تحميل رواية «في حبه رأيت المستحيل» PDF
بقلم سارة شريف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تململت في فراشها بانزعاج دافنه وجهها أسفل الوساده متمتمه بضيق يا ماما حرام عليكي مش عارفه انام تقدمت منها والدتها نازعة الغطاء من فوقها متمتمه بغيظ تنامي أي انتي عارفه انا بصحيكي من امتي طب بصي هنام شويه صغيرين بس و هقوم علي طول لا مفيش نوم قومي بدل والله انتي عارفه هعمل اي زفرت متمته بتزمر دا اي البيت دا بس ياربي الواحد مش عارف ينام فيه شوية بتقولي حاجه بقول انا قومت اهو يست الكل يا عسل انتي ضحكت والدتها اثناء خروجها بينما نهضت هي لتغتسل وتبدأ يومها باداء فرضها بعد قليل صدح صوت هاتفها معلنناً ع...
رواية في حبه رأيت المستحيل الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سارة شريف
أمام أحد الأبراج الجميلة تقف سيارة، نزل منها كل من معتز ودينا وأسر الصغير، وصعدوا إلى أحد الطوابق.
دخل كلاهما، وجلس معتز مردفاً:
معتز: بصي يا دينا، انتي هتقعدي هنا لحد بعد بكرة، وبعدين هتروحي القصر. مهما يحصل هنا في الوقت ده، متخافيش، أنا هكون معاكي ومحدش فيهم هيقدر يأذيكي. أسر بنفسه مش هيعملك حاجة وهيكون جنبك.
نظرت له دينا بخوف:
دينا: طب بلاش آخد أسر معايا.
معتز: لا طبعاً، هيبقى معاكي. متخافيش، أنا هفديكوا بروحي. أنا دلوقتي همشي وهرجع تاني يوم الخميس.
دينا: هتروح القصر؟
نظر معتز أمامه مردفاً بغموض:
معتز: لا. المفروض إني في لندن، مش هينفع أظهر دلوقتي.
دينا: امال هتروح فين؟
معتز: متقلقيش، في حاجات كتير لازم أعملها قبل يوم الخميس. سلام.
دينا بقلق:
دينا: سلام.
خرج معتز من المبنى ذاهباً إلى مكان مجهول.
***
في "WS Corporation"، لجين وجون.
تجلس جين على مكتبها وفي يدها بعض الملفات، تراجع بعض المشاريع.
طرقت على الباب سكرتيرة لجين الخاصة، التي حرصت جين على أن تكون معها وتأتي بها إلى هنا.
دخلت السكرتيرة عندما استمعت إلى الإذن بالدخول، مردفة:
السكرتيرة: Madam, Mr. Fouad El Miniawy has arrived and he is waiting for you. سيدتي، لقد وصل السيد فؤاد المنياوي وهو في انتظاركم أنتِ والسيد جون.
لم ترفع جين أنظارها عن الأوراق التي بيدها، مردفة:
جين: Well, well, well, to his bottom, and tell him, I'll come in a little while and tell the picture. حسنًا، بيرلا، أوصليه إلى قاعة الاجتماعات، وأخبريها أنني سوف آتي بعد قليل، وأخبري السيد جون بوصوله.
بيرلا باحترام:
بيرلا: Okay, ma'am. حسنًا سيدتي.
ذهبت بيرلا لفعل ما طُلب منها.
بعد قليل، كان يجلس كل من فؤاد وجون بانتظار جين، التي تأخرت.
تدخل إليهم بثيابها الرسمية، التي لم تنقصها من الجمال شيئاً، بل زادتها من الجمال والأنوثة أميالاً. كانت عبارة عن جيبة سوداء قصيرة بالكاد تصل إلى فخذيها، وقميص أبيض يعلوه جاكيت باللون الأسود، تاركة لشعرها مطلق الحرية.
ابتسم فؤاد.
تتجه نحوهم مردفة بابتسامة عملية:
جين: آسفة على التأخير. أهلاً بك مستر فؤاد.
فؤاد: أهلاً بك.
تضع جين نظارتها الطبية، ممسكة بعض الأوراق أمامها.
تنظر لهم مردفة:
جين: شركة حضرتك بعتت لينا عرض، وعلى حسب اللي قدامي، شركات الشريف كمان بعتت لينا عرض.
يكمل جون مردفاً:
جون: وبالتالي كدا في عرضين المفروض نختار ما بينهم. وبما إن الشركة فيها تصميم للمشروع بتاعكوا الحالي من أفضل التصميمات.
ينهض من مكانه متجهًا إلى الشاشة الكبيرة، ويبدأ بشرح كل شيء.
بعد قليل من الوقت، انتهى جون من شرح كل شيء، مردفاً:
جون: وبكدا كل حاجة واضحة.
فؤاد: أنا أعرف كويس إن أختك تبقى مرات أسر الشريف...
وكاد أن يكمل، ولكن قاطعه صوت جين، مردفة:
جين: حلو قوي، بم إنك عارف ده، فانت عارف كويس إن شركتنا مبتعترفش بالحاجات دي ولا صلت القرابة. الشغل بعيد عن كل ده.
فؤاد بابتسامة خبيثة:
فؤاد: حلو، والنسبة هتبقى 50%، أظن ده عرض ميترفضش.
جين بابتسامة:
جين: وأنا موافقة.
فؤاد: حلو جدًا. نمضي العقد، لأني معنديش وقت أجي فيه هنا تاني.
***
في "شركة الشريف".
كان أسر يجلس على كرسيه شاردًا.
توجد طرقات على الباب، فيأذن للطارق بالدخول، فهو بالتأكيد يعرف من هو.
تدلف ريناد إلى المكتب بخجل، جاهدة لإخفائه، ولكن كيف يخفي عن عيني هذا الصقر؟
ينظر لها باشتياق. يومان لم يرها، تتهرب منه منذ يومان. كم اشتاق لها وبشدة.
ينهض من مكانه متجهًا إليها، واقفًا أمامها يتأمل ملامحها وجنتيها المزينة بحمرة خجل خفيفة زادتها جمالاً، وعينيها الزرقاوتين اللتين تدوران في جميع أنحاء المكتب عدا عينيه.
ولكن للحظة، وجدته يجذبها إلى صدره، دافنًا وجهه في رقبتها، مستمتعًا برائحة الفراولة تلك التي بات يدمنها، مردفاً بهمس:
معتز: وحشتيني.
فقشعر جسدها لهمسته بكلمته الحنونة تلك، وقلبها يقرع مثل الطبول.
ليهمس من جديد وهو ما زال على نفس الوضع:
معتز: ا...
قاطعه طرق على الباب، يعلمها جيدًا، ليبعدها سريعًا، فهو يعلم أن صديقه الأحمق سيدلف على الفور.
لدلف سيف، مردفًا بمزاح:
سيف: يا أهل المكتب، في حد خالع رأسه ولا حاجة؟
أسر: ادخل يلا.
سيف: يلااا، طب احترمني قدام الناس، افرض قالت للبت دلوقتي شكلي يبقى عامل إيه؟
ريناد: ههههه، هي وصلت لـ "بت"؟ لا، سلاموا عليكم أنا بقى.
تخرج من المكتب سريعًا، تلعنه لهذا الأحمق بداخلها، الذي أصبح يحبه أكثر وأكثر كل يوم.
أما بالداخل، تحضر:
أسر: ها، عملت إيه؟
سيف: زي ما قولت حصل. دلوقتي فؤاد مضى العقد مع جين، وحاتم ملهي في الحاجات اللي بنوصلها له. وأنا قولت لمعتز يعجل بنزوله عشان يتكفل بالحماية بتاعة القصر.
أسر: تمام.
ينظر له سيف بتوتر، مردفًا:
سيف: أسر... هو...
أسر بنفاذ صبر:
أسر: اخلص، عاوز إيه؟
سيف: هي دينا...
ليأتيه صوت أسر الحاد:
أسر: سيف، أنا قولتلك خلاص، معدش فيه دينا. ودي آخر مرة أسمعك بتقول الاسم ده، لأن ساعتها هتزعل مني.
لينهض من مكانه بغضب، تاركًا المكتب، بالشركة بأكملها.
***
في أحد الأبراج، بالتحديد بالدور الذي تسكن به مني.
تجلس هي أمامه، تحاول أن تفعل ما أخبرها به معتز، متذكرة حديثه في الصباح.
*Flash Back*
مني بعدم فهم:
مني: يعني إيه؟
معتز: زي ما قولتلك كدا، تقولي له إني كلمتك واتفقت معاكي على استغلال داليا وفؤاد، وإنتي هاودتيني وقولتيلي ماشي. لحد ما تقولي له وتشوفي هتعملوا إيه.
مني بخوف:
مني: حاتم مش سهل، خلينا كدا أحسن.
معتز: غلط. حاتم هيشك فيكي بعد مرتين بس. لما تعملي له اللي بقول عليه ده، هيعرف إنك معاه وهيبقى تركيزه كله على اللي هيعمله.
مني: ماشية.
يغلق معتز الخط دون أي كلمة أخرى، فهو حقًا، رغم كل ما يفعله، ولكنه لا يطيق هذه المرأة.
*Back*
مني بتوتر، تجاهد في خفائه:
مني: حـ... حاتم.
ليردف حاتم بعدم اهتمام وهو ما زال يقلب في هاتفه:
حاتم: اخلصي يا مني، عاوزة إيه؟
مني بتلجلج:
مني: كان فيه موضوع عاوزة أتكلم معاك فيه.
ليردف حاتم بملل:
حاتم: اخلصي.
تنظر له قليلاً، مردفة بتمهل:
مني: معتز.
لينظر لها باهتمام فور سماعه لاسمه، مغلقًا الهاتف الذي بيده، مردفاً بترقب:
حاتم: ماله؟
مني: جالي امبارح وكان بيتفق معايا على خطة عشان ندمر بيها العقرب، وقالي إنه عاوزنا نستغل كره فؤاد ليه وحب داليا، وكده هم الاتنين عليه. وأنت عارف غلاوتهم، بس لما قالي مجبش ليك سيرة، حسيت إن في حاجة غلط ولازم تعرف، إحنا في مركب واحدة ومصلحتنا واحدة.
حاتم: وإنتي قولتي له إيه؟
مني: حسسته إني متحمسة، بس شاكة فيه، وقولت له سبني أدورها في دماغي الأول.
حاتم: حلو قوي ده.
تنظر له مني باستغراب، مردفة:
مني: هو إيه اللي حلو؟
حاتم: بقا هو عاوز يستخدمك عشان يستغل فؤاد وداليا، وطبعاً ده لبعد ست الحسن والجمال عنه. يبقى انتي تفهميه إنك معاه، بس قبل ما يتحرك نضرب إحنا ضربتنا ونخلصهم منها خالص، وحرب الملوك تقوم.
مني بصدمة:
مني: قصدك...
***
مر يومان، وكل واحد منهم بعالمه الخاص.
أسر يحاول أن لا يرى ريناد في هذان اليومان.
حاتم يخطط لما ينوي فعله، بعد أن ظنًا منه أنه هكذا سيقضي على الجميع.
مني تتبع تعليمات معتز بحماقة.
وأسر يدير كل تلك اللعبة من وراء الستار. ولكن يريد معرفة هذا الرجل المجهول.
وبعد مرور يومان، في صباح يوم الخميس، الذي سيقام فيه خطبة سيف وحبيبة.
وبعد معاناة في إقناع أحمد بالموافقة على كتب كتابه في القصر، وبالأخير وافق.
صوت ضحكات رنانة تخرج من غرفة الفتيات.
لتخرج صوت ريناد، مردفة:
ريناد: مش سامعين صوتك يا ست نونو؟ 😂 يا بتاعت مستحيل اتكل.
تضحك حبيبة، مردفة:
حبيبة: هههه، لا وايه، طلعت واقعة في حب أخويا وبتخونيني يا قليلة الأدب.
ريناد: ونبي هشي يا حاجة، بلاش النهارده، يا ست بتنجانة، انتي كنتي بتقولي رجال إيه؟ هه، واديكي وقعتي زي البرميل أهو.
لتنهض حبيبة من مكانها، مردفة بضحك:
حبيبة: لا شكلها هتقلب عليا، أنا هنفد بجلدي أحسن.
نورا: خوديني معاكي يا بنتي، ربنا يكفينا شرها. هههه.
ريناد: ههه، اقعدي يا حلوة منك ليها. أنا عندي أوامر متخرجوش من هنا إلا على الحفلة.
حبيبة باعتراض:
حبيبة: نعمممم؟ ودا ليه إن شاء الله؟
لتهز ريناد كتفها ببراءة:
ريناد: أنا مش عارفة والله، هم قالوا لي كدا، وأنتي عرفاني بسمع الكلام بسرعة.
كادت حبيبة أن تتحدث، ولكن وجدت الباب يفتح وتدلف منه ملك، مردفة:
ملك: جماعة، حد شاف جون؟
تأتي من خلفها جين، ممسكة ملابسها من الخلف كالقطة (قفاها يعني 😂)، مردفة بمرح:
جين: وانتي مالك بأخويا يا بت؟
لترفع ملك يديها علامة للاستسلام، مردفة بضحك:
ملك: والله أبدًا يا بيه، دا هو اللي ضربني وجري ومش لاقياه من ساعتها.
صمت حل على الجميع، يتخيل ما قالته للتو، ولم تمر سوى لحظات ودخلوا في نوبة من الضحك.
لتدفعها جين بخفة، مردفة بضحك:
جين: امشي يا بت من هنا، جتك القرف، تافهة، وهو أتفه منك. 😂😂
ظل الجميع يتمازحون ويسرقون لحظات سعيدة من الزمن، بدون هموم أو حزن.
***
حل المساء، وبدأ المدعوون بالحضور.
سيف بغرفة من إحدى غرف القصر، وبصحبته أحمد الذي جلبه معه حتى لا يشعر بالحرج.
كل منهم يرتدي ملابسه، حتى يدلف إليهم أسر، الذي ارتدى بدلة جميلة باللون الرمادي وقميص أبيض، وشعره المرتب كأبطال الأفلام.
لينظر له سيف، مردفًا:
سيف: عاوز أفهم، أنت العريس ولا أنا إيه؟ يا عم دا.
أسر: يلا يا بن آدم، اخلص.
سيف بحرج مصطنع:
سيف: يعم احترمني شوية، دا حتى النهاردة خطوبتي.
ليضحك أحمد عليه، ويبتسم أسر، هازًا رأسه، تاركًا لهم المكان، ليهبط كل منهما خلفه.
أما في غرفة الفتيات، كان الجميع جاهزًا، ما عدا ريناد، التي أفنت وقتها في الاهتمام بهم.
لتنظر إلى نورا برضى وابتسامة، فهي حقًا تبدو جميلة بذلك الفستان الأبيض الرقيق، التي أهدته لها ريناد.
أما حبيبة، فهي حقًا جميلة بفستانها الأزرق وطرحتها الأوف وايت، فكانت تبدو كالملاك حقًا.
أما ملك، التي اهتمت بها وقامت بتسريح شعرها، فكانت كالطفلة بفستانها المزينة بالنجوم الصغيرة باللون الذهبي وحذائها الملائم لفستانها.
أما جين، فقد كانت ترتدي فستان ضيق قصير بالكاد يصل إلى منتصف فخذها باللون الأخضر.
كان الجميع بالغرف، عدا رودينا. فريناد حقًا لا تحب هذه الفتاة، فهي لم تعلم بعد أنها أخت سيف وداليا، فهي لم تختلط معها سوى قليل، وكل مرة تجتمعان بها تتشاجران.
لم يتبق سواها، لتتركهم وتذهب إلى غرفتها، لتخرج فستانها، تضعه على السرير، ذاهبة للمرحاض لتأخذ حمامًا دافئًا.
بعد وقت قليل، خرجت من المرحاض واتجهت إلى السرير، ولكنها لم تجد فستانها، بل وجدت شيئًا مغلقًا، لتفتحه، لتجده فستان أسود لامع يهبط بتتساع من الخلف، وبه حذاء وطرحة بنفس اللون.
لتنظر لهم باستغراب، حتى لمحت تلك الورقة المطوية على السرير، لترفعها، لتجد محتوى الورقة:
"عارف هتقولي إيه، وإن الفستان مينفعش لخطوبة؟ مليكيش دعوة، البسيه وإنتي ساكتة، هيبقي حلو عليكي. يا رب يكون عجبك ❤️"
لتبتسم باتساع، بالتأكيد علمت من هو صاحبها، لتضم الورقة وتبدأ بارتداء الفستان.
انتهت من ارتدائه، وجلست تضع لمساتها الأخيرة.
لتجده يظهر خلفها في المرآة، مبتسمًا، ناظرًا لها بحب.
تنظر له بدهشة، سرعان ما تحولت لسعادة، فقد اشتاقت له منذ يومان لم تراه ولم تشتم رائحته الرجولية الجذابة.
لتنهض بسعادة، تدور حول نفسها، مردفة:
ريناد: حلو قوي الفستان.
ليثبتها أمامه وهو خلفها، مقتربًا منها، هامسًا بجانب أذنها:
أسر: كان وحش لحد ما لبستيه. انتي اللي بتحلي أي حاجة.
أما هي، فشعرت بالحرارة تسري في جسدها من فرط المشاعر التي تشعر بها.
معضمة لعينيه.
ليخرج هو عقدًا من الألماس، ليضعه حول رقبتها دون أن تشعر، ليقترب من خدها، يقبلها بخفة، مبتعدًا عنها، ليردف وهو على وشك الخروج:
أسر: خدودك كدا أحلى. أتمنى يعجبك.
ليغمزها بطرف عينه، مغلقًا الباب خلفه.
لتنظر إلى نفسها في المرآة، لتجد ذلك العقد الرائع الذي على شكل أوراق الشجر، وجنتيها المكتسية باللون الأحمر القاني، صدرها الذي يعلو ويهبط من شدة دقاته.
لتردف بنبرة هامسة:
ريناد: بحبك يا أسر...
***
بالأسفل، كان المكان في منتهى الروعة، أقل ما يقال عليه رائع.
لتهبط حبيبة على الدرج برشاقة وجمال، لينظر السيف إلى الدرج صدفه، وتتوقف عينيه عليها، كم هي جميلة للغاية.
بينما توقفت عينا أحمد على نورا، التي كانت تهبط خلفها بر أدائها الأبيض، كم تبدو كالملاك.
دقائق لتهبط فرولته وملكة قلبهم، وبالتأكيد خطفت الأنظار كالعادة.
الجميع ينظر إليها بإعجاب، فهي لتشتعل عيناه من نظرات الإعجاب الموجهة لها.
ليأمر ببدء الحفل.
لتبدأ الحفلة بالخطبة.
وأثناء لبس سيف الخاتم لحبيبة، دلفت مروة، التي اتسعت عيناها بصدمة فور رؤيتها للعروس.
وبعد الانتهاء، ذهبت باتجاههم حتى تبارك لهما.
لتنظر لسيف بخذلان، مردفة بحزن جاهدت لإخفائه:
مروة: مبروك مستر سيف.
لتنظر لحبيبة بغل وحقد، مردفة:
مروة: مبروك يا آنسة.
ضاغطة على يديها بقوة.
لتلمح حبيبة لترد لها الضغطة بضغطة أقوى، مردفة بابتسامة سعيدة:
حبيبة: الله يبارك فيكي يا آنسة مروة، عقبالك.
ليضحك سيف بخفة، الذي لاحظ حرب الأنظار المتلاحمة بينهما.
لتميل مروة عنوة، ذاهبة من أمامهما.
ليميل سيف على حبيبة، مردفاً:
سيف: مبروك يا روح وقلب سيف.
لتتسع عينا حبيبة لصدمة وخجل.
أنقذها بذلك الموقف رودينا، مردفة:
رودين: حبيب قلبي وروحي، ألف مبروك يا عمري.
لتحتضنه.
لتغمض حبيبة عينيها وتفتحها عدة مرات، تريد التأكد أن ما تراه حقيقة. هل هناك حقًا من تحتضن خطيبها أمامها بهذا الشكل، أم أنها تتخيل؟
وما زاد صدمتها وجمال لسانها حينما بادلها سيف العناق، مقبلًا رأسها بحنان، مردفاً:
سيف: إيه يا بنت الحلاوة دي؟ أما اتعودت عليكي؟
لتضحك رودينا باشراق، تدور أمامه بفستانها الأزرق القصير، المتماشي مع لون بشرتها الحليبيه، الذي يصل إلى منتصف فخذها، عاري الأكتاف، يعلوه طبقة من الدانتيل الشفاف إلى الأسفل، مبرزًا جمال سيقانها.
ليبتسم لها بحنان:
سيف: طول عمرك أجمل بنوتة.
ليأخذ المايك، مصدرًا به صوتًا، حتى ينتبه له الجميع:
سيف: أحب أعرفكم كلكم يا جماعة ب أختي.
ممسكًا يد رودينا، رافعًا يدها أمام الجميع.
ليلاحظ نظرة الصدمة بعيني ريناد، ليغمزها في الخفاء ضاحكًا، لتفهم هي مغزى هذه الغمزة، لتضحك على حماقتها وتصرفاتها الخرقاء أمام أسر بسبب هذه الصغيرة.
قاطعهم وصول المأذون.
ليبدأ بكتب كتاب أحمد ونورا.
ليضع أحمد يده بيد والد نورا، لينتهي الأمر بقوله:
أحمد: بالرفاه والبنين إن شاء الله.
كاد المأذون أن يرحل، ولكن صوت سيف أوقف الجميع، مردفاً:
سيف: وأنا كمان أكتب كتابي، نبي.
ليضحك الجميع على قوله.
أما حبيبة، فقد خجلت كثيرًا.
ليتجه إلى والدها، رادفًا:
سيف: جوزني له، ونبي يا عمي، دلوقتي ولا بعدين؟ مش فارقة.
ليضحك عليه بشدة.
ليكمل سيف:
سيف: قول موافق، ونبي.
ليضحك عليه رأفت، مردفاً:
رأفت: إذا كان عليا، موافق. بس عندها 3 أمهات، استأذن منهم.
كان يشير إلى إيمان، هناء، سحر.
ليشير على إيمان، مردفاً:
رأفت: دي ومقدور عليها.
ثم يشير إلى هناء:
رأفت: ودي موافقة، أنا عارف، إحنا بنتفاهم مع بعض.
ويشير إلى سحر، ويردف:
رأفت: ودي أنا بحبها وهى بتحبني، معندهاش مانع. أما أحمد لو فكر يعارض، هخليه يطلق دلوقتي. هو هيفرح لوحده.
ليضحك الجميع عليه.
ويبدأ المأذون بعقد قرانهم.
لينتهي الأمر:
المأذون: بالرفاه والبنين إن شاء الله.
لينظر لها بسعادة، أصبحت ملكه وعلى اسمه أخيرًا.
لتتقدم منه داليا، التي أتت للتو، فهي كانت في رحلة عمل منذ أيام، وأتت للتو لأجل الحفل.
ليبتسم لها سيف، مردفاً:
سيف: عقبالك يا لؤلؤة.
كاد المأذون أن يقف، ليجد من يحادثه، مردفاً:
صوت: لسه في جوازة كمان؟
لينظر الجميع إلى ذالك الصوت. الجميع يعرف مصدره.
لينظر له سيف باستغراب، مردفاً:
سيف: مين اللي هيتجوز؟
ليضع أسر يده في جيب بنطاله بغرور، مردفاً:
أسر: أنا.
لتحل الصدمة على الجميع، وبالأخص ريناد، التي كان المنال الأكبر لديها.
ولكن قبل أن ينطق أحد، ذهب باتجاه ريناد بابتسامة، جاذبًا إليها محوه، مردفاً:
أسر: هتجوزها من أول وجديد باسمها الحقيقي، لأني اتجوزتها باسمها القديم، وكده الجواز باطل. هرجع أتجوزها تاني، وهختارها في كل مرة. حب أقدم لكل مراتى ونور حياتي.
لتنظر له بعينين تملأها دموع الفرح.
ويبدأ المأذون بعقد قرانهم.
لتصبح زوجته من جديد وللمرة الثانية. فلو خيروه ألف المرات، لن يختار غيرها زوجة له.
أما داليا، فقد أدمعت عيناها.
متجهة نحو أسر وريناد، مردفة:
داليا: مبروك.
لتتركهم وتذهب للخارج بالحديقة، لا تريد أن يرى أحد ضعفها.
بينما الجميع بالداخل.
ليدلف إليهم شخص لم يتوقعه أحد، وبالتأكيد كان الثعلب.
ليتجه إلى سيف، الذي حدق به بصدمة.
فؤاد، وبعد كل تلك السنوات، يتواجد من جديد في قصر الشريف.
ليقف أمامه، ليعانق كل منهما الآخر، ليربت فؤاد على ظهره بشدة:
فؤاد: ألف مبروك يا... يا أخويا. رغم إنك واطي ومتستاهلهاش، بس مينفعش مكنتش معاك في يوم زي ده. وعارف إني جيت هنا عشان واتجمعت معاه تاني.
لم يردف سيف كلمة، ليعانقه بشدة، فمهما كان، هو صديقه، و 6 سنين ليست بقليلة.
أما أسر، نظر لهم نظرة خاوية من المشاعر، ليوليهم ظهره، ذاهبًا من أمامهم، والتي ذهبت خلفه ريناد، لترى ماذا به.
***
بالحديقة، تجلس داليا ودموعها تتساقط.
في الوقت نفسه، يصادف دخول معاذ إلى القصر، بعدما لملم شتات نفسه من جديد، أصبح أفضل وأقوى من السابق بكثير.
أتى إليها ليريها معاذ الحديد، كما وعدها.
معاذ أخاها، وليس من كان يحبها. ولم يجد أجمل من هذه المناسبة للحضور.
ولكن أثناء سيره، لمح شخصًا ما يجلس بمفرده، يبدو عليه الحزن.
ولكن لحظة، إنها فتاة تبكي.
ليذهب نحوها، واقفًا أمامها، مردفاً:
معاذ: انتي كويسة يا آنسة؟
بينما هي، كأنها لا تشعر بما حولها، فقط تحادث نفسها بحرقة وقهر:
داليا: فضلت أحبه من صغري، عملت كل حاجة عشان أسافر عشان أنساه، معرفتش. شايفني أخته وبس. ليه مش شايفني غير أخته؟ ليه؟ يا أسر، ليه؟ مين ريناد دي عشان تيجي وتنافسني عليه؟ دائمًا كان بتاعي، وكل مرة بيختارها.
لتبدأ بالنحيب من جديد.
ليردف هو:
معاذ: عشان ده نصيب.
ل تنظر بصدمة إلى مصدر الصوت، كأنها قد انتبهت.
لتلوى من وجوده هناك، من استمع لها.
كادت أن ترحل سريعًا، مردفة:
داليا: آسفة، مأخذتش بالي إن في حد هنا.
ليتمسك بيديها، ناظرًا أمامه، مردفاً:
معاذ: كان في ولد صغير، عمره ما شاف حب من حد. 7 سنين، كان حاسس إن عنده 100 سنة. في يوم دخلت عليه مرات عمّه بملاك صغير. وكان فعلاً ملاك صغير. من ساعتها، عرف إن في حاجة حلوة في الدنيا. كان وقته كله للملاك ده، بيلعب معاه، بيجري معاه، بيدافع عنه. ليتضرب مكانه بس عشان يفضل الملاك ده ملاك نضيف وحلو. كان بيكبر وبتكبر معاه ملاكه، وكل يوم يحبها أكتر، وبيتمنى اليوم اللي تبقى معاه فيه. ويوم ما قرب حلمه يتحقق، الحلم كله اتبخر، والملاك هرب من بين إيديه. الولد الطيب بقى أسوأ حد ممكن أي شخص يشوفه. اتحول، دور عليها لحد ما لقاها، وراقبها من بعيد. بقى يهمل كل حاجة وحشة وغلط، لدرجة إنه خطفها. بس في اللحظة المناسبة، جه قلب نضيف، خدها من كل قذارة الوحش ده. بس تفتكر، فاق؟ لا، فضل يحوم حواليها، بس هي عشان نضيفة، كانت بتصده. كانت هتموت قدام عينيه، فداها بنفسه، وكان هيموت في الوقت دا. بس فاق، وعرف إن كل اللي فيه ده غلط ووهم، وحبها كان مجرد وهم، ولازم يتغير. ولما بدأ يتغير، سابه الشخص اللي كان بقيله في الدنيا. ساعتها حس إن العالم بينتهي وبيموت، ومعدش ليه حاجة. قرر يبقى ضعيف ويهرب. بس الملاك بيفضل ملاك، خد بايده وقومه من تاني، أداله الدافع إنه يكمل، وعرفه إن الحب تضحية. ساعتها عرفت إن حبي ليها مكنش غير وهم، وعمره ما كان غير حب أخوه. بدليل إني مبسوط إني شايفها مبسوطة، حتى لو مع غيره. بقيت واحد تاني ناجح، غير الفاشل الضعيف اللي كنت أنا... عشت كده، بقولك متفكريش إن العالم هينتهي عند شخص، أو عشان اتوهمنا في حب شخص، يبقى إحنا بنحبه هو بس. لا، إحنا اللي بنوهم نفسنا دايمًا، ونحوط نفسنا وقلوبنا وعقولنا باللي إحنا عاوزينه. بدليل إني قدامك أهو، إيه اللي كنت فاكر نفسي بحبها هي هي، اللي مش شايفها غير أختي دلوقتي، وهي هي اللي انتي شيفاها أحسن منك وبتقولي تفرق إيه عني؟ مش أحسن منك ولا حاجة، كل الحكاية إن الحب نصيب، وهو خد نصيبه بيها، وهي خدت نصيبها بيه. متخليش حاجة تعمي عنيكي، لحد ما تنتهي وقت ورا التاني، وعمرك يضيع ومحدش حاسس بيكي. صدقيني، هي أطيب من إنها تأذي حد، الفكرة إن نصيبها جه كدا، وإنتي متشال لك نصيب أحسن.
كانت تستمع إليه، وعينيها تأبى التوقف عن ذرف الدموع. تشعر بكل كلمة يقولها، يبدو أنه عانى كثيرًا، وربما أكثر منها، ولكن ليس بيده.
لتردف بدموع:
داليا: معاك حق، محدش حاسس. كان لازم أقتل قلبي بإيدي من الأول، بس مش بإيدي، غصب عني والله، غصب عني. مش هعرف أعدي ده لوحدي.
يبتسم معاذ:
معاذ: ممكن تعتبريني إيد ساندة ليكي، كصديق، لحد ما تخلصي محنتك. ممكن اللي بقوله يكون غريب، بس أنا بقول كدا لأمي. عارف مرحلة الضعف دي بتبقى إزاي.
لتتمسك داليا بيده بشدة، كأنها تخبره بعدم تركه.
***
بالداخل، لمحها فؤاد من بعيد، ينظر لها بهيام. كم يحبها منذ أن رآها بأمريكا، ولم تغب عنه لحظة. نعم، تشبه ريناد كثيرًا، ولكن كل منهما لديه شخصيته الخاصة، مختلفتان تمامًا.
عندما أخبر رينا بحبه، كان يراها هي.
يتجه نحوها، متصنعًا العبث في هاتفه، ليصطدم بها بخفة، ليبعث هاتفه أرضًا.
ليميل بجذعه ليلتقطه.
لتنظر له، مردفة:
جين: سوري.
ليبتسم فؤاد، مردفاً:
فؤاد: ولا يهمك.
جين: أهلاً بك مستر فؤاد.
فؤاد: إزيك يا جين؟
نظرت إليه بضيق، وكادت أن تتحدث، ولكن قاطعها صوت جون المنادي لها.
لتردف:
جين: عن إذنك.
ولكن أوقفها ندائه باسمها.
فؤاد: جين.
لتلتفت له، ليقترب من أذنها بحدود، مردفاً:
فؤاد: وحشتيني.
كادت أن توبخه، ولكن لم يكن هنا، فقد ذهب من أمامها سريعًا.
ولكن عاود جون مناداتها.
أما هو، فابتسم على فعلتها، فهو يعلم جيدًا ما كانت تنوي فعله.
لتقع عيناه على إحدى المناطق، لتتكرر بذاكرته بعض الأشياء. الكلمات تتردد في أذنه.
ليخرج من القصر بسرعة البرق، آخذًا سيارته، ومنطلقًا بها.
ولكن أثناء خروجه، لمح خيال ما بالسيارة التي كانت تدلف إلى القصر، ولكنه أقنع نفسه أن كل هذا تخيلات من تعب أعصابه هذه الأيام.
***
عند أسر وريناد، ذهبت تسر إلى مكان خالٍ من الناس، يريد إدخال الهواء النقي إلى رئتيه.
عينها محتضنة، لونها أحمر.
ليجد من يضع يده على كتفه، بالتأكيد يعلم من صاحبها.
للتلتفت له.
لت هلع لحالته، لكنه اقترب منها، دافنًا وجهه في رقبتها، فوق حجابها، محاولًا أن يستمد منها القوة.
لتربت هي على ظهره بحنان، مردفة:
ريناد: مش هتتكسر لك دلوقتي. الناس اللي برا مستنيانا. يلا يا عقرب القلوب.
ليرفع رأسه لها، ناظرًا لها باستغراب.
لتغمز له بطرف عينيها.
سريعًا ما فهم قصدها، ليضحك عليها، آخذها متجهين إلى حيث يوجد الجميع.
ذهب كل من بالقصر، ولم يتبق سوى أهل المنزل.
ليدلف معتز من باب القصر، وكانت أولى عيونه تقع على وجهه، عينا رودينا.
لتصرخ باسم أسر، مشيرة إلى معتز:
رودين: أسر، هو ده.
لينظر أسر إلى ما تشير إليه، ليجده معتز.
قبل أن ينظروا خلفه، لتظهر دينا من خلفه وصغيرها على يدها.
لتتسع عينا كل من أسر وسيف وملك وحسنيه بصدمة.
لتصرخ ملك:
ملك: دينااااا.
بينما دينا، عندما استمعت إلى صوت صراخ ملك، ركضت باتجاه أسر، تختبئ في كتفه، تخبئ الصغير الذي يشبهه تمامًا بينهم، مردفة بخوف:
دينا: انت وعدت تحميني.
ليحاوطها بذراعه، وما زال لا يفهم شيئًا، مردفاً بهدوء:
أسر: اهدي، وقولي إيه اللي حصل، وإيه اللي نزلك مصر بعد كل السنين دي؟
ليأتيهم صوت من الخلف، مردفاً:
صوت: أنا اللي نزلتها.
لينظر الجميع إلى مصدر الصوت.
"وبالتأكيد كانت السلطانة".
التي كانت الضربة القاضية للجميع بلا استثناء.
لينظر أسر لها بعدم تصديق.
لتشهق رودينا بفزع.
لتقع ملك فاقدة الوعي فور رؤيتها.
وسيف لا يقل عنهم شيئًا من الصدمة.
بينما الباقي لا يفهم شيئًا مما يحدث.
ليخرج صوت جومانه المصدوم، مردفة:
جومانه: حياااااه؟ 😳
رواية في حبه رأيت المستحيل الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم سارة شريف
في “قصر الشريف”
كان الجميع ينظر لها بأعين غير مصدقة.
نظر أسر إلى دينا بأعين غير مصدقة.
حتى خرج صوت جومانا المصدوم مردفاً:
– حيااااه؟
لتنظر لها حياة بابتسامة مردفة:
– إزيك يا جومانا؟
لتردف جين باستغراب:
– انتي تعرفيها يا ماما؟
تجيبها حياة “السلطانة”:
– طبعاً لازم تعرفني، هو في أخوات متعرفش بعض؟
أما أسر، فقد أدار ظهره متجهًا نحو مكتبه وهو ما يزال لا يستوعب ما يحدث.
لتتركهم السلطانة، كل منهم تتملكه أفكار مختلفة ولا يفهم أحدًا منهم شيئًا.
لتدخل إلى المكتب مغلقة الباب.
تذهب نحوه.
ليرفع لها عينيه البُنيتين اللتين غلب عليهما اللون الأحمر.
لتقتَرب منه جاذبتًا له نحوها، ضامته له بقوة، مخبئة وجهه بداخلها حتى لا ترى ذلك الضعف بعينيه. تعرف أنه يكره ذلك.
بالخارج.
رحل الجميع ولم يبقَ منهم سوى حبيبة.
نظر سيف نحو معتز بعدم استيعاب، أكان يعلم كل هذا؟
لينظر إليه مردفًا بنبرة لا تعبر عن أي شيء:
– أزاي؟
لينظر معتز إلى رودينا المصدومة مردفًا:
– لما تخرج من جوا هتعرفوا كل حاجة.
لينظر سيف إلى دينا مردفًا:
– وأنتي كنتِ تعرفي… وخبيتي عليا بعد كل اللي عمله عشانك؟
ليصرخ في وجهها مكملًا حديثه:
– عارفة لو فؤاد شافك دلوقتي هيعمل فيكي انتي وابنك إيه؟
لتبدأ عبارتها بالسيل على وجنتيها الورديتين، تأبى التوقف عن زرف الدموع.
لتأتيه يد تمسك بكتفه.
وبالطبع كانت تلك اليد يد حبيبة.
صمت حل على الجميع.
بالداخل.
جلس أسر يستمع لحديثها باهتمام.
بينما هي تقص له ما حدث في تلك السنوات.
حياة:
– وساعتها عربية ظهرت ليا في الطريق وكانت السواق بتاعها مش مظبوطة. هديت عشان منعملش حادثة، وخصوصًا إن الطريق كان ضيق فوق الجبل. بس العربية اتخبطت في حاجة بس من وراها. نزلت أشوف أي اللي حصل أو اللي فيه جراله حاجة. بس طلع…
لتكمل جملتها بغل:
– طلع حاتم اللي جواها وكان جنبه مني. وأول ما جيت قدام العربية اتحركت وخبطتني. وقعت ساعتها من على المنحدر ومحستش بحاجة تاني.
