تحميل رواية «فتاة العمليات الخاصة» PDF
بقلم ندى ممدوح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الحياة بنعيشها بيكون فيها هدف في بال كل شخص. في أشخاص بتقدر تكمل وتحقق هدفها، بينما البعض لا. البعض مش بيهدأ وتهدأ حرقة قلبه إلا إذا حقق هدفه. إنك تكون نايم خايف، وأول ما يغمض لك جفن تلاحقك الكوابيس فتنفزع، فيرحل النوم من الجفن وتشتعل النار بالفؤاد. مجرد فتاة طفلة صغيرة، كل همها أن تحيا مع والدها والدتها أخاها الذين تعشقهم بشدة كبيرة. ليأتي ذلك اليوم المشؤوم ليأخذ منها طفولتها وابتسامتها وبرئتها. في وقت الأطفال به تلعب وتلهو ولا يعرفون معنى كلمة حزن أو هم، أصبحت هي تخطط وتفكر للانتقام ممن سلب من...
رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ندى ممدوح
كان يصعد الدرج بخطوات ثابتة، وهو متلهف أن يراها بشوق، فها هو حلمه سيتحقق وسيراها.
استمع لصوت أنين وبكاء، تصنم محله، طاف حول نفسه وعينه تجوب المكان، حتى حاول أن يتبع الصوت.
بينما هو يستمع لصوت يطلب المساعدة والاستغاثة، وقع نظره على تلك الشقة التي أخبره مايكل أن تسكن بها.
لم يدري ماذا يفعل، ألمه قلبه بشدة، تقدم بخطوات ثقيلة نحو الداخل، فرأى كركبة.
استمع لصوت بكاء وصراخ في آن واحد، ولج وعينه تجوب المكان حتى رأى ريم صريعة أرضاً.
ألقى الحقيبة من يده وهرول إليها في قلق، جلس لمستواها ونظر لهالة التي تبكي بوعي وتحاول جعلها تفيق وعمرو الذي يبكي.
فصاح بهم بصراخ:
- بس اسكتوا، فهموني إيه اللي حصل، ودي مالها؟
نظرت له هالة بلهفة وأمل واستنجاد، فقالت برجاء:
- لو سمحت ساعدني أوديها المستشفى؟
نظر إلى دموعها الهالكة وصمت قليلاً حتى قال:
- من غير ما تقولي طبعاً.
حملها بين يديه وهرول بها إلى المستشفى.
صعدا السيارة وانطلق "أيهاب" بأقصى سرعة لديه، وهو يخطف النظرات لهم، وقد كان بكاء هالة يمزق قلبه.
فنظر من المرآة إليها وقال بألم:
- هتبقي كويسة، متقلقنيش؟
تلاقت الأعين، وياليتها لم تلتقِ لينشأ حب سينتهي قبل أن يبدأ، وسيلعب القدر لعبته، ليصبح الفراق واليأس رفيقاً لفؤاد "هالة" ويصبح نهارها هو ليلها وليلها هو نهارها وسينطفئ النور من حولها ودنيتها، ويصبح الظلام رفيقها.
نظرة هالة وابتسمت له:
- إن شاء الله، شكراً.
وها قد وصل أخيراً إلى المشفي.
وولجت ريم للفحص، وظلت هالة بالانتظار بقلق، ولم تدري ما عليها فعله لأجل بسنت، هوى الدمع على وجنتيها خشية أن يحصل لها شيء.
ضمها عمرو ببكاء، فضمته لتستمد منه الأمان وكأن تلك الضمة هي السند لهم.
رق قلب "أيهاب" فاقترب منهم وهمهم حتى تشعر به، فرفعت نظرها إليه ونسيت كل ما هي به.
شعرت بتزايد دقات قلبها، فاقت لنفسها فقالت:
- شكراً لحضرتك يااا؟
لاحظ صمتها فقال مصافحاً لها:
- أيهاب، اسمي أيهاب.
صافحته بابتسامة رقيقة ورددت "أيهاب".
أستمع لاسمه يترنم من فمها، بصوت شجي مطرب للأذان.
صمت قليلاً فأكمل مازحاً وهو يبعد يده ولا يدري ما تلك الرعشة وكأن الكهرباء مسكت به عند ملامستها:
- لو مش عاجبك ممكن أغيره عادي ياااا؟
ابتسمت هالة:
- هالة.
فرد مسرعاً:
- الله، اسمك حلو.
فنظرت إلى عمرو.
ونظرت هالة لما ينظر إليه، فأشارت لعمرو قائلة:
- وده عمرو أخويا؟
- هالة، أنتي كويسة، إيه اللي حصل؟
كان هذا صوت "فهد" الذي كان يتقدم منهم راكضاً بخوف.
تقدمت له هالة حتى وقفت أمامه فقالت بصوت مختلط بالبكاء:
- ألحقني يا فهد، بسنت خدوه.
أمسك كتفها لتهدأ فهتف بصوت عالٍ:
- اهدى يا هالة، فهمني براحة.
هدأت من روعها فقالت:
- كنا قاعدين، فجأة سمعنا صوت كسر الباب ودخل منه رجالة كتير وهجموا على بسنت وخدوها. بسنت اتخطفت وريم في واحد منهم زقها جامد وجبتها هنا.
فهد محاولاً جعلها تهدأ:
- بس خلاص، مفيش أي حاجة. أنا بلغت لمار وهي في طريقها على هنا، وكمان متقلقيش بسنت هتكون كويسة.
ردت بعدم تصديق:
- بجد.
رد مؤكداً:
- بجد.
نظر لذلك الشاب الغريب، حاول أن يتعرف عليه فلم يستطع.
نظر لهالة وقال:
- مين ده؟
هالة تنظر لما ينظر إليه، فابتسمت:
- ده الشاب اللي ساعدني وجابني هنا.
فهد وهو يتجه نحوه:
- هروح أشكرها.
قترب منه وقال بابتسامة:
- شكراً على مساعدة حضرتك.
رد إيهاب مبتسماً بتوتر:
- أبداً، مفيش شكر، ده واجبي.
كان نظره مثبت على الدرج على أمل أن تأتي ولكن دون جدوى.
عبس بيأس، فكان يتمنى أن يراها، ويريح عقله برؤيتها، ويسكن ويسعد قلبه بها.
تمنى أن يحفظ وجهها بذاكرته، وأن يحفر لها مكاناً بقلبه، وأن يطلب منها السماح، على شيء لن يسامح عليه أحد.
تمنى أن يضمها ويقول إن ليس له ذنب في ما مرت به وما حدث.
تمنى أن يراها ليخبرها أن تستعجل في انتقامه من والده كي يستريح قلبه وتستريح الدنيا من أفعاله الدنيئة.
تنهد "أيهاب" بحزن ووجع وهمهم ثم استأذن منهم ورحل بعد ما اطمئن على ريم.
***
فاقت "بسنت" فلم ترَ سوى الظلام الحالِك، شعرت أنها داخل شيء يسير فخمنت أنها بسيارة.
استشعرت أن يدها مكبلة، وشعرت بجوارها أحد.
تملكها الخوف وأجهشت بالبكاء بصمت دون أن يشعر بها أحد.
بعد وقت شعرت بتوقف السيارة، وفتح بابها.
استمعت لصوت الذي تبغضه بشدة وتكره، فبكت أكثر بخوف، فمن كان لها الأمان أصبح الخوف والرهبة.
- جبتوها.
كان هذا صوت عبد الرحمن وهو يخرج من إحدى المنازل.
فاستمعت لصوت أخري:
- أيوه يا بيه، زي ما حضرتك طلبت، تؤمرنا بإيه دلوقتي؟
أشار لهم بالذهاب:
- لا خلاص كده، تفضلوا أنتوا.
أقترب من السيارة بابتسامة ماكرة، سحبها بقوة من يدها، خارج السيارة.
حاولت أن تبعد يده عنها فلم تستطع، حاولت التحدث فلم تستطع أيضاً بسبب تلك الربطة.
سحبها من معصمها بقوة لداخل، وهي لا تفعل شيئاً سوى البكاء.
دلف بها لأحد الغرف فألقاها بقوة على "الفراش"، ثم جلس جوارها وفك يدها، فمسكتهم بألم، فك عيناها ومن ثم فمها ومسح دموعها وقال:
- بتعيطي ليه بس؟
أجابت ببكاء:
- أنت عايز مني إيه؟
عبد الرحمن اقترب منها أكثر وجعل يمشي يده على وجهها بحب واشتياق وهي تشعر بالتقزز من لمساته فدفعت يده بقوة:
- متقربش مني أحسن لك، صدقني هتندم، ولمار مش هتسامحك أبداً.
جذبها من شعرها بقوة ورفع عينه بعينها:
- بس اخرسي، متجيبيش سيرتها على لسانك.
أرخى قبضة يده وهدأ قليلاً وأكمل:
- لمار مش هتعرف توصلك لإني هسافرِك معايا. في الكم يوم دول عرفت مكانتك وقيمتك عندي، أما لمار فهدفعها التمن غالي.
ضحكة بتريقة:
- هدفعها التمن؟ يا راجل! لا راجل إيه، أنت متحصلش دفر الراجل، أنت حيوان كلب بتسمع اسمها تكش وتخاف.
هوى على وجهها بصفعة قوية:
- اخرسي.
أمسك فكها بحدة وقال:
- مش عايز أعمل تصرف تزعلي عليه.
نظرت له بعند وأكملت باللامبالاة من كلامه:
- أنت عرفت قيمتي؟ وأنا عرفت قيمتك وللأسف ندمت أني اتجوزت شبيه راجل.
"وقالت بصوت ممتلئ بالبكاء"
- حبيتك أكتر من نفسي واستحملتك كتير، كنت بشوف الرسايل الزفت وأشوف خيانتك ليا ودفنت وجع قلبي ومبينتلكش وكنت بحاول أسعدك، بس أنا دلوقتي ندمت أني حبيت واحد زيك، بكرهك.
هوى على وجهها بصفعات متوالية وهو يقول:
- أنا هوريك الراجل هيعمل فيكي إيه. أنا تقوليلي كده؟
سال الدم من أنفها وفمها بغزارة وقالت:
- كل مرة بتثبتلي قد إيه أنت حقير، مش عارفة أنا إزاي كنت مخدوعة فيك، صدقني هخلي لمار تلف حبل المشنقة حوالين رقبتك من غير رحمة، وكلها دقايق ومش هشوف وشك ده.
- اخرسي.
جاء أن يصفعها مرة أخرى فاستمع لدوي نغمة هاتفه جذبه من بنطاله وأتاه ذلك الصوت الغاضب:
- أنت عارف هببت إيه؟ بعملتك دي؟ أنت إزاي تخطف بسنت؟ لمار كده مش هتسيبك، أنا أعرفها أكتر منك وعايش معاها ومش بعيد تكون لحقاك دلوقتي. اهرب وسيبك من مراتك دي، هي أصلاً مش مهمة، أنت مهم عندنا.
عبد الرحمن بغضب:
- لا مستحيل أسيبها، بسنت مقدرش أتخلى عنها، هجيبها معايا.
- يبقي استعد لمواجهة النمر، ومتنساش لمار مش هتسيبك. تأذي بسنت.
أغلق عبد الرحمن الهاتف وألقاه بغضب بغير اكتراث.
شدد على شعره بقوة، ولم يدري ما عليه فعله.
جلس على المقعد بتفكير وهم.
نظرت له بسنت وتوقف قلبها الذي يقتلها وهي ترى همه، لم تدري ما عليها فعله.
فكرت أن تسامحه، وأن تهديه فرصة أخيرة.
وقفت بتعب متوجهة إليه، جلست لجواره ورفعت يدها على كتفه قائلة:
- ليه عملت فيا كده؟ أنا بجد حبيتك أكتر من نفسي! ليه خنتني؟ هو أنت محبتنيش؟ دا أنا محبتش غيرك وكنت مستعدة أضحي بنفسي عشانك، أنت كنت بالنسبالي كل حاجة، ليه عملت فينا كده؟ بعد ما كنت أنت الأمان بقيت أكتر إنسان بخاف منه؟
كان "عبد الرحمن" ينظر إليها بحب، فأتى أن يتحدث فمنعته بإشارة منها وأكملت ببكاء وقلب ينزف وجعاً:
- خنتني وقولت عادي، قولت أسامحك عشان بحبك، وهستنى عليك تتغير وهصبر.
وضعت يدها على بطنها وقالت بألم:
- لما عرفت أني حامل كنت الدنيا مش سيعاني أبداً من الفرحة واني هكون أم لابنك وإن في أمل إنك تتغير.
شهقت بصوت عالٍ، عندما تذكرت لما تركها وركض خشية من لمار، فأكملت قائلة ودموعها تهبط كالشلالات على وجنتيها:
- طعنتني بسكينة لمة سبتني ووقعت ومشيت، خفت على نفسك بس مخفتش على ابنك.
فقال مدافعاً عن نفسه:
- يعني أنتي كنتي عايزني أوديكي المستشفى ولمار تمسكني.
ضحكة بهم وأكملت بتريقة:
- لا طبعاً، إزاي ما أنت أناني مستحيل تحب. وعشان كده أنا كنت بفكر أديك فرصة تانية بس دلوقتي لا، أنا بكرهك وهفضل طول عمري أكرهك.
عبد الرحمن بزهق:
- تكرهيني، متكرهنيش. أنا هرجعك لعدتك ومش مهم أي حاجة تانية.
هزت رأسها نافية:
- وأنا مش عايزك، ارجعلك ولا أعيش مع واحد زيك.
قال بغضب وهو يضغط بقوة على يدها:
- أنتي ليا يا بسنت، مش هسيبك أبداً.
دوي صوت هاتفه، فجذبه برفق قائلاً:
- خلصت كل حاجة.
- لا، طالما بسنت معاك يبقي أنت متلزمناش. هو أنت غبي؟ دي أكيد خطة من لمار، ودلوقتي هقولهالك، يا هي يا إحنا. الطيارة مستنياك تنقلك على هنا. أم بسنت فخلص عليها وريح نفسك، لأن مش بعيد تكون متفقة مع لمار. اسمع مني، الرجالة دخلوا بسهولة وخطفوها، هل أنت متعرفش إن لمار محدش يقدر يقرب على بيتها وحاجتها الخاصة؟ صدقني ده ملعوب منهم مش أكتر، وأنت حر، بس المرة دي انسي إننا نساعدك ونسندك ونقف جنبك لأن حياتنا أهم، وأنا مستحيل أسمح إن لمار تكشفني أبداً. فكر سلام.
أغلق ذلك المجهول الخط.
وترك "عبد الرحمن" في دوامته، وظل واقفاً منشغل التفكير.
ظلت بسنت وحيدة، تشعر أن قلبها قد مات.
ظلت تدعو بداخلها وهي خائفة من ما سيحصل لها.
فاقت لنفسها على صوت الباب فأنفزعت راجفة برعدة، عندما رأته أمامها جذبها من شعرها بقوة ليقف أمامه وقال بصوت جهوري:
- أنا يا بسنت تخونيني وتخدعيني ليه؟ عملتلك إيه بقى تتفقي مع لمار ضدي؟ أنا ما صدقت هربت منها تقوم تساعديها. بس خلاص أنا هخلص منك وأريح. لازم أمشي، بس رجالتي هيعرفوا شغلهم. كنت ناوي آخدك معايا وأعوضك بس متستاهليش.
دفعها بقوة للحائط ورحل.
رحل وتركها من جديد وتخلى عنها.
رحل ولم يدري أنه قد فطر قلبها وكسر بخاطرها وحطم روحها.
وكيف يختفي أثره من حياتها؟ كيف تنساه؟
رحل تاركاً إياها تتعذب من بعده وصدمتها به.
لماذا كلما حاولت جاهدة أن تصفي قلبها تجاهه طعنها وأهداها وجعاً أصعب مما كان؟ لماذا؟
أغمضت عينها بألم شديد وهبطت دمعاتها على وجنتيها مسترسلة كالآمطار.
أسندت رأسها للحائط، وحدثت نفسها بصدمة:
- سبني للمرة الثانية، سبني للمرة الثانية يثبت لي أني غلط لما حبيته.
جفت دموعها، بل إن عينها كانت تبكي دون دموع تتألم وتتوجع، فل طالما تعودت على الوجع معه.
انفتح الباب على مصراعيه، ودخل بعد الشباب.
نظرت إليهم باللامبالاة وكأنها غير عابئة بنفسها، فروحها ماتت وظلت منها بواقي محطمة.
نظر لها أحدهما بخبث وقال:
- مش حرام في القمر ده كله أنه يموت.
- يا عم، إحنا نموتها وخلاص زي ما الباشا طلب منا.
- طب ما هي كده كده ميتة، خلينا نتمتع بيها شوية قبل ما تروح.
ابتسموا بخبث، فصاح أول شاب دلف للغرفة:
- أنا الأول، سيبهولي.
وحاول أن يقترب منها.
أما بسنت، فكانت تستمع لحديثهم ولكن فقدت الحركة والنطق فقط، مسندة رأسها على الحائط بوجع وإنهاك ومسلمة أمرها، فقد فاض بها والصدمة محتلاها.
***
كان أدهم منطلقاً بالسيارة مسرعاً ويخطف النظرات إليها من الحين للآخر.
أم أحمد، فكان ينظر من النافذة بوجع ونغصة بقلبه، يشعر أنه سيفقد حياته وصورة ريم لا تفارقه، حتى ضحكتها وابتسامتها.
شعر أن قلبه سيتوقف عن الخفقان.
إنهم روح واحدة في جسدين، إذا تأذى أحدهما تألم الآخر.
لمار، كل لحظة تخطف نظرة لساعتها وتتصل بهالة لتتطمئن على ريم دون إعلام أحمد.
نظر لها أدهم من المرآة:
- لمار.
فنظرت إليه:
- عرفتي إزاي توصلي للمعلومات دي كلها؟
أبعدت نظرها عنه وقالت:
- عادي، كان لازم أحط نفسي مكانهم وأفكر زيهم، واستنجدت أنهم هيبعتوا واحدة تعمل نفسها بتسأل عن حد وتخطف أو شيء مشابه.
فرد وهو يخطف نظرة سريعة لها:
- طب والولد؟
لمار ابتسمت بخبث:
- أظن أنه مستحيل يشتغل الشغل ده تاني.
ابتسم أدهم ثم قال:
- أكيد، دا لو فضل عايش طبعاً بعد اللي عملتيه فيه؟
لمار ببراءة:
- ليه؟ هو أنا عملت حاجة؟
تعال صوت ضحكاته:
- خالص، الصراحة.
أسندت "لمار" رأسها للخلف وابتسمت بمكر وهي تتذكر.
بعدما جهزوا نفسهم جميعاً، تلاقي ثلاثتهم أسفل المنزل.
عبثت بموبايلها قليلاً ومن ثم وجهت الموبايل لوجه أحمد:
- أنت تعرفه؟
تمعن أحمد بالصورة جيداً، فهز رأسه نافياً:
- لا معرفهوش، بس هو مين يعني؟
أمسكت حقيبتها وتحركت للخارج وهي تقول:
- هتعرف دلوقتي، ورايا.
هخرجوا خلفها وصعدوا السيارة.
ظلت تسأل عن صاحب الصورة حتى عرفت عنوانه، ذهبت إلى منزله.
أطرقت على الباب قليلاً ففتح لها نفس الشاب الذي كان مع المرأة.
فتح الباب سرعان ما تلقى لكمة قوية جعلته يهوي أرضاً.
دلف للمنزل وجذبته من قميصه وظلت تصد له اللكمات دون كلمة وتجمع كل أهله.
حاولوا إبعادها عنه أو أي شيء دون جدوى، فهي لا ترى أمامها غيره.
بينما أحمد وأدهم واقفون دون كلمة.
دفعت لمار الكل من أمامها وألقته أرضاً تحت أقدام إحدى الأطفال التي كانت بالمنزل وصاحت بغضب وهي ممسكة بوجهه وتؤشر للطفل:
- كنت فرحان وأنت بتسلم طفل، عارف إنهم هيموتوه بشوية فلوس؟ أنت معندكش قلب.
لتفترض أنها أختك ولا بنتك هيخطفوها وياخدوا أعضائها حتى قلبها وعنيها ويشوهوا وشها، هترضي؟
ورجعت مرة أخرى تضربه وتركله وهي تصيح:
- الفلوس الحرام دي هتنفعك بإيه؟ يوم الحساب هتقول لربنا إيه؟
نظرت لتلك المرأة التي جلست بأرضها باكية وهي تقول بصدمة:
- فلوس حرام؟
تيقنت لمار أنها والدته، فأشارت إليها:
- هان عليك تأكل أمك من فلوس حرام بتسلم لشياطين أطفال؟ طب إيه مشفتش ضحكتهم ووجوههم الباسمة الناضرة؟ مشفتش روحهم الحلوة اللي مبيعرفوش لا كره ولا حقد بيها.
قال والد الصبي بوجه عابس وغاضب:
- أنتي مين عشان تقولي على ابني كده، ومين هيصدقك أصلاً؟ يلا طلعي برا بيتي.
نظرت إليه بتريقة وقالت:
- همشي، بس أما أخلص اللي جيت عشانه، وصدقني مقدرش أقعد في بيتكم ده ثانية واحدة.
جذبت الصبي ليقف أمامها بوجه ينزف وجسد دبلا مرهق:
- لكمته بقسوة ودون رحمة.
فأقترب أدهم بغضب منه وأمسكه بحدة وصد له اللكمات المبرحة.
حتى أبعده أحمد عنه بأعجوبة وهو يهدأ من روعه.
لمار تشمر عن سواعديها وتنظر له وتقول وهو يأخذ أنفاسه الأخيرة:
- أظن بأن الفلوس اللي قبضتها النهاردة كفيلة تعالجكك ولا إيه؟
ومن ثم خرجت بثبات وبجوارها أدهم وأحمد.
فاقت لواقعها الأليم على دوي نغمة هاتفها، ألتقطته من جوارها ورفعته على أذنها وهي تقول:
- عملت إيه؟
فقال زيد غاضباً:
- مش هسامحك يا لمار لو حصلها حاجة.
قاطعته "لمار" قائلة:
- بس أهدى، كل اللي عليك دلوقتي إنك تثبت لبسنت إنه ميستهالهاش، وكمان راقبه أول ما يهرب هيروح فين.
صمت قليلاً بتذكر وقال بتساؤل:
- هو أنتي مضايقة إني بكلمك؟
ردت مسرعة:
- إيه اللي أنت بتقوله ده.
فأجاب "زيد":
- والله اسألي أحمد عندك، هو اللي قال كل ده.
صاحت باقتضاب:
- اقفل.
أغلقت الهاتف ونظرت لأحمد بغضب.
***
بسنت فاقت لنفسها، وحللت تلك الكلمات التي يتفوهون بها، حتى اعتدلت واقفة.
نظرت إليهم وتملكها الخوف والفزع والرعب من نظراتهم المقززة.
ابتعلت ريقها بخوف وهي تتراجع للخلف، حتى وقفت محلها دون حركة، وأيقنت أنها النهاية، لمار مسافرة وزيد هيعرف إزاي.
أغمضت عينها وذرفت الدموع.
فقال ذلك الشاب فرحاً:
- إيه بس يا قمر، إحنا هنبسطك، بتعيطي ليه؟
اتسعت عيناها من الخوف وهي ترى حياتها ستنتهي، ومن من؟ من ذلك الشخص الذي أأتمنته على حياتها وروحها الذي اعتبرته كل شيء؟
أقترب بخبث، مد يده وكاد أن يخلع ملابسها، حتى استمعا لكسر الباب ودلوف زيد ذو الوجه الغاضب العابس.
رأوا وجهه فامتلكهم الخوف.
شعرت أن لا أحد يلمسها، وأحست بكسر أعضاء البعض.
فتحت عينها فرأته أمامها يوسعهم ضرباً دون رحمة كالأسد الجائع.
ركضت مسرعة واختبأت خلفه برعشة وهي ممسكة بقميصه، مما جعله يتصنم محله وهو يتنفس بصعوبة.
استدار إليها فلم يتحدث بأي كلمة، سوى أن أحكم قبضته على معصمها وسحبها خلفه، ليخرج من ذلك المنزل.
أقترب من سيارته، فتح الباب وصاح بها بحدة:
- اركبي.
أنفزعت من صوته المخيف فولجت سريعاً للسيارة، أما هو صعد من الناحية الأخرى.
ظلت تبكي بصوت عالٍ وتشهق.
أما هو فقد كان قلبه يقتله ألماً ووجعاً من دموعها.
شعر بالموت فصاح بها غاضباً:
- بس بقا اسكتي، متعيطيش.
زادت من بكائها.
رمقها بألم، هدأ قليلاً ثم قال:
- بسنت، اهدى، أنتي كويسة.
ظلت مطأطئة الرأس تبكي بحرقة فقط، فقال بصوت عالٍ:
- بسنت، أنتي كويسة، بصيلي.
نظرت إليه وصمتت قليلاً فقالت:
- مش عارفة لو أنت مجتش كان حصلي إيه، أنا مش مستوعبة إني أنا...
وعادت لبكائها.
زيد بألم:
- طول ما أنا عايش مفيش أي حد يقدر يأذيكي.
ونظر أمامه وانطلق.
أما هي ظلت تنظر إليه وجملته تتردد على مسامعها، ومن ثم صفنت في ذكريات تجمعها بطليقها.
توقفت السيارة بعد وقت وهي لا تشعر.
ناداها ولكن هي موجودة جسد دون روح، فلم تسمعه.
هبط من سيارته بجاذبيته المعتادة، وفتح الباب الذي يليها وأنزلها برفق.
تطلعت حولها وأخذت عيناها جولة بالمكان.
رأى دهشتها فقال:
- متفكريش، جبتك أنا عشان تصرخي.
نظرت إليه بسنت بزهول:
- أصرخ؟
فأجابها مبتسماً وهو مستند بظهره على السيارة:
- أيوه، مش حاسة إنك عايزة تصرخي؟ اصرخي يا بسنت وطلعي اللي في قلبك، هترتاحي.
وكأنها كانت تنتظر الإذن.
ظلت تصرخ وتصرخ كثيراً جداً حتى لم تقاوم قدماها، فسقطت أرضاً وهي تبكي بصوت عالٍ كان يحرق قلبه وتخلعه من جذوره، فتعمد عدم النظر إليها.
لم يستطع تحمل بكاءها، فجلس لجوارها ومسح دمعاتها برقة لا تتناسب مع يده الخشنة.
نظرت لعينه مباشرةً وازدادت دقات قلبها، شعرت بالفرحة تسري بأوردتها وهي ترى حزنه عليها، وكأن هو من يتألم.
ابتسم قلبها وهو يرى يده تمسح دمعاته ويشعر به.
تنهد زيد بعمق ثم قال:
- ممكن مشفش دموعك دي تاني؟
أومأت بحزن، فأعتدل بوقفته ومد يده لها كي تقف، فأمسكت به وكأنها غريق قد جاءت نجدته من الغرق.
اعتدلت بوقفتها بمشاعر متلخبطة من ذلك الاهتمام الذي أحيا قلبها.
فنح لها السيارة ومن ثم صعد هو وانطلق.
بعد وقت تقف السيارة أمام شركته، ليفتح الباب وهو يقول في ذات الوقت:
- أنزلي.
نظرت حولها باستغراب ثم هبطت منها.
تقدم نحوها وقال:
- ادخلي.
بسنت بدهشة وهي تنظر لافتة كبيرة تحتوي اسمه:
- دي شركتك؟ جبتني هنا ليه؟
رد متفهماً:
- تهدي ورجعك البيت، يلا ادخلي.
دلفت معه للداخل وهي معجبة بالشركة وألوانها ولجأ للمكتب وجلسا.
طلب لها شيئاً تشربه وصمت.
فقالت "بسنت":
- ألوان الشركة حلوة؟
رد بابتسامة جذابة:
- عجبتك؟
أومأت برأسها فقال بوجه باسم:
- لأن لمار اللي مختارة.
استغربت تلك العلاقة، فيبدو أن لمار قريبة منه أكثر مما كانت تظن.
دوي هاتفه معلناً باتصال من لمار.
أبتسم بسعادة لا توصف، لاحظتها هي حتى رد بفرحة:
- حبيبي، قدامك قد إيه؟
أجابته "لمار" باطمئنان:
- خلاص قربت. من صوتك يبدو أن بسنت معاك؟
رد بفرحة وهو ينظر إلى بسنت:
- أه.
لمار:
- طب بقا ادهالي.
كانت خجلة بشدة من نظراته، حتى قال لها أن لمار تريد محادثتها.
جذبت منه الهاتف برفق وردت بحزن:
- لمار، أنا محتاجاكِ.
شعرت بألم رهيب بقلبها فردت:
- حبيبتي، أنا قربت أوصل، بس أنتي كويسة، طمنيني.
طأطأت رأسها أرضاً وزلت تبكي.
أما لمار فظلت مستمعة لبكاءها حتى تهدأ ومن ثم قصت عليها كل شيء من أوجاع وأهات حتى أغلقتا الخط.
زيد رحل قليلاً حتى لا يستمع لبكاءها الحارق.
بعدما أخذ منها الموبايل تركها كي تلملم جراح قلبها.
رن هاتفه برقم لا يعرفه، رفع الموبايل وكاد أن يتكلم فاستمع لذلك الصوت الذي جعله يتصنم محله:
- زيود، بعتلك مفاجأة في طريقها ليك، متأكد إنها هتعجبك، ها، طفي نار قلبك شوية وصدقني كنت هنتقم لك منه بنفسي بس قلت أنت تطفي نار قلبك لأني مقدرش أشوف قلبك بيتحرق. ومتنساش ده الورقة الرابحة ليك ولمار، وأظن أن أميرتي هتعرف تلعب إزاي، سلام.
وأغلق الخط سريعاً حتى لا يستمع لكلمة.
أم زيد فقد جاء أن يقول له لا تغلق ولكن قد فات الأوان، فردد بذهول وفرحة:
- أميرتي؟ بس الكلمة دي محدش غيره بيقولها ليها.
هو صمت قليلاً بتفكير وهو يفكر فيما مر بطفولته فقال:
- لا لا، لازم أفكر صح، يا ترى مين ده ويقصد إيه بكلامه.
ظل صوته يتردد على مسامعه بسعادة.
عاد لمكتبه فقال بجدية:
- قومي تعالي معايا.
رمقته باستغراب:
- على فين!
ألتقط جاكته وهو يتقدم نحوها:
- إيه مش جعانة؟ أنا هموت، يلا يا ستي هتاكلي على حسابي النهارده.
أجابت بوهن:
- لا مليش نفس.
زيد مبتسماً:
- تؤ تؤ، اقفي يلا.
سحبها من معصمها خلفه وذهب.
***
بعد وقتاً طويل وصلت لمار والشباب لمبتغاهم.
ذهبا لمركز الاستخبارات، دلفا لمكتب "لمار" جميعهم.
استدعت فهد ورعد كي يأتوا، أنصاعوا لأوامرها، ففي خلال ربع ساعة كانوا أمامها.
بدأت بشرح الخطة والموعد إليهم ودور كل واحد فيهم.
قصت على مسامعهم كل شيء.
أدهم بتثاؤب:
- طب بقا أنا هلحق أناملي ساعتين وهجهز؟
رمقته "لمار" بغضب:
- نوم إيه بقولك يلا على التدريب.
ضيق حاجبيه بدهشة وشعور قاتل للنوم:
- تدريب إيه؟ حرام عليكي، بقولك أنام ساعة.
رأت آثار التعب بادية على وجهه، فسمحت للجميع بالرحيل.
كاد أحمد بالخروج فمسكت بمعصمه وأشارت له بعينها أن لا يذهب.
أنصاع لأوامرها فظل مكانه.
رحل الجميع.
تخلت عن مقعدها بثبات مخيف وهي ترمقه بغضب قاتل.
وقفت أمامه وهي واضعة يدها بجيب جاكتها.
أحمد باستغراب:
- إيه؟ مالك بتبصيلي كده ليه؟
وعلى آثار كلماته تذكرت ما قصه عليها زيد.
مسكته بحدة من ياقة قميصه وصاحت بصوت جهوري غاضب:
- أنت مين عشان تقول لزيد كده؟ أنت مجرد زميل في الشغل، ملكش الحق تدخل في حياتي، أكلم مين ما أكلمش مين دي حاجة متخصكش. وإذا فكرت تعمل نفسك قريب مني متلمش غير نفسك. بتقوله يطلع من حياتي، بس هو مستحيل يطلع، أنا اتخلي عنك آه، أما هو لااااا. أنت فاهم؟ دا هو اللي بقى لي. واسمع يا أحمد، متتخطاش حدودك معايا، لأني ساعتها مش هعرفك ولا هرحمك. أنت فاهم؟
كان ينظر إليها بعدم تصديق، لم يصدق ما قالته وما سمعه.
لقد اعتبرها والدته، فكيف تقول له ذلك؟
شعر أن النار قادت بقلبه فستصهره قريباً.
تحكم بذاته بصعوبة وهو يشعر بالاختناق الشديد.
رفع يده ليجذب يدها ودفعهم بقوة بعيداً ورحل من مكتبها بحزن لا مثيل له.
جلست "لمار" بألم لا تعلم كيف تفوهت بتلك الكلمات القاتلة.
همت راكضة للخارج لتلحق به فلم تستطع.
توقفت قدماها عن الحركة بعجز وهي تعلم بما يشعر هو وما سببته له.
لأمت نفسها كثيراً جداً، ورحلت من المكان.
صعدت سيارتها وهي تتذكر ما قالته له، تألم قلبها.
ضغطت على مقود السيارة كي تتحكم بعصبيتها وذاتها.
انطلقت بسرعة كبيرة، حتى توقفت في مكان ما، دلفت أحد العمارات، وصعدت الدرج راكضة.
وصلت لأحد الشقق ودقت الجرس.
فتحت لها تلك المرأة التي خطفت الطفلة.
نظرت للمار بخوف فهي تعلم من تكون.
كادت بغلق الباب فدفعته لمار بقوة مما أدى لوقعه.
زحفت للخلف بخوف، دلفت لمار بابتسامة ماكرة بزاوية فمها وأوصدت الباب.
فحصت المكان وجلست على أقرب مقعد واضعة قدم فوق الأخرى.
رمقتها بنظرة هادئة مخيفة وقالت بتزمر:
- كنتي هتقفلي الباب عليه؟ مش عيب طيب؟
تخلت عن مقعدها بثبات فتقدمت لتلك الواقفة ترتعش بخوف من موتها المؤكد أمام النمر.
ارتسمت ابتسامة مكر على وجهها:
- كنتي عايزة تقفلي ليه الباب؟
ردت بتلعثم:
- أصلي أنا معرفكيش، انتي مين؟
رفعت يدها لفوق وهي تقول ببراءة مخيفة:
- قدرك.
استدارت لتعطيها ظهرها وقالت بابتسامة:
- أو ممكن أقول ملاك الموت.
وغمزت لها بطرف عينها.
خطت للأمام لتدلف المطبخ.
أم تلك المرأة، بحثت عن موبايلها لتبلغهم بما يدور.
- بتدوري على ده؟
نظرت إليها وابتلعت ريقها بخوف وهي ترى "لمار" تخرج من المطبخ ومعها هاتفها وسكين.
نظرت للهاتف بيده وقالت بطفولة:
- هو معايا، مش هتاخديه، عايزة ألعب بيه شوية.
جلست على المقعد وهي تضع السكين على الطاولة وبعد ذلك أشارت لها أن تجلس.
جلست أمامها بخوف ورعب وهي تنظر إليها.
صادف الهدوء المكان إلا من خفقان فؤاد تلك المرأة.
هبت لمار واقفة بثبات مخيف، كادت أن تحرقها بنظراتها الفتاكة.
أسندت بذراعيها على الكرسي لتحاوطها بعدما جذبت السكين.
ارتجف جسدها بخوف فقالت لمار وهي ترفع السكين بوجهها:
- قوليلي بتبدأوا بإيه وانتوا بتشقوا جسم الطفل بدم بارد.
فاض الدمع بعينها وابتلعت ريقها بخوف جاهدت على الحديث قائلة:
- أطفال إيه بس مين قالك كده؟
غرست السكين ببرود ودون رحمة بكف يدها لتصرخ هي صرخة هزت جدران العمارة.
استقامت لمار بوقفتها وقالت:
- أوووف، عصبتيني ومش بشوف نفسي لما أتعصب.
اندفعت لتمسك بكفة يدها وضغطت عليها بكل قوتها وهي تقول:
- مش دي الإيد اللي كانت ماسكة بالمنديل المخدر وبتكتمي بيه بق الطفل وأنفه.
كانت تصرخ بقوة وهي ترجوها أن ترحمها.
تركت لمار يدها وجلست على المقعد الذي يليه بعدما خلعت جاكتها لتجلس ببدي كات أسود ك سواد دنيتها المظلمة، فهل من نور ليخرجها؟
مسكت يدها وهي تمثل التعب.
رمقتها بنظرة ثاقبة:
- متعرفيش إيدي وجعاني قد إيه، أصل ليا فترة مضربتش حد فلازم ألاقي الدواء لوجع إيدي.
ابتسمت بمكر وظلت صامتة لبعض الوقت، فهبت واقفة سرعان ما جذبتها بشدة من رأسها ودفعتها بالطاولة وهي تقول:
- أخلصي، قولي تبع مين.
صرخت بوجع وهي تبكي وقالت بصوت مختلط بالبكاء:
- معرفش، صدقيني معرفش، كل اللي أعرفه إن واحد اسمه.
قطعتها لمار قائلة بتريقة:
- كامل الجبالي، غيره يا حلوة.
ابتلعت ريقها بخوف فقالت:
- ناس بتيجي من بلاد برا، هما بيستلموا كل حاجة، بس سمعت عن واحد اسمه جون وديف ومايكل، دول أساس كل حاجة، ومفيش حاجة بتم من غير إذنهم. الباقيين معرفهمش، لأن كل مرة الصفقات بتكون مضروبة وبيكتشفوا واحد من بينهم خاين، عشان كده فين وفين لما بنعمل أي صفقة سوا، أطفال أو مخدرات أو سلاح.
همست لمار لنفسها:
- جون الكلب، زي ما كنت متوقعة.
هتفت بصوت عالٍ جعلها تنتفض:
- أصلهم إيه دول وجنسيتهم إيه؟
قالت وهي تجاهد الإغماء:
- جون معرفش والله معرف.
ركلتها "لمار" بقوة وهي تقول:
- متجيبيش اسم الله على لسانك، اخلصي احكي.
تابعت بالم:
- ديف مصري الجنسية، أنا معرفوش ولا قبلته، بس في مرة كنت مع كامل وسمعت صوته بالصدفة. أما مايكل فمعرفش، لأن ده فيك تقولي البوص، محدش بيعرفه ومش بيظهر لمين ما كان.
جذبته لمار من شعرها لتسحبها خلفها كالجارية وهي تهبط بها من العمارة بأكملها.
ذهبت بها إلى القسم حيث فتحت الزنزانة ودفعتها للداخل بقوة.
وقف جميع النساء لها احتراماً.
رمقتهم جميعاً وقالت:
- الكلبه دي بتاجر بأرواح أطفالنا، لو بتحبوني أتوصوا بيها.
أنصاعوا لأوامرها فوراً واندفعوا وهم يشمرون عن سواعديهم لينهالوا عليها بالضرب المبرح.
شعرت لمار بأن نارها هدأت قليلاً، خرجت من الزنزانة إلى حيث المكان المخصص للتدريب للاستعداد للحرب.
حرب بين الخير والشر.
ستفقد أعز الناس، فهل ستتحمل ذلك؟
***
زيد وصل أحدى المطاعم، ليلتفت لها وهو يقول:
- يلا بقا انزلي.
نظرت لذلك المطعم فقالت:
- كشري.
هبطت من السيارة ليجذبها من يدها بخفة ويسحبها للداخل.
طلب الطعام وانتظر ليأتي.
رأى دهشتها فقال:
- إيه مالك، المكان مش عاجبك؟
هزت رأسها بالنفي.
زيد بحيرة:
- أمال مالك؟
جاء النادل ليضع لهم الأطباق وهو يرسها بحرفية.
أما زيد فكان يأكل باستمتاع فقال دون النظر إليها:
- ياريت لمار معانا، بتحب الأكلة دي جداً.
نظر إليها وجدها تقلب في الأكل فقط.
احتضن وجهه بكلتا يديه وهو يتأمل النظر إليها بحب.
لاحظت نظراته فشعرت بالخجل الشديد فقالت:
- بتبصلي كده ليه؟
فقال وهو على حاله:
- مينفعش يبقي القمر قدامي ومبصولوش.
انتبه لنفسه همهم ثم قال:
- إيه مالك، كلي بقا، والله هيعجبك.
أكلت بحذر ولكن وجدته جميلاً.
ابتسم عليها فردد:
- طفلة.
– أنا.. قالتها وهي تشير على نفسها، فأومأ لها.
فقالت بتزمر:
- أنا مش طفلة.
وربعت يديها أمام صدرها.
تعالى صوت ضحكاته الرجولية:
- وربنا طفلة، مهما تعملي.
قطع كلماته نغمة هاتفه معلناً عن اتصال من كامل الجبالي.
رد عليه قائلاً:
- خير.
كامل:
- إيه يا عم، متسيبك من القمر اللي معاك وتيجي عشان عندنا شغل.
هب واقفاً بعدما أشار لها بأنه سيتحدث على الباب.
صاح به بحدة:
- إياك تجيب سيرتها على لسانك، وبعدين أنت مرقبني ليه؟
كامل:
- مش مرقبك ولا حاجة، خلينا في المهم، في شحنات النهاردة عايزك تعديها.
زيد:
- أنت فين دلوقتي؟
كامل:
- عند.
زيد:
- ثواني وجيلك نتكلم.
أغلق السكة دون كلمة أخرى وعاد إليها بوجهه الباسم.
انحنى بجذعه عليها وهمس:
- يلا عشان أوصلك.
أجابته دون أن تشعر:
- بالسرعة دي؟
مال عليها قليلاً وهمس:
- أنتي عايزه تفضلي معايا.
ابتعدت بنظرها عنه بخجل وهي ترجع خصلات شعرها.
هبت واقفة وهي تشير له.
مشي يده على شعره ودفع الحساب ثم ذهب خلفها.
كانت تنظر من نافذة السيارة بحزن فهي تشعر بالأمان بجواره، تشعر بسعادة قلبها ورفرفته وهو لجوارها وتنسى كل ما مرت به.
أرادت أن تخبره بأنها تريد أن تبقى معه لبعض الوقت وأن لا يتركها.
وها هي السيارة تقف معلنة عن فراق الأجساد، فأن روحه دائماً معها.
نظرت له بحب، رآه بعينها ليطير قلبه سعادة.
أقسم أنه سيجعل حياتها جنة وتلك اللمعة سيجعلها رفيقتها الوحيدة.
ألتقى أعينهم بسعادة لتبث لهم الحب والسند والاحتواء.
همست بسنت بحب:
- شكراً.
فقال بحيرة:
- على إيه؟
ردت بسنت باندفاع:
- على الوقت الجميل، كان أجمل يوم.
رد زيد وهو ينظر لعيناها:
- هيتكرر كتير، دي بس البداية.
ابتسمت له بامتنان وهبطت لتدلف للداخل، وظل هو يتابعها بعينه حتى وصلت إلى الباب، فأستدارت لتنظر إليه ببسمة رقيقة، نست كل ما مرت به، شعرت بلخبطة مشاعرها.
بادلها الابتسامة وهو متأملاً بها حتى دلفت للداخل.
بعدما قرت عينه بدلوفها للداخل، أنطلق إلى شركته بسرعة البرق بعدما أخبر لمار بكل شيء.
دلف لمكتبه وهو ينظر بغضب قاتل لكامل.
أراد أن يخنقه ليستريح منه، ولكن عليه التمهل، فلابد أن رب العالمين سينتقم منه أشد انتقام.
كان كامل يتحدث ولكنه لاحظ شرود زيد الواقف، أيقن أنه لم يستمع لحرف مما قاله.
وقف أمامه وهزه بقوة وهو يقول:
- إيه مالك سرحان في مين؟ ما أنت يلا سيبها.
مد يده ليغرزها برقبته، رفعه من على الأرض بيد واحدة وقال غاضباً:
- قولتلك متجبش سيرتها على لسانك، ولا أنت مبتفهمش؟ أنا هشتغل معاك آه، لكن هي خط أحمر، اللي يعديه يبقي دفن نفسه بالحياء.
وتركه ليهوي أرضاً ويسترجع أنفاسه.
وقف بعد وقت فأشار له زيد أن يجلس.
زيد:
- معلش، مكنش قصدي، أصل أنا بتعصب بسرعة.
كامل بغضب:
- أنت كنت هتموتني، عارف يعني إيه؟
يهمس زيد لنفسه:
- قريب.
رمقه بنظرة غامضة:
- خير، إيه الشغل وشحنته إيه؟
أقصه كامل ما يريده واتفقا سوياً.
زيد:
- تمام، كله هيتنفذ.
كامل:
- بس الشرطة عينهم علينا الفترة دي.
زيد:
- أظن بأنك اخترتني لمكاتني عند لمار، ولا إيه؟
كامل بابتسامة:
- فهمتنا فعلاً، إحنا اخترناك لأنها مستحيل تشك فيك.
زيد بثقة:
- أكيددد، بدون شك.
ودعه كامل وذهب.
كان يجلس حائراً في تلك المكالمة من ذلك المجهول.
انتشله من شروده طرق الباب، فأذن للطارق أن يدخل.
زيد:
- أدخل يا منصور، تعال.
منصور باحترام:
- لو بس حضرتك تيجي معايا لحظة.
زيد باستغراب:
- ليه؟ في حاجة ولا إيه؟
قال منصور:
- اتفضل معايا وهتعرف كل حاجة.
هب واقفاً بحيرة، سار معه إلى أن ابتعدا لتلك الغرفة بآخر الشركة.
زيد باستغراب:
- المخزن؟ خير، في حاجة ناقصة.
فتح له الباب "منصور" وتنحى جانباً.
دلف زيد بزهول ولكنه وقف محله بصدمة وزهول وحقد.
رأى ذلك الملقى أرضاً ولا يوجد بجسمه مكان سليم إلا أن جسمه وملابسه مليئة بالدماء.
وقف ينظر إليه بحقد.
استمع لصوت رسالة على موبايله ففتحها وقرأ:
"أتمنى تكون الهدية عجبتك، خدت لك حقك منه وسلمتهولك، تعمل في ما بدالك، محدش يقدر يوجع قلوبكم طول ما أنا عايش."
علامة استفهام كبيرة ارتسمت على وجه زيد.
عاود نظره لرسالة والمنصور بغموض.
مسكه من ياقة قميصه وقال بحدة:
- مين ده؟ أنت بتشتغل لحساب مين؟
منصور يعمل لحساب من؟
من ذلك المجهول؟
هل هو نفسه الذي يساعد لمار؟
من ستخسر لمار في تلك المعركة؟
أحداث نارية قادمة وإعصار سيدمر قلب لمار، فهل ستتحمل؟
رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ندى ممدوح
علامة استفهام كبيرة ارتسمت على وجه زيد. عاود نظره للرسالة ولمنصور بغموض.
مسكه من ياقة قميصه وقال بحده:
- مين ده؟ أنت بتشتغل لحساب مين؟
نظر منصور له بتوتر شديد وارتباك فقال ببطء:
- محدش يا بيه.
نظر له زيد بحده وبعيون تكاد أن تفتك به وهتف بصوت مخيف:
- أنت بتشتغل تبع مين؟ مين هو الشخص اللي بعتك؟ بتتبعني؟
أجابه مسرعاً وهو يهز رأسه بالرفض:
- لا لا لا يا بيه، أنا مبعتكش حضرتك ولا عمري أعملها!
أجاب زيد بغموض:
- أما تسمي ده إيه؟
رد منصور وهو مطأطأ الرأس:
- معنديش أوامر إني أقولك على أي حاجة.
أراد أن يفرغ غضبه في أي شيء، فلكم الحائط بيده بقوة. ثم رفع رأسه لينظر لعبد الرحمن الذي بدأ أن يفيق وقال بحده لمنصور ودون النظر إليه:
- امشي.
أنصاع لأوامره فخرج مسرعاً.
أم زيد فقد كان يغلي. طاف أمام نظره كـ السناريو وجه بسنت الباكي ودموعها الحارقة. أقترب منه بخطوات ثابتة ليقف أمام رأسه. أنحني ليجلس لجواره وجذبه بقوة من مؤخرة رأسه وصاح بصوت مخيف:
- أنت خليت دموعها تنزل، بس أنا هخلي دمك ينزل دلوقتي وهكون أسوأ كوابيسك.
انعدل وهو يجذبه ليقف أمامه وظل يصد له اللكمات المبرحة. أما هو فلم يستطع النطق بحرف مما هو به.
***
أحمد ذهب لشقته، وألقى بجسده على المقعد بدون مبالاة. وكلماتها تتردد بأذنه. أحس بالوحدة فقد كانت هي عائلته. وضع يده على أذنه وهو يصيح:
- بس بقى اسكتي، كفاية.
أبعد يده ليسند رأسه للخلف وهو يتذكر كيف ساندته عند وفاة والديه فلم يشعر بفقدانهم. تذكر كلماتها، تألم قلبه بشدة. استمع لنغمة هاتفه معلنة عن اتصال منها. فلم يجب. ظلت تتصل دون ملل، حتى أمسك الموبايل ليلقي به أرضاً.
***
بسنت بعدما دلفت للداخل، واطمأنت على الصبايا. كانوا جالسين على التخت.
هاله باستغراب وهي تنظر لبسنت التي تشرد كل ثانية وتبتسم:
- اسمع إن اللي بيتخطف يخاف يبكي يزعل أي حاجة، لكن إنه يقعد شارد الذهن ومبتسم دي اللي مش فاهمها. هو الخطف حلو ولا إيه؟
لوت “بسنت” فمها وقالت:
- اه الخطف حلووو جدآ.
هاله:
- نعم يا اختي، أي اللي حلو؟
قالت دون استيعاب:
- الخطف.
دوي جرس المنزل، لتهب هاله واقفة وهي تقول:
- هشوف مين، وانتي يا اختي خليكي سرحانة.
ذهبت مسرعة لتفتح لتجد أمامها إيهاب.
هاله بابتسامة:
- انت تعال اتفضل؟
وتنحت جانباً عن الباب.
ليخطي هو للداخل وهو يقول:
- حبيت أطمن على أختك، بقيت كويسة؟
أجابته بابتسامة:
- اه الحمد لله أحسن، من غيرك مش عارفة كنت هعمل إيه بجد شكراً.
أبتسم برقة:
- لا لا مفيش شكر، الأهم إنها تبقى كويسة.
أشارت بيديها له أن يجلس:
- اتفضل اقعد لحد ما أعملك شاي.
قال وعينه تجوب المكان ليبحث عنها:
- لا لا شكراً، أنا أصلاً ماشي.
هاله:
- لا والله ما يحصل، إحنا مش بخلاء، اتفضل ودقيقتين بس وهجي.
دلفت هاله للمطبخ. وقف هو محله وتأخذ عينه جولة في كل ركن من الشقة. ليقع نظره على تلك الصورة التي تحتوي على طفلة وشاب ورجل وامرأة. تأمل الصورة جيداً وقال بهمس:
- سامحوني.
طاف بعينه ليري تلك الصورة التي تظهر بها لمار، عيونها الحادة وشعرها الأسود وجسدها الرشيق الرياضي وذلك السلاح بيدها. رفرف قلبه فرحاً. تمنى أن تكون أمامه لتظله بجناحيها. فاضت عينه بالدمع.
هاله:
- انت لسه واقف، اقعد اتفضل.
أزاح تلك الدمعة الهاربة من عينيه بألم، ليعاود النظر إليها بوجهه الباسم:
- اه اه هقعد.
رأت نظره مثبت لصورة لمار فقالت بابتسامة:
- دي تبقى لمار، عميلة في الاستخبارات المصرية، وتبقى بنت خالي.
ألقت تلك الكلمات على مسامعه. فهو يدري كل ذلك ويدري أيضاً أن والده السبب في معاناتها وتحولها.
قدمت له الشاي، ليجذبه منها برفق ويرفعه ليرتشف منه القليل ويضعه على الطاولة وهو يهب واقفاً:
- أنا لازم أمشي بعد إذنك، وحمد لله على سلامة أختك.
