لحظة صمت صعبة وطويلة نالت من ثلاثتهم. لم تتوقع حورية للحظة أن يأتي السيد عاصم لبيتها. لحظة... ما الذي أتى به لعندهم؟ شهقت بجزع: "يا أللهي! رنا." تقدمت بلهفة تسأل: "في حاجة يا أستاذ عاصم؟ رنا جرى لها حاجة؟ تجعدت جبهة السيد عاصم وهو ينظر لها بإستغراب، ولمعة الأفتتان لم تنمحي بعد، ثم ردد متسائلاً: "رنا؟ لا مافيش أي أخبار جديدة عنها." صمتت حورية ونظرات زيدان الغاضبة تنال من أثنتيهما، ينتظر تفسير لما يرى.
كذلك نظرات عاصم له كانت تقييمية كأنه يقرأ الوضع. يرى عن كثب نظرة زيدان له، نظرة من رجل لرجل آخر، نظرة يعرفها جيداً. وبموقفه كان لابد من التحدث ليعلل سبب مجيئه على الأقل، خصوصاً وهو إمام زوجي من العيون تنظر له بإستنكار شديد. فتحدث بصوت حاول صبغه بالرزانة والهدوء: "أحمم.. أنا جيت عشان الأنسة حورية نسيت بطاقتها في الشركة." ماكر كثيراً... فقد تقصد إرفاق إسمها بـ (أنسة) ووقف يراقب ردة الفعل. فتنهد بأرتياح وهو يستمع للرجل
المقابل له يسأل بضيق: "و الباشا جابها منين؟ هممم... لم يعقب على نعتها بـ (أنسة) ... عظيم. رد عاصم بكياسة وهدوء تجلى على ملامحه: "كانت مع أفراد الأمن وانا اخدتها منهم." "همم.. أه..و العنوان عرفته منين؟ إلتف يرمق حورية بغضب. فرد عاصم: "ما العنوان في البطاقة يافندم." صمت ينظر للرجل الغاضب ومن خلفه حورية الجميلة. قرر الإنسحاب مؤقتاً على الأقل الآن، فقال معتذراً: "أسف على الازعاج... عنئذنكم."
رحل مغادراً في حين أن زيدان لم يكلف خاطره ويعزم عليه بالشاي أو حتى يجلس ليلتقط أنفاسه. بل أغلق الباب خلفه بحده والتف لحورية يسأل: "أيه ده؟ "ايه؟ ده أستاذ عاصم مدير... قاطعها يردد بينما يغلق عينيه بغضب ونفاذ صبر: "مدير رنا بنت خالتك... حفظتها دي.. أنا عايز اعرف جاي ليه وراكي لحد هنا؟ "ماهو.. ماهو قالك عشان البطاقة و... أنا مالي بس يا زيدان." تركها وتحرك بغضب وقلة حيلة يجلس على أحد الأرائك. فتقدمت منه
بتردد ثم جلست لجواره تردد: "طب أنا عملت ايه غلط دلوقتي؟ رفع عيناه التائهة ينظر لها يتأمل جمالها ثم قال: "أنا عارف إنك ما عملتيش يا حورية." تطلعت له بأمل تبتسم. حاول مبادلتها الإبتسامة لكن لم يقدر. فنادت عليه: "زيدان... طب مش ناسي حاجة؟ وأخيراً أبستم ثم أخرج من يده العلبة المخملية يفتحها. ابتسمت هي أيضاً فيما تراه يخرج محبس ذهبي رقيق مشغول بفصوص من الذهب الأبيض. والتقط يديها يضعه في أصبعها وتوقف ينتظر ماذا ستفعل.
فزادت دقات قلبه وتشبع وجهه بابتسامة جميلة وهو يراها تحمل محبس الفضة وتضعه في أصبعه كذلك وتبتسم له برقة. لعب عقله وفكر في التمادي وكسر الحواجز. فرفع كفها لفمه يلثمه برقة، بينما ينظر لعيناها يتابع ردات فعلها بخوف وتوتر. هدأت روحه وهو يراقب ملامحها تحاول تدراك ما يحدث. فتمادى أكثر وقبل باطن يدها بحرارة تملكته. ليباغتها وهو يضمها داخل أحضانه ويغمض عيناه بتعب شديد.
