تحميل رواية «في رحالها قلبي» PDF
بقلم آية العربي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تجلس منذ بضع دقائق تقبض على هذا الاختبار وتطالعه بشرود. منذ أن ظهر علامتين باللون الأحمر وعلمت بحملها وهي تخفي سعادتها وراء جدران الخوف والقلق. عيناها مثبتة على ما في يدها وتفكر؛ كيف ستخبره وكيف سيستقبل هذا الخبر وهما المتفقان منذ توقيع العقود على ألا تحمل أبدًا ولكنها نقضت الاتفاق بفعلتها المتعمدة. نعم اختارته لثراءه وتنازلت عن حقها في الأمومة ولكنها بعد عامٍ من زواجها حن قلبها لطفلٍ صغيرٍ فهل ارتكبت جريمة؟ تسلحت بالقوة والعزيمة وسحبت شهيقًا قويًا تهيء به نفسها لاستقباله ومن ثم إخباره وليحدث ما...
رواية في رحالها قلبي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم آية العربي
رواية في رحالها قلبي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم آية العربي
رواية في رحالها قلبي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم آية العربي
من يحبك بصدق سيصنع من المستحيل سبيلًا كي يأتي لك بشيءٍ تحبه.
قبّلها وتركها واختفي، تركها تتخبط في أمواج مشاعرها المتلاحقة.
رفعت كفها تتحس شفتيها بخجل مختلط بشعورٍ ممتع يراودها خاصةً بعدما شعرت بغيرته عليها.
اعترف بحبه لها مجددًا، يجهز لها مفاجأة.
بات عليها أن تتوقف عن الانحراف بأفكارها نحو اتجاه يثبط وقوعها في حب سيف الدويري.
كانت بحاجة دفعة أخيرة لتقع في العشق وهي التحدث مع والدتها لذا زفرت بقوة ثم نظرت للصغير النائم بحب وتحركت نحوه تحمله وتتجه بعدها نحو غرفة والدتها.
وصلت وطرقت الباب فسمحت لها سعاد بالدخول.
دلفت تمدد الصغير على سرير سعاد ثم اعتدلت تطالعها حيث كانت ترص ثيابها المطبقة في خزانتها وشعرت بشيء ما يجول في خاطر ابنتها لذا تساءلت وهي تلتفت تحدق في عينيها بمكر:
- احكي يا بنت سعاد، وجهك يضحك هذه بشرى خير.
ابتسمت سارة ثم اتجهت تجلس على المقعد وتقول لوالدتها بتعنت:
- حسنًا يا سعادة هل سأتحدث وأنتِ ترصين الثياب؟ تعالي هنا كي تركزي فيمَ سأقوله.
زفرت سعاد وتركت ما في يدها ثم اتجهت تجلس أمام ابنتها وتضع كفيها على ساقيها بترقب قائلة:
- أسمعكِ، هيا أخبريني يا آخرة صبري.
زمت سارة شفتيها بنظرات حانقة ثم زفرت وتحدثت بتوتر وعيون وديعة:
- سأخبركِ ولكن لا توبخيني، عامليني بلطفٍ يا سعادة.
أومأت والدتها تطالعها بشكٍ وتضيق عينيها مصدرة تمتمة خافتة لتتحمحم سارة وتبدأ في شرح ما بها قائلة وهي تطرق رأسها وتفرك كفيها:
- أمي أنا وقعت في الحب.
- أعلم.
قالتها سعاد بسعادة لترفع سارة رأسها تطالع والدتها بعمق وتبادلها بتحدٍ قائلة:
- وأنا أعلم أنكِ تعلمين، ولكن تنتظرين اعترافي وها أنا أقولها، والآن لا أعلم ما علي فعله يا أمي أنا خائفة وقلبي صاخب وضميري يؤنبني كثيرًا، ولكن بعد كل ما قاله لي سيف بتُّ أشعر نحوه بانجذاب قوي لا يمكنني تجاوزه، أريد كلمات منكِ تريحني يا أمي.
شعرت سعاد بمَ يدور في ذهن ابنتها، تعلمها جيدًا وتعلم كيف تفكر ومما تخاف لذا تحدثت بدون مراوغة:
- لا تتجاوزيه إذا يا سارة، أريحي قلبك وقلبه وصارحيه كما فعل معكِ يا ابنتي، تعلمين أن الله سخر لنا الدنيا وفي كل حدثٍ حكمة حتى لو كان موتًا، إرادة الله يا ابنتي وخططه كلها خير وعوض عن كل المتاعب والأحزان، تظنين أن الأمور انقلبت رأسًا على عقب والحقيقة أنها تعتدل.
مدت سعاد يدها تقبض على كفي ابنتها المتشتتة وتتابع بنظرة ثاقبة ونبرة لينة:
- استسلمي يا سارة، استسلمي لمشاعركِ يا ابنتي فهذا الرجل أصبح زوجكِ وحلالكِ، دعيه يعلم بحبك ربما كنتِ عوضًا من الله عن خوفه ويتمه، ربما أرسلكِ له الله عن طريق فريدة لنفض أمر تلك اللعنة عن رأسه، أنا لم أرَ منه سيئًا قط، بت أحبه كأنه ابني وأتمنى أن أراكِ معه سعيدة، لا تكابري وكفى عنادًا أنتِ لستِ مذنبة في حق فريدة يا سارة ولا يجب أن تفكري بهذا الشكل أبدًا، أنتِ أحببتِ فريدة أكثر منها يا سارة لا تلومي نفسكِ أبدًا، دعي قلبكِ يطمئن يا ابنتي واعترفي لزوجكِ بمَ يتمنى سماعه فهو يحبكِ، ينظر لكِ نظرة مختلفة صدقيني يا قلب أمكِ.
تعمقت في عيني والدتها تعيد كلماتها على عقلها لذا تنهدت تنهيدة قوية ثم تحدثت بترقب وهي تشعر بأن كلمات والدتها هي التي كانت تنقصها:
- سيف دعاني الليلة على العشاء يا أمي، أخبرني أنه يود مفاجأتي بشيءٍ ما.
شجعتها سعاد ولكزتها في ساقها بخفة ثم ابتعدت تطالعها بثقب قائلة:
- حسنًا اليوم ستعترفين له بمشاعركِ، ستخبرينه بحبكِ سارة.
- ولكنني متوترة يا أمي وأشعر بالخجل والتلعثم حينما أشعر أن علي قولها، أريد طريقة ليست مباشرة لقولها، أرجوكِ يا سعادة ساعديني.
زفرت سعاد بيأس على حالة ابنتها ثم فكرت لثوانٍ قبل أن تقول بتحفيز:
- حسنًا اكتبيها يا سارة، إن لم تستطيعي قولها اكتبيها في ورقة وليقرأها هو بنفسه، ولكن اكتبي معها كلمتين لطيفتين ترطبان حلق الرجل أيتها الشاعرة.
نهضت تنحني على والدتها وتقبل وجنتها بقوة حينما أعجبتها فكرة الاعتراف في مكتوب، حقًا هذا أفضل حلٍ لتتجاوز خجلها.
اعتدلت تزفر بقوة ثم التفتت تنظر نحو نوح لتعود لوالدتها قائلة:
- أمي ستعتني بنوح إلى أن أعود؟
طالعتها سعاد بحنق ونهرتها قائلة:
- لا لن أعتني به، سأتركه في غيابة الجُب، غادري يا بنت من هنا وإلا كسرت رأسكِ هذا.
ابتسمت سارة وتحركت تسرع نحو غرفتها لتستعد لهذا اللقاء.
مساءً توقف بسيارته أمام الفيلا بعدما أبدل ثيابه في مكتبه.
رفع هاتفه وحاول الاتصال بها لتجيبه بهدوءٍ:
- نعم يا سيف.
بدأت نبضاته ترقص على أوتار صوتها وتنهد يجيبها بنبرة رخيمة:
- أنا في الأسفل يا سارة أنتظركِ.
- حسنًا سآتي في الحال.
أغلق معها وترجل يغلق الباب ثم استند على السيارة ووجهه يقابل باب الفيلا ينتظر ظهورها بترقب وشرودٍ فيها وفيما فعلته بقلبه.
دقائق مرت حتى لمح الباب يفتح لذا رفع أنظاره نحوه يترقب النظر لتلك التي بدأت تظهر بفستانها الأبيض ونقابها الأبيض كذلك لا يظهر منها سوى عينان سوداوتان تطالعانه ليرتد قلبه صريعًا في سحرهما.
تخطو نحوه على استحياء بخطواتٍ هادئة وعيناها تنظر فيه عينيه برغم أنها ودت لو تخفض نظراتها ولكن خالفتها عيناها.
اعتدل يستقبلها بابتسامة مشرقة ونظراته ترسل لها سهامًا محملة بالحب والهيام حتى وصلت إليه وتحدثت بهدوء مبطن بالخجل:
- كيف حالك؟
- لم أكن بخير قبلكِ.
لا يعلم كيف أجابها بجملته هذه كان يظن أنه لا يمتلك أي كلمات غزلٍ وحب لذا نطقها لسانه لتطرق رأسها بخجل فتنهد بعمق ثم مد يده لتناوله كفها ففعلت فانحنى يقبله بنبلٍ ثم عاد يردف بترقب:
- هل نذهب؟
أومأت لها لذا تحرك معها نحو الجهة الأخرى وفتح لها الباب لتستقل السيارة بعدها أغلق الباب والتفت لجهته ثم ركب يطالعها بقلبٍ متضخم بالعشق وتساءل قبل أن ينطلق:
- هل تريدين أغنية محددة؟
- لا أنا لا أفضل الأغاني، يمكننا أن نتحدث عنا أفضل.
قالتها بهدوء فأعجبه اقتراحها كثيرًا لذا أومأ وبدأ يقود في مساره نحو وجهته ثم قرر سؤالها يردف بهدوء:
- ماذا تريدين أن تعرفي عني؟
تحمحمت ثم نظرت له بشرود فالتفت يطالعها فأسرعت تنظر أمامها بتوتر وتساءلت:
- هل تحب الشوكولاتا؟
ما هذا الغباء الذي تتفوهين به؟، هل هذه هي الأسئلة التي تودين طرحها عليه؟
هكذا نهرت نفسها بعدما ألقت سؤالها المفاجئ هذا نسبةً لتوترها بالرغم من أنه أخبرها مسبقًا بحبه للشوكولاتة التي أعدتها ولكنه ابتسم وأدرك توترها لذا أجابها بصدقٍ وهو ينظر أمامه:
- نعم من قبل كنت أفضلها من بين الأطعمة، مثلًا كنت أحب الكيك بالشوكولاتة والمثلجات بطعم الشوكولاتة ولكن بعدما تذوقت خاصتكِ بت أحبها هي فقط وتعهدت ألا أتذوق شوكولاتة إلا من يداكِ، أنتِ بارعة في صنعها.
استطاع أن يجعل قلبها يقفز فرحًا ورضا بعد تصريحه هذا لذا تحدثت بسعادة وحماس كأنها عادت طفلة:
- حسنًا سأعد لك كل ما تشتهيه.
ابتسم وعاد يطالعها بشرودٍ فوجدها تنظر للأمام ثم قرر سؤالها عن شيءٍ ما طرأ على عقله:
- سارة متى ارتديتِ النقاب؟
تنهدت لتعود لجديتها وتحدثت متذكرة:
- ارتديته قبل وفاة أبي بعامين.
لفت نظرها تطالعه ثم تابعت بترقب:
- هل تعلم أنني كنت أخرج بشعري حتى وأنا في الجامعة؟
تعجب بحق حتى أن عيناه توسعتا والتفت يطالعها بتعجب ظهر في نبرته وهو يقول:
- حقًا، وماذا حدث ليتحول الأمر معكٍ إلى نقاب؟
عادت بذاكرتها إلى بضع سنوات لتتنهد ولا تعلم هل تخبره أم لا ولكن نظراته دلت على انتظاره لإجابتها لذا تحمحمت تجيبه بتوترٍ دون مبالغة وهي تطالعه بطرف عينيها ثم تعود للأمام:
- لأنهم في الجامعة كانوا يخبرونني أن ملامحي وتفاصيل وجههي شرقية جذابة، كنت أتعرض للمضايقات من بعض الشباب وبرغم أنني كنت أعلم جيدًا كيف أوقفهم عند حدهم ولكن قررت أن أكمل جزءًا هامًا في ديني وهو أن أتحجب ثم طرأ لي فكرة النقاب بعدها بعدة أشهر وها أنا أرتديه.
شعر بالغيرة تنهش قلبه العاشق لذا تساءل بمَ خطر على ذهنه دون تريث نسبةً لغيرته:
- ولمَ يخبرونكِ هكذا من الأساس؟
عاد شموخ الأنثى يتوغلها لتتكتف وتجيبه بنبرة قوية متباهية:
- لأنني بالفعل أمتلك تفاصيل وجهٍ وملامح جذابة يا ابن الدويري.
انفلتت منه ضحكة أظهرت أسنانه فجعلتها تشرد به بينما هو التفت يطالعها بثقب وتبسم ليردف مؤكدًا وعيناه متعمقة في عينيها:
- نعم أعلم ذلك جيدًا، تمتلكين عينان سبحان من خلقهما.
خجلت وارتخت أعصابها لتعود تنظر للأمام وهو كذلك عاد يتطلع أمامه بصمتٍ بينما يردد على عقله كمالة حديثه بصوتٍ داخلي (وتمتلكين شفاهًا مهلكة أريد أن أتذوقها دومًا، وتمتلكين أنفًا لا تستحقه امرأةً سواكِ، بشرتكِ الخمرية تصيب قلبي في مقتل وضحكتكِ تأسرني مدى الحياة).
تنهد بحرارة ليتابع (أنتِ ربيع قلبي يا سارة).
التفتت تطالعه وتحدثت بتوترٍ وخجلٍ:
- شكرًا لك.
كلمتها جعلته يدرك أنه نطق الأخيرة بصوتٍ سمعته، نطقها دون أن يدري وأخبرها أنها ربيع قلبه الذي كان يعمره الحزن.
بعد وقتٍ توقف سيف في مكانٍ صحراوي هادئ لتتعجب سارة وتنظر حولها بتساؤل، لقد ظنت أنه سيصطحبها إلى مطعمٍ ما أو ما شابه ولكن هنا؟
انتبهت له وهو يقول بترقب:
- هيا ننزل؟
شعرت بالتوتر وهي تلتفت له تطالعه لثوانٍ ثم أومأت وترجلت مثله تلتفت حولها مجددًا لتجد الأنوار خافتة لذا طالعته وتساءلت بتوتر بعدما أصبحت أمامه:
- سيف ما هذا المكان؟
حدق بها قليلًا ثم تحدث وهو يدس يده في جيبه يخرج شريط قماش أسود:
- مفاجأة.
