تحميل رواية «فراشة في سك العقرب» PDF
بقلم ناهد خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تسمرت في مكانها حين لمحت وقوفه قريبًا منها، وصمتت عن الحديث غير قادرة على التفوه بحرف واحد، ورد الفعل الصحيح تجهله. فماذا ستفعل وأين ستخفي الهاتف وهو يقف مجاورًا لها وعيناه بالتأكيد لا تفارقها. ثوانٍ مرت عليها كالساعات حتى دلفت "نورهان" غرفته فجأة. ليلْتَفِت لها، فتسرع "فيروز" بالتصرف وهي تسقط الهاتف في إناء زرع قريب منها، ووقفت تعدل خصلات شعرها وكأنها لا تنتبه لهم. "إيه يا حبيبتي، محتاجة حاجة؟" نظرت له بتردد واضح جعله يحثها على الحديث، فقالت بحذر: "كنت عاوزة أسألك سؤال، لو هيعصّبك بلاش ترد." اب...
رواية فراشة في سك العقرب الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ناهد خالد
بعد أن انتهوا من تناول الإفطار وشرب القهوة، انصرف "معاذ" لمكتبه لمتابعة أعماله بعد أن قضى وقتًا هو الأجمل والأمتع بالنسبة له، فأي شيء برفقتها يكن مميزًا ولا يمكن نسيانه.
وبقت "نورهان" جالسة مع أخيها في مكتبه يتناولون أطراف بعض الأحاديث الغير مهمة، حتى تعالى رنين هاتف "شاهين" لينظر لشاشته ويرى رقمًا مميزًا، فانسحب بهدوء من الأجواء وهو يخبرها بأنها مكالمة عمل مهمة.
وحين نأى بنفسه في ركن من أركان المكتب البعيد عن مسامع الجالسة، رد ليستمع لصوت محدثه:
– إزيك يا شاهين؟
رد "شاهين" بهدوء:
– تمام يا نصر باشا، إزيك إنتَ؟
أجابه المدعو "نصر" وهو يقول:
– محتاجك… لازم تيجيلي عشان في حاجة مهمة محتاجين نتكلم فيها تخص الشغل، ما ينفعش في التليفون.
سأله وهو يمسد مؤخرة عنقه بكفه:
– إنتَ لسه في لندن ولا نزلت مصر؟
– لا نزلت مصر بقالي كذا يوم، هنتظرك بكره الساعة 12:00 بالليل.
– تمام.
قالها "شاهين" وأنهى المكالمة ليتجه بعدها لمكتبه وهو يقول محدثًا "نورهان":
– عندي اجتماع بعد نص ساعة، هجهز أوراقه وهكون معاكي.
قالت مبتسمة:
– تمام، وأول ما الميعاد يجي هرجع أنا البيت عشان ما أشغلكش.
انشغل لبعض الوقت في ترتيب أوراقه حتى توقف فجأة وهو يقول ناظرًا إليها:
– واضح كده إننا هنرجع البيت دلوقتي.
سألته مستغربة:
– ليه؟
قال وهو يلتقط مفتاح سيارته وسترته متجهًا لها:
– إمبارح كنت براجع الملف في مكتبي في البيت ومشيت النهارده الصبح من غير ما آخده.
وقفت وهي تقول مقترحة:
– طيب ليه ترجع مخصوص البيت! أنا هروح وأبعتهولك مع حد من هناك.
– المشكلة إني حطيته في الخزنة.
هزت رأسها متفهمة وهي تقول بمرح:
– آه وطبعًا الخزنة دي شيء محظور ممنوع اللمس حتى عليّا.
ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يقول بعد أن أمال رأسه يمينًا:
– طبعًا، إنتِ عارفاني ما بثقش في حد، وأكيد الخزنة فيها حاجات كتير قوي مهمة، وده مش شك فيكي إنتِ أكيد فاهمة، بس أنا بعتبر الخزنة دي شيء مقدس محدش ينفع يلمسه غيري، يلا خليني أوصلك بالمرة وآخد الملف وأرجع قبل ميعاد الميتنج لأنه مهم جدًا.
أومأت موافقة وهي تسير معه في طريقهما للعودة إلى المنزل.
وهناك… تحديدًا في فيلا العقرب…
كان الشجار ما زال على أشده، الضربات لا تتوقف، ولا الصرخات كذلك.
لم يقدر أيًا من الفتيات على جذب "فيروز" بعيدًا عن "شدوى" التي ما زالت مسطحة أرضًا، وما أنقذها من تحت يدي فيروز هو الطنين الشديد الذي ضرب أذنها من كثرة صراخ الأخيرة المرتفع، لتشعر بصوتها كتيار هواء شديد السخونة يخترق أذنها ثم رأسها فينشب بها ما يشبه الحريق، وهذا ما جعلها تنهض عنها وهي تمسك أذنها بكفها بقوة محاولة إيقاف الصفير المزعج الذي رن بها.
ساعدت الفتيات شدوى ونهضت بألم، لتقول "صفاء" رافضة كل ما حدث:
– اعذروني على تدخلي، بس اللي بيحصل ده ما ينفعش يحصل، المشهد اللي حصل دلوقتي ده مش تصرفات هوانم أبدًا.
عقبت "شدوى" بألم وغيظ يملأها:
– وده إن دل على شيء فيدل على إنها بعيدة خالص عن الهوانم، هانم مين دي بيئة، أنا عارفة شاهين جابها من أنهي داهية!
أنزلت "فيروز" كفها من فوق أذنها بعد أن هدأ الصفير لتعقب بغضب:
– هانم غصب عن عينك، ولا إنتِ فاكراه عشان هانم زي ما بتقولي المفروض أسيبك تقلي أدبك عليّا وتغلطي في حقي وفي شرفي وأسكت؟
تدخلت "صفاء" في الموضوع وهي تقول:
– اسمحيلي يا فيروز هانم، كان ممكن تردي عليها لكن موضوع الضرب ده ما ينفعش أبدًا… شاهين بيه لو عرف اللي حصل مش هيعدي على خير لا ليكي ولا ليها، هو ما بيحبش التسيب ويحب دايمًا اللي موجود في بيته يحترمه ويحترم وجوده، ما أعتقدش إنك عملتي ده لما مديتي إيدك على شدوى هانم.
رفعت حاجبها باستنكار وهي تعقب باستهزاء:
– صدقيني بالله أنا من الأول كنت شاكة فيكي إنك من حلفائها، بس دلوقتي اتأكدت، إنتِ مالك يا ست إنتِ تدخلي ليه أصلاً ما بينا؟ طب هي غلطت فيّا وأنا برد عليها غلطها، إنتِ بقى مالك؟
ظهر الغضب على وجه "صفاء" وهي ترد بهدوء مخالف تمامًا للغضب الذي تمكن منها:
– أنا هنا مش مسؤولة الخدم بس، أنا هنا مسؤولة عن كل حاجة بتحصل في البيت في غياب شاهين بيه.
اقتربت منها "فيروز" خطوة تدفعها في كتفها برفق وهي تقول بحدة:
– طب ريحي إنتِ بس كده عشان أنا اللي يجيب سرتي بحاجة وحشة أقطع لسانه مش بس أضربه، ولسه حسابي معاها ما خلصش.
نظرت لشدوى التي ترتب شعرها بوجع، فـ"فيروز" لم تغفل أن تغلغل أصابعها في شعرها وتجذبه من جذوره بعنف أثناء ضربها لها، نظرت لها متحفزة وهي تقول:
– بصي يا شدوى هانم على رأي صفاء،
والقت لصفاء نظرة ساخرة ثم أكملت:
– أنا قعادي هنا مش برغبتي، دي برغبة شاهين، والأسباب ما تخصكيش إني أحكيهالك طبعًا، بس هي بعيدة تمامًا عن شغل الرخص اللي إنتِ فكرتي فيه، وبما إن قعدتي هنا ممكن تطول وشكلنا قاعدين في وش بعض حبة حلوين، فإيه رأيك لو نتفق إننا نعتبر نفسنا مش شايفين بعض أصلاً! يعني إنتِ اعتبري نفسك مش شايفاني وأنا هعتبرك هوا، لا تقوليلي صباح الخير ولا أقولك صباح النور، وكل واحد مننا يبقى في حاله، إيه رأيك؟
ظهر الاستهزاء جليًا على وجه "شدوى" التي قالت رافضة الاقتراح:
– كل واحد مننا في حاله! ده بيتي يا ماما لو إنتِ مش واخدة بالك! يعني ما أقدرش أعتبر شخص موجود في بيتي كأنه مش موجود، لأن اللي موجود في بيتي لازم يحترمني ويفهم حدوده كويس قوي مش سايبه هي.
زفرت "فيروز" أنفاسها بقوة ثم قالت وهي تهز رأسها بأسف مصطنع:
– واضح كده إن إحنا مش هنتفق، بس يعني إنتِ عاجبك إني كل شوية أجيبك من شعرك قدام الناس، أصل أنا فيّا عيب نسيت أقولهولك…
رفعت "شدوى" حاجبها باستهجان في انتظارها للتكملة، لتكمل فيروز بضيق أتقنت تمثيله:
– إني دايمًا إيدي سابقة لساني، ما بعرفش أتحكم فيها أعمل إيه طيب! أول ما بزعل والأدرينالين يرتفع عندي تلاقي إيدي راحت ممدودة على اللي قدامي على طول وأطول اللي أطوله بقى.
ضربت "شدوى" الأرض بكعب حذائها العالي ليصدح رنينه في الأرجاء وهي تقول بقوة وعنفوان:
– لو كنتي فاكرة إنك تقدري تمدي إيدك عليّا تاني تبقي بتحلمي، إيدك دي لو لمستني تاني أنا هقطعهالك.
ابتسمت "فيروز" باستفزاز مرعب وهي تهز رأسها بمرح وتقول:
– طب تيجي نجرب؟
وقبل أن تجيب "شدوى" اقتربت "مستكة" من "فيروز" تهمس لها في أذنها:
– لمي الدور عشان الموضوع ما يتقلبش عليكِ، إنتِ ما تعرفيش رد فعل شاهين هيبقى إيه لما يرجع، هيبقى شكلك وحش قوي لو حط عليكِ قدامهم، ما تنسيش إنها في الآخر مراته وأم ابنه وصاحبة البيت فعلًا.
اقتنعت "فيروز" بحديث "مستكة" وشعرت بالقلق من رد فعل "شاهين" حين يعلم بكل ما حدث، فهو ورغم أنه أعطاها تصريح غير مباشر من قبل بأنه لن يتدخل في أي شيء يحدث بينها وبين شدوى، لكن كما قالت مستكة هي في الآخر زوجته وأم ابنه، ولن يسمح بإهانتها من أيًا كان، لذا حاولت إنهاء الأمر وهي تقول عمومًا:
– أنا المرادي هسامح على رأي المثل ما يسامح إلا اللي قلبه كبير، وأنا قلبي كبير قوي ودي تاني غلطة بتحصل هعديهالك، فاكرة الغلطة الأولى لما هنتيني في أول مرة شفتك فيها وقلتي إني مش من النوع اللي شاهين بيفضله أو ممكن يختاره، بس خدي بالك فاضلك غلطة لو حصلت بعدها أنا مش مسؤولة عن اللي هيحصل.
نظرت لصفاء وهي تقول لها:
– وإنتِ ياللي داخلة توعظي ما بينا وتنصحينا، كل الحوار ده بسببك إنتِ لو كنتِ من الأول عملتِ الفطار زي ما قلتلك ما كانش كل ده حصل، ويا ريت في الآخر بقى تحضريلي الفطار لأحسن أنا بتلكك أمسك في أي حد تاني، زي ما قلتلك إيدي أطول من لساني.
قالتها وهي تنسحب من أمامهم، وانسحبت الفتيات لداخل المطبخ بعد أن أشارت لهم "صفاء".
كانت تتجه للسلم للصعود لغرفتها لتتوقف فجأة شاهقة حين شعرت بكف يقبض على خصلات شعرها بقوة كادت تقلعها!
بعد أن أنهت "فيروز" حديثها المستفز والمثير لأعصاب "شدوى" التي تقف وبداخلها بركانٌ مشتعلٌ واتجهت للصعود لأعلى، لم تستطع "شدوى" منع نفسها من أخذ حقها وحق إهانتها أمام الجميع، فإن سامحت "فيروز" في حقها كما ادعت فهي لن تسامح أبدًا في إهانتها التي كانت على مرأى ومسمع من كل من في المنزل.
وفجأة اندفعت نحو "فيروز" لتقبض على شعرها بقوة وغيظ وأسقطتها أرضًا لتجثو فوقها وهي تبدأ في ضربها كما فعلت الأخرى منذ قليل.
عادت الفتيات و"صفاء" من المطبخ على صوت الشجار مرة أخرى، ولكن صرخت بهم "شدوى" قائلة:
– اللي هيقرب مني هيكون أخر يوم له هنا في البيت.
بالفعل وقفن جميعًا ينظرن لما يحدث دون محاولة لفض النزاع هذه المرة، ومن بينهن كانت "مستكة" التي كانت تقدم قدمًا وتأخر أخرى، فوجودها في المنزل سيفيد "فيروز" على أي حال وإن اقتربت وحاولت الفصل بينهما وطُردت من العمل حينها لن يصب هذا في مصلحة "فيروز" بل بالعكس سيؤذيها، فوقفت محلها وهي تقول لنفسها:
– معلش بقى يا فيروز تستحملي العلقة أحسن ما تستحملي اللي هيحصل فيكِ من شاهين لو طلعتي من البيت وانقطعتي عن التواصل مع مازن بيه.
والغلبة لم تستمر لصالح "شدوى" وقتًا طويلًا وسرعان ما استطاعت "فيروز" أن تسيطر على الوضع لتصبح "شدوى" هي الملامسة للأرض و"فيروز" فوقها وعادت تكيل لها الضربات مرة أخرى، لكن هذه المرة بقوة أكبر، لتهمس بداخلها مستهزئة بشدوى:
– فاكرة إنك هتعرفي تغلبي واحدة بنت شارع! ده أنا الخناقات دي ياما صبحت ومسيت بيها ناس.
وبالفعل كانت "فيروز" تعرف كيف تتفادى الضربة وكيف تردها في الوقت نفسه بأخرى أشد.
وبالخارج اصطفت سيارة "شاهين" الذي وصل للمنزل ودلف هو و"نورهان" للداخل سريعًا حين استمعا لصوت صراخ عالي وصل لهما من قبل أن يصعدا درجات السلم الخارجي.
ركضت إحدى الفتيات تفتح الباب سريعًا حين سمعت صوت اصطفاف سيارة بالخارج، ليدلف للداخل "شاهين" وهو يسير بحركة سريعة وسألها بغضب:
– إيه اللي بيحصل جوه؟
لكنها وقبل أن تجيب حتى كان قد دلف للداخل تتبعه "نورهان" بخطوات سريعة أشبه بالركض، وحين اقتربا من السلم الداخلي للفيلا كان المشهد واضحًا تمامًا، ولكن حينها كانت "فيروز" تضع كفها على فم "شدوى" بقوة تمنعها من الصراخ، وكلًا من يرى الوضع ظنوا أنها تحاول خنقها، ولكنها في الحقيقة كانت تكتم صوتها الصارخ الذي يثير إزعاجها ويحدث طنينًا قويًا بأذنيها ورأسها.
اقترب "شاهين" وهو يصرخ بالواقفات:
– إنتوا واقفين تتفرجوا؟
وفي اللحظة التالية كان يجذب "فيروز" من ذراعها بقوة لتنهض عن "شدوى" التي علىَ صوت صراخها فور رفع كف "فيروز" عن فمها.
ركضت "نورهان" لـ"شدوى" تساعدها في الوقوف والتي كانت في حالة مزرية، شعرها مشعث ووجهها بهِ خدوش تركت أثرًا واضحًا وشفتيها تنزف دمًا، ليسأل "شاهين" والغضب مسيطر على ملامح وجهه:
– أنا عاوز أفهم حالًا إيه اللي حصل؟ إيه المشهد اللي أنا شفته ده؟
انتوا في بيتي ولا في الشارع!
وهنا انطلقت "شدوى" في بكاء وشكاء لم يتوقف ولم ينقطع وهي تقول ما فعلته فيروز وما لم تفعله، وتضيف نكهات للموضوع بأن "فيروز" لم تحترم المكان الموجودة بهِ ولم تحترم صاحبه، وتداخل معها صوت "نورهان" وهي تحاول أن تهدئ من صراخها بين كل جملة وأخرى وتلقي لومًا على "فيروز" مبررة أنه مهما حدث لا يحق لها أن تستبيح ضرب الأخرى، وتعالى صوت "شاهين" الغاضب وهو ينهر جميع الواقفات لتخاذلهن عن التدخل وفض النِزاع، وفجأة أصبحت الأصوات متداخلة، بكاء شدوى بصوت مزعج… محاولة نورهان أن تهدئها… وصوت صراخ شاهين في الخادمات… ومحاولتهن للتبرير… بين كل هذا على صوت الطنين بأذن فيروز لدرجة شعرت وكأن أحدهم يطرق رأسها بمطرقة، فعلى صوت تنفسها وظلت تحرك رأسها يمينًا ويسارًا كشخص مجذوب قبل أن تصرخ فجأة:
- بــــــس… صوتكم، كفــــــــاية.
وبعد كلمتها الأخيرة ورغم أن الجميع صمت ينظر لها بتعجب واستغراب، كانت تسقط فاقدة للوعي بعد أن فشلت في تحمل الألم الذي أصابها، ركض "شاهين" إليها ليلتقطها من بين أيدي "مستكة" والتي كانت الأقرب لها، فأسندها على صدره وهو يحاول إفاقتها ولا يعلم تحديدًا لمَ فقدت وعيها! ولكن كل المحاولات بائت بالفشل، ليحملها على ذراعيهِ ويصعد بها بعد أن أخبرهم أن يطلبوا حضور الطبيب.
**********
وبمكتب مازن في قسم الشرطة…
جلس مقابلاً لصديقه "أمجد" الذي سأله:
– انا نفسي افهم انتَ هتاخد ايه من كل اللي بتعمله ده؟ يعني نهاية الموضوع ده ايه؟ حتى لو البنت دي قدرة تخلي شاهين يعمل كل اللي انتَ بتخطط له ايه اللي هيحصل بعد كده؟ ما كده شاهين هيغير باسورد الخزنة وهيديها الورق اللي هو عاوز يوصله لك مش الورق اللي انتَ عاوزه!
هز رأسه مؤكدًا على حديث صديقه وهو يقول:
– عارف عشان كده دلوقتي بحاول اخلي فيروز تقرب من شاهين.
نظر له صديقه بعد فهم وهو يسأله بحذر:
– يعني ايه تقرب منه؟
قال وهو ينهض ليصبح أمامه مستندًا على المكتب بجانبه:
– يعني زي ما انتَ فهمتها.
رفع "أمجد" حاجبه غير مقتنعًا بالفكرة وهو يسأله:
– اه طيب ولو قربت منه ايه اللي هيحصل؟
– لو قربت منه شاهين هيثق فيها جدًا وخصوصًا انها من أول محطة باعتني له وقالت له انها متفقه معايا وإن كل ده حوار عامله عليه، فأصلاً شاهين دلوقتي بيثق فيها أو بمعنى أصح في خوفها منه بس بنسبة قليلة قوي، انا بقى عاوز النسبة دي تعلى قوي، كل ما تعلى كل ما فيروز تعرف تجيبلي اللي انا عاوزه، وبيني وبينك حوار الخطوبة ده على هوايا ولصالحي، ويا ريت شاهين يكمل فيه.
هز "أمجد" رأسه شاعرًا بأنه لم يفهم الأمر كاملاً:
– انا ما بقتش فاهمك! في الأول بعتها عشان تجيب ورق، وبعد شويه عايزها تقرب من شاهين، ويا عالم بعد كده تطلب منها ايه تاني؟ يا ترى هي اصلاً هتستحمل الوضع ده هتفضل مكمله ولا ممكن بقى تبيعك لشاهين بجد؟
هز رأسه بضحكة عالية وهو يقول بثقة غريبة:
– مستحيل تعمل كده.
رفع "أمجد" حاجبه ساخرًا:
– يا سلام ايه الثقة دي؟ ليه يعني مستحيل تعمل كده؟
اقترب منه خطوة وهو يضرب اصبعه في جبهة الآخر:
– عشان يا اذكى اخواتك في سببين يمنعوها، أول حاجه انها فعلاً خايفه مني، وخايفه اني انفذ اللي هددتها بيه قبل كده والبسها قضية لو خلعت وما جابتليش اللي انا عاوزه.
– والسبب التاني؟
ابتعد عنه واختفت ابتسامته، أصبحت ملامحه غير مفهومة ابدًا وهو يقول بنبرة غريبة:
– عشان حاسسها معجبه بيا، ويمكن اعجابها ده اللي مخليها مصدقاني في كل حاجه بقولها وواثقة فيا.
نهض "أمجد" ليقف أمامه يسأله بغضب حقيقي:
– هو انتَ كمان بتستغل مشاعرها؟ مش كفاية الفيلم اللي عملته عليها والناس اللي بعتهم يسرقوا الفلوس عشان تكمل لعبتك وتجبرها توافق على اللي انتَ عاوزه!
نظر له "مازن" وقد اغضبه حديثه، ليقول نافيًا التهم عن نفسه:
– ايه اللي انتَ بتقوله ده! انا ما استغلتش مشاعرها لأن اصلاً ما كنتش قصدي اخليها تعجب بيا ولا نيله، كل الحكاية اني لاحظت انها معجبه بيا، اعمل ايه بقى؟ في ايدي ايه اعمله؟ انا لا قلتلها اعجبي ولا قلتلها ماتعجبيش ولا حتى عمري بينت لها اني معجب بيها ولا انها اصلاً في دماغي، وموضوع الفلوس ده خلصنا منه من زمان، قولتلك اني وقتها عملت كده لأني حستها هتتراجع ومكانش عندي حل تاني اقنعها بيه انها تكون معايا في المهمة بعد ما شوفتها مناسبة جدًا لها.
نظر له "أمجد" نظرة مبهمة وهو يسأله سؤال غامض:
– وهي فعلاً مش في دماغك؟
طالعه "مازن" لثواني بصمت قبل أن يرد عليهِ مستهزئًا:
– وهينفع اصلاً تكون في دماغي؟ انتَ شايف كده؟
هز "أمجد" رأسه بلا معنى وقال:
– عمومًا هنشوف.
وتركه خارجًا من المكتب ليغرق "مازن" في دوامة من الأفكار التي لا تنتهي.
******
انتهى الطبيب من فحصها ونهض يخرج لشاهين الواقف بالخارج تاركًا "صفاء" معها بالداخل بعد أن أخبرها بأنها ستفيق في اللحظات التالية.
اقترب منه "شاهين" حين خرج من الغرفة يسأله باستفسار:
– هي ايه اللي حصل لها؟
رفع الطبيب منكبيهِ جاهلًا:
– هو من كشفي ما فيش أي حاجه ممكن تسبب ليها الاغماء، فطالما ما فيش حاجه عضوية، وارد يكون الاغماء ده حصل بسبب ضغط نفسي مثلًا، ولو ماتعرضتش لضغط يبقى تعمل تشيك اب كامل وتحاليل في أي مستشفى عشان تطمنوا اكتر، وعمومًا هي ممكن يكون عندها معلومة لما تفوق، لأن مش كل حاجه احنا بنقدر نعرفها من الكشف، بس كل حاجه تمام وما فيش حاجه مُقلقة حتى مش هكتبلها على أي دوا…
هز "شاهين" رأسه متفهمًا وانسحب الطبيب من أمامه، ليسمع بعدها صوت "شدوى" من خلفه تقول:
– يا ترى بقى هتجيبلي حقي منها ولا اللعبة الخايبة اللي عملتها وانها اغمى عليها حننت قلبك ليها؟
التف ينظر لها بنظرة جامدة وقاتمة وقال بنبرة أقلقتها:
– مش شاهين المنشاوي اللي يتلعب عليه لعب خايبة، وما تحسسنيش إنك مظلومة عشان أنا متأكد مليون في المية إن كل اللي حصل ده انتِ السبب فيه، ده انا عشت معاكِ سنين وعارفك كويس، وعارف ازاي تقدري تستفزي الشخص اللي قدامك وتوصليه لمرحله هو عمره ما توقع انه يوصلها وتطلعي أو ما فيه.
نظرت له مدهوشة وهي تردد بغضب ووجه تلون بالحمرة القاتمة:
– يعني انتَ في الآخر هتقلب الترابيزة عليا؟
رفع كفه ينهي حديثها يهتف بقوة:
– انا مش عاوز اسمع أي كلام دلوقتي في الموضوع ده، لينا كلام تاني بس مش وقته.
وانسحب تمامًا من المحيط كي يعود إلى عمله، وعادت هي لغرفتها ورأسها يشتعل لن تهدأ حتى تأخذ حقها من تلك الحقيرة التي تجرأت عليها.
وبالداخل حين استعادة "فيروز" وعيها ورأت "صفاء" في وجهها أمرتها بغضب أن تخرج من الغرفة فورًا، فهي لم تعد تطيق رؤيتها فحين هجمت هي على "شدوى" اقتربت "صفاء" تبعدها بقوة وأخذت بعدها تلقي محاضره في كيفية التعامل بينهما، ولكن حين حدث العكس لم تأخذ أي رد فعل، وهذا ما عزز غضب فيروز منها ومقتها لها، نهضت تجلس على الفراش تأن بتعب وهي تمسك رأسها بين كفيها، هي تعلم جيدًا تلك الحالة التي تنتابها حين تسمع صوتًا عاليًا أو ضجيج لفترة تزيد عن ثواني معدودة ينتهي الأمر بها مغشيًا عليها من شدة الألم، لكنها قررت في قرارة نفسها أنها لن تسكت وإن حاول "شاهين" أن يُلقي عليها اللوم أو يحملها ذنب وخطأ ما حدث ستعرف حينها كيف تأخذ حقها جيدًا من الجميع، ولن تسمح لأحد أن يحملها خطأ ليس بخطئها فشدوى هي من بدأت وهي لم تكن سوى رد فعل، همست لنفسها وهي تعود للتسطح:
– لا انام شويه مش قادره دماغي هتنفجر عشان اصحى فايقة للغجر اللي في البيت ده.
*********
و في مكان بعيد نذهب له لأول مرة…
فيلا في منطقة نائية بعيدًا عن التجمعات السكنية، لكنها فيلا فخمة ويرتص أمامها الكثير من الحرس والسيارات التي تدل على ثراء صاحبها.
كان قد أغلق الهاتف بعد أن انهى حديثه مع "شاهين" وأخبره بموعد مقابلتهم غدًا، حين دخل عليهِ رجله وذراعه الأيمن "رأفت" والذي قال سائلًا:
– كلمت شاهين بيه؟
ليرفع "نصر" نظره عن الأوراق التي أمامه وهو يجيبه:
– ايوه كلمته، وحددت معاه ميعاد بكره الساعه 12:00 بالليل.
جلس "رأفت" على الكرسي المقابل للمكتب وهو يهمهم قبل أن يقول:
– لسه بردو مش ناوي تقوله انك ابوه!؟ هتفضل مخبي لامتى؟
توقفت يده عن كتابة ما كان يدونه، وتجمدت ملامحه رغم لمعة التأثر بعينيهِ التي رفعها لينظر للجالس أمامه الآن وهو يقول:
– مش يمكن مش ناوي اقوله.
ظهر الرفض جليًا على وجه الآخر وهو يعقب:
– هتفضل عمرك كله حارم نفسك من ابنك وحارمه منك؟
حاول أن يوهم نفسه قبل أن يوهم الجالس أمامه بأنه بخير والحال هكذا أفضل للجميع فقال:
– أنا مش محروم منه، كفاية إني قادر اشوفه واتكلم معاه، اطمن عليه وأأمنه.
ابتسم بتهكم وسخرية وهو يقول:
– بس مش قادر تضمه لحضنك.. كام مره بشوف عينك هتطلع عليه واحسك بتتخيل انك جريت عليه وخدته في حضنك، مش قادر تسمع منه كلمة بابا، مش معقول تكون ناوي تموت حارم نفسك وحارمه من احاسيس ومشاعر كتير حلوة ممكن تعشوها.
زفر بقوة وهو ينتفض من فوق كرسيه واتجه له يقف أمامه يهتف بحزن وغضب في آن:
– بلاش تزود وجعي، انا مش محتاجك تقولي كل ده عشان اخد بالي، الوجع اللي جوايا بيصرخ فيا كل يوم وكل مره بشوفه فيها، واوقات… اوقات بحس اني هنفجر واقوله واللي يحصل يحصل… بس خايف يكرهني وده اللي بيرجعني، خايف يسألني اسئلة معنديش إجابات لها، أو… أو يلومني وميقتنعش بمبرراتي.. خايف اسمع منه جملة "انتَ فضلت نفسك عليا، وضحيت بيا عشان نفسك".. خايف من حاجات كتير اوي اقوى من رغبتي في اني اخده في حضني.
هز "رأفت" رأسه بحزن وحيرة، هو يفهمه لكن الوضع القائم لا يجب أن يستمر، ينبغي أن ينتهي يومًا ما، أن يكشف الستار عن ما خلفه، والحقائق التي دفنت من سنوات يُعاد النبش بها، فلا حقيقة تبقى مدفونة للأبد…
– مفيش سر بيتدارى للأبد ومليون في المية بييجي يوم ويتكشف،
ولو اكتشفه من حد غيرك هيبقى موقفك معاه صعب أوي.
ضرب الأرض بقدمه عدة مرات بوتيرة ثابتة ورفع رأسه للأعلى يأخذ نفسًا قويًا متمتمًا بعدها بقلة حيلة وعجز:
– يا رب...
نهض "رأفت" يقترب من "نصر" وهو يربت على كتفه من الخلف قائلًا بمواساة ونصح:
– صدقني يا نصر باشا إن شاهين بيه يعرف إن أبوه عايش حتى لو كان فيها صدمة له، ولو كان هيبقى في خلافات ما بينك وما بينه، وهتتعب شوية لحد ما يسامحك، أحسن مليون مرة من إحساسه باليتم وإن ضهره مكشوف.
