسها،
ليحرك هو رأسه بالإيجاب،
أغمض عينيه يتمتم مستمتعًا:
- المزيد! لا تعلمين كم أكون سعيدًا حين أسمع من أمامي يتوسل إلي.
تخبط قلبها بين أضلاعها بعنف،
تنظر حولها كقطة مذعورة بين براثن وحش،
تحركت حدقتيها بجنون،
تنظر لباب الغرفة،
ها هو المفتاح معلق في قفله،
لا سبيل للخروج من حصار ذراعيه سوى أن تدفعه بعيدًا عنها،
وهذا بالضبط ما فعلته،
لملمت ذرة الشجاعة الباقية لها لتدفعه بعيدًا،
ارتد خطوتين فقط خلف ثغرها تهرب منه،
فرت راكضة إلى باب الغرفة،
ما كادت تصل وصل هو إليها،
شعرت بجسدها الضئيل يرتفع عن الأرض بين ذراعيه،
يديه تكبلان خصرها ككماشة بأنياب حادة،
تلتوي بين ذراعيه بعنف،
تصرخ،
تتوسله أن يبتعد عنها،
كمّش رسغيها في يمناه،
ينزلها أرضًا،
جذبها بعنف ليواجه وجهها الصارخ،
قسمات وجهه المتلذذة السعيدة بخوفها،
رفع سبابة يسراه أمام شفتيه،
يهمس بخبث أفعى رقطاء:
- هشش، توقفي عن الصراخ، يديكِ الصغيرة دفعتني، إن لم تكوني فقط ضيفتي لكنت قطعتهما.
- أنت مريض!
صرخت بها بشراسة،
تحاول أن تجذب يديها من بين كف يده،
لتسمع ضحكاته تشق المكان،
ترك رسغيها،
يقبض على ذراعيها،
يتمتم بجنون مخيف:
- نعم أنا مريض يعشق رؤية الخوف والعذاب في أعين الجميع... مريض سيجعلكِ تتوسلين الموت كل لحظة ولن تحصلي عليه... مريض سيسلخ براءة روحك كما تُسلخ الشاه حية.. مريض سيجعلك نسخة عنه... شيطانية سأنصعها بيدي.
رماها بعنف إلى الفراش القريب منه،
ضم شفتيه يصفر لحنًا بطيئًا مخيفًا،
انهمرت دموعها ذعرًا،
تزحف للخلف،
تنظر له بهلع،
خاصة وهي ترى يديه تحل أزرار قميصه،
حاولت أن تقفز بعيدًا عن الفراش،
ليسرع هو يمسك بإحدى قدميها،
يضحك عاليًا مستمتعًا بما تفعل،
هَسَسَ بصوت يرجف الأبدان:
- أعدك بأني سأنزع الحياة منكِ يا حياة!!
**Back**
عادت من ذكراها المريرة،
تحتضن جسدها بين ذراعيها،
تشهق في البكاء،
صدق في وعده،
انتزع الحياة منها،
لون صفحتها البيضاء بقطرات دمائها،
وهو ينام جوارها كشيطان يرتاح من غواية الناس قليلًا ليعود يعثّر في الأرض فسادًا...
لم تفعل شيئًا لتكن خادمة لدى عمها منذ سنوات،
والآن تُباع لمسخ..
ارتجف جسدها،
تشعر بالغضب...
بالقرب منها تقبع سكين الفاكهة الصغيرة،
ستقتله كما فعل هو...
تقدمت بخطى تلملم ثيابها الممزقة،
تواري بها جسدها،
أمسكت السكين بأيدٍ مرتجفة،
تحركت تعود للفراش،
يهتز السكين في يدها،
جلست على ركبتيها جواره،
ترفع يديها لأعلى،
تزرف عينيها الدموع بحرقة قلبها النازف المنتهك...
كادت أن تهوي بالسكين على صدره حين فتح عينيه في لحظة،
يبتسم ابتسامة مخيفة،
صرخت مذعورة،
تلقي السكين من يدها من خوفها،
في حين انتصف هو جالسًا،
يمسح وجهه بكف يده،
يغمغم ضاحكًا:
- تريدين قتلي يا حلوة... أنا لا أموت، هل سمعتِ عن شيطان يُقتل؟
ربت على وجهها بخفة،
يضحك ساخرًا،
تحرك من الفراش ليسمعها تصرخ بشراسة:
- الشياطين تُحرق، وأقسم أني سأحرقك كما حرقت روحي!
ضحك عاليًا دون أن يوليها وجهه،
يكمل طريقه إلى المرحاض،
يصفع الباب في وجهها،
تاركًا إياها تتجرع مرارة أيام سوداء فاتت وأيام أشد سودًا ستأتي على يديه!!
________
طوال فترة عملها وهي تراقب ما يحدث في الحي أمامها،
كل تلك الزينة والأضواء،
ابتسامة حسن المتوعدة التي تخبرها بأن القادم سيء...
ابتلعت لعابها خائفة،
تنبهت حين نزلت وتر من سيارة زياد،
تتحرك إليها تحادثها بابتسامة واسعة:
- أمل اطلعي بسرعة، غيري هدومك، زياد جاي ياخدك عشان تخرجوا.
توسعت عينيها في دهشة،
تشير لنفسها مذهولة،
وقفت للحظات مصدومة مذهولة،
تنهدت وتر يائسة،
تمسك بكف يدها تجذبها معها تحادثها:
- يلا يا أمل أنتِ لسه هتنحي... زياد كلم عمو صابر قوله.
دفعتها إلى عمارتها السكنية،
تستأذن من زياد لتهرع إلى منزلها هي الأخرى لتُعد نفسها للحفلة.
وقف زياد مكانه يستند إلى سيارته،
يتأفف حانقًا،
لم يكن يريد أن يأخذ تلك الفتاة،
ولكنها طلبت منه برقة لم يستطع رفض طلبها وهي تحادثه بابتسامة رقيقة:
- زياد ممكن أطلب منك طلب لو ينفع يعني تاخد أمل تخرجها حتى لو مشوار سريع، نفسيتها وحشة جدا بسبب اللي اسمه حسن، حتى لو ساعة واحدة.
ابتسم باصفرار،
يومأ لها موافقًا لتتوسع ابتسامته،
تشكره بلا توقف...
اجفل من شروده حين رأى حسن يقترب منه،
وقف بالقرب منه يحادثه مبتسمًا:
- أهلًا أهلًا يا زياد باشا، نورت الحتة كلها والله.
رفع حاجبيه الأيسر ساخرًا،
مد يده يصافحه بأطراف أصابعه،
يغمغم متهكمًا:
- الله يبارك فيك يا أبو علي، عقبالك.
ابتسم حسن ابتسامة قاتمة بها وعيد مخيف،
أشار بيديه حوليه،
يغمغم متفاخرًا:
- قريب يا باشا إن شاء الله، ما هي الليلة اللي يجهزوها دي ليلتي... أنا اللي المفروض أقولك عقبالك.
نظر زياد للعمال الذين تتحرك هنا وهناك،
يبدو أن الزفاف قريب،
ولكن من العروس يا ترى،
شيء ما بداخله يخبره بأن حسن يخطط لشيء،
كاد أن يسأله عن هوية العروس حين نزلت أمل من أعلى،
تتهادى بفستان باهظ الثمن،
فستان وتر على ما يبدو من اللون السماوي الفاتح يعلوه سترة بيضاء وحجاب يتماشى معهما،
لم يعرف زياد أنها نزلت إلا حين رأى عيني حسن مثبتة على شيء ما ترتكز ترفض التحرك،
التفت ليراها،
فرسم ابتسامة صغيرة على شفتيه،
اقترب منها وقف أمامها يغمغم مبتسمًا:
- أنا كلمت عم صابر استأذنته وهو وافق، بتحبي البيتزا؟ هنروح مطعم بيتزا هائل.
أمسك بكف يدها يجذبها معه بخفة إلى السيارة،
فتح الباب لها لتدخل،
حين اقتربت من الباب المفتوح وقعت عينيها على حسن الواقف هناك،
ويا ليتها لم تفعل،
نظراته وكأن الجحيم فتح أبوابه توًا داخل عينيه،
نظرة وعيد رأتها جيدًا.
اختبأت بعيدًا عن نظراته المخيفة داخل السيارة،
في حين ارتسمت ابتسامة سخرية متهكمة على شفتي زياد،
ينظر لحسن بإزدراء قبل أن يلتف حول السيارة يأخذ مقعده،
ينطلق بالسيارة يخلف دخانًا أبيض،
ظهر من بينه أعين حمراء تنفجر كبركان غاضب.
____________________
- حفلة إيه دي اللي أنت ناوي تعملها يا طارق، أنت ناسي إننا مسافرين بكرة؟
غمغم بها مجدي محتدًا،
ينظر للواقف أمامه يتابع تنظيم حفله الخاص دون أن يعبأ بما يقول أُطْلاقًا،
أشار بيده إلى أحد الخدم يحادثه آمرًا:
- في الكورنر الفاضي دا تحط البوفية وتهتموا كويس أوي بالـ appetizer اللي جنب الوسكي.
حني الخادم له بأدب لينصرف سريعًا لينفذ ما يقول...
ليدس طارق يديه في جيبي سرواله الجينز،
يصفر لحنًا عاليًا مزعجًا سخيفًا،
ارتسمت ابتسامة ساخرة على ثغره،
رفع كتفيه لأعلى يغمغم ضاحكًا:
- حفلة الوداع، مش أنت بتقول احتمال نطول في الرحلة دي، فقولت أودّع فانزاتي الأحباء.
ومن ثم ضحك عاليًا،
ليزفر مجدي أنفاسه حانقًا من ذلك المدلل الذي لا نفع منه...
استل مسدسه من غمده،
يشهره أمام وجه طارق،
قبض على تلابيب ملابسه بيسراه،
يصيح محتدًا:
- طارق ما تستفزنيش، أنا أصلًا على آخري، مش هتبقى أغلى من وليد اللي كان ماسك شغل العيلة كلها ومع أول غلطة غبية حاول بيها يهد كل حاجة قتلته بإيديا... أنجز حفلتك وابعد عن وتر بنت سفيان، أبوها ممكن يفجر الدنيا لو اتمس منها شعرة... فاهم؟
ابتسم طارق في سخرية،
يومأ برأسه بلامبالاة،
ليدفعه مجدي بعيدًا عنه بعنف،
فانسحب طارق يصعد لغرفته سريعًا،
فتح بابها،
ينظر للثريا المعلقة بالسقف،
أحضر مقعدًا صغيرًا وقف فوقه،
يلصق بها كاميرا صغيرة للغاية لا تُرى بسهولة،
أعاد الكرسي لمكانه،
يخرج من جيب سرواله زجاجة صغيرة بها قطرات من مادة شفافة مخدرة،
نظر للزجاجة ليعلو ثغره ابتسامة شيطان مخيفة،
يهَسِسَ متوعدًا:
- قال أبعد عن وتر... دا أنا هعزف على الوتر!!
_______________
المكان فاخر فخم راقي،
مطعم لبيع المأكولات السريعة،
تجلس أمامه على الطاولة منذ خمس دقائق،
لا يدور بينهما ولو كلمة عابرة،
إلى أن جاء النادل يعطي لكل منهم قائمة الطعام،
نظر زياد لها محرجًا من أن تكون لم تفهم المكتوب أمامها،
حَمْحَمَ،
يهمس لها بخفوت:
- تحبي أطلبلك؟ أنا لست...
بغبية لكي لا تفهم سبب سؤاله،
ابتسمت في بساطة،
تتحرك برأسها إلى النادل،
تردف بطلاقة:
- Grilled patty, mashed potatoes, and some pasta, please.
اتسعت حدقتي زياد في دهشة،
ينظر لها مذهولًا،
بائعة الكبدة تجيد الإنجليزية!!
أعطى القائمة للنادل يطلب نفس ما أخذت هي،
انسحب النادل،
ليحْمَحْمَ هو تلك المرة محرجًا من ذاته،
اعتدل في جلسته،
يحرك كفه على رقبته،
يتمتم معتذرًا:
- أنا آسف، أنا بس ما كنتش عايز أحرجك مع الويتر... بس أنا حقيقي منبهر، أنتِ بتتكلمي بالإنجلش كويس أوي.
ابتسمت في بساطة،
تومأ برأسها بخفة،
تتمتم:
- لا أبدًا ما فيش حاجة، الإنجليزي كانت أسهل مادة في المدرسة، كنت بحبها جدًا، أنا جايبة فيها في تالت إعدادي الدرجة النهائية كنت طالعة الأولى على المدرسة.
قطب ما بين حاجبيه،
يسألها مذهولًا:
- طب ما دخلتيش ثانوية عامة على طول، ليه بدل ما تدخلي دبلوم وترجعي تعملي معادلة؟
ارتسمت ابتسامة صغيرة حزينة على ثغرها،
شردت عينيها بعيدًا لتتنهد بعمق،
تردف هامسة:
- ما كنش ينفع عشان ظروف أبويا وظروفنا المادية ما كنتش هتسمح... وكان لازم أبقى موجودة على عربية الكبدة عشان أمي بتشتغل... بس أنا مش هيأس وبإذن الله هنجح في امتحاناتي المعادلة وأدخل كلية التجارة، أنا صحيح كان نفسي أبقى دكتورة بس دي إرادة ربنا فوق كل شيء.
لمع زيتون عينيه إعجابًا بتلك الصغيرة التي تناضل أمواج الدنيا لتصل لما تحلم به،
ضحك بخفة يمازحها:
- وعلى كده بقى الكبدة دي في السليم ولا ما عندكوش كلاب وقطط في المنطقة؟
ضحكت تُجَارِي مزحته التي لم ترقها كثيرًا ولكنها حاولت أن تضحك،
تردف:
- لا لا ربنا يعلم، هي صحيح مستوردة مش بلدي بس نضيفة وكويسة، أنا ببيع منها لأبويا وأحيانًا باكل منها فما تقلقش، أكلنا نضيف وكويس.
أومأ بخفة،
يدق بأصابعه على سطح الطاولة بضع لحظات،
لا يجد ما يقوله،
قاطع الصمت وصول النادل ومعه الطعام،
وضعه أمامهم وغادر،
ابتسم يغمغم مبتسمًا:
- اتفضلي.. أنا حقيقي واقع من الجوع.
ابتسمت له،
تومأ له في صمت،
رفعت عينيها تنظر من الزجاج المقابل لها،
لتتسع عينيها في ذعر،
هل رأت حسن يقف على الجانب الآخر من الشارع أم أنها فقط تتوهم؟!
نظرت إلى زياد لتعاود النظر حيث كان يقف حسن فلم تجده،
كانت تتوهم،
حسن لم يأتِ هنا أليس كذلك؟!
__________________
وقفت أمام مرآتها،
تلتف حول نفسها،
تنظر لانعكاس صورتها بابتسامة كبيرة واثقة،
وتر جميلة وستظل حتى وإن عاشت بين ذرات الغبار،
أكملت وضع زينة وجهها،
تسدل خصلات شعرها القصيرة،
التقطت معطفًا دون أكمام (شال)،
تضعه على كتفيها،
وحقيبة صغيرة للغاية تلمع تأخذ لون الفستان،
وحذاء بكعب رفيع....
خرجت من الغرفة لترى والدتها تجلس على الأريكة أمام التلفاز تشاهد مسلسلًا قديمًا لا تعرف اسمه ولا تهتم،
تحركت تخطو خطاها إلى الصالة تحادث والدتها:
- ماما أنا هخرج.
رفعت فتحية رأسها تنظر لابنتها لتشخص مقلتيها في ذهول،
هبت واقفة تصيح فيها:
- يا نهار أبوكي أسود، أنتِ عايزة تخرجي بالمنظر دا، أنتِ فاكرة نفسك لسه في فيلة أبوكي؟ أنتِ هنا في الحارة يا عين أمك يعني لو خرجتِ كده ألف لسان ولسان هينهش في لحمك اللي معرّياه دا.
ارتسمت ابتسامة بسيطة على شفتيها،
تعدل من وضع المعطف على كتفيها،
تغمغم ساخرة:
- حارة، فيلا، صحراء حتى، ما حدش ليه حاجة عندي، أنا وتر بنت سفيان الدالي اللي عملني إني أحط الشوز بتاعي على رقبة أي حد يجيب سيرتي ولو بكلمة واحدة... حقيقي كنتِ محتاجة تتعلمي من بابا حاجات كتير خسرتيها، سلام يا ماما عشان ما أتأخرش.
رفعت هامتها لأعلى بإيباء،
تحركت لخارج المنزل،
فتحت الباب،
تنظر لوالدتها قبل أن تخرج لترى نظرة عذاب تصرخ في عينيها،
جذبت الباب تغلقه خلفها دون أن تلتفت لوالدتها التي تهاوت على ركبتيها أرضًا،
ارتجف جسدها،
انهمرت الدموع تغرق وجهها،
فقط تحرك رأسها بالنفي،
تتمتم بحرقة:
- أنتِ مش فاهمة حاجة، دا شيطان،
شيطان مش بني آدم.
في حين تحركت وتر لأسفل، تخرج من عمارتها السكنية، تسلك طريقها إلى الشارع الرئيسي لتوقف سيارة أجرة.
لم تره وهو يجلس على كرسي خشبي على تلك القهوة البلدي الصغيرة، يضع ذراع النارجيلة (الشيشة) في فمه، يسحب أنفاس طويلة يزفرها بحرقة، عينيه شاردة ينظر للفراغ نظرات حانقة غاضبة...
ليفيق على يد وضعت على يده وصوت صبي يهتف سريعاً بتوتر:
- الحق يا معلم مش دي المدام.
نظر سريعاً لما يشير الفتى لتحمر عينيه غضباً.
ألم تكتفِ تلك الصغيرة بما فعلت صباحاً؟ نفذت جميع فرصها معه.
طوى الطريق بسرعة، وغضبه على وشك حرق أرصفة الطريق تحت قدميه، صار خلفها في عدة لحظات ليجذب مرفقها بعنف.
خرجت منها شهقة عالية متألمة حينما شعرت بأصابع خشنة قاسية تقبض على مرفقها لتشعر بتلك اليد تلفها بقسوة...
شخصت عينيها غضباً حينما رأته يقف أمامها لحظات، وتحولت نظراتها الغاضبة إلى احتقار وغيظ...
حينما هزها بيده بعنف يصيح بصوت أفزع الكلاب الضالة التي تجول في الشوارع ليلاً:
- رايحة فين يا هانم في أنصاص الليالي وايه اللي انتي لابساه دا انتي بتشتغلي رقاصة يا بت؟
جذبت ذراعها بعنف من قبضته، تنظر له باحتقار تصيح بغيظ:
- وأنت مالك ومالي يا جبران... بقولك ايه أنت تبعد عن طريقي خالص... فاهم ولا أفهمك؟
دس يديه في جيبي بنطاله، ينظر لها نظرات ماكرة متسلية... يبتسم بخبث، اقترب خطوتين ليصبح أمامها مباشرة يهمس بتلاعب:
- لاء مش فاهم... فهميني أنتي.
