تحميل رواية «فراشة في سك العقرب» PDF
بقلم ناهد خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تسمرت في مكانها حين لمحت وقوفه قريبًا منها، وصمتت عن الحديث غير قادرة على التفوه بحرف واحد، ورد الفعل الصحيح تجهله. فماذا ستفعل وأين ستخفي الهاتف وهو يقف مجاورًا لها وعيناه بالتأكيد لا تفارقها. ثوانٍ مرت عليها كالساعات حتى دلفت "نورهان" غرفته فجأة. ليلْتَفِت لها، فتسرع "فيروز" بالتصرف وهي تسقط الهاتف في إناء زرع قريب منها، ووقفت تعدل خصلات شعرها وكأنها لا تنتبه لهم. "إيه يا حبيبتي، محتاجة حاجة؟" نظرت له بتردد واضح جعله يحثها على الحديث، فقالت بحذر: "كنت عاوزة أسألك سؤال، لو هيعصّبك بلاش ترد." اب...
رواية فراشة في سك العقرب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ناهد خالد
ليلاً...
أخيرًا استطاعت أن تنفرد بنفسها بعيد عن ضجيج الجميع.
أخرجت الهاتف الصغير بحرص وحذر وطلبت رقم "مازن".
ظلت تطلب رقمه لعدة مرات دون رد.
فزفرت أنفاسها باختناق وهي تضع الهاتف جوارها بعد أن فعلت وضع الهزاز احتسابًا لرنينه في أي وقت.
وشردت بعقلها في أحداث اليوم وما سمعته عن حقيقة شدوى.
حدثت نفسها تقول:
_ هو شاهين ده أهبل ولا إيه؟ إزاي قبل يتجوزها وهي غلطت مع واحد تاني؟ لأ وحملت منه!
وليه أفعاله متناقضة كده؟ ده لو شخص وحش ومعندوش رحمة ولا قلب زي ما بيقولوا عليه وزي ما بيظهر ساعات عمره ما كان اتجوزها وكتب الواد على اسمه، أكيد كان قتلها!
طب معقول من حبه لها مقدرش يقتلها! بس بردو المفروض واحد بشخصيته ميحبش أصلاً ولا يعرف يحب، ولو حب ميهزوش الحب ده.
هو مش زي بتوع العصابات اللي بنسمع عنهم اللي يقتل مراته عشان خانته واللي يقتل حبيبته عشان هربت منه! ولا هو من بره هالله هالله ومن جوه يعلم الله!
آآآه...
رددت تأوها الأخير بتعب وهي تضع كفها على رأسها من كثرة التفكير.
وفجأة ابتسم ثغرها ابتسامة غير مفهومة وهي تتخيل واقع حديثه معها، وطلبه منها أن تصبح زوجته حقيقيةً.
زوجته!
كلمة لها وقع غريب على نفسها.
تتخيل فقط لو الأمر أصبح حقيقة.
ستصبح هي سيدة المنزل الواسع والفخم هذا.
ستصبح من سيدات المجتمع الراقي.
ستمُتلك الكثير من الثياب الباهظة والمجوهرات والخدم والسيارات.
أشياء لم تحلم يومًا أن تمتلكها.
سوف تستطيع أن تملك كل ما تقع عيناها عليه.
إن أرادت شيء سيكون لديها فورًا ولن تحسب له ألف مرة كما تفعل الآن.
ولكنها مع كونها ستملك كل هذا... ستصبح مملوكة!
مملوكة لشخص مخيف، غريب، والخطأ عنده بعُمر.
شخص من المفترض أنه رجل خطر والبُعد عنه نجاة.
تنهدت بحيرة وهي تتجه بتفكيرها لجانب آخر.
شاهين ورغم كل علامات الاستفهام حوله، لكنه بهِ بعض الطباع الحسنة.
ويا للعجب أنها تقول هذا!
بصرف النظر عن حديث "نورهان" المسبق عنه، لكنها في كثير من الأحيان تلتمس فيه أمورًا جيدة، وتشعر أنه على عكس الشخصية التي يُظهرها.
زفرت بقوة وهي تقول:
_ إيه الهبل ده! أنا بفكر في إيه؟!
انتفضت على اهتزاز الهاتف لتجده "مازن".
فتحت المكالمة فورًا تردد بصوت منخفض:
_ مازن، رنيت عليك كتير مردتش.
أتاها صوته الهادئ يقول:
_ كنت مشغول شوية.
شعرت بأن صوته بهِ شيء ما:
_ أنتَ كويس؟ صوتك مش طبيعي.
_ لا أنا تمام، قوليلي في حاجة ضرورية؟
ورغم تأكدها بأنه ليس بأحسن أحواله لكنها قالت متغاضية عن ما لا يريد الإفصاح عنه:
_ في حاجات... شاهين طلق شدوى رسمي.
أتاها صوته المصدوم:
_ بتقولي إيه؟ إزاي؟ والعيلة عرفت؟
_ جدك هو اللي أمر بكده، ومحدش قدر يتكلم.
وكمان قال إن كتب كتابي أنا وشاهين بكرة.
بس شاهين مشكورًا يعني كلمني بعدها قدامه وقالي إني أكيد لازم أعرف بابا الأول ولازم يكون حاضر.
فمسكت في الحجة دي وتبت.
لكن مش عارفة هعمل إيه وهفضل أماطل لأمتى؟ وأبويا ده هييجي منين!؟
_ إيه ده؟ كتب كتاب إيه؟ هم اتجننوا؟ ولا شاهين عاوز يتأكد إنه هيسبقني بخطوة!
قطبت بين حاجبيها باستغراب وهي تقول:
_ هو كل اللي فارق معاك إنه هيسبقك بخطوة؟ بعدين أنا في بالي إنك هتتصرف وتهربني من هنا زي ما قولت قبل ما ياخد الخطوة دي.
