تحميل رواية «في عصمت صعيدي» PDF
بقلم إسراء محمد أمين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى المناطق الراقية بالقاهرة، في فيلا عبد الحميد المنشاوي، من كبار رجال أعمال مصر، توجد حفلة كبيرة مليئة بأبناء الأغنياء الفاسدين. يرقصون على ساحة الرقص، والأغاني الغربية الماجنة تعم في المكان، والأضواء الخافتة. تجلس تلك الشابة الجميلة على إحدى الطاولات، تشعر بالملل من الحياة التي أصبحت تسير على هذا الروتين الممل. تتحدث إليها صديقاتها. رغد، ذات الواحد وعشرين عام، ذات العينان الخضراوان والأنف الصغير والبشرة البيضاء: مالك يا دانا؟ إنهاردة في حاجة مضيقاكي؟ بترد عليها وهي تنظر لها بعينيها البنيت...
رواية في عصمت صعيدي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم إسراء محمد أمين
ظلت تنظر لهم بصدمة وخوف وهي تتراجع للخلف قائلة بارتجاف وصدمة:
بابا.
كانوا بصدمة لا تقل عنها، بل تزيد. ابنتهم المدللة، ابنة عمر النجار، بهذا الشكل المزري. وتطلع لها والدتها بصدمة وحزن على ما أصبحت عليه ابنتها.
لتأتي من خلفها صباح، التي كانت تنادي عليها لتعلم من الذي يدق الباب عند عدم رد رغد عليها. فتسمع همس رغد المذهول بكلمة "بابا". فتخاف من أن يؤذيها هذا الرجل الذي يبدو عليه السلطة والنفوذ، أو يقوم بحبسها.
لتذهب سريعًا تتحدث مع أحمد بالهاتف.
"أجيبهم إن والدي رغد أتوا ومعهم ضباط."
ليترك ما بيده، ويستأذن سريعًا من العمل، ويركب تاكسي وهو يخبر والدته أن تظل معه ولا تتركها، وهو سوف يأتي خلال دقائق.
أما رغد، فتحجرت الدموع بعينيها خوفًا من والدها. ليقترب منها والدها، ويصفعها بشدة على وجنتها. شهقت على أثرها السيدة صباح وسهير، لتهرع لتحمي ابنتها التي أحست بقيمتها في فترة فقدها. وهي تهتف بفزع:
"إيه اللي أنتوا بتعملوه ده يا عمر؟"
ليجيب وهو ينظر لابنته التي لم تبدِ أي ردة فعل سوى دموعها المتساقطة على وجنتها، وهو يشير لمظهرها:
"إنتِ مش شايفة بنتك هربت من الفيلا عشان تيجي تشتغل خدامة هنا في المكان القذر ده؟"
لتشهق صباح بجزع وهي تقول:
"ماله المكان يا بيه؟"
لينظر لها بشزر وتحذير:
"اخرسي خالص يا ست انتي، بدل ما ندمك على اليوم اللي اتولدتي فيه."
لتتراجع للخلف بخوف وصمت.
يعيد عمر نظره لابنته وهو يقول:
"يلا روحي غيري الارف اللي انتي لابساه ده وتعالي يلا عشان نرجع. وهناك لينا حساب على أملاك المهببة دي يا..."
تنظر له رغد بغضب وبكاء:
"لا، أنا استحالة أرجع معاك ومش متحرك من هنا."
يقترب منها ناوياً صفعها مرة أخرى، ليمنعه هذه المرة أحمد الذي أتى للتو وسمع جملته الأخيرة. ليمسك بيده بقوة ويقول بحدة وهو يدفعها بشدة للأسفل:
"لولا إنك أبو مراتي وراجل كبير، أن كنت رديت عليك وعرفتَك إزاي ترفع إيدك عليا."
لتشهق والدتها بصدمة، بينما عمر تجحظ عيناه بغضب وصدمة وهو يسحب أحمد من تلابيب قميصه قائلاً:
"إنت كداب، مرات مين يلا إنت؟"
ليدفع أحمد يده مرة أخرى وهو يقول بغضب مماثل:
"مراتي أنا، اللي هي رغد بنتك، وغصب عن عين أي حد."
كانت رغد بحالة مزرية وهي تبكي بعنف وخوف. ليتقدم الضابط هذه المرة قائلاً بعملية:
"فين الإثبات اللي يأكد صحة كلامك؟"
يومئ له أحمد قائلاً وهو ما زال ينظر لعمر بغضب:
"ادخلي يا أمي هاتي قسيمة الجواز من الدولاب في الأوضة جوه."
تومئ والدته بسرعة وهي تتقدم من الغرفة لتحضر القسيمة بسرعة. فتأتي بها، ويتطلع لها الضابط قائلاً لوالدة رغد:
"القسيمة سليمة يا عمر بيه."
يسحبها عمر بعنف وينظر لها بصدمة، ثم ينظر لابنته قائلاً:
"تعملي فيا أنا كده يا رغد؟"
هي تبكي فقط، لا تقوى على النظر له. فيكمل بحزن وغضب:
"من انهاردة إنتِ لا بنتي ولا أعرفك."
ينظر لسهير المنهارة من البكاء قائلاً بعصبية:
"يلا قدامي."
لتنظر له ببكاء وهي تهز رأسها سلباً:
"لا، بنتي."
ليقول لها بغضب:
"بنتك إيه ها؟ بنتك اللي هربت عشان تتجوز الصايع ده وجابت لنا العار، بنتك اللي بعت."
ليسحبها من يدها، ثم يلتفت قبل خروجه من الباب، وهو ينظر لرغد قائلاً:
"هتيجي يا رغد وهتندمي على اختيارك ده."
ثم يكمل طريقه.
لتصفع صباح الباب قائلة بغضب هامس:
"كاتكوا داهية، وقعتوا قلبي."
بينما رغد بعد كلام والدها جلست منهارة على الأرضية. انزل أحمد أمامها على ركبتيه، واحتضنها بشدة، مقبلاً رأسها بحنو، وهو يربت على ظهرها قائلاً بحب وحنان:
"متزعليش يا حبيبتي، متصدقيهوش يا رغد. أنا استحالة أخليكي تندمي على اختيارك ليا، وعمري ما خذلك أبداً."
لتنظر له بدموع منهمرة ووجه أحمر وشفتين مرتجفتين:
"اتبروا مني يا أحمد، مبقاش ليا حد."
لتنفجر في بكاء آخر بعنف. ليحتضنها بشدة وهو يقول:
"لا يا حبيبتي، متقوليش كدا. أمال أنا روحت فين؟ أنا أبوكي."
ثم يقبل رأسها ويكمل:
"وأخوكي، وجوزك، وحبيبك، ودنيتك كلها."
ثم يحتضنها مرة أخرى بشدة ويقول لها:
"وبعدين إنتِ صدقتي ده؟ مهما كان أبوكي، يعني استحالة هيسيبك أو يتبري منك. هو بس زعلان شوية وهي سامحك."
ثم يكمل بمزاح ومرح ليضحكها ويخرجها من حزنها:
"وبعدين بقا هنفضل هنا في الصالة على الأرض بمنظرنا ده؟ أمي هتطلب لنا بوليس الآداب. فاكرة المرة اللي فاتت لمّت علينا الشارع كله عشان كنا قاعدين على السرير؟"
فينجح بذلك، ويخرج ضحكتها من بين دموعها. فتضحك وهي تبتعد عنه وهي تمسح دموعها من على وجنتيها بابتسامة. فيبتسم لها، وينهض، وينهضها، ويقبل جبينها وهو يقول:
"يلا بقا غيري هدومك وتعالي نخرج ناكل برا ونقضي اليوم."
فتقبل يده وهي تقول بابتسامة:
"ربنا ميحرمني منك أبداً ويديمك ليا."
وتدخل للغرفة، وهو يذهب للحمام ليستحم هو الآخر. ليخرجا ويحاول قدر استطاعته أن ينسيها ما حدث، وتخلي والديها عنها.
***
كانت تجلس تنتظره في الأرض، فقد قال لها آخر مرة إنه سيأتي لها بالغد، وقد عزمت أمرها على أن تعترف له بحبها. نعم، فهي تحبه من أول نظرة، عندما أخرجها من البركة الصغيرة، وعندما أعطاها عباءته التي لم يسألها عنها، وهي شاكرة لذلك، وتحمد الله لأنها تحتفظ بها وتحتضنها كل ليلة عند نومها لتشتم رائحة عطره وتشعر بوجوده.
لتبتسم بوله وهي تشجع نفسها على الاعتراف له. فهو اعترف لها أنه معجب بها ويلمح لها أنه يحبها، ولكنها كانت دائماً تتهرب منه.
ليأتي هو من خلفها دون أن يصدر صوت ليخيفها، ثم يتحدث بصوت عالٍ بشدة فجأة:
"بتعملي إيه؟"
لتنتفض فرحة بشدة وهي تنظر له بغضب وتضع يدها على قلبها:
"حركة تهدئة لها: إيه شغل الأطفال ده، حرام عليك، خضتني."
لينظر لها بغضب زائف قائلاً وهو يقترب منها ببطء ليخفيها:
"بتقولي إيه؟ أنا شغل أطفال؟"
لتتوتر وتخاف منه وتقول:
"مقولتش كده."
ليضحك على طفولتها وخوفها. لتنظر له بهيام من جمال ضحكته الرجولية الجذابة. لينتبه لها فيغمز لها قائلاً بشقاوة:
"حلوة."
لتتوتر أكثر وتمنع ابتسامتها من الظهور وهي تشيح ببصرها عنه بغرور قائلة:
"لا خالص."
ليبتسم وهي تقول ناظراً لها:
"كذابة، أمال كنتي مبحلقة لي ليه؟"
لتنظر له بغيظ:
"أنا مكنتش مبحلقة لك، أنا كنت سرحانة."
ليضحك بخفة قائلاً بغمز مرح:
"يبقى سرحانة في."
لتنظر له بغضب وتصمت. فيقول بابتسامة:
"خلاص خلاص، أعوذ بالله، ستات نكد."
لتنظر له بغضب وهي تقترب منه وهي تشير بإصبعها على نفسها:
"أنا نكد يا مصطفى؟"
ليغمز بابتسامة:
"أحلى مصطفى سمعتها في حياتي."
لتتوتر وتنظُر حولها بعيون زائغة وهي تحاول جمع كلامها. فيقول لها ليرحمها من خجلها:
"طب تعالي نقعد هنا شوية."
لتومئ وتجلس بعيداً عنه قليلاً أمام ضفة النهر، ويجلس هو الآخر. ليتحدث مصطفى:
"عاملة إيه في الشغل؟"
لتجيب بنبرة عادية:
"عادي... آه قالوا عاوزين عاملات زيادة في مصانع الألبان وأنا احتمال أروح."
ليتوتر مصطفى، فهو يجلس هناك فترة طويلة، ليتابع الأعمال هناك، هو المسئول مع بدر عن هذه المصانع.
ليقول باعتراض خفيف حتى لا تشك:
"لا، متروحيش."
لتنظر له بتساؤل، فيكمل:
"يعني هنا أحسن وأريح ليكي."
فتتحدث فرحة:
"بس هناك المرتب أكبر وبابا محتاج أدوية وحاجات لازم تتجاب على طول، فهناك أحسن."
ليصمت مصطفى فلا يعرف ماذا يقول. لتتحدث فرحة مغيرة الحوار بتوتر:
"أنا كنت عاوزة أقولك على حاجة."
فيوليها مصطفى اهتمامه وينظر لها. لتكمل، فاقترب منها قليلاً وهي تنظر له قائلة بسرعة وتعثلم:
"أنا كمان شكلي بحبك."
لينظر لها بصدمة وفرح وهم أن يقترب منها بابتسامة واسعة. لتنهض بسرعة وهي تجري سريعاً مبتعدة عنه. ليضحك عليها ويقول بعدها وهو ينظر لها بابتسامة عشق:
"أخيراً.. أخيراً قulتيها يا بنت عم حسنين يا مجنناني."
ليضحك مرة أخرى على طريقة اعترافها التي تذكرها.
فلاش باك.
عندما قال لها إنه معجب بها وهو يقول بجدية:
"فرحة، أنا معجب بيكي، لا أنا بحبك."
وينظر لها ينتظر ردها. لتنظر له وهي تطلع له بصدمة وعيناها جاحظة وفمها يعجز عن الرد أو الحديث من المفاجأة. فيحاول الاقتراب منها لتذهب مسرعة. ومنذ ذلك الوقت وهي تتجنب الحديث معه إلا عندما أرغمها على الوقوف والاستماع إليه في مرة يخبرها إن كان ذلك يضايقها، فلتنسى ما قاله وكأنه لم يقل شيئاً، حتى تريد هي التحدث في ذلك الأمر.
عودة.
ليتنهد بابتسامة، ثم يذهب للإشراف على العمال في الأرض مرة أخرى.
كان عادل يريد الانتقام من فرحة، ويعلم أن أكثر ما يوجعها هو والدها. لذلك اقترب من والدها الذي يحمل أربع صناديق من المحصول الذي يثقل عليه جداً نظراً لعمره، ويضع قدمه أمامه فيوقعه على الأرض.
كانت فرحة أتت ورأت ما فعله هذا العادل، لتسرع لوالدها بلهفة وخوف وهي تنهضه وتتفحصه متحدثة بخوف بالغ:
"بابا، مالك؟ إنت كويس يا حبيبي؟ حصلك حاجة؟"
لينفيه والدها برأسه سلباً قائلاً بصوت تعب:
"لا يا بنتي، أنا كويس بس..."
وقطع كلامه وهو ينظر للصناديق التي سقطت من يده والمحصول الذي افترش الأرض وفسد، وأصبح كما لو دعست عليه سيارة. بالطبع، لتنظر فرحة لما ينظر له والدها، لتشهق. فثمن هذه المحاصيل مرتب عدة أشهر لها ولوالدها معاً.
ثم تنظر لعادل الذي ينظر لهم بابتسامة مستفزة. بغضب واشمئزاز متحدثة بصياح:
"حرام عليك، عملت كده ليه؟ استفدت إيه يا أخي؟ ربنا ينتقم منك."
ونهضت تتوجه ناحيته ناوية صفعه مرة أخرى. ليوقفها صياح رئيس العمال وهو يقول بصياح:
"يا نهاركم مش فايت، إيه اللي هببتوه ده؟"
ليقول عادل بسرعة:
"ده عم حسنين وقع ووقع الصناديق اللي كان شايلها."
لتنظر له فرحة بتوعد وغضب. ثم تنظر لرئيس العمال قائلة باعتذار:
"لا يا ريس، ده..."
ليقاطعها وهو يقول:
"هوس، مش عاوز أسمع صوت. قدامي إنت وأبوك، وإنت كمان يا عادل عشان تشهد ليوم."
يومئ له عادل بسرعة ويلحقه. فتنظر لوالدها ترى بعينيه نظرة انكسار وحزن، ويسير خلفهم. لتحزن بشدة وتسير معهم بخطوات غاضبة. ليذهبوا إلى المكتب الذي يجلس به مصطفى. فيدخلون جميعاً، ويقول رئيس العمال وهو يشير لحسنين:
"حسنين يا بيه، وقع أربع صناديق على الأرض والمحصول باظ."
لتدخل من الباب فرحة قائلة بانفعال:
"كذاب، عادل هو اللي..."
لتقطع كلامها بصدمة عندما ترى مصطفى. لينهض هو الآخر عند رؤيتها بصدمة.
فيقول رئيس العمال بحدة:
"مين ده اللي كداب يا بت؟ لا أبوك وقع المحصول، والله يا بيه صدقني."
قال جملته الأخيرة ناظراً لمصطفى، فتنظر له فرحة بصدمة، وتعود بنظرها لمصطفى قائلة:
"مصطفى بيه؟"
ليقول رئيس العمال بغل منها بسبب إهانتها وسبها له:
"أيوا، مصطفى بيه ابن الحاج محمدين، وهو المسؤول عن الأرض، وهو اللي هيجازي أبوك على اللي وقعه ده."
لتجحظ عيناه أكثر، وظلت تنظر له بصدمة والدموع تحجرت في عينيها. ومصطفى كان ينظر بغضب شديد، ويعود بنظره لتلك المصدومة بتوتر.
***
كانت تجلس تذاكر دروسها التي في غرفتها، لتسمع دق الباب. لتسمح له بالدخول. فيدخل بدر ويبتسم لها وهو يجلس بجانبها:
"عاملة إيه في المذاكرة يا حبيبتي؟"
فتجيب بابتسامة وعفوية:
"الحمد لله، بذاكر كويس وعبد الرحمن بيفهمني اللي مش بعرفه."
ليبتسم لها بخبث:
"اممم، عبد الرحمن... شاطر عبد الرحمن مش كده؟"
لتبتسم بخجل وتوتر:
"آه."
لتقول مغيرة مجرى الحوار:
"مالك يا بدر؟ بقالك كام يوم زعلان وعلطول سرحان وعصبي؟"
ليبتسم لها قائلاً:
"لا يا حبيبتي، مفيش."
ثم يكمل بتوتر:
"كنت بقولك يا حنين، احم، إيه رأيك لو تروحي تجيبي دانه تقعد معاكي؟"
لتنظر له حنين بخبث وتقول بلؤم:
"اممم، دانه؟ اشمعنى يعني؟ عمرك ما قولتلي حاجة زي كده قبل كده، ولا حتى قولتيلي قبل كده أجيب نور بنت خالك تقعد معايا."
ليقول بتوتر خفيف:
"احم، لا عادي يعني، أصل باباها قال امبارح إنها قاعدة لوحدها على طول وكده."
لتومئ له بابتسامة خبيثة:
"آه، ماشي. أنا أصلاً بحبها وعايزة أقعد معاها."
فيبتسم لها وينهض ويدخل غرفته. بينما تتصل هي بدانه وتخبرها أن تحضر، فترفض، ولكن مع إلحاح حنين ترضخ لها. وبعد فترة تأتي دانه مع خادمتها التي أوصلتها خوفاً من ضياعها، ثم ترحل. بينما دانه تدخل من الباب بعد أن فتحت لها الخادمة.
كان بدر ينزل ليذهب للأرض، فيجدها. لتنظر له بغضب، ثم تشيح وجهها عنه بأنف مرفوع وغرور. ليكتم ضحكاته بصعوبة على طفولتها التي اشتاقها حد اللعنة. وينظر لملابسها فيجدها ترتدي بلوزة باللون الأصفر بأكمام وبنطال قماش أسود واسع طويل. فيبتسم برضى لمظهرها، لولا أنه تمنى لو أنها ترتدي الحجاب وتمنع رؤية الرجال لشعرها البني الطويل الذي يعشقه.
أكمل نزوله ويقف أمامها، يقطع طريقها. لتذهب للجهة الأخرى، ليذهب لنفس الجهة ويقطع عليها الطريق مرة أخرى. لتنظر له بغضب طفولي وتنفخ خديها وهي تقول:
"أوووف بقا، عايزة أعدي."
ليبتسم بخبث قائلاً:
"ما أعدي، أنا ماسكك."
لتترحل بغضب، فيقف أمامها مرة أخرى قائلاً بابتسامة:
"ثواني بس يا دانه."
فتنظُر له بغضب قائلة:
"نعم، عايز إيه؟"
ليقول بنفس ابتسامته الرائعة التي تذهب عقلها، وهي تحاول ألا تنظر له، فهي اشتاقت له ولملامحه التي كانت تتخيلها كل يوم، فقد اشتاقت له كثيراً. فيكمل بنفس ابتسامته:
"أنا آسف يا دانه، متزعليش."
لتنظر له بصدمة وتفتح فمها قليلاً، فلم تتوقع أن يعتذر منه أبداً. مكملاً:
"أنا كنت مضايق أوي بسبب فارس."
فتومئ له بابتسامة، فهي من الأساس سامحته من أول ما رأته اليوم. وتقول:
"خلاص، مش زعلانة."
فيقول قاصداً إغاظتها ويقترح:
"حلو لبسك، بس لو لبستي الحجاب هيبقى أحلى."
لتنظر له بغيظ لفهمه أنها لبست ذلك من أجله أو تأثراً بكلامه، رغم احمرارها خجلاً لمدحه لها، وهي تقول:
"آه طبعاً، مش لبسي. عارفة إنه حلو لي."
ليضحك بخفة على نجاحه في إغاظتها وهو يقول:
"بس بجد، فكري في موضوع الحجاب، هيبقى حلو أوي عليكي."