التفت له يقول:
– أيوه بس ممدوح كان طول الوقت معاه، كنت دايمًا بعرف من مصادري إنه بيتعامل معاه كويس جدًا وفعلًا يعتبره زي ابنه وعمره ما قصر معاه وزي ما أنت شوفت في آخر مرة لما كان شاهين هيتأذى ولحقه ممدوح برجالته.
هز "رأفت" رأسه بعدم اقتناع:
– هو أه يمكن يكون بيتعامل معاه كويس وبيحميه، بس أنت قلتها بيعتبره زي ابنه يعني عمره ما يكون ابنه حقيقي، وعلى فكرة أنا متأكد مليون في المية إن كل اللي بيعمله ده ورا مصلحة، ما هو يعني ما تقنعنيش إن في حد هيعمل كل ده حبًا في ابن مراته، خصوصًا بقى إن ممدوح عنده ابن ومخلف يعني حتى مش محروم من خلفة عشان نقول بيعوض حرمانه فيه.
هز "نصر" رأسه مؤكدًا على حديثه وهو يقول:
– ممدوح مش بيعمل ده حبًا في شاهين وبس، ممدوح عارف قوة شاهين وعارف إنه طول ما شاهين عايش وموجود ما بينا واسمه موجود في شغلنا فهو حماية له، يعني تقدر تقول ممدوح بيستند على اسم شاهين وعلى قوته في شغل السلاح.
هز "رأفت" رأسه بأسف وهو يقول:
– مش متوقع رد فعل شاهين بيه لما يعرف إن البيج بوس لشغلنا هنا في مصر يبقى أبوه.
ببسمة ساخرة أكمل بنبرة ظهر عليها الجمود الذي يخفي خلفه الألم:
– شغلنا اللي بسببه اتحرم من أبوه العمر كله، واللي بسببه برده أمه ماتت بعد ما ممدوح قتلها لما عرفت إنه شغال في السلاح...
رواية فراشة في سك العقرب الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ناهد خالد
" ما أصعب أن تحضنك عيني دون أن يفعل جسدي، وأن يحبك قلبي دون أن ينطق لساني ،
أن يركض إليك عقلي راغبًا في البوح بالكثير وأنا في الحقيقة ما زلت ثابتًا في مكاني..
فلا الظروف تسمح ولا الوقت يناسب"
بعد ثلاث ساعات كانت قد استيقظت "فيروز" من نومها على صوت دقات فوق باب غرفتها،
فنهضت تفرك عينيها بكسل سائلة عن هوية الطارق،
لتعرف أنها "مستكة" فأذنت لها بالدخول،
دلفت الأخرى وهي تقول:
_ أنا قلت اشوفك قبل ما أخلص وأروح..
سألت "فيروز" وهي تجلس فوق الفراش:
_ أنتِ الشفت بتاعك خلص؟
أومأت برأسها مجيبة:
_ ايوه فاضل نص ساعة وهمشي.
ثم نظرت إليها بفضول واضح وهي تسألها بأعين ضيقة:
_ هو أنتِ ايه اللي حصلك؟ ايه اللي خلاكِ صرختِ فجأه ووقعتِ كده؟
توترت نظرات "فيروز" وهي تبعدها عنها وتقول مبررة:
_ ما حصلش حاجه، أنا بس حسيت بضغط مع الصريخ الكتير و لما الزفته دي هجمت عليا فجأه فزعتني، وبيني وبينك بقى أنا اصلاً كنت بهرب من الحوار ده كله.
و "فيروز" لا تبين نِقاط ضعفها لأحد،
فمستكة اليوم حليفتها ولكن في الغد لربما تصبح عدوتها،
وعليهِ فلن تعطيها سلاحًا تستغله ضدها فيما بعد،
وهذا ما علمه لها العمل في الشارع وسط مختلف البشر،
ووسط أشخاص إن رأوك مهزوزًا سيقضون عليك بلا رحمة.
سألتها "مستكة" بتعجب:
_ بتهربي إزاي يعني؟
اجابت "فيروز" بثبات مصطنع:
_ يعني… حسيت إن الموضوع كده هيقلب عليا خصوصًا مع رجوع شاهين فجأه رغم إن ده مش ميعاد رجوعه خالص،
وكمان لما جه شاف إن أنا اللي بضربها،
ولما حب يسأل راح يسأل الحيزبونه اللي اسمها صفاء اللي هي أصلاً من حلفاء الصفرا التانيه،
حسيت ان الدنيا هتعك على راسي فقلت اهرب من الموضوع بأي حاجه.
اتسعت أعين "مستكة" بصدمه وهي تسألها:
_ يعني أنتِ كنتِ بتمثلي؟
"لا حرج من بعض الكذب" هذا ما رددته "فيروز" في عقلها وهي تستكمل كذبتها على مستكة:
_ اه اومال يعني هكون وقعت ليه هو كان حد لمسني أصلاً!
حركت "مستكة" رأسها مقتنعة بحديثها وقالت:
_ وأنا برده قلت كده، استغربت قوي يعني ما حدش جه ناحيتك.
تمادت "فيروز" في كذبتها وهي تقول:
_ أنا بس حسيت إني في ضغط والدنيا قربت تتقلب عليا،
فجه في دماغي الحوار ده فعملت نفسي اغمى عليا والحمد لله الموضوع عدى على خير.
سألتها "مستكة" مستنكرة:
_ وأنتِ تفتكري أن شاهين بيه مش هيفتح الموضوع تاني!
رفعت منكبيها جاهلة وهي تقول:
_ ما اعرفش بصراحه إذا كان هيفتحه ولا لأ،
بس يعني حتى لو فتحوا أنا دلوقتي هديت وهقدر أفكر وأرد عليه كويس في أي حاجه هيوجهها ليا.
عقبت "مستكة" قائلة:
_ بس أنتِ لو عاوزه رأيي فأنتِ زودتيها قوي مع شدوى،
بصراحه اللي في وضعك أصلاً ما ينفعش أنه يكسب عداوة حد،
يا بنتي ده أنتِ المفروض كل اللي في البيت ده تاخديه تحت جناحاتك وتضميه لصفك،
أنتِ أكيد مش ناقصه ناس تقلب عليكِ ويبدأوا يخططولك عشان يوقعوكِ في مشاكل،
لأ ويركزوا معاكي وساعتها ممكن يكتشفوا اللي شاهين نفسه ما اكتشفوش،
وهتبقى وقعتك سودا..
توترت "فيروز" وهي تنظر لها قائلة بضيق:
_ الله! أنتِ هتقلقيني ليه بقى.
ربطت "مستكة" بكفها على فخذ الأخرى وهي تجيبها:
_ أنا مش بقلقك.. أنا بقولك الصح،
شدوى لو حطيتك في دماغها وبدأت تنبش وراكي أنتِ عندك كتير قوي اللي يوقعك،
فأنا من رأيي تحاولي تتجنبيها على قد ما تقدري،
وحتى لو عملت معاكي حاجه غلط اعملي نفسك مش سامعه،
خلي الشغلانه السودا دي تعدي على خير.
حركت رأسها بمعنى أنها توافق على حديثها:
_ هحاول و ربنا يستر.
نهضت "مستكة" وهي تقول:
_ طيب همشي أنا بقى أروح ولما اجيلك بكره الصبح ابقي احكيلي لو في حاجه حصلت لما شاهين بيه يرجع.
ضحكت "فيروز" تسألها:
_ أنتِ ليه بتقولي بيه وهو مش موجود ومحدش سامعك!
ضحكت "مستكة" هي الأخرى وجعدت ملامحها بخوف مصطنع:
_ والله يا ختي ماعرف،
الراجل ده له هيبة كده حتى لو مش موجود،
اول ما اسمه بييجي قدام الواحد جتتي بتتلبش واحس إني عامله مصيبة والاقي نفسي بتكلم عليه بكل احترام،
وبعدين عشان بردو لساني ميتعودش اقول اسمه من غير بيه واجي اغلط قدام ام اربعة وأربعين.. قصدي صفاء الحيزبونه زي ما قولتي من شوية.
ضحكت "فيروز" بشدة على طريقتها وحديثها،
لتهز "مستكة" رأسها ضاحكة بقلة حيلة وتحركت خارجه من الغرفة
تاركة "فيروز" تفكر جديًا في حديثها وفي كونها لابد وأن تتجنب "شدوى" قدر المستطاع
كي لا تجلب لنفسها متاعب أخرى فلديها ما يكفي ويفيض!
وفي تمام الثانية عشر منتصف الليل….
كانت سيارة "شاهين" تقف أمام فيلا "نصر العقاد" الأسم الذي ذاع صيته في مجال عملهم
وأصبح من أهم وأكبر الأسماء التي يهابها الكثير ويضع لها ألف تقدير وحساب.
دلف "شاهين" لداخل الفيلا بعدما استقبله الخادم واجلسه في غرفة مكتب "نصر"،
فجلس ينتظر قدومه حتى سمع صوت الباب يُفتح وبعدها يدلف هو، وهو يقول:
_ أهلاً يا شاهين نورت.
نهض "شاهين" ليقف قباله ويمد كفه يتصافحا بينما يقول بهدوءه المعتاد:
_ ده نورك يا نصر باشا.
كان ينظر إليه الآن وحديث "رأفت" يرن بأذنيهِ عن كونه قد حرم عليهِ وعلى ابنه مشاعر يهفو كليهما إليها،
ورغم عنِاده مع "رأفت" وإخباره أنه بالعكس لا ينقصه شيء وولده كذلك،
فهو الآن ينظر له بأعين تخفي الكثير من الشوق والحب،
والرغبه في جذبه لأحضانه وبعدها يحدث ما يحدث فلا يهم،
المهم أن يهدأ قلبه الذي يهفو إلى وليده وتهدأ ثورة مشاعره التي تحثه على الاقتراب دون حدود،
لكنه تمالك نفسه وهو يقول بعتاب ليس معتادًا بين رئيس العمل والمرؤوس:
_ ما جيتش يعني تزورني من وقت آخر مشكلة حصلت في المينا،
وكأن زيارتك ليا ما بتكونش غير لمصلحة أو لو في كارثه حصلت في الشغل.
سحب "شاهين" كفه في هدوء وهو يقول مجيبًا:
_ لأ الحكاية مش كده،
بس المره اللي فاتت لما جيت كان عشان انبهك إن في حد من رجالتنا خاين وبلغ الناس في المينا عن الشحنة،
من بعدها وكان في كذا شحنة داخلين وأكيد سعادتك عارف بتاخد قد ايه ترتيبات ومجهود عشان تدخل وتوصل لمخازنا بسلام وتتوزع كمان،
كل الحكايه إن الشغل كان كتير لكن أكيد حابب أزور سعادتك من غير ما يكون في مشاكل في الشغل.
استعاد "نصر" نفسه بصعوبة وهو يشير له للجلوس وجلس على الكرسي المقابل له تاركًا كرسي مكتبه فارغ،
وهذا لا يحدث سوى مع "شاهين"،
ابتسم له وهو يقول بإعجاب بشخصيته:
_ دبلوماسي أنتَ يا شاهين وده بيعجبني فيك، قلي بقى تشرب ايه الأول؟
وقبل أن يجيب "شاهين" كان "نصر" يرفع كفه وهو يقول مازحًا:
_ اتمنى تغير القهوة المظبوطة بتاعت كل مره.
مازحه "شاهين" في هدوء وهو يقول:
_ خلاص نخليها ساده.
ضحك "نصر" هازًا رأسه بيأس، قبل أن يقترح بلهفه وأمل في أن يوافق شاهين:
_ طب ايه رأيك اخليهم يحضروا العشاء على ما نخلص كلام؟
تحكم "شاهين" في مشاعر استغرابه وتعجبه من أفعال نصر معه،
وسؤال واحد يتردد في ذهنه،
هل الرجل الجالس أمامه بكل هذا التواضع والأريحية في التعامل؟
فتعامله بعيدًا تمامًا عن تعامل أي شخص في عملهم،
ما بالك وهو صاحب العمل نفسه!
لكنه تجاوز استغرابه وهو يضع كفه على صدره في حركة شكر وقال:
_ تسلم يا باشا والله، بس أنا ما بتعشاش.
انعقد جبين "نصر" بإحباط وحاول معه مرة أخرى مبتسمًا:
_ طب يعني حتى مش هتكسر القاعده دي عشاني!
وجملته ازادت شاهين استغرابًا تجاوزه كسابقه،
وابتسم بدبلوماسيته واجاب:
_ معلش مش هقدر.. ممكن نخليها غدا المره الجايه إن شاء الله.
تنهد "نصر" باستسلام وهو يتخطى الموضوع كي لا يلفت نظر "شاهين" لشيء وقال:
_ طيب براحتك.. هطلبلك القهوه بتاعتك.
وبعد أن طلب قهوته المعتادة، نظر له وهو يسأله:
_ قولي لسه أخوك بينخور وراك ؟
حرك رأسه بلا مبالاة وهو يقول:
_ خليه يتسلى، هو كده كده مش هيوصل لحاجه.
ابتسم "نصر" في مكر وهو يسأله:
_ طب وحكاية البت اللي عندك في البيت هنعتبرها تسلية بردو؟
لم يتفاجئ "شاهين" ابدًا بالعكس رفع حاجبه الأيسر وهو يجيبه في ثقة:
_كنت متأكد إنك هيكون عندك خبر بيها،
عمومًا اطمن ما تشغلش بالك،
أنا ومازن بنلاعب بعض هو واخد الموضوع جد وانا اديني بتسلى،
حاكم أنا بحب الألعاب دي قوي … بتضيع وقتي وفي نفس الوقت بتحسسني بمتعه،
متعة الانتصار بعد كل جولة…
ربط "نصر" على ركبته بكفه بقوة وهو يقول:
_ وأنا واثق فيك،
عشان كده لحد دلوقتي أنا ما ادخلتش بأي طريقة مع أخوك،
أنتَ عارف كويس إني لو ادخلت مش هيبقى في لعب بعدها،
أنا مقبلش إن يبقى في شخص مهدد حياة راجل من رجالتي.
وجملته الأخيرة كانت تبريرًا لحدته التي لم يقصدها وتبديدًا لأي شكوك قد تُثار بداخل شاهين..
تجمدت ملامح "شاهين" لوهلة قبل أن يعقب:
_ مفيش داعي لتدخل سعادتك، الوضع تحت السيطرة.
هز رأسه مقتنعًا بحديثه وقال:
_ وأنا متأكد من ده،
ده أنتَ العقرب.. بس بقلق لحبك لأخوك يخليك تسيبه يضيعك.
أُظلمت نظرات "شاهين" لتظهر عيناه الآن مقتبسة من أعين صاحب اسمه،
فباتت تشبه أعين الصقر تمامًا الذي رأي عدو يقترب منه في استعداد لأذيته:
_ أنا بحبه اه،
لكن مهما كان حبي له فأنا أكيد بحب نفسي أكتر ومش هسمحله يوقعني،
بالمناسبة بما إن سعادتك مسبقش ليك التقابل معاه وجه لوجه،
فأيه رأيك لو تشرفنا وتحضر حفلة عاملها بكره في فندق ****.
سأله مستغربًا:
_ بمناسبة ايه؟
_ الحفل السنوي لشركة العقرب، وغالبا كل رجال الأعمال هيكونوا موجودين.
هز رأسه مرتان ثم قال:
_ هشوف جدولي بكره لو مناسب هحضر أكيد.
وبداخله بالطبع سيحضر، فهو لن يضيع فرصة يرى فيها شاهين ليوم إضافي.
صمت لثواني ثم قال:
_ تمام خليني بقى اكلمك في اللي أنا طلبتك عشانه،
في شوية تعديلات هتحصل الفتره الجاية في شغلنا لازم نتفق عليها عشان تبقى كل حاجه واضحه.
وبدأ يوضح له طبيعة التعديلات وأن سبب إجرائها هو زيادة أمان وحيطه أكثر،
كي لا يستطيع أحد إدانتهم بشيء.
بقصر العقرب..
كانت جالسة في غرفتها تتصفح مواقع التواصل الإجتماعي بملل حين أتتها رساله من أحد التطبيقات،
لتنتفض جالسة فجأه وقد اتسعت عيناها بذهول حين أبصرت إسم صاحب الرساله
والذي لم يكن سوى معاذ!
فتحت الرسالة لتجد مضمونها
"الصورة اللي نزلتيها من شوية حلوة قوي بس لو تسمحيلي شايف إنها مش مناسبه تنزل على فيسبوك"
ظلت تنظر للرساله بتوتر بالغ واستغراب في نفس الوقت،
فمعاذ لم يفعل هذا ابدًا من قبل،
ولم يبعث لها برسالة أو حتى تعليق على أي منشور لها،
هم فقط مجرد أصدقاء على تطبيق التواصل الاجتماعي فيسبوك
ولكن لم يتم التواصل بينهما بأي طريقه كانت،
وبعد عدة ثواني استطاعت أن تتمالك نفسها وردت سائله:
" وليه يعني ما ينفعش تنزل على فيسبوك! هو أنتَ شايف إن الصوره فيها حاجه مخله؟"
أتاتها رسالته سريعًا:
" أكيد مش قصدي كده،
بس تطبيق الفيسبوك ده للناس كلها أي حد ممكن يشوف صورتك دي سواء بقى الشخص ده يعرفك او لأ،
بصراحه دي حاجه مش كويسه خصوصًا البنات،
يعني ولد ممكن يشوف الصوره دي صدفه حتى لو هو مش من أصدقائك ويقعد يتأمل فيها وفي تفاصيل جسمك فهي بصراحه شيء مش لذيذ"
ظلت تنظر لرسالته لبعض ثواني وهي تعيد قراءتها مرارًا وتكرارًا
وشعرت بأنها اقتنعت بحديثه ولكنها أبت أن تظهر هذا فردت:
" احنا مش مطالبين إننا نتقيد بتصرفات الآخرين يعني،
أنا مثلاً لو جت قدامي صورة شاب أنا ما أعرفوش صدفة أكيد مش هقف أتملّي في ملامحه زي ما أنتَ بتقول، لأن ده مش من حقي، لكن لو ده حد تاني عمله زي ما أنتَ بتقصد فأنا كشخص منزل صورة لي مش ملوم ابدًا.
"لا على فكرة أنتِ لما نزلتِ صورتك على موقع فأنتِ عارفة كويس قوي أنه بابليك وأي حد يقدر يشوف الصورة دي، فأنتِ اللي مش من حقك تتحكمي في الناس مين يقف يتأمل الصورة ومين يعديها كأنه ما شافهاش، عارفة دي عامله زي إيه؟ سوري يعني لو التشبيه هيكون مبالغ أو فج شوية، بس أنتِ أكيد هتفهمي قصدي، ده بالظبط عامل زي واحدة نزلت من بيتها لابسة بدلة رقص ولما كل الناس اللي في الشارع بصوا عليها قالت مش من حقهم إنهم يبصوا، رغم إن هي اللي سمحت لهم بكده إنها نازلة في الشارع ما طلعتش على سطوح بيتهم مثلاً!"
بعدما قرأت الرسالة شعرت بأن تشبيهه فج كما قال، فردت رافضة:
"أنتَ بتشبه إيه بإيه؟ أنا فاهمة إنك عاوز توصل الرسالة، بس لأ طبعًا ما ينفعش تشبه حاجة زي دي بإني أنزل صورة عادية على فيسبوك، يعني معنى كده إن أي حد بينزل صور على فيسبوك يبقى منزلها للعرض!"
"لأ طبعًا أنا ما قلتش كده، بس لازم لما تيجي تنزلي صورة على تطبيق الناس كلها هتشوفها تراعي الصورة اللي هتنزلي، يعني تكون مش مبينة ملامحك قوي، أو مش مبينة تفاصيلك، مش مبينة جسمك ودول أهم من الملامح على فكرة، لأن على الأغلب ما حدش بيركز في صورة شافها في التايم لاين عشان ملامحها، يعني الملامح مش هي اللي بتلفت الانتباه."
فهمت قصده فردت بتحفّظ:
"طيب اللي منزلاها مالها ده حتى الصورة من بعيد وملامحي مش باينة قوي."
وأتتها رسالته التي جعلت حمرة الإحراج والخجل تضرب وجهها كأنه يجلس أمامها.
"ما هو المشكلة إنها مش مبينة الملامح بس مبينة حاجات تانية بما إنها من بعيد."
وفورًا خرجت من تطبيق الرسائل لترى الصورة مرة أخرى وحين دقّقت بها فهمت قصده، فالصورة بالفعل تبيّن انحناءات جسدها بشكل واضح، خاصةً مع ذلك البنطال المجسّم والكنزة القصيرة لحد ما وعارية الذراعين، ورغم أن هذه طريقة لبسها في الطبيعي وأن ما ترتديه في الصورة خرجت به للشارع ولعملها وألف عين رأتها، ولكن إن تكُن صورة بين يديكَ تسمح لك بتفحّص كل جزء بها فهو أمر مخالف لنظره عابرة تلقيها وأنتَ تمر بالجوار.
وفجأة وجدت نفسها تضغط على حذف الصورة وبعدها أغلقت الهاتف ووضعته بجوارها ووضعت كفها فوق قلبها حين أتتها رسالة أخيرة منه تتضمن كلمة واحدة.
"شاطرة."
ورغم أنها كلمة لا تعني أي شيء، ولا تثير أي مشاعر، لكنها جعلت قلبها الأحمق يدق بشدة، فهو يهمه أمرها! ويراقب أفعالها حتى وإن لم يظهر في الصورة من قبل!
***************
يوم جديد يحمل بين طياته الكثير يحمل…
أحداث هادئة للبعض..
أحداث مقلقة للبعض الآخر..
وأحداث كارثية لبعضهم….
خرجت من غرفتها التي ظلت عاكفة بها اليوم السابق، فهي لم تخرج منها إلا مرتين، أولهما حين أرادت تناول الطعام وكانت تعلم بأنه غير موجود في المنزل، والثانية قرب منتصف الليل بعدما سمعت صوت سيارته تغادر المكان، وفي المرتين كانت حريصة على أن تسرع بما تريد فعله قبل أن يأتي، فهي لا تريد مواجهته معه رغم أنها تعلم أنها آتية لا ريب، ولكنها تحاول تأجيلها بقدر استطاعتها.
وها هو اليوم لا مفر من المواجهة، فاضطرت أن تحضر الإفطار المقدس كي لا يفوتها مثل أمس وتحدث مشكلة جديدة، نزلت درجات السلم بعدما ارتدت بنطال من "الجينز" الأبيض وكنزة صيفية من اللون الأصفر تصل لبداية البنطال من قماش "الشيفون المبطّن" وحذاء أبيض، وربطت شعرها من الأعلى تاركة الجزء المتبقي منه ينسدل على ظهرها، اقتربت وهي تلقي تحية الصباح بعدما وجدت الجميع حول الطاولة، وجلست دون أن ترفع نظرها لأيًّا منهم، ولكنها بعد ثوانٍ سمعت صوته يقول بنبرة جامدة أسرت خوفًا في عروقها:
_ بعد ما تخلصي فطار عاوزك في مكتبي.
وقبل أن ترفع نظرها له سمعت صوت "شدوى" الثائر:
_ يعني إيه عاوزها في مكتبك؟ أنتَ ناوي تحاسبها على اللي حصل إمبارح بينك وبينها؟ أومال هتجيبلي حقي منها إزاي؟؟!
نظر لها بجانب عينيهِ بنظرة حتى قاسية وهو يقول:
_ أنتِ ليه بتتكلمي كأنك بريئة فعلاً! أنا لسه ما عرفتش إيه اللي حصل إمبارح، ولا حدّدت مين اللي له حقه ومين اللي عليه.
لم تهدأ وهي تقول:
_ إيوه يعني برضو هتكلمها بينك وبين…..
قاطعها بحدّة واضحة:
_ شدوى مش عاوز كلام في الموضوع، أنتِ مش هتعلميني أعمل إيه وما أعملش إيه!
ابتسمت "فيروز" بشماتة وهي تضع وجهها في طبقها كي لا يلاحظ أحد ابتسامتها، وتدخلت "نورهان" وهي ترى الوضع يتصاعد بينهما:
_ خلاص يا شدوى اهدي ما يصحش كده تيم قاعد، وأنتَ يا شاهين هدّي نفسك شوية.
نظر "شاهين" لتيم الذي ينظر إليهما في قلق ليمسد على ظهره بحنو، وهو يقول مبتسمًا:
_ إيه رأيك لو خلّصت الساندويتش بتاعك كله هلعب معاك كورة.
تخلّى الصغير عن قلقه من المشادّة التي شاهدها للتو وهو يبتسم بفرحه قائلاً بحماس:
_ بجد هتلعب معايا؟ بقالنا كتير ما لعبناش كورة سوا.
عبث بكفه في شعر الصغير وهو يقول آسفًا:
_ معلش يا حبيبي الفترة اللي فاتت كان عندي شغل كتير، بس أوعدك لو خلّصت الساندويتش بتاعك نلعب مع بعض كورة كتير لحد ما تزهق.
هزّ الصغير رأسه عدّة مرات بحماس قبل أن يتوجّه لالتهام طعامه متحمّسًا للعب مع والده فور انتهائه.
تابع الجميع تناول الطعام في صمت تام حتى كان "شاهين" أول الناهضين وهو يقول مناديًا على "صفاء":
_ دخّليلي قهوتي على المكتب.
ووجّه حديثه لفيروز بعدها:
_ لما تخلصي أكلك حاضريني.
ثم نظر لتيم الذي ينظر له بقلق من أن يكون قد رجع في وعده له وقال مبتسمًا:
_ هخلّص قهوتي وأتكلم مع طنط فيروز شوية على ما تكون أنتَ خلّصت أكلك عشان ناوي أقطّعك جوال.
ابتسم الصغير ابتسامة واسعة وهو يومئ له بحماس، فانسحب "شاهين" من الأجواء تحت نظرة "فيروز" له المتعجّبة كيف يبدّل حاله بين ثانية وأخرى! فيتعامل بقوّة وحزم وجدّية ثم حنًى مع الصغير! تنهّدت بحيرة وحقًا "شاهين" هذا لغز كبير بالنسبة لها لم تستطع حلّ جزء فيه، حرّكت عينيها لتتقابل نظرتها مع "شدوى" التي تنظر لها بأعين تطقّ شرارًا، فلم تستطع أن تفي بوعدها لمستكة بأن تتجنّبها، والقَتْ إليها ابتسامة مستفزّة، كأنها تخبرها بألا تحلمي بالانتصار، فالغلبة دومًا ستكون لي وهذه أول جولة.
*********
انتهوا جميعًا من تناول الطعام، وكانت آخرَهم "فيروز" لحضورها إيّاه متأخّرة عنهم، بعدما انتهت شربت كوب ماء كامل وهي تستعدّ لمواجهة العقرب الغاضب بالداخل، وأخذت نفسًا قويًا تهدّئ ذاتها كي تستطيع الردّ على أي تهمة سيوجهها لها، نهضت عن الطاولة متجهّة لمكتبه ولكنها لفت انتباهها جلوس "نورهان" على كرسي منزوي قليلاً يطلّ على الحديقة الخارجية، كانت ستتجاهلها لولا أنها سمعت شهقة بكاء خافتة تخرج منها، اتجهت لها لترى شاشة هاتفها وتحتلّها صورة شقيقها "مازن"، وضعت كفّها فوق كتفها لتنتبه لها:
_ اللي يشوفك وأنتِ بتعيطي وباصّة في التليفون يقول بتشوفي صورة حبيبك اللي افترقتي عنه مش أخوكِ.
مسحت "نورهان" دموعها وهي تقول:
_ أول مرّة أبعد عن مازن المدّة دي كلها، أول مرّة أقعَد كذا يوم من غير ما أشوفه، كان آخر يومين لو عنده مأموريّة، حاسّة إن في حاجة كبيرة أوي ناقصاني.
نظرت "فيروز" للصورة بأعين لامعة وهي تقول:
_ حلوة أوي علاقتك بأخوكِ وحبّك له ما شاء الله، وهو يستاهل حبّك ده.
طالَعَتْها "نورهان" لثوانٍ بصمت، لتنتبه لـ"نورهان" لنفسها فتبعد عينيها بتوتر عن الهاتف، ولكنها صُدِمَتْ حين سمعت "نورهان" تقول:
_ أنتِ حبيتِي مازن؟
نظرت لها بتوتر واضح وهي تسألها:
_ ليه بتقولي كده؟
قالت "نورهان" بحيرة:
_ المفروض إنك بتحبي شاهين، ومازن وقَعْ بينكُمْ، واستغلّ ده وقرّب منك وكان هيتجوزك، لكن لما عرفتِ الحقيقة سبتِيه ورجعتِ لشاهين.. لو محبتِيش مازن مكنتِيش هتقولي دلوقتي إنه يستاهل حبّي له، ولمعة عينك وأنتِ بتبصّي لصورته بتقول إنك بتحبِيه..
_ أ… أنا.. مش..
قاطَعَتْها "نورهان" وهي تقف أمامها ممسكة بكفّيها تقول:
_ لو بتحبي مازن بلاش تعاندي نفسك وتبعدي عنه، هو أه غلط لما وقَعْكْ بينك أنتِ وشاهين، لكن كل إنسان منّا بيغلط، وأنا شوفت حبّه ليكِي لما جابك ليّا عشان تتعرّفي عليّا، لو بتحبِيه بلاش توهّمي نفسك إنك لسه بتحبي شاهين، مش شرط أصلاً تكوني لسه بتحبي شاهين، ممكن لما اتعاملتِي مع مازن حبّيتِيه واكتشفتِي إنك نسيتِي حبّك لشاهين.. وده مش عيب ولا غلط، الغلط بجد لو استمرّيتِي واهمّة نفسك إنك بتحبي شاهين وعينك بتروح على مازن غصب عنك.
وحديثها كان يفعل الكثير في فيروز، فها هي "نورهان" من مجرَد ثوانٍ اكتشفت حبّها لمازن ولاحظَتْه، حبّها الذي كانت تدركه ولكنها تتأرّجح أحيانًا من صدْقِه أو زيْفِه، والآن تأكّدَتْ أنه حقيقة مؤلمة، بالطبع مؤلمة فهي موقِنة أنها لن تجني منه خيرًا.
طالَ صمتُها حتى قالت:
_ أنا هروح أشوف شاهين.