احتقنت الدماء في وجهها، تصر على أسنانها من الغيظ، ذلك الرجل ستقتله وترتاح...
لتشخص عينيها بفزع حينما رأته يفتح أزرار قميصه الأسود...
شهقت تضع يديها على عينيها تصيح بغضب تحاول به إخفاء خوفها مما يفعل:
- إنت بتعمل إيه يا منحرف يا قليل الأدب؟
سكتت فجأة حينما شعرت به يضع قميصه على كتفيها يغطي ذراعيها العاريتين لتسمعه يهتف بحدة:
- بستر لحمي يا بنت الذوات.
أنزلت يديها تنظر له بغيظ... مدت يدها تنزع قميصه بعنف تلقيه أرضاً:
- ابعد الزبالة دا عني... هتوسخ فستاني... كلك على بعضك ما تقدرش تجيب ربع تمنه حتى.
ارتفع جانب فمه بابتسامة ساخرة يهمس باستمتاع:
- الرك على الحشو يا بنت الذوات.
وضعت يدها اليسرى على خصرها تبتسم بثقة أنثى تعرف قدرها جيداً لتهتف ساخرة:
- ماله الحشو يا سواح...
عقد ذراعيه أمام صدره يقيمها بنظراته ليبتسم ساخراً يردف متهكماً:
- حلو.... بس عامل زي الفراخ البيضة يشبع ما يرمش... البلدي يوكل يا بنت الذوات.
نظرت له بإزدراء تحركت لتغادر ليقبض على رسغ يدها من جديد.
التفتت له بعنف تحاول نزع يدها من يده تصيح فيه:
- سيب إيدي، لهصرخ وألم عليك الناس!
ضحك عالياً في سخرية ليتوقف عن الضحك فجأة بعد لحظات يغمغم ببساطة:
- مش هسيبك غير لما تقوليلي رايحة فين.
اشتعلت أنفاسها غضباً، ذلك الرجل ستقتله وتريح العالم منه، يقبض على يدها وكأنه سلطعون وجد فريسته، لا فائدة لا تقدر على نزع يدها من يده لتصيح فيه:
- وأنت مالك هو أنت ولي أمري؟
حرك رأسه بالإيجاب بلا تردد يؤيد ما تقوله، تنهد بعمق يبتسم باتساع يغمغم:
- تقدري تقولي زي جوزك كدة بالظبط. ها رايحة فين بقى؟
شخصت عينيها في ذهول بما يهذي، التفسير الوحيد لما يفعل أنه منتشي من تلك المخدرات التي يبيعها لتجاريه، لتتخلص منه ابتسمت تردف على مضض:
- رايحة حفلة تبع ناس زمايلنا في الجامعة، حلو كدة؟ ممكن تسيب إيدي عشان متأخرش؟
همهم متفحصاً، ترك رسغها للحظة ليشبك كفها في كفه.
نظرت له مذهولة في حين صدح صوته بصوته العالي يصيح في أحد صبيانه:
- يا واد يا مصطفى روح لورشة الواد عادل السمكري، كان عنده عربية فخمة الصبح بيرد فيها خبط، قوله المعلم جبران عايز المفتاح.
أسرع الفتى ينفذ ما يقول ليلتفت لها يغمغم بابتسامة واسعة:
- يعني يرضيكِ أسيب مراتي تروح حفلة لوحدها ولا تتشخطط في المواصلات؟ لاء أنا ابن بلد واعجبك أوي، يلا معايا يا زوجتي العزيزة!!!
_____________
حين خرجت معه من المطعم آتاه اتصال طارئ من عمله فأوقف لها سيارة أجرة وحاسب السائق وأخبره بالعنوان الخاص بها ليركض عائداً لعمله...
جلست في سيارة الأجرة تستند برأسها إلى النافذة المغلقة المجاورة لها تفكر: زياد شخص لطيف مرح إلى حد ما، ولكن ما بينهم ليس سوى لعبة لن تكون حقيقة أبداً، زياد يستحق فتاة كويسة ليس بائعة كبدة في حارة شعبية بسيطة....
اعتدلت جالسة تطلب من السائق التوقف قبل منزلها بشارعين فقط، نزلت منها تتحرك بخطى سريعة للداخل...
تسمع صوت خطوات غريبة تسير معها، ابتلعت لعابها خائفة تسرع خطاها أكثر من تكاد تركض من الخوف...
تعثرت دون أن تنتبه في صخرة لتسقط أرضاً تنظر للظلام خلفها لا أحد ربما هي تتوهم... نعم تتوهم!!
شهقت مذعورة حين ظهر فجأة أمامها من الظلام يبتسم لها متوعداً وقبل أن تأتي بحركة كان يكمم فمها وأنفها بمنديل مخدر، قاومت بعنف تحاول دفعه بعيداً عنها ولكنه كان عنيفاً غاضباً مصراً على ما يفعل، أخيراً تهاوت بين يديه فاقدة للوعي ليضحك متلذذاً يحملها بين ذراعيه إلى حيث هو فقط يعلم!!!!!
رواية جبران العشق الفصل الخامس عشر 15 - بقلم دينا جمال
ألم بشع يفتت خلايا عقلها. فتحت عينيها شيئًا فشيئًا ببطء، تشعر بخدر غريب يقيد حركتها. تحركت بعينيها حولها لتشخص مقلتيها في فزع. أين هي؟ تلك ليست غرفتها. لم تكن على فراش قديم في غرفة مظلمة مليئة بالتراب، الإضاءة فيها خافتة. بل كانت في غرفة عادية بها إضاءة جيدة، يغطي جدرانها ورق حائط، على فراش مفروشه ناعمة حقًا.
انتفضت فزعة تنظر إلى ثيابها ذعرًا، لتتنهد بارتياح. لا تزال بكامل ثيابها. أين هي إذا؟ ومن أتى بها إلى هنا؟
عقدت ما بين حاجبيها تفكر. آخر ما تتذكره أنها رأت حسن أمامها. إذا هو من أحضرها لهنا.
انتفضت من الفراش، تحركت خطوتين فقط ناحية باب الغرفة، لتجده يُفتح من الخارج ودخل حسن. الذي توسعت عيناه قليلاً ما أن رآها مستيقظة.
ضحك ساخرًا يردف:
"إيه دا معقول لحقتي صحيتي؟ دا المخدر بتاع الواد طلع فستك بقي دا. أنا يا دوب حطيتك على السرير وخدت معاكي كام صورة وطلعت أشرب سيجارة."
توسعت عيناها فزعًا. أي صور التقطها بصحبتها؟ ماذا فعل بها وهي نائمة؟ احمرت عيناها غضبًا، تصرخ فيه بشراسة:
"صور إيه اللي خدتها معايا؟ أنت عملت فيا إيه؟ إزاي أصلًا تخدرني وتخطفني؟ أنا هوديك في ستين داهية!"
ابتسم متهكمًا، يدس يديه في جيبي سرواله، يتشدق ساخرًا:
"صور حلوة أوي يا أمولة. لو انتشرت بين الشباب أمك هتموت من حزنها، وجوزك أمك لو ما كانش اتشل كان هيتشل من قهرته."
طوقت جسدها بذراعيها بحركة غريزية سريعة، تعود بخطواتها. امتلأت عيناها بالدموع، تصيح فيه بحرقة:
"أنت ما عملتش كده صح؟ ما كشفتش جسمي وأنا مش في وعي... أقسم لك لو كنت عملت كده عمري ما هسامحك لو آخر يوم في عمري. أنت عايز مني إيه؟ أبعد عني بقي، أبعد عني. أموت نفسي عشان أرتاح منك."
ابتلع لعابه متوترًا، يشعر بالندم من خطته الغبية المتهورة. جبران حذره منها ولكنه لم يستمع. غضبه كان أقوى من أن يستمع لصوت ضميره أو عقله. دس يديه في جيبي سرواله، ابتسم يتمتم في خبث مخيف:
"لأ عملت واتصورنا صور حلوة أوي مع بعض، ما تحبيش تشوفيها عشان ما تاخدش حياءك. فأنتِ دلوقتي قدام حل من اتنين، يا تفسخي خطوبتك بزياد باشا ونتجوز، يا هفضحك في كل حتة، حتى لو هتحبس بعدها ما عنديش مانع."
حركت رأسها بالنفي مرة تليها أخرى. لأول مرة تشعر بذلك الضعف والهزال. لا أحد ليساعدها. انهمرت الدموع من عينيها، تنظر له كارهة نافرة، تصيح فيه بحرقة:
"أنا بكرهك يا حسن، فاهم؟ بكرهك لآخر يوم في عمري. هفضل أكرهك حتى لو اتجوزنا غصب عني زي ما أنت عايز. عمري ما في يوم هسامحك. أنا كان حلمي في الدنيا بسيط، بسيط أوي، بس حتى الحلم استكتره عليا. حسبي الله ونعم الوكيل فيك. ربنا ينتقم منك."
واجهشت تبكي بحرقة، وهو يقف أمامها عاجزًا عن النطق بحرف واحد. للحظة فكر في التراجع، وعاد قلبه العاصي يرفض تراجعه. علا ثغره ابتسامة واسعة، يردف بهدوء:
"طالما اتفقنا، يلا عشان أروحك. إحنا هنا في حتة مقطوعة. آه صحيح، مش كنتي بتسألي على الفرح اللي بيجهزوه في الحارة؟ عرفتي هي ليلة مين يا عروسة؟ ولا لسه؟"
ححظت مقلتاها في فزع. إذا كان يدبر الأمر منذ البداية. نظرت له باشمئزاز، تكاد تبصق في وجهه. لم تحتقر أحدًا يومًا بقدره، وها هو يثبت لها كل يوم أنه أسوأ ما أنجبت البشرية!
***
انظروا ما يحدث. تجلس جواره في سيارة ليست سيئة. صحيح ليست تلك السيارات التي اعتادت عليها، ولكنها حقًا جيدة، جيدة جدًا.
تجلس جواره تمليه الطريق كما لو أنها تجلس جوار سائق أجرة فاشل لا يعرف الطرقات. كيف سيأتي معها للحفلة؟ نظرت له من أعلى لأسفل، بينما هو منهمك في القيادة، يرتدي قميصًا أسود وسروالًا من الجينز لا بأس به. حسنًا، مظهره مقبول. ولكن طريقة حديثه وماذا سيقول زملاؤها عنها؟ خاصة ذلك البربري يظل يردد أنها زوجته. متى تزوجته وهي لا تدري؟
تنهدت بعنف، تخبره باسم المكان الذي هما في صدد الذهاب إليه، لتري ملامح وجهه تنقبض. مزيج من الغضب والتوتر احتل قسمات وجهه. يديه اشتدت على مقود السيارة. ماذا حل به؟ لما بدا للحظات خائفًا وربما غاضبًا لدرجة لا يمكن إنكارها. إلا أنه هدأ فجأة وكأن شيئًا لم يكن. ابتسم لها نصف ابتسامة حين التفت بوجهه، يغمغم ساخرًا:
"مجدي التهامي، رجل أعمال معروف. رايحة حفلة في فيلته."
حسنًا، يبدو أن جبران ليس بذلك الجهل الذي توقعته. ابتسمت في خفة، تكتف ذراعيها أمام صدرها، تسأله:
"وأنت تعرف بقي مين هو مجدي التهامي؟"
استشف سخرية سؤالها ولم يعقب عليها. فقط أومأ برأسه، يغمغم سريعًا:
"طبعًا، أنتي تفتكريني جاهل ولا إيه يا بنت الذوات؟ دا أشهر من النار على العلم، راجل أعمال محترم بيحب الخير وبيتبرع دايما لملاجئ الأيتام."
نعم نعم، يعشق الخير تمامًا كأبيها. مجدي وسفيان وجهين لعملة واحدة.
وقفت السيارة في باحة القصر. نزل جبران من السيارة ينظر للمكان حوله مدهوشًا بأعين تلمع من الذهول. يتحرك برأسه هنا وهناك، يغمغم مدهوشًا:
"كل دا بيت؟ دا قصر ولا سرايا من بتوع البشوات بتوع الأفلام القديمة."
ابتسمت وتر يائسة. جبران قادر على أن يجعل تلك الليلة مهزلة حرفيًا. اقتربت منه إلى أن باتت بالقرب منه، اخفضت صوتها تهمس له:
"جبران بليز، اللي جوا دول زمايلي في الجامعة. ارجوك ما تبوظيش صورتي قدامهم، مش كفاية إنك جاي هنا غصب عني."
ارتسمت ابتسامة واسعة على ثغره. رفع يده يربت على صدره، يتشدق بزهو:
"ما تقلقيش يا بت الذوات. أنا مش جاي أعرك، أنا جاي أشوف ولاد الذوات عايشين إزاي."
في اللحظة التالية، أمسك برسغ يدها يجذبها خلفه عنوة، يغمغم سريعًا:
"يلا، زمان البوفيه فتح. أما نشوف أكل ولاد الذوات."
كادت أن تصفع نفسها. انتهى كل شيء. جبران سيدمر كل شيء. دخلت معه إلى الحفل لتتوقف الأصوات جميعًا، صوبت جميع الأعين إليهم. نظرات تملؤها الفضول والاستنكار والدهشة. ابتلعت لعابها مرتبكة، خاصة حين لمحت طارق ينظر لها هو الآخر مدهوشًا. خطا طريقه إليها، وقف بالقرب منها يبتسم يرحب بها:
"هاي يا وتر، حقيقي مبسوط إنك جيتي وقبلتي دعوتي."
ابتسمت تشكره. ليصمت الأخير للحظات، ينقل أنظاره بينها وبين جبران. حمحم يسألها مبتسمًا:
"هو الأستاذ معاكِ؟"
ابتلعت لعابها، تؤمئ بالإيجاب. تحاول إيجاد كذبة ما، تعثلمت تغمغم سريعًا:
"أيوه أيوه، دا قريبي من ناحية ماما، يعني تقدر تقول في مقام خالي."
نظر جبران لها ساخرًا، يرفع حاجبيه مستهجنًا ما قالت، قبل أن ترتسم ابتسامة عابثة على ثغرها حين جذبها لاحضانها، يطوقها بذراعيه، يقبل قمة رأسها:
"حبيبتي يا بنت أختي يا غالية."
ابتسمت من بين أسنانها، تلكمه في صدره خفية ليبتعد عنها. في حين ضحك طارق بخفة، يردف:
"دا واضح إن خالو بيحبك أوي يا وتر. معلش يا خالو، هاخد منك وتر شوية، البيت بيتي."
انزلقت وتر من بين ذراعي جبران، تتحرك سريعًا بصحبة طارق بعيدًا عنه، لتختفي ابتسامة جبران فجأة وتتجهم قسمات وجهه. توجه إلى مائدة الطعام الكبيرة، ينظرون للطعام الموضوع الذي يسمونه خطأً طعامًا. التقط أحداها يدسها في فمه، يغمغم ساخرًا:
"هو دا بقي أكل ولاد الذوات؟ دي لقمة جبنة بخيار وياريت نص رغيف حتى. لاء، لقمة عالم معفنة."
تحرك بعينيه يبحث عن وتر، ليجدها تقف بين مجموعة من الفتيات والفتية تضحك بانسجام معهم. في يدها كأس به مادة حمراء. توسعت عيناه غضبًا. اقترب منها سريعًا يجذب الكأس من يدها بعنف، يحادثها غاضبًا:
"أنتِ بتشربي منكر يا بنت أختي!"
أفرغ ما في الكأس في إحدى المزهريات، لتتوسع عينا وتر غضبًا. ذلك الأحمق جاء ليحرجها بين الناس. اقتربت منه تهمس له من بين أسنانها محتدة:
"أنت مالكش دعوة أنا بعمل إيه. كفاية إنك جاي هنا غصب عني. ما تحرجنيش مع الناس بدل ما أخلي الأمن يرموك بره."
بالقرب منهم وقف طارق، ينظر لجبران حاقدًا غاضبًا. كان على وشك أن تشرب الحمقاء ما في الكأس ويتستر عليها لغرفته، ولكن الأحمق دمر كل شيء. نظر حوله ليشير بيده إلى ماهي التي اقتربت منه سريعًا. دنا برأسه منها يهمس لها:
"اشغلي لي خالها اللي هناك دا بأي شكل على ما أشربها العصير وأطلع بيها."
ابتسمت ماهي في خبث، تؤمئ له. يوم سعدها، يوم تذل وتر صاحبة هامة الزرافة التي لا ترى الأرض أبدًا.
اقتربت منهم تتغنج. خطت وقفت جوار وتر وجبران، تغمغم بنعومة:
"هاي وتر. مش تعرفيني؟ طارق بيقول لي إنه خالك. خالك handsome أوي يا وتر."
جبرت وتر شفتيها على الابتسام، تؤمئ لها مجاملة. اقتربت ماهي من جبران تمسك بكف يده، تحادث وتر برقة:
"ممكن أستلف منك خالو شوية؟"
نعم نعم، افعلي ولا تعيديه. ابتسمت لها في اتساع، تؤمئ برأسها سريعًا، لتتسع عينا جبران يتوعد لها. تلك الصغيرة تظنه لعبة. تعطيها لصديقتها قليلًا ومن ثم ستعيدها لها. في لحظة لف ذراعه حول خصر ماهي، يقربها منه، ابتسم يغمغم في خبث:
"تعالي يا حبيبة خالو أنتي كمان."
وترك وتر وغادر، تاركًا إياها تنظر في أثره بأعين جاحظة مدهوشة. ذلك الرجل لم يعرف للأخلاق اسمًا يومًا.
أجفلت على حركة جوارها. ظهر طارق يمسك في يده كوبًا آخر من العصير. مد يده لها به، يغمغم مبتسمًا:
"خدي يا ستي بدل اللي خالو رماه. خالك دا غريب جدًا بس لذيذ والله."
ابتسمت مجاملة، تأخذ منه الكوب، ترتشف ما فيه على مهل. استأذنت من طارق لتتجول في أنحاء الحفل. شيء بداخلها يريد أن يعرف ماذا يفعل جبران الآن مع ماهي. ربما هو الفضول ليس أكثر.
تحركت هنا وهناك إلى أن وجدته يقف جوارها عند طاولة الطعام يضاحكها قائلًا:
"لأ غلط دي يا ستي اسمها مطوة قرن غزال مش سكينة. مش عايز أقولك دي بقي بتفوت في اللحمة الناية ونوجا كده على رأي مكي."
ضحكت ماهي ضحكة عالية خليعة، في حين شعرت وتر بالغضب من تلك الحرباءة. تحركت إليهم خطوتين فقط لتقف. شعرت فجأة بأن جسدها تنخفض درجة حرارته حتى بات جسدها باردًا كالجلد. تشعر برأسها يلتف فجأة ومن العدم. للمرة الثانية ظهر طارق جوارها. لما يخفض صوته يحادثها بصوت خفيض هامس:
"أنتي كويسة يا وتر؟ شكلك تعبانة. تعالي اغسلي وشك يا بنتي."