قائلاً آخر جملة وهو ينظر لها بعشق، لتتورد وجنتيها وتنظُر للأسفل بخجل وتعض على شفتيها بتوتر. فيحمحم ويقول:
"احم، اطلعي لحنين فوق تاني أوضة على الشمال."
فتومئ له وتصعد سريعاً بخطوات مضطربة، بينما هو يضحك بخفة وهو ينظر في أثرها، ثم يرحل.
***
الفصل الثاني عشر
رواية في عصمت صعيدي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم إسراء محمد أمين
صعدت لغرفة حنين التي وصفها لها هذا البدر الذي يذهب بعقلها.
تدق الباب لتسمح حنين بدخول.
ما إن رأت دانه تدخل بابتسامة محرجة إلا أنها قامت سريعا من السرير بابتسامة واسعة واحتضنتها بقوة.
فحنين، على الرغم من أنها خجولة، إلا أنها اجتماعية جدا.
تبادلتها دانه الاحتضان وقد زال حرجها.
لتقول حنين: واحشتيني أوي، عاملة إيه؟
فتضحك دانه: وإنتي كمان وحشتيني.
حنين بنصف عين: امممم، بتضحكي يعني ومبسوطة؟ إشمعنا النهاردة؟ ها؟ المرتين اللي فاتوا لما روحتلك كنتي نكدية ليه؟
فتضحك دانه بقوة وهي تتذكر الأيام الماضية.
بعد خناقتها مع بدر، كانت شديدة الحزن والكآبة.
كما تقول حنين: أنا نكدية؟ ماشي يا ست حنين.
فتضحك حنين بدورها: لا بجد، إيه اللي غيرك؟
تخجل دانه من أن تتكلم فيما صار مع بدر، لتغير مجرى الحوار: مفيش عادي.
حنين بابتسامة: ماشي يا ستي، يا رب دايما... تعالي بقا نقعد تحت في الجنانة تحت واعمل حاجة نشربها.
لتومئ لها دانه وينزلوا للأسفل.
***
كانت تطلع له بصدمة والدموع متحجرة في عينيها ويدها ترتجف.
وهو ينظر لها ببلاهة وتوتر وخوف.
بينما كان يطالعهم عادل بخبث وشر، ظنا منه أن من فضلته عليه سيجازيها ويعاقبها هي ووالدها انتقاما على تفضيلها له.
فقد رآهم أكثر من مرة، بينما هي دائما تصده وتهينه وتبتعد عنه.
لتتكلم أخيرا، ودموعها على وشك الهبوط: اااحنا أسس..فين يا مم..صطفى...
...بيه؟
قائلة آخر كلمة بخمس، ولكن وصل له ودموعها نزلت على وجنتها، ولكنها مسحتها سريعا.
بينما هو يشعر بغصة في حلقه لا يستطيع الكلام.
ليحمحم بعد ثوانٍ في محاولة لإيجاد صوته قائلا: احم، خلاص حصل خير.
وإنت يا عم حسنين، اقعد في بيتك شوية.
ليفزع والدها ظنا منه أنهم سيرفدوه.
وهي تنظر له بحزن شديد لنفس ظن والدها.
يقول والدها بهلع: ليه يا بيه؟ متقطعش عيشي، والله أنا حاجة كعبلتني مش كبرت ومش قادر أشيل الأقفاص.
ليبتسم له مصطفى مطمئنا: متقلقش، أنا مش هرفدك ولا حاجة.
أنا بس عاوزك ترتاح شوية وترجع كمان كام يوم.
ومتيخافش، مرتبك زي ماهو مش هينقص حاجة.
هنا تخرج الروح الشرسه من فرحة قائلة بعصبية دهشت الجميع وأولهم مصطفى: لا شكرا أوي لخدماتك يا بيه، إحنا مش محتاجين لا شفقة ولا صدقة من حد.
وإن كان على المحصول اللي السبب فيه إنه وقع عادل قدام، هدفعُه على أقساط.
ليفيق مصطفى سريعا من هجومها.
فهو يعلم أنها الآن مجروحة وأي شيء ستتخذه على هذا النحو الشفقة والعطف.
ويقول بجدية وحذر وغيظ: ماشي يا آنسة، زي ما تحبي.
بس والدك محتاج يرتاح يومين في البيت، شكله تعبان.
فتنظر لوالدها فتجد حقا ملامح الإجهاد والتعب ظاهرة للعيان أمامه.
فتومئ على مضض.
مصطفى بجدية: اتفضلوا يلا على شغلكم.
بينما يخرج الجميع ليوقف فرحة قائلا: استني يا آنسة.
لتقف لا إراديا فجأة وتلتفت له قائلة: أنا؟
وتشير لنفسها.
ليكمل بنفس الجدية: أه، إنتِ.
فتقف بغيظ وحزن.
ينهض من المكتب ويسير متجها لها.
يقف أمامها وينظر بعينيها التي تعاتبه على كذبه وسخريته منها.
وتلجأ إليه ليخفف عنها حزنها وبؤسها.
بينما هو يتأملها بصمت.
تقول فرحة بغيظ: حضرتك ناديت لي عشان تسكتني؟
يتكلم بجدية زائفة وهو يحاول أن يخفي تسليته من غيظها: إنتي هتتنقلي من بكرة للمصنع.
لتتصاعد شرارات الغضب بعينيها حقا.
ألن يعتذر منها؟
ألن يبرر لها؟
ألن يصالحها؟
تكتم حنقها وتقول بنبرة مغتاظة حانقة رغما عنها: حاضر يا فندم.
وتتحرك ناحية الباب.
فيمسك يدها سريعا.
لتنفضها بغضب وتقول بغضب: اوعى تلمسني تاني، إنت فاهم؟
مصطفى بحنان: آسف، مش قصدي.
فرحة تنظر بعينيها له وتتمنى تبريرا له.
وتقول بنبرة مختنقة خافضة: ليه؟
مصطفى بحزن لحزنها: والله كنت هقولك.
لتقاطعه وكأنه فتح باب غضبه ليدخل بكل قوته: إمتى هاااا؟ إمتى؟ لما تتسلى شوية كمان؟
وليه أصلا؟ إيه؟ كنت متراهن عليا؟ بتلعب بيا؟
لا خايف أطمع فيك وأرسم عليك وأنهار بعدها في البكاء.
ليسـرع هو مبررا: والله ده في الأول بس.
كان نفسي تتعرفي عليا مصطفى بس مش مصطفى محمدين اللي إنتي وأبوكي بنشتغلوا في أرضهم.
وكنت عارف إنك لو عرفتي هتبعدي عني.
وعلى فكرة بقا إنتي اللي قولتي مش أنا.
أنا بقا عجبني الموضوع فقولتلك أه.
لكن والله بعد كده كنت عاوز أقولك، بس كنت خايف لحسن تبعدي عني.
تنظر له من بين دموعها بسخرية: والله!!! ودلوقتي يعني أنا مش هبعد؟
ينظر لها بغضب شديد من هذا المسار في الحديث.
عن أي بعد تتكلم هذه الغبية؟
فهو لن يترك أبدا ومهما حدث: إنتي استحالة تبعدي عني يا فرحة... إنتي ملكي خلاص.
ده كان سوء تفاهم واتحل.
فرحة بغيظ من بروده وأوامره، رغم فرحتها التي من قلبها من كلماته عن عدم بعدها عنه وأنها ملكه: لا يا مصطفى بيه، مش سوء تفاهم ومتـحـلـش.
ده انعدام ثقة فيا إني هطمع فيك.
وأنا كمان مبقتش أثق فيك ومش ملك حد.
يشدها من يدها بعنف وعيناه حمراء من الغضب: أنا بثق فيكي.
هي الظروف جت كده.
وبعدين إنتي ملكي وبتثقي فيا بردو.
قائلا آخر جملة بابتسامة صفراء لم تصل لعينيه.
فرحة بانفعال وهي تسحب يدها بعنف: إيه البرود بتاعك ده؟
انسى يا مصطفى، أنا مش ملكك.
وترحل.
ليوقفها مرة أخرى بجدية: تكوني موجودة بكرة في المصنع الساعة ٨.
فرحة بغيظ في نفسها: ماشي يا مصطفى، أما أوريك.
مبقاش أنا فرحة حسنين.
وترحل بخطوات سريعة غاضبة.
وهي يحدق بها وبأثرها: آه يا فرحة... هتسامحيني؟
وهترجعيلي؟
وساعتها هنتجوز.
ليبتسم مرة أخرى عندما تذكر غيظها قائلا: بتبقى قمر وهي متعصبة.
يخربيت حلاوتها.
***
يدخل فارس لبدر المكتب دون استئذان بابتسامته السمجة التي يعلم أنها تثير حنق بدر.
فينهر بدر بغيظ: إنت إزاي تدخل كده من غير استئذان بيت أبوك هوه؟
ليضحك فارس بصوت عالي وهو يقول: الله، إيه؟ ابن عمي سخن عليا كده ليه؟
مش كفاية ضربك لي؟
بدر بغضب: احمد ربنا إني مقتلتكش فيها.
فارس بخبث وهو يغمز بعينيه البينة: دي مهمة أوي بقا.
بدر يسحبه من تلابيب جلبابه: بقولك إيه يا فارس، احترم نفسك ومتجبش سيرتها على لسانك إنت سامع؟
واتقي شري أحسن لك.
إنت عارف كويس بدر الغنام وغضبه يقدر يعمل فيك إيه كويس.
ليسحب فارس نفسه من بين يدي بدر: ماشي يا بن عمي، وأنا اللي كنت جايه أعتذر لك.
بدر بجدية: وفر اعتذارك يا فارس، واظبط وإنت بتتكلم بعد كده.
وابعد عن البنات.
ليومئ فارس بغير اقتناع ولكنه يقول: ماشي يا ابن عمي... سلام.
يزفر بدر ويعود للمكتب ويكمل عمله.
ولكنه رغما عنه يشرد بتلك الجنية التي خطفت قلبه وعقله.
***
كانت رغد تجلي الصحون بالمطبخ.
لتأتي صباح من خلفها قائلة: بقولك يا رغد، انزلي هاتي الخضار من السوق وبعدين ابقي تعالي كملي.
تلتفت لها رغد قائلة بارتباك وخوف: بس أنا أخاف أتوه يا ماما.
صباح بتهكم: إنتي مش نزلتي معايا كذا مرة عشان أوريكي الأماكن؟
يلا بلاش دلع، أحمد زمانه جاي وتيجي تعبان وجعان.
عندما تتذكر رغد أحمد وكم يعاني ويعمل بجد واجتهاد ليوفر لها ما تحتاج ويعوضها عن حياتها المرفهة الأولى.
فيأتي مرهقا جدا وترتسم على ملامحه التعب والإرهاق.
ورغم ذلك يبتسم لها ابتسامته الحنونة الرائعة التي تكفيها وحدها عن العالم بما فيه.
لتبتسم بحنان وتومئ بالموافقة وتذهب لترتدي بنطال جينز وبلوزة طويلة إلى حد ما قبل الركبة وبأكمام باللون الأبيض وبها ورود وردية اللون.
وتجمع شعرها ذيل حصان وتنزل لتذهب للسوق.
بعد عدة محاولات في التذكر وتشتري الخضروات.
ولكن عند العودة تفشل في تذكر من أي طريق أتت.
بتلتفت حول نفسها برعب.
وكانت هناك عيون متربصة لها كالذئب تراقبها.
وهي تفصل جسدها بنظرات شهوانية حيوانية.
ثم يقترب منها بإبتسامة خبيثة قائلا: أقدر أساعد الجميل في حاجة؟
تلتفت له بذعر وخوف قائلة بتوتر: لأ، شكراً.
ينفي برأسه بنفس الابتسامة: شكراً إيه بس؟ متخافيش، محسوبك الأسطى محمود صاحب الورشة دي.
وهو يشير لإحدى المحلات القريبة.
لتومئ بتوتر وخوف قائلة: آآه، ماشي.
يقول وهو ينظر لها بنظرات مفصلة ملامحها الجميلة وعيناها الخضراء: ها، بقا أساعدك إزاي؟
تـردد في النهاية، فهي لا تعلم كيف تعود.
فتقول بتوتر: أنا كنت عايزة أروح بيت الأستاذ أحمد سمير.
ليومئ لها: آه، بيت الست صباح.
وتومئ بسرعة ولهفة.
فيقول لها: ماشي، تعالي أوديكي يا...
فتجيب بعفوية: رغد.
محمود بخبث: عاشت الأسماء، اتفضلي.
هي لم ترتح له ولا بنظراته أبدا، ولكنها مضطرة.
فتسير بعيدة عنه بمسافة لكي يوجهها إلى المنزل.
وعندما تصل تشكره بسرعة وتصعد بخطوات سريعة.
بينما هو ظل ينظر لها وهو يقول: آه، مربى بالقشطة... بس تقربلهم إيه دي؟
***
تـبـع الفصل الثالث عشر
رواية في عصمت صعيدي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم إسراء محمد أمين
كانوا يجلسون في الحديقة في منزل محمدين الغنّام بينما تتحدث حنين و دانه.
دانه بتساؤل و توتر: حنين كلميني عن الحجاب... يعني... عاوزة اعرف عنه كل حاجة.
توقعت حنين دهشة، و لكن بعدها ابتسمت لها و قالت بسعادة و شرح مبسط: الحجاب ده احلى حاجة في الدنيا. يعني انتي بتحفظي نفسك من العيون الغير محلله، و إنك غالية جداً و مش أي حد يقدر يشوفك. ده غير كمان إن من ترك شيء لله عوضه الله خيراً منه، و ده وعد من ربنا. يعني مثلاً انتي ضحيتي من إنك تباني حلوة مع إن الحجاب بيجمل أصلاً، و تلبسي قصير و عريان و بالذات في الجو الحر. ربنا هيعوضك عنك بحاجات تانية أحسن بكتير، و في الجنة هتحظي بنعيم ملوش مثيل، و لبسك ما يبينش جسمك للناس، و يحفظك من النظرات الشهوانية الوقحة و يسترك.
كانت دانه تسمعها بتأثر، و قد ألمها قلبها حقاً على أنها لم تكن تعلم كل هذا، و أنها كانت ترتدي ملابس عارية و تتجمل أمام الجميع. و لكنها عزمت على اتخاذ خطوة جدية قريباً جداً.
يقطع حديثهم دلوف هذه الجميلة الحزينة ذات العيون الفيروزية الرائعة نور بابتسامة جميلة قائلة: السلام عليكم.
تنهض حنين بفرحة و هي تحتضنها بقوة: واحشتيني أوي يا نور. مبتجيش بقالك كتير ليه؟
نور بابتسامة: معلش بقى ما انتي عارفة أنا اللي بعمل كل حاجة في البيت فمبقضاش خالص. ثم تنظر لدانه التي تتابعهم بصمت بتساؤل.
تجيبها حنين قائلة: تعالي أعرفك، دي دانه بنت عمو عبد الحميد صاحب بابا، و دي يا ستي نور بنت خالي و أخت عبد الرحمن اللي شوفتيه قبل كده عندنا و هو بيشرحلي.
قائلة آخر جملة بابتسامة عاشقة ولهة. التقطتها نور فهي تشعر بمدى حب حنين لأخيه عبد الرحمن، و أيضاً شكّت بها دانه.
دانه بابتسامة: تشرفت بمعرفتكم.
نور بابتسامة مماثلة: و أنا كمان.
نور تعلم دانه جيداً، و لكن أول مرة تراها. بينما والدتها صدعت رأسها بالحديث عن تلك القاهرية التي ستسرق بدر الذي هي أحق به و لا يجب أن تضيعه أبداً. و لكن قلبها اللعين اختار معذبه و انتهى الأمر، فهي تعشق أخري.
يجلسون معاً و يتحدثون فترة.
فتقول نور لحنين بسؤال حاولت جعله عادياً، إلا أن حنين فهمتها: هو هو ابن عمك فارس عامل إيه؟
حنين بنبرة ذات مغزى: هيكون عامل إيه يعني؟ أكيد بيجري ورا البنات زي عادته، صايع.
تحزن نور بشدة و تنظر للأرض. بينما دانه قشعر بدنها رعباً عند ذكر ذلك الفارس المرعب، إنها تخشاه بشدة و تكرهه أيضاً لما سببه لها من رعب.
يدخل فارس للمنزل محمدين الغنّام، فينتبه لوجود الفتيات بالحديقة، فيبتسم بعبثه المعتاد و يتجه ناحيتهم قائلاً بخبث: يا أهلاً يا أهلاً.
يهوى قلب دانه عند سماع صوته و تتوتر كثيراً و تنظر له برعب، و لكن ما طمأنها أنها وسط ناس و لن يستطيع فعل شيء. بينما حنين نظرت له بغضب، فهي تعلم بأخلاقه و لا تعجبها أبداً تصرفاته.
أما حال تلك العاشقة، فشعرت بأن قلب ثار و كسر قضبانه و ذهب مهرولاً له يحتضنه، و عيناها تلتهم تفاصيله و ملامحه التي تشتاقها بكل ثانية.
حنين بتهكم و سخرية: أهلاً بيك يا فارس. معلش مش هتعرف نقولك اتفضل اقعد معانا زي ما انت شايف كده قاعدة بناتي.
ليضحك بصوت عالٍ، فهو يعلم أنها لا تطيقه. و لكن هذه الضحكة أودت بهذه العاشقة. قالت و هي تنظر له بعشق لاحظته: ازيك يا فارس؟
فينظر لها و يحدق بملامحها و يفصلها بنظراته الخبيثة قائلاً بابتسامة يعلم تأثيرها على الفتيات: الحمد لله. انتي عاملة إيه يا نور؟
تطير هي من السعادة ظناً منها أنه يخصها بابتسامته قائلة بفرحة لا تستطيع إخفائها: الحمد لله.
ينظر هو لدانه و هو يقول بسماجة: ازيك يا آنسة دانه؟
نعم، فهو سأل عنها ليعلم بما تخص ابن عمه و من هي.
تجيب على مضض: كويسة.
يوجهه حديثه لحنين قائلاً: عمي جوه صح؟
حنين بنفي و هي تحرك رأسها: لا مش جوه، مشي من شوية.
فارس و هو يرحل دون النظر لهم: ماشي، سلام.
يرحل و يترك نور تنظر باثره بحزن لذهابه و عدم اهتمامه بها.
تنظر لها حنين بغيظ: شفتي؟ و لا فارقة معاه أصلاً. نصيحتي منكِ ابعدي عنه و متفكريش فيه.
نور بحزن: يا ريت أقدر.
دانه فهمت من حديث نور أنها تحب هذا الفارس. و لكن كيف لملاك مثلها أن تحبه؟ فهو يبدو منحرفاً و ليس له أخلاق، و نور طاهرة بريئة طيبة.
دانه و هي تقف: طب أنا همشي بقى يا حنين عشان بابا قالي إنه هيستناني على الأكل.
حنين بابتسامة: ماشي يا حبيبتي، و أنا هبقى أقول لبابا و أجيلك. هتعرفي تروحي لوحدك؟
دانه بابتسامة و تشير بيدها: تمام، أه هعرف و هكلم سعدية تجيلي على أول الطريق. باي يا نور، باي حنين.
نور و حنين: سلام.
حنين لنور: تعالي ندخل جوه.
نور بموافقة: أيوا، أنا كمان مسلمتش على عمتي. يلا.
***
دخل أحمد منهكاً من العمل، فهو يعمل عامل بمصنع بعد أن ترك وظيفته بالنادي لقلة الدخل، و أيضاً حتى يتجنب رؤية أحد من أهل أو أصدقاء رغد.
تأتيه رغد ما إن سمعت صوت الباب، تركض من المطبخ تقابله بابتسامة تذهب جميع تعبه و إنهاكه، ليبادله هو بابتسامته الرائعة، لتقبل وجنته و تحتضنه: حمد الله على السلامة، وحشتيني.
ليضحك بخفوت قائلاً بمزاح: بس انتي موحشتنيش.
لتنظر له بغضب و تبتعد عنه. ليضحك بقوة على غضبها، ليحتضنها قائلاً: بهزر بهزر، واحشتيني. جداً جداً.
لتنظر له بطفولية قائلة بحزن زائف و دلال: يا سلام، كداب.
ليضحك و هو يقول: والله أبداً، ده انتي روحي.
يقطع لحظاتهم الرومانسية كالعادة السيدة صباح، و كأنها تتربص لهم كما يتربص العدو لعدوه قائلة: انت جيت يا أحمد؟
يبتعدان عن بعضهما بخضة، ثم يلتفت لها أحمد قائلاً بسخرية: لا، لسه في الطريق.