تردد صوته وظهر بهِ الارتباك وهو يقول:
_ مش قصدي أكيد... بس أنا لما فكرت في موضوع هروبك ده لقيت إنه صعب شوية.
_ صعب!
رددتها متفاجئة من حديثه فقد بنت أفكارها على تصرفه هو وتهريبه لها من هنا قبل أن تُكشف أو تقع في المحظور.
_ هنبقى معملناش حاجة يا فيروز، هيكون خوفك وكل اللي عملتيه الفترة اللي فاتت راح على الأرض.
لازم نلاقي دليل على شاهين قبل ما تطلعي من حياته.
_ ولو لقيته؟
_ هيتسجن طبعًا!
ابتسمت باستخفاف تقول:
_ وطبعًا على ما أعرف ألاقي دليل هيكون اتجوزني!
سمعت زفرة حارة منه قبل أن يقول:
_ ووقتها هتتحرري منه، متقلقيش عمري ما هسيبك تقعي فيه عمرك كله، وعمري ما هسمحله يلمسك.
_ هيكون جوزي!
صرخت بها بنبرة خافتة وقد تجمعت دموعها في عينيها وقالت مكملة بمرار تتذوق طعمه في حلقها:
_ إزاي مش هتسمحله يلمسني وهو هيكون جوزي! إزاي قولت إنك بتحبني ودلوقتي معندكش مشكلة يتجوزه المهم مصلحتك تمشي وأعرف أجيب لك دليل عليه!
أنا تخيلت إني أول ما أحكيلك هتقولي أنا ههربك فورًا من عندك، ردك صدمني ومش قادرة أستوعبه.
_ اسمعيني بس، دلوقتي حتى لو كتب كتابه عليكي شاهين مش من النوع الرومانسي ولا انتِ فارقة معاه أصلاً.
هو بيعمل كده عشان يعلن انتصاره عليا.
وبناء عليه هو عمره ما هيقربلك، هو بس هيتجوزك عشان يثبتلي إنه خدك مني.
فبالنسبة إنه يقربلك ده مش هيعمله.
ولما نمسك عليه دليل هيتحبس، وقتها تقدري ترفعي عليه قضية خلع، وهتخلصي من الموضوع ده خالص بدون أي خساير.
وحقيقًة لا تعرف الآن لِمَ فعلت هذا لكنها لم تخبره عن رغبة "شاهين" الذي أخبرها بها، وأنه يريد الزواج منها ليكون أسرة وأولاد.
صمتت، ولا تعرف سبب الصمت الغريب في موقف كهذا، لكنها شعرت بشيء يطبق في عنقها، ويجثم فوق صدرها، شيء لم تستطع إزاحته أو التخلص منه.
فقالت بغصة مختنقة:
_ أنتَ شايف كده؟
تنهيدة عميقة خرجت منه قبل أن تسمع صوته:
_ فيروز، أنا قولتلك إني بحبك... ومينفعش تشككي في كلامي أو شعوري.
لأني ببساطة مش مراهق عشان معرفش حقيقة مشاعري ليكي.
تهاوت دموعها وهي تشعر بالحزن والكآبة وقالت معاتبة:
_ غريب حبك ده! رغم إني معرفش الحب ولا عمري عيشته، لكن مش طبيعي تكون بتحبني وموافق راجل تاني يتجوزني حتى لو مش هيقرب مني زي ما بتقول رغم إن ده شيء مش مضمون.
هتعمل إيه لو بقى جوزي بجد؟ هيبقى الموضوع عادي زي ما عادي اتجوزه!؟
أتاها صوته الغاضب يقول رافضًا:
_ لا طبعًا، وانتِ المفروض ماتسمحيش بده! ده لو بتحبيني.
أنا أصلاً مسمعتش ردك على اللي قولتهولك في الحفلة، مشاعرك إيه ناحيتي يا فيروز؟
هو يخنقها الآن، فمشاعرها مضطربة، ومشوشة بعد حديثه الغريب عليها وردود أفعاله الأغرب.
اتجهت للنافذة تنظر من خلفها للسماء لتجد نفسها تردد بشرود:
_ مش عارفة... بس يمكن في مشاعر جوايا ليك.
والحقيقة لو سألها نفس السؤال في أول مكالمته لقالتها صراحًة واعترفت بالحب، ولكنها "فيروز" الفتاة التي تعلمت نصف ما بها من صفات وطباع من الشارع، من قسوته وسوء معظم من قابلتهم بهِ، لذا فعقلها يطغى على مشاعرها في كثير من الأحيان، أو حين يستدعى الأمر.
والعقل يقول الآن أن تتماسك وألا تتسرع في الاعتراف بمشاعرها.
_ رغم إن إجابتك مش مرضية أوي ليا، بس مقدر إنك أكيد في تردد وحيرة وسط اللخبطة اللي بتحصل.
_ وليه متأكد إن جوايا مشاعر ليك؟
_ تصرفاتك ونظراتك بتفضحك يا فيروز، يمكن مش متأكد إذا كنتي حبتيني ولا لأ، بس متأكد إني مؤثر فيكي.
وعلى فكرة... وحشتيني.
اضطربت وانتفض قلبها وهي تستمع لكلمته، وعقلها يستنكر كيف اشتاق لها وقد رأته بالأمس في الحفل!
إنه يبالغ! أم يريد أن يحسن الوضع بعدما شعر بتوتره؟
لم تعقب على كلمته فقط قالت متخطية الموضوع:
_ المطلوب مني أعمل إيه؟ وأبويا ده هنتصرف فيه إزاي؟
_ بقولك إيه تعرفي مرسي دراع شاهين اليمين؟
صمتت تحاول إدراك هوية من يذكره فقالت:
_ لأ، ماله ده؟
_ ده لازم تعرفيه، هبعتلك صورته.