رفع الشريط أمام عينيها مسترسلًا بترقب:
- هل تسمحين لي؟
نظرت للشريط في يده وللحظة شعرت بالرهبة لذا تفوهت بمَ يجول في عقلها برغم اقتناعها التام بالمبالغة:
- ما هذا الرعب؟، هل تود قتلي؟، جئت بي لمكان صحراوي والإضاءة شبه معدومة، هل تنوي سرقة أعضائي وخاصة عيناي اللتان مدحتهما منذ قليل؟
تعجب ذاهلًا ثم تساءل بقلقٍ راوده:
- حقًا، ألا تثقين بي؟
زفرت تغمض عينيها ثم لوحت بيدها مشيرة تقول:
- هيا هيا يا سيف اربط عيناي هيا، لقد فات الآوان وانتهى.
ضحك عليها وعلى جملتها التي أظهرت ثقتها به حتى لو عن طريق المزاح لذا لف خلفها ورفع يده يحاوط عيناها بالشريط الأسود ثم عقده من الخلف وتقدم يتمسك بيدها قائلًا بنبرة حاول بها بث الأمان داخلها:
- تحركي معي.
أومأت تطيعه وبدأت تتحرك معه بثقة نبعت من داخلها، لا تشعر بالخوف وإنما بالتوتر فقط لذا ظلت تتقدم خطواتٍ معه حتى سمعت هليل حصان تعلمه جيدًا، صوتًا تميزه من بين الأصوات ولكن ربمَا تتخيل!
توقف بها ثم انحنى يهمس عند أذنيها بحب:
- مستعدة؟
تعالت وتيرة أنفاسها وأومأت له فرفع يده يحل عقدة الشريط ويسحبه لتعتصر عينيها ثم تنظر أمامها.
ذهلت حينما وجدتها أمامها في صندوق خشبي كبير بثلاث جدران خشبية ثابتة والرابع قصير ومتحرك كالباب لتظهر منه رشيدة مصهللة أمام نظرات سارة الجاحظة.
ظلت تتأملها لحفنة من الوقت ثم التفتت تنظر نحو سيف بعينين متسائلتين ليبتسم لها ويتساءل:
- هل أعجبتكِ المفاجأة؟
هزت رأسها باندهاش ثم تساءلت ببلاهة:
- ماذا فعلت؟، كيف فعلتها؟
تحرك حتى وقف أمامها ومد يده يحاوط خصرها بجرأة عاشق ثم تحدث بحبٍ خالص:
- أصبحت ملككِ، تستحقيها يا صاحبة العيون الليلية التي أسرتني.
لا تعلم ماذا تفعل في هذه اللحظة وكيف تعبر عما تشعر به لذا تلألأت عينيها بالدموع وهي تطالعه وتتساءل بنبرة متحشرجة:
- ماذا فعلت بي، ماذا فعلت يا سيف.
لم يجبها بل سحبها إليه يعانقها عناق رجلٍ باحثٍ عن الطمأنينة والحب، رجلٍ يتمنى أن تفتح له أبواب الترحاب نحو قلبها.
لم تبادله بل تجمدت حينما وجدته يحاوطها وتبعثرت في حزمة قوية من المشاعر التي لا تعلم كيف تنظمها لا هي ولا نبضات قلبها.
بينما هو غارقٌ بها مستمتعًا بوجودها في كنفه لتصدر رشيدة صوتًا كأنها تعبر عن استياءها من هذا العناق فهي تود أن تعانق صديقتها لذا تحمحم سيف يبتعد ثم أشار لها قائلًا:
- هيا رحبي بصديقتكِ.
نظرت له بامتنان شديد لا تعلم ماذا تقول ثم تقدمت من رشيدة تدلك رقبتها وتحدثها والأخرى تصهلل بسعادة.
بعد ترحيب حافل التفتت تنظر نحو سيف الذي يقف يتابعها لتتجه له حتى توقفت أمامه قائلة بنبرة متحشرجة باكية وسعيدة:
- هذا كثير يا سيف، حقًا كثيرٌ جدًا ما فعلته.
رفع يده يزيح بإبهاميه دمعتين معلقتين في عينيها قائلًا بتروٍ وحب:
- الدنيا جميعها قليلة أمام عينيكِ يا سارة، هذه الفرسة هدية أخذت مقابلها حبًا لم أعترف به يومًا.
ابتسمت له بتنهيدة وتوتر ليتابع بنبرة رخيمة:
- هيا تعالي لنتناول العشاء سويًا.
تعجبت وهي تجده يتمسك بكفها ويسحبها معه عدة خطواتٍ أخرى لتتفاجأ بطريقٍ مضيء بخفوت وسط الرمال يؤدي إلى طاولة طعامٍ مميزة تتلألأ بالشموع وصممت خصيصًا لهما.
تحركا سويًا نحوها واتجه سيف يسحب المقعد لها فجلست بقلبٍ متضخمٍ بالحب واتجه يجلس قبالتها محدقًا بها وهي تطالعه بامتنان يخفي وراءه حبًا يتصاعد رويدًا رويدًا.
مد يده يرفع الأغطية عن الطعام ويردف برتابة:
- سألت السيدة سعاد عن الطعام الذي تفضلينه لذا أتمنى أن يعجبكِ.
نظرت للأطعمة مبتسمة ثم عادت له تردف مستفهمة:
- يبدو أنك أعدت لهذه الليلة جيدًا!
- نعم هو كذلك، وأتمنى أن تنتهي كما خططت لها.
كانت نيته خبيثة بعض الشيء وهذا ما شعرت به سارة لذا أطرقت رأسها خجلًا تطالع الطعام وتتجاهل نظراته التي تسألها عن جوابها.
بعد ساعتين عادا سويًا إلى الفيلا، صف سيارته يطالعها بترقب منتظرًا ومتلهفًا لأي شيء تقوله ولكنها صامتة تمامًا وهذا أشعره بالضيق قليلًا ولكنه يحاول التحلي بالصبر ولكن أي صبر وهو الذي كان يظنها ستنطق لا محالة، هل عليه بذل جهدٍ أكبر من هذا يا ترى؟
التفتت تطالعه بامتنان وتحدثت بتوترٍ وهي تفتح حقيبتها وتتناول منها شيئًا ما:
- شكرًا لك يا سيف، كانت مفاجأة حقًا سارّة لم يفاجئني أحدٌ بمثلها من قبل، وشكرًا على الطعام أيضًا، عن إذنك.
فتحت الباب تترجل وتخطو أمام عينيه متعجبًا من فعلتها، هل هذا كل ما في الأمر، ألن تعترفي بحبكِ وتبادليني القبل وتخبريني بإعطاء زواجنا شكلًا آخر؟
ظل يتابعها وهي تلتفت لتتجه إلى الداخل ولكن بدلًا عن ذلك توجهت تقف أمام نافذته ومدت يدها بمكتوبٍ تناوله له وتضعه في يده قائلة بتوترٍ بالغٍ:
- لا تقرأه إلا بعدما أختفي.
قالتها واندفعت هاربة نحو الداخل لتختفي بالفعل تحت أنظاره ودهشته.
ظل يطالع أثرها بذهول ثم التفت ينظر إلى المكتوب بقلبٍ صاخبٍ ثم فتحه ليقرأ ما به.
تنهدت بقوة وابتلع لعابه وهو يقرأ ما كتبته.
( سيف أنا أحبك، نعم أحبك لا أعلم كيف ولا متى ولكنك جعلتني أقع في حبك، وإياك أن تلحق بي لأنني لا أستطيع النظر إليك الآن، أنا فقط أحبك).
ظل يقرأ تلك الكلمات البسيطة التي كتبتها والابتسامة تزين ثغره على حبيبته المميزة حتى في اعترافها ولكن كيف له ألا يلحقها، كيف له أن ينام ويهدأ بعد اعترافها هذا؟
لقد كانت هذه أسمى أمانيه لذا تنهد بقوة ليهدئ من صخب نبضاته ثم طبق الورقة ودسها في جيبه يفكر لثوانٍ ثم ابتسم بخبث وترجل يغلق سيارته ويتجه إلى الداخل ومنه إلى غرفتها ليراها الآن وفورًا.
كانت في غرفتها تجولها بتوترٍ وتفكر وتفرك كفيها بعدما نزعت نقابها وحجابها، الآن قرأ اعترافها، فهم وأدرك أنها ستعطي زواجهما فرصة، تُرى كيف استقبل كلماتها، كيف هي ملامحه؟، هل فرح أم شعر بالضيق من فعلتها وطريقة اعترافها وظنها عدم اهتمام بمشاعره؟
باتت حائرة وبرغم طلبها في المكتوب إلا أنها أرادت أن تعرف بماذا يشعر الآن.
تجمدت حينما سمعت طرقات هادئة على الباب، من المؤكد أنه هو، لمَ جاء أخبرته ألا يأتي لا تستطيع الظهور أمامه الآن.
زفرت تهدأ نفسها ثم تحركت تقف خلف الباب متسائلة بترقب:
- مَن؟
تعلم جيدًا من لذا ابتسم عليها وقال:
- أنا سيف يا سارة افتحي الباب.
تحدثت بتوترٍ:
- ألم أخبرك في المكتوب ألا تأتي الآااااان.
تحدث بنبرة خبيثة:
- المكتوب اختفى يا سارة، بعدما ذهبتِ فتحته لأقرأه ولكن الهواء جاء شديدًا فتهاوت مني الورقة وبحثت عنها لم أجدها، ماذا كتبتِ فيها يا سارة؟
تفاقمت داخلها طاقة اندفاعية جعلتها تفتح الباب وتطالعه بغيظٍ ثم تكتفت قائلة بنزق:
- اختفت؟، تركتها تختفي يا سيف؟
حدق بها بعينين ماكرتين يضيقهما ثم أومأ يتساءل:
- نعم، أخبريني ماذا كتبتِ فيها؟
ضيقت عينيها هي الأخرى تطالعه بتفحص تريد استكشاف هل يراوغ أم يقول الحقيقة وحينما لم تستطع إدراك نواياه تحدثت بغيظ:
- اذهب وابحث عنها إذا إن كنت تريد أن تعلم.
كادت أن تغلق الباب ولكنه صدها بيده ثم اقتحم الغرفة فجأة يغلق الباب ويقف أمامها حتى كاد أن يلتصق بها قائلًا بعينين ثاقبتين:
- تحبينني إذًا يا سارة؟
رفعت عينيها تطالعه ثم ارتعشت من قربه وتحدثت بهمسٍ وتوترٍ بالغ:
- قرأتها إذًا؟
رفع يده يعيد خصلاتها للوراء وتحدث بهمس وقلبه يتبعثر في عدة مشاعر:
- نعم قرأتها والآن أريد أن أسمعها منكِ صريحة، أسمعها من شفتيكِ يا سارة وليست مكتوبة يا بخيلة.
ابتلعت لعابها ولم تعد تشعر بنفسها وتتمنى أن تختفي الآن ليسرع في لف ذراعه حول خصرها يجذبها إليه أكثر ثم تابع بنبرة آمرة مغلفة بالعشق:
- انظري لي سارة.
فعلت من بين زحام مشاعرها ورفعت عينيها تحدق به فتابع وعيناه ثاقبة على خاصتها:
- قوليها يا سارة.
لم تعد تحتمل ولم تعد تستطع الصمت لذا تحدثت بحروفٍ متقطعة وهمس مستسلمة لدوامة المشاعر وسامحة لعشقه أن يتوغلها:
- أنا أحبك يا سيف.
نسي نفسه والمكان والزمان وانحنى يقبل هذا الثغر الذي اعترف بحبه.
يقبلها كما لم يقبلها مسبقًا، قبلة تتناسب مع استقباله لهذا الاعتراف وتجعلها تشعر بشيء ما لم تستطع تحديد كنهه ولكنها فقدت سيطرتها معه وباتت لا تمنعه وكأنها مخدرة عن الدفاع تعيش تجربة تجربة جديدة كليًا عليها.
جحظت حينما وجدت نفسها ممدة على الفراش لا تعلم متى وكيف حدث هذا، حقًا لا تعلم كيف انتقلت من هناك إلى هنا دون أن تشعر ولكنها باتت خائفة برغم سعادتها ونبضاتها المتراقصة، توغلها الخوف من بين مشاعرها خاصة وهو يندمج في سطوة مشاعره لذا تحدثت بضعفٍ ورجاء:
- سيف أرجوك.
لم يكن يسمعها بل يعيش معها مشاعر جديدة ليصبح أكثرهم طمعًا وطلبًا في المزيد وحينما دقت نواقيس الخطر تحدثت بنبرة أعلى وهي تدفعه بهدوء:
- سيف أرجوك توقف.
ابتعد يلتقط نفسًا قويًا بعدما حبس أنفاسه في خضم مشاعره ليحاول السيطرة على نفسه لذا انحنى يطبع قلبة هادئة فوق شفتيها ثم اعتدل يطالعها وهي تخفي وجهها عنه بخزيٍ أصابها من استسلامها المفاجئ هذا.
وبينما هو يبتسم بسعادة على خجلها تذكر شيئًا ما، شيئـا جعله يلعن غباءه ويحمد الله أنه ابتعد في الوقت المناسب.
لذا زفر بضيقٍ وعاد يفكر بأن عليه فعل هذا الأمر قبل أي شيء.
رواية في رحالها قلبي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم آية العربي
تحكم كليًا في نفسه بعدما تذكر هذا الشيء ولكنه قرر تجربة النوم بجوارها فقط لذا انسدل يتمدد على الفراش ويسحبها من نهر خجلها الذي كادت أن تغرق به إلى أحضانه ويده تربت على خصلاتها بحنانٍ يقول:
- اهدئي سارة، فقط سأنام بجواركِ ولن أتمادى إلا حينما تكونين مستعدة لذلك.
وجدت نفسها تنسدل في أحضانه لذا جحظت وحاولت التحدث بنبرة متوترة:
- سيف أرجوك، ماذا سأقول لأمي ونورا إن وجدتاك هنا؟
اقترب أكثر يقيدها بذراعيه ثم أغمض عينه وتحدث ساخرًا:
- معكِ حق، كيف ستبررين لهما النوم في أحضان زوجكِ، نامي يا سارة وإلا أكملت ما كنت أفعله.
انكمشت تومئ له باستسلام وتركته يغفو مستمتعًا بقربها وحينما وجدته يذهب في سباتٍ عميقٍ بعد عدة دقائق أخرجت رأسها من بين ذراعيه تطالعه بتعجب، متعجبة من نفسها ومنه ومن هذا الوضع برمته.
من هذا وأين هي وما هذا القدر الذي وقعت فيه؟ حدقت في ملامحه وهو نائم، تفاصيل وجهه، يحمل وسامة لم تكن يومًا تفضلها ولكن الآن باتت تعشقها.
نزلت بنظرها إلى شفتيه وتذكرت قبلته لها لذا أسرعت تغمض عينيها موبخة نفسها سرًا.
تنهيدة حارة خرجت منها لتهجم عليها فجأة فكرة سلبية وأن هذا النائم كان في يومٍ من الأيام زوج شقيقتها. كانت فريدة تمكث مكانها هنا لذا تجمدت وحاولت ابتلاع غصة حلقها المُرّة ثم بدأت تتململ بهدوء من عناقه لتنجح في التحرر وتفلت نفسها حيث نهضت ووقفت تطالع أثره بحزنٍ من هواجس الماضي التي لا تريد تركها حتى في قمة سعادتها.