صباح بحدة: بتتريق عليا يا واد!
أحمد و هو يقبل رأسها بابتسامة: لا طبعاً يا ست الكل، أنا أقدر.
صباح بابتسامة: طب يا حبيبي، ادخل غير لغاية ما نحضر الغدا.
يومأ لها بموافقة، ثم ينظر لرغد و يرسل لها قبلة على الهواء دون أن تراه صباح، فابتسم بخجل و تنظر للأرض و يدخل غرفته.
صباح بصرامة لرغد: يلا ادخلي حضري الغدا.
رغد بخنوع: حاضرة.
بعد تناول الغداء، كانت رغد تحكي لأحمد عما قامت به بحماس و فرحة و تقول بفخر: و عارف كمان أنا اللي نزلت جبت الخضار من السوق لوحدي.
ليحمرّ عيناه بغضب و يقول بانفعال: إيه! إزاي تنزلي لوحدك؟
صباح بسرعة خوفاً من غضبه: اصل... كنت تعبانة شوية فمقدرتش أنزل معاه.
لينظر أحمد لرغد بغضب و هي تنتفض برعب. فلأول مرة تراه غاضباً هكذا: حد ضايقك؟ حد كلمك؟... انطقي.
رغد بسرعة و خوف و براءة: لا والله محدش عملي حاجة، ده حتى أنا كنت تايهة و أنا راجعة و واحد... اسمه أسطا محمود وصلني للبيت و معمليش حاجة.
تزداد حدة نظراته و عيناه كجمرتين مشتعلين: آآآه! كمان إزاي تسمحي لواحد يوصلك و يمشي جنبك!
رغد بانفعال بسبب زيادة صراخه الذي ليس له مبرر من وجهة نظرها: الله بقولك توهت، أعمل إيه يعني؟ معرفتش أرجع.
أحمد بغضب: صوتك ما يعلاش و انتي بتكلميني، فاهمة؟
رغد بدموع و حزن: أنا مش هتكلم خالص. ثم تذهب لغرفتها بخطوات غاضبة سريعة اتجاه الغرفة.
فينظر بأثرها بحزن لحزنها و غضب من أن يكون أحد قام بمعاكستها أو مضايقتها، فتغلي عروقه غيرة.
بعده فترة يدخل لها الغرفة ليصالحها. ليجدها مازالت نائمة على السرير تبكي، ليؤلمه قلبه و يتجه ليجلس جوارها و يحمحم. لتنتبه له و لكن لا تنظر له و تكمل بكاء. ليقترب منها قائلاً بتمثيل: ررغد! آآه! ممش قادر!
لتنتفض تنظر له و تقترب بلهفة قائلة: مالك يا أحمد؟ في إيه؟
ويكمل تمثيله الذي يستحق جائزة عليه: ممش قادر أتنفـ...
رغد برعب: إيه؟ طب طب... هروح أجيب دكتور و لا أعمل...
ليسحبها أحمد من يدها عند تحركها باتجاه الباب قائلاً: بتختفي عليا!
لم تلاحظ أنه أصبح جيداً من خوفه عليها: آآه طبعاً يا أحمد، إنت بتسأل!
فيقول بإبتسامة رائعة و عيونه تلمع: يعني خلاص مش زعلانة مني؟
لتنتبه له و فهمت أنها قد وقعت بفخه، لتضربه على كتفه بقوة: إنت بتضحك عليا! أوعى، ابعد عني!
يحتضنها بالقوة و هو يضحك و يقلدها قائلاً: الله مالك! ما انتي لسه كنتي هتموتي عليا!
لتضربه مرة أخرى ليضحك، ثم يقبل جبينها مطولاً قائلاً بعشق: بحبك، أنا آسف بس أنا بخاف عليكي أوي، بخاف لحد يضايقك أو يتعرضلك.
رغد بإبتسامة جميلة: و أنا كمان بحبك أوي. تكمل بمزاح و تقلد البلطجية: متخافش عليا، ده أنا أقطع اللي يقربلي.
ليضحك أحمد بقوة و هو يقول: إيه ده يا روحي؟ بقيتي بلطجية يا حبيبتي. تشاركه الضحك و هما يتكلمون و يمزحون.
***
بعد مرور الأيام على نفس الروتين، فقط حب رغد و أحمد يزداد، و دانه تتقرب أكثر من بدر، و قد ارتدت الحجاب بعدما بحثت و قرأت في كثير من المواقع و علمت أهمية الحجاب و أنه فرض على المرأة. و كذلك مشاكسات مصطفى لفرحة لعلها تسامحه. و قرر عبدالرحمن التقدم لحنين بعد الامتحانات التي شارفت على البدء.
بدر فاتح عبد الحميد أنه يريد شراء أرضه لبناء مشروعه، و طلب عبد الحميد وقت للتفكير.
كان يجلس عبد الحميد بغرفته، و قد أتته مكالمة أنهت كل شيء. ليضع يده على قلبه و لا يستطيع التنفس.
تدخل دانه فترى والدها بهذه الحالة، قائلة بصراخ و بكاء: باباااااا! مالك يا بابا؟ في إيه؟ ... يا سعدية... الحقيني... باباااا!
تأتي سعدية مسرعة و تنده للحارس، ليطلبوا الإسعاف و ينقلونه للمشفى. و كانت دانه تبكي بنحيب و هي تردد: يا رب يا رب.
يصل الخبر لمحمدين و بدر، و يذهبوا للمستشفى سريعاً. جميعهم، يذهب بدر ركضاً لدانه الجالسة على الكرسي أمام غرفة والدها. تنتخب، ليقترب منها يجلس جوارها و هو يقول بخفوت: دانه.
تنظر له، ثم تضع رأسها على كتفه تبكي بشدة و هي تتمسك بجلبابه قائلة: بابا تعبان أوي يا بدر، هيسيبني هو كمان صح؟
و قد ألمه قلبه بشدة لحزنها و يشعر بغصة في حلقه، قائلاً و هو يربت على حجابها بهمس: لا يا حبيبتي، هيبقي كويس.
لم تكن بوضع يسمح لها بالانتباه لكلمة "حبيبتي"، هو نفسه لم يشعر، فقد كان حزين عليها بشدة.
ليخرج الطبيب، فينهضوا يقفوا اتجاهها. دانه بلهفة و سرعة: بابا عامل إيه؟ كويس صح؟
الطبيب بعملية: والله احنا اكتشفنا أن المريض مريض قلب، و من فترة كبيرة كمان. دلوقتي هو اتعرض لأزمة، و دي أساءت حالة القلب أكتر، و لازم يسافر برا يعمل عملية مش بتتعمل في مصر.
دانه ببكاء شديد و نحيب: بابا لا... مقاليش... أنا عايزة أشوفه.
الطبيب: مش هينفع يا فندم، ممنوع. ثم يدخل للداخل مرة أخرى.
بدر مربتاً على كتفها: متقلقيش، هيكون كويس. ثم يلتفت نوجهها حديثه لمصطفى: مصطفى، روح انت شوف الإجراءات اللازمة للسفر و حضر كل حاجة.
يومأ مصطفى و يذهب. يجلس محمدين بحزن على رفيق عمره، و دانه تبكي.
بعد فترة خرج الطبيب.
الطبيب بعملية: مين فيكوا بدر؟
بدر بسرعة: أنا.
الطبيب: طب اتفضل، المريض عاوزك بس يا ريت متطولش، خمس دقائق بس.
دانه باعتراض: و أنا عايزة أشوفه.
الطبيب: مش هينفع يا فندم.
بدر باطمئنان: متقلقيش، هشوفه و أقولك.
فيدخل له عبد الحميد بتعب و أنفاس خافتة: بدر... يا ابني... عايز أطلب منك طلب و متكسفنيش...
بدر بسرعة: متقولش كده يا عمي، اؤمرني.
عبد الحميد: الأمر لله... بص يا ابني... أنا خسرت كل حاجة، الشركة خسرت... المناقصة و كل حاجة راحت...... و أنا عايز أطمن على دانه.... ملهاش حد غيري... و متعرفش تمشي أمورها و لا تعمل حاجة لوحدها.... أنا موافق على مشروعك بس بشرط تدخل دانه معاك شريك..... و.. و كمان عايزك تتجوز دانه بنتي.
يُتبع الفصل الرابع عشر.
رواية في عصمت صعيدي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم إسراء محمد أمين
كان بدر مصدومًا ولم يرد. أكمل عبد الحميد قائلًا:
"اتجوز... دانه لغاية ما ارجع. بس لو مرجعتش، ارجوك حافظ عليها. متقولهاش إننا خسرنا كل حاجة."
ثم أخذ يسعل بشدة. فجلب له بدر ماءً سريعًا، ثم قال بثقة وثبات:
"متقلقش يا عمي، دانه في عيني وأنا موافق."
لا يعلم لماذا وافق، أحقًا وافق من أجل عبد الحميد؟ أم من أجل دانه؟ أم من أجل نفسه؟ هي تختلف عنه تمامًا، ولكن هو يرى تغييرًا جذريًا بها وسيعمل على تغييرها تمامًا. ولن يقبل بزواج مؤقت، سيجعلها امرأته للأبد.
عبد الحميد، بعد أن أخذ أنفاسه:
"طب يا بني، نادي... دانه. أقولها أنا إنك أنت اللي اتقدمتلها."
وافق بدر سريعًا، فهو لا يريد أن تظنه يشفق عليها وأنها لن تقبل أبدًا بهذه الزيجة إن علمت. فخرج، ثم أخبر الطبيب أن عبد الحميد يريد رؤية دانه. فيقول له: "ألا تتأخر."
فقط خمس دقائق لتدخل دانه مسرعة لوالدها.
دانه ببكاء شديد وحزن:
"بابا... مالك؟ إيه اللي هيحصل؟ كنت كويس؟"
عبد الحميد بحنان:
"متخافيش... يا حبيبتي... أنا كويس."
ثم يكمل بفرحة:
"تعرفي يا دانه إن بدر طلب إيدك مني؟"
لتتسع عيناها بصدمة، ثم سرعان ما تحولت إلى فرحة عارمة. تستطيع سماع صوت قلبها الذي يتراقص بداخل قفصها الصدري. وتتوتر بشدة، وتتور وجنتيها، وتنظري للأسفل.
عبد الحميد بمكر:
"إيه؟ مقولتيش رأيك؟ ... مش موافقة؟ أنا بردو قولت كده."
دانه بلهفة وسرعة:
"لاااا! أنا موافقة!"
ليضحك عبد الحميد عليها، ثم يربت على وجنتها بحب. بينما دانه تكاد تضرب نفسها على غبائها.
عبد الحميد بابتسامة:
"فرحكوا هيبقى بعد كام يوم."
دانه باعتراض:
"ايه؟ لا طبعًا يا بابا مينفعش. أنت تعبان ولازم تعمل العملية بسرعة. وإحنا هنسافر أصلًا كمان يومين عشان عمليتك."
عبد الحميد بصرامة:
"وأنا قولت لأ. أنا عايز آخر فرحك أحضره وأسافر أعمل العملية. وأنتِ مش هتيجي معايا أصلًا."
دانه باعتراض واستنكار:
"لا طبعًا، أنت بتقول إيه يا بابا؟ أنا مسافرة معاك."
عبد الحميد بصرامة:
"خلاص مش هعمل العملية لو جبتي يا دانه."
فتدمع عيناها:
"ليه كده يا بابا؟ أنا عاوزة أكون معاك."
عبد الحميد بحنان وهو يربت على حجابها:
"وأنا عايز أفرح بيكي. حققيلي الأمنية دي يا دانه."
دانه ببكاء:
"حاضر يا بابا."
عبد الحميد بفرحة:
"أيوا كده يا حبيبتي، ربنا يفرحك ويبارك لي فيكي."
دانه بابتسامة، ثم تقبل جبينه بحنان:
"أنا نخرج بقا عشان ترتاح شوية وهجيلك تاني."
وهي تمسح وجنتيها بكفيها من الدموع، ثم تخرج وتغلق الباب خلفها.
***
كانت قمر تسير وهي عائدة إلى المنزل، فوجدت من يقف أمامها ويسد عليها الطريق. فتشهق بخضة وهي تنظر له، وتعود خطوة للخلف.
فارس بخبث:
"إيه؟ خضيتك؟"
نور بتوتر:
"لأ ابدًا."
فارس بابتسامة:
"امم، رايحة فين كده؟"
نور بفرحة شديدة، ظنًا منها أنه يهمه أمرها أو يغير عليها:
"كنت راجعة بيتنا."
فارس بنفس الابتسامة:
"طب تعالي أوصلك. لحد يضايقك؟"
نور بقلب يرقص، ولكن رفض زائف:
"لأ، مفيش داعي."
فارس بابتسامة خبيثة:
"لأ إزاي؟ ده أنتي قريبتي بردو. يلا."
نور، ثم بموافقة وتسير بجانبه حتى يصلا بقرب البيت. نور تقف وتوقف فارس:
"كفاية لحد هنا عشان ماما وعبد الرحمن ما يزعقوش."
فارس بابتسامة:
"ماشي، يلا ادخلي وأنا هفضل واقف هنا."
نور بابتسامة مشرقة وتتهلل ملامحها، قائلة بخفوت وخجل من نظراته وهي ترحل بخطوات مضطربة:
"شكرًا."
فارس بخبث:
"ده أنتي شكلك واقعة... إزاي مختش بالي قبل كده... بس أهي ملحوقة يا قمر."
ثم يرحل وهو يفكر كيف يوقعها بفخه.
***
في المستشفى.
كان يجلس بدر بالكافيتريا مع والده.
بدر بثبات:
"كنت عاوز أقولك يا حاج إني طلبت إيد دانه من أبوه."
محمدين بغضب:
"كده من غير ما ترجع لأبوك أو تشوره؟"
بدر بخجل واعتذار:
"أسف يا حاج، والله ما قصدي. بس أنا لقيته تعبان وبيوصيني عليها، فطلبت إيده."
محمدين ينهض:
"ماشي يا ولدي. هي البنية زينة وأبوه صاحب عمري. إني هقول لأمك، بس مش نستنى لما الراجل يخف ويقوم بالسلامة."
بدر بتبرير:
"لأ يا حاج، عمي قال إنه عايز يفرح بيها قبل ما يعمل العملية."
محمدين بعين دامعة بتأثر:
"ماشي يا بني، ربنا يقدم اللي فيه الخير."
تأتي دانه بخطوات خجلة مترددة، تلقي السلام.
محمدين بحب:
"تعالي يا بنتي اقعدي."
فتجلس بتوتر من نظرات بدر المتفحصة.
محمدين وهو ينهض:
"أقوم أشوف مصطفى عمل إيه في الإجراءات."
يومئ له فهد فيرحل.
بدر بثبات وثقة:
"ها، نعمل الفرح إمتى؟"
تنظر له دانه بغضب. حقًا، أهذا ما يجب قوله الآن؟ ماذا عن اعترافه؟ لن يعترف؟ يعشقها؟ لن يعرض عليها الزواج؟
فتجيب بغضب وغيظ:
"وأنت مين قال لحضرتك إن أنا وافقت أصلًا؟"
بدر بثقة وغرور:
"وإيه اللي يخليكي ترفضي؟"
دانه بحدة:
"إيه البرود ده؟ المفروض تعرض عليا الجواز بطريقة رومانسية."
بدر بضحك:
"يعني موافقة؟"
دانه بتعلثم واضح:
"آآآ... أنا مقولتش كده."
بدر بضحك وخبث:
"آه، ما أنا واخد بالي."
تنظر له بغضب، ثم تنفخ خديها كالأطفال. حقًا تبدو ظريفة جدًا بهذه الحركات الطفولية. كان يتابعها بدر بابتسامة عاشقة، ثم قال:
"ها؟ مقولتيش نعمل الفرح إمتى؟"
فتبتسم دانه هي الأخرى، وتنظر للأسفل، وتتور وجنتيها بخجل فطري، وتصمت قليلًا، ثم تقول بنفس الابتسامة:
"اتفق مع بابا."
ثم تنهض ترحل مسرعة، وهو يتابعها بعشق ولهفة وفرحة شديدة على موافقتها الغير مباشرة.
***
كانت تبتسم بخجل وهي تسير اتجاه غرفة والدها. فتسمع صوت السيدة نعيمة وهي تتحدث مع والدها. كانت تسرع بفتح الباب، فهي من اتصلت بها، أخبرتها ما حدث مع والدها، وقد اشتاقت لها. ولكن يوقف فتحها للباب جملة ألقت بها من سابع سماء لأسفل أرض، كما لو أنها ارتطمت بالواقع على هيئة صفعة عنيفة على وجهها، وهي تسمع والدها.
هو يقول لنعيمة:
"بس أنا طلبت منه... يتجوز دانه وتكون... شريكة في المشروع و... أنا هبيعله نص الأرض."
فتكمل نعيمة قائلة:
"بس لو دانه عرفت هتزعل أوي، ومنك أنت بالذات."
عبد الحميد بتأكيد:
"أنا قولتله ميقولهاش... وميقولش لحد... خالص."
فتبتعد عن الغرفة سريعًا، ثم تسقط أرضًا بجانب الحائط، وهي تضع يدها على فمها تكتم شهقاتها وصدمتها. لا تصدق أن والدها وبدر خدعوها، وأن والدها باعها لبدر. كيف يفعل بها ذلك؟ حتى وإن كان للاطمئنان عليها، كيف يرخصها هكذا؟ ظلت مكانها تنتحب بقوة على قلبها وحبها وكرامتها التي هدرت، ولا تهتم بنظرات المارين وهم يتطلعون لها بشفقة أو حزن أو لا مبالاة.
***
عند منزل محمدين.
كان عبد الرحمن يدق الباب، لتفتح له حنين بعد دقائق. فيتطلع لها ولملامحها باشتياق، فهو لم يراها من أسبوع. فتنظر للأسفل بخجل، ثم تفسح له الطريق قائلة بخفوت وهي تحاول منع نفسها من إظهار شوقها له:
"اتفضل."
فيدخل وهو يحمحم ليجد صوته. ثم سألها:
"إزيك يا حنين؟"
حنين بخجل ورقة لا تصطنعهما:
"الحمد لله، وأنت؟"
عبد الرحمن بهيام:
"بخير بعد ما شفتك."
تنظر له بصدمة، سرعان ما تخطتها وهي تنظر للأسفل تهرب من نظراته التي تحاصرها بتوتر، ثم تقول بتعلثم وهي تركض خارج الغرفة:
"هروح أنادي... م... مالي."
يضحك بشدة على شكلها المصدوم وعيناها الواسعة العسلية وهي متسعة من الصدمة وفمها المفتوح قليلًا، وعلى ركضها منه.
تأتي جليلة وهي ترحب به، وخلفها حنين التي مازالت خجلة وهي تنظر للأسفل:
"أهلاً أهلاً يا ولدي."
عبد الرحمن بأدب:
"أهلاً بيكي يا مرات خالي."
جليلة بحنان:
"تعالى يا ولدي اقعد."
عبد الرحمن باعتراض وأدب:
"لأ معلش يا مرات خالي، مش هقدر. أنا بس جيت أقولك إن عبد الحميد باشا والد دانه تعب ونقلوه المستشفى. وبدر والحاج محمدين هيفضلوا هناك. فبدر قالي أجي أشوف لو عاوزين حاجة وأطمن عليكم."
فتشهق حنين وجليلة. فتقول جليلة بحسرة:
"ربنا يشفيه يا رب، راجل طيب."
حنين بخوف:
"أنا عايزة أروح لدانه. أكيد منهارة، ما لهاش غير باباها."
جليلة معترضة:
"تروحي فين دلوقتي؟ مينفعش."
حنين بإلحاح:
"عشان خاطري يا ماما، دي تلاقيها لوحدها وهتموت من العياط."
عبد الرحمن متدخلاً:
"خلاص يا مرات خالي، متقلقيش. أنا هوصلها لغاية هناك. أنا كده كده رايح عشان أشوف لو محتاجين حاجة."
جليلة تردها واستسلام:
"طيب، خلاص روحي. خلي بالك منها، دي بت غلبانة. وتعالي مع أبوك وأخوكي."
فتومئ حنين بسرعة وتقول بلهفة:
"ثانية واحدة هغير هدومي وجاية."
وتصعد درجات السلم مهرولة.
رواية في عصمت صعيدي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم إسراء محمد أمين
كانت تجلس في الشرفة الموجودة بالصالة ليلاً تفكر.