– لما كنت فاقدة الذاكرة وعرفت إني كنت في غيبوبة لمدة 7 سنين.
– اللي وداني المستشفى كان راجل كبير. فضل يتابع حالتي الخمس سنين لما معرفوش يوصلوا لأي معلومة عني. كان اسمه فاضل، لقبه كان السلطان.
– أخدني معاه لندن وفضلت هناك 4 سنين وأنا برضه مفتكرتش أي حاجة. ساعدته في الشركات وعلمني الشغل عشان أشغل بداله لأنه كان تعبان. اتعلمت واتطورت في الشغل وبقيت كل حاجة تحت إيدي. لما تعب جامد في شغله وعشان كدا بقى اسمي السلطانة.
– في الفترة دي اسمك انت بدأ يكبر. بسمع عنه وأحس إني عرفاه. وإن شركة الشريف أكبر شركة في مصر. لحد ما كبرت أكتر وبقى ليها فروع في كل البلاد. وطلعت انت لأول مرة على الشاشة.
– ومن اليوم ده وأنا بدأت ذكريات تتقلب في دماغي مش واضحة، كأن شريط حياتي بيعدي قدامي والصداع يمسكني. حاجات تعدي قدامي وفضلت على الحال ده 4 شهور.
– وفي يوم تعبت قوي ونقلوني على المستشفى بعد ما أغمي عليا. ولما فوقت كنت فاكرة كل حاجة حصلت. قررت أرجع. وطبعاً أخدته معايا عشان أخلي بالي منه.
– رجعت مصر بس رجعت على إسكندرية في الفيلا بتاعته هناك. ونزلت القاهرة وبالصدفة قابلت معتز اللي اتخض أول ما شافني ومصدقش. وقالي إنهم لقوا جثتي يومها بس مشوهة.
– وإلي عرفته بعدها إنهم شوهوا جثة وحطوها مكاني في العربية بعد ما ولعوا فيها وعشان محدش يشك إن حد عملها وتبان طبيعية. عرفت منه إن محمد اتجوز. والي اكتشفته إنه اتجوز نفس الست اللي أنا شفتها جنب حاتم في العربية يومها.
– ومن هنا قررت أبدأ لعبتي. ورجعت تاني إسكندرية. أكبر اسم السلطانة خنا زي ما كبرته هناك بس من غير ما حد يعرف مين السلطانة. وادي جه الوقت لظهورها.
أما هو، فكان في موقف لا يُحسد عليه. ولأول مرة بحياته لا يدري ماذا يفعل. لأول مرة يقف مكبل الأيدي، لا يستطيع ضم والدته. ما يزال لا يصدق كل ما حدث.
ليغمض عينيه بقوة محاولًا كبت كل تلك الجروح والآلام التي لا يتوقف الزمن عن فتحها بداخله.
ليفتح عينيه اللتين تغير لونهما تمامًا وأصبحتا سوداوين قاتمتين محمرتين.
ليردف بنبرة تملؤها القسوة لا تقبل نقاشًا، تلقيها بذلك القرب الهادئ الذي سينشر ثَمَّ بين أولئك الأفاعي:
– السلطانة هتظهر بس على خطتي أنا.
“بسيارة فؤاد”
يبحث عن هاتفه ولكن دون جدوى.
قليل من الوقت حتى تذكر أنه تركه على الطاولة بالقصر.
لينظر إلى ساعة يده ليجدها العاشرة والنصف مساءً.
ليصعد يرتدي سريعًا متجهًا نحو القصر.
في “قصر الشريف” في الحديقة بالاخص.
تجلس داليا ومعاذ وقد سرقهم الحديث سويًا حتى مر الوقت دون أن يشعرا.
لتردف داليا بتفاجؤ:
– ينهار أبيض! إحنا قعدنا كل ده؟
ليبتسم معاذ مردفًا:
– آخرت اللي يعمل عمل خير تلاقي الحفلة خلصت.
داليا:
– حقيقي، متشكرة جدًا لكلامك.
نظر لها معاذ بتفهم وابتسامة. بالتأكيد يفهم ويقدر كل ما تمر به. شعر بذلك الشعور من قبلها. كيف لا يعلمه؟ ولكن لسوء حظهم وقعوا مع نفس الأشخاص.
ليخرج صوته مردفًا:
– أهم حاجة تكوني ارتحتي.
لتنظر له قليلًا حتى يخرج صوتها مردفة:
– مش هقدر أكذب أو أضحك على نفسي وأقول إني ارتحت أو نسيت. هو مش زرار. وأنت كل الفكرة إن الإنسان بيبقى عايش في وهم، واهم نفسه بيه ومش عاوز يفوق لحد ما بيجي قلم يفوقه. بس أنا قلمي كان أحن شوية من قلمك. بس أرجع وأقول كلها شوية وأتاقلم على ده.
لترفع يديها لتمسح تلك الدمعة التي خانتها وفرت من عينيها.
لتردف:
– يلا بقى عشان تسلم عليها ونشوف قوتك يا بطل.
ليردف معاذ ضاحكًا:
– هههه. طب يلا يا ستي.
ليذهب كلاهما متجهًا لداخل القصر.
“بالداخل”
صمت يعم على المكان. كل منهم محاصر بين دائرة أفكاره.
سيف يجوب المكان ذهابًا وإيابًا بقلق. يعلم ماذا سيحدث.
إن علم فؤاد بأن دينا على قيد الحياة، فسيقلب الدنيا رأسًا على عقب. هو يعلم جيدًا أن هدوئه كل تلك الفترة ليس هينًا. فهو يشبع أسر كثيرًا. من الصعب معرفة ما يدور بخاطر أي منهم.
بينما تجلس هي ولا تعلم ماذا يحدث، ولكن من المتضح أن الأمر ليس هينًا. ولكن مهما كان الأمر ستظل معه تساند.
بينما تجلس دينا ضامة لابنها. ولكن نظراتهم المتسائلة تكاد تخترقها. تعلم جيدًا أن من المستحيل تخلي أسر عنها. ولكنها تخشى عليه من تهور فؤاد بعد معرفته بكل هذا.
بينما تجلس حبيبة لا تعي شيئًا مما يحدث. ولكن ما يقلقها هو حاله سيف والقلق البادي على وجهه. فهي أول مرة تراه بهذا الشكل.
بينما كانت جومانا هي من تشعر بالسعادة من بينهم. فهي وبعد كل ذلك الوقت وجدت شقيقتها. ولكن ما يشغل تفكيرها الآن ما هي علاقتها بتلك العائلة؟
أما رودينا، التي كانت تنظر لهم بصدمة، تارة لدينا وتارة لمعتز الذي كان يحاول تجاهل نظراتها قدر الإمكان. يعلم ما يدور بخاطرها الآن، ولكن وقت معرفتها لم يحن بعد.
أما جون، فقد اهتم بملك بحكم أنه حاصل على شهادة طب قبل أن يقوم بإدارة الشركة لمساعدة جين. وكل منهما يشغل باله من تلك المرأة المدعوة بحياة، والتي من المفترض أن تكون شقيقة والدتهما التي لا يعلما عنها شيئًا. ولكن هذا ليس بالوقت المناسب حتى يسألا عن أي شيء.
ليخرجهم من دوامة أفكارهم تلك صوت داليا الصارخ باسم دينا.
لينظر الجميع نحوها هي ومعتز الواقف بجانبها ناظرًا لها باستغراب.
لتتقدم منها ببطء ونظرها مثبت نحوها، تحاول تصديق ما تراه عيناها.
لتقف أمامها بأعين دامعة.
لتعانقها مردفة ببكاء:
– سبتيني ليه؟ ملقتش حد جنبي بعد ما مشيتي. مش هسامحك أبدًا.
لتبادلها الأخرى العناق مردفة ببكاء هي الأخرى:
– كان غصب عني والله العظيم غصب عني. كل اللي حصل ما كانش بأيدي. كل اللي حصل.
ليقاطعهم دخول فؤاد الذي تصلب مكانه فور رؤيته لدينا.
ليرمش باهدابه عدة مرات يحاول استيعاب ما يراه.
لتصرخ هي فور رؤيتها له متمسكة بظهر داليا بخوف.
ليخرج على الصوت أسر وخلفه والدته.
وكانت تلك الصاعقة التي ضربت رأسه.
هي حقًا على قيد الحياة؟ هل ما يراه الآن حقيقة؟ يا إلهي ماذا يحدث؟
ليتقدم نحوه أسر يجبروت، واضعًا يديه في جيب بنطاله، ناظرًا إلى عينيه ببرود وقسوة.
أما الآخر، بادله النظرة بآخر غاضبة متألمة.
كل من يراه يقسم أنه وحش بمعالم الغضب المنحوتة على وجهه باحترافية. عيناه المحمرتان.
الجميع الآن يرى ذلك الوحش الذي طالما سمعوا عنه. عداه هو، يشعر بمدى ألمه وحرقة قلبه.
لينظر فؤاد إليها ولم تتغير تعابير وجهه أنشًا واحدًا سوى تلك الدمعة التي كانت حبيسة عينيه بمنتهى القسوة.
لتركض هي مختبئة خلف ظهر أسر فور رؤيته ينظر لها.
لتقع عينيه على ذلك الصغير بين يديها لتتسع عينيه بصدمة.
ليخرج من المكان تاركًا لهم القصر بأكمله.
رد فعل صادم للجميع. لم يتوقع أحد أن يكون هذا هو رد فعله. وكيف لأحد أن يتوقع ما يدور بباله؟ فهو الثعلب.
صمت ساد على الموقف لا يقطعه سوى صوت أنفاس دينا المرتفعة.
لينظر لهم مردفًا بنبرة آمرة:
– كل واحد يروح أوضته. وإلى حصل هنا ميتجابش سيرته من أي حد فيكم حتى لو بينه وبين نفسه.
لينظر إلى معتز نظرة غامضة. بينما الآخر، واضعًا نظره بالأرض متحاشيًا تلك النظرة. مردفًا:
– وأنت تخليك مع السلطانة.
لينظر باتجاهها مردفًا بغموض:
– نورتي يا سلطانة.
ليتجه بنظره نحو سيف مردفًا:
– سيف خد حبيبة وروح زي ما كنت عايز.
كاد سيف أن يعترض ولكن نبرته أوقفته.
ليفعل ما قاله دون نقاش.
ليتجه هو نحو ملك المستلقية على الأريكة حاملًا لها بين ذراعيه متجهًا بها إلى غرفتها مردفًا:
– ريناد استني هنا لحد ما أرجع.
تحرك الجميع لفعل ما أمر به. فهم ليس من حقهم الجدال. فالأمر لا يعنيهم.
بغرفة “ملك”
وضعها برفق على فراشها مقبلًا جبهتها بحنو.
مردفًا بحزن:
– مش هتستحملي كل ده أنا عارف. بس أنا جنبك وهفضل جنبك. مش هسمح لحد يأذيكي. مش هيقدروا يعملولك حاجة دلوقتي زي ما مقدروش زمان. مش هسمح يحصلك زي ما حصل لدينا ورودينا.
أقترب منها ممسدًا على خصلات شعرها البُنية بحنو.
ليميل بجذعه مقتربًا أذنها مردفًا:
– ارتاحي. انتي كل حاجة هتبقى تمام.
دثرها جيدًا بالغطاء. وخرج من الغرفة مغلقًا الباب خلفه برفق.
“بالأسفل”
تجلس هي شارده. تتردد في رأسها أحداث اليوم. لا تعي شيئًا مما يحدث. يوجد الكثير من الأسئلة تدور برأسها. لا تجد لها إجابة.
من هي تلك المرأة؟
ومَن تلك الفتاة وصغيرها؟
ما علاقة كل هذا بذلك المدعو فؤاد الذي قام باختطافها من قبل؟
ما الذي كان يعنيه سيف بحديثه معهم جميعًا؟
وهل الأمر بتلك الأهمية والخطورة حتى يحدث ذلك التوتر بينهم؟
كل شيء غامض جدًا. لا تجد إجابة لأي سؤال منهم.
وكل هذا ولا تفهم ما الذي حل بأسر. فهو كالعادة أكثرهم ثباتًا. لا يفهمه أحد. دائمًا ما يكون غامضًا بكل شيء. ولكنها ستكون معه للنهاية.
أفاقها من شرودها على صوته الثابت القوي المطعم بالألم التي شعرت به في صوته:
– تعالي يا ريناد.
نظرت له تارة، وإلى يده الممتدة إليها تارة أخرى. يبدو أنه سيصيبها بالجنون قريبًا. فمن المستحيل أن يكون طبيعيًا.
نفضت كل تلك الأفكار من رأسها رافعة يدها له، ممسكة بخاصته دون أدنى كلمة.
خرج متجهًا بها نحو السيارة.
منطلقًا إلى مكان مجهول.
في “فيلا حاتم أبو المجد”
يجلس هو على البار الخاص الملحق بفيلته. يُشعل سيجارته. يُنفس بعض الأنفاس منها شارداً. يفكر في كل شيء يحدث منذ فترة. منذ تلك الليلة التي ذهبت فيها مني إلى فؤاد.
قاطع شروده صوت إحدى الخادمات لتخبره بوجود امرأة في انتظاره بالخارج.
نظر لها باستغراب مردفًا:
– واحدة؟ واحدة مين؟
لتردف الخادمة:
– مقالتش هي مين.
حاتم:
– روحي انتي وأنا جاي.
أومأت له بطاعة ذاهبة من أمامه على الفور.
ليردف متعجبًا:
– واحدة مين دي كمان؟ هي ناقصة؟ يلا أهو دلوقتي أعرف.
أنهى جملته متجهًا إلى الغرفة التي تجلس بها تلك المرأة.
“بغرفة الاستقبال”
حيث تجلس هي بأنتظاره.
تجلس على المقعد وقسمات القلق محتلة وجهها.
وفور دخوله وقعت عينيه عليه.
ناظرًا لها بتعجُب.
هل جُنَّت تلك المرأة أم ماذا؟ منذ متى وهي تأتي إلى هنا؟
وسريعًا ما تحولت نظرته من التعجُب إلى الغضب.
مردفًا بخفوت:
– أنتي اتجننتي؟ أنتي إزاي تيجي هنا وكمان من غير ما تقولي؟
لتردف هي الأخرى بصوت خافت:
– مش وقت كلامك الفارغ دا دلوقت. فيه مصيبة.
قام حاتم بدفعها نحو المكتب سريعًا مردفًا:
– طب ادخلي على المكتب نتكلم.
دلف كلاهما إلى المكتب.
ليردف حاتم سريعًا:
– إيه اللي حصل؟
رفعت مني الهاتف أمام وجهه.
نظر هو إلى الهاتف لتقع عينه على صورة تجمع بين فؤاد وهو يعانق سيف.
وكانت الصدمة عندما اكتشف أن الصورة كانت بداخل قصر الشريف.
عند “أسر وريناد”
وبعد ما يقارب ساعة ونصف من القيادة وقفت السيارة.
طوال الطريق لم يردف أي منهما أي كلمة.
نظرت هي حولها لم تجد شيئًا سوى الظلام.
لا ترى أي شيء.
بالكاد ترى أسر.
لتخرج أخيرًا من فقاعة الصمت تلك مردفة:
– أسر، إحنا فين؟ إيه الظلمة دي؟
ضغط على يدها يبث بداخل قلبها الأمان وأنه بجانبها مردفًا:
– متخافيش. انزلي.
مجرد وجوده فقط يجعلها تشعر بالأمان. ولكنها تريد أن تفهم ما يحدث.
لتفيق على صوته من جديد مردفًا:
– يا بنتي انزلي.
هبطت من السيارة لتداعب وجنتيها نسيم الهواء البارد.
صوت ماء بحيرة لا تدري.
نظرت حولها الرؤية معدومة. لا تستطيع رؤية أي شيء. حتى وجهه اختفى بين الظلام. ولكنها تشعر بيده الممسكة بيدها يسير برفق يحثها على السير خلفه.
توقف فجأة.
مرة ثانية، ثانيتان، ثلاث.
حتى امتلأ المكان من حولها بالأنوار. ساحة دائرية كبيرة بمنتصف البحر مليئة بالورد والشموع والأنوار التي انعكس ضوئها على المياه لتصنع منظرًا خلابًا ساحرًا.
نظرت حولها بانبهار.
يبدو أنه هو عوض الله لها.
وبدون أي مقدمات ألقت بنفسها داخل أحضانه مردفة بأعين دامعة:
– أنا بحبك قوي. مكنتش أتخيل إني أقولها لحد ولا كنت أتخيل إن ممكن حد يعمل عشاني كدا.
دفع يديه بدوره يحاوطها بقوة دافنًا وجهه برقبته، مستنشقًا عطرها الذي يشبه رائحة الفراولة.
مردفًا بخفوت:
– مفيش غيرك يتعمل عشانه. أنتي سلطانة في مملكة العقرب.
ابتعدت عنه ببطء تنظر إلى عينيه الليتينين اللتين يملأهما الحزن.
ولأول مرة يرى شخصًا ما يكمنه العقرب بداخله.
لتخرج صوتها مردفة كلمة واحدة:
– ليه؟
نظر لها متصنعًا عدم الفهم:
– ليه أيريناد؟
– مش العقرب اللي يجي حد قدامه وميبقاش فاهمه. ليه بعد اللي حصل النهاردة أصرت وجبتني هنا؟
ابتسم لها ابتسامة ذات مغزى مردفًا:
– وأيه اللي حصل النهاردة؟
هزت كتفيها كعلامة على عدم معرفتها مردفة:
– معرفش حصل إيه. وميهمنيش أعرف قد ما يهمني أعرف الحزن اللي احتل عينك دا ليه. وليه برضه جبتني هنا؟
حاوط أسر وجهها بكفيه ناظرًا لزرقاوتيها:
– كان لازم أول يوم في حياتنا يبقى مميز. يكن كل اللي حصل ده بإيدينا فرصة تانية نبدأ بيها. وأنا مش عاوز حاجة غير إني أشوفك سعيدة.
نظرت له ريناد قليلًا.
حتى خرج صوتها مردفة:
– اممم. نبدأ حياتنا. وسعيدة. تمام. بس نبدأها على طريقتي.
لم يستطع منع تلك الابتسامة التي تسللت إليه عنوةً من طريقتها الطفولية:
– وأنا معاكي يا ستي زي ما أنتي عاوزة.
نظرت له مردفة:
– معايا في أي حاجة؟
ليومئ لها بإيجاب مردفًا:
– أي حاجة.
قفزت بسعادة.
لتميل تنزع حذاءها وتضعه على الأرض.
نظرة له بأعين بريئة تشبه القطط مردفة:
– عاوزه رمل.
نظر لها بتعجب مرددًا كلمتها:
– رمل؟
ريناد:
– أيوه عاوزه أمشي على الرمل.
ليضحك على براءتها مردفًا:
– ماشي يا ستي تعالي.
ذهب بها إلى شاطئ تلك البحيرة.
جلست على الرمال نظرت له مردفة:
– اقعد.
جلس بجانبها يحاول أن يفهم ما الذي تفعله.
ولكن فاجأته يدها التي جذبت رأسه تريحها على قدميها مردفة بشرود:
– البحر ده أحسن مكان تلجأله لما تبقى مهموم وحزين. بنشكيله همومنا ووجعنا وبنبوح له بكل حاجة قدامنا وياخدها في جوفه ويحافظ للسر. هو صديق بنلاقيه في الوحدة وبنلاقيه في كل وقت. بيجدد جوانا حاجات ويصلحها، بيدأوينا ويمتص حزننا.
نظرت له بابتسامة تمررها أصابعها في خصلاته البُنية مردفة بحنان:
– انسى ولو لمرة إنك العقرب الجامد اللي محدش يعرف عنه حاجة. طلع اللي جواك. واعرف دايماً إني جنبك بقويك بالقوة اللي باخدها منك. قوي ضعفك قدام نفسك ودوس عليه. لأنك طول ما أنت بتداريه هيخونك في يوم ويظهر قدام الكل.
– ……
في تمام الساعة 1:24
وبأعلى إحدى المنحدرات يقف هو يصرخ بوجهه.
لأول مرة يخرج بها عن شعوره وفقاعة بروده واتزانه.
يصرخ بأعلى صوته مردفًا:
– مقولتليش ليه يا غبي إنها هتبقى هناك؟
ليصرخ الآخر بوجهه:
– مكنتش أعرف إنها عايشة.
رواية في حبه رأيت المستحيل الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سارة شريف
جلست على الرمال ونظرت له مردفة بابتسامة:
– أقعد.
جلس بجوارها يحاول فهم ماذا تفعل، ولكن فاجأته يدها التي جذبت رأسه تريحها على قدميها، جاعلًا جسده يستريح على تلك الرمال الرطبة. علها تهدئ من احتراق روحه التي تعلم بأنها تتألم الآن.
نظر إلى البحر بشرود، مردفًا:
– شايف الأنوار دي طايفة إزاي على البحر؟ أهو همومنا ووجعنا بتطوف كدا على وش البحر لحد ما تيجي شمس يوم جديد وتغرق كل دا جواه. عارف، أهو البحر دا أحسن مكان تلجأ له لما تبقى مهموم وحزين، بنشكي له همومنا ووجعنا وبنشارك فيه أفراحنا، وبنطلع كل حاجة قدامنا وياخدها في جوفه وحافظ للسر، هو صديق بنلاقيه في الوحدة وبنلاقيه في كل وقت، بيجدد فينا حاجات ويصلحها، بيداوينا ويمتص حزننا.
نظرت له بابتسامة، تمررها أصابعها في خصلاته البنية، مردفة بحنان:
– انسي ولو لمرة إنك العقرب الجامد اللي محدش يعرف عنه حاجة، طلع اللي جواك، واعرف دايماً إني جنبك بقويك بالقوة اللي باخدها منك. قوي ضعفك قدام نفسك ودوس عليه، لأنك طول ما أنت بتداريه هيخونك في يوم ويظهر قدام الكل.
كان ينظر إلى البحر شارداً، وقد لامست كلماتها البسيطة. وكأن العالم يأبى رؤيته سعيداً.
أردف بشرود:
– ما أجمل كوني مثل البحر، لا يوجد من يعرف أسراري، سواي خارجي هادئ وأنيق، وبداخلي عالم عميق.
نظرت له مقررة مجاراة الحديث معه بنفس طريقته، مردفة:
– يبقى البحر ونسيمه هو الملجأ والمقصد الوحيد حين لا تجد قلبًا يستوعب وجعك.
– شاكً البحر باضطراب خواطري، فأجابني برياحه الهوجاء.
– البحر يغرق كل ما يُلقى فيه.
– أمرتني بركوب البحر أقطعه، غيري لك الفضل أخصه بذا الداء.
– ما أنت نوح فتنجيني سفينته، ولا المسيح أنا أمشي على الماء.
– لا أركب البحر أخشى، على منه المعاطب.
– طين أنا وهو ماء، والماء في الطين ذائب.
– فلتذب أوجاعنا فيه لتتجدد أرواحنا.
– وكفاية بقى، أنا واحدة تعليمي على قدي.
اعتدل في جليته ونظر لها ضاحكًا، مردفًا:
– لا على قدك إيه بقى. دا أنا اللي على قدي.
ضحك كلاهما، لتتلاقى زرقاوتيها مع عينه البنية، واضعة كفها على لحيته، مردفة:
– آسر، أنا بحبك، وميهمنيش حاجة قد ما يهمني إني ما أشوفش الوجع دا في عينك.
ضمها إليه بقوة، وكأنها خلقت لتكون دواء لأوجاعه.
القليل من الوقت حتى كان كلاهما أمام القصر.
نظر لها مردفًا:
– اطلعي أنت وأنا هعمل حاجة وأرجع.
– رايح فين دلوقتي؟
– مش هتأخر.
– يالا.
هبطت من السيارة، ناظرًا لها حتى اختفى طيفها. اتجهت إلى القصر، مردفة:
– يا رب احميه.
في تمام الساعة 1:24.
وبأعلى إحدى المنحدرات يقف ببرود، صامدًا ظهره على السيارة. نظر لساعته بملل وبدأ العد: 3، 2، 1.
وفي نفس اللحظة روى صوت إطارات السيارة نتيجة احتكاكها بالأرض. هبط من السيارة سريعاً، نظر له قليلاً حتى تقدم منه يقف بوجهه، ناظرًا إلى عينيه، صارخًا بوجهه لأول مرة يصرخ بوجهه هكذا، ولأول مرة لا يستطيع السيطرة على أعصابه، خارجًا عن فقاعة بروده واتزانه.
نظر له صارخًا بألم:
– مقولتليش ليه يا غبي إنها تبقى هناك.
نظر له مردفًا:
– مكنتش أعرف إنها عايشة.
نظر له باستغراب، مردفًا:
– يعني إيه؟
– يعني...
وبدأ بالشرح له ما حدث وما سيحدث.
بعد قليل من الوقت.
نظر له مردفًا:
– يعني هي تظهر كأنها فاقدة الذاكرة ومتعرفش حد، فينادينا متقربش منها، وأنت مش محتاج أقولك تعمل إيه، أنت تعرف تلاعبهم كويس.
نظر إلى الفراغ نظرة مرعبة، مردفًا:
– ألعابهم دي هم اللي هيلاعبوا نفسهم.
وسريعًا ما تحولت نظرته إلى نظرة خبث، وتلك الابتسامة الخبيثة التي تعلو ثغره، مكملاً:
– هانت يا صاحب.
نظر له الآخر بصمت. كاد أن يرحل حتى استوقفه صوته المنادي باسمه.
– أسر.
التفت له ناظرًا له بصمت حتى أكمل الآخر مردفًا:
– مكنتش أعرف إن ليها أخت، ترام أنا فكرتها، هيسيب كل حاجة لوقتها يا فؤاد.
آه، ابعد كوثر عن سيف وعرفها إن العقرب لما يقول كلمة ينفذها، وهي عارفة أنا عملت إيه.
ذهب من أمامه عقب إنهاء حديثه، مباشرًا منطلقًا بسيارته من المكان.
نظر الآخر أمامه بحزن قبل أن ينطلق بسيارته هو الآخر.
عند سيف وحبيبه.
كان يجلس شارداً بين الأنوار الخافتة والزهور منتشرة حوله بمظهر خلاب. تجلس بجواره حبيبه التي كانت تنظر له بحزن، مردفة:
– ممكن أفهم مالك؟
أغمض عينيه بألم، مردفًا:
– مالي يا حبيبة، مالي، أنا فيا كثير قوي بس للأسف مبتحكيش. وجع كبير قوي في قلبي.
كانت تنظر له بحزن، تتمنى لو أنها تستطيع انتشال ذلك الألم من قلبه.
كاد أن يخرج صوتها، ولكن أوقفها صوت مكابح سيارة ما تخرج منها تلك السيدة.
نظرت إلى ملابسها بتفحص، فحقًا كانت لافتة للانتباه بذلك الحذاء ذو الكعب العالي، وبنطالها الجلدي الأسود الذي كان يلتصق بجلدها بالفعل، وذلك البلدي الأسود ذو الحمالات الرفيعة، وشعرها المنطلق دون أي قيود.
نظرت لها حبيبة باستغراب وتقزز من هيئتها المتصابية تلك. أما سيف الذي نظر لها بوجه خالي من التعابير، حتى خرج صوتها مردفة بخبث:
– كدا برضوا يا عريس؟ متقولش لماما، بس أنا مش زعلانة منك.
اتسعت حدقتا حبيبة، بينما نظر لها سيف ببرود، مردفًا:
– أمي ماتت من زمان.
اختفت تلك الابتسامة الصفراء التي كانت تحتل وجهها، مردفة:
– بنتي فين؟
نظر لها بنفس البرود، دافنًا ذلك الألم الذي يزداد بداخله، مردفًا:
– معرفش. أنت مش عارفة بنتك فين؟ أنا أعرف.
وأفضلي بقى من هنا، أظن قلة ذوق وقفتك هنا دلوقتي.
نظرت له بغضب، صاعدة لسيارتها، مردفة:
– ماشي يا سيف، بكرة تشوف.
أغلقت باب السيارة بغضب، منطلقة بسيارتها بعيدًا.
أما حبيبة، ظلت تنظر للسيارة بصدمة حتى اختفت، لتعيد النظر إليه.
صرخت بفزع عندما رأته مستندًا بكفه على الأرض، يضع الآخر على قلبه بألم.
– سيف، مالك؟ سيف.
كانت الصورة تتلاشى من أمامه رويدًا رويدًا حتى اختفت تمامًا. سقط أرضًا مغشيًا عليه.
في “قصر الشريف”.
دَلفت ريناد إلى غرفة ملك، وجدت رأسها المدفونة داخل الوسادة. اقتربت منها تمرر يدها في خصلاتها بحنان، حتى لاحظت وتيرة أنفاسها المرتفعة. وضعت يدها على رأسها، مردفة:
– ملك، أنتِ صاحية؟
نظرت لها الأخرى بتلك العينين الحمراوين من كثرة البكاء. ضمتها ريناد بقلق، مردفة:
– في إيه يا حبيبتي؟ مالك؟
ضمتها ملك بقوة، دافنة وجهها بداخلها، مردفة بتقطع من بين شهقاتها:
– أنا، أنا شرفتها، صح؟ والله العظيم شرفتها. طب أزلي شفتها بين إيديه؟
دَفعتها عنها بعنف، مكملة بصراخ، وأبت عينيها التوقف عن ذرف الدموع:
– شرفتها غرقانة في دمها، ميتة، عارفة يعني إيه ميتة؟
وبدأت تضحك بهستيريا مفرطة، بينما تنظر لها الأخرى باندهاش وقلق من تلك الحالة التي هي بها الآن.
وجع وقرف وحزن، هذه وكل دا وهي عايشة، كان حد يتخيل حصل إيه.
هدمت كل شيء، تقع يديها عليه أرضًا، صارخة:
– لا، محدش يتخيل، هيتخيل إيه؟ فهميني؟ هيتخيل إيه؟
أسرع الجميع إلى الغرفة بفزع. نظر لها جون يشير إلى جين. تقدمت منها جين، مكبلة حركتها ليقوم هو بغرز الإبرة في جسمها، ليتراخى جسدها بين يدي جين. قام بحملها ووضعها على الفراش، بينما هي تهذي ببعض الكلمات وهي بين الوعي واللا وعي، مردفة بهذيان:
– شوفتها، ماتت، دم، نار.
ظلت على هذا الوضع دقائق حتى غابت عن الوعي.
نظر جون إلى ريناد، مردفًا بتساؤل:
– إيه اللي حصل؟
– معرفش، أنا جيت لقيتها بتعيط، وبعدها قعدت تزعق وتقول كلام غريب زي شفتها، وغرقانة في دمها، وعايشة إزاي.
ثم نظرت بغموض إلى دينا التي كانت تقف بالخلف، واتت سريعًا عند سماعها لذلك الصراخ.
نظر لهم جون بجدية، مردفًا:
– خلاص يا جماعة، هي كويسة، سيبوها ترتاح. جين، روحي أنتِ العربية تحت.
أومأت له جين، تاركة الغرفة. خرج الجميع من الغرفة، وخلفهم جون الذي ظل ينظر لها بحزن طويلًا وخرج مغلقًا الباب خلفه.
أما ريناد، كانت تسير شارده، ليفيقها صوت هاتفها المعلن عن تلقيها مكالمة. نظرت للهاتف باستغراب، لتجدها حبيبة. ضغطت زر الرد، وقبل أن تنطق حرفًا واحدًا، استمعت إلى صوتها الباكي، مردفة:
– ريناد، إلحقيني، سيف أغمى عليه وأنا مش عارفة أعمل إيه.
– طب أهدي، أهدي وأنا هتصرف. أنتِ فين؟
– في *****.
– طب أهدي أنتِ وأنا هتصرف.
أغلقت الخط سريعًا، محاولة مهاتفة أسر ولكن دون جدوى.
بدلت ملابسها سريعًا، راكضة نحو السيارة، منطلقة بها نحو ذلك المكان. لتأتي سيارة من خلفها تحاول إيقافها. تجاهلتها، تزيد من سرعة السيارة، قاطعة طريقها، متوقفة أمام سيارتها، وهذا كان آخر ما تذكره.
بينما كان سيف وحبيبه في سيارة أسر متجهين إلى المشفى. وعند وصولهم، دلف، أتى إليه الأطباء سريعًا وقاموا بفحصه.
بعد مدة، خرج الطبيب، مردفًا:
– هو المريض دا مريض قلب.
نظر له أسر باهتمام، مردفًا:
– لأنه؟
نظرت له حبيبة:
– هو كويس؟
نظر لها بحزن، مردفًا:
– أزمة قلبية. للأسف القلب حالته خطيرة جدًا، ولازم يتحمله زرع قلب في أسرع وقت. المريض بقاله فترة كبيرة بيعاني من مشكلة في القلب وحالته خطيرة جدًا. والتمني نلاقي قلب بالمواصفات المتطابقة مع الحالة.
شهقة فلتت من فمها، تستند على الحائط حتى لا تسقط.
بينما هو يحاول استيعاب ما استمع له.
بعد وقت طويل، أخذها أسر إلى منزلها وعاد للمشفى من جديد.
في صباح اليوم التالي.
في فيلا الرحماني، فيلا ذات أساس عريق. دَلفت سيارتها السوداء تتبعها سيارتان من الحرس. دبت قدميها على الأرض، واضعة نظارتها السوداء بجبروت. نظرت له، مردفة:
– شكلك كنت مرتب لكل حاجة.
نظر لها وعلى وجهه ابتسامة جانبية، مردفًا:
– وتلاقيني دائمًا جاهز.
تحركت بانسيابية، متجهة إلى الداخل، تاركة حذائها يقرع على الأرض بجبروت. حان الوقت لعودة عهدها من جديد.
تجلس متكورة بخوف في أحد الجوانب، تجلس بهذا الوضع منذ أن فتحت عينيها. ماذا أتى بها إلى هنا؟ لحظة تستمع إلى خطوات تقترب من الباب، ضمت نفسها بقوة وهي تستمع إلى الباب يُفتح.
دَلَف للغرفة التي بها، وعلى محياه ابتسامة شر، مردفًا:
– ما لو الحلو خلي، ليه دا؟ ليه؟ الوقت قدامنا كثير يا قمر.
نظرت له بغضب، وقد اختفى الخوف من عينيه.
– بقا العيون الحلوة دي تبصر البطة الوحشة دي؟ دا حتى عيب.
– أنت مين وعايز مني إيه؟
– لا هو من ناحية عايز، فأنا عايز حاجات كثير.
نظر له نظراته القذرة، حتى رفعت يدها تهبط بها على وجهه بكل قوتها، مردفة:
– اتعود قبل ما تقول حاجة، أتأكد إذا كنت قدها ولا لأ، عشان شكلك ميبقاش وحش كدا يا حلو.
قبض بيده على شعرها من فوق الحجاب، حتى تألمت، مردفًا:
– تحبي أوريكي قدو ولا لأ؟
هزت كتفيها بلا مبالاة، مردفة بسخرية:
– مش هتقدر، هتخاف يا حاتم بيه.
فبضته على حجابها، ناظرًا لها بصدمة، كيف عرفت اسمه؟
– لالالا، إيه مستغرب؟ ليه كدا؟ ما أنا مرات العقرب برضه، أكيد يعني اتعلمت منه حاجة.
خرج على الفور، مغلقًا الباب بالمفتاح خلفه.
بينما نظرت هي إلى الباب بخوف، وقد تلاشت نظرة القوة المزيفة تلك.
في “فيلا المنياوي”.
يجلس على المكتب وداليا بالمقعد المقابل له، مردفة:
– يا فؤاد، كل حاجة طلعت غلط، مقتلتوش. بابني رد عليا بقا من امبارح، بكلم فيك، يشوه بقا، يا فؤاد.
رفع نظره لها أخيرًا، مردفًا:
– عاود أي يا داليا؟ عواني لأقولك عملت إيه. هامد حقي منه.
نظر لها بشر، مكلمًا:
– مقتل ابنه قدامه، واذبحه ذي ما ذبحني في ظهري، مقتله قدام عينيها وأوجع قلبها زي ما أوجعت قلبي، وتقتلها وأكوي جرحي بالنار.
هبت داليا، مردفة بصراخ:
– فؤاد، فوق، أنت جننت، فوق بقا، حرام عليك.
صرخ بها، مردفًا:
– داليا، كفاية بقا كلام في الموضوع ده.
– بس...
قاطعها، مردفًا بصوته الجوهري:
– داليا، مش عاوز أسمع كلمة تانية، فاهمة.
ترك لها المكتب وخرج، بل خرج من المنزل بأكمله.
ذهب الجميع إلى المشفى باكرًا بعد علمهم بما حدث لسيف، ولم يلاحظ أحد إلى الآن اختفاء ريناد.
وعند دخولهم، وجدوا المكان في حالة هرج ومرج، الأطباء يركضون لداخل غرفته.
أوقفت حبيبه إحدى الممرضات، مردفة بقلق:
– هو في إيه؟
أجابتها وهي تركض، مردفة:
– المريض نبضه وقف.
رواية في حبه رأيت المستحيل الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم سارة شريف
أوقفت حبيبة إحدى الممرضات مُردفة بقلق:
– هو في أي؟
أجابتها وهي تركض للداخل مُردفة:
– المريض نبضه وقف.
صدمة حلت على الجميع. صمت المكان. ألم غزي على قلوبهم.
أستندت على الحائط بيدها محاولة الوقوف، لكن لم تقو على ذلك لتتهاوى قدمها.
لتأتيها يد أحمد من خلفها مخبئاً لها داخل صدره مُردفاً:
– متخافيش، هيبقي كويس.