تحركت بعدها نحو الحمام لتغسل وتبدل ثيابها ثم تتجه لترى نوح وتحاول اللهو معه قليلًا علّ عقلها يهدأ من طرح هذه الأفكار.
طرق باب غرفة والدتها ودلفت لتجد سعاد تقرأ وردها وتومئ لها أن تتقدم.
تقدمت حتى وصلت إلى نوح النائم في سرير جدته ثم دنت تقبله بحبٍ ونهضت تتجه نحو والدتها التي تجلس أرضًا فوق سجادة الصلاة لذا تمددت سارة تجاورها ثم مالت تضع رأسها في حجر والدتها كطفلة صغيرة مشتتة وحزينة.
صدّقت سعاد ووضعت مصحفها جانبًا ثم بدأت تملس بيديها خصلات ابنتها وتساءلت بترقب وقلق:
- ما بكِ يا سارة؟ هل حدث شيء؟
أغمضت سارة عينيها تهز رأسها وتمنع دموعها من السقوط وهي تقول بتحشرج:
- لا يا أمي لم يحدث أي شيءٍ سيء، كل ما حدث اليوم هي أشياء لم أكن أتخيلها، لقد أهداني سيف رشيدة يا أمي، اشتراها لي وهذا الأمر فاق استيعابي، سيف رجلٌ رائعٌ يا أمي وأنا نادمة على إصداري أحكام مسبقة في حقه، اليوم أثبت لي أنه إنسان نبيل يستحق الحب والراحة... ولكن.
- ذكريات فريدة تؤرقكِ.
هكذا أجابتها سعاد وهي تعلم يقينًا أن ما يمنع ابنتها عن سعادتها خوفها المتكرر من ذكريات فريدة مع سيف لذا أومأت سارة وهي ما زالت نائمة على ساق والدتها لتتنهد سعاد بقوة ثم تملس على خصلاتها وتبدأ في قراءة آيات من القرآن الكريم على عقل ابنتها حتى تطمئنه وتبعد عنه الأفكار السيئة التي تؤرقها.
دقائق مرت وسارة مستكينة تشعر بالراحة حتى انتهت سعاد ثم تحدثت بنبرة لينة حنونة:
- يا سارة يا حبيبتي، ألم ترِ طوال حياتكِ زوجة تموت ويتزوج زوجها بشقيقتها من أجل الأطفال؟ هل هذا مخالفًا لشرع الله يا ابنتي؟ هل لو أحب الزوج شقيقة زوجته بعد وفاتها وبعد أن تزوجها هل هذه خطيئة؟ لا يا قلبي هذا كله تدبيرٌ من صنع الله، أنتِ لم تُحبِ سيف أبدًا ولم تنظرِ نحوه وهو زوج شقيقتكِ ولا حتى هو، ودعيني أخبركِ أن هذا خير وليس كما تقولين أنكِ نادمة على حكمكِ عليه، لأن هذا دليل يؤكد عدم تقبلكِ لسيف الذي ربما لو كنتِ تعلميه جيدًا لوقعتي في الخطيئة ولكن الله عافاكِ من حبه وهو زوج شقيقتكِ ليضع حبه في قلبك بعد موتها، ولستِ بمفردكِ بل هو أيضًا مثلكِ، لم يحاول قط ولا مرة أن يتقرب منكِ بالرغم من أنه لم يتزوج فريدة عن حب، أنا وأنتِ كنا نراه رجلًا غامضًا من كثرة تحفظه معنا فلمَ هذا الشعور بالذنب يا ابنتي؟ أنتِ لستِ مذنبة أبدًا، الذنب الوحيد الذي تفعلينه هو أن يكون سيف زوجكِ يحبكِ وتحبينه وترفضين الاستجابة لهذا الحب، لم تخونِ فريدة يا سارة ولكنكِ الآن تخونين ميثاق الزواج الغليظ، يجب أن تتركي هذا الأمر كليًا وتبدئي مع سيف حياتك فالعمر يمر لا تفقدي حلاوة الأيام هذه.
نهضت سارة بهدوء تجلس أمام سعاد وتطالعها بعيون لامعة باكية ثم رمت نفسها في حضنها لتستقبلها سعاد وتعانقها بحب وأمومة بالغة وهي تمسد خصلاتها بحنانٍ وتدعو الله لها، تعلم إن ابنتها تستحق حياة سعيدة وهنيئة مع سيف.
ظلت سارة تعانقها وتشكرها بصمتٍ على وجودها معها ف لولاها لَمَا وصلت لمرسى آمن مع كل رحلة في حياتها.
تنهدت تبتعد عن والدتها ثم نظرت لها بامتنان تحول إلى خجلٍ وهي تقول بتوترٍ:
- أمي، سيف ينام في غرفتي الآن.
ابتسمت سعاد بسعادة على ابنتها وتحدثت توبخها بهدوء:
- هل هناك زوجة جيدة تترك زوجها ينام بمفرده وتأتي إلى أمها شاكية باكية، الرجل اشترى لكِ رشيدة التي هي أكثر منكِ رشدًا وكان يجب أن تشكريه، هيا الآن عودي لغرفتكِ وجاوري زوجكِ إن استيقظ ووجدكِ هنا ربما قال عني حماة متسلطة وأنا لستُ كذلك.
ابتسمت لها سارة وتحدثت بحبٍ وهي تقرص وجنتها:
- أنتِ حماة كما يقول الكتاب، ولو أنه دار في الدنيا بحثًا عن حماة مثلك لن يجد.
بادلتها سعاد قرصة وجنتها وتابعت بصدق:
- وأيضًا لو دار الدنيا بحثًا عن قلب مثل قلب ابنتي لن يجد، وهو يعلم هذا جيدًا، هيا الآن اذهبي لزوجكِ أرهقتيني.
أومأت لها سارة ونهضت تتنهد بقوة ثم نظرت نحو نوحٍ وقالت بحنين:
- ولكنني لم ألهُ مع الصغير جيدًا اليوم.
التفتت سعاد حولها تبحث عن شيءٍ تقذف به ابنتها التي أسرعت تركض ضاحكة قبل أن تجد سعاد ما تبحث عنه ونجحت في مغادرة الغرفة وتحركت عائدة نحو غرفتها ثم دلفت تنظر نحو هذا النائم لتتنهد بقوة ثم تقرر مجاورته بخجلٍ جعل وجنتيها تتورد ولكنها الآن تريد فعل هذا وتريد الاستمتاع بالنوم في أحضانه.
كانت ترتدي منامة حريرية ناعمة ولكنها اتجهت نحو مرآة الزينة تطالع هيئتها برضا وامتدت يدها تتمسك بزجاجة العطر ثم نثرت منها القليل فوق ملابسها وهي تقضم شفتيها بخجل ممزوج بالسعادة مما تفعله ومن هذه الحالة الجديدة عليها.
تركتها وتحركت نحو السرير ثم بحذرٍ وبهدوءٍ شديد تمددت عليه تتجنب الالتصاق به وتتسطح على ظهرها ناظرة للأعلى وقلبها صاخبٌ يطالبها بالمزيد ولكنها أغمضت عينيها تعنفه قبل أن تتفاجأ بغزوٍ هجم عليها هجوم مغلف بالحنان ويسحبها إليه.
قيدها بذراعيه وقدميه ودفن رأسه يستنشق رائحتها بعمق وعيناه مغمضة واقترب من أذنها وهمس بسحرٍ جعلها تتخبط في ثورة مشاعرها الجديدة:
- تركتكِ تغادرين كما رغبتِ والآن عدتي لحضني برغبتكِ لذا فلن أترككِ، لن أترككِ أبدًا يا سارة.
قبل أذنها ثم عاد لنومه بينما هي أغمضت عيناها كذلك لتهرب من خجلها ومشاعرها هذه في النوم وقلبها يتخبط بين نبضاته من فرط السعادة.
استيقظت صباحًا تتململ ولكنها تذكرت سريعًا أن سيف كان يجوارها ولكنه الآن ليس موجودًا، هل كانت تحلم؟
نهضت تدلك رقبتها ثم تثاءبت بنعاس لتسمع صوتًا يأتي من الخارج لذا قطبت جبينها وترجلت من السرير تتجه نحو الباب لترى ماذا يحدث وحينما فتحت الباب اصطدمت بظهره يقف أمام باب غرفتها فتعجبت تناديه:
- سيف؟
التفت سريعًا يمد يده ويمسك مقبض الباب ليعاود إغلاقه ولكن قبل ذلك جعله مواربًا ونظر لها من فتحته الصغيرة يردف بنبرة تحمل عشقًا وغيرة:
- ارتدي نقابكِ يا سارة هناك عمالًا ينقلون أغراض غرفتي.
أغلق الباب بعدها وتنهد ثم خطا ليرى العمال فهو يقف هنا منذ أن جاؤوا وبدأوا في نقل الأغراض حيث يعلم أنها لا تعلم بوجودهم وربمَا خرجت بوجهها أمامهم ولم يرد إيقاظها لذا وقف كالحارس أمام باب غرفتها وما إن أخبرها حتى تحرك ليرشدهم على التعليمات اللازم تغييرها في جناحه ليهيئه لاستقبالها فيه.
أما هي فدلفت غرفتها تبتسم بسعادة جعلتها تقف أمام المرآة تنظر لنفسها برضا وثقة وراحة، كل ما يفعله يجعلها تحبه وتتعلق به أكثر.
تنهدت ثم تحركت نحو حمامها لتبدأ روتينها اليومي.
بعد وقتٍ وبعد أن غادر العمال يجلسون حول مائدة الطعام يتناولون وجبة الغداء فتحدث سيف برتابة وهو ينظر نحو سارة:
- سارة بعد قليل ستأتي مهندسة الديكور، اجلسي معها واختاري ما تريدينه وهي ستنفذه.
نظرت سارة نحو سعاد تبتسم ثم عادت له قائلة بحب وخجلٍ وهدوء:
- لم يكن هناك داعٍ للتغيير يا سيف، كانت جميلة.
باغتتها سعاد بنظرة لومٍ فهي تعلم جيدًا أن ابنتها كانت تود ذلك لذا تحدثت بروية:
- لا يا سارة سيف معه حق يا ابنتي، اختاري الألوان والتصميمات التي تحبينها.
أومأت سارة بتفهم لتعود إلى طعامها بينما نهض سيف يردف بلطف:
- عن إذنكما يجب أن أذهب إلى الشركة.
تحرك نحو سارة ودنا يقبل رأسها وودع سعاد التي انشرح قلبها خاصةً بعدما رأت وجه ابنتها.
غادر وتركهما تتحدثان لتردف سعاد بهدوء:
- اسمعي يا سارة، أنتِ لم تطلبِ شيئًا بل هو من أراد ذلك وهذا يعني أنه يتبع الأصول ويعلم جيدًا ما عليه فعله، ليس من الجيد يا ابنتي أن ينام معكِ في غرفتكِ لذا فمن الأفضل تجديد جناحه وانتقالك أنتِ معه.
أومأت سارة بتفهم وشردت تفكر لينتشلها صوت الصغير الذي استيقظ لذا نهضت من مكانها تتجه نحو سريره لتحمله وتهدهده وتناغشه بسعادة وطاقة جديدة اقتحمت حياتها.
مر ثلاثة أيام.
استطاع فيهم سيف تجهيز الغرفة لتصبح جديدة تمامًا.
لم تختر سارة كل ما تريده ولكنها اكتفت بترك الأمر للمهندسة التي أتقنت عملها وجعلتها غرفة رائعة بأثاثٍ جديد وألوانٍ هادئة تبعث الراحة في النفس.
وقفت سعاد ونورا ترصان أغراض سارة في مكانها الجديد والأخرى تجلس مع نوح تطعمه وتتركهما تفعلان ما تريدانه فهي تشعر بشيء غريب يحدث مع سيف.
خلال الثلاثة أيام المنقضية لم يحاول التقرب منها، بل أغرق نفسه في العمل وعندما يعود يرحب بها ترحيبًا هادئًا مثلها كمثل صغيره ثم يتجه نحو غرفة جانبية وينام بها وهذا ما أثار حنقها.
فإذا كانت غرفته تحت التجديد فلمَ لا ينام في غرفتها كما فعل تلك الليلة؟
أسئلة لم تجد لها جوابًا سوى أنه ربمَا أراد مفاجأتها ولكن هذا لا يعفيه من الخطأ في حقها لذا فيجب أن يتحدثان.
انتبهت لصوته فرفعت وجهها لتجده يقف أمامها يحدق بها بعينين ثاقبين كأنه علم بماذا تفكر لذا تحدث وهو ينظر نحو سعاد بنبلٍ:
- سيدة سعاد بعد إذنك أريد أن أتحدث مع سارة.
أومأت سعاد واتجهت تحمل نوح من جوار ابنتها بعدما غمزت لها ثم تحركت خارج الغرفة هي ونورا لينتظر مغادرتهما ثم يغلق الباب ويتجه نحو سارة التي تجلس على الأريكة المرتكزة أسفل النافذة.
جلس يحدق بها فوجدها تخفض رأسها بهدوءٍ وحزنٍ منه لذا عاد يرفع رأسها بيده وتحدث أمام عينيها:
- أنا آسف.
تنهدت تطالعه بعمق ثم تحدثت بتأنٍ معبرة:
- أنا لا أريد منك اعتذارًا يا سيف أنا فقط أريد سببًا، لمَ أشعر أنك تتجنبني عن عمد؟
تنهد بقوة لا يعلم بمَ يجيبها وكيف يفصح عما به ليجعل خوفه يجيب بمراوغة مؤقتة:
- لا يا سارة، كل ما في الأمر أنني أردت أن أبدأ معكِ حياتي هنا، كنت فقط أنتظر إلى أن ينتهوا منها واليوم انتهوا لذا فدعيني أخبركِ أن الليلة ليلتنا، ستصبحين ملكي قولًا وفعلًا وأنا كذلك.
توترت وأطرقت رأسها مجددًا خجلًا ولكنه عاد يرفعها ويتعمق في عينيها قائلًا بنبرة غامضة:
- أنتِ كل ما أريده يا سارة، لا أريد سواكِ ونوح في حياتي، أنا أحبك جدًا.
لم يمهلها لحظة لتفكر في حديثه بل أسرع يقبلها قبلةً يسكت بها ضجيج أفكارها ويخبرها بأنه خائف، يخشى أمرًا تحاول استيعابه.
بعد ثوانٍ تركها مجبرًا وابتعد ليجدها مغلقة العينين فابتسم لها ثم نهض من جوارها وتحدث بعدما بدأت تفتح عينيها وتطالعه بخجلٍ:
- سأذهب الآن فقط لساعتين وسأعود، كوني مستعدة.
غمزها بعينه ووسامته وتركها تتعثر في حزمة مشاعرها المبعثرة وغادر يقضي عمله ويعود.
كان يقود بشرود متجهًا إلى الفيلا، يفترض أن يكون الآن في أقصى درجات سعادته ولكن ما يحدث داخله الآن برغم سعادته وحماسه إلا أنه خائفٌ من ردة فعلها.
لا يعلم هل ما سيفعله ستتقبله أم لا ولكنه حاول ولم يفلح، لم يفلح الأمر معه أبدًا، هي الوحيدة التي بات يخشى فقدانها وهذا الخوف المتوحش هو من قاده لما سيفعله ويتمنى ألا تغضب أو تحزن منه.