الراجل ده لو شوفتيه عند شاهين في مكتبه حاولي على قد ما تقدري بعد ما يمشي على طول تدخلي المكتب وتدوري فيه.
مرسي مبيظهرش غير لما يكون هو وشاهين بيرتبوا لعملية.
ولو عرفتي تسمعيهم وتعرفي منهم معلومات، أي معلومة حتى لو صغيرة تعرفهالي.
_ وهعمل ده إزاي؟ ده في تور واقف على الباب بتاع المكتب مبيخليش حد يقرب منه.
_ اتصرفي يا فيروز، شوفي شبابيك المكتب ولا أي مكان تقدري تسمعي منه.
مرسي ده هو اللي هيوصلنا لحاجة وإلا هنفضل نلف في دايرة مقفولة.
_ هحاول...
قالتها بتنهيدة قوية وهي تشعر أن القادم ليس سهلاً.
وسألته:
_ ولو قالي إنه عاوز يتواصل مع أبويا؟
_ قوليله إنك هتتواصلي معاه عن طريق أكونت الفيسبوك لأن طبعًا تليفونك مش معاكي ومتعرفيش غير أكونته.
وأنا هبعتلك في رسالة اسم الأكونت والصورة بتاعته.
الراجل ده واحد معرفة موجود في لندن هكلمه أفهمه كل حاجة وأعرفه لما تتواصلي معاه هيقول إيه.
_ واسم الأكونت ده مش هيكون مختلف عن اسم أبويا؟
_ أصلاً هو عامل أكونت باسم وهمي فموضوع الاسم مش مهم.
******
في اليوم التالي...
_ الزم أدبك يا سيف، شاهين هو كبير العيلة من بعدي ميصحش تتكلم عليه كده.
_ ومين قرر إنه كبير العيلة يا جدي! العيلة مش محتاجة كبير من بعدك.
_ لا محتاجة، محتاجة عشان اللي في دماغك ده مش هيحصل حتى بموتي.
بموتي مش هتقسموا الورث ومتعرفوش بعض بعدها.
أنا موصي إن مفيش مليم يطلع من الورث، ومفيش حاجة هتتوزع، وملك عيلة المنشاوي هيفضل زي ماهو واللي مش عاجبه يفارق بس من غير ولا مليم.
_ إيه الجنان ده! أنتَ بتقول إيه؟ ده ورثنا وحقنا ناخده.
_ متولعش النار يابابا، أنتَ عارف إنهم عمرهم ما حبوا بعض في وجودك.
عيلة كلها تعابين، هيحبوا بعض بعد موتك!
والجملة أتت من ولده "مختار" الذي دلف للفيلا للتو.
نظر له "المنشاوي" وهو يشير ل"سيف" بينما يقول:
_ تعالى... تعالى شوف البيه ابنك بيقول إيه.
البيه بيعدل عليا أنا وابن عمه، صاحي يقول شكل للبيع، والتعابين اللي تقصدهم يبقوا انت وعيالك.
مين في العيلة بيحقد ويغل غيركوا!
قال "سيف" بغضب:
_ عشان مش بعد كل السنين اللي شدوى قضتهم معاه تخرج من حياته فجأة كده وترجع تعيش في المنفى.
هي من حقها تفضل عايشة هنا، ولو مش في البيت خلاص تعيش معايا أنا ومراتي في بيتنا.
ضرب "المنشاوي" عصاه بالأرض بحدة:
_ لأ، مش هيحصل، عشان عارف إن أختك مجنونة وعديمة الكرامة، مش هتسيب شاهين في حاله.
وطول ما هي معاه في نفس البلد هترازي فيه هو وخطيبته، وأنا عاوز أقطع جدر الموضوع ده خالص.
قال "مختار" بغيظ يكبته:
_ اسمع يا حاج، شاهين لازم يرد شدوى لعصمته.
اللي عملته امبارح أنتَ من غير ما تاخد رأي حد غلط، وغلط كبير.
اقترب "المنشاوي" منه وهو يقول ساخرًا:
_ وليه عاوزها ترجعله؟ وموافق ترجعله بس يتجوز عليها؟ ولا هتحجر عليه وتحرمه من حقه وتقول مايتجوزش؟
ورده كما توقعه الجد حين قال:
_ لو عاوز يتجوز يتجوز، المهم ميرميش بنت عمه وابنها عشان واحدة غريبة و...
قطع "المنشاوي" حديثه يقول بابتسامة مشمئزة:
_ مش مصدق إنك بتبيع بنتك وبتمسح بكرامتها الأرض عشان ورث شاهين.
توتر وجه "مختار" وهو يقول برفض:
_ ورث إيه؟ أنا مش محتاج ورثه أنا...
_ لا محتاج... ورثه اللي هو ورث أبوه واللي أصريت أكتبه باسمه عشان لما أموت متأكلوش حقه.
ورثه اللي حافظ عليه وبقى 3 أضعاف الأصل.
لم يستطع "سيف" التحكم في نفسه وهو يقول غاضبًا وحانقًا:
_ وللآن مش راضي تكتب لأبويا حقه الشرعي في باقي أملاكك، وسايبهم باسمك، عشان لما تموت شاهين يورث تاني!
نظر له "المنشاوي" نظرة قاتمة، حادة وقال:
_ شاهين مش طماع ولا معدوم الضمير زيك، هو عمره ما هياخد جنيه تاني.
لكن أنا مش هكتبلكوا باقي أملاكي عشان أمد إيدي ليكوا أطلب المصروف كل شهر ولا لو وقعت في مشكلة استلف منكوا.
وانتَ بالذات يا فاشل لو شميت ريحة الفلوس هتضيعها زي كل حاجة ضيعتها قبل كده.