أمسك بكف يدها يحركها معه. إلى أعلى عينيها تزوق أكثر، نظراتها تتشوش حتى تتماهت جميع الأشكال أمامها. بالكاد صعدت السلم إلى نهايته وسقطت أرضًا فاقدة للوعي. ارتسمت ابتسامة خبيثة مخيفة على شفتي طارق. دنا بجذعه يحملها بين ذراعيه، يطلق صفيرًا طويلًا مخيفًا رتيبًا. يتوجه بها إلى غرفته، صافقًا الباب عليهما.
***
الليل ونسيمه العليل يحرك خصلات شعرها، يداعب ثغرها ووجنتيها، فابتسمت سعيدة، تشعر بسعادة عارمة تملأ كيانها. رغبة ملحة في أن تتمايل على أنغام موسيقى هادئة. ففعلت. بعد بحث وجدت هاتفها. استخدمت جهاز الصوت لتشغيل إحدى الأغاني. بحكم العادة قد حفظت شكل الغرفة دون أن تراها. وضعت الهاتف جانبًا لتبدأ تلتف حول نفسها، تتمايل كالفراشة، ترقص (الباليه) بشكل بسيط. يعلو ثغرها ابتسامة واسعة لا سبب لها.
جذبه صوت الموسيقى، فتحرك إليها. دق الباب فلم تجب. قطب جبينه قلقًا، يفتح المقبض ليراها حورية تتمايل على أنغام الأمواج. زهرة تلتف أوراقها بنعومة بالغة. تحركت قدميه ناحيتها خطوة بخطوة، إلى أن ارتطمت به وهي تتمايل. استندت كفيها على صدره. رفعت وجهها إليه تلهث بخفوت. خصلات شعرها مدلاة تغطي غرتها الجميلة. عيناه تاهت في تفاصيل وجهها. فمد يده يمسك بكفها يرفعه لوجهه يريدها أن تشعر به. ففعلت. بدأت تحرك كفيها على وجهه تستشعر قسماته، تبتسم أكثر كلما تحركت أصابعه على ملامحه. تشعر بأنفاسه قريبة للغاية، تسمع دقات قلبه التي تتسابق ركضًا. ابتسمت، تبسط كفها على صدره، تهمس له بخفوت حزين معاتب:
"ليه خبيث عليا؟ بعد موت وليد ما بقاش ليا في الدنيا غيرك. ليه تحرق قلبي وتكذب عليا وتقولي إنك مت؟ ليه يا بيجاد؟"
***
العصير، العصير، العصير. ترددت الكلمة على أسماعها. تطرق رأسها بعنف. فتحت عينيها فجأة، لتقع عينيها على ساعة كبيرة معلقة على الحائط. إنها الثانية عشر ليلاً. مرت ساعتان إذا منذ مجيئها إلى هنا. نظرت لنفسها، لتتسع عيناها مدهوشة. فراش من التي تتسطح فوقه؟ شعرت بأنفاس أحدهم جوارها. التفتت سريعًا تنظر جوارها، لتشخص مقلتاها هلعًا حين رأت جبران ينام جوارها، صدره عارٍ. ماذا الذي يحدث هنا؟
رواية جبران العشق الفصل السادس عشر 16 - بقلم دينا جمال
توسعت حدقتيها هلعا تعود بجسدها للخلف من الدهشة.
أين هي؟ ولما ينام هو بجوارها؟ ولما ترتدي هي قميصه؟
ارتجف جسدها فزعاً وعقلها يصور لها أسوأ ما يمكن أن يكون فعله بها. بالطبع هو لا ينام هكذا جوارها لأنه يشعر بالحر مثلاً؟
صدمته بعنف على كتفه تصرخ فيه بحدة:
- اصحي، اصحي. دا أنا هوديك في ستين داهية.
انتفض جبران يصيح مدهوشاً:
- إيه، إيه؟ بتصوتي ليه؟
انتصف جالساً ينظر لها لبضع لحظات قبل أن يتأثب، يفرك عينيه يغمغم ناعساً:
- بتصوتي ليه يا بنت الذوات؟ وداهية إيه اللي بتتكلمي عنها؟
انتفضت من الفراش تنظر له باشمئزاز ممتزج بغيظ. ضمت ذراعيها لجسدها تصرخ فيه:
- أنت عملت فيا إيه؟ أنا إيه اللي جابني هنا؟ وإيه اللي لبسني قميصك؟ للدرجة دي أنت شخص قذر...
ولم تكمل. لم يدعها تكمل. هب واقفاً من الفراش متوجهاً إليها. يتدلي من عنقه قلادة من الفضة تأخذ شكل موس في آخرها. صاح فيها محتداً يقاطعها:
- إييييه، اقطمي شوية. لولايا يا بنت الذوات كان زمانك بتبكي على اللي راح بجد. احمدي ربنا إني لمحتك عند آخر السلم فوق خالص. كان شكلك تعبان وساندة على العيل ال***. ما اتطمنتش، وما كنتش عارف أخلع من البت الملزقة غير لما قولتلها إني رايح الحمام. طلعت جري وراكوا. لقيتك ممددك على السرير ومقطع هدومك وأنتِ في الدنيا غير الدنيا.
توسعت عينيها هلعاً، شهقت مذعورة. وضعت يدها على فمها تحرك رأسها بالنفي. لا تصدق طارق! ولما قد يفعل طارق ذلك؟ تذكرت العصير والدوار الذي اجتاح رأسها فجأة، وطارق وهو يأخذ بيدها لأعلى. أيعقل حقاً أن يكن طارق هو من دبر لتلك الخدعة؟
أجفلت على صوته يغمغم ساخراً:
- هما دول بقي ولاد الذوات يا بنت الذوات؟ أنا راجل متربي على الأرصفة والحواري، بس عمري ما أسرق براءة واحدة. أنا كومته زي الشوال في بيته، وما لقيتش غير قميصي أسترك بيه يا بنت الذوات. قميصي اللي رميتيه وقولتلي وقرفتي منه، أهو سترك يا بنت الذوات.
تهدجت أنفاسها، اضطربت حدقتيها تقف في متاهة لا تعرف ماذا تفعل. من تصدق؟ تخاذلت ساقيها عن حملها لتسقط على ركبتيها أرضاً. عينيها شاردة في الفراغ البعيد. رفعت وجهها إليه أدمعت عينيها تهمس له:
- أنا عايزة هدوم.
زفر يحرك رأسه بالإيجاب. خرج من الغرفة ليعد بعد لحظات يمسك في يده جلباب أسود وحجاب رأس. مد يده لها بهما يغمغم:
- مرات عماد ما بتلبسش غير جلابيب سودا. دا المتاح دلوقتي.
مدت يدها تلتقطهم منه ليحمحم. خرج من الغرفة يغلق الباب عليها. لتنهمر الدموع من عينيها تشعر بالضعف. أسوأ درجات الضعف. إن كان والدها هنا لما كانت تعرضت لكل ذلك. ارتجفت نبرة صوتها خرج صوتها يرتعش يغصه البكاء:
- أرجع بقي يا بابا. أرجع عشان تجبلي حقي من طارق. عشان تبعدني عن القرف دا كله. أرجع عشان خاطري.
قامت بخطى ترتعش، تخلصت من قميص جبران، تشم رائحة عطره الحاد وكأنها انطبعت عليها. ارتدت الجلباب الأسود تلف حجابه حول رقبتها وكأنه شال. دق الباب في تلك اللحظة. بالطبع هو سمحت له بالدخول. ما إن خطى للداخل مدت يدها له بقميصه. أخذه منها يرتديه سريعاً. يغلق أزراره. لتسأله قلقة:
- هو إحنا هنا فين؟
أكمل عقد أزرار قميصه يغمغم:
- عند واحد صاحبي هو ومراته. أنا اضطريت أقوله إننا كاتبين كتابنا على فكرة.
لما قال ذلك؟ هل ليجد مبرراً لصديقه أن يحمل فتاة لا يغطيها سوى قميص؟ صحيح أنه كان يصل لبعد ركبتيها، ربما كان يغطي جسدها أكثر من فستانها الأحمر الباهظ. تنهدت تومئ له. ليمسك بكف يدها يجذبها معه للخارج. رأت رجلاً بصحبة امرأة يجلسان في صالة منزل صغيرة. شعرت بخجل عارم. لم تقدر حتى على رفع وجهها لتنظر لهما. تلقائياً وربما دون أن تدري شدت بيدها على يد جبران. ليضغط على يدها بخفة يصطحبها معه للخارج. لتهرول معه الخطى تهرب من ذلك المكان سريعاً خجلاً منهم.
تركها بعد أن قالت له ما قالت. سخر منها وتركها وغادر. لن يهرب كما فعل قبلاً. يظن أنها ساذجة. لن تعرفه. لا تنكر أنها انخدعت في البداية. ولكن ما لا يمكن أن تنساه أبداً رائحة عطره. كيف تنساها وقد كانت تعرفه أنه موجود قبل أن تراه من الأساس. مدت يدها تأخذ شالاً من الصوف كان بالقرب منها. وضعته حول كتفيها تأخذ طريقها بحذر إلى خارج المنزل. حيث سمعته يفتح الباب قبل قليل. تحركت تشعر بالرمال الباردة تحت قدميها العاريتين إلى حيث البحر. لا تعرف أين يجلس تحديداً. فوقفت بالقرب من الشاطئ. توجهت أنظارها ترسم موج البحر داخل عقلها. ابتسمت توجه حديثها له:
- ليه بتهرب من الحقيقة؟ والأهم ليه خبيتها؟ ليه عيشتني في عذاب موتك وأنت عايش يا بيجاد؟
تحرك برأسه ينظر لها وهي تقف جواره. ابتسم في سخرية مريرة يغمغم متهكماً:
- عشان اللي أنتي بتقوليه دا تخاريف. بيجاد مين؟ بيجاد جوزك مات. أنا عز الجيار جوزك وما اسمحلكيش تجيبي سيرة راجل تاني قدامي.
ابتسمت في هدوء دون أن تلتفت برأسها له لتغمغم بثقة:
- عز وبيجاد وجهين لعملة واحدة. صوتك وطريقتك بس مش هتقدر تغير ملامح وشك. ونسيت تغير نوع البرفن بتاعك. مش قولتي مرة أنه بيتعمل ليك إنت بس؟
هنا توسعت حدقتاه اندهاشاً. كيف لا تنسى أي كلمة قالها لها قبلاً. حرك رأسه بالنفي بعنف يغمغم محتداً:
- أنا مش زفت. بطلي تناديني باسم جوزك اللي مات. باسم شيطان زمانه بيتحرق في جهنم.
ابتسمت في هدوء. تلك المرة التفت بجسدها حيث يأتي مصدر صوته. نظرت إليه تغمغم مبتسمة:
- أنت مغير صوتك إزاي؟ على فكرة صوت بيجاد أحلى من صوت عز.
تلك الفتاة لا تيأس. كاد أن يقول شيئاً ولكنها سبقته. غمغمت ساخرة:
- ما فيش غير بيجاد يعرف موضوع حورية البحر. أنا ما بكتبش مذكرات يا بيجاد. حتى فتحية ما تعرفش الموضوع دا. أنت بس اللي تعرفه.
تنفس بعنف مرة تليها أخرى وأخرى دون أن يهدأ. هب واقفاً يصيح فيها:
- أنتِ عايزة إيه يا رسل؟ بطلي تستفزيني وتقولي إني الزفت بيجاد. أنا مش هو. ممكن تسكتي بقي.
وتركها يتحرك خطاه لداخل المنزل. توقف فجأة حين سمعها تغمغم ببساطة:
- على فكرة وليد الله يرحمه قبل ما يموت كان قالي إن بيجاد اللي هو مش أنت اشتري أسد وسماه أرسلان وبيتدرب عشان يروضه.
سب وليد في نفسه. ذلك الأحمق كشف السر. نظر لها ليجدها تركل الرمال بقدمها بخفة تبتسم في اتساع كأنه يقول له أنظر أنا انتصرت. عاد خطاه إليها كم بدا غاضباً وهو يقبض بيديه على ذراعيها يصيح فيها:
- أيوة أنا بيجاد. ارتحتي كدة يا رسل؟ استفدتي حاجة لما عرفتي إني أسوأ من الشيطان؟
قطبت ما بين حاجبيها مستنكرة ما يقول. انكمشت ملامحها ألماً من قبضة كفيه على ذراعيها تسأله مدهوشة:
- شيطان! ليه؟ وإيه اللي يخليك أسوأ من الشيطان؟ أنت رجل أعمال كبير ومشهور ماسك شغل العيلة كله أنت ووليد.
ارتسمت ابتسامة ساخرة مريرة على شفتيه. خرجت من بين شفتيه ضحكات مشبعة بالألم يغمغم ساخراً:
- أعمال العائلة وأنتِ عارفة بقي العائلة المحترمة دي بتشتغل في إيه. إحنا أكبر تجار مخدرات وسلاح. أبوكي وسفيان الدالي يعتبروا ملوك السوق السودا. أبوكي سلاح ومخدرات وسفيان دعارة وتجارة أعضاء. الاتنين بيحموا شغل بعض. وليد كان ماسك صفقات المخدرات. أما أنا فكنت القناصة. أنا البندقية اللي بيصفوا بيها أي حد يفكر يقف في طريقهم. قتلت كتير. كتير أوي. ما كانش ينفع أعصي أي أمر. رملت ستات ويتّمت أطفال بضغطة زناد واحدة. لحد ما جه الأمر الأخير. اقتل وليد.
وصلت السيارة قرابة الرابعة فجراً إلى الحارة. من الجيد أن جبران كان معها. ومن الجيد أن لديه سيارة. لا تصدق أنها تقر بذلك ولكن لولاه لكانت كورقة ذابلة تُنهش للمرة الثانية. ألا يكفي ما حدث لها قبلاً ليأتي ذلك الطارق ينهش ما بقي منها. مسحت دموعها التي فرت خائفة من أسر عينيها حين تذكرت حادثتها القديمة. ما إن وقفت السيارة أمام منزلهم لم تنتظر. لم تشكره حتى. فقط صعدت تهرول الخطى إلى منزل والدتها. دقت الباب لينتفح بعنف وتظهر فتحية. التي ما إن رأت وتر جذبتها بقسوة من خصلات شعرها تدخلها إلى البيت. صرخت الأخيرة من المفاجأة والألم في حين صرخت فتحية غاضبة:
- راجعة الساعة 4 الفجر مع جبران في عربيته بهدوم غير اللي خارجة بيها. لو سفيان ما ربّكيش أنا أموتك في إيدي يا سافلة يا قليلة الرباية.
حاولت بإستماتة تخليص خصلات شعرها من يد والدتها. انهمرت الدموع من عينيها ألماً تصيح فيها:
- سيبي شعري. أنا غلطانة إني جيتلك. فعلاً وتر هانم مش هتقدر تعيش مع فتحية بتاعة الفجل.
- اخرسي!
صاحت بها فتحية بعنف قبل أن تهوي بكفها على وجه وتر بقوة. صفعة عنيفة صمتت بعدها جميع الأصوات. توسعت حدقتي وتر من الألم تنظر لوالدتها كارهة ناقمة. أحمر وجهها وعينيها تتسابق الدموع في الهطول من مقلتيها. اختنقت نبرتها تحادثها كارهة:
- أنا بكرهك. بكرهك أكتر ما تتخيلي وندمانة أوي إني في يوم كان حلمي الوحيد إني بس أشوفك.
غص قلبها فتحية ألماً. وبقيت ملامحها كجلمود صخر لا يتفتت. نزعت وتر شعرها من يد والدتها بعنف أدى إلى تمزق بعض خصلاته. الباب لم يغلق. جبران هنا. وجدوه فجأة في داخل شقتهم ينظر لفتحية ثم لها. قبل أن يأخذ أحد المقاعد جلس يغمغم بهدوء:
- حقك تقطمي رقبتها حتى. لو بنتي هعمل أكتر من كدة. وللأسف الشديد الولية اللي اسمها نبوية شافت وتر وهي نازلة من العربية. وطبعاً دي ما بيتبلش في بوقها فولة. بكرة هتلاقي سيرة بنتك على كل لسان واحنا لازم نقطع ألسنة الناس.
شحب وجه فتحية واصفر لونها لتغمغم سريعاً بهلع:
- والعمل يا سيد المعلمين؟
ارتسمت ابتسامة بسيطة على شفتيه. رفع كتفيه لأعلى يغمغم ببساطة:
- الحل الوحيد إننا نتجوز. ولو لفترة مؤقتة. حسن هيتجوز أمل النهارده بليل. ما فيش مشكلة لو اتجوزنا معاهم.
لم تهتم بعرضه الغريب ولا بجملة واحدة مما قال. الكلمة الوحيدة التي علقت برأسها أمل. وافقت على الزواج من حسن؟ كيف يحدث ذلك؟ مستحيل طبعاً. تركت منزل والدتها تحت صرخات فتحية باسمها تتجه إلى المنزل المجاور له. دقت الباب مرة تليها أخرى إلى أن فتحت سيدة الباب. لم تعطها فرصة للرد اندفعت لغرفة أمل. فتحت بابها بعنف لتجد أمل متكورة أرضاً جوار فراشها تبكي بحرقة تحضن ركبتيها بذراعيها تجهش في البكاء. اندفعت وتر ناحيتها تسألها مذعورة:
- إيه اللي أنا سمعته دا يا أمل؟ أنتي موافقة على اللي اسمه حسن البلطجي دا؟
خرجت شهقة قاسية قبل أن تنخرط في البكاء تتحرك للأمام وللخلف تهمس بحرقة:
- هو، هو معاه صور وحشة. وحشة أوي. هتجوزه. هتسجن في بيته النهارده بليل يا وتر. دا جاب حتى فستان الفرح.
عذاب هو ما رأته مع ذلك المجنون. عذاب لن يقدر لسانها على النطق به ولو بحرف واحد. تتكوم على أحد جوانب الفراش تعانق قدميها تنخرط في البكاء. تضع يدها على فمها. فهو يكره صوت البكاء. ارتجفت فرائصها ذعراً حين رأته يدخل من باب الغرفة. تلك المرة كان في يده ورقة صغيرة يبتسم كشيطان. ولما لا هو شيطان تجسد من الجحيم. اقترب من الفراش يبتسم تلك الابتسامة المختلة. مد يده لها بالورقة لتتضح أنها صورة لشاب في نهاية العشرينات تقريباً. رفع الصورة أمام عينيها يحادثها بهسيس أفعى تسعى في الأرض فساداً:
- الرائد زياد ظافر نور الدين. خانقني أوي مخنوق الشغل على رجالتـي في مصر. فأنا قررت إيه. نعمل خطة حلوة أنا وأنتِ. ابعتله بنت جميلة غلبانة مسكينة هربانة من قاتلين قتلة عايزين يقتلوها. وأنتِ بجمالك تغويه لحد ما حضرة الظابط ينهار ونصوره ونهدده. اجهزي يا قلبي عشان هنسافر مصر.