وهربت منها تحت نظرات نورهان المشكّكة بأمرها والتي تدعو ألا تكون "فيروز" وقيعة جديدة بين أخوَيْها..
************
فتحت باب المكتب ودَلَفَتْ تنظر للمكتب لتجده فارغًا، وفور تخطّيها للباب وقبل أن تتفحّص أرجاء المكان كانت تشهق بخوف وهي تجد من يجذبها ويدفعها بقوّة لتستند على الباب الذي أُغلِقَ بعنف جرّاء اصطدامها بهِ و"شاهين" يقف أمامها لا يفصِلُهُ عنها سوى بضع سنتيمترات وملامحه غير مبشّرة بخير أبدًا وقال بفحيح مرعب أثَارَ الفزَعَ فيها:
_ مجاوبتِيش نورهان… بتحبي مازن؟
ارتفع تنفّسُها وعلى وجِيبِ قلبِها وهي تنظر له فقط بفزَعٍ وكأن لسانَها قد عُقِدَ…!
رواية فراشة في سك العقرب الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ناهد خالد
"من القى بنفسه من على سفح الجبل وظن بأنه سينجو فهو أحمق كبير, فالمراهنة هنا تكون على القدر, ومن يستطيع أن يراهن على القدر ويخرج رابحًا!"
مع نظراته ومحاصرته لها وتحت فحيح نبرته كانت تزداد خوفًا منه, هي لا تفهم بإيه عليها أن تجاوب؟
ولكن مع اشتداد قبضته عليها ورؤيتها له أنه لا يتراجع خطوة واحدة كان عليها الرد فقالت بنبرة مهتزة:
– هي هتفرق معاك حبيته ولا لأ؟
اشتد قبضته على ذراعها القابض عليه بقوة أكبر قائلاً من بين أسنانه كأنه لا يقبل التفاوض في الأمر أو المراوغة:
– جاوبي على **** السؤال.
اتسعت عيناها بصدمة مع سماعها للسبة النابية التي صاحبت قوله, وهنا لم تستطع الصمت وهي تعقب بضيق حقيقي:
– لو سمحت ما تنساش إنك بتتكلم مع بنت ما يصحش تقولي ألفاظ زي دي.
ورغم أنها في تعاملها مع البشر في مجال عملها قيل لها ألفاظ أقبح من ذلك, وسمعت كلمات بالفعل خادشة للحياء, لكن لا ترى "شاهين" يليق بهذه الألفاظ أن ينطقها من الأساس, فأصحاب هذه الطبقة هي تراهم في مستوى معين من حيث اللبس, وطريقة التعامل, وحديثهم بما فيه من كلمات مُختارة, رفع جانب فمه ساخرًا من حديثها البعيد تمامًا عن إجابة سؤاله, وهَدَّر بها في ضيق وغضب:
– اخلصي..
ضجرت ملامحها بشدة وهي تجيب كي تخلص منه:
– عاوزني أجاوبك أقولك إيه؟ ما أنتَ عارف اللي فيها, أحبه إمتى وأنا أصلاً كل اللي ما بيني وما بينه مصلحة.
ابتعد خطوتين وترك ذراعها أخيرًا والذي شعرت بأنه مُخدر من قوة الألم وقال بنبرة مهددة:
– يبقى أحسنلك بردو.
قطبت ما بين حاجبيها متعجبة وهي تسأله:
– ممكن أعرف أحسنلي ليه؟ وهيفرق معاك في إيه أصلاً إذا كنت أحبه ولا لأ؟!
ابتسامة ساخرة زينت صفحة وجهه الباردة وهو يجيبها:
– هتفرق في إنك لو حبيتيه ساعتها أنا لازم أقلق مِنك, عشان أكيد ساعتها هتغدري بيا وبتفشّي اتفاقنا عشان حبيب القلب, وتبدأي تشغلي دماغك معاه عليا, وأنا ما بحبش اللي بيشغل دماغه, أما بقى أحسنلك في إيه, فأحسنلك عشان أنا لو شكيت مجرد شك إنك بتحبيه أو بتفكري تلعبي معايا ساعتها أنا كمان هلعب معاكي, بس أنا بقى لعبتي بتكون الأخيرة, لعبة هتسفرك بعيد…. لعالم عمرك ما شفتيه.
انقطع الهواء عنها لبعض ثواني وهي تفهم مغزى جملته جيدًا ولا يتردد سوى شيء واحد بعقلها, ماذا سيفعل بها إن علم الحقيقة؟ ماذا سيكون مصيرها معه إن علم بخططها مع مازن؟!
ابتلعت ريقها بصعوبة شديدة وتحركت لتبتعد عن الباب وعن محيطه تقف في منتصف الغرفة, وهي تنفض شعرها للخلف قائلة بثبات واهي:
– كل واحد ونيته بقى, وأنا مش محتاجة تهديدك, بلاش تحسسني إني هنا بعمل كل حاجة غصب عني, أنا لما قلتلك على خطتي مع مازن وحكيتلك على الحقيقة كنت عارفة إني بكده هكون في صفك أنتَ ضد مازن, ومع ذلك وافقت, إيه اللي هيخليني أرجع في كلامي!
تحرك ليتجه لكرسي مكتبه ويجلس فوقه بكل هيبة لم تستطيع إنكارها وقال بهدوء مخالف تمامًا لِما كان عليه منذ قليل:
– كلام حلو بس المهم الفعل, اقعدي عشان أكلمك في الموضوع اللي جبتك عشانه.
جلست بعدما استعادت بعض ثباتها ناظرة للأمام دون أن توجه نظرها له, فهو الآن يربكها:
– اللي حصل بينك وبين شدوى مش عاوزة يتكرر تاني.
نظرت له وهي تسأله مستغربة:
– أنتَ مش قلتلي قبل كده اتعاملي معاها! وإيه حوار يبقى بيني وبينها.
حرك رأسه بحركة رتيبة وهو يقول:
– آه قلتلك كده بس ده مش معناه أبدًا إنك تهينيها وتقللي من كرامتها قدام الخدم, قلتلك اتعاملي معاها لما تغلط معاكي بس مش تضربيها, عمومًا هنا في القصر ما ينفعش مشهد زي اللي حصل ده يحصل, أنتِ مش بس قللتي منها قدام الخدم, أنتِ كمان قللتي مني شخصيًا.
نظرت له مصدومة من جملته الأخيرة وهي تسأله:
– قللت منك أنتَ؟
أومأ برأسه وهو يقول:
– آ ه طبعًا قلتي مني, لما تضربيها يبقى أنتِ مش عاملالي حساب, المفروض كمان إنك خطيبتي وطالما خطيبتي تبقى المفروض عارفة إن حاجة زي دي أنا مش هقبلها إنها تحصل في بيتي, فكونك عارفة إني مش هقبل حاجة زي دي تحصل وتعمليها يبقى أنتِ مش عاملالي حساب, واعتقد إن صفاء وضحتلك ده وقت الخناقة وقالت لك إن ده مش تصرف هوانم, هي ما كانتش بتقف في صف شدوى, هي كانت بتقولك اللي ما ينفعش يطلع لا منك ولا منها.
رفعت جانب شفتها العليا ساخرة وهي تقول:
– آ ه ولما هي مش واقفة في صف شدوى وبتقول بس اللي المفروض ما يحصلش, ليه لما شدوى هي اللي بدأت وضربتني ما عملتش معاها نفس اللي عملته معايا, ده لما قالتلهم لو حد قرب هطرده من البيت كله وقف يتفرج وما حدش فيهم حاول يتدخل, وصفاء اللي أنتَ بتقول إنها كانت بتعرفني الصح من الغلط ما فتحتش بقها بكلمة.
شبك كفيه فوق المكتب وهو ينحني بجسده ليصبح مائلاً عليه وقال:
– في دي معاكي حق, وفي دي بردو أنا ليا كلام مع صفاء, عمومًا أنا مش هقبل بأي وضع إن يبقى في حد هنا في البيت بيفرق بينك وبين شدوى في المعاملة, بما إن الكل عارف إنك خطيبتي يبقى المفروض كله يتعامل معاكِ أنتِ وشدوى بنفس المعاملة, ما يعملوكيش بأنك الست الدخيلة وهي ست البيت الأصلية.
حركت رأسها في تأكيد على حديثه وهي تقول:
– بالظبط كده, هم شايفين إنها ست البيت الأصلية وإني واحدة دخيلة عليهم, وإني أصلاً كلها أيام وهمشي من هنا…
قطبت ما بين حاجبيها باستغراب وهي تتوقف في منتصف حديثها ثم أكملت بضحكة صغيرة:
– إيه الهبل ده ما أنا فعلًا كلها أيام وهمشي..
رجع بظهره للوراء ونظر لها نظرة غامضة ثم قال:
– سيبي الموضوع ده لآوانه, بس طول ما أنتِ موجودة هنا لازم الكل يعرف إزاي يتعامل معاكي.
نهضت واقفة وهي تقول:
– طيب في حاجة تانية؟
– بكرة في حفلة بمناسبة مرور 10 سنين على تأسيس شركتي, وطبعًا لازم تكوني موجودة.
سألته بفضول:
– هي الشركة دي ورثك من باباك أو حد من أهلك يعني؟
هز رأسه نافيًا لتسأله باستغراب أكبر:
– إزاي؟
– هو إيه اللي إزاي؟
وضحت قائلة:
– أصل يعني أنتَ بتقول الشركة بقالها 10 سنين, هو أنتَ أصلاً عمرك كله قد إيه عشان تكون أسست الشركة من 10 سنين.
أجابها في هدوء تام:
– أنا مأسست الشركة وأنا عندي 21 سنة, كنت لسه في الكلية.
عادت تجلس مرة أخرى وقد انتابها الفضول حوله, فقد شعرت بأنها ستسمع الآن إحدى القصص التي كانت تشاهدها في الأفلام العربية, عن شاب مكافح جاهد حتى وصل إلى مكان مرموق وأصبح غنيًا من الأثرياء:
– إزاي يعني؟ شاب لسه في الكلية إزاي يقدر يأسس شركة؟
أرضى فضولها وهو يقول:
– لما أسستها ما كانتش شركة كانت مجرد مكتب صغير, ومع الوقت كل حاجة بتكبر, والأهم من الوقت إنك تبقى عارفة أنتِ ماشية إزاي, وتبقى ماشية على أرض ثابتة وكمان تجتهدي وتعملي كل اللي عليكِ.
حركت رأسها وهي تقول بتمني حقيقي:
– أنا كمان كان نفسي قوي يبقالي شغل خاص بيا أكبره وأكبر معاه.
سألها مستفسرًا:
– طب وليه ما عملتيش كده؟
مرت سحابة حزن في عينيها وهي تجيب:
– مش كل الناس ظروفها تكون سامحة, مش دايمًا الحظ بيلعب معانا.
رفع أحد منكبيه بعدم اقتناع وهو يقول:
– ما بقتنعش بحاجة اسمها حظ.
ضحكت ضحكة ساخرة ومتألمة قائلة:
– لا لازم تؤمن بحاجة اسمها حظ, لأن الحظ ده اللي بيخلي ناس مجتهدة فعلًا وحقيقي تعبت كتير ما توصلش لأي حاجة, وفي نفس الوقت ناس تانية ما تعبتش نص تعبها وبتوصل لحاجات كتير قوي, هي حكمة ما حدش عارفها وما حدش فاهم مغزاها, بس خلينا نكون معترفين إنها بتحصل وبتحصل كتير كمان, زي مثلًا لما تلاقي في شركة في اتنين موظفين ممتازين ومجتهدين وكل حاجة بس في واحد أعلى من التاني ويمكن بيتعب أكتر من التاني, بس لما ييجوا يرقوا واحد منهم بيختاروا اللي بيتعب أقل, هم مش شايفينهم ومش عارفين إنه بيتعب أقل, هو بس الحظ لعب معاه.
أصر على رأيه وهو يقول:
– مش مقتنع, أنا مازلت عند رأيي لكل مجتهد نصيب.
– أكيد بيكون له نصيب, بس مش شرط يكون النصيب اللي هو عاوزه بالضبط, أوقات كتير قوي المجتهد بياخد نصيب بس أقل من اللي هو عاوزه.
وكعادته دومًا يخرج من الموضوع فجأة ويتطرق لموضوع آخر دون أن ينهي الأول فقال:
– هيوصلك فستان بكرة الصبح عشان الحفلة, ولو تحبي ممكن أطلبلك الميك أب أرتست تيجي تعمللك اللازم هنا في البيت الميك أب والشعر والحاجات دي, أنا عارف المواضيع دي بتهم البنات, وكمان أكيد شدوى جايبة حد يعملها ده, والأكيد مش هينفع نفس الشخص يساعدك لأني ما أضمنش الحقيقة.. يعني ممكن بدل ما تحطلك ميك أب تحطلك مية نار.
ورغم أن الجملة الأخيرة لم يكن فيها أي فكاهة لكنها ضحكت ضحكة بسيطة وهي تتخيل الأمر وقالت بعدما فكرت قليلاً, لتشعر بالتوتر من أن تضع هي الميك أب لنفسها وتكون المسؤولة عن مظهرها اليوم, فلقد فهمت من حديثه أن الحفل أهم بكثير من حفل عيد ميلاد تيم, وسيكون بهِ الكثير من الضيوف المهمين, فقالت:
– هي الحفلة هتكون في الفيلا ولا بره؟
– لا هتكون في فندق بره.
ابتسمت بحرج وهي تقول:
– يعني مدام في فندق واضح إنها حفلة مهمة فممكن نستعين بميك أب أرتست.
اخفى ابتسامته على حرجها ووجهها الذي تلون بحمرة واضحة بعد طلبها وقال:
– تمام هتكون موجودة عندك بكرة قبل الحفلة بساعتين.
دقات فوق باب الغرفة تبعها دخول تيم بعدما فتحت له صفاء الباب وقال:
– بابي أنا خلصت الساندويتش كله, أنتَ كمان خلصت كلامك مع طنط فيروز؟
نهض فورًا يبتسم بحب وهو يقول:
– خلصت يا باشا يلا بينا.
وقد كان "شاهين" وقتها يرتدي بنطال قماشي من اللون الأزرق الداكن وقميص أبيض متخليًا عن باقي بدلته فاليوم يوم إجازته, أوقفته على باب الغرفة وهي تردد باندفاع:
– هو أنتَ هتلعب كورة بقميص وبنطلون؟!
التف لها يطالعها بصمت, فأطرقت رأسها أرضًا حين أدركت ما قالته ولكن الصغير كرر جملتها وهو يقول:
– صح يا بابا مش ينفع تلعب كده.
نظر لصغيره ثم عاد ينظر لها خافيًا ابتسامته على مظهرها الآن, فكانت وكأنها طفلة صغيرة تقف أمام مدرسها بعد أن فعلت جرم كبير وتنتظر عقابه!
– أومال بابي المفروض يلبس إيه…
يا طنط فيروز؟
أرفق جملته الأخيرة بمرح طفيف ليضحك الصغير عاليًا وهو يسمعه يناديها بـ"طنط" وتدخل في الأمر موجهًا حديثه لفيروز:
– جاوبي يا طنط فيروز بابي بيسألك.
رفعت رأسها تنظر للصغير متحاشية النظر للواقف عند باب الغرفة وقالت:
– يعني اللي أعرفه إن اللي بيلعبوا كورة لازم يكونوا لابسين لبس مريح، ترنج مثلاً أو حتى بنطلون وتيشرت عادي.
ودون أن يسمع لكلمة زائدة خرج من الباب وهو يتحدث:
– ثواني وراجعلك يا تيم.
***********
وبعد دقائق من صعوده هبط مرتديًا بنطال رياضي أسود وتيشرت أبيض بنصف أكمام برز جسده العلوي المعضل بشكل مهلك جعلها تتمتم فورًا بينها وبين نفسها:
– يا دي النيلة السودا يا ريتني ما قلتله يغير، الراجل ده لو لبس شوال هيطلع تحفة عليه!
كانت حينها تجلس في الحديقة مع "تيم" منتظرين نزول "شاهين" الذي اقترب منهما وعيناه ثابتة عليها فلأول مرة منذ سنوات دراسته بالكلية يرتدي لبس رياضي ويخرج به من غرفته، فمنذ أن ارتدى الحياة العملية وهو قد نسي تمامًا تلك الثياب ولم يفكر في ارتدائها من قبل، وقف أمامهما لينتفض "تيم" يمسك بكفه وهو يقول بسعادة واضحة:
– واو شكلك يجنن يا بابي، كده أحسن بكتير عشان نلعب براحتنا.
نظر بجانب عينيه لفيروز التي تتحاشى النظر إليه وقال بنبرة ماكرة:
– والله يا تيم أنا بقالي أكتر من 10 سنين ما لبستش اللبس ده، بس يعني كلامك اقنعني فقلت وايه المانع.
وبالطبع لم يقصد أبدًا بحديثه "تيم" والمقصود معروف!
وقضى الجميع وقتًا لذيذًا والضحكات ترتفع بسعادة، ضحكات تيم ورقده هو وشاهين وراء الكورة، وابتسامة "فيروز" التي لم تختفي من على وجهها تلقائيًا وهي تتابعهما، و"شدوى" التي تقف في شرفة الغرفة بالأعلى تتآكل غيظًا وتتمنى فقط لو يسمح لها بأن تجر "فيروز" من ذراعها جرًّا وتطردها شر الطردة خارج المكان.
وبالفعل لم تستطع البقاء ونزلت للأسفل لتقترب من "فيروز" التي وقفت فور رؤيتها أمامها تنظر لها بصمت، لتبدأ "شدوى" في الحديث:
– مش شايفة إن قعدتك هنا ملهاش داعي! أنا الأولى أقعد هنا أتفرج على ابني وجوزي.
وضغطت على حروف الكلمة الأخيرة وهي تقولها، فابتسمت "فيروز" ابتسامة صفراء وهي تقول رافعة حاجبيها بمرح مصطنع:
– أصل لاقيتك مش فاضية قولت أقعد مكانك، أكيد كنتِ بتتصفحي آخر صيحات الموضة أو بتتفقي مع صحابك على خروجة!
احتدت ملامح "شدوى" تقول بغضب وكره:
– وأنتِ مال أهلك أكون فوق بعمل إيه، وسواء كنت موجودة هنا أو لا ملكيش حق تاخدي مكاني.
– شاهين.
قالتها "فيروز" منادية عليه وهي تنظر لـ"شدوى" بتحدي، حتى توقف عن اللعب وذهب إليهما لينظر لهما سائلاً من بين لهاثه:
– في إيه؟
ابتسمت "فيروز" بمكر أنثوي جديد عليها وهي تنظر له وتقول بحزن أتقنت أداءه:
– شدوى متضايقة إني قاعدة بتفرج عليك أنت وتيم وانتوا بتلعبوا كورة، بتقولي إنها الأولى تقعد القعدة دي تتفرج على جوزها وابنها، هو أنا صحيح مليش حق أقعد أتفرج عليكوا!؟
ووجه "شدوى" الآن بركان مشتعل، نظر لها "شاهين" يقول بضيق:
– في إيه يا شدوى؟ مش حكاية يعني إنها تقعد تتفرج علينا! بعدين ملهاش حق إزاي دي قريب هتكون مراتي زيك بالضبط.
تابعت "فيروز" قوله بقولها:
– رغم إني ما حبش يكونلي ضره، بس كله يهون عشان شاهين.
لا تعلم لِمَ قالت هذا، ولكنها أرادت أن تزيد من إشعال "شدوى" وتقابل هجومها بهجوم أشد كي تعرف أنها ليست خصمًا سهلاً.
– يا حبيبتي، ليه ما تخليه يطلقني! أما أنتِ بجحة بصحيح!
قالتها "شدوى" بانفعال وهي تقترب خطوة وكأنها ستهجم عليها، لترتد "فيروز" خطوة للخلف تحتمي في "شاهين" الذي هدر في الأخيرة:
– بلاش غلط ولمي الدور مش كل شوية هنفرج علينا الناس! وأنا مش ماسك فيكي لو الوضع مش عاجبك وعاوزة تطلقي بلغيني.
وسحب "فيروز" من ذراعها يقول:
– تعالي اقعدي الناحية التانية.
وسحبها متجهًا للجهة المقابلة تحت نظرات "شدوى" المقهورة من أفعاله والتي اغرورقت عيناها بدموع الألم والغضب وهي تضرب الأرض بقدمها بغيظ وهي تراه يعود للعب مع الصغير وبدأت "فيروز" تشجعهم بحماس و"شاهين" يناغشها حين ضرب الكرة بها لتصرخ بغيظ وهي تلقي الكرة تجاهه فتصطدم بكتفه!
وعقلها يتساءل منذُ متى وشاهين يسمح لأحد بالمزح معه والتطاول عليه!؟؟
***********
وفي مساء نفس اليوم…
– حادثة إيه اللي بيقولوا عليها حد اتعور؟
تساءلت بها مستكة بعدما وجدت جمع غفير يركض ناحية إحدى شوارع منطقتها حين عادت من عملها، وتحديدًا الشارع الذي تسكن فيه، أجابها أحد الشباب الذي كان يسير على عجالة جوارها قاصدًا مكان الحادث:
– بيقولوا مجد الميكانيكي في عربيته وقعت عليه وهو بيصلحها.
وكأنها طُعنت بسكين في صدرها فتيبست قدميها أرضًا في الحال وجحظت عيناها بشكل مخيف وفُغر فمها الذي لم تقدر على غلقه، وانحصر الهواء عنها فلم تعد تتنفس، وجملة الشاب ترن في أذنها مرارًا وتكرارًا فتزيد حالتها سوءًا.. ظلت على وضعها لثوانٍ لم تحسبها ربما دقائق! فقط انتبهت لوضعها فجأة وأمسكت بذراع شابة كانت تعود من مكان الحادث تسألها بأنفاس ثقيلة ودموع ملأت مقلتيها وهي تدريجيًا تستوعب ما سمعته:
– إيه اللي حصل؟… الحادثة… هو…. إيه اللي حصل؟
لم تكن تعرف كيف ترتب جملة صحيحة تستطيع منها الفتاة فهمها، ولكنها التمست ما تريد السؤال عنه فأجابتها بأسف واضح:
– مش عارفة… أنا ما شفتش من الزحمة، بس هم طلبوا الإسعاف وخايفين يحركوه من مكانه.. هم بس شالوا العربية من عليه.
والوصف يجعلها تنهار أكثر! فماذا ستكون حالة شخص كان تحت جسم سيارة…!؟
ولم تنتظر أكثر وهي تقطع الشارع ركضًا لدرجة أن إحدى الكياس التي كانت تحملها والتي احتوت على بعض المستلزمات للمنزل وقعت من يدها ولم تقف لتلتقطها أو حتى تنظر إليها، بل واصلت ركضها حتى وصلت ورشته فوجدت الجمع هناك يزداد، والجميع يتحدثون بأصوات متداخلة لم تفهم منها شيئًا واضحًا، اخترقت الجميع واقتربت من مدخل الورشة لتسمع صوت والده واضحًا الآن وهو يصرخ بالجميع بأن يعاودوا طلب الإسعاف.
ورأت المشهد الذي جعلها تقف في مكانها ودموعها تتسابق في الركض فوق وجنتيها، حين رأت جسده مسطحًا أرضًا ونصفه العلوي غارقًا في الدماء والتي لم تعرف مصدرها تحديدًا، ووالده يجلس جواره غير قادرٍ على لمسه تحت تحذيرات الواقفين بألا يلمسه كي لا يسبب له أي ضرر، وفي نفس اللحظة تعالى صفير سيارة الإسعاف ليتحرك الجميع فاتحًا الطريق، وتم وضعه بكل حذر بواسطة المسعفين على الحامل ثم أدخلوه للسيارة ومعه والده، وبعد ذهاب السيارة أخذت تتلفت في ضياع لا تعرف ما عليها فعله الآن، أو كيف ستذهب خلفه؟ لتسمع رجلين من المنطقة يتفقان على الذهاب خلفه بسيارة أحدهما فطلبت منهما أن يأخذوها معهم، وكان الطريق من الحي الشعبي للمستشفى كأنه قُطع في سنوات من الانتظار الحارق وهي تدعو بداخلها بكل الأدعية التي عرفتها يومًا بأن يخرج ناجيًا من الحادث البشع….
وبعد نص ساعة كانت قد وصلت المستشفى وخرج الطبيب من غرفة العمليات وهو يقول لوالده ما جعل الرجل يترنح في وقفته وصرخة خافتة تخرج من فاه "مستكة" وهي تهز رأسها بعدم استيعاب لِمَ سمعته وصوت أحد الرجال الواقفين يقول:
– لا حول ولا قوة إلا بالله…
رواية فراشة في سك العقرب الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ناهد خالد
وفي اليوم التالي في فيلا شاهين...
وقبل حلول المساء كانت سيدة ومعها فتاة أخرى في غرفة فيروز يقومان بعملهما في تجهيزها من حيث وضع مستحضرات التجميل وتصفيف الشعر وغيرها، حتى انتهيا فنظرت "فيروز" لنفسها في المرآة لترى نفسها ولأول مرة جميلة إلى حد ما!
فالمستحضرات التجميلية التي تم وضعها على بشرتها أبرزت جمال ملامحها وأخفت العيوب التي كانت تمقتها، ورغم أنها لم تغير من لونها فحين طلبت من السيدة أن تفتح درجة بشرتها رفضت متعللة بأنها لن تليق عليها والأفضل أن يتم وضع الكريمات التي تطابق لونها.
وبعدما أصبحت بمفردها اتجهت لذلك الثوب الذي لم تراه فقد أتى منذ عدة ساعات وأوصلته صفاء لغرفتها، لكنها لم يتيح لها الفرصة أن تراه، فتحت سحاب الغلاف القماشي الخاص به وأخرجته منه لتتسع عينيها انبهارًا بهِ وللمرة الثانية يحسن شاهين الاختيار.
فقد كان فستانًا من اللون النبيذي بقماشته اللامعة بشدة، ينسدل على جسدها كاشفًا عن ذراعيها والقليل من مقدمة صدرها عبر فتحته المثلثية وظهرها، وأما عن طوله فيصل إلى الأرض، ولكن حين ارتدته وارتدت الحذاء الذي أتى معه والذي كان بكعبٍ عالٍ ارتفع الفستان عن الأرض ليصبح بطول مناسب.
وقفت تنظر إلى نفسها في المرآة التي استطاعت أن تعطيها صورة كاملة لجسدها، ولا تعرف لِمَ خطر في بالها هذا الشيء حين أجرت مقارنة سريعة بين الثياب التي اختارها لها مازن من المول مبررًا بأنها ليست مرتدية للحجاب، فكانت معظم الثياب إن لم تكن جميعها كاشفة الكثير من جسدها، وتبرير آخر منه بأنها قضت معظم عمرها في لندن لذا فهذه هي الثياب المناسبة تمامًا.
أما عن شاهين فمنذ أن أتت لهنا وكل الثياب التي أحضرها لها سواء كانت الثياب التي ترتديها يوميًا أو فستان الحفلة السابقة وفستان هذه الحفلة أيضًا، فكانت ثياب إلى حد ما محتشمة لا تكشف الكثير من جسدها وهذا حولها علامة استفهام كبيرة!
تعرف أنها لن تصل لإجابة أسئلتها.. فهل كل هذه الثياب ليست من اختيار شاهين؟ والإجابة لا، فقد علمت أكثر من مرة من صفاء بطريقة غير مباشرة أنه من يختار الثياب عبر موقع إلكتروني وتأتي لباب المنزل عبر عملاء التوصيل.
والاحتمال الآخر هل شاهين من أنصار الثياب المحتشمة؟ ولا يحبذ أن تُظهر المرأة مفاتنها للجميع والإجابة نفس الإجابة السابقة "لا"، فشدوى جميع ثيابها مكشوفة لدرجة أنها رأتها منذ عدة أيام وهي تعود من الخارج وكانت ترتدي فستان قصير للغاية يصل إلى قبل ركبتيها بمسافة ليست بهينة، وهو في نظر فيروز ليس سوى ثياب خاصة بالنوم..
وكما توقعت في البداية لن تصل لإجابة مقنعة، فنفضت رأسها مما بهِ وهي تنظر لنفسها في المرآة نظرة أخيرة، وكأنها تتعرف على الشخصية الجديدة التي لم تظن يومًا أن تعيش دورها، فهيهات الفرق بين "فُله" و"فيروز" هانم التي اقترنت بعلاقة مع "شاهين بيه المنشاوي".
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تلتقط حقيبة اليد والتي لم تخلُ أبدًا من الزخرفة، والفصوص اللامعة بها، وخرجت من الغرفة على موعد مع "نورهان" والتي ستذهب معها للحفل.
******
وبأحد أفخم فنادق القاهرة...
توقفت إحدى سيارات "شاهين المنشاوي" والتي كانت تنقل "فيروز ونورهان" لمكان الحفل، ليترجل الاثنتان منها وفيروز تنظر حولها بانبهار بمدخل الفندق والأنوار التي تملأ المكان.
وبعد ثوانٍ من السير وجدت نفسها تدلف من بوابة أخرجتها على مساحة واسعة مفتوحة بها الكثير من الطاولات المتراصة المزينة بشكل جميل، ومنصة صُممت بديكور مُبهر تقبع في آخر المكان وفي المنتصف تمامًا، وبعض الديكورات الأخرى التي أخذت منظرًا رائعًا، وأضفت لمسة جمالية لطيفة.
والأرض لم تكن مستوية بل كان المنتصف مستويًا وعلى الجانبين ارتفاع وفوقه يوجد الطاولات الأخرى، أشبه قليلًا بدور العرض المسرحي.
وحين كانت تتفحص المكان بعينيها وقفت كالصنم حين وقع بصرها على "مازن" يقف في أحد الجوانب يصافح بعض الرجال ويتحدث معهم، وللحقيقة كان الأمر مفاجئًا لها فلم تتوقع قدومه.
وفي نفس الوقت كانت "نورهان" انتبهت لوجوده فقالت:
– ما توقعتش إن مازن ييجي.
التفتت لها "فيروز" تقول بتأكيد:
– ولا أنا بصراحة.
تنهدت "نورهان" معقبة:
– هو متعود بيجي كل حفل ثانوي للشركة لأنه طبعًا شريك فيها، بس قلت المرة دي ممكن ما يجيش بسبب المشاكل الأخيرة اللي حصلت، وخصوصًا إنه أكيد مش حابب يشوفني.