_ طبعًا، أنا الفاشل وشاهين بيه هو اللي مفيش منه، طول عمرك شايفه بطل رغم إن كل اللي بيعمله عادي.
قالها "سيف" بكره حقيقي، فمن كثرة ما يرى تفضيل الجد ل "شاهين" عليهِ كره "شاهين" والجد نفسه.
ليقول الجد:
_ اعمل نص اللي بيعمله بعدين ابقى أتكلم، ده انتَ لسه بتاخد مصروفك من أبوك ومعتبره مرتب قال.
مرتب إيه وانتَ مبتروحش الشركة مرتين في الأسبوع.
_ اديني نص اللي ادتهوله وأنا أعمل زي ما عمل.
غضب "المنشاوي" وهو يقول:
_ لا هديك حاجة، ولا تحلم لا انتَ ولا أبوك إني أكتبلكوا أملاكي.
لما أموت ابقوا ورثوني، ومتخلونيش أحلف إني أكتب وصية إن بعد موتي أملاكي ماتتقسمش وأخلي كل حاجة تحت تحكم شاهين عشان تفضلوا طول عمركوا تحت إيده.
_ بعد الشر عليك يا بابا، بس بقى يا مختار انتَ وسيف عيب كده، حصل إيه لكل ده؟
وانتَ يا سيف اهدى، انتَ من وقت ما صحيت وانتَ بتقول شكل للبيع ونازل شامم نفسك علينا.
هدرت بها "سهير" خارجة عن صمتها ليقول "سيف" بنفس غضبه:
_ عشان امبارح اضطريت أسكت تحت إصرار جدي، لكن أنا مش قابل اللي عمله.
هو فكر في شاهين وبس، مفكرش في اختي.
نزلت "صفاء" على الدرج تقول بوجه شاحب:
_ منشاوي بيه أنا طلعت أبلغ شدوى هانم تجهز الشنط عشان تمشوا، بس ملقتهاش لا هي ولا تيم، وهدومهم مش فوق.
صُدم الجميع مما قالته، واتسعت عيني "المنشاوي" بغضب وهو يهدر في "سيف":
_ اتصل بيها شوفها راحت في أي داهية.
******
اليوم لابد أن يخرج من المستشفى، وللعجب لم يكن يريد الخروج!
فقدومها له على مدار اليومين كان يبعث فيهِ راحة غريبة، وكأنه بدأ يفضل المكوث في المستشفى فقط لتأتي وتره!
لِمَ أصبح يراها بشكل مختلف؟
أليست هي نفسها "مستكة" الفتاة التي لا يحب الحديث معها ولا نظراتها له، لا يحب سخافتها وهي لا تنفك عن إظهار مشاعرها أمامه، ولكن الصورة الجديدة التي ظهرت بها أحبها، أو على الأقل تقبلها.
الفتاة العاقلة التي تعطيه دفعة للحياة والتي يمتلئ حديثها بالحكمة والمواعظ.
الفتاة التي جعلته يتقبل وضعه وأشعرته بأنه لم يفقد حياته كما رأى الوضع، بل فقد شيء وعليهِ أن يعوضه بشيء آخر.
نزل من سيارة الأجرة، ليجدها تقف أمام منزلهم تحمل صينية طعام مغطاة بقطعة قماشية كبيرة.
اقترب هو ووالده منها ليبدأ "شاكر" في الحديث:
_ إيه اللي موقفك كده يا مستكة؟
ابتسمت بخجل وهي تنظر لِمَ تحمله:
_ لما كنت في المستشفى الصبح عرفت إنكم هتخرجوا على ميعاد الغدا.
قولت أكيد مش هتلحقوا تيجوا تعملوا أكل وهتكونوا جعانين، فعملت حاجة بسيطة كده.
خرج "مجد" عن صمته يقول بحرج مما تفعله معهم:
_ بس كده كتير...
بعدين معنى كده إنك مشتغلتيش النهاردة كمان! ومعطلة نفسك عشانا.
رفعت نظرها تطالعه بابتسامة ولمعة عيناها قد عادت كما كانت دومًا:
_ مش كتير ولا حاجة، وبعدين... أنا خدت النهاردة إجازة من شغلي، وبيع الفل كده كده بشتغله في أي وقت.
اقتربت تعطي الصينية ل"شاكر" وقالت:
_ حمد الله على السلامة، وإن شاء الله ربنا يتمم شفاه على خير.
تناولها منها "شاكر" بحرج وامتنان:
_ تعبناكي معانا اليومين اللي فاتوا، بس مش جديدة عليكي يا مستكة طول عمري شايفك بت جدعة وبنت أصول.
ابتسمت وهي تختلس النظرات ل "مجد":
_ الجيران لبعضها يا عم شاكر، والرسول وصى على سابع جار، واحنا ولاد حتة واحدة، ويارب الأكل يعجبكوا.
_ أكيد.
قالها "مجد" فجأة، لينظرا له فحمحم يقول:
_ كفاية إنك تعبتي نفسك وعملتيه.
_ السلام عليكم.
قالتها وهي تنصرف من أمامهما وقلبها يدق بدقات تشعر بها للمرة الأولى.
فلأول مرة يعاملها "مجد" بهذا اللطف، لأول مرة يتقبلها دون أن ترى منه نظراته الكارهة، دون أن يجرحها بحديثه، كما كان الأمر هكذا في المستشفى لكنها كانت تبرر ربما يقدر ذهابها لرؤيته كمريض فيحاول أن يعاملها بلطف.
ولكن ماذا عن الآن؟ وهل هذا أمل تتعلق بهِ أم ستكون أكبر ساذجة إن فعلت!
******
مساء اليوم التالي....
ابتسمت بتوتر وهي تحادث والدها المزعوم عبر هاتفه:
_ أنا بس يا بابي كلمتك عشان أقولك إن في حد اتقدم لي وحابب يكلمك عشان يطلبني منك، وكمان يحدد معاك باقي التفاصيل.