أما هي فكانت تجلس أمام مرآتها تتزين بعدما ارتدت ما ناولته لها سعاد بعد إلحاحٍ وتوبيخٍ كاد أن يصل للضرب لترضخ في نهاية الأمر وترتديه وفوق منه مئزره تربطه بإحكام.
تركت لخصلاتها العنان وزينت عينيها الساحرتين بالكحل الأسود ووضعت أحمر شفاهٍ وردي على شفتيها ثم نثرت العطر حولها وعادت تطالع هيئتها بتوترٍ وخجلٍ وتتمنى أن تمر الليلة بسلام فهي تشعر أن قلبها سيتوقف من فرط حركته نسبةً لتوترها.
طرقات على الباب جعلتها تجفل وتلتفت لتجده يفتح باب الغرفة ويدلف ثم رفع عيناه ليراها، أغلق الباب وتوقف مكانه يتأملها، لأول مرة يراها على هذه الحالة التي ضخت فيه الرغبة بها أكثر والاشتياق لضمها، جميلة بكل ما تحمله الكلمة من معاني، جميلة ومن حولها هالة جمال خاصة بها تجعله مفتونًا ومتيمًا بها.
نهضت تفرك كفيها وتبتسم له مردفة بتوتر:
- حمدالله على السلامة.
ابتسم لها وتقدم منها حتى وقف أمامها يحدق بها ثم تحدث معبرًا عن مشاعره:
- ما هذا الجمال؟ هل أخذتِ كل جمال النساء لكِ وحدكِ أم ماذا؟
ابتسمت برضا وسعادة ثم تحدثت وهي تنظر له:
- تبالغ كثيرًا.
- هذه عيناي وهذه رؤيتها لم تتدخلين بين رجلٍ وعينيه ومشاعره؟
ابتسمت بخجل من جوابه بينما تابع وهو يحاوط خصرها ويقربها إليه:
- هل تناولتِ العشاء؟
هزت رأسها بلا ثم نظرت لليمين وقالت مشيرة:
- أمي جهزت لنا وجبة.
أومأ وابتعد قليلًا يردف بقلبٍ متضخمٍ:
- حسنًا سأذهب لأغسل يداي وأعود إليكِ.
تحدثت قبل أن يتحرك:
- سيف.
توقف يطالعها فتابعت بخجلٍ:
- هل يمكن أن نصلي قبل أي شيء؟
تعمق فيها وتعجب من هذا الأمر فهو برغم التزامه ببعض الأمور إلا أنه ليس ملتزمًا بشكلٍ كافٍ ولكنه أومأ يجيبها بطاعة شاعرًا بشيءٍ من الراحة الجديدة على حياته:
- نعم أكيد.
أومأت له فابتسم وخلع جاكيته يلقيه على المقعد ثم تحرك نحو الحمام ولم يلحظ ما وقع من جيب جاكيته بالقرب منها.
دلف وأغلق الباب خلفه بينما هي خطت خطوة فلاحظت أسفل قدميها هذا الشيء لتنحني تلتقطه بين يديها وتطالعه بتعجب دام للحظات قبل أن تتسع عينيها بصدمة، هل أحضر معه أقراص منع للحمل؟
دقائق مرت حتى خرج يجفف يداه ويتجه نحو غرفة الملابس ينتشل منها تي شيرتًا وسروالًا ويبدلهما سريعًا ثم يعود إليها.
وجدها تجلس على المقعد الذي ترك عليه جاكيته فاتجه نحوها وجلس جوارها يردف متسائلًا حينما وجدها شاردة:
- ما بكِ يا سارة.
رفعت نظرها إليه تتعمق فيه ثم فتحت يدها ليرى شريط الأقراص مرتكزًا في كفها لذا توتر وزفر يطالعها وهي تتساءل بهدوءٍ:
- ما هذا يا سيف؟ لمَ هو معك الآن؟
أطرق رأسه قليلًا يرتب ما يود قوله ثم عاد يطالعها قائلًا وهو يهز كتفيه:
- لا أستطيع يا سارة، لا أستطيع أن أخاطر بكِ، لن أحتمل هذا الشيء، أرجوكِ أفهميني.
هي تحاول، تحاول فهمه ولكن عجز عقلها عن ذلك لذا تحدثت باستهزاء وهي تلوح بالشريط بيدها:
- وهل هذا هو ما سيحميني من الموت؟ هل تصدق ما تقوله يا سيف؟
أطرق رأسه بعجزٍ فهو حتى وإن لم يصدق ولكن هناك حقيقة واقعية تصيب عائلته والتاريخ خير دليل وعليه أن يأخذ حذره لذا زفر بقوة وعاد يطالعها قائلًا بتروٍ:
- الأمر ليس هكذا يا سارة، ولكن أخبرتكِ أن هذه لعنة تصيب عائلتي.
ضحكت بخفوت وألم لتتابع بعقلٍ مستنكرٍ:
- سيف توقف أرجوك، سمعت قصتك وقدرت حالتك ولكن أنت مخطئ تمامًا، يجب أن تدرك أننا مسلمين نسلم الأمر كله لله، نحن لا نؤمن بأي لعنة، نحن نؤمن فقط بالقضاء الواقع لا محالة وبالقدر الذي يمكن تغييره بالدعاء، وأما عن اللعنة فهذه عمل شيطاني ليس إلا، أرجوك يا سيف إياك أن تصدق هذا الأمر.
نظر لها بعمق وابتلع غصة حلقه المرة وبات في تشتتٍ وصراعٍ وخوفٍ ولم يعد يعلم أي قرارٍ يتخذه ولكنه يخشى هذه التجربة معها، يخشاها ويخشى عواقبها بشدة.
حينما طال صمته توغلتها قوة اندفاعية لذا امتدت يدها تتناول كفه ثم قامت بوضع الأقراص به قائلة بتصميم قاطع:
- أنا لن أتناول هذه الأقراص أبدًا يا سيف، أنت طلبت مني زواجًا رسميًا وأنا الآن أطلب منك زواجًا حقيقيًا بكل تفاصيله، ما تفعله ذنبًا كبيرًا لن أشارك فيه.
رواية في رحالها قلبي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم آية العربي
رواية في رحالها قلبي الفصل السادس عشر 16 - بقلم آية العربي
بعد أسبوع التزم فيه سيف بالصلاة وتقرب إلى ربه أكثر حتى اندثرت مخاوفه بالفعل واستطاع أن يعيش من حياته أسبوعًا لم يعشه من قبل.
أسبوعًا من الشغف والمتعة والراحة، لم ترحم سارة قلبه حيث هجمت عليه بسلام ضحكاتها ورقتها وشموخها وأبسط حركاتها.
يشعر بأنه يعيش معها حياة كان يخاف تمنيها.
ابنه نوح ووالدتها سعاد وهي، عائلة صغيرة احتوته كليًا بعد يتمٍ رسم الحزن في حياته لتتورد وتنتعش من جديد.
أخذ هذا الأسبوع أجازة من العمل ليقضيه معها، لم يكن يريد مغادرة جناحه أبدًا ولكنه يضطر لذلك ليرى صغيره وحتى لا تفضحه مشاعره التي ولدت حديثًا مع دخول سارة إلى قلبه.
أصبح متيمًا بها، بل بات يخاف من هذا التّتَيُّم وقوة الحب.
فحينما يعيش الإنسان حياة باردة ويعتاد على الصقيع من حوله ويهيء حياته ليكمل ببروده متجاهلًا أحلامه الدافئة ثم يجد فجأةً الربيع قد جاء ليذيب صقيع قلبه وينعش جسده ويزهر مشاعره ويسعد كما لم يسعد من قبل.
من المؤكد سيخاف، سيخاف من عودة الجليد مرةً أخرى وسيسعى بطرقٍ شتى بأن يحافظ على ربيعه.
أما هي فباتت أكثرهن سعادة وحماسة وحيوية، لم تكن تتوقع أن تحب شخصًا بالقدر الذي أحبت سيف به، وسيف بالتحديد لم تكن تظن أنها ستراه رجلًا مختلفًا.
حنونًا مراعيًا لينًا وحكيمًا يحبها بل يغمرها بعشقٍ جديد.
لتشعر بأنها مدللة، مشبعة بالحب والاهتمام، متوردة ومتجددة لتصبح كل يومٍ بحالة حبٍ جديدة.
لم تبخل عليه بمشاعرها وهذا لأنه كان كريمًا أولًا.
تراها سعاد أمامها بهذا الحماس والشغف وتراه بهيئة جديدة وابتسامات وليدة فترفع يدها وتدعي لهما بكل خير.
حتى أن الصغير بات في حالة ملحوظة من السعادة فيبدو أن سعادة الجميع عادت عليه.
ها هي تقف في المطبخ تعد وصفة من الشوكولاتة لمتابعيها في بثٍ مباشرٍ بعدما طلبن منها أن تطمئنهن عنها بعد غيابٍ طال بسبب إصابتها وما إن تخلت عن تجبيرة ذراعها حتى عادت.
كانت ترتدي نقابها وخلفها يصدح صوت التواشيح الخاصة بالشيخ النقشبندي وهي مندمجة في وضع الأطعمة والحشوات بعدما نام الصغير.
اليوم ذهب سيف إلى العمل لذا فهي تعمل بأريحية واندماج.
ولكنه لم يحتمل البعد عنها لفترة طويلة لذا عاد سريعًا على غير عادة ودلف يبحث عنها وحينما سمع صوت التواشيح من المطبخ تتبعه ليجدها تقف بنقابها تعد الشوكولاتة فتعجب وتقدم منها وهو يلاحظ الهاتف وظنها تسجل مقطعًا ولم يعلم أنها في بثٍ مباشر.
ومن بين اندماجها وجدته يعانقها من ظهرها مردفًا بحبٍ:
- هل تسجلين؟
جحظت وأسرعت تمد يدها تغلق الهاتف ثم التفتت إليه شاهقة وتحدثت بصدمة:
- سيف ماذا فعلت أنا كنت في بثٍ مباشر.
قطب جبينه ثم تساءل بينما هي أسرعت تلتقط الهاتف لترى:
- أيعني هذا أن عناقي لكِ ظهر لمتابعينك؟
عبثت به لتزفر بتنهيدة متوترة حينما وجدتهن بالفعل تتابعن البث وترسلن التعليقات الهائمة والرومانسية في حب عناق زوج سارة ومشاعره لها لتقول ببعض الضيق:
- نعم يا سيف ظهر، سأحذف البث حالًا.
أسرعت تحذفه بالفعل قبل أن ينتشر أكثر ولم تكن تعلم أن هناك شخصًا آخر يتابعه، شخصًا لم يفوت لها مقطعًا قط وبعدما رأى هذا العناق شعر بالحقد يتضخم في جسده وعقله.
شعر بالنيران تتوغله وهو يفكر أنه لولا سيف وذلك الطفل كانت سارة ستصبح معه وبين يديه هو.
كان يتمسك بلفافة تبغٍ يدخنها بقوة ساحبًا محتواها ولم يكتفِ بها بل أسرع يدس يده في جيبه ويخرج شريط أقراص ينتزع منه قرصًا ويلوكه في فمه لعله ينتشله من هذا الواقع وإلا لا يعلم ماذا سيفعل ولكن ثوانٍ فقط حتى قتمت عيناه والتقط هاتفه وطلب رقم عامل ممن يعملون لديه ليجيب الآخر مترقبًا فيتحدث علي بنظرة شاردة متوعدة:
- استعد يا حمّاد كي تقوم بمهمة وستحصل على كل ما تريده، فقد أريدك أن تضع عينيك على شخصٍ ما وتخبرني بالمفيد.
أما سارة فبعد أن حذفت الفيديو أسرعت تنزع نقابها وحجابها وتحدق ب سيف الذي وقف ينتظرها لتبتسم له وتتجه تعانق كتفيه قائلة بلومٍ لذيذ:
- هل يجوز ما فعلته يا ابن الدويري، من المؤكد تعلم أنني أُصوّر.
حاوط خصرها برغم ضيقه من الظهور الغير مقصود لعناقهما بينما تنفس يقول بتروٍ:
- ظننتكِ تسجلين وقلت أفاجئكِ وستحذفين هذا الجزء لم أكن أعلم أنه بث مباشر، هل رآه الكثير؟
مطت شفتيها تقول بصدقٍ وترقب:
- لنقل أنهن حوالي أربعةُ آلاف متابعة كنّ معي على البث، حسنًا حدث ما حدث وحذفته والآن أخبرني لمَ عدت مبكرًا؟
حدق فيها وهو يسحبها إليه أكثر ثم قال وعيناه تجول فوق ملامحها:
- اشتقت لكِ، وجئت لآخذكِ في جولة بمَ أنكِ تخليتِ عن التجبيرة، ما رأيكِ أن نذهب لنرى رشيدة؟
شهقت بسعادة جعلتها تسرع في ضمه وتقبيل رقبته قائلة بنبرة طفولية متحمسة بعدما قبلته وابتعد:
- بالطبع هيا بنا.
ابتسم عليها ثم سحبها معه نحو غرفتهما بالرغم من أنها لم تكمل وصفاتها بعد ولكن الشوكولاتة لن تذوب حتى وإن ذابت ستصبح ألذ لذا ستذهب وتعود لها.
في منزل علي
دلف يلقي السلام على والدته التي كانت تجلس وتتحدث مع ابنتها عما تشعر بها من تغيرات في وضع ابنها.
أغلقت معها حينما جاء ونظرت له وهو يجلس جوارها ثم تحدثت:
- وعليكم السلام يا ابني، حدث شيء؟
هز منكبيه يطالعها قاطبًا جبينه يجيبها باستفهام:
- لا شيء، لمَ تسألين؟
- لأنك على غير عادتك منذ عدة أيام، علي إياك يا علي.
احتدت نظرته وتحدث بانزعاج وهو يلوح بيده:
- أمي أنا على آخري لا تتحدثين بكلامٍ خاطئ.
نظرت له بثقب وتحدثت بلا مبالاة لحالته:
- ولمَ تبيع خيولك وتهمل مصلحتك؟ حتى ملامحك تغيرت، أقسم يا علي إن فعلتها سأختفي ولن تعلم مكاني.
كانت تقصد عودته للمخدرات لذا نظر لها ونهشه الخوف فهو يعلم جيدًا عواقب فعلته ويعلم ما كانت تعانيه والدته معه، يعلم إنّ عودته ستكون مدمرة لها لذا تحدث وهو ينهض ليهرب من مواجهتها:
- أنا سأغادر، يبدو أن شقيقتاي دستا السموم في عقلكِ تجاهي.
غادر وتركها تعاني ويلات عودته للمخدرات، عليها أن توقفه بأي شكلٍ كان لن تقف مكتوفة الأيدي وهي تراه يدمر نفسه مجددًا.
بعد وقتٍ
صف سيف سيارته وترجل هو وسارة في مكانٍ هادئ قريبًا من الأهرامات.
ابتسمت بسعادة حينما لمحت رشيدة تقف مع أحدهم تتروض منتظرة وصول سارة إليها.