نظرت لها "فيروز" تقول بحنو:
– ما تقوليش كده ما فيش أخ ما يحبش يشوف أخته، هو آه حصل بينكوا مشاكل بس يعني مش هتوصل إنه مش عاوز يشوفك.
ابتسمت "نورهان" بألم ونظرت لفيروز بعينين أغرورقت بالدموع تقول:
– اقولك على حاجة ما قلتهاش لشاهين نفسه.
أومأت برأسها تحثها على الحديث فقالت بنبرة مختنقة:
– أنا روحت لمازن الشغل وكان في مكتبه، بس ما رضيش يقابلني.
اتسعت عيناها بصدمة فهي لم تتوقع أن يكون الأمر بينهما لهذا الحد وقالت:
– معقولة؟!!
هزت الأخرى رأسها بتأكيد وهي تقول بمرارة:
– مازن زعله وحش قوي فوق ما تتخيلي، لدرجة إنه مستعد في ساعة الغضب يقطع علاقته بأي حد ويدوس عليه، يعني هو لما رفض يقابلني ما فكرش حتى إن ممكن يكون حصل معايا مشكلة، أو حصل مشكلة بيني وبين شاهين، ما فكرش يقابلني ويشوف أنا عاوزة إيه، وإن كنت جاية له عشان أصالحه يرفض بس يطمن عليا.
لم تجد "فيروز" ردًا مناسبًا لِمَا قالته "نورهان" وهي ما زالت في صدمتها من رد فعل مازن القاسي من وجهة نظرها، فأكملت "نورهان" مبتسمة:
– عكس شاهين خالص، شاهين مهما عملتي فيه أو حصل بينكوا لو حس إنك ممكن تكوني في خطر بيرمي كل شيء ورا ضهره ويكون معاكي، افتكري في مرة كنا مقاطعينه لما ماما كانت عايشة، وجيت اتصلت بيه في يوم ولقيت رقمه مقفول فكلمت سكرتيرة مكتبه وقولتلها لما يوصل بلغيه إني عوزاه ضروري في مسألة مهمة، أنا مكنتش عوزاه في حاجة أنا بس كان وحشني وعاوزة أسمع صوته بس قولت كده عشان عارفة إنه هيخاف عليا ويكلمني، وفعلاً أول ما بلغته رن عليا خمس مرات بس أنا تلفوني كان فصل شحن من غير ما أخد بالي… تخيلي لقيت البواب بيخبط على شقتي وبيقولي كلمي واحدة صاحبتك تحت، نزلت لقيته شاهين بس قال للبواب يقول كده لأن ماما كانت مانعة أنا أو مازن نتواصل معاه.
– جالك تحت البيت عشان يطمن عليكي وأنتِ مقطعاه؟؟!
ابتسمت بحب وهي تقول:
– شاهين طول عمره حنين، قلبه مش قاسي، غير مازن… عارفة مازن واخد قساوة قلب مامي.
رفعت حاجبها ذهولاً:
– مامتك كانت قاسية؟
– أيوه، تخيلي قعدت 3 سنين قاطعة علاقتها بشاهين ومحرمة أي حد فينا يتواصل معاه، مامي طول عمرها كانت قاسية على شاهين رغم حبها له، وكان أي غلط له بتعاقبه بقسوة، مامي كانت بتحب شاهين ومتعلقة بيه تعلق مرضي.. طب تعرفي إنها كانت بتكره شدوى عشان العيلة كلها كانت بتقول إنها هتكون مراة شاهين، مكانتش مستوعبة إنها هتاخده منها!
ظهرت الصدمة واضحة على وجه "فيروز" مما تسمعه وبداخلها تتمتم أن هذه العائلة تخفي الكثير من الأسرار، وقبل أن تعلق سمعت صوت "شدوى" المألوف وهو يقول:
– نورهان كويس إنك وصلتي، الحفلة فاضل لها خمس دقائق بالضبط وتبدأ وشاهين هيطلع يقول كلمته.
تفحصتها "فيروز" بعينيها لتؤكد ما كانت تفكر بهِ قبل بعض الوقت، فلقد كانت "شدوى" ترتدي فستانًا بدون أكمام فقط بسير رفيع بهِ بعض الفصوص التي لا تستبعد أن تكون من الألماس فهي بطبيعة الحال مُطْرِفَة، معظم ثيابها فيها بزخ واضح، وكان يظهر جزء لا بأس به أبدًا من مقدمة صدرها وكذلك ظهرها، وبه فتحة طويلة بدايةً من فخذها اليمنى، وفي المجمل لم يغطِ الفستان الكثير من مفاتنها.
على عكس "نورهان" التي كانت ترتدي فستانًا من اللون الأزرق الداكن، والذي كان ينساب على جسدها ويصل طوله إلى كعبيها، فقط أحد أكمامه تم استبدالها بسير رفيع به فصوص مشابهة لسير فستان "شدوى" ولكنه في المجمل كان ساترًا بشكل كبير، يبدو أن نورهان بطبعها لا تفضل ارتداء الملابس التي تكشف الكثير من جسدها.
وبالطبع تجاهلت "شدوى" "فيروز" تمامًا كأنها لم تراها واكملت قاصدة إغاظتها:
– سوري بجد يا نور إني ما قدرتش أستناكي نيجي مع بعض، بس أنتِ عارفة أنا لازم أكون مع شاهين من أول الحفلة ونستقبل الناس سوا.
لم ترد "نورهان" على حديثها لأنها تعرف جيدًا ما تحاول "شدوى" فعله بل سألتها مباشرةً:
– هو شاهين فين مش شايفاه في المكان؟
أجابتها وهي تنفض شعرها بغرور حين رأت نظرات فيروز المسلطة عليها:
– شاهين هو ومعاذ راحوا يستقبلوا العيلة، أصلهم بره.
ظهر الفرح الشديد على وجه "نورهان" وهي تسألها بلهفة:
– بجد هو جدو والعيلة كلها بره؟ أنا توقعت إنهم مش هييجوا عشان كانوا بيقولوا إن عمتو تعبانة.
لم تعير الأمر اهتمامًا وهي تقول:
– ما أعرفش أنا عرفت إنهم بره.
وبالفعل ما إن أنهت حديثها حتى رأت شاهين ومعاذ يدلفان من بوابة الحفل ومعهم بعض الأشخاص، فأسرعت لهم وهي تقول:
– أهّم جم.
التفت "نورهان" وحين رأتهم تحركت فورًا تتجه لهم، ولاحظت فيروز أن "مازن" قد فعل المثل، والعائلة التي تحدثوا عنها كانت أربعة أفراد رجل كبير في السن خمنت إنه جدهم، وسيدة ربما في منتصف الأربعينات تجاوره بالتأكيد عمتهم، وشاب ينقص عن شاهين في الطول القليل من السنتيمترات يبدو على وجهه الجدية والضجر! وبجواره فتاة تمسك في ذراعه خمنت إنها زوجته.
لم تجد لنفسها مكانًا بين كل ما يحدث فاتجهت إلى أحد الطاولات الفارغة لتجلس عليها وهي تردد في عقلها بأن هذه الحفلة لن تختلف كثيرًا عن حفلة "تيم" والتي لم يكن لها أي وجود بها، ولكن قد خاب ظنها فبعد دقائق قليلة رأت "شاهين" يصعد على المنصة الموجودة في المكان والآن قد استطاعت أن ترى مدى أناقته ووسامته في البدلة التي اختارها اليوم بلونها البني الذي تراه عليه لأول مرة.
بدأ في الحديث مُرحبًا بالضيوف بعد عِدَّة جمل تخص مجال العمل والشركة وما إلى ذلك، فشعرت بأنها تريد الذهاب للحمام فنهضت تخرج من المحيط باحثة عن مكانه.
وعند شاهين وبعد ترحيب خاص منه بجده والعائلة كان يقول:
_ بالمناسبة السعيدة دي أحب أبلغكم خبر سعيد عني.. أنا خطبت وإن شاء الله قريب هتشهدوا كلكوا على فرحي وهتكونوا مدعوين له.
همهمات تسبقها الدهشة وشهقات مستنكرة، توترت الأجواء بشكل ملحوظ وبدأ التهامس يعلو والجميع يمرر بصره بين المتحدث "شاهين" وبين زوجته المعروفة "شدوى" والعقول تتساءل كيف أعلن خطبته من أخرى وهو لم يعلن انفصاله عن زوجته! وكيف لها أن تقبل الوضع المهين الذي وضعها بهِ الآن!!
وكان مدركًا لِمَا وراء الهمهمات المتصاعدة، ومتفهمًا اندهاشهم ونظراتهم التي تتسلط على زوجته الأولى، وبكل هدوء ودون اهتمام لأي أحد أو أي شيء يحدث حوله أكمل موضحًا:
_ ومنعًا لأي أخبار مغلوطة أو إن حد يطلع يتكلم ويحلل الأحداث عن لساني هجاوبكوا على السؤال اللي بيلح على عقلكوا دلوقتي…
والهدوء عم المكان والجميع كله انصات للآتي، وهي تقف تتابع ما يتابعه الجميع كعرض مسرحي سخيف، تشعر بالسعير يشب في جسدها، وتتمنى فقط لو تتصدع الأرض وتسقط بها مختفية عن أنظار الجميع التي تحرقها، موقف لم تتخيل بأسوء كوابيسها أن يضعها "شاهين" بهِ، ولو كانت تمتلك قدرة للهرب الآن لفعلت بكل رحابة، لكنها تيبَّست وتَسَمَّر جسدها بأرضه فقط أنفاسها الهادرة التي تنم عن اختناقها هي ما تصدر عنها، وعيناها كجمرَتَيْن من النيران الحامية وهي تنتظر تكملة حديثه وتخصه وحده بنظراتها التي لا يهتم لها من الأساس.
ارتخَتْ ملامحه بدَى وكأنه يخبرهم عن أحوال الاقتصاد في البلاد، أو عن خطة تنموية لنهضة الدولة! ملامح هادئة ونبرة تماثلها وهو يكمل:
_ بالنسبة لخطوبتي وأنا لسه متزوج من مدام شدوى مراتي، فده برضا جميع الأطراف،
وكل شخص عنده ظروفه وأحواله الخاصة اللي مينفعش يشاركها مع حد، يكفيكوا أقولكوا إن مدام شدوى هي أم ابني اللي بكنلها كل الاحترام والتقدير المتبادل، فمش هسمح إن حد يدخل نفسه في أموري الشخصية وينزل بأخبار أو توقعات مش صحيحة عن علاقتي بيها.. ولو ده حصل مش هتردد أرفع قضية على الناشر لأني زي ما قولت مابسامحش ومش هسامح أي حد يدخل نفسه في تفاصيل حياتي أنا أو أي حد يخصني.
كانت "فيروز" قد عادت مع جملته الأخيرة لكنها لم تفهم منها شيء فظنت أن الأمر يتعلق بالشركة أو بعلاقته بأخيه..
رفع نظره لبعيد فرآها تتهادى لمحيط المكان، ابتسامة خفيفة ماكرة زينت ثغره وهو يطالعها بتمعن منتظرًا صدمتها التي ستتلقاها كالمطرقة فوق رأسها الآن، مسح جانب عنقه بكفه، وعاد يتحدث في المكبر الصوتي وعينيه لا تحيد عنها:
_ فيروز… لو سمحتي تعالي هنا.
توقفت ورفعت رأسها بغتة وهي تسمع اسمها بعلو صوته، يناديها لتشاركه المنصة الصغيرة! والجميع التف في هذه اللحظة ليرى من تكون المدعوة فيروز! بهتت معالمها وابتلعت ريقها الذي جف فجأة وهي تجهل ما يحدث ولماذا يناديها ألم تتفق معه أن يظهرا في الحفل كأنهما أقارب!
حادت ببصرها لجهة أخرى تقصدها، فوجدته يطالعها بوجه مشتعل بحمرة غضب أدركتها لكنها جهلت سببها! ماذا حدث في الأجواء في الدقائق القليلة التي مكثتهم في الحمام لتعدل هيئتها؟ هل حلت كارثة ما! "مازن" ملامحه غير مبشرة أبدًا وكأنه تلقى لكمة عنيفة بوجهه للتو!
_ فيروز!
نادها ثانية حين طال صمتها وسكونها، فانتبهت وحركت نفسها مجبرة بعد أن سلط الجمع الغفير أنظاره عليها وحدها، اقتربت من المنصة التي تحمل ثلاث درجات لتجده يقترب منها سريعًا يمد كفه لها بلباقة ليساعدها في الصعود، جحظت عيناها لفعلته وظلت تحدقه بنظرات رافضة علّه يبتعد ويصرف نظره عما يريد فعله، لكنه لم يتزحزح أنشًا، فزفرت أنفاسها المعبئة بصدرها من التوتر وهول الموقف وهي تضع كفها في كفه فجذبها برفق لتصعد الدرجات واتجه بها وهو مازال ممسكًا كفها تحت استغرابها وذهولها، ووقف أمام المكبر الصوتي يقول معرفًا:
_ دي آنسة فيروز الحديدي خطيبتي وقريب هنعلن عن ميعاد فرحنا..
وبتلقائية همست بأعين متسعة وهي تنظر لجانب وجهه:
_ يخربيت أهلك!
لف ذراعه حول خصرها يجذبها إليه في حدة غير ملحوظة وهو يقول:
_ لمي لسانك واضحكي.
تصنعت الابتسامة وهي ترفع نظرها للجمع الذي أمامها، لتقع ببصرها على "مازن" الذي كان واقفًا بجوار الطاولة التي جلس عليها أفراد عائلته ووجهه كجمرة نار مشتعلة، واستطاعت أن ترى قبضة يده التي تشتد في محاولة منه للتحكم في غضبه، وفجأة وجدت "شاهين" يميل عليها حتى باتت أنفاسه تضرب عنقها، ويهمس بجوار أذنها بما أسرى رعشة في جسدها لم تعرف حينها هل هي رعشة خوف أم ماذا؟ :
_ لو فكرتي تقربي منه أو تقفي معاه هزعلك.
لفت رأسها تنظر له عبر السنتيمترات القليلة جدًا بينهما في نفس الوقت الذي كان هو مازال يطالعها، لتلتقط عدسات المصورين صورة رائعة لثنائي سيكون حديث الأخبار لعدة أيام مقبلة….
انتهى العرض السخيف من وجهة نظر "فيروز" وتركا المنصة لتزيل ذراعه من حول خصرها بعنف غير مهتمة بنظرات الجميع، فكظم غيظه وهو يسير لجوارها حتى التفت له وقالت بوجه محمر غضبًا:
– أنا عاوزه أتكلم معاك.
توقف وهو يجيبها ببرود:
– لما نروح.
– دلوقتي!
قالتها بنبرة حادة لأول مرة يسمعها منها، ومع نظراتها علِمَ أنها لن تتراجع، لكنه وعلى أي حال أعند منها، فاحتدت نظراته وهو يعيد جملته بقوة:
– قولت بعدين، مش ست اللي هتمشي كلامها على شاهين المنشاوي، لو مش قادره تصبري لحد ما نروح على الأقل خلينا نسلم على عيلتي واعرفك عليهم بعدين هاخدك مكان نتكلم، وقت نزول الضيافة.
قضمت شفتيها بقوة وهي تشير له بعصبية:
– اتفضل عرفني عليهم ما هو ده اللي ناقص.
التقط ذراعها الذي تشير بهِ تحت ذهولها وجره منها لطاولة عائلته، وحين وقفت أمام الطاولة مرغمة حاولت إخفاء غضبها وابتسمت ابتسامة مصطنعة..
– دي فيروز خطيبتي، أنا عارف إنكوا متفاجئين بس جدي كان عنده علم.
أردفت السيدة تقول بعتاب:
– واحنا مش أهلك عشان تعرفنا! يعني جدك بس اللي يعرف.
أجاب الجد نيابةً عنه:
– مكانش لسه في حاجة رسمي يا سهير.
بدأ "شاهين" يعرفها عليهم:
– ده جدي المنشاوي، ودي عمتي سهير، وده سيف ابن عمي مختار لسه مشوفتيهوش بس سيف بيكون أخو شدوى، ودي زينة مراته.
تفاجأت بوجود أخ لـ"شدوى" لكن حين دققت النظر بهِ وجدته يشبهها تمامًا حتى في وجومها وكبريائها وغرورها وفي الحقيقة لم ترتاح له أبدًا.
– ودي فيروز الحديدي زي ما عرفتها على الاستيدج.
رحبت العمة في هدوء:
– أهلاً بيكي، شكلك سحرتي لشاهين عشان يخطبك.
وأخذت "فيروز" حديثها على أنها تسخر من شكلها كما فعلت "شدوى" في أول تعارف بينهما، فقالت بنبرة حادة مدافعة عن نفسها:
– هتقولي إني مش ذوقه! بس عمومًا أنا ماعملتش له أي حاجة، هو وقع فيا لوحده.
أدركت "سهير" أنها فهمت حديثها خطأ فقالت موضحة:
– لا مش عشان كده، بس أصله كان مضرب عن الجواز، ورافض يدخل واحدة جديدة حياته.
قطبت ما بين حاجبيها مستغربة ومتعجبة وأردفت:
– ويدخل واحدة تانية ليه ما مراته موجودة! ولا أنتوا عندكوا في العيلة لازم تعدد الزوجات!
تدخل "شاهين" يقول:
– عمتي مش وقته الكلام ده.
أتى أحدهم يهمس له بشيء فانسحب آخذًا معه "فيروز":
– عن إذنكوا راجعين تاني.
وحين ابتعد بها ولدهشتها تركها يقول:
– روحي اقعدي على الطاولة الفاضية دي على ما أجيلك.
نظرت للطاولة وهي تغمغم بضيق:
– طب ماسبنيش معاهم ليه على ما يخلص مشغولياته!
جلست عليها وغاب هو عن نظرها لبعض الوقت، كان كافيًا لـ"مازن" أن يقترب منها ويجلس جوارها قائلاً:
– هو قالك إنه هيعلن خطوبتكوا؟
نظرت له بخضة من وجوده المفاجئ ثم هدأت وقالت:
– لأ، أنا اتصدمت لما عمل كده.
هز رأسه باختناق واضح وقال:
– شاهين بدأ ياخد خطوات غير اللي اتوقعتها منه وكده مش هنعرف نفهمه ولا نتوقع تفكيره.
– أنتَ ليه رفضت تقابل نورهان لما جاتلك الشغل؟ ليه قسيت عليها للدرجة دي مهما كانت أختك؟
وقد كان حديث "نورهان" لا يغادر عقلها منذُ أخبرتها بهِ، نظر لها متفاجئًا من حديثها وصُدم حين أكملت بشرود كأنها تفكر فيما تقول:
– بتقول إن شاهين أحن منك حتى حكتلي موقف عن كده، ازاي وهو مجرم وتاجر سلاح يكون بالحنية دي!
تجاهل كل حديثها وفجأة وجدته يسألها بغضب:
– أنتِ هتكملي بعد اللي بيعمله! احنا مبقناش هنتوقع خطواته، راضية إنه يعلنك خطيبته قدام الكل!
استطاع جذب انتباهها فنظرت له تسأله بحيرة:
– هعمل إيه؟
زفر باختناق وغضب واضحين وقال:
– فيروز أنا ههربك من عنده، مش هينفع تكملي المهمة.
نظرت له بأعين متسعة تسأله:
– ليه؟
نظر لها داخل عيناها يقول:
– عشان خايف عليكي، مش متوقع خطوة شاهين الجاية.. ثم أنتِ عارفة إن ممكن شاهين بين يوم وليلة يجيب المأذون أو يعمل حفلة جوازكوا من غير ما يعرفك! مش هنفضل ساكتين لحد ما يعمل كده!
التمست خوفه عليها، وشعرت بأنه يكن لها شيئًا ما، وكم تمنت هذا! فسألته بلهفة خفية، وأمل يدعو بداخلها:
– وحتى لو اتجوزني إيه اللي يضايقك! كده كده المهمة هتتنفذ، بالعكس وقتها هتتنفذ أسرع.
نظر لها بغضب حارق وهو يردد:
– أنتِ مجنونة! لا طبعًا يتجوزك إيه! ي***** دي مهمة، أنا مستحيل أقبل بكده.
ابتهجت ولمعت عيناها وأصرت على الضغط عليهِ علّها تتأكد بأنه يكن لها مشاعر:
– ليه بردو؟ أنا مش شايفة فيها مشكلة! مهو هيتحبس بعدها وهكون حرة.
مد كفه يمسك كفها يقبض عليها بقوة وقال:
– مش هسمح إن شاهين يعتبرك مراته أو يلمسك.. مش هسمحله يقرب منك للدرجة دي، فيروز أنا….
صمت لثواني فقط ينظر لها، حتى سحرته نظراتها فوجد نفسه يردد:
– أنا بحبك… مش عارفة ازاي وإمتى ورغم إنه مكانش ينفع.. بس أنتِ تتحبي، وأنا بحبك…
انقطع الهواء عنها وعيناها ثبتت عليهِ وعقلها بالكاد يستوعب جملته!!
رواية فراشة في سك العقرب الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ناهد خالد
"حين تذق حلاوة التجربة الأولى تكن كل حواسك متحفزة وليس فقط لسانك عضو التذوق! جميعها منتظرة حلاوة المذاق والشعور بعدها، جميعها تتلهف لتجربة شيء ظننت أنه قد فاتك من كثرة ما تأخر، ظننت أنه لن يمر بك رغم مروره بالكثير قبلك وكأنه جاء عند عنوانك وفقد الذاكرة! أو وكأنك مهمش في هامش صفحة بيضاء في كتاب مليء بالكلمات من سيلتفت لك ويترك البقية! وحين يتوقف عندك أحدهم ستكن هذه أسعد لحظاتك على الإطلاق."
وهذه كانت أسعد لحظات "فيروز" على الإطلاق، أن يعترف لها شاب بحبه، هي من ظنت أن الحب لم يكتب أبدًا لأمثالها، والحب المقصود هنا هو الحب الحقيقي المتبادل بين الطرفين وليس من طرف واحد، هي التي لم تجرب يومًا شعور الفتاة حين يعترف لها الشاب بحبه، حمرة الخجل، التوتر، التلعثم والسعادة، لمعة العينين، والفم المبتسم بحياء وفرحة، كل هذا لم تجربه، والآن تفعل، ومع من؟ مع الذي تمنت لو ينظر لها نظرة تشعرها أنه يراها، وضعت كفها فوق قلبها الذي ينبض بقوة ألمتها، ونظرت له مبتسمة بأعين دامعة ولامعة في آن، ولم تنطق، فقط تنظر له.
شعر بها وأدرك أن اعترافه أسعدها وأخجلها معًا، فابتسم لها وهو يقول:
- مش مستنيكي تردي، أنا بس كان لازم اعترفلك باللي جوايا.
خرجت من خضم أفكارها وهي تقول بلهفة:
- يعني أنت هتهربني من عنده!
وفور انتهاء جملتها لمحت "شاهين" يأتي من خلفه لتقول فورًا:
- شاهين جاي.
اختفت ابتسامته وجمدت ملامحه ولكنه لم يتحرك من مكانه، بل ظل كما هو حتى وصل إليهما "شاهين" والذي قال بنبرة حادة واضحة:
- أتمنى ما أكونش قطعت عليكم قعدتكم الحلوة دي.
نظر له "مازن" من فوق كتفه ثم نهض يقف أمامه مباشرة وهو يقول:
- ما شفتش في بجاحتك! يعني خاطف الست اللي بحبها واللي كنت هخطبها ووقفت في المؤتمر قدام الناس كلها وقلت إنها خطيبتك، ودلوقتي جاي محموق أوي إنها قاعدة معايا! أنا لو عاوز أخدها حالًا وأمشي أنت مش هتقدر توقفني.
- أنا خاطفها! الله يسامحك.
قالها "شاهين" بنبرة مستكينة ظهر فيها براءته المصطنعة وأكمل وكأنه لم يخطفها حقًا! وينظر لها نظرة عملت معناها:
- طب ردي عليه أنت يا فيروز، أنا خطفتك؟
نهضت "فيروز" من كرسيها واقفة أمامهما بضجر من كل ما يحدث وقالت كي تنهي النقاش:
- لا مش خاطفني خالص.
تجاوز "شاهين" نبرتها الساخرة وهو ينظر "لمازن" ويقول مكملًا تلك المسرحية الدرامية السخيفة بين الجميع:
- على فكره أنا عرفت فيروز بعد معرفتك بيها بفترة بسيطة ولما أنت أخذتها لنورهان وعرفتها عليها إنها خطيبتك من قبل ما تقولها إنك ناوي تخطبها، وقتها كانت حاسة بحب ناحيتي عشان كده كلمتني، وقالت لي اللي أنت عملته فقلت لها إننا أكيد مش هنستنى لحد ما حضرتك تخطبها رسمي ولا حتى تدخل عليها بالمأذون، فخيرتها ما بيني وما بينك... وكالعادة يا مازن اختارتني أنا.
وكلمة "كالعادة" التي ذكرها كانت تعود للماضي، كأنه يذكره بأن نفس القصة تعاد مرة أخرى وهو المنتصر فيها كما حدث في قصة "ليلى"، ورغم أن "مازن" يعرف بأن "شاهين" يقول حديث ليس له أي واقع من الصحة، و"شاهين" يعرف أن "مازن" يدرك جيدًا كذب حديثه، لكن هذا لم يمنع أن يثور غضب "مازن" بداخله وغضبه الذي ظهر على ملامحه الآن ونبرته كان حقيقيًا، ليس من طبيعة الموقف الذي يحدث حاليًا، ولكن من آثار الماضي، حين اقترب منه وهو يقول:
- عشان كل مرة بتلعبها بذكاء، وأنا للأسف ولا مرة عرفت أكون زيك، بس ما تقلقش بتعلم وقريب أوي هردلك كل ده.
ابتسم "شاهين" ابتسامة ساخرة رغم تألمه من الجملة التي قالها:
- تعرف لو شغلت نفسك بأي حاجة في حياتك أكتر مني كان زمانك أنجح حد فينا، يعني على الأقل كان زمانك متجوز ومخلف، بدل ما أنت كل شوية عمال تحب واحدة وتطير منك.
ابتسم "مازن" ابتسامة قاسية وهو يقول بتوعد حقيقي:
- لا ما تقلقش المرة دي مش هتطير مني، أنا اتعلمت كويس أوي من اللي فات.
هز "شاهين" رأسه في حركة رتيبة بلا اهتمام قائلًا:
- تمام وأنا مستني أشوف، على فكره يهمني جدًا إنك تتعلم من أخطائك مش أنا زمان كنت دايما بأقولك إن الوقعة ما تكسركش بالعكس لازم تعلمك! هفرح أوي لو لقيتك أخذت بكلامي.
رفع "مازن" جانب فمه لأعلى وهو يقول بسخرية مريرة:
- لا ما تقلقش أنا كل اللي اتعلمته منك رميته في أعمق بحر قابلني، ومش فاكر منه أي حاجة، واللي بأعمل بيه دلوقتي هو اللي الأيام علمته لي.
تجاوز "شاهين" حديثه وهو يربط على كتف الآخر بقوة مقصودة وقال مستفزًا إياه:
- أكيد مش هأنسى أعزمك على فرحي، وأكيد لازم تيجي.
دفع "مازن" كفه بقوة وهو يقول من بين أسنانه:
- يا عالم مين هيعزم مين الأول على فرحه.
ونظر لـ "فيروز" نظرة أخيرة معناها واضح! قبل أن ينسحب من بينهم، كاد "شاهين" أن يلتفت لـ "فيروز" بالغضب الذي يكمن فيه الآن، ولكنه توقف حين أبصر عمه "مختار" يدلف للمكان، فقال لها دون أن يلتفت:
- تعالي أعرفك بعمي.
وذهب لتذهب خلفه وهي تزفر بضيق وقد ضاق ذرعها من هذا الحفل بأكمله.
احتضنه "مختار" يربط على ظهره بقوة وهو يقول:
- مش عيب عليك نتقابل في حفلة! يعني ما كانتش المناسبة تجمعنا ما تقولش أروح أشوف عمي أقعد معاه شوية، ولا ما وحشتكش قعدتي.
ابتعد عنه مبتسمًا بهدوء وهو يجيبه:
- أنت عارف يا عمي إني ما بأشبعش من قعدتك، بس حقيقي الفترة اللي فاتت كنت مشغول أوي.
وبعد عدة سلامات وترحيب من "مختار" بأفراد العائلة لنزولهم القاهرة لحضور الحفل السنوي للشركة، فعائلة المنشاوي أصلها يعود إلى البحيرة وما زال الجد والعمة يمكثون هناك، أما "سيف وزوجته" فبالطبع يتواجدان في فيلا "مختار المنشاوي" بالقاهرة.
وبعد أن انتهى "مختار" من الترحيب بادر "شاهين" قائلًا وهو يشير لـ "فيروز":
- بما أن حضرتك جيت متأخر فأنت ما حضرتش وأنا بأعلن عن الخبر الجديد.
نظر له باستفسار يسأله:
- خبر إيه؟
وبكل هدوء كان يعرفها له:
- فيروز خطيبتي.
ونظرة "مختار" الآن تعبر عن مدى صدمته بالخبر، ولم تكن نظرته فحسب بل خرج من صمته الذي دام لثواني وهو يقول بحدة وغضب:
- يعني إيه خطيبتك؟ طب ومراتك!
اللي هي بنتي واللي هي برضه بنت عمك إيه وضعها؟!
وقبل أن ينطق "شاهين" كان يقول الجد موجهًا حديثه لمختار:
- مختار، مش وقته الكلام ده.
نظر له "مختار" مستنكرًا:
- مش وقته طبعًا... ما كانش وقته برضه إنه يعلن عن خطوبته في حفلة كبيرة زي دي فيها صحافة وفيها مصورين قبل حتى ما ياخد رأينا، أو يعرفنا بالخبر ده.
ثم نظر لشاهين وهو يقول معاتبًا بغضبه الذي ما زال مسيطرًا عليه:
- ولا أنا بتكلم غلط؟ مش من الأصول يا ابن أخويا ياللي جدك مربيك على الأصول، إنك كنت تعرفنا وتاخد رأينا قبل ما تطلع تعلن ده قدام الكل ونتفاجئ زينا زي الغرب؟!