يشعر بجسدها متصلب بين ذراعيه، كأنها تائهه لا تعلم ماذا تفعل. أحس بترددها وهي ترفع يديها شيئاً فشيئاً ثم تضعهم على ظهره وتحتضنه هي الأخرى. ابتسم بسعادة غامرة. وأخرجها من أحضانه ينظر إليها وهي قريبة منه هكذا لأول مرة. عيناها جميلة رائعة وخدودها ممتلئة مستديرة، فمها صغير منتفخ وأنفها متوسط الحجم وشعرها الناري يضيء وجهها شديد البياض. ريحها يسكره ويسرق لُبه. إنها فتنة تمشي على الأرض.
بأقصى أحلامه لم يكن يتخيل أن تصبح فتاة مثل حورية من نصيبه. كانت أحلامه مقتصرة على فتاة ذات خلق تعيش معه على الحلوة والمرة ليجازى على طول صبره ورضاه بـ (حورية) إنها صفة وليست اسم. لو طال به الوصف لن يستطيع أحد أن يعلم مدى الرغبة التي تتملكه حين يراها. والآن وهي باحضانه فعلياً لا يستطيع المقاومة. زيدان راغب في تقبيل حورية بشدة. لمرة فقط، مرة واحدة وليحدث ما يحدث. سيتحمل العواقب فيما بعد لكن فليقبلها.
عيناه على شفتيها لا تتزحزح. انفاسه ثقيلة ساخنة. لاحظ رفرفرة اهدابها وانكماشها على نفسها ترهبه. يدرك الوضع تماماً. هو بالنسبة لها رجل غريب وزواجهم لوحده قصة. ولكنه مازال راغب في تقبيلها. اللعنة عليها وعلى المنطق، هو يريد أن يقبلها وسيفعل. مال عليها كي يقتنص حلمه بين يديه، لكنها كانت الأسرع ووثبت مبتعدة. تردد بتلعثم: "أااا.. هعملك العشا... أكيد جوعت." أسبل جفناه براحة، الشبق قد تمكن من خلاياه.
ربما من الأفضل أنها فرت من أحضانه. فهو ما أن اقترب منها شعر بفقدانه السيطرة. كان سيزيد حكايتهما سوءاً. أضجع بظهره على الأريكة يسأل: "هي ليه حلوة كده؟ استغفر الله العظيم. بعد خروج الملك بحاشيته وموكبه على أعين جميع من بالقصر، كانت الهمسات والنميمة في كل مكان. لأول مرة يخرج من القصر في نزهة مع جارية واحدة فقط. الأمر لا يحتاج للنقاش ولا يمكن تجميله. تلك الفتاة كُسر لأجلها كل القيود والقوانين.
ترى ماذا سيُكسر لأجلها مقبلاً؟ وبينما أنچا تلاحظ همسات الجواري كلن على جنب، تغلي من الغضب وشعورها. فانفرطت حبات العقد من يدها. تقدمت ماديولا بغضب شديد وخلفها جواريها. حتى توقفت أمام أنچا التي جلست تضع رأسها بين يديها كأنها توزنه وتفكر بمصيبة. ليخرج صوت مادولا الغاضب لتزيد من عصبيتها وهي تقول: "ثم ماذا؟ هل سنترك لتلك الجارية الملك بالمملكة؟ هل ستفوز؟
تلك الفتاة لا يجب أن تعيش. لقد تحدتني وأهانتني، وبقائها على قيد الحياة كل دقيقة زيادة يقلل من هيبتي. تصرفي أنچا وإلا تصرفت أنا." رفعت أنجا رأسها من بين كفيها وقالت ببرود حانق من غباء الأميرة: "جيد إذاً.. هيا.. أذهبي وأمري بشنقها من جديد. لما مازلتي واقفة؟ هيا أميرة ماديولا." ضربت ماديولا الأرض بقدميها كما الأطفال وهتفت: "مجدداً؟ وكأنك لا تعلمين ما جرى. "لا أعلم... لذا مستغربة حديثك." "ما بكِ أنچا؟
وهل كل القتل يكن الشنق.. علناً؟ ضيقت أنچا عينيها تفكر: "ماذا تقصدين؟ "ما قصتك أنچا تتحدثين وكأنك لستِ أنچا ثعلب السياسية والتخطيط في المملكة الممتدة.. أنتي تعلمين مرادي جيداً." ألتمعت عينا أنجا بخبث دفنته ببراعة وقالت تدعي الخوف: "لا أميرة ماديولا.. فأنا لن أجازف مجدداً. أنا لا أؤمن عواقب ما تقولين. لن أستطيع مهما كانت مكانتي لي حدود لا يمكن تخطيها. وأنتم بما أنكم عزيزة على قلبي يا أميرة مملكتنا أنصحك ألا تفعلي."