لم تكن في حالة تسمح لها بالرد، فقد اكتفت بالاستماع تدعو ربها أن ينجيه.
بعد وقت ليس بقليل، خرج الطبيب إليهم مُردفاً:
– متخافوش، النبض رجع.
كاد أن يذهب أمامهم ليستوقفه صوت أسر الجامد مُردفاً:
– عاوزك في مكتبي يا دكتور.
ثواني حتى كان كلاهما بالمكتب.
نظر له مُردفاً:
– حالته أي بالتفصيل.
نظر له الآخر باحترام مُردفاً بعملية:
– المريض بقاله فترة بيعاني من مشاكل في صمامات القلب الأربعة.
الصمام التاجي.
الصمام ثلاثي الشرفات.
الصمام الرئوي.
الصمام الأبهري.
ولكل صمام فيهم يفتح ويغلق مع كل نبضة قلب، ولما تحصل مشاكل في البوابات الصغيرة دي، فبيحصل خلل في عملية ضخ الدم الطبيعية من وإلى مناطق الجسم، ودا بيأثر على الجسم.
والواضح قدامي إنه كان بياخد علاج ليهم بس للأسف مش جايب أي نتيجة.
ولا زم عملية زرع قلب في أقرب وقت ممكن لإن في خطر كبير على حياته.
نظر له بثبات مُردفاً:
– تقدر تمشي.
رحل الطبيب من أمامه سريعاً.
بينما هو وضع يده على رأسه ضاغطاً على خصلانه البنية مُردفاً بغضب مكتوم:
– غبي، غبي مقاليش ليه.
خرج على صوت الضجة بالخارج مُردفاً بحده:
– في أي؟
أوقف الكلمات بحلقة رؤيته لها ملقية على الأرض بحالة يُرثى لها.
اتجه نحوها مسرعاً حاملاً لها بين يديه مُتجهاً بها إلى إحدى الغرف بالمشفى ليضعها على الفراش بحزن.
الجميع يقف أمام الباب ينظر لها بشفقة.
كاد أن يبتعد ليستمع إلى هذيانها المتقطع:
– أسر.. ماما.. دينا.. شوفتها.
لتغرق تلك الصغيرة في ظلمة أفكارها المشتتة.
نظر إلى جون مُردفاً:
– خليك معاها، أنت عارف هتعمل إيه.
– حاضر.
ذهب من أمامهم.
أوقفه صوت إيمان مُردفة:
– هي ريناد فين؟
نظر لها باستغراب مُردفاً:
– يعني إيه فين؟
– أنا مش شفتها من امبارح وفكرتها معاك لما ملقتهاش في البيت، بس جيت هنا ومش لقياها برضه.
– إنتي بتقولي إيه؟ أنا وصلتها بنفسي بليل.
ذهب من أمامها مسرعاً.
مر حوالي ساعة من البحث عنها.
حتى صدح صوت هاتفه في المكان معلناً عن تلقيه اتصالاً من شخص ما مجهول.
ضغط زر الرد سريعاً واضعاً الهاتف على أذنه ليأتيه صوت ما مُردفاً:
– ……….
لحظات وأغلق المتصل الخط دون أن يعطيه فرصة للرد.
أغمض عينيه بقوة قبل ضغطه على بعض الأزرار مُردفاً بغضب دفين:
– إلى قولتلك عليه يتنفذ دلوقتي.
أغلق الخط دون أدنى كلمة أخرى.
يخرج من المشفى متجهاً إلى المجهول.
بمكان آخر نسلط عليه الأضواء لأول مرة.
تضع الهاتف على أذنها تتحدث بثقة:
– اللي إنتي عايزاه هعملهولك.
– يا مهرتي، إنتي أقوى من كدا، إنتي نسيتي ولا إيه؟
– يا حبيبتي عارفه، متقلقيش، ظهور السلطانة هيعطلهم كل حاجة.
– وانتي فاكرة إني مش عارفة؟ المهم إنك تقوي قلبك، مش تحطي الخطة وترجعي لورا.
– باي يا مهرتي.
بالمشفى.
وبعد مرور ما يقارب الساعة.
الجميع يقف بقلق فقد علموا باختفاء ريناد ومحاولات البحث الفاشلة عنها.
بينما كان جون بالغرفة التي بها ملك يتحدث بالهاتف.
Yes, my dear, the end is very near.
I know that they know she’s gone now. . but they won’t be able to find her.
It wouldn’t occur to them that I had any interest in it.
No, don’t talk to him, it’s enough.
Yes, you will help us a lot. . I have to close now, before anyone suspects me.
أغلق الخط متجهاً نحو ملك يربت على شعرها بحنان، غافلاً عن تلك التي استمعت لحديثه.
بالخارج تجلس داليا بحزن لا تعلم لما يحدث كل هذا من حولها.
إلى أين العالم جعلها سعيدة ولو قليلاً بعد أن علمت بمدى خطأها وقررت بدء حياة جديدة، انقلبت جميع الأمور بلحظة واحدة.
مرض سيف وظهور دينا وحياة السلطانة واختفاء ريناد أيضاً، إلى أين سيصل كل هذا بهم؟
قاطع شرودها صوت معاذ اللاهث مُردفاً:
– أي اللي حصل؟
نظرت له بزرقاويها التي يلمع بها الدمع وقد خانتها عيناها، مسقطة تلك الدمعة الحارقة، تلتها دموع حارقة تسقط بلا توقف.
بالطبع يتفهم ما تمر به هي الآن، رافعاً يده ليربت عليها.
ليتفاجأ بها داخل أحضانه باكية.
ربت عليها مُردفاً بهدوء:
– كل حاجة تبقي تمام، متقلقيش.
مر يوم كامل ولا يوجد لها أثر.
يكاد يفقد عقله، زوجته مفقودة ولا يستطيع أن يعلم أين هي.
ولكنه سيعيدها مهما كلفه الأمر.
صدمة أخرى حلت على الجميع وكل منهم يحاول استيعاب ما تفوه به ذلك الأحمق الآن.
نظر له الطبيب بحزن مُردفاً:
– أنا آسف، مقدرناش نعمل له حاجة.
حالته كانت متأخرة جداً.
دخلنا والقلب كان واقف كلياً.
البقاء لله.
تداهم رأسه والرؤى تتلاشى من حوله حتى اختفت تماماً.
كاد جسدها يلامس الأرض ولكن يداه كانت الدرع الحامي لها كما كانت هكذا طوال السنوات الماضية.
تلتها حبيبة التي سقطت أرضاً هاربة من ذلك الواقع المرير.
والجميع يقف في حالة من الذهول لا يقوى حتى على الحراك.
في صباح اليوم التالي.
يقف وهو ينظر للشاشة بذهول، فما كانت الصدمة بالهينة عليه أيضاً.
صدمة تلو الأخرى، فهو أيضاً لا يقوى على تحمل تلك الصدمات.
والتي كانت بدايتها:
خبر وفاة سيف النهار رجل الأعمال المشهور.
والقبض على فؤاد المنياوي بتهمة قتل سيف النهار.
ظهور سلطانة الاقتصاد لأول مرة على الشاشة والتي لم تكن سوى حياة.
أسبوع مر حدث به الكثير من الأحداث وما زال لم يجد أحد أي أثر لريناد.
فقدان ملك النطق بعد معرفتها لحياة والدتها وموت سيف الذي لم يخطر لأحد على بال.
تدهور حالة رودينا الصحية بعد موت أخيها واهتمام معتز بها.
دخول داليا في حالة اكتئاب حاد منفصلة عن العالم الخارجي.
ودينا التي لم تستوعب إلى أن كل هذا قد حدث.
جومانة وإيمان الاثنتان تبكيان بلا توقف.
وبرك الذي لم يتوقف ولو للحظة عن البحث عن ابنته المفقودة.
ونورا التي محاصرة بين صديقتها والتي وصلت إليه بعد موت زوجها وفقدان صديقتها الأخرى.
وأخيراً أسر الذي يحاول الصمود إلى الآن أمام كل هذا، باحثاً عن زوجته بلا توقف، محاولاً إنقاذ الجميع، متحملاً كل تلك الأشياء على عاتقه.
تجلس مكبلة اليدين ترتجف من شدة الخوف.
تنظر إلى تلك الغرفة المظلمة المحتجزة بها منذ أسبوع، لا تدري ماذا يريد منها أولئك الأفاعيل.
تستمع لصوت يأتي من الخارج، يبدو أن أحدهم يفتح الباب.
ليأتيها ضوء بسيط من تجاه الباب لتجد نور شديد عم بالغرفة بأكملها لترى عينيها الضوء لأول مرة منذ أسبوع.
لتغمض زرقاويها عدة مرات حتى تتأقلم على ذلك الضوء.
لينظر لها ذلك الشخص الواقف أمامها بسخرية مقترباً من وجهها مُردفاً بنبرة تشبه فحيح الأفاعي:
– بقا أنت بقاا نقطة ضعف العقرب اللي دايخ عليها بقاله أسبوع يا حرام؟ دا سايب كل حاجة وداير لف عليكي يا قطة؟ أنا مش عارف أنت جيتيلي منين.
ليبتسم بشر مُردفاً:
– وأنا أكسره بيكي وقدام عينه يا قطة.
هم بس مستثنيه يفوق من صدمته ويروق كدا.
استمتاعه شيء مطلوب ولا إيه؟
يأتيه صوت أنثوي واثق من خلفه مُردفة بنبرة تشوبها السخرية:
– بس ليه متخلقش اللي يكسر العقرب؟
ولو كنت تقدر كنت عملتها من زمان.
مش تستنى تنتقم بواحدة ست.
نظر خلفه باستغراب وقد دبت كلماتها الرعب في قلبه ليرى امرأة برداء أسود لا يظهر منها أي شيء سوى عينيها الزرقاوان المشابهة لتلك المقيدة أمامه.
وقع عينا خلفها ليرى الرجلين ساقطين أرضاً فاقدين للوعي أمام الباب.
بعد لها ببصره من جديد يحاول استنتاج من تكون هي تلك المرأة.
لترفع هي الوشاح من على وجهها ليتضح له وجهها وابتسامة السخرية التي تعلو ثغرها.
اتسعت عيناه بصدمة مُردفاً بعدم استيعاب:
– ريناد.
ضحكة استهزاء خرجت من تلك التي خلفه بعد أن فكت قيدها سريعاً مُردفة بسخرية:
– وفجأة مش قدام؟
قبل ما تخطف جد تعرف إذا كان ليه شبيه ولا لا.
بس التعليم مش ببلاش.
ينادي على الست اللي معاك دي عشان ليها حساب بسيط عندي.
ورغم عنه ناداها بصوته حتى أتت إليه سريعاً لتتملكها الصدمة هي الأخرى وهي ترى نسختين طبق الأصل من بعضهما.
ولكن سرعان ما قاطع صدمتها اصطدام رأسها برأس جين.
دي عشان تفكري في اللي عملتيه.
وأعادت كرتها من جديد مُردفة:
– ودي عشان فكرتي تأذي أختي بس حظك الأسود طلعت أنا.
ثم أعادتها مرات عدة وهي تملي عليها بعض الأشياء التي فعلتها.
إلى هنا واقتحم أسر وجون ورجاله الغرفة ودون أي مقدمات كانت بين أحضانه مشدداً عليها بيده وكأنه يريد إدخالها إلى صدره.
لا تعلم كيف علم بأنها هي ولكن كل ما كانت تحتاجه في ذلك الوقت هو دفء أحضانه التي اشتاقت لها كثيراً كما اشتاقت لعطره المميز الذي حفظته.
بينما نظر لهما كل من جين وجون ضاحكين على وضعهما الغريب متناسيان كل من حولهم.
رواية في حبه رأيت المستحيل الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم سارة شريف
إلي هنا وأقتحم أسر وجون ومجموعة من الرجال الغرفة، لحظات وكان يُحاصرها بذراعيه ضامناً لها بكل قوته، وكأنه يريد إدخالها إلى صدره. لا يعلم كيف علم بأنها هي، مع وجود جين التي ترتدي نفس ملابسها، ولكن شعوره قد قاده إليها.
أما هي، فكانت كالمُغيبَة عن الواقع، لم تتحرك، لم تُفكر، لم تفعل أي شيء سوى أن تترك الزمام لتلك المشاعر والدفء الذي تختبره لأول مرة معه. أغمضت عينيها، تاركةً لذلك الأمان الذي احتلها فور وجوده، تُرخي أعصابها من تلك الأيام السابقة التي أرهقتها كثيراً من القلق والتفكير بأخته.
بينما نظر كل من جين وجون إلى بعضهما، يحاولان كتم ضحكتهما على وضعهما الغريب، وكان العالم بأكمله لا يوجد به سواهما.
بينما تلك الخرقاء المدعوة مني، وذلك الشيطان المدعو حاتم، لم يستطيعا النطق بحرف واحد.
تنحنت جين حتى ينتبها لهم.
"احموها."
لتوها لاحظت وجودهم حولها، لتحاول الابتعاد عنه سريعاً، ولكن يده ظلت مُحيظة كتفها، تمنعها من الابتعاد.
نظر إلى حاتم ومني بابتسامة وهدوء، دبت الرعب بأوصالهم، مُردفاً بسخرية:
"مكنتش متخيل تبقي بالغباء دا بصراحة."
ليكمل باستهزاء:
"كل دي حراسة يا راجل؟"
أولى لهم ظهره، متجهاً نحو الخارج، ويده مُحاوطة كتفها، وكأنه يأبى ابتعادها. ومن ثم لحقه جين وجون.
مما أدى إلى صدمة حاتم ومني.
"هل سيرحل بتلك البساطة دون فعل شيء؟"
لتهز مني بصدمة:
"هو مشي بالسهولة دي من غير ما يعمل حاجة كدا بجد؟"
نظر حاتم إلى الباب بقلق، لم يصل إلى صوته، متمتمًا:
"العقرب يخطط لحاجة كبيرة، وكبيرة آوي كمان."
***
في مكان آخر.
تجلس هي ويداها تلمس على ظهر فهدها الصغير، بعينيه المخيفة التي تُشبه عينيها كثيراً. لتدلف إلى غرفتها صغيرتها الفاتنة، ليقع نظرها على الفهد.
لتردف مازحة:
"لا أنا أحيلك وقت تأني بقالي."
ليوقفها صوتها الحاد، المنادي باسمها:
"بيل."
لتنظر لها الأخرى بأس من طريقتها، مُتمتمة:
"يا ساتر ياشيخة، الواحد ميعرفش يهدر معاكس أبدًا."
نظرت لها ببرود، مُردفة:
"عاود أيوصلها وهي معاه دلوقت، فضلنا نشتته طول الأسبوع، لحد ما دلتاه على مكنها في الوقت اللي إحنا عاوزينه، واهي معاه دلوقتي."
"حلو أوي، اللي قولتي عليه يتنفذ بالحرف."
لتردف الأخرى بتأكيد، وهي تخرج من الغرفة:
"أكيد."
لتنظر إلى اللاشيء، مُتمتمة بخفوت:
"كل اللي أنتِ عاوزاه هيتم يا مُهرتي."
***
في «قصر الشريف».
دلفت مجموعة من السيارات إلى القصر، والتي كانت تتقدمها سيارة أسر، وبجانبه تجلس ريناد، التي لم تُرْدِف حرفاً واحداً إلى الآن. وهو أيضاً لم يُرِد الضغط عليها، واحترم صمتها، فكل ما يهمه هو أنها بخير. يعلم جيداً أن حاتم لن يجرؤ على مسها بسوء.
بالداخل، تجلس كل من إيمان وجومانا بحالة يُرثى لها، فها قد مضى أسبوع، ولم يستطع أحد العثور عليها. هرولت كل منها إليها، يحتضناها ببكاء.
بينما هي لم تُرْدِف أي حرفاً، وظلت مُحافظة على صمتها، ناظرة إلى أسر بعين شارده.
حتى خرج صوتها أخيراً، مُرْدِفه:
"عاوزة أروح لحبيبه."
نظر لها، مُردفاً بحنان:
"طب ارتياحي شوية الأول."
"عشان خاطري وديني ليها، عاوزة أشوفها."
نظر لها جون، مُتمتمًا بحُزن:
"بس، بس هي فاصلة نفسها عن كل اللي حواليها، رافضة تتكلم مع حد. اختفاؤك وموت سيف كان صعب عليها."
ظلت ناظرة لأسر بعين تلمع بهما الدمع، مُتمتمة:
"أرجوك وديني ليها."
ليؤمي لها بالموافقة. وخرج بها من القصر، مُتجهًا لمنزل حبيبه.
***
تجلس على فراشها، ضامةً ركبتيها، تنظر للفراغ بشرود.
بينما باتت محاولات والدتها في جعلها تغير وضعها وتتحدث.
بالخارج، تقف نورا، مُردفة ببكاء:
"أنا مبقتش فاهمه أي اللي بيحصل دا، ريناد مش لقينها، وحبيبه، حبيبه واجعـه قلبي أوي."
يجذب رأسها إلى صدره. يعلم جيداً أن كل ما حدث مؤخراً لم يكُن بالحسبان، ولكنه عليه الصمود حتى يستطيع الوقوف بجانب شقيقته.
ربت على ظهرها، مُردفاً بحنان:
"يحبيبتي أهدي، كل حاجة هتبقي كويسة."
قاطع حديثه عدة طرقات على الباب، ليُحاوط وجهها بكفيه، مُردفاً:
"ممكن بقا تمسحي دموعك لحد ما أفتح الباب."
تُومئ برأسها، ليبتسم لها بخفة، واتجه للباب، لتحل على وجهه معالم الدهشة، مُردفاً بتفاجؤ:
"ريناد."
وقبل إعطاء الفرصة لأي شخص منهم بالإجابة، كانت رأس ريناد مستقرة على كتف نور.
صمت المكان، لم يكسره سوى صوت شهقات نورا المكتومة. بينما ظلت ريناد تربت على ظهرها حتى هدئت، لتنظر لها مُوردفة بخفوت:
"اهدي اهدي وبطلي عياط، أنا كويسة مفيش حاجة، وحبيبه كويسة، هي بس زعلانة شوية، وإحنا لازم نبقي جامدين عشان نسندها صح."
لتُومئ لها الأخرى بموافقة.
"لتزيل الأخري تلك الدمعة التي فرت هاربة على وجنتها، يبقى تدخلي تغسلي وشك يلا."
ذهبت نورا من أمامها، بينما دلفت ريناد إلى المنزل، مُتجهة إلى غرفة حبيبه. تلاحقها عيناه بفخر لكل ما تفعله، كل تلك الفتاة التي ذهبت بعقله إلى الجحيم.
عند "ريناد".
دلفت إلى الغرفة، لتجدها متكورة على الفراش، ولم ترفع نظرها حتى.
ليخرج صوتها الرقيق:
"وأينما كُنتي، وأياً كانت حالتك، سأظل هنا، أنقذكي دائماً من الوقوع في الهاوية."
رفعت أنظارها إليها فور سماعها إلى تلك الكلمات.
لتُكمل الأخري وهي تتقدم منها، مُتمتمة بخفوت:
"أنا النصف الآخر، أنا الصديق، أنا الشقيق. ما يصل بيننا ليس دماً، لكنه قلب ميّزكِ عن جميع الأصدقاء، وسأظل هنا دائماً صديقتي، لا تهتزي، لا مكان للضعف بقلوبنا."
إلى هنا، وفرت دمعة هاربة من تلك الخضراوتان.
وضعت كفها على وجنتها، تلتقط تلك الدمعة الهاربة، مُودعة:
"في يوم من الأيام، كنتي بتقري الكلام دا، واتواعدنا أن الضعف ملهوش مكان بينا. خليتي بوعدك ليه يا صحبتي."
تبكي، نعم تبكي لأول مرة من ذالك اليوم، تبكي بكل ما يحمله قلبها من ألم، مُردفة بوهن يحرق القلوب:
"غصب عني، وأنا ببص حواليا، ملقتش حاجة. سيف مات يا ريناد، مات وسابني، بعد ما لقيته ببص حواليا ملقتهوش."
إلى هنا، حتى أجهشت بالصراخ، مُكملة:
"ليه سابني ليه؟"
"عشان ربنا عاوز كدا. (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا). بلاء هنعديه. أنتي كدا بتعذبيه، ادعيله يا حبيبتي. عارفه وحاسه وفاهمه اللي فيكي، بس صدقيني ضعفك وقعدتك دي مش هتعمل حاجة غير كسرك. فوقي يا حبيبة.. وأنا جنبك بكل الأحوال."
***
بمكتب "اللواء أحمد السعدني".
دلف فؤاد إلى المكتب وبصحته ذلك العسكري الذي قام بإحضاره، لتتسع عيناه بصدمة فور رؤيته لتلك الجالسة على المقعد أمامه.
نهض أحمد من مكانه، ناظراً لها بابتسامة ودودة، مُردفاً:
"أنا هقوم."
نهضت هي الأخرى بابتسامة، مُتمتمة بشكر:
"متشكره لحضرتك يا انكل."
ابتسم لها وغادر، وبصحته ذلك العسكري.
ابتسم ابتسامة جانبية، مُردفاً:
"لو كنت أعرف أني لما أتحبس هتجيلي، كنت قتلت من زمان."
"ومين قال إن أنت اللي قتلت سيف؟"
نظر لها مضيقاً عينه، يستمع لها بتوجس. ليتنظر له، وما تفارقها تلك الابتسامة، ولا فاكر إن مش عارفة إن دينا هي اللي قتلته، وأنت لبستها عشان تحميها."
"لا يا شيخة، ذكية ما شاء الله. أنتي فاهمة أنتي بتقولي إيه؟!"
"فؤاد."
نادته بنبرة حازمة إلى حد ما.
لتتسع ابتسامته، مُتمتمًا:
"يا أحلى فؤاد بسمعها في عمري."
"كنت زمان بتأثر بالكلام دا، بس دلوقتي خلاص."
تنهد، وهو ينظر له. ليخرج صوته بعد وقت قليل:
"أنتي عاوزة إيه يا جين؟"
"أنا عارفة إنك مقتلتش سيف، عملت كدا ليه؟"
"يعني أنتي عارفة إن مش دينا اللي عملتها."
"متقدرش تعملها يا فؤاد، لا أنت ولا."
سينظر لها بابتسامة زادت أشواقاً بعد حديثها:
"ومعنى كلامك دا إيه، إنك بتثقي فيا؟"
هبت من مكانها، مُردفة:
"أنا ماشية، بس اللي بتخططي ليه أنا هعرفه، وأظن إنك عارف كويس مين هي جين."
لحظات، وكان أحمد يدلف للمكتب من جديد. لتبتسم له، مُردفة:
"حقيقي يا انكل مش عارفة أقولك إيه."
صافحها بابتسامة، مُردفاً:
"سلميلي على بيرك."
"يوصل."
أجابته بابتسامة، وخرجت، تاركةً ذلك الذي خلفها يقع بدوامة أفكار، وكان كل ما به ينقصه تلك الفتاة التي وقع لها قلبه عاشقاً منذ زمنٍ طويل.
***
في "قصر الشريف".
أنهت إيمان من قص ما حدث لريناد على مسامع جومانا، التي ترقرت عينيها بالدموع، مُتَمْتِمَة:
"كل دا حصل ليه؟"
لتخرج نبرة إيمان التي امتلأت بالحزن:
"ريناد قابلت في حياتها كثير، بس هي فعلاً جواها قوة لتخليني فخورة أني ربيت. لما واجه أسر وطلبها مني، أوعي تكوني فكرتي أني صدقت بجد موضوع حمايتها دا، أنا مش هبله، بس لقيتها فرصة منها أحميها من معاذ وأسر. أنت كنت عارفة كويس أنه مش هيعمل ليها حاجة."
نظرت لها الأخرى باستغراب، مُردفة:
"وعرفتي إزاي؟"
"مع الوقت كل حاجة بتتعرف. إزاي أسر طلع ابن اختك."
غلف الحزن وجهها، مُتذكرة تلك الذكريات البغيضة على قلبها:
"حياة توأمي، كنا مرتبطين ببعض أوي، من واحنا صغيرين واحنا بنسمع لخناق بابا وماما."
ابتسمت بمرارة، وهي تعيد تلك المواقف برأسها.
"زي خناقاتك أنت وجوزك كدا، بس إحنا ملقناش اللي يخاف علينا من كل دا. هي تزعق وهو يزعق، وأنا نحضن بعض ونقعد نعيط من الخوف. كان أي حد فيهم بيشوفنا وقت الخناقة، كان بيبقى مصيرنا الضرب، وطبعاً مش مسموح بنات شاهين بيه الكاملي يبقوا فشلة في المدرسة."
"أيام بتعدي وسنين وراها، وأنا وهي في نفس الشيء. التوتر، الضرب، لحد ما بقي عندنا 18 سنة."
ابتعلت تلك الغصة، تحاول ألا تنهمر دموعها الآن.
"طلقوا، يقوموا يعملوا إيه؟ كل واحد فينا ياخد واحدة. كان نصيبي أنا مع ماما، وهي بابا. طبعاً محدش فيهم كان بيهمه حاجة عننا غير حاجتين. الأولى أني مكلمش حد منهم الاتنين، لا أختي ولا أبويا، وطبعاً معنديش حق الاعتراض. والتانية أني أتفوق في دراستي عشان ميشمتش هو فيها بفشلي. وأكيد هو كمان زيها، أصلهم كانوا نفس النسخة بس مش متفقين. لحد ما جالي فرصة أنتِ تدرسي في أمريكا. بصراحة لقيتها فرصة أهو أهرب من كل دا، وبصراحة هي ممانعتش، هتمانع إزاي وهي هتتباهى بتربيتها اللي تفوقت وهتكمل برا."
"سافرت وهناك اتعرفت بيرك. كان الدكتور بتاعي، حبني وحبيته. يمكن كان العامل الأساسي من الأول في حبي ليه إنه كان حنين، والغريب إنه كان مسلم."
غادرت شفتاها ضحكة صغيرة، لم تفهم الأخرى معناها.
"بيرك كلم ماما، بس رفضت رفض قاطع، ولأنهاردة معرفش كان سببه إيه، بس أنا تمسكت بيه، قاطعتني وطردتني. سافرت واتجوزته. أنا كنت بحاول أوصل لحياة باي طريقة، بس بابا كان مانع دا مانعاً باتاً، وفضلت سنين معرفش عنها حاجة، لحد ما في يوم لقيت خبر موت حياة شاهين الكاملي."
إلى هنا، ولم تستطع الصمود، لتبدأ دموعها بشق طريقها على ذالك الوجه الجميل.
انهمرت دموع إيمان هي الأخرى، وهي تربت على ظهرها.
دلف جون إلى بهو القصر، لتتسع عيناه وهو يرى والدته لأول مرة في تلك الحالة من الانهيار.
"ماما،" صاح منادياً لها، وهو يتفقدها بقلق، مُردفاً:
"حبيبتي مالك، أنتِ كويسة؟ فيكِ حاجة؟"
حركت رأسها بإنكار، مُردفة:
"أنا كويسة يا حبيبي، خايفة على ريناد بس."
نظر لها بابتسامة:
"يا حبيبتي والله هي كويسة ومفيهاش أي حاجة، واهي رجعت بالسلامة، متخافيش."
نظر لهم بابتسامة صافية نابعة من القلب. يتردد بعقلها أن كل ما حدث هذا ليهون الله على قلبها فقدانها طفلتها وعدم قدرتها على الإنجاب.
لتفيق على صوته المُتسائل مجدداً:
"ملك، أكلتي؟"
تخرج صوتها لتجيبه:
"مرضيتش، كالعادة مش بتآكل غير منك."
"خلاص أنا طالع ليها، طب أتي حد بالأكل."
ألقى جملتها وتركهم مُسرعاً، صاعداً لغرفتها.
***
دلف إلى الغرفة، ليجدها بنفس الحالة، تجلس أمام الشرفة، تنظر إلى الفراغ بشرود.
أخرجها من شرودها صوته المازح دائماً:
"يا ترى الصغنن بتاعنا بيدلع ومش راضي يأكل ليه، بس أقولك حقه يدلع، ما هو اللي يلاقي الدلع وميدلعش حرام عليه."
نظرت له دون أن تتحدث، كالعادة، فمنذ ذلك اليوم لم يخرج صوتها أبداً.
دقائق، وكانت الخادمة تدلف إلى الغرفة، وبيدها الطعام. تناولها جون من يدها، يتجه نحو تلك الأميرة الصغيرة، ليردف بمزاح:
"ها هتاكلي ولا ولا آكل أنا؟"
نظرت له بتساؤل.
ليتمتم هو ببعض الغيظ:
"كُلي كُلي يا ملك، أنا عارف إني نحس."
ابتسامة صغيرة شقت شفتيها الورديتان على حديثه الذي لا تفهم ما معناه.
لتتسع ابتسامته فور رؤيته لابتسامتها، ويبدأ بالحديث الذي لا ينتهي، وهو يلاحظ تجاوبها معه.
***
يقف مكانه، لم يتحرك ولو لإنش واحد.
هل هي على قيد الحياة؟ كيف؟ وأين كانت كل تلك السنوات؟
أسئلة احتلت عقله، نعم، فهو لم يقصد موتها، بل كان بسبب دفعة مني ليده يومها، فعل كل ما فعله من أجلها. كيف كان بإمكانه أن يكون السبب بموتها إذا؟ عاش سنوات من العذاب، وها هي أمامه على الشاشة.
تغيرت! نعم، تغيرت كثيراً.
تلك الثقة التي تتحدث بها الآن، ذلك الكيان الذي بنته لنفسها في تلك السنوات، واسمها الذي كان يدب التعجب والفضول، وأخيراً الإعجاب بكل ما حققته من نجاح.
وأخيراً جمالها الذي لم تؤثر عليه تلك السنوات التعيسة على قلبه، مازالت بعنفوانها، جمالها الذي يشبه الأميرات، تالقها واختلافها عن الجميع.
ها هي أمامه الآن.
لاجلها هي فقط، فعل الكثير. كل ما هو به الآن فعله للحصول عليها.
لم ينسى أبداً ذلك الشعور الذي اجتاحه حين أدرك أنه فقدها للأبد. بصعوبة استطاع أن يتخطى كل هذا، وها هي الآن أمامه. لم يعد هناك من يعيقه لاكتساب قلبها.
فاق من شروده على صوت مني، التي تمتمت بصوت مصدوم:
"مش معقول اللي أنا شايفاه دا يبقى صح. لو اللي حصل زمان اتعرف، هنروح كلنا في داهية."
حاول تمالك غضبه بصعوبة، فور سماعه لصوت تلك المرأة البغيضة على قلبه، مُردفاً من بين أسنانه:
"لو مخفتيش من قدامي دلوقتي يا مني، صدقيني هتسوفي حاجات متعجبكيش."
لحظات، وكانت بالخارج بالفعل.
ليبتسم هو فور خروجها، متمتمًا بخفوت:
"نورتي حياتي تاني يا نور حياتي الأبدي."
***
مر شهر على ذلك اليوم.
تم إطلاق سراح فؤاد بعد أسبوع من ذلك اليوم. وللحقيقة، كانت جين تتوقع ذلك، فهي تعلم أن "فؤاد الميناوي" لن يظل محتجزاً لوقت طويل. ولكن سبب فعله لهذا أخذ حيزاً كبيراً من أفكارها تلك الفترة.
قضت ريناد ونورا بعض الوقت بصحبة حبيبه، التي تحسنت حالتها إلى حد ما عن ذي قبل، ولكنها لم تستطع تقبل ذلك الواقع إلى الآن. والبعض الآخر بالشركة بمساعدة داليا، وكانت الأسرع في تقبل الواقع بالطبع. كان الفضل الأكبر لمعاذ لتعويض ذلك الخلل الذي حدث بسبب وفاة سيف وانشغال أسر كثيراً، مما أثار شكوكها بأن هناك شيئاً ما يُخفيه عنها، ولكنها ستعلمه حتماً.
حاتم، والذي أصبح طريقة تعامله مع مني لا تُحتمل، لم يعد هناك داعي لبقائها، وعليه التخلص منها بأقرب وقت. هذا ما دار بعقله، محاولاً بشتى الطرق وجود طريقة يصل بها إلى مُعذبته الفاتنة.
وجون، ذلك الفتى الذي يبدو للجميع بالهدوء، وكأنه لا يحمل على عاتقه كل ذلك، ولكن هذا هو الأصلح للجميع. وملك، التي خرجت من دائرة الصمت تلك، والرجوع إلى طبيعتها. توطدت علاقة إيمان وجومانا كثيراً، ولم تستطع جومانا الوصول لحياة، التي لم تتوقف عن التنقل أبداً، افتتاح هذا مراقبة ذاك، وخصوصاً بعد معرفة الجميع من هي السلطانة.
ودينا، التي حرص أسر على إظهارها بصحبتها كم هائل من الحراس، حتى يؤكد لهم أنه يحميها من بطش فؤاد. وكانت هي أشد الخائفين من بطش أخيها. وسيف، الذي ذهب وأخذ معه قطعة من القلب، لم يعد لديها أي مبرر تبرر به لزوجها رفضها بمجيئه.
***
فتحت أهدابها الكثيفة، كاشفةً عن تلك الخضراوتان التي ذهبت بعقله إلى الجحيم. نظرت حولها باستغراب، إلى أن وقعت عينيها عليه.
"سـ.. سيف؟" هتفت بتقطع.
لم تتوقف عينيه عن تفحصها. وبدون سابق إنذار، كانت بين ذراعيه، يود أن يشعر بوجودها هو قبل أن يشعرها بوجوده. اشتاقها حد الموت. التفت يدها حول خصره بتلقائية، وهي تتمنى ألا ينتهي ذلك الحلم أبداً.
هتفت بخفوت:
"وحشتني أوي يا سيف... سبتني ليه؟"
حاوط وجهها بكفيه، مُتمتمًا بحنان:
"عمري ما سبتك، أنا كنت دايماً جنبك."
أزاح تلك الدمعة الهاربة من تلك الخضراوتان الساحرتان، مُردفاً بمشاكسة:
"بس أي الحلاوة دي يا بيبو، هو أنا سبتك انحرفتي ولا إيه؟"
نظرت هي لنفسها بتعجب، سرعان ما تحول إلى صدمة، وهي ترا أنها أمامه بذلك البدي الأخضر ذو الحمالات الرفيعة المتماشي مع لون عينيها وبشرتها البيضاء، وذلك الشورت القصير الذي بالكاد يصل إلى منتصف فخذها. سارعت بجذب الغطاء عليها، بعدما كست تلك الحمرة المُحببة وجنتيها.
ليضحك الآخر بصخب، متمتماً:
"طب مش ناويه تشوفي باقي المكان طيب؟"
مد يده لها، وبدون وعي، وضعت يدها بيده، صعد بها إلى أعلى ذلك اليخت، لتتسع حدقتاها بانبهار.
وقف أمامها، مُبتسمًا، مُتمتمًا بخفوت:
"بحبك."
ترقرت عينيها بالدموع، مُتمتمة:
"بحبك أوي."
حاوط خصرها، ذاهباً إلى مقدمة اليخت، مُلاحظاً تعلق تلك الخضراوتان به.
"إنتي بتبصيلي كدا ليه؟"
هتف بتلك الكلمات ضاحكًا.
"عشان مش عاوزه غيرك."
ضمه له بقوة، وابتعد.
"سيف متسبنيش."
هتفت به بخوف.
نظر لها مُبتسمًا، مُتمتمًا بعمق:
"عمري ما بعدت ولا هبعد، أنا دايمًا موجود هنا."
أنهى كلمته، وهو يشير باتجاه قلبها.
***
"سيف!"
صرخة دوت بالغرفة، لتفزع لها ريناد، التي كانت تقرأ إحدى الكتب بجانبها. اتجهت نحوها بقلق، مُتمتمة:
"مالك يا حبيبتي، في إيه؟"
نظرت لها بنظرات مُبهمة، تهذي ببعض الكلمات التي ميزت ريناد البعض منها:
"كـ.. كان هنا، مـ.. مشي وسابني تاني."
ضمتها إلى صدرها، مُربتة على ظهرها، مُتمتمة ببعض الكلمات المُهدئة:
"اهدي يا حبيبتي، دا كان حلم."
"والله يا ريناد، حسيت بيه... هـ.. هو قالي إنه دايمًا معايا."
وهنا، دلفت نورا إلى الغرفة، وهي تحمل بيدها بعض الطعام الذي أحضرته لها، لتقع عينيها البُنيتان على حبيبه، التي تتوسد صدر ريناد، ويبدو عليها الاضطراب الشديد. هرعت لها بقلق، مُردفة:
"مالك يا حبيبتي، فيكي إيه؟"
"متخافيش يا نوري، كان حلم مش أكتر."
أجابته ريناد بهدوء. وجلست نورا على الجهة الأخرى من السرير.
"إيه دا؟ هي من أمتي الأخ كوفته دا بيتأثر بالأحلام؟ ولا بقيتي مُرهفة يا بيبو؟ هههه."
حدثتهما نورا بمزاح، محاولة التخفيف عنها، بينما جارتها ريناد بما تفعله، وبقيا ثلاثتهم يتمازحن لوقت طويل.
***
بـ "فؤاد المنياوي".
يجلس بسعادة وحماس، سيرها اليوم يكفي كل ذلك الغياب. اشتاقها وبشدة. يكفيه تجاهل والتظاهر بالعمل فقط، يكفيه اشتياقاً. عليها أن تعلم كل ما حدث سابقاً، عليها معرفة مقدار حبه لها. ولمن، بعض المراوغة معها يكون مسلية حقاً.
فاق من شروده على صوت طرقات على باب مكتبه، ولم تكن سوى السكرتيرة، تُخبره بوصول السيدة جين ووجودها بقاعة الاجتماعات.