أسرعت تخطو نحوها حتى وصلت وباتت تدلكها مرحبةً بها على طريقتها والفرسة تود لو تعانقها.
وصل سيف إليها وبات هو الآخر يدلك رقبة رشيدة فتقبلته بهدوءٍ فيبدو أنه محل ثقةٍ نسبةً لوثوق سارة به.
نظرت سارة نحو سيف وتحدث بنبرة لطيفة:
- أحتاج لأخذها في جولة سريعة.
أومأ لها فابتسمت له والتفتت مسرعة تصعد على ظهر فرستها أمامه بكل سهولة كما اعتادت ثم انحنت تقبلها ليبتعد السائس عن طريقها وتبدأ سارة رحلتها مع فرستها تحت أنظار سيف الذي يقف يحدق بها بعيون عاشقة.
كانت جولة ممتعة، انتهت منها بعد عدة دقائق لتعود إلى سيف الذي وقف يطالعها بفخرٍ وإعجاب حتى وقفت أمامه فتحدث أمام عينيها:
- ماذا فعلتي بقلبي يا سارة؟ أي مسرّة تلك التي أدخلتيها على روحي؟
ابتسمت له من أسفل نقابها ولكن لمعة عيناها وانكماشها أكدت له ابتسامتها ليتنهد بعمق وتجيبه هي بنبرة هائمة يغلفها الهدوء:
- بل أنت يا سيف، أنت من قلبت حياتي رأسًا على عقب، أنت أثبت لي أن الحب لا يعرف المستحيل، كنتُ أهرب منك ومن حبك ولكن في الحقيقة كان هروبي يجذبني إليك أكثر، الآن أنا أقولها من كامل قلبي أنني أحبك، أحبك أنت أولًا وأخيرًا.
سحبها يكافئها بعناقٍ لطيف مهذب إلى أن يعودا ثم سيبقى لكل مقامٍ مقال وليريها مكافئة تليق بحديثها الذي استقر في صميم قلبه وغزى روحه وكيانه.
لم يكن من الصعب نقل ما يحدث في مقطعٍ مصور إلى علي الذي ما إن رأى رشيدة معهما حتى جن جنونه.
لقد باعها لآخر حتى يحسرها عليها خاصة وأن الرجل الذي اشتراها أخبره أنه سيأخذها معه إلى خارج البلاد ولكن الواضح أنهم تلاعبوا به واشترى سيف رشيدة لتصبح ملك سارة.
طفح كيله، أخذ منه حبيبته وفرسته وسعادته، أخذ نصيبًا لم يكن له لذا عليه أن يدفع الثمن والثمن هنا لن يسترد إلا بالانتقام.
بعد مرور شهر.
سافر سيف مضطرًا إلى خارج البلاد لإبرام صفقة سريعة والعودة بعدما وعد سارة ألا تطول رحلته عن يومين.
قررت سارة أن تخرج هي ووالدتها ونورا لتصطحب نوح في نزهة مرحة حيث أن الصغير لم يغادر المنزل منذ أن دخله.
صفت سيارتها أمام مدينة الألعاب وترجلت واتجهت تحمل الصغير من والدتها وتضعه في عربته ثم تحركت تدفعه أمامها وتوجهن جميعهن للداخل.
كان هناك زحامًا نسبةً لتوافد الزوار من جميع الأعمار على هذا المكان.
كان الصغير مستمتعًا بمَ يراه من حوله بالرغم من عدم إدراكه لماهية هذه الأشياء الملونة ولكنه كان في حالة سعادة وكذلك سارة التي توقفت أمام متجر الدمى تنتقي دمية مناسبة لنوح وتجاورها والدتها ونورا.
ناولت عربة الصغير لوالدتها ثم اعتدلت تبحث بعينيها عما يناسب الصغير لتشير إلى دمية قطنية ملمسها ناعم وخضراء بعينٍ واحدة.
ناولها البائع إياها فالتقطتها ثم انحنت تعرضها على الصغير وتسأله بحبٍ:
- ما رأيك يا نوح؟ أتعرف ما اسمها، هذه تدعى مارد وشوشني.
كانت تقولها وهي تناغشه فضحك الصغير يهجم على اللعبة بكلتا يديه فابتسمت ثم اعتدلت والتفتت تنظر مجددًا للدمى وتسأله عن بقية شخصيات الفيلم الكرتوني الذي تحبه لتجلبها للصغير ظاهرًا بينما لها في الخفية.
كانت سعاد تتمسك بالعربة وتتحدث مع نورا عن ابنتها الطفولية التي اعتادت شراء الدمى وكم كان والدها يغرقها بهذه الأشياء دومًا.
فجأة هجم بعض المارة على المتجر ليتعثروا محدثين فوضى بين سعاد ونورا اللاتان ابتعدتا حتى لا تلتصقان بهم حتى أنهما تحركتا لأقصى اليمين تنتظران سارة حتى تنتهي وتعود إليهما.
ابتاعت سارة الدمى ودفعت حسابهم ثم التفتت تبحث بعينيها عن سعاد ونورا حتى وجدتهما لذا اتجهت إليهما تبتسم حتى وصلت وانحنت لترى الصغير فلم تجده لا هو ولا دميته.
ارتفعت تطالع والدتها بعيون جاحظة وتساءلت بنبرة مرتعبة:
- أين نــــــــوح؟
نزلت سعاد بنظرها نحو العربة وصعقت حينما لم تجد الصغير فيها لتصرخ بفزع وتتعالى صرخاتها منادية باسمه بينما سارة وقفت تدور حولها بعينين جاحظتين تبحث عن الصغير وللحظة هيأ لها عقلها احتمالية تحركه لتستنكر تمامًا احتمالية خطفه.
هزت رأسها بجنون وانطلقت منها صرخة تناديه وسط تجمع الناس:
- نـــــــــــــــــــوح.
تساءل المارة وتجمهر الناس حولهن بينما هي أسرعت تطوف بين الجموع بغير هدى وتناديه بنشيجٍ حاد ليوقفها أحدهم قائلًا بتريث:
- اهدئي يا مدام حالًا سنفحص تسجيلات المراقبة.
تعلقت به تومئ مرارًا بجنون وقد هجمت عليها أسوأ الاحتمالات لتسرع معه نحو غرفة المراقبة بينما تحركت سعاد مع رجل أمنٍ تبحث بقلبٍ منفطر وبكاءٍ حاد وكذلك نورا تحركت مع رجلٍ آخر تبحث أيضًا وسط الزحام ولكن دون جدوى.
وقفت تتمعن في التسجيلات التي أظهرت هجومًا متعمدًا لعدة أفراد يفرقون بينها وبين سعاد ونورا وفجأة جاء رجلًا يرتدي كابًا ويخفي ملامحه عن الكاميرا ثم انتشل الصغير واختفى مسرعًا قبل أن ينفض الزحام.
تهاوى قلبها وهي تراه يُخطف من قبل رجلٍ غامض لتشعر أنها ستغيب عن الوعي ولكن ليس أوانه لذا تحاملت بصعوبة ونظرت للأمن تستنجد به قائلة بوهن بعدما ضاق صدرها والتوت أحشاءها:
- أرجوك جدهُ لي أرجوك.
هدأها الرجل وأسرع يتحدث مع الشرطة ليتم التحقيق سريعًا في الأمر بينما رن هاتفها فالتقطته لترى اسم حبيبها.
وقفت تطالعه بأنفاسٍ شبه معدومة ثم أجابت قائلة بضياع استحوذ على عقلها وقلبها:
- نوح خُطف يا سيف.
بعد ساعتين في مركز الشرطة
تجلس هي ووالدتها ونورا.
ثلاثتهن في حالة حزنٍ ولكن أكثرهن حزنًا وضياعًا وقلبًا متفحمًا هي سارة، تجاهد لتتغلب على سوء أفكارها فلم تعد تحتمل سيناريوهات عقلها.
ستجن إن أصابه مكروه، لمَ خطفوه؟ هل هم أعداء سيف أم لصوص يريدون فدية أم ماذا؟ لِم ابنها تحديدًا؟ لِم يتلوى قلبها وتعيش هذه الحرقة المؤلمة؟
كانت منهارة تمامًا ولكنها تتحامل كي لا تفقد الوعي، ليس وقته الآن لتجده وتعانقه أولًا.
دلف سيف بخطوات اندفاعية نحوهن يردف بنبرة غاضبة جافة:
- أين ابني، كيف حدث ذلك؟
كانت سارة مطرقة الرأس تضعه بين كفيها وبرغم أنها تتمنى وجوده إلا أن ذلك لم يظهر عليها حيث ظلت على حالتها بينما توقفت سعاد تطالعه ببكاءٍ حاد وتقول:
- اهدأ يا بني سيجدوه، لا أعلم كيف حدث ذلك.
نظر لهن شزرًا ثم تحرك نحو الشرطي يطلب رؤية المحقق فدلف فأخبره الشرطي أن ينتظر قليلًا إلى أن يغادر من في الداخل.
وقف مشدوهًا يطالعهن بغضبٍ لم يستطع لجمه لذا عاد يقف أمامهن وتساءل بتجهم:
- كيف حدث ذلك؟
ما زالت سارة كما هي على وضعها بينما تحدثت سعاد تشرح له ببكاء:
- أخذناه إلى مدينة الألعاب لنرفه عنه ولكن في لمح البصر لم نجده في عربته.
- كيف لم تجدوه في عربته؟
نطقها باستنكار وقسوة لتومئ سارة مؤيدة نبرة اللوم في حديثه فهي الملامة بالفعل ولن تغفر لنفسها ما حدث أبدًا بينما تحدثت سعاد بانفطار:
- صدقني هذا ما حدث، الكاميرات أظهرت شخصًا قام باختطافه من بين الزحام، ربمَا كان هذا عدوًا لك؟
باغتها بنظرات حارقة ثم التفت للجهة الأخرى حتى لا يغضب ليعود مجددًا ينظر نحو سارة التي لا حول لها ولا قوة ليشعر بمَ تشعر به ويتألم لألمها بجانب ألم فقدانه لطفله ولكنه لم يستطع منع نفسه من قول:
- كيف تخرجين بالصغير دون أذني؟
لم تنظر له ولم ترفع رأسها بل تبكي بنحيب وتشعر أن عقلها سيتوقف والصداع هجم عليها من كل حدبٍ وصوب ليتابع بنبرة عنيفة من صمتها الذي يؤلمه أكثر:
- أجيبيني يا سارة.
رفعت نظراتها إليه تطالعه بتشتت وضياع وأسرعت تتمسك برأسها بكلتا يديها وتجيبه بهمسٍ وبكاء حاد:
- أنا آسفة، فعلتها من أجله، أرجوكم ردوا إليّ نــــــــوح وبعدها عاقبوني ولكن ردوه إليّ أولًا.
لم يحتمل انهيارها ولا حطام روحها لذا تغلبت عاطفته وحبه على قسوته ولومه وأسرع يسحبها إليه ويعانقها عناقًا هي في أمس الحاجة له ويداه تربت على ظهرها قائلًا بنبرة مطمئنة برغم كل مخاوفه وظنونه:
- حسنًا اهدئي، أعدك سنجده ونعيده.
ناداهم الشرطي يطلب منهم الدخول إلى المحقق الذي يريدهم لذا أسرعوا جميعهم إلى الداخل ليطالعهم المحقق وخاصة سيف الذي عرّف عن نفسه فعامله الآخر باحترام وجلس سيف بعدما أجلس سارة التي كانت في حالة من التيه والضياع بينما تساءل سيف بترقب:
- هل علمتم شيئًا؟
أومأ المحقق وتحدث وهو يشبك كفيه:
- هل تعرفون شخصًا يدعى علي؟
جحظت سارة ترفع نظراتها إلى المحقق وتجلت معالم الصدمة فوق وجه سعاد بينما اقتتمت عين سيف وتحدث متسائلًا:
- أي علي؟
زفر المحقق يتابع برسمية:
- قبضنا على مشتبه به كان بين الزحام وحينما استجوبناه اعترف بأنهم قاموا بخطف الصغير بناءً على رغبة شخصًٍ يدعى علي نعمان ولكنهم سلموه الصغير حيث كان ينتظرهم خارجًا وأخذه منهم وغادر لذا أتساءل ما علاقتكم بذلك الشخص.
وضعت سارة كفها على وجهها لا تصدق ما يحدث بينما تحدث سيف وهو ينظر نحو المحقق بجسدٍ متأهبٍ على أهبة الاستعداد لأي شيء:
- نعم أعرفه.
حدق المحقق به وحينما وجد إجابته ناقصة تساءل هو بترقب:
- وما علاقتك به ليخطف الصغير؟ ما علمته أنه ليس فقيرًا وليس بحاجة فدية ومن المؤكد هناك دافعًا.
نكس سيف رأسه لا يعلم ماذا يقول بل أصبح في حالة داخلية تنافي تمامًا ثباته هذا لذا تحدثت سارة بوهن وتحشرج بدلًا عنه:
- كان خطيبي قبل أن أتزوج سيف، هذا كل ما في الأمر.
أومأ المحقق متفهمًا ثم تحدث بهدوء:
- حسنًا نحن سنصل إليه في أقرب وقت وسيعود الصغير لا تقلقوا.
عن أي قلق يتحدث، هو لن يشعر بمَ يشعر به سيف لذا نظر له بعيون قاتمة وتحدث بنبرة تحمل غضبًا خامدًا:
- كيف لا نقلق، ابني بحوزة شخصٍ مختلًا عقليًا يتعاطى المخدرات، عن أي قلقٍ تتحدث.
زفر المحقق يحاول تفهم حالته وقال بتريث:
- حسنًا دعني أقول لك إقلق ولكن التهور لن يعيد لك صغيرك، نحن نتتبع أثره وسنصل إليه وليس أمامكم سوى الانتظار.
باغته سيف بنظرة تأكيدية ثم نهض يندفع نحو الخارج دون إضافة حرف لتنهض سارة بصعوبة ومعها سعاد ونورا تساندانها ولكن أوقفها المحقق يتابع:
- أخبري زوجكِ أن تهوره سيجعل حياة الصغير في خطر، من المؤكد ذلك الشخص له مطالب فلو كان يريد قتله لفعلها دون خطف.
لم تحتمل ما يقوله لذا تحركت تغادر المكتب مع والدتها ونورا لتبحث عن سيف الذي انطلق بسيارته ولم ينتظر أحدًا.
في شقة ما.
يقف علي أمام النافذة يتطلع نحو الخارج حيث النهر أمامه، يدخن بشراهة ويفكر في الخطوة التالية وماذا يفعل مع ذلك الصغير الذي ينام في الداخل.
يتوعد بالانتقام من سيف الدويري وزوجته سارة على ما فعلوه به ولكن هل قتل الصغير سيشفي غليله؟
اعتصر عينيه يجاهد مع شياطينه ونفسه، يتمنى ألا يقتله ولكن هناك صوتًا خبيثًا يخبره بفعلها فالنهاية واحدة وهما دمرا حياته وأعاداه إلى النقطة التي انتشل نفسه منها بصعوبة.
رن هاتفه فانتشله ينظر به ليجدها والدته فأغلق المكالمة والهاتف وعاد ينظر ويدخن ويفكر ماذا يفعل وكيف يجعل قلبيهما يحترقان مثلما فعلا به.