قطع عليها تفكيرها أحمد الذي أتى من خلفها يضمها قائلاً بمرح: "الجميل سرحان في إيه؟"
تلتفت له رغد وهي تسأله بحماس: "أصل أنا بفكر أتحجب، عارف دانه اتحجبت من فترة. إيه رأيك هيبقا شكلي حلو؟"
تلمع عيناه بالفرحة ويقول بسعادة: "عارفة، مكنتش عايز أقولك أنا عشان ميكونش غصب عنك، لازم يبقى برغبتك وإرادتك إنتِ."
ثم يقبل جبينها مطولاً قائلاً: "وهتبقي ملكة جمال في الحجاب، مش حلوة بس."
ويكمل بحماس مماثل: "أقولك، بكرا لما أجي من الشغل ننزل نشتري حجاب ولبس مناسب ليه."
تحتضنه بقوة وعيناها دامعة بتأثر: "ربنا يخليك ليا يا حبيبي."
كالعادة، يقطع لحظاتهما نداء السيدة صباح وهي تقول بامتعاض: "يا أحمد يا رغد، تعالوا اقعدوا معايا، انتوا سيباني لوحدي وقاعدين مع بعض."
ليستغفر أحمد وهو يقول: "أنا حاسس إنها بترقبنا والله."
لتضحك رغد بانطلاق على ملامحه الممتعضة وحديثه، لتكمل هي وهي مازالت تضحك: "طب يلا لحسن تطلب لنا بوليس الآداب."
يشاركه أحمد الضحك وهو يضرب كفاً على كف، ويدلفا للداخل.
في صباح اليوم التالي، كانت رغد تؤدي أعمالها المنزلية ثم تنتظر أحمد لينزلا معاً. وبالفعل أتى أحمد ونزلوا معاً واشتروا جيبة سوداء وبلوزة باللون الكريمي وحجاب أبيض.
وارتدته في المحل، كانت كالملاك بحجابها. واشتروا فستان باللون الأبيض مزخرف بورود وردية وحجاب وردي. ثم تمشوا في الشوارع وتناولوا المثلجات، كانوا في قمة السعادة.
ولكن هل ستكتمل هذه السعادة؟ هل ستظل حياتهما وردية؟
كانوا في شارع الموجود به المنزل ليوقفها أحمد قائلاً: "استني هنا يا حبيبتي، هاجيب الزبادي لأمي عشان تأكله وتنام، ونسينا بقا." ويغمز لها.
لتضحك بشدة وتضع يدها على فمها وتقول برقة: "ماشي، بس بسرعة."
يدخل المحل الموجود بجانبها على بعد محلين.
ليقترب منها ذلك المتربص كالوحش الذي يخطط لفريسته وهو يرسم ابتسامة واسعة على وجهه: "أهلاً أهلاً بالست رغد."
تنظر له رغد بخوف لا تعرف لماذا تشعر بالرعب في حضور ذلك المتطفل. لم ترد عليه وهي تنظر بخوف اتجاه المحل الموجود به أحمد.
فيكمل محمود بخبث: "كده يا ست رغد مش تردي السلام... بس شكلك بالحجاب أحلى بكتير."
لتنظر له بصدمة من هذه الجراءة وتقول بغضب لتردعه عما يقول ويفعل: "لو سمحت الزم حدودك، أنا ست متجوزة ومسمحلكش تكلميني كده ولا تكلميني أصلاً، ولو سمحت ابعد عني."
محمود بابتسامة في نفسه: "أموت أنا في الشراسة."
قائلاً لرغد بأدب مزيف: "كده يا ست رغد، لنا مكنش قصدي حاجة. سلام عليكوا." ويرحل بحزن زائف.
احمد ربها أنه رحل قبل أن يراه أحمد، ولكن أحمد رآه وهو يخرج من المحل. وقد حدث ما حدث.
ليقترب منها بغضب جحيمي قائلاً بصوت مرتفع ولم يهتم أنهم بالشارع: "كان بيقولك إيه الواد ده؟"
لتنتفض وتقول بخفوت: "أحمد أهدى، إحنا في الشارع..."
يقاطعها مرة أخرى بغضب: "بقولك كان بيقولك إيه؟"
رغد بخوف: "كان بيسلم عليا وأنا والله هزقته وقولتله ميكلمنيش تاني... خلاص بقا يا أحمد يلا بينا."
أحمد بابتسامة قاسية وملامح شرسة: "امسكي كده يا حبيبتي."
تتوتر أكثر ولكن تأخذ منه الأكياس بتوجس وهي تراقبه يرحل باتجاه ذلك المدعو محمود الذي يراقب الوضع وهو يجلس على المقهى ويتناول الأرجيلة بتوتر. قليلاً من غضب أحمد، ولكن يمثل الثبات.
أحمد وهو يسحبه من تلابيب قميصه بحدة يوقفه، وقد تجمع أهل الحارة لمراقبة الأحداث الأكشن التي تحدث باستمتاع. وبعضهم يحاول التدخل لتخليص محمود من قبضة أحمد.
أحمد بصوت جهوري وغضب شديد: "لو أنت راجل يا محمود، قرب تاني من مراتي أو أي حاجة تخصني وهتشوف هعمل فيك إيه... شايف نفسك عامل إزاي في إيدي، اتقي شري أحسن ليك. تشوفها في أي حتة، ودير وشك وادغور من المكان اللي هي فيه، سامع؟"
لم يرد عليه فقد كان يتابعه بخوف شديد. يقول بصوت أعلى: "مسمعتكش سااااامع؟"
محمود سريعاً بخوف: "سااااامع."
ينفضه أحمد بعنف من يده، يصطدم بالحائط خلفه. ثم يتحرك بثبات ويمسك يد زوجته المرتعبة بتملك ويصعد إلى الأعلى بغرور وقوة أسد.
بينما محمود ظل ينظر في أثره بحقد لإهانته أمام أهل الحي بأكمله، ويتوعد له وهو يستمع التعليقات الساخرة التي يلقيها شباب الحي سخرية منه.
***
كانت دانه حسمت قرارها وتوجهت لوالدها عندما طلبها وطلب بدر. فتدخل الغرفة فيقول والدها بابتسامته الحنونة: "تعالي يا حبيبتي هنا جنبي."
فتذهب بصمت تجلس بجانبه. بينما بدر يتابعه بصمت. فهي هادئة صامته، يشعر أن هناك خطب ما حدث معها، ولكنها لم تتحدث.
فيقول والدها موجهاً حديثه إلى بدر هذه المرة: "ها يا بدر يا بني، إيه رأيك في أن يكون الفرح وكتب الكتاب بكرة زي ما قلت لك؟"
تنظر له دانه بصدمة وعيون جاحظة. لهذه الدرجة والدها يريد أن يلصقها بهذا البدر؟ ولكن لن تلوم عليه، فهو يظن أنه يحميها. فتصمت مرة أخرى.
بدر وهو ينظر لدانه: "والله يا عمي أنا يناسبني جداً اللي حضرتك عايزه، بس..."
عبدالحميد بابتسامة: "دانه موافقة يا بني." ثم ينظر لبدر مكملاً: "مش كده يا حبيبتي؟"
تصمت لحظات مرت طويلة وهي تنظر له، وتنظربدر، ثم لوالدها. فيخرج صوتها جامد كما ملامحها: "اللي تشوفه يا بابا."
عبدالحميد بفرحة: "على خيرة الله."
بينما بدر يحاول ثبر أغوارها تلك المتمسكة بملامحها الجامدة، ولكن بعينها نظرة حزن وكسرة يستطيع قرائتها بوضوح. ما الذي تغير؟ كانت فرحة أمس، كانت سعيدة. لماذا اختفت تلك السعادة ويرى هذه النظرة الباردة التي ليس بها حياة؟ ترا هل ندمت على موافقتها؟ هل شعرت أنها تسرعت وأنها لن تستطيع العيش بهذا النهج؟ كانت فقط منبهرة به وتريد العودة مرة أخرى.
عبدالحميد بتعب وفرحة: "يلا بقا اخرجوا وسبوني أرتاح شوية."
تقبل دانه جبينه وتسأله: "عايز حاجة؟"
عبدالحميد يومئ بالسلب بابتسامة مرهقة دون الكلام. فتخرج ويتابعها بدر. هذه فرصته ليوقفها. فتتوقف ولم تستدر، فقط تستمع له يقول بقلق: "مالك يا دانه؟ إنتِ كويسة؟"
تلتفت له وتقول بجمود: "آه كويسة."
بدر بثبات: "مالك، في حاجة مغيراكي؟"
دانه بنفس ملامحها الجامدة: "لا مفيش."
يزفر بنفاذ صبر من أسلوبها فيقول بأمر: "طب يلا تعالي معايا عشان أحضر حاجتك، وحنين وأمي هيساعدوكي، وكمان اختاري الفستان اللي انتي عايزاه من الصور اللي مع حنين وأنا هجيبه."
دانه بجمود: "مفيش داعي لكل ده ومش لازم فستان..."
يقاطعها بدر بجدية أخافتها: "مش عايز أسمع كلمة ولا اعتراض، واتفضلي قدامي."
لترحل بخطوات غاضبة خائفة وهي تكتم غيظها من تحكمه وأوامره.
وصلوا إلى منزل محمدين. وكانت رحلة الطريق صامتة هادئة، ولكن العقول تعمل وتفكر وتتحدث. فيهبطا من السيارة ويدخلوا. ترحب بها السيدة جليلة بشدة وجنين أيضاً. تشعر معهم بالألفة والحب والحنان، فهي وحيدة طوال عمرها إلا من صديقتها رغد فقط. رغم أن السيدة جليلة كانت معترضة في البداية لأنها لا تعرف عاداتهم وتقاليدهم، إلا أن محمدين أقنعها وأخبرها كم هي طيبة ونقية ووحيدة أيضاً، ويمكنها أن تعلمها العادات والتقاليد. كما أن والدها أمنهم عليها. هي أيضاً تحبها وتشعر بالحنان تجاهها.
حنين بحماس ومرح: "تعالي يا مرات أخويا نختار فستان الفرح."
لا تعلم لماذا تشعر بفرحة برفرفة في قلبها لذلك اللقب. كما أنها من المفروض أن تكره ذلك الطامع بثروة أبيها وقبل أن يتزوجها مقابل نصف الأرض ليتم مشروعه. فتومئ لها بصمت وهي تنظر له بجانب عينيها له. فتجده يتابعها ويتابع كل حركة تصدرها، فتتوتر وتسير مع حنين إلى غرفتها.
جليلة وهي تتحدث مع بدر: "ها يا حبيبي جهزت كل حاجة للفرح ولا في حاجة ناقصة؟"
بدر بثقة: "متقلقيش يا أمي، كل حاجة تمام. ومصطفى كمان وعبدالرحمن بيشرفوا على كل حاجة."
جليلة: "بقولك يا حبيبي اطلع نام شوية، إنت بقالك يومين مبتنمش عشان تجهيزات الفرح والمستشفى والسفر. يلا اطلع وأنا شوية وهصحيك."
يومئ لها بإرهاق فهو حقاً تعب كثيراً هذه الأيام. وهو يقول: "ساعة واحدة يا أمي و صحيني."
جليلة بحنان وهي تربت على كتفه: "حاضر يا حبيبي، يلا."
يصعد الدرج وعقله لا يتوقف عن التفكير في سر تغير دانه ويخشى أن تكون ندمت. لكنه لن يتركها وسييجعلها تحبه كما يحبها ويعشقها. فهو اعترف لنفسه بشدة حبه لها وقرر مصارحتها عقب كتب كتابهم بعد أن تكون حلاله وزوجته أمام الجميع.
***
كانت نور تجلس بغرفتها وهي تبكي. فقد عَنّفتها والدتها وأهانتها بشدة بسبب خبر ارتباط بدر قدامه. وهي تخبرها عن خيبتها أنها لم تستطع أن توقع ابن خالها الذي أوقعته تلك القاهرية في هذه الفترة القصيرة، وأنها لا تفلح بشيء أبداً.
ليأتيها اتصال من رقم غريب على هاتفها. فتعقد حاجبيها بتفكير. هل تجيب على هذا الرقم الغريب؟ فتترك الهاتف مرة أخرى بجانبها. ينقطع الاتصال ثم يعاود الرنين مرة أخرى. فتجيب لتسمع صوت معذبها الأجش: "أنا صحبتك ولا إيه؟"
لينتفض قلبها من محله قائلة برقة: "فارس؟"
ليبتسم الآخر بثقة وغرور لأنها تعرفت على صوته. فيجيب: "اممم، فارس."
تخجل بشدة وتقول باستغراب: "إنت جبت رقمي منين؟"
فارس بثقة وضحك: "هو أنا أي حد ولا إيه؟ مش صعب أجيب رقمك يا نور."
يرقص قلبها فرحاً من نطقه لاسمها، ولكنها أخفت ذلك قائلة بخفوت ورقة: "طب بتتصل ليه؟ كنت عايز حاجة؟"
يعقد حاجبيه من طريقتها فيجيبها بجمود قائلاً: "أنا ضايقتك؟ متوقعتش إنك هتتضايقي من مكالمتي. على العموم أنا هقفل."
لتوقفه بسرعة رغماً عنها قائلة بلهفة: "لااا..." تكمل بخجل وتحمر وجنتها: "احم، قصدي... إن... يعني كنت فاكرة إنك عايز حاجة."
فارس بخبث وتسير خطته كما رسمها: "كنت عايز أسمع صوتك بس... وحشني."
يقسم أنه يمكنه سماع ضربات قلبها من سماعة الهاتف. وتجحظ عيناها بصدمة. هل حقاً أخيراً شعر بها وبادلها مشاعره؟
ليكمله هو بخبثه: "إيه؟ أنا كمان موحشتكيش ولا إيه؟"
لم تجب من شدة خجلها. فيضحك وهو يقول: "أنا متوقع إن خدودك حمرا من الكسوف وباصة في الأرض." قائلاً بمراوغة: "صح يا نور؟"
بخجل شديد: "ف..فارس لو..سمحت، إنت بتكسفني..."
يضحك مرة أخرى وهو يقول بجدية تحمل في طياتها الخبث والمكر: "أنا اتصلت عشان أقولك إني اكتشفت حاجة الكام يوم اللي فاتوا..." يصمت ليحفزها أكثر مكملاً: "بحبك." ثم يغلق الخط.
ثانية... اثنتين... ثلاثة... عشرة. حتى استوعبت ما قاله. لتجحظ عيناها بشدة وفمها يتسع شيئاً فشياً. حتى ضحكت بشدة بصوت عالٍ وعيناها تدمع من شدة الفرح. وتتنطط على السرير لا تصدق أنها من الممكن أن تسمعها في يوم من الأيام. وهي التي كانت تبكي الليالي وتبكي وتدعو الله أن يكون نصيبها وأن يهديه ويقربه منه ويجعله يحبها ولو نصف حبها. فهو حب مراهقتها وشبابها. يا الله لا تصدق حقاً أن هذه الأمنية تحققت. لماذا أغلق هذا الغبي؟ ألا يريد سماع كم تعشقه وليس فقط تحبه؟
ثم تجلس بعد فترة تمسح دموعها وهي تقول بخفوت وهي تلتقط أنفاسها من المجهود التي بذلته: "وأنا بموت فيك... يا رب اجعله نصيبي."
رواية في عصمت صعيدي الفصل السادس عشر 16 - بقلم إسراء محمد أمين
كان بعمله كالمعتاد يقف أمام إحدى الماكينات.
ليأتيه زميله بالعمل الذي يدعى سامح، يقول له:
"احمد روح بحسين بيه المكتب عشان طلبك من شوية."
أحمد، وقد ترك ما بيده، قال:
"ليه عاوز إيه؟"
سامح بلا مبالاة:
"معرفش، روح شوفه."
يومأ له أحمد ويذهب باتجاه غرفة حسين مدير المصنع، وهو يقول في خاطره: "ربنا يستر."
يذهب ويدق الباب وهو يقول: "حسين بيه."
لكن لا رد. فيفتح الباب ويدخل وينادي عليه، ولكن لا يجد أحد.
فيقول لنفسه: "هو فين.. أووف، والغبي سامح ده مش قالي عاوزني دلوقتي؟"
ثم يخرج مرة أخرى من المكتب ويغلق الباب خلفه ويعود إلى عمله بالأسفل.
بينما سامح يتحدث بالهاتف بعيدًا عنه، وهو يتطلع له قائلاً:
"كله تمام، عملت اللي قولتلي عليه، وصاحبنا دخل المكتب وخرج قبل ما المدير يجي... اه، تعالى انت بقا خد الأمانة اللي معايا واديني فلوسي بسرعة قبل ما حاجة تحصل ويلقوها معايا. ... أشطا."
***
كانت تحضيرات الزفاف تسير على ما يرام. هذا ليس بالهين أبدًا، إنه بدر محمدين الغنام، له مركزه المرموق في القرية بالإضافة إلى ثروتهم الكبيرة، فكان الزفاف أسطوريًا وكبيرًا بشكل مبهج.
ودانه اختارت فستان زفافها مع حنين. هي كانت تظهر لامبالاتها وأنها سترتدي أي فستان لا يهم، ولكن عندما عرضت عليها حنين الفساتين، لفت انتباهها فستان أقل ما يقال عنه أنه رائع، خطف قلبها.
ولاحظت حنين نظراتها، فقالت لأخيه علي الفستان، وأرسل بدر أحد العمال لإحضار الفستان من القاهرة.
كانت دانه تجلس بغرفتها بعد أن ارتدت فستانها، وكانت تضع لها خبيرة التجميل. على الرغم من اعتراض دانه الشديد، إلا أنها رضخت في النهاية بسبب محاولات جليلة وحنين، اللذين ظنوا أنها تفعل ذلك حزنًا على والدها.
تضع لها بعد لمسات التجميل الهادئة التي برزت جمالها أكثر، عندما حددت عيناها باللون الأسود الذي جعل بندقيتها تتوهجان، وأحمر الشفاه الهادئ الذي رسم شفتها باحترافية، ومحمر الوجنتين الذي أضاف على لونهما الطبيعي جمالًا، ومن الخجل الذي تغضب من شعورها به في هذا اليوم، وهي من المفترض على العلم بهذه المسرحية من وجهة نظرها.
ولفت لها الحجاب بطريقة راقية وبسيطة غير مبتذلة، كانت آية في الجمال.
دُق الباب، فسمحوا له بالدخول. ليدخل والدها على كرسي بعجل حتى لا يبذل مجهودًا كبيرًا بالمشي، رغم اعتراض الطبيب، إلا أنه سمح له بالذهاب تحت إصراره الشديد وتجهيز سفره بعد الفرح مباشرة.
فتدمع عيناه لرؤية ابنته حبيبته وحيدته أميرته بهذا الشكل الملائكي الذي تمنى رؤيته منذ زمن، وتمنى أن تشاركه فرحته هذه زوجته الحبيبة التي تشبه ابنته كثيرًا.
فترحم عليها وهو يتجه ناحية ابنته التي أدمعت بدورها عند رؤيتها لوالدها.
لتنهض سريعا وتقبل يده، يحتضن وجنتها ثم يقبل جبينها مطولًا، ويخرج من جيبه قلادة على شكل صدفة بحر ماسية غاية في الأناقة والجمال، يلبسها لها وهو يقول بدموع:
"عارفة السلسلة دي كانت بتاعتك أمك، وأنا أصرت أقدمها لك يوم فرحك عشان تحسي بوجودها معاكي. وعارفة يا دانه، كانت بتحبك أوي، وكانت بتتمنى تشوف اليوم ده... ربنا يرحمها. احفظي جوزك و بيتك يا بنتي، هما دول أمانك. وأنا أنا دايما في ضهرك وطول ما فيا نفس هكون سندك وحمايتك."
كانت دانه تبكي بشدة من حديث والدها وتحتضن القلادة التي كانت لوالدتها في يوم من الأيام، وهي تتذكر حديث والدها عن مدى حنانها وحبها لها.
ثم احتضنت والدها بشدة وهي تبكي بصوت مسموع، فتدمع حنين وجليلة المراقبين للموقف بتأثر.
دانه ببكاء:
"أنا عايزة أجي معاك يا بابا."
ربت والدها على يدها بحنو وهو يقول:
"لا مينفعش، انتي عروسة. وبعدين أسبوعين تلاته أعمل العملية وأجيلك جري."
قائلاً آخر جملة بمزاح ليخفف عن ابنته.
تدخل حنين بمرح لتخفف من حدة الجو. وعندما عادت دانه للبكاء مرة أخرى:
"يا خبر يا دانه، انتي لو خرجتي كده المعازيم هتجري."