لم يترك لها المجال لتتفوه بكلمة وغادر الغرفة.
هاله بتريقة:
- ماله المجنون ده.
***
لمار كانت تتدرب بجهد كبير. دقائق والجميع كانوا أمامها بالمكتب. كادت أن تشرح العملية لولا أنها استمعت لطرق الباب فأذنت للطارق بالدخول. نظروا جميعاً لمن دلفت لتوها. أما لمار عندما طال صمتهم رفعت عينها عن الأوراق التي أمامها. وقفت وهي تقول:
- بسنت…
ابتسمت بسنت وهي تغلق الباب:
- أيوه طبعاً، أنا معاكم في المهمة دي.
تخلت لمار عن مقعدها وتقدمت لتقف أمامها:
- أنتي كويسة، أهم حاجة؟
بسنت بحب:
- اه متقلقيش، يلا نبدأ.
بدأت لمار تشرح لهم الخطة. ومن الحين للآخر تخطف النظرات لأحمد الذي يبادلها النظرات بجمود شديد. قصت على مسامعهم كل شيء، وكل دور واحد منهم.
ظلت تأتي أمامهم ذهاباً وإياباً، وعيناها تتنقل بينهما وقالت بجدية:
- إحنا آه هنروح عشان ننقذ أطفالنا، فممكن نتوقع أي حاجة. عايزكم كلكم تبقوا إيد واحدة ولازم الخير ينتصر. وعشان ينتصر يبقى نضحي بروحنا ونحن غير أسفين. عايزكم تعرفوا إننا لو متنا هنكون شهداء وهيفضل اسمنا معلم في قلب كل إنسان على مر الزمن. عايزكم تعرفوا إن أرواحنا مش لينا، دي أمانة رب العالمين ومتى شاء أخذها. لو خسرنا روحنا، هنكون شهداء، عارفين يعني إيه؟ يعني في جنة الخلد، ويكفي إن رسولنا فيها. دعوا، عايزكم تكونوا واحد ونساعد بعضنا البعض. “والله ثم الجنة” خلوا الشعار ده في بالكم. عايزين نمحي من بلدنا كل خاين وارهابي من غير ضمير، خلينا إيد واحدة. والله ثم الجنة وأرواحنا فداء أطفال بلدنا ونشر الخير. “الله أكبر” انتوا معايا؟
فهتفوا:
- الله أكبر! معاكي طبعاً، وأرواحنا مش مهمة لو هنموت؟ هنموت بس الأطفال دي ترجع.
ابتسمت لمار لهم ومدت يدها، ليضعوا جميعهم يدهم بيدها.
لتقول بجدية وصوت جهوري:
- ودلوقتي يلا روحوا عشان تستعدوا.
أنصاعوا لأوامرها ورحلوا. كاد أحمد أن يخرج ولكنه توقف على منادتها له. لم يستدر لينظر لها ولم يعطها اهتمام وخرج وهو يصفق الباب خلفه بحده.
تنهدت هي بحزن وشرود. ألتقتت سلاحها ومسكته وهي تتذكر عندما كانت طفلة. كانت طفلة تخاف أن تقترب من سلاح والدها. أما الآن أصبح جزء منها. انظروا لتلك الأيدي الناعمة الرقيقة الصغيرة، تكاد أن تمسك السلاح فينزلق من يدها لشدة رقته. ولا تعجبوا وإذا عجبتم فتعجبوا كيف تحولت تلك الأيدي الناعمة الخشنة التي تمسك السلاح بمهارة دون خوف وكأنه قطعة من جسدها كيف تحولت إلى ذلك. انظروا إلى قلبها الرقيق الخفيف الهش كيف الآن تحول إلى قلب ثابت كـ ثبات الجبل أو أشد. انظروا إليها وهي تمسك سلاحها بيد من حديد تصول وتجول في صفوف أعدائها كالأسد الثأر تزأر بهم زأر الأسد فيفرون خوفاً ورعباً وفزعاً منها ومن وجهها الغاضب العبوس، يفرون من أمامها كمن رأى شبح الموت أمامه.
تتغلغل صفوف أعدائها غير خائفة من الموت، فهي قد علمت أن روحها أمانة متى شاء الله أخذها بل أنها كانت تريد الموت وتبحث عنه كي تكتب “شهيدة” غير عابئة بنفسها، كل ما يهمها هو العدالة وسلامة وطنها فقط.
تنهدت لمار بأمل ودموع متلألئة. استمعت لطرق الباب وكانت بسنت. ظلا يتحدثان سوياً. حتى أتى الوقت الذي تنتظره. تحدثت إلى اللواء “أمجد” ورحلوا إلى وجهتهم.
وصلا إلى ذلك المكان وتلك المستشفى القديمة. لمار أعطت لكل واحد منهم اتجاه وأماكن العدو. أما هي فقد دلفت لذلك المبنى. وكلما تلاقت بأحد ضربته بلا رحمة. وصلت لغرفة بآخر الممر فتحت ذلك الباب الحديدي من الجدار وهبطت به فقد كان كـ السرداب. وقفت بأخره، عيناها جابت المكان، هبطت ببطء شديد.
كان طفلاً صغيراً نائماً على السرير “متخدراً” وذلك الطبيب واقف أمامه ويكاد أن يفعل لسرقة أعضائه بجواره بعد الرجال.
كاد بأن يشق بطن الطفل، ولكن يده تصنمت محله. نظر ليجد تلك الفتاة التي تخرج من عيناها النار الحارقة.
الطبيب بخوف:
- مين أنتي؟ وازاي تمسكي إيدي كدا؟ ودخلتي إزاي؟
لمار لوت يده لتسمع صوت كسرها بفرحه وقالت:
- أنا أدخل أي مكان مهما كان من غير إذن أي حد. إيدك دي ياترى كم طفل سرقت منه أعضائه ولا كم مريض؟ دلوقتي مش هتقدر تستخدم إيدك دي تاني؟
جاء ليهجموا عليها فضربتهم جميعاً، وكسرت لذلك الطبيب يديه الاثنين دون رحمة، ولم تبالي بصراخه الحاد. تركته يتألم وحملت الطفل وخرجت به من ذلك النفق المظلم. نادت على فهد وأعطتته إياه. ودلفت لإحدى الغرف. كان بها الكثير من الأطفال. أنتفضوا بخوف عندما رأوها، فابتسمت لهم باطمئنان قائلة:
- متخافوش خلاص كلكم هترجعوا البيت النهارده.
أشارت لهم على الباب. كادوا أن يخرجوا إلا أنها دفشتهم للداخل بخوف عندما استمعت لإطلاق النار كـ المطر. جاء رعد راكضاً وهو يصيح:
- لمار استني متطلعيش الأطفال! فجأة جوه جماعة وابتدوا يضربوا نار وشوية شوية بيزيدوا، إحنا مكناش مخططين لده، هنعمل إيه؟
مسكته من كتفه لتدفشه لداخل الغرفة وأحكمت إغلاقها، ولم تعطي صراخه وطرقه على الباب اهتمام وهتفت به:
- رعد الأطفال دي أمانة في رقبتك، لو حصل لي حاجة رجعهم لأهليهم، طمنهم عشان ميخافوش وأنا مش هسمح لكلب يقرب من الباب.
رفعت هاتفها لتخبر اللواء أمجد بإرسال قوة. أسرعت لخارج المبنى. رأت أن عدد العدو يفوقهم بآلاف المرات، وفهد وأدهم وبسنت وأحمد من يواجه فقط وبعد القوة التي جاءت بها ومختبئين. رفعت سلاحها بغضب يكاد أن يحرقهم جميعاً وتوسطت جموعهم وظلت تهوي بأرواحهم دون رحمة. كان أدهم يغطي ظهرها ويدافع عنها وهي أيضاً. رأت بعضهم يتسحب لغرفة الأطفال. أدت إشارة لأدهم ودلفت هي للداخل، لتمنعهم من الوصول إليه غير عابئة بألمها التي تملكت منها وذلك الجرح الذي فتح رأسها.
ابتدأت القوة تأتي مما أزاح عن أكتافها الكثير. كان أحمد يقاتل دون رحمة كما علمته هي ودربته، ولكن ذهنه كان منشغل في كلماتها يخطف النظرات إليها مما أدى لجروح عميقة بأنحاء جسده. استدار ليري ذلك الرجل الموجه سلاحه للمار. اتسعت عينه من الصدمة وازدادت دقات قلبه. هرول راكضاً إليها صرخ باسمها بعلو صوته فأتته تلك الطلقة لتخترق جسده ليقف مكانه يحاول جاهداً أن يصارع الموت.
استدارت على صوته وانخلع قلبها من مكانه فاض الدمع على عيناها فصرخت باسمه وهي تهول إليه. وقبل أن يهوي جسده على الأرض تلقته هي ليقع بين يديها. أمسكت وجهه وقالت بوجع:
- أحمد هتبقى كويس، متخافش.
رفعت عيناها للذي أطلق عليها النار بغضب ونظرة لأحمد وصاحت بفهد وبسنت:
- يلا اطلعوا بيه على أقرب مستشفى.
وقالت بأمل:
- مش هيحصله حاجة؟
فهد واقف وعينه تذرف الدمع فأومأ لها. رفعته للمار ولم ترض أن يحمله أحد. أجلسته بالسيارة برفق وطبعت قبلة على جبينه وقالت:
- ليه عملت كدا؟ أنا اللي المفروض أبقى مكانك، أنت متستاهلش كل ده.
نظرت لفهد بجمود:
- لو حصله حاجة متلومش غير نفسك، يلا بسرعة أنت لسه واقف؟
نظرة بسنت لها:
- أنا هفضل معاكي؟
صاحت بها وهي تدفعها للعربية:
- قولت اركبي، أحمد أهم، لو حصله حاجة هموتكم.
انطلق فهد بصديقه. أما هي نظرت لذلك الذي يركض، وتحولت عيناها للون الأحمر وبرزة عروق يدها وتحول وجهها للغضب والنار. ظل صوت أحمد يتردد. ركضت بكل قوتها خلفه والذي لم يكن سوى كامل الجبالي.
كان يركض وهو يخطف النظرات بخوف إليها وسرعتها الغير طبيعية في الركض. وقفت سيارة سوداء أمامه لتصد طريقه. وقف عاجزاً. أما زيد فتطلع به بغضب من النافذة وابتسم بمكر.
تأكد كامل أنه زيد فابتسم وقال:
- الحمد لله جيت في وقتك.
كاد أن يفتح الباب ولكنها دفعته للأرض، وأطلقت على يده الرصاص. صرخ بألم يكاد يقتله. وضعت قدميها عليه وصاحت بزيد:
- يلا خده من قدامي دلوقتي هرجعله تاني!
انحني زيد ليجذبه بقسوة ودفعه داخل العربية.
عادت لمار لتقاتل. شعرت أن العدد قل. أشارت لأدهم أن يلحق بها؛ ففعل ذلك. فتحت الباب. ليقول رعد بقلق ينهش قلبه:
- انتي كويسة؟ فهد كويس؟
طمنته لمار:
- متقلقش، كويسين. بسرعة مفيش وقت، خد الأطفال من هنا.
أومأ لها ومشي خارج ذلك المبنى. وخلفه الأطفال وأدهم ليحميهم. أما لمار فقد تعمدت أن تشتت انتباههم. وركضت مسرعة للأعلى بذلك المبنى وهم خلفها. أحتمت خلف الجدار وظلت تضرب الرصاص.
وصل رعد بالأطفال إلى السيارة. استدار لينظر لأدهم:
- روح أنت خليك مع لمار، أنا هرجع بالأطفال.
ربت أدهم على كتفه:
- متأكد؟
أجابه بتأكيد:
- أيوه، توكل أنت.
رعد فتح لهم السيارة ودلفوا الأطفال. كاد أن يصعد حتى استمع لإطلاق النار. استدار لهم وصدد لهم إطلاق النار، فأوقع بعدد كثيراً منهم، ولكنهم يزدادون. وعلى غفلة منه، اقترب بعد الرجال من السيارة، ليمسك بأحد الأطفال. لاحظه رعد فهجم عليه بغضب وضربه بقسوة، فترك الطفلة التي أجهشت بالبكاء والارتعاش. كاد أن يقتله وهو يخنقه بقسوة حتى أصيب بيده ورجله فوقع على الأرض بتأوه. كاد بالاقتراب من الطفلة، فزحف رعد إليها ليخبئها خلفه غير مبالٍ بجروحه. ظلا صامداً كـ الجبل أمامهم ولكنهم نجحوا في ملئ جسده بالرصاص، ولكنه لم يستسلم حتى قضى عليهم، ووقع على الأرض.
لمار بتقف على السور لتهوي بنفسها من فوقه وتقع على الأرض في ذات اللحظة. أخرجت ريموت من جيبها، ضغطت عليه، لينفجر المبنى بأكمله. نظرة إلى ذلك بتشفي. اقترب منها أدهم بصدمة فقال بذهول:
- يخرب بيتك، فجرته إزاي وامتى عملت كل ده؟
استدارت إليه بغضب وصاحت به بجمود:
- أنت إزاي تسيب رعد وتيجي؟
رد بهدوء:
- جيت عشانك وهو هيرجع بالأطفال.
قالت بأمر:
- روح دلوقتي وشوفه، أنت غبي يا أدهم أكيد مش هيسيبوه يعدي، امال أنا ليه بعتك معاه؟ طب انت شفته وهو بيسوق ويمشي؟
حرك رأسه مفكراً وركض إلى حيث ترك رعد. أما لمار فقد ظلت تجوب المكان لتتأكد أن لا يوجد أحد، فذلك المكان مقطوع ليس به أحد.
وصل فهد ليجد رعد ملقى أرضاً. اقترب منه وانحنى لمستواه بخوف وقلق:
- رعد حصل إيه؟
أما رعد فلم يقول سوى:
- لمار عملت إيه؟
أدهم:
- لمار إيه بس، أنت جسمك كله مصاب؟
ابتسم رعد ابتسامته الأخيرة وقال:
- يلا يا أدهم، الأطفال دول أمانة، امشي من المكان ده.
رد أدهم بدموع فاضت بعيناه وهو محتضنه:
- أمشي إيه بس، مش هسيبك لازم آخدك على أقرب مستشفى.
رد بألم وتعب وصوت يجاهد على خروجه:
- مفيش وقت، متعطلش نفسك، أنا خلاص مت.
أدهم ببكاء:
- إيه اللي بتقوله ده، قوم عشان فهد هيعمل إيه من غيرك؟
رعد بتعب:
- فهد، خلي بالك منه وعرفه إنه أغلى حاجة عندي وإني دي أول مرة أروح مكان من غيره. يلا يا أدهم، دول أمانة لازم تمشي بيهم وإلا مش هسامحك أبداً.
بعد المنهدات استجاب له وصعد السيارة وانطلق راحلاً لأوصال الأمانة. خرجت ورد من مخبئها لتقترب من رعد لترفع رأسه على قدميها وهي تبكي.
قال رعد بتعب:
- أنتي لسه هنا، أنتي لازم تمشي، لمار هتيجي دلوقتي، امشي معاها.
ردت ببكاء حارق:
- سامحني يا عمو، بسببي حصلك كل ده.
أزاح دمعاتها وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، لتمسد هي على شعره بحنان وتقرأ له القرآن. كادت لمار بالاقتراب من تلك المنطقة فأنتبهت لذلك الجسد الملقي بالأرض وتلك الطفلة. ركضت مسرعة إليهم وعندما علمت من يكون أسرعت وهي تهتف باسمه. لمار اقتربت منه، رأت جسده مليئ بالرصاص حتى يده وقدميه. مدت يده لتغلق له عيناه وهي تقول بصوت حاني موجع ودموع:
- أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. شهيد عند الله يا حبيبي.
طبعت قبلة حانية على جبينه ودموعها غرقت وجهه. نظرت لتلك الطفلة التي تبكي بحرقة.
جاء زيد ليهبط من سيارته مسرعاً، وانصدم من منظر رعد. دموعه ترقرت بعينه، حمله برفق ليضعه بالسيارة. أما لمار فقد كانت تتأمل وجهه لتحفظ صورته بذاكرتها وتحفر له مكان بقلبها. عاونها زيد على النهوض. كادت أن تذهب فتعلقت بقدميها “ورد”. استدارت لمار نظرت لوجهها الباسم الذي يشع ضوء فأنارت قلبها. انحنت لتحملها وصعدت السيارة.
مر الطريق بصمت تام جداً.
ريم استقامت بجلستها وهي تهتف باسم معشوق فؤادها. اقتربت منها هاله قائلة وهي تحاوط كتفها:
- مالك يا ريم بتصرخي ليه يا حبيبتي؟ أنا جنبك.
كانت دقات قلبها متسارعة وأنفاسها. جذبت هاله كوب الماء وقربته لها:
- خدي اشربي شوية مياه عشان تهدي.
جذبته منها لترتشف القليل وتهديها لها وقالت بدموع وقلب مفطور محطم:
- أحمد حصله حاجة؟
أجابت هاله “بالنفي:
- لا يا حبيبتي، هو كويس دا مجرد كابوس مش أكتر.
هزت رأسها بالنفي:
- أنا حسيته بينادي عليا وبيقولي الحقني. شفته وهو بيموت قدامي وبيسبني، شفته وهما بيقتلوه. أنا مش هقدر أعيش من غيره والله.
أحتضنتها هاله برفق وهي تمسد على خصلاتها لتهدأ، حتى دوي صوت هاتفها. التقطته وردت على فهد:
- أيوه يا فهد، طمنيني.
أجابها بصوت محتقن بالبكاء والوجع والقلق والانفطار:
- هاتي ريم وتعالي على المستشفى.
هبت واقفة من جوارها وابتعدت قليلاً:
- في إيه يا فهد؟ مالك؟
رد بحزن وخنقة وبكاء:
- مش عارف يا هاله، قلبي وجعني ومخنوق، حاسس إن روحي بتطلع، مش عارف ليه مع إن أحمد كويس الحمد لله والاصابة سطحية بس كسر في كتفه، بس أنا مش عارف مالي، مخنوق أوي.
ردت هاله ببكاء على صوته الذي وجعها:
- استهدي بالله يا فهد، مفيش حاجة وأنا جايه أهو.
وأغلقت هاله معه، وأبدلت ملابسها مسرعة. جهزت ريم التي استغربتها وكلما سألته أجابته باختصار:
- هنروح مشوار.
أشارت لعمر وجذبت الكرسي وغادرت الشقة. كانت تغلق الباب بالمفتاح، فأتاها صوته الذي يقول بمرح جعلها تبتسم.
إيهاب:
- وأخيراً شفنا القمر، عاملة إيه دلوقتي أحسن؟
قالها إيهاب لريم بمرح. ارتسمت ابتسامة على وجهها ابتسمتها بمجهود وردت:
- أنت إيهاب اللي ساعدتني صح؟
هز رأسه مؤكداً وقال بغضب مصطنع:
- دا ترحيب؟
ريم باستغراب:
- مالك مش فاهمها وليه بتزعق كدا؟
قال بضحك كتمها بصعوبة:
- أيوه بقا دا ترحيب، بدل ما ترحبوا بيا وتستقبلوني “ابتسم بهزار” تطلعوني على المستشفى على طول.
تعال صوت ضحكات ريم. أما هاله فقد صفنت به ولضحكته التي زادته وسامة.
انتبه لشرودها ففرقع أصابعه أمام وجهها. نظرت إليه وعاد لها عقلها. أبعدت عن قصد عيناها عنه وهي تهرب منه وجذبت الكرسي وهي تقول:
- عن إذنك، لازم نمشي مستعجلين.
رد بقلق ونبرة جدية:
- في حاجة ولا إيه؟
ردت هاله وهي تغادر من أمامه:
- لا لا مفيش، شكراً.
خطت كم خطوة وبعد ذلك استدارت له قائلة:
- هو ممكن أسيب عمرو معاك؟
استدار لها بابتسامة:
- أكيد.
رد عمرو ببطء:
- لا أنا عايز أروح معاكم.
هاله أقنعته وأخذه إيهاب.
وصلت هاله المستشفى، انخلع قلبها عندما رأت لمار تجلس بكل ذلك الوجع ومنظرها يغني عن ألف سؤال. أما ريم فتسارعت دقات قلبها ظناً أن أصاب معشوق فؤادها شيئاً.
اقتربت منها، سرعان ما قالت هاله بلهفة:
- لمار أنتي كويسة صح؟ طمنيني.
نظرت لعيناها وهزت رأسها.
ريم مسكت يدها قائلة بقلب يكاد أن يقتل:
- أحمد كويس مش كدا؟
لم تجد رد فعاودت السؤال. انتبهت لمار لها فهزت رأسها. فغمضت ريم عيناها بارتياح.
دقائق وتخرج الطبيبة. اقتربوا منها جميعاً ولكن لمار توجهت لغرفته.
ريم تأملت جيداً تلك الطبيبة فقالت بتساؤل:
- هو أنا شفتك قبل كدا؟
ابتسمت لها وانحنت لجوار أذنها وهمست:
- أيوه يا ريم.
نظرت لها باستغراب:
- انتي مين؟
الطبيبة:
- أنا اللي أبوها دفع تمن براءتك، أنا بنته لشاهد العيان اللي دفع التمن حياته وأنا هي نفسها اللي جبتلك حقك.
ألقت تلك الكلمات على مسامعها وهبت لتغادر دون كلمة أخرى بعدما طبعت قبلة على جبينها.
لمار ممسكة بيد أحمد وقالت بصدق وعينان تفيضان من الدمع:
- وحشتني يا أحمد في الكم دقيقة دول، أنا عارفة إن كنت قاسية معاك، بس والله ولا كلمة كانت من قلبي، يا ابني دا أنت صاحبي وأخويا اللي ربنا عوضني بيه، أنت حاجة مقدرش أتخلى عنها أبداً. وبعدين زيد ده أخويا آه والله وبحبك قده وأكتر.
صمتت لبعض الوقت وتابعت بضحكة:
- طب لو هتفضل نايم على السرير ده قولي مين هيتجوز ريم؟ قوم عشان أجوزك يلا، طب أنا قلبي وجعني وأنا شايفاك كدا ليه وقفت قدامي بس. “صمتت قليلاً” يرضيك تسبني لوحدي أدور لريم على عريس؟
أحمد:
- نعم يا اختي تدوري لمين على عريس؟ سمعيني.
رفعت نظرها إليه فابتسم بحب، ضربته بخفة وهي تقول:
- ما أنت زي القرد أهو برضو مش هجوزهالك؟
جذبها بيده السليمة بخفة عندما أحس بدموعها المتحجرة:
- مالك في حد حصله حاجة؟
هبت واقفة وهي تقول بحزن:
- لا استريح.
قال بألم وكتفه يؤلمه:
- حد حصله حاجة؟ جاوبيني.
قالت وهي تستدير لتغادر:
- رعد تعيش أنت.
ألقت تلك الكلمات عليه وذهبت فبكى بكي وهو يتذكر كل لحظاته وأوقاته مع رعد. دلفت ريم ودموعها على خدها عندما رأت جرح كتفه.
أما لمار ذهبت باتجاه عائلة رعد. رآها فهد فاقترب راكضاً إليها وامسك بيدها وقال بصدمة:
- لمار بيقولوا رعد مات، قوليلهم إنه عايش.
هربت بعينها من عينه وصراخ مها وأيه ونورسين وبكاءهم يحرق قلبها. اقترب أدهم من فهد، حاوط كتفه ليجذبه بحضنه وهمس:
- ادعيله، هو في دنيا أحسن، هو شهيد عند ربنا. قالي حاجة أقولهالك، إن دي أول مرة يروح فيها مكان من غيرك.
رفع فهد دموعه الحارقة بوجه أدهم وقال:
- آه هو مش متعود يروح مكان من غيري، طب أنت عارف إحنا اتخلقنا سوا، إحنا مش عيال عم وبس، إحنا تربينا سوا وكبرنا سوا، كنا مع بعض في المرة قبل الحلوة، مكنش بنخرج غير مع بعض وتخرجنا مع بعض، حتى اتجوزنا في يوم واحد. “وقال بصوت عالي” وانت جاي دلوقتي تقولي إنه سابني؟
اقتربت لمار من مها لتواسيها على وفاة ضناها. ببطء كانت تخطي إليها. وقفت أمامها وقالت:
- شهيد والله شهيد في الجنة، ابنك مات رافع رأسه وساب اسمه معلم في قلب كل طفل وكل بيت. ابنك أنقذ أطفال كتير كانوا هيموتوا وياخدوا أعضاءهم ويرموهم بدون رحمة. ابنك شهيد، ابنك كان عايش بيعمل لآخرته مش لدنيته.
أحتضنتها مها بوجع وقلب مفطور محطم وظلت تصرخ. كانوا أخواته البنات رؤى، أسيل، وجني، يبكوا بدون توقف حتى نورسين وايه. أما جاسر فقد كان يجلس بصدمة وهدوء مخيف وجواره ريان وكنان وحازم.
لمار وأدهم ظلوا معهم لوقت الدفن، وها هو يخرج بذلك الكرب، لترفعه لمار معهم. حاول أدهم يمنعها إلا أنها أبت. رفعته وهي تتخيل الثلاث كروب الذي خرجوا أمامها في ذات اللحظة. كانت تمشي وهي دموعها تهبط. أما عائلته وحبيبة قلبه “ملك” فقد كان البكاء ووجع القلب حليفهم، إلا أن رب الأرباب ألهمهم الصبر.
بعد الدفن غادرت لمار لتذهب إلى منزلها بقلب مفطور حزين ومعها هاله، وتركت أدهم معه ريم بالمستشفى بعدما تم الدفن.
دلفت إلى غرفتها دون كلمة. أما بسنت فرجعت لمنزلها مع والدها بعد الدفن. أسرعت هاله خلفها ودلفت قالت ببكاء:
- لمار أنتي كويسة؟
ردت لمار بحده:
- اطلعي برا.
حاولت هاله جهدها كي تبقى ولكنها عجزت عن إقناعها. وقفت أمام التخت نظرت لـ “ورد” بحب وتدثرت بجوارها دون أن تبدل ملابسها، وكأنها شلت لا تستطيع الوقوف.
***
وقفت تلك السيارة لتهبط تلك الطفلة وبيدها هدايا كثيرة. نزل هو الآخر وهو حامل بيده أخاه الصغير. نظرت له بتزمر وبراءة:
- جو سيبه وتعال شيل معايا.
رد بتهكم:
- لا شيلي لوحدك.
قالت بحزن مصطنع:
- كدا برضو.
يوسف:
- أيوه شيلي بقا.
انحنت لتلتقط ذلك الحجر الخفيف والقته على رجله بحده فنظر لها بحمود:
- طب مش هشيل وخبطي رأسك بالحيط.
أما تلك الأم الواقفة تنظر إلى أطفالها بضحكة مع زوجها عز بحب:
- مش هيبطلوا نقر بحسهم ضرر في البيت.
ردت بسعادة:
- بس ميقدروش يتخلوا عن بعض؟
ابتسم لها وهو يضمها لحضنه:
- أكيد. إحنا ربناهم على المحبة فمهما يتخانقوا ثانية وتلاقيهم كان ولا حاجة حصلت. يلا بينا ندخل.
قالت لمار بغيرة:
- أنت بتحبه هو أكتر صح كدا؟
أخرج لها لسانه ليغيظها وقال:
- أيوه طبعاً، مش أنا اللي هربيه لازم أحبه أكتر. واستدار ليغادر.
أما هي احتضنت تلك اللعبة واسندت بظهرها على السيارة وجلست بحزن. استدار لها وجدها حزينة فعاد لها.
أحست بيده على خصلاتها. رفعت عيناها به ودفشت يده بقوة وتزمر، فقال بحب وهو يجلس لمستواه:
- يا بت مفيش في القلب غيرك، أنت هتبقي أمي وأختي وأغلى منه. وضمها بحب وهو يقول: والله خايف تكبري وأحبسك في البيت عشان ميجيش عريس يخطفك مني.
بعدت عنه وقالت وهي تتعمق النظر به:
- هتعمل إيه لو اتخطفت؟
يوسف:
- أهد الدنيا طبعاً.
انعدل ليمد يده لها:
- يلا ياستي هاتي الهدايا دي ويلا ندخل.
كاد بالولوج للداخل ولكن تصنما محلهما عندما رأوا الفيلا مظلمة. مسكت به بقوة وخوف. ظهر ذلك الضوء الخافت. ليكور يده يوسف بغضب وعينه تشع شرار. أما لمار اتسعت عيناها وظلت ترتعش بخوف وهي ترى ذلك الرجل الذي يضحك بهستيريا وهو ممسك برقبة والدتها ودبحها دون رحمة. أما والدها الذي امتلأ بالدماء صاح بهم ولكنهم تكاثروا عليه ليشلو حركته وذبحوه بلا رحمة. وعمها هارون ملقى على الأرض. حاولت أن ترى وجه ذلك الرجل إلا أنه كان يعطي لها ظهره.
جذب يوسف لمار خلف الحائط وامسك بيدها وقال بجدية وهو يعطي لها أخاها:
- خليه معاكي ومهما يحصل متطلعيش من هنا.
هزت رأسها بالنفي وعيناها تترجاه أن لا يتركها، ولكنه طمأنها بعينه وهب إليهم كـ الوحش وانكد عليهم وهزم عدد لا بأس به. تجمعوا حوله وطعنوه بسكين ليقع مغشياً عليه.
كادت أن تصرخ وهي متستعة العينين، إلا أنها أحست بتلك اليد على فمها تمنعها من الصراخ، وتلك التي جذبت أخاها منها وابتعدت. جذبها ذلك الصبي للخارج، سرعان ما رأت نفسها وسط الظلام ووجدت ببعض الرجال الذين يحاوطوها وتلك الضحكة التي ترعبها. نادت على زيد فلم يأتي ليساعدها. كانت ترتعش وتنتفض ونادت باسمه ولكنه لم يأت.
انعدلت لمار بجلستها وهي تلهث بقوة شديدة وتسارعت دقات قلبها. كانت تنعدل وهي تقول بصوت عالي:
- يوووووووسف!
فتحت عينها لتنظر جوارها فلم تجد. علمت أن ذلك الكابوس الذي يطاردها من صغرها سيظل ملازماً لها. ولقد لبى نداء قلبها، وكأن روحها طافت عليه لتفزعه. هب مزعوراً من نومه وهو يقول بصدمة:
- متخافيش يا لمار أنا جنبك. أنا هنا أهو، متخافيش.
صمت قليلاً ليعاود اتزان نفسه. هدئت أنفاسه. نظر لجواره وكأنه يتأمل أن يجدها. جذب كوب الماء ليرتشف منه القليل ووضعه مرة أخرى. دلف للتواليت ووقف تحت الماء البارد لعلها تطفئ نار قلبه، ولكن كيف لها أن تنطفئ وهي ليست بجواره. خرج بعد ذلك وبدل ملابسه. وقف أمام المرآة ببدلته السوداء لتزيده وسامة على وسامته. صفف شعره ونثر العطر على ملابسه. ونظر نظرة أخيرة لنفسه بالمرايا. جذب نظارته ومفاتيح سيارته وغادر منزله ليفتح له السائق باب السيارة وصعد بثبات وهيبة.
لمار كانت جالسة بنصف جلسة، مستندة برأسها للخلف بحزن رهيب وهدوء مخيف. استمعت لذلك الصوت الطفولي، مراراً وتكراراً. ذلك الصوت الذي يدعو لها تارة، وبالرحمة والمغفرة لرعد تارة أخرى، ولهاله تارة. استغربت لمار كمية الأدعية التي تقولها دون ملل. تنهدت تنهيدة طويلة وهبت واقفة، لتقترب منها. جلست لجوارها، على المصلى، وقالت بحب بعدما علمت الساعة:
- صاحية ليه الصبح لسه مطلعش؟
نظرت لها ببراءة وقالت:
- صحيت عشان أصلي قيام الليل.
ردت لمار بفرحة:
- بجد والله.
ورد بتزمر:
- ليه يعني مش مصدقة.
أجابتها بنفي:
- لا يا بنتي طبعاً. بس ادعيتيلنا كلنا من غير ملل، فإيه بقا.
ردت ورد بإجابة أذهلت لمار:
- هقولك ليه بدعي لكم كلكم، لأن أبي الدرداء رضي الله عنه قال لما سئل “ليس رجل يدعو لأخيه في الغيب إلا وكل الله به ملكين يقولان “ولك بالمثل” أفلا أرغب أن تدعو لي الملائكة” يعني أنا لما أدعي لك بيبقى فيه ملكين يقولون لي “ولكي بالمثل” فهمتيني.
ابتسمت لمار لها بحب ومسدت على شعرها.
هبت “ورد” واقفة وجذبت لمار لتقف وهي تقول:
- يلا قومي انتي كمان اتوضي وصلي.
رفضت “لمار” بشدة، ولكن تلك الطفلة لم تسمح لها بذلك، فتوضأت وصلاة. جلست فرأت ورد تنظر إليها بنظرات لم تفهمها. أشارت لها “لمار”:
- إيه مالك بتبصيلي كدا ليه؟
ردت بعد تنهيدة طويلة:
- قومي صلي.
رمقتها لمار باستغراب:
- ما أنا صليت.
هزت رأسها بالرفض.
فقالت لمار بصدمة:
- ما أنا يلا أهو، مصلية قدامك.
هزت رأسها بتأكيد.
فقالت لمار غاضبة:
- طيب امال إيه؟
ردت ورد بصدق:
- لأنك كروتي الصلاة وصليتي بسرعة وصلاتك مش مقبولة. لأزم وإنتي بتصلي تستمتعي بكل آية بتقوليها وتحسي معناها، لازم تكوني خاشعة بقلبك وجوارحك وروحك، لازم تحسي بالأمان والاطمئنان والسكينة، لازم تطولي في سجودك وإنتي بين إيدين الخالق.
هبت لمار واقفة بذهول تام من كلمات تلك الطفلة. وقفت وهي تنوي الصلاة كما شرحت لها فقالت:
- الله أكبر.
كانت تقرأ الفاتحة بخشوع وشعور لم تعتاده من قبل. انهمرت دموعها وهي حقاً تشعر وتفهم معنى كل آية ترددها. سجدت ولكن سجودها طال دون أن تشعر. طال لوقت طويل دون أن تشعر بالوقت. ولكن تلك السجدة قد أراحت وجع قلبها فأنهمرت دموعها لتغرق المصلى. رويداً رويداً ظلت تهدأ ولكن قلبها ظل يبكي. شعرت بالراحة والسكينة وبرودة قلبها. شعرت بالفرحة والسعادة وراحة كبيرة جداً. أنهت صلاتها. بعدما جفت دموعها.
نظرت لها ورد بابتسامة مشرقة تشع وجهها وقالت:
- ودلوقتي ارفعي إيدك وادعي واطلبي وسألي ربنا اثني عليه بثناء حسن كي يستجيب لك وكوني على يقين أن الله يستحي أن يرد يدك خائبة.
رفعت يدها لرب الأرباب ودعت ظلت تدعو بيقين وثقة. أن يفرج الله همها. ودعت لرعد. استقامت بوقفتها قائلة:
- ورد أنا عندي مشوار. ابقي طمني هاله عليا وخلي بالك من نفسك.
أومأت لها وعادت لصلاتها.
لمار أبدلت ملابسها وخرجت. لتصعد سيارتها وذهبت مقبلة على منزل أدهم. وقفت السيارة أمام العمارة لتهبط بارتباك وتوتر. ولكن هي بحاجة إلى والدتها “هدي” تلك الأم الحنونة. ولجت للداخل وصعدت كم درجة. وقفت عندما رأت إسماعيل أمامها فأبتسم بفرحة وسعادة طارت بقلبه لترفرف به بفرحة:
- لمار أنتي هنا يا حبيبتي وحشتيني وحشتيني أوي أوي.
رفعت لمار عيناها لتنظر إليه. ووجد الحزن متملك عيناها والوجع يكسو ملامحها الجميلة. رفع يدها على كتفها:
- مالك يا قلب أبوكي فيكي إيه؟
أحتضنته لمار بحب وهي تهمس بأذنه:
- وحشتني وحشتني اوي.
مسد على خصلاتها. وقلبه يؤلمه بشدة على وجعها فقال بعد ما تنهد بعمق:
- هروح أصلي الفجر، يلا اطلعي فوق.
أومأت برأسها له وصعدت الدرج. أما هو ظل يرمقها بحب ووجع حتى غابت عن نظره.
طرقات على الباب عدة طرقات. ففتحت لها هدي. تلاقت عيونهم في نظرة طويلة. بها العتاب والزعل. قرأتهم لمار في عيونها. فأحتضنتها بحب وهمست:
- محتاجاكِ أوي يا امي.
ذهب كل الحزن والعتاب التي كانت تكنه لها بقلبها فربتت على كتفها بحنان وجذبته للغرفة وأخذتها بحضنها لتنام. غفت لمار. ولج إسماعيل الغرفة بعدما أدى فرضه. قال وهو ينظر لهدي:
- نامت؟
أومأت له، فرفعت رأسها لتعدلها لها على الوسادة ودثرتها جيداً بالغطاء وخرجت من الغرفة مع زوجها.
فقال إسماعيل بقلق:
- هي مالها؟ قالتلك حاجة؟
هزت رأسها بالنفي:
- لا مقالتش. هروح أحضر لها لقمة تاكلها.
أشار لها أن تذهب. بعد قليل بتفيق لمار على هزة خفيفة لتزيح تلك اليد بتزمر:
- هوووف سيبني أنام يا هاله.
قال أدهم بصدمة وهو يأشر على نفسه:
- هاله؟ أنا هاله؟ طيب استنى عليا.
أمسك الإبريق ليفرغ منه بالكوب. سرعان ما سكبه عليها. لتقوم مفزوعة بسرعة كادت أن تقع على أثرها وقالت في ذات الوقت:
- في إيه؟ مين؟
تعال صوت ضحكاته الجذابة بالغرفة عليها وعلى منظر الماء الذي بل شعرها فزادها جمالاً.
لمار بغضب:
- متضحكش.
ازداد صوت ضحكاته لتمسك الوسادة وتلقيها عليه وهي تصيح به:
- في حد يصحى حد كدا يا غبي! اطلع برا.
أشار لنفسه بذهول:
- اطلع برا؟ أنا بطرد؟
اقتربت منه لتدفشه للخارج وهي تدفعه من صدره:
- يلا أدهم من هنا.
وقف قائلاً بابتسامة:
- اطلع اطلع، أنتي اللي خسرانة كنت جايب لك حاجة بس يلا اديها لأي بنوتة هخرج معاها.
هب ليرحل من أمام عيونها الفتاكة التي أشعلت نار. كاد أن يغادر فجذبته من ياقة جاكته وهي تقول بغضب:
- معلش سمعني، بنت مين اللي أنت عايز تقابلها؟
تصنع الخوف وقال:
- بنت؟ أنا جبت سيرة بنت؟
قالت بغضب وهي تنظر لعينه:
- متكدبش.
هدأت قليلاً لتقول:
- صح، إيه هو اللي مش هتديهولي؟
هز رأسه نافياً وهو يقول:
- لا لا مش هقولك خلاص.
اقترب منها لينحني بوجهه أمام وجهها بقرب شديد وهمس وهو ينظر لعيناها وملامحها بتأمل وتعمق:
- بس مكنتش أعرف إنك بتكوني قمر كدا أول ما تصحي.
ضربته بخجل على كتفه ودفعته بعيداً وقالت:
- يلا بقا قولي عايز كنت تديني إيه؟
شعر بحيائها، فنظر إليها بحب. أربكها أكثر، جذب من جيبه شوكولا. ليمسك بطرفها وهو يمرره أمام نظرها. فقالت بفرحة وهي تصيح كالطفلة:
- الله شوكولاتة.
اقتربت منه ركضاً وكادت أن تأخذها ولكنه أبعد يده وهو يقول بمزاح:
- لا مش هتاخديها.
لتقول وهي تحاول جذبها منه:
- هات بقا يا أدهم هخدها وربنا.
اقتربت منه رويداً رويداً. سرعان ما جذبته منه وركضت. ليلحق بها وتتعالى صوت ضحكاتهم. اتجهت للمطبخ لتختبئ خلف هدي وهي تقول:
- الحقي ابنك اتجنن.
هدي ضحكت:
- أدهم ملكش دعوة ببنتي ويلا اطلع بقا.
قال بتزمر:
- خارج أهو، اشبعي ببنتك.
جلست لمار على الطاولة بمرح وهي تأكل الشوكولاتة بتلذذ. رمقتها هدي بحب وقالت:
- عملت لك الأكلة اللي بتحبيها؟
قالت لمار بمرح:
- عملتيلي إيه؟
نظرت هدي إليها بعمق:
- تعالي بس رصي السفرة معايا وبعدين أقولك.
وقفت لمار لتأخذ منها الطبق تلو الآخر وتدعه على السفرة بينما باليد الأخرى الشوكولاتة. ضحك أدهم عليها وقال بتريقة:
- امسكي الطبق كويس، الشوكولاتة مش هتوه منك.
لكمته ببطنه وخطت كم خطوة وعادت أدراجها وهمست بأذنه:
- أنت جايب واحد بس؟
رفع حاجبه باستغراب وقال:
- أيوه طبعاً، امال أجيب المحل؟
همست بصوت منخفض:
- المفروض.
نظرت له قائلة بغضب:
- إيه البخل ده مش تجيبلي علبة أو علبتين؟ أنا كدا هغير رأيي.
كادت أن تذهب فأمسك بيدها وجذبها نحوه:
- هتغيري رأيك في إيه؟
فقالت وهي تنظر لعيناه:
- فيك، عندك مانع؟
فتراجع عن كلامه:
- أنا مقلتش حاجة، بقول إن جيبت لك علبة كاملة بجميع الشوكولاتات.
هزت رأسها له. وذهبت لتعد الطعام مع هدي. بعد انتهاء الطعام. ولجت هدي للمطبخ وبيدها طبق. وضعته أمام وجهها. نظرت لمار للطبق وصاحت بفرحة وعيناها تلمع:
- الله كل ده عشاني.
وجذبت الطبق وهمت بالأكل فوراً من كل أنواع الحلويات. ابتسمت هدي بفرحة على فرحتها البسيطة من أقل الأشياء وقالت:
- عملت لك بلح الشام ولقمة القاضي وصوابع زينب، كلهُم ها.
ابتسمت لها لمار بفرحة. فنظر أدهم لها وقال بتريقة:
- طب حتى اعزمي على اللي قاعد جنبك.
مدت يدها له بالطبق، مد يده ليأخذ وفي آخر لحظة جذبت الطبق إليها وهي تضربه على يده:
- الطبق ده ملكي أنا بس، خلي أمك تعمل لك.
تعال صوت ضحكاتهم عليها. أما أدهم فقد صفن بها بضحكتها وروح الطفولة وطريقة أكلها.
بعد مدة ذهبت برفقته لمنزل “جاسر” للعزاء ولكي تواسي مها والدة رفيقها.
بعد تأدية العزاء صعدت مع أدهم لكي يوصلها. نظر لها من المرآة فقال:
- هتعملي إيه النهارده؟
هزت رأسها:
- هشوف هاله وعمرو وبعد كدا هشوف أحمد. أنت هتعمل إيه؟
ابتسم بحب وصدق:
- ولا حاجة، هروح مكتبي وهتأمل صورة حبيبتي.
ابتسمت بخجل. وصل لمبتغاها قبل أن تهبط قال لها بحب وعشق:
- خلي بالك من نفسك.
ابتسمت وهي ترجع خصلات شعرها خلف أذنها لتتعمق النظر لعيناه لمدة وهو أيضاً. وكأن عيونهم لها لقاء خاص.
هبطت من السيارة لتدلف للداخل ولكنها شعرت بهدوء. شعرت بالقلق. ولكنها استمعت لصوت الندى الذي ترنم بصوت شجي مطرب لآذانها ليخترق قلبها ليفعل به فعل السحر أو أشد. ذلك الصوت الذي دلف حصون قلبها فهزه بقوة. ترنم ذلك الصوت ليخترق قلبها كـ السهم. ما هو ذلك الصوت؟ ما المخبأ لها؟ ما مصير كامل مع زيد؟
يتبع…
رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ندى ممدوح
هبطت من السيارة لتدلف للداخل ولكنها شعرت بهدوء، فأحست بالقلق. ولكنها استمعت لصوت الندي الذي ترنم بصوت سجي مطرب لآذانها ليخترق قلبها ويفعل به فعل السحر أو أشد. ذلك الصوت الذي دلف حصون قلبها فهزه بقوة ليعيده للحياة. وتلك الكلمات أهدته السكينة بشغف.
ترنم ذلك الصوت ليخترق قلبها كسهم، فأغمضت عينها باستمتاع وهي تستمع لتدخل كل كلمة إلى شغاف قلبها. أحست بارتياح لم تعتاده من قبل، أحست أن قلبها قد رحلت منه الهموم والأوجاع.
خطت للداخل فلم تجد أحد. ولجت إلى غرفتها لتجد هالة جالسة وبجوارها عمرو وورد تقرأ القرآن بصوت هادئ وجميل يبث السكينة والهدوء والراحة بالقلوب. سارت على أصابع قدمها بخفة لتجلس لجوارها وهي تستمع لها بحب وارتياح وأمان. شعرت بمشاعر لم تعتدها من قبل، فهبطت دمعاتها بصمت وخوف وندم وحزن وحب وهي تستمع لها.
أما ورد فقد كانت تقرأ بصوتها الرقيق بخشوع تام وقلب سليم. انتبهت للمار فأغلقت المصحف وهي تقول:
"صدق الله العظيم."
فنظرت لها بابتسامة مشرقة:
"لمار أنتي جيتي؟"
نظرت لمار بحب:
"آه، صوتك حلو يا حبيبتي. مين بقا معلمك كل ده؟"
أجابت مسرعة بفرحة:
"جدو حبيبي."
اختفت ابتسامة لمار بحزن شديد، أبعدت عينها عنها. أحست ورد بتغير ملامحها فاقتربت منها وهي تمسك بيدها:
"لمار هترجعيني أمتي عند جدو؟ هو وحشني جداً. وأنا سيباه لوحده. ياتري مين بيهتم بيه؟ واكيد هو قلقان عليا؟"
صمتت لمار بحزن لم تدري كيف تجيبها. كيف لها أن تحزن تلك الطفلة البريئة.
وقفت ورد أمامها ورفعت وجه لمار:
"هاااه؟ هتوديني النهارده؟"
أغمضت لمار عينها لتهرب من عينها:
"حبيبتي مينفعش ترجعي هناك."
ردت ورد مستغربة:
"ليه؟ أنا جدو هناك وعايزة أروحه؟"
لمار:
"جدك... ااا... جدك..."
"تعيشي أنتي."
أغمضت لمار عينها ظنت منها أنها ستبكي وتحزن وتحمل هماً. أما هالة فقد نظرت لها بشفقة.
لم تسمع لمار بكاءها ففتحت عينيها لترفعهم بها وجدتها واقفة تردد برضا:
"إنا لله وإنا إليه راجعون. الحمد لله، الحمد لله."
نظرت لمار وهالة لبعضهما باستغراب.
لمار بحيرة:
"أنتي مش هتبكي؟"
ردت ببراءة:
"أبكي ليه؟"
فردت هالة بزهول:
"على جدك؟ مش هو اللي مربيكي؟"
فردت ورد رد صدمهم من تلك الطفلة:
"لا طبعاً مش هبكي. ربنا خد أمانته، أنا مين عشان أعترض. هو راح لمكان أحسن بكتير من هنا. ومينفعش أبكي عليه عشان ميزعلش جدو مني. هو قلي لما أموت متبكيش عليا."
ذهبت من أمامهم لتفرد المصلية وتسجد وظلت تدعو لجدها مراراً وتكراراً وهي ترجو له الرحمة والمغفرة، وتسأل ربها أن يرزقه الفردوس الأعلى. ظلت تسأله له مراراً كثيرة. ظلت تدعو من صميم قلبها بالعفو والمغفرة والرحمة وتسأل له الجنة. فتخيلت جدها وافتكرت كلماته وكما كان يعلمها الصلاة وقراءة القرآن، وقصص الصحابة. كيف علمها الحياء والأخلاق والاحترام والأدب. وظلت تبكي ليس لأنه توفي أو ذهب لدار الحق، دار الأحباب. بكت شوقاً وحنيناً إليه فقد كان هو الوحيد الذي لها بتلك الحياة. افتكرت كيف كان يدعو لها، فمن سيدعو لها بعد رحيله. فبكت بقوة وصوت شهقاتها تعلو.
أقتربت لمار لتجلس لجوارها بحزن فهي تشعر بها وبمعاناتها. ربتت على كتفها، لترفع ورد رأسها وعانقت لمار بقوة وتمسك وهي تبكي.
بعدت عنها لمار لتحتضن وجهها وقالت:
"متبكيش تاني. هو بمكان أحسن من هنا فمتبكيش؟"
فردت ورد ببكاء:
"جدو وحشني أوي. أنا بقيت وحيدة؟"
وضعت فوراً لمار سبابتها على فمها وقالت:
"أي وحيدة دي؟ من اللحظة دي وأنا أمك وأختك وصحبتك وكل حاجة. إحنا أهلك؟"
عانقتها ورد بحب وهي تقول:
"أنتي مش هتسبيني؟"
فردت لمار بتأكيد:
"أبداً، أبداً، أبداً."
بعدت عنها ورد وجلست جوارها، وعيناها ذرفت الدمع بغزارة.
فقالت لمار:
"أنتي مش قولتي أنك مش هتبكي؟ بتبكي ليه بقا؟"
نظرت ورد بعينيها المليئة بالدمع:
"ببكي لأن هو هيوحشني أوي."
لمار مسدت على خصلاتها بحنان، وقبلتها من جبينها بحب.
لمار:
"مش يلا تروحي تشوفي أحمد؟"
لمار استدارت لهالة:
"آه صح فكرتيني."
هالة:
"هاتيه النهارده يتعشى معانا؟"
لمار:
"اكيد هجيبه. بس في ناس كمان هتيجي؟"
هالة باستغراب:
"مين؟"
لمار:
"عمو إسماعيل. يلا همشي أنا. خلي بالك منهم؟"
هالة:
"في عيوني. خلي بالك من نفسك."
لمار ودعت ورد وجاءت أن تودع عمرو ولكنه لم يجيبها فرحلت.
ريم كانت جالسة تقرأ إحدى الروايات. أما أحمد فقد كان يجلس بملل.
رمقه بغضب وقال:
"مقربتيش تخلصي قراءة؟"
ردت دون أن تنظر له:
"ليه؟"
قال بغضب:
"زهقت يا ريم من القعدة لوحدي. طب تكلمي معايا؟"
ريم ابتسمت بمكر وأجابت دون النظر إليه:
"مينفعش يا أحمد، عايزة أخلص باقي الرواية أصلها مشوقة."
توعد لها بذاته قال وهو يرمقها بخبث:
"يعني الرواية أهم مني؟"
فردت وما زالت عينها مثبتة بالكتاب:
"بالظبط كده."
أحمد بهمس:
"ماشي يا ست ريم."
استمع لطرق الباب، وولجت الممرضة بابتسامة جميلة ورقيقة.
أقتربت من أحمد وهي تقول:
"صباح الخير. عامل ايه دلوقتي؟"
أحمد بلطف:
"صباح الفل على القمر اللي هل. الحمد لله تمام."
أما ريم فرفعت رأسها لترمق الممرضة بنظرات نارية، وتملكتها الغيرة. وكادت أن تحرقها فقالت بغضب:
"شوفي شغلك بسرعة لأننا ماشيين."
أما الممرضة فقد كانت تتأمل في أحمد ولم تستمع لها مما أغاظ ريم بشدة. فأقتربت بكرسيها لجوارهم وهي ترمق أحمد بنظرات قاتلة.
الممرضة:
"جيت أغيرلك على الجرح."
أحمد بمكر وهو يرمق ريم ويكبت ضحكته بصعوبة:
"الجرح وصاحب الجرح تحت أمرك."
أقتربت منه لتفتح أحد أزرار قميصه. جاءت أن تمسك بأيده. أمسكت ريم بيدها وقالت:
"روحي انتي. أنا هغيرله."
الممرضة:
"بس يا فندم مينفعش."
ريم بغضب:
"بقولك روحي بدل ما أولع فيكي وفيه دلوقتي."
الممرضة نظرت لأحمد فأشار لها على الباب. خطت كم خطوة ووقفت على صوت أحمد:
"مقولتليش اسمك أيه ورقم تليفونك؟ عشان لما أحتاجك يعني."