زمت ماديولا شفتيها وأسنانها بغيظ ثم غادرت كرياح عاصفة. تقدمت خادمة انجا منها وهي مازالت تتابع خروج الأميرة العاصف. ثم دنت من سيدتها تسأل بجهل واستنكار: "لما سيدتي؟! لما لم تساعديها؟ ابتسمت أنجا ترفع كتفيها بمكر متسائلة: "ولما قد أفعل؟ أتركيها.. فهي ستفعل." "كيف سيدتي بعد نصيحتك لها؟ "أنا أعرفها جيداً.. ستدبر حادثة لتلك البيضاء." "لكن تدخلك سيدتي كان سيحسم القصة.. الأمر لن يتم بلا عقل السيدة أنجا."
ضحكت أنجا ساخرة ثم قالت: "لااا.. لن أفعل فقد حاولنا مسبقاً وأنا لا أعيد الكره مادامت لم تصب. الرجل كالطفل الصغير لو أبعدناها عنه لأصبح يتوق لها أكثر. وهذا ليس حلاً." حارت الخادمة كثيراً وسألت سيدتها: "إذاً.. ما الحل سيدتي." ابتسمت أنجا ووقفت بثقة تردد: "لا تقلقي فجراب أنجا لا يخلو مطلقاً. فلنترك ماديولا المدللة تحاول.. ههه.. من يعلم ربما تفلح تلك المرة. لكن.. لنكن نحن بعيد نشاهد فسحب." نظرت
لها الخادمة بغباء وقالت: "عقلك من الصعب فهمه سيدتي." ضحكت أنجا وقالت: "لو كنتي تفهميه لما أصبحتِ جارية. السياسة لعبة قذرة وتلك الفتاة زجت نفسها بنيرانها. ههه فلنرى من سيغلب في النهاية." ثم تحركت مغادرة الحرملك كله وعقلها يعمل في جميع الاتجاهات. وقف زيدان مع والده أمام باب شقته لحين تنتهي حورية من تجهيز نفسها. رمق شداد ولده وسأل بمكر: "الاه.. على فين العزم يا معلم زيدان مش بعادة يعني."
"أحمم.. الا جرى ايه يا حاج مالك شادد حيلك عليا ليه؟ ضحك شداد وقال: "لا بطمن بس." "عادي يعني يا حاج قولت أخرج حورية شوية." "ايوه أيوه.. هتقعدوا على الكورنيش وتاكلوا درة وتشربوا مانجا زي الحبيبة؟ كاد زيدان أن يجاوبه لولا ظهور حورية أمامه على درج السلم تردد: "أنا جاهزة خلاص." فصرخ غاضباً: "جهازة إيه نيلة إيه إيه إلي أنتي مهبباه ده." نظرت حورية على فستانها الأبيض المشجر بورود حمراء يلتصق على منحنياتها بإجرام.
ثم قال بجنون: "امشي اطلعي غيري الزفت ده." "ليه ماله؟ "بقولك أمشي يالا اطلعي ماتقفيش كده." لكنها لم تستجيب أو تتحرك. فصدح صوته عالياً بغضب أكبر لترى زيدان على حق. ذلك الذي كان يتشاجر مع الشباب أمام محله. فأنكمشت على نفسها خائفة مصدومة من موضعها معه في الوقت الذي صعدت فيه رشا ووالدتها سريعاً سريعاً على صوت الشجار. فسألت والدتها: "في إيه يا زيدان يا ابني كفى الله الشر."
لكن زيدان لم يكن يرى أو يسمع كل ما يراه أنها تقف هكذا أمامهم جميعاً بل مازالت واقفة لا تتحرك وكأنها تتحداه خصوصاً وهي تقول: "ايه إلي حصل لكل ده يا زيدان! فتردد رشا بإستنكار شديد: "أيه إلي حصل يا زيدان؟ لأ لأ مالكيش حق.. ده خايف عليكي وبعدين لازم أي واحدة تسمع كلمة جوزها." لتكمل عنها والدتها: "لأ وهي مش متجوزة أي حد ده المعلم زيدان على سن ورمح." نظرت لهما حورية غير مصدقة.
فيما صدح صوت زيدان: "بردو لسه واقفه في مكانها... تمااااام.. أنتي إلي حضرتي العفريت بقااا." ثم تقدم منها بخطى غاضبة قبض على معصمها وجرها معه لشقتهما. فقالت فردوس: "روح له يا شداد.. روح عقله البت مش حمله." لكن رشا تدخلت: "سبيه يا مرات عمي.. هي بصراحة زودتها.. ده لبس يتخرج بيه ده ليه متجوزة سوسن مثلاً.. لأ لأ حورية هي صاحبتي أه بس أنا أقول الحق ولو على رقبتي."