لتنظر لها دانه بغضب، فتكمل حنين ضاحكة:
"بصي شكلك في المراية."
لتحري دانه أمام المرآة لتصرخ من شكلها بعد أن تلطخت وجنتيها بالكحل أثر بكائها، ليضحك عليها الجميع.
لتقول خبيرة التجميل بحسرة:
"حرام عليكي مجهودي... اقعدي أظبطهولك."
فجلست دانه أمامها دقائق وكانت انتهت.
لتتجه دانه اتجاه والدها مرة أخرى، فيمسك بيدها بشدة ويستند باليد الأخرى على يد الكرسي المتحرك لينتهض.
فتوقفه دانه بيدها قائلة بجزع:
"إيه يا بابا اللي أومك كده؟ هتتعب."
عبد الحميد بتعب وحنان:
"عاوز أسلمك لعريسك إنهاردة وأنا واقف يا حبيبتي."
تحتضنه مرة أخرى بشدة، وتقول بمزاح حتى لا تدخل في نوبة بكاء أخرى:
"بس بقا لاحسن أعيط لكوا تاني وأخضكوا كلكم وأجري ورا المعازيم."
ليضحك الجميع عليها.
فيضع والدها يدها بيده ويسيروا ببطء، وخلفهم حنين وجليلة.
ينزل بها على السلم الذي كان ينتظر بدر في نهايته بتوتر وفرحة، ليجد ملكته تنزل بصحبة والدها.
تخطف قلبه بطلتها البهية وحجابها الذي جعل من أميرة غالية.
تفحصها وقلبه ينبض بشدة وكأنه يود أن يذهب لها يختطفها ويخباها عن العالم.
كانت تبتعد عن نظراته بخجل واحمرت وجنتيها.
ليصلا له أخيرا، ويضع والدها يدها بيده وهو يقول ويضع يده على كتف بدر:
"بدر يا ابني، أنا سلمتك حتة مني. روحي بنتي الوحيدة حافظ عليها، احتويها. أنا عارف بنتي دلوعة شوية، بس لو غلطت أوعي تقسى عليها أو تمد إيدك عليها. أنا عمري ما مديت إيدي عليها. أنا بنتي غالية أوي وعمري ما أرخصها أو أسكت لحد يضايقها."
بدر بثقة وثبات:
"متقلقش يا عمي، دانه في عيني وعمري ما أجي عليها أبدا."
كانت دانه تسمعهم وتتأثر وتخجل.
وكان هذا الموقف حقيقي، طيف لم ترخصني يا أبي، وأنت أعطيته بمقابل ليتزوجني، وأنت أيضًا من عرضت عليه هذا الزواج.
ينتشلها من أفكارها يد بدر التي سحبت يدها وسار بها باتجاه المقعد المخصص للعروسين.
ثم ذهب لكتب الكتاب.
كانت دانه تسمعهم وهم يتحدثون بالمكبر وتشعر بسعادة خفية تتسلل لنفسها رغما عنها، وتنهّر نفسها بشدة لهذا الإحساس الجميل الذي تشعر به.
ليأخذوا توقعها وتوقع هي كالمغيبة.
ثم تنتشر الزغاريد وطلق النار وأصوات المزمار.
ليتجه الشباب اتجاه بدر ويجذبوه، ومن ضمنهم مصطفى وعبد الرحمن، ويرقصون بالعصيان.
هذا فلكلور صعيدي.
كانت تتابعه دانه، كان يرقص بهيبة ورجولة ووقار شديدين.
كيف له أن يكون بكل هذه الجاذبية؟ كان يرتدي بدلة لأول مرة. يا الله كم يبدو وسيم بل رائع، ولكن بالجلباب له جاذبية مختلفة.
لينظر لها وهو يرقص فيجدها تتابعه بعينها، ليبتسم لها ابتسامة رائعة.
فتنظر للجهة الأخرى سريعا بخجل، ليضحك عليها وهو يكمل رقصه مع أخيه وشباب العائلة.
كانت حنين هي الأخرى تتابع معشوقها عبد الرحمن الذي يرقص مع أخيها بفرحة، وتبتسم ابتسامة عاشقة وهي تتابعه.
تتلاقى نظراتهم، ليجدها تنظر له بعشق، فيغمز لها بسرعة وهو يضحك.
تذهب بسرعة تجلس بجانب والدتها تتخفى خلفها من الإحراج والخجل، حيث أنه كشفها تتطلع له بحب وتتفحصه هكذا.
وعندما تتذكر غمزته تضحك بخفوت وخجل.
كانت الفتيات ينظرون على الشباب ويصفقون ويحيهم وهم يرقصون.
في بحث فارس عن نور وسط هذا الحشد، حتى يجدها فيشير لها برأسه أن تقابله في الحلف ويرحل خلفه من المنزل.
وتنتظر هي دقائق ثم ترحل خلفه.
كان الجو مظلم، فكانت خائفة. تطلع حولها تبحث عنه، لتجد من يجذبها.
وكانت ستصرخ من المفاجأة والخوف، ليضع يده على فمها يكممها ويجذبها لتصبح بينه وبين الحائط.
تنظر له بخجل، لينزل يده من على فمها وينظر لها بخبث قائلاً بخفوت:
"وحشتيني."
لتنظر له بخجل وهي تقول بهمس:
"وانت كمان."
تلمع عيناه من قرب تحقيق هدفه، فيقول بحزن مصطنع:
"إزاي بقا ده؟ انتي حتى من ساعة ما اعترفتلك بحبي وانتِ متكلمتيش خالص، ولا حتى وصلتيلي رد لكلامي."
نور بلهفة:
"انت اللي متصلتش تاني؟"
فارس بحزن مصطنع:
"عشان مضغطش عليكي، قولت أكيد هتتصل تقولي على مشاعرها، لكن أظن إن دي أوهامي."
نور بلهفة وهي تمسك يده توقف رحيله:
"لا يا فارس، أنا كمان بحبك."
فيبتسم بخبث ويقول:
"بجد يا عيون فارس؟"
نور بخجل شديد وهي تنظر للأرض:
"أيوا، أنا بحبك أوي ومن زمان."
فارس يحاول الاقتراب منها ليقبلها، فتدفعه نور بخجل وهي ترحل سريعا.
وهو ينظر في أثرها بمكر وضحك.
وقد قطع جزء كبير من خطته.
لكن هناك من رآهم، وهي إحدى النساء بالفرح التي كانت تأخذ ابنها الصغير إلى المرحاض، وهي تقول بخفوت وتهكم:
"مسم، امشي يا واد. ربنا يستر على ولايانا."
***
بعد إنهاء الفرح، ذهب بدر الذي لم يجلس بجانب دانه سوى دقائق من بداية الفرح، حيث حنين وباقي الفتيات سحبتها أيضا معهم.
صعد كلا من بدر ودانه إلى غرفتهم بمنزل محمدين، بعد وداع حار لوالدها الذي رفض رفضا قاطعا أن تذهب معه إلى المطار، وقد ذهبت معه مربيتها.
كان وداع مملوء بالدموع والحزن والاشتياق.
وما إن دلفا إلى الغرفة، التفت بدر إليها ثم قبل جبينها مطولاً وقال وهو ينظر إلى بندقيتها التي تأثرت بصوت أجش:
"مبروك."
لتتعد عنه خطوة للخلف، وهي تقول بارتباك:
"الله يبارك فيك."
بدر وهو يحاول فتح مجال للحديث لإزالة التوتر:
"أنا كنت هجيب بيت لينا لوحدنا، بس والدك قالي عادي نفضل هنا مع أهلي عشان متكونيش لوحدك يعني. بس لو انتي عايزة بيت لوحدك ده من حقك، ومن بكرة هشتريه."
دانه بخفوت ولا مبالاة:
"لا عادي نفضل هنا."
يجلس بدر بجانب دانه على الأريكة الموجودة بالغرفة بجانب الخزانة الخاصة بالملابس، ثم يمسك يدها.
لتنظر له بتفاجؤ وتنظره بتوجس، فيقول وهو ينظر لعيونها الأسرة:
"دانه، أنا استنيت اللحظة دي كتير أوي، واستنيت تكوني حلالي عشان أعرف أعبر لك عن مشاعري. منكرش في الأول كنت شايفك مستهترة ومغرورة، لكن اكتشفت إنك مش كده، إنك طفلة بريئة وجميلة. دانه أنا بحبك أوي، بحب عيونك اللي بتخدني في دنيا تانية، بحب كسوفك لما بتشوفيني، بحب طفولتك وحركاتك لما بتبقى متعصبة أو زعلانة. انتي عملتي حاجة فيا، انتي أسرتيني يا بت عبد الحميد."
ثم يبتسم لها بهيام وهو ينظر لملامح الصدمة الموجودة على وجهها.
دانه قلبها يخفق بشدة، تقسم أنها استمعت إلى صوته، وهو أيضًا يستمع لصوته بداخلها، تشعر بصدق حديثه الذي مس قلبها بصدق مشاعره، تشعر أنها بالجنة، نست كل شيء، بل نست نفسها.
ما تستوعبه الآن أنها معه وكفى.
ولكن بعد دقائق أو لحظات، انتظر هو أن يسمع ردها، يسمع مشاعرها اتجاهه.
لكنه تذكر حديث والدها، تذكر كيف تزوجته.
فسحبها يدها بحدة من يده.
استغربت ووقفت أمامه قائلة بسخرية لاذعة:
"مفيش داعي للكلام ده يا أستاذ بدر. إيه بتجاملني؟ انت مش خلاص خدت تمن الجواز؟"
تطلع له بصدمة ثم تحولت لغضب، وهو ينهض مقابل لها يسحبها من يدها بعنف وهو يقول بغضب:
"انتي بتقولي إيه؟ قصدك إيه بكلامك ده؟"
دانه بنفس السخرية والغضب:
"بقول إنّي عارفة كل حاجة. إيه فاكرني عبيطة؟ أنا عارفة إن بابا هو اللي عرض عليك الجواز وهو كمان اللي دفعلك نص الأرض تعمل عليها مشروعك اللي انت قولتله عليها، وإني هدخله معاك شريكة. إيه بتتمثل وبتعمل كل ده ليه؟ إيه عاوز تاخد النص بتاعي كمان؟"
بدر بصدمة:
"انتي بتقولي إيه؟ انتي اتجننتِ؟"
دانه بغضب:
"لأ، أنا عقلت. ولو سمحت كل واحد يفضل بعيد عن الثاني. أظن أخدت اللي انت عاوزه وخلاص، وأنا فترة أول ما يرجع بابا هطلق منك."
ظل بدر ينظر لها بغضب وهو يقول بحدة وكبرياء، شعر أنها حطمت رجولته وكبرياءه بحديثها وعن أنه طامع في ثروتها وأخذ ثمن زواجه منها:
"ماشي يا دانه، بس عاوزك تعرفي كويس إني دافع لوالدك تمن الأرض اللي اشتريتها. وإني راجل ومباخدش فلوس من حد."
ثم بصمت ذهب اتجاه الأريكة ينام عليها وأولاها ظهره.
أما هي فقد فقدت قوتها الزائفة وسمحت لدموعها بالانهمار.
وبعد فترة بدلت ثيابها بالحمام وذهبت للنوم في الفراش وهي تدعو الله أن يشفي والدها ويعطيها القوة.
تتمنى أن يكون حديث بدر صحيح، لكن لا أحد يعلم بهذا الحديث غيره هو ووالدها.
***
كانوا يتناولون طعام العشاء ليرن جرس الباب.
فينتهض أحمد قائلاً:
"خليكوا، أنا هشوف مين."
ثم يذهب ليفتح الباب ليفاجأ بعدد من الضباط يقفون.
يقول أحدهم:
"ده بيت أحمد سمير؟"
أحمد وهو يومأ بتوتر:
"أيوا أنا أحمد."
تأتي رغد بعد أن ارتدت إذدالها وخلفها السيدة صباح قائلة:
"يلهوي، حكومة. عايزين إيه يا باشا؟"
رغد بخوف وهي تمسك يد أحمد:
"أحمد هو في إيه؟"
أحمد بصرامة:
"استنوا عشان أفهم."
فيقول الضابط:
"عندنا أمر بتفتيش البيت."
يدخلون العساكر ليمنعهم أحمد قائلاً:
"ممكن أفهم فيه إيه الأول وتفتشوا البيت ليه؟"
الضابط بعملية:
"هتعرف كل حاجة."
ثم يشير العساكر بالدخول فيدخلوا.
ثم يتجه أحدهم اتجاه غرفة أحمد ليوقفه بصرامة:
"لا، دي أوضتي أنا والمدام، وميصحش كده."
الضابط بفظاظة:
"لو سمحت، ده شغل. مفيش حاجة اسمها كده، إحنا مش فاضيين."
يدخل العسكري ثم يخرج بشنطة سوداء كبيرة وهو يقول:
"لقينا الشنطة دي جوا يا فندم."
أحمد باستغراب:
"شنطة إيه دي؟"
صباح بتذكر:
"أيوا، واحد جابها الصبح وقالي إنك بعتها وإني أحطها في أوضتك."
أحمد لصباح باستنكار:
"بس أنا مببعتش حاجة."
ليفتح الضابط الشنطة ويجد بها أموال كثيرة، فيقول بسخرية:
"اه، واضح إنك مبعتش حاجة."
صباح بصياح وهي تضرب على صدرها:
"يلاهوي، إيه الفلوس دي يا أحمد؟"
الضابط بصرامة:
"أحمد سمير مطلوب القبض عليك بتهمة سرقة خزنة مدير المصنع اللي بتشتغل فيه."
لتصرخ صباح وتندب، أما رغد بصياح ببكاء وصراخ:
"لاااا، كدب والله... كدب. أحمد عمره ما يعمل كده أبدا... قولهم يا أحمد."
ليأتي العساكر بسحبه ليقول بصرامة وثبات:
"أنا هاجي لوحدي."
ثم يلتفت لرغد وهو يحتضن وجنتها ويربت عليها قائلاً بحنان:
"متخافيش يا حبيبتي، أنا معملتش حاجة وهخرج. مش انتي واثقة فيا؟"
أما ببكاء:
"طب خلاص، متعيطيش. أنا هخرج، أكيد في حاجة غلط."
ثم يذهب العساكر ليضعوا في يده الأصداف وينزلوا.
لتصرخ رغد وتبكي، ثم تذهب سريعا لتغير ثيابها هي وصباح ليبحثوا به.
تــبـــــــــــــــــــــــع
رواية في عصمت صعيدي الفصل السابع عشر 17 - بقلم إسراء محمد أمين
استيقظت من النوم و هي تشعر بصداع و الآلام تكاد تفتك براسها.
تضع يدها على رأسها و هي تتاؤه.
لتجده يخرج من المرحاض و هو يجفف خصلات شعره المبلولة و لا يعطي لها أي أهمية، يتجاهلها تمامًا.
حتى أنه لم ينظر لها.
تحمحم هي للفت انتباهه، و لكن استمر على تجاهله لها.
فنظرت له بغيظ ثم وقفت و أحضرت ثيابها من خزانة الملابس و دلفت المرحاض و صفع الباب بعنف.
بينما هو ارتدى جلباب باللون الأسود الجذاب و صفف شعره بطريقة رائعة و وضع عطره و نزل لأسفل.
لتقابله والدته و هي تخرج من المطبخ لتشهق باستنكار و هي تقول:
"ايه يا ولدي اللي نزلك يوم صباحيتك؟"
ليجيبها بلامبالاة:
"عندي شغل يا امي و لازم اروح، و كمان دلوقتي انا مسؤول عن أرض عمي و المشروع الجديد."
جليلة باستنكار:
"و كل ده ميستناش كام يوم... لا يا ولدي ميصحش، مينفعش تخرج انهاردة، الناس تقول ايه... و يقولوا ايه على البنية."
شعر بالغضب، بالرغم من أنه غاضب منها بشدة إلا أنها لا يقبل أن يتحدث عنها أحد.
فقال على مضض:
"طب خلاص هروح بكرا."
ثم توجه للجلوس في الخارج.
خرجت دانه من المرحاض و بحثت عنه لم تجده بالغرفة فقالت بغضب:
"ماشي يا بدر، بتطنشني أنا... ده بدل ما تعتذر مني على كدبك عليا."
توجهت للمرآة تصفف شعرها و وضعت كحل يحدد عيناها و يظهر لونها و أحمر شفاه وردي.
و كانت ترتدي بنطال جينز أزرق و بلوزة وردية تصل لركبتيها و حجاب أبيض.
و نزلت ألقت عليهم تحية الصباح و استقبلتها جليلة بزغاريد و كانت تبتسم لهم بمجامله و تبحث عنه بعينيها فلم تجده.
لتسأل جليلة بتوتر:
"طنط هو فين بدر؟"
جليلة بابتسامة:
"برا يا حبيبتي، روحي اقعدي معاه لغاية ما أحضر الفطار."
تدخل جليلة إلى المطبخ و هي تحدث نفسها:
"أول مرة أشوف عروسة و عريس ينزلوا يوم الصباحية... أكيد في إيه."
تخرج دانه و تجد بدر يجلس بالحديقة و يتطلع إلى الأوراق أمامه.
فتذهب له و تجلس و هي تحمحم.
فينظر لها ببرود ثم يشيح ببصره و يعود للأوراق.
تكتم غيظها منه و تجلس أمامه و تدعي الانشغال بهاتفها.
يقول بدر ببرود و هو لم يحيد بصره عن الأوراق:
"والدك اتصل من شوية و بيقول العملية بعد يومين إن شاء الله."
دانه بلهفة:
"ايه... بجد... طب هو كويس... طب كلمك امتى... طب ميكلمنيش أنا ليه... اشمعنا انت؟"
بدر ببرود:
"عادي... هو حر."
تنظر له بغضب ثم تقول:
"طب لو سمحت أنا عاوزة أكلمه."
ليتحدث بدر بصوت عالي غاضب:
"احترمي نفسك و وطي صوتك و انتي بتتكلمي، اظهار إنك محتاجة تربية و أنا هكون أكتر من سعيد و أنا بعمل كده."
فتنظر له بخوف شديد و هي تقول بحزن مكتوم خوفًا من رد فعله:
"أنا محترمة... و مسمحلكش."
بدر و هو يرمي أمامها هاتفه قائلاً بحزم:
"بس مش عايز أسمع صوت... التليفون عندك أهو، كلمي والدك. أنا كده كده و من نفسي جبت الخط ده عشان نكلمه."
و يرحل للداخل تاركًا إياها تتطلع في أثره بحزن و دموع لكلامه الجارحة و معاملته لها.
أما هو فأخذ يتمتم في نفسه:
"ماشي يا دانه، انتي متدلعة و أنا هربيكي."
مسحت دموعها و أخذت الهاتف و اتصلت بوالدها.
فيجيب والدها بتعب:
"الو يا بدر."
دانه بلهفة و دموع:
"أنا دانه يا بابا... عامل ايه."
عبدالحميد باشتياق:
"وحشتيني يا حبيبتي، انتي عاملة ايه... و عاملة ايه مع بدر، أخباركوا ايه، هو بدر طمني عليكوا بس أنا عاوز أطمن منكم."
دانه و هي تنظر من دخول بدر بحزن و لكن تتحدث بابتسامة و فرحة مصطنعة:
"الحمد لله يا بابا كويسين أوي... ثم تكمل ببكاء: كده يا بابا متكلمنيش أنا تطمني عليك و تكلم بدر."
عبدالحميد بابتسامة و ضحك:
"يا غيورة يا حبيبتي، أنا عشان متعيطيش زي دلوقتي كده."
دانه و هي تمسح دموعها بابتسامة:
"أنا مش بعيط أهو... خلي بالك من نفسك."
عبدالحميد بحنان:
"متقلقيش عليا يا حبيبتي، أنا كويس و كمان معايا نعيمة، خلي بالك انتي من نفسك و من جوزك."
ثم يلقوا التحية و يغلقوا الهاتف.
لتدخل دانه للداخل بعد أن مسحت دموعها فتجد حنين و هي تقول بإبتسامة:
"كنت لسه جايه أندهلك عشان الفطار."
تبتسم لها دانه و يدخلوا فتعطي الهاتف لبدر قائلة بابتسامة مصطنعة:
"شكرا."
أخذ منها الهاتف دون رد عليها، فقط أومأ لها برأسه.
فجلست بحرج و بدأوا تناول الإفطار.
دخلت القسم مع صباح و هي تبكي بشدة و قالت و هي تتجه ناحية العسكري الموجود قائلة بتوتر:
"لو سمحت جـ...ـوزي جابوه من شوية هنا."