رواية في رحالها قلبي الفصل السابع عشر 17 - بقلم آية العربي
بسم الله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُون فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِكَ وكُن مِنَ السَاجِدِينْ واِعْبُد رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينْ .
اللهم إنا نستودعك أهل غزة وكل فلسطين ، اللهم
كن لهم عونا اللهم إنا لا نملك لغزة وفلسطين إلا الدعاء
الفصل السابع عشر من رواية في رحالها قلبي
بقلم آية العربي
❈-❈-❈
تحركت خارج مركز الشرطة مع والدتها ونورا ولكنها توقفت تطالعهما بعيون مرهقة وجسدٍ على وشك الانهيار قائلة :
- أمي خذي نورا وعودا أنتما إلى المنزل .
نظرت لها سعاد بحزن وتساءلت بترقب :
- كيف نعود بدونك ؟ ، أين تودين الذهاب ؟
تنفست ببطء وإجهاد ثم تحدثت وهي تحاول الاستناد على طرف سيارتها :
- سأذهب إلى منزل علي ، يجب أن أفعل شيئًا ، لا يمكنني الجلوس هكذا مكتوفة اليدين .
تحدثت سعاد برفضٍ قاطع :
- لا يمكن يا سارة ، لا يمكنكِ الذهاب إلى هناك أبدًا ، من المؤكد أنه ليس في منزله ولن تصلي لشيء ، دعي سيف والشرطة يحلان الأمر يا ابنتي فضلًا عن إصابتك بأي أذى .
انهال عليها البكاء والألم والخوف على الصغير لذا تحدثت مترجية وهي لم تعد تشعر بقدميها :
- أرجوكي أمي دعيني أذهب ، أعلم أنه ليس في منزله ولكن دعيني أتحدث مع والدته من المؤكد لديها أي معلومة أو يمكنها الحصول على أي شيء ، صدقيني لا أستطيع الجلوس هكذا وابني في قبضة مختل ، أشعر أن روحي تغادر جسدي .
لا تعلم سعاد ماذا تفعل وهي ترى حالة ابنتها هكذا وبالأساس هي تتخبط في حزنها وتصارع البقاء ثابتة لذا نظرت إلى نورا وتحدثت بهدوء :
- نورا خذي أنتِ سيارة أجرة وعودي إلى المنزل وأنا سأذهب مع سارة .
أومأت نورا ببكاء وتحركت تغادر بينما تحدثت سعاد بنبرة ثابتة من وسط حزنها ودموعها :
- هيا ابنتي اركبي أنتِ هنا وأنا من ستقود .
أطاعتها سارة باستسلام تام واستقلت السيارة بطواعية حزينة والتفتت سعاد لتتولى هي القيادة متجهة إلى منزل علي .
❈-❈-❈
كان سيف قد سبقهما إلى هناك وها هو يترجل مندفعًا إلى الأعلى يطرق الباب بعنف فأسرعت والدة علي تفتح الباب وتطالعه بانزعاج وتعجب للحظات ثم تحدثت مستفهمة :
- ماذا هناك ؟ ، ولم تطرق بابي هكذا ؟
هكذا سألته بعد أن تذكرته ليتحدث من بين أسنانه متسائلًا بانتفاضة تدل على غضبه :
- أين ابنكِ ، أين ذهب وأخذ طفلي ؟
تجهمت ملامح السيدة وسألته بتوجس وقلق :
- ماذا تقصد ؟ ، أي طفل ؟
زفر بنفاذ صبر ثم تعمق فيها وتحدث بشراسة :
- ابنك خطف ابني وإن لم يعده في أقرب وقت أو مسه بسوء سأقتله ولن يوقفني عن قتله مخلوقًا ، والآن أخبريني أين ذهب ابنك وأخذ صغيري معه .
وقفت متجمدة لثوانٍ تحاول استعياب كلمات سيف ثم شهقت تضع يدها على فمها حينما أدركت أن علي خطف ذلك الصغير وبرغم ذلك حاولت الإنكار قائلة :
- لا من المؤكد هناك خطأ ، ابني علي لن يفعلها .
- فعلها .
نطق بها سيف صارخًا لتشهق السيدة بفزغ ثم حاولت التحدث بقلب أمٍ ملتاع :
- من قال لك ذلك ؟ ، أخبرني أرجوك هل أنت متأكد أم أنك تقذف ابني بالباطل ؟.
زفر يستغفر ويحاول أن يهدأ وهو يلتفت ويمسح وجهه ثم عاد يطالعها وتحدث بنبرة أقل حدة :
- اسمعيني جيدًا ، ابنكِ خطف ابني وهذا ما وضحته الكاميرات واعترف به أحد رجاله للشرطة .
صفعت صدرها بكفها حينما ذكر اسم الشرطة وما فعله ابنها ، سيسجن ؟ ، خطف طفل صغير ؟ ، عاد لتناول المخدرات ؟
كل هذه الأسئلة جعلتها تترنح ليسرع سيف يسندها تلقائيًا فحاولت الاستناد ثم ابتعدت عنه تنظر له بتشتت وتحدثت وهي تستند على باب منزلها :
- ضاع مستقبله ، ماذا أفعل يا ربي .
ضاق صدرها بشعورٍ منقبض وهذا جعل سيف يرأف لحالتها وهو يطالعها ويتابع حسرتها وللحظة تمنى لو كان يمتلك أمًا تخاف عليه هكذا لكان فعل كل ما بوسعه حتى لا يرى انكسارها هذا ، لم يكن ليخذلها أبدًا .
عاد حنينه لصغيره وقلقه عليه يلتهمانه لذا تحدث بتريث ولم تخلُ نبرته من الجدية :
- اسمعيني ، يجب أن أصل لطفلي قبل أن يؤذيه ابنكِ وهذا جيدٌ لي وله صدقيني ، وأنتِ يجب أن تساعديني ، من المؤكد يمكنكِ توقع الأماكن التي سيحاول الذهاب إليها .
وقفت تطالع سيف وتفكر ، تعصر عقلها أين يمكن أن يكون ذهب بالصغير ، تذكرت العزبة لتنفض على الفور رأسها فمن رابع المستحيلات أخذه هناك .
تحدثت بنبرة مشتتة حزينة :
- حسنًا أدخل ودعنا نهاتفه؟
كأنها تترجاه ، تريده أن يعامل ابنها كأخٍ ويتفهم موقفه ولكن كيف يحدث ذلك وصغيره في قبضته ولا يمكن لأحدٍ توقع ماقد يفعله ذلك العلي .
حدق بها سيف لثوانٍ ثم تحدث وهو يشير برأسه للداخل :
- أحضري هاتفكِ ودعيني أحدثه بنفسي .
أومأت له وأسرعت للداخل وتبعها هو يعبر حتى يتحدث معه بأريحية داخل المنزل وليس خارجه .
❈-❈-❈
وصلت سعاد إلى البناية وتوقفت تطالع سارة التي لم تتمهل بل فتحت الباب وترجلت بخطى مترنحة وبرغم ذلك تسرع نحو الداخل ولم تلحظ سيارة سيف هنا .
بل لاحظتها سعاد لذا هدأت قليلًا وصفت السيارة وقررت أن تتبعها .
وصلت سارة أولًا ووجدت الباب مواربًا لتستمع إلى صوت سيف لذا دفعت الباب فرآها وهي تندفع نحو السيدة تردف بنبرة قاسية وعيون تطلق شرارًا :
- أين ذهب ابنكِ وأخذ ابني ؟ أين هو هذا المجنون لص الأطفال ؟ أنا أريد ابنـــي ، أريـــــده حـــــــــــالًا .
تحرك سيف نحوها يحاول أن يهدأها قائلًا من بين أسنانه :
- لمَ جئتِ؟ اهدئي وانتظريني في الأسفل .
نظرت له بتشتت وتيه والصداع يضرب جانبي عقلها بضراوة وتحدثت بترجٍ ووهن :
- أرجوكم أريد نوح ، الآن هو يبكي وخائف أرجوكم أريد أن أعانقه حتى يطمئن .
شعر بغصة متحجرة تتملك من حنجرته لذا عاد يلتفت إلى السيدة ومد يده يتحدث بعجالة :
- ناوليني هاتفكِ .
أومأت السيدة وهي في حالة تشتت أيضًا حيث لا تريد مما يحدث سوى سلامة ابنها مثلها كمثل سارة وسيف .
عبث سيف بالهاتف وطلب رقم علي ووقف ينتظر رده بتأهب .
كان يحاول إسكات الصغير الذي بدأ يبكي ولا يعلم ماذا يفعل به حيث أنه يحاول هز لعبته أمامه ولكن الأمر لم يفلح مع هذا الطفل الزنان .
شعر بالضيق والغضب حينما رن هاتفه فأخذه يطالعه ليجدها والدته .
لم يفكر مرتين حيث فتح ليجيبها ويسألها كيف يسكت هذا الصغير ولكنه حينما فتح الخط استمع إلى صوت سيف وهو يقول بشراسة :
- أين ابني ؟ ، أين أخذت ابني يا *** ، إن لم تعده لن تتخيل ماذا سأفعل بك .
تهاوى قلب سارة خشيةً من جنون علي لذا أسرعت تنتشل الهاتف من سيف على حين غرة وتحدثت برجاءٍ وتوسل وتلعثم :
- علي ، علي أرجوك ، أرجوك أنا أسمعه يبكي لا تؤذيه يا علي أنت لست كذلك ، أرجوك أعده إلي وسأفعل ما تريده ولكن لا تمسه بسوءٍ أرجوك ، إنه يبكي .
تعالى بكاء الصغير لتشعر بأحشائها تتلوى لذا باتت تتابع بترجٍ وتوسل أكبر وهي تبكي مثله :
- أرجوك دعه يسمع صوتي هو خائف ، دعني أتحدث إليه يا علي أنت لست مجرمًا ، هو طفل صغير لم يفعل لك أي شيء ، أرجـــــــــوك يا علي .
وقف سيف يتابعها ويتلوى على صفيحٍ ساخن وهو يراها تترجاه ولكن بكاء صغيره وحالته يمنعانه من التصرف وخاصة حينما تحدث علي بجمود :
- هو يسمعك .
التقطت نفسًا قويًا وكانت سعاد قد وصلت إليها فباتت تربت على ظهرها وهي تقول بصوتٍ حنونٍ هامس موجهة حديثها للصغير وعيناها تبكي بنحيب وباتت تدندن :
- نوح حبيبي ، أتسمعني ؟ ، هيا يا روح الماما نام ؟ ، هيا نــــــــام هيا نـــــــــام واطهيلك طير الحمام ، روح يا حمام لا تصدق بضحك على نوح لينام .
ظلت تكررها بصوتٍ هادئ حتى هدأ الصغير وتوقف عن البكاء وبات يناغش لعبته التي اشترتها له قبل الخطف ليتركه علي ويتحرك بالهاتف خارجًا ويتحدث بحقدٍ دفين :
- اسمعاني جيدًا ، الصغير لن يعود إليكما إلا إذا نفذتما ما سأقوله بالحرف الواحد ، أنتما دمرتما حياتي ، أنتِ يا سارة سحقتي قلبي بقدميكِ ومررتي كأنه لم يكن شيئًا ، أنا أحببتكِ .
هاج سيف ولم يحتمل كلمات هذا العلي لذا نزع الهاتف من سارة التي تبكي وتحدث بشراسة وغضبٍ :
- أحببت مَن يا *** ، أقسم إن لم تعد ابني سأقتلك وأرمي لحمك للكلاب ، أتظن نفسك رجلًا يا **** .
تملك علي غضبًا عاصفًا ولكنه أجاب ببرود ظاهري وضحكة متوعدة :
- لا أعلم من أين اكتسبت الثقة لتقول هذا الكلام وتظن أن ابنك سيكون بمأمن معي ، أنت لا تعلم ما يمكنني فعله بعد ، أنا لست باقي على شيء أو شخص .
تهاوى قلبها مجددًا ونظرت إلى سيف بقوة قائلة بترجٍ حاد :
- اصمت أنت ، أرجوك اصمت أنت ، سيؤذي صغيري .
تحدثت أخيرًا والدته قائلة بصوتٍ عالٍ متحشرج :
- أحضر لهما صغيرهما يا علي وإلا سيغضب عليك قلبي ، ما هذا الذي تفعله ؟ ، هل ابني يخطف ويروع الأطفال ؟ ، لمَ يا بني تفعل هذا وتحرق قلبي عليك ، هل أنا أستحق منك ذلك ، أرجع لهما الصغير يا علي أرجوك أنا لن أحتمل فقدانك .
ابتلع علي لعابه بضعفٍ بعدما استمع لصوت والدته ووقف صامتًا ثم بدأ يخبرها بألمه وتحولت نبرته إلى مسكينة كأنه يعاني انفصام :
- ولكنهما دمراني يا أمي ، أنا أحببتها جدًا ، هي كانت سببًا لحبي للحياة ، أنا كنت أخطط معها لأحلامي يا أمي ، كنت أراها مثالية ولكنها دعست قلبي وتزوجته هو ، أنا تحملت تقلباتها وحزنها وتجاهلها وأقنعت نفسي أنني سأحظى بها في النهاية وأتزوجها ولكنها تركتني بسبب هذا الصغير الذي لم يكن طفلها من الأساس ، لم اهتمت به وتركتني ؟ ، لمَ أحبت هذا الرجل ولم تحبني ؟ ، كنت سأهديها رشيدة ولكنه فعل هذا أيضًا ، هما دمرا حياتي وأنا سأدمرهما مثلما فعلا بي ، لن أعيد لهما الصغير بل سأحرق قلبيهما عليه مثلما فعلا بقلبي .
اسودت نظرته ونطق الأخيرة بشراسة وعدائية وأغلق المكالمة بعدها لتصرخ سارة مستنجدة بأي أحدٍ ووقف سيف عاجزًا عن مواساتها .
بكت والدته أيضًا وسعاد والكل في حالة تأهب وحزن لتردف الأولى بعدما تذكرت لتوها :
- شقته ، شقته التي اشتراها على النيل ، يمكن أن يكون ذهب إليها .
نبت الأمل في قلب سيف وهو يتساءل :
- أخبريني العنوان بالتحديد .
أسرعت تملي عليه العنوان فاندفع لتوقفه سارة وتركض خلفه تتمسك بذراعه قائلة بترجٍ :
- سآتي معك .
حدق بها وكاد أن يعترض ولكن حالتها لا تقبل ذلك لذا أومأت واندفع الاثنان نحو الأسفل ليستقلا السيارة بينما ظلت سعاد مع والدة علي تواسيها كما تفعل الأخرى معها .
❈-❈-❈
أما علي فبعد أن أغلق دس يده في جيبه وانتشل إحدى الحبات ثم حدق بها لثوانٍ يفكر بنسبة رفضٍ لا تتعدى ال ١٠ ٪ سحقها وهو يضعها في فمه أسفل لسانه وبدأ يمتصها ويفكر كيف ينتقم منهما وهل سيقدر على تنفيذ ما قاله ، هل هو قادر على قتل طفل صغير ؟
تحرك نحو الغرفة يطالع الصغير فوجده يعبث مع لعبته كأنه يحدثها ويحركها بيديه فوقف يتأمله ويفكر .