رواية جبران العشق الفصل السابع عشر 17 - بقلم دينا جمال
مجنون مريض عديم الرجولة والنخوة، بشع بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. كيف يريد منها أن تفعل ذلك؟ ألا يكفي ما فعله بها؟
حركت رأسها بالنفي بعنف، ترفض أن تكن بائعة هوى تودي بحياة ومستقبل رجل لا ذنب له سوى أنه يحارب فساد الشيطان. انهمرت الدموع من مقلتيها، تنفي برأسها بعنف: "لن أفعل ذلك. لن أكن عاهرة. الشيطان يحركها كما يشاء إلى أن يلقي بها في النار وهي بين أحضان الخطيئة."
تحشرجت نبرتها، تهمس مرتعشة: "أنا مش هعمل... أنا مش عاهرة، مش رخيصة، مش هأذي إنسان مالوش ذنب غير أنه بيحارب وساختك وقرفك."
وكم ندمت على ما قالت. قسمات وجهه استحالت في لحظة إلى وجه مارد أسود غاضب، ملامحه كانت تصرخ غضباً. قبض على خصلات شعرها بعنف، يقرب وجهها منه، يصرخ فيها: "أنتِ عارفة أنا أقدر أعمل فيكِ إيه؟ أنا اشتريتك، أنتِ الكلبة بتاعتي، تنفذ اللي أقوله وبس!"
حركت رأسها بالنفي خائفة، بل تكاد تموت ذعراً. إذاً، لتمت على أن تعيش تلك الحياة المقززة مع مريض نفسي. صرخت بحرقة تحاول دفعه بعيداً عنها: "وأنت شيطان لا يعرف لا رب ولا دين... مريض مجنون... أنا مش هعمل القرف دا أبداً... كفاية اللي عملته فيا، موتني أنا مش هنفذ كلامك، مش هسمع ليك أمر. موتني أحسن."
ارتسمت ابتسامة مختلة، تلذذت رغباته السادية المجنونة في حدقتيه. ليجذبها من شعرها من الفراش، ليترك يدها بخفة، توجه إلى أحد المقاعد، يضطجع عليه، يضع ساقاً فوق أخرى. التقط كأس نبيذه، يرفعه لفمه، يرتشف ما فيه بحركة خاطفة. توسعت ابتسامته الساخرة، يتمتم ساخراً: "اركعي أرضاً وتوسليني لأسامحك... هيا حياة، أبكِ، توسلي، وإلا أدخلتك جحيم الشيطان لتتمني الموت."
وهي تريده، يظن أنها تخاف الموت، بل تدعو به في كل لحظة لتنجو به. حركت رأسها بالنفي، تعود خطوتين للخلف، تصرخ فيه بشراسة: "لن أفعل، لن أركع للشيطان... تريد قتلي؟ أرجوك افعل... الموت رحمة."
"لن تحصل عليها حين يبتلعك تراب الأرض."
"حمقاء، صاحبة لسان سليط. في الأغلب سيقطعه لها..."
قام من مكانه في لحظة، كان يقبض على ذراعها، يجذبها خلفه بعنف. خرج بها من غرفة سُجنت فيها أيام من العذاب، ليتوجه بها إلى غرفة أخرى في نهاية الممر. دفعها للداخل بعنف، لتسقط أرضاً على وجهها. غرفة فارغة، لا شيء فيها سوى صندوق كبير بحجم شخص ضخم، مغطى بقماش أسود. دخل خلفها يبتسم متلذذاً بما سيفعل. توجه إلى الصندوق، يكشف الغطاء عنه، لتكتم صرختها بكف يدها. صندوق ملئ بالأفاعي تلتف حول ذراع بشري. يبدو أن ذلك هو ما تبقى من شخص ما. رغبة ملحة تدفعها للتقيؤ. لم تقاوم، سقطت على ركبتيها أرضاً، تتقيأ بعنف، وهو ينظر لها مبتسماً، منتظراً متشفياً.
اتجه إلى مقبض الصندوق، يمسك بها. قطب ما بين حاجبيه، وكأنه يفكر بصحبتها. يغمغم محتاراً: "ها، افتحه."
توسعت عيناها هلعاً. تريد الموت، ولكن ليس بتلك الطريقة البشعة. تلقائياً، حركت رأسها بالنفي بعنف. ليشير لها أن تفعل ما قال قبلاً. حركت رأسها بالنفي بعنف، ليتحرك المقبض في يده على وشك فتح الباب. صرخت مذعورة، تنزل على ركبتيها أرضاً، تمسك بيده الأخرى، تتوسله باكية: "سامحني... أبوس إيدك، ارحمني... هعمل كل اللي أنت عاوزه بس ارحمني."
أغمض عينيه منتشياً، وكأن توسلاتها ودموعها جرعة هيروين فاخرة غزت دمائه للتو. نزع كف يده من كفيها، يقبض على خصلات شعرها في لحظة. ألصق ظهرها بباب الصندوق الزجاجي. انتفض جسدها يصعق، ترى الأفاعي المخيفة تتحرك خلفها مباشرة، لا يفصلهم سوى باب. يضع يده على مقبضه. نظرت لابتسامته المختلة، ليقرب وجهه منها، يهسهس، لا يختلف عن فحيح الأفاعي خلفها: "في لحظة إيدي هتفتح الباب وهتبقي جوا... بس أنا ما يرضنيش أضحي بالجمال دا كله بالسهولة دي... ها، هتنفذي ولا..."
حركت رأسها بالإيجاب مرة تليها أخرى بعنف، تتمتم بحركة: "هنفذ، هعمل كل اللي أنت عاوزه، بس أبوس إيدك ارحمني، أنا تعبت."
ابتسم في هدوء تام، رفع يده يمسح على خصلات شعرها، داعب أنفها بأنفه. تهدجت أنفاسها خوفاً. في لحظة، لم تشعر بما كان ينوي. فتح باب الصندوق، يدفعها للداخل. صرخة رعب خرجت من أعماق قلبها المذعور، ليجذبها في اللحظة التالية خارجة، يغلق الباب، لتتهاوى أرضاً ترتجف بعنف. كل خلية فيها تنوح ذعراً. لتراه ينزل على ركبتيه أمامها، يتخلص من سترته وقميصه. قبض بكفه على فكها، ابتسم، يغمغم بخبث مخيف: "أتعلمين؟ أفضل العبث مع الصغيرات أمام صندوق الأفاعي."
ما سمعته كذب بالطبع، يكذب. هو لم يفعل ذلك، لم يقتل أحد. لا، ذلك كله غير صحيح. بيجاد لا يمكن أن يكون هو من قتل وليد. بيجاد لم يفعل أي من ذلك.
نفت برأسها بعنف، تصيح فيه: "أنت كذاااااب... أنت بتقول كدة عشان أكرهك صح؟ أنت ما عملتش كدة، ما قتلتش ناس مالهاش ذنب... ما موتش أخويا، مش كدة يا بيجاد؟"
أدمعت عيناه ألماً. يبدو أن الحياة لم تقبل توبته. مد يده، يخرج صغيراً يلتصق بفمه من الداخل. كان السبب في تغير صوته أحد أجهزة المافيا البسيطة التي كان يوماً عضواً منهم. ارتسمت ابتسامة مريرة تصرخ ألماً على ثغره، يتمتم بحرقة: "قلت لأ، رفضت. أنا مش هقتل صاحب عمري، بس ما فرقش معاهم. حاولت أحميه، حاولت، بس قتلوه قدام عيني. عارف، وقناص محترف. رصاصته قتلته وهو جنبي. الكلمة الوحيدة اللي قالهالي قبل ما يموت: رسل، يا بيجاد."
توقف عن الحديث للحظات، وكأنه يتذكر بشاعة ما حدث. انهمرت دموعه ألماً، يصيح بحرقة: "ما ادونيش فرصة حتى إني أحضن صاحبي للمرة الأخيرة. حسيت بخبطة جامدة على راسي. لما فقت، لقيت نفسي في مخزن، ولا في أوضة. أجبروني أدمن المخدرات غصب عني، واترميت في مصحة تبعهم عشان أبقى بعيد. ما كانوش بيعالجوني في المصحة، كانوا بيحطولي المخدرات حتى في الماية. هربت بمعجزة، وفبركت حادثة موتي. وعزلت نفسي شهور بصرخ من الوجع كل ليلة لحد ما اتعالجت. أول ما قدرت أقف على رجلي، ما عملتش حاجة غير إني جيت لك. كان لازم أنقذ آخر شعاع نور في حياتي أنا ووليد. سامحني يا رسل."
وآه من قسوة ما سمعت وعرفت. زوجها الذي لم تعشق غيره ليس سوى قاتل أراق دماء المئات. وأخاها يتجار في المخدرات يؤذي آلاف.
هزت رأسها تنفي ما سمعت. لم تشعر بتلك الدموع التي أغرقت خديها. صرخت بقهر: "ليه... إنتوا إزاي كدة... كلكوا شياطين، كلكوا... حتى وليد... لالالا، دا أكيد كابوس، أكيد كابوس... أكيد كااابوس."
اندفعت تركض مع خيوط الصباح الأولى. كانت تركض نحو المجهول، تسمع صوته يصرخ باسمها مذعوراً. صوت خطواته يركض خلفها. لتسرع أكثر. تنهمر دموعها تغرق حبات الحصى تحت قدميها. لم ترَ ما أمامها، فسقطت أرضاً تصرخ من الألم، تمتزج صراختها بصوته المذعور وهو يصرخ باسمها هلعاً حين رآها.
جلست جوارها، جوار الفراش أرضاً، تحتضنها بخفة، تمسح على رأسها بحنو، تهمس لها مطمئنة: "يا أمل، اسمعي مني. صدقيني لو قولنا لزياد مش هيقدر يعملك حاجة. ما تستسلميش يا أمل."
ارتسمت ابتسامة مريرة على شفتي أمل، لتغمغم ساخرة: "مش هيفرق معاه. صدقيني. هو قالي هفضحك في كل حتة، حتى لو اتحبست. مش هيقرف معايا."
احتدت عينيها. وتر القذر شبه الرجل يريد فقط أن يتخذها زوجة، حتى لو رغماً عنها. يريد قص أجنحة حلمها الوردي لتصبح خادمة له ولرغباته المريضة. أمسكت بذراعيها، كادت أن تقول شيئاً، علها تشد من أزرها لتواجه. فصرخت أمل في وجهها بحرقة: "كفاية يا وتر، كفاية كلام مالوش لازمة. أنا مش أنتِ. أنا مش هقدر أخليه يمس سمعة أهلي، حتى لو هضحي بنفسي. مش هستحمل أشوف الذل والقهر في عيون أبويا وأمي. افهمي دا."
جذبت ذراعيها بعنف من كفي وتر، تخفي وجهها بين كفيها، تنخرط في البكاء. لتنهمر دموع وتر حزناً عليها. مدت يدها تربت بحنو على كتفها لبضع لحظات فقط، قبل أن يدق الباب. قامت وتر سريعاً، قبل أن تدخل سيدة وترى حالة أمل، وكأنها لم ترَ ابنتها مثلاً. مسحت دموعها بكفيها. حمحمت، تغمغم: "أيوه."
تحركت سيدة بعينيها، تحاول أن ترى ابنتها دون فائدة. تنهدت، تزفر أنفاسها بحرقة، تغمغم قلقة: "أنا عايزة أشوف بنتي يا وتر. أنا عارفة إنها مش موافقة على حسن، وأكيد عمل حاجة هددها بيها. دخليني أتكلم معاها."
"ولما لا؟ ربما تكن تلك فكرة جيدة."
ابتعدت عن الباب، لتهب أمل من مكانها، تنظر لها هي ووالدتها في غيظ. لتصرخ فيهم: "قلت لكوا أنا موافقة ومش هتجوز غير حسن، حتى لو انطبقت السما على الأرض. أنا بحب حسن وهو كمان بيحبني، ومش هتجوز حد غيره."
نظرت سيدة لابنتها حزينة، مشفقة على حالها. أومأت لها، تغمغم: "ماشي يا أمل، بس أنا قولتلك وهقولك تاني، أنا وأبوكي دايماً فلو عملك حاجة ولا هددك بحاجة، قوليلي يا بنتي."
لم ترد، فقط أشاحت بوجهها بعيداً، تتنفس بعنق، تحقد على حسن، تدعو عليه بالويلات في نفسها. قتل حلماً لم تعشه في مهده قبل أن يرى النور. أجفلت على جملة والدتها التي قالتها بجفاء بعد أن يأست منها: "افتكري بردوا يا أمل، إن اللي بيشيل قربة مخرومة بتخر على رأسه هو لوحده... آه صحيح، عريسك باعِتلك البت بتاعت الكوافير تزوقك يا عروسة."
نظرت سيدة تجاه وتر، تحادثها: "أمك عايزَاكِ برة."
ابتسمت وتر في سخرية، لتومئ لها. تحركت لخارج الغرفة، لتجد والدتها تقف أمامها في صالة المنزل الصغيرة. غمغمت بتلهف ما أن رأتها: "يلا يا وتر، قاعدة عندك ليه؟ لسه عندنا حاجات قد كدة، أنتِ ناسيه النهاردة دخلتك أنتِ والمعلم جبران."
انتظرت إلى أن أنهت والدتها كلامها، لتنفجر في الضحك، تضحك بهستريا مفرطة، إلى أن أدمعت عينيها من الضحك. رفعت يديها تمسح دموعها، تلتقط أنفاسها بعنف، تردف ساخرة: "أنتِ بتتكلمي بجد؟ أنتِ فاكرة فعلاً إن وتر هانم هتتجوز تاجر المخدرات دا؟ لو أمل غلبانة وحسن عرف يلوي دراعها، فأنا وتر الدالي. هتقوليلي عشان الفضايح؟ أنا بعشق الفضايح. أنا بمكالمة واحدة أقدر أوديكوا كلكوا في ستين داهية... ماشي يا ست فتحية."
كم غضبت وتألمت فتحية، وهي ترى جبروت سفيان يتجسد في ابنتها. نظرات ابنتها ساخرة، متهكمة، تملؤها النفور. تحركت لخارج المنزل دون أن تعير لأي منهم انتباهاً، لما ستحارب وصاحبة القضية تنازلت عنها ووافقت على الظلم بمحض إرادتها. أمل الساذجة، ستعيش تعيسة مسكينة. أمل. نزلت لأسفل، لتجد جبران يحادث أحد صبيانه محتداً: "يا حمار، كوشتين أربع كراسي، غور يلا."
ابتسمت ساخرة، تكمل طريقها دون أن تلتفت له. خطت لداخل مدخل عمارتها، لتشهق من المفاجأة حين جذبها جبران فجأة لركن بعيد عن المدخل، يغطي جسدها بجسده عن أعين المارة. ابتسم في عبث، يحادثها: "إيه يا عروسة؟ طالعة تجهزي لفرحنا طبعاً."
ابتسمت في سخرية، تحادثه: "تعرف يا جبران، رغم أني حرفياً بكره كل تصرفاتك، كفاية أنك بلطجي، تاجر مخدرات، بتاذي الناس، بتاخد فلوس عافية من البياعين، بجح وما عندكش أخلاق، بس أنا فعلاً بحب ثقتك في نفسك أوي، حقيقي مميزة."
ابتسم مختالاً بحاله، يغمزها بطرف عينيه: "ولسه لما تعرفيني أكتر، لما تبقي في بيتي يا عروسة، هتحبيني أكتر وأكتر."
ضحكت بخفة، تردف ساخرة: "أنت فعلاً فاكر إننا ممكن نتجوز؟ جبران، فوق. أنا وأنت من عالمين مختلفين تماماً. أنا هفضل وتر هانم الدالي، وأنت جبران السواح، رد السجون وتاجر المخدرات. جوازة فاشلة يا جبران."
شعر حقاً أنها تهينه. انسلت هي سريعاً من حصاره، خطت بضع خطوات ناحية السلم، حين سمعته يغمغم متهكماً: "حجج فارغة يا بنت الذوات. أنتِ خايفة لتحبيني. دا أنتِ ممكن أصلاً تكوني حبيبتيني وبتقاومي على الفاضي."
ألم تخبره أنها بالفعل تحب ثقته الزائدة بنفسه؟ ولكن الوضع هنا بدأ يتحول إلى تخاريف تصورها له نرجسيته. التفتت له، تبتسم في هدوء، تردف: "المرة دي ثقتك خانتك يا جبران. أنا يوم ما أحب، مش هحب واحد يدخل القسم بالبدلة السودا مش الزرقا."
فهم من كلماتها أنها تهينه، تقلل من شأنه. ربما ليدس يديه في جيبي سرواله، ضحك بردف ببساطة: "كل اللي أنتِ بتقوليه دا مبررات بتحاولي تقنعي بيها نفسك أنك ما حبيتيش، مش كدة؟"
بدأ يغضبها ذلك الأحمق، بدأ يثير حفيظة غضبها ضده. لن تنفعل، سيأخذ انفعالها أنها تهرب من قول الحقيقة. وقبل أن تقل شيئاً، أردف هو يتحداها: "تعالي نتجوز يا وتر من باب التغيير. اعتبريه تحدي. أنا أعرف أنك بتحبي التحديات أوي. يا تثبتي أني غلطان وإنك فعلاً ما حبيتيش، وساعتها بكامل إرادتي، وأقسم لك، هروح أسلم نفسي وأعترف بكل جرائمي. يا تثبتي لي أنك حبيبتيني، وساعتها بردوا مستعد أسيب كل حاجة ونبدأ مع بعض صفحة جديدة."
أحبت الحل الأول أكثر. اضطربت حدقتاها، تفكر في عرضه الغريب. هي لن ولن تحبه، إذاً لن تخسر. على الرغم من أن الفكرة لم ترق لها، رأتها في المئات من المسلسلات التركية. والأحمق لا يعرف ماضيها، تقسم أنه لو كان يعرف ما كان طلب منها ذاك الطلب أبداً.
ابتسمت في هدوء، تمد يدها تصافحه، تومئ برأسها موافقة: "وأنا موافقة. وأنت الجاني على نفسك يا معلم جبران!"