"تمام، روحي أنتي، وأنا جاي."
أخبرها بهدوء، مُخفياً باحترافية تلك اللهفة التي كادت أن تنطلق من عيناه، ولكنه حافظ على هدوئه إلى أقصى درجة.
"تمام يا فندم."
أومأت بالموافقة قبل مُغادرتها للمكتب.
دقائق، وكان يجلس مكانه بالقاعة، بعدما رحب الجميع، وبدأت مُناقشاتهم في أمور العمل. بينما يراها هو بين الحين والآخر.
بعد وقت ليس بقليل، انتهى الاجتماع، وهمت هي بالرحيل. استوقفها صوته الرخيم، مُردفاً بنبرة عملية للغاية:
"آنسة جين، معلش عاوزك في مكتبي لو فاضية."
"تمام، مفيش مشكلة."
أجابته بعملية بالغة هي الأخرى.
***
بـ الفرع العربي لـ "شركة B.M.W".
تجلس بشموخ، لا يليق بامرأة بتلك الملامح اللطيفة رغم تقدمها بالعمر، ولكن جديتها ومهارتها أجبرت الجميع على احترامها، وأثارت إعجاب كل من تعامل معها. حققت الكثير بمجهوداتها. رغم لطافتها تلك، تتسم بالقوة والدهاء.
طرقات بسيطة على الباب، قبل أن تسمح للطارق بالدخول.
"There is someone out there who wants to meet you."
"سيدتي، هناك شخص ما بالخارج يريد مقابلتك."
"Did he not tell you who he is?"
"الم يخبركي من هو؟"
"_ No, he didn't know about himself, he just told me that he wanted something important."
"لا سيدتي، لم يعرف عن نفسه، ولكنه أخبرني بأنه يريد شيئاً مهماً."
"_ Well, put it in in 10 minutes."
"حسناً، ادخليه بعد 10 دقائق."
بالطبع كانت تعرف هويته، ولذلك جعلته ينتظر. لم أخفِ تلك المقابلة أبداً، وقد حان دوره الآن. لقد نجحت مع أسر بسهولة، وذلك الساذج بالخارج لن يكون صعباً. فالعقرب بنفسه معها الآن، وهذا ما لم تكن تتوقعه. لم تشك ولو لثانية بذكائها.
دقائق، واستمعت لطرقات على الباب من جديد، لتسمح للطارق بالدخول. فتجمد جسده فور وقوع عينه عليها. وبعد كل تلك السنوات، هي أمامه، تنظر إليه بابتسامة لم يراها تنظر له بها من قبل. حقاً، لم يميز أن تلك الابتسامة خبيثة بحد. ولم يصفه، وبدون إرادة، وجد قلبه يخفق. أحقاً ما زال قلبه يعمل؟ ورغم كل تلك البشاعات التي ارتكبها وكونت منه شخصًا بذلك السوء، تبقى هي نقطة ضعفه الوحيدة، وسيحصل عليها عاجلاً أم آجلاً.
"أهلاً بيك يا حاتم بيه."
هتفت بعدما لاحظت تطلعه الزائد عن حده، والتي تعلم سببه بالتأكيد.
بينما وقعت تلك الكلمات البسيطة على أذنه بصدمة، أعترت وجهه بحرفية طاغية.
(يتبع .. )
رواية في حبه رأيت المستحيل الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم سارة شريف
"في حبه رأيت المستحيل"
"أهلاً بيك يا حاتم."
هتفت به بعدما لاحظت تطلعه الزائد بها.
"يا له من حقير، ألا يخجل أن يتطلع لها بهذه الجرأة بعد كل ما فعله بها وبعائلتها؟ ولكن كما تريد سيد حاتم، ولنرى من سينتصر بالنهاية."
بينما هو نظر لها بصدمة بعد سماعه لاسمه منها.
"هل تتذكره؟ هل تتذكر ذلك اليوم المشؤوم؟"
ليخرجه صوتها من دوامة أفكاره التي ظلت تلفح بعقله واحدة تلو الأخرى.
"تشرب حاجة؟"
يؤمي لها بإيجاب، وما زال لا يستطيع مواكبة كم المشاعر التي اجتاحته.
"قهوة سادة."
لترفع الهاتف أمامها متمتمة: "Two plain coffee."
"اتنين قهوة سادة."
نظر لها بتعجب.
"انتي تعرفيني؟"
لتنظر له بابتسامة.
"أكيد، مين ما يعرفش حاتم أبو المجد."
لتكمل بنبرة بريئة تعكس تماماً ما تكنه له بداخلها.
"أكيد جاي في شغل، اتفضل مستر حاتم، سمعاك. أكيد حاجة مهمة عشان تيجي بنفسك ومتبعتش إيميل للشركة."
رغم راحته لكونها لم تتذكر شيئاً، وظنها أنه قد أتى لها لمجرد عمل.
ولكن زاد ارتباكه، فهو لا يدري حقاً بماذا تعمل هذه الشركة.
فهو عند علمه بأنها ما زالت على قيد الحياة، لم يفكر بشيء سوى رؤيتها أمامه حية ترزق.
"أكيد بخلاف الشغل، بس حبيت أتعرف على السلطانة بنفسي."
ليقطع حديثهم دخول السكرتيرة وبيدها القهوة.
لتضع إحداهما أمامه والأخرى أمامها وتخرج على الفور.
نظرة له وما زالت الابتسامة لم تفارق وجهها.
"في مشكلة في الشغل مستر فؤاد؟"
"جين، كفاية كده."
خرجت نبرته حزينة ينظر لعيناها.
فهو في أشد الاحتياج إليها.
مرت ثلاث سنوات وكلما ازدادت بعدها زاد اشتياقه وحبه لها.
لم يعد يتحمل هجرها له، يقسم أنه لم يفعل شيئاً.
"للحظة شعرت برجفة بقلبها فور استماعها لنبرته، ولكنها نفضت ذلك الشعور سريعاً متمتمة: "كفاية أي يا..."
دفعها لذلك الحائط خلفها لينظر لها برماديتيها التي اتسعت بدهشة.
وهمت بالحديث ولكن قاطعتها كلماته التي يملأها الحزن واللوم.
"كفاية بعد بقى، أرجوكي."
"فؤاد، ابعد عني لو سمحت، مينفعش كده."
لتحد عيناه بغضب: "ابعدي انتي، لو فكرتي إن ممكن أبعد تاني تبقي مجنونة."
"فؤاد، خلاص بقى، اللي بينا انتهى من زمان."
"عمره ما، انتي عمري ما بطلت أحبك، مش عارف أشوف غيرك."
ليمُسك بكفها الصغير يضعه على قلبه ليكمل: "حاسة بيه ولا مش حاسة؟ عمره ما دق إلا ليكي."
"كفاية كذب بقى، أنا شفتها بعيني."
يهدر بها بغضب: "انتي من امتى غبية كده؟ شفتي إيه؟ قوليلي، ولا تقوليلي لي؟ أقولك أنا، واحدة زبالة حاولت تفرق بيني وبينك ألف مرة، وقلتلك بدل المرة عشرة إنها ولا حاجة بالنسبالي ومحدش يهمني غيرك، بس إزاي صدقتيها؟"
"بطل تغير في الحقايق بقى، أنا عديت عليك يومها."
تلمع رماديتها بالدمع وهي تتذكر ذلك اليوم المشؤوم.
"flash Back"
صدح صوت هاتفها معلناً تلقيه رسالة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي محتواها: "انزلي تحت في Box خديه."
ابتسمت باتساع مهرولة للأسفل لتري باقة كبيرة من الورد الأحمر و Box أسود اللون ولكنه مزين بطريقة رائعة.
وقعت على الاستلام مهرولة لغرفتها، فكم هي متلهفة لرؤية ما بداخله.
وجدت رسالة بتلك الباقة الرائعة لتقرأ ما بها بسعادة.
"ليتني أرى تلك الابتسامة الآن، كم أنا نادم على عمر أفنيته دونك، لو عاد بي الزمن ساختارك في كل مرة لتضئ عالمي بضحكتك عزيزتي. وفي هذا اليوم أريد إخبارك بأني أحبك صغيرتي وسأظل أحبك دائماً، ليتك أمامي الآن وكلن لم يتبقى سوى القليل. أنا أنتظرك الساعة الثامنة ولا أعلم كيف ستمر علي تلك الساعات من دونك، ولكنني أنتظر. كل عام وأنتِ بخير يا حبيبة الفؤاد."
لتبتسم بسعادة من تلك الكلمات المعسولة التي يغرقها بها يوماً بعد يوم.
لتفتح تلك الهدية لتتسع عينيها بإعجاب، لتري dress باللون الأحمر الداكن عاري الأكتاف، ضيق من الخصر ويهبط باتساع لبعد ركبتيها بقليل ومعه علبة صغيرة لتتفقدها.
يظهر لها عقد ماسي رقيق للغاية، وأخرى بها حذاء ذو كعب رفيع باللون الأسود.
ابتسمت بسعادة وهي ترفع الرسالة التي بداخله.
"أرجو أن يكون ذوقي نال إعجابك ولو بقليل، ولكني أعلم أن فتنتك ستخفي جمال أي شيء من حولك، ليكن كل شيء باهت سواكِ. أنا أنتظرك يا حبيبة الفؤاد."
ذهبت تتجهز سريعاً وهي تشعر بفراشات بمعدتها.
السعادة تغمرها.
نظرت لانعكاس صورتها بالمرآة، كم هي جميلة بهذا الفستان الرائع.
ياله من رجل لم يتوقف يوماً عن جعلها تشعر وكأنها أجمل نساء الأرض.
هبطت للأسفل لتنطلق بسيارتها له، وقد قاربت الساعة على السابعة والنصف.
بعد قليل كانت بالفندق لتتساءل عن رقم غرفته، فاتجهت له سريعاً، لم تعد تتحمل الانتظار وليذهب الوقت للجحيم، هي فقط تريد أن تضمه بقوة شاكرة لكل تلك السعادة التي يغمرها بها يوماً بعد يوم.
طرقات صغيرة متوترة على الباب وهي تنظر إلى الأرضية.
لحظات وقد فتح الباب لتصدم وهي ترى تلك العاهرة المدعوة بجوليا.
ولكن ما الذي ترتديه، أو ماذا ترتدي من الأساس؟
هل هذا قميصه؟ أم أنها تتخيل؟
لحظات ليأتي هو خلفها محطمًا المنشفة حول خصره.
وهناك بعض قطرات الماء أعلى جسده.
ينظر لها بدهشة تلتها صدمة فور رؤيته لتلك المرأة التي تكاد تكون شبه عارية أمامها.
لتفر تاركة له خلفها وهي تشعر بالخزي.
لماذا بهذا اليوم؟ لماذا بعد تلك السعادة التي غمرتها من مجرد كلمات على ورق؟
صعدت سيارتها وقد سمحت لعيناها العنان تبكي بقهر.
أما هو فحاول اللحاق بها ولكنه لم يكن يرتدي شيئاً.
يضرب بقبضته على الباب بغضب، ينظر إلى الأخرى بغضب جحيمي.
"ما الذي أتى بها إلى هنا؟ قد كان يتجهز لمفاجأته لجين وطلبها للزواج بيوم مولدها لتكون وجعلها ليلة لا تُنسى لكلاهما."
"Back"
"لا ومش بس كده، ثاني يوم ملف أهم صفقة عندي اتسرق. ولما مسكت اللي عملها عرفت إنك السبب. وليه كده؟ عشان جرحت كرامتك. كرامة إيه دي اللي جرحتها؟ دا أنت حتى محاولتش تبرر موقفك."
"جين، انتي أصلاً مسمعتنيش. حاولت كتير جداً أكلمك، وانتي مدتنيش فرصة أشرحلك اللي حصل. أنا فعلاً معرفش إيه اللي جابها عندي اليوم ده أو دخلت إزاي. أنا لو كنت عايزها كنت خدتها من زمان، وانتي عارفة إني أقدر، بس أنا مكنتش ولا هكون عاوز غيرك. مفكرتيش إيه هيخليني أعمل كده وأنا عارف إنك ممكن تيجي في أي لحظة وفي اليوم ده بالذات؟ أنا يومها كنت عاملك مفاجأة وكنت عاوزك مراتي. شايفه ده؟"
ليخرج علبة صغيرة بيده ويفتحها أمام عينيها ليظهر أمامها خاتم غاية في الروعة مطبوع عليه من الداخل اسمه واسمها وتاريخ مولده.
"رحت أشوفك وأقولك على اللي حصل بس يومها..."
ابتلع تلك الغصة التي داهمته وهو يتذكرها وهو يرى يدها بيد شخص آخر وتخبره أنها ستتزوج.
لتجيبه بدموع: "حسيت إن دي الطريقة الوحيدة اللي أرد فيها كرامتي وأبين لك إني أقدر أتخطاك عادي. أنا حبيتك أوي يا فؤاد، غضبي وغيرتي عليك كانوا أقوى من أي منطق وعقل في الوقت ده. ولما بعدت بعدها اتأكدت إن اللي شوفته صحيح."
"أنا لسه بحبك يا جين، مقدرتش أستحمل أشوفك مع راجل تاني. بس مش بعد ما بقيتي قدامي تاني هسيبك. أنا محتاجلك جنبي."
نظرت له بدموع: "بحبك."
اتسعت عينيه متحدثاً بصدمة: "بتقولي إيه؟"
"بحبك."
رددتها مرة أخرى ولكنها أبطأ من ذي قبل، متحدثة بنبرة غلفها الحب.
"منستكيش في يوم، كل اللي شوفته كان تمثيلية عشان أرد كرامتي قدامك. أنا بحبك وهحبك دايماً يا فؤاد."
ظل يستمع لها وقلبه يتراقص فرحاً.
"عمر..."
قاطع كلماتها ملتهماً شفتيها بقبلة شغوفة معبراً لها مدى حبه واشتياقه لها.
هزت كيانها بأكمله ولم تقو على فعل أي شيء سوى إغماض عينيها مستمتعة بذلك الشعور الذي احتل كيانها بأكمله.
ابتعد عنها بعد شعوره أنهما بحاجة للتنفس، ليستند بجبينه على خاصتها متمتماً بلهث: "بحبك."
بعد مرور ثلاثة أشهر.
فتحت خضراوتيها لتنظر حولها بابتسامة لتجد نفسها بمكان أقل ما يقال عنه خيالي.
نظرت لنفسها وجدت أنها ترتدي رداء للبحر أبيض ذو حملات رفيعة وفوقه قطعة قماشية تربطها على خصرها مبرزة جمال ساقيها من الأمام.
أمامها لتجده يوليها ظهره بطالته التي حفظتها عن ظهر قلب.
كسرت تجاهه ضاممتاً له بحب صادق.
ليخرج صوته الحنون: "حبيبة."
"اسكت يا سيف، متتكلمش. مش عايزة أصحى قبل ما أشبع منك زي كل يوم. أنت وحشتني أوي."
ينظر لها بخبث مردفاً: "تعرفي إني أول مرة أعرف إنك حلوة أوي كده؟ كنتي مخبية ده كله فين؟"
"صدقتك، أنا مش هشتغلني زي كل مرة. جانا، مش عايزة أبعد عنك، مش عايزة أفيق من الحلم ده. كل يوم بفوق وملقكش جنبي، متسبنيش أرجوك."
"مش هسيبك يا حبيبتي."
"كل مرة بتقول كده وبفوق وانت مش معايا. سبتني لي؟ فيه حاجات كتير أوي لسه معملنهاش سوا."
"بصيلي."
نظرت له وعيناها تفيض عشقاً لذلك الحلم الذي يهون عليها كل ما واكبته الفترة الماضية.
"أنا بقيت بنام عشان أحلم بيك، كل مرة تيجي تقرب مني بصحي على بشاعة الواقع وإنك مبقتش موجود."
نظر لها بخبث: "أقرب منك؟ دا انتي متعودة بقى، شكلك بتحلمي بيا كتير."
نظرت له بعينان تفيض من الحب: "أحلى حلم بحلم بيه."
"طب تعالي قوليلي بقرب منك إزاي... كده."
اقترب منها طابعاً قبلة سريعة على شفتيها.
ابتسمت له بسعادة، فما أجمل شعورها به.
"بحبك يا سيف."
عاد كرره مرة أخرى ليشعر بتعالي وتيرة أنفاسها وهي مغمضة العينين.
فقرر استغلالها وهي بتلك الحالة مردفاً.
بخبث: "حاسة بإيه يا حبيبة؟"
لتجيبه وهي ما زالت مغمضة العينين بسعادة وهي تشعر بيده تحاوط خصرها بتملك: "مبسوطة، مبسوطة بكل اللي بيحصل بالحلم اللي قربك مني وممشيتش وسيبتني زي كل مرة. حاسة بإحساس أول مرة أحسه وخايفة أفيق منه زي كل يوم. أنا مش عايزة أصحى يا سيف، عايزة أفضل هنا معاك."
مال عليها ملتهماً تلك الشفتان اللتان تتغزلان به على غير عهدها معه بالسابق.
فلم يقو على التحمل وهو يلتهمهما بنهم وحب، فقد اشتاق لها حد اللعنة.
ليشعر بها تبادله قبلته وهي تعمق منها هي الأخرى، فكانت قبلة شغوفة عميقة مختلفة عن التي قبلها.
ابتعد عنها بعد أن شعر بحاجتها للهواء.
نظرت بعينه متمتمة من بين لهثها: "مكنتش أعرف إن بحبك كده. كان نفسي أحس الإحساس ده وانت معايا. أنا بعيش على ذكري حلم كل يوم لحد ما أنام وأحلم بيك تاني."
حاوط وجنتيها بكفيه.
"انتي مش بتحلمي، أنا قدامك أهو."
نظرت له بدموع: "كل مرة بتقول كده."
"متعيطيش، اثبتلك إزاي إن كل اللي انتي عيشاه دلوقتي ده حقيقة؟"
"بوسني."
اتسعت عيناه بصدمة وهو ينظر: "انتي بتقولي إيه؟"
"بوسني يا سيف عشان لما أصحى أفضل فاكراك لحد ما أنام تاني."
يضحك بعذوبة متمتماً وهو يقترب منها: "افتكري إن انتي اللي طلبتي."
مال عليها ملتقطاً شفتيها من جديد وكل ما بهما تزعزع بكل ما يحدث لهما ودون أن يشعر وجد يداه تتحرك بحرية على جسدها ولم تمانع هي ما يحدث.
فابتعد عنها لاهثاً متمتماً: "لأ، مش هينفع كده. لو فضلنا كده هيحصل حاجات أنا وانتي في غنى عنها دلوقتي."
نظرت له بخوف من ذهابه واستيقاظها على ذلك الواقع المرير التي باتت تتعايشه منذ فقدانها له.
فهم هو ما بها على الفور ليحاوط وجهها بكفيه.
"أنا مش همشي يا حبيبتي، أنا واقف وقدامك أهو، أنا عايش والله ما هسيبك تاني."
نظرت له ولكل ما حولها بعدم تصديق.
ليجلسها على قدميه مردفاً: "أنا هحكيلك كل حاجة حصلت."
في "قصر الشريف".
دلفت إلى غرفتها بتعب، فهي حقاً لم تعد تقوى على مواكبة كل هذه الأحداث.
لتشهق بفزع وهي تشعر بمن يحاوطها من الخلف، ولكنها هدأت تدريجياً وهي تستنشق عطره المحبب لقلبها.
لتلتفت له بابتسامة.
"وحشتيني."
"رجعت امتى؟"
"لسه راجع."
نظرت له مستفهمة: "هي خلاص كده وصلت صح؟"
"وصلت، بس ده زمنها صحت كمان، مش سهل برضه. الواد سيف ده."
ابتسمت على كلماته وكأنها.
نظرت له بجدية مردفة: "انتوا لي مخبين إن سيف عايش؟ رودينا مش قادرة تتخطى ده لدلوقتي."
"أنا عارف إن ده صعب عليها وعلي الكل، بس صدقيني ده أسلم حل."
نظرت له بارتباك متمتمة باسمه بخفوت: "آسر."
نظر لها مستفهماً: "انت لسه زعلان إني خبيت عليك؟"
ليؤمي رافضاً متحدثاً بصدق: "مقدرش أزعل منك في حاجة زي دي، بالعكس، أنا فخور بيكي جداً. آه، ممكن أكون اتضايقت في الأول، بس ده واجبك."
ابتسمت له بسعادة محاوطة خصره بقوة.
"أنا بحبك قوي."
"وأنا بموت فيكي يا روحي، وبموت في العيون الزرق دول."
ابتسمت مردفة: "طب يلا بقى يا أستاذ على أوضتك، عايزة أغير."
نظر لها بخبث مردفاً: "طب ما تغيري، هو أنا ماسكك؟"
التهبت وجنتيها لتضربه في كتفه تدفعه للخارج متمتمة: "يا قليل الأدب، اطلع برا."
قهقه عالياً وهو يخرج متمتماً: "ومالو، الصبر حلو يا فرولتي."
في صباح اليوم التالي تجلس هي بصحبة أخيها الذي حدثها باندهاش.
"انت إزاي كده؟"
ليرى علامة الاستفهام تعلو وجهها ليكمل: "إزاي قادرة تعملي كل ده وتقفي جنب الكل كده؟ جايبة كل القوة دي منين؟"
"سيب من ده دلوقتي، ريحانة بتكلمني وبتقول إني لازم أسافر عشان التدريب."
"طب ما تسافري ومتخافيش، أنا هنا مكانك مراقب كل حاجة."
"يا ابني مينفعش، لازم أبقى موجودة. حاتم عينه علينا."
"معاكي حق، وخصوصاً بعد الأخبار اللي نزلت بأن فؤاد اتهجم على آسر ورفض آسر بأنه يديه أخته، ده موتر الجو جداً، بس متقلقيش. لو كلمتيها أكيد مش هتقول حاجة. المهم انتي لازم تفهمي نورا، لأن من يوم ما سمعتني وأنا بكلمك ومش طيقاني وعمالة تزغرلي في الرايحة والجاية."
ضحكت على حديثه متمتمة: "سيبك منها دلوقتي وقولي حالة ملك إيه؟ أنا عارفة إنها رجعت تتكلم تاني، بس لما بروحلها مش بحس إنها زي الأول."
تنهد بحزن على حالها: "ملك مش قادرة تتقبل فكرة إن مامتها عايشة كل ده وهي كانت محرومة منها، لأ وكمان مش فكراها. ده غير ظهور دينا اللي المفروض ماتت، وفؤاد اللي بتعتبره زي آسر وفجأة لقيته مشكل خطر على أمانها الوحيد. المشكلة أن آسر فضل يبعد عنها كل ده من زمان، متعرفش أي حاجة من اللي حصلت. أكيد هتحتاج وقت عشان ترجع زي الأول تاني، وعشان ده يحصل لازم تلاقي إجابات على كل علامات الاستفهام اللي في دمغها ومش لاقية ليها تفسير. بس على كل حال، أنا بحاول أخرجها من كل ده وجنبها."
كان الحزن يعتري ملامحها حتى استمعت إلى آخر حديثه لتردث بخبث: "وجنبها بأنه صفة بقى يا دكتور؟"
لاحت على وجهه ابتسامة عاشقة مردفاً بصدق: "بكل الصفات، وأولهم إني مش قادر أشوفها كده. كل نظرة حزن منها أو دمعة بحس إني بتخنق يا ريناد."
ضحكت على حديثه متمتمة بمزاح: "صحيح الحب بهدل."
"وأي بهدلة وحياتك."
"المهم، خلي بالك الأيام دي عشان هبقى مشغولة عشان فرح نور."
"متقلقيش، أنا مراقب كل حاجة."
جلست بجانب زوجها تتمتم بحزن: "كل اللي بيحصل ده بسببى أنا، لو آسر محامنيش وقتها مكانش كل ده حصل."
شردت وهي تسترجع أحداث ذلك اليوم المشؤوم الذي جعل حياتها رأساً على عقب.
"flash Back"
"دينا هاتي هدوم لملك وتعالي على شقة المعادي وأوعي تقولي لحد."
كان هذا نص الرسالة التي أتتها من رقم آسر لتجيبه على برسالة أخرى على الفور.
"مالك مالها؟ حصلها إيه؟"
"لما تيجي هتفهمي، متتاخريش."
ودون تفكير أحضرت ما طلب وذهبت على الفور.
صعدت البناية على عجل لتجد باب الشقة مفتوح ليتصاعد القلق بقلبها وتدلف سريعاً.
التفتت للخلف فور سماعها صوت إغلاق الباب لتري ابتسامته الكريهة متمتماً بفحيح: "قلتلك هجيبك يا بنت المنياوي وهكسره بيكي."
ليكمل وابتسامته تتسع: "وابقي ضربت عصفورين بحجر واحد."
نظرت إليه برعب متمتمة بتلعثم: "انت.. عايز مني.. إيه؟"
نظر لها بوقاحة وهو يقترب منها يفترس جسدها بعينيه مودفاً: "لأ، دا أنا عايز منك كتير."
ظلت تتراجع للخلف بخوف حتى ارتطمت بالحائط ليقترب منها محاولاً الاعتداء عليها وهي تحاول التفلت من بين يديه ولكنه أحكم قبضته عليها ممزقاً ثيابها بالكامل لتعدي عليها وسط صراخها المكتوم أثر كتم صوتها بيده.
ظلت تنتحب بقهر وهي لا تقوي على الحراك حتى استمعت لصوت تحطم الباب لتري آسر الذي اكتتت عيناه باللون الأحمر فور وقوع عينه عليها.
ركض إليها يحاول تغطيتها بمفرش السفره.
نظر له ونظرته كالجحيم ليرفع سلاحه على الفور مردفاً بشر: "صدقني، هخليك تتمنى الموت."
رفع الآخر سلاحه بوجهه وهو مترقب صوت صعود الآخر لتخرج طلقة، دوى صوتها بالمكان لتخترق ذلك الجسد الصغير خلفه.
لينظر لها بصدمة وما زالت يده معلقة بالهواء وهي تحمل المسدس.
شعر بالدنيا تدور من حوله، لابد أن كل هذا لم يحدث.
هز رأسه بعنف في غير تصديق لما يراه، هل هذه ثياب أخته؟ وما تلك الدماء؟ هل هي دليل براءتها التي انتهكت؟
وعلى يد من؟ على يد رفيق دربه؟ نعم، فهذا يبدو واضحاً على هيئته المبعثرة.
ليشعر بتهاوي جسده فور رؤيته لجسدها العاري تماماً لا يسترها سوى ذلك المفرش الملطخ بالدماء أثر طلقة دوى جسدها من فوهة سلاح أخيه وهو يراه موجهاً سلاحه تجاهها وعيناه تتسع بصدمة.
لم يفق منها بعد ليدوي صوت طلقة أخرى خرجت من مسدس فؤاد لتستقر بكتف آسر.
وكان هذا آخر ما رأته قبل فقدانها للوعي.
"Back"
"حبيبتي انتِ مالكِ ذنب صدقيني، حتى لو ما كنتي موجودة كان رح يصير هيك. هذا الشيء قد..."
لجيبه من بين نحيبها: "مليش ذنب إزاي؟ 6 سنين، 6 سنين يا زين وهم معادين بعض وفؤاد بيأذيه وأنا... لتكمل بسخرية: كملت حياتي واتجوزت وخلفت وكله بسبب وقوفه جنبي. بعد كل ده خسر صاحبه واستحمل كل الأذى ومشتكاش. حماني وهربني وأمن لي مستقبلي بعد ما حاتم الزفت ظبط الكاميرات كأننا كنا رايحين البيت سوا. دا غير الهكر اللي غير الشات. ولأنهرده لسه بيتحمل العواقب عشاني. أنا حاسة قلبي بيوجعني أوي يا زين. آسر مش بس أخويا، لا دا أبويا وسندي في الوقت اللي أقرب الناس ليا كانت ضدي. ولسه بيتحمل نتيجة كل ده لأنهارده."
تضع وجهه وهو يتذكر كل هذا ولكنه سيطر على غضبه ليتمكن من تهدئتها ضامماً لها متمتماً بحزن: "لا تبكي حبيبتي، أنا راح أضلني حدك، وكل شيء راح يصير آمن."
يا إلهي، ما كل هذا؟ كيف يمكنني مواكبة كل هذا الألم؟
يحترق قلبي كل يوم وأنا مضطرة على تحمل ذلك اللعين.
كيف يمكنني أن أرى كل هذا الحزن بعيني صغاري؟
لا يمكنني ضم صغيرتي التي أراها تنفر مني وقد تملكها حزن.
كم هي هشة للغاية.
الكثير والكثير قد خربت حياته بسبب ذلك الحقير.
اللعنة عليه، فبرغم تهوره وغبائه إلا أنه افتعل الكثير من الشنائع التي ستجعله يلاقي حتفه على يدي.
ولكن لم يتبق سوى القليل.
أخرجها من شرودها صوت هاتفها الذي صدح بالمكان لتجيب على الفور.
"ماما."
خرج صوته حزيناً ولكن قلبه تتاكله النيران، فهو حقاً لا يستطيع تحمل فكرة تعامل والدته مع ذلك اللعين الذي كان السبب في تدمير حياته وحياة كل من حوله.
همت هي ما يدور بخُلده لتحدثه بحنان: "بلاش نبرة الصوت الوحشة دي.. لتكمل مازحة.. والا والله أضرب بالخطه المهببة واللي مخلياني أتحمل الراجل ده وأديله طلقين يجيبوا أجله وأخلص البشرية دي من شره."
ضحك على حديثها: "ويرضيكي كده تريحيه؟"
"ما هو ده اللي مصبرني. ملك عاملة إيه؟"
"كويسة متقلقيش، بس الصدمة ماثرة عليها شوية وهي بتتهيأ نفسياً دلوقت."
"جون مش كده؟"
"أيوه جون. كنت قلقان في الأول، بس خوفه وقلقه واهتمامه مبينين للأعمى إنه بيحبها وعشان كده مطمن عليها معاه."
"خدت بالي، ملك ورودينا مش قادرين يتخطوا الصدمة. المهم حبيبة لازم ترجع بكرة، عطشان محدش يلاحظ غيابها. وخلي معتز يشوف مني فين، مش مرتاحة لاختفائها."
"تمام. وحاتم؟"
"لأ، دا سيبهولي شوية قبل ما تعمل أي حاجة."
"ناوية على إيه؟"
"كل خير."
لتبتسم بخبث قبل إنهائها للمكالمه.
"أنت مش متخيل أنا فرحان إزاي، دا لأول مرة الحظ يقف معايا. طلعت فاقدة الذاكرة عشان أقدر آخد حقي اللي لهفه مني محمد الشريف زمان. بس المرة دي لازم أخلص من أي حاجة ممكن تقف بيني وبينها."
"أوي تكون بتفكر في اللي جه في دماغي."
"هو بالظبط، هخلص عليه وأبقي ضربت عصفورين بحجر واحد."
"وخصوصاً بقى موت صاحبه اللي يدوبك لسه بيفوق منه، والفرح وظهور أمه، وعداوة صاحبه التاني، وتعب أخته. كله جاي على دماغه الفترة دي، مش مركز معانا."
"وعشان كده لازم نخلص في الفرح على طول. والتفت أنا بقى للي ضاع عمري عشانها."
"ومالو، بس مراته ليا هتطلع من عيني بنت اللذينة، صاروخ."
ابتسم وكان كل ما تحدثا عنه حدث بالفعل.
"اللي عاوزاه هاخده، انزل مصر بس."
"صحيح، هتعمل إيه مع مني؟"
"مني مين يا عم؟ دي بقت كارت محروق وأنا زهقت منها بصراحة. بس هستنى لبعد الفرح عشان منفتحش العين علينا وهخلص عليها على طول."
تفوه بكلماته ولم يرى تلك التي استمعت لكل ما تفوه به وقد ملأها الحقد والغضب.
لتتمتم بتوعد: "بقا كده يا حاتم تخلص مني؟ أما أوريك النجوم في عز الظهر، مبقاش اسمي مني.. مش أنا اللي يتلعب بيا كده من واحد واطي زيك."
انتظرت القليل من الوقت حتى لا يشك أنها استمعت لشيء مما قاله ودلفت إليها بابتسامة استطاعت تصنعها باحترافية.
"وحشتني أوي يا حاتم."
نظر لها بملل، و حقاً قد مل منها ولكنه عليه تحملها وتبقي أمامه عينه حتى يضمن أنها لن تقترف أي تصرف خطأ إلى أن ينتهي من خطته.
"انتي طلبتي مني أسافر ليه؟ انتي عارفة إن مفيش تدريب، وحتى لو في هي متدربة كويس جداً."
أجابتها بصدق.
"عشان أبعدها عن التوتر اللي هناك، متقدرش تستحمل أكتر من كده."
"بس هي لازم تفضل، ومتخافيش عليا، هي قوية. والمهم دلوقتي انتي هتعملي اللي طلبته منك."
"اللي عاوزاه مهريتي هيحصل."
كستكها الأخرى بمزاح.
"أنا كده هغير على فكرة."
"أنتِ محدش يتقارن بيكي
رواية في حبه رأيت المستحيل الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم سارة شريف
في الحياه نجد الكثير من المتاعب، ولكن هل يمكننا الاستسلام ونضع أنفسنا في مهب الريح؟ فقط علينا كُل شيء للوقت وهو كفيل أن يُنسينا. عش حياتك كما يجب ولا تجعل الحزن يُثقل كاهلك، فالحياة أقصر من أن نضيعها في دوامة من الأحزان. هون على نفسك فربما هذه نهاية كل أحزانك.
***
كلما تذكرت ذلك اليوم تخجل وبشدة، لا تعي كيف سمحت له بتقبيلها. نعم ربما هي نشأت بأمريكا، ولكن لطالما كانت عندها مبادئ حافظت أن لا تتخطاها دائمًا، ولكن دائمًا معه يكون كل شيء مختلف. وكان به سحر خاص يجعلها تخضع لكل تلك المشاعر التي تجتاحها بقوة بمجرد وجوده بالقرب منها. تقتلها لوعة الاشتياق له حقًا، فها قد مرت ثلاثة أشهر منصرمة على تلك الليلة وهي لا تقوى على أن تلاقيه. ولحسن حظها أو أسوأه، هي لم تعد تفكر بشكل جيد. على كل حال، مادام الأمر يتعلق به، فقد كان كثير الانشغال في تلك المدة. ولكن قد طفح الكيل عليها أن تتخذ قرارها، إما أن تتقبله بحياتها أو تخرجه منها للأبد. فقد تؤرقها تلك الأحداث التي حدثت مؤخرًا والتي يشوبها الغموض من جميع الاتجاهات.
جلست بارهاق على تلك الأريكة التي تتوسط غرفتها، تعلم أن هناك شيئًا ما يخفيه أخواها عنها، ولكنها لم تسنح لها الفرصة بعد بمعرفة ما بخاطرهما. فقد ترك لها "جون" مسؤولية الشركة بأكملها حتى يصبح طبيبًا مزعومًا لـ "ملك". أراحت رأسها إلى الخلف وشردت بما حدث قبل أربعة أشهر.
"Flash Back"
نظرت لهما باستغراب، فاستدعاؤهما لها في وقت كهذا يبث القلق بأوصالها. خرج صوتها أخيرًا تهمس لهما:
"في إيه يا جماعة؟ شكلكوا عامل كدا ليه؟"
نظر كل من جون وريناد إلى بعضهما البعض حتى تنحنح جون:
"جين، أعرف أن ما سأقوله الآن قد يبدو غريبًا بالنسبة لكِ، ولكن ارجوكِ أن تستمعي لنا جيدًا."
نظرت له متأهبة للمزيد حتى أتاها صوت ريناد ليكمل حديثه:
"بصي يا جين، أنا عارفة إن اللي هقوله ده غريب، بس انتي لازم تلبسي لينسيز بلون عيني وكمان هدومي وأنا العكس."
"ليه؟" خرج صوتها مدهوشًا بما استمعت له منهما للتو.
"عشان هتتخطف، وقبل ما تستغربي، اللي المفروض يتخطف هو أنا. بس مش هينفع، أنا محجبة وكمان لازم أبقى برا عشان أعرف أخرجك."
"إيه الجنان اللي انتوا بتقولوه ده؟ محجبة إيه وخطف إيه؟ طب لما انتي عارفة بالخطف ليه تخاطري من الأول؟ أكيد في حاجة انتوا مخبيينها."
حاول قدر المستطاع إخبار أخته ببعض الأشياء المهمة دون التطرق أكثر في الموضوع:
"علمنا مسبقًا بخطة المدعو "حاتم أبو المجد"."
نعم، فقد سمعت ذلك الاسم مسبقًا، فصبت انتباهها أكثر على صوته. عليها أن تفهم ما يحدث:
"وهي خطف ريناد، ولكن على حسب علمي بهذا الرجل، فهو أكثر حقارة مما يبدو عليه وقد يتعرض لريناد بالسوء وهي لن تقوى على صده. على عكسك، فأنتِ يمكنك حماية نفسك منه بسهولة، فأنا أعلم مدى قوتكِ عزيزتي. سنترككِ حتى يطمئن، ومع ذلك، فأنا على تمام العلم بأنه لن يحاول مسكِ بسوء، هو فقط يريد ترهيب العقرب."
خرج صوتها أخيرًا بعد دقائق من التفكير:
"طب ليه نخاطر؟ لا أنا ولا ريناد مادام عارفين نيته."