و أكملت والدتها بجزل: "أنا خايفه يعمل فيها حاجة هي مش قد عصبية زيدان." فأضافت رشا: "لا وحورية مستفزة ومجنونة... ربنا يستر." جلست متكئة على أحد الأرائك الملكية المريحة تنظر بصمت تام للبحر الممتد من أمامها وعلى الشط أشجار لفاكهة أشكال وألوان تراهم لأول مرة. تحاول أخذ نفس عميق تزفره براحة وتمهل. فيما اقترب منها الملك راموس يطالعها وهي بكل هذا الحسن والبهاء إضافه على كونها هادئة على غير العادة.
أقترب منها وجلس على نفس الاريكه بل إنه أخذها يجلسها في أحضانه يشعر بتململها. لقد أغمضت عيناها ببغض شديد. هل وصل بها حال الدنيا لأن تعامل كدمية تسلب جل حقوقها؟ من أعطاه الحق لأن يجلسها هكذا في أحضانه؟ من قال له لأنه ملك ووسيم فله أن يحصل على ما يريد. قال بهمس بعدما شعر بتململها: "ما بكِ صغيرتي؟ التفت تنظر له تطالعه بصمت مفكرة. وقد تعلمت بما يكفي. هي الآن تحاول إنتقاء الكلام
قبلما تنطق به فقالت بهدوء: "أتعلم.. أنت وسيم جداً... ليتك لم تكن ملكاً." تجعدت جبهته وسأل مستنكراً: "لما؟ "أظن أنه.. لم لم تكن ملكاً.. لو لم يكن ذلك هو وضعي لو كنت قد قابلتك بشكل آخر و في ظروف أخرى أقسم أن قلبي كان سيقع في هوى عيناك الغامضة من أول نظرة." زاد من أعتصارها داخل أحضانه بتملك ثم قال: "وما المانع لأن يحدث الآن صغيرتي مادام الإعجاب موجود.. أنا نفس الشخص."
نظرت له بحزن ثم قالت: "هل سمعت يوماً عن قصة يونس وابنة السلطان؟ رمقها بإستفهام ثم أجاب: "لا.. ما قصتها؟ "أنها نفس قصتنا بأختلاف أنك أنت بموضع أبنة السلطان." "لم أفهم." قاطعهم صوت الطبيب يردد: "أحمم.. معذرة مولاي." نظر له راموس بغضب بعدما قطع إسترسال حديثه مع صغيرته فسأل بحده: "ماذا هناك؟ "موعد الدواء سيدي." همهم الملك يتنحى جانباً وترك المجال للطبيب كي يباشر عمله فيما ذهب هو ليسأل ماهي قصة يونس وابنة السلطان. وبقى
نيمار مع رنا وحدهما فسأل: "كيف حالك سيدة ميرورا." نظرة له بحنق وقالت: "رنا.. رنا.. أسمي رنا." ابتسم الطبيب وردد بكياسة: "جيد إذاً.. هذا يعني إنك لم ترضخي بعد." رفعت أنظارها المستنكرة له فقال: "لا تقلقي رنا فأنا معك ولست عليكي." ضيقت مابين حاجبيها وسألت مشككه: "بأمارة ماذا؟ ضحك بمرح ونظر لها نظرة غريبة ثم قال: "بأمارة أنا قصتنا متشابهه إلى حد كبير."
نظرت له مدققة، هو بالفعل رجل أشقر ملامحه مختلفة كلياً عن ملامح أهل الجزيرة. كادت أن تسأله عن قصته لولا صوت إحدى الفتيات الذي صدج من خلف الحراس تصرخ مستنجدة بالملك آثار انتباه الجميع. مظهر الفتاة كان ينم عن كارثة كبيرة. خرج من المبنى وهو ينظر لأعلى بتفكير. تقدم ليجلس في سيارته السوداء العالية. يفكر فيما فعل ولأين قاده عقله يسأل منذ متى وهو متهور هكذا.