العسكري بغلظة:
"اسمه ايه يعني و جاي في ايه؟"
رغد بخوف:
"اسمه أحمد و جـ...ـاي في سرقة... بس هو والله مظلوم."
العسكري بسخرية:
"مظلوم آه... عمومًا هو في أوضة حسن باشا دي."
تتغاضى رغد عن إهانته و سخريته و تدخل للداخل بلهفة و تطلب من العسكري الواقف أن يدخلها.
فتدخل للضابط.
الضابط بعملية:
"أيوا عايزة ايه؟"
رغد ببكاء و توسل:
"لو سمحت أنا عاوزة أشوف جوزي، ارجوك."
الضابط بصرامة:
"خمس دقائق بس عشان بكرة هيتعرض على النيابة."
تومئ له بلهفة فيبعث العسكري ليحضر أحمد.
فور دخوله تجري عليه رغد و تحتضنه بشدة و تبكي و تشاركها أيضًا صباح.
أحمد و هو يبعدهم بحزم:
"ايه اللي جابكوا، أنا مش قولت متجوش؟"
رغد بحب:
"مقدرتش، كنت قلقانة عليك."
أحمد بصرامة:
"طب يلا روحوا دلوقتي."
رغد موقفه إياه:
"أحمد انت محتاج محامي كبير... عشان يخرجك."
أحمد بتفكير:
"بس إحنا معناش فلوس للمحامي الكبير ده يا رغد."
رغد باقتراح و خوف من رفضه و غضبه:
"أنا... بقول... أروح... أطلب من... با...با."
أحمد بصوت مرتفع و غضب شديد:
"لا يا رغد انسي، و لو فتحتي الموضوع ده تاني صدقيني هتندمي... و يلا اتفضلي روحي انتي. أمي و ملكيش دعوة بحاجة."
رغد برفض و غضب:
"انت بتقول ايه؟ ها عاوز ايه من غير محامي كبير؟ مش هتقدر تطلع من هنا. بلاش عناد يا أحمد و اسمع الكلام. أما هروح لبابا و هو أكيد هيساعدنا."
أحمد و هو يجذب يدها بعنف و يتحدث بحدة:
"آه دلوقتي بقا الصايع أحمد مضطر يخضع و يتذل لابوكي عشان أطلع صح... لا يا رغد انسي، أنا لو هفضل هنا عمري كله استحالة أوافق أطلع بمساعدة أبوكي."
رغد ببكاء و حزن:
"يا أحمد اسمع بس..."
يقاطعها أحمد:
"يلا يا رغد روحي عشان مفقدش أعصابي."
ثم ينادي على العسكري بعد أن تركهم الضابط و يعيده الزنزانة.
رغد ظلت تبكي في أثره ورحلت و هي تفكر كيف تخرج زوجها من هذا المأزق.
في مصنع الألبان التابع لعائلة محمدين الغنّام كانت تعمل و هي شاردة به.
لم تراه منذ عدة أيام و علمت بعد ذلك أن أخيه تزوج.
ففهمت أنه كان مشغول و لكنها اشتاقت له كثيرًا.
فهي اعتادت أن يحاول محادثاتها و مشاكساتها لكي تسامحه.
فهي سامحته منذ زمن و لكنها تريد أن تدفعه ثمن كذبه عليها.
يقطع شرودها صوته و هو يقول بمرحه المعتاد:
"متتقوليش، أنا عارف سرحانة فيا عشان وحشتك صح؟"
انتفضت من الخضة ثم نظرت له بغضب مصطنع و اشتياق حاولت إخفاءه:
"لا طبعًا، أنا بفكر فيك ليه إن شاء الله."
مصطفى و هو يغمز لها:
"عشان أنا اللي في القلب يا بت."
فرحة بسخرية:
"انت و لا في القلب و لا في الكبد."
مصطفى بجدية و هو يقترب منها بطريقة وترتها و هي تعود للخلف قائلة بتعلثم:
"فـ...ـفي إايه... بتقرب... ليه."
مصطفى و هو ينظر إلى عينيها:
"موحشتكش؟"
فرحة و هي تنظر له هائمة:
"ها؟"
يكتم مصطفى ضحكاته و هو يعيد بهمس:
"موحشتكش؟"
فرحة بهمس مماثلة و ولهة:
"وحشتني."
مصطفى بضحك و هو يغمزها بخبث:
"مانا عارف."
فرحة بغضب:
"انت عارف لو ممشيتش دلوقتي... أنا أنا أنا هقول للحاج محمدين انك بتعاكسني."
مصطفى بضحك و هو يرحل بمكر:
"و ماله، اتقل براحتك يا جميل....."
ثم يكمل بمرح:
"بس مش براحتك أوي يعني."
تكتم ابتسامتها حتى رحل و انفجرت ضاحكة عليه و على حديثه قائلة:
"والله مجنون، مش عارفه بحبه ليه... بس عسل ابن الذين."
أرسل لها رسالة بأن تأتي لتقابله بالأرض القريبة من منزلهم في الصباح الباكر.
و هي كانت مترددة و لكنها خافت من أن يغضب منها.
فذهبت و تخفت من والدتها حتى لا تعلم و خرجت له.
وجدته يقف منتظرها و عندما رآها ابتسم لها و قال برقة:
"وحشتيني."
نور و هي تنظر للاسفل بخجل:
"وانت كمان."
فارس و هو يرفع وجهها بيدها من ذقنها قائلا:
"انتي بتثقي فيا يا نور؟"
نور ببراءة:
"آه طبعًا بثق فيك."
فارس بابتسامة:
"يبقى اسمعي كلامي صح."
أومأت له ببراءة و تلقائية.
فقرب وجهه منها و كاد أن يقبلها.
و لكنها رفعت يدها تدفع صدره تمنعه.
و لكن تاتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
و قد رآها ثلاث رجال ذاهبين لعملهم.
ليصبحوا بصوت عالي:
"شوف البجاحة يا ولاد عيني عينك كده من غير لا خشية و لا حيا."
انتفضوا.
عادت نور للخلف خطوة و تجمعت الدموع بعينيها.
ليقول الآخر:
"ايه ده دي بنت الحاج إسماعيل أخت عبد الرحمن."
و اتت النساء على صياحهم و سبهم لفارس و نور التي كانت تبكي بقوة و لا تستطيع التحدث.
ليخرج عبد الرحمن و والدة نور من المنزل بعد سماع الضوضاء الموجودة بالخارج.
فيصدم بوقوف أخته تبكي و بجانبها فارس الذي تلون وجهه بمئة لون.
ليهرول ناحية أخته و هو يحتضن وجنتها قائلا بحنان:
"مالك يا حبيبتي بتعيطي ليه؟"
ليرد أحد الرجال:
"يا خوي، بتطمن عليها ده بدل ما تقتلها و تغسل عارك."
عبد الرحمن بغضب جحيمي و هو يقترب منه و يسحبه من تلابيب جلبابه:
"انت بتقول ايه يا راجل انت؟"
ليرد:
"بيقول اللي إحنا شوفناه، اختك ماشية على حل شعرها مع فارس."
ليذهب له بخطوات غاضبة و هو يلكمه بشدة على فكه ليسقط أرضًا.
أحد الرجال:
"ده بدل منربي اختك بتضرب الناس."
إحدى السيدات:
"أيوا الكلام ده صح، إني شوفتها امبارح في فرح بدر، وقفت مع فارس ورا الدوار بوضع لا مؤاخذة وحش أوي، و لا خايفين حد يشوفهم و لا حاجة."
عبد الرحمن بصدمة و هو ينظر لأخته التي تنظر له برعب و بكاء و يقترب منها و نحيب و عويل والدتها يزداد:
"الكلام ده صح يا نور؟"
لم ترد عليه فقط تبكي بشدة.
ليسحبها من يدها و يقول بحدة:
"انطقي."
نور ببكاء و خوف:
"والله ما عملنا حاجة... احح نا ببس... كنا بنتكلم."
عبد الرحمن بصوت جهوري و غاضب و هو ينظر للناس:
"كل واحد يحترم نفسه و يحط لسانه حوا بوءه، أنا اختي أشرف منكم و من بلدكم كلها..... نور و فارس مقري فاتحتهم و مخطوبين و فرحهم كمان كام يوم، و يمكن غلطوا لما وقفوا لوحدهم بس هي خطيبته و قيالي كل حاجة دي نور بنت الحاج إسماعيل الله يرحمه و اخت عبد الرحمن إسماعيل، و اللي يفكر بس يجيب سريتها على لسانه هقتله بعد ما أخليه عبرة للبلد كلها."
أحد الرجال بسخرية:
"مسمعناش يعني إنهم مخطوبين."
عبدالرحمن بغضب:
"إحنا أحرار، محبناش نقول دلوقتي، و لو مقولناش خالص بردو إحنا أحرار، و كل واحد يخليه في حاله بدل ما يسمع و يشوف حاجة مش هتعجبه أبدًا، فاهمين."
قال آخر كلمة بصوت جهوري و هو يشير بسبابته في وجههم جميعًا.
ثم يلتفت يسحب اخته من يدها بقوة بعض الشئ و يقول لفارس بغضب مكتوم:
"و انت يا فارس روح يلا دلوقتي و إحنا على معادنا زي ما هو."
فارس و هو يومئ له بخوف قليلا من نظرته و يرحل و هو يعلم أن قضى الأمر.
أما عبد الرحمن سحب نور و دخل للمنزل و خلفه والدته.
الناس ظلوا يتحدثون ثم ذهب كل منهم لعمله.
فور دخولهم للمنزل و غلقه للباب التفت لنور و صفعها بشدة على وجنتها.
نظرت له بصدمة و خوف و دموعها تنزل بغزارة على وجنتها و تبتعد عنه و هي تقول بخوف:
"والله.... معملتش كده... أنا.... هو... قالي إنه بيحبني.... و كان هيتقدملي."
عبد الرحمن بحزن و غضب:
"انتي كسرتيني يا فرحة، كسرتيني في البلد... الحمد لله أن أبوكي مات لأنه لو كان عايش... كان مات دلوقتي من الحسرة و الحزن."
ظلت تبكي بشهقات عالية و لا تجيب.
عبد الرحمن بحزم:
"اعملي حسابك فرحك على فارس بعد بكرا زي ما قولت للناس، و هتشوفي نتيجة عملتك، كفاية إنك هتتجوزي واحد زي فارس."
قالها بسخرية ثم رحل بغضب و تركها تبكي بشدة و والدتها انهالت عليها بالضرب و السباب.
رواية في عصمت صعيدي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم إسراء محمد أمين
كان يجلس بالزنزانة لياتي العسكري ينادي باسمه مخبرا إياه انه لديه احد الزوار.
يذهب بفرحة ظنا منه انها رغد، ولكن عندما دلف المكتب صدم بوجود محمود وهو ينظر له بخبث وشماتة.
فتقدم منه بغضب وهو يقول بصوت مرتفع:
"انت ايه اللي جابك هنا؟"
محمود بخبث:
"انا غلطان اني جيت ازورك توتوتو عيب والله يا احمد."
احمد بشك:
"انت اللي وراها صح؟"
محمود بمكر وضحك:
"اسم الله عليك ايه الذكاء ده... شاطر."
احمد بغضب وهو يسحبه من تلابيب قميصه:
"انت فاكر انك كده بتكسرني؟"
محمود بخبث وهو ينزل يده:
"لا يا ابو حميد انا لسه هكسرك."
احمد بشك:
"قصدك ايه؟"
محمود بضحك:
"قصدي مراتك اللي انت بسببها ذلتني و بهدلتني في الحارة كلها... انا اللي هذلك و اكسرك بيها... اصلها ياعيني قاعدة لوحدها بعد امك ما دخلت المستشفى امبارح.. اه اصلها تعبت بليل و في المستشفى.... و بصراحة اكتر مراتك دخلت مزاجي من اول يوم شوفتها فيها."
احمد احتاج للحظات ليفهم الأحداث. والدته في المشفى وزوجته وحدها في المنزل وهذا الحيوان يريد أن...
انقض عليه احمد يلكمه بشدة:
"انت بتقول ايه يا ابن... يا... انت لو بس قربت منها هتشوف هعمل فيك ايه يا..."
اتي العسكري على صوت صراخ محمود ليفض الشباك ويبعد احمد هو وزميله بصعوبة بالغة.
ظل احمد يسبه ويحاول ضربه مرة اخرى.
محمود وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة وهو يقول بتشفي وانتقام:
"انا همشي دلوقتي عشان ورايا حاجات اهم من اني ارد عليك."
ويرحل سريعا. أما احمد فقد جن جنونه وظل يصرخ ويسب ويدفع العساكر وهو يقول:
"اوعواا... بقولكوا اوعوا... ده ده ده هيروح لمراتي لااا..."
تجمع عليه العساكر وادخلوه الزنزانة مرة أخرى.
ظل يمشي ذهابا وايابا وهو يكاد يجن. اقترب منه أحد الأشخاص وهو يقول:
"مالك يا شق؟"
احمد بغضب جحيمي:
"بقولك ايه ابعد عني."
الرجل بصوت غليظ:
"انا غلطان اني كنت عاوز اساعدك."
تلمع فكرة في أعين احمد ويقول الرجل بلهفة:
"تتعرف تجبلي موبيل؟"
الرجل بفخر:
"طبعا اعرف... محسوبك الكبير هنا."
احمد بسرعة:
"طيب طيب بسرعة عاوز تليفون ضروري."
ذهب عطوه لمكان المخبئ به الهاتف ثم أحضره لاحمد:
"بس متطولش."
يوما بسرعة دون حديث وياخذ الهاتف ويكتب رقمها سريعا الذي حفظه عن ظهر قلب لتجيب بعد لحظات بصوت حزين:
"الوا."
احمد بلهفة:
"رغد رغد انتي فينه؟"
رغد بفرحة وعيونها تلمع بالدموع:
"احمد ااانت بتتكلم ازاي انت خرجتا؟"
احمد مقاطعا:
"لا مخرجتش ردي بس انتي فينه؟"
رغد بتوتر:
"أنا في المستشفى مع ماما صباح متقلقش عليها هي كويسة والدكتور طمنيا."
احمد براحة بعض الشيء:
"رغد اسمعيني كويس متروحيش البيت سامعه اوعي تروحي..... اقولك روحي عند اهلك."
رغد باستغراب وحزن:
"ليه يا احمد وبعدين انت نسيت اعلى اتبروا منيا؟"
احمد بغضب:
"بقولك روحي عند اهلك حتى هدومك سيبيها مترجعيش تاخديها."
رغد بتوتر وخوف:
"ل..ليه؟"
احمد بغضب:
"من غير ليه امشي عند اهلك."
رغد بغضب مماثل:
"ليه عاوز ترجعني فاكرني مش هيبقى سند ليك مش هكون زوجة كويسة و اساعد جوزي لا بقا انا هقعد في بيتي و استناك لما تطلع."
احمد بصراخ:
"وانا بقولك امشى بقا."
رغد بذهول:
"ااحمد ...اانت عاو..ز تسبنيا؟"
احمد بحزن شديد مكتوم وعيون دامعه بعجز:
"ايوا يا رغد روحي عند اهلك جوازنا من اول غلط ابوكي عنده حق انا صايع و ضعيف مقدرش احميكي و لا اوفرلك حياة كويسة."
رغد بدموع:
"انا عاوزة اعيش معاك لو فوق سطوح... لا يا احمد انت تقدر تحميني كويس او."
احمد بغضب وكذب:
"بقولك روحي عند اهلك بقا انا زهقت منك و وشك نحس عليا من يوم ما اتجوزتك و انا في مصايب و اهو امي تعبانة في المستشفى و انا محبوس و يا عالم هخرج امتى."
رغد بصدمة:
"ااننت بتقولي انا ك...دها؟"
احمد بتأكيد:
"ايوا بقولك انتي و ياريت تروحي لأهلك و مترجعيش البيت تاني لأنك نحستيه بما فيه الكفاية."
ثم اغلق الخط. هو يعلم جيدا أن كرامة رغد فوق كل شيء وأنها بهذا الحديث لن تعود مرة أخرى للمنزل.
تتحرر دموعه بعجز فيمسحها سريعا ويقول في نفسه:
"انا اسف يا حبيبتي كان لازم اعمل كده. حمايتك عندي اهم من حياتي."
ثم يكمل بتوعد:
"اخرج بس من هنا و هيشوفوا كلهم... و هرجعك ليا."
كانت تسير ودموعها تنزل على وجنتها. لا تصدق حقا يا الله ما هذا الالم الرهيب في قلبي و روحي هل هذا فراق الروح ام فراق توأم الروح. حقا تشعر وكان روحها غادرتها. لا تصدق ما سمعته من رفيق الروح ومعشوق القلب.
ركبت سيارة (تاكسي) واتجهت الي والديها. اكتشفت أن لا يوجد احد اهم منهم في الحياة بل هما السند والظهر.
نزلت ووقفت بتردد على الباب ثم حزمت أمرها ورنت الجرس. دقائق وفتحت لها الخادمة التي استقبلتها بحفاوة واشتياق ثم أدخلتها وذهبت لتنادي والديها.
ظلت واقفة كما هي. نزلت والدتها على الدرج سريعا وهي تصرخ باسمها ثم احتضنتها بشدة وظلوا يبكون. بعد لحظات رفعت يدها وبادلتها الاحتضان وتلقت والدتها على مسامعها كلمات الاشتياق والندم.
نزل الدرج ببطء وظل واقف ينظر لهم. ابتعدت سهيلة عن رغد التي نظرت لوالدها واخفضت رأسها أرضا بخجل من فعلتها وكلامها آخر مقابلة لهما.
اقترب ببطء وظل ينظر لها بجمود ورفعت نظرها له ودموعها تحررت مرة أخرى. فتح لها اذرعه ودموع عيناه تحررت لتركض له. احتضنته وظلت تردد ندمها وأسفها وهو يقبل رأسها ويعتذر ايضا. كم تمنت هذا الحضن وهذا العطف. عرف كلا منهم خطأه وندم عليه.
كان بدر يتجاهل دانه دائما عندما يكونوا بمفردهم وامام أهله يتصرف وكأنهم زوجان طبيعان.
كانت دانه تجلس مع حنين وجليلة بجانبهم تقطف الملوخية يتسامران ويضحكون.
لدلف بدر وينظر لها قائلا في نفسه:
"و بتضحكي كمان و لا على بالك ماشي يا دانه."
ذهب باتجاههم قائلا بابتسامة صفراء:
"ايه يا دانه مش قولتيلي انك تعملي الاكل انهاردة؟"
دانه بذهول وهي تشير لنفسها:
"اه انتي يا حبيبتي قولتيلي هاكلك انهاردة من ايديكي."
دانه بتوتر وحرج:
"بب..س اانا."
بدر مقاطعا لها:
"متتحرجيش كده يا حبيبتي ده بيتك يعني براحتك."
ثم يلتفت لجليلة:
"امى معلش ادي دانه الملوخية هي كان نفسها تاكلنا من أيدها انهاردة."
جليلة باعتراض:
"بس دي لسه عروسة."
بدر بابتسامة مستفزة:
"يا ماما هي عاوزة كده وبعدين هي هتعمل ايه يعني الاكل بستو."
امأ جليلة بفرحة فهي فرحة ظنا منها أن ابنها يعيش هو وزوجته حياة رائعة.
دانه وهي تنظر لبدر بغضب شديد بادلها إياها ابتسامة مستفزة وهو يقول:
"بسرعة بقا عشان انا تعبان وجعان هطلع اخد شاور تكوني خلصتي."
ثم يصعد الدرج وهو يطلق صفيرا بغيظ.
دانه تبتلع ريقها بتوتر وصعوبة.
جليلة بفرحة:
"بصي بقا يا حبيبتي البط عندك جوا غسلته شوفي انتي بقا هتعمليه ازاي زي ما تحبي والررز وكل حاجة في المطبخ والملوخية اهيه ورينا بادقا عمايل ايديكي يا مرات ابني."
دانه ببكاء مكتوم:
"ااه طبعا."
ثم تدلف المطبخ وهي تسب بدر:
"البارد الرخم... حسبي الله ونعم الوكيل."
ثم تنظر للبط وهي تتحدث له بغيظ:
"تحب وتعمل ازاي بقا حضرتك؟"
ظلت تفكر وتذهب وتأتي ثم أتت لها فكرة الهاتف والانترنت فتذهب سريعا تحضر هاتفها وتشغل الفيديو.
تنظر ببلاهة وهي تقول:
"ايه ده كل.... كل ده عشان الصوص بتاع البطة."