"لقد فكرت بهذا، ولكن لم أرد أن أخاطر، فالأوضاع بالمنزل غير مستقرة أصلًا. ولو فعلنا هذا يمكنه فعل شيء لم ولن نتوقعه. فهناك الكثير يمكنه فعله، فيمكن أن يهاجم ملك، وجميعنا نعلم مدى سوء حالتها الصحية، وغير ارتباك آسر الذي يحاول إخفائه بعد ظهور والدته التي ظن أنها قد ماتت منذ زمن. ومما زاد صدماته أن زوجته لها عائلة مختلفة وحياة مختلفة، ويا للصدمة أنها ابنة خالته كذلك التي لا يعلم عنها شيئًا. فهل يمكننا المخاطرة بنفس هذا الرجل الذي يدعي الصلابة ويساند الجميع؟ فضلت أن نكون على دراية بكل شيء، وحتى بالمكان الذي سيأخذكِ إليه، على أن يفاجئنا بشيء لن نتوقعه."
حسنًا، بدا حديثه مقنعًا للغاية، فيكفي ما يثقل كاهل كل من بهذه العائلة. لم يشغلها كثيرًا ماهية علمه بكل هذا، فهي على دراية بعمله ونفوذه التي تسهل عليه الكثير من الأشياء. ولكن لماذا ريناد صامتة هكذا؟ هل يمكن أن تكون تشعر بالذنب لأنها تعرضها لخطر كهذا؟
قاطع تفكيرها صوت ريناد الذي غلفه الأسى:
"أنا آسفة أنكِ اتحطيتي في موقف زي ده بسببي."
نظرت لها بابتسامة لتخبرها مازحة:
"يخربيت الجنان، شكلك متعرفيش إني مجنونة وبحب الأكشن والمغامرات. وبعدين جون معاه حق إننا نبقى عارفين الخطوات أحسن ميت مرة من إننا نتفاجأ."
"Back"
تنهدت بعد تذكرها هذا اليوم، ولكن ما فاجأها حقًا هو مجيء ريناد له يوم إنقاذها. وهنا تأكدت من أن هناك شيئًا ما خفي عنها.
شعرت بالإرهاق بعدما تطرق عقلها للقليل من الأحداث الأخرى، فقررت التوجه للمرحاض تأخذ حمامًا دافئًا لعله يريح أعصابها بعض الشيء.
***
ورغم كل الأعباء التي على عاتقها، كانت تشعر به هي أكثر من تعلمه. هناك هموم كثيرة تجتاح صدره وتثقل كاهله، فقط لو كان بيدها لانتشلت كل أحزانه من قلبه. ومع كل هذا، كانت دائمًا ما تذهب معه للشركة صباحًا حتى تتحمل معه كل تلك الأعمال المتراكمة بدلًا من سيف. لم تكن تتوقع أن سيف ينجز كل هذه الأعمال، ومع انشغال آسر الفترة الماضية، تراكم عليه الكثير.
وها هي تبدأ يومها من جديد، تذهب للشركة في الصباح، وبعد انتهائها من عملها تذهب لتكون بجانب نور التي اقترب موعد زفافها أخيرًا، والاطمئنان على ملك. ولم تسهُ عن والدتها إيمان التي توعكت قليلًا أثر كل تلك الأحداث التي حدثت مؤخرًا. أما جومانا وبظرك التي لم تعتادهما للأن، فكلاهما سافر لإنهاء كل شيء بأمريكا والتجهيز للاستقرار هنا. وأما أختها التي حظت على انتباهها كثيرًا في الأيام الأخيرة، فيبدو أن هناك شيئًا ما يوترها ويجب أن تكون بجانبها. كل هذه الأشياء تثقل كاهلها، وبالتأكيد لم تنس أمر مهامها.
تمتمت وهي تضع آخر لمسة لها أما المرآة ونظرت لنفسها برضى، فكانت ترتدي جيبًا من اللون السيموني المحبب لقلبها وبلوزة من اللون التركواز وحجابًا يناسب ثيابها، فكانت جميلة بحق رغم بساطة ثيابها.
"هتيجي إمتى بقا يا حبيبة الكلب؟ أنا تعبت، راحة تتفسحي وسيباني أنا الوص مع نور."
ضحكة رجولية خرجت من فاهه فور سماعه لتلك الكلمات المقتضبة:
"باين كدا في حد متغاظ هنا."
نظرت له بحرج، فهي لم تنتبه له حينما دلف إلى غرفتها:
"أنت هنا من امتى؟"
ابتسم لها وأجاب وهو يقترب منها يضمها إليه، يستنشق عبيرها، فوجودها لجانبه أكثر ما يريحه في تلك الأيام الصعبة:
"لسه جاي."
أغمضت عينيها، سامحة لنفسها استنشاق عطره الذي يبعث بها مشاعر لم تعهدها يومًا.
كادت أن تتحدث ولكنه قاطع كلماتها بقبلة دافئة وحنونة، فهذا أكثر ما يحتاجه، قربها فقط وليذهب أي شيء بعدها للجحيم. ماذا فعل بحياته ليحصل على امرأة كهذه التي أمامه بكل قوتها وحسنها وحنانها؟ لم ير بحياته امرأة بمثاليتها.
نظرت له بحب لترى تلك الابتسامة الجميلة التي علت ثغره دون أن يشعر وهو يفكر بها:
"حبيبتي."
نظر لشفتيها اللتان نطقتا بتلك الكلمة لتلهب حواسه. اللعنة، ما تفعله به تلك الفتاة غير معقول.
نظر لها قاظمًا غيظه متمتمًا:
"يلا نمشي يا ريناد بدل ما أتهور وأنا مش مسؤول عن اللي هيحصل."
ضحكت بصخب بعدما فهمت ما يرمي إليه، وهي تذهب من أمامه مسرعة.
***
وفي أحدى الكافيهات، جلس معه ينظر له بقلق أخفاه ببراعة بعدما استمع لخطته، ليباغته بالحديث بعدما أنهى الآخر من كلامه:
"انت تقصد أنك هتتهمه هو في قتلهم وبعدها تاخد مراته؟"
ليبتسم الآخر بخبث متمتمًا بثقة:
"طبعًا."
نظر له بارتياب، فما يحدث في الآونة الأخيرة لا يريحه:
"طب وتعمل كل ده ليه؟ عشان واحدة في منها نسختين، واهي التانية فاضية لا جوز ولا غيره؟"
شعر بالدماء تغلي بعروقه فور سماعه يتحدث عنها بكل تلك الاريحية، والأسوأ يبيح لنفسه وصفها هكذا بعدما فعله بأخته. حاول إخفاء غضبه الجامح منه متمتمًا:
"لا طبعًا، هي مفيش زيها، ومش عشان أختها نفس الشكل تبقى هي هي، دي مختلفة غير كل البنات."
خرجت نبرته صادقة، فهو كان يقصدها بكل ما قاله. ليكمل حديثه متمتمًا:
"وبعدين أنت مالك؟ أنت عاوز تخلص من العقرب وأنا كمان، يعني مصلحتنا واحدة. عاوز إيه بقا وهعمل إيه؟ ملكش فيه، أنت تعمل اللي قلتلك عليه وخلاص. وبقولك أي، اهدي كدا وبطل لف ورا حياة لحد ما نخلص، متفتحش عيونه عليك."
نظر له بانزعاج، فهل يمكنه الابتعاد حقًا بعد كل ما توصل له معها؟ لا، فهذا محال. لن يستطيع أن يمر يوم دون أن يراها. فها هي أخيرًا تبادله نفس المشاعر. لا، لن يستطيع الابتعاد وليذهب حديث فؤاد وخطته للجحيم.
وكأنه قرأ ما يدور بعقله، أخبره بنبرة حازمة:
"سيبك من الهبل ده دلوقتي، وبعد ما تخلص من العقرب الطريق هيبقى فاضي قدامك."
وافقه على مضض، عله ينتهي منه للأبد، وبعدها لن يجد من يعيق طريقه في الحصول عليها.
***
في شقة تتميز بالفخامة، تجلس دينا وهي تتحدث بالهاتف متمتمة بخوف:
"مش هقدر يا طنط، أنا لليوم دا كل ما أسمع اسمه أخاف، أنا بترعب منه."
"يا حبيبتي لحد أمتى هتفضلي متعقدة كدا؟ دا أتفه من إنه يربي كل الرعب ده جواكي. لازم تربي الرعب جواه زي ما عمل معاكي، وخليني أسويه."
"حاضر، شوفي عاوزاني أروح امتى وأنا معاكي."
أغلقت معه الخط وهي تبتسم بتسلية، تتخيل علامات الرعب تحتل ملامحه بعد رؤيته لها، وهو من قتلها بيده. كم شعرت بالانتشاء فور تخيلها له هكذا.
انتهى اليوم دون أي أحداث تذكر، فكل واحد لديه مئات الأشياء ليقوموا بها.
***
في ظهيرة اليوم التالي.
جلست مع صديقتها التي وأخيرًا قد عادت في صباح اليوم، تتحدث معها عن كل ما حدث:
"يخربيتك، في حد يعمل كده؟"
خرج صوتها مندهشًا:
"ماما استمعت له لتوها."
ضحكت الأخرى بخجل متمتمة:
"والله زي ما بقولك كدا. فكرت نفسي بحلم. بجد يا ريناد، أنا لحد دلوقتي مش مصدقة إن سيف عايش. أنا كنت بموت من غيره."
"تقومي تقولي له بوسني يا بنت المجنونة؟"
حدثتها بنزعاج:
"يوه بقا يا رينا، خلاص بقا. أنا حرفيًا كل ما بفتكر بيبقى نفسي الأرض تنشق وتبلعني."
ضحكت على حديثها قائلة:
"طب سيبك بقا من كل ده وركزي معايا عشان أنا خلاص جبت آخري وجون اتبهدل معايا. ولا انتي استحليتي الراحة يا حضرت الظابط؟"
شردت الأخرى في كيفية وصولهم لمنصبهم هذا عندما أتاهم جواب استدعاء من الأمن الدولي بعد عامهم الأول في الكلية. مرة أربعة أعوام منذ ذلك اليوم حتى الآن.
"Flash Back"
بدأ الأمر بعد ظهور نتيجة العام الأول لهم بالجامعة، أتى لثلاثتهم استدعاء رسمي نظرًا لتفوقهم هم وبعض الأشخاص الآخرين من مختلف المهن ليتم تدريبهم بأعلى كفاءة حتى يؤدوا مهمة سرية بإحدى الدول الأجنبية.
نظروا لبعضهم البعض باستغراب وقلق، فلم يتم استدعاؤهم هكذا. لم يمر كثير من الوقت حتى دلفت أمامهم شابة يافعة جميلة بخصلاتها الشقراء وعينيها الخضراء بزيها الرسمي، يبدو عليها الصرامة. نظرت لهم متمتمة بجدية:
"أنتم من النهارده هتفضلوا هنا لمدة 3 شهور تحت التدريب في عملية سرية مهمة جدًا ومحتاجينكم. وبعد كدا اللي حابب يكمل معانا يكمل واللي مش حابب ينسحب."
تنحنت ريناد قائلة:
"ممكن نعرف المهمة دي إيه بالظبط؟"
نظرت لها قائلة:
"هتعرفوا كل حاجة في وقتها."
استمرت تدريبهم ثلاثة أشهر حتى باتوا بأفضل كفاءة، ومن ثم تم سفرهم لإحدى الدول الأجنبية، وكانت مهمتهم هي التعامل مع مافيا خطيرة تعمل بتجارة الأعضاء والأسلحة. تمت المهمة بنجاح، وكان قرار كل من ريناد وحبيبة بالبقاء والعمل معهم كعملاء سريين، وانسحاب نور، فهي دائمًا وأبدًا ستبقى المدللة من بينهم، فكانت حياتها وشخصيتها تحمل الطابع الهادئ بخلاف حياتهما التي مُلئت بأعباء الحياة. وكانت أكثرهم كفاءة ريناد التي أطلقت عليها قائدتهم لقب "الماهرة الجامحة".
"Back"
"لا يا أختي، منستش شغلي، بس انتي عارفة إن الدور الأكبر عليكي وخصوصًا أن الفريدو هينقذك، أي حاجة تطلبيها."
نظرت لها بجدية قائلة:
"أنا كلمته وهو بدأ في التنفيذ بقاله يومين والدنيا ماشية حسب الخطة تمام."
"هو آسر يعرف موضوع الفريدو ده؟"
لاح الحزن على ملامحها قائلة:
"لا، ملوش داعي يعرف حاجة زي دي."
"مالك يا ريناد فيكي إيه؟"
تنهدت بعمق متمتمة:
"مش عارفة يا حبيبة، بس خايفة. خايفة أكون أمر واقع ليه لمجرد أن القدر حطني في طريقه. قالي إنه بيحبني، بس أنا حاسة إنه بعيد أوي عني."
نظرت لها بتوهان متسائلة:
"تفتكري ممكن يكون ندمان إنه اتجوزني؟"
"إيه يا بنتي العبط ده؟ انتي أكتر واحدة عارفة كل الأحداث اللي حصلت وبتحصل من يوم ما اتجوزتوا وشايفة الضغط عليكوا عامل إزاي. بصي يا حبيبتي، خلينا بس نخلص من كل ده وادي نفسك فرصة تشوفي هيحصل إيه بعيد عن كل الضغوطات دي وفكي كدا وفوقيلي عشان وربنا لأعمل منك بطاطس محمرة بقا تشوفيني بنهار كدا وتكوني عارفة إنه عايش ومتقوليليش."
قفزت من مكانها تركض خلفها، بينما فرت ريناد هاربة من أمامها ليقضيا بعض الوقت الذي افتقده كلاهما معًا.
***
وفي نفس التوقيت، خرج حاتم من كابينة الاستحمام يلف منشفة حول خصره، وهناك أخرى يجفف شعره. نظر في المرآة ليرى انعكاس صورتها المزرية بشعرها المبعثر وتلك الدماء التي تسيل من أحد جوانب شفتيها. التفت خلفه برعب فلم يجد شيئًا. نظر مرة أخرى للمرآة ليرها من جديد تنظر له بشر. خرج من المرحاض مسرعًا ليرى ما كتب على المرآة بالدماء: "سانتقم".
دب الرعب في أوصاله، مغمضًا عينيه بقوة متمتمًا بخفوت محاولًا في تهدئة نفسه:
"اهدي يا حاتم، كل دي أوهام وتعب أعصاب، اهدي."
حرك جفونه ببطء خشية من أن يرى شيئًا آخر، ولكن ما هذا؟ أين اختفت تلك الكلمة؟ قبض على شعره بقوة وهو يحاول أن يفهم ما يحدث له. شعر ببعض الدوار بسبب مفعول حبوب الهلاوس التي وضعت له في كوب القهوة لتجعل كل ما يراه وكأنه حقيقي.
***
الجميع مضطرب، متخبط، وكل منهم بعالم خاص. جون ملازم لملك التي حالتها في تحسن، ولكن كانت الصدمات كفيلة بجعلها في حالة صدمة عصيبة، ولكنه يعلم أن حالتها ستتحسن عن قريب، فهو لم يعد يتحمل رؤيتها بهذا الشكل، وقد تبددت ضحكاتها التي ملأت قلبه شغفًا بها منذ أن رآها. ومعتز الذي كان يبذل قصارى جهده في مواكبة كل شيء مع رب عمله وصديقه آسر، ورغم ذلك لم يسهُ عن محبوبته رودينا التي تحاول تخطي صدمة فقدان أخاها إلى الآن. هي لم تُشبع قلبها منه بعد كل سنوات العذاب تلك، ولكن وجود معتز هون الكثير عليها.
وقصة حب نشأت لتشفي قلوب أصحابها، ليقوي كل واحد منهم الآخر. هكذا كان الحال بين معاذ وداليا، اللذان وجدا كل ما يريدانه ببعضهما البعض.
المدللة نور، أبسط شخص في كل من حولها، فهي تربت بين عائلة تحبها وأصدقاء رائعين. وحتى عندما جاءها اختيار أن تكون عميلة سرية، رفضت وفضلت أن تبقى على بساطتها كما هي. وها قد اقترب موعد زفافها على حب طفولتها أحمد، الذي كانت تغمره السعادة لاقتراب زفافه على محبوبته الصغيره.
"جين" التي انهمكت بالأعمال الكثيرة، فكانت تحاول استقرار شركتها الجديدة، مبتعدة كل البعد عن كل تلك الأحداث المرهقة. تعلم أن الجميع يخفي أشياء كثيرة، ولكنها فضلت أن تختلي بنفسها مجمعة شتات عقلها لتستطيع رسم حياتها القادمة، وخاصة بعد ما حدث في الفترة الماضية جعلها تتخبط كثيرًا.
"فؤاد" الذي غزى قلبه لهيب الانتقام بعد كل ما واجهه هو وكل من حوله بسبب ذلك الحقير. فإذا قام بعد كل ما فعله ذلك المخنث حاتم ليقضي أيامًا وهو يسردها، ولكن النهاية قريبة وستنطفئ ناره.
"آسر" الذي لا أحد يعلم ما يسري بخُلده، ولكن ما يخطط له سيفوق تخيل الجميع. الجميع يفعل والضربة القاضية له.
"حياة" تلك المرأة الحنونة التي غيرها الزمن وعذبها فراق أبنائها كل تلك السنوات لتحولها إلى امرأة تسعى للانتقام.
"حبيبة" التي عادت لعهدها من جديد بعد مرور ثلاثة أشهر عصيبة عليها، ظنًا منها أنها فقدت زوجها ومحبوبها للأبد. ولكن قد عاد كل شيء لها وأخيرًا قد بدأت حياتها بالانعدال.
وأخيرًا من تحمل بطيات قلبها الكثير من الآلام، "ريناد". ما واجهته تلك الفتاة فاق تحمل الجميع. لم تر بحياتها حنان الأب، فقد كانت تقضي لياليها بكاء على تعذيبه لوالدتها، والدتها ما كانت دائمًا تفديها بنفسها وهي لا حول لها ولا قوة، لا تقوى على فعل شيء. قضت حياتها تأبى الضعف حتى تستطيع حماية والدتها. حتى حين توفي والدها، كانت أقوى من أن تكون فتاة بسيطة ذات الثامنة عشر عامًا. فيأتيها أخاها، نعم أخاها، ليهدد حياتها هي ووالدتها بالدمار من جديد، ليهربا إلى مكان بعيد ليبدأا حياة جديدة، لعلهم يجدوا بها الراحة. حتى حصلت على نتيجتها وأخيرًا شيء ما جيد في تلك الحياة التعيسة، فقد خطت أول خطوة لتصل لحلمها وتصبح مهندسة، لتبتسم الحياة لها مرة أخرى، لتأتيها فرصة أن تصبح عميلة استخبارات سرية، لتقبل على الفور، فأخيرًا ستستطيع حماية نفسها هي ووالدتها. ولكن دائمًا ما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. أتى معاذ ليعكر صفو حياتها مرة أخرى، وتتزوج رجلاً تزوجها بدافع الانتقام. حزنت كثيرًا وهي ترى كل أحلامها كفتاة تتزوج من تحب تتبخر في الهواء. وحينما بدأت الحياة بالابتسام لها وبدأ حبه بالتوغل في قلبها، أتتها الحقيقة المرة وأن كل حياتها كانت كذبة. كلها كذبة. من تحملته ثمانية عشر عامًا ظنًا منها أنه والدها، لا يمت لها بصلة. أخاها أو ابن عمها لا يقربها بتاتًا. تلك المرأة الحنون التي كانت الحضن الدافئ في ليالي الشتاء القارصة ليست والدتها. كل شيء كذبة. ومرة أخرى تفيق على كم الألم. أنها كانت تأكل من مالاً حرام طوال تلك السنوات من ذلك الذي كانت تدعوه والدها يومًا ما. وحينما بدأت شرارة حبهما، بدأت الصدمات تنهال عليهم من جميع الاتجاهات. وأخيرًا زوجها التي ما باتت تعرف أهو يحبها أم لا. وإذا كان يحبها، ما الذي يبعده عنها هكذا؟ كأنه يخشى الاقتراب منها، يجعلها تسقط في بؤرة عميقة من التساؤلات. ولكن لا شيء يضل مخفيًا للأبد وسيظهر كل شيء عاجلاً أم أجلاً. ولكن كيف عليها مواكبة كل هذا وحدها ومساندة كل من حولها؟ أرهقها التفكير ولم تعد تقوى على مواظبة كل هذا. ولكن لا يمكنها، عليها إكمال الطريق إلى النهاية، لعلها تجد الخلاص.
***
في نفس اليوم مساءً.
دلف إلى منزله بعد يوم أرهق نفسه بالأعمال ليتناسى ما حدث له في الصباح. ولكن هل سيجد المجال؟ فتلك الحبيبات التي توضع له في قهوته منذ الصباح لن تتركه بحاله. وما عليهم سوى وضع لمساتهم البسيطة. دلف إلى غرفته ببطء، ولكن لم تمر لحظات حتى تثاقلت قدماه وهو يطالع هيئة سيف المرعبة وهو يحدق به. ارتفع الأدرينالين بدمائه وازدادت ضربات قلبه بسرعة هائلة ليركض خارج الغرفة مترجلًا لأسفل. الظلام يعم المكان عدا ضوء خافت يجعل المكان أشد رعبًا. ليرى هيئتها من جديد. لم ينس ذلك المشهد قط، صورتها وهي غارقة بدمائها بفعل يده. لم يستطع نسيانه أبدًا. التفت ليصعد مرة أخرى، ولكنه وجد جثمان سيف المرعب أمامه ليسقط مغشيًا عليه. ليأمر الآخر بإعادة كل شيء كما كان حتى لا يشك بشيء. فقد حرصت السلطانة بالتلاعب به نفسيًا حتى يلتهي عنها. فلم تعد تستطيع تحمله بجانبها. ولكن ما هذه سوى البداية لعذابك أيها الحاتم.
***
مر يومان والجميع يعمل على قدم وساق. فحبيبة بدأت بمساعدة ريناد في كافة الأشياء ومشاركة صديقتهم وضلعهم الثالث فرحتها. وتواصلت ريناد مع الفريدو ليفعل هو ما طُلب منه بصدر رحب. ما زال آسر يجتاجه الصمت مع استمرار خطة حياة بالتلاعب بأعصاب حاتم.
وها قد أتى اليوم المنتظر، "يوم زفاف أحمد ونور".
كانت الفتاتان معها في صالون التجميل لتخرج كل واحدة منهن كالأميرات. نور والتي كانت كالأميرة بفستانها الأبيض الجميل، ولمسات مكياج التي زادتها جمالًا.
وريناد التي ارتدت فستان باللون البيج به بعض الدانتيل من على الصدر ويتوسطه حزام ينتهي بعقدة على شكل فيونكة من الخصر، ينزل باتساع حتى أسفل قدمها، وكم واحد طويل يصل لقدمها، فكانت هيئتها خاطفة للأنفاس رغم رقة فستانها، فهي دائمًا ما تميل للبساطة في كل شيء.
أما حبيبة التي ارتدت فستان مليء باللؤلؤ، مضيق من الخصر وينزل باتساع حتى الأسفل، يتماشى مع لو خضراوتيها الجميلتين.
خرجت نور وخلفها تقف الفتاتان. ذهبت نور مع أحمد الذي قبل رأسها بفرحة عارمة، فاخيرًا قد تحقق حلمه. وذهبت معه حبيبة بنفس السيارة.
بينما وقف هو يطالعها بعينين عاشقة لكل ما بها. أميرته من سرقت قلبه. عجز لسانه عن الحديث أما كتلة الجمال تلك. مد يده لها وما زال لسانه منعقدًا. أما طالتها المُلكة تلك، لم تفشل ولو لمرة على خطف أنفاسه. تناسى كل ما بخاطره الآن ليطالعها بحب قائلًا: "يا أجمل واحدة شافتها عيني وأول واحدة دقلها قلبي. بحبك يا اللي كل الكلام عجز أنه يوصف جمالك." أدمعت عينيها بفرحة وهي تستمع حديثه الذي استشعرت صدقه، لتتمتم بخفوت خجل من حديثه: "بحبك."
***
عند الفتيات بالقصر، بدأت كل واحدة منهن بالتجهز.
فـ جين ارتدت فستان سهرة قصير باللون التركواز الفاتح به حمالات رفيعة مطرز من الصدر وفتحة تصل إلى أعلى فخذيها.
أما ملك التي أصر جون على ذهابها لحضور حفل زفاف صديقتها وأنها يجب أن تخرج من قوقعتها تلك، فوافقت بعد وقت طويل من الإقناع، لترتدي فستان يصل إلى أعلى ركبتيها باللون الأزرق وحمالة واحدة عريضة على أحد كتفيها ورقبة بنفس اللون، رافعة شعرها بشكل مغري وهيلز باللون الأسود.
وبالتأكيد لن تذهب باقي الفتيات، فجميعهن لا تجمعهن علاقة بنور ولا زوجها.
رواية في حبه رأيت المستحيل الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم سارة شريف
في السيارة عند آسر وريناد.
صدح صوت هاتفها معلناً عن اتصال من خارج البلاد لتجب على الفور متحدثة:
"Hello Alfredo, how are you?"
"مرحباً بك الفريدو كيف حالك؟"
"ـ I am fine as long as you are fine, my dear, but I called you to tell you that I was able to postpone the delivery of the shipment and it will be delivered at exactly four o'clock in the morning."
"انا بخير ما دمتي أنتي بخير عزيزتي، ولكني هاتفتك لاخبارك بانني استطعت تاجيل تسلم الشحنه وسيتم تسليمها في تمام الساعه الرابعه صباحاً."
نذرت لآسر الذي كان يطالعها بانتباه ولا تعلم انه يستمع لحديثهما بسبب ارتفاع صوت هاتفه، لتجيبه بحماس وابتسامة:
"ـ I really don't know how to thank you, Alfredo. I will never forget this favor."
"حقاً لا اعلم كيف اشكرك الفريدو لن انسي لك هذا المعروف ابدا."
"ـ You never have to thank me. You know that you can ask me anything whenever you want, and I just have to fulfill your orders, my filly."
"ليس عليكي شكري ابداً تعرفين انكي يمكنكي طلب مني اي شئ وقتما تشائين وانا فقط علي تلبيت اوامرك مهرتي."
نظرت لآسر بارتباك قبل ان تجيبه. أما هو فقد احتدت متعابير وجهه دلالة على الغضب، فمن هو حتى ينعتها بمهرتي.
"ـ I really appreciate it, bye."
"اقدر لك ذلك حقاً، الي اللقاء."
أغلقت الخط بعد إنهاء جملتها لتنظر له قائلة بارتباك:
"التسلم بقا بعد نص الليل."
نظر لها نظرة لم تفهمها ليجيبها بنبرة ذات مغزى:
"سمعت يا مهرتي."
توسعت حدقتاها بالفعل، فهي لا تعلم كيف تخبره عن حب الفريدو لها ولا عن تلك المهمة التي ساعدها بها كثيراً، بل وخاطر بحياته من أجلها. تعلم تماماً ما تعنيه نظراته تلك، فحقاً لو رأى الفريدو الآن لقتله إن لم يقتلها هي الأخرى. ابتلعت لعابها في توتر متمتمة:
"هحكيلك والله بس مش دلوقتي."
سلط انتباهه على الطريق ولم يرد ببنت شفة.
بعد قليل من الوقت كان الجميع عند تلك القاعة التي رغم صغرها ولكنها كانت حقاً جميلة. دلف إليها الجميع ليبدأ الاحتفال. كان الحفل جميلاً جداً، فالفرحة في أعين العروسين جعلت الجميع يشعر بالفرحة.
في إحدى الزوايا وقف جون برفقة آسر الذي أشار له خفية عن ملك حتى يأتيه.
"جون ماما هتيجي كمان شويه وطبعاً انت عارف حالة ملك هتعرفها إنها كانت فاقدة الذاكرة، وتمهد دا من دلوقتي عشان متتأثرش لما تشوفها تاني. ملك مش هتعرف إنها كانت فاكرة كل حاجة تمام."
"متقلقش أنا هظبط كل حاجه وكمان حالتها مستقره اكتر من الأول بكتير."
"شكراً بجد يا جون."
ليجيبه بمزاح قائلاً:
"Don't thank me, Mr. Aser. This is my job as a doctor."
"لا تشكرني سيد اسر هذا عملي كوني طبيب."
ابتسم له الآخر بتفهم ليتركه ويتجه نحوها يحيط خصرها بتملك. نظرات الجميع إليها تحرقه حقاً.
وعلى الجانب الآخر دلف فؤاد إلى الحفل يدور بعينيه يبحث عنها، فقد مر ثلاثة أشهر منذ آخر لقاء بينهما. لتقع عينه عليها لتتسع عينه بصدمة، صاراً على أسنانه بغضب.
"ما هذا الذي ترتديه؟ لا عفواً ما هذا الذي لا ترتديه بالاصح."
اتجه نحوها بخطوات تحرق الأرض من تحته.
"ممكن أفهم أيه الي أنتي مش لابساه دا؟"
التفتت له، هو حقاً لا تصدق أنه هنا بعد كل تلك الفترة التي لم تراه بها. ربما لما عليه أن يكون بكل تلك الوسامة في كل مرة؟ لم تقو على الحديث ولكنها ظلت تطالعه باشتياق. ليقترب من أذنها قائلاً بنبرة آمرة تعلمها جيداً:
"ثواني وتكوني في العربية وأنا جاي وراكي."
فرت من أمامه سريعاً باتجاه سيارته. ليتجه هو نحو صديقه الذي فوجئ به ليقفا معاً بإحدى الزوايا.
"أنت إيه الي جابك لي؟"
ليجيبه الآخر ببرود:
"متقلقش هو مش فاضي يركز أنا فين. سيف ودنيا بيلهوا لحد ما اكلمه واقولو علي المكان."
"لا هاته علي المكان الي هبعتلك "location" بتاعه دلوقتي."
"ماشي بس انت غيرت المكان لي؟"
"هتعرف كل حاجه بس مش دلوقتي ومتقولش لحد علي تغير المكان، وروح علي عربيتك بقا عشان متتاخرش عليها."
أنهى حديثه بغمزة عابثة جعلت الآخر يقهقه وهو يتجه نحو الخارج.
مر قليل من الوقت حتى دلفت حياة للحفل وقلبها يتوق شوقاً لضم ابنتها إلى صدرها بقوة. وقعت عينها على تلك الأميرة الساحرة بفستانها الأزرق. توجه نحوها آسر وهو يري علامات الارتباك تحتل وجهها ليردف مطمئناً:
"متخافيش يا ماما كل حاجه هتبقي تمام وجون مهدلها إنك جاية."
اتجها نحوها معاً. تسمرت ملك بمكانها، هي تراها الآن لا تعلم ماذا تفعل الآن. نعم أخبرها جون بمرضها وفقدانها لذاكرتها مسبقاً، ولكنها الآن تعرف من أمامها. بينما طالعتها حياة باشتياق تتفقد كل شبر بوجهها. متي كبرتي إلى هذا الحد يا صغيرتي؟ ليتني كنت بجانبك ولكن لن أبتعد عنكِ من جديد وسأحرق كل من يحاول فعلها. فاقت من تفقدها لها على تلك التي ارتمت بين أحضانها تنعم بدفئها بعد كل تلك السنوات التي قضتها بدون والدتها لتكافئها الحياة بعودتها لها من جديد. بادلتهما حياة العناق.
وبينما يتابعهما هذان القابعان خلفهما بعيداً عن مرمى أنظار الآخرين:
"ما كفاية دراما بقا الله يباركلكوا الناس بتتفرجع علينا."
وبينما وجه باقي حديثه لجون:
"جون معلش وصل ماما وملك للقصر ليميل بجانب أذنه وخلي بالك من ريناد لما ترجع عشان أنا مش هرجع انهاردة."
"أومي له بتفهم لتخرجا معه متجهين للقصر لتحظى ملك أخيراً بحنان والدتها التي لا تتذكر منه سوى القليل، فهي قد فقدتها وهي بعمر العاشرة ليصبح آسر هو الأب والأخ ومأواها الوحيد بعدها.
مضى وقت الفرح بين بهجة وسعادة بين الأصدقاء، العروسان اللذان أخيراً قد حصل كل منهما على نصفه الآخر، مع دموع حبيبة التي أدمعت عيناها وهي ترى أخاها توأم روحها وملجأها الوحيد عندما لم يكن بحوزتها غيره يتزوج. يا له من شعور رائع.
وفي نفس الوقت صف فؤاد السيارة أما البحر لا يستطيع تهدئة غضبه. كلما فكر بأن الجميع رآها بتلك الهيئة المهلكة ود لو أنه قتلها وقتل كل من نظر لها ورآها بهذا الشكل. ستجعله يجن حتماً. طالته وهي تعلم جيداً ماهية نظراته الغاضبة تلك، تعلم كيف يغار عليها وأن هناك نار تندلع بداخله. ولكنها قررت أن تكسر ذلك الصمت السائد منذ مدة، وحقاً لا تعلم عواقب فعلتها تلك. لتناديه بنبرة رقيقة تحمل بين طياتها العشق والاشتياق:
"فؤاد."
نظر له بشر لتباغته هي بكلماتها المعتذرة:
"أنا بجد أسفه على لبسي دا بس دا تعود أوعدك أخلي بالي ومعملش حاجة تدايقك."
لم تختلف نظرته بتاتاً لتكمل برجاء ولطافة جعلت قلبه يلين لتلك الطفلة بجسد أنثى المتجسدة أمامه، لتكمل برجاء ودلال لم يعهدها به أبداً:
"وحياتي يا فؤادي ما تزعل أنا غلطانة بس مش بعد كل الفتره دي تزعل مني كدا واوعدك آخر مره."
نظر لها ليري مدى صدقها، ولكنها اقتربت منه تعانقه باشتياق جارف. فيكفي البعد الذي دام لخمسة وثلاثين يوماً. بادلها العناق وهو يحاول كبت جماح مشاعره تجاهها. فمن هو ليصمد أمام من يحب وهي تجلس أمامه ككتلة من الإغراء. ابتعد عنها ببطء وهو يتفقد كل شبر بوجهها يطالعها باشتياق. اشتاق لها حقاً. حتى وقفت عيناه على كريزتيها. حاول نفض تلك الأفكار الوقحة عن رأسه ولكن عيناه أبت التزحزح عنهما ليستسلم لما أراده منذ أن وقعت عيناه عليها. ليقترب منها ببطء شديد ملتهماً شفتيها الكريزيتين بتؤدة وشغف جمع بهما كل العشق الخالص لها ولكل ما بها. ابتعد عنها بعد شعوره بحاجتهما للهواء. نعم لم تبادله قبلته ولكنها لم ترفض، يعلم أنها تحبه ولكنها لا تحب اقترابها بهذه الطريقة وهو لم يصبح زوجها بعد. نظر لها باعتذار متمتماً بخفوت:
"أنا آسف مقدرتش أبعد نفسي عنك، بس إنتي السبب. احترمي نفسك بعد كدا يا هانم. آه الواحد منا محليتهوش إلا شرفه."
ضحكة خافتة خرجت منها بعفوية على حديثه المازح معها، ليعلم حينها أنها لم تعد غاضبة منه. أدار المحرك متجهاً إلى القصر ويذهب متجهاً لوجهته.
مر الوقت سريعاً وانتهى حفل الزفاف بتوديع العروسين وتقديم هدية آسر لهما، والتي كانت تذاكر سفر إلى فرنسا لمدة أسبوع حتى يبعدهم عن كل تلك الأحداث القادمة. لا يريد تخريب فرحتهم.
في تمام الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل كانت سيارة آسر تقف أمام القصر لتترجل منها ريناد وينطلق هو إلى وجهة لا تعلمها، ولكنها نفضت كل تلك الأفكار عن رأسها. تضغط عدة أزرار لمهاتفة حبيبه:
"ـ جهزي خليكي معايا على مكالمة هنتحرك الساعة 2."
"ـ تمام."
وعلى الجانب الآخر صف آسر سيارته أمام المرأب المهجور خاصته ليترجل منها ويدلف ليجد كل من مني ووالدة سيف تنظران لبعضهما البعض بريبة. نظر لهما بتقزز، فكلاهما لهما نفس الطباع والجشع والدناءة.
وعلى الجانب الآخر ذهب فؤاد ليقل حاتم الذي انتظره على أحر من الجمر، فالمنزل بدأ أن يكون له كالجحيم على الأرض. لم تعد نفسيته وقوة تحمله على مواكبة كل تلك الأشباح، ولكنه نفض كل تلك الأفكار وحل مكانها السرور وهو يفكر كيف سينتهي من العقرب والثعلب معاً، فهو بقرارة نفسه قد قرر قتل العاهرتين ومن ثم فؤاد أيضاً وتلفيق التهمة لآسر الذي أحضره فؤاد إلى المخزن الخاص بآسر مسبقاً لإثبات كل التهم والتخلص منه للأبد ليبدأ حياته مع عشقه الأبدي حياة. وما يجعل صدره أكثر انشراحاً هو إتمامه لأكبر عملية أسلحة مستوردة من الخارج كلفتة ملايين الدولارات وقد اختار الوقت المناسب لها، فالجميع كان منشغلاً بالتجهيز للزفاف. أما عن آسر وفؤاد فهما تحرر نظره ولن يستطيع أحد منعه على الحصول على كل ما يريد. اليوم، فاليوم يوم حظه حقاً، سيتخلص من كل متاعبه في الحياة وستزيد أرباحه. أربعة أضعاف بعد إتمام تلك العملية. هل سيحدث ما خطط له أم أن للحياة رأي آخر؟
وعلى الجانب الآخر في تمام الساعة الرابعة صباحاً 4 وقفت الفتاتان وهم يرتديان بدلات سوداء وتغطيان وجهيهما وأقنعة سوداء. ونظراً لأهمية العملية ووجود الفريدو وموقفه الحساس في المهمة كان عليهما قيادة تلك المهمة بنفسهما. تراقبان ما يحدث منتظرتان إشارة الفريدو بالوقت المناسب للهجوم.
"ـ حبيبة دي الإشارة يلا كلو يهجم."