الممرضة همست له وهي تنظر لريم التي تكاد تحترق:
"شهد."
فصاحت بها ريم:
"اياكي بقا تيجي هنا تاني فاهمة."
الممرضة ضحكت وأومأت برأسها وغادرت.
رمقت ريم أحمد بغضب قاتل وعيون كالجحيم.
فقال بضحكة:
"أيه يا ريم يا حبيبتي في أيه؟"
ريم أقتربت أكتر بكرسيها:
"كنت بتقولها عايز أيه؟ معلش أصل مسمعتش يا خويا."
أحمد بصدمة:
"أخويا؟"
لكمته ريم بقوة على قدمه:
"متحورش يا أحمد."
فقال بنفي:
"أنا مقولتلهاش حاجة. انتي سمعتيني قولت لها حاجة؟"
أستدار وهو يعطي لها ظهره وهو يقول:
"يلا بقا غيريلي على الجرح."
جاء أن يفك أحد أزرار قميصه. فقالت بخجل:
"أنت بتعمل ايه؟ يخرب بيتك."
فأجاب بتريقة:
"يعني بعمل ايه؟ مش هتغيريلي على الجرح؟ وبعدين عايزة تخربي بيتنا قبل ما يتبنى ليه؟"
مدت يدها على كتفه:
"لا ما الجرح في الكتف فمتهزرش."
تعمدت أن تضغط مكان الجرح فتأوه بألم شديد فقالت:
"أحسن عشان تعاكس البنات تاني."
أبعد يدها بغضب طفولي:
"بس بس اوعي كدا. انتي وحشة. أنا عاوز البنت الحلوة التانية."
فقالت بغيرة شديدة:
"طيب هجيبهالك. ما هي أحلى مني. وياتري بتعرف كم وحدة غيرها وبتكلمها؟"
أحمد:
"كتيرررر. متعديش."
ريم بحزن:
"آه طيب ربنا يزودلك فيهم. هو أنت محبتنيش؟"
أحمد بدهشة:
"أنتي لسه بتسألي يا ريم؟"
ريم بحزن وغيره:
"يعني أقولك ايه؟ ما انت عاكستها قدامي. لو كنت حبتني مكنتش هتبص لواحدة غيري. بس أصلاً هتحب واحدة مشلولة ليه؟"
أستدار بغضب وصاح بعصبية وصوت مرتفع:
"تاني أم الحوار ده؟ أيوه يا ستي مش بحبك واكيد مش هتجوز واحدة مشلولة."
ترقرق الدمع في عيونها ونظرت إليه بصدمة. أعاد ثباته وهدء من روعه. أقترب ليحضن وجهها بيده السليمة وقال بحب:
"يا بت متزعليش. مش قصدي. انتي نرفزتيني. وبعدين بقا البنت دي تغيري منها؟ طب انتي أحلى منها بكتير وعيوني مش بتشوف غيرك. وقولتلك مليون مرة أنتي ملكي أنا وبس مش هتكوني لحد غيري. أنا كنت بس بغيظك عشان كنتي بتقري في الرواية ومردتيش تكلميني."
دفعت يده بقوة وأبعدت وجهها للجهة الأخرى:
"لو سمحت حضرتك أيدك متقربش مني تاني."
أحمد:
"ريم مقصدش أزعلك صدقيني. أنا أسف."
لم تجبه ولم تعطيه أي اهتمام. فكر قليلاً سرعان ما أمسك كتفه بألم وتأوه بشده. فأقتربت منه مسرعة:
"أيه؟ مالك؟ أيدك وجعاك؟ أندهلك الدكتور؟"
فقال بخبث:
"لا لا. بس أنتي غيريلي على الجرح وهبقى كويس."
أقتربت منه لتمسك بيده ولكنها شعرت بتزايد دقات قلبها بشدة. فبعدت يدها بخجل وقربتهم مرة أخرى. ألتقت يدها بحب وطبع قبلة رقيقة وقال ببسمة عاشقة:
"ربنا يخليكي ليا."
غمرها الخجل لتحمر وجنتيها. بعدت عنه مسرعة عندما استمعت لصوت لمار الغاضب:
"أيه اللي بيحصل؟ بتعملوا أيه انتوا الاتنين؟"
بعدت ريم بخضة. أما أحمد مسك الوسادة وألقاها عليها بحده:
"أيه اللي جابك دلوقتي؟ يلا أمشي."
تلقتها ومضت إليه لترفع إحدى قدميها على التخت بجواره وقالت:
"تصدقي اني غلطانة. جايه أشوفك. أبقي شوف مين هيرحمك من تحت إيدي في التدريبات. دا أنا هنفخك."
رد بتلقائية:
"رعد هيحوش عني."
حلل تلك الكلمة سرعان ما تملك ملامحه الحزن وهو يترحم عليه.
فقالت لمار بهزار:
"والا بس بس متزعلش. مش هعمل حاجة."
نظر لها مطولاً كيف تخفي وجعها فقال:
"فهد كويس."
لمار باطمئنان:
"آه يا حبيبي متقلقش."
أرادت أن تهرب من وجعها على موت رفيقها فقالت:
"هروح أشوف الدكتور وهخلص الأوراق وهاجي عشان نمشي."
مالت عليه قليلاً وقالت:
"وتلم وملكش دعوة بالبنت. ماشي؟"
أجاب ببراءة:
"هو أنا جيت جنبها؟"
رمقته لمار بتريقة. ونظرت لريم:
"خلي بالك منه. ماشي؟"
أومأت لها ريم.
كانت بسنت في طريقها إلى المستشفى ولكن توقفت السيارة مصدرة صوت قوي. ضربت مقود السيارة بغضب:
"يوووه. مش وقتك تتعطلي دلوقتي."
تنهدت بعمق وهبطت منها. ركلتها بقدمها وقالت بحزن:
"ليه كدا يا حبيبتي بس؟ ليه يعني ملقتيش غير هنا وتقفي؟ أعمل ايه أنا بس؟"
وقفت تحت الشمس المحرقة، وهي تحاول إيقاف سيارة ولكن لا حياة لمن تنادي.
وقفت سيارة بها بعد الشباب وهم يهتفون بسعادة فقال واحداً منهم وهو يخرج رأسه من النافذة:
"عايزة تروحي فين يا جميل واحنا نوصلك لأي مكان عايزة؟"
تهجمت ملامحها بالغضب وقالت بصوت غاضب:
"أمشي من هنا أحسنلك."
هبطا من السيارة واقتربا منها.
"طب يرضيكي نمشي ونسيب القمر لوحده؟ تعالي وأحنا نبسطك."
"تعالي متتكسفيش وعربيتك هنصلحها."
حاولت تهدئة نفسها. سرعان ما اقتربت منهم ولكمة أحداهما بقوة. والاخر جاء أن يمسكها فمسكت يده وكسرتها. ضربتهم ثلاثتهم فهرولوا من أمامها ركضاً. وضعت يدها بخصرها وقالت:
"يا ربي أي اليوم ده؟ ناقصاهم أنا."
استمعت لصوت ضحكات تعرف لمن جيداً فنظرت وجدت زيد على الدراجة النارية وبيضحك. نظرت له بتذمر قائلة:
"بتضحك ليه أنت كمان؟"
أجابها بضحكة وهو يهبط من دراجته:
"أصلي مش عارف أيه الحظ الوحش ده؟ كل ما أشوفك ألاقي في مشكلة."
فقالت بغيظ:
"وأنا مش معايا مشاكل."
زيد وهو واقف مقابل لها:
"والله؟ طب والعربية العطلانة دي؟ دا غير الشباب بقا وكدا."
فقالت:
"ضربتهم. اسكت بقا وبلاش تريقة."
زيد:
"مش بتريق بس في حاجة غريبة."
نظرت له باهتمام فاكمل:
"انهاردة ضربتهم من غير خوف. مش غريبة دي؟ لا والمصيبة من غير بكي كمان."
تلقت ذلك الحجر من الأرض وألقته عليه بقوة بغيظ:
"أسكت بقا. أنا مش ببكي ومش بخاف."
زيد صوت ضحكاته مرتفعة:
"والله؟ طب أحلفي كده."
رفعت سبابتها أمام وجهه قائله:
– متكلمنيش تاني فاهم يا بارد.
وغادرت وهي تمشي بسرعة كبيرة بغيظ.
تمتم بذاته:
– طفلة طفلة مفيش كلام.
أشمر عن ساعديه وشغل دراجته النارية ورحل خلفها.
مشي موازياً لها ببطء وقال بضحكة:
– اركبي يا مجنونة؟
صرخت بطفولة وقالت:
– أنا مش مجنونة؟
أوقف دراجته ليسحبها من معصمها فأصطدمت في جسده العريض.
ظل يتأملها بعشق وهي أيضاً.
تمتمت بخجل وبعدت عنه.
صعدت خلفه وهي تستند على كتفيه.
مما زاد دقات قلبه وانطلق مسرعاً بها وهو يخطف النظرات إليها.
كانت خائفة بشدة وممسكة به.
فهمس لها:
– خايفة؟
فأجابت بتلقائية دون أن تشعر:
– يعني شوية بس مش بخاف وانت.
أحست بما كانت ستتفوه به ففضلت الصمت.
شعر بمشاعر متلخبطة، أراد أن يخبرها أن تكمل جملتها فقال:
– مش بتخافي وأنا إيه؟ كملي.
فقالت بتهتهة:
– ولا حاجة.
– رايحة عند أحمد صح؟
– آه وأنت؟
– آه.
ريم أقتربت من أحمد بقلق وسألته:
– أحمد هو أنت عايش لوحدك؟
فأجابها:
– آه.
– بس مين بيهتم بيك ومين بيغسلك ومين بيطبخلك؟
أجاب ببساطة:
– عادي أنا بعرف أطبخ وأحياناً بجيب من برا.
قطع حديثهم ولوج لمار للغرفة وهي تقول:
– افرح جبتلك إذن بالخروج.
أحمد تنهد براحة:
– أخيراً هطلع من المستشفى دي.
– اه أخيراً بس هنيجي تاني؟
– مشيني مشيني من هنا وبعدين نشوف حكاية الرجوع هنا تاني.
دلفت بسنت وهي تقول:
– أي ده انتوا كلكم هنا وأنا لأ؟
– يا أختي قولي عامل إيه الأول.
بسنت أقتربت من لمار وهي تعانقها:
– وحشتيني أوي.
– متشوفيش وحش ما أنا يلا سيباكي مليش يوم.
– وحشتني برضو.
استدارت لريم وصافحتها.
أقتربت من أحمد:
– أبو حميد عامل إيه دلوقتي.
أحمد بغيظ:
– إيه أبو حميد دي يلا يا بت من هنا.
دلف زيد.
استدارت لمار لتعانقه بحب واشتياق وهو كذلك.
أم أحمد فاستقام بوقفته وذهب باتجاهه وقال بأسف:
– زيد بجد أنا آسف على كل كلمة قولتها.
نظر للمار بصدق.
ربت زيد على كتفه وقال:
– مفيش اعتذار بين الإخوات وأنا لو كنت زعلان مكنتش هاجي.
عانقه أحمد بحب.
فأقتربت بسنت قائلة بتزمر:
– ما أنت بتكلم الكل كويس أهو، امال شمعنا أنا؟
نظر إليها بابتسامة سحرتها وقال:
– لأني طفلة.
– ياربي منكم يلا قدامكم بس خمس دقايق وتكونوا تحت وإلا هسيبكم وأمشي.
اتجهوا للأسفل راكضين.
أما هي أقتربت من بسنت لتأخذها وتذهب بها.
هالة تركت عمرو وورد وذهبت لتجلب بعض الطلبات.
بعودتها بالدخول للعماره فأصطدمت به فقالت دون النظر إليه:
– أنت أعمى يا عم مبتشوفش يا غبي مش تفتح دا أنا هوريك دا أنت يومك أسود أنهارده وربنا لحبسك.
– بس بس أي ده كله اهدي ببورة غاز اتفتحت في وشي مش قصدي يا ستي.
رفعت هالة نظرها فوجدت إيهاب.
نظرت بشيء من اللاوعي وقالت:
– إيهاب مش قصدي مكنتش أعرف أن أنت.
وعدلت من نظارتها.
فقال هو ضاحكاً:
– لا لا عادي ولا يهمك بس ابقي خدي بالك بقا.
شعرت بشيء من السخرية في حديثه.
– أنت تقصد إيه بكلامك وبعدين انت اللي طلعت في وشي المفروض تنتبه أكتر.
أجاب وهو يكتم ضحكته:
– قصدي يا أم كشافات إنك تخلي بالك وانتي ماشية لان لو حد غيري مش هيعديهالك.
شعرت بالغضب فلم تدري ماذا تفعل فدفعته بقوة من أمامها ورحلت.
أستند بيديه على الحائط وهو يضحك على مظهرها.
وبعد ذلك صمت بابتسامة عاشقة وهو يشعر بشيء ما في قلبه.
فتأكد حينها أن تلك الفتاة دقت حصون قلبه لتدخل وتسكن به.
فتمتم بذاته:
– بقا يا إيهاب تعيش وسط الخواجات وشيء أحمر وشيء أصفر وفي الآخر قلبك يحب دي.
هز رأسه ورحل بطريقه إلى وجهته.
ولج مايكل مكتبه بتعب وإرهاق شديد وخلفه إحدى الممرضات.
تمدد على الأريكة بإرهاق وأغمض جفنيه.
– حضرتك تريد شيئاً د/ مايكل.
أشار لها بيده بالذهاب:
– ابعثي لي قهوة بس مع الدكتورة حبيبة إسماعيل التي جاءت من القاهرة.
أجابته باستغراب:
– يا فندم هذه الدكتورة لم تأتي إلى هنا أنا سأجلبها لك.
رمقها بنظرة نارية فذهبت مسرعة من أمامه.
أغمض جفنيه بغموض وهو يحادث نفسه:
– جه الوقت اللي هشوفك فيه.
وألعب لعبتي.
وابتسم بمكر.
ذهبت الممرضة وأخبرت حبيبة بما يريده.
فقالت:
– يعني إيه أوديله القهوة هو مفكر نفسه مين.
وبعدين أنا مش خدامة عنده أنا هنا دكتورة روحي بقا وفهميه الكلام ده.
أجابت ممرضة مصرية بخوف:
– يا د/ حبيبة اتقي شره وروحي وديهاله.
فردت حبيبة:
– لا يعني لا عندي مريضة هروح أطمن عليها.
جذبت إحدى الملفات ورحلت.
ولكن بداخلها تريد أن تعرف من ذلك مايكل ولما الكل يهابه، يكفي سماع اسمه ليصاب الجميع بالخوف والفزع.
ذهبت إحدى صديقاتها خلفها ونادتها.
استدارت لها وهي تربع يديها أمام صدرها:
– ها يا ستي.
وبتحذير.
– أياكي تقوليلي زيهم بقا وبعدين شمعنا أنا عايزني دي أول مرة من لما جينا هنا.
فردت الأخرى:
– يا حبيبتي مش هتخسري حاجة كنتي ودتيها وخلاص أنا خايفة عليكي.
وبعدين مش هو ده الدكتور اللي كنتي تتمني تشوفيه وتقولي إنه أحسن دكتور في العالم وتتمني تكوني زيه.
ردت حبيبة بنفاذ صبر:
– أيوه ده رأيي فيه وفعلاً أتمنى أكون دكتورة متفوقة شاطرة زيه بس ده ملوش دخل ب ده.
ودلوقتي عن إذنك عندي شغل.
أما مايكل، ولجت الممرضة بخوف وهي ممسكة بكوب القهوة بيدين مرتعشتين.
وضعتها من بين يديها على الطاولة.
واطمأنت أنه نائم لتذهب مسرعة دون يراها ويسألها.
وقبل أن تغادر فتح جفنيه.
ليعتدل بجلسته وهو يشعر بالدوار الشديد وقال بغضب:
– أنا مش قولت حبيبة هي اللي تجيب القهوة.
فأجابته بخوف:
– هي رفضت أن تأتي بها.
جذب الكوب ليلقيه أرضاً بغضب جامح:
– اطلعي بره.
انتفضت من صوته وهرولت مسرعة للخارج.
شدد على خصلات شعره بغضب فمن هي لترفض طلبه.
دوى صوت هاتفه معلناً عن اتصال من "عدنان" صديق عمره.
– مايكل جايب لك أخبار انهارده انما إيه.
أجاب بحدة:
– أخلص.
– ديف ناوي ينزل القاهرة وشكله ناوي على حاجة.
واتجن من لما عرف أن كامل ماسكته لمار وشكله كدا هينزل عشان يهربه أو يبعت حد يقتله.
رعد اتوفى في العملية امبارح.
وأحمد اتصاب بدل لمار.
بس دي الأخبار اللي عندي تؤمرني بإيه.
رفع عينه المميتة قائلاً:
– اللي قتل رعد يكونوا عندي انهارده قبل بكرة.
– بس رعد بالفعل خلص عليهم قبل ما يموت لأنه كان بينقذ الأطفال.
ردد قائلاً:
– تمام متعملش حاجة غير لما أقولك.
وأغلق فوراً.
ليلقي بالموبايل من يده ويتمدد بتعب بادٍ على وجهه.
حبيبه بمكتبها تضغط على إحدى الأزرار.
لتولج إحدى الممرضات قائلة:
– نعم د/ حبيبة.
حبيبة بتجذب بعض الملفات وتمد يدها بهم لها:
– كنت عايزة إنتي تودي الملفات دول للمدير.
الممرضة بخوف:
– لا لا حضرتك هو متعصب انهارده أعذريني.
بعد إذنك.
وغادرت.
أما حبيبة فنظرت لها باستغراب شديد وتمتمت:
– مفيش فايدة شكلي أنا اللي هوديهم.
وأشوف مين الشخص ده.
اللي اسمه بيرعب المستشفى كلها.
هبت واقفة لتغادر مكتبها.
وسألت عن مكتب المدير وتوجهت إليه.
وقفت أمام الباب بخوف وتردد.
تحلت ببعض الشجاعة ودقت على الباب عدة طرقات.
فلم يأتيها أي صوت أو إذن بالدخول.
فعادت لتطرق كذا مرة دون جدوى.
فقالت بذاتها:
– يبدو أنه مش موجود يلا هرجع وقت تاني.
أستدارت لتغادر ولكنها وقفت بتفكير.
ووصلت لحل بأن تدلف وتضع الملفات وترحل وهو يراهم عندما يأتي.
فتحت الباب لتدلف وأغلقته خلفها.
وعينها جابت المكتب الذي لم توصل لنهايته أو بدايته.
أدهشها لونه الغامق.
ولكن أعجبها زخرفته النادرة.
تسللت بخفة للداخل لتضع الملفات من يديها على الطاولة.
كادت أن تغادر ولكن انتبهت لأحد نائم على الأريكة.
تسللت بخفة لتقف أمامه وعجبها شكله لم تستطع السيطرة على عيناها التي تأملته بهيام.
فحادثت ذاتها عندما أحست أنها رأته من قبل:
– أنا شفته فين قبل كده.
فين يا حبيبة فين.
فكرت قليلاً فصاحت بتذكر:
– أيوه افتكرت هو نفسه اللي كان جنبي في الطيارة.
رأت ملامحه محتقنة بالتعب شديد.
أستدارت لتغادر بتفكير.
وصلت عند الباب وكادت بالخروج ولكن لم يطاوعها قلبها فشكله وملامحه توحي أنه مريض.
أقتربت منه لتضع يدها على جبينه سرعان ما أبعدتها سريعاً وهي تقول:
– يا الله حرارته مرتفعة جداً.
ذهبت وأحضرت الدواء.
فحقنته بحقنة بوريده وهي معجبة بجسده الرياضي الذي لم تر مثله من قبل ومعالم وجهه الرجولية.
وجدت أن الحرارة لم تهبط بعد.
فوقفت وهي تتلفت حولها من ذلك المكتب الذي لا يوجد له نهاية لم تدري ماذا تفعل فانتبهت لتلك الثلاجة الموضوعة جوار مكتبه.
أسرعت لتحضر ماء بارد وظلت تعمل له كمادات لوقت طويل دون ملل.
أستغفرت ربها كثيراً لأنها سمحت لنفسها بالنظر إليه.
جذبت ذلك الشريط وجذبت منه برشامة وجذبت كوباً من الماء.
فكرت كيف ستعطيها له.
فحاولت أن تعدل بجلسته.
حاولت رفعه فلم تستطع لضخامة جسده الصلب.
رفعته بصعوبة وجهد كبير لتجلس خلفه.
كي لا يرجع للنوم مرة أخرى.
كاد بالوقوع منها فأمسكت به بقوة.
أدى ذلك لجعله يفيق.
فتح جفنيه فشعر بيديها تحتضنه.
نظر لها بعيناها الساحرة فتسارعت نبضات قلبها وحقا أقسمت أن عيناها لن تجد مثلهم أبداً.
ناولته كوب الماء وساعدته على أخذ البرشامة.
أعدلت رأسه ووقفت سريعاً قاسّت له الحرارة وجدتها اختفت فحمدت ربها.
كادت أن تخرج ولكنها تصنمت محلها عندما مسك يدها.
أستدارت له لترمقه بغضب قاتل ودفشت يده بقوة.
هب واقفاً بعدما استعاد ثبات نفسه وقال وهو يشير لها:
– بتعملي إيه هنا.
أجابت بدفاع وبراءة وهي تخفض نظرها:
– كنت جايبه لحضرتك الملفات.
ظل يتقدم منها وهي تبعد:
– جايبة الملفات تحطيهم وتمشي مش تفضلي في مكتب شاب قاعد لوحده أعترف أني حلو وعادي يعني ف شوفي حجة غير الملفات.
أصطدمت بالحائط.
ليحاصرها بين يديه وعينه تجوب على ملامح وجهها البريئة والبسيطة:
– هاااا مقولتيش جاية ليه.
لتترقرق الدموع بعيناها بخوف وهي تعلم ما يملي إليه وظنه بها فدفعته بقوة وصرخت به ببكاء:
– أنا مش وحدة زي اللي أنت تعرفهم وقبل ما تتكلم عني نص كلمة فأنا أشرف منك.
يا أستاذ يا محترم أنا فعلاً جيت أديك الملفات ولقيتك سخن وكنت بتخرف واديتك علاج وعملتلك كمادات دا بدل ما تشكرني.
هو يعلم جيداً أنها صادقة ولكن ماذا يفعل.
تعمد فعل ذلك حتى تترك الشغل وتعود.
وضع يده بخصره تألم لدموعها وقال:
– اطلعي يا حبيبة من هنا.
نظرت له باستغراب قائلة:
– أنت تعرف اسمي منين.
فقال بجمود ونبرة محذرة:
– اطلعي من هنا وإلا متلوميش غير نفسك.
وصاح بصوت عالي:
– أخرجوك.
كادت أن تغادر فوقفت على صوته.
– اعملي حسابك بعد ساعة هتحضري معايا اجتماع في الفرع التاني.
غادرت صافقة الباب خلفها بعنف.
جلس على مكتبه وهو يقول:
– أفهمها إزاي دي وأقولهالها إزاي.
تنهد بعمق فجذب الملفات وشرع في إكمال عمله.
ظل يعمل لوقت طويل فألقى القلم من يده واستند برأسه على حافة المقعد.
رفع يده لينظر بساعته فهب واقفاً وجذب مفاتيحه ونظارته وثبتها على عينه.
سأل عنها وذهب لها.
دلف دون أن يطرق فوجدها جالسة مستندة برأسها على الطاولة ومنهمرة دموعها.
قال بنبرة مخيفة:
– عندك بس ربع ساعة وألقيكي تحت.
وغادر صافقاً الباب خلفه.
انتفض جسدها من صوته فتمتمت باستغراب:
– يارب ماله ده كمان بيعاملني كدا ليه وأنا ليه خايفة منه كدا.
عدلت من حجابها وذهبت مسرعة.
رأته مستنداً بجسده على سيارته بجاذبيته.
رآها فصعد سيارته بالخلف.
فتوجهت هي لتصعد بالإمام فصاح بها:
– اطلعي هنا.
لم تعطيه أي اهتمام وصعدت بمكانها.
كاد أن ينفجر من غيظه فظل يرمقها بنظرات حارقة ولو كانت النظرات تحرق لاحرقتها لا محالة.
وصلا ليهبط من سيارته ويصعد تاركاً إياها.
فهرولت خلفه شبه راكضة.
دلفا للاجتماع سوياً فجلس هو بالمقدمة وهي جواره.
بدأ الاجتماع وأبتدأ يشرح عمله وهي معجبة أكثر وأكثر بشخصيته وذكائه والأكثر حضوره الطاغي.
أنهى الاجتماع ورحل بغضب.
وهي خلفه تكاد أن تتعثر.
رآه السائق فهبط وفتح له الباب فأغلقه وهو يقول:
– اذهب أنت أنا هسوق.
كادت أن تجلس بالخلف فصاح بها:
– أنا مش السواق بتاعك اطلعي.
خافت من نظراته، فركبت جواره بخوف شديد.
أهداها بعد الملفات وأمرها أن تخلصهم اليوم.
وصلا إلى وجهتهم، فرحلت هي راكضة إلى مكتبها وأغلقت الباب بقوة.
ظلت تتنفس بصعوبة، وكأن الأكسجين قد نفذ.
ها قد عاد.
جلست وهي تقول بخوف:
"خليني أخلصله الملفات دي بسرعة ليموتني. إيه ده يا ربي؟ مش وعي الإنسان ده أبداً."
ظلت تعمل لوقت طويل على الكمبيوتر حتى أنهت كل شيء.
تنهدت براحة:
"الحمد لله خلصتهم. أروح أخبره وأطمن على المرضى وأمشي."
كادت بطريقها إلى مكتبه، فوقفت جنب النافذة وهي تراه محتضن إحدى الفتيات.
شعرت بالاختناق.
طرقات على الباب، فأذن لها بالدخول.
ولجت وهي تنظر للأرض، وضعت ما بيدها على المكتب:
"اتفضل حضرتك. كل اللي طلبته مني جاهز؟"
ما زال محتضن بتلك الفتاة، فقال بحده:
"تمام. سيبه وامشي."
غادرت مسرعة من أمامه.
أما هو، فأبتعد عن تلك الفتاة:
"تالا حبيبتي، فهميني في إيه؟"
تالا جلست على المقعد:
"مفيش. عايزك توصلني البيت بعد ما نتغدى سوي."
مايكل تنهد بعمق وجلس على مكتبه:
"أوصلك آه، لكن غداء لا؟"
أتجهت له لتحضنه وهي تقبله من جبينه:
"لا، هتوصلني وهنتغدى سوي."
قال بنفاذ صبر:
"قدامي."
فصاحت بفرحة.
رحل بها إلى الفيلا، ولجا سوياً ليجدا رجلاً جالس بانتظارهم.
نظر له مايكل بحقد.
تالا ذهبت لتحتضن والدها:
"بابا، مايكل جه عشان يتغدى معانا النهارده."
أومأ لها وأشار لها بالذهاب:
"حبيبة قلب بابا، اطلعي فوق."
تابع بسخرية:
"دلوقتي عايز أتكلم مع الأستاذ مايكل على انفراد."
تالا برفض:
"لا يا بابا، أنا ما صدقت أنه جه."
فقال مايكل بصوته المخيف:
"تالا، اسمعي الكلام على أوضتك."
ركلة الأرض بغضب طفولي وذهبت راكضة بتذمر.
تقدم مايكل له:
"عايزني في إيه يا ديف؟"
تخلى عن مقعده وقال:
"إيهاب فين؟"
جلس على المقعد ليرفع قدميه على الطاولة وقال:
"ابنك ولا ابني. المفروض أنت اللي تعرف هو فين."
اقترب منه ليقول بصراخ:
"متنساش نفسك. لما أكلمك تكلمني باحترام. إيهاب فينه دلوقتي؟"
وقف غاضباً وعينه تحولت للون الأحمر.
طرق بعنف على المكتب وهو يعتدل:
"أنت اللي متنساش أنا أبقى مين، ومتلعبش بعداد عمرك معايا. بإشارة واحدة أخفيك من على وش الأرض."
ابتلع ريقه بخوف:
"مايكل يا بني، أنا مقصدش. أنا بس قلقان على ابني وأنت اللي هتعرف هو فين."
جلس مرة أخرى ببرود تام ورمقه بنظرة مشتعلة:
"معرفش ابنك فين. ممكن يكون اتقتل، وممكن مات. متعلمش فين دور بقا عليه؟"
فأجابه بتوسل ورجاء:
"يا ابني، الله يخليك، قولي إيهاب فين دلوقتي. أنا متأكد أنك تعرف."
استقام بوقفته وخطي بخطوات قاتلة ليقف أمام عينه بصمت طال.
تخلى أخيراً عن صمته بتفكير ليقول:
"هكدب عليك ليه؟ معرفش ابنك فين. دور عليه وابقى طمني لما تلاقيه."
ظهرت ابتسامة غامضة على زوايا فمه عندما رأى حرقة قلبه وأرقه.
ثبت نظارته وخطي ليغادر، فراجع خطوتين بتذكر:
"آه صح. ابنك غايب ليه كم يوم؟ يحسن تبحث عنه ليكونوا خلصوا منه وأنا مش موجود عشان أنقذه كل مرة."
قال تلك الجملة بثقة كبيرة ورحل بثبات.
ظل يجول بسيارته بالأنحاء حتى أوقف السيارة وقام بالاتصال على إيهاب.
أتاه صوته المرح قائلاً:
"حبيب قلبي، أخبارك إيه؟"
فقال بصوت به الوجع:
"الحمد لله. أنت عامل إيه؟"
"الحمد لله. وحشتني. متعرفش النهاردة أنا مبسوط قد إيه؟"
قال بفضول:
"ليه؟"
وأكمل حديثه بشوق:
"قابلت أميرتي؟"
قال بأسف:
"لحد الآن لا. لسه ولا شفتها ولا لمحتها حتى."
وأكمل بسعادة:
"بس النهاردة هشوفها. أم كشافات جتلي."
يوسف باستغراب:
"أم كشافات مين؟"
قال بتذكر:
"أقصد هالة جت النهارده وعزمتني ورفضت، بس هي أسرت بشدة وقالت بنت خالها هي اللي طلبت كده عشان تشكرني."
تألم، فكم مشتاق أن يراها، ولكن لا يمكنه الآن. فقال:
"تمام. المهم ارجع بسرعة، تمام؟"
وأغلق السكة فوراً دون أن يستمع لأي كلمة أخرى.
أما إيهاب، فظل يتحدث دون أن يشعر أنه أغلق بوجهه، وعندما لم يجد رداً وجده أغلق، فتمتم بغيظ:
"بقي تقفل السكة في وشي؟ ماشي. هروح أظبط نفسي عشان هشوف لمار."
وتوجه بفرحة لا مثيل لها لخزانته.
كانت جالسة بإحدى زوايا تلك الغرفة الحالكة السواد، تبكي بصمت، وجسدها يرتعش من الخوف.
لا تعلم أين هي ولماذا هي.
لا تعلم ما مصيرها.
هل ستموت أم ستنجو؟
ولكن تيقنت أن هذه نهايتها، فلا يوجد أخاها ولا والدها ليساعدها.
بكت بدموع لا حصر لها، وعيناها تتحفص الغرفة بخوف.
كل ما تذكرته هو عندما كانت خارجة من المشفي.
ظلت واقفة بانتظار سيارة أجرة، حتى خطت قليلاً بملل ووجدت سيارة كبيرة الحجم وسوداء اللون وقفت مجاوراً لها.
وهبط منها بعض الرجال يرتدون زي موحد بلون "الأسود".
جذبوها عنوة عنها وشلوا حركتها وكتموا فمها وجذبوها داخل تلك السيارة.
ولم تدري بشيء سوى حينما قذفوها داخل تلك الغرفة المظلمة إلا من ضوء بسيط.
دفعوها دون رحمة لتنصدم بالحائط وتتأوه بألم.
أغلقوا الباب وتركها.
بكت حبيبه بقوة وظلت تذكر ربها وتكبر.
حتى استحملت على ذاتها وعادت بشيء من الشجاعة ووقفت لتصلي كي تطمئن بربها.
انفتح الباب على مصراعيه و……
رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ندى ممدوح
حبيبه بكت بقوه وظلت تذكر ربها وتكبر. حتى استحملت على نفسها وعادت بشيء من الشجاعة، وقفت لتصلي كي تطمئن بربها.
انفتح الباب على مصرعيه، فلم تعبئ لذلك وظلت تصلي. ارتفع صوت ضحكاته الساخرة. أنهت صلاتها فاستدارت لتعلم من ذلك الشخص وما الذي يريده منها. وجدت أمامها رجلاً ذا ملامح غريبة كبير السن، ولكن جسده رياضي مما يجعله أصغر سناً مما عليه.
خطي بضع خطوات ليقف أمام عينيها وقال بسخرية:
- أنتي بجد مفكرة إنك لما تصلي وتطلبي من ربنا يخرجك من هنا هتخرجي؟
دار حولها وهو يتفحص جسدها وأكمل بجدية:
- تبقي غلطانة. اللي يدخل مملكتي مبينطلعش إلا ميت. بس أنا مش هموتك، تعرفي ليه؟
وقف أمام عينيها مرة أخرى باستمتاع لملامحها الخائفة:
- لأنگ كبش الفداء اللي هجيب بيه لمار تحت رجلي. أصلها بتضعف إذا تعلق الأمر باللي يخصها؟ أتمنى القعدة معانا تعجبك لحد ما تيجي لمار عشان تخرجك. ووقتها مش هيبقى في لمار ولا أنتي يا قمر. هسيبك دلوقتي أصل عندي اجتماع، هصلح فيه اللي أختك دي عملته.
أكمل بصوت عالٍ:
- تعرفي عملت إيه؟ خسرتني ملايين، بس هدفع التمن غالي. خسرتني أكبر صفقة ممكن أدخلها في حياتي. صفقة الأعضاء للأطفال.
أشار لها وأكمل:
- روحي توسلي وطلبي المساعدة وصلي، بس مستحيل تطلعي مهما صليتي.
غمز لها وهم أن يغادر، فاستدار على صوتها الذي يقول بثقة ويقين:
- بتحلم، والأحلام مبتتحققش. بس هنصحك نصيحة لوجه الله. فوق من حلمك بدل ما تلاقي نفسك بين ظلام حالك مفيش بصيص نور. وملكين بيسألوك وبعدين تلاقي نفسك في نار جهنم. أعوذ بالله من نهار آخره نار. أنت بتتكلم زينا، بس مستحيل تكون زينا. اللي خلق الخلق رب السماوات والأرض، الذي لا يخفى عليه شيء. إنه يتمهل ولا يهمل أبداً ومش هتلاقي أي حاجة تنجيك يوم القيامة. بخصوص إني مش هطلع من هنا، فهطلع.
اقتربت منه بثقة وكبرياء ووقفت أمام عينيه وربعت يديها أمام صدرها:
- عارف هطلع إزاي، لأن أختي هتيجي. أيوه هتيجي وهتطلعني من هنا، وهيكون آخر يوم في عمرك على إيدها. بس بعد ما تعذبك الأول، أصل اللي زيك مينفعش يموت بسهولة.
تأوهت بألم عندما أحكم يده على خصلات شعرها بقوة وقال بغضب:
- عجبتني ثقتك في نفسك وفي ربك، بس مش هتطلعي من هنا أبداً.
ابتسمت بسخرية وقالت بشجاعة وهي تحاول النجاة من قبضته:
- والله بتحلم، وهطلع صدقني وهتندم.
هوى على وجهها بصفعة قوية لتهوي أرضاً. رفعت رأسها وقالت بشجاعة:
- ضعيف وهتفضل لاخر لحظة في عمرك ضعيف.
استدار ليغادر وصفق الباب خلفه بعنف.
سمحت لدموعها المتحجرة أن تهبط، فهوت الدمع بدموع لا حصي لها بخوف. تحسست مكان يده فوجده دماء تخرج من فمها. أزاحت دمعاتها، ومسحت دماءها بيدها. وعادت لتوازنها ووقفت لتصلي وتدعي بيقين وثناء واستعانة بالله.
أما جون، فخرج غاضباً ولكنه أعجب بشجاعتها. جلس على الأريكة، استند بيديه على الطاولة وهو يبحث بالكمبيوتر حتى جاءت له صورته وهي واقفة تصلي بعزيمة. ظل يتأملها بإعجاب شديد.
أما مايكل، فقد كان جالساً بمكتبه وصورتها لا تغيب عن باله. دوى نغمة هاتفه بالمكان لينتشله من ذكرياتها التي جمعته بها لدقائق. رفع الموبايل على أذنه ليأتيه صوت أحد الحراس الذي أمرهم بحراستها يقول بخوف وتلعثم:
- أستاذ مايكل، الآنسة التي كلفتنا بحمايتها لقد تم اختطافها. تتبعنا السيارة ولكنها غابت عن أنظارنا.
قطع حديثه تلك الزجرة المخيفة:
- بتقول إيه؟ أنت عارف لو معرفتليش مكانها دلوقتي، قول على نفسك يا رحمن يا رحيم. إذا تأذت ولو خدش بسيط، لهدفنك محلك بعد ما أدوقك شتى أنواع العذاب قدامك. ساعة وتعرفلي مكانها.
أغلق الموبايل بغضب وألقاه من يده بدون اكتراث. دفع الطاولة بقدمه لتستقر أرضاً. شدد خصلات شعره وجلس بعدما بعث عدة رسائل.
لمار واقفة بالمطبخ تعد كل ما تشتهيه تلك الأم الحنونة، وتساعدها هالة. استمعت لطرقات على الباب فتركت ما بيدها وقالت لهالة:
- خليكي يا بنتي، أنا هفتح.
توجهت مسرعة لتجد هدي وإسماعيل وأدهم. ابتسمت بحب وفرحة ورحبت بهم بشدة. جلسوا ليدردشوا سوياً، فأستمعت لطرق الباب مرة أخرى. توجهت لفتحه فوجدت أمامها شاباً بسن أياد، ولكنه أعقل منه.
إيهاب نظر لها بحب جارف وشوق فاضت عينه بالدمع. فلاحظت ذلك وقالت بقلق:
- مالك، أنت كويس؟
اكتفى بإشارة بسيطة لها فقال وهو يشير لنفسه:
- أنا إيهاب.
- آه عرفتك طبعاً، شكراً إنك جيت وشكراً برضه إنك ساعدت البنات.
تنحت عن الباب وأشارت له بالدخول، فولج للداخل. عرفته على أدهم وعائلته وعرفاته أيضاً. جلس إيهاب مع أدهم وأحمد وظل يتحدث معهم وأقترب منهم كثيراً.
أما بالمطبخ، فقد كانت هالة وريم ولمار. ريم جالسة وتفكر بما قاله أحمد. شعرت لمار بضيقها فقالت:
- مالك يا ريمو؟ الواد أحمد مضايقك؟
اكتفت بإشارة بسيطة بالرفض. فردت لمار بعدم تصديق:
- متأكدة؟
ولجت من الخارج "ورد" وهي تقول بنعاس:
- لمار، هو العشاء أذن؟
فأجابها لمار بابتسامة:
- آه يا قلبي.
ورد وهي تبعث لها بقبلة بالهواء:
- ماشي، هروح أصلي.
كادت ورد أن تغادر، ولكنها عادت مرة أخرى على صوت لمار المنادي لها. تركت لمار ما بيدها، وتقدمت منها وهمست لها بشيء، فأشارت ورد بالموافقة.
أتجهت لمار لتكمل ما بيدها. أما ورد فسحبت هالة من معصمها:
- يلا تعالي نصلي وهاتي البنت دي معاكي.
فأشارت ريم باستغراب:
- صح يا لمار، مين دي؟
- دي ورد حبيبة قلبي.
كان هذا صوت أحمد وهو يدلف للداخل. لوت ريم فمها بتهكم ولم تعطيه أي اهتمام.
ورد بحب:
- عمو أحمد، أيدك خفت دلوقتي؟
أحمد:
- آه يا قلب عمو.
أشارت ريم لهالة بأن تخرج، فأنصاعت لها. دلفا للجلوس مع هدي. أما ورد فذهبت لتصلي. خرج أحمد بعدما ارتشف كوباً من الماء وتغالظ مع لمار قليلاً.
ولج أدهم بتسلل على أصابع قدمه. واتى أن يضع يده على عينها، حتى قالت لمار:
- بس يا أدهم، إحنا مش عيال.
فأجاب بتذمر:
- بت، أنتي محدش يقدر يخدعك أبداً.
هزت رأسها بالنفي. جلس أمامها على المطبخ وهو يجذب ثمرة من ثمار الفاكهة ويلتهمها بتلذذ وقال بخبث:
- هااا، مجبتنيش؟
أشارت له:
- على إيه؟
مال عليها ليقول:
- على عرضي، هنتجوز إمتى؟
دفشته بعيداً عنها وقالت بأمر:
- بره يا أدهم.
فهز رأسه نافياً:
- أما تجوبيني هخرج. وعد؟
صمت قليلاً وقال بتذكر:
- إلا صح، ورد هتعملي إيه ولا هتوديها فين؟
- ورد بقيت واحدة منا، وده بيتها لآخر العمر.
قالتها لمار بجدية. هبط أدهم من مقعده ليقف أمام عينيها وقال:
- طيب بما إنك بتحسي بالكل وبتهتمي بيهم، متحسي بيا ووافقي.
استدارت لمار برأسها وصاحت:
- بابا، تعال لأدهم.
كتم فمها بيده:
- بس بس، طالع أهوو. دا إيه يا أختي ده، هتوديني في داهية. وخرج بتذمر.
ارتفعت صوت ضحكاتها عليه وصفنت بحب في ذلك الذي امتلك قلبها وولج إليه دون استئذان. كانت مغلقة على قلبها بإحكام ولا تسمح لأحد بالولوج به، ولا لنفسها أن تحب أحداً. والآن لا تدري متى وكيف أحبته وسكن قلبها ليعيد إليه السعادة.
أعدت لمار الطعام ودعت الجميع لتناوله، فجلسوا جميعاً. أما إيهاب، فجلس بإحراج ولم يأكل، بل كان جالساً ليخطف إليها النظرات بحب. لاحظت لمار ذلك فأشارت له:
- إيه مش بتاكل ليه؟ الأكل مش عاجبك؟
هز رأسه نافياً. فقالت بحب:
- طب يلا كل بقى، أنا اللي عملت الأكل وبعت لسيارة الإسعاف تيجي، متقلقش.
ضحك على كلماتها وهم بالطعام بسعادة عندما علم أنها من أعدته. لاحظ أدهم نظراته للمار فنظر إليه بأسى.
رد هاتفه، رفعه على أذنه وكانت ملامحه لا تعبر بخير وارتباكه. فخرج قليلاً وعاد وهو يقول بقلق:
- بابا، أنا لازم أمشي. فهد محتاجني.
قطعته لمار:
- روح يا أدهم، ومتقلقش أنا هوصلهم.
أشار لها بالموافقة وذهب مستعجلاً.
بسنت واقفة بحزن تتذكر كل ما مرت به، تشعر بالضياع والخنقة. تذكرت عبد الرحمن ولحظاتها معه، كم أحبته ولكنه لم يحبها، فذرفت الدمع بغزارة. تشعر بالكره تجاهه، ولكن لماذا لا تستطيع نسيانه؟ طاف على ذاكرتها زيد، فابتسمت بحب وتعالت صوت ضحكاتها وهي تتذكر لحظاتها معه. شعرت أنها بحاجة أن تتحدث إليه.
استمعت لطرق الباب فأذنت للطارق بالولوج، فكانت والدتها. اقتربت منها بحنان بعدما وضعت كأس العصير، رأت الدمع بعين ابنتها:
- تاني يا بسنت، انسيه يا حبيبتي وشوفي حياتك. ميستهلكش أبداً. شوفي مستقبلك وتجوزي وأنسيه.
بسنت بملل:
- ماما، خلاص عشان خاطري.
اقتربت منها ووضعت يدها على كتفها وقالت بعصبية:
- لا يا بسنت مش خلاص. ياما رفضناه وأبوكي رفض وتحيلنا عليكي متخديهوش، بس نعمل إيه في دماغك ناشفة واصرتي عليه، يبقى كان اختيارك انتي. اطلعي بقى من ذكرياته اللي حابسة نفسك فيها دي وانسيه. انتي مش أول ولا آخر واحدة تتطلق.
ابتسمت بتذكر وأكملت:
- ابن عمك جاي بكرة وشاب زي القمر وبيحبك من وإنتي وصغيرة، حاولي تقربي منه ونسي الأستاذ الثاني ده.
لم تدري لما لم تفهمها؟ لماذا لم تفهم أنها قد عاشت معه فترة صعبة أن تنساها؟ كيف تطلب منها أن تحاول التقرب من أحد آخر وهي أصبحت تكره صنف آدم جميعاً؟ زفرت بسنت بحزن عميق وأسترسلت قائلة بدموع:
- انتي ليه مش قادرة تفهمي إني كنت عايشة معاه لحظة بلحظة، أنساه إزاي وفوق كل ده تقوليلي قربي من واحد تاني؟ انتي مش حاسة بيا خالص ولا بالنار اللي في قلبي؟ الواحد لو قابل حد صدفة وابتسم في وشه هيتعلق بيه؟ تقولي إيه بقى إذا ده زوجي؟
قالت بعصبية:
- يوووه، زوجك زوجك، مش ده اللي عصيتينا عشانه؟
هزت رأسها نافية بقلة حيلة وتنهدت بحزن وغادرت. فصاحت بها والدتها:
- رايحة فين؟ استني لسه مخلصتش كلامي.
لم تستطع أن تتحمل كلمة أخرى فرحلت بحزن. هبطت للأسفل لتصعد عربيتها وجابت الطرقات فجأة ولا إرادياً، وجدت نفسها أمام شركة زيد. تطلعت بها بصمت وتوتر. لا تعلم لماذا جاءت إليه؟ لماذا أحست أنها تريده؟ هوت الدمع عن عينيها بحزن ويأس وحيرة. كانت حائرة تدلف للداخل أم لا؟
كان زيد يقف بالخارج مع منصور حتى لاحظ سيارتها. فأقترب منها بابتسامة عاشقة. اقترب من النافذة وأطرق عليها بأصبعه بخفة. أحست بها ورأته أمامها، أنزلت تلك النافذة بتردد. فقال وهو يضيق حاجبيه ويشير لها:
- بتعملي إيه هنا؟
لم تدري بماذا تجيبه، فهي لا تعلم لماذا جاءت إلى هنا. استند بيده على النافذة ليتأملها بعشق فقال:
- ياااه، الإجابة صعبة كدا. انزلي طيب.
نظرت إليه بصمت فقال موضحاً:
- انزلي يا بنتي، مالك.
هبطت من سيارتها لتدلف خلفه إلى المكتب. جلسا على الأريكة فقال بقلق عندما لاحظ حزنها:
- ها يا ستي، مالك. وجذب تلك الوسادة على قدمه ليستند عليها.
صمتت قليلاً فقالت بإحراج وارتباك وهي تفرق أصابع يديها:
- مفيش.
أشار لها:
- قولي مالك، زعلانة ليه؟ متكدبيش.
لاحظ دموعها التي فاضت بعينيها فقال:
- في حد مضايقك؟ احكي.
قالت وهي تنظر لعينيه لتهبط دموعها تقتل قلبه:
- مخنوقة وعايزة أفضفض لحد وبس، لكن مفيش حد بيفهمني. الكل محملني ذنب كل اللي حصلي.
استقام بوقفته ليسحبها من معصمها للخارج. فقالت وهي تحاول إيقافه:
- رايحة فين؟ فهمني الأول.
سحبها دون كلمة ليصعد الدراجة النارية وأشار لها:
- أطلعي.
- على فين؟
أشار لها بعينيه:
- اطلعي وخلاص، مش هخطفك.
صعدت خلفه وهي ممسكة به. دار بها وسط النسمات العليلة ووقف أمام إحدى المحلات التي بالشارع ونظر لها:
- تأكلي؟
تعالى صوت ضحكاتها بذهول:
- في الشارع؟ يا ابني أنت أكلك كله من الشارع؟
أشار لها بالرفض:
- لا مش دايماً طبعاً، بس أما أكون مضايق بس باجي هنا. بصي هناك.
نظرت لما يشير إليه فرأت النهر أمامها. سحبها من معصمها وطلب أكل. جلسا على السور، فاشتغلت إحدى الأغاني. ظلا يتحدث معها وهي تأكل بتلذذ بمشاعر متلخبطة. نسمات الهواء تطير خصلاتها مما يزيدها جمالاً. نسيت كل ما كان بقلبها من حزن وهي تتحدث معه في كل شيء.
حتى وقف وهو يقول:
- ثواني وجاي.
وذهب مسرعاً وعاد وبيده كيس أهداه لها.
بسنت باستغراب:
- إيه ده؟
زيد:
- افتحيه.
فتحتها فوجدت بها شيبسي، فجذبت إحداهما بفرحة وظلت تأكل بتلذذ وهو يتأملها بعشق. أهدته فرفض، فجذبت واحدة لتطعمها له وهو يرفض إلا إن أكل من يدها بسعادة. وقف وسحبها من معصمها وهو يقول:
- تعالي نتمشى، الجو حلو النهارده.
خطت لجوارها بخجل، فهذه أول مرة تخرج بهذه السعادة مع أحد. مشي لجوارها وهو واضعاً يده بجيب بنطاله. نظر لها بعشق وقال:
- لسه حاسة إنك مضايقة؟
اكتفت بإشارة بسيطة بالرفض. فقال ضاحكاً:
- اللي يشوفك من شوية وأنتي بتتخانقي مع الشباب ميشوفكيش أبداً كدا.
وقفت وهي تضع يدها بخصرها:
- تقصد إيه بقى؟
ابتسم لها:
- مقصدش، بس استغربتك بس.
عادت للسير وهو بجوارها فقالت:
- أحياناً بحس بالخوف، بحس إني مش عندي ثقة في نفسي.
قطع كلامها قائلاً:
- ده السبب، انتي بنوتة شجاعة ومش لازم تفقدى ثقتك بنفسك. تعلمي من لمار حبيبة قلبي.
شعرت بغيرة لا تعرف سببها، فنظرت له بخنقة:
- أنت ولمار إيه نوع العلاقة اللي بينكم؟
ابتسم بحب دون أن ينظر لها، فنظر للنجوم فوقه وأشار لها:
- شايفة النجمتين الأقربين من بعض دول؟
نظرت لما يشير إليه:
- آه، مالهم؟
- دي أنا ولمار زي النجوم اللي بتلمع، أنا وهي مستحيل نفترق لأننا روح واحدة في جسدين. أنا وهي علاقة نادرة مش هيجي زيها أبداً. لمار وأنا بنشفي عادي، بس في قلوبنا أنا وهي بس اللي نعرف إيه اللي موجود في قلب التاني. قبل ما أحتاجها وأطلبها بلاقيها جنبي وهي برضه.
أحست بارتياح، فهو يتحدث عنها ببراءة، فمن الذي لا يحبها إذا عرفها؟ أما لمار فقد كانت واضعة رأسها على قدم هدي، وهدي تلعب في خصلاتها، وتتحدث معهم. كان أحمد يحاول بشتى الطرق أن ريم لا تزعل منه. إيهاب كان يجلس مع عمرو. جاءت هالة وهي تقول بغيظ وتنظر لإيهاب:
- عمرو، كفاية سهر روح نام، دي ورد نامت من بدري.
نظر لها بتأفف:
- ورد ورد، هي إمتى هتمشي من هنا؟
أشارت له هالة بالرفض:
- ورد مش هتمشي لأنها بقت واحدة منا دلوقتي.
نظر لها بنرفزة وضيق ووقف:
- هي جاية عشان تاخد لمار مني صح؟ بس أنا مش هخليها.
هالة بجدية وحزم أشارت بعينها على غرفته:
- ادخل.
ذهب بتأفف وغيره. تعال صوت ضحكات إيهاب، فنظرت له بحدة وكادت أن ترحل، فناداها:
- يا أم كشافات، استني.
وقفت بغيظ وأمسكت الوسادة وقذفته عليه:
- أنا مش أم كشافات يا أعمى أنت.
وقف بضحكة أمام عينيها بعدما وضع الوسادة جانباً:
- أنتي لسه زعلانة مني برضه؟ بهزر معاكي.