تحضر البصل وتبدأ بتقطيع ودموعها تحري على وجنتها وتقول بصوت مسموع:
"حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا بدر."
"تؤ تؤ تؤ عيب في واحدة محترمة تدعي على جوزها كده."
تنتبه لصوته الساخر والمتسلي في الآن نفسه لتجده يقف على الباب يسند ظهره على الباب ويطالعها بتسلية.
يقترب منها ببطء هي تتابعه بخوف إلي أن وقف امامها مسح دموعها برقة بالغه وهو ينظر بعينها لتتوه هي في بحر عيناه العسلية وتتوتر من حركته ليفيقها صوته الساخر:
"ايه يا حبيبتي انتي نمتيت؟"
تنظر له بغضب ثم تشيح نظره.
يكتم ضحكاته على غضبها وتاثيره الواضح عليها ليقول بصرامة:
"قدامك ساعة واحدة بس وتخلصي..... يا دلوعة بابا."
تنظر له بغضب وهي تقول:
"انا فاكر انك كده بتذلني طب غلطان؟"
بدر بجدية:
"لا مش بذلك اسمها بربيكي يا..."
يكمل بسخرية:
"زوجتى العزيزة."
ثم يرحل ببرود مرة أخرى.
دانه بصراخ مكتوم:
"عااااا... منك لله."
ثم تكمل عملها بغضب وهي تتافف:
"اوف ايه ده التوم ده بايظ."
ثم تذهب للخارج عند جليلة وحنين وهي تقول:
"الحق يا ماما. ده التوم بايظ."
جليلة باستغراب:
"بايظ!! بايظ ازاي يا بنتي ده احنا لسه جايبينه."
دانه وهي تعطيه لها:
"طب بصى... ريحته بايظه صح؟"
جليلة باستغراب وهي تشمه:
"لا يا بنتي ده زي الفل."
حنين باستغراب مماثل:
"ايوا يا دانه مش بايظ..."
مكملة بتساؤل:
"انتي اول مرة تمسكي توم؟"
دانه بتأكيد وفخر:
"yes بس عرفت أنه بايظ لوحدي."
حنين بضحك:
"لا يا دانه نو ريحته كده."
دانه باستغراب:
"really !!!"
استمعوا لضحكات رجولية ليلتفتوا يجدوا بدر كان على الدرج وسمعهم. اول مرة تراه يضحك بهذه الطريقة تتوه في جمال ضحكته وتتطالعه والدته وحنين بابتسامة ثم شاركوه الضحك.
دانه بحزن:
"انتوا بتضحكوا عليا."
جليلة بإبتسامة:
"لا طبعا يا حبيبتي حد يضحك على القمر ده."
تبتسم لها دانه بحب وفرحة ثم تأخذ الثوم منها قائلة بحماس:
"خلاص بقا مدام دي ريحته يبقا ادخل اكمل."
بعد مرور ساعتين.
جليلة من الخارج:
"ها يا دانه خلصتي؟"
دانه تكذب وخوف:
"اه يا ماما ثواني بس."
كانت ثيابها تبللت. والمطبخ بحالة مزرية حيث الملوخية وقعت منها البعض على المنضدة ومياه على الأرض والارز على الأرض وتقطع السلطة.
يدلف بدر بثباته المعتاد قائلا:
"ها بقا بقالك اكتر من ٣ ساعات خلصتي؟"
دانه بفخر وثقة مضحكين:
"طبعا."
بدر باندهاش مزيف:
"بجد لا اشوف بقا."
يذهب للمطبخ ويأتي بمعلقة وكانت هي بجانبه لترى ردة فعله. يفتح الوعاء الاول ليجد الملوخية قطع والحساء يحيط بها فيقول بذهول حقيقي:
"ايه ده؟"
دانه بتوتر:
"االملوخية."
بدر بتساؤل:
"انتي مخرطيش الملوخية؟"
دانه بتساؤل وحيرة:
"يعني ايه؟"
بدر بصدمة:
"يعني ايه!!!... انتي حطيتي الملوخية زي ماهي."
دانه بتوتر اكبر:
"اه....هو كده غلط."
لم يجبها وفتح الوعاء الثاني ليجد أن الارز أصبح عجينة لا يوجد له أي ملامح فيغلق الوعاء مرة أخرى ولم يتحدث. ثم اشتم رائحة حريق ليفتح الفرن سريعا ويخرج البطة بالقماش ليجدها احترقت.
كانت دانه تطالعه بحزن تحول إلي شهقات مرتفعة وهي توم شفتيها كالاطفال ودموعها تنزل بغزارة. يتطلع لها سريعا فهي حقا كالاطفال تحزن سريعا وتفرح سريعة من اقل شيء ولا تعلم ماذا تقول وماذا تفعل. وذهب لها ما ان سمعت شهقاتها وهو يتسال بقلق:
"مالك يا دانه؟"
دانه وهي تنظر له بدموع كالجرو اللطيف بعيون متسعة:
"اانا... فاشلة."
ثم تنفجر في البكاء مرة أخرى ليحتضنها ويربت على رأسها بحنان وهو يهدهدها كطفلة صغيرة:
"لا لا ده كده حلو جدا كأول مرة."
تبتعد عنه وهي تمسح دموعها وترمقه بشك ليومأ بتأكيد.
دانه بحيرة:
"طب هنعمل ايه هناكل ايه دلوقت؟"
بدر بضحك:
"لا متقلقيش اصل انا كنت واثق فيكي من اول فعشان كده طلبت اكل من مطعم ف اول القرية و خدته منه اهوه حطيه فاطباق و كان انتي اللي عملاه."
ثم غمز لها بشقاوة:
"اي خدمة."
اطلعت له ثواني ثم ضحكت وفي اللحظة التالية نظرت له بغضب قائلة:
"يعني انت كنت عاوز تتعبني و تحسسني اني فاشلة و خلاص صح؟"
بدر مصححا:
"لا يا روحي بربيكي و لسه هربيكي."
ثم قال بخبث:
"بسرعة بقا لحد يجي و يكتشف الجريمة دي."
ثم خرج.
طالعته بعشق هي تعشق كل شيء به حقا ولكن هذا العقل المدمر دائما يذكرها أنه يريد الأرض والمشروع فقط وتروجها برغبة والدها ليس هو. انتبهت لاصواتهم لتحضر الطعام في الأطباق سريعا وترمي الطعام العجيب الذي اخترعته هي.
رواية في عصمت صعيدي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم إسراء محمد أمين
كانت متعبة وبشدة، تلتقط أنفاسها بصعوبة وهي جالسة على فراش المشفى. تأتي الممرضة وتعطيها الدواء وتتفحص إن كان كل شيء بخير، ثم تقول لها بابتسامة:
"الحمد لله اتحسنا أهو."
قالت صباح بتعب واضح:
"أنا عاوزة تليفوني يا بنتي."
أجابت الممرضة بموافقة:
"حاضر يا حاجة."
ثم جلبت لها هاتفها من على المنضدة. فضغطت على رقمه دقائق، وأتاها صوته الوقور رغم مرور الزمن وهو يجيب برزانة:
"الو، مين معايا؟"
قالت صباح بتعب:
"أنا صباح.. يا كريم...... صباح اخت مراتك الله يرحمها."
***
كانوا يتناولون الطعام الذي جلبه بدر من المطعم، وهم يمدحون بدانة وجمال طعامه ورائحته الشهية. وهي تشكرهم بفخر وكأنها من صنعه.
قال مصطفى بمرح:
"لا يا مرات أخويا، بصراحة عمري ما توقعت إنك بتعرفي تعملي أكل و حلو أوي كده كمان."
قالت دانه بفخر:
"دي أقل حاجة عندي."
قالت جليلة بابتسامة:
"لا بقا ده انتي من هنا ورايح انتي اللي هتعملي الأكل."
شهقت دانه وسعلت بقوة بعد أن غص الطعام بحلقها من الصدمة. لتعطيها حنين الماء. فيتناول بدر منها الكوب ويعطيه لدانه وهو يربت على ظهرها ويكتم ضحكاته بصعوبة. وهو يقول بخبث:
"اه والله ياريت يا حبيبتي، بجد أكلك جميل أوي."
رمته دانه بأسهم الغضب من عينيها، ثم تلتفت جليلة قائلة بأسف مصطنع:
"والله يا ماما مبعرفش أعمل غير الأصناف دي بس."
قال بدر بتسلية:
"خلاص ابقي علميها باقي الأصناف يا أمي عشان تبقا تعملهالي من إيدها."
قالت جليلة بابتسامة:
"طبعًا أمال، وهي تعلمني طريقة البط دي."
ضحك بدر بصخب وهم ينظرون له باستغراب. بينما دانه تنقهر من داخلها. وتوما فقط بابتسامة صفراء.
***
صباح اليوم التالي.
كان بدر يبدل ثيابه في الغرفة فوجد جلبابه البيضاء متسخة، فغضب ونادى على دانه بصوت مرتفع قليلاً. لتأتي دانه من الأسفل بخوف من صوته الغاضب وتجيبه بسرعة بعد أن دخلت:
"نعم."
قال بدر وهو يرفع الجلباب أمامها ويقول بغضب:
"اتفضلي يا هانم، ده منظر هدوم."
قالت دانه باستنكار وتعجب:
"دي بتاعتك وأنا مالي، انت اللي وسختها."
قال بدر بغضب وتهكم:
"والله! لا يا هانم، انتي مراتي ومن واجبك الاهتمام بجوزك وأموره."
قالت دانه بملل:
"أيوا يعني أعمل إيه."
قال بدر بأمر وتسلي:
"يعني خدي كل هدومي اللي مش نضيفة وروحي اغسليهم."
قالت دانه بسخرية:
"طب يعني لما أحطها في الغسالة هتستري."
ضحك بدر بضحك عالٍ ثم يكمل بخبث:
"لا يا روحي، أصل أنا بحب لبسي ده فمبحطوش في الغسالة عشان ميبوظش.... اغسليه على إيديك."
قالت دانه بغرور وذهول:
"إيه ده، noway."
قال بدر بأمر وثقة:
"لا يا روحي، هتغسلي وبسرعة كمان، ولو معجبنيش هتعديه تاني."
ثم ارتدى جلباب آخر وخرج بثقة. وهي تطلع له بغضب وضيق. ثم تأخذ الملابس بعنف وكأنها تنتقم منه هو. وهي تتمتم وتسب بخفوت وتذهب لغسله.
***
يأتي مساء وهو يطلق صفيره البغيض بالنسبة له. ليجد دانه تخرج من المرحاض وهي مبللة بالكامل حتى شعرها. ولا يعلم السبب. هل تغسل بشعرها؟ ضحك على سخافة أفكاره وعلى مظهرها وهي تمسك الثياب الغارقة بالمياه حتى أغرقت أرضية الغرفة. لينظر لها باستغراب وهو يضحك. لتنتبه له فتنظر له بغضب وتقول بانفعال:
"بتضحك على إيه حضرتك، إيه اللي يضحك."
قال بدر وهو ما زال يضحك وهو يشير لها بإصبعه:
"عليكي أكيد......"
ثم يكمل وهو يشير للثياب:
"إيه اللي بتعمليه ده، إزاي الغسيل كله مياه كده."
قالت دانه باستنكار وسخرية لا تليق بموقفها أبدًا:
"أمال هغسل الهدوم بلبن مثلا."
ضحك بدر بخفوت عليها ثم يقول باستفزاز:
"أنا قصدي إن المفروض تعصري الهدوم الأول وبعدين تنشريها. يعني بصي بهدلتي الأوضة وغرقتيها إزاي... يعني كده هتضطري تنشفي الأوضة بردوا."
قالت دانه بتعجب:
"أعصرها إزاي يعني."
قال بدر وهو يمسك منها الملابس ثم يقوم بعصرها:
"كده."
فتنزل كمية كبيرة من المياه على الأرض. فيكمل باستفزاز وهو يعطيها الثياب:
"يلا بقا عشان تنشفي المايه دي."
قالت دانه وهي تتكلم بصوت باكي:
"انت ليه بتعمل معايا كده هاااا."
ثم تكمل باستعطاف ونظرات بريئة:
"ينفع كده، بس اتبهدلت إزاي."
قال بدر بابتسامة وهو يربت على وجنتها:
"مش عليا الحركات دي، ويلا بسرعة خلصي."
ثم بدأ ثيابه ونزل لأسفل. فتكمل هي ما كانت تفعله. ويصعد هو مرة أخرى وينظر للغرفة برضا. ثم يذهب للشرفة ويشرب سيجارته. يفكر في علاقته بها وماذا سيحدث. ولكن قرر قرار فقط عندما يعود والدها بالسلامة. فهي تعتقده طامع لا شرف له ولا قيمة، سارق. إذا هي لا تستحق قلبه الذي أعطى لها بكل حب.
دلفت للغرفة وتبحث عنه حتى وجدته. فدلفت له وهي تقول باستئذان اعتادته منذ فترة. فهو يذهلها دائمًا بأخلاقه. ولا تصدق كيف له أن يكون طامع وسارق. ولكن لا تبدي أي من أفكارها.
قالت:
"بدر، أنا عاوزة أكلم بابي."
نظر لها لحظات بجمود. ثم أخرج هاتفه من جيبه وأعطاه لها بدون حرف وعاد بنظره للخارج. أما هي نظرت له باستغراب. ثم أخذت الهاتف واتصلت بوالدها الذي أتم عمليته منذ يومين بنجاح، حمدًا لله. كم فرحت وبكت وشكرت الله. ليجيبها باسمًا:
"الو، انتي أكيد دانه."
قالت دانه بابتسامة فرحة:
"أيوا أنا... عامل إيه يا بابا، حاسس بحاجة."
قال عبد الحميد بفرحة:
"الحمد لله، أنا كويس وحاسس إني فرحان أوي إن بنتي سعيدة مع جوزها."
نظرت دانه لبدر الذي ما زال ينظر للأمام وهو يدخن بجمود. بابتسامة حزينة.
قالت:
"الحمد لله... هتيجي إمتى بقا."
قال عبد الحميد:
"مش عارف يا بنتي، بس قربت أجي خلاص. هما قالولي هقعد فترة بس عشان يشوفوا لو في أي مضاعفات أو كده."
قالت دانه بإيجاب:
"طيب، ربنا يرجعك بالسلامة. روح ارتاح بقا وسلم لي على دادة."
قال عبد الحميد:
"ماشي يا بنتي، الله يسلمك."
ثم أغلقوا المكالمة. لتنظر له لحظات. ثم تقول بخجل وهي تعطيه الهاتف:
"شكرًا."
هز بدر رأسه بدون حديث أيضًا وهو يأخذه منها.
قالت دانه بتوتر واستغراب وهي تضع يدها على كتفه:
"مالك يا بدر."
قال بدر وهو يلتفت لها بجمود:
"مفيش."
ثم أزاح يدها وهو يكمل:
"في حاجات كتير هتتغير قريب."
انقبض قلبها لا تعرف لماذا. لتسأله بخوف:
"قصدك إيه."
قال بدر بجمود:
"قريب هتعرفي."
يرحل. ثم يقف على الباب قائلاً:
"أجهزي يلا عشان فرح نور وفارس."
ثم يغلق الباب. قلبها يؤلمها بشدة. تستشعر أن هناك شيء سيء سيحدث. ثم تنفض أفكارها. كبرياؤها وغرورها لا يجعلها تعترف أنها مخطئة وأنه مظلوم. هي فقط تشعر بذلك. وتذهب لتتجهز. فترتدي فستانًا باللون الأسود وحجابًا باللون الأحمر. وتضع لمسات من أدوات التجميل وأحمر شفاه باللون الأحمر الصارخ. وتنزل لأسفل. تجده يجلس ينتظرها. فتسأله:
"أمال فين ماما وحنين."
قال بدر قبل أن يلتفت لها:
"راحوا من بدري عشان يساعدوا عمتي."
ما إن التفت لها حتى تصنم مكانه وكأن جمالها لعنة أصابته. بعينيها البندقية الرائعة والفستان الأسود الذي وكأنه مصنوع له.
قالت دانه برقة:
"بدر... بدر."
قال بدر وكأنها أعادته للواقع. فنظر لها بغضب وهو يشير لها:
"إيه اللي حضرتك عملاه ده، امسحي يلا اللي في بقك ده."
قالت دانه بغضب طفولي:
"لا بقا ده فرح."
قال بدر بحزم:
"بقول يلا حالًا."
أخذت المنديل ومسحت شفتيها بغضب وهي تنظر له:
"ها، خلاص."
قال بدر بنظرة تقييمية من أسفل لأعلى. جعلتها تخجل وتنظر لأسفل. وتسير قشعريرة بجسدها. يقول بصوت أجش:
"تفضلي قاعدة مكانك مع الحريم، وماتتحركيش منه. أنا بقولك أهو."
قالت دانه بغضب وسخرية:
"واتنفس عادي ولا أكتم نفسي لغاية ما الفرح يخلص."
قال بدر باستفزاز وسخرية:
"اتنفسي بس مش أوي..."
ثم يكمل بثقة:
"يلا قدام."
تسير بجانبه وهي تلعن تحكمه وأوامره التي لا تنتهي. ولكن هناك فرحة داخلية من أنه يهتم لأمرها ويغير عليها. فهي قد استشعرت غيرته وتتمنى أن يكون شعورها صحيح.
***
كانت نور جالسة بغرفتها حزينة وحيدة. فطوال الأيام الماضية لم يتحدث معها أحد. لا أخيها الحنون عبد الرحمن، ولا أمها. والتي كانت قاسية سابقًا ولكنها أصبحت أقسى. كانت ترتدي فستانها الأبيض ووضعت لها خبيرة التجميل بعض اللمسات التجميلية التي جعلتها حورية جميلة. ولكنها شاردة، حزينة. على الرغم من أنها ستزف لفارس أحلامها وحب عمرها. فتصير نفسها بأن حياتها ستصبح أفضل. وعندما سيعوضها عما حدث، عما رأته من قسوة وظلم.
في الأسفل كان عبد الرحمن طلب من فارس الحديث على انفراد بعد كتب الكتاب.
قال عبد الرحمن بتوعد وغضب:
"أوعى تفكر إني سبتك كده خوف أو ضعف. لا أبدًا. أنا عشان لما وشك يتخرشم الناس متعرفش حاجة وميتكلموش على أختي."
قال فارس بثبات:
"وأنا لو مكنتش عايز أتوز أختك مكنتش هتجوزها. كل ده بمزاجي أنا."
قال عبد الرحمن بلا مبالاة لحديثه وتوعد:
"لو فكرت بس إنك تأذيها أو تعملها حاجة، صدقني هتندم."
نظر له فارس بلا اهتمام ثم يرحل. بينما صعد عبد الرحمن لأخته ليدلف للداخل. ما إن رأته حتى وقفت سريعًا بخوف وارتباك وخجل. يشير للفتيات الموجودات بالغرفة بالرحيل ليخرجوا ويتركهم. ليقترب منها وهي ترفع نظرها له باستعطاف وتوسل أن يسامحها. ليقول عبد الرحمن بألم:
"كان نفسي أوي أشوفك عروسة. واليوم اللي هسلمك لعريسك اللي يستحقك ويحافظ عليكي... وأشوف بنتي اللي أنا ربيتها كبرت قد إيه وبقا عروسة زي القمر."
كانت تنظر له وهو يتحدث بالألم ودموعها تنزل على وجنتها بحزن. ليكمل بحسرة:
"بس للأسف انتي ضيعتي كل ده. أتمنى تتحملي نتيجة اختيارك واستهتارك."
قالت نور ببكاء وحزن وخجل:
"عبد الرحمن."
يقاطعها. هو يشيح ببصره حتى لا يتأثر. فهي أخطأت وأخذلته ويجب أن تعاقب. وهو يقول بجمود:
"يلا عشان ننزل."
ويمسك بيدها وينزلون لأسفل ليسلمها لفارس. وهو ينظر له بتحذير. الآخر باللامبالاة وهو يأخذ يدها ويسحبها ويذهبوا للجلوس على الكراسي المخصصة للعروسين دون حديث. مما جعل قلب نور ينقبض وهي تنظر لفارس الذي توقعت أنه سيقول لها ما يهدئها ويطمئنها. فيقول لها بجمود وابتسامة صفراء:
"اضحكي وافردي وشك عشان الناس متقولش حاجة."
تنظر له بحزن شديد. لم تتوقع أن هذا هو الحب الذي ستتلقاه منه. فتحاول رسم ابتسامة مغتصبه والخوف ينهش قلبها.