أتاهما صوت الرجل يقول بضيق أجاد تمثيله:
_ والكلام ده من امتى؟ بعدين تفاصيل إيه اللي هحددها معاه وأنا معرفوش ولا اعرف عنه حاجة!
نظرت ل"شاهين" بتوتر ثم أجابت:
_ أنا اعرفه كويس يا بابي، وواثقة فيه، هو بس عاوز يعني يحدد معاك ميعاد الخطوبة وكمان عشان تكون موجود.
_ لالالا مش هقدر أنزل مصر خالص، مش أقل من كام شهر لأن عندي أشغال كتير هنا مينفعش أسيبها وأنزل.
نظرت ل "شاهين" بحيرة مصطنعة ثم سألت الرجل:
_ يعني ممكن تنزل بعد قد إيه؟
_ يعني مش أقل من 6 شهور، بلغيه بكده، وخليه يأجل أي حاجة لحد ما أنزل.
_ تمام يا بابي، هكلمك تاني.
وأغلقت معه الهاتف لتنظر ل"شاهين" الذي يطالعها بصمت.
صمت لم يقطعه فقطعته هي تقول بابتسامة متوترة:
_ ساكت ليه؟
نظر لها بتمعن أقلقها:
_ وافقتي ليه؟ متوقعتش تدخلي عليا الصبح المكتب تقوليلي أنا موافقة إننا نتجوز بجد!
تحكمت في خوفها من أن تخفق في الحديث، واستدعت الثبات وهي تقول:
_ فكرت بعقلي، على فكرة أنا بعيدة خالص عن الحب والمشاعر والكلام ده.
ولما هديت وفكرت لقيت إني طول عمري بدور على الزوج المناسب بشكل عقلاني، وبصراحة... أنتَ فيك كل مواصفاته.
بس مع عقبة بسيطة مش عارفة هقدر أتخطاها ولا لأ.
_ ويا ترى إيه هي العقبة دي؟
_ موضوع تجارتك في السلاح، أنا للآن مش عارفة أنتَ فعلاً بتتاجر فيها ولا مازن فاهم غلط!
شبك كفيهِ فوق المكتب يقول بهدوء:
_ بصي، أنا أكتر حاجة بكرهها إن حد يدخل في تفاصيل حياتي، أو يتدخل في حاجات أنا شايف إنه ملوش فيها.
رفعت حاجبها الأيسر باستنكار تقول:
_ يعني إيه! لا ليا فيها طبعًا، التفاصيل دي هتكون حياتي أنا كمان، إزاي أتزوج شخص حواليه شكوك، وشكوك إجرامية كمان!
عقب على حديثها بنبرة قوية واثقة:
_ بصرف النظر عن أي شيء يخصني أو يخص شغلي، يكفيكي أقولك إنك عمرك ما هتتأذي ولا هتكوني طرف لعداوتي مع حد.
أنا عارف كويس أوي أفصل حياتي العملية بكل اللي فيها عن بيتي وحياتي الشخصية.
شدوى عاشت معايا 7 سنين ولا مرة مشاكلي في شغالي أو عداوتي مع حد حست بيها، واعتقد ده اللي يهمك.
لم تقتنع بحديثه أبدًا وقالت:
_ أيوه بس لو شغال في السلاح واتقبض عليك ده مش هيأثر عليا وعلى حياتي!
نهض يلف حوله مكتبه حتى أصبح أمامها فاقترب من كرسيها واستند بكفه على المكتب يميل عليها يسألها بأعين ماكرة:
_ بتلفي وتدوري ومصممة توصلي لإجابة السؤال ده صح؟
رمشت بأهدابها توترًا من اقترابه الخطر، وابتلعت ريقها بصعوبة مع تسارع أنفاسها وقالت بنبرة مرتبكة:
_ أيوه... مصممة، وبصراحة ده مقابل إني أوافق بشكل كلي... على... على الجواز يعني.
******
جلس أمامها في المقهى الذي اتفق معها على اللقاء فيه، وقال بابتسامة ارتسمت على ثغره:
_ هتشربي عصير مانجا كالعادة ولا ناوية تغيري؟
ابتسمت وهي تجيبه:
_ مانتَ عارف مبشربش غيره.
طلب لها مشروبها وطلب له قهوته الخاصة وبعدها نظر لها يقول:
_ امبارح جالك تليفون ومشيتي وملحقناش نتكلم، نزلتي مصر ليه وامتى؟ وكلمتيني ليه؟
ضحكت ضحكة صغيرة تقول:
_ كل دي أسئلة؟ عمومًا هجاوبك.
نزلت مصر من أسبوعين، وليه... عشان للأسف حياتي بره انتهت، وكلمتك ليه... فكلمتك عشان لما نزلت مصر معرفتش ألاقي أي حد من صحابي، ولقيت نفسي لوحدي.
افتكرتك.. وقولت أنتَ الوحيد اللي هعرف أوصلك لأن الأكونت بتاعك كان لسه عندي، قولت أكلمك ونرجع صداقتنا ويبقالي حد هنا على الأقل أسند عليه وقت ما يحصلي مشكلة أو أحتاج صاحب.
نظر لها بتمعن يسألها:
_ معقول! شايفه إننا ينفع نرجع صحاب؟ حتى بعد اللي حصل يا ليلى؟
تنهدت وهي تقول بينما تنظر بعيدًا:
_ اللي حصل بيني وبين أخوك زمان أنا عمري ما دخلتك طرف فيه، بالعكس طول الوقت حافظة جميلك إنك نبهتني وخوفت عليا اتخدع فيه، وعمومًا.... أنا نسيت شاهين من زمان يا مازن.
_ متأكده؟
سألها بشك واضح، لتبتسم في خفوت وقالت:
_ لو ماكنتش نسيته مكانتش اتجوزت.