فقالت بمشاكسة:
- وتهزر معايا ليه أصلاً؟ كنت تعرفني؟
قال بعد صمت بتذكر:
- آه، اسمك هالة وأنتي أكبر مني وأختك أكبر عميلة في الداخلية والكل بيعمل لها ألف حساب. عندك أخ صغير، ها أعرفك ولا لا؟
لوت فمها واستدارت لتغادر.
- طب أنا مليش حد هنا ودي أول مرة ليا ومعرفش غيرك. ممكن تخرجي معايا بكرة هااا؟
استدارت له بصمت فقال برجاء:
- بليز هالة، بليز وافقي.
أشارت له بالموافقة:
- أوكيه، بس هشوف لمار.
استدار ناحية لمار وهتف:
- لمورتي، ممكن بكرة آخد هالة تفرجني على مصر؟
اتعدلت لمار بجلستها لتنظر له من حافة الأريكة وهي مستندة بيدها عليها:
- ماشي، مفيش مشكلة. بس خلي بالك منها.
أشار لها بفرحة:
- في عيوني، متقلقيش.
أحمد جالس على ركبتيه ومحتضن يدها بين يديه:
- يا ريم، متزعليش بقى، مقصدش.
ريم:
- خلاص يا أحمد، مش زعلانة.
أحمد هب واقفاً:
- طيب.
ظل يبحث بالغرفة عن شيء وهو يقول:
- هي فين؟ راحت فين؟
ريم باستغراب:
- هي إيه؟
أحمد استدار لها وهو يبحث بجيب جاكته:
- ابتسامتك.
تعالى صوت ضحكاتها:
- ابتسامتي بدور عليها في جيبك ليه؟
أحمد مال عليها وهمس:
- متحرمنيش من ضحكتك دي أبداً.
أشارت له بالموافقة.
- يلا يا أحمد عشان أوصلك، كفاياك يا بابا تعال. ده أنت نهارك بكرة بمبي معايا.
استدار للمار وقال:
- بت، أنتي ليه بتقطعي عليا اللحظات الحلوة؟
أقتربت منه لتسحبه من ياقة قميصه.
أحمد بصراخ:
- إيه يا لمار، اهدي.
استدار لريم وأكمل:
- بت، ابقي اسألي عني لو مظهرتش، بلغي.
ضحكة ريم بشدة.
أوصلت لمار والدي أدهم وأحمد، وذهبت إلى مكتبها. ولجت للداخل، سرعان ما طرق الباب بشدة فأذنت للطارق بالدخول بقلق. ولج عم عبده والقلق بادٍ على ملامحه، فهبت لمار مسرعة:
- إيه يا عم عبده؟ مالك بتنهج وكأن حد بيجري وراك؟ في حاجة؟
أغلق الباب واستدار لها، أمسك يدها بقوة:
- اللواء أمجد يا بنتي.
- أهدي بس الأول، تعالي اقعد.
سحبته من معصمه وعاونته على الجلوس وجلست مقابل له. طال الصمت بينهما، قطعه عم عبده قائلاً بقلق:
- اللواء أمجد من شوية سمعته بيتكلم في مكتبه وسجلته.
لمار أشارت له:
- مش فاهمة، ليه تسجله؟
- استني يا بنتي، اسمعي.
فتح موبايله ليخرج صوت اللواء أمجد قائلاً:
- تمام، إحنا نتقابل بكرة وصفقة هتعدي وهتدخل البلد على ضمنتي.
طال صمته ثم أكمل:
- تمام تمام، متقلقش أنت. لمار إيه بس؟ لمار مش هتعمل أي تصرف غير بإذن مني، متقلقش منها، اخلص أنت بس.
صمت قليلاً:
- تمام، سلام دلوقتي.
عم عبده:
- بس دا اللي سمعته وفوراً سجلته.
لمار بهدوء مسكت يده بحنية:
- عم عبده، خليك برا المواضيع دي كلها عشان دول عالم لو عرفوا، معندهمش رحمة لحد. أنا هتصرف، خليك بعيد أنت.
عم عبده بصدق:
- أشوفك بتتأذي وأفضل ساكت مستحيل. واللي طلبتيه مني جاهز.
لمار بفرحة وغموض:
- بالسرعة دي لحقت تجهزه؟
- أيوه يا بنتي طبعاً، ناقص بس تيجي تجربيه لو محتاج أي حاجة. ومتنسيش أنا معاكي في أي حاجة.
لمار بحب:
- شكراً يا عم عبده، ربنا يخليك يا رب.
ذهب عم عبده. وقفت لمار وجلست على مقعدها. وفتحت إحدى الأدراج واخرجت منه ساعة اللواء سليم وتذكرت عندما وجدتها بالمشفى يوم إنقاذ الأطفال. واخرجت موبايله وتذكرت عندما وجدته بمكان إحدى أماكن الصفقات. صفنت قليلاً وبعد ذلك جذبت مفاتيحها ومضت إلى شركة زيد.
ولجت لمكتبه قائلة:
- إيه يا عم، مش باين يعني؟
رفع عينه عن الأوراق وهب واقفاً:
- حبيبة قلبي، أبداً والله شغل بس.
أشارت له بتساؤل:
- فين كامل؟
- لمار، اقعدي الأول وبعد كدا هأخدك لمكانه.
قالت برفض:
- معنديش وقت، يلا.
زفر بنفاذ صبر وأشار لها:
- تعالي يا أم دماغ ناشفة.
مضت معه للمخزن ولج للداخل، فأنتفض كامل عندما رآها أمامه. ضحكت لمار:
- إيه ده يا ابني؟ أنت متوصي بيه على الآخر.
زيد بخبث:
- أكيد، ده غالي علينا.
جلست لمار على الطاولة وسندت قدميها على المقعد. أما زيد فسحب بعنف كامل الذي ينزف من كثرة الضرب به وأجلسه على المقعد. نظرت له لمار ببراءة مصطنعة:
- معلش، مكنتش عارفة إنه هيعمل فيك كدا.
اتسعت عينها ومالت لتجذبه من ملابسه بحدة:
- أنت عارف إني هوصلك لحبل المشنقة لو مقلتليش أنت تبع مين.
هز رأسه بالرفض:
- والله ما أعرف.
رفعت قدمها لتدفعه بقوة فاستقر أرضاً. هبطت من مقعدها لتنحني لمستواه وجذبته من ياقة قميصه:
- قلت إيه؟ اسمعني.
ابتلع ريقه بخوف. فجذبته وهوت على وجهه باللكمات المتوالية بشدة.
أبعدها زيد بمعجزة:
- بس يا لمار، هيموت كدا.
قالت وعيناها كالجحيم:
- الكلب ده بنته كانت هتكون ميتة دلوقتي، وأنت بتقولي ابعدي عنه؟ طب ذنب الأطفال دي إيه؟
قال كامل ببكاء وتعب من شدة الضرب وصوت جاهد لخروجه:
- معرفش، هما ناس من برا مش بقابلهم. لما بيحتاجوا أي حاجة بيبعتوا واحد من رجالتهم، معرفش عنهم أي حاجة.
دفعت لمار زيد بقوة وانقضت عليه بغضب. حاول السيطرة عليها فأبعدها بصعوبة. أخذته للحبس بعد ذلك وذهبت للبيت. أما بالغرفة المجاورة التي كان يحبس بها كامل، كان يجلس عبد الرحمن بعتاب وندم. افتكر لمار عندما أخذت إحدى الرصاصات بدلاً منه غير عابئة بنفسها. افتكر كم كانت تعامله كأخ وأكثر. تذكر بسنت وكل لحظاتها معه وحبها له. فبكى بكاء شديد وهو يقول:
- أنا إيه اللي عملته ده؟ هو أنا كنت أعمى عشان أخسر أخت زي لمار؟ كانت حتضحي بنفسها عشاني. ولا بسنت اللي كانت بتعمل أي حاجة عشان سعادتي.
ظل يأنب نفسه حتى هب واقفاً وظل ينادي على زيد. حتى جاءه:
- خير، في إيه وصوتك عالي ليه؟
أجابه بحزن:
- عايز أشوف لمار.
زيد بحده:
- ليه؟
عبد الرحمن بصدق:
- محتاجها ضروري في موضوع مهم.
استدار زيد ليغادر:
- بكرا هقولها تقابلك.
لمار مضت لمنزلها. وجدت أن جميعهم قد ناموا. ولجت لغرفتها فرأت "ورد" نائمة. تأملتها قليلاً بحب وأنحنت لتطبع قبلة على وجنتها. كانت مبسوطة من تلك الطفلة الصغيرة التي في لحظات امتلكت قلبها بعشق. كانت خائفة من ما فعلته وخائفة أن "ورد" تبتعد عنها وقد أحبتها حباً ليس له مثيل. تنهدت لمار بعمق، وغادرت لتطمئن على عمرو. ولجت لغرفته وأشعلت الضوء فشعرت به مستيقظ. جلست جواره فخبأ وجهه بعيداً عنها. تدثرت جواره جيداً وأبعدت يده فلم يبعدهم. فكرت قليلاً حتى داعبته بشدة فلم يستطع فظل يضحك. انعدل بجلسته وهو يضحك. فقال بضحكة:
- خلاص خلاص، بس.
أبعدت يدها قائلة بعدما انعدلت بجلستها:
- لو مقلتليش مالك هكمل هااا، تختار إيه؟
فقال بتذمر:
- يعني يهمك أنا زعلان ليه؟
لمار بصدمة:
- أوبااا، دا الموضوع كبير بقى.
رفعت يدها لتحضنه من كتفه إليها وأكملت:
- ها يا حبيبي، قولي بقى. أنا مقدرش أزعلك أبداً.
نظر لها ببراءة وقال:
- يعني أنتي بتحبي ورد أكتر مني؟ وبعدين أنا مش عايزها تقعد معانا.
نظرت له لمار بتفهم من غيرته:
- أولاً، أنا بحبك أنت قد الدنيا وبحب ورد.
نظر لها وكاد أن يهم بالحديث، فأشارت له أن يصمت. وتابعت قائلة:
- ورد جدها توفي وكان بيربيها من وهي صغيرة، يعني هو أبوها وجدها وأمها في ذات الوقت.
- وفين أبوها وأمها؟
فأجابته بحزن:
- أمها متجوزة من واحد وحش وسبتها، وأبوها مش موجود. وعشان كدا أنت لازم تكون سندها وتحبها وتخلي بالك منها.
صمت قليلاً بتفكير قطعه قائلاً:
- لو هتفضلي تحبيني أكتر منها، ماشي. هخلي بالي منها.
فقالت لمار بضحكة:
- أكيدددد، يلا للنوم بقى.
أخذته بحضنها وغفيا سوياً.
بصباح اليوم الثاني استيقظت لمار توجهت للتواليت لتأخذ شور وبعد ذلك أبدلت ملابسها. وقفت أمام المرآة مشطت خصلات شعرها، ونظرت نظرة أخيرة لنفسها. رفعت يدها ونظرت لساعتها وخرجت مسرعة. رأتها هالة فقالت باستغراب:
- إيه رايحة فين كدا؟
أجابتها بإشارة بسيطة:
- مش رايحة، مستنية.
وصاحت باسم ورد فجاءت راكضة:
- نعم.
لمار احتضنت وجهها وقالت بحب:
- ورد، أنتي عايزة تفضلي معانا هنا؟
قطع حديثهم "ريم" وهي تخرج من غرفتها:
- صباح الخير.
فردت ورد:
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. تعلمي تاخدي حسنات على الصبح.
فردت ريم بضحكة:
- حاضر يا ماما، شكلي هتعلم منك حاجات كتير مكنتش أعرفها.
طرق باب المنزل. رفعت لمار يدها لتنظر بالساعة. كادت هالة بفتح الباب فأشارت لها لمار أن لا تفعل. ونظرت لورد:
- ورد، افتحي أنتي الباب.
توجهت "ورد" لفتحه وعينا لمار تراقبها بترقب. فتحته وعيناها اتسعت بخوف وجسدها انتفض خوفاً فتراجعت بضع خطوات بخوف و...
كانت حبيبة تصلي بيقين بتلك الغرفة الحبيسة بها. أما جون بعدما أنهى اجتماعه جلس بغرفته وهو واضع الاب توب على قدميه ويشاهدها. استغرب أنها تصلي عز ما هي به. لو فتاة أخرى كانت ستجلس بزاوية الغرفة وتبكي وتنتحب، أما تلك الفتاة لديها شخصية جميلة لم يرها من قبل. كان ينظر لها بتأمل.
طرقات على باب غرفته فأذن للطارق بالولوج. فولج عدنان وهو محمل بصينية قهوة:
- سيد جون، القهوة التي حضرتك طلبتها.
أشار له بأن يضعها على الطاولة. فوضعها وذهب. اتجه عدنان للخارج وأجرى اتصال.
أما جون ظل يرتشف من قهوته حتى أغشي عليه. وعدنان بالخارج مثل أنه قد أغشي عليه.
بالخارج وقفت تلك السيارات ليهبط مايكل بها وخلفه حراسه. أوسعوا له الطريق وهم يقاتلون باحتراف تلك الحراسة على منزل جون. أما هو دلف للداخل. ركل بقدمه الباب فأنكسر جزئياً. أما هي أنتفضت محلها وهي تعطي له ظهرها وتذكر ربها فتمتمت بخوف ودموع وهي خائفة أن تنظر للخلف:
- يا مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين.
كان يتأملها فأقترب منها ليضع يده باطمئنان على كتفها. أنتفضت لأثرها. نظرت له وأمسكت بيده كالغريق الذي يجد يد لتخرجه من قاع الماء. أغمضت عينها لتهبط دموعها بصمت.
فقال بحده:
- قومي، هخرجك من هنا.
فقالت بعدم تصديق:
- بجد يا دكتور؟
اكتفى بإشارة بسيطة. فوقفت أمسك يدها ليخبئها خلفه وخرج من تلك الغرفة. وأثناء ذلك أتى أحدى الرجال ليهجم عليه فرفع سلاحه وأطلق عليه عدة طلقات فوقع ميتاً لا محالة. جذبها ليخرج بها شعر أنها لا تتحرك ساكنة. فأستدار لها رأها متسعت العينين بصدمة ودموعها تهبط بغزارة.
قال بحده:
- اخلصي، أمشي.
فنقلت عينها بين الذي قتله وبينه وأشارت:
- أ أ أنت قتلته؟
تنفست بصعوبة وكأن الأكسجين انسحب من حولها فأغشي عليها بصدمة. حملها برفق وخفة وخرج. وهو يعطي أمر لحراسه أن يخلصوا على باقي حراس جون. أشعل سيارته وانطلق مسرعاً. ولج لذلك المنزل الكبير. استقرت السيارة فهبط ليحملها وصعد بها لإحدى الغرف وضعها برفق. ونزل للأسفل. كان شاباً يشبهه قليلاً بعرض جسده الصلب جالس. وقف حينما رآه فابتسم:
- هما بالداخل؟
أشار له وولج معه للداخل. نظر لرجال الملقين أرضاً ونظر لذلك الشاب:
- من بينهم تجرأ وخطفها؟
أشار له على أحد منهم:
- فأخرج مايكل مسدسه ووجهه لذلك الشاب الذي يرتجف وأطلق على يده. انحني لمستواه بغضب وأمسك فكه وقال بصوت مخيف وعيون مشتعلة:
- أنت تجرأت ومسكت حاجة تخصني، وده جزاتك.
أشار لرجاله:
- خلصوا عليهم وارموهم.
خرج وخلفه ذلك الشاب جلسا يتناقشا سوياً. أما جون فاق وهو يمسك رأسه بألم. نظر للشاشة فلم يجدها والباب مفتوحاً. غلى الدماء في عروقه. وأخرج سلاحه وخرج غاضباً. وجد عدنان مغشياً عليه فحاول جعله يفيق حتى فاق فصاح به بقوة:
- ما الذي حصل هنا أيها الغبي؟ أين تلك الفتاة؟
أشار له عدنان بتعب فهم واقفاً وقال:
- لا أعرف، أما بلحظة لم أشعر بشيء.
ذهبا راكضاً للأسفل رأوا الفيلا بحالة فوضى لا مثيل لها وحراسه جميعاً بعداد الموتى. وحبيبة لا توجد. صاح جون بحده وهو يدفع كل ما يقابله:
- أين ذهبت تلك الفتاة؟ من الذي تجرأ ليدخل منزلي ويفعل ذلك؟
أشار له عدنان:
- الكاميرات.
ذاهباً راكضاً للأعلى أشعل عدنان الكاميرات فوجدها معطلة. دفع جون كل الأجهزة بغضب وهتف بصراخ:
- لاااا، من الذي فعل ذلك؟
نجح عدنان في تهدئته وقال له:
- الذي فعل ذلك يعمل هنا بدليل أنه علم كل ركن بالمنزل.
أشار له وهو يزفر بغضب:
- لازم تعرف مين اللي فعل ذلك.
فاقت حبيبه وهي تنظر حولها تذكرت ما حصل معها فبكت. نظرت لتلك الغرفة الغريبة فلم تعلم أين هي. هبت واقفة وهرولت منها ركضاً. نظرت حولها لم تعلم أين تذهب وأين تتجه. رأت فتاة مقبلة عليها بابتسامة فوقفت أمام عينيها وقالت:
- مدام السيد ينتظرك بالأسفل.
تمتمت حبيبه بغضب:
- مدام مين وبيه مين؟
أشارت لها الفتاة بأن تتتبعها، فهبطا سوياً وجدت مايكل يجلس على حاسوبه فتقدمت منه. بعدما لم تجد تلك الفتاة واختفت فجأة حمحمت كذا مرة فقال بنفاذ صبر:
- اقعدي من غير دوشة.
جلست مقابل له بارتباك شديد وقالت بتوتر:
- هو أنت عرفت إزاي أنا اتخطفت؟ أنت تعرف مين الشخص اللي خطفني؟
أشار لها بأن تصمت وقال:
- مبحبش الكلام الكتير.
وعاد للعمل لحاسوبه. هبت واقفة بغضب لتسحبه منه:
- جاوبني الأول وبعدين أبقى شوف شغلك. مين دول وانت عرفت إزاي؟
كور قبضة يده بمعجزة ليتحكم بذاته ووقف بهدوء مخيف ليقترب منها وهي تتراجع. نظرت لعينه التي تحولت فاصبحت باللون الأحمر القاتم، جذبها من معصمها حتى كاد أن ينكسر وقال بفحيح:
- المرة دي مش هكلمك، بس لو اتكرر اللي حصل متلوميش غير نفسك وعقابك هيكون غالي.
رأى الألم تملك من معالم وجهها والخوف. فترك يدها وسحب منها حاسوبه وجلس باللامبالاة وتمدد. كانت واقفة تتأوه من قبضته فقالت بدموع:
- أنت مبتفهمش ومعندكش إحساس ولا قلب؟ أنا همشي من هنا أصلاً. قال لو اتكرر مرة تانية قال مفكرني جارية عنده.
استدارت لتغادر فوقفت محلها على سماع صوته:
- رايحة فين كدا من غير إذن؟
استدارت بغضب:
- ماشية أكيد مش هقعد هنا يعني، هو أنا أعرفك وأخد إذنك ليه أصلاً؟ أما غريبة دي.
هب واقفاً بثبات واقترب ليقف أمامها وهو مربع يديه أمام صدره وقال بحزم:
- مفيش خروج من هنا.
أشارت له بعند:
- هخرج وابقى وريني مين هيمنعني.
كادت أن تستدير فمسك معصمها بحده:
- يا بت الناس اتقي شري، قلت مفيش خروج من الباب ده.
دفعت يده بعند قائلة بغضب:
- أنت إزاي تمسكني كدا؟ أنت واحد مجنون مش طبيعي وقتال قتلة كمان، أنا لازم أبلغ عنك.
تعالت صوت ضحكاته بتريقة:
- أنتي هتبلغي عني وهيصدقوكي مثلاً؟ طب يلا روحي.
ومسك معصمها مرة أخرى ليقربها إليه وهمس:
- عجبني شجاعتك بجد.
أبعدت يدها لتدفشه بعيداً:
- قلتلك متمسكنيش، أنت مبتفهمش.
قال بصدق وهو ينظر لعيناها:
- حقي إيه؟ هتحرميني منه؟
- حقك إيه؟ تاك كسر حقك يا بعيد.
شدد على خصلات شعره ليهدأ وأشار لها:
- على أوضتك، ماشوفش وشك قدامي دلوقتي.
وضعت يدها بخصرها:
- لا والله، على أوضتك دي مش أوضتي وأنا همشي وابقى وريني هتمنعني إزاي.
جلس على الأريكة فقال بإهمال:
- مش هتطلعي من هنا، مستحيل.
اقتربت منه وهي تشير إليه:
- وأنت اللي هتمنعني أطلع؟
اكتفى بإشارة بسيطة مؤكداً.
فقالت بغضب:
- وبصفتك إيه إن شاء الله هتمنعني؟
أجاب وهو ينظر بعمق لعيناها:
- جوزك.
اتسعت عيناها بصدمة وانفجرت ضاحكة:
- جوز مين؟
أشار لها:
- أنتي مراتي، فهمتي. وبصوت عالي أكمل:
- مراتي.
لماذا خافت ورد؟ من الذي بالباب ليرعبها هكذا؟ هل حقاً اللواء أمجد يشتغل لحساب تلك المنظمة؟ ما الذي تخبئه لمار؟ ماذا ستفعل حبيبه بالذي تزوجها وكيف تعيش مع واحد مغرور متكبر؟ هل تستطيع ترويضه؟ أم أنه يكذب عليها؟
أحداث نارية قادمة. وأعصار سيدمر لمار. انتظروني.
يوسف اتجوز هئ هئ هئ وأنا كنت لسه هعزمك على فرحي. أنا وهو خلاص بقى، أنتوا معزومين على فرحي أنا وزيد. هتيجوا؟
رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ندى ممدوح
ترددت الكلمات على مسامعها دون فهم. بدأت بتحليل معناها فلم تستوعب شيئاً. كانت تقف كالبلهاء، فكرها رافض التفكير في أي شيء. أنعقد لسانها فلم تستطع التفوه بحرف.
رددت دون وعي: "مراتي؟ إزاي؟ مرات مين؟"
رمقته بترقب فوجدته يجلس محله بهدوء ويرمقها بتسلية. خطت لتقف جواره وقالت بضحكة: "مين مرات مين؟"
نظر لها بتسلية فأشار لها: "أكيد أنتي اللي مراتي، مش أنا. أعقلي؟"
انفجرت ضاحكة كمن أصابه الجنون: "أنت بتهزر صح؟"
حرك كتفيه: "وأهزر ليه؟ هي دي حاجة فيها هزار؟"
ردت بصراخ: "لا بقا، أنت شكلك واحد مجنون؟"
قطعها بوقفته الحادة أمامها: "في وحدة تكلم جوزها بالطريقة دي؟ ها؟"
ضربت كفاً بكف: "يا الله، برضه يقولي جوزي!!"
أشار لها بعينه على بعد الأوراق. نظرت لما يشير إليه فجذبتهم وقلبت بهم حتى قالت بعينان متسعة من هول الصدمة: "يعني إيه؟ أنت فعلاً جوزي؟"
هز رأسه مؤكداً وهو يرمقها بتسلية.
ترقرق الدمع بعينيها وقالت بعدم تصديق وعقل رافض للحقيقة: "لا لا مستحيل، بابا ما يعملش كده ولا أدهم. لا أكيد في حاجة غلط؟"
ساد الصمت المكان لفترة. قطعته هي بخوف وقلق: "أنت أكيد آذيت بابا عشان يوافق."
جذبته من ياقة قميصه وتابعت ببكاء: "أنت آذيتهم صح؟ بابا مستحيل يوافق، أنت عملت فيهم إيه وعايز مني إيه؟"
جذب يدها وأبعدهم بعنف: "خلصتي؟ وصلت الاتهامات بتاعتك. أولاً أهلك كويسين وهترجعيلهم. ثانياً أنا عملت كده عشان مصلحتك؟"
كانت تنظر له ببكاء قد قسم قلبه وصوت بكاءها يصهره: "مصلحتي إنك تتجوزني؟ أنت أصلاً مين؟ عرفت مكاني إزاي وساعدتني ليه؟"
جذبها من معصمها وصعد بها الدرج وهو يقول: "أنتي بتسألي كتير وأنا معنديش إجابات!"
فتح إحدى الغرف وألقاها للداخل وأغلق الباب خلفه بالمفتاح.
وقعت على الأرض كالجثة، بكت بقهر وهي لا تدري من ذلك الشخص ووالدها لماذا زوجهولها. هل هددوه أو هما في خطر؟ ظل فكرها حائراً لا تدري ما عليها فعله. عقلها وقلبها رافض أنها زوجته الآن.
هبت واقفة بعدما أزاحت دمعاتها. اقتربت من الباب حاولة فتحه لكن دون جدوى. تفحصت الغرفة جيداً بعينيها. فخرجت لتلك الشرفة. رأته يصعد سيارته ويرحل. فكرة أن تهرب ولكن المسافة عالية فعليها الانتظار عندما تحين اللحظة.
توجهت "ورد" لفتحة وعين مار تراقبها بترقب. فتحته وعيناها اتسعت بخوف وجسدها انتفض خوفاً فتراجعت بضع خطوات بخوف. قالت بتلعثم: "أنت؟"
ولج ذلك الرجل ذو الوجه العابس واقترب منها بحدة كاد أن يمسك يدها. فوجد يد فولاذية تمنعه.
لمار مسكت يده بقوة: "مين سمحلك تقرب منها؟"
قال غاصباً: "دي بت مراتي وأنا جاي أخدها. أهاتها الأدب وأنها ما تطلعش من البيت؟"
أما ورد فقد تمسكت بلمار واستخبت خلفها وهي تنظر لزوج والدتها بخوف.
فقالت تلك المرأة الواقفة: "ورد تعالي يا حبيبتي أنا جيت أرجعك؟"
خطفت لمار نظرة تجاه ورد رأتها تشير رأسها بـ "لا" فقالت بحدة: "ورد ادخلي جوه."
انصاعت لها. فهب هو قائلاً: "هو إيه اللي يدخل جوه؟ خلصي يابت هنمشي؟"
رمقته لمار بنظرة نارية وأشارت لهم بالجلوس.
قالت والدة ورد: "لو سمحتي اندهليها عشان نمشي؟"
لمار بهدوء: "وهي خايفة منك ليه؟"
رد زوج أمها بغضب: "خوف إيه؟ هي لسه شافت خوف؟"
قطع حديثه لمار بصوت مرتفع: "هش! صوتك ما يعلاش في البيت ده؟"
نظر لها بصمت: "أنا آسف. أندهلها عشان نمشي؟"
رفعت سبابتها أمامه: "هتمشوا آه، بس هي لو رفضت يبقى لأ!"
"هي تقدر ترفض؟ كنت جبت أجلها؟"
ضحكت بتريقة: "ابقى وريني؟"
نادت على ورد فجاءت بخوف. أمسكت بيدها لمار لتطمئنها وقالت لها بحب وهي تنظر لعينها: "حبيبتي دي أمك لو أنتي عايزة تروحي معاها أنا مش همنعك."
بكت ورد فأكملت لمار قائلة: "بس لو مش عايزة محدش يقدر ياخدك من هنا، لا هي ولا اللي معاها ده."
ردت ورد مسرعة: "أنا مش عايزة أروح معاهم، عايزة أفضل معاكي هنا."
هب زوج والدتها واقفاً بحدة وهو يصيح بها: "يعني إيه تفضلي هنا؟ ها؟ ردي عليا؟"
كاد أن يصفعها فمسكت لمار يده وضغطت عليها بشدة وقالت بحدة: "بره، لو فضلتوا أكتر من كده مش هتشوفوا كويس."
انتشل يده بأعجوبة وقال بعند: "مش هنمشي غير وهي معانا؟"
فردت لمار بهدوء: "من امتى وأنت شايل همها."
رمقت والدتها بغضب: "مش كنتي سيبها عند جدها عشان ده بقا تسيبي كامل وتتجوزي ده؟"
"وأنت يلا من هنا وإياك ألمح طيفك."
طأطأت والدة ورد رأسها أرضاً. فهده الفتاة محقة. متى كانت أم جيدة لها؟
نظرت لزوجها وجذبته من يده: "يلا نمشي؟"
أبعد يدها قائلاً بحدة: "مش هنمشي من غيرها؟"
لمار جلست ببرود تام وورد جوارها ولم تبالي بهم. همست لها ورد ببعض الكلمات.
كاد أن يمر من أمامها. فوضعت لمار قدمها أمامه فوقع أرضاً. انحنت لمار لتمسكه بقوة من مؤخرة رأسه وقالت بصوت مخيف: "لو ما مشتش متلومش غير نفسك على اللي هعمله فيك. اتقي شري لأني ماسكة نفسي عنك بالعافية لأنك في بيتي."
ابتلع ريقه بخوف ووقف فأشارت له لمار: "يلا من هنا. وريني جمال خطواتك؟"
وجدته يقف محله دون حركة فصاحت به: "يلااااا."
فركض راكضاً للخارج.
اقتربت لمار من والدة ورد وهمست لها: "دي بنتك، بس أنتي ما تستاهليش تكوني أم لأن الأم بتحافظ على بنتها مش تتجوز واحد عينه على بنتها الصغيرة. تعرفي إنك ما تستاهليش تبقي أم أبداً. دلوقتي هتنسي إن كان ليكي بنت اسمها ورد."
أشارت لها أن تخرج فخرجت وعيناها تفيضان من الدمع.
أغلقت لمار الباب بابتسامة واسعة وفرحة لا مثيل لها. نظرت لورد فركضت لتعانقها بفرحة.
خرجت هالة وريم وهما منفجران ضحكاً.
هالة: "مش ممكن. رعبتي الراجل؟"
لمار: "أعمله إيه ده بارد!"
اقتربت هالة من ورد بفرحة لتعانقها.
قطع فرحتهم طرق الباب. فتوجهت هالة لتفتح فوجدت إيهاب.
إيهاب بضحكة: "هو إيه بيجري هنا؟ مين طالع يجري من عندكم؟"
هالة بضحكة: "ده واحد مامته داعية عليه!"
"ما أنا قولت كده برضه." جذبها لتقف جانباً وهو يقول: "اوعي بقا عديني. كده أي البنات دي؟"
هالة رمقته بغيظ.
لمار بابتسامة: "تعالي يا إيهاب عامل إيه؟"
إيهاب بحب: "تمام الحمد لله. أنتي عاملة إيه يا جميل؟"
لمار غمزة له: "بخير."
أشار له أن يجلس فهز رأسه رافضاً: "لا أنا مش جاي أقعد. جاي آخد هالة زي ما قلتلك."
تصنعت لمار التفكير فقال برفض: "لا أنا هاخدها وأمشي. هو أنتي لسه هتفكري؟"
تعالى صوت ضحكات لمار: "لا لا بهزر. ممكن تخرجوا بس متتأخروش."
انصاع لها قائلاً بمناغشة: "أوامرك يا فندم؟ تؤمريني بحاجة تاني؟"
أشارت له: "لا لا لا."
استدار إيهاب لـ هالة: "أنتي ناوية تروحي معايا كده ولا هتغيري؟ معنديش مشكلة كده برضه؟"
رمقته بعيظ وقلدته: "معنديش مشكلة كده برضه؟"
لوت فمها بتهكم ولجت للداخل.
فقال هو بمناغشة: "لو هتتأخري همشي ها؟"
ردت عليه من الداخل بغيظ: "بالسلامة يكون أحسن."
نظر إيهاب للمار ببراءة وقال: "عجبك كده؟"
"تستاهل أحسن."
هبت لمار واقفة نظرت لـ ريم: "هينفع أسيبك لوحدك وأمشي؟"
كادت ريم أن ترد فردت ورد قائلة: "تسيبها لوحدها أمال أنا فين؟"
"ورد عمرو؟"
"وأنا فين؟"
رمقتهم لمار بحب: "أنا كده همشي وأنا مطمنة. أنا هسيبك معاكي عصابة. الله يكون في عونك."
غادرت لمار ومضت إلى مكتبها.
كانت تمر من أمام مكتب فهد فوجدته جالس. كان ممسكاً بصورة رعد. أصابع يده تلامس ملامح وجهه باشتياق. كان يتمنى أن يخرج من تلك الصورة ويرآه أمامه. كان قلبه يبكي بألم لا مثيل له. وعيناه هائمة بتلك الصورة بشوق وحنين يكفي ليملأ الكون.
هبطت دموعه على الصورة فأزاحهم فوراً وهم بتقبيلها.
اقتربت منه لمار ورفعت يدها على كتفه قائلة بحزن: "الله يرحمه."
رفع عينه التي تفيضان من الدمع بها وقال بحزن وهم: "وحشني أوي. وحشتني كل ثانية كنت بقضيها معاه. حاسس إني وحيد من بعده. حاسس إني روحي غايبة ومش لاقية. ليه خلني اتعلق بيه كده طالما ناوي على البعد؟ مش قادر على البعد. في البيت، في المكتب بشوفه قدامي. إحنا ولا مرة بعدنا عن بعض. كنا ماسكين إيدين بعض من واحنا صغيرين بس ساب إيدي فجأة."
كان ينظر لعينها بحزن. رفعت عينه للمار وأكمل ودموعه تهبط كالأمطار: "أبويا مات يا لمار. سابني في الدنيا دي وحدي. أبويا وأخويا وصاحبي الوحيد مات. أنا ما حبتش أبويا قده. آآآه."
ضم الصورة وأغمض عينه وهبطت دموعه. وضعت لمار يدها على كتفه وهي تحاول الثبات: "هو حي عند ربنا. مينفعش تزعل وتبكي عليه لأن زعلك هيزعله. قوم واقف لأن كل عائلتك محتاجالك."
فتح عينه قائلاً: "وأنا محتاج لهم أكتر."
جذبت الصورة من بين يديه لتضعها جانباً. ساعدته على الوقوف قائلة: "مينفعش تبقى ضعيف. مينفعش تستسلم وتزعل ليه؟ المفروض تكون فرحان. هو مات شهيد يعني في الجنة مأواه. هو في دنيا أحسن من هنا بكتير. دنيا ما فيهاش خداع ولا حقد ولا كره، فيها حب وصدق فيها النبي. المفروض تكون فرحان مش زعلان."
ابتسم لها فهد: "صح. معاك حق."
أزاح دموعاته.
ولج أدهم بحزن على حال رفيقه. جلس جواره وخرجت لمار توجهت لغرفة الاستجواب. ولجت بثبات. كان كامل مرمي أرضاً من كثرة الضرب به. اقتربت منه لمار وجلست لمستواه: "تؤ تؤ تؤ يا حرام. هما عملوا فيك كده؟"
جذبته بحدة وعنف من فكه وأكملت بصوت مخيف: "بس أنت تستاهل. أصلاً لسه مشفتش حاجة من اللي هعمله فيك. إحنا لسه في البداية. بس اللي مزعلني إن بنتك دفعت التمن وبقت مكان الأطفال اللي أنت كنت هتسرق أعضاءهم وتسلمهم لعالم كل همها الفلوس."
نظر لها بصدمة. فتابعت هي: "متتصدمش. دي الحقيقة. بنتك الضحية. بما إنك اتسجنت كنت بفكر أنقذها."
وقفت لتتخطى للأمام وتابعت: "بس قلت لأ. مينفعش أنقذها لأن من حفر حفرة لأخيه وقع فيها. وأنت خدت أطفال كتير وحرقت قلوب كتير فلازم تدوق اللي دوقته للناس."
استدارت له بابتسامة مكر وأكملت: "قولي كسبت إيه؟ فلوس كان فيك تشقى وتجيبها. دلوقتي خسرت دنيتك وبنتك وأخيراً هتروح فين من ربنا؟ هيجي يوم الحساب."
كلماتها ترددت على مسامعه. كل كلمة نطقت بها اخترقت قلبه. فقال برجاء ودموع: "بنتي؟ أنا ورد؟ بنتي؟"
أومأت برأسها مؤكدة: "أيوه بنتك. أنت آه صح والدك توفى. أكيد متعرفش ما أنت مش فاضي."
توقف قلبه لوهلة. فهو يعلم جيداً ماذا سيفعلون بابنته. قال برجاء: "ساعدي بنتي أرجوكي ساعديها. مش مهم حياتي، ورد هي حياتي."
هزت رأسها بالنفي واستدارت لتغادر وهي تقول بأسف: "آسفة مش هقدر."
وقفت على حافة الباب على سماع صوته: "استني. مستعد أقولك كل حاجة."
ولج عدنان إلى جون وهو يقول: "سيد جون."
نظر له جون بحدة وهو يرتشف مشروبه: "وصلت للذي هربها من هنا؟"
أومأ له برأسه مؤكداً وقال بمكر: "سيد ديف هو الذي خرجها من هنا ولا أحد غيره. هو الذي يعلم مكانها وكل ركن بمنزلك."
اتسعت عيناه بغضب وهب واقفاً وهو ممسك بكأسه وقال: "هو هربها من هنا وأفشل خطتي. لازم نرد له الضربة."
أشار له بجدية: "تعرف لي أين ابنه؟ وأبعث حد ليخلص عليه؟"
لجم عدنان من الصدمة فلم يكن يتخيل ذلك. فقال بمحاولة: "ولكن لماذا ابنه؟ يجب أن نضره هو سيدي؟"
أجابه بحدة: "نفذ الذي قلته لك فوراً."
إيهاب وهالة واقفاً أمام العمارة.
هالة: "ها يا عم. قولي عايز تروح فين؟"
صمت قليلاً بتفكير وقال: "أنا انهارده يومي كله ليكي. شوفي أنتي بقا هتوديني فين؟"
هالة باعتراض: "لا شوف أنت عايز تروح أي مكان وهوديك."
صمت إيهاب لبعض الوقت وقال بمرح: "عايز أروح الأهرامات واركب خيل وآكل أكل شعبي وأروح كل الأماكن الشهيرة هنا."
هالة بتفكير وهي تنظر له: "أنت عايز تروح الأماكن دي كلها انهارده؟"
أومأ لها برأسه.
ضربت جبينها وقالت وهي تدفعه بخفة تجاه السيارة:
- يلا يا أيهاب، يلا قدامي.
صعدا السيارة وذهبا في جولتهم المرحة ليخلقوا ذكريات جميلة لا تُنسى على مر الزمان. كانت فرحة أيهاب لا توصف، وأيضاً هالة.
جاءت جولة ركوب الخيل. ساعدها أيهاب وركب أيضاً. كان ممسكاً بيدها، بساعده، لا توصف، وعينه بها لمعة فرحة لأول مرة تظهر. كانت عينه تتفحص الأماكن بسعادة لا مثيل لها. أما هالة، فقد كانت تشعر أنها لأول مرة تأتي تلك الأماكن.
انتهت الجولة، فأخذا بالسير بسعادة.
- تعرفي أن ده أكتر يوم أشعر فيه بمعني الفرحة. اليوم ده مش هنساه أبداً.
كان الهواء يطاير خصلات شعرها على وجهها. نظرت له بفرحة ووجهها مبتسم:
- شمعنا انهارده؟
أمسك يدها بحب وقال بصدق:
- ممكن لأنك معايا.
صمت قليلاً بحزن وأكمل:
- دي أول مرة أحس إني مش وحيد.
انتبهت لنبرة صوته الحزينة، فشعرت بالضيق:
- ليه؟ أنت مش معاك أخوات؟
وقف ليستدير أمام عينها وجاء بخاطره مايكل وصورته أمام عينه فوراً، فابتسم بحب:
- معايا أخ مفيش زيه في الدنيا كلها. الصراحة هو صديق بس أكتر من أخ. ومعايا أخت.
رفعت خصلات شعرها خلف أذنها ورفعت عينها له:
- أنت من فين يا أيهاب؟
صمت قليلاً لا يدري ما يقوله، فقال:
- مش من هنا، من بلد الأجانب.
هالة باستغراب:
- بس غريبة دي، أنت بتتكلم زينا وكمان شكلك مصري، يعني مش أجنبي خالص.
جذب هاتفه من جيبه وهو يبعث به فوجهه لها وقال:
- طب بصي يا ستي، دي أختي الوحيدة تالا.
تمعنت هالة بالصورة فقالت بذهول:
- سبحان الله، دي أختك؟ طب دي أجنبية أجنبية، في حاجة غلط أكيد؟
قال بتوضيح:
- أنا وهي من أب واحد مصري، هي مامتها أجنبية، بس أنا مصرية.
هالة بتفهم:
- آه، فهمت كدا؟
ضربها بخفة من مؤخرة رأسها:
- أخيراً فهمتي؟
لوت فمها بغيظ وأشارت له:
- أمشي يلا.
راجعا للسير مرة أخرى.
- شكراً.
- على أيه؟
- على اليوم الحلو ده، مش هنساه أبداً.
- علشان لما تسافر تبقي فكرني.
فقال وهو هيمان بها:
- عمري ما هنساكي.
وقفت مقابل له وتقابلت أعينهم بعشق. قطعته هي بخجل ونظرت للأسفل فقالت بارتباك:
- أنت عاوز تروح فين تاني؟
قال بضحكة:
- جعان، أنتي مش جعانة؟
هزت رأسها بخجل فقالت بتساؤل:
- تحب تأكل إيه؟
قال بتسلية:
- أكيد أكل مصري، فلافل، فول، كدا يعني.
أومأت له، جاءت لتسير فمسك يدها. فوقفت وتسارعت نبضات قلبها. استدارت له ببطء، فأقترب منها وقال:
- أنتي إيه أكتر حاجة بتحبي تروحيها؟
أجابته بسعادة:
- الملاهي طبعاً.
أشار لها بصدق:
- طب يلا بقا نأكل ونروح؟
ردت بعدم تصديق:
- بجد ولا بتهزر؟
- لا بهزر، أكيد بجد يعني.
هالة برفض:
- لا، انهارده بس نروح الأماكن اللي أنت عايزها، ويوم تاني نروح.
أجاب بحزن:
- يا ترى هيكون في يوم تاني يجمعنا؟
رمقته بحزن ودموع ترقرت بعينها بخوف. ظلا لبعض الوقت ينظران لبعضهما.
قال بحزن وهي ما زالت عيناها بعينه:
- ليه بتقول كدا؟
هو فقط شعر أنه لن يراها مرة أخرى، فماذا سيجيبها. قال بعد صمت قطعه:
- لاني خلاص هسافر.
ابتسمت بحب:
- أكيد هترجع تاني؟
- أكيدددد. يلا بينا بقا.
ذهبا لتناول الطعام فطلبا سندوتشات وجلسا للأكل وهما يتبادلان أطراف الحديث بسعادة. كان أيهاب يتحدث عن حياته وعن كل شيء بها، أما هي فتستمع له بفرحة.
- تعرفي أن دي أول مرة أكل كتير كده.
- تعال صوت ضحكاتها.
- ومش هتكون الأخيرة إن شاء الله.
مال برأسه على الطاولة وهو محتضن وجهه بين يديه ويتأملها بعشق. لاحظت نظارته فقالت بخجل:
- إيه مالك بتبصلي كدا ليه؟
قال وهو ما زال يتأملها:
- ضحكتك جميلة جداً.
احمرت وجنتاها بخجل.
- دي أول مرة أشوف بنت بتتكسف.
نظرت له بغيظ:
- كل يا أيهاب، كل وأنت ساكت.
جذب سندوتش وقربه من فمها. خفق قلبها بسرعة. انتقلت نظارته بين يده وعينيها. نظر لعينها وأشار لها أن تأكل. أقتربت لتقضم قطعة بسيطة بخجل.
فقالت وهي تبتلع:
- أنا كلت، نمشي؟
أشار لها ووقف. دفع الحساب وذهبا الملاهي. تنططت هالة فرحانة. نظرت لتلك اللعبة:
- ايهاب ايهاب، عاوزة اللعبة دي.
أشار لما تشير إليه:
- عجبك الدبدوب ده؟
أشارت بالموافقة وركضت تجاه ذلك الرجل. أمسكت السلاح فلم تصب أي شيء. أما هو فقد كان واقفاً يتأملها بعشق. أقتربت منه بضيق:
- يلا نمشي، شكلي مش هفوز.
قال وهو ينظر لها:
- هي عجباكي صح؟
هزت رأسها فجذبها جانباً:
- اتفرجي يا بنتي على اللعب طيب.
أقترب ليلعب بمهارة وفاز، فصاحت هي بفرحة لا مثيل لها وهي تقفز كالأطفال. أمسكت الدبدوب بسعادة. أشارت على إحدى الألعاب:
- أيهاب، عايزة أركب دي.
نظر أيهاب لتلك اللعبة المرتفعة:
- تركبي مين يا أمي، مش هتخافي؟
نظرت له ببراءة:
- أخاف وأنت معايا؟ دي تبقى عيب في حقك.
سحبها من معصمها وصعدا اللعبة. وكلما ارتفعت مسكت به وهي تصرخ حتى احتضنته بخوف:
- نزلني يا ايهاب، هقول للمار.
انفجر ضاحكاً عليها وقال بتريقة:
- ايهاب، عايزة أركب دي، مش هتخافي، لا وانت معايا.
ضربته بخفة على كتفه. لم ينتبه أيهاب لتلك الأعين التي تراقبه وتراقب كل خطوة يخطيها.
سارا سوياً وهي بجواره تسير بفرحة كالأطفال، ف أمسك يدها ووقفت مقابل عينه.
- كنت عايز أسئلك سؤال فضولي شوية.
خفق قلبها وشعرت بالأمان من لمسة يده، فنظرت لعينه بحب:
- اسأل.
- أنتي مرتبطة.
هزت رأسها نافيه، فابتسم بسعادة وتابع:
- ولا كان ليكي أي علاقات قبل كدا؟
هزت رأسها بالنفي:
- لا خالص. وأنت بقا أكيد تعرف بنات كتير؟
أستدار ليسير وهو يضغط على يدها بإحكام وكأنه إن ترك يدها سيموت:
- لا خالص، دي أول مرة أتكلم مع بنت.
كانت تسير بجواره بسعادة، فنظرت له بابتسامة رقيقة وسعادتها لا توصف أن هي من في حياته فقط.
ريم وورد وعمرو جالسون يشاهدون فيلما وأعينهم تذرف الدمع، فقد كان فيلما مؤثرا.
- مش عارفة إزاي أخ يعمل كدا في أخوه عشان الفلوس. كل العلاقات بقت مصالح وبس. الناس مبقاش عندهم قلوب. بقي في حجارة سوداء بدل القلب، مفيهاش غير الحقد والغيرة والجشع والطمع وحب المال. العلاقات بقت ولا حاجة ليهم.
- صح. ميعرفوش معنى الروابط. لازم يتعلموا يعني إيه معنى الأخوات، زي عمر بن الخطاب وأخوه زيد، وزي البراء وأنس.
- مين دول؟
- دول يا ستي، أنس يبقى خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليه أحاديث كتير وكان مع النبي من سن عشر سنين. البراء ده كان شاب بيعشق الموت. كان بيخترق صفوف أعداء الله غير مبالي بنفسه. كان بيقاتل وكأنه جيش كامل، وكل همه الشهادة في سبيل الله. ويوم قتال مسيلمة الكذاب، انهزم عكرمة وتولى خالد بن الوليد القيادة. اختبأ الأعداء في قلعة لهم عالية الأسوار، وكان جنود مسيلمة كثير يحمون الباب. نظر خالد فعرف أن لا يوجد أحد يستطيع اقتحام القلعة سوى واحد بس اللي بيدور على الشهادة من غير خوف من الموت.
- مين؟
- استنوا بقا متقطعونيش. نظر خالد للبراء وقال إليهم: يا فتى الأنصار، فقد كان البراء من الأنصار. تهلل البراء من الفرح، فها هو موت مؤكد في سبيل الله. ورفعوه على الترس وقذفوه داخل القلعة قريب من الباب. ونجح البراء وفتح الباب لإخواته، وكان فيه بضعة وثمانين جرح من ضربة سيف أو سهم، وانتصر المسلمين بسببه. وقام بمدواته خالد شهر كامل لحد ما خف، وزعل البراء أنه مخدش الشهادة، بس كان عنده ثقة ويقين أن ربنا مش هيخيب ظنه أبداً. وفي يوم فتح تستر، اليوم الموعود واللحظة التي ينتظرها البراء ومغادرة الحبيب لبلاد حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، عمد الأعداء من خلف الأسوار بالحديد المحمي بالنار يغرزوها في جسد من يشاؤوه، فتصهر أجسادهم. نالت الخطاطيف من أنس، أخو البراء الأكبر وخادم رسولنا، فاقترب البراء منه وخلصه من الخطاطيف غير مبالي بنفسه، ويده صهرت، بقيت رماد إلا عظمتين، وتعجبوا المسلمين منه، ومات البراء شهيداً.
- يعني عشان ينقذ أخوه ضحى بنفسه؟ طب محسش إزاي بالنار اللي كلت إيده؟
- هما ناس مكنش همهم الدنيا، كانوا متأكدين أنهم مجرد غرباء وفي دار أخرى يجب أن يسعوا لها مهما كلف الأمر. مكنش همهم نفسهم. وبصي أبو حذيفة كان ليه عبد اسمه سالم رباه وعاش معه، كان ليه أكتر من أخ وابن، كانوا في كل المعارك سوا وماتوا سوا. وقبل ما يموت سالم وصى خالد أنه يدفن بجوار أخوه أبو حذيفة ولفظ أنفاسه الأخيرة. وشوفي الربيع لما الأعداء قتلوا أخوه وصلبوا رأسه ليحتذوا به، كان المهاجر ليه جملة عظيمة: زينوا القرآن بأفعالكم وليس بأصواتكم. هو كان كدا، كان بالفعل عشان كدا. الأعداء وصبوا رأسه بس الربيع انتقم ليه أروع انتقام وتوفى بعده. دول ناس عرفوا معنى العلاقات وقدروها وضحوا بنفسهم عشانها.
قطع حديثها دوي صوت الأذان فرددت مع المؤذن، بعدما غمزت ريم أن تردده أيضاً هي وعمرو. قرأت الوسيلة ووقفت وهي تقول:
- يلا عشان نصلي.
جذبت ريم الريموت وهي تقول:
- روحي صلي، أنتي هكمل الفيلم ده.
- بما أنك سمعتي الله أكبر، يبقى الله أكبر من كل حاجة، تسيبي اللي في إيدك وتصلي. قالتها وهي تجذب منها الريموت.
- حبيبتي أنا ولا مرة صليت، وبعدين أنا مشلولة.
- أبواب ربنا ديما مفتوحة لعبده، قومي نصلي، هتصلي وأنتي قاعدة مكانك كدا.
- هينفع؟
- أكيد. لازم تصلي. أبو الدرداء كان تاجر فتح دكان أمام باب المسجد عشان ولا صلاة تفوته، وكمان لازم تاخدي من ورث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
- اللي هو إيه؟
- أبو هريرة دخل السوق في يوم ووجد أن الناس جميعاً منشغلون في التجارة، ياما بيع يا شراء، أخذ وعطاء. فوقف عليهم وقال: ما أعجزكم يا أهل المدينة. فقالوا: وما رأيت من عجزنا يا أبا هريرة؟ فقال: ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم وأنتم ها هنا! ألا تذهبون وتأخذون نصيبكم؟ قالوا: وأين هو يا أبا هريرة؟ قال: في المسجد. فخرجوا سراعا، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا. فلما رأوه قالوا: يا أبا هريرة، لقد أتينا المسجد فدخلنا فيه فلم نر شيئا يقسم. فقال لهم: أو ما رأيتم في المسجد أحدا؟ قالوا: بلى، رأينا قوما يصلون، وقوما يقرأون القرآن، وقوما يتذاكرون في الحلال والحرام. فقال: ويحكم، ذلك ميراث محمد صلى الله عليه وسلم. وأنتي مش عايزة تاخدي من ميراث محمد صلى الله عليه وسلم.
- أكيد عايزة، ساعديني بقا.
ساعدتها على الوضوء ولبس الإسدال وجعلتها تصلي، وعمرو أيضاً. وصلت هي. أما ريم فشعرت بالسكينة براحة لم تعتدها من قبل، فبكت من قلبها.
- أهووه شفتي الصلاة جميلة إزاي؟
- فعلاً. بت انتي متأكدة أنك صغيرة؟
ضربت ورد جبينها بنفاذ صبر:
- كل شوية حد يقولي كدا. آه، لأن جدي علمني كل ده. لما الشخص يتعلم وهو صغير بيفضل كدا وكل اللي تعلمه في قلبه.