***
في الجانب الآخر كانت حنين شديدة الحزن وتكتم دموعها من رفيق روحها الذي تعتقد أنه يتجاهلها أو مل منها. لم يعد يريدها فهو لم يتكلم معها طوال اليوم. على الرغم من محاولاته لجذب الحديث معه منذ أن أتوا صباحًا. إلا أنه أوقف حديثها قائلاً إنه منشغل وليس لديه وقت ورحل وتركها حزينة خجلة. لم يحاول أن يصالحها أو يتحدث معها. فقط ينظر لها ويشيح ببصره. تستشعر أنه حزين. لكن لا تعلم السبب وهذا يزعجها أكثر. ولا تعرف ما في قلبه من حزن وخذلان وغضب من شقيقته التي خذلته. ابنته التي لم ينجبها. وكان لها الأب والأخ والرفيق. لم يبخل عليها أو يقسو عليها حتى تفعل ما فعلت. يعلم أنها لن تتخطى حدودها فهو من رباها. ولكن استغفلته وجعلت منه ومنها حديث في البلد. بالإضافة إلى حزنه عليها. فهي تزوج شخص مستهتر معروف بسوء أخلاقه. ولو كانوا في ظروف وموقف أخرى لكان رفضه وبشدة. فهو لا يستحقها. ولكن سيندم حقًا إن أذاها بأي طريقة.
***
دخل المشفى بهيبته بعد أن نزل من سيارته الفارهة. ويسير بخطوات واثقة ببذلته ذات الماركة العالمية وثقته. رغم الشيب المنتشر في خصلات شعره. ثم يدلف إلى غرفتها قائلاً بثبات:
"ألف سلامة عليكي يا صباح.. عاملة إيه."
قالت صباح بتعب:
"الحمد لله."
قال كريم الشهاوي بحزن:
"معلش يا صباح مجتلكيش من زمان. بس انتي عارفة من ساعة موت المرحومة وأنا مش قادر أشوف حد من ريحتها."
قالت صباح بحزن شديد وتعب:
"أنا طلبتك عشان أقولك حاجة.... مهمة أوي."
قال كريم باستغراب:
"حاجة إيه."
قالت صباح وهي تلهث بتعب وبكاء وندم:
"أنا لما لما كنت حامل.... الدكتور قالي إن الجنين حالته مش مستقرة ووو اليوم اللي ولدت فيه أنا ورحمة بالصدفة دي..... ابني أنا اللي اتولد ميت وأنا انهرت..... بعد كده عرفت من الممرضة إن رحمة اختي ماتت وانت كنت منهار وفي حالة صعبة. حتى مرحتش تشوف الولد...... روحت أنا أخدته وحطيت ابني أنا مكانه.... فافتكرتوه كلكم إن اللي مات ابن رحمة. لكن في الحقيقة ده كان... ابني أنا."
ثم دخلت في نوبة بكاء مرير.
قال كريم بصدمة ودموعه تنزل على وجنته لا يصدق ما يسمع. لقد عاش لحظات وأيام وسنين في حزن ووحدة على فقدان ابنه وزوجته في اليوم ذاته. ورفض أن يتزوج بعدها. عاش على ذكراهم في حزن عليه.
ثم قبض على ذراعها بقوة وهو يصيح بصوت مرتفع:
"انتي بتقولي إيه... انتي إزاي تعملي كده...... ابني فين... انطقي ابني فين."
قالت صباح بإنهاك وما زالت تبكي:
"ففي.. السجن محبوس ظلم... اسمه أحمد.... أنقذه ارجوك هو مظلوم."
قال كريم وهو يكرر اسمه بخفوت ودموع:
"أحمد... ابني... أحمد كريم الشهاوي."
رواية في عصمت صعيدي الفصل العشرون 20 - بقلم إسراء محمد أمين
كانوا عائدين جميعًا من الفرح، وتقاسموا على السيارات.
في سيارة بدر، كان هو ووالده بجانبه، ووالدته ودانه بالخلف.
لتقول جليلة موجهة حديثها لمحمدين:
"بقولك يا حاج، أنا هقول لأختي سميحة وبنتها زينة يباتوا معانا، مش هينفع يروحوا دلوقتي."
محمدين مؤيدًا:
"أيوا طبعًا، الأصول، ويقعدوا كام يوم كمان."
تجحظ عين دانه بغيظ من حديثهم، فهذه زينة تعاملها بتعالٍ، وتتحدث عن بدر بطريقة تحبيبية وكأنه زوجها. هي كادت أن تنفجر بها وتضربها، ولكنها تمالكت نفسها بصعوبة. أيضًا، ستبيت معهم، بل وتمكث عدة أيام.
نظرت لبدر بغضب، وكأنه هو من يجعلها تمكث معهم. هو بدوره كان يسرق النظر لها في المرآة ليجدها تنظر له بغضب، فيعقد حاجبيه بتعجب.
لتشيح بصرها وهي تتمتم في نفسها:
"بدر..."
وهو ينظر لها باستغراب، ثم ينظر أمامه وهو يقول في نفسه:
"والله مجنونة."
وصلوا للمنزل ووجدوا مصطفى الذي كان معه في السيارة، خالته سميحة، وحنين، وهذه زينة ذات الشعر الأسود الطويل الذي يظهر من أسفل حجابها، وغرتها الموجودة على جبينها، وعيناها السوداء المكحلة التي تنظر بخبث وإغراء، وفمها الملون باللون الأحمر.
لتنظر لها دانه بغيظ بعد أن نزلوا أيضًا من السيارة، ويدخلوا جميعًا للداخل. وقرروا المكوث عدة أيام حقًا، فهم يعيشون ببلدة بعيدة قليلًا عنهم.
جلس النساء جميعًا معًا، والرجال بالداخل.
سميحة بعتاب وغيظ:
"كده بردو يا جليلة يا أختي، متعزمينيش على فرح بدر ابنك غير يوميها، وأنتي عارفة إننا كده مش هنقدر نيجي."
جليلة بابتسامة وخجل:
"والله يا أختي، كل حاجة جت بسرعة."
سميحة بتهكم:
"والعروسة بقا ست بيت ولا خايبة؟"
دانه بغيظ وخبث ودلال:
"لأ والله يا طنط، ست بيت، بس بدر حبيبي مش بيرضي يخليني أعمل حاجة."
قائلة جملتها الأخيرة وهي تنظر لزينة بخبث وتضغط على كلمة "حبيبي".
يخرج بدر من الغرفة مارًا بهم، لتوقفه زينة وهي تقول بدلع وإغراء:
"بدري..."
يلتفت لها بصمت، لتكمل وهي تتكلم برقة زائفة مبالغ بها وخجل زائف:
"كنت عاوزة أروح بكرة الشلالات، بقالي كتير أوي مرحتهاش... ممكن يعني توديني؟"
بدر بإحراج أمام الجميع ووالدته التي أيدت الفكرة وخالته، ولكنه كان سيعتذر، لكن عندما لمح نظرات دانه التي تكاد تقتله هو وزينة، ليوافق بابتسامة خبيثة وهو ينظر لزينة قائلًا بلطف:
"آه طبعًا. بكرة إن شاء الله."
دانه وهي تنهض ثم تذهب له وتمسك يده وتقول بدلال ورقة:
"بدر حبيبي، يلا نطلع عشان أنا تعبانة وعاوزة أنام."
بدر وهو يرفع حاجبه ويكتم ضحكته:
"يلا."
تلقي دانه نظرة انتصار وغرور لزينة التي كانت تتأكل من الحقد، وهي تتعلق بذراع بدر. ويصعدوا الدرج.
ما إن دلفا للغرفة حتى ابتعدت دانه عنه ونظرت له بغضب وهي تقول:
"انت إزاي توافق إنك توديها هااا؟ ولا أنت عجبتك نظراتها وحركاتها؟"
بدر بتحذير:
"دانه، خلي بالك من كلامك."
دانه بغضب وغيره:
"كلام إيه بقا؟ انت ترضى إن واحدة تتكلم معايا بالأسلوب ده وكمان تطلب مني نخرج لمكان وأوافق؟"
بدر وهو يسحبها من ذراعها بغضب:
"ده أنا كنت قتلتك انتي وهو، انتي اتجننت؟"
دانه بتهكم وسخرية:
"والله! اشمعنى انت بقا؟"
بدر بغضب:
"أنا كنت هرفض بس أمي وخالتي أحرجوني."
دانه وهي تكتف ذراعيها أمام صدرها:
"خلاص، أنا كمان جاية معاكوا... مش هسيبك معاها لوحدك."
بدر وقد تحولت نظراته لمكر وهو يقترب منها، وهي تبتعد حتى التصقت بالحائط خلفها:
"ليه؟"
دانه وهي تبتعد بتوتر:
"ل...لي...ليه إيه....لو...سمح...ت ابعد...شوية."
بدر بخبث وهو ينظر بعينيها:
"ليه أبعد؟ وليه تيجي معانا؟"
دانه وهي تتهرب من عينيه:
"ع...عشان...مينفعش...أسيبكوا لوحدكوا."
بدر وهو يهمس بأذنها برقة:
"ليه؟"
ثم ينظر لعيناها قائلاً بنفس الهمس:
"غيرانة؟"
دانه بتيه وهيام وهي تطلع في عمق عينيه العسلية الصافية:
"ها..."
بدر يهمس بتوكيد:
"انتي غيرانة عليّ."
دانه بعدم وعي:
"آه."
بدر يضحك ضحكته الرجولية الرائعة وهو يبتعد عنها. لتعود دانه لوعيها بغضب لتداري خجلها:
"لأ طبعًا، غيرانة إيه؟ وأغير على إيه؟ أصل..."
بدر بثقة وغرور:
"عليا طبعًا."
دانه بتهكم:
"مغرور أوي. لأ طبعًا مبغار عليك."
بدر بخبث وهو يغمز لها:
"آه، مانا عارف طبعًا."
لتشيح ببصرها عنه بغضب. ليذهب وينام على السرير.
دانه بغضب:
"إيه ده، قوم من على السرير."
بدر وهو يغمض عينيه ويضع ذراعه أسفل رأسه:
"لأ، ضهري وجعني من الكنبة وهنام على السرير."
دانه بغيظ:
"وأنا أنام فين إن شاء الله؟"
بدر ببساطة:
"والله براحتك، عاوزة تنامي على السرير أهو قدامك، عاوزة تنامي على الكنبة براحتك بردوا."
لتنظر له بضيق ثم تسير باتجاه الأريكة ظنًا منها أنه سيقول لها أن تأتي السرير وهو سينام على الأريكة. لكن تجده ذهب في سبات عميق.
لتنهض وتتجه للطرف الآخر من السرير وتظل تراقبه كم هو وسيم ومسالم وهو نائم. تتمنى أن تصبح حياتهم طبيعية وأن يحبها حقًا من أجلها هي، ليس شيئًا آخر. ودون وعي منها تضع يدها على وجنته وتقول:
"كان نفسي نتجوز في ظروف تانية، كان نفسي تتجوزيني عشاني أنا، عشان بتحبني."
تخرج تنهيدة خفيفة، ثم تذهب لعالم أحلامها الذي تحقق فيه ما تتمنى.
ليفتح بدر عينيه، فهو بالطبع لن ينام حتى يطمئن على محبوبته. يشعر بأنها تحبه، ولكن كبرياؤها الملعون يمنع من الاعتراف. ببرائته، ليمسك يدها الموجودة على وجنته، يقبلها بعمق ورقة، ويقول بهمس:
"ماشي يا دانه، وأنا هخليكي تعرفي بحبك ليا، وتعتذري عن اللي قولتيه، وهربيكي شوية عشان تبطلي كبر."
ثم يقبل يدها مرة أخرى ويضعها على قلبه وهو ممسك بها بشدة، ويذهب لسبات عميق.
*************************
بعد الزفاف، دلفوا إلى غرفتهم. لم يودعها أحد، فقد اكتفى أخيها بنظرة حزن وحسرة، ووالدتها بغيظ وبرود، ورحيل نور وهي تحتضن فارس وتبكي.
فور دخولهم الغرفة، قائلة بشهقات:
"شش... شوفت يا فارس... اتبروا مني... عبد الرحمن... زعل مني قوي."
يرفع يده ليربت على رأسها بحنو. فقد دق قلبه بشدة عندما احتضنه هكذا وشعر بغصة في حلقه عند سماع بكاءها وحزنها. ولكن سرعان ما نفض أفكاره محدثًا نفسه:
"لأ يا فارس... لأ، مفيش حد يبقى نقطة ضعفك... مفيش حد هتحبه... انت بتعمل اللي انت عاوزه وبس."
ثم يتحدث بصوت مرتفع وهو يبعدها عنها قائلاً بتهكم:
"وانتي مستنية يعملولك إيه مثلًا؟ ما طبيعي، انتي خنتي ثقتهم."
تنظر له وتعود خطوة للخلف بصدمة، وتتحجر الدموع في عينيها وهي تقول بتقطع:
"ا... انت ب... بتقول إيه؟"
فارس بسخرية، ولكن هناك حزن في قلبه لا يعرف مصدره:
"بقولك إيه يا نور، أنا مش طايق نفسي. أنا اتحطيت قدام الأمر الواقع، وأنا مبكرهش في حياتي أكتر من كده."
ثم يكمل بتهكم واتهام لاذع:
"ده غير كمان إني يستحيل أثق في واحدة خانت ثقة أهلها."
نور بصدمة:
"انت ضحكت عليا... انت مش... مش بتحبني... أنا أنا مش..."
يقاطعها بقسوة وهو يقول:
"بقولك إيه، أنا مش ناقص."
ثم يذهب للشرفة ويخرج سيجارة، بنفس فيها عن غضبه. هو لا يعلم لماذا حزن لحزنها، فهو لا يريد ذلك. بالنسبة له، الحب ضعف، وهو بالتأكيد لا يريد أن يضعف. فيقنع نفسه أنها من الممكن أن تخونه كما خانت أهلها، رغم ثقته في أنها تحبه منذ زمن. ولكن أيضًا يشعر أنه وضع أمام الأمر الواقع واضطر للزواج منها. ولكن يعلم جيدًا أنه لم يجبر عليها، كان من الممكن أن يرفض، وعبد الرحمن لن يستطيع إجباره أبدًا. ولكن لا إراديًا وافق خوفًا عليها من أهلها، خوفًا عليها من حديث القرية عنها، خوفًا على سمعتها. ولكن يحاول بكل الطرق إنكار هذا الشعور ويتظاهر بالقسوة.
على الجانب الآخر، كانت نور تطلع في أثره بصدمة، ثم انهارت قواها وجلست على الأرض تبكي وتنتحب على ثقة أهلها التي وضعتها من أجل من لا يستحق، على حلم عمرها، على حب طفولته ومراهقته وشبابها. فهو كان يخدعها، لم يحبها، كان فقط يتسلى. كانت تبكي بصوت مرتفع وهي تضرب على قلبها بقوة، بينما هو كان يغمض عينيه بشدة وكأنه بذلك سيسد أذنه عن سماع بكاءها ونحيبها، ويشعر بقلبه ينزع من محله.
*************************
لا يصدق أن حقًا له ابن. له ذكرى من رفيقة روحه رحمة. فقد عانى وحده كل هذه المدة حزنًا عليهم وهو حي. لا يصدق، فلو كان معه منذ زمن لكان عوضه عن حبيبته، صبره على وحدته. فهو قد رفض تمامًا أن يتزوج مرة أخرى.
وصل للقسم ومعه محاميه، من أفضل محامي البلاد. ليدخلوا ويقف لهم الضباط والعساكر احترامًا. ليقول الضابط باحترام فور رؤيته له بعد أن وقف:
"أهلًا أهلًا كريم باشا."
كريم بثقة وهو يجلس:
"أهلًا بيك."
الضابط باستفسار:
"خير يا فندم، أقدر أساعدك بحاجة؟"
كريم بثقة:
"آه، ابني مقبوض عليه بتهمة سرقة وهو مظلوم، فأنا عاوز أقابله وجبت معايا المحامي."
الضابط باستنكار:
"ابن حضرتك! اسمه إيه؟"
كريم بحنان:
"اسمه أحمد. بس هتلاقيه مكتوب أحمد سمير، ومتسألش ليه."
الضابط بعملية:
"حاضر يا فندم، ثواني وأجيب الملف بتاعه."
بعد فترة، بعد اطلاع المحامي على ملف القضية قائلًا بثقة وبساطة:
"القضية سهلة أوي، إحنا هنروح للولد اللي كان شغال معاه في المصنع ونخليه يعترف إنه بعته للمكتب ومين اللي خلاه يعمل كده ومين اللي جاب الفلوس للبيت، والقضية خلصت."
وحقًا هذا ما حدث. أعطوا هذا السامح بعض الأموال ليعترف على محمود، ويتم التحقيق مع محمود الذي تعرض لما يستحقه حقًا مع توصيات من كريم الشهاوي. واعترف على نفسه. لم يشأ كريم أن يقابل ولده حتى يخرج من السجن خوفًا عليه، وحتى لا يبتعد عنه مرة أخرى.
وأخيرًا، بعد مرور أسبوعين كالجحيم على أحمد، خرج من بوابة السجن وقد نمت ذقنه أكثر وأصبح وجهه شاحب وملامحه متجهمة من الحزن. ليجد سيارة فارهة تقف أمامه. ليخرج منها ذلك الرجل المهيب وهو يتطلع له بحب وحنان، وقد ترقرق الدموع بعينه. وهو يقترب منه وهو يضع يده على وجنته بحنان وهو يقول بدموع:
"احمد..."
أحمد باستغراب وهو يعقد حاجبيه:
"أيوا حضرتك مين؟"
كريم بدموع تنزل على وجنته وهو يحتضنه بشدة ويقول ببكاء:
"احمد ابني... أنا أنا أبوك يا احمد."
أحمد وهو يبعده عنه بصدمة واستنكار:
"أبويا إيه حضرتك، أنت والدي ميت من وأنا صغير."
كريم بتوضيح:
"لأ يا حبيبي، تعال معايا نقعد في مكان وأفهمك."
أحمد باستنكار:
"أفهمني إيه بس... بص حضرتك أنا لسه خارج من السجن وعاوز أروح لأمي المستشفى."
كريم بغضب:
"دي مش أمك."
أحمد بصدمة:
"انت بتقول إيه؟"
كريم بتأكيد وغضب:
"أيوا دي مش أمك، دي خالتك هي اللي سرقتك مننا. أمك رحمة الله يرحمها كانت وهي بتولدك وخالتك ولدت في نفس اليوم وابنها مات وهي بدلتكوا وخدتك مني."
ثم يكمل ببكاء:
"حرمتني منك وحرمتك مني، ربنا ينتقم منها."
كان أحمد يسمعه بصدمة لا يصدق. حقًا لا تكن أمه. لهذا كانت تقسو عليه أحيانًا. حرمته من عائلته الحقيقية. كانت دموعه متحجرة بعينيه، ولكن فور أن أخرج له والده تحليل الحمض النووي الذي قام به عندما كان بالسجن، تحررت دموعه من عينيه وبكى، بكى بشدة كما لم يبكي من قبل. ثم نظر لوالده وقال ببكاء:
"ب...بابا."
كريم وهو يحتضنه بشدة ويشم رائحته التي حرم منها. ليبادله أحمد الاحتضان بحب ودموع وهو مازال يبكي بشدة:
"أيوا انت ابني، ابني أنا. آه يا ابني الحمد لله الحمد لله."
ثم يكمل بفرحة وحنان بعد أن ابتعد عنه:
"بس من هنا ورايح مفيش بكى تاني، مفيش حزن، انت معايا خلاص ومش هتسيبني تاني. تعال بقا نروح البيت. انت كمان من بكرة هتيجي معايا الشركة وهتمسك الشركة، انت ابني وريثي الوحيد."
ليجذبه لداخل السيارة. وأحمد يسير معه كالطفل الصغير. بعد أن دخلا السيارة، يحتضنه والده وهو يقول:
"احكي لي يا ابني بقا عن نفسك وحياتك، عايز أعرف عنك كل حاجة."
ينظر له أحمد بحنان ويبتسم، ثم يحتضنه بشدة ويقول له ما حدث بحياته ورغد وعشقه لها واضطراره لتركها. حتى ذهب في ثبات عميق على كتف والده. لينظر له والده بحنان وهو يربت على وجنته ويقول بابتسامة:
"متقلقش يا حبيبي، كل حاجة هتتصلح خلاص وهترجع لمراتك ومفيش مشاكل تاني أبدًا إن شاء الله."