- في الحقيقة يا عمي إن الخبر مش مضطر أشاركه مع حد قبل ما أقوله، ولا مضطر إني آخد رأي حد فيه، وفعلًا جدي رباني على الأصول وعشان تربيته دي فأنا قبل ما أعلن خطوبتي ومن كام يوم، قلت لبنتك إنها لو عاوزة تطلق أنا ما عنديش أي مشكلة، وبنتك عارفة خطوبتي من فيروز بقالها كذا يوم، يمكن 10 أيام أو أكتر، يعني أنا صاحب الشأن معرف اللي يخصها الموضوع اللي هي مراتي، وخيرتها إني ما أحطهاش في موقف زي ده وننفصل بهدوء، ورفضت يبقى أنا ما عنديش أي غلط.
نظر له "مختار" بعتاب واضح ورفض لما يفعله وهو يقول:
- يا خسارة، معزتك عندي كانت غالية أوي يا شاهين، بس باللي أنت عملته النهاردة فأنت هديت حاجة ما بينا، وعملت حاجز عمره ما هيتهد.
نظر له "شاهين" مضيقًا ما بين الحاجبين باستغراب وتحفز للإجابة سؤاله:
- ويا ترى إيه الحاجز ده؟ هي جريمة إني أخطب؟
أجابه "مختار" في حدة وغضب:
- لا مش جريمة بس أنت عشان تخطب كسرت بنت عمك، وقليت بيها قدام الناس، خليت شكل بنتي قدام كل الناس الموجودة في الحفلة دي زي الزفت، والكل دلوقتي أكيد بيتكلم عليها إنه إزاي جوزها يعلن خطوبته من واحدة تانية وهو لسه متجوزها!
رفع "شاهين" سبابته وهو يشير له قائلًا بابتسامة بسيطة:
- بالضبط، هي دي النقطة إنهم هيقولوا إزاي جوزها يخطب واحدة تانية وهي لسه على ذمته، بس دي بقى أنا ماليش ذنب فيها، لأني قلتلها نطلق وكان وقتها لما أعلن خطوبتي دلوقتي ما حدش يجيب سيرتها ما خلاص بقت طليقتي، لكن هي اللي رفضت، يبقى أنا ذنبي إيه؟ ولا أنا كنت المفروض سواء موافقة ولا مش موافقة أطلقها وأبعتهالك على بيتك عشان أعرف أعلن خطوبتي! كنت وقتها مش هبقى ندل وكسرتها!
صمت لبرهة من الوقت ثم قال بمغزى أدركه "مختار" جيدًا:
- عمي أنت أكتر واحد عارف إن عشان غلاوتك عندي أنا عملت إيه، وأكتر واحد عارف أنا ضحيت بإيه، وإزاي عشانك وعشان العيلة دي، فما لكش حق دلوقتي تيجي تلومني لما أحب ألتفت لنفسي شوية، أعيش لنفسي بعيد عن المسؤوليات والتضحيات والعيلة..
ثم نظر لجميع الجالسين حول الطاولة وهو يقول:
- وأعتقد كلكم كنتم شاهدين على ده، فيا ريت اللي عنده اعتراض على خطوبتي يخلي اعتراضه لنفسه، عن إذنكم.
قال جملته الأخيرة وهو يلتقط كف "فيروز" ويسير بها بعيدًا عن الجمع لمنطقة هادئة يستطيع فيها أن يتحدث معها ويضع النقاط فوق الحروف.
وبعد أن ذهب نظر لهم "مختار" من بين غضبه وهو يسألهم:
- هي شدوى راحت فين؟
أجابه "سيف":
- بعد ما البيه قال مفاجئته قالت إنها هتروح الحمام، من وقتها مارجعتش.
عقب الجد المنشاوي في هدوء تام:
- سيبوها، محتاجة تكون لوحدها شوية يمكن تفوق وتراجع نفسها.
نظر له "مختار" غاضبًا يسأله باستنكار:
- هي برضه اللي تفوق؟!
أصر الجد على حديثه وهو ينظر له بقوة:
- آه يا مختار هي اللي تفوق وتعرف إن الدنيا ما بتقفش على حد ومش هتقف على شاهين، على فكرة هي كلمتني لما شاهين بلغها بخطوبته وأنا نصحتها تبعد باحترام وفي هدوء بس ما سمعتش كلامي، بنتك محتاجة تعرف يعني إيه كرامة وتتمسك بيها.
وصمت الجميع بعد حديث الجد... البعض مقتنع، والبعض الآخر غير مقتنع تمامًا ولكنه ليس به طاقة لنقاش عقيم لن يجدي بأي نتيجة.
**********
"نفقد أشياء ونودع أشخاص، تفوتنا فرص ويكسرنا فراق، تهدم أحلامًا وتتبخر أماني، نخذل ونطعن، وكل هذا لحكمة لا يعلمها الشخص في وقتها وربما يدركها لاحقًا وربما تظل مجهولة لباقي العمر، وهل في يدك أن تغير القدر؟ هل بيدك أن تتمسك بشيء كتب عليك فقده؟! القدر... النصيب.. الحكمة، بينهم ارتباط وثيق تمقته حين يكن الاجتماع على شيء عزيز عليك، ولكن كل ما تستطيع فعله هو الصراخ والبكاء والتحسر والانفجار بالشكل الذي تراه..... ثم .... اهدأ، فكر، وأخلق حكمة حتى وإن كانت الحقيقية مجهولة، ثم اندفع بها وبقوة لسير خطوات ثابتة لا يهزها ما أصبح ماضي"
وفي إحدى مستشفيات القاهرة..
منذ الأمس وهي تجلس على نفس الوضع، على إحدى المقاعد الموجودة أمام غرفة ما في إحدى طرقات المستشفى، بعدما هاتفت والدها بالأمس واستأذنت منه أن تظل مع والد مجد لأن وضعه غير مستقر تمامًا، وبحكم الجيرة والعلاقة الطيبة بين والدها والرجل لم يعترض، بل أراد أن يحضر للمستشفى لكنها رفضت خوفًا عليه، فصحته لا تحتمل جلسة المستشفيات.
تنهدت وقالت وهي تنظر لوالده الذي يسند رأسه على الحائط خلفه، وبدا على وجهه الحزن والهم:
- لا إله إلا الله يا رب ارحمنا برحمتك.
ثم اقتربت منه تقول:
- وحد الله يا عم شاكر إن شاء الله ربنا مش هيصيبك فيه.
نظر لها بأعين ممتلئة بالدموع:
- مش عارف حاله هيبقى إيه لما يصحى، مش عارف لما يفوق ويلاقي نفسه كده هيعمل إيه؟ وأنا ههون عليه إزاي وأنا عاوز اللي يهون عليا.
تساقطت دموعها وهي تستمع لحديثه ثم قالت بمواساة:
- نحمد ربنا إنه نجاه منها، دي كانت حادثة كبيرة مش هينة، وزي ما أنت سمعت الدكتور، كويس إنها جت على قد كده ولسه حسه في الدنيا.
هز رأسه مقتنعًا بحديثها ولكنه ما لبث أن قال بمرارة:
- بس أنت ما تعرفيش يا بنتي واحد طول عمره شغال بدراعه واقف على رجله لما الدنيا تيجي عليه وتهده وتاخد منه حاجة عزيزة عليه بيحس بإيه، وأنا عارف ابني لما يفوق هيحس بإيه.
- مهما كان اللي هيحس بيه أنت موجود جنبه، هتقويه وتسانده.
- هقويه وأسانده آه، لكن مش هعرف أشيل عنه، مش هعرف أخفف حمله.
خرج الطبيب من غرفته وهو يخبرهم:
- المريض بدأ يفوق وأنا برجح تكونوا موجودين جنبه في وقت زي ده، لأنه مش هيستوعب اللي حصل بسهولة، وأنا معاكم عشان لو احتجنا نديله حقنة مهدئة.
نهض "شاكر" و"مستكة" ودلفا للغرفة، بقلوب واجفة، وأعين دامعة، وأنفس داعية الله بأن يمر الأمر على خير أو على الأقل بأقل الخسائر.
وهذه أول مرة يسمح لهما برؤيته، فلقد منعهم الطبيب من رؤيته منذ أمس ورؤية وضعه الآن بعثت فيهم غصة لا تذهب، وقبضة قلب موحشة ورجفة جسد متألمة على وضعه، فما تراه العين غير ما تسمعه الأذن ويدركه العقل.
وحين استفاق "مجد" لم يكن يشعر بما حدث له، فقط ابتسم حين رأى والده وهو يسأله بصوت متعب:
- إيه اللي حصلي؟
اقترب "شاكر" من فراشه وقال بدموع واضحة:
- أنت بخير وزي الفل، ربك نجاك وكتبلك عمر جديد.
ابتسم "مجد" ابتسامة صغيرة وهو يقول:
- بتعيط يا أبا؟ لا ما تعيطش أنا مش متعود عليك أشوفك كده، وبعدين أنا كويس أهو.
ربط "شاكر" على صدره قائلًا:
- ألف حمد وشكر لله إنه نجاك، ده أنا ما أعرفش أعيش من غيرك يا مجد، أتبهدل وأتشرد وأبوك كبر ومش حمل مرمطة.
- بعد الشر عليك من المرمطة يا حاج، طول ما أنا عايش هعززك وأكرمك زي ما كبرتني وعلمتني.
ثم نظر لمستكة يقول مستغربًا:
-أنتِ هنا بتعملي إيه؟
أجابه شاكر قبلها:
-دي معايا من إمبارح من وقت الحادثة ومسابتنيش لحظة، كتر خيرها بنت أصول.
تنحنحت بحرج وهي تقول:
-أنا معملتش غير الواجب، بحكم الجيرة وبحكم عشرتك مع أبويا يا عم شاكر.
رفع مجد رأسه عن الوسادة وحاول النهوض وجاء يستند بذراعيه ليدعم جسده، لكنه شعر بشيء غريب، شيء ناقص!
وكانت الكارثة حين نظر لذراعه الأيسر الذي لم يشعر به ليجد مكانه فارغًا! فقط بروز صغير في الكتف...!!
نظر فورًا لوالده ليجده يبكي في صمت وهو ينظر له، فابتسم بصدمة وعدم تصديق يسأله:
-إيه ده؟ فين دراعي!
رد شاكر من بين بكائه:
-حالته كانت وحشة لإن العربية لما وقعت عليك هو أكتر حاجة اضررت، وأنتَ في العمليات الدكتور طلع وقالي إنه حاول كتير يفادي دراعك لكن لازمله... لازمله بتر.
أكملت مستكة الحديث بدموعها ونبرتها المختنقة:
-الدراع كان متهشم وكان مسبب نزيف مبيقفش، لو كانوا أصروا على وجوده كان ممكن يجرالك حاجة، ربنا خد منك حاجة مقابل حياتك أكيد مش هتكون أغلى من حياتك.
صرخ بهما بغضب وكسرة:
-بتقولوا إيه؟ إزاي توافقوا؟ إزاي تقبلوا إنه يبتر، محدش منكوا فكر فيا، محدش فكر في اللي بتعملوه فيا.
ووالده لم يكن قادرًا على الرد من انهياره وبكائه الذي لا يتوقف، فأخذت مستكة مكانه وهي تقول:
-لو كنا رفضنا كنت...
-موت! يا ريت... يا ريت كنت موت.
قالها بصراخ وانفعال مخيف والفراش الصغير يرتج من أسفله من عنف حركته فوقه، اقترب منه والده سريعًا يقول بخوف:
-اهدأ، اهدأ يا حبيبي ما تعملش في نفسك كده، كنت عاوز تموت وتسيبني يا مجد؟
أردف بالأخيرة معاتبًا، ليضحك مجد بألم:
-وأنا عيشتي دلوقتي إيه! مش موت! هفيدك بإيه... بقيت عاجز وعاوز اللي يعولنا إحنا الاتنين... بقيت عاجز يابا، بقيت عااااااجز...
صرخ بالأخيرة صرخة جهورية رجت قلوب الواقفين ليقترب الطبيب ويفرغ حقنة في المحلول الوريدي والتي فور أن تسربت إليه من بين ثورانه حتى ارتخى ورويدًا ذهب في نوم عميق.
********
عودة للحفل....
-قولتلك ما تقربيش من مازن تقومي تسيبيه يقعد معاكِ؟ أنتِ بتفهمي ولا ما بتفهميش؟
نفضت ذراعه الذي يمسكه بقوة وهي تقول صارخة به:
-أنا اللي ما بفهمش! وأنتَ واللي بتعمله إيه! نيوتن! أنتَ إزاي تسمح لنفسك تعلن خطوبتنا... أنتَ بتعمل إيه يا جدع أنتَ؟ عاوز توصل لفين؟ وساحبني وراك زي التور! أنا من اللحظة دي مش هعمل حاجة غير لما أفهم.
رد ببرود أغاظها:
-مش شغلك تفهمي أنا عارف أنا بعمل إيه.
رفعت حاجبها له بتوعد وقالت:
-كده؟ حلو قوي، هرجع للحفلة وأقولهم إن كل اللي قولته كلام فارغ وإني مش خطيبتك وشوشرة بشوشرة بقى! على الأقل دلوقتي أكيد بيقولوا عليا خطافة رجالة وواحدة شمال ظبط معاك عشان أملاكك وخدتك من ابنك ومراتك، لكن لما يعرفوا هيقولوا إنك اتجننت، هيقولوا شاهين بيه المنشاوي مبقاش عارف بيقول إيه.
أمسك ذراعها الذي تشيح به بقوة لاويًا إياه خلف ظهرها مقتربًا بوجهه منها وهو يقول بغضب مخيف:
-جن أما يلغبطك، مين ده يا بت اللي اتجنن! اتعدلي يا فيروز عشان ما تندميش على اليوم اللي شوفتيني فيه.
ضربت صدره بذراعها الحر الآخر وهي تهتف بعنفوان وعصبية:
-هو أنا لسه هندم؟ لسه هندم! أنا كرهت اليوم اللي قبلت بخطة مازن فيه، أنتَ مش طبيعي وبتعمل تصرفات مش طبيعية، يا مجنون..
جحظت عيناه على لفظها الأخير وإشارتها على رأسها بعلامة الجنون، ليمسك فكها بقوة كادت تكسره وهو يهدر بها:
-طب جنان بجنان، كتب كتابنا آخر الأسبوع الجاي، والفرح بعد شهر..
هدأت لثوانٍ جاحظة الأعين تحت نظرته الشامتة بحالها، وشحوب وجهها وصدمتها بما قاله، لكن سرعان ما نفضت صدمتها وهي تقاومه لتحرر ذراعها منه وتقول:
-لما تشوف حلمة ودنك... ده أنا أموت نفسي قبل ما تعملها، يا مجنون يا ابن المجانين..
صرخت حين هبط بكفه على فمها يصفعه بقوة غاشمة شعرت أن أسنانها قد وقعت من قوة الضربة، وقال بنبرة أثارت بها الرعب:
-ورحمة أمي يا بنت الـ*** لو ما لميتي لسانك لأقطعهولك، اخرسي..
صرخ بها حين أوشكت على الاعتراض والصراخ به وأكمل:
-أوعي تفكري إني ما أقدرش أعمل معاكِ حاجة وأربيكِ، أنا شاهين قادر أخليكِ تكرهي حياتك، قادر أوصلك للانتحار من غير ما أتدخل، فعقلي وارسي كده عشان ما تأذيش نفسك بنفسك، أنا مش من النوع اللي يقولك لو مش ست كنت عملت.... أنا بعمل سواء ست أو راجل، لأنها ما دام ست عاوزة تتربى وتتعلم الأدب يبقى أربيها.
نجح في إثارة خوفها، وقلقت أن يفعل لها شيئًا لن تتحمله، فقررت اتباع أسلوب مختلف فقالت بنبرة حزن وهدوء:
-هو حضرتك يعني يرضيك اللي بتعمله معايا ده؟
-آه يرضيني.
شعرت بأن ذراعها بالتأكيد قد كُسر فرفعت عيناها الدامعة بوجع له وهي ترجوه:
-طب أرجوك سيب دراعي حساه اتكسر والله.
نظر لها لثانية واحدة قبل أن يدفعها بحدة بسيطة ووضع كفه في جيب بنطاله يراقبها في صمت وهي تمسك ذراعها تتفحصه بوجه متألم، فنفذ صبره يقول:
-هبقى أجيبلك مرهم كدمات.
رفعت رأسها له بغضب وغيظ كظمته متذكرة تهديده لها، أخذت نفسًا عميقًا وقالت:
-أنا محتاجة أفهم ليه بتعمل كل ده؟ هتستفاد إيه؟ كمان... كمان حرام عليك مراتك والله، أنا لو منها كنت موت بقهرتي وجوزي بيعلن خطوبته وأنا لسه على ذمته، يعني لو في مشاكل بينكوا حلوها معاها بشكل ودي، ولو مش عشانكوا عشان السكر ابنكوا يستاهل تحاولوا عشانه.
-ما لكيش دعوة، اللي بيني وبين عيلتي ما لكيش دخل فيه، ما حدش عينك مصلحة اجتماعية.
صدمها رده ووقاحته، فضغطت على أسنانها بقوة وهي تتحكم في غضبها لأقصى حد أمام هذا المستفز، زفرت نفسًا طويلًا ثم ابتسمت ابتسامة بسيطة تقول بهدوء:
-طيب، خليني في نفسي إحنا بينا اتفاق إنك هتستخدمني ضد مازن عشان تقلب لعبته عليه، ما أفهمش أنا بقى إيه علاقة الخطوبة وكل الحوارات اللي عملتها بعد كده باتفاقنا، أنتَ باللي أعلنته النهارده ورطتني معاك وعقدت الحكاية... وأكيد يعني حوار كتب الكتاب والفرح ده كنت بتضايقني... صح؟
تساءلت بخوف واضح جعله يبتسم في خبث وهو يرى رعبها وانتظارها الإجابة، تلاعب بها وهو يقول:
-طول ما أنتِ مؤدبة أظن هنتفق.
مررت لسانها بداخل فمها في حركة إجرامية وشعور بداخلها يصرخ بها "اقتليه ولا حرج عليكِ"!
وفجأة استمعا لصوت شدوى تقول بنبرة مخيفة:
-أوه، جوز الكناريا هنا! إيه مش قادرين تبعدوا عن بعض مسافة الحفلة!
ثم نظرت لفيروز بابتسامة غريبة وهي تقول لها:
-يا ترى جبتيه في مكان بعيد وهادي عشان تعرضي عليه خدماتك وتسحريه أكتر! رغم إن ما فيكيش شيء يسحر، بس يا ترى بقى ساحراه بإيه!
أو بيعجبه إيه فيكِ.
تصنعت التفكير لبرهة ثم قالت بابتسامة خبيثة:
-يمكن بتعجبيه وأنتِ في سريره!
-شدوى!
صرخ بها شاهين بقوة جعلت ابتسامتها تختفي وهي ترى ملامحه تتحول للقتامة، الغضب ينفر من عروقه، ونظراته مميتة.
-دي تاني مرة تغلطي وتعيدي أخطائك... لتاني مرة بتذكري إني مش حلوة وما أعجبوش، وبتذكري إن في علاقة غير شرعية بينا...
المرة اللي فاتت جبتك من شعرك ومسحت بيكِ بلاط الفيلا، تحبي تجربي بلاط الفندق!
-وأنا المرة دي مش همنعها.
قالها "شاهين" لتنظر له "فيروز" بدهشة من موقفه، لكنها سرعان ما تحولت لابتسامة خفيفة وتحفز لتجربة الأمر مرة أخرى.
ولكن لم تعطِ لها "شدوى" فرصة حين انتفضت صارخة كالمجنونة تمامًا، وهي تضرب فخذها تارة بكفها، والأرض بقدمها مرة أخرى، وقالت بدموع وحسرة:
-ليييييه! بتعمل فيا كده لييييه! كل ده عشان غلطة! غلطة واحدة مش قادر تغفرها لي يا شاهين، حبك ليا ميغفرش غلطتي، تكسرني كده! تفضل دي عليا!
أشارت لفيروز باحتقار وأكملت بكلمات جارحة:
-السودا، اللي ما فيهاش ميزة واحدة، لا جمال ولا نسب ولا تشبه للهوانم في شيء، حتة جربوعة واطية جبتها من داهية وبتفضلها عليا! يا ترى طلبت منك تطلقني ولا لسه؟
-اخرسي يا شدوى.
قالها "شاهين" محذرًا من التمادي أكثر، وربما عدم اتخاذه لرد فعل الآن هو حالتها الغريبة والمقلقة فغالبًا هي على شفا الانهيار، صمتت لثانية لتجذب خصلات شعرها بقوة وهي تتابع بأعين شاخصة:
-اوعى... اوعى تكون طلبت منك تطعن في نسب تيم! اوعى يا شاهين تتخلى عني وعن ابني بسببها!
-اخرسي بقولك...
قاطعها بعنف وهو يتجه لها يمسك ذراعها يحاول التحرك بها تحت رفضها، ولكن "فيروز" شعرت أن الفرصة قد أتت لها على طبق من ذهب لتعرف حقيقة أمرهم، فركضت له تجذبها منه بقلق مصطنع:
-حاسب يا شاهين دي باين حالتها صعبة.
دفعتها "شدوى" بغضب ونظرت لها مكملة:
-عايزة ولادك منه يكونوا الورثة الحقيقيين له صح؟
-اسكتي..
زجرها "شاهين" وهو يجذبها من ذراعها بقوة لتلتفت له، ولكن وقفت "فيروز" حائل وهي تدفع ذراعه بجسدها وتفصل بجسدها بينهما قائلة بلطف زائف:
-يا شاهين براحة هي شكلها أعصابها تعبانة... على فكرة أنا ما فكرتش كده..
قاطعتها "شدوى" التي أصبحت في جهة مقابلة وقالت صائحة في وجهها:
-ما تعمليش فيها بريئة! أنا لو مكانك كنت هقول كده، كنت هطلب منه ينفي نسب تيم له عشان ما يشاركش ولادي في الميراث وهو مش ابنه، عشان ما تكونيش قدام الناس أم ابنه وهو أصلاً ما لمسكيش.. عشان...
قاطعتها "فيروز" مرددة بوجه مصدوم وأعين جاحظة وفاه فاغر:
-تيم مش ابنه!؟
هدأت ثورة "شدوى" فجأة وقد شعرت بشيء ما مريب، نظرت لـ "شاهين" تسأله بتوتر:
-هي... هي ما تعرفش!
-غبية.
الكلمة الوحيدة التي رددها "شاهين" بكره بعدما فضحت كل شيء أمام "فيروز" التي تشعر بدوامة تلف بها الآن....
رواية فراشة في سك العقرب الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ناهد خالد
الأيام جميعها تمر حتى الأكثرهم عصبة، فعلينا أن نتحلى بالصبر والهدوء كي يمر بأقل الخسائر وبعده نعيد ترتيب أوراقنا للعب من جديد.
مرَّ يوم عصيب على الجميع..
انقضى بخلافاته وصدماته وواقعه الأليم للبعض والمُدهش للبعض الآخر، وفي النهاية كان يوم كباقي الأيام ومرَّ...
نزلت درجات السلم بتوتر بالغ، فهي تعلم جيداً من ستلاقي حول مائدة الإفطار، عائلة المنشاوي التي ظهرت أمس والتي أصر شاهين على استضافتهم ليومين قبل عودتهم لمسقط رأسهم، الجد والعمة وابن العم وزوجته وبالطبع شدوى وشاهين وتيم ونورهان.
رأت الجميع متواجد، فاتجهت لأحد الكراسي الفارغة والتي كانت بعيدة عن شاهين هذه المرة وهي تلقي تحية الصباح بصوت هادئ به ارتباك يأتي من بعيد...
كانت وقتها ترتدي فستان بنصف أكمام ويصل لبعض ركبتيها بمسافة كبيرة حتى أظهر القليل فقط من قدميها، أبيض اللون بهِ رسومات كرز حمراء، بفتحة عنق مثلثية أظهرت مقدمة صغيرة من صدرها، وشعرها فقد عقدته للخلف بربطة شعر وتركت الباقي منه ينسدل على ظهرها.
جلست بعدما أجابها بعضهم والبعض لم ينطق ولم تسمع له صوتًا، تناولت شريحة خبز بارتباك لتناولها الطعام أمام الجمع الغريب عليها، وظلت تحاول الأكل رغم انعدام شهيتها.
_ ما قولتليش يا شاهين ناويت على الفرح امتى؟
حُشرت اللقمة في حلقها حتى لم تجد سبيلاً للنفس، ونظرت له على الفور بأعين متسعة بقلقٍ بالغٍ، لتلاحظ أنه يرتدي "تيشرت" من الرمادي الداكن، إذًا لقد قرر أن يأخذ اليوم أجازة، وجدته ينظر لها بأعين تلمع مكرًا فهمته وهو يقول:
_ لسه يا جدي، في شوية حاجات هظبطها الأول.
والتزم الجميع الصمت لتشيح ببصرها عنه وتنظر لـ"شدوى" لتجدها كما توقعت، تنظر لها بكره وشر واضحين، فتنهدت وهي تعيد النظر لطبقها قائلة في سرها:
_ ولا كأني هموت عليه ياختي ابعديه عني وريحيني.
علىَ رنين هاتف "شاهين" فجأة ليلتقطه ويستأذن منهم بالخروج للرد على المكالمة، وبعد خروجه انصرفت "نورهان" كي تلحق عملها، ونهض الجد لينام قليلاً فهو عادته أن يستيقظ فجرًا ولا ينام إلا في التاسعة أو العاشرة صباحًا بعد تناول إفطاره ثم يستيقظ مرة أخرى على صلاة الظهر.
تململت "فيروز" بعدم راحة وهي تجد نفسها في وسط أشخاص غرباء ومن ضمنهم التي لا تطيقها ومازالت مسلطة نظرها عليها، استمعت فجأة لصوت "سيف" يقول:
_ وانتِ بقى بتعرفي تتعاملي معاه؟ أصل شاهين دايمًا عصبي ولسانه طويل وايده أطول ولا انتِ اتعودتي؟
وعلى حديثه كان "شاهين" قد أنهى مكالمته وعائدًا للغرفة، ليتوقف خارجها وهو يسمع صوت سيف، أراد أن يسمع ردها عليهِ رغم أنه يتوقعه سلفًا.
_ مفيش داعي للكلام ده يا سيف، وبعدين كلامك مهين، معنى كده انه كان بيعمل كده مع شدوى وهي متقبلة وساكتة؟
قالتها العمة بضيق، ليعقب بمكر:
_ وليه يا عمتو؟ مش بطمن على اللي هتبقى مرات اخويا، وبعدين عشان بردو لو ماتعرفش طباعه نوعيها عشان ماتستغربوش وتاخدي عليه بسرعة.
وعقبت "شدوى" كاسرة صمتها:
_ واه شاهين دايمًا عصبي ولما بيتعصب بيفقد السيطرة على لسانه و... وايده، بس أنا عشان بحبه وابن عمي وابو ابني بستحمل وبعرف ازاي اصلح أموري معاه.
نبرتها كانت ماكرة وخبيثة بشكل واضح...
زفرت "فيروز" بخفة وهي تترك قطعة الخبز وتنظر له حيث كان جالسًا أمامها تمامًا وقالت وكأنها تجيب على عِدة أسئلة في امتحانات نهاية العام وهي توجه إجابتها لسيف:
_ بعرف اتعامل معاه؟ اه بعرف.. زي ما اختك كانت بتعرف تتعامل معاه، ولو هي اتأقلمت على غضبه وطولة لسانه... وايده، فالحقيقة أنا متأقلمتش، لأني مش وشفتش منه أي شيء من دول، وده يخليني اشك انها كانت بتخرجه عن شعوره، والانسان مننا لو خرج عن شعوره بيطلع اسوء ما فيه، يعني مثلاً....
نهضت واقفة والتفتت تستند على ظهر كرسيها والجميع يتابعها في استغراب والبعض في كره وقالت موجهة حديثها لشدوى:
_ لو عصبتيني دلوقتي وخرجتيني عن شعوري، ممكن في لحظة تلاقيني وراكي وملبسة راسك في طبق المربى اللي قدامك ده..
نهضت "شدوى" عن كرسيها فورًا بقلق تلقائي، لتبتسم "فيروز" باتساع، وكذلك العمة و"زينة"، واكملت:
_ وقتها محدش يلومني عشان انتِ اللي وصلتيني لكده، ماينفعش بقى بعدها تمشي تقولي فيروز عصبية وايدها طويلة!
ثم نظرت لهما قاصدة إغاظتهما وإشعال نيران الكره بهما:
_ بعدين شاهين مفيش اطيب منه هو بس بيتعامل مع كل واحد بأسلوبه، فالمحترم بيعامله باحترام، وقليل الأدب بي....
وقطعت حديثها وكانت التكملة مفهومة، ثم نظرت لسيف تقول له ساخرة بينما هو يرمقها بغيظ ومقت وقد وضعها ضمن قائمة الأعداء للتو:
_ وشكرًا على نُبل أخلاقك وخوفك الغير مُبرر عليا! بس أنا اعرف اخلي بالي من نفسي كويس أوي وماخليش حد يتجاوز حدوده معايا..
القت بكلماتها وخرجت من الغرفة تحت نظرات العمة المبتسمة وزينة المتشفية في "سيف" بعد أن استطاعت الغريبة لجمه ولم ينطق بحرف بعدها.
وحديثها كان صادمًا لشاهين الذي لم يتوقعه أبدًا، فقد توقع أن ترد على سيف ثائرة وتخبرهم كم هي مظلومة معه ولا تستطيع مجابهة قوته وغضبه!
ردها صدمه ورسم ابتسامة غير مفهومة على ثغره.. تشبه ابتسامة طفل سمع ثناء والدته عليه مع الغرباء!
****
حين خرجت من الغرفة وأتت لتسلك طريقها للأعلى كادت أن تصرخ حين وجدته واقفًا أمام وجهها فجأة ولكنه كان الأسرع وقد رفع كفه يكمم فمها كي تصمت، ابتلعت ريقها الذي جف أثر الخضة وأنزلت كفه بكفها وهي تبتعد مسافة صغيرة لتكون على بُعد حذِر منه جعله يبتسم ساخرًا ولكنه تغاضى عن فعلها وقال:
_ تعالي ورايا المكتب.