_ اتجوزتي؟؟؟
رددها بصدمة وفاه فاغر وقد شعر بحجر ثقيل سقط فوق قلبه فجأة.
يتبع......
رواية فراشة في سك العقرب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ناهد خالد
"الحب لا يأتي من النظرة الأولى..
الإعجاب هو من يأتي من النظرة الأولى..
الحب شعور لا يعبر عن ذاته بسهولة..
الإعجاب شعور تدركه مباشرةً وبكل سهولة..
الحب دومًا مقرون بالإنكار..
وعن الإعجاب فيمكنك الاعتراف بهِ لأنه وببساطة شعور عابر لا يعطي قيمة للشخص الذي أمامك بقدر ما يفعل الحب…
الحب والإعجاب متشابهان في ظاهرهما لكن في باطنهما فشتان بينهما..
ولا يرى هذا التشابه إلا الشخص الجاهل بالعلاقات والمشاعر..
حينها يجد نفسه يتأرجح بين الحب والإعجاب ولا يعلم إلى أيًا منهما ينتمي شعوره.."
تاهت نظراتها بهِ وهي تجد ذاتها محتجزة بين ظهر الكرسي وجسده،
ولأول مرة يكن بهذا القرب منها،
لأول مرة تكن ملامحة قريبة لها للحد الذي جعلها تدرك أنه أوسم بكثير من رؤيته من بعيد!
وكأنه بالقرب ازداد وسامة وهيبة!
وشعور غريب تسلل لقلبها، شعور أحمق! شعور بالأمان،
وكأن حمايته لها من السقوط بالكرسي أمر جلل!
تشعر بنفسها في هذه اللحظة تحديدًا تنجذب له بطريقة لا تفهمها ابدًا،
لكنها ألم تنجذب بنفس الطريقة وبنفس السرعة لـ"مازن"؟
ما بكِ فيروز هل ستنجذبين لكل رجل يُبهرك؟
توقفي عن الحماقة وإلا ضعتِ بينهم وتجرعتِ مرارة الألم والهوى بنِفسك!
وعنه فسؤال واحد تردد بعقله "ما المميز بها؟؟"
بهذا القرب شعر أن بها شيء مميز لكنه مجهول في الوقت ذاته،
شيء جعله يغوص في ملامحها،
رُبما عيناها الشبيهتان بعيون نساء البدو،
تلك العيون التي تسحرك من جمال رسمتها الربانية،
وخاصًة أنها تحددها بالكحل بقوة تعلن عن قوة صاحبتها،
ورُبما بُنية مقلتيها التي تشبه شعاع شمس في نهار يوم بارد!
لا لابد أن لون بشرتها هو المميز بها،
فبشرتها تذكره بلون الشوكولاتة ويكاد يقسم ان نعومتها ستشبه نعومة الشوكولاتة أيضًا..
ملامحها قوية..
ولا تعلم هي أنه أكثر من يحب القوة في النساء..
أفق شاهين! فيما تفكر أنتَ؟
إنها لعوبة جاءت لك كي توقعك في فخ أحمق يشبه من وضعه…
وانتفضا الاثنان من تفكيرهما معًا..
ليعدل كرسيها واستقام بعدها وهو يقول بينما يجذب الهاتف من يدها ويعبث بهِ لثواني قبل أن يُعيده لها وهو يأمرها:
– هتكلمي مازن على رقمه وهقولك هتقوليله ايه بالحرف..
وهي انصتت جيدًا،
وبعدها طلبت الرقم ليأتيها الرد بعد ثلاث رنات،
لتقول بهمس شديد:
– مازن؟
وعلى الجهة الأخرى انتفض من فوق كرسي مكتبه ما إن أدرك صوتها،
ورد متلهفًا:
– فيروز؟ انتِ كويسة؟
ابتسامة ساخرة زينت شفتي "شاهين" الذي يستمع للمكالمة معها عبر سماعة أذن لاسلكية،
لأن مكبر الصوت يمكن ان يلتقطه "مازن" بسهولة،
أجابته وهي تنظر لـ"شاهين":
– انا كويسة، انا بكلمك من فون خدامة هنا، كنت حافظة رقمك عشان لو اتحطيت في ظرف طارئ.
أثنى على فعلتها يقول:
– برافو عليكِ، قوليلي هو عملك ايه؟ وعاوز منك ايه؟ احكيلي بسرعة انا كنت هموت من قلقي عليكِ وحاولت اوصلك بأي طريقة لكن معرفتش.
– يا حنين!
رددها "شاهين" هامسًا لنفسه بسخرية ارتسمت على ملامحه بوضوح.
– معمليش حاجة، هو بس جابني هنا عشان ابعد عنك، وبيهددني، وقالي لو اتذاكيت وحاولت اخدعه بإني أوافق وبعد ما اخرج استمر على علاقتي بيك هيعرف يوصلي ويندمني اني لعبت بيه…
انا لما فكرت قولت مينفعش أوافق على طول لأن كده هطلع من الفيلا وانتَ مش هتستفيد حاجة وانا لسه متواصلتش معاك.
– برافو عليكِ يا فيروز اتصرفتِ صح، فعلاً وجودك في الفيلا مهم جدًا، ولازم تفضلي تماطليه لحد ما نوصل للي عاوزينه عشان متخرجيش من الفيلا..
بس الأهم لو الموضوع مؤذي ليكِ او في أي خطورة اخرجي من عندك فورًا.
نظرت لـ"شاهين" الساخر قبل أن تجيب بهدوء:
– الأمور هنا تمام، بيعاملني كأني ضيفة.. المطلوب مني ايه؟
– المطلوب منك تحاولي توصلي لخزنة "شاهين" انا مش عاوز اكتر من الورق اللي في خزنة مكتبه.