- يبدو أني هتعلم منك حاجات كتير. تيجوا نعمل حاجة للمار؟
- نعمل إيه؟
وضعت إحدى أصابع يدها على ذقنها بتفكير، فصاحت:
- هي بتحب الحلويات. تيجوا نعملها كيك.
- هنعرف؟
جذبت الكرسي:
- أيوه. تعالوا.
كانت ورد وعمرو يضعون المكونات بمساعدة ريم. عمرو بدأ يأخذ على ورد ووجودها، فوضع يده ليجذب بعض الدقيق ومسح يده بوجهها بمشاكسة.
- يوووه بقا يا عمرو، إيه اللي عملته ده؟
ريم انفجرت ضاحكة على مظهرها.
- بتضحكوا طيب.
جذبت الدقيق ورشت القليل عليهم، وصوت ضحكاتهم يعبئ الجو دفئ وحب.
لمار جالسة بمكتبها. وعلى صغرها ابتسامة. فها قد جمعت جل المعلومات التي تحتاجها. ها هي ستصل لقاتل والديها وستنتقم. ها هو حلمها سيتحقق أخيراً.
- حبيبتي، ممكن أدخل؟
خفق قلبها وتسارعت أنفاسها من تلك الكلمة "حبيبتي". سماع صوته كفيل أن يربكها. رفعت نظره لأدهم المستند بجسده على الباب وجاكته خلف كتفه وبيده الأخرى بعض الحقائب. ابتسمت بخجل:
- تعال يا أدهم.
ولج للداخل بعدما أغلق الباب خلفه. وضع ما بيده وقال بحب:
- وحشتيني.
كانت تنظر له فقط. وقف جوارها وهو مستند بيده مقعدها. أشار بيده أمام وجهها:
- مالك يا بنتي؟
انتبهت لذاتها فهزت رأسها:
- مفيش. جاي ليه؟
مال عليها قليلاً وهمس:
- في واحدة تقول لحبيبها جاي ليه؟
رفعت عينها لتنظر في عينيه، وتقابلت أعينهم بعشق. صمتٌ صادقٌ قطعته بسنت وهي تدلف:
"لمار، احنا لازم نعمل..."
لم تكمل باقي جملتها. أما أدهم، فأبتعد عنها فوراً. هي رمقته بغيظ.
بسنت، باحراج:
"طب أنا هاجي وقت تاني."
لمار، برفض:
"لا، خليكي."
أدهم، وهو يغادر:
"أنا طالع استنى..."
رمقته ريم حتى غادر. فأستدارت للمار وخطت نحوها بغيظ، وهي واضعة يدها بخصرها:
"بقا كدا يا لمار؟ وأنا آخر من يعلم؟"
لمار، باستغراب:
"مش فاهمة، آخر إيه؟ قصدك أدهم؟ اممم..."
بسنت، جلست أمامها على المكتب:
"لا، بس موز وقمر كدا. مكنتش متخيلة أن ممكن يجي يوم وتحبي؟"
أشارت لها لمار:
"واهووو، حبيت؟"
أشارت بسنت لها أن تقترب، فاقتربت لمار. وهمست لها:
"بس كنتوا بتعملوا إيه؟"
ضربتها لمار بخفة، وأنفجرا ضاحكين.
بسنت، بتذكر:
"كنت هنسى. عايزين نخرج النهارده علشان خاطر فهد؟"
لمار، وقفت:
"أوكي، نخرج. مفيش مشكلة؟"
بسنت، هبطت لتقف أمامها:
"بجد؟"
أشارت لمار:
"أكيد. يلا قولي للشباب، وأنا رايحة عند أبوكي وجاية."
ذهبت بسنت. أما لمار، فتوجهت لغرفة اللواء أمجد، أستأذنت وولجت للداخل.
أمجد:
"لمار، عاملة إيه يا بنتي؟"
لمار، بكره:
"الحمد لله."
أقتربت لتجلس، وهي ترمقه كسهم قاتل.
أمجد، بتوتر وارتباك:
"إيه يا لمار؟ بتبصيلي كدا ليه؟"
لمار، كما هي ترمقه بغموض:
"متأكد مفيش حاجة؟ ولا مخبي عني حاجة؟"
أبتلع ريقه بخوف وتوتر، وقال بتلعثم:
"لا، هخبي عليكي إيه بس؟"
أسندت لمار يدها على المكتب، واقتربت بوجهها بقليل، وهمست بصوت مخيف:
"خليك فاكر سؤالي، ومتتمنناش أني مش بسامح اللي بيكدب عليا، واللي بيخون بلده ويخوني."
أمجد، بتوتر وتردد وتفكير:
"هااا، لا مفيش حاجة يا بنتي."
لمار، هبت واقفة بابتسامة:
"تمام. هنخرج احنا. لو احتجت حاجة، أنا موجودة. هااا، موجودة."
شددت على تلك الكلمة، وكأنها تريد أن يتأكد أنها بجواره.
غادرت مكتبه، وولجت مكتبها. جلست بتعب، وحادثت ذاتها:
"معقولة اللواء أمجد هو نفس الشخص اللي بدور عليه طول السنين دي كلها؟ كان قدام عيني وأنا بدور. هو اللي حرمني منهم."
فاقت لذاتها على دوي نغمة هاتفها. هزت رأسها لعل تلك الأفكار تذهب. وجدت عمها، فرفعت الموبايل بفرحة:
"حبيبي، عامل إيه؟"
روؤف:
"قلب عمو، وحشني عامله؟"
لمار، بفرحة:
"تمام الحمد لله. إيه بقا؟ مش ناوي تيجي؟"
روؤف:
"لا لا، قريب جاي. انتي وحشاني؟"
لمار، بحب:
"وأنت كمان والله."
الصمت طال بينهما. قطعته هي:
"عمو، أنا قربت أوصل لقاتل أخوك."
أجاب بفرحة:
"إيه؟ بجد يا لمار؟ أخيراً؟"
أجابت والدمع على وشك النزول على وجنتيها:
"آه بجد. قربت يا عمو، وهناخد حقنا."
روؤف:
"متعرفش أنا مبسوط قد إيه. بس هو مين؟ عرفتي؟"
أجابت والدمع على وجنتيها:
"اه."
روؤف، باهتمام:
"طيب مين؟ قولي بسرعة. خليني أخلص عليه بإيدي، وأخد طار أخويا."
لمار، بحزن وقلب مفطور وجع، همست:
"اللواء أمجد."
صمت قليلاً، وقال بعدم تصديق:
"اللواء أمجد نفسه؟ متأكدة؟ أكيد فيه حاجة غلط."
ردت بوجع:
"لا، هو نفسه."
"هقفل أنا. سلام."
وأغلقت فوراً. استقامت لتغادر بثبات. كادت أن تمر من أمام مكتب اللواء أمجد، ولكن تخشبت محلها على سماع حديثه، فأنصتت جيداً.
"قولتلك الشحنة هتمر. وكل المعلومات هجيبهالك. أنا بكرة هجيلك سيناء ومعايا كل اللي أنت عايزه."
صمت قليلاً وتابع:
"لمار إيه اللي هيخليها تشك فيا؟ متقلقش، أنا هتصرف. سلام دلوقتي."
تابعت لمار سيرها لغرفة فهد، ولجت للداخل، وجدتهم يضحكون.
أحمد، أنتبه للمار، فقال بفرحة:
"ولمار جت. يلا بقا، النهارده خدنا إفراج وهنخرج. اليوم لازم يتكتب في التاريخ. بت الشرقاوي سمحت لنفسها وفريقها بالخروج بباركتك يا شيخ فهد."
أنفجر فهد ضاحكاً على فعلته وحديثه.
فلكمته لمار بخفة ودفشته للخارج:
"يلااا، علشان بكرة عندكم تدريب."
وقف أحمد بصدمة:
"تدريب إيه؟ يا سنتك السودة يا أحمد. هتتفرم بكرة يا أحمد. أصرخ ولا ألم الناس؟"
تعالى صوت ضحكات بسنت.
"طب ما دي هي دي."
أشارت لها لمار:
"قولي له الأبل ده."
أدهم، واقف جوار فهد ومحتضن كتفه:
"المهم، هنروح فين؟"
لمار، رمقته بحب:
"المكان اللي يختاره فهد."
فهد، غمز لها:
"على الكورنيش زي عوايدنا طبعاً."
أدهم:
"أنا هاخد لمار وفهد، وانتوا تعالوا سوا."
لوحت لمار بفمها له، ورحلت لتصعد سيارتها، وهم خلفها. صعدت بسنت جوارها.
فهد، أنفجر ضاحكاً. نظر له أدهم بغيظ:
"بتضحك؟"
فهد:
"يا كسفتك يا أدهم."
وتركه، وصعد مع لمار وهو خلفه.
جلسا جميعاً. كان الهواء يرافق جلستهم، مما زاد من جمال تلك اللحظة. البحر جوارهم ينعش أرواحهم، وصوت ضحكاتهم يملأ الجو.
هب أحمد واقفاً وهو يقول:
"هجيب لكم ترمس نتسلى."
أما لمار، فرمقته بغيظ.
عاد أحمد وجلسا يتحدثان جميعهم. أما لمار، فوقفت وذهبت تجاه البحر. ظلت تتأمله بتفكير، وهي مربعة يديها أمام صدرها.
أستدارت وتأملت ضحكتهم بمحبة. فتلك الصداقة لا تقدر بكنوز الدنيا. كلما ضحكوا، ابتسم قلبها.
تقدم أدهم منها، وفرقع أصابعه في وجهها، وأشار لها:
"حبيبتي، سرحانة في إيه؟ وواقفة لوحدك؟"
رفعت رأسها له، وخصلاتها تتطاير مع نسمات الهواء:
"مفيش عادي. بس من زمان مشفتهمش مبسوطين كدا."
وقف أدهم جوارها، ورفع نفسه ليجلس على السور:
"تعرفي إني عرفت معنى كلمة صداقة. معاكم حسيتكم كالعائلة. الوحدة، أحزانكم، أفراحكم وحدة. بتفرحوا سوا، وتحزنوا سوا. دي حاجة نادرة."
هائمة بنا، غامزة أحمد وضحكة فهد وبسنت، وقالت وهي تتطلع بهم:
"لما اختاروا يبقوا في فريقي، وقتها تعاهدنا أننا نكون إيد وحدة في الشغل. بس لقيت أننا مش بس الشغل، إحنا قلب واحد وروح وحدة وعيلة وحدة."
أستدارت لتنظر للبحر لدقائق بصمت. تطلعت بأدهم، وأكملت:
"أحمد بعتبره وكأنه ابني، مش بس رفيق بسنت. فهد، وقلت بحزن، ورعد. ممكن اتعرفت عليه قريب، بس خد مكان في قلبي."
جاءت بسنت راكضة، وهي تقول بتزمر:
"يا لمار، اسكتي أحمد بقا بيغلس عليا."
أستدارت لمار لها. لحق أحمد وفهد بسنت.
أحمد:
"لمار، إيه رأيك؟ عندي فكرة."
ردت بفضول:
"اللي هي؟"
اقترب منها وهمس لها:
"تيجي نجيب طيارات ورق ونطيرها؟"
نظر لعينها وتابع قائلاً:
"هاا، قولتي إيه؟"
فكرة قليلاً، فأشارت له بتأكيد:
"روح جيب."
أشار بيده وهو يغادر.
لمار، تفحصتهم بعينها:
"يلا، عندي على البيت. هنلعب بالطيارات."
أدهم، هبط من مقعده:
"بتهزري صح؟"
هزت رأسها بـ "لا". فقال بضحكة:
"أنا عارف أنكم شلة مجانين، بس مش لدرجة."
بسنت، تمسكت بيد لمار:
"بجد؟"
أكدت لها:
"بجد بجد."
جاء أحمد راكضاً وبيده الطيارات، فصاحت بسنت فرحاً.
لمار، خطت للخلف وهي تنظر لهم:
"يلا نتسابق، واللي يوصل الأول هيطير طيارته الأول."
ركضوا جميعهم للسيارات.
بعد وقت، توقفت سيارة لمار، وخلفها الشباب. هبطت من العربية هي وبسنت، والشباب أيضاً. فقالت وهي تتقدم منهم:
"إحنا فزنا يا فشلين."
صعد الشباب لآخر دور في العمارة. أما بالأسفل، ولجت لمار وبسنت.
ريم، استقبلتهم بفرحة.
ورد وعمرو، ركضا ليعانقا لمار بفرحة، وهي أيضاً.
لمار:
"يلا، هنطلع فوق. الشباب كلهم فوق."
ريم، بحزن:
"لمار، أنتي مش منتبهة لحاجة؟"
أستدارت لمار لها جيداً، واقتربت منها بابتسامة:
"بسم الله ما شاء الله، الحجاب مطلعك قمر."
ريم، نظرة لورد:
"دا بفضل ورد."
بسنت:
"لا، بجد طالعة قمر."
لمار، بحب:
"أحمد هيفرح لما يعرف إنك اتحجبتي. يلا بقا نطلع. هي هالة لسه مرجعتش؟"
ردت ريم مسرعة:
"كلمتني وقالت إنها في الطريق."
كادت لمار أن ترحل، ولكن ورد منعتها.
ورد، مسكت يد لمار، وقالت بحزن:
"أنتي هتطلعي كدا؟"
عمرو:
"أنا طالع."
ورحل للشباب. أما لمار، فلم تفهم ما تلمح إليه ورد، فجلست على ركبتيها، وقالت:
"ليه؟ انتي مش عايزاني أطلع؟"
هزت ورد رأسها نافية:
"عايزاكي، بس مش كدا."
لمار، باستغراب:
"مش كدا إزاي؟"
ورد، بحزن:
"لبسك ضيق. بنطلونك كمان ضيق. انتي من الكاسيات العاريات. تعالي اقعدي هنا."
قالتها وهي تجعلها تقف وتجلس. ذهبت ورد قليلاً، تحت دهشة لمار والفتيات. وخرجت وبيدها كوب شاي. قدمته للمار، التي نظرت إليها بعدم فهم، وعيناها تتنقل بين الفتيات باستغراب.
جذبته منها برفق:
"انتي عملتيلي شاي؟"
هزت رأسها بـ "أيوة". وضعته لمار جانباً.
ورد:
"اشربي يلا."
ردت لمار:
"دا سخن. لما يبرد."
ورد، جلست جوارها:
"مش قادرة تمسكيه ولا تشربي منه، وده مجرد كوب بس سخن. هتعملي إيه في نار جهنم؟"
لمار، الكلمة لجمتها. شعرت بتوقف خفقان فؤادها لوهلة. نظرت لها بخزي وحزن. استقامت لتجلس أمامها، ومسكت يديها:
"أوعدك أني هتغير، وقريب أوي. وهتعلم منك كل حاجة. بدل ما أنا أعلمك. بس عايزة لما أغير نفسي، يكون قلبي راضي وفاهم هو بيعمل إيه، مش عشان حد طلب مني. ماشي؟"
اقتربت منها ورد لتحتضن وجهها، وقالت:
"وأنا متأكدة أن اليوم ده قرب جداً."
أما بسنت، فكلماتها اخترقت قلبها، وعاهدت نفسها على أن تتغير. وجال بفكرها زيد.
صعدا الفتيات للأعلى بفرحة. رأوا الشباب يطيرون طياراتهم بالسماء بسعادة. ذهبت بسنت لأحمد بمشاكيها. فأمسكها لها، وظل يعلمها كيف تحلق. جوارهم فهد وأدهم.
لمار، وقفت تشاهدهم بمحبة.
لم ينتبه أحمد لريم. اختلس النظر خلفه، فأندهش بحجابها واسدالها الواسع. فترك الطيارة بهيام ودوم وعي.
فصاحت به بسنت:
"يا بارد، بتسيبها ليه؟"
لم يستمع لها، فقد كان مسحوراً بحوريته. كان يتقدم منها، ولا يرى غيرها. وقف أمامها، وقال بدهشة:
"إيه ده؟"
وضعت يديها على وجهها لتخبئه بخجل. أمسك يدها بحنان ليبعدهم، وقال بحب:
"مكنتش عارف أطلب منك إزاي تلبسي حجاب حتى، بس فاجأتيني."
أشارت لورد، ففهم ذلك. فذهب على غفلة منها، وحمل ورد ودار بها. صرخت ورد من فعلته. فاقتربت لمار، وانتشلته من يده، وضربته بخفة:
"اتجننت؟"
ما انت مجنون أصلاً؟
أخرج لسانه لها وجذب كرسيها وتحرك تجاه السور. جذب إحدى الطائرات وأمسكها لها وساعدها لتجعلها تحلق بالسماء، ولكن كان قلوبهم هي من تحلق بالسماء وأرواحهم.
لمار مسكت إحدى الطائرات وساعدت عمرو ورد، فحلقت بعيداً عنهم.
جاءت هالة وأيهاب وتفاجأوا بذلك.
أيهاب بزهول: واو وأنا كمان عايز واحدة؟
استدارت له لمار وأشارت له: تعالي تعالي.
أقربا منها هو وهالة وساعدتهم. نظرت ﻷيهاب بتأمل، سرعان ما جاء ببالها أياد، فجذبت هاتفها لتحادثه هو وزيد.
بعد وقت طويل…
بتلك الفرحة من أبسط الأشياء، جلسا جميعهم بتعب بعدما وقعت طائرة أحمد وفهد وأدهم، ما عدا الأطفال وأيهاب.
أدهم: بجد أول مرة أفرح كدا.
أيهاب: والله وأنا.
نظر لبعضهما وضحكوا.
كانت لمار لا تستطيع أن تبعد نظرها عن أيهاب، تريد أن يبقى أمامها هكذا فقط.
تسللت ورد للأسفل بخفة وعادت ومعها الكيك التي صنعوه. وقفت أمام لمار وأخرجت الطبق من خلف ظهرها وقالت بحب: أنا وعمرو وريم عملنهولك، يارب يعجبك؟
نظرت لها لمار بفرحة وجذبته منها وجذبت قطعة لتلتهمها بتلذذ.
جاء أحمد أن يجذب قطعة فضربته لمار على يده وأشارت له أن يجلس: اقعد يا أحمد، دا بتاعتي.
أيهاب بمناغشة: إيه البخل ده؟ طب أنا مليش حتة؟ بقولك إيه أنا زيك بعشق الحلويات.
قدمت له لمار وأعطتهم جميعاً.
اقتربت من ورد: شكراً يا حبيبة قلبي، دي أجمل كيكة أكلتها في حياتي؟
ورد بفرحة: بجد عجبتك؟
أدهم: هو إحنا مش هنتعشى ولا إيه؟ حد ينزل يجيب أكل؟
أيهاب هب واقفاً: هروح أجيب أنا الأكل وهجيب حاجات نتسلى كدا وهجي.
كاد أن يهبط الدرج فوقف على صوت هالة: هتعرف تجيب ولا هتوه؟
نظر حوله فلم يجد شي يلقيه عليها، فرمقها بغيظ وهبط مسرعاً.
بعد مدة ليست ببعيدة، كانت لمار تشعر بالقلق، فاستقامت واقفة ونظرت من عند الدرج وعادت.
أدهم: مالك رايحة جاية خيلتيني، اقعدي.
لمار بقلق: أيهاب اتأخر؟
أحمد: متأخرش يا بنتي ولا حاجة، اقعدي.
رن هاتفها معلناً عن رسالة، فتحتها واتسعت عينها من الصدمة.
"ألحقي أيهاب بسرعة، هو في خطر. لو تأخرتي هتخسريه وهتندمي بسرعة. روحي أنقذيه، في رجال مسلحين ملحقين أيهاب زي أياد. هو مش غريب، دا قريب ومنك وفيكي. لو حصله حاجة هتموتي بعده ومش هيفيدك الندم."
تسارعت نبضات قلبها وتوقفت لوهلة. تلك الرسالة ترددت على أذانها ولم تفهم معناها. كانت تلهث كأن أحداً ما يركض خلفها. ألقت الموبايل من يدها وركضت للأسفل كالإعصار والبرق. رأت زيد يكاد يهبط من دراجته بقلق، فدفشته بعيداً دون كلمة ودون اكتراث، وصعدتها هي وانطلقت مسرعة.
أما الشباب هبطا للاسفل راكضين خلفها دون فهم ﻷي شئ.
أحمد بقلق وهو متجه لزيد: زيد في إيه؟ مال لمار؟
نظر زيد للمفاتيح بيده وجذبهم مسرعاً وصعدا السيارة وطار خلفها.
أحمد وفهد وأدهم تناقلوا الأنظار لبعضهما دون فهم.
أيهاب كان عاد ولكنه وجد سيارات كثيرة خلفه وضرب نار. لم يدري من هم، ظن أن تلك هي نهايته. هبطت دموعه، خشيت أن لا ترى مايكل مرة أخرى، فهو من جاء في باله وقلبه في تلك اللحظة. كان يحاول بشتى الطرق أن يضلهم عن طريقه. جذب هاتفه بيد مرتعشة وكاد أن يرن على مايكل، ولكن من تلك الرعشة والارتباك وقع الموبايل من يده وعاود النظر للطريق واطلاق النار يزداد عليه والعربيات حاوطته.
أما مايكل كان يقف بغضب في الحديقة. ألقى الموبايل من يده ووضع يده على رأسه. شعر بالاطمئنان قليلاً، فلمار لن تسمح ﻷي شئ أن يصيبه. ولج للداخل بحضوره المميز. صعدا لغرفة حبيبه، ولج للداخل دون طرق الباب.
فهبت هي واقفة من على التخت وقالت بغضب: أنت غبي مش بتفهم، مش تخبط قبل ما تدخل؟
اقترب منها بعصبية وجذبها بعنف من يدها و…
رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل السادس عشر 16 - بقلم ندى ممدوح
“اللهم ثبتني بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة”
كان أيهاب ينطلق مسرعاً يحاول بشتي الطرق أن يتجنب أطلاق النيران ، شعر أن هذه النهايه فردد بخوف :- مكنتش عارف أني هموت الموته دي منك لله يا بابا فينك يا يوسف …
أدمعت عيناه خشية أن لا يرأه فهو له ك والد وأكثر ردد بصمت :- أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ….
لمار جاءت مسرعه بالدرجه الناريه ورأت سيارته وخلفه الكثير من السيارات أسرعت بأقصي سرعه وأرتفعت من فوقهم حتي خطت بمحاذات أيهاب قرأءة حركة شفايفه وهو يقول التشهد فصاحت به بصوت عالي :- أيهاب مش هتموت دلوقتي لسه ؟
هل أستمع لصوتها حقاً أم أنه يتخيل ؟ رفع عينه فوجدها لجواره فابتسم باطمئنان كأنها أعادته للحياه …. أبطئت لمار حركة الدرجه ليمرؤ هو و صدت هي الطريق أمام السيارات هبطت بخطوات ثابته وعينان تطلق الشرار ربعت يدها أمام صدره بملل وأشارة لهم أن يهبطوا …
جاء مسرعاً زيد ليقف جوارها وغمز لها …
أقتربا منها الرجال بغيظ فمن هي لتصد طريقهم وعلي غفله منها تسلل أحدهما ليلحق بأيهاب …
صاح احدي الرجال بها :- أبعدي عن طريقنا في الحال
ردت ببرود :- وأن مبعدتش هتعمل أيه ؟
قال بغضب :- أخر تحديز أبتعدي من أمامنا لدينا شغل !!
اقتربت منه لتقف أمامه ببرود تام أما زيد كان يقف بتسليه ويشاهد …
قال وهو يشير إليها :- أخر كلام لن تبعدي ؟
رفعت يدها لتغرز أصابعها في عنقه بحده وقالت بصوت جهوري مخيف :- مش هبعد ومستحيل أبعد و وريني هتلحق ايهاب ازاي …
كان يختنق بيدها وهو يحاول ان يبعدها ولكن قوتها تفوقه فلم يستطع … اقتربا بعد الرجال … فرفعت أحدي قدميها لتهوي بهم أرضاً … اقترب زيد ليصدد لهم اللكمات …
قالت وهي ما زالت تخنقه :- هاااا تبع مين بعتك ليه وعايز منه ايه اخلص ؟
قال بصوت مهزوز :- جون جون هو من بعتني له ؟
أبعدت يدها لمار ليهوي هو أرضاً يتألم ويلتقط أنفاسه …. لكمته بقدمها وقالت بغضب :- قول لسيد كلب بتاعك أن نهايته قربت …
استمعت لصوت موبايل ذلك الرجل … فأنحنت لتجذبه أبتسمت بخبث عندما وجدت اسم “جون” رفعته وأطلقة ضحكة تريقه وقالت بسخريه :-
يا حرام لو تشوف منظر رجالتك عامله ازاي متقلقش ان شاء الله قريب هتكون مرمي زيهم …
قالت بصوت جهوري :- عايز أيه من أيهاب ؟
رد بغيظ وغضب لا مثيل له :- لمار لمار لمار أنا بكره هذا الأسم كثيراً وأكره صحبته اكثر ماذا تريدين مني عرضة عليكي مصاري كتير محدش يحلم بيها ولكن رفضتي لماذا لا تتركيني وشأني ستخسري كتير بسبب وفاءك هذا ؟
قطعته بضحكة تريقه :- مش لمار عز الدين اللي تخسر !
قال بغضب :- فكرتيني بشخص كان دئم قول هذه الكلمه ولكنه أين الآن ؟ هو وعائلته أرسلته في رحلة إلا عوده وسأرسلك لهم قريباً جداً ؟
– أنا موجوده وأنت موجود والزمن هيببن مين هيبعت التاني في رحلة إلا عودة وااااه حق أبويا هرجعه متقلقش وقريب ؟
أغلق الهاتف بغضب جامح لا مثيل له …
زيد أقترب من لمار و وضع يدها على كتفها
لمار أستدارت له :- أنت عرفت ازاي ؟
أشار لها وهو يقول باستغراب :- في رساله جتلي ؟
لمار بتفكير :- هو مين ؟ يقص ايه ب أياد زي أيهاب أيهاب أيهاب … نظرة حولها فقالت بتذكر :- أنا نسيت أيهاب …
تنقلت أنظارهم لبعض وركضا للسياره …
وجدت سيارته مدمره في حادث وأمامه سياره وبها رجل من رجال جون … هبطا راكضه للعربيه وفتحت الباب … كان أيهاب به جرح برأسه … هزته قليلاً وهي تنادي باسمه بخوف فنظر لها بألم وابتسم :- أنتي جيتي كنت مستنيكي ؟
لمار مسكت يده وهي لا تفهم أي كلمه … وضعت يده علي كتفها واخرجوه من السياره ..
أحتضنها أيهاب بحب :- صح هو قال أنك مش هتخلي اي حاجة تحصلي خليني معاكي ؟
أندهشت لمار من فعلته ورمقة زيد بعدم فهم فضيق حاجبيه بعدم فهم … رفعت يدها لتعانقه بمشاعر متلخبطه ولكنها ترددت في بدأية الأمر سرعان ما ضمته بحب ….
نظر لها زيد :- بينزف خلينا نخده على البيت ؟
أؤمأت برأسها وجدته مغشي عليه …
وصلت لمار هي وزيد برفقة أيهاب وهي تسانده … كادت بالولوج للعماره … وجدتهم جميعهم منتظرين بقلق …
اقتربت هاله ركضاا بقلق :- لمار أيهاب ماله حصل أيه ؟
لمار :- مش دلوقتي خلينا ندوي جرحه ؟
كان أدهم يرمق زيد بغيره ونار مشتعله …
أسند زيد رأس ايهاب على الوساده … وجاءت هاله بالاسعافات … أنتهت لمار وجلست بتعب ..
زيد أشار لها :- هيبقي كويس ؟
أحمد بعدم فهم :- ايه اللي حصل ؟ فهمونا ؟
لمار باختصار :- مفيش حدثه بسيطه ؟
أما أدهم بعث بعدة رسائل وهو هو يلتقت بعد الصور ﻷيهاب دون ملاحظة أحد …..
جلست حبيبه بدموع لا حصي لها وهي تتذكر كلماته … مسكت يدها بألم من قبضته وهوي الدمع علي وجنتيها بوجع وكلماته تتردد بصوت عالي …
جذبها بعنف من يدها وضعط بقوه وعصبيه وقال :- صوتك ميعلش عليا ومتنسيش دا بيتي أدخل الاوضه اللي تعجبني ؟
فاقت من شرودها على طرق الباب و ولوج الخادمه وهي تقول :- سيد مايكل طالب حضرتك تحت ؟
هبت واقفه بغضب وقالت :- روحي قوليله اني مش نازله ؟
أقتربت منها تلك السيدة وقالت بحنان :- اسمعي الكلام يا بنتي ونزلي وأياكي تعصي اؤامره علشان متشوفيش غضبه انتي مش قده ؟
انفجرت حبيبه باكيه وهي تجلس :- انا مش طايقه هشوفه ازاي دا مبيفهمش ومعندوش فهم مش عارفة هو مين وعايز مني ايه يارب ليه بيحصل معايا كدا بس ليه ؟
ربتت تلك السيده على كتفها بحنان :- تأكدي يا بنتي أنه مستحيل يأزيكي مايكل قلبه ابيض برغم أنه بيبان قاسي ودلوقتي أنزلي واعملي كل اللي يقولك عليه ؟
أشارة لها حبيبه بامتنان … وغادرت السيده ..
مسكت حبيبه مكان قبضته وتأوهت بألم وقالت :- الصبر يا حبيبه لحد ما تشوفي مين ده وعايز ايه ؟
هبت واقفه وهي تزيح دمعاتها وتجففها … وخطتت للأسفل بخوف وتردد … أشارة لها الخادمه علي احدي الغرف فولجدت للداخل …
كان يجلس يتناول الطعام رفع يده لينظر بساعته وقال دون النظر لها :- متاخره خمس دقايق …
رفع عينه بها … كانت تقف ك البلهاء ولا تدري عن ماذا بقصد بتأخيرها ..
أشار لها :- متتكررش تاني ؟ هنا الاكل بمواعيد وإلا نامي من غير أكل …
أشار بيده لها أن تجلس … فتقدمت بخطوات بطيئه وجلست بتردد لجواره بصمت …
قال بحده :- كلي ؟
هزت رأسها نافيه وهي تقول بصوت مهزوز :- لا مش جعانه ؟
اشار لها :- أحسن وفرتي ؟
جفف يده وألقي بذلك المنديل رمقها بحده وقال :- هتطلعي على النوم على طول ؟
جاءت أن تقف فأشار لها :- أنا قولتلك قومي ؟
جلست مره اخرى وهي تقول :-
ما أنت قولت اطلعي ؟
اشار بيده ان تسكت وأكمل قائلاً بحده :- على الساعه 8 صباحاً تكوني هنا على الفطور الغداء براحتك العشاء زي دلوقتي … خروج بره باب الفيلا ممنوع مكتبي ممنوع جناحي الخاص ممنوع …
نظر لها بعيون ثاقبه :- فهمتي ؟
أشارة له وقالت بخوف :- يعني هتحبس في أوضتي ؟
أكتفي بأشارة بسيطه مؤكداً فقالت بغضب :- لا بقا أنا مش هتحبس هنا ؟
رفع عينه القاتله بها فهبت واقفه بخوف : أنا بقول أطلع أنام ؟
وركضت من أمامه مسرعاً …
كان يحاول بشتي الطرق ات يكبت ضحكته وعند ذهبها أنفجر ضحكاً ….
قام وهو ممسك بقهوته الخاصة و ولج إلى مكتبه …
صعدت حبيبه غرفتها وقفت بشرفه بغيظ وهي تقلده بتريقه :- الاكل بمعاد الخروج ممنوع جناحي الخاص ممنوع مكتبي ممنوع ناقص بس يقولي دخول الحمام ممنوع ….
أمسكت بطنها بجوع وقالت بتزمر :- يعني لازم اقوله مش عايزه وأنا هموت واكل لو استنيت شويه كمات هموت ومحدش هيحس بيا طب اعمل ايه
كانت تأخذ الشرفه ذهابا وأيابا بجوع وهي تقول بألم :- جعانه اعمل ايه يعني يا فالحه ضروري تقوليله لا … وهو مصدق مهتمش حتي ياااربي …
كشرت بزعل وجلست بحزن وجوع قاتل هبت واقفه وفتحت الباب فتحه بسيطه أخرجت رأسها ونظرة شمال ويمين … وقالت بفرحه :- أكيد نام دلوقتي ؟
تسللت على اصابع قدميها بخفه للأسفل ولجت المطبخ بترقب وحذر أضأة النور وقالت بتزمر :- أيه كل ده مطبخ مش مهم انا جعانه ..
أنتلقت لتبحث عن شئ تأكله فتحت الثلاجه وصاحت وهي تجذب كل ما تجده :- اووو كل انواع الجبن هنا ولنشون كمان وايه ده مربي …
جذبت كل ما وجدته أمامها وجلست علي الطاوله الموضوعه وهي تعمل سندوتشات وتضع به كل شئ وتلتهم بتلذذ ….
أنهت كل ما كان أمامها فأرجعت رأسها للخلف وهي تقول :- يااااه الحمد لله كنت هموت من الجوع بس لازم اشرب حاجه … هبت واقفه وهي تجذب الطبق جاءت أن تلتفت فوجدته وااقف مستنداً بجسده علي الحائط ومربع يديه امام صدره قالت بارتباك وخجل :- هو أنا كنت ؟
كبت ضحكته بصعوبه وقال :- طالما جعانه اوي كدا مكلتيش ليه ؟
قالت بتلعثم :- اصل اصل ..
خطي ليقترب منها ببطئ … فأنزلق من يدها الطبق فقالت بارتباك :- أنا أسفه انا ..
هبطتت وأعينها مسلطه عليه … جاءت ان تمسك قطعة زجاج وهي تنظر لعينه فأنجرح أصبعها فتأوهت بألم
أقترب منها بقلق وجذبها لتجلس وهو يقول :- مش تنتبهي يا مفجوعه مش فالحه في حاجه خالص خليكي قعده هنا لحد ما أجي ؟
ذهب مسرعاً وعاد بيده عدة الإسعافات الأولية … وضعها جانباً وأمسك صابع يدها وهو يعقمه لها فتأوهت بألم فجز هو بألم وقال بخوف :- وجعك معلش استحملي هيخف دلوقتي ؟
صفنت به فمن ذلك هي حقاً لا تعرفه كيف كان من كم دقيقه شاباً عصبي غاضب عابس لا يوجد له قلب فمن ذلك الشاب الخائف عليها الحنون تأملت ملامح وجهه الجذابها ؟
– تاني مره أنتبهي لنفسك فاهمه … وجد انها لا تجيبه فترك ما بيده ورفع عينه وتقابلة أعينهم …
كانت عيناها الساحرتان تعاتبه كيف ألمها منذ قليل وها هو الآن يتالم لالمها كانت تظن أنها بحلم …
أستعاد رشده فهب وهو يعطي لها ظهره :- بعد كدا خلي بالك من نفسك ؟
وذهب ليولج مكتبه ؟
كانت تتطلع به حتي غاب عن نظرها فابتسمت بحب واستقامت لتصعد غرفتها … جلست على التخت لكي تخلد للنوم ولكن ملامحه لا تفارق بالها فسلب منها نومها وفكرها ….
بعد مغادرة الشباب … ولجت لمار الغرفه لتطمئن على أيهاب وجدته نائم … اقتربت لتجلس جواره ومسدت على خصلاته بحنان وطبعت قبله على جبينه … أغلقت الضؤ وأستدارت لتغادر ولكنها أستدارت لتنظر له بحب وأغلقت الباب وذهبت لغرفتها … وتلك الرساله لا تغادر مخيلتها … أعطت الرقم لبسنت لتستعلم عنه فهل ستوصل لشئ ؟
جلست لمار بتفكير على التخت جذبت الوساده لتحتضنها وفكرها حائر في ذلك الغريب “أيهاب”
اتعدلت ورد وأزاحت الغطاء اقتربت من لمار لتعانقها من الخلف وقبلتها من جبينها :- لمار أنا بحبك .
ابتسمت لمار لها بحب والقت الوساده … جذبت “ورد” لتجلس على قدمها وقالت بحب :- وأنا بحبك أكتررررر
احتضنتها ورد بحب ..
– يا سلااام وانا فين من الحب ده .
نظرة لمار ل عمرو واشارة له فاقترب ليحضنها ..
لمار لورد :- حبيبتي متاكده انك مش عايزه تعيشي مع أمك دي أمك مش هتتوحشيها هتحنيلها ايه ؟
هزت ورد رأسها بيأس :- لا مش عايزه اعيش معها هي اصلاا مش بتهتم بيا كأني مش بنتها جدي كان هو ماما وبابا ..
نظرت لها لمار بحزن ..
ورد وضعت رأسها على كتف لمار :- بس أنتي هي ماما وكل حاجة ؟
عمرو بغيره :- هي مش أمك على فكره .
قاالت ورد بغيظ :- أنت مالك يا بارد هي أمي ؟
بس اسكتوا ؟
صرخت بها لمار فصمتوا هما الاثنين بزعل … جذبتهم لتداعبهم فظلوا يضحكوا حتي غفاهم النوم …
*******
أشرقت الشمس معلنه عن يوم جديد ونهار جديد…
فتحت لمار عينها بتأفف وغيظ من خناق الأطفال ..
ورد واقفه على طرف السرير :- أطلع من هنا وملكش دعوه بيا تاني ؟
عمرو بعند :- قولتلك مليون مره انتي امشي من هنا محدش عايزك يا بارررده !
صاحت لمار بهم :- بره ..
انعدلت بنصف جلسه وأشارة لهم للخروج …
فخرجوا وهم يتقاتلوا …
دوي نغمة هاتفها تمتمت بغيظ :- اي العيال دي أستغفر الله العظيم … جذبت هاتفها دون أن تري من المتصل :- الووو مين خير ؟
أنفجر أدهم ضحكاً وقال :- حبيبتي مالك على الصبح أتجنيتي ؟
أتسعت عينها بصدمه وابعدت الهاتف ونظرة به وقالت بتردد وابتسامه :- أدهم
فرد بهيام من سحر صوتها المترنم :- عيون أدهم ؟
أجابة بحده :- قدامك نص ساعه وتكون قدامي في التدريب عندنا عمليه مهمه مش نقصين كلام فاضي !!
ضيق حاجبيه بضيق :- شوف أنا اقول ايه وهي ايه طب مفيش بحبك يا أدهم تعال يا أدهم نخرج تعال نتجوز طيب اي حاجه ؟
كتمت ضحكتها بصعوبه وقالت :- قدامك نص ساعه لو تاخرت متتخيلش ممكن أعمل ايه ؟
أدهم بغيظ :- يا أدي النيله اقفلي أقفلي يا أخرة صبري ؟ بس استني مهمة ايه صح ولا بتهزري ؟
أسندت لمار رأسها للخلف بتفكير وقالت بوجع :- أهم مهمه هخوضها في حياتي بداية الخيط ؟
أدهم بعدم فهم :- مش فاهم قصدك أيه ؟
لمار أنعدلت بانتباه :- مفيش يلا سلام نتقابل في التدريب ؟
أدهم أبتسم :- ماشي يا قلبي خلي بالك من نفسك ؟ ولا أقولك استني انا هعدي عليكي ؟
ردت بمكر :- ليه ؟
قال بنفاذ صبر :- واحد متوحش حبيبته وعايز يشوفها هيكون ليه أقفلي عشان هتجنيني هو انا لسه هتجن ما انا اتجنيت بحبككك ؟
أغلقت لمار وأنفجرت ضاحكه بحب وصفنت به وتخيلت كيف ستكون حياتها معه وظلت تبني أحلام …
بالخارج هاله أعدة الفطور للأطفال فخرج في تلك الأثناء أيهاب … هرولت له هاله بحب فهي طول الليل تتسلل لغرفته لتطمئن عليه خلسه كل دقيقه قالت بقلق :- أنت كويس ؟
مسك رأسه بالم وقال :- اه الحمد لله احسن بس انا نمت هنا ؟
أمسكته هاله من يده وساعدته على الجلوس وهي تقول :- اه تعال اقعد هنا ؟ ثواني وجايه ..
اكتفي بأشارة بسيطه لها فعادت ومعها كوب عصير قدمته له :- أتفضل اشرب العصير ده ؟
أبتسم لها بحب وجذبه منها وهو يقول :- متعودنيش على كدا ؟
ابتسمت له بخجل وقالت :- اشرب هروح احضرلك الفطار ؟
اجاب بضحكه :- كمان طب يلا بقا بسرعه .
خرجت لمار من غرفتها وهي تقول له :- صباح الخير احسن دلوقتي ؟
أيهاب ابتسم لها بحب :- اه الحمد لله ؟
اقتربت لمار بصمت وجذبت المقعد لتجلس جواره وأشارة له :- أشرب ؟
جذب العصير ليرتشف منه القليل و وضعه جانباً ؟
نظرة له لمار لعينه
أما هو كان يرمقها باستغراب .. فقالت لمار :- مين جون وتعرفه من فين وليه عايز يقتلك ؟
أبتلع ريقه بخوف ونظر لها بقلق شديد وقال بصوت مهزوز :- مش عارف انا مين ده بس ليه يعني بتسالي ليه ؟
علمت لمار أنه يكذب فتمعنت النظر له :- ومين اللي بعتلي الرساله أنت شخصياً مين ؟ ايه العلاقه اللي تربطني بيك ؟
كان يفرق يديه بتوتر شديد وجالس بخوف ..
جاءت هاله وهي تضع له الاكل علي الطاوله :- والاكل اهووة كله كله ماشي ؟
أشار لها بابتسامة
وقفت لمار وهي تربط على كتفه :- أنا همشي بس رجعلك ؟
غمزت له غادرت
واقفاً بملل مستنداً بجسده على السياره كل ثانيه يرفع يده لينظر بساعته …
أدهم بملل :- تأخرت ليه بس ؟
جذب هاتفه من جيبه … رن عليها فأغلقت … أستدار ورأها تهبط الدرج مسرعه … صفن بها بتأمل وهو يرمقها بحب …
أقبلت لمار مسرعه لتقف أمامه :- أدهم جيت معلش تأخرت شويه ؟
وجدته ينظر لها بتأمل فقط فصاحت به :- يا أدهم فوق البيت بيولع ؟
أنتفض مكانها وهو يقول :- ايه فين الحريق ..
تعال صوت ضحكانها الساحره ، فقال بغبظ :- بذمتك دي حاجة فيها هزار وقعتي قلبي ؟
دفعته بعيداً لتفتح باب السياره وتصعد وهي تقول :- ما أنت اللي سرحان أعملك ايه أسرح براحتك !!
صعد لجوارها وأنطلق مسرعاً وصلا لساحة التدريب وأبتدت لمار في تدريبهم بمهاره أستعداد للذهب لسيناء ……
@@@
هبطت حبيبه للأسفل فلم تجده … رأته يخرج من باب المكتب فصار عندها فضول أن تعرف ما داخل ذلك المكتب الذي يقضي جل يومه به …
كاد أن يمر من أمامها فأوقفته قائله بابتسامه رقيقه :- صباح الخير .
نظر لها مطولاً فأعدل من نظراته وتركها ليغادر دون كلمه … ركضت خلفه لتحلق به وهي تقول :- طب رد حتي الصباح دا ياختي ده أنت غريب متكبر ومغرور كمان …
كاد بفتح باب السياره ليصعد … فأمسكت هي بالباب لتمنعه وهي تلهث وتقول بصوت متعب :- أستني استني قطعة الخلف يخرب بيتك مش عيب عليك تخلي مراتك تجري وراك كدا ؟
صفق باب السياره بعنف وربع يده أمام صدره :- خير عايزه ايه على الصبح ولسانك ده عايز قصه ؟
ردت بتزمر :- بعد الشر عليه أن شاء الله لسانك أنت … أنت رايح فين ؟
مايكل بتأفف :- وأنتي مين عشان أجوبك ؟
ردت بغيظ :- مراتك يعني هيكون مين ؟
وضع يده على كتفها :- بس يا ماما يلا من قدامي ؟
جاء ان يمد يده ليفتح الباب … فوقفت هي أمامه علي الباب : مش هتعدي غير لما تقولي ؟
شعر بانشراح قلبه وانبساط نفسه من حديثها معه :- رايح المستشفي عندي عمليات انهارده جوبتك كدا يلا بقا ؟
أبتسمت برقه وقالت بدلال :- طب حلو خدني معاك بقا عشان أشيل عنك شوية ؟
هز رأسه نافياً وأشار لها :- أدخلي وأطلعي أوضتك مش هتخرجي ؟
أجابته بحزن وتغير ملامحها :- معلش خدني معاك أنا زهقت من البيت ده حاسه اني في سجن !!
دفعها لتتنحي جانباً برفق وهو يقول :- هو كذلك انتي في سجني مش هتخرجي !
صعد سيارته نظر لها بحزن فلقد شعر بألم عندما لاحظ خزنها ، وأشعل سيارته ليغادر ، أطاح بعينه بعيداً عنها وغادر ..
كانت ترمقه حتي غاب عن نظرها وضعت يدها حول خصرها وتمتمت بعصبيه :- هو كذلك أنتي في سجني 《ركلة الأرض بقدمها》 غبي مغرور عاااا اه يا رجلي … صمتت قليلاً وتابعت قائله :-
مره حنين ومره مغرور ومره مش عارفة هو أيه ؟
ولجت للمنزل بتزمر وهي تقول :- طب أعمل ايه أنا في المنزل الطويل العريض ده لوحدي دا أنا لحد الآن وصمتت بتفكر وتأمل وعينها تجولت بأرجاء المكان وقالت :- لما اكتشف المنزل الكبير ده !!
ركضت لتتنقل بأرجاء ذلك المنزل بسعاده وهي تتفحص كل ركن به جيداً وأعترفت بنفسها أنها أحبته … وقفت أمام جناحه الخاص بتردد أتدخل أم لا ؟
نظرة بالأمر وتأملت جيداً سارت كم خطوه …
– مرت أخويا الغاليه صح ؟
وقفت محلها عند استماع هذا الصوت الرجولي أستغربت كثيراً أستدارت فرأت أمامها شاباً جسده يشبه مايكل كثيراً … أقبل إليها فيكتور وهو يقول :- أيه مالك اتخضتي كدا شفتي عفريت ؟
مد يده ليصافحها … فتراجعت للخلف وهي تقول :- مش بسلم على رجالها أنت مين أصلاً ؟
أشار لها بمزاح :- نسيبك أخو زوجك المصون فيكتور ؟
تمتمت بذاتها :- مش كان يقول أن في اخوه هنا قال فيكتور قال هو ده اسم ؟
– بتقولي حاجة ؟
أنتبهت له فهزت رأسها بالنفي :- لا مش بقول ؟
نظر لغرفة مايكل واشار لها بعينه :- هو مايكل لسه موجود ؟
أكتفت بأشارة بسيطه :- لا راح المستشفي .
رفع حاجبيه :- لو بتفكري تدخلي 《 أشار لها للغرفه بعينه 》 يستحسن متدخليش ولا تفكري حتي أنك تعدي من قدامها ..
لوت فمها له بغيظ وسارت من أمامه لتهبط للأسفل …..
مايكل جالس على مكتبه مستنداً بذراعيه على المكتب الداكن ويعمل على حاسوبه الخاص باتقان ، جاءت في باله حبيبه تخيلها وهي تأكل وحركتتها فابتسم بحب ..رفع احدي يديه ليضعها أسفل ذقنه وهو مبتسم ويتأمل ملامحها بحب …
أنتبه لذاته فانفض رأسه من تلك الأفكار وقال :- في أيه مالي بفكر ليه فبها فوق كدا لشغلك ؟
جذب كوب القهوه أرتشف منه و وضعه جانباً ألتقت حاسوبه وهم بأكمل شغله بحماس ….
@@@
الطائرات خلف بعدها أنفتح بابها وهبطا الكثير من الرجال بالمظلات …. هبطا ليسير بتسلل خلف بعدهم تتقدمهم لمار … أعطت أشاره لكل واحد بأتخاذ مكانه وكل فريق أخذ موقعه أختبئت لمار خلف أحدي الابنيه بخفه ، رأت اللواء أمجد يهبط من تلك السياره ويحاوطوه رجال مسلحه ، ولج لتلك البنايه تحت أنظارها … كانت تعلم لمار كل ركن بها فهي قد جاءت وتفحصت وحدها ذلك المكان لكي تعلم خطواتها وإلا تخسر الكثير من رجالها ….
ولج اللواء أمجد للداخل وهو يقدم رجل ويأخر الاخري وقف أمام رجال كان يجلس بوقار والجميع تحت خدمته نظر له وتهلل وجهه فرحان :- ها جبت اللي طلبناه منك ؟
اللواء أمجد اقترب منه ببعض الأوراق :- دي كل المعلومات اللي خاصه بالداخليه وكل ما يخصهم ؟
ابتسم وهو يستقيم واقفاً ودار حوله وربط على كتفه :- ممتاز مستر جون مبسوط منك باقي بس ان كل الصفقات هتعديها لينا بسهوله وهتكون تحت عنيك ومسئوليتك أنت ؟
اللواء أمجد أومأ براسه موافقاً :- وهقابل أمتي جون ده ؟
وقف أمام عينه :- قريب قريب جداً بس لمار ؟
أمجد بلهفه :- مالها لمار ؟
رفع يده وهو يشير بأصبعه إلى رقبته :- رقبتها عايزنها ؟
دوي صوت أطلاق النيران فقال بزعر :- عملتها وجبتهم معاك هتدفع التمن غالي ؟
اللواء أمجد أجاب بدفاع :- أنا مقولتش لحد ولا عارف ايه اللي بيحصل ؟
جذبه وهو يخرج سلاحه بحده و وضع المسدس برأسه وأشار له :- قدامي قدامي أمشي …
جذبه و ولج به لداخل النفق أما رجاله فكانت تتذايد …
بالخارج كان تبادر أطلاق النيران ك المطر بين الطرفين وقع الكثير من الرجال ضحايا من القوه التي جاءت بها لمار … أخذاء برمي القنابل ولمار تلتقتها بمهار وتقذفها لتعيدها مره أخري لهم …
أقترب منها أدهم عندما لاحظ احدي الرجال يواجها لها المسدس فاطلق عليه مسرعاً … فجاء اخر ليطلق عليه فدفشته لمار بعيداً لتستقر بمسدسها هي لم تأن ولم تخضع بلي رفعت مسدسه بمهاره لتهوي بهم … أنعدل أدهم ولم يلاحظ أصابتها …
أعطت لهم أشاره لمار ﻷحمد وبسنت وفهد بأن يأخذوا أمكنهم ويظلوا مكانهم ولجت هي للداخل وهي تطلق المرصاص علي كل من يقابلها …. جذبت أحدي القنابل وقذفتها لداخل البنايه وسط عدد كثير من الرجال … وأنحنت وهي ممسكه برأسها … وقفت و ولجت داخل النفق لتلحق باللواء أمجد …
سارت داخل النفق بحذر شديد ، شعرت باحد من الجهه المقابله لها فأختبئت خلف الحائط وهي مجهزه لاطلاق النار سارت بخفه على اصابع قدمها وصلت لنهاية الجدار ، فوقفت مقابل له وهي تطلق عليه الرصاص قبل أن يطلق هو في أثناء ذلك رفعته لتهوي بمن لحق به …. ابتسمت بمكر وهم ملقون أرضاً وسارت هي داخل النفق … فجاء خرج أمامها ذلك الرجل وهو ممسك باللواء أمجد وموجه السلاح نحوه … أشار لها بغضب :- هو أنتي ارمي السلاح وإلا هفجر فرأسه المسدس ؟
رفعت يديه لفوق وقالت :- لااا خوفت بجد ؟
انزلت يديها وابتسمت بمكر وتابعت بتريقه :- هو أنت مفكر أن هو مهم عندي عايز تقتله أقتله عادي 《وقالت بحده وحزم》الخاين ملهوش مكان بينا .
أنصدم اللواء أمجد من حديثها ..
أما الرجل أبتلع ريقه بخوف :- معايا قنابل هفجرها وهنموت سوي لو مرمتيش سلاحك ومشبتي ؟
أنفجرت لمار ضاحكه بسخربه :- لا يا رجال هخاف من الموت مثلاً أنت شكلك متعرفش مين لمار فجرها يلا فجر والله فجر عادي خلينا نخلص يلا عشان تروح على نار جهنم وبكدا تموت محروق وتدخل النار يلا بس مفيش وقت اخلص ؟
قالتها وهي تقترب منه … وهو يتراجع بخوف وهو ممسك باللواء أمجد
تابعت لمار قائله :- ليه مفجرتش القنبله وحتي لو انا موت وانت عبشت في كتير بره انا مش جايه لوحدي ويابختك بقا هيتوصوا بيك أكتر مني اصل تلميذي بقا ..