تحرك وتحركت خلفه ليتوقف في منتصف الصالة الواسعة حين أبصر نزول "نورهان" من الأعلى تحمل حقيبتها التي صعدت لتحضرها قبل ذهابها للعمل.
_ حبيبي أنا رايحة الشغل عاوز حاجة؟
نظر لها لثواني قبل أن يقول بضيق واضح في نبرته:
_ اه، ياريت متروحيش لمازن شغله تاني.
اتسعت عيناها بصدمة من معرفته بالأمر، وفجأة حولت نظرها "فيروز" في اتهام واضح لها جعل الأخيرة تقول سريعًا ما إن فهمت نظرتها:
_ انا والله ما قولتله حاجة.
وهنا التفت لها "شاهين" يسألها مستغربًا ومتفاجئًا:
_ انتِ كنتِ عارفة!؟
حركت رأسها مرة أخرى نافية:
_ والله ماكنت اعرف.. هي قالتلي امبارح في الحفلة.
بدت كالبلهاء وهي تحاول بقدر الإمكان إخراج نفسها من الأمر، ليلتفت "شاهين" لـ"نورهان" يقول:
_ مش محتاج فيروز تبلغني، انا بعرف عنك كل حاجة أول بأول، واعرف كمان إنك حاولتي تكلميه امبارح في الحفلة وسابك ومشي.. بلاش تقللي من نفسك قدامه يا نورهان، لإنك مغلطيش أولاً، ثانيًا هو مابيعملش اعتبار لحد وهيذلك وراه لحد ما يرضى عنك.
تدخلت "فيروز" تقول بتلقائية ورفض لحديثه:
_ ايوه بس ده اخوها!
نظر لها نظرة أرعبتها وجعلتها تقول بتوتر واضح:
_ أنا.. انا هستناك في المكتب.
وانصرفت فورًا من أمامه تحت نظراته المستمتعة بخضوعها له وخوفها منه... أحيانًا!
وقفت "نورهان" أمامه وقالت بحزن:
_ حاضر يا شاهين.. مش هروحله تاني.
أمسك كتفيها وهو يقول بحنو حقيقي وصادق:
_ يا حبيبتي انتِ ماينفعش كل يوم والتاني تروحي القسم، وفي الآخر بتمشي من غير ما تشوفيه، دخولك مكان زي ده مش مقبول بالنسبة لي حتى لو رايحة تشوفي اخوكِ.
أومأت برأسها وهي تقول:
_ معاك حق، انا روحتله ٣ مرات هناك واخرهم كان قبل الحفلة بيوم، لكن انتَ صح مش هروح هناك تاني.
رفع كفه يمسح على جانب عنقها بتشجيع قبل أن يقول:
_ يلا عشان متتأخريش على شغلك.
*****
خرجت "نورهان" من الفيلا لتتوقف عند سيارتها حين رأت ترجل "معاذ" من سيارة خلفها وهو يقول فور رؤيتها:
_ صباح الخير يا نورهان.
تخضبت وجنتيها خجلاً منه فهي لم تنسَ رسائله لها ونقاشهم، وردت بخجل:
_ صباح النور يا معاذ، جاي لشاهين؟
أومأ وعيناه لا تفارقها وقال بمرح:
_ ماهو البيه قرر ياخد أجازة عشان العيلة، وطبعًا جت على دماغي، في شوية أوراق محتاجة أمضته.
نظرت له تقول محاولة كسر حاجز التوتر بينهما:
_ شكلك معترض.
رفع كفيهِ مستسلمًا:
_ خالص، ده أنا جاي بكامل إرادتي.
ابتسمت ومازال خجلها يسيطر عليها:
_ تمام هو في المكتب جوه، تقدر تدخله.
شعر برغبتها في إنهاء اللقاء، ورغم عدم رغبته لكنه لم يجد بدًا من إطالته:
_ تمام.. مع السلامة.
أومأت برأسها وهي تفتح باب سيارتها لتستقلها، وهو عقله يتنازع بين القول والرجوع.. لكن انتصرت رغبته ورغبة قلبه وهو يقول:
_ على فكرة...
التفت له وهي ممسكة بباب سيارتها تنظر له باهتمام ليكمل رغم توتره:
- اتبسط بنقاشنا حتى لو كنا اختلفنا شوية بس اعتقد في الآخر اقتنعتِ.
أنكرت وهي تقول:
- مين قالك إني اقتنعت!
رفع حاجبه مبتسمًا:
- إنك مسحتِ الصورة مثلاً!
أصرت على عنادها وقالت:
- أنا ما مسحتهاش عشان كلامك، أنا بس لقيت فيها ديفوهات ما عجبتنيش.
ابتسمت فجأة حين قال مبتسمًا بحنين:
- فاكرة آخر واقفة زي دي بينا، وآخر نقار لينا.
هزت رأسها تؤكد تذكرها وقالت:
- قبل ما نسيب الفيلا هنا أنا ومامي ومازن، ولسه برضو بتقول عليه نقار كأننا فراخ!
لم يجيبها فقط تبادلا الابتسامات والعقول ترجع للماضي القريب، لزمن كانا فيه أقرب ولا يتعاملا كالغرباء مثل الآن، لولا تفرقهما مع تفرق العائلة لربما كان للقدر رأي آخر في قصتهما.
******
وفي مكتب شاهين..
دلف إليها بعد أن سبقته "صفاء" بقهوته كالمعتاد، ليجدها جالسة في صمت تام لم تقطعه حتى بعد دلوفه، جلس فوق كرسيه يرتشف من فنجان قهوته ببرود، وبعد ثواني كان يقول:
- طبعًا عرفتِ إن جدي والعيلة قاعدين هنا يومين، يا ريت التعامل معاهم يكون بحدود عشان ما يعرفوش منك معلومة أنا مش حابب أعرفها لهم، وكمان هنتعامل قدامهم زي أي اتنين المفروض إنهم مخطوبين.
نظرت له تقول بهدوء:
- مفهوم طبعًا، حاضر.. هكمل المسلسل السخيف اللي دخّلته غصب عني ودون علمي معاك.
رجع بظهره للوراء مستندًا على كرسيه وقال ببرود مستفز:
- شكلك متعصبة، أخلي صفاء تعملك ليمون؟
وبحديثه أشعل نيران غضبها التي كانت تحاول جاهدة إخمادها منذ أمس، فنهضت واستدارت لتصبح واقفة أمامه وقد التف بكرسيه ببرود ليصبح في مواجهتها وقالت بغضب:
- إمبارح سحبت شدوى من قدامي ورجعتها القصر قبل ما أعرف أستفسر منها على كل علامات الاستفهام اللي في دماغي، الحفلة انتهت ورجعنا كلنا وما تكلمتش معايا كلمة واحدة تريّحني من التساؤلات اللي هتاكل دماغي من إمبارح، ودلوقتي أنا عاوزة إجابة لكل أسئلتي.
سألها في هدوء تام وكأنه حقًا لا يعرف إجابة سؤاله:
- ويا ترى إيه هي أسئلتك؟
رفعت كفها لتكن أمام وجهه وهي تعد على أصابعها:
- أولًا أنا عاوزة أعرف إيه لازمة إنك تعلن خطوبتنا إمبارح في الحفلة؟ أنتَ لما جيت قبل كده وقلت قدامهم هنا إني خطيبتك سكت وقُلت ما فيهاش مشكلة لما اتنين ولا تلاتة يعرفوا إننا مخطوبين، لكن تيجي قدام كل الناس دي في الحفلة وتخلّي مصر كلها تعرف يبقى محتاجة أفهم ليه؟ وإزاي أصلاً تعمل حاجة زي دي من غير ما تاخد رأيي فيها أو تعرّفني الأول؟ أنا وقتها حسيت كأن الأرض وقعت فوق رأسي! وما بقيتش فاهمة أنتَ بتعمل إيه؟
نهض عن كرسيه ليقف أمامها وفرد إصبعها الثاني وهو يسألها بنفس هدوءه:
- وثانيًا؟
تنفست في حدّة وأجابت:
- لما قلت لشدوى إني خطيبتك أنا كنت شايفة الموضوع إنه مجرد استغلال منك، واحد بينه وبين مراته شوية مشاكل وقرّر إنه ياخد موضوع خطوبتنا زي كارت ضغط عليها عشان بقى يتصالحوا.. عشان تصلح من غلطها.. عشان تراضيه، أيًا كان السبب فأنا كنت فاكرة إن الموضوع من الناحية دي، لكن طبعًا بعد اللي عرفته إمبارح وإن أصلاً ابنها مش ابنك وكاتبها على اسمك وهو ابن حد تاني، وإنك مش معتبرها مراتك من يوم ما اتجوزتوا، يبقى أنا كل اللي كنت حطيته في دماغي وهم.. مش موجود أصلاً والموضوع أكبر من كده بكتير، ما يخصّنيش أعرف أنتَ إزاي كاتب عيل مش ابنك على اسمك، وما يخصّنيش أعرف العلاقة ما بينكم عاملة إزاي، بس يهمني جدًا أفهم أنا موقعي إيه في كل ده؟ دوري إيه في كل العكّ اللي أنا شايفاه قدامي؟ المفروض إني الست الوحشة اللي دخلت خطفت واحد من مراته ولا أصلاً ما يعتبرش متجوز وعادي إنه يخطب ويتجوز تاني!
فرد إصبع ثالث لها وقال:
- وثالثًا؟
- إيه أخرى كل ده؟ إيه آخر قصة الخطوبة والجواز والحوارات دي كلها؟ النهاية هتكون إيه؟ يا ترى في الآخر هتعرفهم إن كل ده كان مسلسل هابط ولا هتفهّمهم إننا ما اتفقناش فقرّرنا ما نكمّلش مع بعض!
رفع إصبعها الرابع لتقول قبل أن يسألها سؤاله السخيف:
- ورابعًا أنا هامشي إمتى؟ هخرج من كل ده إمتى؟
ورفعت الإصبع الأخير وهي تقول:
- وخامسًا، أنتَ ليه لحد دلوقتي ساكت وما بعتِش البنت بالورق اللي أنتَ قلتّلي عليه على أساس إنه ده الورق اللي أنا سرقته من خزنتك، والمفروض إني بعدها هسيب الفيلا وأمشي قبل أنتَ ما تكتشف إني سرقتك؟ بقالك كذا يوم ما عملتِش أي حاجة جديدة ودي حاجة غريبة، غير إني كل ما أسألك ما بيطلعش منك بإجابة واضحة.
وقبل أن يرد سمعا دقات فوق الباب تبعها دخول الحارس يبلغه بوجود "معاذ" بالخارج يريد الدخول.
نظرت له على الفور وقبل أن يجيب حارسه وقالت برفض قاطع:
- ما تفكرش تدخّله وتطلّعني قبل ما تجاوبني على كل أسئلتي، أنا مش هتحرّك من هنا غير لما تجاوبني.
رفع حاجبه في حدّة واضحة وهو يسألها:
- ده تهديد ولا لف دراع؟
لانت ملامحها وهي لا تريد أن تصل لطريق مسدود معه وقالت برجاء:
- لا ده ولا ده، بس لو سمحت ريّحني أنا من إمبارح ما عرفتش أنام من كتر التفكير وبرضو ما وصلتِش لحاجة.
نظر لها لثواني صامتًا قبل أن ينظر لحارسه ويقول بما جعلها تتنفس براحة:
- خلّي معاذ ينتظرني في اللِيفينج لحد ما أخلّص كلام مع فيروز هانم.
أومأ الحارس متفهّمًا وخرج مغلّقًا الباب خلفه، لينظر لها شاهين مرة أخرى وهو يجيبها في هدوء:
- طيب يا ترى أنتِ عاوزة الحقيقة؟ ولا عاوزانا نكمّل في لعبة اللف والدوران؟
قالت بلهفة واضحة:
- لا طبعًا يا ريت الحقيقة، لأني بجد مش تحمّل أي لف ودوران.
أشار لها على الكرسي اللي كانت تجلس فوقه وقد اتجه ليجلس فوق الكرسي الآخر، فاتجهت تجلس مقابله في طاعة متلهّفة لسماع إجابات لأسئلة أرهقت عقلها، خاصة منذ أمس.
نظر لها لبعض الوقت ثم قال:
- أولًا، أول الموضوع لما قلت لشدوى إنك خطيبتي فما كانش إني عاوز أحسّسها بغيرة ولا أشوف رد فعلها ولا أي حاجة من الحاجات دي، لأن أصلاً العلاقة ما بيني وما بين شدوى انتهت ومن سنين، لكن في نفس الوقت ما بحبّش أسيب حقي، ولو مر عليه 100 سنة باخده، وبنفس الطريقة وفي يوم من الأيام شدوى حسّستني بنفس الإحساس اللي هي دلوقتي شايفاني بدخل شخص تاني حياتي رغم إنها المفروض موجودة فيها، فلما قلتلها إنك خطيبتي أنا بس كنت بوصّل لها إحساس هي عملته فيّا زمان، عشان نبقى خالصين، ده بالنسبة لشدوى، واستخدمت نفس الموضوع عشان لما يوصل لمازن يلفّه حوالين نفسه ويلخبطه لأنه عمره ما هيتوقّع إني أخد خطوة زي دي، ولما أخدتها هو كده فهم إني ماشي بخطوات عكس اللي هو كان متوقّعها، زي موضوع خطفي ليكِ مثلًا هو عمره ما توقّعه، حتى لو فكر في 100 طريقة إني أحاول أوصّلك بيها، ما يفكّرش في دي، ومازن لما بيتلغبط بيغلط، وأنا بقى بستنّى غلطته دي أوي.
سألته في هدوء تسَرَّب إليها بعدما بدأ يشرح لها وتفهم الأمور:
- طيب وليه أعلنت خطوبتنا قدام الناس كلها؟ ويا ترى قرّرت فجأة ولا كنت مرتب كل حاجة.
ابتسم وعينيه تلمع بالمكر وقال:
- ما فيش حاجة بقرّرها فجأة، كل حاجة عندي بحسّبها كويس أوي..
ابتلعت ريقها بقلق وهي تشعر أن القادم سيصدمها..
رواية فراشة في سك العقرب الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ناهد خالد
"أي لعبة يجب أن يكون لها أصول، فمن قال إن كل شيء متاح في الحب والحرب كان مخطئًا بالطبع، فهناك أشياء لا يجب أن تدخل ضمن حروبنا وخططنا، هناك أشياء لا يمكن اللعب بها أو الرهان عليها.. كالحب مثلًا!"
ما زال الحديث مستمرًا بين "شاهين وفيروز".
سألته في هدوء تسرب إليها بعدما بدأ يشرح لها وبدأت تفهم الأمور:
- طيب وليه أعلنت خطوبتنا قدام الناس كلها؟ ويا ترى قررت فجأة ولا كنت مرتب كل حاجة؟
ابتسم وعينيه تلمع بالمكر وقال:
- ما فيش حاجة بقررها فجأة، كل حاجة عندي بأحسب لها كويس أوي.
ابتلعت ريقها بقلق وهي تشعر أن القادم سيصدمها.
********
في المستشفى التي يمكث فيها مجد.
دلفت للغرفة بعدما دقت الباب ولم تجد ردًا، ولكنها تعلم أنه مستيقظ، فلقد قابلها والده أثناء خروجه ليجلب بعض الطعام له وأخبرها أنه مستيقظ منذ الفجر ولم ينم من ليله إلا ساعات قليلة لولا الأدوية المخدرة ما كان سينامها.
التوتر والقلق سيقتلونها، فهي حقًا تخشى رد فعله فإن كان في ظروفه الطبيعية يثور عليها ويكره رؤيتها ماذا عنه الآن! ولكن على طبيعة الأحوال وعلى أي حال لم تستطيع أن تمنع نفسها من رؤيته والاطمئنان عليه.
سحبت الكرسي المجاور للفراش لتبعده قليلًا للخلف وتجلس فوقه تنظر له وهو جالس نصف جلسة ناظرًا أمامه بصمت وشرود، وكأنه لم يشعر بها، لكنها متأكدة أنه شعر بوجودها فقالت:
- إزيك يا مجد يا رب تكون كويس النهاردة؟
وكما توقعت لم تتلقَ منه أي رد فأكملت بدموع غزت مقلتيها:
- أنا عارفة إنك يعني ما بتحبش تشوفني ولا بتحب تتكلم معايا، وأكيد وأنتَ دلوقتي تعبان وزعلان مش حابب تشوفني أكتر، وأنا والله ما كنتش عاوزة أجي عشان ما أضايقكش، بس.... يعني ما قدرتش، ما قدرتش أمنع نفسي إني أجي.
وساد الصمت بينهما لثوانٍ لم يكسرها هو ففعلت وهي تحدثه وكأنه نائم فلا يسمعها حقًا:
- أنا حاسة بيك، يمكن ما تصدقنيش بس والله حاسة بيك، وعارفة يعني إيه الواحد فجأة حياته تتقلب وتتغير فيها حاجة هو ما توقعهاش، أنا بردو لما أبويا وقع فجأة من كام سنة، والدكتور قال إنه ما ينفعش يشتغل عشان قلبه ما بقاش يتحمل، ولقيت نفسي أنا وأبويا لوحدنا وما فيش حد يصرف علينا والمسؤولية كلها بقت عليا، حسيت بنفس اللي أنتَ حاسس بيه دلوقتي، التوهة والوجع والحيرة والصدمة، بس هنقول إيه... سبحان من يبدل حال بحال، وفي أول يوم قررت أنزل أشتغل فيه قابلت راجل كبير في السن لقاني بأعيط وواقفة في الشارع عاملة زي التايهة، فسألني بأعيط ليه وإيه حكايتي، وحكيت له وقتها هو كمان حكى لي حكاية..
صمتت تحاول أن تلتمس منه أي اهتمام بما تقوله، وبالفعل لمسته حين رمش بجفنيهِ لأول مرة منذ أن دخلت للغرفة، وكأنه يفيق من شروده الواهي ليستمع لها فابتسمت وهي تكمل:
- قال لي إن كان في ست أرملة عايشة في قرية هي وابنها الصغير، حالتها كانت صعبة جدًا، كانت عايشة في أوضة فوق السطوح في بيت قديم والفلوس اللي معاها بتكون على قد اليوم اللي هم فيه، يا دوب يأكلوا ويشربوا، وكانت رغم كل ده راضية وبتعلم ابنها إزاي يحمد ربنا على أي حال هو فيه، لكن كانت كل مشكلتها لما بيجي الشتا، الأوضة سقفها ما كانش متعرش كويس فكانت المطرة بتنزل عليهم، لحد ما جه يوم كان المطر فيه شديد أوي عن كل الأيام اللي قبله، فالست حضنت ابنها وقعدت وفضلت تعيط وهي مش عارفة تعمل إيه عشان تمنع المطر عنهم، لحد ما خطر لها فكرة وقامت خلعت باب الأوضة وحطته على الأرض وسندته على حيطة فبقى عامل زي المظلة وقعدت تحته هي وابنها، فحما عنهم الماية اللي بقت تنزل على الباب وتنزل على الأرض بعيد عنهم، وقعدت وهي حاضنة ابنها تحت الباب لحد ما المطرة خلصت، فالولد اللي اتعلم منها الرضا بص لها وضحك وقال لها يا ترى الناس الفقيرة اللي ما عندهاش باب نامت إزاي في المطرة دي؟! والولد هنا كان بيتكلم وكأنه غني مش عنده حتة باب يا دوب هو اللي حماه من المطر، والموضوع هنا كان أكبر بكتير من فكرة الباب، الموضوع هنا كان إن الولد ده بيدور على أي سبب في حياته يخليه يحمد ربنا ويرضى بيه.
صمتت قليلًا تأخذ نفسها ثم قالت:
- يمكن دلوقتي حاسس إنك فقدت حاجة كبيرة، ومش عارف إزاي حياتك هتمشي من غيرها، لكن لو فكرت فيها هتلاقي إنك آه فقدت جزء من جسمك، بس على الأقل لسه عندك القدرة إنك تشتغل وتتحمل مسؤولية نفسك ومسؤولية أبوك، يعني تخيل لو الموضوع كان أكبر من كده وحالتك أسوأ كان الوضع هيكون إزاي، على فكرة الدكتور قال لنا إن كانت في خبطة في ضهرك شديدة، وقريبة من... من....
ظلت تحاول تذكر المسمى الذي قال عليه الطبيب لكنها فشلت فقالت بضجر:
- حاجة كده مش فاكرة اسمها إيه، المهم إنه قال لو كانت الخبطة دي أشد شوية، يمكن كانت عملت لك شلل.. فيا ترى بقى حالك دلوقتي أحسن ولا حالك لو كان لا قدر الله حصل زي ما الدكتور قال؟
وجدت عضلات وجهه تتحرك بقلق واضطراب وكأنه لمجرد تخيله للأمر لم يستطع الصمود، فابتسمت وهي تُكمل:
- ووقتها أكيد كنت هتكون عاجز أكتر من كده بكتير، ولو سألتني عن رأيي أنا مش شايفة إن أنتَ دلوقتي عاجز أصلًا، أنتَ عندك ورشتك بتاعتك أنتَ يعني أنتَ مش شغال عند حد عشان بعد اللي حصلك ده يطردك من الشغل، يعني لسه في إيدك تفضل مكمل في شغلك وفورشتك وتحمد ربنا إن الحادثة جت في إيدك الشمال، يعني لسه عندك إيدك اليمين تقدر تستخدمها وتكمل شغلك، أنا أعرف ناس خسروا إيدهم الاتنين وبيعافروا ويشتغلوا، أنا عارفة ومتأكدة إن الموضوع مش بالسهولة دي، وإن أنتَ حقك تأخذ وقتك عشان تتقبل الوضع الجديد وتستوعب الصدمة، بس في فرق ما بين إنك بتأخذ وقت عشان تستوعب اللي حصلك، وما بين إنك خلاص استسلمت وشايف إن حياتك وقفت، إن ما بقاش لك لازمة زي ما قلت لأبوك امبارح، أحمد ربنا يا مجد على إنها جت على قد كده، وإنك خرجت منها بخسارة قليلة عن أي حاجة تانية كانت ممكن تحصل، أنتَ لو كان جرى لك حاجة ما كنتش هتموت لوحدك، أبوك كان هيموت وراك، فكر في الراجل اللي ضيع شبابه كله عليك عشان يصرف عليك ويكبرك ويعلمك صنعة استندت عليها وقدرت بيها تعيش نفسك وتعيشه، فكر فيه إنه مش بعد ما كبر ما بقاش يقدر على شغل ولا مرمطة أنتَ كمان تتخلى عنه وعن مسؤوليتك ناحيته وتستسلم لوضعك ده، أنا آسفة لو كان وجودي مضايقك بس زي ما قلت لك ما قدرتش أمنع نفسي إني أجي أشوفك، وما أقدرش أوعدك إني ما أجيش تاني طول ما أنتَ في المستشفى..
أنهت حديثها ونهضت تنظر له نظرة أخيرة قبل أن تخرج من الغرفة، لتتحرك رأسه تجاه الباب وكلماتها تعاد في عقله من أول وجديد وكأنها تتحدث له مرة أخرى وتبعث له قوة خفية ستعلن عن نفسها قريبًا وتجعله يتخطى ما حدث له... ومع نهاية كلماتها وإعلانها أنها ستأتي مجددًا ارتسمت الراحة على ملامحه بشكل غير مفهوم!
*****
وفي مكتب مازن بقسم الشرطة.
تعالت ضحكات مدحت وهو يقول بعدما هدأت ضحكاته:
- مش قادر... يا لهوي... أنا لما شفت الخبر كنت هاموت وأشوف شكلك، يا ابني ده شاهين سنترها.. يعني بص أديهالك في الجون.. طب بذمتك أنتَ كنت تتخيل إنه يعلن خطوبته بيها في وسط حفلة زي دي؟
أخرج لفافة تبغه من بين شفتيه لينفخ دخانها وهو يقول بوجه واجم:
- لا ما كنتش أتخيل، وأنا من أمتى كنت أتخيل حاجة بيعملها عشان أتخيل دي، بس مش مهم كنت أتخيلها ولا لأ، المهم أنا رديت بإيه...
سند "مدحت" ذراعه على المكتب وهو يقول بتنهيدة حالمة مصطنعة:
- آه، أشجيني يا سوبر مان رديت بإيه؟
ضرب "مازن" سطح المكتب بكفه بقوة وهو يقول بغضب واضح لا يقبل النقاش:
- مدحت لو ناوي تأخذ الموضوع تريقة يبقى وريني عرض كتافك أحسن.
اعتدل "مدحت" في جلسته وهو يقول معتذرًا:
- خلاص يا عم ما تقفش، مش قصدي أعصبك، طب خلاص قول عملت إيه؟
نظر له لثوانٍ بعينيه الغاضبتين وكأنه يفكر فيما سيقوله وقال فجأة:
- قلت لها إني بأحبها.
رمش "مدحت" بأهدابه عدة مرات وكأنه يستوعب ما يسمعه وقال:
- إيه؟ قلت لها إيه؟
نهض "مازن" يطفئ لفافته في المطفأة وهو يقول زافرًا أنفاسه بضيق سافر:
- زي ما سمعت.
نهض "مدحت" يقف أمامه يسأله بجهل:
- يعني إيه قلت لها بأحبها؟ طب أنا مش فاهم يعني هو ده ردك على اللي عمله شاهين؟ طب إيه علاقته! وأصلًا إزاي تقولها إنك بتحبها فجأة كده؟ هو أنتَ بتحبها فعلًا؟ أنا مش فاهم حاجة!
نظر له "مازن" نظرة حائرة وقال بتردد حقيقي:
- مش عارف... مش عارف إذا كنت بأحبها ولا لأ، بس أنا لقيت نفسي بأقولها إني بأحبها... أنا يمكن حاسس بمشاعر جوايا ليها بس ما أعرفش إذا كانت حب ولا لأ.
سأله "مدحت" مذهولًا:
- وما دام ما تعرفش إذا كان حب ولا لأ، إزاي تعترف لها بحاجة زي دي وأنتَ نفسك مش واثق ومش متأكد منها؟ أنتَ كده بتلعب بيها لتالت مرة! بتلعب بيها يا مازن والمرادي غير كل المرات اللي فاتت، موضوع الحب ده بالذات ما فيهوش لعب ما ينفعش تخدعها في حاجة زي دي!
مرر أصابعه في خصلات شعره بقوة يشد عليها وهو يقول بعصبية:
- ما كانش قدامي حل تاني، أنا حسيت إنها ممكن في أي وقت بعد اللي شاهين بيعمله واللي أنا مش فاهمه تقلب عليا وتروح تعترف له فعلًا بالحقيقة، وتبقى معاه ضدي، أنا كنت شايف وعارف إنها ميالة ليا، حسيت إن لازم أبين لها إن أنا كمان زيها عشان أديها أمل في ده، فتفضل متمسكة بيا ومهما شاهين عمل ما تغدرش بيا، بس في نفس الوقت أنا فعلًا حاسس بمشاعر ناحـ....
قاطعه مدحت بغضب حقيقي:
- ما تقولش حاسس بمشاعر ناحيتها.. واضحة زي الشمس على فكرة، أنتَ اعترفت لها الاعتراف ده عشان بس تضمن إنها تفضل منحازة لك أنتَ، تفضل معاك ما تتقلبش ضدك زي ما أنتَ بتقول، عشان تضمن إن شاهين ما يكسبهاش لصفه..
قال فجأة خارجًا عن سياق الموضوع:
_تخيلِ نورهان حكيت لها إنها بتجيلي المكتب وأنا برفض أشوفها، ومتأكد مليون في المية إنها قالت لها إن شاهين ما بيعملش معاها كده، وقد إيه أنا واحد قاسي وقلبي حجر.
أشار "مدحت" له بسبابته وهو يقول كأنه مسك عليه جرمًا:
_شفت؟ أنتَ دلوقتي أكدت لي إنك قلت لها كده عشان بس حسيت إنك مش على أرض ثابتة، وفي أي وقت ممكن تبدأ تشغل عقلها وتقارن وأنتَ عارف إنها لو قارنت في الوضع اللي هي فيه دلوقتي شاهين هيفوز، ويمكن ساعتها زي ما أنتَ قلت تروح تحكي له على الحقيقة وتبقى في صفه هو ضدك، بس زي ما أنا كنت من الأول رافض اللي بتعمله، دلوقتي أنا رافضه أكتر بكتير.. اللي بتعمله غلط وحرام عليك ما ينفعش تعلق البنت بيك وأنتَ أصلًا مش في دماغك.
صرخ به في نفاد صبر:
_وأنتَ مين قالك أنها مش في دماغي؟ هو أنتَ ما بتسمعش؟ بقولك أنا حاسس في مشاعر..
قاطعه مرة ثانية وهو يقول:
_عشان أنتَ ما نسيتش ليلى... عشان مش هتعرف تميل ولا تحب واحدة غيرها طول ما هي جواك.. تنكر إنك لسه بتحبها؟
وصمته كان خير إجابة، فأكمل "مدحت" باشمئزاز من أفعاله:
_وعلى فكرة أنا برضه من موقعي ده شايف إن شاهين أنبل منك، على الأقل هو صريح وواضح وما بيستخدمش أساليب حقيرة عشان يكسب في لعبته.
عقب "مازن" ساخرًا وقد اشتعل الغضب بداخله أكثر فأكثر ما يؤجج غضبه أن يذكر أحدهم "شاهين" بالحسنى أمامه:
_ما بيستخدمش أساليب حقيرة؟ ولما خطفها وهو عارف إنها تخصني ده ما كانش أسلوب حقير؟ ولما أعلن خطوبته بيها وهو عارف إنها برضه تخصني برضه ما كانش أسلوب حقير!
أصر "مدحت" على موقفه:
_لا ما كانش أسلوب حقير، لأنه لما أعلن خطوبته بيها هو عارف باللي هي حكته له إن دي لعبة ما بينكم، وإنك أصلًا ما فيش أي حاجة بينك وما بينها، ولما خطفها في الأول فهو كان بيرد لك قلم أنتَ عملته زمان ودخلت فيه الحريم بينكم، بس ما شفتوش عذبها ولا موتها مثلًا ولا آذاها هي شخصيًا في حاجة، تبقى الأساليب الحقيرة اللي أنا بتكلم عنها إنك بتأذيها هي في لعبتكم دي، مش بتأذي شاهين.