رواية جبران العشق الفصل الثامن عشر 18 - بقلم دينا جمال
حل الليل سريعا وزينت الإضاءة المكان صوان كبير يصتف فيه المقاعد حول طاولات تحوي ما لذ وطاب وأربعة مقاعد بين كل زوجين مسافة صغيرة عُلقت الزينة وفرشت أرض الحي بنشارة الأخشاب الملونة ... أسرع زفاف يمكن أن يكن حدث في حيهم السماعات الصاخبة بدأت عملها باكرا مع تلك الأغاني الشعبية المزعجة ... رجال جبران يتحركون كالنحل في الخلية بالقرب منا هناك عند أحد صالونات قص الشعر ( الحلاقة ) الخاص بالرجال يجلس جبران علي أحد المقاعد وحسن جواره علي المقعد الآخر بالقرب منه شارد عينيه كدرة غائمة مشتتة انتبه حين اردف جبران يؤنبه :
- قولتلك بلاش فكرتك الزفت دي ، لويت دراعها عشان ترضي تتجوزك ... تفتكر هي هترضي تبص في وشك بعد اللي عملته هترضي تبات معاك في أوضة واحدة ولا بردوا دي هتمشيها غصب يا حسن
حرك رأسه بالنفي يتنهد بعمق غبي انجرف خلف غضبه وغيرته إحساسه الأعمي بأنها يجب أن تكن له هو الذي احبها رفع يديه يمسح بهما وجهه بعنف تنهد بعمق يتمتم :
- مش عارف ،مش عارف أنا إزاي عملت كدة ، كل اللي كنت بفكر فيه أنها ما تبقاش لغيري ، مش ناسي صوتها وهي بتقولي انها بتكرهني وأنها عمرها ما هتحبني أبدا
رفع حسن كفيه يخفي وجهه بينهما ليزفر جبران أنفاسه حانقا كم تمني لو يدفع رأس ذلك الأحمق إلي اللوح الزجاج أمامه عل عقله يرتد إليه ويفكر قليلا قبل أن يقدم علي أي فعل أحمق ... نزع المنشفة الصغيرة من أمام صدره جذب مقعده يقترب من حسن جلس أمامه يرتب علي كتفه يحادثه :
- اللي حصل رغم أني نفسي أكسر دماغك علي اللي هببته الا أنه حصل خلاص خلاص والحتة كلها معزومة علي فرحكوا النهاردة لو اجلنا ولا لغينا هتبقي سيرة البت لبانة في بوقهم ، فالعمل دلوقتي ايه ... تقف علي إيديك ورجليك كدة إن شاء الله حتي تتشقلب علي الحيطان وتخليها تسامحك ، يا ابني الستات دول غلابة كلمة حلوة تكسبهم ... بس إنت دبش كلامك كله زي القرف
ارتسمت ابتسامة باهتة ساخرة علي شفتي حسن اومأ برأسه دون اعتراض تلك المرة عليه فعلا أن يستمع إلي ما قال صديقه يكفي ما فعله بحماقته إلي الآن .. انتبها معا علي صوت أحد صبيان جبران يدلف للمحل يحمل حلتين في يديه يغمغم مبتهجا :
- بدل الفرح يا معلم جبران !
_____________
تقف أمام مرآة الزينة في غرفتها تنظر لثوب الزفاف الذي اختاره هو كل شئ قرره هو وهي مشارك صامت في قصة حياتها كل ما جري ويجري وسيجري يحدث دون إرادتها مرغمة ، مجبرة مقيدة بأغلال الخوف من المجتمع ادمعت عينيها تمسك دموعها بشق الأنفس ، ارتسمت ابتسامة ساخرة علي شفتيها تملئ مساحيق التجميل وجهها بشكل مبالغ فيه حتي بات لا تعرف أين قسمات وجهها الحقيقة أين اختفي الأمل من قلب أمل ، رأت من خلال سطح المرآة والدتها وهي تدخل إلي الغرفة ترتدي جلباب أسود به خيوط صفراء لامعة عينيها دامعة وجهها حزين قلب يتمزق عليها .. تحرك ناحية ابنتها وقفت خلفها وضعت يدها علي كتفها تربت عليه برفق تحشرجت نبرة صوتها تغمغم باختناق :
- أنا بعت شنط هدومك اللي كنت بجهزك بيها بيت حسن ورصيتهم في دولابك ، الشقة حلوة عفشها كله جديد ، مبروك عليكِ يا بنتي
لم تحتمل دموعها أكثر انهمرت سيول دموعها التفتت تلقي بنفسها بين أحضان والدتها شهقت بعنف شهقة حياة التقطها غريق بعد أن كادت تختفي أنفاسه انفجرت في البكاء تتمسك بوالدتها تغرق وجهها بين أحضانها تتمتم بحرقة من بين شهقاتها :
- سامحيني يا ماما ، صدقيني أنا ما كنش ينفع ارفضه كان هيأذيكوا ، هيأذيكوا أوي ... بابا ما كنش هيتسحمل كفاية اللي هو فيه
انهمرت الدموع من عيني سيدة تشارك ابنتها البكاء تمسح علي رأسها بحنو تربت علي ظهرها بخفة كما توقعت حسن هدد ابنتها لتوافق ، كم ذلك الرجل سئ ، سئ يعشق ابنتها !!
أبعدت أمل عن أحضانها تحتضن وجهها بين كفيها تمسح دموعها بكفيها رسمت ابتسامة مرتعشة علي شفتيها تحادثها مترفقة :
- أنا مش زعلانة منك يا حبيبتي وبعدين مين عارف مش يمكن هو فعلا شخص كويس واحنا ظالمينه وبصراحة شكله بيحبك أوي
كانت تقول ما تقول من وراء قلبها كما يُقال في الامثلة الشعبية ولكنها لم تكن تملك سوي أن تواسي ابنتها تخفف عنها ولو قليلا ، اجفلتا معا علي صوت شهقة مفزوعة تأتي من ناحية باب الغرفة تلاها صوت عاملة صالون التجميل تصيح مذعورة :
- يا نهار فحلقي الميكاج باظ دا شغل أربع ساعات مش هنلحق نعيده تاني ..
نظرت أمل لها في اشمئزاز لتتوجه ناحية مرآة الزينة تلتقط محرمة مبللة بمادة تزيل ما علي وجهها تغمغم بنبرة قاطعة :
- أنا مش هحط القرف دا علي وشي
نظرت لانعكاس صورتها في المرآة تحديدا إلي عينيها الفيروزية تغمغم في نفسها :
- ماشي يا حسن ، أنت اللي ابتديت وافتكر أن البادي أظلم
علي صعيد آخر في منزل فتحية
تقف وتر في غرفتها مطت شفتيها تنظر لفستان زفافها في العادة لا ترتدي فساتين مغلقة لذلك الحد ولكنه جيد إلي حد ما ... يبدو رائعا فيها تقسم أن لو أخري ارتدته لما كان بدا بتلك الروعة .. بالطبع لن تسمح لعاملات صالونات التجميل في ذلك الحي أن يقتربن من وجهها ، بشرتها حساسة لن تحتمل مساحيقهم الرديئة الشبه منتهية الصلاحية ... لديها علبة من مساحيق التجميل من أشهر الماركات العالمية وضعت هي زينة وجهها رفعت خصلات شعرها لأعلي ابتعدت قليلا عن المرآة تقيم انعكاس صورتها لتبتسم في خيلاء تبدو رائعة ، من الجيد أن لديها حذاء أبيض اللون ذو كعب سيفي بالغرض ، مالت ترتديه في لحظة دخول والدتها إلي الغرفة التي ابتسمت سعيدة تغمغم مبتهجة :
- بسم الله ما شاء الله ، عيني عليكِ باردة يا بنتي ربنا يحفظك من العين ، ها خلصتي يا قلب أمك
لم ترد علي سيل كلماتها سوي بابتسامة ساخرة ونظرة ازدراء متهكمة كتفت ذراعيها أمام صدرها تغمغم ساخرة :
- اه خلصت وكويس إني ما فضتش هدومي من الشنط ، دلوقتي بس عرفت واتأكدت أن بابا كان عنده حق في كل كلمة قالها عنك ...
كلمات حادة قاسية خرجت من فم ابنتها إلي قلبها مباشرة تمزقه فتاتا نعم والدها كان محقا ، الشيطان كان محق ! لا فائدة تنهدت بعمق تغمغم :
- طب كويس انك خلصتي صبيان المعلم جبران بيسأذنوا يدخلوا عشان ياخدوا شنطك يودوها بيته
تركتها وخرجت لحظات وعادت ومعها رجلين ابتسمت لهم ليلقي كل منهن عليها التحية اشارت لهم للحقائب ليحملها كلاهما يخرجان من الغرفة تحركت خلفهم فتحية وجهت حديثها لوتر دون أن تنظر إليها حتي :
- أنا هروح أرص هدومك في الدولاب معلش استحمليني أم العروسة بقي
وتركتها ورحلت
_________________
ها هو يجلس في سيارته أمام مدخل الحي الشعبي ينظر لما يحدث في الحي بأعين حمراء كالجمر وجهه يكاد لا يُري من الكدمات جسده بالكامل به ما يغطيه ويزيد من لكمات جبران الغاضبة ... ذلك البربري الأهوج اطاح فرصة عمره ليصبح المالك الرسمي لمجموعات الدالي ... اكتشف بعد ذلك أنه ليس خالها كما ادعت ولكن بلطجي الحي التي تسكن فيه مع والدتها بعد أن تركها سفيان وفر هاربا نزل من سيارته يتحرك لداخل الحي دون حساب يخترق عش الدبابير توجه إلي العمارة السكنية التي عرف أنها تسكن فيها في الطابق الثالث ، توجه إليه وقف أمام الباب يدقه لحظة اثنتين ثلاثة إلي أن جاءت وتر تفتح الباب توسعت عينيها في دهشة ما أن رأته دهشة تحولت لغضب عارم لتصيح فيه :
- أنت ليك عين تيجي هنا بعد اللي كنت هتعمله فيا يا بجاحتك يا أخي ، غور في داهية بدل ما اوديك في ستين داهية
توسعت عيني طارق في دهشة أتقن رسمها علي قسمات وجهه ليغمغم مذهولا :
- ايه اللي أنتِ بتقوليه دا يا وتر ، أنا عملت ايه ... هو فهمك ايه
نظرت له بحذر تضيق عينيها شكا به في حين تجلي الكذب يرتدي ثوب الصدق علي قسمات وجهه ليخدعها فاردف سريعا :
- طب ممكن تدخليني بس بدل ما احنا واقفين علي السلم كدة
لم تكن تثق به ولكنها هنا في الحارة إن صرخت فقط ستجد ألف رجل علي رأسهم جبران هنا في أقل من ثانية ، افسحت له الباب ليدخل تعلقت عينيه بفستان زفافها يسألها مدهوشا :
- أنتِ هتتجوزي ولا ايه ، أنتِ اتجننتي يا وتر هتتجوزي وباباكِ مش موجود
لم ترد فقط وقفت جوار الباب المفتوح ترميه بنظرات غيظ تكاد ترديه قتيلا ليقطب هو جبينه يتمتم :
- أنتِ بتبصيلي كدة ليه يا وتر ، هو خالك دا قالك ايه بالظبط ... دا أنا اللي جاي اشتكيلك منه
هنا زاد حاجبيها انعقادا يشتكي لها ولما يفعل قبل أن تسأل بادر هو يغمغم :
- فاكرة لما خدتك وطلعتي فوق وكان شكلك دايخ ، وقعتي فجاءة علي الأرض مغمي ، أنا اتخضيت جدا شيلتك وحطيتك في أقرب أوضة نوم ولسه بطلع موبايلي أكلم الإسعاف لقيت خالك دا دخل الأوضة هجم ونزل ضرب فيا بشكل هجمي جدا ، علي فكرة الجرد كانوا عايزين يودوه القسم بس أنا ما رضتش عشان خاطرك راح ناحية السرير وشالك ومشي
جحظت مقلتيها فزعا كلام طارق يعني أن جبران هو من اخترع تلك الحكاية وهي الحمقاء التي صدقت ما قال ... احمرت عينيها غضبا ستريه ذلك البربري المخادع من الجيد أن فستان زفافها لم يكن من النوع المنفوخ من الأسفل نظرت لطارق تغمغم علي عجل :
- طارق خليك هنا ثانية وجاية
حرك رأسه بالإيجاب سريعا لتندفع هي إلي غرفة نوم والدتها ارتدت جلباب أسود واسع فوق فستانها لا قت لخلعه خرجت لطارق نظرت له تغمغم سريعا :
- يلا نمشي بسرعة
هب طارق من مكانه يتبعها يغمغم علي عجل :
- حاضر حاضر ، أنا عربيتي مركونة قريب من هنا
تحركت ناحية باب المنزل التفتت برأسها له تهدجت أنفاسها تغمغم سريعا :
- كويس جدا يلا بينا
حين عادت تلتفت إلي باب المنزل المفتوح رأته يقف أمامها يرتدي حلة سوداء لعريس يدس يديه في جيبي سرواله ابتسم يسألها في هدوء :
- سايبة فرحك رايحة فين يا بنت الذوات
_____________________
تجلس مكانها علي الفراش ساقيها تمتد أمامها اليسري يلتف حولها جبيرة ضخمة من بعد ركبتها للنهاية فالوقعة كانت حقا بشعة من الجيد أن ساقها فقط من تضررت ، صرخ مذعورا باسمها ما أن رآها أمامه أرضا تصرخ من الألم لينحني سريعا حملها بين ذراعيه يهرول عائدا بها إلي البيت سمعته يصرخ ربما يحادث أحدهم في الهاتف يطلب منه إحضار طبيب علي الفور ... وجاء الطبيب ووضع جبيرة قدمها وكتب لها العلاج المناسب ورحل ... المخدر الذي غطي به الطبيب قدمها خفف الألم إلي حدا كبير ... استندت بظهرها إلي الوسائد تنظر للفراغ عينيها تسكب الدمع تلقائيا الجميع كان يخدعها حتي وليد أخيها كان يعمل في تلك التجارة المشبوهة وبيجاد عشق المراهقة الحبيب الذي تمنته زوجا ما هو الا قاتل سفك دماء الكثير والكثير الجميع تحالف ضدها مع من كانت تعش دون أن تدري في قفص الأفاعي ، كيف يكون والدها يتاجر في تلك المواد السامة وهو الذي لا يتوقف عن إقامة الحفلات الخيرية والتبرع لمؤسسات رعاية الأطفال والمستشفيات ، كل ذلك ما هو إلا ستار لتجارته القذرة ووليد يعمل معه وبالطبع وبيجاد ووالدتها أتعلم لا شك أنها كانت الحمقاء الوحيدة فئ هذه الحكاية كم تشعر بالتقزز من كل شئ حولها رفعت كفيها تغطي بهما وجهها تجهش في بكاء عنيف جسدها يرتجف بعنف لتشعر به يحتضنها فجاءة دون مقدمات صرخت بشراسة تحاول دفعه بعيدا عنها :
- ابعد عني ، ابعد ايدك اللئ متغطية بدم الابريا عني ، أنت سفاح مجرم أنا بكرهك علي قد ما حبيتك كرهتك
تمسك بذراعيها كطفل صغير سمعت صوت شهقات بكاءه العالية يليها صوته يصيح بحرقة :
- أنا توبت والله العظيم توبت ، توبت من ساعة ما شوفت صاحب عمري اخويا بيتضرب بالنار قدام عيني حسيت أن ربنا بيعاقبني من نفس الكاس يموت وليد قدام عينيا وأنا واقف مشلول عاجز كنت شايف القناص هناك وهو بيوجه بندقيته علي صدر وليد ولساني وقف جسمي اتشل ما قدرتش حتي اتحرك الرصاصة خرجت من البندقية قدام عيني في لحظة كانت في صدره في لحظة الدنيا ضلمت وأنا بشوفه بيقع علي الأرض والدم بينفجر من جسمه يغرق ايديا
اختفي صوته وتعالت شهقاته تمزق سكون الليل امسك كفي يدها يصيح بحرقة :
- 3 سنين ، 3 سنين من يوم موت وليد وأنا بدعي ربنا كل ليلة أنه يقبل توبتي ، أنه يسامحني ... سامحيني يا رُسل سامحيني أبوس إيدك
قبل كف يدها راجيا لتسحب يدها سريعا زحفت بجسدها تبتعد عنه تحرك رأسها بالنفي تغطي الدموع وجهها لتصرخ فيه بحرقة :
- أنا عمري ما هسامحك ، امشي اخرج برة مش عايزة اسمع صوتك بررررة
لا فائدة فصدمة ما سمعت اقوي من أن تستمع له ... قام من مكانه لا تتوقف دموعه عن الانهمار وقف أمام فراشها يريد أن يقول شيئا فلم يجد فتحرك يجر قدميه للخارج من خارج غرفتها ليركض ما أن خرج من غرفتها ركض خارج البيت ارتمي علي الرمال أمام الأمواج تلطمه أمواج المياة العاتية ليلا ليصيح بحرقة :
- يارب ... يارب أقبل توبتي يارب ... يارب سامحني
________________
تحرك يدخل إلي المنزل في هدوء توجه إلي أحد المقاعد جلس يضع ساقا فوق أخري لتنظر له في غيظ يال السخرية يبدو كرجل نبيل في حله زفافه اشار لما ترتدي قبل أن ترتسم ابتسامة ساخرة علي شفتيه يغمغم ضاحكا :
- ايه اللي أنتِ لابساه دا يا وتر أنتِ كدة متنكرة يعني زي أحمد عبدالعزيز في سوق العصر يوم ما اتنكر ركب شنب فوق شنبه وسبحان الله ما حدش عرفه
تهدجت أنفاسها غضبا من سخريته الا يكفي خداعه لها والآن يأتي ليسخر أيضا لم يدع لها الفرصة لتنطق بحرف اشار للواقف أمامها ابتسم يغمغم ساخرا :
- طارق باشا التهامي عندنا ، أنا واثق أنه جه قلب الحقيقة كلها دا تعلب عيلة التهامي سمعته سبقاه ... بس إنت بردوا ضيفي وفي حتتي فعشان كدة هخيرك يا تنزل علي رجلك يا هنزلك أنا بنفسي بس علي ضهرك قولت ايه
ابتلع طارق لعابه مرتبكا ليس خائفا ولكنه ليس في مركز قوة الآن هو لا يحمل حتي مسدس معه الآن نظرت وتر له تحثه بعينيها أن يرحل ابتسم معتذرا مواسيا قبل أن يأخذ طريقه لأسفل ينوي الانتقام في القريب العاجل .... وقف جبران من مكانه اقترب من وتر يميل برأسه قليلا ناحيتها :
- أنا ما بكرهش في حياتي قد الغدر يا بنت الذوات ، أنا ما غصبتكيش علي الجوازة ، أنتِ بنفسك اللي قولتي آه ... عايزة تهربي في الفرح دي حتي تبقي عيبة كبيرة أوي في حق المعلم ... يلا اقلعي العباية دي لانزلك تحضري الفرح بيها أنا مستنيكِ بكرة
تحرك خطوتين للخارج ليسمع صوتها من خلفها تصيح تسأله :
- مين فيكوا اللي بيكذب يا جبران
ارتسمت ما يشبه ابتسامة ساخرة علي ثغره ليردف متهكما دون أن يلتفت لها :
- التعلب مكار مالوش أمان بيلبس هدوم الحمل عشان يلاعب الغزلان ، وأنا عيل صغير في المدرسة قبل ما اسيبها وادخل كار النجارة كنا بناخد قصيدة ما فهمتش معناها غير لما كبرت كنت حافظها زي اسمي عشان المدرس كان بيضرب اللي مش حافظ عشر عصيان كانت بتقول ايه
برز الثعلب يوما في شعار الواعظينا
فمشي في الأرض يهدي. ويسب الماكرينا ...