ضغط على الزناد بيدين مرتعشه :- هموته ارمي سلاحك ؟
كانت تقترب منه بضحكه :- عادي موته يا حبيبي رفعت مسدسها وأطلقت عليه بمهاره فجاءت برأسه و وقع صريعا …
اقتربت من اللواء أمجد وجذبته من عنقه :- تعالي أمشي قدامي ؟
خرجت به وجدت فريقها قد خلص عليهم جميعاً ابتسمت لهم بفخر …..
@@@@
عاد مايكل من عمله ولج للداخل بثبات بطاغته المميزه وجد فيكتور يجلس بتوتر :- خير مالك في أيه … القي جاكته على الاريكه وجلس جواره ؟
فيكتور بتوتر :- جون ؟
مايكل نظر له باهتمام :- ماله أخلص؟
فيكتور بتوتر :- قصدي اللواء أمجد انهارده هيسلم جون كل المعلومات ؟
زفر براحه واسند رأسه للخلف باسترخاء :- لمار مش هتسمح لده يحصل !
هب واقفاً أشار له علي المكتب :- مفبش جديد ؟
هز فيكتور رأسه بيأس .
فزفر مايكل بحزن :- هدخل أطمن عليها …
سار خطوتين وأستدار :- حبيبه فين ؟
فيكتور أشار له للمطبخ :- كنت بالمطبخ ؟
مايكل بتريقه :- متقولش ان هي اللي ؟
ضحك فيكتور :- اه هي اللي عملت الأكل !
غير تجاه طريقه وهو بشير إليه :- لا يبقي أشوفها هي الاول ؟
ولج للمطبخ وجدها تسير به بخفه دون أن تنتبه له وهي تعد الطعام وتتنقل هنا وهناك ..
أشار للخدم بالخروج … فانصاعوا فوراً له وخرجوا … ابتسم وهو يتأملها بعشق وربع يده أمام صدره واسند على الحائط ؟
أستدارت حبيبه للثلاجه وهي تجذب منها بعد الأشياء كادت أن تغلقها فأنتبهت له واقف يتأملها … نظرة له بغيظ و تركت ما بيدها وقفت أمام عينه وهي واضعه يدها بخصرها :- قولتلك خدني معاك بس ازاي مشيت حتي من غير ما ترد عايز تاخد دروس في الذوق وكمان مقولتش ليه أن ليك أخ وعايش هنا معانا ازاي متقوليش فهمني ؟
قطع حديثها عندما وضع يدها على فمها ليمنعها من الكلام :- هش هش أيه بغبغان بيتكلم يا ماما مش كدا اهدئ عليا شويه ؟
نظر لعينها فاقترب منها دون وعي دفعته بعيداً وهي تقول :- الاكل هيتخرق عجبك كدا والله اخليك تطبخ أنت ؟
أبتسم بعشق لتلك الثرثاره التي ولجت قلبه دون أستأذان ..
أقترب منها :- بتعملي ايه ؟
رفعت السكينه أمام وجهه فابتعد مسرعاً :- يعني انت شايف بعمل ايه اعمي لازم تكشف علي عينك وكمان سمعك وكمان دكتور نفسني مينفعش كدا ؟
جذب منها السكينه :- انتي خطر على السكينه والله ؟
جذبتها منه :- قصدك ايه يعني ؟
قصدي :- خايف على السكينه منك ؟
نظرة له بغيظ :- دمك خفيف ؟
وضع يده بجيبه :- أنتي عملتي الاكل ليه مافي ناس هنا دي شغلتهم ؟
تركت ما بيدها ونظرة له :- متقولش ات المطبخ كمان ممنوع ؟
أشار لها :- لا بس خايف على نفسي منك على العموم هبلغ الاسعاف قبل ما اكل انا وفيكتور ؟
جذبت شئ من الطبق وهو يتكلم و وضعتها ببقه :- بتقول عليا أنا بتكلم كتير ؟”
تفأجأ من فعلتها فمسك يدها وشعر أن كهرباء قد لمست جسده فتأملها بحب ؟
جذبت يدها بخجل ونظرة للجهه الاخري دقات قلبها المتسارعه تكاد تسمعها وأنفاسها حاولة السيطره على ذاتها … شعرت بأنفاسه على وجهها فهمس بأذنها :- لا بس هغير رأيي أكلك حلو …
وغادر مسرعاً
ابتسمت هي بخجل وتابعت عملها …
ولج مايكل لمكتبه أمسك ذلك الكتاب فافتح ذلك الحائط موازيا ولج للداخل نظر بحزن وجع وكسره لذلك التخت الذي تتوسطه تلك السيده المحيطه بعدد لا بأس به من الاجهزها حولها … خطي ليجلس جوارها وأمسك يدها بدموع مترقرقه وقال بحزن :- أمي وووو
عاااااااا صدمه كبيره
رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل السابع عشر 17 - بقلم ندى ممدوح
يجلس أدهم بالمشفى، واضعًا وجهه بين يديه. يشعر أن قلبه مشتعل بالنيران، وكأن الحياة قد انتهت وهو وحيد وسط ذلك الحشد الهائل من البشر حوله. قلبه موجوع بشدة، يشعر أنه قد انقسم إلى أشلاء وتحطم. يشعر أن صدره يضيق، شعر أن أهم شمس بحياته قد غابت، والنجوم والأقمار.
تذكر لما دفعته بعيدًا حتى لا يتصاب. لم يظن أن هي من أخذت الرصاصة بدلاً منه. كيف فعلت ذلك وظلت صامدة تقاتل باحتراف؟ أغمض عينيه بألم وخوف من أن تبعد عنه. كان يشعر أن قلبه، هناك أحد ممسك بسكين ويطعن به بلا هوادة. تخيل ابتسامتها، براءتها، روحها الحلوة، فؤادها الذي يحب دون استثناء ويعطي بقلب رحب. قلبها الطيب الذي يحب أن يرى الجميع سعداء رغم الحزن الذي يشع منه. كيف كانت تنشر السعادة والضحكة على الوجوه، براءة الأطفال التي ما زالت محتفظة بها.
أسند رأسه للخلف وهو يخطف النظرات لغرفة العمليات، يشعر أن تلك الدقائق، الساعات، كأنها سنين شديدة الصعوبة.
جلس جواره أحمد ووضع يده على كتفه. نظر له أدهم بعينين تملؤها الدموع. أشار له أحمد بأمل:
- هتبقي كويسة، لمار عدت مشاكل أكتر من كده، وكل ما بتقع بتقوم. متقلقش، لمار قوية!
أدهم بيأس وعينه على غرفة العمليات:
- خايف أخسرها بعد ما لقيتها. لو راحت، متأكد إني مش هلاقي حد زيها أبدًا، ولا هلاقي حد بروحها المرحة وقلبها الطيب وبرائتها. مش هلاقي يا أحمد.
نظر له بعينين بهما الوجع والخوف والحسرة وقال بصوت مهزوز ووجع قلب:
- عارف، أنا المفروض أكون أنا اللي في أوضة العمليات، بس هي ضحت بنفسها عشاني. هي غبية، إزاي تعمل كده؟ هي إزاي تفكر أن لو جرالها حاجة أنا هعيش؟ أنا حياتي وحشة من غيرها، هي بتغيب عني دقيقة قلبي بيتقطع، بحس إن روحي بتطلع مني، وده اللي أنا حاسه دلوقتي. حاسس بحد بيسحب في روحي وقلبي واحدة واحدة، لأنها هي روحي.
رفع أحمد يده ليضمه بصدق.
أما فهد، كان أمام غرفة العمليات واقفًا أمام تلك النافذة بصمت رهيب. بسنت كانت تجلس بخوف ودموعها لا تتوقف. ولعل القدر ذاك قد رأف بحالهم. إن القدر أحيانًا يلعب بهم كما يشاء، يوجعهم كثيرًا ويسعدهم قليلاً، لكن لماذا يريد أن يحرمهم منها؟ ألم يدري أنها هي الأمل للجميع؟ فكيف يكون قاسيًا عليهم؟ ألم يعلم أن الفراق صعب.
استمعوا لفتح باب غرفة العمليات وخرج الطبيب منها. نظروا جميعًا له بقلق وركضوا إليه. أما فهد كان يقف كما هو لم يتزحزح من مكانه.
بسنت بلهفة:
- هي كويسة؟
أشار لهم الطبيب بعينيه براحة:
- تمام، هي كويسة. جبتوها في الوقت المناسب.
أدهم كان نظره مثبتًا على غرفة العمليات بلهفة فقال بصوت موجوع:
- طب أقدر أشوفها؟
أشار له الطبيب بحذر:
- لا، هننقلها غرفة عادية وتقدروا تشوفوها بعد إذنكم.
غادر الطبيب، وتنقلت أنظارهم لبعض. زفر أدهم براحة وكأن همًا ونُزح من قلبه. أحمد نظر له بابتسامة:
- مش قولتلك أنها هتكون كويسة؟
أدهم ابتسم وتنفس بعمق وكأن لم يكن هناك أكسجين، أو أنه قد كان بغرفة ضئيلة الحجم خاوية، وفجأة خرج منها للنور والهواء. أشار له بحب:
- الحمد لله.
بسنت لاحظت ابتعاد فهد فبادرت إليه. رفعت يدها لتضعها على كتفه. فك يديه المربعتين أمام صدره ونظر لها.
بسنت بقلق:
- أنت كويس؟
أومأ برأسه. فابتسمت له:
- يا عم قلقتني. يلا تعال، هندخل نشوف لمار دلوقتي هتخرج!
تقدم خطوة وهو يشير لها:
- يلا.
انتظروا حتى خروج لمار. فجأة، هرولوا إليها جميعًا ولجوا للغرفة، وجدوها تقف تلبس بجاكتها. علموا أنها تريد الخروج.
بسنت اقتربت منها بقلق:
- لمار، أنتي بتعملي إيه؟
كانت مطأطئة رأسها تعدل من خصلات شعرها لتفرده بحرية وقالت دون النظر لها:
- زي ما أنتي شايفة؟
وضعت يدها بخصرها وهي تكتم ألمها بصعوبة وتنقلت أنظارها لهم وقالت:
- مالكم عملين كده ليه؟ كأنكم جايين جنازة. على فكرة أنا كويسة وزي الفل؟
أحمد اقترب منها ليقف أمام وجهها وقال بعصبية:
- هو إيه اللي كويسة؟ أنتي طالعة من عمليات وخسرتي دم كتير. تعرفي أنك زمانك ميتة لولا إن جبناكي هنا؟
ابتسمت بتريقة وربتت على كتفه:
- مش لمار اللي تتأثر بأي حاجة. متقلقش، أنا تمام؟
نظرت لفهد وأدهم وقالت بهزار:
- مش بحب الكآبة على فكرة، ولا اللحظات الحزينة. فبلاش رجاءً؟
أدهم زفر بضيق وتقدم نحوها، مسكها من معصمها بحدة وأشار لها:
- خروج إيه دلوقتي؟ مفيش خروج من هنا. لازم تفهمي؟
نظرت له بحب وأبعدت يدها:
- أدهم، أنا مقدرة خوفكم عليا، بس أنا تمام، كويسة وهخرج دلوقتي. يلا قدامي.
دفعتهم بخفة ليتنحوا عن طريقها وخطت أمامهم. وقفت عند باب الغرفة وأستندت عليه وقالت دون النظر لهم:
- يلا، وهمشي لوحدي وأنتم هتفضلوا!
وذهبت. نظروا لبعضهم البعض بقلة حيلة ولحقوا بها مسرعين.
ذهبت لمار لمكتب الاستخبارات. كانت بطريقها إلى غرفة الاستجواب. فتحت الباب ووقفت مكانها وقالت دون النظر للخلف:
- خليكم هنا، مش عايزة حد يدخل خالص!
أحمد برفض:
- بس يا لمار؟
استدارت لتنظر له بنظرة قاتلة وولجت للداخل.
أحمد نظر لبسنت وربت على كتفها:
- صدقيني، حاسس إن في حاجة غلط. اللواء أمجد مستحيل يخون بلده!
أشارت له بسنت بدموع:
- بس إحنا مسكناه هناك ومعاه كل ما يخص الدولة، يبقى إزاي…
هرولت للداخل. كانت لمار واقفة بصمت. فاستدارت لتصيح بها:
- أنا مش قولت محدش يدخل؟
بسنت اقتربت بدموع أمام والدها ولم تعطي للمار أي أهمية:
- أنا مش مسامحاك يا بابا، أنت واحد خاين. دفعولك كام عشان تبيعنا هااا؟
جذبته من يده بحدة وبكاء:
- ليه يا بابا عملت كده؟ ليه؟
لمار سحبتها وهي تقول بصوت عالٍ:
- بره يا بسنت دلوقتي، برررره!
فتحت لمار الباب ودفعتها للخارج وصفقته بحده. استدارت وخطت لتقف أمام أمجد. سحبت المقعد من خلفها وجلست أمام عينه. كان جالسًا مصدومًا كأنه فاقد للحياة، شعور ميت يشعر به وكأن قلبه قد مات. تتطلع بلمار بصمت تام. أما هي كانت ترمقه بتمعن تحاول قراءة تعابير وجهه.
قطعت ذلك الصمت بصوتها الجهوري:
- أنت عارف إني عمري ولا لحظة شكت فيك، ف ليه؟
نظر لها بصدمة وزهول وفضل الصمت.
صرخت بصوت عالٍ وهي تضرب على المكتب:
- ليه بتبيع بلدك؟ ليه عملت كده؟ ليه؟ ومع مين؟ جون هااا؟ انطق؟
رفع عينه ورمقها بدهشة وقال:
- أيوه، أنا بعت بلدي وعارفة ليه؟ لأني مكسبتش حاجة من وفائي!
نظرت له لمار بمكر وتابعت قائلة بحده:
- تبيع بلدك ماشي عادي، تخوني عادي، تبعني عادي، بس إنك تقتل صاحبك؟
نظر لها بصدمة وعدم فهم:
- صحبه؟ صحبه؟ ويقتل؟
تخلى عن صمته أخيرًا:
- أقتل؟
وقفت لمار وخطت خطوتين ووقفت وأسندت على كرسيه وهمست له:
- أيوه، أنت قتلت. وأنت السبب في كل اللي حصلي!
أدارت وجهها لوجهه مباشرةً وقالت بصوت عالٍ:
- أنت اللي قتلت أبويا اللي هو صديق عمرك، أنت اللي غدرت بيه، أنت اللي حرمتني من أخويا وأمي، ويتّمتني وفرقتني عنهم. عشان إيه؟
صرخ بها وهو يهم بالوقوف:
- لا، لا، أنا مقتلتش عز ومش أنا السبب. صدقيني يا بنتي، لا. أنا يا لمار، أنا اللي ربيتك، أنا اللي دورت على حق أبوكي. تتهمني أنا؟
كان يشير على نفسه بصدمة وعدم تصديق. لم يكن يظن يومًا أن هي من تتهمه. متى فرق بينها وبين بسنت؟
أمسكت لمار بكتفيه ونظرة لعينه وهزت رأسها بالنفي وتابعت قائلة بوجع:
- وأنت ليه فكرة إني ممكن أصدق إنك تبيع بلدك؟ ليه خبيت عني ومقولتليش؟ لدرجة دي مش بتثق فيا؟ لدرجة دي أنا مش هقدر أحمي بسنت؟
نظر لها أمجد بدهشة. فتابعت لمار قائلة:
- إيه، مندهش ليه كده؟ أنا عارفة إنهم هددوك ببسنت، ومتأكدة إنك متعملش كده أبدًا.
رجعت خطوتين للخلف وقالت وهي تجلس:
- أقعد ويلا ورقة وقلم ومن أول السطر. أشجيني بما في جعبتك بكل حاجة.
رفعت أصبعها بتحذير:
- ومن غير كذب ولا إنك تتهم نفسك بحاجات أنت معملتهاش، لأن كل حاجة مكشوفة قدامي!
أومأ لها أمجد وجلس مقابل لها.
لمار باهتمام:
- التواصل كان بينكم إزاي؟ التهديد؟ قبلت كام شخص؟ هااا؟ كل حاجة!
أمجد أخرج موبايله لها:
- أول حاجة، رسالة التهديد دي؟
أخذت منه الموبايل وجدت لمار رسائل كثيرة محتواها تهديد بقتل بسنت وزوجته إذا لم ينفذوا ما يطلبوه. نظر لها أمجد وأكمل:
- بعد كده لقيت رجالة مسلحة بتحوم حوالين البيت وأغلبكم بيتبعوا حركة بسنت كأنهم ظلها. وأنتي؟
لمار بصدمة:
- أنا؟
أمجد:
- أيوه. آخر رسالة كانت تهديد صريح بأني أقتلك؟ بعد كده عرفت إنهم ورطوني معاهم. عبد الرحمن كان بيسرق حاجتي الشخصية ليهم.
لمار وضعت يدها تحت ذقنها:
- عارفة ولقيت كل ده؟
أشار لها أن يكمل وقال:
- مكنتش عارف أعمل إيه. مقدرتش أقولك لأني خفت عليكي. قولت هسيسهم لحد ما أتقابل مع جون ده وهقتله.
لمار أشارت له:
- تقتل مين بس؟ أنت كنت هتورط نفسك أكتر ما أنت متورط برضه. مش لاقية سبب إنك متعرفنيش؟
أمجد بصدق:
- صدقيني، خوفت عليكي زيك زي بسنت بالظبط! بس دلوقتي أنتي ناويه على إيه؟
قالت بخبث وغموض وهي تشير إليه:
- أنت هتفضل الراجل اللي باع بلده، وأنت اللي هتدخلني بينهم وهتعرفني عليهم، وأنت هتكون شريك ليهم؟
ضيق حاجبيه:
- تقصدي إيه؟
هبت واقفة وبدأت بشرح الخطه له.
أمجد بأعجاب:
- وبكده أنا وكامل هنكون معاهم خطوة بخطوة من غير ما يشكوا فينا، وأنتي توقعيهم؟
لمار هزت رأسها:
- تؤ تؤ، أوقع مين؟ محدش هيخلص عليهم غيري. هدفعهم التمن غالي أوي.
ابتسم أمجد لها.
لمار ربتت على كتفه:
- متقلقش، بسنت هتكون كويسة. بس أنت ركز في المهمة دي، لأني مش هسمح لأي غلطة المرة دي!
أمسك يدها وقال مؤكدًا:
- مهما كان اللي ممكن يحصل، إلا إني مش هستسلم غير لما جون يموت.
لمار زفرت بعمق وارتياح:
- همشي أنا. انتبه لنفسك.
أومأ لها وأستدارت لتغادر. حاولت تعابير وجهها للغضب وفتحت الباب وصفقته خلفها بقوة وصاحت بهم:
- تحرسوه كويس ويفضل زي ما هو كده لحد ما ينطق، محدش يدخله، سمعين؟
أقترب أدهم منها:
- ممكن بقا تروحي تستريحي؟
نظرة له لمار وأؤمأت له. أشارة لبسنت:
- يلا عشان نوصلك معانا؟
أؤمأت لها بحزن ووقفت وغادرا سوياً.
مايكل جالس بحزن على الأرض مستندًا برأسه على حافة التخت ممسك بيد والدته ويقول بصوت مهزوز من الخنقة:
- تعبت يا أمي، مش قادر أستحمل كل ده. أنا محتاجك جنبي، قومي عشان أرجعك للمار وأياد وأيهاب. آسف، سبتك بين إيديه، بس مكنتش عارف إنك عايشة. والله هدفع التمن على كل اللي عمله فيكي، هعذبه زي ما عذبك.
بكى بحرقة وهو يتذكر وقال:
- تعرفي إني كنت هقتل أخويا؟ الغضب عماني لما عرفت إنك عايشة. كنت هقتل أيهاب يا أمي، كنت هنتقم منه بموته، بس كنت هحرق قلبي أنا. قومي يا أمي، ليه مش بتستجيبي للعلاج؟ قوليلي، ابنك إزاي يكون دكتور قد الدنيا ويفشل يعالج أمه؟ طب قومي عشان لمار حبيبتك، أنتي مكنتيش تنامي غير وهي في حضنك. والله محتاجالك، كلنا، أنا قلبي بيتقطع.
صمت قليلاً وأكمل:
- أنا ببقى قاسي كأني جبل، بس بضعف قدامك. معنديش حد أبين ضعفي ليه غيرك. أنا تعبت من وأنا صغير شايل الهم. ليه كدا؟ بس ليه؟
صمت لبعض الوقت وهو يتذكر بسنت. فهب واقفًا جلس جوارها على التخت وقرب يدها لصدره:
- مش عايزة طيب تفرحي بابنك؟ أنا اتجوزت بنت عمو إسماعيل، صاحب بابا اللي كان بيتكلم عنه. هي هبلة شوية وبتتكلم كتير، بس طيبة وهتحبيها.
صمت عندما شعر بيد أحد على كتفه. وجد فيكتور. نظر له بابتسامة وأستدار ليجلس جواره بصمت.
قطع ذلك الصمت فيكور وهو ينظر أمامه بتفكير:
- أنت عارف إني بحس بيك مهما كنا بعاد عن بعض وبتوجع لما أنت بتتوجع. ف لو حاولت تخبي ألمك عن كل الناس (نظر لعينه بوجع وأشار له) بس مش هتقدر تخبي عني.
ضحك بوجع وأكمل قائلًا:
- ممكن مفيش روابط دم تجمعنا، بس اللي بينا أكبر من كده. أحنا عدينا مع بعض كل صعوبات الحياة سوي، الحلوة أو المرة. تشاركنا أوجاعنا وهمومنا وحزننا وتعبنا عشان نوصل، بس وصلنا ومفيش حاجة وقفت قدامنا. لأن اللي بينا روابط قلب، روابط صافية مفيهاش خداع ولا مصالح. هي أقوى من روابط الدم. (ضحك بوجع) وعملنا إيه من روابط الدم؟ لقينا بس وجع وكسرة قلب. لقينا ناس معانا عشان مصالح. بس أنت وأنا أقرب من الأخوات.
ابتسم مايكل وهز رأسه مؤكدًا وربط على كتفه:
- أحنا عدينا حفر عميقة من غير ما نتأذى وديما كنا إيد واحدة. (امسك بيده) وهنفضل كده ديما.
وضع فيكتور يده الأخرى على يده:
- وعشان كده بقولك أمك هتخف إن شاء الله.
شعر فجأة بصداع حاد يفتك رأسه وكأنها ستنفجر. وضع يده على رأسه بألم. فيكتور لاحظ ذلك فهب واقفًا بخوف:
- مايكل، مالك؟ أنت كويس؟
أكتفى بإشارة بسيطة له:
- تمام، متقلقش.
فيكتور بعدم اقتناع:
- والله حاسس في حاجة أنت مخبيها؟
استقام ليقف أمامه وقال بسخرية وهو يدفعه بخفة:
- أخبي إيه بس عليك؟ أنا أقدر.
همس له بضحكة:
- هطلع أشوف مراتي. خليك أنت بقا وبلاش سهر.
أومأ فيكتور له وأشار له أن يغادر. راقبه بعينيه حتى غاب. فأقترب ليجلس على التخت وقال:
- حاسس ابنك ده مخبي عني حاجة. هو من صغره كده. عموماً لازم أعرفها.
طبع قبله على جبينها ورحل. فهبطت دمعاتها بصمت تام.
حبيبة تنظر من الباب وهي مخرجة رأسها فقط وفاتحة فتحة صغيرة. كانت تراقب صعود مايكل. وعندما رأته متجه لغرفته، فتحت الباب ببطء وتسللت على أصابع قدميها بخفة خلفه دون صوت. ولجت خلفه للغرفة بصمت.
خلع جاكته وألقاه دون اكتراث على الأريكة. أما هي وقفت خلفه بخوف وضعت يدها على فمها. صرخت عندما استدار مايكل وسحبها من معصمها لتصبح قريبة منه:
- إيه حركة العيال دي؟
نظرة له بصدمة وابتلعت ريقها بخوف وقالت بتلعثم:
- إيه ده مايكل؟ هو أنا دخلت هنا إزاي؟
رمقها بتسلية:
- يعني مش عارفة دخلتي إزاي؟
ابتعدت عنه وهي تقول:
- لا، مش عارفة.
عيناها جابت الغرفة بزهول ودهشة:
- إيه الغرفة دي كلها؟ وليه اللون ده.
أشار لها بعينيه على الباب لتخرج. نظرة لما ينظر إليه فقالت:
- لا، مش هخرج غير لما توافق تاخدني معاك المستشفى.
رمقها بنظرة قاتلة وهتف بصوت عالٍ:
- أطلعي بره حالاً.
هرولت من أمامه مسرعة. زفر بضيق وارتفعت صوت ضحكاته على مجنونته.
دوي هاتفه معلنًا عن اتصال من المستشفى. جذبه مسرعًا، فالواجب يناديه. رد فورًا فأخبروه بأن يأتي مسرعًا لحالة طارئة. أغلق الهاتف فورًا وعاد أدراجه مرة أخرى. خرج من غرفته وهو يسير شبه راكض.
بأثناء ذلك، كانت تخرج حبيبة من المطبخ فرأته يخرج مسرعًا فركضت خلفه لتلحق به وهي تقول بصوت عالٍ:
- استني يا مايكل، استني!
ليس لديه وقت لثرثرتها فتابع طريقه باللامبالاة. وقف بنفاذ صبر:
- عايزة إيه؟ معنديش وقت ليكي.
وقفت أمامه لتسد طريقه وهي تفرد يديه لمنعه من الذهاب:
- رايح فين؟ الوقت متأخر.
زفر بضيق فلم يعتاد على تلك الأسئلة وقال وهو يدفعها جانباً:
- المستشفى. وأوعي من طريقي. مش فاضي في حالة طارئة. يلا جايه!!
ركضت مرة أخرى وقبل أن يصعد السيارة مسكت بيده:
- طب خدني معاك أرجوك، أرجوك. وعد مش هعمل حاجة، بس خدني معاك.
أجاب وهو يزيح يدها:
- لا. لا. ويلا أطلعي فوق على أوضتك ونامي.
أشار بيده للداخل:
- يلا أدخلي.
ركلت الأرض بقدمها بزعل واستدارت سارت كم خطوة ووقفت على صوته.
- استني.
رفع يده لينظر بساعته وأشار لها:
- قدامك عشر دقايق تجهزي فيهم. لو تأخرتي هسيبك وأمشي.
صاحت بفرحة وصفقة بيدها كالطفلة. رفعت أصابع قدميها وقبلته من وجنته بفرحة وركضت دون تشعر بذلك وهي تقول:
- دقيقتين بس وأكون عندك. استناني، أوعي تمشي.
كان يقف بزهول متفاجئ من قبلتها. لم يتوقع ذلك. رفع يده على وجنته وسار بإصبعه مكان قبلتها وأبتسم:
- مجنونة.
صعد السيارة لينتظرها وعينه ثابتة على الدرج. رأها تهبط مسرعة بوجهها الضحوك الباسم. تلك الفرحة واللمعة التي رآها على وجهها جعلت قلبه يحلق عاليًا بابتسامة كبيرة. ذلك الفستان الوردي الواسع جعلها كالحورية، فهو ضيق لحد الخصر وواسع لقدميها. ذلك الحجاب زاد وجهها نورًا على نور وكأنها البدر في ليلته. فاق على صعودها السيارة جوارها وهي تقول:
- يلا نمشي مايكل. أنت يا ابني؟
نظر لها فقالت بضحكة:
- إيه اللي واخد عقلك؟
أشعل سيارته وقاد مسرعًا حتى لا يتوه بها.
بالعربية، هبطت بسنت بعصبية وهي تصفق الباب خلفها ولجت للداخل دون انتظار لمار. أدهم استدار برأسه:
- وبعدين؟
فتحت الباب لتهبط ولكنها وقفت على كلمته. أغلقت الباب مرة أخرى وأستدارت له:
- وبعدين إيه؟
أدهم:
- اللواء أمجد مش خاين. أنتي بتخططي لإيه بالظبط؟
لمار بتأفف:
- مش بخطط لحاجة. كله تمام. واللواء أمجد أنا هعرف إذا هو خاين ولا لا!
أدهم أومأ لها:
- أفهم من كده إنك مش هتحكي؟
لمار ابتسمت بعدم فهم أو بتصنع ذلك:
- أحكي إيه؟
أدهم أدار وجهه بعيدًا عنها:
- بالشغل مش بنحكي أي حاجة. وعنك مش بتحكي. (نظر لعينها) ليه؟
تنهدت بعمق وابتسمت:
- عايز تعرف إيه عني؟ أظن إنك عارف؟
أدهم بصوت عالٍ:
- لا يا لمار، مش عارف. أنتي ليه ديما كئيبة؟ مش بتضحكي؟ ولو ضحكتي (أشار على قلبها) ده بيكون بيصرخ من حقي أعرف كل حاجة عنك. يا ستي شاركيني حزنك وخلينا نبقى واحد!
لمار ابتسمت ووضعت يدها على وجنته لتنظر بعينه وقالت:
- وأنا هحكيلك يا أدهم كل حاجة. وعد. بكرا أنت عزمني بكرا هحكيلك من أول ما جيت على الدنيا لحد دلوقتي. بس دلوقتي بجد تعبانة ومش قادرة أستنى أكتر من كده.
ألتقت يده وطبع قبله رقيقة بابتسامة وقال:
- ماشي، اطلعي استريحي وانتبهي لنفسك.
أؤمأت له بابتسامة وفتحت الباب وهبطت.
لمار ولجت للشقة وجدت جميعهم حول بسنت التي تبكي بصمت فقط. أقبلت إليها وهي تقول:
- أنتي بتبكي ليه دلوقتي؟
أقتربت منها فتنحت هالة جانباً لها. جلست لمار بألم وتعب جوارها. رفعت يدها لتزيح دموعها بسبابتها وأكملت قائلة:
- أبوكي مش خاين ولا حاجة. أبوكي كان بيعمل كل ده عشان يوقع جون وعشان يحميكي. أنا هتكلم مع الرؤساء بكرا وكل حاجة هتنحل.
بسنت نظرة لها بفرحة وأمل:
- بجد؟ يعني بابا مش خاين؟
هزت لمار رأسها بالنفي.
هالة بقلق:
- لمار، أنتي كويسة؟ عاملة إيه دلوقتي؟ حاسة بحاجة؟
لمار هبت واقفة:
- أنا تمام، متقلقيش. خلوا بالكم من بسنت. أنا هغير وعندي مشوار ضروري.
ريم:
- رايحة فين؟ أنتي لسه تعبانة.
لمار وهي تذهب باتجاه غرفتها:
- واجبي أهم مني.
ولجت لغرفتها وبعد ذلك للتواليت. نثرت على وجهها الماء لعلها تفوق. رفعت رأسها بالمرآة وهي تغلق الماء وابتسمت وحادثت ذاتها قائلة:
- دلوقتي هخليه يجي وهقتله بإيدي وهنتقم وهستريح. هانت.
زفرت براحة لأول مرة تشعر بها. جذبت المنشفة لتجفف وجهها وهي تخرج. ألقته على الأريكة وهمت بتبديل ملابسها. أرتدت بنطلون جينز أسود وفوقه شميز أبيض ورفعت شعرها. نظرة نظرة أخيرة لنفسها. وجذبت شنطتها لتخرج حقنة مسكن وحقنتها بوريدها بنفسها. جذبت مفاتيح سيارتها وهاتفها وخرجت.
هالة أوقفتها:
- لمار، أنتي لسه تعبانة؟
لمار أكتفت بأشارة بسيطة لها ورحلت. أنطلقت بسيارتها بعدما أجرت اتصال هام وشعرت بالنصر. وقفت السيارة أمام شركة زيد. هبطت منها بثبات مخيف وسارت لداخل بثقة. طرقت الباب فأذن زيد لها بالولوج. لم ينتبه زيد لها بل كان جالسًا يعمل بحاسوبه.
لمار بتساؤل:
- يا ابني، أنت بتعمل إيه؟
زيد رفع رأسه لها وابتسم بفرحة وهب واقفاً:
- حبيبة قلبي وحشني.
أقترب ليعانقها بحب وهي كذلك. وضعت يدها على كتفه وقالت بنصر:
- خلاص، اللي كنا منتظرينه من سنين خلاص. أخيرًا قلوبنا هترتاح وهنعرف مين الخاين اللي بيساعد جون.
ابتسم لها زيد بوجع وقال:
- أنا بعد اللحظات والدقائق عشان اليوم ده.
أشارت له لمار:
- خلاص قرب، قرب أوي. أياد عامل إيه؟
زيد بتذكر:
- مش كويس. أنتي بعدتي عنه وبقى كئيب. مش عاجبني.
لمار أشارت له بالخروج وهي تقول:
- خلاص هانت وهنعيش سوي.
فتحت باب المخزن ووقفت لتنظر لعبد الرحمن الذي أصبح ذقنه كبيرًا للغاية والحزن بادي عليه والندم. من يراه يعطي مائة سنة وليس شاب في مقتبل عمره. وقف عندما رآها. فأقتربت منه لمار بصمت وضعت يدها بجيبها ووقفا بصمت تام. قطعته هي أخيرًا:
- جاهز؟
أومأ برأسه موافقًا. فمدت لمار يدها لتصافحه فصافحها وتابعت قائلة:
- من بكرة أنت وكامل لازم تخططوا إزاي تكسبوا ثقتهم علشان تقابلوا جون والباقي. مهما كان اللي هيطلبوه لازم يتنفذ حتى لو قتلي. مش عايزين نضيع وقت. كفاية لحد كده.
صمتت لبعض الوقت ونظرة له:
- اشتغلوا كتير معاهم، بس من غير ما تقابلوه. بس دلوقتي هتشتغلوا على مقابلته فقط. وأياك تحاول إنك تبيعني للمرة التانية. أقسم بالله هيكون موتك على إيدي.
أشار لها برفض قاطع:
- لا، لا. أنا ندمت ولازم أصلح غلطتي. ولو هموت هموت، بس مستحيل أخونك.
ابتسمت له لمار.
يا ترى على ماذا تنوي لمار؟ ما الذي يخبئه مايكل؟
رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ندى ممدوح
أشرقت الشمس الذهبية لتنير العالم، ولكنها لم تنر قلب لمار بعد.
ولجت ورد لغرفة لمار وجدتها نائمة. أزاحت الستائر، ليدخل النور الغرفة. تململت لمار لتبصر ورد أمامها واضعة إحدى يديها بخصرها.
"أيه كل ده نوم؟ اصحي يلا عشان وحشتيني وعايزة أتكلم معاكي."
انعدلت لمار بضيق شديد، وهي تخبئ وجهها بيدها من الضوء.
"مين فتح الستاير؟ اقفليها يلا."
ورد برفض قاطع وهي تشير لها.
"لا مش هقفلها، ومن النهارده اعملي حسابك هتصحي كل يوم على النور."
ابتسمت لها لمار بحب وجذبتها لتقبلها من وجنتيها.
"يا ناس على بنتي العاقلة دي؟"
أشارت لها ورد على الكومود.
"العصير ده تشربيه كله، ماشي؟ يلا هروح اخلي هالة تحضرلك الأكل عشان شكلك تعبانة."
ارتفعت صوت ضحكات لمار عليها.
دوي نغمة موبايلها، جابت عينها الغرفة، حتى وقع بصرها عليه. همت لتجذبه، وجدت رقم غريب. تيقنت أنه جون فابتسمت بمكر ورفعت الهاتف وهي تقول بتريقة.
"يااااه لحقت أوحشك ولا إيه؟"
جون بهدوء.
"جداً، وحشتيني جداً لدرجة إني أحب أن أستمع لصوتك كل صباح."
لمار بمكر.
"أيه رأيك في اللي حصل لرجالتك؟ بس عارف انت فدتني بحاجات كتير؟"
جون باستغراب.
"وإيه هما؟"
ردت لمار بابتسامة مكر على محياها.
"عرفت حقيقة اللواء أمجد وهوقعه، ودورك جاي."
جون بعصبية.
"لمار! لمار! لمار! قبل ما توقعيني هبعتلك هدية حلوة أوي هتعجبك، بس هتشلك. هتخليكي سنتين تفكري قبل ما تتحديني، وقريب أوي انتظر الهدية اللي هبعتهالك، ومتنسيش هتكون في نفس المكان اللي قتلت فيه عيلتك، هاااا؟ فكرة ولا إيه؟"
اتسعت عينها على ذكر ذلك اليوم اللعين. مر أمام عينيها كل ما حصل بذلك اليوم. أدمعت عيونها بألم. حاولت رسم ابتسامة.
"ومتنساش مش بنت الشرقاوي اللي تخاف من كلب زيك متخبي ورا رجالتها. هجيبك وهخلي أيامك كلها سودة."
أغلقت الهاتف بنرفزة. ظلت تأخذ نفس وراء نفس كأنها بتهدي ذاتها. ألقت الهاتف من يدها، ودلفت للتواليت، توضأت، ثم ارتدت الإسدال وصّلت. جذبت المصحف لتتلو بعد الآيات بصوت خاشع مطرب للأذان.
جاءت ورد منجذبة لصوت لمار لتجلس بجوارها وأنصتت جيداً لها. أما لمار فكانت تتلوه حرفاً حرفاً بخشوع، ألان الله قلبها وشرحه، فكانت تتلو بصوت جميل ينعش القلوب. وضعته جانباً ووجهت وجهها لورد. رفعت حاجبها.
"أيه بقا؟ اقعده كده ليه؟"
ورد باندهاش.
"صوتك جميل يا جميلة؟ يلا تعالي."
جذبتها من معصمها لخارج الغرفة.
كانت ريم تلعب هي وعمرو كوتشينة. أما هالة فكانت جالسة بحزن. رفعت بصرها للمار ووقفت بلهفة.
"حبيبتي أنتي كويسة؟"
ربطت لمار على كتفها بحب.
"اه الحمد لله."
جلست لمار بتفكير. لقد قضت الليل مع عبد الرحمن تشرح له ما عليه فعله. أخبرها بذلك الشخص الذي لا هم له سوى قتلها يدعي "ديف"، يتحدث المصرية جيداً. أخبرها أن لديه كل المعلومات عنها حتى الشخصية. فكان فكرها حائراً. تأكدت أنه شخصاً تعرفه هي جيداً يعيش حولها، ولكن من؟ تنقلت ببصرها على هالة تارة وريم تارة.
هالة لاحظت شرودها.
"لمار مالك؟ بتفكري في إيه؟"
لمار هبت واقفة.
"مفيش، بس لازم أروح الشغل."
هالة برفض.
"افطري الأول استني."
قطعتها لمار.
"لا هفطر في طريقي. هرروح المستشفى وبعد كده هطلع على المكتب."
ولجت لتبدل ملابسها وخرجت بطريقها للمستشفى.
وصلت لمار إلى المستشفى وتم تعميق الجرح لها وتغييره. وأثناء خروجها استمعت لكلمات جعلتها تقف محلها ولم تدري لماذا وقفت وكأن هناك أحد أمسك بقدميها كي لا تتحرك.
إحدى الممرضات.
"مستشفى الأميرة دي أكبر مستشفى بالشرق الأوسط والدكتور اللي بيديرها بيعمل عمليات بالمجان وهناك الأجهزة على أعلى مستوى وأفضل الدكاترة. روحي هناك وهتلاقي دكاترة كتير تساعدك ومن غير مقابل."
لا تدري لما عند سماع تلك الكلمات شعرت برفرفة قلبها يطير بفرحة فابتسمت بسعادة.
جف الدمع وتلاشت الابتسامات. لكن لماذا الذكريات لا تتركها؟
ممدد بجسده على السرير بتعب. تجلس لمار جواره بحزن، أمسكت وجهه بكلتا يديها وقالت.
"عارف يا يوسف لما أكبر وأبقى دكتورة مش هخليك تتعب أبداً ولا هخليك تأخد برد."
ابتسم لكلمات أميرته فجذبها ليحتضنها وهو يقول.
"وأنا لما أكبر هبني مستشفى كبيرة وهتكون باسم 'الأميرة' على أميرتي أنا، ماشي يا دكتورة لمار."
تمددت على بطنها وهي تعتليه. أسندت بكلتا يديها على صدره ووجهت وجهها له وقالت بفرحة.
"هييييييح! وهتكون مستشفى كبيرة وهكشف للكل بالمجان عشان في ناس كتير مش معاها تداوي مرضها وهجيب أكبر وأحسن أجهزة وهعمل فرع باسمي في كل دولة وكل محافظة."
يوسف وهو يمسك وجنتيها.
"أيوة يا قردة أنا هعملك كل ده."
استمعت لصوت فهبت واقفة بفرحة.
"رايحة ألعب مع زيد تحت وأصبح على عمو هارون."
وركضت بفرحة للأسفل. كان والد زيد يسقي الزرع وزيد واقف يتمرن. اقتربت بهدوء وحذر شديد ودفعته، فوقع على الأرض، وأنفجرت هي ضاحكة على مظهرها. هب واقفاً وركض خلفها، فركضت هي وهي تنادي باسم يوسف.
فاقت لوقعها على صوت يقول.
"أنتي بنت عز الدين الشرقاوي صح؟"
استدارت لمار لهذا الصوت فرأت دكتور كبير السن. ابتسمت له.
"آه أنا؟"
أشار لها لداخل الغرفة.
"طيب ممكن ثواني؟"
لمار ابتسمت بمجامله.
"مفيش مشكلة."
ولجت خلفه لداخل فأشار لها بالجلوس. وجلس مقابل لها بصمت.
لمار بفضول.
"اتفضل حضرتك، أنت تعرف بابا؟"
ابتسم وأومأ مؤكداً لها.
"آه أعرفه، وأنا اللي استلمت جثته هو ومراته لما توفوا."
لمار ابتسمت بوجع.
"آه بابا وماما وأخويا؟"
أشار لها برفض.
"أخوكي إزاي؟ أنتي متعرفيش هو اللواء أسليم مقلكيش؟"
لمار نظرة له بعدم فهم.
"يقولي إيه؟ مش فاهمة؟"
الدكتور بجدية.
"إن أخوكي يوسف عايش!"
لمار الجملة لجمتها. رفعت بصرها له بصدمة لا مثيل لها وقالت ببطء.
"أنت غلطان، يوسف أخويا مات في نفس اليوم."
الدكتور برفض.
"لا خالص، أخوكي جه عايش بس هو فقد كليته وعايش بوحدة لأن الطعنة دمرت الكلية بس هو كان كويس."
لمار نظرة له بعدم فهم بس بأمل كأنه طوق النجاة. الخوف تملك منها أن يكون مجرد سراب فقط. افتكرت تلك الرسائل التي كانت تأتي لها. تسارعت دقات قلبها كأنها في سباق. وتسارعت أنفاسها.
"أنا مش فاهمة يعني إيه؟"
الدكتور ابتسم بتأكيد.
"يعني يوسف عايش. هو آه صح اللواء سليم طلب مني إني أطلع شهادة وفاة وأنا فعلاً عملت كده عشان أبوكي كان غالي عليا وساعدني في حاجات كتير وعشان نحمي يوسف وميرجعش حد يحاول يقتله. خبينا عن الكل أنا واللواء أمجد بس اللي نعرف."
لمار الصدمة مسيطرة عليها كلياً.
"مين اللي دفن مش اخويا؟ إزاي؟"
الدكتور.
"مش جثته دي جثة تانية عشان نبين أنها ليوسف. وقتها يوسف بس قدرنا ننقذه، لكن والدك جه ميت ووالدتك كان وشها كله متشوه. وصلوا هنا ميتين بس إلا يوسف. أنا مكنتش عارف إنك متعرفيش."
لمار شعرت بأمل وكأن الحياة قد أنارت من حولها والضوء تنشر حولها. أحست بقلبها يحلق بالسماء عالياً. وكأنها ترى النور لأول مرة. كأنها بسجن ها قد خرجت لتوها. ابتسمت بفرحة وهي تضحك.
"بجد؟"
أشار لها مؤكداً. وقفت وهي تقول بفرحة.
"شكراً شكراً بجد."
الدكتور وقف مسرعاً.
"ولو، دا واجبي."
صافحته لمار وغادرت وعلي محياه ترتسم البسمة. تسير بفرحة وكأن الأزهار تطوف حولها والعصافير تغرد. صعدت سيارتها وسرعان ما تلاشت ابتسامتها وفكرها حائر وراودتها تلك الأسئلة. كيف يكون عايش؟ ولماذا لم يأتي إليها؟ وكيف سليم لم يخبرها بذلك؟ أمن الممكن أن ذلك الطبيب مخطئ أم ماذا؟ تلك الرسائل التي تأتيها أيعقل أن يكون هو من يبعثها أم ماذا؟ أدمعت عينها بيأس وتوصلت إلى أنه إن كان حياً سيأتي لها لا محالة. شعرت بالعجز وتوقف الحياة من حولها. أدارت سيارتها ورحلت لمكتبها.
كادت بالدخول ولكن وجدته مقلوباً رأساً على عقب وليس لديهم سوى حديث واحد وهو "هروب كامل الجبالي واللواء أمجد".
ولجت لمار بثبات إلى مكتبها. كادت أن تجلس فدلفوا الشباب وريم مسرعين.
أحمد باندفاع.
"لمار كامل الجبالي وأمجد هربوا؟"
لمار جلست ببرود.
"عارفة."
أحمد أقترب ليقف أمامها.
"لمار ليكون أنتي اللي وراء هروبهم؟"
أشارت له.
"ممكن."
أحمد لم يتفوه بحرف آخر وجلس مقابل لها بصمت. تنقلت أنظارها بينهم وقالت.
"محدش عايز يقول حاجة كمان؟"
نظرة لفهد.
فهد بهدوء.
"والله أنا عارف إن وراء سكوتك ده فأكيد أنتي مخططة لحاجة."
رأتها بسنت تنظر لها فقالت.
"مش هتكلم يا أختي."
وجلست مقابل أحمد.
أدهم أشار لها.
"أنا رايح مكتبي."
حبيبة جالسة على السرير بغيظ شديد تهز بقدميها. كل ما يتردد بآذانها هو معاملته لها أمام الممرضين وعصبيته عليها. ظلت تفكر وتفكر، نظرت مطولاً لذلك الإبريق، الذي يحتوي على الماء. هبت واقفة وجذبته، أسرعت خطاها للخارج بحذر شديد، فتحت الباب ببطء وأخرجت رأسها وعيناها جابت المكان فلم تجد أحد. خرجت بهدوء وحذر وترقب، تسللت على أصابع قدميها بخفة. هبطت كم درجة، وعيناها جابت المكان لم تر أحد. انحنت بهدوء لتسكب الماء على إحدى الدرجات من أولها لآخرها. وصعدت بسرعة للأعلى. ولجت لغرفته بابتسامة نصر وقالت.
"تستاهل اللي هيجرالك يا أستاذ مغرور عشان تحرم تزعق فيا تاني. إن ما وريتك وحرمتك تكلمني كده تاني."
أسرعت لتقف على الباب، وأخرجت رأسها ورقبتها حتى يهبط. أحست به يخرج من غرفته، فأسرعت بغلق الباب، وهرولت لتجلس على الأريكة. جذبت الريموت وظلت تقلب بعشوائية. مر بعد الدقائق وهي تحاول سماع صوته يتألم لكن دون جدوى. استمعت لصوته المنادي عليها، حتى هبت واقفة بسرعة بفرحة وهي تصيح.
"أكيد وقع وعايزني أعالجه. يارب يكون اتكسر."
ركضت مسرعة للأسفل وقد نست أنها قد سكبت مياه على الدرج، فكانت تهبط مسرعة. سحتت رجلها فصرخة صرخة قوية. لم تشعر بألم ولا بوقوع، بل بأنفاس تلفح على وجهها وبيد حول خصرها وبجسد صلب محتضنها. فتحت نصف عين فرأته أمامها. تسارعت دقات قلبها من سحر عيناه المهلك. حدقت بعينه لفترة وهو كذلك. لحظات دقائق وهم على هذه الحالة والصمت. انتبهت هي لذاتها، فبعدت يدها التي تحاوط عنقه بسرعة، وحاولت دفعه وأن تبعد عنه وهي تصيح.
"أنت إزاي تمسكني كده؟ ابعد عني."
كانت تدفعه بيديها الرقيقتان الناعمتان فلم تستطع ذلك.
رمقها بغيظ.
"متأكدة عايزني أسيبك؟"
ردت بنفاذ صبر.
"أكيد، أو إيه؟ ابعد كده، أنت مبتفهمش! وبعدين إزاي تمسكني كده؟"
مايكل بتريقة.
"تصدقي أنا غلطان وهصلح غلطتي دلوقتي."
فلت يده وتنحى جانباً. وقعت هي وأخذت باقي الدرج تدحرج. صرخة صرخة قوية. انفزع لأجلها وقال بسخرية.
"بتصرخي ليه؟"
رمقته بعصبية فغمز لها. عدل من ياقة قميصه وجاكته وهبط الدرج بثبات. وقف جوارها وانحنى ليهمس.
"ابقي فكري قبل ما تلعبي بحاجة زي دي ومتنسيش إن البيت ده بيتي. عارف كل صغيرة وكبيرة فيه وتستاهلي الوقعة. مكنتش ناويتها بس أنتي أجبرتيني."
أشار بيده لها.
"باي."
استقام وهو يعدل نظارته على عينيه وغادر. جلست هي بحزن طفولي وألم قالت بتذكر.
"أسيب لمار كانت كل ما نروق تزحلقني ودلوقتي أستاذ مغرور. منك لله يا شيخ قطعة الخلف. اااااه يا ضهري يا ني يا أمه."
وقفت بألم وهي تمسك ظهرها. كادت بالصعود ولكنها وقفت تنظر للمكتب مطولاً. أرادت أن تعرف ما الذي يخبئه ولماذا يجلس به جل يومه. جمعت شتات ذاتها لتسير إليه وبكل خطوة عيناها تجول المكان بخوف وحذر من أن يراها أحد. وقفت أمام الباب وابتلعت ريقها بخوف. كادت أن تفتح ولكنها ترددت فتراجعت. استجمعت شجاعتها مرة أخرى وفتحته مسرعاً لتهرول للداخل وهي تغلق الباب. وضعت يدها على قلبها وتنفست براحة. عيناها جابت كل ركن به، أعجبها لونه الداكن. أسرعت لتجلس وهي تحاول فتح الأدراج واحد تلو الآخر، لعلها تجد شيئاً عنه. زفرت بيأس عندما لم تستطع فتح أي واحد منهم. وقع بصرها على ملفات موضوعة جانباً، جذبتهم بسرعة وظلت تقلب بهم ولم تجد شيئاً. وقفت بيأس وضعت يدها بخصرها وجابت المكان حتى وجدت رف عليه الكثير من الكتب. أمسكت كتاباً تلو الآخر وهي تقلب به. كادت أن تجذب أحد الكتب حتى اندرج الرف وانفتح. غمضت عيونها مرة تلو الأخرى بزهول وقلق. ولجت بخطوات بطيئة للداخل، تسارعت دقات قلبها لخوف. مع كل خطوة تخطيها عيناها تجوب المكان برعب. حتى وقع نظرها على تلك السيدة الممددة حول كثير من الأجهزة. دب الخوف قلبها. خشيت أن يكون هو سبب حالة تلك السيدة. أسرعت ركضاً إليها تأملتها قليلاً وقالت.
"ليكون هو السبب؟ يا ترى عمل فيكي إيه؟"
ظنت أنها بمشفى من هول تلك الأجهزة والملزمات الطبية وكل شيء. ركضت لجلب ما تحتاجه وظلت تفحصا لفترة طويلة، حتى جلست بتعب ومحدقة بها وقالت بصدمة.
"مش ممكن! مين عذبك كده؟ دا مفيش مكان سليم في جسمك. وليه حاولت تنتحري؟ الإنتحار ده عملها شلل. مش هتخف منه غير إذا الخوف راح وحالتها النفسية تتحسن عشان تستجيب للعلاج والعملية."
"معقولة يكون مايكل عذبها كده؟ بس لو هو سبب تعذيبها هيعالجها ليه؟ لا أكيد في حاجة لازم أعرفها ضروري جداً."
هبت واقفة وهرولت للخارج، صعدت الدرج مسرعة، وركضت إلى غرفته. وقفت أمام الغرفة بتردد ولكنها فتحت الباب و ولجت للداخل، وأخذت تبحث في كل ركن به لعلها توصل لشيء.