– بس أكيد الخزنة ليها رقم سري..
قالت الجملة بعد صمت لثواني كان يكتب فيها "شاهين" جملة على ورقة أمامه ومدها لها لتقول ما بها..
– اكيد، بس انا همليكِ كذا رقم سري تحفظيهم كويس، ولما توصلي للخزنة تجربيهم اكيد هيطلع واحد منهم.
وقبل أن تنتظر ما يكتبه "شاهين" دفعها فضولها لسؤاله:
– وانتَ تعرفهم منين؟ وليه متأكد انه هيكون واحد منهم؟
زفر سمعتها منه قبل أن تسمعه يقول:
– مش قولتلك متسأليش في حاجة مش هتفيدك! المهم ان محدش يلمحك وانتِ بتعملي ده.
وللمرة الثانية لم تنتظر توجيهات "شاهين" وهي تقول:
– ازاي هاخد الورق وهطلع من الفيلا من غير ما يكشفني؟
– لازم خلال الأيام الجاية يكون معاكي موبايل، ولازم كمان تجندي حد من الخدم اللي عندك يكون مرسال ليكي، واغريه بالفلوس اللي تشوفيها وميهمكيش، المرسال ده هيكون بيني وبينك، انتِ مش هينفع تاخدي الورق، انتِ بس هتصوريه بتليفون وهتبعتيه ليا مع المرسال، وانا هطبعه وهرجعهولك ورق، وقت ما تاخدي الورق الأصلي هتحطي ده مكانه.
– طب وليه كل ده؟ ما تطبعه وتستخدمه انتَ.
– انا لازم يكون معايا أصول يا فيروز، مينفعش ورق مصور، لازم الأصل عشان اقدر ادينه بيه والمحكمة تاخد بيه، بعد ما تحطي الورق المصور وتاخدي الأصلي هتستني شاهين يرجع تقوليله انك موافقة تبعدي عني وياخد أي ضمان يحبه عليكِ، وقتها هو بنفسه هيخرجك من الفيلا وهتكوني حرة، ووقتها هاخد منك الورق الأصلي وساعتها هيكون شاهين انتهى..
قطبت ما بين حاجبيها بتعجب سائلة:
– هو الورق ده خطر كده؟
– ايوه، كل صفقة سلاح شاهين بيقوم بيها بتكون موثقة بعقود، العقود دي لو بقت معايا يبقى كده نهايته.
نظرت لـ"شاهين" لتجده هادئ، ساكن الملامح، كأنه لا يسمع ما يُقال،
تنهدت وهي تقول:
– تمام، فهمت.. هكلمك في اقرب وقت لما اعرف اجند حد من هنا.
– تمام، بس زي ما قولتلك أي خطر تحسي بيه سيبي كل ده واهربي، شاهين لو شك فيكِ هتكون نهايتك وانا للأسف مش هلحقك، واتواصلي معايا دايمًا طمنيني عنك.
ابتلعت ريقها الذي جف عقب جملته التي قالها والتي أدركت معناها جيدًا بعد ما رأته مع "شاهين" في اليومين السابقين،
ونظرت له وهي تقول:
– حاضر..
وأغلقت المكالمة لتضع الهاتف فوق المكتب وهي تنظر له،
ليقول بعدما نزع سماعة الأذن الخاصة بهِ..
– تمام، تقدري تطلعي.
فقط! ألن يُثني على نجاحها في قول كل ما أراده وتصديق "مازن" لها!
زفرت حانقة ونهضت خارجة من المكتب تحت نظراته المسترخية والمفكرة في الآتي والذي لا تتوقعه لا هي ولا "مازن"…
أنهت عملها والذي يقتصر على بعض أعمال المطبخ واستأذنت من "صفاء" أن تذهب اليوم باكرًا لتأخذ والدها المريض بمرض القلب منذُ زمن للطبيب،
فوافقت "صفاء" على أن تحضر يوم غد باكرًا عن المعتاد،
خرجت من باب المطبخ الخاص بالخدم والمفتوح على الحديقة الخلفية،
وأثناء سيرها في طريقها للبوابة رأت فتاة من ظهرها تسير ببطء على العشب الأخضر دون وجهه محددة،
فقطبت ما بين حاجبيها وضيقت عينيها بفضول فمن هذه الفتاة التي تسير بكل أريحية في فناء فيلا العقرب؟
فهو لا يسمح لأحد غريب بدخولها، وهذه ليست السيدة "شدوى" ولا أحد تعرفه،
وقفت لثواني مترددة هل تتابع سيرها متجاهلة الموضوع أم تندفع خلف فضولها لتعرف هوية الفتاة؟
وكادت تفعل لكنها نظرت خلفها على صوت أحد العاملات معها يناديها:
– مستكة.
ولم تلتفت "مستكة" وحدها بل التفتت "فيروز" أيضًا على الصوت،
لتتجمد في محلها وهي ترى آخر شخص توقعت رؤيته..
– مستكة!!
رددتها هامسة بصدمة ولا تعرف ما تفعله الأخيرة هنا؟
ماذا جاء بها وهل رأتها أو تعرف بوجودها؟
يا لحظك العاثر يا فيروز!
وكأن مشاكلك لا تكفيكِ لتزداد مشكلة جديدة، بل كارثة!
التفت تعطيها ظهرها مرة أخرى ما إن وجدت من تقف مع "مستكة" تنصرف بعد أن اعطتها حافظة نقود يبدو أنها لها وقد نسيتها،
ظلت على وقفتها تترقب ما سيحدث وتدعو الله ألا تكون "مستكة" قد تعرفت عليها…
زفرت بضيق حين طال وقوفها وقررت متابعة سيرها فماذا ستجني حين تعرف هوية الفتاة؟
عليها أن تلحق موعد الطبيب وهذا هو الأهم،
فسارت تجاه البوابة ومنه لخارج الفيلا دون النظر خلفها.