شغلي مخك يا بنت الذوات ومين عارف مش يمكن اطلع أنا الثعلب
دون كلمة أخري خرج من البيت ينتظرها خارجا وقفت مكانها في حيرة تبحث عن الصدق في كومة من القش المحترق ... نزعت الجلباب عنها تعدل من زينتها خرجت من المنزل لتراه ينتظرها خارجا بين شفتيه سيجارة تبغ يمتصها بعنف رماها أرضا ما أن خرجت يدعسها بحذائه ليقترب من وتر شبك ذراعها في ذراعه ليميل علي اذنها يهمس لها متوعدا :
- لسه لينا حساب أنك تدخليه البيت وكنتي هتهربي معاه بس في بيتنا يا بنت الذوات
وتر لا تشعر بالخوف دائما ما يقتل خوفها ثقتها بنفسها ولكنها للحظات شعرت حقا بالخوف من نبرة صوته خوف لم يظهر في عينيه ظلت تنظر له بتحدي دون أن ترمش حتي ... ليأخذ بيدها لأسفل هناك حيث بدأت الزغاريد تعلو فرحا .. والأعيرة النارية تنطلق من حولها من كل مكان لم تهتم بكل ذلك كانت تبحث عنها ها هي أمل تخرج بصحبة حسن من منزلها قسمات وجهها غاضبة مكفرة بها من الحزن ما يكفي ويزيد ، حاولت أن تبتسم لها ولكن الأخيرة كانت كمن في عالم غير عالمهم ، جلست علي مقعدها ليتحرك جبران معها إلي مقعدها هي الأخري تركها جبران يشير لحسن إلي طاولة صغيرة يجلس عندها ، ذلك الرجل هو المأدون تقريبا بدأ مراسم عقد القران بحسن وأمل تحركت عيني وتر تتابع تعابير وجه امل وحسن يضع يده في يد زوج والدتها يردد خلف المأذون وكم فتت قلبها ما رأت من قهر يصرخ في عينيها ودموع تسجنها بقسوة في مقلتيها ، جسدها وكأنه يرتعش غضبا وألما اغمضت عينيها في حسرة حين نطق المأذون جملته الأخيرة التي تقرها زوجة له :
- بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير
مسكينة أمل الجملة الوحيدة التي ترددت في كيان وتر بالكامل ... اجفلت في اللحظة التالية علي صوت جبران يحادث صابر زوج والدة أمل يردف ضاحكا :
- جمل جميلك بقي يا عم صابر وجوزني وتر
ضحك صابر يومأ بالإيجاب ما له أن يعترض ... نظر المأذون الي وتر يسألها :
- يا بنتي أنتي موافقة إن يكون الاستاذ صابر سيد الشيخ وكيلك
صمتت للحظات لا تعرف ما تفعل فقط اومأت برأسها بالإيجاب لتتسع ابتسامة جبران وضع يده في يد صابر يعقد قرانه هو الآخر ... قامت وتر في هدوء حين طلب منها جبران أن تأتي لتوقع علي عقد الزواج ففعلت ...قام حسن يحمل دفتر المأذون متوجها به إلي أمل فتحه أمامها يضع فوق صفحاته قلم من الحبر يغمغم بخفوت :
- امضي يا عروسة عشان المأذون عايز يمشي
نظرت حولها لتري أعين جميع الحاضرين مصوبة إليها لن تصرخ لن تفتعل فضيحة هنا ... امسكت بالقلم نظرت لعيني حسن قبل أن توقع باسمها تهمس له كارهة نافرة :
- بكرهك من كل قلبي
ومن ثم خطت توقيعها ووضعت بصمتها اغلق الدفتر يهمس لها مبتسما :
- وأنا بحبك من كل قلبي !
عاد بالدفتر إليهم ليبدأ الزفاف علا صوت الموسيقي الشعبية جلست وتر تراقب عن كثب ما يحدث ، لأول مرة تعش اجواء زفاف كهذا ليس فقط علي التلفاز ، الفرح صاخب الجميع يرقص حتي جبران وحسن تلك الماديات ( المطاوي ) تلتف في أيديهم باحترافية غريبة وكأن جراح شهير يحرك المشرط في يديه أكثر ما ازعجها في الحفل حفنات الملح التي تلقيها والدتها عليها كل حين وآخر واولائك الصغار الذي يلتفون حول مقعدها بشكل سخيف ومنظم الحفل سمعت اسمه مصادفة في أحد الأفلام ماذا كانوا يسمونه ( النبطشي ) علي حد ما تتذكر وتعليقاته السخيفة يحاول تقليد ذاك الممثل في احد الأفلام لا تتذكر لا اسم الفيلم ولا اسم الممثل باتت ذاكرتها كسمكة لا تدوم أكثر من خمس ثواني .... تنهدت بعمق تنظر لأمل لتري نظرات كره وغيظ مصوبة منها ناحية حسن نظرت للحضور لتري في نظرات الكثير من الفتيات غيظ لا تعرف سببه هل سرقت منهم شيئا !! استمر الوضع لساعة اثتنين ثلاثة كادت أن تنام من الملل إلي أن أخيرا قرروا إنهاء ذلك الحفل الغريب ... اقترب جبران منها يحملها بين ذراعيه لينطلق الصفير والتصفيق من جميع الرجال فشعرت بالخجل وهي نادرا ما تشعر بالخجل ... تحرك بها إلي منزله خلفه والدة وتر
اقترب حسن من عروسه كاد أن يحملها هو الآخر ليسمعها تهمس له بنفور :
- قسما بالله العظيم لو شيلتني لهصوت وافضح عملتك القذرة قدام الناس
احتدت حدقتيه غضبا منها ليمسك بذراعها بغيض يشبكه في ذراعه لتنطلق الزغاريد من والدة أمل تتحرك خلفهم توصل ابنتها لبيت الزوجية
تحركت فتحية تسبق وتر وجبران تفتح لهم باب الشقة تطلق الزغاريد العالية ما أن دخلا إلي الشقة اطلت برأسها فقط للداخل تتمتم مبتهجة :
- خلي بالك من وتر يا معلم جبران ، شيليها في عينيك دي اللي طلعت بيها من الدنيا ، يلا أنا هجيلكوا الصبح بقي ومعايا فطار العرايس
قالت ما قالت لتجذب الباب تغلقه ومن ظهر ظلها وهي تنزل لأسفل تطلق الزغاريد العالية
في تلك اللحظة انزل جبران وتر أرضا خلع سترته يزيح اقماص قميصه ابتسم في خبث يتمتم :
- والله واتقفل علينا باب واحد وجه وقت الحساب يا بنت الذوات !!
رواية جبران العشق الفصل التاسع عشر 19 - بقلم دينا جمال
والله واتقفل علينا باب واحد وجه وقت الحساب يا بنت الذوات.
توجست عينيها خوفا منه لما يمشر ساعديه لما نظرة عينيه تبدو كثعلب انفرد بفريسته. هل كان هو الثعلب حقا كما قال وخدعها؟
تباطأت أنفاسها تحمل طيات فستانها بين يديها تعود للخلف تلقائيا تلعثمت تحاول أن تبدو ثابتة أمامه.
حساب إيه، أنت لو عملت حاجة أنا هصوت وبعدين دا أنت قايلي أنك راجل جدع وما بتمدش ايدك علي واحدة ست.
ارتسمت ابتسامة عابثة علي ثغره يخطو ناحيتها وهي تعود للخلف تلقائيا تنظر له متوجسة.
شهقت متفاجئة حين حملها فجاءة بين ذراعيه يتوجه بها إلي غرفة نومهم.
ركلت بقدميها في الهواء تصيح فيه.
نزلني بقولك نزلني.
صدحت عالية من بين شفتيه اصابتها بالقلق مما هو مقدم عليه.
دخل بها إلي الغرفة ليدفع الباب بقدمه يغلقه خلفه.
أنزلها أرضا لتبتعد لاقصي الغرفة.
وقفت تنظر له مرتبكة قبل أن تصيح متوترة.
بقولك ايه احنا بينا اتفاق نتجوز علي ورق.
بست.
وسعت عينيه في دهشة يشير لنفسه ليغمغم مذهولا.
حصل امتي دا أنا ما نطقتش كلمة جواز علي ورق دي خالص افتكري يا بنت الذوات.
قطبت جبينها تحاول أن تتذكر ما قال قبل عدة ساعات فقط.
« تعالي نتجوز يا وتر من باب التغير اعتبريه تحدي أنا أعرف أنك بتحبي التحديات أوي يا تثبتي أني غلطان وإنك فعلا ما حبتنيش وساعتها بكامل ارادتي واقسملك هروح اسلم نفسي واعترف بكل جرايمي ، يا اثبتلك أنك حبتيني وساعتها بردوا مستعد اسيب كل حاجة ونبدأ مع بعض صفحة جديدة »
لم يقل، لم يقل كيف نسيت أن تبرم ذلك الشرط في عقدهم.
رفعت وجهها له لتري ابتسامة واسعة تعلو ثغره يقف أمامها.
التف حول نفسه نصف لفه يغمغم ساخرا.
بس ايه رأيك فيا ما فرقش كتير عن ولاد الذوات مش كدة ، عشان تعرفي اننا نسهل نبقي زيكوا يا ولاد الذوات بس انتوا صعب تبقوا زيينا احنا الأساس والأصل ، لما حد فيكوا بيدخل انتخابات بيجري علي ولاد البلد صوتولي وهعمل وهعمل وهعمل ويادوب ياخد الكرسي وما بنشوفش خلقته تاني.
محق والدها فاز قبلا بمقعد في الإنتخابات من أحدي دوائر الأحياء الشعبية وتكاد تقسم أن والدها لا يعرف أين يقع ذلك الحي من الأساس.
ابتلعت لعابها مرتبكة حين رأته يتقدم ناحيتها يغمغم مبتهجا.
احنا هنقضي الليلة سياسة ولا ايه ... دا احنا لسه عندنا كلام كبير ، كبير أوي.
اقترب يمسك بذراعيها لتنزع نفسها بعيدا عنه تصيح فيه.
بقولك إيه يا جبران أنت تشيل اللي في دماغك دا خالص ....
هدرت بها باجتياح تتحرك للخلف بحذر تحاول الابتعاد عنه قدر الامكان.
ارتسمت ابتسامة خبيثة تعلو ثغره ليتجه ناحيتها يقطع المسافة الفاصلة بينهما ببضع خطوات قليلة.
وقف أمامها يبتسم تلك الابتسامة الناعسة التي تسحر قلوب العذاري.
مد يديه ممسكا بذراعيها برفق مغمغا في نعومة خبيثة.
استهدي بالله يا بنت الناس أمك لما تيجي الصبح بالفطار هتقوليلها ايه.
انتزعت نفسها بعيدا عنه تعود بقدميها للخلف عينيها مرتكزين عليه خوفا من أن يقدم علي أي حركة مباغتة.
رفعت سبابتها أمام وجهه تصيح باجتياح.
بقولك ايه أنت مالكش دعوة بيا خالص وماما أنا حرة معاها هقولها اللي أقوله يا سواح.
شخصت عينيها بذهول في لحظة حين رأته يخرج من جيب سرواله مادية «مطوة» بحركة خاطفة انبثق نصلها الحاد أمام عينيها.
اقترب ناحيتها يلف حلقة تلك المطوة حول سبابته مغمغما بحدة.
ما هو اسمعي بقي يا بت أنتِ ..... أنتِ متجوزة المعلم جبران السواح مش عيل من العيال السيكي الميكي اللي هيقولك خدي وقتك يا حياتي ولا أهم حاجة أنك جنبي يا عمري ، لااا دا أنا السواح أكبر تاجر مخدرات فيكي يا منطقة ..... انزل للرجالة الصبح اقولهم ايه كنت بحكيلها حدوتة.
جحظت عينيها دهشة من وقاحته كيف يجرؤ أن يقول مثل تلك الكلمات كيف يجرؤ أن يفشي أسرار بيته للرجال كما يقول.
فصاحت فيه غاضبة.
أنت ما عندكش ذرة حياء ، أنا عمري ما شوفت راجل بجح زيك كدة.
ضحك ساخرا يومأ برأسه بالإيجاب.
ارتمي جالسا علي فراشه يخلع حذاءه.
اقترب من دولاب الملابس يخرج بعض الثياب له اشار للباب يردف.
أنا رايح أغير هدومي وجاي عشان نشوف موضوع الحياء والبجاحة دي ، آه ابقي دخلي صينية الاكل اللي برة عشان هناكل هنا.
بعث لها قبلة في الهواء يبتسم في اتساع لوح لها قبل أن يخرج من الغرفة.
شحب وجهها تغمغم مذعورة.
ايه الوقعة السودا اللي وقعت نفسي فيها دي بس يا ربي!
لم يكن زفاف بل كان حفل تأبين روحها المستنزفة قلبها المقبور الحزين حلمها المقتول برصاصة غدر غاشمة ، قتلها واقام حفلا يرقص فيه.
ودعت والدتها بعناق طويل سيطرت فيه بشق الأنفس علي سيل دموعها والآن ها هي بفمردها معه في صالة المنزل تنظر أمامها أرضا تشد بكفيها علي قماش فستانها الأبيض كالكفن بالنسبة لها.
سمعت صوت خطواته تقترب لترفع وجهها له تنظر له بكره ، اشمئزاز ونفور.
تهدجت أنفاسها غضبا تغمغم بجملة واحدة.
عايزة الصور.
اومأ لها يتحاشي النظر لعينيها يشعر بدناءة ما فعل.
اختفي داخل المنزل ليعود بعد عدة لحظات في يده ظرف أبيض كبير.
مد يده لها به لتختطفه من يده بعنف.
ارتعشت يدها بعنف تفكر في أسوء ما يمكن أن تري.
فتحت الظرف لتتسع عينيها في ذهول.
اول صورة لها وهي وتجلس علي مقعد أمامها طاولة تستند بمرفقها علي سطح الطاولة ووجها به اذني وانف أرنب.
أبعدت الصورة تنظر للتي تليها لتجدها بنفس الوضع تجلس علي مقعد أمامها طاولة تستند بمرفقها عليها ووجه واذني وأنف كلب يغطي صورها.
وما بقي من صور كانت بذلك الوضع أجمع أشكال مختلفة ( فلترات ).
الوغد كان يخدعها لتوافق علي الزواج منه.
القت الصور أرضا تنظر له في غيظ عينيها حمراء كالدماء.
صرخت بعنف تصيح فيه.
أنت مش بني آدم ولا حتي راجل ، ضحكت عليا ابتزتني بصور وهمية بس عشان تحقق اللي أنت عاوزه ، أنت ايه يا اخي ... حسبي الله ونعم الوكيل فيك أنا بكرهك يا حسن.
عند ذلك الحد انفجرت الدموع من عينيها دون حساب.
عادت بخطواتها للخلف إلي أن ارتطمت بالحائط سقطت أرضا علي ركبيتها تجهش في البكاء تصيح بحرقة من بين دموعها.
أنا كان ناقص ابوس رجلك عشان تسيبني في حالي ، عشان تسيبني أعيش حلمي لكن أنت ما سمعتش قلبك حجر ما حسش بيا ولو لحظة واحدة.
غضب هو الآخر من كلامها رغم أنها لم تقل سوي الحقيقة التي يحاول أن يغض الطرف عنها ولكنه غضب.
فاقترب منها بخطي سريعة انحني بجذعه يقبض علي ذراعيها اوقفها هزها بعنف يصيح فيها.
الحجر دا عمره ما حب واحدة غيرك ، قولتلك بدل المرة ألف أنا مستعد اعمل اي حاجة في الدنيا عشانك ، هسيبك تكملي دراستك ، تحلمي تعيشي تعملي كل اللي نفسك فيه ، زياد الظابط دا عمره ما كان هيحبك ربع الحب اللي حبيتهولك ، أنا عارف أنها حيلة قذرة رخيصة بس أنتِ ما سبتيش قدامي اي حل تاني.
نظر لعينيها الباكية التي تزرف الدموع انهارا وجهها الأحمر الشاحب يشعر بها تحاول دفع يديه عله يتركها.
ترك ذراعيها وقبض علي رسغ يدها يجذبها خلفه إلي أحدي الغرف بالداخل.
صرخت بشراسة تحاول التخلص من سجن كفه.
سيبني ، سيبني يا حيوان ، ما هو أنت لو راجل مش هتفرض نفسك بالعافية عليا.
التفت لها في تلك اللحظة لتري عينيه حمراء كالدم يبدو غاضبا في أوج حالاته غاضبا.
دفع باب الغرفة يدفعها للداخل بخفة ارتطمت بالفراش.
رفعت وجهها سريعا لتراه يشير إلي أحد جوانب الغرفة.
لفت رأسها بحذر إلي ما يشير كان مكتب كبير ومقهد من الجلد الكتب الخاصة بها بالكامل هنا.
لفت رأسها تنظر له مذهولة حين اردف يقول ساخرا.
الكتب بتاعتك لفيت علي المدرسين اللي في مدرستك كلهم واشتريت منهم ملخصات لكل المواد هتلاقيها عندك.
اشاحت بوجهها بعيدا يظن انه كذلك سيرضيها لا أبدا لا يكفي أبدا.
شهقت مذعورة حين رأته في لحظة أمامها حاولت دفعه بكفيها ليقبض علي رسغيها يحتجزهم في كفه الأيسر.
هاجت دقات قلبها ذعرا علي ماذا ينوي في حين همس هو بصوت حاد غاضب.
أنا أقدر دلوقتي ادفعك تمن كلمة أنت مش راجل اللي قولتهالي مرتين تلاتة أربعة ، بس لاء مش هعمل كدة .... عشان أنا مش عايز آخر خيط بينا ، ما تقلقيش مش هاجي جنبك وأنتِ رافضة يا بنت الناس تصبحي علي خير.
ترك رسغيها ليخرج من الغرفة.
ما كادت تتنفس الصعداء لا تصدق حقا أنه تركها هكذا ببساطة.
رأته يدخل إلي الغرفة يحمل صينية من الطعام وضعها جوارها علي الفراش ليجلس بالقرب منها بينهما صينية الطعام.
اشار للطعام يغمغم في هدوء.
الأكل كلي ، اكيد ما كلتيش حاجة من الصبح.
ظلت تنظر للطعام وله قلقة منه ربما وضع لها شيئا فيه لم تعد تثق به أبدا.
ولكنه بدأ يأكل من كل طبق تقريبا ربما ليثبت لها أنه لا شئ في الطعام.
قام يمسك يده في قطعة قماش يغمغم دون أن ينظر لها.
اكيد مش هحطلك حاجة في الأكل اللي كلت منه ، تصبحي علي خير.
وتلك المرة خرج دون رجعة.
قامت تحمل صينية الطعام تضعها علي اقرب طاولة في الغرفة.
توجهت الي مكتب تبحث بين الكتب الجميع هنا حتي الملخصات لا تعرف كيف حصل عليها مدرسين المدرسة يرفضون تماما اعطاهم لمن لا يأخذون معم دروس خاصة.
ارتمت علي مقعد المكتب تفكر فيما ستفعل فيما بعد ، الأيام القادمة ستحمل الكثير بينهما تحت سقف واحد.