لمار بمكتبها. ولج أدهم بعدما وهو يقول.
"طب إيه؟ أنتي ناسيه المعاد؟"
لمار ابتسمت وهزت رأسها.
"لا مش ناسيه، وأنا أصلاً كنت همشي دلوقتي عشان أجهز نفسي."
أقترب أدهم ليجلس مقابلها وقال.
"طب يلا عشان أوصلك."
أومأت برأسها وهبت واقفة. خرجا سوياً وصعدا السيارة والصمت كان سيد المكان إلا من نظرة أدهم لها من المرآة مما يزيدها ارتباكاً. وصلها وهبطت بصمت وهو غادر.
وصلت لمار لشقة، استمعت لصوت عمها فأبتسمت بفرحة. رنت الجرس، وفتحت لها هالة. رمقتها بفرحة وقالت.
"عمو رؤوف هنا؟"
أومأت هالة بتأكيد. ولجت لمار بفرحة، رأها فوقف مسرعاً، عانقته بحب، فمعه تشعر بوالدها، فقد كان يحبه بشدة. تشعر بحنان الأم التي طالما اشتاقت إليه. ابتعدت عنه بعد عناق طويل.
"حبيبي عامل إيه؟ وحشتني؟"
رد وهو محاوط عنقها بذراعه.
"قلب عمو الحمد لله."
أشار له بالجلوس فجلس، وهي جواره.
رؤوف.
"مقولتليش بجد أمجد هو السبب؟"
ارتبكت لمار وذهبت ببصرها بعيداً عن نظره، فهي مهمة خاصة لا يجب لأحد أن يعلم بها مهما كان، أنه سر الواجب قبل أي شيء. فردت.
"آه هو، بس أنا لسه مقبتش حاجة مؤكدة عنه."
رؤوف بغضب.
"قوليلي مكانه وأنا هموته بإيدي!"
لمار برفض.
"لا أكيد العدالة هي اللي هتجيب حقنا. مقولتليش رجعت إمتى؟"
رؤوف.
"يلا على طول راجع وجيت أطمن عليكي وهمشي وهجيلك تاني."
لمار برفض.
"لا مش هسيبك تمشي، خليك."
رؤوف.
"يا بنتي ما أنا هرجع تاني."
بينما بالداخل ورد بغيظ.
"هو الراجل ده هيمشي إمتى؟"
عمرو بكره.
"دلوقتي يغور، بس أنتي ليه مش بتحبيه؟ أنتي بس لمحتيه من هنا؟"
ردت ورد بصدق.
"سيمهم على وجوهم. أما الراجل ده محبتوش، حسيته بوشين، مش عارفة لمار قاعدة معاه إزاي!"
رمقته بفضول وتابعت قائلة.
"بس أنت ليه مش بتحبه؟"
هب واقفاً وسار خطوتين واستدار بتذكر لها وهو يقول.
"قبل لمار ما تبعد وتسبني سمعته بيقول خلص عليها وعليه، النهارده خلص عليه الأول وهي هتضعف لأنه نقطة ضعفها سليم. فحسيت بكلامه إنه يقصد لمار، بعدها هي غابت وأنا بخاف منه لأنه عرف إني سمعته وقولي لو قولت لحد هموتك، وأنه كان بيهزر مع صاحبه بس مصدقتوش وأنا خايف أقول للمار."
ورد ببراءة.
"يمكن مش يقصد فعلاً."
كانت لمار ممددة واضعة رأسها على ساقيه بحب. مر وقت طويل وهي تتحدث معه حتى ذهب. ذهبت مسرعة إلى غرفتها، وجذبت تلك الحقيبة التي أهداها لها "أدهم". فتحتها وأخرجت ما بها وأنبهرت من ذلك الفستان وأعجبت بذوقه كثيراً. شرعت في تجهيز نفسها.
حبيبة ما زالت تجول بالغرفة، تفتش بكل ركن بها، استمعت لصوت خطوات قادمة. علمت أنه هو. صاحت بخوف وهي تبحث عن مكان تختبئ به.
"ياااربي لو شافني هيقتلني! أروح فين وأجي منين؟"
وقع بصرها على السرير، فأسرعت لتختبئ أسفله. دلف مايكل الغرفة وعيناه تبحث عنها. لم يجدها فوضع يده بوسطه وهو يفكر أين ستكون. شعر بحركة أسفل السرير فابتسم بتسلية، فأقبل ناحيته وجثى على إحدى ركبتيه ورفع الغطاء ووجه وجهه لها وقال بحده.
"اطلعي!"
اتسعت عينيها من هول الصدمة. أبعدت يديها عن وجهها ونظرت له ببراءة وابتسمت. أشار لها بيده.
"اطلعي يلا."
مد يده ليسحبها، فأبتعدت مسرعة.
"مش طالعة غير لما تبعد."
كبت ضحكته بصعوبة وقال بنفس الحده.
"اطلعي يا حبيبة بقولك؟"
أحتضنت وجهها بكلتا يديها وأسندت على الأرضية.
"مش طالعة غير لما تقف بعيد وتغمض عينك."
سار بيده على خصلات شعره ليهدأ وقال.
"متفكريش إنك هتخرجي لأني قافل الباب بالمفتاح."
رمقته بعند.
"وأنا مش طالعة."
انعدل بوقفته وأبتعد قليلاً وأغمض عينه.
"اطلعي وأخلصي يلاا!"
أخرجت رأسها نظرت له وخرجت بهدوء وركضت مسرعة للتراس، اختبئت خلف الحائط بهدوء وحذر. فتح عينه فلم يجده، دلف بهدوء ووقف أمامها وهو يحاوطها بكلتا يديه.
"إيه لعب العيال ده؟ بتعملي إيه هنا؟ مش قولت ممنوع؟"
نظرت له ببراءة.
"أنا آه كنت جاية أشوفك."
أجاب بتريقة.
"يا شيخة طب قولي حجة غير دي، ما أنتي شايفة أنا وأنا خارج."
وضعت يديها بصدمة على وجهها وهي تحدق خلفه بشيء وقالت بخوف.
"شوف إيه ده كدا؟"
استدار ليرى عن ماذا تتحدث. سرعان ما جذبت المفتاح من جيبه وركضت للخارج وصوت ضحكاته يعلو بالغرفة. حرك رأسه بقلة حيلة وابتسم بتسلية. كادت أن تفتح الباب، ولكنه كان الأسرع لينتشله منها وقال بجدية.
"أنتي دخلتي هنا مع إني قولت ممنوع ودلوقتي لازم تتعاقبي."
سار ليجلس على الأريكة وهو يخلع جاكته ويلقيه. نظرت له بذهول واقتربت منه.
"أتعاقب يعني هتضربني وتعذبني وتسجني من غير أكل ولا مياه؟"
ضحك بخفوت على كلماتها ونظر لها وقال.
"دي كلها حاجات سهلة."
فتحت فاهها بصدمة. ابتسم على مظهرها وأكمل بجدية وهو يتجه للشرفة.
"تعالي هقولك على العقاب."
حادثت نفسها بخوف قائلة.
"دلوقتي هيخدني لشباك وهيرميني من فوق. يا عيني على شبابك يا حبيبة هتموتي من غير ما تشوفي أهلك."
وجدها محلها تفكر وقال.
"تعالي متفكريش كتير."
سارت نحوه ببطء ووقفت جواره بصمت. عينه جالت الغرفة وهو يقول.
"يلا في خلال ربع ساعة تكون الأوضة دي بتلمع."
تفحصت الغرفة حولها بصدمة.
"أروق فيها إيه دي؟ ما هي بتلمع لوحدها."
أبتعد متجهاً للإبريق جذبه وسكبه نظر لها وقال.
"فين الأوضة مش بتلمع؟"
وصاح بصوت عالي أرجفها.
"فدامك ربع ساعة بس وهتبدتي من دلوقتي."
رفع يديه لينظر للساعة وقال.
"لو هتفضلي واقفة كده العقاب هيزيد."
كانت تحدق به بصدمة. انفزعت على صوته، فهرولت للأسفل مسرعة وجلبت ما تحتاجه وبدأت في مسح الغرفة. كان يجلس يخطف إلبها النظرات بتسلية. رفعت ما بيدها وكادت أن تهوي عليه بضربة، رفع نظراته المهلكة فعادت لعملها ببراءة. كبت صوت ضحكاته بصعوبة وهو يعمل على حاسوبه.
تجلس هالة بشجن لا مثيل له، دموع متحجرة تأبى النزول. لا تدري لما ذلك الألم يعصر قلبها، تشعر أن قلبها متوقف عن الحياة. انقباض قلبها يخبرها أن هناك شيئاً سيحصل له. كل ما تذكره هو بحة صوته الحزينة وهو يقول "هتوحشيني". أرادت قول "لا ترحل فأني أحتاج لك". تذكرت بعد خروج لمار، رن هاتف إيهاب، ابتعد ليجيب وعاد بعد لحظات وهو يقول مسرعاً.
"أنا لازم أمشي."
ورحل على الفور دون كلمة أخرى إلى داره. جاء بعد قليل وبيده حقيبة، جاء ليودعها ويتركها وحيدة. حطم وقسم قلبها وتركه هكذا، ودعها ورحل بعدما قال لها كلمات أوجعتها أنه يشعر أنه لن يراها مرة أخرى.
فاقت لوقعها ومن دوامة قلبها الجريح على صوت ورد تقول بأنبهار.
"واووو! إيه القمر ده؟ أنتي هي نفسها لمار متأكدة؟"
كانت تقف لمار بفستان باللون السكري ضيق لحد الخصر باللون الذهبي واسع لأسفل أصابعها باللون السكري. خصلات شعرها مفرودها بحرية خلف ظهرها. ذاك التاج البسيط الذي تضعه جعلها كالأميرات حقاً. مكياجها البسيط زاد من جمالها جمالاً. من يرآها يقسم أنها ليست نفس الفتاة ذو الوجه العابس الكئيب الحزين الشجاع الذي يخيف من يراه. تلك الفتاة الرقيقة يستحيل أن تكون ذاتها الفتاة التي تخترق صفوف أعدائها باللامبالاة تصول وتجول كالأسد الجائع لا يرتوي من دمائهم ولا يشبع من لحومهم. فتلك الأميرة ذات اليدين الناعمتين يستحيل أن تكون ذاتها من تمسك السلاح كأنه جزء منها لا تفشل. تلك التي أمامهم ذو الوجه الباسم المشرق المبهج يستحيل أن تكون هي.
رمقوها جميعهم بذهول. انفجرت ضاحكة على مظهرهم.
"إيه ده مالكم مصدومين ليه؟"
اقتربت هالة بكرسيها المتحرك.
"متأكدة إنك لمار؟"
لمار.
"آه يا بنتي، في إيه؟ هتأخر لازم أمشي."
عمرو مسك يدها.
"لا لا مفيش خروج لوحدك وأنتي قمر كده."
لمار قبلته من جبينه.
"ما أنا مش لوحدي."
ريم بحب.
"اممممم الحكاية فيها حب بقا، وأنا أقول لمار متغيره ووشها منور ليه!"
خرجت مسرعة وهي تقول.
"يووه بس بقا يا ريم، أنا ماشية."
هبطت للأسفل وجدت سيارة تنتظرها، فصعدت بها وانطلق بها مسرعاً. وقفت السيارة بعد وقت، فتحت الباب وكادت أن تهبط فوجدت أسفل قدميها ورود حمراء. ابتسمت بفرحة وهبطت. سارت على الورد ومع كل خطوة كان قلبها يرفرف بهجة. شعرت وكأنها في عالم الأحلام وقد نست كل شيء وكأنها قد أتت لتوها على الحياة. وجدت نفسها أمام يخت تشع منه الأنوار. هالها جماله.
كان أدهم يقف بعدم تصديق احقاً هذه لمار. نكزته بصدره.
"أنت هتسبني واقفة كده ولا إيه؟"
انتبه لذاته فابتسم.
"لا طبعاً إزاي؟"
مد يده لها، فأمسكت به. رفعت قدمها لتخطو إليه فخانتها قدمها وكادت بالوقوع فأحتضنها هو مسرعاً. خفق قلبها بسرعة من قربه المهلك. رفعت بصرها لعينه، عيون مشتاقة تأبى الابتعاد. ظلت عيونهم متعلقة ببعض. انتبهت لذاتها فأبتعدت عنه بخجل، وصمت الصمت المكان. كان للهواء يلامسها فأغمضت عينها باستمتاع لهدوء الطبيعة الساحر. فتحت عينيها لتجوب المكان وقالت بفرحة ودهشة.
"أنت عملت كل ده؟ شكله تحفة؟"
ابتسم لها.
"عجبك؟"
لمار بصدمة.
"أنت لسه بتسأل!"
نظرت لتلك الطاولة التي تتزين بالورود بشكل قلبها يتوسطه اسمها بالشموع. تلك الأنوار المختلفة جعلت قلبها يضيء. أقترب منها ومسك يدها بحب. كاد أن يتحدث، فوضعت سبابتها لتمنعه وهي تقول.
"خلينا نقعد الأول وبعدين هسمعك وتسمعني."
ابتعدت ووقفت لتنظر إلى المياه الساحرة بهدوء الليل وسكينته. نسمات الهواء تطاير شعرها. أما أدهم فكان مسحوراً بها لم يستطع على بعد نظره عنها يتأملها بعشق فاق الوصف.
جلسا جوار بعضهم فقالت لمار بتذكر.
"فاكر إمتى كنت فاقدة الذاكرة مكنتش بطيقني، كل ما تشوقني تزعق."
أجابها بضحكة.
"أعمل إيه طيب ما واحدة غبية كل شوية أخويا أخويا أخوكي منين يا حاجة."
انفجرت لمار ضاحكة.
"ما أنا مكنتش عارفة ليه بتعملني كده بس كنت ببقى عايزة أدبحك."
أدهم بتذكر.
"كنتي بتجيبيلي الشلل كل ما أتكلم معاكي أنا أختك ببقى عايز أولع في نفسي."
لمار بابتسامة.
"بس كانت أيام حلوة."
أدهم أعتدل بجلسته لينظر لها ورفع يده على وجنتها ليوجه وجهها لوجهه مباشرة وقال بحب.
"لمار تقبلي يا أميرة قلبي أنك تكوني شريكة حياتي وتكمليني ونكون واحد. تقبلي تشاركيني حياتي لحد ما أموت. تقبلي تكوني أمي وأختي وصحبتي وحبيبتي."
وقال بضحكة.
"والله ما كنت أتخيل أني أحب واحدة بألف راجل كدا بس هوو حبيت."
رفع حاجبيه وتابع قائلاً.
"تقبلي أنك تبني معايا أحلامنا وتجيبيلي عيال كتير. تقبلي تتجوزيني وتسمحيلي أكون نص قلبك وتؤم روحي. أوعدك مش هزعلك أبداً ولا هخلي الحزن يقرب منك وهخلي حياتك كلها أزهار وورود وحب وسعادة وفرحة. هاااا قولتي إيه؟"
خفقان قلبها أعلنت الحرب عليها. شعرت بقلبها وكأنه بستان فجأة تملاء بالأزهار والأشجار والنخيل والموسيقى والآلات الناي والعود تعزف لحن خاص ويتوسط ذلك البستان هما فقط. صمتها طال ولكنه شعر بفرحتها ورفرفة قلبها، ولمعة عينيها العاشقة. ولكن يريد أن يسمعها فقال.
"ياااه كل ده بتفكري؟"
نظرت له أخيراً ببسمة حالمة، وقالت بخجل شديد وبطء.
"موافقة؟"
قال باستعباط.
"مش سامعك بتقولي إيه على صوتك؟"
ردت بغيظ.
"لا."
قال بحب.
"طب عشان خاطري!"
قالت وهي تنظر لعينه.
"موافقة!"
ابتسم بفرحة وهو ينظر لعينها مباشرةً، وكأن عيونهم العاشقة تخبر بعضها بمدى حبها للآخر. أما لمار فكانت تشعر وكأنها بعالم أخر، وكأنه سكب قلبه بقلبها فأصبح قلب واحد يخفق خفقاناً واحداً، ويشعر بشعور واحد.
أدهم رفع حاجبيه.
"يلا بقا عايز أعرف ليه حبيبة قلبي ديما بتكون زعلانة."
أمسك وجنتها كالطفلة وتابع.
"أنتي متعرفيش إنك بتوجعي قلبي بابا."
نظرت له بحزن وقالت.
"بابا تصدق أني نفسي أقول الكلمة دي أوووي. بابا وحشني أوووي. من بعده حاسة إني مليش سند."
شعر بانقباض قلبه ولوعة الألم فرفع يده ليحاوط كتفها وضمها لصدره بحنان وقال.
"أنا بابا أهو وسندك وضهرك وكل حاجة."
أغمضت عينيها بأمان واطمئنان وهي واضعة رأسها على صدره شعرت بأنها تملك كل العالم بين يديها. شعرت بحنان الأب. كان عازمة أمرها أنها ستخبره عن موت والديها أمام عينيها وكل شيء. كادت برفع رأسها لتخبره ولكن دوي نغمة هاتفها. ابتعدت عنه وجذبته رأت اسم زيد يضيء الشاشة فحادثت نفسها قائلة.
"لازم أقول لأدهم على زيد وعرفهم على بعض وأقوله إن زيد ده مش مجرد صديق، بالعكس هو أخ وأكتر."
أدهم أشار لها.
"مين؟"
فوقفت وهي تقول.
"لحظة."
أشار لها.
"خدي راحتك."
ابتعدت لتجيب بفرحة ولكن تلاشت ابتسامتها فوراً، وتبدلت فرحتها لقلق شديد. أغلقت الهاتف مسرعة وركضت فوراً. لم تستمع لأدهم ومناداته. ما الذي أخبرها به زيد لتركض دون أن تنتبه لأدهم؟ على ماذا ينوي جون فعله وما تلك الهدية التي سيرسلها لها؟ هل حقاً ستضعف لمار وتنهار أم أنها ستزيدها قوة؟
رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ندى ممدوح
الفصل التاسع عشر
رواية / فتاة العمليات الخاصه
ا((للهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الغنى والفقر، وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بع وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين))
أبتعدت لتجيب بفرحه ولكن تلاشت ابتسامتها فوراً ، وتبدلت فرحتها لقلق شديد ، أغلقت الهاتف مسرعه وركضت فوراً ...
لم تستمع ﻷدهم ومنادته ، ركض خلفها بخوف ، ولكنه لم يلحق بها ، ﻷنها أوقفت تاكسي وغادرت ، كان القلق ينهش قلبها ، خشت أن تخسره هو من يتبقي لها من عائلتها ، وها قد رأف بحالها الوقت و وقفت السياره ، فهبطت مسرعه بعدما أهدته الاجره وركضت مسرعه لدار زيد ، هرولت بسرعة لغرفة "أياد" ك الرعد ، ولجت للغرفه وهي تلهث وقالت بنبره بها القلق والخوف ل زيد :- أياد ماله تعبان ماله مجبتش دكتور ؟
أقتربت لتخت وضعت يدها على جبينه حاولة جعله يفيق فقالت بوجع وصوت مهزوز :- ماله يا زيد مش بيرد عليا ليه ؟
أبتلع زيد ريقه بخوف وقال بتوتر :- هو يا حبيبتي أهدي هو كويس !!
لمار نظرة ل أياد ومسكت يده :- لا ، ماله حصل ايه ليه مكلمتنيش علي طول من لما تعب "هبت واقفه" يلا خلينا نخده عند اي دكتور يطمني عليه ..
نظر زيد للارض باسف ...
لمار بقلق :- مالك مش بترد عليا ليه ؟
تفجأة لمار من يد أياد تحاوطها من الخلف بفرحه وهو يقول :- وأخيرًا ماما حبيبتي جت ، يعني متجيش تشوفيني غير لما أتعب ؟
أستدارت له وأحتضنت وجهه :- حبيبي أنت كويس فيك حاجة هااا ؟
أياد هز رأسه نافياً :- أنا كويس يا حبيبتي أنا عملت كدا عشان تيجي !
نظرة له بصدمه ، وتنقل بصرها بينهما ، صفعة أياد صفعه قويه على وجهه ، أمسكته من كتفه بقوه وهزته وهي تصيح به بصوت عالي :-
ليه ليه عملت كدا ، أنا قلبي وقف من خوفي عليك ، أنا حسيت قلبي بيتسحب مني وهو بيقولي ألحقي أياد تعبان جامد أنا جيت جري من خوفي عليك ازاي قدرت تعمل كده "صمت قليلاً وتابعت بصوت مهزوز موجوع" حرام عليك قلبي وقف أنت اللي متبقيلي في الدنيا دي لو جرالك حاجه أنا هموت وراك ، ازاي قدرت تعمل كدا فيا ، متعرفش لما قلي كدا كانت حالتي ازاي كنت زي المجنونه أنت ابني وحته مني لو جرالك حاجة والله هموت ...
بكا أياد فهو لم يكن يقصد أن يوجعها هو فقط كان مشتاق لرؤيها ولهذا السبب قال ذلك ، نظر لها بأسف شديد وضمها بقوه وقال بصوت مختلط بالبكاء :-
أنا آسف يا حبيبتي والله مقصد ، أنتي ليكي كتير مجتيش تشوفيني وكنت متوحشاك فعملت كدا ا عشان تيجي متزعليش مني أنا والله أسف ...
ضمته بقوه وكأنها تخشي أن يبتعد عنها دون عوده ..
أبتعد أياد عنها وأحتضن وجهها بين يديه :-
أنتي مش زعلانه مني صح ؟
لم تعطيه آي أهتمام ، فربع يده أمام صدره بطفوله :- طيب أزعلي ... مسك خده بألم وتابع بتمثيل ؛-
اه يا خدي ايدها تقيله الاسيه دي ؟
رمقته لمار بحده ، ونظرة ل زيد فأبعد نظره لخارج الغرفه وقال بضحكه :-
نسيت اﻷكل علي النار وعندي موعين وترويق ومسيح يااااختي ...
آتي أن يهرب للخارج ، فمسكته من ياقة قميصه وكبتت ضحكتها :- تعال هنا رايح فين ؟
وضع يده على خده بخوف وهو يقول بتلعثم :-
اﻷكل على النار وعندي حاجات كتير مش فاضي .
تعال صوت ضحكاتها رغماً عنها وقالت :- بقا يا كلب توافق الحمار ده وتعمل زي ما قالك ؟
أقترب زيد ليبعد يدها عنه وهو يقول :-
وربنا هو صاحب الفكره !
رمقته بصدمه وقالت :- كمان "نظرة ل زيد" دا أنت يومك مش فايت أنهارده ؟
رفع أياد يده نظر بالساعه ، وأبتعد قليلاً وتركهم يتناغشون ، جذب تلك التورته الموضوعه جانباً ، وعليها اسم لمار ، وخبئها خلف ظهره أسرع ليقف خلفها بفرحه ليفأجاها وقال :- كل سنه وأنتي طيبه وعيد ميلاد سعيد وعقبال مائة سنة وأنتي أمي وحبيبتي .
حدقة عيناها بصدمه ، وأبعدت يدها عن زيد ، تذكرت عيد ميلادها ، لقد أهداءها القدر هديه ، هي فقدان والديها وأخاها ، شعرت بانقباض فؤادها فجأه ، وأنسحاب روحها ببطئ ولا تدري لما كل ذلك ، لم تحتفل بعيد ميلادها أبداً بل أنها قد نسته ، فمن ستخسر ومن سيأخذ القدر تلك المره ، أنتبهت لذاتها فأستدارت بأعين تشع نار تحرق من تصيبه ،
أياد رأها بتلك الحاله فأبتلع ريقه بخوف وتوتر رجع خطوتين للخلف ، ولكنه أنفزع هو زيد ، عندما جذبتها منه وقذفتها باﻷرض بلي أكتراث وصاحت به :-
مفيش عيد ميلاد أنت عايزني أخسر مين ، ليه فكرتني باليوم ده أنا بكره بكره ...
أبتعدت وهي تلقي وتكسر كل ما يقابلها ..
زيد نظر لأياد بقلة حيله : أتحيلت عليك متعملش كدا ليه عملت كدا ؟
أياد بصدق :- والله ما كنت أقصد كنت حابب أفرحها
أقترب زيد منها وأحتضنها ليشل حركتها ويهدئها فنظرة لعينه مباشرةً وقالت :- أنت فاكر في اليوم ده خسرنا مين ، أحنا خسرنا الحبايب كلهم أنا مكنتش عارفه أني فرحتي واحتفالي بعيد ميلادي هدفعني التمن غالي كدا فضلت سنين بتألم قلبي حي بس بينبض بالوجع ، قلبي مشفش فرح من يوم ما راحوا ، بس ياتري القدر هياخد مني مين تاني انا مش حمل فراق والله ...
أدمعت عيناه وفاض الدمع واحتضن وجهها وقال بصدق :- لا يا حبيبتي اللي فات فات مش هتخسري حد تاني واليوم ده مش هيتكرر تاني انا شفت ابويا بيموت قدام عيني وأنتي أهلك كلهم مش هسمح لحد يوجعك تاني ولا حتي القدر كفايه كدا ...
أقترب أياد بحزن وقال بآسف :- أنا أسف مكنش قصدي أفكرك والله دا كان ماضي أنسيه ..
اقتربت لتقف أمام عينه ورمقته بحده :-
أنساه أنسي أيه أنسي اني شوفت ابويا بيدبح قدامي وأخويا بيطعنوه وأمي بيحروقها أنا مش هنسي ولا الزكريات هتنسيني بس اللي وجعني ليه هان عليك توجعني ...
نظر أياد للأرض :- مش قصدي والله يا ماما منزعليش مني ....
رمقته بنظره قاتله وغادرت الغرفه ...
نظر زيد ﻷياد وربط على كتفه :-
هي مستحيل تزعل منك شويه وهتهدأ ..
أياد بحزن :- يا بابا أنا والله ما اقصد ازعلها ..
زيد بتأكيد :- عارف يا حبيبي هتهدا وهتجيلك هروح أشوفها ...
غادر زيد الغرفه .. وجثي أياد على ركبتبه بحزن رفع رأسه عالياً وقال :- يارب أنت عارف أني مقصدش أزعلها يارب خفف وجعها ؟
فاض الدمع بعيناه .....
هبطا زيد الغرفه وجد لمار تجلس على الاريكه بتفكير
فجلس جوارها وأسند رأسه على كتفها :-
حبيبتي متزعليش من أياد هو ميقصدش ...
أبعدت رأسه بحده ونظرة له :- طب هو ومش بيفهم طب أنت ازاي قدرت تعمل كدا .
زيد بضحكه :- خلاص بقا ميبقاش قلبك أسود الله ؟
أنتبه لفستانها وخصلات شعرها المسترسلها على وجهها ومكياجها الهادي وتاجها فحدق بها بصدمه وقال :- مش ممكن لا أبداً في حاجة غلط أكيد ؟
وجهة وجهها إليه باستغراب :- في اي ؟
وقف بصدمه وهو محدق بها وجذبها من يدها لتقف ولفها كذا مره وقال بأنبهار :- هي المزه اللي قدامي دي لمار ولا أنا حوليت ولا في اي يكون الزمن تغير وأنا مخدتش بالي ؟
رمقته بحده ونكزته بكتفه ...
فغمز لها وقال :- لا بقا الشباكه دي قولها في ورآها آنه "نكزها بكتفها" قري يا بنتي أدهم صح ؟
أشارة له بخجل وهزت رأسها :- ايوه ...
صفق بيده وقال :- اخيرا جه اللي يوقع بنت الشرقاوي .
لمار جذبته من يده ليجلس بجانبها ،
زيد بفضول :- يلا بقا أحكيلي كل حاجة "وتابع بتفكير" بت لتكوني كنتي في موعد غرامي وأحنا قطعنا اللحظه ..
قصت عليه لمار ما بدر منها عندما اتصل ، فأنفجر ضاحكا ...
نكزته لمار بقوه وتعال صوت ضحكاتها قائله :-
والله الفقري فقري طول عمره منك لله يا زيد .
زيد وهو يتأمل ضحكتها :- اش عرفني يا حجه أنك معاه ، كنتي قولي ...
لمار :- يلا بقا حصل خير ... هطلع أشوف أياد .
قالت تلك الجمله وهي تهم بالوقوف ...
مسك يدها زيد وهو يقول :- استني خديني معاكي ..
صعدا الدرج سوياً و ولجا الغرقه ، رأت أياد يجلس بحزن على الارضيه ، قأقتربت منه بحنان وجلست جواره بصمت ، وزيد من الناحيه الاخري ...
أشارة لمار بخفوت ل زيد بشئ ، وسرعان ما داعبه سوياً ، وهو يضحك حتي تمدد على الأرض وهما جواره ، كان صوت ضحكاتهم يملئ المكان سعادة ،
نظر لها أياد بلوم وعتاب ، قرأة هي كلمات عينه ، فضمته بحب وهي تقول :- خلاص يا حبي متزعلش بقا وبكرا هخدك ونخرج سوي أنا وأنت ...
زيد بتزمر طفولي :- اه ياختي وأنا ابن البطه السوده عشان مروحش معاكم صح ؟
رمقة لمار أياد فأشار لها :- خلاص نخدوه ...
زيد بمشاكسه :-هو أنتوا تقدروا اصلا تطلعوا من غيري ..
رمقته لمار بحده :- لا يا شيخ طب مش هتروح ؟
زيد بتراجع عن كلامه :- لا لا خلاص ...
ظلوا هكذا بتلك الفرحه التي أعتلت وجوههم ، حتي غطوا في النوم .....
حبيبه بغرفتها لم تقر عينها بنوم ، تريد الاطمئنان علي تلك السيده التي لا تعرفها ، القلق مسيطر عليها كلياً ، كانت تفكر وتتأمل كيف تحسن من حالتها النفسيه ، إذا هي لا تتحدث ولا تتحرك ولا تعرف لها قريب ولا غريب ، ولكنها أيضاً خائفه أن يدري مايكل بما تفعله ، فيبدوا أنه ليس بسهل فقد حذرها أن تدلف مره اخري وتبحث باغراضه ، كانت تخشي بشده أن يدري ، ولكن عليها أن تساعدها مهما كلفها اﻷمر ، شجي سيطر عليها كلياً ، أستمعت لخطوات أحد فتنبئت أنه هو ، هبت مسرعه لتفتح الباب ورأته يكاد يهبط الدرج فنادت عليه وهي تهرول خلفه ..
وقف دون أن يستدير لها :- خير عايزه حاجة ؟
هبطت الدرج لتقف بالدرجه التي تليه ورفعة بصرها له وقالت بغيظ :- أنت مبتعرفش ترد عليا مره حلو أبداً .
رمقها بعينان ك الصقر وقال بحده :- الوقت تأخر أطلعي اوضتك ونامي ؟
وضعت يدها حول خصرها :- وأنت أن شاء الله رايح فين ؟
وضع نظارته ودفعها جانباً وهبط الدرج وهو يقول :-
ملكيش فيه أروح أجي حاجة متخصكيش !
نظرة له بغيظ وتوعد ، ثم ابتسمت وهي تقول :- يخرب بيت حلاوة أمك هو في كدا مز مز يعني أستعفر الله العظيم يا رب ....
كانت تتابعه حتي ذهب بسيارته ، فصعدت بسرعه وجلبت مصحف وهرولت للأسفل وولجت إلى المكتب ،
بينما بالاعلي كان يقف فيكتور يراقبها ، وضع يده على السور مستنداً عليه ، ابتسم بفرحه وقال :-
حاسس أنها هتخف على أيدك زي ما أمتلكتي قلب مايكل وجعلتيه من حجره صمأ إلى قلب بيحب وعاشق فمتاكد أنك هتعالجي مامته يمكن وجودك جنبها يحسسها ب لمار وتخف ، أستدار ليغادر غرفته بتفكير فيما عليه فعله .....
بينما حبيبه تجلس حوارها تتلو القرآن حرفاً حرفاً بخشوع تام ، تاره تتحدث معها وتاره تتلو القرآن وتاره تفحصها وتعطي لها علاج ، رأت ذلك المحلول تأملته قليلاً و وضعت احدي يديها حول وسطها :-
مينفعش تفضلي عايشه على المحاليل كدا لازم أخليكي تأكلي باي طريقه ...
أقتربت وأزاحت المحلول ، وخرحت لتتوجه للمطبخ بحماس ولهفه أعدت شئ خفيف سريعاً ومفيد ، وعادت لها مره أخري ، رفعت رأسها قليلاً وأتت أن تطعهما فأبت ولم تحرك شفتيها
حبيبه :- لا بالله عليكي ساعديني أنتي كدا مش هتخفي ، يلا بقا ﻷزم تاكلي عشان ارجعك لاهلك وعد هساعدك بس أنتي كمان ساعديني على قد ما تقدري علشان خاطرهم ..
قربت من فمها الطعام فأكلت من يدها ببطئ ، ظلت تطعمها بحذر ولكن جواها عاصفه ، تخشي أن يأتي ...
مايكل بمكتبه جالس على مقعده ، مستنداً بظهره للخلف ويتذكر لحظاتها معه ، أنتشله من زكرياته الجميله وجع رأسه الذي يكاد أن يقتله ويجعله يجن ، مسك رأسه بألم شديد ، أسرع بفتح الدرج وجذب دواء وشرع في أخذه أرجع رأسه للخلف بألم وتذكر ...
كان ممد على السرير مرتفعه حرارته من دور برد ، تجلس هي جواره بحزن وهي تقول :- تعرف يا يوسف لما أكبر وأبقي دكتوره مش هسمح أنك تتعب خالص وهاخد التعب منك في ثواني ومش هخليك تتألم
نظر لها وعطس وبعد ذلك قال :- شمعنا لما أكبر متاخديه دلوقتي وتريحني ؟
هبت واقفه جواره على التخت وهي تفعل حركات بيدها وتقول :- تعال ايها المرض من جسد اخي حبيبي تعال للمار القويه يلا ...
أنفجر ضحكاً عليها واعتدل وهو يجذبها لحضنه ..
فاق لواقعه و وجهه مشرق بابتسامة كبيره وقال :-
وحشتيني ...
شعر أنه بحاجة إلى والدته فنهض مسرعاً
بينما حبيبه ما زالت تهتم بيها وتقرأ جوارها القرآن ...
بيمر بعد الوقت ، نظرة لها وجدت معالم وجهها أشرقت براحه وسكينه ، فحصتها مره أخري وجدت في تحسن كبير ، ابتسم بفرحه لا مثيل لها وأغمضت عيناه وقالت بحمد :- الحمد لله الحمد لله الله أكبر ...
أتسعت عيناها من الصدمه عندما أستمعت لخطواته ، أستدارت فرأته يكاد يولج للداخل ، أرتجف جسدها بقوه ، ولج هو لداخل وتصنم محله عندما رآها ، أحمرة عينه بشده ونظر لها بنظرات قاتله ، ولو أن العين تحرق لكانت حبيبه اﻵن في أعداد الموتي محروقه ، اقترب منها بعينان ك الصقر وهو لا يري أمامه غيرها ،
أذداد خفقان قلبها ، وتدفق الدمع من عيناها بغزاره وهي ترمقه بخوف ، ارتعش جسدها فجأه وهي تنظر لعينه ، كانت ممسكه ملابسه ، تراجعت للخلف وعيناه مثوبه عليه ، تغركلت قدمها وكادت أن تسقط ، إلا أنه مسكها بيد من حديد ، كادت ان تعتدل بوقفتها حتي هوي على وجهها بصفعه قويه ، جعلتها تصرخ جذبها بقوه من ذراعه وقال بصوت ك الفحيح وهو يرمقها بنظرات قاتله :- أنا مش قولت دخول مكتبي ممنوع ، "وبصوت غالي أفزعها" بس مسمعتيش الكلام ودخلتي وجيتي هنا "نظر لوالدته" بتعملي أيه هنا عايزه تقتليها لو جرالها حاجة اقسم بربي لهدفنك حيه ..
هزت رأسها بخوف وصوت شهقاتها تعلي ...
قبض علي معصمها بقوه وجذبها خلفه...
خرج بها من المكتب بأكمله ،
كان فيكتور يهبط الدرج بسرعه ولحق به خاول منعه ولكن لم بستطع فدفشه بقوه من امامه وهو يقول بصوت عالي :- متدخلش بينا أحسنلك ؟
فتح باب تلك الغرفه المظلمه وألقاها بقوه داخلها ، وقعت على الأرض رفعت رأسها ونظرة له ، غلق الباب بوجه فيكتور ، كاد أن يتحرك تجاهه فزحفت للخلف بخوف ، اقترب وانحني وجذبها من خصلات شعرها والغضب عمي قلبه وقال بصوت أرعبها :-
خليكي قعده هنا لحد ما اشوف هعمل فيكي ايه هتقدي من غير أكل ولا مياه هخلي ايامك سوده ليه مسمعتيش الكلام انا هعلمك ازاي تسمعي الكلام وأن كان عمي اسماعيل معلمكيش فأنا هنا هخلي حياتك جحيم ...
تحلت بشجاعه زائفه و وجهة وجهها له وعيناها بعينه :- أنت واخد مقلب في نفسك مش هتقدر تعملي أي حاجة مهما كانت ﻷنك ضعيف لسه قاعد في الضلمه ومحتاج ﻷيد تخرجك بس يستحسن أنك تفضل فيها كدا وأنا مش خايفه منك وهخرج وهتشوف هعمل ايه . .
رمقها بحده ودفعها ورحل وهو يغلق الباب خلفه ...
سال الدم من فمها ، نظرة حولها رآت أن الضؤ يكاد يكون موجود ، ضمة قدمها بخوف وغمضت أعيونها وظلت تذكر ربها ....
أستند على الباب وزفر بعمق شديد ، جذبه فيكتور من يده بقوة :- أنت غبي ليه عملت كدا ..
دفع يده بقوه وذهب من أمامه بغير أهتمام ، ولج للمكتب وتوجه لوالدته جلس جوارها .وتنهد بوجع نظر لها وفحصها وجد أنها في تحسن فعلم غلطته وندم على ما فعله ، كان فيكتور يجلس بغضب منه رمقه بحده وقال :- هااا عرفت دلوقتي هي كانت هنا ليه يا أستاذ عشان تعالج مامتك أنت ناسي هي بنت وهتفهم ازاي تحسن من نفسها واهي والدتك في أمل كبير أنها تخف علي ايدها هي ، "اشار له" هي هتعمل اللي أنت مقدرتش تعمله ، وبدل ما تشكره شوف كفأتها ازاي سبحان الله كدا رد الجميل ...
نظر بيأس للأرض واقترب ليجلس جوار فيكتور وقال بوجع :- أنا مبقش عندي ثقه في حد ، اغلي انسان وكان عايش بينا وأزانا شفتها بتموت وبتتعذب قدام عيني مبقتش اثق في حد لما شفتها هنا افتكرت اليوم ده خوفت لتضيع مني معرفتش اعمل ايه ....
رفع فيكتور يده على كتفه بحنان وتفهم :- روح صلح غلطتك لسه في وقت ....
نظر له بحزن :- هتسامحني ؟ ماظنش...
فيكتور :- أنت لسه معرفتهش كويس اللي زي دي قلبها أبيض روح يلا ..
هب واقفاً واتجه إلى حيث الغرفه التي هي بها..
أستيقظت لمار قرب الفجر ، أو ربما لم يغفي لها جفن حتي ، فقد كان فكره حائر ، تفكر فقط فى كلام ذلك الطبيب ، أتعدلت لتجلس وهي تزفر بضيق ، شعرت بانقباض قلبها بلي سبب ، تشعر أن هناك شئ سيحدث ، ولكن ما هو ؟ نهضت وتوجهت لنافذه ورفعت بصرها للسماء ودعت أن لا يحدث شيء ، بحثت عن الهاتف بعينها حتي وقع بصره عليه ، فجذبته بعثت به قليلاً ، شعرت بالعطش فهبطتت للأسفل وتوجهت للمطبخ ، سكبت كوب من الماء وأرتشفته ، زفرة بوجع وجلست بالمقعد المجوار لها ، وكأن ذلك الطبيب ما زال بجوارها فقد كانت كلماته تتردد على أذانها مره تلو الأخرى ...
فاقت من شرودها على صوت زيد وهو يقول :-
مالك يا حبيبتي مش نايمه ليه ؟
رفعت بصره به :- مفيش ، أنت صاحي ليه ؟
جلس جوارها وقال :- حسيت بيكي صاحيه فنزلت أشوفك ؟
وضعت يدها على وجنتها ورمقته بصمت ..
زيد بتذكر :- بقولك أيه ؟
أشارة له أن يكمل حديثه ..
هب واقفاً وجذبها لتقف وهو يقول :- قومي عايزين نعمل زي ما كنا نعمل واحنا صغيرين فاكره ؟
نظرة له بعدم فهم ..
فضيق حاجبيه بضيق :- تعالي نعمل سندوتشات ونقعد بره زي ما كنا نعمل أنا وأنتي ويوسف ..
ابتسمت بفرحه واشارة له وهي تغادر :- يلا بقا أعمل وهستناك بره متتاخرش ؟
حدق بها بصدمع حتي غابت وقال بتزمر :- يلا هعمل وأمري لله ؟
خرجت لمار وهي تستمتع بنسمات الهواء التي تنعشها ، جلست على الارضيه وأغمضت عيناها ..
جاء زيد و وضع الطبق أمامها وجلس جوارها وهو يقول :- مالك مخبيه اي قري ؟
رجعت للخلف وهي مستنده بيدها وقالت بعد صمت :- فاكر كنا كل ليله نتجمع زي كدا ونقعد نأكل ونام ؟
ابتسم بفرحه لزكريات الطفوله :- أكيد هي دي أيام تتنسي ؟ ! بس قولي مالك ؟
جذبة سندوتش وهمت بأكله وقالت وهي تبلع وتنظر له :- أنهارده كنت في المستسفي قبلت دكتور وقلي أن يوسف عايش ؟ !
صعل زيد بشده وارتشف كوب من الماء التي ناولته له ورفع بصره بصدمه بها :- بتقولي ايه مسمعتش؟
عادة كلامها بجديه وحزم :- الدكتور قلي يوسف عايش ...
زيد ما زال على صدمته :- بتقولي ايه مش فاهم ؟
لمار بحثت بعينها عن شئ تضربه به وهي تقول :-
شكلك لسه مفوقتش من النوم وعايز تفوق ولا ايه ؟
زيد بتمثيل الخوف :- لا لا خلاص بس بجد مش قادر أصدق كلامك امال مين اللي دفن ؟
لمار بجديه :- بيقولي أن مكنتش جثة يوسف !
ضمة قدميها بتفكير ..
فقال زيد بلهفه :- الرسايل "نظرة له" ايوه يابنتي الرسائل بتقول أن ده يوسف أصلاً معني أن اللي ساعدك اليوم ده كان هو نفسه يوسف ؟
لمار بعدم تصديق :-وهيسيب سليم يموت وينقذني أنا بس لا ؟،
ضربها علي مؤخرة رأسها :- يا بت مالك انهارده ركزي هينقذ واحد ميت ازاي ؟ بدليل الحقنه اللي بتوقف القلب ، محدش بيقولك يا أميرتي غيره ، معني كدا ان يوسف واحد منهم بس السؤال هنا هو ليه مجش ليه مبنش ليه مقلش انه عايش وجه ، ومين هو فيهم بقصد ايه بجملة ايهاب زي اياد في حاجه مش مفهومه ؟
هو بيتكلم بينما هي ذهبت بأفكرها إلى صورة أخوها ، أين هو ؟ هل هو كويس أم لا ؟ وها هي ذا تحاول رسم صورته بعقلها جوه فرحه لن تنهديها لأحد ؟
نكزها زيد من جنبها ، فنظرة له عيونهم امتلئت بدموع الفرحه
لمار بفرحه وعدم تصديق :- صح يوسف عايش ؟ أمسكت بيده بأمل :- هو عايش صح ..
ضمها زيد بفرحه ولهفه وأكد لها :- عايش عايش يا حبيبتي وهيرجع هندور عليه وهنلاقيه أوعدك ؟
ظلت تردد بفرحه :- يوسف حبيبي عايش وحشني اوي بس لما اشوفه هحاسبه على بعده عني ، ليه سبني لوحدي في العذاب ده ..
ابتعدت عنه ورفعت بصره له :- لا لا أنا مش هحاسبه "فتحت ذراعيه وتابعت قائله" أنا هحضنه وبس بس مش هسيبه ...
زيد بتذكر وتفكير :- لمار "نظرة له" في حد ممكن يساعدنا نوصل ليوسف ؟
نظرة له بأمل شديد :- مين
زيد بلهفه :- منصور اللي معايا هو تبع يوسف أكيد
لمار بعدم فهم :- مش فاهمه ..
قص زيد عليها ما حدث من منصور ، فاشرقت أساريرها فرحان
حاوطها زيد بيده وضمها لصدره بحنان ، تمدد على الأرض وهي واضعه راسها على كتفه وخلدا للنوم ..
فتح مايكل باب الغرفه ونظر فوجدها ضامه نفسها بخوف ... شعر بوجع قلبه علي حالتها ، اقترب بها بخطوات ثقيله وجلس جوارها وضع يده علي ظهرها ، فانتفض جسدها وحدقت به برعب ، سرعان ما أرتمت بحضنه ، حاوطها بين يديه بحب وآسف وندم حملها بين يديه وخرج بها من تلك الغرفه ، ولج بها إلى غرفته وضعها برفق على السرير ، جاء أن يذهب فوجدها تحاوط عنقه بقوه فنام جوارها وضمها بقوه ، أما هي فكانت تخبئ وجهها بصدره بخوف وهي مغمضة العينين حتي غفت بأمان ...
نظر لها بآسف شديد وقبل جبينها برقه وشدد من أحتضانها ...
وكأنه لم ينم من سنين طول ، فشعر بأمان وسعاده لا تتوصف وكأن تلك الأوجاع التي في قلبه قد ذهبت عندما ضمها لصدره أغمض عينيه فنام بسكينه وهدوء وأمان ........
أستيقظ أياد نظر جواره فلم يجدها أعتدل بجلسته وقال بحزن :- برضه مشيت ؟
هب واقفاً وولج للتواليت ، خرج وبدل ملابسه وقف أمام المرآة وصفف شعره ، نثر البرفيوم الخاص به على ملابسه ، نظر نظرة أخيره لنفسه برضه ، توجع للنافذه فوقع بصره علي لمار وزيد فركل الأرض بطفوله وقال :- برضه سبتني ونامت معاه ، خطرت في باله فكره فصاح :- يس ، ان ما ورتكم ....
أسرع خطواته للأسفل شبه راكض ، جذب دلو وعبئه ماء ، خرج بها مسرعاً و وقف على رأسهم وسكبه عليهم بابتسامة خبث وتسليه ..
فاقت لمار منزعجه ، أما زيد فانعدل بحلسته وهو يقول :- مياه منين انا فين ؟
لم يستطع كبت ضحكته فأنفجر ضحكاً رغماً عنه ..
أستدارت له لمار بعبنان قاتله ، فأبتعد ركضاا وهو يضحك ، هبت واقفه وركضت خلفه ..
اما زيد فأمسك رشاش المياه ، وركض خلفهم ،
جذبته منه لمار نثرت عليه المياه فتبلل كله .
أياد اشار لهم بالتوقف وهو يضحك :- بس يا ماما بقا خلاص ،
رمقته لمار بحده وكادت ان تدفعه ، فدفعها هو علي زيد فوقعت فوقه ....
تعالت ضحكات أياد :- أحسن تستهلوا بابا بقيت مسخره وربنا ...
أنعدلت لمار هي وزيد وارتفعت صوت ضحكاتهم ...
تلاشت ضحكاتها فوراً وأستدارت على هذا التصفيق الذي يأتي من خلفها ...
رأت أدهم وقفت تنظر له بصمت ..
أقترب منه زيد وهو يقول :- أدهم تعال أتفضل ..
سار من أمامه دون كلمه و وقف أمام لمار بعيون قاتله اشار ل أياد :- ابنك ؟
نظر ﻷياد و أشار له بعينه على لمار وزيد :- ماما وبابا ، لا برافو عليكي خدعتيني بجد شطره وعلقتيني بيكي وأنتي متجوزه ...
اقترب زيد وهو يقول بغضب :- متحوزه مين أنت أهبل ؟
كان يرمق لمار بغضب :- ليه ؟ ليه عملتي فيا كدا ؟ أنا حبيتك بتخونيني ؟
أشارة له لمار بصدق :- لا أفهمني بس زيد واياد هما ..
قطع حديثها وهو يقول :- هما ايه ؟ بس تعرفي مش مستغرب أن بطلع منك كل ده ﻷن مكنش في حد يربكي واهلك ماتوا !!
أنقض عليه أياد فوراً ولكمه بقوه وقال :- أنت مين عشان تكلم أمي كدا ؟
أما لمار فقد شعرت بتحطم قلبها فجأه ، شعرت أن قلبها رفرف ك الزبيح من تلك الكلمات التي قذفها ك الرصاص ...
أبعدت أياد وزيد عنه ، وعاونته علي الوقوف وقالت بجمود :- أمشي يا أدهم وأياك أشوف طيفك قدامي ﻷني وقتخا هقتلك ، خليك فاكر اني مدتلك أيدي بس أنت ممسكتش وسبتها من أول الطريق ، فلم تندم مش هتلاقيها تاني ، والحمد لله انك بنت علي حققتلك مرضتش تسمعني وأنا ميهمنيش أبينلك انا ابفي مين وإذا متربيه ولا ، لا ، امشي ...
أستدار بألم ليغادر بخطوات ثقيله وشعر أن تلك النهايه حقاً ...
لم تستطع أبعاد نظرها عنه فكانت تتأمله بألم كيف كانت تحلق معه بالسماء عالياً وألقاها دون أكتراث .. ك طائر كان يرفرف بها وهي واضعه كل ثقته بها وفجأه غدر بها وألقاها ....
نظر لها زيد بحزن شديد ..
رن هاتفها فنظرت به ، وجدت هاله رفعت وكادت أن تهم بالحديث ..
فجأ صوت هاله الباكي :- الحقي يا لمار عمرو مش موجود في اابيت ومعرفش فينه لمار تعالي بسرعه ..
اتصدمت لمار بخوف وجملة جون ترددت على مسامعها وقع الهاتف من يدها ، ونظرة لزيد بخوف وقلق ، فأشار لها :- مالك في ايه ..
رددت "عمرو" وركضت ...
توقعاتكم ورأيكم
ما الذي سيحصل لعمرو ؟ هل تستطع لمار أنقذه ؟ غداً كشف لغز اياد فانتظروا ...
يلا مخلصه الفصل والله فبعتذر لو في اي أخطأ املائيه ملحقتش اراجع والله ... يلا تفاعل حلو يشجعني
رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل العشرون 20 - بقلم ندى ممدوح
اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا عيبا إلا أصلحته، ولا حاجة لنا من حوائج الدنيا والآخرة لك فيها رضى ولنا فيها صلاح إلا يسرتها وقضيتها برحمتك يا أرحم الراحمين.
كامل وعبد الرحمن وأمجد وصلوا إلى منزل جون بعد رحلة سفر طويلة. كان يقف جون لاستقبالهم وخلفه العديد من الرجال ليحرسوه. نظر اللواء أمجد لكامل ليعرف منه إذا كان هذا هو جون أم لا. فأشار له بعينه، ففهم ذلك. رحب بهم جون ودلفوا للداخل وجلسوا.
صمت المكان لفترة. كان يعبئه التوتر. قطع ذاك الصمت جون وهو ينظر لأمجد:
- أنت هو أمجد؟ ليس كذلك؟
هز أمجد رأسه وقال بجمود:
- أيوه. وأنت هو جون بذات نفسه؟
جون رمقه مطولاً واعتدل بجلسته ليسند بساعديه على قدميه:
- أيوه أنا جون.
صمت لبعض الوقت وتابع بحده:
- أنا خسرت أحسن رجالي بسببك، خسرتهم هما والمعلومات اللي كنت عايزها.
أمجد كان بداخله يغلي، فها هو قاتل صديقه أمامه. أراد أن ينقض عليه ليقتله، ولكن مهلاً، فهناك أحد آخر قلبه يغلي ويريد الانتقام.