دقائق وكان الجميع بالأسفل في حصار تام من عناصر الشرطة، متممين المهمة بنجاح وتم تحريز الأسلحة والقبض على المتهمين الذين لم يستغرقوا وقتاً طويلاً بالاعتراف بكل شيء، حتى تم إصدار قرار رسمي بالقبض على "حاتم أبو المجد".
وبينما وقف ذلك الشاب الوسيم ذو الأعين الفيروزية يطالعها باشتياق خالص. يقسم أنها لو طلب عيناه لاعطاهما لها ولكنها لن تقبل أبداً. ومع ذلك يكفيه نظرة الامتنان تلك من عينيها. لتتمتم بامتنان:
"Thank you very much, Alfredo. I know that this might get you into trouble, but I really don't know how to do justice to you."
"أشكرك حقاً الفريدو أعلم أنك ربما هذا قد يوقعك في مأزق ولكنني حقاً لا أعلم كيف أوفيك حقك."
نظر لها بعتاب، هي تحاول ألا تعطيه مجالًا للنظر لها ولكن هيهات، فلا يمكن السيطرة على لجام القلب أبداً فدائماً ما يدفعنا للقيام بأشياء غبية وهذا ما يفعله الفريدو دوماً. وأخيراً استطاع جمع شتات صوته ليخرج طبيعياً إلى حد ما:
"I told you that your orders are orders, my dear, so who am I to disobey my dowry, and now I have to go, as I will miss the plane?"
"أخبرتك أن طلباتك أوامر عزيزتي فمن أنا لأخالف مهرتي؟ والآن علي أن أذهب فالطائرة ستفوتني."
ذهب من أمامها محطم القلب، فهو يعشقها ولكن مادامت سعيدة فهو أبداً لن يعكر صفو حياتها. هي أجمل وأنقى من أن تكون على علاقة بشخص مثله.
"ـ يا سلام على الحب يا جدعان شلالات بتنزل علينا من كل حتة عشان خاطر جمال عيون الست رينو."
وكان ذلك صوت حبيبة الذي خرج فور ذهاب الفريدو.
لتزجرها ريناد بضيق:
"يوه يا حبيبة مش هنخلص بقى؟ إنتي كل شوية تطلعي بحد شكل."
"ـ الله يا ستي ما إنتي اللي معجبينك كتير أعمل إيه؟"
ضحكت على حديثها متمتمة بجدية:
"طب يلا احنا نروح بقى عشان إحنا مينفعش نغيب أكتر من كده."
تحركت الفتاتان متجهتان إلى منزلهما.
وبذلك المخزن المهجور وقف آسر بهيمنته الطاغية جعلتهما ترتعدان. نظر لتلك اللعينة والدة صديقه أو بالاحرى المسماة بوالدته سبب عذاب صديقه الأبدي، وتلك التي يمقتها بشدة، فهي وحاتم جعلا الكره يعرف الطريق إلى قلبه.
استمع لصوت إطارات السيارة تعلمه عن وصول حاتم وفؤاد. نظر للواقفين أمامه قائلاً وهو يدعي الاستغراب:
"إنتوا إيه اللي جابكوا هنا؟"
"رن عليا."
استمع له كل من حاتم وفؤاد الذي خرج صوته قائلاً:
"ولا وقعت يا عقرب."
وسعت عيناه بصدمة زائفة:
"فؤاد بتعمل إيه هنا؟"
"ـ خلصت اللعبة يا عقرب وهتدفع تمن كل حاجة عملتها."
وبلمح البصر كان كلاهما يوجه فوهة سلاحه بوجه الآخر. لترتعد هاتان الواقفان خلفهما تنظران لبعضهما البعض يلعنان اللحظة التي عرفا بها حاتم الذي أقحمهما في كل هذا، فهو من دير مجيئهما إلى هذا المكان ظناً منهما أنه مكان تجمع جديد لهم كما أخبرهما. لتتفاجأ كل واحدة منهم بالأخرى.
رفع حاتم فوهة سلاحه بوجه آسر وكاد أن يطلق ولكنه سقط أرضاً إثر طلقة خرجت من مسدس فؤاد لتستقر بقدمه. نظر له حاتم بصدمة ليفهم أن كل هذا ما كان سوى لعبة منهما. ليرفع سلاحه مرة أخرى تجاه آسر الذي ابتعد عن مرماها سريعاً لتستقر برأس منى التي سقطت جثة هامدة بين يدي قرينتها التي تحاول استيعاب كل ما يحدث حولها.
صدح صوت هاتفها معلناً عن اتصال. تفقدته سريعاً ظناً منها أنه هو ولكن قد خاب أملها عندما وجدتها حبيبة. ضغطت زر الرد متمتمة:
"ـ في إيه يا حبيبة بترني في الوقت دا؟"
ليأتيها صوتها بنبرة غريبة:
"ـ ريناد محدش لاقي حاتم في أي مكان وسيف مختفي."
صمتت لبرهة لتباغتها باستنتاجها:
"ـ آسر وسيف إزاي مجاش في بالي؟ أنا كنت حاسة إن فيه حاجة غريبة بتحصل."
"ـ ثانية بس كدا إنتي تقصدي إن آسر وسيف هم السبب في اختفاء حاتم؟ طب إزاي؟"
"ـ مش عارفة يا حبيبة بس إحنا لازم نعرف قبل ما حاجة تحصل. حاولي توصلي لسيف وأنا هحاول أوصل لأي حاجة."
"ـ تمام."
أغلقت الخط وأخذت تفكر إلى أين قد يذهبا به وما ممكن أن يفعلا معه. تعلم أن آسر ليس متهوراً ولكن قد يدفعه الغضب إلى ما لا يحمد عقباه.
بغرفة ملك.
دلف إليها بعد تأكده أنها مستيقظة. نظرت له بابتسامة مشرقة، سعد قلبه لعودتها لها من جديد.
"ـ صاحي بدري ليه؟"
"ـ مقدرتش أنام أصلاً."
لتتساءل بدلال:
"ـ ودا ليه بقا مين واخد عقلك يا دكتور؟"
"ـ مقدرتش أنام وخوفت تتعبي بليل ولما شفت طنط حياة خرجت جيت أطمئن عليكي."
ابتسمت براحة قائلة بفرحة صادقة:
"تعرف يا جون أنا عمري ما كنت مبسوطة زي دلوقتي. ورغم أن آسر عمره ما قصر معايا إلا أني كنت بحس إن فيه حاجة ناقصاني. مكنش عندي لا صحاب ولا أم وكنت دايما لوحد مفيش في حياتي غير آسر وسيف بس، دلوقتي أنا دلوقتي كل حاجة كنت بتمناها اتحققت. بقا عندي أم تحسسني بحنانها وخوفها عليا، وآسر اللي هو كل حياتي، صحابي اللي أخيراً لقيتهم بعد زمن، والي دلوقتي بقيت ضامنة إنهم يفضلوا معايا ومرجعش وحيدة تاني لأنهم مرت أخواتي، ودينا كمان رجعت يعني مش ناقصني حاجة. دا غير جين و..."
صمتت لبرهة وهي تتفقد لتكمل حديثها بحب:
"وأنت يا جون."
كان يشعر بالسعادة لرؤيتها سعيدة إلى هذا الحد. وأخيراً قد عادت إلى سابق عهدها. ولكن لحظة ما قالت الآن هو ماذا تعني؟
"ـ أنا إيه يا ملك؟"
نظرت لعينيه الزمرديتان بحب متمتمة بصدق:
"أنت أجمل حاجة في كل دا. أنت عوض وحدة سنين كتير."
ووضعت كفها على لحيته الخفيفة مكملة:
"أنا بحبك يا جون."
وبينما هو كاد أن يتوقف قلبه من شدة خفقانه. لم يستطع سوى جذبها له في عناق تمنى الحصول عليه لوقت طويل متمتماً بجانب أذنها:
"بحبك يا ملك بحبك."
ابتعدت عنه بابتسامة قائلة بمزاح:
"طب وأي الجديد ما أنا عارفة."
نظر لها بعينان هائمتان وهو يقترب منها حتى بات لا يفصلهما شئ يذكر. لترتبك هي ويبدأ قلبها بالخفقان سريعاً كأنه في أحدى السباقات.
أقترب من شفتيها ببطء لتدفعه بخفة متمتمة بمزاح تخفي خلفه ارتباكها الجلي:
"لا بقرب لك أي صحصح معايا كدا."
ضحك على حديثها قائلاً:
"بقولك إيه أنا جعان ما تيجي نروح ناكل."
"ـ يلا."
خرج كلاهما من الغرفة متجهين للمطبخ بمرح وصوت ضحكاتهم يعلو بالأرجاء. وها قد بدأت قصة جديدة من عشق خالص بينهما.
الساعة التاسعة صباحاً.
يجلس حاتم مكبلاً بالمقعد ينظر لهما والشرار يتطاير من عينيه قائلاً بشر:
"مش هرحمكوا وحياة أمي ما هرحمكوا."
نظرا له بسخرية ليتمتم آسر باستهزاء:
"تفتكر أنت في وضع يسمحلك بكدا؟"
"ـ خلاص يا آسر سيبه براحته بس براحة على نفسك يا حاتم عاملين لك مفاجأة."
نظر لهما حاتم بارتياب ليبتسما وهما ينظران للباب الذي دلف منه سيف ودينا التي ركضت لتعانق أخيها. صدمة شلت أطرافه وأعجزته عن النطق. إذاً لم يكن يتخيل. عاش أياماً لم يذق بها طعم النوم من شدة خوفه من أشباحهما. حسناً، سيف ربما كانت هذه خطة منهما. ولكن ماذا عنها؟ لقد قتلها بيده وتركها جثة هامدة بين يدي آسر. كيف حدث هذا؟
"ـ إيه يا حاتم القطة كلت لسانك؟"
كان هذا صوت فؤاد الساخر منه.
لتتحدث آسر:
"لا لا فوق كدا وصحصح عشان المفاجأة الكبيرة بس مش أنا اللي هقولك عليها."
نظر نحو الباب بابتسامة يضغط كل حرف وهو يناديها:
"تعالي يا ماما."
دلف للمرآب وعلي وجهها ابتسامة متشفية. ومازال هو على حاله لا يقوى على النطق بحرف.
"ـ ازيك يا حاتم."
خرج صوتها بشرر ينفي تلك الابتسامة التي على وجهها.
"ـ إيه رأيك في المفاجأة دي حلوة مش كدا؟ تفتكر يا حاتم بعد كل الحاجات اللي عملتها دي ممكن حاجة تمشي زي ما إنت عاوز؟ بس سيبك من دا كلو عندي مفاجأة أكبر، شحنة الأسلحة اتصادرت ومطلوب القبض عليك."
إلى هذا الحد ولم يستطع أن يتحمل. كل ما ظن أنه حصل عليه تحول إلى سراب في لمح البصر. مجهود تلك السنوات في القضاء على آسر ذهب هباءً منثوراً. تلك الصداقة التي ظن أنه أنهيها للأبد أصبحت أقوى. تلك التي ظن أنه قضى عليها جعلته يعيش أياماً مليئة بالرعب والرهبة. حب حياته الذي عاش لسنوات طويلة يتألم أنه كان سبباً لموتها، كانت على قيد الحياة، وأخيراً بعد ما تجدد له الأمل في الحصول عليها كانت تخدعه كل تلك المدة. وأخيراً عمله ورأسماله بأكملها قد خرب، لا بل ومطالب بالقبض عليه أيضاً.
عند تلك النقطة ولم يستطع التحمل. لتترنح رأسه للخلف دلالة على فقدانه الوعي.
ضحك فؤاد بشر قائلاً:
"دا طلع خفيف أوي."
وينظر آسر نحو سيف بجدية:
"سيف روح ماما ودينا وروح لرودينا عشان حالتها بقت صعبة أوي لازم تعرف كل حاجة وإنك لسه عايش وطمن ريناد وجين قلهم ميقلقوش."
"ـ تمام بس انت هتعمل إيه؟"
"ـ متقلقش أنا هكلمك اعمل بس اللي بقولك عليه."
اتجه كل من سيف وحياة ودينا للخارج ليتركا آسر وفؤاد الذي نظر له بتساؤل:
"ـ ناوي على إيه يا عقرب؟"
ابتسم بشر متمتماً:
"ـ شيله معايا وهتعرف كل حاجة."
حملاه معاً للسيارة وانطلقا لوجهة لا يعلمها سواهما.
وعلى الجانب الآخر دلف سيف إلى حديقة فيلته ليجدها تجلس بحزن. كسا ملامحها فلم تعد فتاته المليئة بالنشاط والحيوية كما عهدها لتتبدل بأخرى لم يستطع التعرف عليها. فقد بهت لونها وفقدت الكثير من وجهها وحزنها زادها أعواماً فوق عمرها. ولكن لحظة لما يحاوطها معتز هكذا. اقترب منهما يستمع ما يتحدثان به ليجده يسألها بحزن بدا واضحاً كوضوح الشمس في عز النهار بصوته:
"ـ يا حبيبتي هتفضلي كدا لغاية إمتى بس، صدقيني لو سيف كان موجود مكانش هيحب يشوفك كدا أبداً."
دفنت وجهها بصدره العريض متمتمة ببكاء:
"مش قادرة يا معتز قلبي واجعني أوي مش قادرة أصدق إن سيف راح مني بعد ما رجعتله. سيف دا كان كل حاجة في حياتي لا دا كان حياتي فعلاً. أنا مليش غيره أنا وحيدة أوي من غيره."
"ـ وأنا أنا يا رودينا مليش وجود في حياتك. حبيبتي أنا عارف وقادر اللي إنتي فيه كويس بس صدقيني اللي إنتي فيه دا مش هينفع. إنتي شايفة نفسك بقيتي عاملة إزاي؟ أنا مش قادر أشوفك كدا والله بتعذب وأنا شايفك منهارة كدا. عشان خاطري حاولي تعدي الأزمة دي وأنا معاكي. أوعديني يا رودي عشان خاطري لو بتحبيني أوعديني إنك تحاولي معايا نعدي الأزمة دي."
نظرت له بابتسامة حزينة متمتمة بخفوت:
"أوعدك."
"ـ أوعدك يا إيه؟"
"ـ يا إيه يا رودينا."
وضعت كفها على وجهه برفق متمتة:
"بحبك يا معتز الحمد لله إنك جنبي أنا مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه."
"ـ وأنا بحبك يا رودي."
تابع حديثهما حتى النهاية لا يصدق. فصغيرته كبرت كثيراً ورغم غضبه من معتز إلا أنه شكر ربه على وجوده ليعتني بها في غيابه. فهو يرى حبها جلي بعينيه. وقف أمامها بابتسامته الخلابة متمتماً بحب واشتياق:
"وحشتيني يا أميرتي."
صدمة ألجمت لسانها، لابد أنها تتخيل. لتقول بتلعثم:
"سـ.. سيف."
رواية في حبه رأيت المستحيل الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم سارة شريف
صف سيارته أمام أحد المباني الخاصة به ليُطالعه الآخر بعدم فهم وهو ينظر للمبنى أمامه قائلاً بنفاذ صبر:
بلاش الحركات دي يا آسر، أنت عارف إني مبحبش أمشي زي الأطرش في الزفة كدا.
ضحك الآخر على تشبيهه يتمتم بكلمات لم تُجب سؤاله مما زاد حنق فؤاد، أما آسر فابتسامته تتوسع بخبث:
هناخد حقنا.
قرر عدم التطرق معه في الحديث ويرى بنفسه، فهو يعلم أنه لن يحصل منه على إجابة ترضيه.
حمّله ودلفا به المبنى.
فتح باب تلك الغرفة أمامه وهو يبتسم بشر جلي بعينيه، بينما طالعه الآخر بصدمة تحولت سريعاً لنوبة ضحك عندما فهم ما ينوي عليه، ليتمتم بمدح:
عقرب بصحيح.
***
وقفت تُطالعه بمقلتيها التي أبت التوقف عن زرف الدموع، ولكنها ولأول مرة منذ ست سنوات تبكي فرحاً، فاخيراً تعدلت حياتها من جديد.
حاوط وجهها بكفيه الكبيرتان متمتماً بألم وهو يرى دموعها:
ليش عم تبكي حبيبتي؟ مو هاد إلي كان بِدك ياه من البداية؟
دون أن تنطق بكلمة حاوطت عنقه بيدها تضمه بقوة، ليبادلها العناق متمتماً:
شو ما بدك بيصير، صدقيني بس لا تبكي.
ابتعدت عنه بلطف وهي تُطالعه بفرحة ارتسمت على شفتيها ومازالت عيناها تزرف الدمع:
مبقاش في حاجة أخاف منها يا زين، خوفي كلو انتهى. كنت مبسوطة أوي وأنا شايفاه عايش في رعب الأيام لمجرد طيفي، وأنا شايفة الحسرة في عينيه بعد كل اللي اتعمل فيا. شفي غليلي.
نظرت له وكأنها لا تصدق كل ما حدث:
تعرف أن فؤاد حضني حضني بعد ست سنين، وحشني أوي. أنا اتعذبت أوي في الست سنين دول، بس أنت أجمل حاجة حصلتلي، أنت العوض لكل دا.
ابتسمت له بعشق خالص:
أنا بحبك أوي.
وأنا بحياتي ما حبيت حدا كيف ما حبيتك، دنياي.
ابتسمت له وهي تُريح رأسها على صدره العريض لتغمض عينيها وهي تتذكر أول لقاء بينهما.
"flash bach"
نظر لها بمقلتين كساهما اللون الأحمر فور وقوع عينه عليها، ركض نحوها وهو يجذب غطاء مائدة الطعام يخفي به جسدها ويحتوي كتفيها بجاكيت بدلته ليخفي ما بقي منها، ونظر لها متمتماً باستفهام متألم:
إيه اللي حصل يا دنيا؟ مين عمل فيكي كدا؟
كانت ترتجف بين يديه لا حول لها ولا قوة.
وعند تلك اللحظة وقف أمامه حاتم، ولكنه بعيداً عن الباب حتى لا يراه فؤاد عندما يأتي. وبلمح البصر كان حاتم يلكمه على وجهه بخفة، ليرد له الآخر لكمته ولكن أقوى. اشتد النزاع بينهما، ورغم تضرر حاتم الكبير إلا أنه حرص أن تكون إصابات آسر طفيفة حتى تبدو للأخر كأنها دفاع عن النفس، فقد مزق مقدمة قميصه دون أن يشعر وبعض الكدمات على ما ظهر من جسده تؤكد تعديه عليها، لحين سماعه صوت خطوات مهرولة على السلالم ليبتعد عن الباب سريعاً حتى لا يراه الآخر قائلاً باستفزاز:
لا أنت ولا فؤاد تقدروا تعملولي حاجة بعد اللي حصل.
وأنت فاكر إن فؤاد هيلحق يعملك حاجة أصلاً؟ أنا هقتلك قبل ما يعرف أصلاً.
خرجت رصاصة من فوهة مسدس حاتم اخترقت جسد تلك المسكينة.
شلل سري بكامل جسده وهو يراها أمامه غارقة بدمائها، وذلك تملكه الصدمة يقف أمام الباب بذهول وقهر وهو يرى ما حدث للتو. هل قتلها قبل معرفته ما حدث لها من قبله، أم أن ما استمع له خاطئ.
حملها آسر بين ذراعيه متجهاً للخارج ليتفاجأ بوجود فؤاد القابع أمام الباب، وكل ما بخاطره هو أن يتظاهر بانقاذها حتى ينفي التهمة عن نفسه، وبالطبع لم يرى ذلك العاهر حاتم الذي اختفى كلياً مختبئاً بإحدى الغرف.
ذهب خلفه سريعاً وهو يعلم أين توجه آسر، ولكن بطريقه للمشفى أتته بضع رسائل على حسابه الخاص ليرى بضع صور لآسر ودينا وهم بأحضان بعضهما البعض وورقة زواج عرفية، وأخيراً بضع صور لمحادثات بينهما والتي انتهت بشجار على كون دينا حامل وآسر يرفض الاعتراف بالطفل، ليتفقا على لقائهما اليوم، وبالتأكيد قام بوصل الخيوط ببعضها وهو أن آسر استدرجها هنا ليقوم باغتصابها وقتلها دون معرفته.
أحترقت الدماء بعروقه وأحتقنت عيناه بلهيب لا يعرف ماهيته. أهي قهر على تلك الخيانة التي تعرض لها من أقرب الناس إليه، أم قهراً على ما فعله صديقه وأخاه الروحي بأخته، أم غضباً من كلاهما وهما يخدعانه كل تلك الفترة. لا يعرف ماذا يفعل الآن، فقط كل ما يشعر به أنه إذا رأى أي منهما سيقتله حتماً.
وعلى الجانب الآخر، كان آسر يجوب المكان ذهاباً وإياباً حتى أتاه سيف بأقصى سرعة بعد تلقيه اتصاله ليقص له حقيقة ما حدث ويحثه للذهاب لفؤاد، فبالتأكيد هو ليس بخير وهو يجهل تماماً ما ظن به صديقه.
وبعد مرور ساعة مازالت دنيا في غرفة العمليات، ليرى سيف قد عاد له وملامحه لا تبشر بالخير.
سأله باهتمام:
إيه يا سيف؟ مالك؟
قص عليه الآخر ما وقع على مسامعه من فؤاد وما يظنه، والذي رفض أي تفسير آخر غير الذي بخاطره، يقسم أنه سيقتله ويقتلها هي الأخرى إن نجت، فهي تستحق كل ما حدث لها. صدمة ألجمت لسانه للحظات حتى خرج الطبيب يبشرهم بنجاح العملية.
وهنا قرر آسر خوض المعركة معه وحده وإخراجها من كل هذا، فهي بعد كل ما حدث معها لن تتحمل تلك النظرة من أخيها، وأيضاً يعلم تمام العلم مدى خطورة فؤاد الآن.
تحرك بوقار قائلاً:
تعالى على مكتبي يا دكتور.
وبعد ساعة انتشر خبر وفاتها للجميع، حتى سيف، فلم يعلم شخصاً أنها مازالت على قيد الحياة سواه، وقام بإرسالها للبنان لتبدأ حياة باسم جديد وحياة جديدة تماماً لا يشوبها شائبة غير أشباح الماضي الأليم التي عكرت صفو حياتها وأفقدتها القدرة على العيش بسلام، حتى أتى منقذها زين الذي تحمل منها الكثير، فما حدث لها جعلها كائن مضطرب شكاك في كل شيء، ينتابها الرعب لفكره اقتراب أي رجل منها، ولكن كانت تشعر أن هناك شيئاً ما مختلفاً به، لا تعلم لماذا تشعر بذلك الأمان بجانبه، حتى قصت له حقيقة ما حدث لها وأنها عاجزة أن تكون أي شيء سوى حطام امرأة قست عليها الزمن وأنها لا تصلح لأن تكون له أي شيء، ولكن عشقها الذي تربع داخل صدره كان سنداً لها وأقنعها بالزواج ليتزوجا، ولكن تلك الحادثة كانت سداً منيعاً بينهما، ولكنه لم يكن لهمه أي شيء سوى وجودها بقربه، حتى اقترح عليها باستشارة طبيبة نفسية، وافقته بعدما شعرت بمدى حبه بقلبها. مرت سنة أخرى وهو لم يمل يوماً منها، بل كان يحتوي كل ما بها من مخاوف بحنانه عليها، حتى وقعت بعشقه، وكان أسعد يوم بحياتها عند زيارتها الأخيرة للطبيبة عندما أخبرتها بأنها يمكنها ممارسة حياتها الزوجية بشكل طبيعي ودون أي مخاوف، لتبدأ معه أسعد أيام حياتها، حتى أتاها ابنها آسر، والتي أصرت على تسميته بهذا الاسم إكراماً لأخيها الروحي، والذي دائماً ما كان بجانبها حتى بعد سفرها، وكان السبب معرفتها بسيف، ولكن ظلت أشباح الماضي تؤرق منامها ويقظتها حتى بعد مرور كل تلك السنوات، حتى أتاها اتصال من السلطانة لتبدأ مع الجميع بداية أخرى، ولكن داخل بلادها.
"Back"
ـ بحبك.
كانت تلك آخر كلمة تنطق بها قبل أن يسحبها معه لعالم آخر، عالم لا يخص أي شخص عداهما.
***
وقف أمامها بابتسامته الخلابة متمتماً بحب واشتياق:
وحشتيني يا أميرتي.
صدمة ألجمت لسانها، لابد أنها تتخيل، لتقول بتلثم:
سـ.. سيف؟
وحشتيني يا رودي.
وجهت نظرة استفهامية لـ معتز الذي هز رأسه لها بتأكيد وكأنه يؤكد لها أن ما تراه حقيقة.
في لمح البصر كانت بداخل أحضانه، الدموع تنهمر من مقلتيها، مسد على ظهرها بحنان متمتماً:
اهدي يا حبيبتي.
ابتعدت عنه ببطء تطالعه بعتاب:
ليه يا سيف تعمل فيا كدا؟
مكنتش اعرف يا حبيبتي والله، أنا فوقت بعد ما عملت العملية ومقدرتش أرجع غير بعد ما اتعافيت.
بجد يعني أنت خفيت يا سيف؟
أومأ لها بإيجاب والإبتسامة تعلو ثغره، ليضم شقيقته لصدره من جديد.
بينما نظر لهما الآخر بحرج لا يعلم بماذا سيبرر له وجوده هنا بهذا الوقت، فقرر الانسحاب دون أن يشعرا به، ليوقفه صوته الماكر:
تعالى يا حلو رايح فين؟ هتسلم عليا ولا اتخضيت لما لقيتني قدامك؟ مكنتش تتوقع أني أجي دلوقتي صح؟
تنحنح ببعض الخجل:
حمد الله على سلامتك.
بينما نظرت له رودينا بتعجب متسائلة:
أنت كنت تعرف كل دا يا معتز؟
لم يجيبها ولكنه طأطأ رأسه للأسفل دلالة على علمه بالأمر. نظرت له بعتاب باكي وهي تركض من أمامهما، لتلتقط أذنها كلمات سيف الأخيرة والتي جعلتها تشعر بالذهول.
ـ وريني بقى هتعمل إيه يا بقا حلو فرحكوا آخر الشهر، مع السلامة يا ميزو.
وابتسامة خبيثة شقت ثغر سيف وهو يخرج من المنزل متجهاً للقصر.
بينما احتلت الصدمة معالم وجه معتز، لقد أوقعه بالفخ وعليه الآن تحمل غضبها.
***
في "قصر الشريف"، تجلس هي بتوتر. ها هي الساعة قد قاربت على الثالثة عصراً ولا يوجد أثر له ولا لحاتم بعد بحث دام عنه منذ فجر اليوم. هي على يقين بأن اختفاء حاتم له علاقة بآسر والذي تعلم مدى دهائه، ولكنها تخشى عليه من التهور، فما فعله ذلك المجرم به وبكل من حوله قد يدفعه لقتله دون أدنى شك. تنهيدة حارقة خرجت منها وهي تنهض ذاهبة لملجأها وأمانها الذي حماها لسنوات طوال.
طرقات خفيفة على الباب حتى استمعت بالإذن بالدخول. دلفت إليها بعقل تائه تشوبه كل الأفكار السيئة والتشتت الذي لم يعد يفارقها، تشعر بالضياع، تود لو تلقي بكل هذا بعرض الحائط وتأخذ هدنة مع نفسها فقد أرهقت بما فيه الكفاية، ولكن ما أسوأ هذا الشعور وهي حتى لا تستطيع ترك كل هذا خلف ظهرها. من جهة عملها وواجبها ومن الجهة الأخرى زوجها.
أما الأخرى بلمحة واحدة لوجهها علمت بأن ابنتها ليست على ما يرام، وكيف لها أن لا تعلم وهي أدرى الناس بها. فتحت لها ذراعيها وكانت تلك الإشارة لتلقي بكل أعبائها ورائها وترتمي بين أحضان والدتها إيمان، والتي مهما مر الزمن ووجد بحياتها الكثير ستظل لها الأمان والحب والاحتواء التي تعطيهم لها دون أي مقابل. هذه هي أجمل حسنة بحياتها.
ضمتها لها إيمان بحنان لطالما احتوتها متمتمة بقلق حقيقي:
مالك بس يا حبيبتي؟ فيكي إيه؟
تعبانة... تعبانة أوي يا ماما.
خرج صوتها المختنق بالدموع الذي احتقنت عليه عينها بها لتصبح بالون أحمر كالدماء.
بينما شددت إيمان من ضمها، تعلم أنها لن تنطق بحرف الآن، هي فقط تريد تواجدها. ظلت تربت عليها وهي تقرأ آيات من القرآن، وكان هذا كل ما تريده ريناد. لتغمض عينيها مستسلمة لنوم لم تذقه منذ أيام.
اندرستها والدتها بالفراش محكمة عليها الغطاء وهي تطالعها بحزن وحنان. هي ابنتها، ورغم اختلاف الحقائق ستظل ريناد أجمل ما حصلت عليه بحياتها.
ذهب لتصلي وتقف بين يدي الله تدعي ربها بأن ذلك القرار الذي أخذته في يوم ما لا يكون خطأ بحق ابنتها. ترى الألم الجلي بعينيها، وهذا أكثر ما يؤلمها. هي لا تريد سوى رؤيتها سعيدة، ولكن منذ أن وطأت قدماهما لهذا القصر وقد انقلبت حياتها رأساً على عقب.
الكثير من الأحداث تتابعت بداخل رأسها منذ أن عرض آسر الزواج على ريناد، وهي تعلم أن هناك شيء آخر خلفه، هي ليست بغبية. علمت هويته منذ اللحظة الأولى، علمت أن برأسه شيء ما، ولكن نظرة الحب بعينه لابنتها حثتها على الموافقة. هو لم يخيب أملها قط، ورغم علمها بمحبة ابنتها له والتي قد يراها الكفيف بوضوح، إلا أن الحزن يلازم عينيها دائماً. لم تعد تعلم ماذا تفعل، ولكنها تدعي ربها بأن يريح قلب ابنتها وينعم عليها بالسعادة.
طرقات خفيفة على الباب قبل دخول حبيبة للغرفة، والتي نظرت لريناد باستغراب قبل أن تتجه بنظرها لإيمان الجالسة على سجادة الصلاة لتباغتها باستفهام:
هي مالها يا خالتو؟ شكلها تعبانة أوي.
مالها دي؟ أنتي اللي تقوليها مش أنا يا قلب خالتو.
نظرت لها بارتباك قبل أن تجيبها بتلثم:
وأنا هعرف منين بس يا حجة إيمي؟
عليا برضو يا بت؟
قبل أن تنطق حبيبة بحرف استمعت لصوتها الذي لا يزال يحمل أثر النعاس:
عملتلها حصار أوم أوم كدا يا ماما؟
ـ الحمد لله أنك صحيتي يا شيخة، دا الحجة إيمي بتقررني وبتتهمني بحاجات وأنا والله بريء يا بيه.
كان هذا صوت حبيبة المازح.
ـ أيوا أيوا طالما اجتمعتوا مش هاخد منكم حق ولا باطل.. يلا يا حبيبتي قومي اتوضي وصلي وأنا هجهزلك حاجة تاكليها.
ـ لا يا ماما مش قادرة آكل دلوقتي.
كادت إيمان أن تعترض ولكن قاطعها صوت الخادمة تخبر ريناد بقدوم سيف وطلبه رؤيته.
تطلعت الفتاتان لبعضهما البعض.
ـ تمام أنا جاية حالا.
ذهبت الفتاتان تجاه غرفة المكتب والتي ينتظر بها سيف، الذي صُدم من وجود حبيبة التي تقف أمامه من جديد، فهو لم يرها منذ عودتها من السفر، بينما لم تقوى هي على النظر بعينه من شدة خجلها منه.
قاطع نظراتهم صوت ريناد المتلهف وهي تسأله:
آسر فين يا سيف؟
ليجيبها مطمئناً:
متقلقيش، هو كويس والله، بس خلي حد ينادي جين عشان عاوزكوا.
***
بغرفة كساها اللون الأبيض، مجردة من كل شيء سوى فراش باللون الأبيض عليه شراشف بيضاء تماماً، فاق يفتح عينيه ببطء شديد من شدة الضوء حتى اتضحت الرؤية أمامه بوضوح. نظر حوله وهو لا يرى أي شيء سوى اللون الأبيض، كل شيء من حوله بنفس اللون حتى ملابسه الذي لا يتذكر كيف ومتى ارتداها، وهو لا يستطيع التفكير بأي شيء سوى ألم رأسه اللعين. توسعت عيناه بشدة وتملكه الحقد عند تذكره كل ما حدث من ألاعيب عليه. تذكر كيف تم خداعه من قبل كل واحد منهم، فمن ظنه مات كان على قيد الحياة، سب بدخله ذلك العقرب الذي لا يمل ولا يتوقف عن عرقله حياته، يقسم أنه سينتقم من الجميع ولن يرحم منهم أحد.
نظر حوله بسخرية وهو لا يفقه شيئاً عن ما ينوي عليه آسر، فما قد تكون خطته بوضعه بغرفة موحدة اللون لا يوجد بها أي شيء سوى الأبيض لم يخطر بباله أبداً. الإرهاق النفسي الذي قد يقوده للجنون، فقد إن بقي بهذه الغرفة التي قد تفقده عقله بالكامل.
وقعت عيناه على ذلك الطبق الذي يحتوي على القليل من الأرز الأبيض وبجانبه كوب من الماء، الذي امتنع عنهم أول الأمر، ولكن مع تضوره جوعاً قرر تناولهم على مضض وهو يسبهم بأقبح الشتائم، يقسم على تلقينهم درساً.
بينما كان يراقباه باستمتاع وهم ينتظران مفعول تلك الحبة التي وضعاها له بالماء.
مرت دقائق قليلة حتى وجدا يقف بأحد جوانب الغرفة يصرخ كالنساء وهو يرى أشباح أشخاص قد تسبب بقتلهم بالفعل، وكل منهم يتجه إليه يود قتله. ظل يركض بأرجاء الغرفة بخوف محاولاً الهرب منهم.
بينما علا صوت ضحكات آسر وفؤاد وكأنهما يشاهدانه بتلك الحالة بتلذذ واستمتاع لن يستوعبه غيرهما.
ورغم شعور الاستياء الذي يشعر به كلاهما على ما يفعلانه وما توصلا له من أفعال شنيعة بسببه، إلا أنهما يشعران بلذة الانتصار بعد كل ما واجهوه بسببه. كل شيء حدث بحياتهم أو بحياة من حولهم كان بسبب هذا الوضيع. لن ينسى كم من مرة حاول التقرب من أمه وهو صغير لا يفقه شيئاً وكم مرة حاول مضايقتها وهي تصده بشدة، ولم يتوقف عند هذا الحد، حاول قتلها هو وتلك المدعوة منى قبل زواجها من أبيه ليقوما بخداعه وهما على علاقة قذرة ببعضهما البعض، لم يكتف بذلك ليقوم بانتهاك براءة شقيقه صدقه بكل وحشية ووضاعة لتلفيق التهمة له والتفرقة بينه وبين أخاه الروحي وجعله أكبر عدو له، كان السبب بتعاسة حبيبته وجعل من كانت تظنه والدها يعمل بأعمال مشبوهة مثله وتوريط أخاها الروحي معه كذلك، ليقوم ليقوم باختطافها ومحاولة التعدي عليها وخطفه رودينا وتعذيبها لسنوات وهي طفلة بريئة لا تفقه شيئاً عن الحياة، حرمانه من أمه للكثير من السنوات، وجعل صغيرته ملك يتيمة الأبوين في سن صغير، بخلاف محاولات تخريبه لعمله طوال تلك السنوات، قتله لوالدي داليا والتي يعتبرها بمثابة أخت له، وأخيراً محاولة سجنه بتهم لم يفعلها. كان كل هذا أكثر من كافي لدفعه للانتقام وبشدة، فهاذا الحاتم لعنة تصيب كل من حوله، فلولاه لعاش بسلام.
كل هذا زاد نار الانتقام التي تحرق صدره والتي كانت تماثلها نيران ذلك القابع جواره ليقسما على تلقينه درساً لن ينساه طيلة حياته وممارسة عليه أشد أنواع العذاب ولكن دون أن تلمسه أيديهما.
***
حضرت جين لغرفة المكتب الذي يترأسها سيف وهو يحثهم على عدم القلق وأن آسر وسيف قد يعودا خلال يومين أو هذا ما ظنه هو الآخر ولا داعي للقلق.
ولكن حديثه لم يفعل شيئاً سوى زيادة رعب ريناد من القادم.
ليكمل سيف حديثه بإخبار جين بأن عليها تولي أمر شركة الفؤاد لحين عودة صديقه.
وقبل إكماله وقفت ريناد قائلة:
هكمل أنا يا سيف بعد إذنك جين أني هتمسك إدارة شركتك وشركة فؤاد لحد ما يرجع وجون هيساعدك إنما سيف وحبيبة هيتولوا شركات الشريف مع بعض لحد ما آسر يرجع أما أنا مش هقدر أروح الشركة الفترة دي معلش.
أنهت كلماتها وذهبت أمامهم على الفور والجميع ينظر لها بنظرات غير مفهومة.
***
عند رودينا ومعتز.
ـ يا رودي بالله عليكي افهميني، مكنش ينفع أقولك حاجة يا روحي دي سرية شغل، إزاي هقولك؟
بصت له بنظرات حارقة قبل أن تحدثه بشراسة:
ـ سرية شغل؟ شغل إيه دا لما تبقي شايفني بتحرق وبتعذب كل الفترة دي ومتقوليش، تفتكر مكنش من حقي إني أعرف إن أخويا عايش؟ شكراً أوي يا معتز.
ـ بس افـ...