ماذا إن كان هذا الطفل ابنه هو وسارة ، ابتسم على هذا التخيل ونسج خيالًا على أساسه ووقف يشاهد فيلمًا ألفه عقله وساعدته في إخراجه تلك الحبة التي تذوب في فمه .
❈-❈-❈
رن هاتف سيف فأجاب ليجده شرطيًا يخبره بأنهم استطاعوا الوصول إلى عنوان علي بعدما راقبوا إحداثيات هاتفه من خلال مكالمة حدثت منذ قليل .
أومأ سيف وأخبره أنه في طريقه إليه وأغلق وتحرك مسرعًا يريد أن يصل إليه قبل وصول الشرطة ، يريد أن ينقذ صغيره وينقض عليه يسدد له الضربات حتى يطفئ لهيب نيرانه المشتعلة داخله ، لقد قال أمامه أنه يحب زوجته وكان عليه أن يصمت لأجل حياة صغيره .
كانت تجاوره مستندة على المقعد بعقلٍ شارد تدعو الله أن ينجي صغيرها من أي سوء وأن يرده إليها سالمًا .
التفاتة سريعة منه إليها لم تلحظها ولكنه كان غاضبًا ومشتعلًا لذا تحدث ينفث عما بداخله :
- لمَ تتوسلين مثل هذا ال *** ؟ ، هل تظنين أنه سيرأف بحالتكِ ، هل تظنين أنكِ تستطيعين التأثير عليه ؟
كانت مرهقة جدًا ولكنها تحاول أن تظل منتبهة إلى أن يعود الصغير لها لذا ابتلعت الغصة المتحجرة في حلقها وتحدثت بوهنٍ ملحوظ ودموعها لم تجف أبدًا :
- كل ما أريده هو نوح ، لا يهمني لا هو ولا بماذا سيتأثر ولكني فعلت ذلك لأجل سلامة ابني ، كان يبكي ، نوح خائف وأنا أعلم أنه سيعاود البكاء بعد قليل لذا أسرع أرجوك ولنترك الحديث لحين عودته .
كانت محقة لذا تحكم في نفسه وأسرع قيادته متجهًا نحو العنوان المنشود .
❈-❈-❈
وصلا بعد وقتٍ إلى المكان الذي قالت عنه والدة علي وترجلا من السيارة نحو المبنى العالي .
استعملا المصعد ليصلا إلى الطابق المنشود ووصلا بعد دقائق .
بحثت بعينيها عن رقم الشقة وكاد سيف أن يندفع نحوها ولكنها أوقفته تطالعه وتحدثت بترجٍ :
- سيف أرجوك اهدأ ، إن رآنا سويًا لن يفتح الباب وربما تعرض للصغير بسوء ، دعني أطرق أنا أولًا وأخبره أنني أتيت بمفردي حتى يطمئن ويفتح .
تملكه غضب أعمى وتحدث بنارٍ ورفضٍ :
- لا لن يحدث .
عاد يتحرك فأسرعت تتمسك بذراعه بقوة وتحدثت مترجية بقلبٍ ملتاع :
- أرجوك يا سيف أرجوك لا داعي لتهورك الآن ، لأجل سلامة نوح يا سيف ، أنت ستختبئ فقط إلا أن يفتح ثم ستهجم عليه وتقيده أرجوك .
هدأ قليلًا وبدأ يفكر ليجد أنها محقة لذا أومأ لها وتحركا سويـا وبالفعل اختبأ هو خلف أحد الفواصل العامودية وطرقت هي الباب ووقفت أمامه تنتظر .
كان يقف يتطلع على هذا الصغير الذي عاد يئن ويتلوى ويبكي حينما رن الجرس فتعجب وقطب جبينه وتحرك نحو الباب ينظر من العين السحرية ليجدها هي .
تجمد مكانه وعاد ينظر لها ثم حولها ثم توقف ثابتًا يفكر كيف وصلت إلى هنا ليأتيه صوتها وهي تردف بتوسل :
- علي أنا سارة ، أخبرتني والدتك بالعنوان وجئت بمفردي ، افتح أرجوك لنتحدث يا علي .
وقف مكانه لثوانٍ يفكر ثم تحدث من خلف الباب متسائلًا بهدوء عجيب :
- سارة ؟ ، هل تخدعيني ؟ هو معكِ أليس كذلك ؟
بكت وهزت رأسها وتحدثت بنبرة واهنة متألمة وسيف يختبئ يتابعها ويتوعد لعلي :
- لا أنا بمفردي ، هو ذهب لقسم الشرطة وأنا أتيت دون علمه ، افتح أرجوك لنتحدث ، الصغير يبكي أنا أسمعه افتح وسنتفق على ما تريده .
صدقها هذه المرة بل تحمس لأن يفتح لها ويعيش معها ذلك الفيلم الذي نسجه منذ قليل لذا امتدت يده يفتح الباب ويستقبلها لتندفع نحو الداخل على الفور وحينما كاد أن يغلق وجد سيف يدفع الباب بقوة ويقتحم المكان ولم يمهله فرصة حيث انقض عليه يسدد له اللكمات بقوة والآخر يعيش الصدمة قبل أن يحاول مجابهته بينما اندفعت سارة نحو الغرفة تلتقط الصغير وتهدهده وتعانقه بقوة وتقبله وتركتهما يتشاجران في الخارج .
عبرت بالصغير ليراها سيف وهو يتمسك بعلي الذي يصرخ به غضبًا ليتحدث سيف بلهاثٍ من بين ضرباته :
- خذيه وغادري .
تجمدت حينما سدد علي لكمة قوية استهدفت أنف سيف ليباغته الآخر بلكمة استهدفت عينه تحت أنظارها الجاحظة ورعشتها ولم يدم الأمر ثوانٍ حتى اقتحمت قوات الشرطة المكان وهجمت عليهما تخلصهما من بعضهما لتتنفس سارة بقوة عوضًا عن راحتها ويداها تحمي الصغير بشدة .
❈-❈-❈
بعد ساعات
ترجل سيف من سيارته واتجه يفتح الباب ويلتقط الصغير من سارة لتترجل بتمهل تجاوره متجهان نحو الداخل بعدما عادا من قسم الشرطة وتم حبس علي على ذمة التحقيق .
يحمل الصغير ويتمسك بها ودلفا لتستقبلهما سعاد التي عادت منذ قليل وكذلك نورا .
أسرعت سعاد تلتقط الصغير وتقبله وتبكي وتجاورها نورا تربت عليه ووقف سيف يطالعهما بهدوء بعدما حرر يد سارة التي تنظر لهما بطمأنينة بعد أن عاد الصغير لها ولكن باتت الأرض تميد بها بسرعة عالية ولم تعد تشعر بشيء وقد استجابت لنداءٍ يريد أن يسحبها للمجهول لتقرر فقدان الوعي بعد يومٍ عصيب عاشته .
جحظ حينما وجدها مرتطمة في الأرض وتهاوى قلبه بشعورٍ متوحش وجلس مسرعًا يرفعها من وسط صرخة سعاد باسمها بينما يداه باتت تتفحص ملامحها الشاحبة بعدما نزع نقابها ويربت على وجنتها ويناديها بحروفٍ مبعثرة بينما قلبه يتلوى :
- سارة افتحي عينيكِ ، سارة أنا هنا ونوح هنا ماذا حدث ؟
لا يعلم ما الذي أصابها ولكن أسرع يحملها ويتحرك بها نحو الأريكة يمددها عليها وناولت سعاد نوح لنورا وتحركت تتفحصها بقلبٍ ملتاع بينما نهض هو يلتقط هاتفه ويتحدث مع أحدهم طالبًا طبيبًا في الحال .
❈-❈-❈
فتحت عيناها بوهن تنظر بضعفٍ حولها لتجد نفسها في غرفتها وأحدهم يفصحها .
ابتلعت لعابها وقطبت جبينها بتعجب ثم التفتت للجهة الأخرى حينما شعرت بيدٍ تربت على يدها لتجد سيف يقف فوق رأسها يطالعها بحبٍ وابتسامة هادئة فتساءلت بصوتٍ متقطع :
- أين نوح .
أومأ مطمئنًا وتحدث وهو يملس على جبينها :
- هو مع والدتكِ في الخارج لا تقلقي .
استكانت والتفتت تنظر للطبيب الذي يفحص ضغطها ويضع السماعة على مقدمة صدرها ثم فحص عيناها ليسأل سيف بترقب وقلق :
- ماذا أيها الطبيب ؟ ، فقدت الوعي بسبب الإجهاد أليس كذلك ؟
كان يريد أن يؤكد الطبيب على حديثه ولكنه اعتدل بعدما دون الأدوية وناولها له قائلًا بعملية :
- نعم بسبب الإجهاد ولكني أظن أن المدام حامل وسنتأكد بعد إجراء الاختبار الذي دونته مع الأدوية .
اتسعت عين سارة ورددت بذهولٍ :
- حامل ؟
ابتسم لها الطبيب وتحدث بلطفٍ :
- نعم يبدو كذلك ، وسنبارك لكِ بعد إجراء الفحص .
جمع أغراضه وودعهما وتحرك متعجبًا من جمود سيف الذي وقف يردد الخبر على مسامعه وعقله ويفكر
( سارة حامل ؟ ، حامل بطفله ، ماذا عن اللعنة ؟)
للحظة عادت مخاوفه تهجم عليه بل أصبح أسيرًا لها وتجمعت من حوله كل ظنونه وتخيلاته التي أطاحت بفرحة الخبر عرض الحائط .
رواية في رحالها قلبي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم آية العربي
مر الماضي من أمام عينيه كاملًا. تذكر حديث والده عن اللعنة وتذكر حياته بدون والدته. مسبقًا كانت مخاوفه لأجل صغيره ويُتمه، ولكن الآن مخاوفه كلها انحصرت لأجلها.
حتى عقله يرفض تقبل فكرة رحيلها. ليس بعد أن أتت، ليس بعد أن أحبها وأراد أن يعيش معها حياة كاملة كعامة البشر. أكثيرًا عليه أن يحيا معها ويشيب معها دون الخوف من فقدانها؟
"سيف؟"
هكذا خرج من شروده على صوتها. ينظر لها فسألته بتوجس بعدما استشعرت ما به:
"ماذا بك؟"
حدق بها ثم اقترب منها وسحب رأسها يقبل جبينها، ثم عاد يكور وجهها ويتعمق فيها. لتردد أمامه مترقبة:
"ألن تقول شيئًا؟ أنا حامل."
ظل على صمته يخشى نطق ما يفكر به، ولكن نظراتها أجبرته على الحديث. لذا تحمحم وقال بتوتر:
"حبيبة قلبي، سارة ومسرة حياتي، لنكتفي بنوحٍ يا سارة، أرجوكِ!"
قال الأخيرة بترجٍ وترقب، ولكن في أقل من ثانية لمعت عيناها بغيوم الحزن والصدمة ونطقت محذرة:
"إياك أن تكسر فرحتي يا سيف."
تنفس يطالعها بتشتت. آخر ما يمكنه فعله هو كسر فرحتها، ولكن كيف يتجاوز شعوره الموحش هذا؟ لم يجد جوابًا سوى عناقها. أدخلها بين ضلوعه يعانقها بقوة باحثًا عن الاطمئنان، وليته يغلق قلبه ويمحو ذاكرته فينسى تلك اللعنة الملعونة.
ابتعدت عنه بعد وقتٍ وبعدما بدأت تتفهم مخاوفه، ثم حدقت به قائلة بنبرة لينة حنونة مطمئنة:
"فلنتوكل على الله في أمرنا يا سيف، لا أفضل من تسليم الأمور له وحده. وأنا كلي ثقة ويقين أن مخاوفك ستندثر مع الزمن. ألا تحب أن ترى ذريتك تركض حولك في كل مكان؟ أنا لن أكتفي بنوح أو بهذا الصغير الذي ينمو داخلي، أنا أريد الكثير من الأطفال، فهم عشقي. هل تمانع؟"
رسم في مخيلته حديثها. ما تقوله هذا يعد أقصى أحلامه. عادت تكمل بثقة عالية:
"حسنًا، دعني أخبرك أمرًا. تلك اللعنة ستنكسر عندي أنا وسيعيش أطفالي وأطفالهم وأطفال أطفالهم حياتهم بشكلٍ طبيعي."
تعمق فيها كأنه يتأكد. لتكن نظرتها قوية مؤكدة، لذا تنهد بقوة وقبل شفتيها قبلة ناعمة لطيفة، ثم حاول أن يبتسم وتحدث أخيرًا بتمني:
"وأنا أريد ذلك كثيرًا. أريدك معي بين أولادنا وزوجاتهم وأطفالهم."
"سيحدث إن شاء الله يا سيف."
بعد شهر. اليوم موعد نطق الحكم على علي بعدما تأكدوا من عودته للمخدرات.
كانت تجلس والدته في المحكمة تطالعه من خلف القضبان بعيون باكية معاتبة. نظرة كلها حسرة وقهر يبادلها إياها بعجز وندم، متجاهلًا نظرات سيف له الذي أتى متعمدًا ليتأكد من نيله العقاب الذي يستحقه.
لم تكن سارة سببًا في عودته لتلك السموم، ولم يكن عدم حبها سببًا، ولا حتى سيف الدويري. ولكن السبب الحقيقي في عودته لتلك اللعنة هي نفسه الضعيفة الأمارة بالسوء. هو الذي تسبب في نظرات الحسرة التي يراها الآن في عيني والدته. هي التي تسببت في وضعه خلف القضبان ينتظر حكمًا قضائيًا ربما أضاع مستقبله للأبد، ناهيك عن حالته الصحية والنفسية والمادية.
وهذا ما يخبره به القاضي الآن بعدما سمع مرافعة الدفاع. يطالع هذه السيدة التي لا يعرفها بحزنٍ لا يظهر على ملامحه، حيث اعتاد الحكم في قضايا موجعة كهذه. والألم الأكثر هنا يتمركز في قلب الأم.
تحدث القاضي بنبرة تحمل من اللوم والجلد ما يكفي ليأكل أصابعه ندمًا، وبرغم ذلك كانت نبرته دافئة:
"لما يا ابني؟ لما بعدما أنقذك الله منها تعود إليها مجددًا؟ أنظر أين أنت الآن. أنظر إلى وجه والدتك."