- آه فعلاً؟ لأن لمار قتلتهم كلهم؟
جون بهدوء:
- إذا، وهي كيف علمت بمكانهم؟
أمجد بثقة وهو يرمقه بحده:
- لمار بنت قوية، محدش يقدر عليها أبداً! وفوق شجاعتها في رجاحة العقل، تملك ذكاء بتوقع فيه أجدع راجل مهما كان.
جون أدار عينه لينظر لعبد الرحمن:
- أنت بقا هو عبد الرحمن، وكنت محجوز عند لمار، بس الغريب هربت إزاي؟
عبد الرحمن بجمود:
- محدش بيقدر على نمر غير نمر زيه.
نظر له جون باستغراب والتف بعينه لكامل:
- كامل، أنت بقا معرفة قديمة وكنت معانا الأيد بالأيد.
أشار له كامل.
صمت جون بجمود وهو ينقل النظر بينهما. قطعه بتنهيدة عميقة ونظر لهم وقال:
- ولكن لا أستطيع أن أثق بأحد منكم. نظر لأمجد وتابع:
- وخاصةً أنت؟!
قال أمجد مسرعاً:
- وإيه يثبتلك أن أنا مش هخونك وأنما هساعدك بكل حاجة؟
نظر له أمجد بابتسامة مشرقة وقال:
- علشان تكسب ثقتي لازم تعمل حاجة رجال كتير من كل بلد معرفش ينفذها، وكان آخرهم يا ما القبر يا ما الشلل. فهل أنت تستطع تنفيذها؟ إذ فعلتها ستكون يدي اليمين في كل حاجة، وهآمنك على بيتي وشغلي وكل ممتلكاتي.
نظر له بترقب وأشار له بعينه:
- هااا؟
نظر له أمجد وأجاب مسرعاً:
- وأنا قد أي حاجة. إيه بقا اللي يخليك تثق فيا؟
زفر جون بعمق وهب واقفاً. سار بخطي ثابتة ليقف أمامه وقال وهو ينظر لعينه:
- تقتل لمار بأي طريقة وتخلصني منها؟
أغمض عينه بعنف، سرعان ما فتحهم لينظر له بثقة وقال:
- هقتلها وقريب جداً، وهنريح منها كلنا.
لم يكن يتوقع ذاك الرد، فاتسعت أعينه من الصدمة وعدم التصديق. فهل لذاك الشخص حقاً قتلها؟ ألم يكن هو من يريد أن يجلب حق صديقه؟ صمت لبعض الوقت بتفكير، كان فكره حائراً، ولكن عليه الوثوق به ومراقبته. نظر جون مطولاً لعينه فلم يري بهم شيئاً سوى الثقة. زفر بعمق وقال:
- وأنا هعطي لك فرصة تثبت لي نفسك بقتلها.
أستدار ليعود لمقعده وجلس. أبتسم حتى بدت نواجذه وقال:
- أنتم أتيتم من سفر طويل وعليكم أخذ راحة قليلاً وأن تتناولوا شيئاً.
دعي عدنان ليأتي وأتي مسرعاً.
عدنان بأحترام:
- أوامرك مستر جون؟
أشار له:
- تأخذهم إلى غرفة الضيوف ولن أواسيك ها، أهتم بهم وطلباتهم مجابة.
عدنان رمق أمجد بكره شديد، فأستغرب نظراته تلك.
أشار لهم بكره وحقد وجمود:
- اتفضلوا معايا.
شعرت بجسد صلب تحت رأسها.
وبيد تكبلها كلياً. أنفاس ساخنة تلفح على وجهها.
كانت تخشي أن تفتح أعينها. فكل ما تتذكره هو تلك الغرفة المظلمة كحيلة السواد، وذلك القاسي المغرور الذي أصبحت تخشاه وبشدة.
حاولت أن تعتدل ولكن يده منعتها من ذلك.
رائحته تلك جعلت قلبها يرجف. رفعت بصرها ببطء، وجدته ينظر لها بتسلية.
رأى الخوف بأعينها ولمعة الدمع، فشعر بالخزي وانقباض قلبه. أبعد يده عنها ببطء وهو منتظر انفجارها به.
ابتعدت عنه واعتدلت بجلستها. نظرت حولها فعلمت أنها بغرفته. هبت واقفة دون كلمة، وخطت للخارج بصمت. صدمة. لم يستطع فعل أي شيء سوى النظر لها بندم وآسف. تنهد بعمق واعتدل مسرعاً في لهفة ليركض خلفها.
كادت أن تدلف لغرفتها، ولكن يده منعتها.
فوقفت دون أن تستدير. أمسك يدها وخفق قلبه بشدة جنونية، فتلك الفتاة لديها سحر خاص.
لم يدري ما عليه قوله فصمت لبعض الوقت. قطعه قائلاً:
- حبيبة.
خرج اسمها متلألئاً بين شفتيه كما تتلألأ الكواكب بالسماء. شعرت وكأنها تستمع لصوتها لأول مرة من جمال نطقه به.
خطي ليقف أمامها ونظر لعينها:
- أنا آسف.
أغمض عينه ليستمع لانفجارها، ولكنه أتصدم عندما هزت رأسها فقط وسحبت يدها من يده وولجت للداخل وصفقت خلفها الباب.
ذهب لغرفة فيكتور بيأس ولج دون كلمة.
وضع فيكتور حاسوبه جانباً وعلم بأنها لم تسامحه بعد. نظر له:
- خير، مالك على الصبح كدا؟
زفر بضيق وقال بعصبية:
- مش راضية تتكلم معايا، اعتذرتلها و...
قطع حديثه كب فيكتور من فمه القهوة التي كاد لتوه أن يرتشفها ونظر له بصدمة:
- مين اللي يعتذر، أنت؟
دار بعينه عن شيء وأمسك الوسادة وألقاها عليه وهو يقول في آن واحد:
- تصدق أنك رخيم وأنا غلطان إني بحكيلك؟
تلقاها وظل يضحك بهستيريا:
- يعني على الحب لما يبهدل صاحبه!
هب مايكل واقفاً وهو يقول:
- وربنا أنا غلطان إني بحكي مع رخيم زيك؟
أمسك فيكتور معصمه:
- لا لا استنى بس، بهزر، اقعد ياعم.
جلس جواره. وكبت ضحكته بأعجوبة وقال:
- لا بجد، أنت اعتذرت وليها كمان؟ اعترف أنك بتحبها؟
- إيه؟؟؟
كلمة نطق بها بصدمة وانشغل فكره بها. ضحكتها، شقوتها، كلامها، ثرثرتها، حركاتها، دموعها، شعوره لما تكن جواره. نظر بتمعن له وأجاب:
- لا لا، حب إيه بس، مش بحبها؟
فيكتور بتريقة:
- أيوه أيوه صح، مبتحبهاش. هو حد قال غير كدا؟
نظر له بغضب ولكمه:
- هتقولي أعمل إيه عشان أصلحها ولا هضيع وقتي معاك وخلاص؟
صمت قليلاً وتابع قائلاً:
- استنى طيب أفكر.
هب مايكل بزهق:
- ام تفكر ابقي قولي والله لما ماشي؟
لم ينتبه له فيكتور.
كاد بالخروج ولكنه توقف عندما صاح:
- بس لقيتها!
خطي مسرعاً إليه بلهفة وجلس:
- ها، قولي إيه هي؟
فيكتور نظر له باهتمام وقص عليه ما عليه فعله.
صمت مايكل قليلاً وقال:
- امممم، فكرة مش بطالة تمام، ماشي، هجرب.
وهب واقفاً ليغادر. فصاح فيكتور به:
- إيه قلة الأصل دي، مفيش شكراً؟
استدار برأسه ليرمقه بغضب وذهب.
لمار وزيد وأياد عند هالة. جميعهم يبحثون عن عمرو. بكل مكان بالطرقات. هالة منهارة تماماً مع ريم ورد في البيت. أتي أحمد وفهد وبسنت وأدهم بيأس. رفعت هالة بصرها عليهم بلهفة:
- عمرو فين؟ جه معاكم صح؟ هااا، فينه؟
هبت واقفة شبه المجنونة وخرجت تبحث عنه خارج الدار فلم تجده. ولجت للداخل ووقفت أمام أحمد ببكاء حارق:
- أحمد فين عمرو؟ هااا، أنت مش قولتلي هترجعه معاك؟ هو عامل فيا مقلب صح؟ مش كدا؟ طب هو فين طيب؟ قولي؟
أحمد متصنم محله لا يدري ما عليه قوله. لمعة الدمع في عينيه. حاول بأن يهديها أملاً ومن جواه يشعر بالعجز والضعف وعنده يقين أن عمرو خلاص. ربت على كتفها بحنان:
- هيرجع بس اصبري، لمار هترجعه صدقيني.
انفجرت ضحكاً بهستيريا:
- أيوه صح، هو بيحب لمار أكتر مني دلوقتي، هيرجع معاها، أنا عارفه. بيلعب معايا وعامل فيا مقلب، بس مقلب بايخ شوية، بس لما يجي.
مرت ساعات بصمت وكثير من العجز والضعف.
ولجت لمار للداخل وخلفها زيد وأياد.
لمار كانت تنظر حولها بتوهان. عيناها دارت بكل ركن. وقعت أعينها عليه فابتسمت بدمع. فردت ذراعيها، ولمعة الفرحة في عينيها. بسمة وبهجة أشرقت وجهها. خطت شبه راكضة إليه، كادت باحتضانه فلم تجد شيئاً بين يديه وكأنه كالسراب واختفى. رفعت بصرها ودارت تبحث عنه بعينيها فلم تجده. وها هي تستمع لصوته يناديها وصوت ضحكته. أبتسمت بفرحة وأمل. شعور الفرحة تملكها. ركضت إلى حيث الغرفة فلم تجده. شعرت بيأس شديد وشعور موجع تملك قلبها وذاتها وروحها. كان أمامها واختفى. استمعت لصوته الذي أعادها للحياة واختفى. فأين هو؟ هل يعقل أن يكون بالقبر الآن؟ دمع متحجر في مقلتيها أبي أن يهبط.
يقولون أن الموت هو النهاية. لا يعلموا أن فقد أغلى الناس هو النهاية. أن يكون أمامك وفجأة يختفي فهذا هو الموت حقاً. موت يملأه الوجع ونار القلب. أن يبتعد عنك شخصاً فجأة فهذا هو الموت. فأنه يترك قلب محطم بالآلام، عاشق وحيد يتمنى نهاية لأوجاعه وروحه. هل جربت يوماً شعور الموت حياً؟ أنه شعور قاتل يسلب منك راحة الفؤاد والعقل. يهديك وجع لا تدري كيف تعبر عنه أو تقصه لأحد. الموت حياً إذا جاءك فاعلم أن ذاك الغائب قد أخذ فؤادك بلا عودة.
اقترب منها زيد بحنان وربت على كتفها يريد بث الأمان لها.
خرجت وجلست على أقرب مقعد. فدنت منها هالة وجثت على ركبتيها أمامها وأمscكت يديها.
بسمة وخوف بالقلب وحزن لا مثيل له قالت:
- لمار فين عمرو؟ هو مجاش معاكي؟ هااا فين هو؟ ليه اختفى فجأة؟ ناديله، أول ما هيسمع صوتك هيجي على طول. هو بيحبك وبيسمع كلامك، ناديله يمكن زعلان منك عشان كدا مستخبي. هو لما كان بيزعل معاكي كان بيستخبي صح؟ يلا ناديله عشان يجي.
رفعت بصرها لها بتوهان وأغمضت عينها بعنف وفتحتهم وكأنها لم تكن تدري من تكون. ضمتها بحب فجأة، فبكت هالة بحرقة بحضن أختها الأكبر، ولا تقولوا إنها أخت بل إنها أم.
ضمتها بحنان لتواسيها ولا تسأل ماذا يوجد بداخلها من نار تحرق فؤادها من وجع لا يتوصف. صوت عمرو يتردد بأذانها. إلى حبيبها الذي لم يعد موجوداً بالدنيا، إلى وحيدها الذي تراه ولا تلمسه وتكلمه ولا يرد عليها، إلى طفلها الناعم البريء الذي ذهب إلى القبر ولن يرجع. لقد اشتاقت إليه فتلك الساعات الذي غاب بها.
أرادت أن تحضنه وياليتها كانت تستطيع أن تخبئه بقلبها، يا ليت.
عجز مسيطر عليها. تردد حديث جون "نفس المكان".
لمار بعدت بعينين متسعتين عن هالة. في ذات الوقت زيد أيضاً عينيه عليها بصدمة. رمقته بصدمة قاتلة. وقفت ببطء، وهو أيضاً لا تعجبوا. فهما ليس اثنين، بل واحد. لقد كانا جنباً بجنب طول الوقت في الشداد والصعاب، فكيف لقلوبهم أن لا تشعر ببعضها.
ابتلعت لمار ريقها بخوف تتمنى أن الذي جاء ببالها غير حقيقي.
نظروا لبعضهم فركضوا مسرعاً سوياً في آن واحد.
هبوا واقفين جميعاً خلفهم.
صعدت لمار السيارة وجوارها زيد. لهثت بقوة وقادت مسرعة. بعد وقت ليس ببعيد، وقفت أمام فيلا الشرقاوي. هبطت ببطء وخوف وقلق ينهش قلبها. رأت الباب منكسراً. تنقلت نظراتهم لبعض وركضوا مسرعين للداخل تتقدمهم القلوب.
ولجت للداخل ورأته ملقى على الأرض. وجهه مشوه لا يظهر منه شئ. جذعه العلوي عارٍ ومأخوذة أعضاؤه. رأت كل ذلك كثيراً. رأتها صوراً للأطفال الذين ينخطفون ويحصل بهم ذلك. أجل، كانت تراهم وتتوجع، لكن ما ذلك الوجع الذي تشعر به؟ تصنمت محلها.
هل جربت يوماً أن تشعر أنك تختنق ولا تدري ما عليك فعله وبمن ستطلب المساعدة؟ أن تنقطع أنفاسك وتكاد تتنفس بأعجوبة والهواء نفذ من حولك؟ أن تشعر بروحك تتسحب وحدها وحدها ولا تستطيع الصراخ؟ أن تشعر بنار تصهر فؤادك ولا تدري كيف تطفئها؟ بقلبك يخرج من بين ضلوعك ولا تدري كيف تمسكه؟ أن تشعر بالعجز ولا تسوق قدامك على الوقوف وكأنها شلت على الحركة؟ هكذا كانت تشعر هي بألم فظيع بقلبها وروحها وذاتها.
بخطوات بطيئة مهزوزة سارت للداخل. جثت لمستواه. استبعدت زيد عنه وضمته هي. لم تهبط دمعة واحدة ولكن قلبها كان ينزف بغزارة ويبكي ويصرخ ويئن وينتحب.
ابتسمت فجأة ونظرت لزيد الذي بدل لها الابتسامة بوجه مشرق. نظرت لثيابه تلك وانفجرت ضاحكة.
غمضت عينها بحمد وشكر لله. فضمها زيد بامتنان لله.
ذاك الوقت وصلوا الشباب. تصنموا محلهم من هول الصدمة. أما هالة فذهبت باتجاهه بقدمين لا تحملها. جلست مقابل لمار. مرت يدها على أنحاء وجهه. وهوى الدمع على وجنتيها بحرقة. رفعت بصرها للمار:
- لمار حبيبتي ماله عمرو؟ هو كويس صح؟ شوفي قوليله بلاش مقالب عشان المقلب ده وجعني أوي. "شهقت بشدة"
مررت يدها على قلبه وانهمر الدمع كالشلال على وجنتها.
أحمد دنا منه ونظر بصدمة لهم وبصوت مهزوز، موجوع قال:
- عمرو مات!!
هالة رفعت بصرها به وبهستيريا قالت:
- لا أخويا مماتش. هو بس بيحب يلعب معانا كدا. "نظرة للمار" مش صح؟ هو بيحب يخوفنا عليه ديما. أمسكت بيده وقبلتها بنهم. أعينها جابت على وجهه فتألم قلبها بشدة وبكت بحرقة. مرت يدها بحزن وألم ووجع على وجهه وقالت:
- عموري يلا قوم يا حبيبي عشان نلعب. طب شوف أحمد بيبكي، أنت عاجبك كدا؟ ولما حبيبتك كاتمة في قلبها أهي هي جنبك، مش أنت بتحبها وبتسمع كلامها؟ يلا قوم يا حبيبي. صرخت بعلو صوتها وهي تضمه بحب وحنان.
أحمد بألم وتوعد لجون نظر للمار:
- جون اللي عمل كدا صح؟
لمار كانت تحاول تهدئة هالة. وأن تقول لها شيئاً فلم تستطع.
توقف الدمع بعينها وبصدمة وكره رمقت لمار. هبت واقفة وهي تحرك رأسها برفض وقالت:
- أنتي السبب. قتلتيه، قتلتي أخويا. استريحتي دلوقتي.
بأعين متسعة نظرت لها. لم تعبئ بكلامها. اقتربت منها بابتسامة:
- اسمعيني بس، عمرو؟
دفشتها بعنف وقوة وكره وقالت:
- عمرو إيه؟ أنتي مبسوطة أنه مات؟ أهووه مات، استريحتي كدا! "نظرة لعمرو وتابعت: - دا كان بيحبك أكتر مني، عارفة يعني إيه؟ أنتي كنتي أمه، كان بيحبك أكتر مني، بس أنا مش مسامحاكي. بس هقول إيه، أنتي حظك وحش. أي مكان تدخلي فيه بتحوليه جحيم. عمرو مات بسببك، منك لله.
بوجع وحسرة وقهر وجمود نظرت لها. قلبها صرخ بقوة. بألم لماذا الجميع يتهمها؟ ما الذي فعلته هي؟ دائماً ما كانت سعادة من حولها أهم منها. دائماً ما كانت تساعد بقلب رحب جميل. ترددت على أذانها كلمات أدهم وهالة. رفعت يدها تغلق أذنيها. اقترب زيد بهجوم وأبعد يدها عن أذنيها ونظر لها بثقة وأشار لها:
- متسكتيش. المرة دي إذا سكتي أنا هتكلم وهقول بكل اللي عندي.
بثقة خطت لتسير أمام هالة وقالت بجمود:
- أيوه أنا السبب صح؟ معاكي حق. أصل مش بجبه سهري معاه وحزني لحزنه ومرضي لمرضي، دا كله مش حب؟ كنتي فين أنتي بقا في كل ده؟ أنا كنت ليه كل حاجة، كنت جنبه من أول ما اتولد، مسكت أيده لحد ما كبر سنة بسنة؟ وجاية دلوقتي تقولي أنا قتلته.
هالة بصراخ:
- أيوه أنتي السبب. انتقامك السبب. خلاص بقا اللي راح راح والمات مات، محدش هيرجع. بس هنخسر بسبب إصرارك ده. أنتي مصره ليه؟ أنتي خسرتي خلاص.
لمار نظرة لها بتريقة. الفيلا أعادت أمام عينيها منظر أهلها وهم يموتون.
وقع بصره على أدهم وكلماته التي اخترقت قلبها كسهم مسموم. أو به نار متأججة أحرقته فؤادها فحطمه.
بخطوات واثقة وعينين جاحدة اقتربت منه ووقفت أمامه وأشارت له:
- قولتلي ده جوزك وده ابنك. فعلاً معاك حق. نظرة لأياد بحب ودنت منه احتضنت وجهه بين يديها وبحب قالت:
- لأن هو ابني فعلاً. ماتوا بابا وماما وسبهولي وهو لسه رضيع، أنا ربيته وكنت ليه الأم والأخت والصديقة والحبيبة كمان. صح؟ هو ابني.
بصدمة جعلت قلبها يتوقف لوهلة: أيعقل أياد عايش ولماذا قالوا أنه مات؟
كادت أن تهم بالحديث فقطعها تلك التصفيقة من هالة وهي تقول بأعين مشتعلة:
- برافوا بجد عليكي. خبيتي أخوكي وقولتي مات واديتيه الأمان. بس أخويا أنا عادي يموت، ما هو ميهمشك.
صمتت عندما هوت لمار على وجهها بصفعة قوية.
جعلتها تنظر لها بكسرة.
لمار نظرة لها بجمود لم تعتاده هالة منها:
- دورك لسه مجاش، أهدي.
وقفت أمامه مرة أخرى وهتفت بصوتاً عالياً:
- قولت بأني متربتش، بس عايزة أقولك أني اتربيت أحسن منك. اتربيت إزاي أصون العلاقات وأحافظ عليها مش أخسرها، وإزاي أسعد اللي حواليا وإزاي أخلي قلبي أبيض خالي من الحقد والغيرة والطمع والجشع مش زيك أبداً.
قولتلي أن زيد جوزك، أني بخونك. هو إحنا كان بينا إيه أصلاً عشان أخونك؟ أنت بس ابن الراجل اللي أنقذ حياتي ليس إلا، وأطمنك زيد أه جوزي وحبيبي وعشرة عمري ونصي التاني، ولو حد في يوم قالي اختاري بينا "نظرت لزيد ومسكت يده بحب" هختاره هو. يمكن أه إحنا مش أخوات، بس رضعنا سوا، أبوه مات وهو بيدافع عن بابا. أنا مقدرش أتخلى عنه، هو السند لما بقع والقوة في عز ضعفي، إحنا الاتنين بنكمل بعض ونسند بعض. إحنا واحد، إحنا بنحس ببعض حتى لو بعاد وبينا أميال، بس قلوبنا قريبة ديماً وروحنا.
نظرة لهالة ببأس وحزن:
- قولتيلي اللي مات مات وأني أسيب حق اللي ماته، وأنا معاكي فعلاً، بس هل لو أنتي مكاني هتسيبي حقهم؟ ولو سبتيه هل هتنامي وضميرك مرتاح؟ وفي ناس بتموت كل يوم بسبب كلب كل همه الفلوس. إذا أنتي تقدري، أنا لا. أنا أفدي بيهم برقبتي! عارفة ليه؟ لأنهم مسؤوليتي من أول يوم ليا في الاستخبارات. عايزاني أسيب حق أهلي. فاض الدمع بعينها ونظرة بذاك المكان الذي فقد فيه الأحباب، وقالت بوجع وصوت يكاد يكون مسموع، بصوت مهزوز وأنفاس متقطعة، وقلب توقف عن الخفقان.
بصوت عالٍ هتفت:
- عارفين يعني إيه تكون واحدة خارجة مع أهلها عشان يحتفلوا بعيد ميلادها؟ الفرحة عارمة من القلب والوجه باسم بسعادة "مع كل كلمة تتخيل أهلها أمامها وتتخيل كل كلمة تلفظها وكأن ذاك اليوم يمر أمام عينها كأنها تشاهد التلفاز". يقضوا يوم حلو جنبها، أخوها اللي بعشقها وبيعملها كل حاجة، بيقضوا أيام متحكيش لأنه كان من القلب، فرحة ولمة العائلة دي ملهاش حدود. بس مكنتش عارفة أن القدر هيهديني أصعب هدية في الدنيا. عارفين بعد ما رجعوا بفرحتهم دي؟ حصل اللي حولها لفتاة قاسية. والديها داخلين البيت "ابتسمت" كانت بتتخانق هو وأخوها عشان يشيل معاها الهدايا. آه بيتخانقوا بس بحب، أصلهم مكنوش يزعلوا من بعض "شعرت وكأنها طفلة حقاً، فما زال بداخلها طفلة مخبئة من العالم تحت قناع القسوة والبرود". كنت عايزة أدخل بسرعة عشان أغلس على زيد وأعاتبه لأنه مجاش معانا. بس قبل ما ندخل بيتنا الحلو الدافئ. وقفنا على ضوء خافت وأمي بيكبوا على وشها مية نار. "تنقلت عينيها عليهم وقالت بدمع فشلت في إخفائه وهي تشير على مكان":
- آه والله هي ماتت هنا قدام عيني وشفتها، بس كنت مشلولة، مش عارفة أعمل حاجة.
ذهبت تجاه زيد وأمسكت بقدمه:
- أنا مكنتش خايفة عشان يوسف كان جنبي، كنت ماسكة فيه كدا وحاسة بالأمان وعارفة إنه مش هيسمح لحد يأذيني. ولأول مرة أشوف دمع وضعف حبيب غالي خده. كنت أتمنى أزيحهم بإيدي. لقيته بيتنهد كأن حد بيخnقه وأنا مش قادرة أعمل حاجة وهمس "بابا".
أشارت لمكان ما خلف إحدى المقاعد:
- ببص لقيت بالمكان ده بابا ماسكينهم وبيهددوه بقتل أمي. ولما سكت عن المقاومة، أنا شفت سكينة بتمشي على رقبته ومات. مات وهو بيدبح قدام عيني. واتنين قاعدين بيضحكوا. مركزتش في أصواتهم غير على صوت حبيبي وهو قاعد قصاد عيني "أشارت على باب الفيلا". هنا كان قاعد قصادي وقلي مهما حصل متطلعيش من مكانك. وسحبني من إيدي لتحت الطربيزة دي اللي هناك. أشارت لهم عليها وتابعت بصوت مهزوز. مسك أيدي وأداني أياد حبيب قلبي اللي ليا في الدنيا، هو من ريحة الحبايب. قلي خلي بالك منه ومن نفسك وخلاني أديه وعد مطلعش من مكاني. محستش بحاجة غير وهو بينقض عليهم وضربهم. آه والله ضربهم بس طعنوه غدر كذا مرة في جنبه. حسيت بانهيار وكنت هصرخ بس لقيت زيد كتم بقي ومامته خدت من إيدي أياد وسحبوني.
نظرة لهالة بوجع.
فشعرت بالوجع والندم. لم تكن تتخيل أن كل هذا حصل معها ورأته. أجل، تعلم أنهم توفوا ولكن ليس بتلك الطريقة.
كادت أن تخطي إليها بأسف.
فأشارت لها لمار بيدها:
- خليكي مكانك. بس قوليلي، لز مكاني هتاخدي حقهم.
نظرة للأرض بدموع.
أما الباقي كانوا يقفون بصمت تام إلا من دموعهم الحارقة.
اقترب زيد وضمها بحب هو وأياد واجهشوا بالبكاء. أبعدتهم عنها وقالت لزيد:
- خلي بالك منه.
رجعت خطوتين للخلف واستدارت لتغادر.
لحقتها هالة وهي تقول:
- سامحيني.
فلم تعطي لها اهتمام وأكملت طريقها.
خطت لمار للخارج بخطوات ثابتة واثقة.
كاد أياد أن يلحقها، ولكن يد زيد منعته.
صوت بكاء هالة زاد. نظرة لها بسنت بكره وصرخة بها:
- أنتي إزاي تكلميها كدا؟ ليه قولتيها كدا؟ بقا لمار هتقتل عمرو؟ دي بتعتبره حتة منها. أنتي ليه مقدرتيهاش؟ ابكي لأنك دلوقتي هتعرفي قيمتها. لمار مش بتقتل حد ولا تجرح حد، لمار بتنشر ورد في كل مكان بتروحه وفي أي قلب بتدخله. لمار دي ملاك ماشي على الأرض. بقا تشكي في وحدة بتضحي بنفسها عشان تنقذ غيرها؟ كلنا قسينا عليها زي الدنيا وأكتر كمان! لما كنا بنحكيلها مشاكلنا وبتسمعنا بقلب رحب مبيشتكيش.
صمتت وهي تتذكر كيف كانت تشاركها بأحزانها ومشاكلها وبكت بحرقة وتابعت قائلة:
- دي كانت شايلة هم الدنيا فوق كتفها، ومخبية وجع قلبها، وبتسمعنا كلنا وبتقف معانا. كانت بتحس بينا كلنا، بس إحنا ليه محسناش بيها ليه؟ ليه كنا بنزود عليها؟ لمار دي جبل بتحركه يد خفية عشان تقدر تكمل. دي ياستي عدة حفر كتير، وحتى لو وقعت كانت بتعافر وبتخرج منها أقوى. ليه أزتيها كدا؟ أنا مش مسامحاكي.
هالة نظرة لها بأعين يغلفها الدمع والكسرة والندم:
- والله مش عارفة. قولت كدا إزاي؟ مش عارفة.
أدهم استمع لحديثهم شعر أنه أكثر شخص مذنب بينهم. تذكر تلك السهرة وكيف كان وجهها مشرقاً بفرحة. وقلبها يرفرف، فمن تلك؟ التي الوجع يغلف وجهها وقلبها وروحها وذاتها. شعر بكره تجاه نفسه، فكيف استطاع أن يوجعها هكذا. غادر المكان بتوهان وكره من الدنيا الغدارة. كيف أتت بهم بسعادة لا توصف وكأنهم ملكوا الدنيا. وفي لحظة الشيطان دخل بينهم دمرها في ثانية.
صعد سيارته بقلب مفطور يكاد أن يقف.
شعر باختناق نفسه وذاته. فك زر قميصه وحرره. أسند رأسه للخلف وتنفس بوجع. دموعه هبطت بكسرة. فكيف لها أن تتحمل كل ما حصل معها؟ كيف ظلت صامدة قوية كالجبل الثابت كل تلك الفترة؟ كيف تحملت عبء هذه الحياة وهي صغيرة؟
عفواً يا سيدي، فأنت لا تعلم قوة الفتاة، فلا تظن أنها ضعيفة تخشى منك ومن الحياة. بل أنها أقوى شيء على وجه الأرض. تتحمل آلاماً لا حصر لها. الأوجاع والقسوة تنجح جيداً في كتمانهم بالقلب، ولكنهم يزيدوها قوة وإرادة لا متناهية. وأن كنت تريد أن تسكن قلبها، لما كركبته بالأوجاع والأهات وخرجت، فبئس أنت وبئس الحياة التي جعلتها أن تقابلك.
صلى الله عليه وسلم.
أمجد وكامل وعبد الرحمن جالسون.
كامل بحيرة:
- هي هتيجي إمتى؟
أمجد رد:
- بالوقت المناسب هتيجي.
استمعا لطرق الباب وولج جون الذي يدلف بخطوات واثقة.
ابتسم لهم وجلس. تنهد بعمق ووجه كلامه لأمجد:
- عايز أعرف هتخلصني إمتى منها؟ ومين هيقدر يقتلها؟ أنت مخطط لأيه؟
ابتسم بخبث ونظر له بعمق:
- زي ما قلك عبد الرحمن، محدش يقدر على نمر غير نمر زيه. هي بنت ساعدتنا وخرجتنا كلنا من قبضة لمار. ودلوقتي هقولك أنها ممكن تخلصنا منها وبسهولة كمان، بس...
طال صمته مما زاد من استغراب جون فقال بحيرة:
- بس إيه؟ بما أنها هتقدر تمام.
أمجد مسرعاً:
- ليها شروط؟
جون بهدوء:
- وإيه هي؟
أمجد:
- تكون شريكة معاكم النص بالنص.
صمت جون يفكر بتلك الجملة ويفكر بها جيداً.
نظر له وقال:
- وأنا موافق أنها تكون شريكة معايا، بس بعد ما أشوفها وأتعرف عليها.
أمجد ابتسم بخبث:
- تمام، هي هتيجي قريب.
خرج جون يفكر فيما عليه فعله. رن هاتفه باسم ديف:
- إيه اللي حصل بعد ما شافت الهدية! وأنت راجع إمتى؟
ارتفعت صوت ضحكاته الخبيثة وقال:
- هو مات وهي انكسر قلبها. هتأخد فترة. أما لما تستوعب اللي حصل، دي مجرد هدية بسيطة ولسه هنخلص عليها.
ابتسم بمكر:
- بس دي فكرة حلوة كدا. هنقدر نعمل حاجة ونستغل الفرصة؟
- بالظبط كدا؟ هسيبك أنا؟
جون:
- استنى بس. كامل وأمجد وعبد الرحمن هنا؟
ديف بصدمة:
- يعني إيه أمجد عندك؟ إزاي مش فاهم؟ خلي بالك منه، متأمنلوش.
جون بهدوء:
- متقلقش. هو ناوي يخلص عليها.
ديف بصدمة:
- مين أمجد؟
جون بتأكيد:
- أيوه.
قلق سيطر عليه. لم يصدق أن أمجد يقتل لمار.
ظل يفكر فيما يمكن أن يخططون. فلم يصل لشيء.
انتبه لذاته وقال:
- المهم خلي بالك منه.
ضحك فجأة.
جون باستغراب:
- خير، بتضحك ليه؟
ديف:
- افتكرت لم شكت فيا، بس الغلط مش غلطك. لازم نعرف مين بيوقع بينا كدا.
جون بتأكيد:
- أكيد هنعرفه. متقلقش أنت.
صلوا على من بكى شوقاً لرؤيتنا.
بفؤاد محطم، مكسور، مفطور، يئن بأننين الألم تجلس بحزن. تهبط دمعاتها بكسرة. تنظر للفراغ بشرود. وضعت يدها على وجنتها، وتذكرت تلك الصفعة القوية. تذكرت تلك الغرفة المظلمة، فهوى الدمع على وجنتيها بخوف. تذكرت تلك الورقة عقد الزواج والذي كان به والدها وكيلها. لماذا فعل ذلك بها لا تدري. ولكن لديها يقين أن هناك سبباً. ماذا يقصد؟ لأجل مصلحتها. تذكرت ذاك الرجل "جون" وأنها أسيرة لديه لأجل لمار. فهل يعقل أن ذاك مايكل له علاقة بها؟ هل يعمل معه؟ تذكرت عندما أطلق النار على ذاك الرجل بلا رحمة. ضمت جسدها برجفة وخوف. تذكرت تلك السيدة المريضة والذي بسببها هي هنا. تحادث ذاتها قائلة:
- أنا لازم أساعدها حتى لو هيقتلني، بس هساعدها. هي ابتدت تتحسن، دا واجبي أني أساعد أي شخص مريض. مش هتراجع؟
تذكرت غضبه عندما رآها، فكيف ستعالجها؟
ذهبت بحرب ما بين عقلها وقلبها.
قلبها:
- متهتميش بيه وساعديها. هتتحاسبي عليها. الدنيا مش دايمة وهيجي يوم وهتنتهي. أعملي لآخرتك واللي يرضي ربك. واللي يحصل يحصل، كله عند ربنا. توكلي عليه.
عقلها:
- لا لا مستحيل. دا واحد ميعرفش ربنا ولا يعرف الرحمة وممكن يقتلك لو شافك. المرة دي عدت على خير خلاص. هتقعدي في أوضتك وحاولي تهربي وخلاص كدا؟
قلبها:
- لا متحوليش تهربي ولا حتى تفكري. ركزي بس على المرة المريضة دي. اعملي لآخرتك عشان لما تواجهي ربنا ويسألك؟
هبت واقفة وهي تقول بصوت عالٍ كأنها تريد أن تهدأ من تلك العاصفة التي بداخلها:
- ببببببس.
لهثت وكأنها تركض. تنفست بعمق وزفرت براحة وقالت بابتسامة:
- أنا هعالجها ومش مهم هو يعمل اللي عايزه.
توجهت لتتوضأ وخرجت لتصلي. ولكنها كانت تفكر وهي بحضنه ما ذاك الأمان وتلك الحنية. نظرة عينه التي تحمل هموم الكون على عاتقهم وذات الوقت نظرة عاشقة. تمنت أن يكون حقيقياً وتظل دائماً جواره قريبة منه. أنهت صلاتها وهي تقول:
- أستغفر الله العظيم.
مالي بفكر فيه ليه؟
هبطت للأسفل وتوجهت للمكتب ولجت للداخل.
كادت أن تدلف إليها فرأته أمامها.
بارتباك وخوف وتوتر وخجل لا تعلم سببه نظرة له.
خفق قلبها وانقطعت أنفاسها وهي تتذكر عندما كان يضمها بشدة وكأنه يريد أن يدخلها بقلبه.
رفعت بصرها بارتباك واحمر وجهها. تفحصت بدلته الأنيقة. أغمضت عينها بمحاولة السيطرة على ذاتها وهي تتنفس رائحة عطره المميزة. تذكرت قسوته فخشيت أن يدور عليها. أرادت أن تضمه في تلك اللحظة وأن تستخبئ بحضنه كي تشعر بالأمان.
كان يرمقها بصمت وارتباك في آن واحد من نظراته المتفحصة. سار ليقف أمامها عن قرب وقال:
- إيه مالك بتبصيلي كدا ليه؟
شعرت بتبخر روحها، وإهلاك نفسها أمامها. هربت بأعينها عنه وقالت بضيق عندما تذكر ما فعله:
- وهبص عليك ليه؟
تجرؤ ليمد يده ويلامس وجنتها وأدار وجهها.
لتتوقف عينه بعينها. شعرت بتوقف الدنيا حولها وهي تنظر لعينه. أبتسم قلبها بفرحة لاول مرة، عكس وجهها الصلب الحزين. دق قلبها وخفق بسرعة، فهل هذا هو الحب؟
ضيق عينيه بدهشة وقال:
- هااا، مالك بتبصيلي كدا ليه؟
انتبهت لذاتها لتنظر له بشيء من الصدمة. رمقته بغضب وقالت:
- أنا داخلة أكمل حالة مريضتي. "وجهت سبابتها بوجهه" وأياك تحاول توقفني، لأني مش هسمحلك أبداً واللي عايز تعمله اعمله، إن شاء الله تقتلني؟
اتسعت عينها بصدمة عندما رأيته يبتسم وهو يضع يديها بجبهته ويتنحى جانباً وهو يشير لها أن تذهب إليها.
رمقته باستغراب وهي تفكر كيف يكون ذو وجه عابس غضوب وبلحظة ذو وجه باسم مشرق حنين.
سارت خطوتين ووقفت على صوته:
- حبيبة، لحظة.
استدارت برأسها وتابع قائلاً:
- حبيبة لو سمحتي مطلعيهاش من باب المكتب ده أبداً.
أومأت برأسها وولجت للداخل.
سبحان الله وبحمده.
بعد مرور ساعات تجلس هالة بزيها الأسود، والدموع لا تفارق وجهها. تبكي بحرقة على فقدها، وتبكي على بعد لمار عنها. أما ريم تجلس بحزن وشوق لعمرو، بعدم تصديق أنه توفي. الحزن تملكها كلياً. أنه شعور صعب أن تفقد شخص عزيز عليك. كان يجلس أياد بحزن، فكثيراً ما حكت له لمار عن عمرو. يشعر بوجع لا نهاية له. استمع لبكاء هالة وصوت شهقاتها التي علت لتوها، حتى بدأت بالصراخ. رفع بصره عليها بحزن وهزة قوية هزت جسده برعشة ونفضه من صوتها.
كالمطر هبطت دموعه على حالتها. لم يدري ما عليه فعله، فهب واقفاً وذهب إليها. أمسك يدها بحزن وجثى على ركبتيه أمامها. وبدموع قال:
- متبكيش. اقرئ الفاتحة وادعيله بالرحمة، أنتي كدا بتعذبي وهيزعل منك. وبعدين ما أنا أخوكي أهو. اعتبرني عمرو بس على أكبر بقا.
رفعت بصره بدموع إليه، سرعان ما ضمته بقوة.
وأنكبت على كتفه مجهشة بالبكاء.
ضمه بقوة فشعرت وكأنه عمرو.
أما هو فضمها بحنان أخ. ريم ظلت تبكي ولكنها لم تستطع أن تواسيها.
ورد كانت جالسة تبكي.
ولج زيد وأحمد وفهد وبسنت بتعب وإرهاق بادٍ على ملامحهم. رفعت هالة بصرها وانعدلت بجلستها وبلهفة قالت:
- فين لمار؟ لقيتوها؟ هي فين؟ جت معاكم؟
رد زيد بغضب وهو يشد على شعره ليهدأ:
- لا ارتحتي مش لاقينها ومش عارف هي فين. وجه سبابتها عليها وبغضب وعيون كالصقر قال:
- أقسم بالله لو جرالها حاجة لهدفنك.
هب أياد وأقفا وقال بدفاع:
- متتكلمش معاها كدا. لمار لو كانت هنا كانت حاسبتك على طريقة كلامك دي. وبعدين هي قالت كدا غصب عنها في لحظة غضب وحزن من غير ما تحس هي بتقول إيه. ولمار أنا متأكد أنها مش زعلانة منها أبداً.
تعالى صوت بكاء هالة عالياً، فهدأ زيد ورمقها بتعاطف. فكل كلمة نطق بها أياد صحيحة:
- متزعليش. إن شاء الله هنلاقيها.
أحمد وضع يده على وجهها بألم وخوف.
تذكر لمار وأين ممكن أن تتواجد فلم يتوصل لشيء. هب واقفاً:
- أنا هروح أدور عليها وإن شاء الله هلاقيها.
نظرة ريم له بحزن فابتسم لها ابتسامة باهتة مليئة بالحزن وغادر.
هالة ببكاء حارق:
- زيد أنت أقرب شخص ليها بجد مش عارف هي فين؟
رد زيد بصدق:
- والله ما عارف بجد.
صمت صاد المكان إلا من خطوات زيد الذي يأخذ الطرقة ذهاباً وإياباً بتوتر وقلق لا يدري أين ذهبت ابنته أخته والدته الغالية.
قطع ذاك الصمت رن الجرس. ركض زيد ليفتح ظناً أن قد يكون لمار. فتح بلهفة وشوق، سرعان ما تحول وجهه للعبوس وقال بصوت عالٍ حتى يسمع أياد:
- رؤوف. قصدي عمو رؤوف تعال اتفضل.
على سماع تلك الجملة. جاب أياد بعينه المكان وركض لداخل. أما ورد هبت لتركض خلف أياد.
جاء أن يغلق الباب فأنفتح ووجدها تلك الطفلة.
فأشار لها أن تدخل. وأغلق الباب.
جلس جوارها وقال:
- إيه؟ وأنتي كمان مش عايزة تشوفي رؤوف؟
لم تسمعه. فاكرها شاغل مع جملة عمرو. عندها شعور قوي يخبرها أنه هو من وراء موت عمرو.
لم تكن تدري ما عليها فعله. فاقت لواقعها على هزة خفيفة من أياد. رمقته بغضب وقالت:
- متمسكنيش كدا تاني فاهم ولا لا؟
مثل الخوف ورفع يده لفوق:
- فاهم. فاهم طبعاً.
انفجر ضاحكاً وهو يقول بهمس:
- فاهم يا شبر ونص؟
نظرة له بغضب وأشارت لنفسها:
- أنا شبر ونص؟
هز رأسه موافقاً. فهبت مسرعة وركلته على قدمه. فتأوه بتمثيل. ووضعت يدها بخصرها:
- أحسن تستاهل.
بالخارج رؤوف ببكاء:
- يعني إيه لمار لحد الآن مش لاقينها. مش كفاية موت عمرو.
هالة نظرة له بغيظ وكره فهي لا تستريح له:
- لمار دلوقتي ترجع! وهتكون بينا وهترجع حق أخويا.
رؤوف:
- تاني انتقام؟ كفاية لحد كدا. هخسر مين تاني؟ دا انتوا أمانة أخواتي.
كان يجلس زيد يرمقه بدهشة ويستمع إليه باستمتاع. جلست جواره بسنت ونكزته. فنظر لها.
بسنت بهمس:
- مالك بتضحك ليه؟
أشار لها:
- ولا حاجة.
ولج أحمد بيأس وهو يقول بحزن وقلق:
- مش لاقياها. مش عارف ممكن تكون فين. لا في المكتب ولا في أي مكان من اللي ممكن تتواجد فيه. ألتمع الدمع بعينه.
رؤوف بقلق وهو يغادر:
- يعني إيه مفيش؟ أنا رايح أدور عليها بنفسي ومش هرتاح غير لما ألاقيها.
في ذات الوقت تخرج ورد راكضة تجاه أحمد نادت عليه. وأشارت له بيدها أن يهبط لمستواها. فجثى على ركبتيه. وهي تشير إليه بهمس:
- هو ده. هو ده اللي قتل عمرو؟
أحمد نظر لها بصدمة وأعين متسعة.
ورد رأت صدمته تلك فقالت:
- صدقني يا عمو أحمد هو اللي قتل عمرو. وأشارت عليه وهو خارج. نظر أحمد لما تشير بأعين متسعة. كتم فمها وهمس:
- هشششش.
جذبها من معصمها بعيداً عنهم. أمسك كتفيها وجثى على إحدى ركبتيه أمامها:
- ورد ليه بتقولي كدا؟ أنتي شفتي أو سمعتي حاجة؟
هزت مسرعة رأسها بالموافقة.
فقال بلهفة:
- أحكي. إسمعتي إيه؟ قولي.
قصت عليه ورد كل ما أخبرها به عمرو.
رمقها بصدمة وتذكر حالة عمرو عندما كانت لمار مفقودة وفاقدة الذاكرة. لما رأه وساءت حالته؟ فكر ما عليه فعله ليعرف إذا هو أم لا.
هزته ورد وهي تقول:
- عمو أحمد صدقني الراجل ده وحش ومش بيحب لمار.
نظر لها مستغرباً:
- ليه بتقولي كدا؟
ورد بصدق:
- حسيت بكدا.
أشار لها أحمد أن تذهب فأنصاعت لأوامره.
سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر.
الدمع مغلف أعينها بالكامل ووجهها. استياق وحنين مسيطر عليها لوالدتها. هبطت دموعها بشوق لا يوصف. ندمت كثيراً على قرارها الذي لأجله ظلت هي بهذا المكان لو لم تأتي. هزت رأسها وهي تقول "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، الحمد لله يارب".
نظرة لها بحب وقالت بملل:
- تعرفي أني زهقانه، بس يلا هتكلم معاكي أنتي. تعرفي المغرور ده اللي اسمه مايكل ده قاسي ومش بيرحم، معندوش قلب أصلاً. متسأليش ليه هحكيلك. قصت عليها حبيبة كل شيء من أول لحظة للحين.
صمتت قليلاً وتابعت بحزن:
- مش عارفة أعمل إيه. حاسة إني وحيدة وبكرة.
صمتت بحزن وهي تتخيله أمامها.
أما والدة مايكل كانت تحادث ذاتها قائلة:
- هتحبيه، هتحبي ابني لما تشوفي قلبه الطيب ولما تعرفي أنه مش، وبالعكس هو بيساعد.
قطع فكرها صوت فتاة وضحكاتها. اتسعت عينها من الصدمة وهبت واقفة بغضب وهتفت:
- يا نهار أبوه مش باين، هو هيخوني.
سارت خطوتين ووقفت مكانها وهي تقول بحزن:
- وأنا مالي بيه؟ يخوني ميخونيش، يحب ميحبش، أنا مالي. هو قلي هيرجعني وهيطلقني خلاص بقا. زفرة بحزن سرعان ما هتفت:
- لا، بس برضو لازم أعرف مين دي.
تسللت للخارج على أصابع قدميها.
فتحت الباب وأخرجت رأسها، رأت فتاة تلبس ملابس كاشفة لجسدها وشاب يصغره وفيكتور وهو.
شعرت بنار الغيرة تحرق فؤادها. لم تدري ماذا تفعل.
استعلى أعينها بغضب وشرار وحزن في آن واحد.
رأته يقترب منها وهو يسير مسرعاً. فأغلقت الباب وولجت للداخل. لحقها وأمسك معصمها. استدار برأسها:
- عايز إيه؟ روح عند السنيورة بتاعتك؟
ابتسم على غيرتها بتسلية وقال:
- طب تعالي جهزي لنا أكل عشان السنيورة هتأكل معايا.
كادت أن تقتله وشعرت باحتراق قلبها. أبعدت يدها وهي تقول بغضب:
- وأنا مالي؟ روح اعملها أنت وشبع بيها.
كبت ضحكته وقال:
- طب معلش تعالي جهزي الأكل. مش أنتي مراتي ومن واجبك تهتمي بالضيوف.
رفرف قلبها فرحاناً على تلك الكلمة وشعرت بالخجل. لا تدري ما سبب كل ذلك.
كانت مربعة يديها أمام صدرها. اقترب ليفهمها وأمسكها من معصمها وخرج بها.
نظر إيهاب بفرحة وهب واقفاً ناحيتها وهو يقول:
- أيوه بقا، إيه القمر اللي هل ده؟ مكنتش أعرف أن مرات أخويا حلوة كدا.
رمقه بنظرة نارية فقال بهزار:
- والله قمر، معكسشي إزاي بقا؟
ضغط على كفه يده، ورفعت بصرها به باستغراب وهمست:
- أخوك؟
استمع إيهاب، فقطع تقابل أعينهم العاشقة وهو يقول:
- لا لا، أنا صاحبه بس. إحنا أكتر من إخوات. فيكتور بس أخوه.
دنت منه أكثر وهي تمسك يده بيدها الأخرى وقلبها يخفق باضطراب.
تقدم إيهاب ليصافحه وهو يقول بضحكته الجميلة البريئة التي غلبها نور قلبه:
- أنا إيهاب أخوكي، إيهاب.
رفعت بصرها لمايكل بتردد فأومأ برأسه لها أن تصافحه. دارت ببصرها لإيهاب قائلة بحب:
- أنا مش بسلم على رجالة، أسفة. بس تشرفت بيك لأنك شخصية كويسة.
أبعد إيهاب يده بتمثيل الإحراج وهو يقول:
- يا كسفتك يا إيهاب كدا برضو.
حبيبة ابتسمت له بضحكة.
أما مايكل واقف بصدمة. أنا مش بسلم على رجالة. كلمة استغربها. تذكر الفتيات التي كان يعرفهم وقارن بينهم. ابتسم بحب وسعادة على عوض ربنا. كان قلبه يخفق بسرعة بفرحة. نظر لها وهام بها بتأمل في ابتسامتها الرقيقة. قطعه من تأمله بها إيهاب وهو يهمس بأذنه:
- إيه يا عم خليك تقيل شوية، مش كدا؟ أنت شوية وهتاكلها بعنيك.
رفع قدمه ليهوي على قدمه بضربه قوية تأوه لأجلها.
جذبها من يدها تجاه تالا وقال:
- إيه يا بنتي مش عايزة تسلمي على مرات أخوكي؟
ابتسمت بمجاملة غصب عنها.
بكرة وحقد وغيره لا نهاية لهم. رمقتها نظرة لها من أعلاها لأسفلها بقرف وقالت:
- بقا مايكل اللي كل يوم مع بنت في الآخر يتجوز دي.
رمقها مايكل بغضب وعيون مشتعلة فأبتلعت ريقها بخوف واقترب بضحكة وهي تقول:
- بهزر. لا تصدقوا. مراتك قمر، أحلى بنت من اللاتي كنت تخرج معهم.
نغزة اخترقت قلبها. كل أحلامها تحطمت. بعيون لمع بها الدمع. تركت يده وقالت بتلعثم:
- عن إذنكم.
اقترب إيهاب ليضغط على يد تالا بعصبية وقال:
- ليه قولتي كدا؟
نظرة له ببراءة:
- أنا قولت إيه غير الحقيقة؟ هي زعلت. أنا أنا لم أقصد.
رمقها مايكل بغضب. نظر لإيهاب فتبخر بالهواء كل غضبه. رفع يده ليحوط كتفه بحب وقال وهو يجذبه ليجلسوا:
- هااا، قولي عملت إيه؟
نظر له إيهاب بحب ووضع رأسه على كتفه وقال:
- أقولك إيه؟ أجمل أيام ممكن أعيشها كانت مع هالة وعايزة أتزوجها. بس بعد ما تحلوا كل حاجة. ولمار فدي بقا يا بختك لأنها أختك.
انتبه فيكتور لآخر جملته فنظر له بحزن.
أبعد مايكل يده من حوله وابتسم:
- هالة بنت عمتو؟
أشار له إيهاب بتأكيد:
- أيوه هي.
نظر له بفرحة:
- عيوني حاضر.
هب فيكتور واقفاً وهو يقول:
- مايكل عايزك في موضوع مهم. تعالي معايا خمس دقايق.
مايكل برفض:
- لا، هو موضوع مهم يعني خليه بعدين.
فيكتور بتأكيد:
- موضوع مهم. تعال.
أشار له إيهاب:
- روووح يلا معاه.
هب واقفاً وذهب معه لإحدى الغرف.
ولج فيكتور وهو يقول:
- اقفل الباب وراك.
ما كاد أن يقترب منه حتى استدار له غصباً:
- كفاية بقا. لامتى هتخبي عليه؟ قولوا أنك أخوه. قالوا أن لمار أخته. قولوا أن أمه هي أمك وأمك هي أمه. قولوا أنك فعلاً أخوه مش صديق. قولوا أنك هترجعه يعيش مع أخته. أنت مش شايف هو بيحبكم قد إيه؟ كفاية قولوا الحقيقة. قولوا أن أبوه عذب أمه اللي هي أمك واغتصبها. اغتصب مرات أخوه. قولوا...