ـ اسكت يا معتز، متكلمنيش، مش عاوزة أسمع صوتك.
ألقت كلماتها السليطة عليه وتركته خلفها وعيناه متوسعة بشدة. هل حقاً يستمع لتلك الكلمات من تلك الصغيرة؟ ولكنه سيفعل أي شيء لإرضائها، فهو يعلم بكل ما عانته بالفترة الماضية.
***
"ماما"، قالتها ملك بفرحة وهي تركض نحوها كل كالطفلة الصغيرة. ضمتها حياة بحنان.
ري جون يقف على بعد بخجل.
ـ تعالي يا جون عامل إيه؟
أجابها بحرج:
الحمد لله يا طنط، وأنتي؟
ـ طنط مين يا عبيط أنا خالتك ياض، صحيح جومانا فين؟
ـ ماما وبابا سافروا يخلصوا شوية حاجات وهيرجعوا آخر الشهر.
ـ بص يا حبيبي، أنا عارف إن فيه حاجات غريبة أوي حصلت الفترة اللي فاتت ومش من السهل إنكم تتقبلوا كل ده، بس أخيراً كل حاجة اتكشفت. أنت ابن من دلوقتي قبل ما تكون ابن أختي، كان نفسي أكون معاكم وأنتم بتكبروا قدامي بس كله نصيب. المهم منضيعش من العمر أكتر من اللي راح.
ـ طبعاً حضرتك زي والدتي.
اقترب منه تعانقه بحنان قائلة بمزاح:
ـ طب إيه مش هاخد حضن بقى؟
بادلها العناق وهو يشعر بالسعادة، فها هي عائلته تكبر كل يوم عن الذي قبله، فطالما كان يشعر بأن هناك ما ينقصه، فبأمريكا لم يمتلك سوى والديه وأخته، وها قد ربطه رابط خاص بهذا البلد وبكل من به من أناس تعني له الكثير.
طالعته ملك بابتسامة صادقة قبل أن تتدخل مازحة:
ـ لا أنا كدا أغير بقى حرام يا ناس، أنا واحدة اتحرمت من أمي سنين يجي سي جون ويلهفها على الجاهز، قال إيه خالته.
تشارك الجميع الضحك بسعادة قبل رؤيتهم ريناد تتجه لغرفتها ولم تنتبه لأي منهم وكأنها مغيبة عن كل شيء حولها.
ذهبت خلفها حياة لترى ما إن كان بها شيء ما، طرقت على الباب قبل دخولها لغرفتها تحدثها بلطف، وها هي قد عادت حياة لسابق عهدها، لطيفة وحنونة بعيدة كل البعد عن الخبث والخطط، بعد حصولها على حقها وحق أبنائها كما أرادت.
ـ ممكن أقعد معاكي شوية؟
أغمضت عينيها بارهاق قبل أن تجيبها: لماذا لا يتركها أحد أن تنعم ببعض الوقت مع نفسها؟ لماذا يحاول الجميع الضغط عليها بكل السبل؟ إلى متى عليها تحمل كل هذا؟
ـ أكيد طبعاً اتفضلي.
ـ بصي يا ريناد أنا أكتر واحدة تقدر تفهم أنتي بتمرى بإيه دلوقتي، والي أكيد مش هقعد أعدلك واحدة واحدة عن الحاجات اللي مضيقاكي والي الأكيد أنا عارفاها لأني عشت قصة مشابهة ليها، بس أنا حابة أقولك أني موجودة في أي وقت أسمع وأساعدك لو احتاجتي مني ده، إحنا الرابط بينا كبير يا بنت اختي قبل ما تكوني مرات ابني.
علامة سخرية اتضحت بمقلتيها. أي اخت هذه؟ هي بالكاد تعرفت عليها، وأي زوجة ابن؟ هي حقاً لا تعلم ما تصف نفسها به. ولما تحولت حياتها لمسرحية كاذبة.
فهمت حياة ما يدور بداخلها لتربتت على يدها تخبرها بنبرة ذات مغزى:
في أوقات بنحس بالضياع، بس لو استسلمناله هنقع ونتحول لأشخاص ضعيفة وغبية. حددي عاوزة توصلي لإيه وهتوصليله.
ربتت على يديها مرة أخيرة قبل أن تنهض متجهة للخارج، ليوقفها صوتها المنادي لها لأول مرة.
ـ خالة.
التفتت لها بفرحة ذلك اللقب لتمتم الأخرى بامتنان:
ـ شكراً.
ابتسمت لها بصفاء قبل أن تغلق الباب خلفها.
***
وبحبه أخرى زادت الهلاوس عنده ليقتنع ويفعل كل شيء يقوله فؤاد من بكاء الصوت وهو يجلس على الفراش يضع يديه خلف ظهره وكأنه مكبل بحبل، يصرخ وكأن شخصاً ما يجلده، وفي الحقيقة أنه لم يمسه أي شخص. بينما يتابعاه بتشفّي وهم يرونه بتلك الحالة.
أتاه صوت فؤاد:
جت في بالك إزاي الفكرة دي يابن اللعيبة؟
آسر الشريف ميوسخش إيده بواحد زي حاتم، إحنا كل اللي علينا بس نتفرج عليه وهو بيتجنن واحدة واحدة.
ابتسم فؤاد برضا عن كل ما يحدث بالفترة الأخيرة، فكل ما خططا له حدث، ليضيف آسر على انتقامهما لمسته الساحرة. لينظر له بتساؤل:
ليه مخلتش سيف معانا؟
أجابه بحكمة:
حاتم كان هيصاحب عليه من أول دقيقة، وكمان كان لازم يبقى فيه راجل مع الستات دي كلها وجون مش هيلاحق على كل ده لوحده. هو لسه تعبان ومش هيستحمل، ومحدش هيفهم النار اللي جوانا غيرنا يا فؤاد، أنا وأنت أكتر حد الراجل الغبي اللي جوا دا أذاه، برغم غبائه.
أومأ له بتفهم وكأنه يؤكد على كل حرف.
رواية في حبه رأيت المستحيل الفصل الأربعون 40 - بقلم سارة شريف
مرت أربعة أيام وخمس ليالي لم يستطع أحد التوصل لهم، خاصة هي. فقد فعلت كل ما بوسعها لتجده ولكن بدون جدوى. كان حريصاً أن لا تعثر عليه.
نظرت إليها وهي تجلس بتوتر على الفراش، وقد شحب وجهها كثيراً بالأيام السابقة. لا تعلم لم فعلت كل هذا بنفسها، تعلم أنها قلقة ولكن ليس هذا كل ما يؤرقها، هي أعلم الناس بها.
"ريناد، هدي. آسر وفؤاد مش أغبياء عشان يتصرفوا من غير عقلك."
كان هذا صوت حبيبة التي تحدثت لتهدئ من روع صديقتها، والتي فقدت كل ذرة على التحمل بالأيام الأخيرة.
نظرت لها نظرة لم تستطع الأخرى فهمها.
أتاها صوت حبيبة المقترح: "طب ما تكلمي ريحان، هي الوحيدة اللي تقدر توصل لمكانهم."
"أنا معرفش هم ممكن يكونوا عملوا إيه فيه، وعشان كدا مش عاوزة أي تدخل رسمي قبل ما أفهم اللي حصل. المهم روحي أنتي الشركة وأنا عارفة هعمل إيه."
نهضت حبيبة متجهة للشركة، وهي حقاً لا تعي ما يدور بخلد صديقتها، ولأول مرة لا تستطيع فهم ما بها.
بينما رفعت الأخرى هاتفها وضغطت عدة أرقام، وانتظرت ثواني حتى أتاها الرد. تعلم أنها تستغله، ولكنها قد تفعل أي شيء الآن حتى تصل لمرادها، وتبًا لما قد يفكر به من اتصالها هذا.
***
وعلى الجانب الآخر، كان يجلس يحدق بالفراغ، يهذي بكلمات غير مفهومة، وكأنه قد فقد عقله بالكامل. ولنقل أنه قد فقده بالفعل بعد كل ما حدث له بالأيام الماضية. كان أكبر من تحمله. من قال أن العذاب الجسدي هو أسوأ شيء يمكن التعرض له، فهو كاذب. فالتلاعب بالأعصاب والترهيب النفسي أسوأ ما قد يتعرض له أحد في يوم ما.
وهذا ما فعلاه معه بعد سجنه بغرفة بيضاء لثلاثة أيام. جعلته يفقد الشعور بكل شيء وأي أحد. لم يعد يرى أي شيء سوى اللون الأبيض، حتى بعد إخراجه من تلك الغرفة ووضعه بغرفة أخرى. ولكنه لم يشعر بهذا أبداً، وكان كل شيء توقف عند تلك الكلمة: أبيض. هذا كل ما يراه، حتى أنه نسي إن كانت هناك ألوان أخرى أم لا.
كل هذا وهما بداخلها نار تحرقهما، تأبى الخمود. ما فعله بهما وبأحبتهما كان كثيراً، وها قد أتى دورهم ليستمتعا بتعذيبه كما يحلو لهما، كما فعل هو في السنوات الماضية. أفكار سوداوية احتلت عقله بمرضية شديدة لم يشعر بها يوماً ما. ما أصعب أن تتحول من شخص لآخر، لم تكن تظن أن تصبح هو يوماً ما.
صوت طرقات على الباب انتشلته من أفكاره التي لو استسلم لها لأحرقت دون هوادة.
تبادل كل منهما النظرات حتى تقدما من الحاسوب ليروا من الطارق.
تفاجأ بوجودها، لينظر له قائلاً: "فؤاد، معلش هفتحلها وأخرج لحد ما أتكلم معاها."
أومأ له.
بينما هي تقف أمام الباب بتوتر، تأمل أن يكون بالداخل. مرت عليها ثوانٍ وكأنها أعوام وهي تنتظر أن يُفتح هذا الباب اللعين وتراه يقف أمامها.
صوت الباب يفتح ورؤيته يقف بطالته لطالما خطفت أنفاسها، جعلتها تسترد روحها التي فقدتها منذ ذهابه، حتى أنها لم تلحظ فؤاد الذي تخطاها وهو يترجل لأسفل حتى يترك لهم الفرصة للحديث. كل كلمة نظمتها لتستطيع التحدث مع ذهبت مع الريح، وكان حضوره يُنسيها كل شيء سواه.
شهقة خافتة خرجت منها عندما جذبها له فجأة لترتطم بصدره وهو يحكم ذراعيه عليها في عناق حاد جمع فيه كل المشاعر المتخبطة بداخله. فبرغم أنه لم يتوقع وجودها، إلا أن وجودها أفضل ما حدث له الآن. هي ملاذه الوحيد.
لا إرادياً وجدت نفسها تحاوطه. لا تعلم متى التفت يدها حول عنقه، ولكن لا يهم، فكل ما يهمها الآن هو وجوده أمام عينيها.
ظلا بهذا الوضع لبعض الوقت، لا تعلم أن كان دقائق أو ثوانٍ أو حتى لحظات. ولكن عليها استعادة وعيها وتذكر لما أتت لأجله.
ابتعدت عنه برفق، ونظرت له قليلاً قبل أن يخرج صوتها بنبرة متسائلة بتريث: "حاتم فين يا آسر؟"
ابتسامة جانبية علت ثغره وهو يسألها بتلاعب: "وإنتي عرفتي منين إنه معايا؟"
"من عاشر قوم يا سيدي."
أمسك كفها بين يديه يسحبها معه للداخل، حتى توقفت من تلقاء نفسها بصدمة وهي تراه يجلس على أريكة ينظر للفراغ، غير واعٍ لأي مما يحدث حوله، وكأنه شخص آخر غير ذلك الذي ظلت تعمل لأشهر كثيرة حتى تستطع الإيقاع به. ولكن لحظة، ما هذه الغرفة البيضاء؟ لحظات حتى توسعت حدقتاها الزرقاوتان بصدمة بعد ما فهمت لما وصل حاتم لتلك الحالة. نظرت له لعله ينفي ما توصل له عقلها، ولكن ابتسامته المتشفية تلك أكدت لها كل ما تفكر به.
"ليه يا آسر كدا؟ ليه تعمل كدا؟"
تحولت نظرته للقهر وهو يغمغم بمتعة متشفي لكل ما فعله به: "يستاهل يحصل فيه أكتر من كدا. أنا عمري ما كنت هسيب حقي."
"حاتم لازم يرجع."
"مش دلوقتي يا ريناد، لسه مكتفيتش."
جذبته من ذراعه بخفة ليقف بمقابلها. نظرت بعينه وهي تحدثه بمنطق: "تقدر تقولي وأنت كدا اختلفت عنه إيه؟ بعد كدا اللي بتعمله وعاوز تكمل فيه دا، ما تقول ولا أقولك أنا، هتتحول لحاتم تاني بيأذي ولا بيهمه أي حاجة. ومتفكرش إنك لما تكمل في اللي بتعمله دا هترتاح، الذنب دا ما هو إلا بداية لذنوب تانية كتير أنت في غنى عنها."
نظرت له بعينين احتقنت بالدمع، مكملة لعلها تجعله يتراجع عن إكمال ما بدأه: "إنت أجمل وأنقى بكتير من أنك تبقى زي واحد حقير زي حاتم دا. أنا أكتر واحدة عرفاك يا آسر وعارفة ومتاكدة إن من جواك مش حابب تكون الشخص دا. أرجوك لازم تسيبه وتوكل أمورك على ربنا. ربنا مش بيسامح في حق حد، هيجبر خاطرك بس لازم تثق فيه."
وكأنها رأت ما بداخله كيف وصفت إحساسه بالمك. على ما يفعله بهذا الشكل، كيف عمته نار الانتقام لينحدر إلى هذا المستوى. عليه أن يعود لرشده ويفعل ما هو صواب، ولو كان سيعاقب على ما فعله.
أخرج هاتفه وهو يضغط زر الاتصال بفؤاد ليخبره بما يفعله وأنه عليه الذهاب، وهو سيتحمل كامل مسؤولية ما حدث لحاتم واختفائه. ليرفض فؤاد الفكرة رفضاً قاطعاً، مصمماً على إنهاء الأمر معه للنهاية كما بدأه معاً.
أنهى اتصاله وتوجه لها ليخبرها بالإبلاغ عن مكانه وأنه على استعداد للعقاب على فعلته غير القانونية.
ابتسمت وهي ترفع هاتفها قائلة: "تعالى يا يزن."
خلال ثوانٍ معدودة كان يقف أمامه شاب شديد الوسامة بخصلاته الشقراء وجسده الرياضي وعينان حادة كالصقر، وخلفه بعض العساكر ليتحركوا بأمر منه للقبض على حاتم. ليقف بمقابلها بإعين تفيض عشقاً لها قائلاً بمودة مازحة: "كدا تمام يا فندم ولا في أوامر تانية؟"
ضحكت بخفة لمزاجه قائلة بامتنان: "شكراً بجد يا يزن، مش عارفة أقولك إيه."
دقت الطبول بقلبه لرؤيته ضحكتها بعد كل تلك السنوات منذ آخر مهمة قاما بها معاً. تمالك مشاعره التي تظهر أمام الأخر كالفضيحة وهو يخبرها: "شكراً إيه بس، إحنا مفيش بينا الكلام دا. أنا تحت أمر في أي وقت، مش محتاجة أقولك يعني."
كاد أن يرحل ولكن أوقفه ندائها باسمه بصوتها الذي جعل قلبه وكأنه في سباق من شدة ضرباته: "يزن."
التفت لها دون أن يتحدث.
"متنساش اللي اتفقنا عليه، أنت اللي لقيته."
"متقلقيش، كلو اتظبط."
فر من أمامها وهو على يقين إن ظل أمامها وقت أكثر سيفعل ما لا يحمد عقباه.
بينما الأخر بداخله لهيب ونيران قد تحرق الأخضر واليابس. ولكن أفاقه دخول فؤاد القائل بتعجب: "هو في إيه؟ أنا مش فاهم حاجة."
أجابته ريناد بابتسامة: "استعنت بصديق، وهيقول إنه اتبعه ووصل لمكانه، وانتوا بعيد عن الموضوع خالص."
ابتسم لها وشكرها على ما فعلته.
بينما امتثل آسر الصمت. أراد الفتك بها وبه، ولكنه سيخرب كل شيء إن فعل هذا الآن.
تحرك ثلاثتهم للخارج متجهين للقصر.
***
وبعد مرور أسبوعين، عاد كل شيء كالسابق وعاد الجميع لعمله وحياته بعد وقف محاكمة حاتم وتحويله لمستشفى الأمراض العقلية. جلس بها ثلاثة أيام حتى انتشر خبر انتحاره، لتكن تلك نهاية لكل أفعاله السيئة. فهو قد عاش عاصياً ومات كافراً، وعلى كل حال فهو قد صار بين يدي الله.
الجميع يجهز لزفاف رودينا ومعتز الذي سيقام خلال يومين.
بغرفة تجمعت بها الفتيات: ريناد وحبيبة وملك وجين ورودينة.
"ابتسمي كفاية بقا. الراجل حاف وراكي عشان يصالحك، فرحكوا بعد يومين."
كان ذلك صوت حبيبة لتجيبها رودينا بعند: "لا يعني لا. إزاي يعني يخبي عليا حاجة زي دي؟"
"سيبك منها يا حبيبة، دي بتدلع عشان ولا بلاش أقولهم بقا اللي ربنا ستره ميفضحهوش."
امتلأت صوت ضحكاتهم بالغرفة، لتنظر لهم رودينا بضيق وتتركهم وتخرج بتذمر.
"حرام عليكي يا ملك، لي كسفتيها كدا."
"بس يا رينو، دي لازم تدق على دماغها والله. هي اللي حرام عليها اللي بتعمله في معتز دا."
أيدتها جين قائلة: "معاكي حق والله. عاوزين ننزل نجيب فساتين بكرة، مفيش شغل. إحنا اشتغلنا بما فيه الكفاية الفترة اللي فاتت."
نظرت ريناد لجين قائلة بضيق طفيف: "بنتي، أنتِ بقولك إيه؟ تجيبي لكِ حاجة محترمة كدا بدل القصقيص اللي بتلبسيها دي، وخصوصاً وإنتي معايا مش هيبقي اللي غطيناه عريناه من الناحية التاني."
علا صوت ضحكت حبيبة وملك، بينما تحدثت جين بضيق خجل: "كدا كدا هنجيب حاجة متغطية شوية."
"دا باين كدا فؤش مسيطر، ولا إني إيه رأيك يا حبيبة؟"
"أيوه طبعاً، أمال إيه."
كادت جين التحدث ولكن قاطعهم صوت الخادمة تخبر ملك أن جون يريدها بالأسفل.
نظرات خبيثة اتجهت نحوها من حبيبة وجين، جعلت وجنتيها تحمر خجلاً قبل أن تتحرك من أمامهم بسرعة.
نظرت نحو أختها تسألها باهتمام: "مالك يا ريناد؟"
ابتسمت لها الأخرى قبل أن تجيبها: "أنا كويسة."
"إنتي توامي يا ريناد، أنا حاسة إنك مش كويسة. فيكي إيه يا حبيبتي؟"
وكانت كلماتها كإشارة لها لزوال كل ذرة من التحمل بداخلها لتبدأ بالبكاء دون توقف.
تطلعت الفتاتان لبعضهما البعض وهما على يقين أن ما بها من المؤكد أن له علاقة بآسر.
تقدمت جين تربت على ظهرها حتى هدأت، تطلعت في الفراغ متمتمة بحزن: "أنا بحبه."
"طب ودي حاجة تزعل أوي كدا؟"
"بالعكس، آسر أجمل مما أنا أتخيل. بس أنا مش حاسة بحبه ليا، مش بشوف غيرته عليا رغم إني عارفة إنه مش عاقل في غيرته. خايفة يكون ندمان إنه اتجوزني، وهو جاف أوي في التعامل معايا. أنا... أنا جوايا أحاسيس كتير أوي مش عارفة أوصفها، بس أنا حاسة بوجع. المشاعر الباردة اللي بحسها منه ناحيتي مش زي سيف لما كان غيران من أحمد، ولا حتى فؤاد."
لم تستطع أي منهما نفي ما تحدثت به، فالجميع يرى تعامل آسر معها على مودة واحترام فارغة من أي مشاعر أخرى. ولكن حبيبة لا تقتنع بهذا بتاتاً، فقد رأت حبه لها في عينه. لا تعلم لما يفعل كل هذا.
"بقولكوا إيه، سيبكوا من النكد دا وتعالوا ناكل، أنا جعانة."
***
تسريع للأحداث.
مر حفل الزفاف بأكمله ليبدأ حياة جديدة معاً. تم الجمع بين الثلاث شركات، عاد بيرك وجمانة أخيراً للاستقرار بمصر وقاما بشراء فيلا بالقرب من القصر، كما فعل سيف وفؤاد. وها قد اقترب موعد زفافهما اللذان قررا إقامته معاً وبيوم واحد.
بمكتب آسر، دلفت هي وبيدها بعض الملفات تحدثه بعملية: "M.R آسر، محتاجة إمضتك على الأوراق دي."
أخذ يوقعها بسرعة، علها تخرج وتريحه من تلك الربكة التي تصيبه بمجرد حضورها. يعلم أن استسلم لمشاعره لن يستطيع تولي زمام الأمور بعدها، وهذا ما لا يريده.
بينما هي ملت هذا الجفاء، تحمد ربها على تلك المهمة التي أتتها بالوقت المناسب، تبعدها عن كل ذلك.
التقطت الأوراق من يديه بعد انتهائه منها وهي تخبره: "أنا مسافرة الفجر."
ألقت الكلمة على مسامعه قبل خروجها، لا تعلم مدى تأثيرها عليه.
***
فجراً اليوم التالي، جمعت أغراضها تستعد للرحيل. وفي طريقها للخروج، وجدت من يجذبها داخل الغرفة، والذي علمت هويته على الفور من رائحة عطره التي تعرفها عن ظهر قلب، ولكنها التزمت الصمت.
عانقها بشدة، دافناً وجهه بتجويف عنقها متمتماً: "أوعديني إنك هتكوني كويسة."
أجبرت نفسها على الابتسام وهي تجيبه مطمئنة: "متقلقش، مش أول مرة. هكون تمام."
أنهت جملتها وذهبت من أمامه دون أن تبادله العناق، فقد ملت تلك المشاعر التي تسيطر عليها بصحبته، وباتت تكره ذلك التشتت التي تشعر به معه. فهو تارة حنون ومهتم، وتارة أخرى جاف معها. عليه أن يقرر بمفرده، أما أن يكون معها بقلبه وروحه بل بكيانه بأكمله، أو يتركها للأبد. فقد سئمت كل ما يحدث.
كان هذا ما تفكر به طوال الطريق وهي على متن الطائرة المتوجهة بها إلى "نيويورك"، وبصحبتها يزن وفريقه.
***
في صباح نفس اليوم، دلفت حبيبة مكتب سيف متمتمة: "مستر سيف، فاضيلي شوية."
ترك ما بيده على الفور وهو يجيبها بعشق: "ولو مش فاضي، نفضيهولك يا قمر."
شقت ابتسامة طفيفة ثغرها وهي تنظر له، ليقترب منها محاوطاً خصرها يقربها له متحدثاً بتساؤل: "مالك يا حبيبتي؟"
راحت رأسها فوق صدره باستسلام متمتمة: "حاسة إن قلبي مقبوض يا سيف. أول مرة تطلع مهمة ومكونش معاها فيها."
"متقلقيش يروحي، هترجع بالسلامة وكل حاجة هتبقى تمام. وبعدين عاوزة تسيبيني وتروحي فين يا بت؟ أنتي."
"تعرف أكتر حاجة مطمناني إيه؟"
"إيه؟"
"إن يزن معاه."
نظر لها باستغراب متمتماً: "اشمعنى؟"
أجابته بتلقائية: "يستحيل يسمح لحاجة تحصلها وهو موجود. دا ممكن يضحي بنفسه عشانها. أنت متعرفش عمل إيه عشانها واحنا في ليونان. من الآخر كدا، لو في حد ممكن يضحي بحياته عشان بس تبقى ريناد بخير، هما اتنين: الفريدو ويزن."
"ياه، للدرجة دي؟"
"وأكتر كمان. أنا شوفت بعيني إزاي يزن وقف قدامها عشان يحميها وساعتها خد 3 طلقات بس عشان متتأذيش. والفريدو اللي حياته كلها كانت في خطر بعد ما كشفها وخبي، لا وكمان اتفق معاها عشان تحقق اللي هي عاوزاه. أنت مش متخيل دول ممكن يعملوا إيه عشانها. من أربع سنين ولحد النهاردة هما زي ما هما، ممكن يضحوا بنفسهم عشان ريناد. والفريدو اللي جه مخصوص من ليونان عشان يشوفها يوم عملية السلاح بتاعة حاتم، رغم إنه كان ممكن يخلص الموضوع من هناك."
ضحك بتعجب قائلاً: "عارفة لو آسر سمع الكلام دا هيعمل إيه؟"
ابتسمت بسخرية على كلمته متمتمة: "قال يعني هيفرق معاه."
"ليه بتقولي كدا؟"
"لا ولا حاجة. أنا هسيبك تكمل شغلك."
كادت أن ترحل ولكنه جذبها نحوه لترتطم بصدره العريض، يحاوط خصرها بيده متمتماً بخبث: "إنتي فاكرة نفسك راحة فين يا حلوة؟ دا إنتي جيتيلي برجلك، وابقا راجل مبفهمش بصراحة لو سبتك تطلعي كدا."
حدقته بصدمة خجلة وهي تتمتم: "سيف، بالله عليك بس بقا، إحنا في الـ...ـ"
قاطعها بقبلة معترضة على كلماتها وهو يشدد من ضمها له.
حتى دفعته بعيداً، تركض من أمامه ولم تلحظ عينا مروة التي تابعت ارتباكها عند خروجها من مكتبه ووجهها الذي كساه اللون الأحمر.
***
جلس بمكتبه لا يستطيع التركيز بأي شيء. يشعر بالقلق ينهش قلبه. لماذا لم يمنعها من الذهاب؟ ولكن هل كانت لتوافق إن فعل هذا؟
قاطعه صوت سيف الساخر: "ولما أنت قلقان كدا، بتعمل معاها كدا ليه؟"
نظر له ولم يرد أن يجيبه، فالتزم الصمت. ليباغته الأخر بإكمال حديثه بخبث: "على العموم، الخطر كله راح وتقدر تسيبها دلوقتي، واهو سيادة الرائد ياخد فرصته. أنا عرفت إنه بيحبها أوي، دا حتى حبيبة قالتلي إنه ضحى بحياته عشانها قبل كدا."
كانت تلك الكلمات آخر ما قاله قبل خروجه من المكتب، تاركاً الأخر يحترق وكأنه داخل بركان. لقد رأى الحب الجلي بعيني ذلك الأحمق، ولكن ما لعنه تضحيته تلك.
***
مرت ثلاثة أيام ولم يستطع أحد التواصل معها، فهاتفها مغلق منذ رحيلها. دب الرعب بأوصال كل من آسر وحبيبة وجون، فهم فقط من كانوا على علم بسبب سفرها الحقيقي. وحبيبة التي كانت على وشك الانهيار، فهي لا تستطيع التواصل مع يزن أيضاً، مما دب الرعب بأوصاله.
بـ "نيويورك"، بالتحديد داخل أحد المخازن المهجورة.
كانت تجلس على أحد المقاعد مكبّلة الأيدي. تقف أمامها تلك السيدة الجميلة المدعوة بـ "مريان" ذات الشعر الأشقر والقوام الممشوق وتلك العينين الزمرديتين. فكانت على قدر ساحر من الجمال، التي على وجهها ابتسامة متشفية وهي تراها مكبّلة أمامها بهذا الشكل.
"What do you think of this plan, my dear? It is true that you do not know anything about my plan, but I will tell you now. I was the one who planned all this and the flimsy information I sent you so that you could come here."
"ما رأيك بتلك الخطة عزيزتي؟ صحيح أنكِ لا تدرين شيئاً عن خطتي، ولكني سأخبركِ الآن. أنا من خططت لكل هذا وتلك المعلومات الواهية التي أرسلتها لكم حتى تأتي إلي هنا."
نظرت لها ريناد بجمود متمتمة: "Why did you bring me here, Marian?"
"لماذا أتيتِ بي إلى هنا يا ماريان؟"
أجابتها بسخرية: "I miss you."
"لقد اشتقتُ إليكِ."
"Stop this nonsense and tell me what you want from me."
"دعكِ من هذا الهراء وأخبريني ما الذي تريدينه مني."
حدقتها بأعين يتطاير منها الشرر وهي تخبرها: "Didn’t I tell you to stay away from Alfredo? Why don’t you stop standing between me and him?"
"ألم أخبركِ بالابتعاد عن الفريدو؟ لماذا لا تتوقفين عن الوقوف بيني وبينه؟"
وكأنها كان ينقصها تلك الحبيبة المجنونة. لماذا عليها أن تكون بهذا الغباء لتجيبها بانفعال: "Why are you so stupid? If I wanted him, I would never have left him. How many times do I have to tell you that I have no relationship with him?"
"لماذا أنتِ بهذا الغباء؟ لو كنتُ أريده لما تركته أبداً. كم مرة عليّ إخبارُكِ بأنه لا تجمعني به أي علاقة؟"
"You will not deceive me this time either, filly. You will see what I can do and how I will disfigure this angelic face so that it will not be able to look at you again."
"لن تخدعيني هذه المرة أيضاً أيتها المُهرة، سترين ما يمكن فعله وكيف سأشوه هذا الوجه الملائكي حتى لا يستطيع الحكم الإلكتروني المرتقب رؤيتكِ مرة أخرى."
"You are sick, Maryann."
"أنتِ مريضة يا مريان."
تقدمت منها بشر وبيدها زجاجة تحتوي على تلك المادة الحارقة تنوي تشويه وجهها، متمتمة: "The patient is not embarrassed, my dear. You will see what my illness can do to you."
"وليس على المريض حرجاً عزيزتي، سترين ما يمكن لمرضي فعله بكِ."
كانت تلك آخر كلمة قبل أن يستمع لصوت طلقات نارية تدوي بالمكان مع اقتحام يزن للمخزن ومعه بعض العناصر المسلحة. ليسلط نظره عليها وهو يتفقد كل ما بها ليتأكد من عدم إصابتها بشيء. مالت تتمتم الأخرى بصوت خافت استطاعت هي سماعه: "وها قد أتى الفتى العاشق، وكأن بها شيئاً ما يجذب لها الرجال."
وبينما يوليها يزن بالحديث وهو يحثها بعدم التهور، تسلل الفريدو من خلفها قابضاً على يدها الممسكة بالزجاجة وهو يزجرها بغضب: "Are you crazy, Marian? What the hell are you doing?"
"هل جُننتِ يا ماريان؟ ما الذي تفعلينه بحق الجحيم؟"
حاولت جذب يدها منه بعنف هي الأخرى وهي تحدثه بين حقد وألم وحزن لم يخفِ بنبرتها: "Call it whatever you want, but I will never leave her to be congratulated. And if describing my love for you is crazy, then yes, I am crazy. I went crazy the day I loved you, Alfredo."
"فل تسميه ما تشاء، ولكنني لن أتركها لتهنئ بها إلى الأبد. وكان وصفكِ بحبي لكِ هو الجنون، فنعم أنا مجنونة. جُننتُ يوم أحببتك يا الفريدو."
ومع نهاية حديثها كانت قد أرخت يدها قليلاً بفعل دموعها التي انهالت منها. وفي هذا الثناء كان قد انتزع منها الزجاجة وتركها متجهًا نحو ريناد التي فك يزن وثاقه. ليملأها الحقد وهي تمسك بتلك القطعة الحديدية بجانبها، وأنهالت بها على رأسها وباليد الأخرى طعنتها بجانبها بتلك السكين المخباة بملابسها.
كانت الصدمة من نصيب هذان القابعان أمامها. لتحاول استغلال الفرصة وجذب الزجاجة من يد الفريدو الذي قبض على الزجاجة بقوة حتى لا تنتزعها من بين يديه. ومع عنف جذبها لها، سُكبت الزجاجة على وجهها لترتمي على الأرض صارخة بالألم باكية، بينما هو لم يهتم لها ولا لألم يده التي نالت بضع قطرات من الزجاجة، ولكن كل ما كان يهمه هو ريناد التي حملها يزن متجهًا بها إلى أقرب مشفى ليسعفها.
***
بـ "مصر".
ارتمت حبيبة على الأرض بإهمال وهي تبكي. ركض نحوها سيف متمتماً بقلق: "في إيه؟ مين كان بيكلمك وقال لكِ إيه الخبر؟"
أخبرته بتلعثم من بين دموعها: "د... دا... يزن."
ارتمت بحضنه متمتمة ببكاء: "ريناد يا سيف."
ربت على رأسها: "اهدي بس يا حبيبتي وقـوليلي مالها ريناد."
نظرت له ببكاء قائلة: "ريناد اتصابت ودلوقتي في العمليات."
حلت الصدمة على آسر الذي أتى لمكتب سيف في ذلك الوقت. استند بيده على مقبض الباب بعد ما اختل توازنه.
رفع هاتفه متمتماً: "معتز، حضرلي طيارة خاصة حالاً. هنطلع على نيويورك بسرعة يا معتز."
أنهى حديثه بنبرة حادة انتبه لها سيف وحبيبة.
نظر لهم نظرة فارغة من المشاعر قائلاً: "حضروا نفسكوا، هتروحوا معايا."
ذهب من أمامهم وهو يخفي ألمه بين طياته. يزجر نفسه عن كل لحظة ابتعد بها عنها. كانت له دائماً الدعم والسند، ترشده دائماً للصواب. ولم يكن لها سوى الألم والحزن.
تحجرت الدموع بعينه، يرفض أي فكرة سيئة قد تجول بخاطره. يطمئن نفسه أنها ستكون بخير ولن تتركه تائه بهذه الحياة مرة أخرى. لا، لا يمكنه العيش بدونها. ستكون بخير.
هذا ما أقنع به نفسه حتى لا ينهار أمام الجميع.
***
وبعد مرور أربع ساعات بـ "أحد مستشفيات نيويورك"، خرج صوت يزن الحزين قائلاً: "تقصد إيه يا دكتور؟"
أجابه الطبيب بعملية: "لقد استطعنا إيقاف النزيف ولم يتسبب بمخاطر كبيرة. فالجرح كان طفيف، ولكن الصدمة برأسها كانت قوية بعض الشيء. وللأسف المريضة في غيبوبة."
"هل الصدمة تسببت بنزيف داخلي؟"
"لا. ورغم قوتها، ولكنها لم تتسبب بنزيف، ولكنها في غيبوبة بناءً على رغبتها. ربما هي ترفض الواقع وتفضل البقاء بهذه الحالة."
"والمعنى؟"
"أعني أنها ستفيق فقط إن أرادت ذلك، وسيكون التحدث إليها من قبل الأشخاص المقربين لها جيد جداً."
"حسناً، شكراً."
أومأ له الطبيب قبل مغادرته، بينما دلف يزن إلى الغرفة التي تقطن بها ريناد وجلس بالمقعد المقابل لريناد وهو يطالعها بحزن متمتماً: "ليه كدا يا ريناد؟ مهما كان اللي أنتي فيه، أنا عارف إنك أقوى من أنك تستسلمي كدا. قومي ومتوجعيش قلبي عليكي، أرجوكي."
بينما كان الفريدو يتابع كل هذا وهو لا يقوى على الحديث. يعلم أن كل هذا بسببه. ورغم أنه لم يقترب منها منذ تلك الحادثة بعد تيقنه من عشق يزن لها، وأن فتاة بمثاليتها لا تستحق مجرم مثله، فقرر عدم الخوض في معركة خاسرة.
وفي هذا الأثناء وصل ثلاثتهم للمشفى وذهبوا باتجاه الغرفة التي استعلموا عنها.
كانت حبيبة أول من قام بالدلوف، ليتهافت بعقلها تلك الحادثة التي مرت عليها ثلاث سنوات. ولكن يزن كان بمكان صديقتها.
"بلاش ريناد تتعامل مع الراجل دا. في بنات كتير تنفع للمهمة دي."
كان ذلك صوت يزن المعترض على ذهابها للفريدو.
"دي أوامر يا سيادة الرائد. وبعدين ريناد أنسب واحدة للمهمة دي. هي هتعرف تتعامل معاه كويس. وبالنسبة للبنات، الفريدو مش عاوز حد يرمي نفسه عليه، عاوز حد تقيل، وريناد فاهمة هي هتعمل إيه كويس."
انصاع لأوامرها باحترام متمتماً باقتضاب: "تمام يا فندم."
بعد ذهابه تقدمت منها ريحان بهدوء: "مستعدة يا مهرتي؟"
"أكيد يا فندم."
"ركزي كويس، الفريدو مش سهل. واحذري من مريان دي، تعبان بيسم أي حد يقرب منه. يزن هيكون معاكي خطوة بخطوة."
أومأت لها قبل أن تغادرهم متجهة للفندق الذي يقطن به الفريدو.
مساءً بنفس اليوم، جلست بالمطعم وهي على علم بقدومه بعد قليل. ليجلس بالطاولة التي تقابل طاولتها. وقفت عندما لمحته مدعية ذهابها إلى المرحاض، ادعت اصطدامها بأطراف الطاولة متحدثة بازعاج طفيف: "يوه، هي كانت ناقصة؟"
نظر لها وهو يتفقدها بإعجاب. تلك الفتاة بها جاذبية كبيرة تجعل كل من يراها يقع أثيراً لها. تفقد حجابها الذي أخفى خصلاتها عن عينه، وذلك الرداء الفضفاض الذي يخفي تفاصيل جسدها ووجهها الملائكي هذا، وتلك اللغة التي تحدثت بها، إنها عربية.