تعمد أن يتأخر في المرحاض لربع ساعة تقريبا.
اغتسل وبدل ثيابه خرج يعود للغرفة ليجد صينية الطعام مكانها علي الطاولة في الصالة.
قطب ما بين حاجبيه توجه إليها يحملها للغرفة يخبر نفسه أنها فقط عروس تتدلل.
دخل إلي الغرفة يبحث عنها ليجدها تجلس علي أريكة صغيرة جوار الشرفة تنظر أرضا عينيها دامعة حزينة تفرك يديها.
وضع الصينية علي الفراش اقترب منها يجلس جوارها يسألها قلقا.
مالك يا وتر.
بتعيطي ليه.
رفعت وجهها له ليري دموع عينيها تزيد حدقتيها اضطربت بعنف وجهها شاحب.
همستله متلعثمة خائفة.
أنا مش هينفع ابقي مراتك يا جبران ، أنا آسفة.
قطب ما بين حاجبيه لا يفهم ما تقول.
مد يده يربت علي كتفها برفق يحادثها.
اهدي يا وتر وفهميني في اي.
ابتلعت صحراء لعابها لا تعرف كيف تقولها له ، لا تعرف حتي كيف ستخبره بماضي حدث لها رغما عنها ، وهل سيتقبل هو ذاك الماضي.
ارتجفت شفتيها تتمتم متلعثمة.
اا اااا ااانا ... ااانا ... مش ، مش ، مش .... مش جاهزة يا جبران أنا عارفة أن دا ضد عرفكوا هنا بس أنا فعلا مش جاهزة.
لم تقدر علي قول الحقيقة فاخترعت تلك الكذبة سريعا فابتسم هو يصدمها علي رأسها بخفة يغمغم ضاحكا.
كل المشمش دا عشان تقولي كدا ، يا عبيطة دا أنا كنت بناغشك ، الراجل ما بيفرضش نفسه علي واحدة حتي لو مراته ما تخافيش مني يا وتر.
ابتسمت له ممتنة وفجاءة دون مقدمات عانقته سعيدة بأن الموقف مر بأن الماضي لم ينكشف.
فضحك عاليا يهمس لها في خبث.
لاء أنا كدة هرجع في كلامي علي فكرة.
ابتعدت عنه سريعا ارتدت للخلف تنظر له مرتبكة ليقم هو من مكانه.
أمسك بكف يدها يتحرك بها حمل الصينية يضعها أرضا جلس يجذب يدها يجلسها جواره لتضحك بخفة.
أمسكت بالشوكة تغرزها في أحدي طيور الحمام المحشوة بالارز ليضحك جبران عاليا.
امسك الحمامة بيديه يكسرها بخفة يغمغم ضاحكا.
ما بتتاكلش بالشوكة يا بنت الذوات ، أنتوا عندكوا ما بتاكلوش حمام في البرج العاجي ولا إيه.
مزق قطعه ليست بكبيرة بيديه يقربها منها.
افتحي بوقك يا بنت الذوات ما تقلقيش أنا غاسل ايدي.
شعرت بالحرج وربما الخجل تشعر بأن وجهها يشتغل بالحرارة.
فتحت فمها تأخذ ما في يده علي استحياء لتسمعه يغمغم عابثا.
لالالا دا احنا محتاجين نزغطك زي الحمام أكلتك ضعيفة خالص يا بنت الذوات.
ضحكت وهي تأكل فغصت بطعامها تسعل بعنف.
قام سريعا هو يحضر زجاجة مياة يصدمها علي ظهرها بخفة يغمغم سريعا.
اشربي براحة.
اخذت القليل من المياة تتنفس بعمق تلتقط أنفاسها المسلوبة.
نظرت له في غيظ تغمغم حانقة.
أنت بتخبط علي لوحة خشب في ورشتك دا ضهر بني آدمه.
ضحك عاليا يسخر منها يغمغم متهكما.
والله يا بنتي ألواح الخشب اطري من كدة أنتِ ابوكي ما كانش بياكلك ولا ايه ، اومال ايه بنت الذوات ، بنت الذوات ومصيتك في الحتة علي الفاضي وانتوا طلعتوا بتقضوا عشاكوا نوم.
لا فائدة لا تتحدث لا تنطق تكاد تكون لا تتحرك كتثمال لملاك حزين يجلس فوق الفراش الدموع تفر من عينيها بين حين وآخر.
تنهد بعمق وهو يدخل من باب الغرفة يمسك صينية طعام صغيرة بها الكعكعات التي تحب.
شمت رائحتها الذكية لتخور معدتها تخبرها بأنها جائعة.
كمشت يدها علي معدتها بعنف كأنها تُخبرها أن تخرس.
في حين ابتسم هو حزينا تقدم يجلس جوارها يضع صينية الطعام أمامهم.
تنهد بعمق يغمغم برفق.
الدكتور قال لازم تاكلي كويس.
اشاحت بوجهها في الإتجاه الآخر ترفض أن تستمع له.
مد يده يلامس كتفها لتزيح يده بعنف.
حاولت أن تبتعد عنه أكثر كادت أن تسقط من الفراش لولا أنه امسك برسغها سريعا جذبها ناحيته بقوة خوفا من أن تسقط وساقها مكسورة لن تحتمل.
شهقت بعنف حين سقطت بين ذراعيه تشعر بيديه تلفها وقبل أن تأتي بهمسه سمعته يهمس نادما.
مين في الدنيا ما بيغلطش يا رُسل كل بني آدم في الدنيا بيغلط ، وأنا توبت والله توبت واتبرعت بكل الفلوس اللي كسبتها من القرف دا وخدت ورثي من فلوس بابا الله يرحمه وشغلتها في شركة سياحة ، دا ربنا بيسامح يا رسل ، ليه مش عاوزة تسامحيني.
ابتعدت عنه تصرخ فيه محتدة.
أنا عمري ما هسامحك يا بيجاد ... عمري ما هسامحك لا أنت ولا وليد ولا بابا ... انتوا شياطين ربنا ينتقم منكوا ... طلقني فاهم طلقني ، وهاتلي نجلاء أنا عايزة نجلاء.
تنهد بعمق ليمسك بيديها بين يديه يقتطع قطعة صغيرة من الكعك يحادثها في حدة اخافتها.
همشي بس لما تاكلي ، مش عايزة تسامحيني أنتي حرة ... هطلقك بس لما تعملي العملية.
ومش هتشوفي وشي تاني.
توسعت حدقتيها في دهشة عملية !! عن أي عملية يتحدث لالا لن تفعل.
كادت أن تصرخ معترضة حين وضع اللقمة في فمها ، ولقمة تليها لقمة يمنع صياحتها بالطعام.
في طريق عودته من قسم الشرطة إلي البيت حاول الاتصال بوتر ليجد هاتفها مغلق كما حاله منذ ساعات حتي أمل هاتفها مغلق ما بهما معا ، تري ما حدث لهما معا أهي فقط مصادفة لا أكثر.
الساعة تجاوزت الثالثة ليلا بالطبع الجميع قد نام الآن الطريق شبه فارغ.
نظر للهاتف في يده يرسل لها رسالة علي أحد مواقع التواصل الاجتماعي.
حين رفع رأسه توسعت عينيه حين رأي فتاة ترتمي علي مقدمة السيارة بعنف اوقف السيارة بمعجزة.
نزل منها يركض للفتاة الملقاة أرضا غارقة في دمائها.
هرع إليها نزل علي ركبيتها يصيح فيها قلقا.
يا آنسة ، سمعاني.
رمشت بعينيها في حركة خفيفة ليحملها بين ذراعيه يهرع بها إلي سيارته وضعها علي المقعد جواره يسرع بالسيارة يعرف أن هناك مشفي قريب من هنا.
لم يري ابتسامة الشيطان التي توسعت في خبث.
في حين أكل هو الطريق أكلا الي أن وصل إلي المستشفي نزل يحملها بين ذراعيه يركض بها إلي الطوارئ التي اخذوها منه إلي احدي الغرف.
ساعة ويزيد وهو يقف قلقا علي مستقبله سيجازي أن أصاب الفتاة مكروها.
أخيرا خرج الطبيب من الغرفة ليتحرك زياد إليه يسأله متلهفا.
طمني يا دكتور.
نظر له الطبيب بإزدراء لولا أنه يعرف أنه ضابط شرطة لكان سمعه ما لا يرضي.
أنا مش عارف علاقتك بالانسة اللي جوا ايه ، علي العموم في آثار تعنيف جامد علي جسمها دا غير خبطة جامدة اثرت علي ضلعين عندها.
لم يكن يريد أن يفعل ذلك ولكنه فعل رغما عنه.
تحرك إلي غرفتها دق الباب يدخل بضع خطوات إلي أن صار في مستوي رؤيتها.
ما أن رأته صرخت مذعورة وكأنه وحش مخيف يريد التهامها.
هو هو هو السبب ، هو اللي ضربني واغتصبني وكان عاوز يموتني.
توسعت عيني زياد في ذهول ما تقوله الفتاة تقوله أمام جمع لا بأس به من الأطباء.
كاد أن يصرخ فيها أنها كاذبة ولكنه لمح شيئا يعرفه رآه جيدا فاحتدت عينيه يصيح فيها.
هو في واحد بيغتصب مراته بردوا يا هانم مش كفاية قفشتك في سرير عشيقك وما رضتش اطلقك عشان ما افضحكيش قدام اهلك الغلابة.
وفي لحظة انقلبت الطاولة ضدها وتوجهت نظرات الاشمئزاز والقرف إليها.
ابتلعت لعابها مرتبكة ذاك لم يكن في الحسبان.
هو اخبرها أن الوضع سينتهي حين تصرخ بتلك الكلمات أمام الجميع سيُحاكم زياد ويطلق هو سراحها.
ارتجفت اوصالها حين اقترب منها يغمغم متوعدا.
يلا نروح بيتنا يا مراتي !!!
رواية جبران العشق الفصل العشرون 20 - بقلم دينا جمال
تظن أنها أوقعت به في فخ أسود لتودي بمستقبله إلى الهلاك.
تمت حدقتاه وهو يتقرب منها.
حملها عنوة بين ذراعيه.
كم أرادت أن تصرخ، تستغيث بمن حولها، ولكنه همس لها بصوت خفيض يتوعدها:
"لو سمعت صوتك، هخليكي تقضي اللي باقي من عمرك ورا القضبان في السجن."
ابتلعت صوتها وصراخها داخل جوفها المرتجف خوفًا.
ارتعش جسدها بعنف وهو يحملها، يخرج بها من الغرفة إلى ردهات المستشفى.
يتحرك بها إلى حيث سيارته، فتح الباب المجاور للسائق، يلقيها داخل السيارة حرفيًا.
أغلق عليها الباب ليأخذ مقعد السائق، يدير محرك السيارة دون أن ينطق بكلمة.
فسألته هي بصوت مرتعش خائف:
"إحنا رايحين فين؟"
التفت لها، يغطي ثغره ابتسامة مظلمة قاتمة، يهمس لها متوعدًا:
"على بيتنا يا زوجتي العزيزة."
وانطلق بالسيارة، يدعس الدواسات تحت قدميه بعنف، يشق الطريق إلى منزله الصغير.
ليرى تلك البلهاء مع من فكرت أن تعبث.
أما هي، فلم تتوقف عن البكاء للحظة.
جسدها يرتعش، تحتضن نفسها بذراعيها.
كفاها ما لاقت، ليأت هو بسهمه الأخير، يقضي على ما بقي منها.
تري أي عذاب ستلقاه الآن؟
أجفلت حين وقفت السيارة، ونزل هو.
فتح الباب المجاور لها بعنف، قبض على رسغ يدها، يجذبها بقسوة من السيارة.
يجذبها خلفه إلى الطابق الثاني حيث يسكن وحيدًا.
فتح باب الشقة، يدفعها للداخل بعنف، لتسقط أرضًا من عنف دفعته.
رفعت وجهها سريعا، تنظر له مرتعبة.
في حين ألقى هو المفاتيح من يده بعيدًا بعنف.
اقترب منها، في لحظة قبض على خصلات شعرها، يجذبها لتقف، يصرخ فيها:
"بقي أنا ضربتك وعذبتك واغتصبتك، ما طفتش سجاير فيكي بالمرة؟ أنتي بترمي بلاكي عليا، انطقي يا بت مين قالك تقولي القرف دا."
غصت في شهقات بكائها العنيفة، تحاول أن تخفف قبضة يده عن خصلات شعرها.
شهقت بعنف، تتوسله باكية:
"أبوس إيدك ارحمني، ما اعرفهمش، هما خطفوني وغموا عينيا وعذبوني أيام وأسابيع، وفي الآخر وروني صورتك وقالولي لو قولت عليك كدة هيسيبوني، هيرحموني. ارحمني أنا تعبت والله العظيم تعبت، أنا بس نفسي أرتاح، نفسي في الرحمة. أقولك موتني، الموت رحمة ليا عن كل اللي شوفته."
لا تكذب حرقة صوتها، دموع عينيها، جسدها الذي يرتعش في ألم.
كضابط شرطة منذ سنوات، بات من السهل عليه أن يميز بين الحقيقة والكذب.
وتلك الفتاة تكذب ولا تكذب.
تختلق بعض الحكايا وتصرخ بألم حدث لها.
دفعها إلى أقرب أريكة، ارتمت فوقها، تنظر له ترتعش خوفًا.
في حين حمل هو مقعدًا من الخشب، وضعه أمامه، جلس فوقه، ينظر لها يتفحصها بنظراته.
سألها محتداً:
"انتي عندك كام سنة؟"
"22."
بالكاد خرج الرقم من بين شفتيها، تنظر له مذعورة، خائفة.
ما لاقته من الشيطان لم يكن هينًا من الأساس.
زفر هو أنفاسه حانقًا منها ومن الموقف بأكمله.
يُحاِدثها غاضبًا:
"أنا واثق إن وراكي مصيبة وإنك بتألفي أي كلام، بس هخليني ورا الكداب. أنا ممكن أرميكي في السجن مع اللي شبهك، بس مش قبل ما أعرف إيه حكايتك كاملة ومين اللي وراكي."
قام من جديد، يقبض على رسغ يدها، يجذبها خلفه إلى ممر جانبي.
تذكرت وقتها ذاك الشيطان وهو يجذبها للغرفة التي بها صندوق الأفاعي.
ضرب جسدها برد قارص، يعتصر أوصالها خوفًا.
فتح باب الغرفة، يضيء أنارتها، يحادثها ساخرًا:
"اعتبريها أوضتك، سجنك لحد ما تشرفي في السجن اللي بجد."
وتركها وغادر، يصفع الباب خلفه.
وقفت مكانها، تنظر للغرفة حولها.
جرت قدميها للفراش، جسدها يرتجف من الألم والخوف.
تمددت تضم ركبتيها لصدرها، تنساب دموعها تغرق روحها.
بالكاد جذبت الغطاء تختبئ تحته من صقيع الذعر.
في لحظات قليلة، بدأت تشعر بالدوار يأخذها لبئر النوم.
تستريح ولو لدقائق من وحش نهشت روحها.
***
مرت الساعات سريعًا، وسطعت الشمس تُضيء المكان.
تأففت، تفتح عينيها رغماً عنها.
تشعر بشيء غريب، رائحة المكان مختلفة، ليست رائحة اعتادت عليها.
حتى ملمس الفراش مختلف.
تستمع إلى أنفاس تجاورها.
قطبت جبينها، تبلع لعابها خائفة.
مدت يدها بحذر، تحاول أن تلمس ذلك الراقد بجوارها.
حطت أصابعها على وجهه لتطمئن.
هو النائم بجوارها، ولكن أين هم؟
وصلت لذراعه لتكزه بكفها، تحاول إيقاظه:
"إنت اصحي، قوم، إحنا فين؟ إنت جبتني فين؟"
سمعت صوته يتثاءب ناعسًا.
الفراش يهتز، ذلك يعني أنه يصحو، يتحرك.
انتصف بيجاد يجلس بجوارها، يفرك عينيه ناعسًا.
لم ينم سوى ساعتين على أكثر تقدير.
لما تصيح تلك الصغيرة باكرًا؟
ابتسم، يعطيها ابتسامة ناعسة، يحادثها:
"صباح الفل يا حبيبتي، صاحية بدري يعني مش عوايدك، تحبي أناديلك ممرضة؟"
"ممرضة؟!"
ارتدت تلك الكلمة في عقلها بعنف، لتلفت برأسها ناحيته، تصيح مذهولة غاضبة:
"ممرضة، هو إحنا فين وبنعمل إيه؟"
تنهد متعبًا، تلك الصغيرة لا أمل من الكلام معها أبدًا.
بات تغضب لأقل شيء.
مد يده يريد أن يربت على كتفها، لتدفع يده بعنف ما أن لامستها أصابعه.
يرى في عينيها نظرة غيظ امتزجت بكره واشمئزاز.
لذلك انسحب من جوارها على الفراش.
التف يقف بالقرب منها، يخبرها بما حدث:
"إحنا هنا في مستشفى، في جراح كبير موجود هيبقي مسؤول عن حالتك. أنا عارف إني لو قولتلك هترفضى تيجي معايا. فحطتلك منوم في الأكل امبارح."
توسعت حدقتاها غيظًا مما قال.
حاولت أن تقوم، يبدو أنها نسيت أن ساقها في جبيرة.
دفعت بجسدها من فوق الفراش، لتصرخ من الألم.
وقعت على وجهها أرضًا.
صلح باسمها مفزوعًا، ليهرع إليها يحاول حملها بحذر، وهي تصرخ من ألم ساقها.
وضعها على الفراش، وركض خارج الغرفة يبحث عن أي طبيب يُغيثه.
عاد بعد دقائق ومعه طبيبة عظام.
اقترب منها يحاول تهدئتها، يحادثها متلهفًا:
"اهدي يا رسل، الدكتورة أهي، اهدي يا حبيبتي."
صرخت فيه، دفعت يديه بعيدًا عنها:
"ابعد عني، اخرج برة، إنت السبب، إنت شيطان، إنت ووليد كلكوا شياطين."
ابتعد عنها، لا يجد ما يقوله، وهي لا تسمع، لا تتفهم.
تحرك بخطى ثقيلة ناحية باب الغرفة، خرج منها ليستند على الباب المغلق.
يغمض عينيه، نادمًا.
عرض سريع من حياته.
فتح عينيه، ينظر ليده، يبتسم ساخرًا.
كان السلاح جزء لا يتجزأ من يده، كانا لا ينفصلان.
أحب القتل وعشق الدماء لسنوات، وهو يسفكها بضغط زناد رصاصته.
أبدًا لم تخيب.
تنهد بعمق، يحرك رأسه بالإيجاب، وكأنه يحادث نفسه.
سيصل لقلب الصغيرة حتى وإن شق الأرض لأجلها.
***
أنه اليوم التالي لزفافهم.
ماذا يسمونه في تلك الحارة الشعبية؟ لا تعرف، ربما هي "الصباحية".
كلمة غريبة استمعت إليها مصادفة من إحدى السيدات في الحي.