رفع رأسه في عناد واضح وهو يقول:
_كل شيء مباح في الحب والحرب، واللي ما بيني وما بين شاهين حرب.
اعترض مدحت:
_أولًا دي جملة عقيمة، ما فيش حاجة اسمها كل شيء مباح في الحب والحرب، لأن في حاجات ما ينفعش تدخل طرف أصلًا لا في حب ولا في حرب، ثانيًا هقولها لك ثاني أنتَ بتلعب على الطرف الضعيف في الحكاية مش على شاهين، الحرب بينك وبينه، لكن أنتَ بتأذيها هي في النص، وصدقني نهاية الموضوع ده كله مش هتخلص على خير.
ولكن من يسمع ومن يعقل؟ فلكل منا شيطان يأتي من نفسه فيسوقه!
******
في مكتب شاهين بالفيلا...
_جدي هو اللي كبر الموضوع في دماغي وخلاني أشوفه من منظور ثاني.
نظرت له بجهل لفهم مغزى حديثه وسألته:
_يعني إيه تشوفه من منظور ثاني؟
نقر بأصابعه فوق المكتب لثوانٍ وكأنه يفكر فيما سيقوله ثم قال:
_جدي كان حاسس إن في حاجة في الموضوع مش طبيعية، لأن أبسط حاجة لو كان في موضوع خطوبة فعلًا أكيد كنت هقوله قبلها بمدة طويلة، عشان كده بعد كام يوم من معرفته بالخبر كلمني، ووقتها أنا اعترفت له أن الموضوع كله مش حقيقي، وقبل الحفلة بيومين في مكالمة ما بينا فتح معايا الموضوع ثاني وقتها لقيته بيقولي…
"وليه ما تقلبش التمثيلية حقيقة، لو شايف إن البنت دي تنفعك ولو 50% وتستاهل تشيل اسم شاهين المنشاوي ليه ما تعملش كده! شاهين أنتَ بتكبر ولازم يكون لك أولاد من صلبك، آه بتعتبر تيم زي ابنك بس هو في الآخر مش ابنك، لازم تستقر يكون لك عيلة وزوجة تكون واجهة اجتماعية كويسة ليك، وأنتَ عمرك ما هتختارها لا بالحب ولا بالإعجاب، لأن بعد اللي حصل زمان الستات بقت ما بتلفتش نظرك أصلًا وطول الوقت مركز في شغلك وبس، ليه ما تعتبرش البنت دي ربنا بعتها ليك عشان تكون من نصيبك! لو عاوز نصيحتي لو متقبل وجودها في حياتك ولو بنسبة بسيطة ومتقبل إنها تكون مراتك، ما تضيعش الفرصة من إيدك"
-أنتَ روحت فين؟
سألته حين طال شروده وصمته فقال منتبهًا لها:
-يعني قالي إني محتاجة أكون عيلة ويكون عندي أولاد، فليه ما تكونش خطوبتنا حقيقة ونكمل سوا.
سألته بأعين جاحظة:
-مين؟ مين دول اللي يكملوا سوا؟؟
رد في هدوء تام:
-أنا… وأنتِ.
******
شركة مختار المنشاوي..
وفي مكتبه..
كان يتحدث في الهاتف إلى والده وبكل غضب وعصبية يقول:
_أنا مش هقبل بالمهزلة دي تحصل، مش بنت مختار المنشاوي اللي جوزها يتجوز عليها قدام المجتمع كله.
رد الجد في هدوء:
_لو عاوز ترد كرامة بنتك من شاهين بعد اللي حصل امبارح... خليها تطلب الطلاق، وده أحسن رد اعتبار ليها، الناس هيقولوا ما قبلتش على نفسها جوزها يتجوز عليها فاطلقت.
ثار شيطان غضبه أكثر وقال:
_ويروح يتجوز الجربوعة اللي جايبها لنا لا ليها أصل ولا عيلة وبعدها تقنعه يطعن في نسب تيم له عشان تكوش هي وعيالها منه على أملاكه كلها.
سأله الجد مندهشًا:
_هو أنتَ يهمك بنتك وكرامتها، ولا أملاك شاهين؟
_يهمني أنه ما يطعنش في نسب تيم، لأني مش هتحمل الفضيحة دي وقتها، ومش بعد محاربتنا زمان عشان نلم الفضيحة ييجي بعد السنين دي كلها والكل يعرفها.
_ما تقلقش يا مختار شاهين عمره ما يعمل كده، ولو مش عشانك ولا عشان بنتك فعشاني أنا، ما تنساش إن الفضيحة دي هتلط سمعتي برضه.
_وليه بتتكلم كأن ما ليش حق أخاف على أملاك شاهين؟ هو أنتَ ناسي إن غير أملاكه هو له نسبة في شركتي؟
احتدت نبرة الجد وقال:
_ويا ترى ده يديك الحق إنك تحرمه يكون له أسرة وعيال! لو ده اللي مضايقك اتكلم مع شاهين وخليه يخلص نصيبه في شركتك، اللي هو نصيب أبوه اللي يرحمه، أنا رفضت زمان عشان خفت شركة شاهين تقع وما يلاقيش حاجة يتسند عليها، لكن دلوقتي هو مش محتاج نصيبه في شركتك، كلمه وخلصوا الموضوع سوا.
أردف بتعنت:
_هكلمه وهنخلص الموضوع بس برضه مش راضي بجوازه من البت دي.
علا صوت الجد وهو يردف بغضب:
_أنا عاوز أفهم هو أنتَ وبنتك عاوزين إيه؟ احمدوا ربنا إن شاهين اتستر عليها زمان وكتب الواد باسمه، ولولا أنه عمل كده كنا حطينا راسنا في الطين من سنين... عيلة المنشاوي اللي طول عمرها يتهزلها ألف شنب ولها اسمها وسيرتها الكويسة بنتك كانت هتمرمغ بيها الأرض، كنا هنقع ومش هيقوم لنا قومة بعد اللي بنتك عملته، وبعد ما راحت غلطت مع واحد لحد دلوقتي احنا ما نعرفش هو مين، ولحد دلوقتي هي مش عاوزة تعترف عليه، بنتك لولا أن شاهين رحمها زمان كان زمانها ميتة وأنا اللي كنت هقتلها بإيدي.
_يا بابا..
حاول "مختار" الحديث ليقاطعه الجد بنفس غضبه:
_أنا اللي هجوزهم يا مختار، واللي هيقف في وشي أو في وش سعادة حفيدي أنا اللي هربيه من أول وجديد أوعى يكون كبر سني نساك مين هو المنشاوي ونساك أنا محيت كام شخص من طريقي لما فكروا زمان يقفوا قدام مصلحتي.
وأغلق الخط فورًا... وكان تهديدًا واضحًا لـ"مختار" بألا يفكر في التدخل..
*******
فيلا شاهين المنشاوي...
كانت ما زالت في صدمتها حين دلف الحارس مسرعًا يبلغ شاهين:
_شاهين باشا.. المنشاوي بيه طالب حضرتك والهانم بره وباين عليه أنه متعصب على الآخر.
نهض "شاهين" مسرعًا في قلق على جده فالغضب يرفع من ضغط دمه لدرجة أحيانًا تفقده الوعي، واتجه للخارج ليتوقف على باب الغرفة وهو يراها ما زالت جاحظة العينين وتجلس محلها بعد اعترافه الصادم، فاتجه لها يلتقط كفها وهو يقول:
_مش وقت صدمة...
وسحبها خلفه للخارج لتنتبه لما يحدث، ولكنها لم تسمع جملة الحارس فلا تعرف لما يسحبها هكذا!
توقف ووقفت جواره وهو ما زال ممسكًا بكفها ورمشت بأهدابها حين رأت الجميع ما عدا "نورهان" التي ما زالت في عملها و"تيم" الذي يلعب في الحديقة يجتمع أمامها، والجد واقفًا في المنتصف مستندًا على عصاه الذهبية وقال بصوت قوي:
_اللي هقوله دلوقتي هيتنفذ، ومش هقبل أي اعتراض من أي حد...
مرر نظره على الجميع ليجدهم قلقون ومترقبون للآتي، فقال ناظرًا لشاهين وقد لانت نظراته:
_أنا زمان غصبتك تتجوزها وجبت المأذون وكتبت كتابكم وأنا عارف إنك رافض، وزي ما عملت ده زمان من غير ما أسمع لحد، دلوقتي ومن غير ما أسمع لحد برضه.. كلمت المأذون وجاي في الطريق عشان يطلقكم.. وأصلح غلطي في حقك من سنين.
صرخت "شدوى" وقد أصابها الجنون:
_يعني إيه؟! أنا... أنا مش عاوزة أطلق... مش موافقة..
نظر لها الجد بصرامة:
_موافقتك ما لهاش لازمة، أنتِ تحمدي ربنا إني ما قتلتكيش لما اكتشفنا حملك ورفضتي تقولي من مين.. واحدة زيك ما لهاش عين ترفض ولا تقبل جوازها ولا طلاقها..
عاد ينظر لـ"شاهين" الذي رأى الراحة ترتسم على وجهه لأول مرة منذ سنوات، وقال:
_وتبلغ رجالتك يرتبوا الأمور عشان كتب كتابك على فيروز هيكون بعد بكرة.
وفيروز! هل لها أن تفقد الوعي!!!!
ملاحظة: النص الذي قدمته فارغ ولا يحتوي على محتوى يمكن معالجته بخلاف عبارات المتابعة والدعوة للنقر. بناءً على تعليماتك، سأقوم بحذف كل المحتوى غير النصي.
الناتج:
(لا يوجد نص هنا لعدم وجود محتوى أصلي في المدخل)
رواية فراشة في سك العقرب الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ناهد خالد
شعرت وكأنها غرقت في محيط لا يمكن النجاة منه،
ما سمعته الآن وما يحدث كان أكبر وأخطر من كل توقعاتها،
وتوقعات شريكها في المهمة "مازن".
هزت رأسها محاولة الخروج من صدمتها
وشعرت أن لسانها قد عُقد من هول ذهولها،
وفورًا وجهت نظرها للذي ما زال يمسك كفها بقوة،
وكأن نظرتها له الذي شعر بها هي ما دفعته لنجدتها بحديثه حين قال:
_ بالنسبة لطلاقي من شدوى زي ما حضرتك تحب.
شهقة قوية عالية خرجت من "شدوى"
التي أحياها في أول جملته وقضى عليها في آخرها،
لتهرع فورًا تتجه له تمسك ذراعه برجاء وتذلل:
_ شاهين! شاهين أنتَ موافق تطلقني! هو أنتَ مش المفروض بتحبني!
بدت كالتي على حافة الانهيار حقًا،
دموعها التي لطخت بكحل عينيها،
ونظراتها الضائعة غير المستقرة،
حتى حركات جسدها العصبية المتوترة.
نظرت لكفه المُمسك بكفها
لتمد كفيها فورًا تفصلهما وهي تقول بانهيار ونبرة صارخة:
_ أنتَ ماسك إيدها كده ليه! سيب إيدها..
وحركتها العصبية أقلقت "فيروز" بالفعل،
خاصة وقد رأت أظافرها تخدش كف "شاهين"
مُحدثة احمرارًا واضحًا على كفه الأبيض،
فحاولت سحب كفها بقلق لكنه ضغط أكثر
حتى شعرت بعظام كفها تؤلمها بحق من قوة الضغط.
وبكفه الآخر أبعد كفي "شدوى" بقوة غاشمة،
فنظرت لكفيها بذهول وفجأة ضحكت ضحكة صغيرة
من قسوة ما شعرت بهِ،
ونظرت له تسأله بحذر:
_ أنتَ... أنتَ بتزق إيدي عشانها! شاهين أنتَ ما بقتش تحبني؟
سألته بآخر سؤالها وقد تحولت نبرتها لأخرى باكية،
وراجية أن يخبرها بالعكس،
يخبرها أنه يحبها ولكنه غاضب وناقم على ما فعلته بهِ،
وسترضيه، تقسم أنها سترضيه وتراضيه بالطريقة التي يفضلها،
فقط لا يتركها، لا يستبدلها بأخرى..
وهنا ترك كف "فيروز" التي مسدت كفها بوجع،
اقترب منها حتى وقف أمامها وسألها بنبرة هادئة مرعبة:
_ بحبك؟ أنتِ بجد بتسأليني؟ طب قوليلي أنتِ بتحبيني؟
أحيا أمل بقلبها لتهدأ فورًا وهي تومأ برأسها قائلة:
_ بحبك.. أنتَ عارف إني ما حبتش غيرك.
هز رأسه وهو يكمل سؤاله:
_ ولو اتجوزت فيروز، هتفضلي تحبيني؟
توحشت نظراتها وغامت عيناها بغضب وكره وهي تقول بحماقة أدركتها بعدها:
_ مش هسامحك، عمري ما هسامحك لو دخلتها حياتك وطردتني أنا بره،
ويمكن أكرهك.. مش عارفة بس حتى لو فضلت أحبك عمري ما هكون ليك تاني يا شاهين
وهتخسرني للأبد، لأن الموضوع ده بالذات ما فيهوش سماح
ولا ينفع تستخدمه كتهديد أو عقاب ليا.
ابتسامة صغيرة ارتسمت فوق شفتيهِ وهو يقول بنبرة هادئة تمامًا:
_ بالضبط، أنتِ اللي حكمتي اهو لما حطيتي نفسك في موقف زي ده،
لمجرد التخيل قولتي اللي قولتيه،
زعلانة ليه بقى إني عملت كده!
سواء بحبك أو لأ فغلطتك مستحيل أسامحك عليها،
وباللي عملتيه خسرتيني للأبد.
اختفت ابتسامته واحتدت نظراته وهو يشير لأرجاء المنزل:
_ هنا.. في نفس المكان ده، وبنفس الواقفة دي،
قولتي أنا مش عوزاه ومش عاوزة اتخطبله،
بعد ما كنا محددين الخطوبة كمان ٣ أيام،
وقفتي تصرخي في جدك وتقوليله أنا مش عوزاه وأنتَ مش هتجبرني..
أشار للجد في جملته الأخيرة وأكمل ساخرًا:
_ شديتوا مع بعض واتعصبتي أكتر فوقعتي..
قطع حديثه فجأة وهو ينظر لفيروز يأمرها:
_ فيروز استنيني في المكتب لحد ما أناديكِ.
أدركت أنه لا يريدها أن تسمع ما سيقوله،
فانسحبت تحترم خصوصيتهما في الظاهر..
أما في الحقيقة فهي وقفت في غرفة المكتب ملتصقة بالباب
كي تكمل باقي القصة حتى وإن كانت لا تسمع بعض الجمل.
_ معاذ لو سمحت، لو معاك أي ورق أو شغل أجله أنا مش فاضي النهاردة.
_ تمام يا شاهين.
وانسحب هو الآخر محترمًا خصوصية الأمور بين العائلة،
فحتى وإن كان يعلم أن تيم ليس بإبن حقيقي لشاهين
لكنه لا يعرف أي تفاصيل أكثر.
وبعدما لم يبقَ في محيط المكان سوى "شدوى والجد والعمة وسيف
الذي صرف زوجته فور انصراف فيروز"
أكمل حديثه لها وهو يقول:
_ وقعتي وجه الدكتور عشان يبلغنا بخبر مفرح..
خبر حملك، حملك اللي لحد الآن رافضة تقولي من مين،
لحد الآن رافضة تعترفي على الندل اللي خونتيني معاه..
وكنتِ هتكملي وهتتخطبيلي لولا إنك عرفتي بحملك
فخوفتي وحبيتِ تهربي مني فقولتي مش عاوزة اتخطبله ومش عوزاه.
اقترب خطوة أخرى منها وردد بخطر:
_ لولا جدك وأبوكِ، وعزة جلال الله كنت قبضت روحك وقتها،
بس هم اللي منعوني.. ولسه بجحة وليكِ عين تسأليني بحبك!
لم تنقطع دموعها وهي تقول بنبرتها المفتورة:
_ أنا غلط.. عارفة والله، بس.. أنا..
قاطعها وهو يمسك ذراعها بقوة مرددًا:
_ قولي هو مين؟ قولي وأنا مش هسامحك لأن دي حاجة مبقتش في إيدي،
بس مش هطلقك.. أصلاً طلاقنا من عدمه مش فارق معايا،
لو مش عاوزني أطلقك فعلاً قولي هو مين؟
زاد بكاؤها وهي تهز رأسها نافية بقوة وهستيريا،
ثم قالت بتقطع:
_ مش.. هقدر.. مش هينفع..
ترك ذراعها منفضًا إياها بقسوة وهو ينظر لها باشمئزاز:
_ كنت عارف إنك مش هتقولي..
ومش قادر أستوعب رغم اللي عملته فيكِ زمان
وإني دلوقتي بخيرك على حاجة هتموتي عليها
وبرضو مش عاوزة تعترفي عليه!
ليه؟ خوف عليه؟ ولا خوف منه؟
ولا كانوا كتير فمتعرفيش هو مين فيهم!
على صوت بكائها أكثر وهو يرميها بتهمة بشعة لا يتحملها أحد،
تمنت لو تستطيع البوح،
تمنت لو بإمكانها الاعتراف عليهِ،
ولكنها لا تستطيع وإن قتلوها لن تفعل.
_ باشا.
التفت على صوت أحد الحراس والذي قال:
_ فيه شيخ بره بيقول إن المنشاوي بيه طلبه.
ارتفع صوت "المنشاوي" يقول:
_ خليه يدخل.
ركضت لجدها تمسك كفه وهي تترجاه للمرة الأخيرة
ألا يذبحها، ألا يأخذ منها ما هو عزيز عليها،
فترجته بنبرتها الباكية:
_ جدو، أرجوك متعملش كده، جدو أنا...
أنا مش عاوزة أطلق، وموافقة إنه يتجوز بس يسبني على ذمته.
نظر لها الجدة نظرة قاسية يداري خلفها حزنه عليها وقال بقوة:
_ كفاية... كفاية احفظي كرامتك،
كفاية تقلي بنفسك أكتر من كده،
فوقي لنفسك بقى مايصحش اللي بتعمليه ده!
كادت أن تتحدث ليمسك ذراعيها بعدما ترك عصاته تسقط أرضًا
مدوية صوتًا ضرب صداه قلبها:
_ المأذون هيطلقكوا، وبعدها هتيجي معايا البحيرة..
وجودك هنا مبقاش له داعي.
قطبت ما بين حاجبيها مستنكرة وهي تصرخ رافضة:
_ لأ، أنا عاوزة أقضي فترة عدتي هنا!
هز رأسه غير مستوعبًا جملتها وما تحاول فعله
وهزها بقوة يردد:
_ لسه بتعملي حوارات!
أنا عارف إن شاهين طول السبع سنين دول ما لمَسْكِيش،
يعني أنتِ شرعًا ملكيش عِدَّة أصلاً.
_ جدو...
رددتها وهي تميل برأسها لعلّه يعطف عليها،
لعلّها تنال شفقته،
لكنه كان مُصرًا بنفس إصراره يوم أن زوجها لـ"شاهين".
_ سيف خد أختك طلعها فوق.
_ لأ... أنا مش موافقة.. لأ...
أخذت تصرخ وتتلوى بين ذراعي "سيف"
الذي أخذها للأعلى محاولاً التحكم بها مع معافرتها له.
*****
في المستشفى التي ما زال "مجد" يمكث بها..
_ يا بني يا حبيبي الموضوع دلوقتي بقى غير زمان،
ولو زي ما بتقول شكلك.. فأنتَ تقدر تركب طرف صناعي.
نظر له وكأنه يعاتبه على قسوة جملته التي يستهين بها،
فقال بإصرار:
_ أيوه ما تبصليش كده!
احنا لازم نتكلم دلوقتي في الواقع،
مش هقعد أواسيك، لازم تفوق وتشوف هتعمل إيه،
وده حل كويس، حتى هيحسسك في أوقات كتير إنك ما خسرتش دراعك..
مش كده أحسن ما تلاقي مكانه فاضي!
ونفس النظرة وجهها له مرة أخرى،
لينهض "شاكر" يقف يجاوره تمامًا وهو يضع كفه على رأس الآخر وقال:
_ والله ما بقسي عليك،
أنا عاوزك تقف على رجليك،
عاوزك تعدي محنتك ومتسيبش حاجة تكسرك،
الراجل لما بيخسر حاجة بيدور على حاجات تانية يكسبها ويعوض خسارته،
انشف يا مجد وخلي خسارتك بداية جديدة لحياة أحسن من اللي كنت عايشها،
أنا مخلِّف راجل.. مش كده؟
وضغطه بالحديث كان أصعب من أن يتحمله "مجد"
الذي كان يذم شفتيهِ المرتعشتين بقوة
يمنع نفسه من نوبة بكاء لا يريد إخراجها أبدًا،
أليس برجل كما يقول والده؟
وأليس الرجل لا يبكي؟
لكنه لم يستطع الصمود طويلاً،
ففور أن أنهى والده حديثه انفجرت نوبة بكائه
لِيَسْرَعْ "شاكر" باحتضان رأسه وهو يقول بدموع تساقط حزنًا على ولده:
_ عيط.. عيط عشان لما تقف على رجليك تبقى قفلت الأيام دي بكل الوحش اللي فيها..
عيط عشان تفوق.
وهو لم يحتاج لكلام أكثر من هذا ليبكي من كل قلبه،
يبكي بحرقة على وضع لم يتخيل نفسه فيهِ يومًا،
يبكي على خسارته لجزء من جسده،
وكأنه قُدِّر له الخسارة دومًا،
لا يتذكر أنه فاز بشيء من دنياه القاسية،
لا يتذكر فرحة أتته يومًا لتجعله ينسى مرارة باقي الأيام،
وجملة والده ذات ليلة له تتردد في أذنه
"هي الدنيا كده، ناس ما ذاقوش للفقر طعم،
وناس شافوا الفقر أشكال وألوان،
أصل الفقر مش فقر فلوس بس..
التعاسة والخسارة فقر، الشقا من غير مقابل فقر،
لكن اللي يصبر علينا مرار أيامنا،
إن ربك ما بيظلمش حد.."
كل واحد هياخد الـ24 قيراط بتوعه، بس يمكن لسه أوانهم ما جاش.
*******
انتفضت واقفة حين رأت "مستكة" تدلف غرفة المكتب وقالت:
- مستكة!
قالت "مستكة" بنبرة وُصِمت بحزنها وتعبها:
- ازيك يا فلة؟
اقتربت منها فورًا تسألها بلهفة:
- انتِ كنتِ فين؟ انا فكرتك سبتيني ونفضتي بجلدك، بقالك يومين غايبة وسألت عنك البنات اللي هنا من بعيد بس معرفتش أوصل لحاجة.
أجابتها في تعب:
- لا متقلقيش، مش هسيبك تتعكّري لوحدك هنا عشان متأكدة إنك لو اتكشفتي هتكون نهايتك، وأمك محتاجاكي.
ابتلعت "فيروز" ريقها بخوف حين استمعت لجملة "مستكة" ورددت:
- الله يسامحك، هو انا ناقصة رعب، انا اصلاً معكوكة ومرعوبة كفاية.
- حصل حاجة جديدة؟
اومأت وهي تقول بأعين دامعة خوفًا:
- شاهين ده باين عليه مجنون وشكلي مش هفلت من إيده.
توجست "مستكة" من حديثها وحالتها فسألتها بقلق:
- إيه اللي حصل؟ عملك حاجة؟
دمدمت وهي تنظر لها بعجز وقهر لمعا في عينيها:
- عاوز يتجوزني... وجده بيقوله نكتب كتابنا بكرة.
جحظت عينا "مستكة" بصدمة وهي تردد بفاه فاغر غير مستوعبة ما تسمعه:
- إيه؟ انتِ بتقولي إيه؟
******
وبالخارج...
قال المأذون وهو يجهز الأوراق الخاصة به:
- الأوراق اللي طلبتها جاهزة يا منشاوي بيه؟
أومأ "المنشاوي" وهو يقول لـ"سهير":
- اطلعي يا سهير هاتي الملف اللي قولتلك جهزيه.
نهضت "سهير" بوجه حزين وهي تصعد للأعلى لتجلب الملف الذي لم تكن تعلم أن الأوراق التي به تخص طلاق "شاهين" و"شدوى"..
- انا جهزت الأوراق من قبل الحفلة بيومين.
قالها لـ"شاهين" الذي نظر له مستغربًا ومدهوشًا من سرعة اتخاذه لقرار طلاقهما، وحين أشار للموعد الذي جهز فيه الأوراق انتبه "شاهين" أنه نفس اليوم الذي حدثه فيه الجد واقترح عليه أن يجعل خطوبته للفتاة حقيقة، ويستقر ويبني أسرة سعيدة حُرم منها طوال سنواته السابقة، ويبدو أن صمت "شاهين" حينها مفكرًا أخذه الجد على أنه قد وافق على اقتراحه.
نزلت "سهير" بالملف وخلفها "سيف" الذي أغلق الباب بالمفتاح على "شدوى" بالأعلى كي لا ترتكب حماقة تجعل الجد يغضب أكثر.
دقائق وكان المأذون يقول:
- نادوا الزوجة عشان توقّع على الأوراق.
قال الجد:
- احنا هنطلّق طلاق غيابي.
سأل المأذون:
- الزوجة عندها علم بالطلاق؟
اومأ المنشاوي يقول:
- ايوه، بس هي حالتها النفسية مش كويسة ومش هنعرف ناخد منها إمضاء.
- كده هنحتاج اتنين شهود.
نظر المنشاوي لـ"سيف" يخبره:
- اطلع هات بطاقتك.
ثم أخرج بطاقته من جيب بنطاله القماشي وهو يعطيها للمأذون:
- ودي بطاقتي.
******
في شقة بعيدة...
بمنطقة سكنية مختلفة...
زفرت بقوة وهي تلقي الهاتف بعنف ليسقط فوق الفراش وأخذت تدور في الغرفة عدة مرات بلا هوادة، حتى وقفت تنظر لنفسها في المرآة، تعاين كل أنش بها ثم تحدثت لذاتها:
- هو انا فيا إيه مش عاجبه؟ ليه ما حبنيش؟ ليه بيعاملني إني نزوة يوم ما شوقه يرميه ليا يجيلي وبعد كده يصدرلي الوش الخشب ولا كأنه يعرفني!
التفت تلتقط هاتفها مرة أخرى تضغط على زر الاتصال، تتصل به للمرة الرابعة منتظرة رده على أحر من الجمر:
- رد بقى وحشتني... مانا مش هسيبك غير لما ترد وتجيلي كمان!
****
أغمض عيناه لبرهة وهو يأخذ نفس شعر وكأنه نفسًا حرًا ولأول مرة منذ سنوات عديدة، وأخيرًا انتهى الأمر.. وأخيرًا انتهى كابوس "شدوى"، تحرر منها وأصبحت خارج حياته بالمعنى الحرفي، فحتى وإن أخرجها منذ زمن لكنها كانت مازالت مرتبطة به، باسمه وسكنها معه، ولكن الآن بات الأمر واقعًا وليس مجرد نبذ منه لها.
انصرف المأذون ليقول الجد:
- انا كلمته عشان يكتب كتابك انتَ و...
قاطعه "شاهين" وهو ينظر له قائلاً بهدوء:
- جدي... سبني اشم نفسي، بلاش تستعجلني في جوازي ده كمان، أنا وقت ما احب اكتب كتابي هعمل ده.. وكمان أبوها لازم يحضر كفاية إني اعلنت خطوبتي بيها من غير ما اكلمه وابلغه إني عاوز اتجوزها اصلاً.
ورغم اعتراض "المنشاوي" فقد أراد أن يطمئن عليه ويزوجه الفتاة قبل أن يعود لمسقط رأسه، لكنه لم يستطيع إبداء اعتراضه فيكفي ما فعله معه في الماضي، والآن سيترك له حرية التصرف في حياته.
- ماشي يا شاهين، وانا هستناك تكلمني اجي أحضر كتب كتابك.
- إن شاء الله.
غمغم "شاهين" في هدوء، ليقول "المنشاوي" لـ"سيف":
- اطلع عرف اختك إن الطلاق تم، وعرفها إن بكرة هترجع معايا هي وتيم البحيرة.
تململ "شاهين" في جلسته وهو يقول بضيق:
- جدي، تيم ملوش علاقة بعلاقتي بشدوى، تيم هيفضل ابني ومفيش حاجة هتتغير من ده صح؟
ابتسم له الجد بحنان وفخر بحفيده الذي لا يظلم أحدًا، ولا يأخذ أحدًا بذنب آخر:
- ماتخفش يا غالي، تيم ابنك، وأي وقت تحب تشوفه أو حتى تيجي تاخده يقعد معاك كام يوم فأكيد مش محتاج تستأذن لا مني ولا من أي حد.
تنفس "شاهين" براحة وهو يومأ برأسه، فـ"تيم" حتى وإن لم يكن ابنًا حقيقيًا له، لكنه عزيز عليه معزة الابن، وحبه له لا يزيفه أبدًا، بل حقيقي وخالي من أي رياء، فمن الأساس لا يحتاج لتزييف مشاعره، فإن كرهه لن يلومه أحد فبالنهاية هو ثمرة خيانة خطيبته له، ولكنه "شاهين" دومًا غامض وغريب..!
*****
كان يجلس في مكتبه حين رن هاتفه برقم غير مسجل، تجاهله مرة، والثانية، ولكن في الثالثة ومع استمرار الرنين اضطر للإجابة.
- الو مين؟
دخل "مدحت" وهو يقول:
- مازن خلصت أوراق...
قطع حديثه حين أشار "مازن" له بالصمت، فجلس أمامه ينتظر أن ينهي الآخر مكالمته، ثواني وأتاه صوتًا لا يمكنه أن يخفق في معرفته يقول:
- مازن، أنا محتاجة اقابلك.
جحظت عيناه بشكل مخيف وطفت الصدمة جلية على وجهه حين أدرك هوية المتصل، لكنها لم تعطيه مجال للصدمة وهي تقول بتوتر واضح:
- لو مش فاضي... او مش حابب...