نظر علي مجددًا إلى وجه والدته فوجد نظرتها كما هي، فأطرق رأسه بحزنٍ. ليعاود القاضي جلده قائلًا بصوتٍ عالٍ وسط القاعة ليسمعه الجميع:
"المخدرات قذائف قوية المفعول، دقيقة في إصابة الهدف. أطلقها الأعداء لإصابة قلب الأمة. حرب المخدرات أبشع من حرب الجيوش، لأن حرب الجيوش رغم بشاعتها محددة بزمنٍ معين فقط وهو زمن الحرب ومكانٍ معين وهو ساحة القتال. ولكن في حرب المخدرات فإن الزمان هنا لا ينتهي والمكان الأمة بأسرها والهدف قلب الأمة. ما أصعب أن يغرق شباب أمةٍ كاملةٍ في وحل الإدمان. شبابًا في عمر الزهور يغرقون سرًا، ربما لم يبحثوا عن المخدرات ولكنها هي من تطرق أبوابهم إلحاحًا. وللأسف فإنها أصبحت متوفرة في كل مواقع الشباب، في الجامعات والمدارس، في الأندية والشوارع، وحتى أنها طالت المرأة وهذا أخطر أنواع الإدمان لأنها بسبب المخدرات يمكنها التخلي عن أي شيء في المقابل. الإدمان يدفع الشباب إلى حالة من الجنون لا يستطيع أن يفرق فيها بين أمه وبغية، وبين أخيه وعدوه، وبين أبيه وحيوانٍ يريد افتراسه. الإدمان يحولنا إلى وحوشٍ كاسرة لا قانون لها ولا دين، وهو خطة خبيثة وضعوها لاندثار الشعوب، محاولة استنزاف كل موارد الأمة والسيطرة عليها واقتيادها إلى القاع. ويؤسفني أن أقول أن وصول هذه المخدرات إلى الشباب لابد أن يكون وراءها بائعًا فاسدًا ومسؤولًا فاسدًا وقاضيًا فاسدًا. وأُشهد الله أنني بريء مما يحدث. هذه القضية تحتاج إلى جهودًا مخلصة وأفرادًا يخافون الله. ولابد أن نضرب بيد من حديد ليكون المعتبر عبرة لغيره."
نظر القاضي نحو علي وجده يبكي ويردد بقهرٍ تملك منه:
"لم أكن أريد ذلك. لم أكن أريد العودة. سامحيني يا أمي."
باتت تبكي وتجهش أكثر. باتت تنظر له وتتمنى أن تأخذه معها وتعود للبيت وتعانقه وتعنفه على ما فعله بنفسه، ثم تسامحه وتنسى كل شيء. ولينسى هو أيضًا تلك السموم. يمكنه التوبة والتعافي مجددًا.
عاد القاضي يقرأ ما أمامه ثم قال بأسف:
"حكمت المحكمة وبجميع الآراء على المتهم علي منصور عبد البار بالسجن ثلاث سنوات. رفعت الجلسة."
خرجت من جوفها صرخة استنكار تبعها شهقة حسرة وهي تقف ترى ابنها يغادر القفص مع رجال الشرطة، لتسقط مرتدة على المقعد مجددًا في مشهدٍ يفطر القلوب.
عاد سيف من المحكمة إلى فيلته. طوال طريقه يفكر. لقد ذهب ليحضر الجلسة ويتشفى في من خطف طفله وهدد أمنه وأمانه، ولكنه الآن شاردًا يفكر في حالة تلك السيدة. هي أم وقلبها ملتاع لأجل ابنها الوحيد. لقد افتقد هذا الشعور ويخشى أن يفقده أبناؤه.
إلى الآن هو قلقٌ حيال حمل سارة برغم أنه يظهر لها عكس ذلك حتى لا تحزن. إحساس اليتم من الجهتين من أبشع أنواع المشاعر. إن لم تحصل على كفايتك من حب الأهل واحتواءهم فلن تجده طوال حياتك. يعترف أن سارة تغمره بالحنان والمحبة وتغرقه من أنهار السعادة منذ أن دلفت حياته، ولهذا يخشى فقدانها.
دلف فيلته فوجد سعاد تجلس في بهو الفيلا تقرأ آيات الله. فألقى السلام واتجه يجلس جوارها. فصدقت ونظرت لوجهه فوجدت رسمة الحزن واضحة، لذا تحدثت متسائلة:
"ماذا حدث يا بني؟"
تحمحم وابتسم ثم تحدث وهو يتجنب النظر في عينيها:
"أخذ حكم بثلاث سنوات. أين سارة والصغير؟"
أشارت نحو الأعلى قائلة:
"هما في الأعلى. هل يمكن أن تخبرني لما وجهك حزين؟ لعلمك أنا مستمعة جيدة ويمكنني أن أصف لك وصفة ناجحة."
وهذا ما يحتاجه الآن. يحتاج إلى التحدث مع شخصٍ موثوق يمكنه بث المزيد من الطمأنينة داخل قلبه. لذا تنهد بعمق واعتدل في جلسته مستفيضًا:
"أنا فقط خائف، وهذا ما يزعجني لأنني أعلم أن خوفي يعد ذنبًا ولكن لا أعلم كيف أتخلص منه. منذ أن دخلت سارة حياتي وبت المطمئن الخائف لا أعلم كيف. أفكر في الآتي بشكلٍ لحظي وأنا لا أريد ذلك. هل يمكنكِ إخباري كيف أتوقف عن ذلك؟"
ابتلعت سعاد لعابها وابتسمت تتنهد ثم طالعته بحبٍ، فهو يخبرها من بين كلماته كم يعشق ابنتها وباتت جزءًا هامًا في حياته. لذا تحدثت بروية وإيمان:
"حسنًا أخبرني يا بني كيف تفكر في المستقبل وتخشاه وأنت لا تعلمه؟ بل هو بيد الله وحتى أنه يعد ماضي."
قطب جبينه متعجبًا وتساءل:
"كيف ذلك يا سيدة سعاد؟"
استرسلت حديثها بمغزى إيماني:
"نعم يا حبيبي ما نعيشه يعد ماضي، كتبه الله علينا وانتهى ونحن فقط نعيشه كما كتب سواءً رضينا أم لم نرضَ هو واقعٌ لا محالة. ولهذا فإن الخوف لن يزيدنا إلا ضيقًا وعجزًا وحزنًا. وقد استعاذ رسولنا الكريم من العجز والحزن والقهر. لذا يجب علينا أن نؤمن ونثق في قدرة الله على ترتيب الأمور."
عادت تلمزه بخفة لينتبه أكثر وهو بالفعل كذلك. واسترسلت:
"أتعلم يا بني لقد سمعت شيخ الإسلام يقول أن القدر هو أفعال العبد التي سيقوم بها في مستقبله والتي يختارها بكامل إرادته ولكن بعلم الله المسبق سبحانه وتعالى فقد منح الإنسان إرادة حرة لتكون أساس التكليف والابتلاء. أما القضاء فهو مآل الحدث والوقائع المنقضية والأحكام الإلهية النافذة. أي أن القدر هو الكيفية والقضاء هو النتيجة. أي افعل ما تؤمر به وستأخذ نصيبك."
وجده يطالعها بثقب وكأن أنظاره ثبتت عليها. لتتابع وهي تمد يدها وتربت على كفه بحنانٍ أمومي تريد أن تهديه له:
"أنت تحب ابنتي، ويعلم الله ما في قلبك. لذا اسجد له وأخبره بما تريده وادعوه من داخلك بأمنياتك وكن على يقين أنه سيلبي دعوتك ولن يخذلك أبدًا. وانسَ الماضي يا بني فلن تجني من الماضي سوى عازلًا بينك وبين أحلامك."
ظل محدقًا بها يفكر. ربما ما تقوله صحيح، بل ما تقوله هو الصح بعينه. إن أراد أن يطمئن عليه أن يلجأ ويعود لربه.
ابتسم لها ابتسامة تحمل بين طياتها الكثير وبعينين لامعتين قال وهو ينهض:
"شكرًا لكِ على هذه الوصفة يا أمي."
تحرك بعدما رأى في عينيها فرحةً لكلمته. ناداها بأمه إذا استقر حديثها في قلبه. تحرك للأعلى وفتح باب جناحه ودلف ليجده خاليًا. فسارة الآن في غرفة الصغير. لذا اتجه إلى الحمام ليتوضأ ويصلي ويدعو الله بما يريده.
مرت الأيام والشهور. مرت شهور الحمل على سارة بوهنٍ وتعبٍ وكان سيف خير معين لها. كان يخشى عليها من نسمات الهواء. كان حنونًا للدرجة التي لم تكن تتوقعها. لم تكن تتوقع أن سيف الدويري يمتلك هذا القلب واللين والمرونة حتى في تقلباتها المزاجية. حتى انتهت شهور الوحم والآن ها هي تستعد لدخول غرفة العمليات لتلد صغيرتها.
كان يقف يراها وهي تخطو نحو غرفة العمليات ويود لو باستطاعته انتشالها والمغادرة. يخشى دخولها تلك الغرفة كأن أحدهم سينتزع قلبه. هجمت عليه مخاوفه مجددًا لذا أراد أن يلازمها ويظلا يتحدثان سويًا حتى تأتي تلك الصغيرة ويسعدان بها.
وبالفعل بعد الحاحات ومحسوبيات وتمرير مبالغ نقدية استطاع إقناعهم بالدخول معها. وها هو يجاورها حتى دلفا سويًا غرفة العمليات وجهزوها. ووقف هو لا يرى ولا يسمع سواها. وقف عند رأسها بعدما أنزلوا ستارًا فاصلًا وبات يتحدث معها عن أمورًا عامة كي يلهيها ويحاول أن يظهر ثباته وهو أبعد ما يكون عنه.
نبضات قلبه عنيفة ولسان عقله يردد الدعاء بينما لسانه يقول بترقب:
"هل تشعرين بألمٍ؟"
تحمحمت وتحدثت بوهن وانكماشة في عينيها:
"وكأنهم يسحبون معدتي وأنفاسي تتلاشى."
تهاوى قلبه بشعورٍ مرعب وانتفض يتحرك نحو الطبيب متسائلًا بلهفة:
"ماذا بها"
قطع بقية حديثه حينما وجده يخرج للتو صغيرته ويرفعها عاليًا أمام عينيه التي سلطت عليها لثوانٍ. لينتعش قلبه برؤيتها وتتجدد داخله طاقة إيجابية مرحبة. ثم عادت تهجم عليه مخاوفه. لذا أسرع نحو سارة يطمئن عليها فوجدها تتنفس بارتياح بعدما خرجت تلك المشاغبة. فأسرع نحوها يمسح بيده جبينها قائلًا بحبٍ وقلقٍ في آن واحد:
"أنتِ بخير؟"
أومأت له بعدما سمعت بكاء صغيرتها ومباركات الطبيبان والممرضات. لتردد بنبرة فرحة مطمئنة:
"بخير يا حبيبي، أنا الآن بخير لا تقلق."
حدق بها وابتسم وعاد يردد الدعاء داخله. ليخرجا بعد مدة من الوقت إلى غرفة عادية وعيناه لم تفارقها وكأنه يخشى حدوث أي مضاعفات يمكنها أن تنتزع سعادته.
كانت سعاد تلاعب الصغيرة وتدللها. ونورا تحمل نوح وتجاورها. جلس يطالعهم بشرود. أخرجته منه سارة تناديه فانتبه ومال عليها متسائلًا. لتقول بنبرة هادئة:
"سنكون بخير، سنكون بخير نحن وأولادنا. هيا ابتسم ودعني أرى ذلك في عينيك."
بعد خمسة وعشرين عامًا. تقف تقى ذات الخمسة والعشرين عامًا مع والدها تتطلع على شقيقها نوح وهو يؤدي الرقصة الرومانسية مع عروسته الجميلة في جوٍ ممتلئٍ بالسعادة.
تبتسم وتلمع عيناها تارة وتنظر لوجه والدها تارة أخرى لتراه يقف يتطلع عليهم بسعادة. يتذكر الماضي ويبتسم ساخرًا. الآن فقط أدرك أن عقله لم يكن قد وصل لمرحلة النضوج آنذاك حينما كان يفكر في أن هناك لعنة تصيب عائلته.
تحدثت تقى حينما لاحظت شروده وهي تميل عليه مبتسمة حيث أنها الأقرب لقلبه:
"ترى من هي تلك التي استولت على عقل السيد سيف الدويري؟"
ابتسم بعدما سمعها والتفت يطالعها قائلًا:
"ومن غيرها تقى أبيها الغالية."
غمزته مشاكسة تنطق وهي تشير بذقنها نحو ركنٍ ما:
"هذه هي التي أخذتك مني. برغم أنها تركتك وذهبت لترحب بالضيوف وأنا هنا لم أتركك ثانيةً ولكن عيناك لم تتركها. لا أعلم ما هذا السحر الذي تمتلكه أمي لتظل عيناك عليها أينما ذهبت."
ابتسم حتى أشرق وجهه وتحدث وهو يعاود النظر نحو قلبه سارة التي برؤيتها يسر، قائلًا بحبٍ صافي:
"إنها حبيبتي ومأمني وشريكة حياتي ورفيقة دربي وأم أولادي. هل هناك سحرٌ أقوى من ذلك؟"
نطق الأخيرة وهو يعاود النظر لابنته التي ابتسمت بسعادة تجيبه:
"لا هذا كافٍ جدًا. حسنًا، دعني أذهب لأرى أين ذهب ماجد وليان."
أومأ لها وتحركت تبحث عن شقيقيها التوأم اللذان أتما عمرهما الثامن عشر منذ أسبوع. وتركت والدها يقف ينتظر عودة سارة إليه. وها هي تترك الضيوف وتعود إليه تناظره من أسفل نقابها وتخطو نحوه كأنها فرسة تتريض على قلبه بخطواتها الناعمة.
يعلم أنها تبتسم له من خلال نظرتها. وأخيرًا وصلت إليه ووقفت تجاوره قائلة بحبٍ:
"اشتقتُ لك."
تلك الكلمة أشبعته عن غيابها الذي دام لدقيقتين فقط. لذا انفرجت ملامحه عشقًا وتحدث بنبرة رخيمة:
"وكيف سأرضي اشتياقي الآن وأمام الناس؟"
حذرته بعينيها ولكنه مد يده يطلب كفها. فناولته على استحياء فسحبها إلى المكان المخصص للرقص وحاوط خصرها بكفيه وبات يجاور ابنه ويرقص معها مستعيدًا الجزء الأجمل من ماضيه ليعيش معها الحاضر ويحلم بالمستقبل بعقلٍ عم التفاؤل أرجاؤه فبات لا يعترف بقاموس اليأس.
اقترب منه نوح الذي يطالعهما بسعادة وهمس بالقرب من أذنه:
"ستأخذان منّا الأضواء هكذا يا أبي واليوم زفافنا نحن."
مال سيف أيضًا عليه يجيبه بهدوء وابتسامة واثقة:
"ما رأيك أن تذهبا وتجلسا مكانكما وتتركاني أنا وزوجتي نكمل عنكما الرقصة!"
نظر نوح لوالده متفاجئًا ثم نظر لوالدته يستنجد بها. فابتسمت وتحدثت وهي تومئ مؤيدة لزوجها:
"أنا أوافقه الرأي يا نوح."
"اتفقتما عليا إذًا."
نطقها نوح بمرح وهو يرى سعادة والديه. لتبتسم عروسه وتخبره حينما ابتعد بها قليلًا:
"والدتك ووالدك حقًا رائعان يا نوح. أحببتهما كثيرًا. قصتهما تطمئنني حقًا وأريد أن أحظى معك بحبٍ مماثل."
ابتسم لزوجته وتحدث بحبٍ وتأكيد:
"إن شاء الله يا حبيبتي سنعيش قصة حبٍ ليس لها مثيلًا وسيحكيها أولادنا لأولادهم."