نظر في ساعة يده ثم تطلع حوله ليرى "حته" صبي القهوة وهو عائد بصينية عليها اكواب من الشاي. أوقفه يسأل: "بقولك يا كبير ماتعرفش بيت مين ده؟ نظر له حتة نظرة تقييميه شاملة ملابسه وسيارته "الرانج روڤر" ثم أجاب: "ده بيت الحاج شداد وإبنه المعلم زيدان أحسن نجار في شبرا تمل... أمر يا باشا خير؟ جعد عاصم مابين حاجبيه وسأل: "هاه.. والله... طب وفين بقا المحل ولا عنده ورشه ولا إيه؟
"الاتنين يا باشا عنده ورشه و معرض موبيليا بسم الله ماشاء الله بيدوي... بس انت لو جايله على شغل أجله حبه اصله عقبال عندك أتجوز." لا يعلم لما شعر عاصم بتدفق الحقد بداخله وهو يستمع للجملة الأخيرة ثم أردف متسائلاً: "ايه ده ماشاءالله.. واتجوز أمتى؟ رمقه حتة بنظرة غير مرتاحة وسأله: "عدم الا مؤاخذة يا باشا أنت بتسأل ليه واسئلتك مالها كتيرة كده؟ -أاا.. أنا بسأل بس عشان أشوف أجازته هتخلص أمتى." -قريب ماتقلقش...
هي أصلا تعتبر جوازة كده وكده." لمعت عينا عاصم يسأل بلهفة: "إزاي كده وكده؟ -هو إيه إلي كده وكده؟ مين قال إنه كده وكده؟ -أنت إلي لسه قايل." ما أن شعر حته بتورطه حتى تحدث بصوت عالي وكأن أحدهم يناديه: "اأيوه جايلك." وبلمح البصر كان قد اختفى من أمام عاصم الذي انتعش الهواء بصدره لا يعرف لما. وقفت في المطبخ تحاول إعداد الطعام. لا بل كاذبة، فالطعام يعتبر معد لا يحتاج سوى وضعه في الصحون. هي فقط كانت تتهرب منه.
ربما تريد خلوة لتعرف ماهية مشاعرها تلك. هل صادقة أم أنها فقط مجرد مجاراة لمشاعره لأنها لا يمكنها إحراجه. لكنه لم يمهلها الفرصة ووجدته خلفها في المطبخ يردد: "تحبي أساعدك؟ اتسعت عيناها. تباً، لقد قالها همساً في أذنها بعدما التصق بظهرها يتصنع مساعدتها على التقاط الأطباق المعلقة عالياً. تبعثرت كلياً وفقدت النطق حتى أنها لم تعد قادرة على ابتلاع لعابها. تشعر بيداه تداعب معدتها تتحسسها. زيدان يقتحم كل الحصون.
كأنه عزم على كسر كل الحواجز. حسم أمره يجب أن تعتاده. لفها ببطء بين ذراعيه إلى أن أعطته طلة كاملة بملامحها البديعة. وضع إصبعه على طابع حسنها يرفع وجهها له لتفتح عيناها فيه وترى نظرة إعجاب. اعجاب خاص رائع لأول مرة ترى تلك النظرة على الرغم من سماعها المدح الدائم لجمالها لكن نظرة زيدان كانت خاصة جداً. ينظر لها وكأنها... وكأنها الجنة التي ينالها الصابرين. ليست كأي مكافأة، إنها جزاء صبره. مسح
بكفه على خصلات شعرها وقال: "غيرت رأيي.. الجمال ده مايقفش في المطبخ وسط الحلل.. ده يخرج يتعشى فى أحلى مطعم على النيل." فغرت فمها تردد: "هاااااا؟! وبداخلها تصرخ: (زيدان بيعرف يقول كلام حلو؟!!! لقد كان جميلاً جداً وزادت وسامته وهو هادئ يتغزل فيها وتلك اللمعة بعيناه تقسم أنها لم ترى رجل وسيم كوسامته بتلك اللحظة. ظلت تنظر له بأعين لامعة هي الأخرى كأنها تراه لأول مرة. فبقى يطالعها وهو لولا الملامة لرقص.
نظرة حورية كانت قاتلة لقلبه. إنها تتأمله. يا أللهي، هل هو بحلم أم بعلم. يرغب بأن يقرصه أحدهم خصوصاً وهو يرى لمعة الإعجاب في عيناه. ليست نظرة خوف أو قلق أو رضى بالأمر الواقع، بل هي نظرة إعجاب صارخ. خرجت للأسف من صمتها المتأمل فيه وقالت: "طيب هروح أغير واجي." ثم تحركت سريعاً تهرب من هيمنته الجديدة عليها. وتركت زيدان يدور حول نفسه في المكان كطفل في العاشرة. دق قلبه لأول مرة وعرف معنى ذاك الشعور.
يتمنى لو بقت واقفه تتأمل فيه لتشبع ذلك الأحتياج بداخله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!