وقبل أن تكمل كان ينتفض بلهفة يسألها:
- انتِ فين؟
والتقط أغراضه بسرعة مهولة يركض من المكتب كالمجذوب تحت نداء "مدحت" عليه لكنه لم يلتفت أبدًا..
- راح فين ده؟ ومين اللي بتكلمه؟
رددها "مدحت" بسؤال لن يجده له إجابة على الأقل الآن، لحين عودة "مازن"..
***
وفي غرفة المكتب...
- يالهوي... وهتعملي إيه في المصيبة السودة دي!
قالتها "مستكة" بذعر حين سردت لها "فيروز" ما حدث في اليومين السابقين، لتجيبها بقلة حيلة:
- مش عارفة.
- طب قولتي لمازن؟ كلمتيه؟
هزت رأسها نافية:
- انا لسه متفاجئة بقرار الراجل بره، ملحقتش اطلع أوضتي اصلاً.
اقترحت "مستكة":
- لازم تنفردي بنفسك وتكلميه تبلغيه، لازم يتصرف قبل ما يكتبوا الكتاب.
- كان قالي إنه هيهربني.
- طب ومهمته؟
رمشت "فيروز" بأهدابها تقول:
- هو انا مقولتلكيش! مش هو اعترفلي بحبه في الحفلة.
تجمدت ملامحها لثواني كأنها لم تسمع، وفجأة خرجت صرختها تقول:
- نعم؟ هو مين؟
حدقتها بضيق من صوتها العالي:
- وطيّ صوتك.. نسيتي البغل الحارس اللي واقف على الباب!
وسريعًا ما لانت نبرتها ونظرت لها ببراءة مصطنعة تكمل بهمس:
- مازن اعترفلي بحبه.
رددت "مستكة" خلفها بدهشة كبيرة:
- مازن!!! هو إيه اللي حصل؟ دول يومين اللي غبتهم!
- يووه.
قالتها "فيروز" بنزق من رنين هاتف "شاهين" الذي لم ينقطع، واتجهت له تلتقطه بعنف من فوق المكتب متجهة للخارج، لتسألها "مستكة" باستغراب:
- رايحة فين؟
قالت وهي تخرج من الغرفة:
- هديله تليفونه اللي صدعنا ده.
خرجت لتجدهم جميعًا متواجدين.. هو وجده وعمته وزينة التي عادت مرة أخرى، والباقي تخلّف عن الصورة، اتجهت له تعطيه الهاتف:
- تليفونك بقاله شوية مبي فصلش رن.
التقطته منها بعدما وقف لتتجمد ملامحه وهو يرى اسم المتصل.. خرج للحديقة وهو يجيب بجمود صارخ:
- خير؟ كل دي اتصالات؟
أتاه الصوت النسائي الثائر بنبرة مختنقة باكية:
- ده بدل ما تكلمني تطمن عليا؟ بقالي 3 أيام مشوفتكش ولا تعرف عني حاجة... ورغم زعلي منك كلمتك... كلمتك عشان وحشتني يا شاهين، وحشتني أوي... أنا مستنياك في شقتنا... تعالى.. تعالى دلوقتي أنا مش قادرة أقعد كل ده من غير ما أشوفك!
رواية فراشة في سك العقرب الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ناهد خالد
ليلاً...
أخيرًا استطاعت أن تنفرد بنفسها بعيد عن ضجيج الجميع..
أخرجت الهاتف الصغير بحرص وحذر وطلبت رقم "مازن"، ظلت تطلب رقمه لعدة مرات دون رد، فزفرت أنفاسها باختناق وهي تضع الهاتف جوارها بعد أن فعلت وضع الهزاز احتسابًا لرنينه في أي وقت..
وشردت بعقلها في أحداث اليوم وما سمعته عن حقيقة شدوى، حدثت نفسها تقول:
_هو شاهين ده اهبل ولا إيه؟ ازاي قبل يتجوزها وهي غلطت مع واحد تاني لأ وحملت منه! وليه أفعاله متناقضة كده، ده لو شخص وحش ومعندوش رحمة ولا قلب زي ما بيقولوا عليه وزي ما بيظهر ساعات عمره ما كان اتجوزها وكتب الواد على اسمه، أكيد كان قتلها..! طب معقول من حبه لها مقدرش يقتلها! بس بردو المفروض واحد بشخصيته ميحبش اصلاً ولا يعرف يحب ولو حب ميهزوش الحب ده، هو مش زي بتوع العصابات اللي بنسمع عنهم اللي يقتل مراته عشان خانته واللي يقتل حبيبته عشان هربت منه! ولا هو من بره هالله هالله ومن جوه يعلم الله!! اااااه...
رددت تأوها الأخير بتعب وهي تضع كفها على رأسها من كثرة التفكير، وفجأة ابتسم ثغرها ابتسامة غير مفهومة وهي تتخيل واقع حديثه معها، وطلبه منها أن تصبح زوجته حقيقيةً، زوجته!
كلمة لها وقع غريب على نفسها، تتخيل فقط لو الأمر أصبح حقيقة... ستصبح هي سيدة المنزل الواسع والفخم هذا، ستصبح من سيدات المجتمع الراقي، ستمتلك الكثير من الثياب الباهظة والمجوهرات والخدم والسيارات، أشياء لم تحلم يومًا أن تمتلكها، سوف تستطيع أن تملك كل ما تقع عيناها عليه، إن أرادت شيء سيكون لديها فورًا ولن تحسب له ألف مرة كما تفعل الآن، ولكنها مع كونها ستملك كل هذا... ستصبح مملوكة! مملوكة لشخص مخيف، غريب، والخطأ عنده بعُمر، شخص من المفترض أنه رجُل خطر والبُعد عنه نجاة.
تنهدت بحيرة وهي تتجه بتفكيرها لجانب آخر، شاهين ورغم كل علامات الاستفهام حوله، لكنه بهِ بعض الطِباع الحسنة، ويا للعجب أنها تقول هذا! بصرف النظر عن حديث "نورهان" المسبق عنه، لكنها في كثير من الأحيان تلتمس فيه أمورًا جيدة، وتشعر أنه على عكس الشخصية التي يُظهرها.
زفرت بقوة وهي تقول:
_إيه الهبل ده! أنا بفكر في إيه؟؟!
انتفضت على اهتزاز الهاتف لتجده "مازن"، فتحت المكالمة فورًا تردد بصوت منخفض:
_مازن، رنيت عليك كتير مردتش.
أتاها صوته الهادئ يقول:
_كنت مشغول شوية.
شعرت بأن صوته بهِ شيء ما:
_أنتَ كويس؟ صوتك مش طبيعي.
_لا أنا تمام، قوليلي في حاجة ضرورية؟
ورغم تأكدها بأنه ليس بأحسن أحواله لكنها قالت متغاضية عن ما لا يريد الإفصاح عنه:
_في حاجات... شاهين طلق شدوى رسمي.
أتاها صوته المصدوم:
_بتقولي إيه؟ ازاي؟ والعيلة عرفت؟
_جدك هو اللي أمر بكده، ومحدش قدر يتكلم، وكمان قال إن كتب كتابي أنا وشاهين بكره.. بس شاهين مشكورًا يعني كلمني بعدها قدامه وقالي إني اكيد لازم اعرف بابا الأول ولازم يكون حاضر، فمسكت في الحجة دي وتبت... لكن مش عارفة هعمل إيه وهفضل اماطل لأمتى؟ وابويا ده هييجي منين!؟
_إيه ده؟ كتب كتاب إيه؟ هم اتجننوا؟ ولا شاهين عاوز يتأكد إنه هيسبقني بخطوة!
قطبت ما بين حاجبيها باستغراب وهي تقول:
_هو كل اللي فارق معاك إنه هيسبقك بخطوة؟ بعدين أنا في بالي إنك هتتصرف وتهربني من هنا زي ما قولت قبل ما ياخد الخطوة دي.
تردد صوته وظهر بهِ الارتباك وهو يقول:
_مش قصدي أكيد.. بس انا لما فكرت في موضوع هروبك ده لقيت إنه صعب شوية.
_صعب!
رددتها متفاجئة من حديثه فقد بنت أفكارها على تصرفه هو وتهريبه لها من هنا قبل أن تُكشف أو تقع في المحظور.
_هنبقى معملناش حاجة يا فيروز، هيكون خوفك وكل اللي عملتيه الفترة اللي فاتت راح على الأرض، لازم نلاقي دليل على شاهين قبل ما تطلعي من حياته.
_ولو لقيته؟
_هيتسجن طبعًا!
ابتسمت باستخفاف تقول:
_وطبعًا على ما اعرف الاقي على دليل هيكون اتجوزني!
سمعت زفرة حارة منه قبل أن يقول:
_ووقتها هتتحرري منه، متقلقيش عمري ما هسيبك تقعي فيه عمرك كله، وعمري ما هسمحله يلمسك.
_هيكون جوزي!
صرخت بها بنبرة خافتة وقد تجمعت دموعها في عينيها وقالت مكملة بمرار تتذوق طعمه في حلقها:
_ازاي مش هتسمحله يلمسني وهو هيكون جوزي! ازاي قولت إنك بتحبني ودلوقتي معندكش مشكلة اتجوزه المهم مصلحتك تمشي واعرف اجبلك دليل عليه! أنا تخيلت إني اول ما احكيلك هتقولي انا ههربك فورًا من عندك، ردك صدمني ومش قادرة استوعبه.
_اسمعيني بس، دلوقتي حتى لو كتب كتابه عليكي شاهين مش من النوع الرومانسي ولا انتِ فارقة معاه أصلاً، هو بيعمل كده عشان يعلن انتصاره عليا، وبناء عليه هو عمره ما هيقربلك، هو بس هيتجوزك عشان يثبتلي إنه خدك مني، فبالنسبه إنه يقربلك ده مش هيعمله، ولما نمسك عليه دليل هيتحبس، وقتها تقدري ترفعي عليه قضية خلع، وهتخلصي من الموضوع ده خالص بدون أي خساير.
وحقيقًة لا تعرف الآن لِمَ فعلت هذا لكنها لم تخبره عن رغبة "شاهين" الذي أخبرها بها، وأنه يريد الزواج منها ليكون أسرة وأولاد، صمتت، ولا تعرف سبب الصمت الغريب في موقف كهذا، لكنها شعرت بشيء يطبق في عنقها، ويجثم فوق صدرها، شيء لم تستطع إزاحته أو التخلص منه فقالت بغصة مختنقة:
_انتَ شايف كده؟
تنهيدة عميقة خرجت منه قبل أن تسمع صوته:
_فيروز، انا قولتلك إني بحبك... ومينفعش تشككي في كلامي أو شعوري، لأني ببساطة مش مراهق عشان معرفش حقيقة مشاعري ليكي.
تهاوت دموعها وهي تشعر بالحزن والكآبة وقالت معاتبة:
_غريب حبك ده! رغم إني معرفش الحب ولا عمري عيشته، لكن مش طبيعي تكون بتحبني وموافق راجل تاني يتجوزني حتى لو مش هيقرب مني زي ما بتقول رغم إن ده شيء مش مضمون، هتعمل إيه لو بقى جوزي بجد؟ هيبقى الموضوع عادي زي ما عادي اتجوزه!؟
أتاها صوته الغاضب يقول رافضًا:
_لا طبعًا، وانتِ المفروض ماتسمحيش بده! ده لو بتحبيني. أنا اصلاً مسمعتش ردك على اللي قولتهولك في الحفلة، مشاعرك إيه ناحيتي يا فيروز؟
هو يخنقها الآن، فمشاعرها مضطربة، ومشوشة بعد حديثه الغريب عليها وردود أفعاله الأغرب، اتجهت للنافذة تنظر من خلفها للسماء لتجد نفسها تردد بشرود:
_مش عارفة... بس يمكن في مشاعر جوايا ليك.
والحقيقة لو سألها نفس السؤال في أول مكالمته لقالتها صراحًة واعترفت بالحب، ولكنها "فيروز" الفتاة التي تعلمت نصف ما بها من صفات وطِباع من الشارع، من قسوته وسوء معظم من قابلتهم بهِ، لذا فعقلها يطغى على مشاعرها في كثير من الأحيان، أو حين يستدعى الأمر.
والعقل يقول الآن أن تتماسك وألا تتسرع في الاعتراف بمشاعرها.
_رغم إن إجابتك مش مرضية اوي ليا، بس مقدر إنك اكيد في تردد وحيرة وسط اللغبطة اللي بتحصل.
_وليه متأكد إن جوايا مشاعر ليك؟
_تصرفاتك ونظراتك بتفضحك يا فيروز، يمكن مش متأكد إذا كنتي حبتيني ولا لأ، بس متأكد إني مأثر فيكي، وعلى فكرة.. وحشتيني.
اضطربت وانتفض قلبها وهي تستمع لكلمته، وعقلها يستنكر كيف اشتاق لها وقد رأته بالأمس في الحفل! إنه يبالغ! أم يريد أن يحسن الوضع بعدما شعر بتوتره؟
لم تعقب على كلمته فقط قالت متخطية الموضوع:
_المطلوب مني اعمل إيه؟ وابويا ده هنتصرف فيه ازاي؟
_بقولك إيه تعرفي مرسي دراع شاهين اليمين؟
صمتت تحاول إدراك هوية من يذكره فقالت:
_لأ، ماله ده؟
_ده لازم تعرفيه، هبعتلك صورته، الراجل ده لو شوفتيه عند شاهين في مكتبه حاولي على قد ما تقدري بعد ما يمشي على طول تدخلي المكتب وتدوري فيه، مرسي مبيظهرش غير لما يكون هو وشاهين بيرتبوا لعملية، ولو عرفتي تسمعيهم وتعرفي منهم معلومات، أي معلومة حتى لو صغيرة تعرفهالي.
_وهعمل ده ازاي؟ ده في تور واقف على الباب بتاع المكتب مبيخليش حد يقرب منه.
_اتصرفي يا فيروز، شوفي شبابيك المكتب ولا أي مكان تقدري تسمعي منه، مرسي ده هو اللي هيوصلنا لحاجة وإلا هنفضل نلف في دايرة مقفولة.
_هحاول..
قالتها بتنهيدة قوية وهي تشعر أن القادم ليس سهلاً، وسألته:
_ولو قالي إنه عاوز يتواصل مع ابويا؟
_قوليله إنك هتتواصلي معاه عن طريق اكونت الفيسبوك لأن طبعا تليفونك مش معاكي ومتعرفيش غير اكونته، وانا هبعتلك في رسالة اسم اكونت والصورة بتاعته، الراجل ده واحد معرفة موجود في لندن هكلمه افهمه كل حاجه واعرفه لما تتواصلي معاه هيقول إيه.
_واسم الاكونت ده مش هيكون مختلف عن اسم ابويا؟
_اصلاً هو عامل اكونت باسم وهمي فموضوع الاسم مش مهم.
*******
في اليوم التالي...
_الزم أدبك يا سيف، شاهين هو كبير العيلة من بعدي ميصحش تتكلم عليه كده.
_ومين قرر انه كبير العيلة يا جدي! العيلة مش محتاجه كبير من بعدك.
_لا محتاجه، محتاجه عشان اللي في دماغك ده مش هيحصل حتى بموتي، بموتي مش هتقسموا الورث ومتعرفوش بعض بعدها..
أنا موصي إن مفيش مليم يطلع من الورث، ومفيش حاجة هتتوزع، وملك عيلة المنشاوي هيفضل زي ما هو واللي مش عاجبه يفارق بس من غير ولا مليم.
- إيه الجنان ده! أنتَ بتقول إيه؟ ده ورثنا وحقنا ناخده.
- متولعش النار يا بابا، أنتَ عارف إنهم عمرهم ما حبوا بعض في وجودك... عيلة كلها تعابين، هيحبوا بعض بعد موتك!
والجملة أتت من ولده "مختار" الذي دلف للفيلا للتو، نظر له "المنشاوي" وهو يشير لـ"سيف" بينما يقول:
- تعالى... تعالى شوف البيه ابنك بيقول إيه، البيه بيعدل عليا أنا وابن عمه، صاحي يقول شكل للبيع، والتعابين اللي تقصدها يبقوا أنت وعيالك، مين في العيلة بيحقد ويغل غيركوا!
قال "سيف" بغضب:
- عشان مش بعد كل السنين اللي شدوى قضتهم معاه تخرج من حياته فجأة كده وترجع تعيش في المنفى، هي من حقها تفضل عايشة هنا، ولو مش في البيت خلاص تعيش معايا أنا ومراتي في بيتنا.
ضرب "المنشاوي" عصاه بالأرض بحدة:
- لأ، مش هيحصل، عشان عارف إن اختك مجنونة وعديمة الكرامة، مش هتسيب شاهين في حاله، وطول ما هي معاه في نفس البلد هترازي فيه هو وخطيبته، وأنا عاوز أقطع جدر الموضوع ده خالص.
قال "مختار" بغيظ يكبته:
- اسمع يا حاج، شاهين لازم يرد شدوى لعصمته، اللي عملته امبارح أنتَ من غير ما تاخد رأي حد غلط، وغلط كبير.
اقترب "المنشاوي" منه وهو يقول ساخرًا:
- وليه عاوزها ترجعله؟ وموافق ترجعله بس يتجوز عليها؟ ولا هتحجر عليه وتحرمه من حقه وتقول مايتجوزش؟
ورده كما توقعه الجد حين قال:
- لو عاوز يتجوز يتجوز، المهم ميرميش بنت عمه وابنها عشان واحدة غريبة و...
قطع "المنشاوي" حديثه يقول بابتسامة مشمئزة:
- مش مصدق إنك بتبيع بنتك وبتمسح بكرامتها الأرض عشان ورث شاهين.
توتر وجه "مختار" وهو يقول برفض:
- ورث إيه؟ أنا مش محتاج ورثة أنا...
- لا محتاج... ورثة اللي هو ورث أبوه واللي أصريت أكتبه باسمه عشان لما أموت متاكلوش حقه، ورثة اللي حافظ عليه وبقى 3 أضعاف الأصل.
لم يستطع "سيف" التحكم في نفسه وهو يقول غاضبًا وحانقًا:
- وللآن مش راضي تكتب لأبويا حقه الشرعي في باقي أملاكك، وسايبهم باسمك، عشان لما تموت شاهين يورث تاني!
نظر له "المنشاوي" ناظرة قاتمة، حادة وقال:
- شاهين مش طماع ولا معدوم الضمير زيك، هو عمره ما هياخد جنيه تاني، لكن أنا مش هكتبلكوا باقي أملاكي عشان أمد إيدي ليكوا أطلب المصروف كل شهر ولا لو وقعت في مشكلة أستلف منكوا، وأنتَ بالذات يا فاشل لو شميت ريحة الفلوس هتضيعها زي كل حاجة ضيعتها قبل كده.
- طبعًا، أنا الفاشل وشاهين بيه هو اللي مفيش منه، طول عمرك شايفه بطل رغم إن كل اللي بيعمله عادي.
قالها "سيف" بكره حقيقي، فمن كثرة ما يرى تفضيل الجد لـ"شاهين" عليهِ كره "شاهين" والجد نفسه، ليقول الجد:
- اعمل نص اللي بيعمله بعدين ابقى أتكلم، ده أنتَ لسه بتاخد مصروفك من أبوك ومعتبره مرتب قال، مرتب إيه وأنتَ مبتروحش الشركة مرتين في الأسبوع.
- أديني نص اللي أدتهوله وأنا أعمل زي ما عمل.
غضب "المنشاوي" وهو يقول:
- لا هديك حاجة، ولا تحلم لا أنتَ ولا أبوك إني أكتبلكوا أملاكي، لما أموت ابقوا أورثوني، ومتخلونيش أحلف إني أكتب وصية إن بعد موتي أملاكي ماتتقسمش وأخلي كل حاجة تحت تحكم شاهين عشان تفضلوا طول عمركوا تحت إيده.
- بعد الشر عليك يا بابا، بس بقى يا مختار أنتَ وسيف عيب كده، حصل إيه لكل ده؟ وأنتَ يا سيف اهدى، أنتَ من وقت ما صحيت وأنتَ بتقول شكل للبيع ونازل شامم نفسك علينا.
هدرت بها "سهير" خارجة عن صمتها ليقول "سيف" بنفس غضبه:
- عشان امبارح اضطريت أسكت تحت إصرار جدي، لكن أنا مش قابل اللي عمله هو فكر في شاهين وبس، مفكرش في أختي.
نزلت "صفاء" على الدرج تقول بوجه شاحب:
- منشاوي بيه أنا طلعت أبلغ شدوى هانم تجهز الشنط عشان تمشوا، بس ملقتهاش لا هي ولا تيم، وهدومهم مش فوق.
صُدم الجميع مما قالته، واتسعت عيني "المنشاوي" بغضب وهو يهدر في "سيف":
- اتصل بيها شوفها راحت في أي داهية.
******
اليوم لابد أن يخرج من المستشفى، وللعجب لم يكن يريد الخروج! فقدومها له على مدار اليومين كان يبعث فيهِ راحة غريبة، وكأنه بدأ يفضل المكوث في المستشفى فقط لتأتي وتراه! لِمَ أصبح يراها بشكل مختلف؟ أليست هي نفسها "مستكة" الفتاة التي لا يحب الحديث معها ولا نظراتها له، لا يحب سخافتها وهي لا تنفك عن إظهار مشاعرها أمامه، ولكن الصورة الجديدة التي ظهرت بها أحبها، أو على الأقل تقبلها، الفتاة العاقلة التي تعطيه دفعة للحياة والتي يمتلئ حديثها بالحكم والمواعظ، الفتاة التي جعلته يتقبل وضعه وأشعرته بأنه لم يفقد حياته كما رأى الوضع، بل فقد شيء وعليهِ أن يعوضه بشيء آخر..
نزل من سيارة الأجرة، ليجدها تقف أمام منزلهم تحمل صينية طعام مغطاة بقطعة قماشية كبيرة، اقترب هو ووالده منها ليبدأ "شاكر" في الحديث:
- إيه اللي موقفك كده يا مستكة؟
ابتسمت بخجل وهي تنظر لِمَ تحمله:
- لما كنت في المستشفى الصبح عرفت إنكوا هتخرجوا على ميعاد الغدا، قولت أكيد مش هتلحقوا تيجوا تعملوا أكل وهتكونوا جعانين، فعملت حاجة بسيطة كده.
خرج "مجد" عن صمته يقول بحرج مما تفعله معهم:
- بس كده كتير... بعدين معنى كده إنك مشتغلتيش النهاردة كمان! ومعطلة نفسك عشانا.
رفعت نظرها تطالعه بابتسامة ولمعة عيناها قد عادت كما كانت دومًا:
- مش كتير ولا حاجة، وبعدين... أنا خدت النهاردة إجازة من شغلي، وبيع الفل كده كده بشتغله في أي وقت.
اقتربت تعطي الصينية لـ"شاكر" وقالت:
- حمد الله على السلامة، وإن شاء الله ربنا يتمم شفاه على خير.
تناولها منها "شاكر" بحرج وامتنان:
- تعبناكي معانا اليومين اللي فاتوا، بس مش جديدة عليكي يا مستكة طول عمري شايفك بت جدعة وبنت أصول.
ابتسمت وهي تختلس النظرات لـ"مجد":
- الجيران لبعضها يا عم شاكر، والرسول وصى على سابع جار، واحنا ولاد حتة واحدة، ويارب الأكل يعجبكوا.
- أكيد.
قالها "مجد" فجأة، لينظرا له فحمحم يقول:
- كفاية إنك تعبتي نفسك وعملتيه.
- السلام عليكم.
قالتها وهي تنصرف من أمامهما وقلبها يدق بدقات تشعر بها للمرة الأولى، فلأول مرة يعاملها "مجد" بهذا اللطف، لأول مرة يتقبلها دون أن ترى منه نظراته الكارهة، دون أن يجرحها بحديثه، كما كان الأمر هكذا في المستشفى لكنها كانت تبرر ربما يقدر ذهابها لرؤيته كمريض فيحاول أن يعاملها بلطف، ولكن ماذا عن الآن؟ وهل هذا أمل تتعلق بهِ أم ستكون أكبر ساذجة إن فعلت!
******
مساء اليوم التالي....
ابتسمت بتوتر وهي تحادث والدها المزعوم عبر هاتفه:
- أنا بس يا بابي كلمتك عشان أقولك إن في حد متقدملي وحابب يكلمك عشان يطلبني منك، وكمان يحدد معاك باقي التفاصيل.
أتاهما صوت الرجل يقول بضيق أجاد تمثيله:
- والكلام ده من امتى؟ بعدين تفاصيل إيه اللي هحددها معاه وأنا معرفوش ولا أعرف عنه حاجة!
نظرت لـ"شاهين" بتوتر ثم أجابت:
- أنا أعرفه كويس يا بابي، وواثقة فيه، هو بس عاوز يعني يحدد معاك ميعاد الخطوبة وكمان عشان تكون موجود.
- لالا مش هقدر أنزل مصر خالص، مش أقل من كام شهر لأن عندي أشغال كتير هنا مينفعش أسيبها وأنزل.
نظرت لـ"شاهين" بحيرة مصطنعة ثم سألت الرجل:
- يعني ممكن تنزل بعد قد إيه؟
- يعني مش أقل من 6 شهور، بلغيه بكده، وخليه يأجل أي حاجة لحد ما أنزل.
- تمام يا بابي، هكلمك تاني.
وأغلقت معه الهاتف لتنظر لـ"شاهين" الذي يطالعها بصمت، صمت لم يقطعه فقطعته هي تقول بابتسامة متوترة:
- ساكت ليه؟
نظر لها بتمعن أقلقها:
- وافقتي ليه؟ متوقعتش تدخلي عليا الصبح المكتب تقوليلي أنا موافقة إننا نتجوز بجد!
تحكمت في خوفها من أن تخفق في الحديث، واستدعت الثبات وهي تقول:
- فكرت بعقلي، على فكرة أنا بعيدة خالص عن الحب والمشاعر والكلام ده، ولما هديت وفكرت لقيت إني طول عمري بدور على الزوج المناسب بشكل عقلاني، وبصراحة... أنتَ فيك كل مواصفاته، بس مع عقبة بسيطة مش عارفة هقدر أتخطاها ولا لأ.
- ويا ترى إيه هي العقبة دي؟
- موضوع تجارتك في السلاح، أنا للآن مش عارفة أنتَ فعلاً بتاجر فيها ولا مازن فاهم غلط!
شبك كفيهِ فوق المكتب يقول بهدوء:
- بصي، أنا أكتر حاجة بكرهها إن حد يدخل في تفاصيل حياتي، أو يتدخل في حاجات أنا شايف إنه ملوش فيها.
رفعت حاجبها الأيسر باستنكار تقول:
- يعني إيه!
لا، ليا فيها طبعًا، التفاصيل دي هتكون حياتي أنا كمان، إزاي أتجوز شخص حواليه شكوك، وشكوك إجرامية كمان!
عقب على حديثها بنبرة قوية واثقة:
- بصرف النظر عن أي شيء يخصني أو يخص شغلي، يكفيكي أقولك إنك عمرك ما هتتأذي ولا هتكوني طرف لعداوتي مع حد... أنا عارف كويس أوي أفصل حياتي العملية بكل اللي فيها عن بيتي وحياتي الشخصية، شدوى عاشت معايا 7 سنين ولا مرة مشاكلي في شغالي أو عداوتي مع حد حست بيها، واعتقد ده اللي يهمك.
لم تقتنع بحديثه أبدًا وقالت:
- إيوه بس لو شغال في السلاح واتقبض عليك ده مش هيأثر عليا وعلى حياتي!
نهض يلف حوله مكتبه حتى أصبح أمامها فاقترب من كرسيها واستند بكفه على المكتب يميل عليها يسألها بأعين ماكرة:
- بتلفي وتدوري ومصممة توصلي لإجابة السؤال ده صح؟
رمشت بأهدابها توترًا من اقترابه الخطر، وابتلعت ريقها بصعوبة مع تسارع أنفاسها وقالت بنبرة مرتبكة:
- إيوه... مصممة، وبصراحة ده مقابل إني أوافق بشكل كلي.. على... على الجواز يعني.
*******
جلس أمامها في المقهى الذي اتفق معها على اللقاء فيه، وقال بابتسامة ارتسمت على ثغره:
- هتشربي عصير مانجا كالعادة ولا ناوية تغيري؟
ابتسمت وهي تجيبه:
- ما أنتَ عارف مش بشربش غيره.
طلب لها مشروبها وطلب له قهوته الخاصة وبعدها نظر لها يقول:
- إمبارح جالك تليفون ومشيتي وملحقناش نتكلم، نزلتي مصر ليه وإمتى؟ وكلمتيني ليه؟
ضحكت ضحكة صغيرة تقول:
- كل دي أسئلة؟ عمومًا هجاوبك.. نزلت مصر من أسبوعين، وليه... عشان للأسف حياتي بره انتهت، وكلمتك ليه... فكلمتك عشان لما نزلت مصر معرفتش ألاقي أي حد من صحابي، ولقيت نفسي لوحدي، افتكرتك.. وقولت أنتَ الوحيد اللي هعرف أوصلك لأن الأكاونت بتاعك كان لسه عندي، قولت أكلمك ونرجع صداقتنا ويبقالي حد هنا على الأقل أستند عليه وقت ما يحصلي مشكلة أو أحتاج صاحب.
نظر لها بتمعن يسألها:
- معقول! شايفه إننا ينفع نرجع صحاب؟ حتى بعد اللي حصل يا ليلى؟
تنهدت وهي تقول بينما تنظر بعيدًا:
- اللي حصل بيني وبين أخوك زمان أنا عمري ما دخلتك طرف فيه، بالعكس طول الوقت حافظة جميلك إنك نبهتني وخوفت عليا أتخدع فيه، وعمومًا.... أنا نسيت شاهين من زمان يا مازن.
- متأكده؟
سألها بشك واضح، لتبتسم في خفوت وقالت:
- لو ماكنتش نسيته مكانتش اتجوزت.
- اتجوزتي؟؟؟!
رددها بصدمة وفمه فاغر وقد شعر بحجر ثقيل سقط فوق قلبه فجأة..
رواية فراشة في سك العقرب الفصل الثلاثون 30 - بقلم ناهد خالد
-اتجوزتي؟؟؟!
رددها بصدمة وفاه فاغر وقد شعر بحجر ثقيل سقط فوق قلبه فجأة..
يتبع......