ابتسم بداخله متمتماً بخفوت: "A purebred Arabian filly."
"مهره عربية أصيلة."
ذهبت للمرحاض سريعاً، وأتت لتجلس بالطاولة المقابلة لطاولته. ابتسم بداخله وهو يظن أن الحظ يحالفه.
تقدم من طاولتها متمتماً بغزل: "Can I sit with this charming girl?"
"هل يمكنني أن أكون بصحبة هذه الفتاة الفاتنة؟"
نظرت له بغضب قبل أن تنهض من مكانها ذاهبة من أمامه دون الرد عليه.
ابتسم متمتماً: "An elusive foal. And I like difficult things."
"مهره صعبة المنال. وأنا أحب الأشياء الصعبة."
كل هذا ويزن يراقب من بعيد ونيران الغيرة تقتلهم.
مر اليوم وباليوم التالي كانت تسير بالرواق، فحاول أحد الشبان بالتعدي عليها، ليقوم الفريدو بضربه وإبعاده عنها متمتماً باهتمام مصطنع: "هل أنتِ بخير أنستي؟"
أومأت له وهي تدعي بعض الخوف غير المبالغ به وهي تتمتم: "أنا حقاً أشكرك."
ابتسم لها بفرح بعد نجاح خطته: "الفريدو."
"ادعى الفريدو."
"أشكرك حقاً على ما فعلته معي، لا أعلم كيف أرد لك معروفك."
"يمكنكِ تسديده."
"حقاً، كيف؟"
"هل تتناولين معي كوباً من القهوة؟"
نظرت له بتوتر معترضة، حتى باغتها بحديثه: "لا تقلقي، فقط كوباً من القهوة ونحن أمام العامة، لن يحدث لكِ أي مكروه."
"حسناً."
ابتسم لها ومد يدها. أخبرته بحرج: "أعتذر، ولكنني لا ألمس رجالاً غرباء."
جلس معها وظلا يتحدثا لوقت طويل، لم يشعر بهذا القدر من السعادة بحديثه مع شخص ما بقدر ما سعد معها. هي لا تعلم من هو، شاب يافع بوجه ملائكي جعلته ينجذب لها منذ لقائهما الأول.
انتهت جلستهما بعد وقت ليس بقصير، متفقين على معادٍ آخر.
ومع الوقت تحولت جميع نوايا الفريدو الخبيثة تجاهها وتعلق بها بشدة. تخلل حبها قلبه، فهي وبرغم عملها، إلا أن بقلبها إنسانية لا توصف جعلته يقع بعشقها.
غافلاً عن تلك الأعين التي تحرق الأرض من تحتها، تلك الأفعى مريان التي بحثت عنها كثيراً حتى علمت بحقيقتها وأخبرته بها. صدمة اعترته، وفطرت قلبه، ولكنه أبى تصديق أي شيء عنها.
وب يوم جلسا سوياً وقد اقترب موعد المهمة، وهي تحاول جمع أكبر قدر من المعلومات بعد زراعتها جهاز تنصت بملابسه. وجدته ينظر بعينيها متمتماً: "يمكنكِ سؤالي عن أي شيء تريدين معرفته، مهرتي."
صدمة احتلتها وهي تنظر له بخوف وقلق حقيقي فور سماعها لذلك اللقب.
"لماذا خفتِ إلى هذا الحد؟ إنا لن أؤذيكِ أبداً، أفضل الموت ولا أرى بكِ خدشاً واحداً. ولكن كل ما يحزنني أن كل ما شعرت به تجاهك كان كذبة."
لا تعلم لماذا شعرت بالاطمئنان إليه، وبالرغم من علمها بأنه مجرم خطير، ولكن ما علمت به عنه بالأيام الماضية جعلتها على دراية بأنه ليس بشخص سيء، ولكن الظروف من حكمت عليه ذلك.
أجابته بحرج: "أنا لم أكذب عليك يا الفريدو، أنت صديقي، ولكن هذا عملي."
"ليس عليكِ التبرير، مهرتي. إنكِ ملكي، تفعلين بي ما تشائين ولن أعترض حتى."
قدم لها ملفاً به بعض الأوراق لتلتقطه منه متمتمة باستغراب: "ما هذا؟"
"هذه جميع المعلومات التي سوف تحتاجين إليها، ولكن لا تقحميني في هذا الشيء. جميع التورطين ومن أكبر تجار الأدوية المخدرة وتجارة الأعضاء بها."
"لماذا تفعل كل هذا؟"
ينظر بعينيها قائلاً بصدق: "لأنني وأخيراً قد شعرت بذلك الطفل الذي دُفن بداخلي منذ زمن بعيد، وشعرت بذلك القلب الذي نبض لكِ وحدك. أنا أحبك يا ريناد."
وضع يده بجيبه يخرج منها سلاحاً يقدمه لها متمتماً: "إما أن تقبلي بي وسأتخلى عن كل شيء، أو اقتليني، فأنا لا يمكنني العيش بدونك."
وقبل أن تجيبه، لمح هو مريان التي تتقدم منهم بخطى سريعة تحرق الأرض من تحتها، ليخبرها مسرعًا: "فلتخفي الأوراق سريعاً قبل أن تراها مريان."
أخفتها سريعاً لتقف الأخرى أمامهما موجهة نظرها نحو الفريدو قائلة بغضب: "هل مازلت تلتقي بهذه العاهرة؟ ألن ننتهي من هذه الفتاة؟"
"من هي العاهرة أيتها الحمقاء؟ ألم تنظري لنفسكِ بالمرآة؟ حقاً، ولماذا أسأل لو نظرتِ لعلمتِ من هي العاهرة حقاً."
كان هذا صوت ريناد المنفعلة على جرح كرامتها وإهانتها بهذا الشكل، والذي جعل الأخرى تستشيط غضباً. ولكن قبل أن تنطق بحرف آخر، وجدته يقبض على معصمها قائلاً من بين أسنانه: "اذهبي من هنا الآن يا مريان، أقسم لو بقيتِ أكثر من ذلك لا أضمن لكِ ما قد أفعله."
نظرت له بغموض متمتمة: "حسناً يا الفريدو، سأذهب ولكنك ستندم على ما تفعله بي وترى."
ألقت كلماتها على مسامعه، والتي جعلته يشرد فيما قد تقصده تلك الأفعى. يخشى أن تؤذيها.
ظل شارداً لبعض الوقت، حتى أنه لم يشعر بمغادرة ريناد الغاضبة من أمامه.
***
مر يومان حتى أتى يوم المهمة.
"يعني إيه متعرفش هي فين؟ أنا مش عارفة أوصلها."
"صدقيني يا حبيبة، أنا مش عارف راحت فين. بعد ما دخلت أوضيتها امبارح مشفتهاش."
"الفريدو، أكيد الفريدو السبب. أنا كنت حاسة من الأول."
أجابها بيقين: "لو حاجة حصلتلها مش هو السبب."
"وأنت لي متأكد أوي كدا يعني؟"
أجابها بغصة: "يستحيل يأذيها، دا بيحبها يا حبيبة، بيحبها."
تمالك تلك المشاعر التي سيطرت عليه. المهم، متقلقيش. ريناد معاها جهاز تتبع، هتفعله لما تيجي فرصة. الكل يجهز ويستنى مني إشارة."
أغلق الخط بعد انتهائه من الحديث معها.
***
"أهلاً بكِ أيتها المهره. أتمنى أن ضيافتنا قد أعجبتكِ."
وبهذا الوقت دلف الفريدو الذي صُعق من وجودها وارتعد قلبه رعباً من فكرة إيذائها. توقع الكثير من مريان، ولكن آخر ما توقعه أن تشي بهم. ولكن ما أخبرته بالضبط؟
ادعى الاندهاش قائلاً بتعجب: "ما الذي تفعله 'جينك'؟ لما أتيت بها إلى هنا؟"
نظر له "جينك" وعلامات الانتصار على وجهه متمتماً: "هذه الحقيرة كانت تخدعك بالفترة الماضية، وما لا تعرفه أنها شرطية. حاولت التقرب منك حتى تسرق منك المعلومات. ولكن ما لم تحسب له هو كشفها لنا."
"حسناً، يبدو أن مريان أخبرته عن هويتها فقط، وهو لا يعلم شيئاً عن المعلومات التي بحوزتها. ولكن عليه التلاعب قليلاً لحمايتها."
ادعى الصدمة قائلاً: "هل تعني أنها كانت تخدعني كل هذه المدة؟"
أومأ له بإيجاب ليتساءل الأخر: "ولكن لم أتيت بها إلى هنا؟ هذا يشكل خطراً علينا."
ابتسم جينك بخبث قائلاً: "لا تقلق، فهي لم تستطع التوصل لأي معلومات منك. ولهذا أتيت بها إلى هنا لترى نجاحنا بأم عينها وهي مكتوفة الأيدي، وسأقتلها بعدها."
"فل تترك لي تلك المهمة، سأحاسبها على خداعي."
"لك ذلك."
نظر لتلك التي استمعت لكل هذا دون أن تنطق بحرف واحد. ليقترب منها عندما ذهب الأخر ليجري اتصالاً: "بعد نصف ساعة، أرسل لهم إشارة. جينك لا يفقه شيئاً عن ماهية الأوراق التي بحوزتك... سوف أجعلكِ تتمنين الموت ولن تحصلي عليه. سترين الجحيم على الأرض."
ارتفعت نبرته بهذه الكلمات عند شعوره بقدوم جينك: "فلتأتي معي، يجب الإتمام على بعض الأشياء."
ذهب معه، بينما استغلت هي الفرصة وقامت بتفعيل جهاز التتبع وتشغيل جهاز التنصت حتى تتيح ليزن وحبيبة سماع صوتها.
"يزن، الكل يحوط المكان من غير ما حد يحس. ولما أديك الإشارة، تدخلوا. خلو بالكم و متقلقوش، أنا بخير. عاوزاكوا توسعوا المجال للفريدو يهرب."
كان يزن وحبيبة يستمعا لها ليتحدث يزن بعصبية: "يعني إيه نوسعله الطريق؟ هي مدركة اللي بتقوله؟"
"خلينا نعمل زي ما قالت، أكيد في سبب."
"تمام يا حبيبة، يلا نتحرك، مفيش وقت."
تحرك كلاهما، وبصحتهما باقي الفريق.
مرت نصف ساعة والجميع أصبح بموقعه، بينما أتى باقي المافيا وبدأ التسلم. أشارت الفريدو لريناد بالإيجاز، لتتمتم بخفوت: "داهموا المكان."
وبلمح البصر كانت الطلقات تتطاير بالمكان لتبتسم ريناد التي فكت وثاقها لـ جينك بانتصار متمتمة: "تعلم أن لا تأخذك العظمة مرة أخرى، لأنها قد تؤدي بك للهواية."
نظر لها بغل قائلاً بحقد: "سأقضي عليك أيتها العاهرة."
صوب فوهت سلاحه تجاهها لتهال منها الرصاصات. أغمضت عينيها في استقبال القدر المحتوم، ولكن لحظة، هي لم يصيبها. فتحت عينيها ببطء لتحتلها الصدمة وهي ترى يزن وقف أمامها يتلقى الرصاصات بدلاً عنها. ثلاث رصاصات استقرت اثنتان منها بصدره، وواحدة بكتفه.
صدمة ألجمتها، لم تقوى على فعل أي شيء سوى صراخها باسمه.
حاول جينك التصويب عليها مرة أخرى، ولكن صرخة خرجت منه بعد إصابة يده سببت وقوع سلاحه، والتي كانت من الفريدو بالطبع، قبل أن يكبلّه أحد عناصر الشرطة. لينظر له بغضب قائلاً: "ما الذي فعلته أيها المُخنث الحقير؟ سأقتلك يا الفريدو، أقسم أنني لن أتركك."
وخرجت من فوهت مسدسه طلقة أصابت كتف الفريدو.
تم القبض على الجميع مع هروب الفريدو، الذي تأكد بأن لم يصيبها شيء ما لا يحمل بطيتها ولو بأنملة. ندم، فلو عاد به الزمن لفعل المثل من أجلها. لا يهمه كم الخسائر التي خسرها بقدر ما كانت تهمه هي الآن فقط. تأكيد بأن هذه الفتاة لا تستحق بأن تكون لشخص مثله، هي تستحق الأفضل، ملاك مثلها لا يمكن أن تكون لشيطان مثله. تأكد الآن بعشق ذلك الشاب لها، فمن يضحي بحياته لشخص إلا إن كان واقعاً بعشقه.
بينما ذهب لها حبيبة متمتمة: "اهدي يا ريناد، مينفعش كدا... وانتوا انقلـوه بسرعة على المستشفى، مفيش وقت."
بعد مرور يومان، كانت تجلس على أحد المقاعد الملحقة بالغرفة المخصصة له بـ المشفى بعد خروجه من العناية المركزة.
بدأ بفتح عينيه ببطء وهو يشعر بألم يفتك برأسه، حتى وقعت عينه عليها. حاول أن ينهض بفزع يخشى أن تكون أصيبت بشيء ما، ولكنه وجدها تمنعه: "إهدى يا يزن، وبراحه عشان الجرح."
تجاهل الألم الذي يفتك به، يطالعها بخوف حقيقي: "إنتي كويسة؟ جرالك حاجة؟"
حاولت الابتسام متجاهلة إحساس الذنب الذي يفتك بها ويحملها مسؤولية ما حدث له: "أنا كويسة والله، مفيش حاجة."
صمتت قليلاً تنظر له بزرقاوتان لمعتا بالدمع متمتمة بخفوت: "أنا مش عارفة أشكرك ولا أعتذرك إني السبب في اللي حصلك."
"ريناد."
ناداها بصوت مرهق لتنظر له، ولكنه فاجأها بكلمته: "أنا بحبك."
إلى هنا وقررت حبيبة التدخل، والتي كانت أداة التجاه لريناد في هذا الموقف العجيب.
***
عودة للوقت الحالي.
نظرت لهما بترقب وهي تتابع ملامح الحزن التي احتلت وجه يزن، وملامح ذلك المطأطئ رأسه لأسفل، علا ما يبدو أنه يربطه شيء ما بما حدث لها.
"إيه اللي حصلها يا يزن؟"
قص عليها ما حدث، لينهي حديثه بحزن: "مقدرتش أحميها يا حبيبة."
"إنت ملكش ذنب، دا قدرها. هتبقى كويسة والله، المهم أنت تقدر تروح ترتاح."
"مش هسيبها."
"اسمع الكلام يا يزن، ريناد هتتنقل مصر انهارده، ملوش لزوم قعدتك دي. روح عشان تشوف فريقك وابقى شوفها في مصر. هننقلها مستشفى الشريف، اسمع الكلام بقا وروح."
اقتنع بحديثها ليتركها متجهًا للخارج متمتماً: "هاجي أطمن عليها بكرة يا حبيبة عشان تبقي موجودة."
انتظرته حتى غادر، لتلتفت لذلك القابع خلفها مطأطئ الرأس متمتمة: "ماذا تفعل هنا الفريدو؟ هل تحتاج إلى علاج؟"
لم يستطع الرد عليها، لتكمل: "أعرف أنك تحمل نفسك مسؤولية ما حدث، ولكنني أؤكد لك بأنك ليس لك أي ذنب. هذا قدرها، وكان سيحدث هذا حتى إذا لم تأتِ إلى هنا. والآن، فلترحل قبل أن يأتي زوجها."
نهض من مكانه دون أي كلمة، ولكنه التفت لها مرة أخرى متمتماً بحزن: "هل ستكون بخير؟"
أومأت له برفق، ليخرج من الغرفة بحزن سيطر على كامل كيانه.
وفي هذا الأثناء، كان آسر وسيف ذهبا للطبيب المسؤول عن حالتها ليفهما منه ما حالتها وأعطائهم الإذن بخروجها، ليتم نقلها لمصر. انتهيا من الحديث، وتقدم من غرفتها بخطوات متباطئة، يخشى رؤيتها. هو لم يعتد رؤيتها كالجثة الهامدة، دائماً ما كانت تحيي قلبه بابتسامتها. لعن نفسه ومخططاته التي جعلته يبتعد عنها كل تلك الفترة. وكأن الحياة لا تريد السعادة أن تسكن قلبه.
لاحظ ذلك الذي يخرج من غرفتها وكأنه فقد أعز ما يملك. دلف للغرفة ببطء حتى وقعت عينيه عليها، ليقترب منها وهو لا يرى أي شيء سواها.
خرجت حبيبة بإشارة من سيف ليتركاه معها لبعض الوقت. حاوط كفها بيده متمتماً: "أنا آسف، آسف على كل لحظة ضيعتها وأنا مش جنبك. ارجعيلي يا حبيبتي، وأنا عمري ما هبعد."
طرق سيف على الباب قبل أن يدلف متمتماً: "آسر، الطيارة جاهزة وإذن خروجها طلع."
خرج معه وتم نقلها بسلام إلى مشفى الشريف بمصر.
ظل طول اليوم بجانبها حتى أتاه الطبيب يتفحصه.
نظر له آسر متسائلاً عن حالها، ليجيبه الطبيب بعملية بحتة: "المدام صحتها كويسة جداً ومفيش أي خطورة نهائي. حتى الجرح اللي في جنبها مش غويط. إلا أن اللي هي فيه دا بإرادتها، الموضوع نفسي مش عضوي."
خرج صوت حبيبة الآتي من خلفه: "طب والحل يا دكتور؟"
"الحل في إيدها هي. وطبعاً لو في حد قريب منها، يا ريت يتكلم معاها في حاجات بتحبها أو أي شيء يرجع رغبتها في الحياة من تاني."
أنهى حديثه وغادرهما، ليأتيه صوتها الحزين: "ممكن محدش يعرف باللي حصلها؟ الكل يا دوب حياتهم بدأت تتعدل، ومظنش إن هيبقى كويس إنهم يعرفوا. الكل هيبقى حزين ودا هيأثر معاها بالسلب، ومش هنعرف نبرر اللي حصلها لأن محدش يعرف شغلها غير جون، حتى طنط إيمان متعرفش."
خرج صوته المبهم، نبرة لأول مرة تخرج منه بقلب محطم وعقل فقد كل ذرة على التفكير، فقط يواكب ما يحدث حوله وكأنه جسد بلا روح. ولا أول مرة يخونه ذكائه في اتخاذ قرار خاطئ. لم يكن عليه التعامل بهذا الشكل معها أبداً.
"متقلقيش، محدش هيعرف. سيف وإنتي هتبلغي الكل إننا سافرنا."
وقف سيف أمامهم: "الوقت اتأخر، يلا عشان تروحوا."
"طب وأنت؟"
"أنا هفضل هنا معاها."
"تمام، لو احتاجت حاجة كلمني. يلا يا حبيبتي عشان أروحك."
"بس..."
"من غير بس، لازم تروحي عشان محدش يحس بحاجة، ومتقلقيش أنا هجيبك الصبح."
رحل كل من سيف وحبيبة، بينما جلس آسر جوارها يتفقدها بعين عاشق حزين. لم يقوى قول أي شيء، حتى غلبه النوم بمكانه.
***
بالسيارة عند سيف وحبيبة.
نظر لها باستغراب، كيف هي بهذا الهدوء؟ وكأن من كانت تبكي وهي على مشارف الانهيار منذ عدة ساعات لم تكن هي.
نظرت له بابتسامة صافية متمتمة: "بتبصلي لية كدا؟"
"لا بس مش مصدق هدوءك الغريب دا. ممكن أعرف مالك وليه مخبية مشاعرك؟ أنا فعلاً مش فاهم حاجة."
"أنا مش مخبية مشاعري يا سيف، ولو خبيتها فاكيد مش هيكون عليك."
صف السيارة جانباً والتفت لها: "طب قوليلي إيه اللي في دماغك؟"
"إنا كنت خايفة على ريناد يكون حصلها حاجة، بس أكتر حاجة طمنتني إنها بخير."
نظر لها باستغراب، أفقدت عقلها أم ماذا؟ هي بغيبوبة.
فهمت ما يفكر به لتخبره: "متبصليش كدا، إنا متجننتش. أنا أكتر حد يعرف ريناد في الدنيا دي، وعارفة قد إيه هي مفتقدة الحنان في حياتها. من يوم ما اتولدت وهي عايشة في حياة قاسية مع عمو فهمي الله يرحمه، عاشت حياة وحشة أوي. طنط إيمان كان فعلاً كل حاجة حلوة في حياته، أو بمعنى أصح الحاجة الوحيدة. ريناد حاولت كتير إن اللي مرت بيه ميأثرش عليها بالسلب أوي، أنه يبني جواها عقد. ونجحت في دا. مر عليها ناس كتير أوي حبوها، بس ملتفتتش لأي واحد فيهم ولا قدرت تفتح قلبها. وكان آخرهم يزن. حاولت أقنعها بيه كتير بس مرضيتش. لحد ما جه آسر في حياتها وكان نقطة تغيير. قدر يدخل قلبها، بس مقدرتش إنها تحس إنها في قلبه."
نظر لها وهو لازال لا يعلم ما علاقة كل هذا بحال صديقتها وهدوئها المريب. ليخبرها بنفاذ صبر: "بس آسر بيحبها، وأوي كمان."
ابتسمت له متمتمة: "عارفة، بس هما اتجوزوا بطريقة غريبة، وجوازهم كان بعيد كل البعد عن الحب. زي ما كان بعيد برضه عن جو الانتقام والتعذيب اللي في الروايات. لكن قدروا يحبوا بعض ومقدروش يعملوا ذكريات حلوة معاهم. كل واحد فيهم الدنيا خدته من ناحية."
لقد قارب على فقد عقله من تلك الفتاة أمامه، لا يقدر على فهم ما علاقة كل هذا بحال صديقتها وهدوئها المريب. ليخبرها بنفاذ صبر: "طب وبعد دا كلو، أنا مش فاهم حاجة."
"الفكرة هنا أن الحب اللي ريناد استنته سنين وكل الصعاب اللي واجهتها عشان تبقى بالشخصية دي كلها اتهزت قدام آسر، اللي لقت نفسها بتحبه من غير ما تحس. ومع بروده معاها خلاها تحس إن وجودهم سوا أمر واقع عليه مش أكتر. وإحساسها إن كل حاجة اتظبطت والكل بقى مبسوط وحياتهم تمام، استسلمت لأول فرصة جاتلها إنها تهرب من نفسها ومن آسر وحبها ليه. وكل اللي في بالها إنها ولا حاجة بالنسباله غير إنها زوجة ليه بدون أي مشاعر."
"طب لو كلامك دا صح، إيه اللي مريحك كدا؟"
"اللي مريحني إني شفت حبه ليها في عينيه وفي خوفه عليها. بس محتاج حاجة تحركه، ودا هعمله أنا بمساعدة منك."
"وأنا تحت أمرك يا هانم، بس برضو دا هيفيد بإيه؟"
"اللي هي محتاجاه أنها تحس بحبه، مش أكتر."
ابتسم لها بعشق ورفع كفها يقبله بحب متمتماً: "إنتي أجمل زهرة من ربنا."
ابتسمت له بخجل قبل أن يتحركا متجهين إلى منازلهم.
***
في صباح اليوم التالي.
استيقظ آسر وهو يشعر بألم برقته أثر نومه بوضع خاطئ.
نظر لها بحب قبل أن يغادر الغرفة ذاهباً ليجلب بعض القهوة.
وفي هذا الأثناء، وصل يزن للمشفي يستعلم عن مكان غرفته.
نظر لها بحزن على حالها متمتماً: "عمري ما اتخيلت أشوفك بالمنظر دا. مش قادر أتخيل إيه اللي يخليكي تستسلمي بضعف كدا. بس تعرفي، مش عاوز أعرف. كل اللي عاوزه أنك تكوني بخير وتفوقي وتقفي تاني وأشوف ضحكتك من تاني. عدى 3 سنين يا ريناد وأنا عمري ما نسيتك. كل يوم بحبك أكتر من الأول. كنت بعد الأيام والليالي عشان تتخرجي وأجي أتقدم لك."
صمت قليلاً قبل أن يكمل حديثه: "عارفة إني فاكر كل حاجة من يوم ما قابلتك. كان عندك 19 سنة، براءتك وجمالك والقوة اللي شفتها فيكي وقتها. عمري ما قدرت أنساها. مكنتش أعرف يعني إيه حب، بس لما شفتك حسيت أن في حاجة جوايا اتغيرت. لحد ما جه يوم المهمة، كان ممكن أخسر روحي بس أنتي متتأذيش. لما فقتي، أول حاجة سألت عليها كان إنتي. كنت أسعد واحد في الدنيا لما عرفت إنك بخير. لما طلبت أتجوزك، قولتيلي إنك مش بتفكري في الموضوع غير لما تخلصي كليتك. فضلت أعد الليالي عشان أتقدم لك تاني. أيوه يا ريناد، مقدرتش أنساكي. أنا بحبك أوي يا ريناد."
ظل يتحدث غافلًا عن ذلك الذي استمع لكل ما قاله، وهناك نيران تأكل قلبه. لا يعلم أهي غيرة على حبيبته أم من نفسه لعجزه عن صنع ذكريات سعيدة تجمعهما معاً. كيف كان بهذا الغباء؟ لما تيبثه الآن ولا يقوى على الدلوف؟
أما سيف وحبيبة، فقد اقتربا منه مستغربين لما يقف بهذا الشكل أمام غرفتها. لمحت يزن القابع جوار صديقتها، لتبتسم وهي تهمس بأذن سيف: "حلو أوي. الكون ماشي في صفا."
تقدمت من الباب لتدلف، بينما آسر لم يشعر بها غارقاً في أفكاره يأنب نفسه.
ادعت الاستغراب متمتمة: "يزن، أنت بتعمل إيه هنا بدري كدا؟"
"جيت أطمن عليها. خفت يجرالها حاجة."
"أهدى، هي بخير الحمد لله. المهم تمشي أنت دلوقتي، ميصحش تقعد كدا."
أجابها برفض قاطع: "إنا مش هبعد تاني يا حبيبة. زمان بعدت لحد ما تتخرج زي ما قالت، مش هسيبها. هفضل جنبها لحد ما تفوق وهنتجوز. أنا لسه بحبها."
قررت أن تنهي هذه اللعبة عند هذا الحد، هي لا يمكنها خداعه أكثر من ذلك، وخاصة بوجود آسر خلف الباب.
"إنت بتقول إيه؟ تتجوزها إزاي وهي متجوزة؟"
"متجوزة؟"
ردد كلمتها بصدمة غير مصدقة لما استمع له لتوه.
إلى هنا وقرر آسر الدلوف، لينظر إلى يزن التي ما زالت الصدمة مسيطرة عليه. لتتحدث حبيبة وكأنها تحاول تدارك الموقف: "دا الرائد يزن الرفاعي، زميل لينا كان مع ريناد في المهمة."
"آسر الشريف جوز ريناد يا يزن."
شدة على كلماتها لتلفت انتباهه: "أهلاً... تشرفت بحضرتك... عن إذنك."
كان الموقف غريباً بعض الشيء مع تلعثم يزن بالحديث قبل مغادرته للغرفة، بل للمشفى بأكمله، وهو يجر خيوط خيبته خلفه ويشعر بتحطم قلبه وفقدان حلمه.
خرجت حبيبة مع سيف تاركة آسر الذي لم يشعر بمغادرة أي منهما، ليجلس أمام فراشها ينظر إلى ذلك الأنبوب المغذي المتصل بوريدها، ليتمتم بحزن: "إنا آسف، لأول مرة أحس إني غلط، لأول مرة أحس إني ندمان إني مبينتلكيش كل مشاعري وإنتي بتتحركي قدام عيني. متتخيليش قد إيه إحساسي صعب وأنا شايفك كدا وأنا شايف حد بيحبك الحب دا كله ومش قادر أتكلم. حاسس بالضعف وأنا شايف حد قدامي بين لك بكل الطرق إنه بيحبك وأنا عملت عكسه بكل الطرق. وأنا بعشقك، مش بس بحبك. سامحيني يا حبيبتي. من النهارده كل ذرة حب جوايا ليكي هطلعها حتى وإنتي نايمة."
قبل أن يقبل يدها المتصلة بالمحلول.
***
مر عشرون يوماً منذ ذلك اليوم، وكل يوم آسر يجلس معها يتحدث عن مدى عشقه وهيامه بها.
بينما الجميع على حاله، يقوم بالتجهيز لحفل زفاف سيف وحبيبة وفؤاد وجين، الذي بقي على زفافهم شهر واحد. ولا أحد يعلم ما حدث لريناد.
ويوم كبقيه الأيام التي سبقتها، جلس جوارها يتحدث معها كعادته منذ عشرون يوماً.
ليتفاجأ بيدها تتحرك ببطء، ولكنه ظن أنه يتخيل، حتى وجدها تفتح جفونها ببطء قبل أن تغلقهما بقوة مرة أخرى من شدة الضوء.
نظر لها بلهفة وفرح متمتماً: "ريناد، إنتي فوقتي."
صوت تأوه خافت خرج منها لشدة ألم رأسه.
ليضغط على جرس على الطاولة جواره، لياتيه أحد الأطباء على الفور ليتفاجأ بها تتحرك.
ابتسم له وقام بفحصها والتأكد من علاماتها الحيوية متمتماً بابتسامة: "حمد الله على السلامة."
ابتسمت له بوهن وهي لا تزال لا تستطيع أن ترى بوضوح، لياتيها صوت الطبيب: "معلش، هم شوية صداع صغيرين. هبعتلك حد يديكي مسكن."
خرج الطبيب بعد طمأنة آسر بأنها بأحسن حال بعد تحسن جرحها واستيقاظها.
اتجه نحوها بخطى متباطئة، وهو لا يصدق أنها أخيراً أفرجت عن زرقاوتيها التي اشتاقهما حد اللعنة.
"وحشتيني."
كان هذا صوته. نعم، هي تعلمه عن ظهر قلب.
رفعت عينيها نحوه لتتلاقى أعينهما أخيراً، ودون سابق إنذار جذبها صدره بعناق حانٍ جمع كل ما كمن بداخله في تلك الأيام العصيبة السابقة، متمتماً: "وحشتيني أوي. متبعديش عني تاني."
قاطعهما صوت طرقات الباب قبل أن تدلف الممرضة بحرج تعطيها بعض المسكن وخرجت.
كانت قد استعادت وعيها بشكل كامل، لتتمتم: "هو إيه اللي حصل؟"
اقترب منها مرة أخرى محاوطاً وجهها بكفيه متمتماً: "فيه إنك أخيراً رجعتِ أشوف أجمل عيون في الكون من تاني."
طالعته بصدمة واستغراب. أحقاً من أمامهما ويخبرها بتلك الكلمات المتغزلة هو آسر أم أنها تحلم؟
صوت طرقات على الباب جعلته يتأفف متمتماً بكلمات غير مفهومة، جعلتها تضحك بخفوت قبل أن يأذن للطارق بالدلوف، والتي لم تكن سوى حبيبة التي اتسعت ابتسامتها بصدمة فرحة وهي تراها، لتركض نحوها تعانقها بفرح، لتبادلها ريناد العناق.
نظر لهما آسر بغيظ، ليضحك سيف على جنون صديقه الغير معهود، وخرجا معاً يتركانهما بعض الوقت.
"حمد لله على السلامة يا روحي."
"الله يسلمك، بس هو إيه اللي حصل؟"
قصت عليها حبيبة ما حدث، بينما اتسعت عينا ريناد بصدمة متسائلة: "هو أنا بقالي قد إيه؟"
"اتنين وعشرين يوم."
"عاوزة تفهميني إن آسر قعد جنبي اتنين وعشرين يوم؟"
أومأت لها بإيجاب: "ومتنقلش من هنا حتى، كان بينام على السرير دا."
نظرت إلى ما تشير له لتجد سريراً آخر صغيراً. حاولت استيعاب كل ما أخبرتها به حبيبة، ولكن دخول آسر وسيف لم يعطها الفرصة. لتنظر له هي الأخرى باشتياق. اقترب منها يسألها عن حالها باهتمام، قبل أن يرفع هاتفه متمتماً بصوت لم يسمعه سواها: "أيوه يا دادا، راجعين انهارده. المهم خلي الخدم يجهزوا الجناح بتاعي وينقلوا حاجات ريناد فيه، ويجهزوا عشا للكل، في عشا عائلي انهارده."
كسى وجهها اللون الأحمر، بينما ضحك عليها بخبث. ولكنّه لم يرد الضغط عليها، ليخرج بعض الوقت لتبدل ملابسها بمساعدة حبيبة.
ارتدت بعض الملابس التي ابتاعتها لها حبيبة، فكانت بشكل ساحر.
كانت ترتدي جاكيت جملي مع بدي كافيه وجيب مقلمة مع شنطة وحذاء بنفس اللون، وبالطبع لم تنسَ حجاب يلائم ما ترتديه.
خرجت من الغرفة لتقع عينه عليها، فلمعت بفرحة من رؤيتها بهيئتها الخاطفة للأنفاس من جديد. حاوط خصرها بذراعيه واتجه الجميع للقصر.
***
في "قصر الشريف".
في تمام الساعة السادسة مساءً، دلف كل من آسر تتأبط ذراعه ريناد، وخلفهما سيف وحبيبة.
رحب بهم الجميع، بينما ركضت جين إلى توأمها تضمها باشتياق مع بعض كلمات العتاب.
أتيهم صوت آسر متمتماً: "دي غلطتي أنا، أنا اللي خطفتها."
تركتهم واتجهت إلى والدتها أمانها ومأمنها، عانقتها باشتياق متمتمة: "وحشتيني أوي يا ماما."
ربتت على رأسها وهي تعانقها: "وإنتي كمان يا روح قلب ماما."
فرقت عناقهما، تطالعها بابتسامة لتبدأ بالسلام عليهم واحداً تلو الآخر. بينما نظر لها كل من جومانه وبيرك بحزن خفي وهم يرونها تبتسم عليهم كالبقية، مع تميز إيمان ليدركا بأن ما فعله الزمن لن يمحى بين يوم وليلة. ومهما فعلا لن يصلا لمكانة إيمان بقلبها.
سحبها آسر من يديها متجهاً بها لغرفته، أو بالأصح لغرفتهما من اليوم فصاعداً. لن يضيع أي لحظة في البعد عنها أبداً.
أغلق الباب خلفه، بينما هي تملكها خجل واضطراب. ودون سابق إنذار اقترب منها بخطى سريعة، يحبها في عناق شغوف، وهو يوريها متمتماً بعشق: "وحشتيني أوي."
علت ضحكاتها وهي ترى جنونه الغير معهود. لا تعلم بما قد تقوله في هذا الوقت، فكل ما تعايشه غريب عليها. هو فاكتفت بالنظر له بزرقاوتين تفيض عشقاً له.
"هسيبك تغيري عشان ننزل للناس اللي تحت دي."
بدلت ملابسها بأخرى مريحة، ولكنها فضفاضة، لتترجل من الغرفة. ويجلس الجميع في جو عائلي رائع، افتقده الجميع، مع مزاح البعض ومشاغبة البعض الآخر، وملاحظة الجميع تغير آسر.
مر الوقت سريعاً.
بعد مغادرة الجميع بغرفة آسر، جلست على طرف الفراش بتوتر، فهي الليلة الأولى لهما بنفس الغرفة. هي لا تستطيع النوم من التوتر.
لاحظ هو توترها ليضحك عليها متمتماً: "مش هاكلك على فكرة."
زاد حديثه من خجلها وهي تفرك بكلتا يديها بتوتر.
ليقترب منها يضع يديه على كتفها بحنان متمتماً: "متخافيش مني يا ريناد، أنا عمري ما هاذيكي."
هزت رأسها برق، قبل أن يردف: "ممكن تقومي تغيري بقا عشان أنا هلكان ونفسي أنام. تعبت من نومة المستشفى."
"حاضر."
كان ذلك صوتها قبل أن تدلف لغرفة الملابس، تبدل ملابسها ببيجامة نوم مريحة ذات أكمام طويلة عليها، مع ربط شعرها الحريري على شكل كعكة.
ووجدته يتمدد على الفراش، لتجلس على طرفه بتوتر.
"يبنتي نامي."
تمددت على طرفه وأغلقت الأضواء، وقلبها ينبض بسرعة، تكاد تقسم أنه يستمع له من شدة ضرباته.
شهقة خافتة خرجت منها عندما سحبها داخل أحضانه، يحل عقدة شعرها، دافناً وجهه به، يستنشق رائحته الزكية.
ومن فرط توترها، ظلت تتحرك بكثرة، لا تستطيع النوم ولا تصدق ما يحدث معها.
حتى أتاها صوته الخبيث محذراً: "ريناد، بطلي فرك ونامي بدل ما تندمي."
توقفت عن الحركة على الفور، وقلبها مثل الطبول، حتى انتظمت أنفاسها.
قبل رأسها بحب متمتماً: "بحبك يا فرولتي."
أغمض عينه ذاهباً في ثبات عميق، هو الآخر لم يحصل عليه منذ دهر من الزمن.
***
وبعد مرور شهر من التحضيرات وتجهيزات لحفل الزفاف، ها قد أتى اليوم المنتظر، يوم اجتماع العشاق ليجنيوا ما حصدوه من حب ومودة.
وذهبت الفتيات معاً للبيوتي سنتر.
كانت حبيبة وجين وملك ونورا ورودينا معاً. أما ريناد، فذهبت لمكان ما مع آسر وستأتي معه.
تجهزت الفتيات على أكمل وجه.
حبيبة، فكانت كالأميرات بفستانها المرصع باللآلئ، لتكمل زينتها بحجابها الجميل.
أما جين، فكانت ترتدي فستان يسيطر عليه الطابع الهادئ، فكان حقاً كالأميرات بشعرها البني المصفف باحترافية، لتكمل زينتها بذلك التاج الملكي فوق رأسها.
وملك، فستان