فتحت عينيها فجأة، تنظر للنائم بجوارها في سكون.
تتأمل النظر لقسمات وجهه.
من هو؟ باتت لا تعرف.
أهو ذلك الوقح البلطجي تاجر الممنوعات؟
أم رجل نبيل لين المعاملة، يحب الضحك، يعشق مشاكستها؟
ابتسمت يائسة، تقسم أنها باتت تحب كلمة "ابنة الذوات" التي يقولها لها بين حين وآخر.
زوجة جبران السواح.
من كان يصدق أنها ستفعل؟
كانت تظن أن زواجها سيكون من أحد رجال الأعمال من شركاء والدها.
ولكن ها هي ترقد بجوار معلم حواري يفتخر بماديته (المطوة).
وضعت يدها على فمها، تكتم صوت ضحكاتها حين تذكرت ما حدث بالأمس.
**Flash back**
انتهت من طعامها لتجده يلتقط قطعة قماش ملقاة جوارهم، يمسح بها كفيه.
لتعترض، تحادثه حانقة:
"جبران لو سمحت قوم اغسل إيدك، مش هتنام وإيدك ريحتها أكل."
ألقى قطعة القماش بعيدًا، قام واقفًا، ابتسم، يحادثها ساخرًا:
"يا بنت الذوات أنا متعود أمسح كف يدي من شغلي في الورشة، إنما أكيد هغسلها."
وتحرك للمرحاض.
قامت خلفه، لا تعرف أين المرحاض، وبالطبع هو سيذهب إليه.
ما أن اقتربت من باب المرحاض، هو كان فقط يقف عند الحوض يغسل كفيه بالصابون.
توسعت عيناه، يصفع الباب في وجهها، يصيح فيها ساخرًا:
"يلا يا قليلة الأدب، جاية ورايا الحمام."
توسعت حدقتاها، تدلي فمها مدهوشًا بما يهذي ذلك الوقح.
لحظات وفتح الباب، يمسك بمنشفة، وضعها على كتفها.
نظر لها، يغمغم ساخرًا:
"تؤتؤ، شوف وأنا اللي كنت فاكرك مؤدبة يا بنت الذوات، اخس."
وتركها ورحل.
لتشد على كفيها، انتزعت المنشفة من فوق كتفها، تكورها في يديها، ترميه بها بعنف.
اصطدمت بظهره، ليلتفت لها، يلاعب حاجبيه عابثًا، يضحك عاليًا.
تأففت حانقة.
إلى المرحاض ذهبت، اغتسلت، وعادت لغرفة النوم لتجده يجلس فوق الفراش.
كاد أن يقول شيئًا يقنعها به أن تنام بجواره ولا تقلق.
لكنه وجدها توجهت إلى الفراش بملء إرادتها، أخذت الجانب الآخر من الفراش، تجذب الغطاء، تتدثر به.
ابتسمت ناعسة، تتمتم:
"تصبح على خير."
ضرب كفًا فوق آخر، يغمغم مدهوشًا:
"وأنا اللي كنت لسه بقول يا ترى أقولها إيه عشان أخليها تنام وما تقلقش. وانتي من أهل الخير يا وتر، نامي يا حبيبتي."
ضحكت بخفة، توليه ظهرها، تجذب الغطاء حتى رأسها.
ما أن كادت تنغمس في النوم، سمعته يهمس باسمها:
"وتر، قومي دخلي باقي الأكل التلاجة عشان ما يحمضش، الجو حر."
تأففت حانقة، تختفي تحت الغطاء، تهمس بنزق:
"ماليش دعوة، قوم دخله أنت."
اعتدل جالسًا، أمسك طرف الغطاء، يجذبه من فوق رأسها، يردف يحادثها ببعض الحدة:
"قومي يا بنت الذوات، هو مال حرام؟"
فتحت عينيها في تلك اللحظة، رفعت وجهها له، ترتسم ابتسامة كبيرة على ثغرها، تحادثه ساخرًا:
"آآه، مال حرام، ولا عامل مش واخد بالك؟"
ابتسم في سخرية هو الآخر، كتف ذراعيه أمام صدره، يحادثها متهكمًا:
"ولا لما هو مال حرام، أكليتي منه ليه؟ قبلتي من الأول تتجوزيني ليه؟ ولا فلوس بابا هي اللي حلال؟"
قطبت ما بين حاجبيها متعجبة من جملته الأخيرة.
هبت جالسة فوق الفراش، أشهرت سبابتها أمام وجهه، تحادثه محتدة:
"مالكش دعوة ببابا، وأيوة فلوسه هو حلال، بابا رجل أعمال كبير ومعروف."
"دجال يعني."
أردف بها ساخرًا، لينفجر في الضحك على مزحته السخيفة.
في حين انتفخت أوداجه غضباً من سخريته.
ابتعدت عن الفراش، تصرخ فيه غاضبة:
"جبران، كله إلا بابا، ما اسمحلكش بأي شكل من الأشكال إنك تقلل منه أو تهينه، حتى لو بتهزر، إنت فاهم؟"
رأت في عينيه نظرة سخرية غريبة.
أومأ لها، يغمغم ساخرًا:
"من عيوني يا ست البنات، بكرة الزمن يوريكي الحقيقة. دخلي بقي الأكل بما إنك قومتي من على السرير."
سبته في نفسه، تغمغم حانقة بصوت خفيض، تعبر عن غضبها منه، وهي طريقها تبحث عن ذلك المبرد.
وصلت للمطبخ، لتجده يقبع هناك.
وضعت الصينية في يدها، على الأرض تأخذ منها الأطباق، حتى الفارغة تضعها في الثلاجة.
تتثاءب ناعسة.
وضعت الصينية في أحد الأركان جانبًا، لتعود للفراش، تتثاءب ناعسة.
ارتمت فوقه، تنام، تجذب الغطاء عليها.
في لحظات نامت دون مقدمات.
**Back**
أجفلت على صوت رنين هاتفه بصوت أغنية شعبية صاخبة، لتغمض عينيها وكأنها نائمة.
سمعت صوته يتثاءب ناعسًا بشكل عنيف أخافها.
مد يده يلتقط هاتفه.
نظر للمتصل، ليسبه بكلمة ليست جيدة على الإطلاق.
فتح الخط، يحادثه محتداً:
"على الله يا فتحي تكون متصل عشان حاجة تافهة."
صمت للحظات، يستمع للطرف الآخر، قبل أن يصيح فيه غاضبًا:
"ولاا أنا لو نزلت هعجنك في بعضك، غور افتح الورشة."
ويبدو أنه أغلق الخط في وجهه.
سمعته يغمغم حانقًا، يحادث نفسه:
"شوية متخلفين على الصبح، قال مش لاقي مفاتيح الورشة، مش كفاية أن البيه لسه هيفتح بعد كل ده."
فتحت عينيها في تلك اللحظة، تتثاءب برقة.
انتصفت جالسة، تفرك عينيها.
رسمت ابتسامة طفيفة على شفتيها، تردف بخفوت:
"صباح الخير، في إي متعصب ليه كدة على الصبح؟"
التفت برأسها إليها، وابتسم.
يبدو أن أولاد الذوات كما يظهرون في التلفاز حقًا يستيقظون بشكل مهندم، نظيف، غريب.
تعلقت عيناه بخصلة شعر تدلت على وجهها.
شعر بها تناديه، ليلامسها بيده.
مد يده بخفة، يزيح خصلة الشعر خلف أذنيها.
ارتبكت مما فعل، تنظر له متوترة، تنقل أنظارها بينه وبين كف يده الذي لم يبتعد عن خدها بعد.
ناقوس خطر يدق في رأسها، وهو يقترب منها رويدًا رويدًا بخفة.
تهدجت أنفاسها خوفًا.
مر أمام عينيها ما حدث قدميًا، لتهب سريعا تبتعد عنه.
ابتسمت متوترة، تردف:
"أنا هروح أغسل وشي وآخد شاور."
التقطت أول ما قابلها من الثياب سريعًا من دولاب الملابس، تهرب من الغرفة تحت أنظاره المتعجبة.
ما أن خرجت من الغرفة إلى الصالة.
وجدت هاتفها يدق، يبدو أنه يدق منذ مدة طويلة.
توجهت إليه، رقم غريب اتصل بها ما يزيد عن مئة مرة.
فتحت الخط، لتسمع صوت والدها يصيح فيها غاضبًا:
"بقالي ساعات بحاول أتصل بيكي، إيه الهباب اللي طارق قالي أنك هببتيه دا؟ تتجوزي وأنا مش موجود؟ إنتي ناسيه أنك متجوزة أصلاً؟"
غضبها مما قال والدها أنساها تمامًا أنها كانت حقًا في أشد حالاتها شوقًا له.
لولا وجود جبران على مقربة منهم لكانت صرخت من شدة غضبها.
أخفضت صوتها، تهمس له حانقة غاضبة:
"قصدك وليد أخو طارق اللي حاول يعتدي عليا في غيابك؟ كانت خطوبة لواحد عمري ما شوفته، إنت اللي أصرت إني أخطبله وجيت قدام المأذون قولت مش موافقة. إنهي جواز دا اللي بتتكلم عنه؟"
صاح سفيان فيها مصعوقًا:
"طارق حاول يعتدي عليكي؟ دا أنا هفصل رقبته عن جسمه، صبرك عليا يا طارق يا تهامي."
صمت للحظات، استعاد فيها موج غضبه من جديد، ليصيح فيها محتداً:
"كلمتي عهد وأنا وعدت مجدي أنك هتبقي لواحد من ولاده. إن كان وليد مات، فهتبقي لطارق."
ما به والدها يتصرف وكأنه شخص لا تعرفه؟
لما ذلك الغضب والإصرار على أن تكون زوجة لأحد أبناء صديقه؟
انهارت دموعها ألمًا على فراقه، وعلى ما يقول.
حين سمعت صوته أخيرًا، لتهمس له بحرقة:
"أنا مش عروسة لعبة يا بابا عشان أتنقل من إيد دا لأيد دا، أنا بنتك إنت، عمرك ما كلمتني كدة في إيه يا بابا."
خرجت شهقات بكائها، تشعر بالضعف والانهيار.
لتلين نبرة صوت سفيان، يحادثها معاتبًا:
"عايزاني أعمل إيه يعني لما أعرف أن بنتي الوحيدة اتجوزت من ورايا لحد بلطجي صايع بيتاجر في المخدرات؟ كان فين عقلك يا وتر وإنتي بتوافقي على الجوازة دي؟ حبيبتي، دا ما ينفعكيش بأي شكل، إنتي وتر هانم الدالي."
صمت للحظات، قبل أن يعاود حديثه:
"لازم تخليه يطلقك، لو ما رضيش، يبقى يموت ونخلص منه. وبعدين إنتي قولتي له الحقيقة؟ قولتي له الحادثة اللي حصلتلك؟ أنا واثق أنك لو كنتي قولتي له، كان فضحتك وبهدلك. أنا راجع كمان كام يوم ومش هسيبك على ذمته لحظة واحدة. سلام يا وتر، خلي بالك من نفسك."
وأغلق معها الخط.
وقفت للحظات تسترجع كلمات والدها، لتنهار على الأريكة جوارها.
أخفت وجهها بين كفيها، تجهش في البكاء.
خرج جبران من الغرفة على صوت بكائها العنيف.
تحرك إليها سريعا، جلس جوارها يسألها قلقًا:
"مالك يا وتر، دي تاني مرة أشوفك بتعيطي، في إيه؟ فهميني."
أزاحت كفيها عن وجهها، ستخبره وينتهي كل شيء.
مسحت دموعها بعنف، تحاول أن تلملم القليل من رباطة جأشها المتبقي.
غص صوتها، تهمس له:
"جبران أنا، أنا مش..."
كادت أن تقولها، حين صدح صوت دقات عالية على باب منزلهم وصوت والدتها يطلق الزغاريد العالية:
"افتحوا يا عرسان، كل دا نوم؟ دي الساعة داخلة على 3 العصر."
تحركت وتر تجاه غرفة النوم سريعا، دخلت توصد الباب عليها بالمفتاح من الداخل.
ليتنهد قلقًا من حالها، عليه أن يعرف ما بها.
تحرك يفتح باب المنزل لفتحية التي تحمل صينية عليها الإفطار.
أخذها منها، لتدخل هي تطلق الزغاريد العالية، تحادثه مبتهجة:
"صباح الفل يا معلم، صباحية مباركة يارب، اومال العروسة فينا؟"
ابتسم، يربت بكفه على صدره، يردف:
"تعيشي يا ست فتحية، الله يبارك فيكي. وتر نايمة، سيبيها مش قادرة تصحى دلوقتي."
حمحمت فتحية محرجة، جبران يخبرها بشكل غير مباشر بأنها غير مسموح لها برؤية ابنتها الآن.
ابتسمت متوترة، تردف:
"نوم الهنا يارب. أنا هخش أشوفها وأمشي على طول."
تحركت خطوتين، لتجده يعترض طريقها.
ينظر لها في حدة، يديه في جيبي سرواله القطن.
تلك المرة كانت نبرته أكثر حدة وهو يخبرها:
"هو أنا مش قوللتلك نايمة؟ مش هتقدر تصحى دلوقتي، وما تقلقيش، بنتك زي الفل، اطمني."
جف لعابها حرجًا، تومئ له، حاولت رسم ابتسامة باهتة على شفتيها، تحادثه:
"طب استأذن أنا يا معلم، هبقي أكلم وتر لما تصحى وتفوق، ابقي أجليهالي."
رحلت.
ليغلق جبران الباب خلفها.
توجه إلى المرحاض، اغتسل في دقائق، عاد إلى غرفته.
دق بابها يحاول الدخول، يحادثها مترفقًا:
"وتر افتحيلي الباب، عايز أغير هدومي عشان أنزل."
سمعت صوت المفتاح يتحرك في قفله.
انفتح الباب، دخل ليجدها تجلس فوق الفراش، تمسح بقايا الدموع من على خديها.
التفتت برأسها له، ترسم ابتسامة واسعة على ثغرها:
"معلش، أنا ساعات بحس إني عايزة أعيط من غير سبب. هي ماما مشيت؟ أنا سمعتك بتقولها نايمة."
أومأ لها، يشك في كل ما قالت.
صحيح أنه لا يعرفها سوى من وقت قريب، ولكنها تكذب، تلك الفتاة فاشلة في اختلاق الأكاذيب.
اقترب منها، دني بجذعه قليلاً، يمسك بذراعيها بين كفيه.
ابتسم، يحادثها:
"وتر، حتى لو جوازنا مجرد تحدي من وجهة نظرك، فهو حياة وجواز عادي بالنسبة ليا. أنا لو في أي حاجة حصلت مضيقاكِ أو مزعلاكِ، احكي لي، صدقيني هتلاقيني دايماً في ضهرك يا بنت الذوات."
نطق كلمته الأخيرة بشكل مرح، لترتسم ابتسامة طفيفة على ثغرها.
أومأت له بإيجاب، كاذب، زائف.
بالطبع لن تخاطر وتخبره.
ارتجف جسدها حين شعرت به يقبل قمة رأسها.
أخذ ثيابه وخرج من الغرفة، تاركًا إياها تسبح في بحر من الحيرة، يغرقها رويدًا رويدًا.
***
كانت تحلم بالطبع.
كان حلمًا.
كانت تركض في صحراء وخلفها ثعبان ضخم يحاول قتلها.
ملابسها ممزقة، الدماء تغطي جسدها، تبكي بحرقة، تصرخ عل أحد ما ينقذها.
شهقت بعنف، تصحو من ذلك الكابوس البشع على يد تربت على وجهها وصوته يصيح فيها:
"إنتي يا بت إنتي بتموتي ولا إيه؟ بخربيتك. فوقي."
انتفضت، تعود بجسدها للخلف تلقائيًا.
دموعها تغرق وجهها منذ أن كانت تحلم.
ارتجفت حدقتاها.
عقلها وكأنه انفصل عن جسدها.
لا ترى زياد، لا تستمع إلى ما يقول.
ترى صاحب الظل، ها هو يقترب منها، في يده الثعبان، يبتسم لها ابتسامة الشيطانية المجنونة.
صرخت مذعورة من وهم مخيف سكن روحها.
انتفضت من مكانها، تهرع إلى الشرفة الموجودة في الغرفة.
في لحظة فتحتها، تريد أن تلقي بنفسها منها.
انتفض زياد سريعا، لحق بها قبل أن تلقي بنفسها بثوانٍ معدودة.
جذبها للداخل، يحتجزها بين ذراعيه.
لتصرخ هي مذعورة، تتنفض بين ذراعيه، تصرخ بحرقة:
"سيبني أموت، والنبي سيبني أموت. ما ترجعنيش ليه. مش عايزة أرجعله. أنا عايزة أموت."
أحكم يديه حولها، ينتزعها من عند الشرفة.
أخرجها من الغرفة بأكملها إلى الصالة.
أجلسها على الأريكة.
تحرك يبحث عن أي مهدئ كان يستخدمه، إلى أن وجد قرصًا واحدًا فقط تبقي في شريط.
وضعه في كوب عصير وعاد به إليها.
وقف من بعيد يراقبها.
جسدها يرتجف وكأنها تُصعق.
عينيها تتحرك بهذيان في كل مكان.
قسمات وجهها تنقبض خوفًا.
كل حين وآخر، تلك المسكينة يبدو أنها عانت كثيرًا.
اقترب منها، يعطيها كوب العصير.
كاد أن يسقط من يدها عدة مرات من عنف ارتجافة كفها.
سألها برفق، يكفي ما بها الآن:
"إنتي اسمك إيه؟ أنا نسيت أسألك على اسمك."
"حياة."
بالكاد سمع اسمها، ليومئ لها، يتساءل في نفسه، يتحسر على حالها.
وهو حتى لا يعرفها.
من الذي انتزع الحياة من حياة!
بدأت ارتجافة جسدها تهدأ بفعل المهدئ.
ثقلت جفونها، مال جسدها للخلف.
أخذ منها كوب العصير، يضعه على الطاولة بعيدًا.
مدد جسدها على الأريكة، يضع وسادة تحت رأسها.
توجه إلى الغرفة، يجذب غطاء من الدولاب.
لتسقط صورة قديمة من دولاب ثيابه.
نظر، انحنى يلتقط الصورة.
الصورة لترتسم ابتسامة حزينة على ثغره.
صورة قديمة له هو ووالدته وخالته وحياة ابنته خالته.
توسعت عيناه، يقرب الصورة من عينيه.
حياة الصغيرة لديها شامة على شكل سحابة على كتفها الأيمن.
حياة سافرت مع والديها منذ سنوات.
حياة تعيش بالخارج.
تلك ليست حياة بأي شكل من الأشكال.
تحرك سريعا، يحمل الغطاء في كفه والصورة في الكف الآخر.
ارتجف كفه، يكشف كتفها الأيمن قليلاً.
لتشخص عينيه ذعرًا.
ارتد بجسده للخلف.
نفس الشامة بنفس الشكل.
نفس الاسم.
لا يمكن أن تكون هي حياة.