زفرت براحة بعدما راقبت بطرف عينيها خروج الأخيرة،
لتتجه بخطواتها لداخل الفيلا وهي تفكر بحل للمصيبة التي حلت بها.
ذُهلت من حديث جدها المخالف تمامًا لِمَ توقعته،
لتهوى فوق الكرسي وهي تسأله بصدمة:
– يعني ايه يا جدو؟ يعني هتسيبه يتجوز عليّ؟
أتاها صوت جدها يقول برزانة:
– يا بنتي افهميني مقدرش امنعه من حقه، وده حقه يا شدوى، انتِ بقالك سنين مراته، ومنجحتيش تكسبيه، مقدرش أحرم عليه انه يشوف حياته ومستقبله.
احتدت عيناها رغم القهر اللامع بهما وقالت:
– خلاص ما دام كده انا كمان من حقي اشوف حياتي، نطلق وكل واحد يشوف حياته.
وأتاها ما جعل حدتها تخفت، وعيناها تلمع بدموع الحزن والوجع حين قال جدها:
– وانتِ عارفة إنك لو طلبتِ الطلاق شاهين عمره ما هيرفض، شاهين مش مقيدك يا شدوى، انتِ اللي حابة وجودك على اسمه.
أردفت بقهر كبير:
– يااه، للدرجادي، ده انا على كده فشلت خالص.
– يا حبيبتي احنا عارفين علاقتكوا عامله ازاي، وانتِ حاولتِ كتير تصلحيها لكن معرفتيش، يبقى لا اقدر اتهمك إنك محاولتيش كفاية، ولا اقدر اتهمه إنه رفض كل محاولاتك، ده نصيب يا بنتي وأنتوا من الأول نصييبكوا مش مع بعض، وافتكري إن اللي عملتيه زمان عمره ما هيتنسي وهيفضل شرخ كبير اوي في علاقتك بشاهين، وشاهين عمره ما هيتقبل علاقتكوا مهما حاولتِ.
تساقطت دموعها تزين وجنتيها وهي تهمس مستنكرة:
– يعني بتقولي استسلم للأمر الواقع؟
– بقولك متبقيش أنانية، سبيه يختار طريقه زي مانتِ اختارتيه زمان، سبيه يختار لأول مرة برغبته، وسبيني انا كمان اساعده في ده يمكن اخفف شوية من الذنب اللي حاسس بيه ناحيته.
– ماشي يا جدو، مع السلامة.
قالتها وأغلقت المكالمة بعدما سمعت وداع جدها لها،
ألقت الهاتف فوق الفراش ومسحت دموعها بقوة حتى كادت تجرح وجنتيها بأظافرها وقالت بإصرار:
– وأنا مش غبية عشان اضحي بسعادتي عشان حد حتى لو كان شاهين نفسه، أنا سعادتي معاه وهعمل أي حاجة عشان أكون معاه… وإن كانت دي أنانية مني، فأه أنا أنانية.. ومش هسيبها تتهنى بيه.
وجملتها الأخيرة تحمل وعيدًا لـ"فيروز" ينبأ بأن القادم ليس خير..
انهت عملها في الشركة واخذت طريقها للخروج حين فُتح باب المصعد وخرج منه ليصبح أمامها،
تمنت لو تستطيع تجاهله لكن كيف تفعل وهو يقف في وجهها،
ستكتفي بالقاء تحية وتتابع سيرها،
هذا ما قررته وهي تقول له:
_ مساء الخير.
ولكنها توقفت ما إن كادت تتحرك حين وقف أمامها تمامًا قاطعًا الطريق عليها:
_ مساء النور يا آنسة نورهان، ازيك بقالي يومين مشوفتكيش.
ابتسمت بكياسة تقول:
_ حظي كان وحش بقى، أصل كنت بخلص شغلي بدري وبمشي.
عاتبها بنظراته يقول:
_ كنتِ بتخلصي شغلك بدري، ولا بتتعمدي تخلصيه بدري عشان تمشي قبل ما جي، انا النهارده جاي بدري مخصوص عشان الحقك.
تصنعت عدم الفهم وقالت:
_ لا ابدًا، هتعمد ليه!؟
_ يمكن عشان مسألكيش عن قرارك.
قطبت جبينها وامتعضت ملامحها تسأله باستنكار:
_ قراري في ايه يا استاذ باسم؟؟
_ وانا كلمتك في مليون حاجة! هي حاجة واحدة اللي كلمتك فيها من اسبوع،
ولسه مخدتش رد.
رفعت حقيبة يدها على كتفها وهي تقول:
_ وانا من يومها رديت وقولت إني مبفكرش في الجواز دلوقتي.
أصر على موقفه يقول:
_ وانا قولتلك هسيبك تفكري.
انزعجت ملامحها أكثر وهي تجيبه:
_ وانا مكنتش محتاجه وقت أفكر، ولا طلبت ده، ردي كان واضح ومش هيتغير، واعتقد المواضيع دي القرار فيها محسوم.
قال "باسم" باستغراب:
_ ايه ممكن يخلي بنت خلصت تعليمها وبتشتغل ترفض الجواز؟ ايه اللي معطلك؟ لا بتعملي دراسات عليا ولا لسه مخلصتيش تعليمك.
رفعت حاجبها باستهجان:
_ مين فهمك إن البنت لما تخلص تعليم مورهاش حاجه غير الجواز؟ مش معنى إني خلصت تعليمي وبشتغل يبقى انا قاعدة مستنية الزوج الصالح! انا حابة اثبت نفسي في شغلي واوصل لمنصب كويس فيه، حابة اعيش لنفسي شوية بحرية قبل الجواز ومسؤولياته، في حاجات كتير اوي ممكن اعملها غير إني اقعد استنى الجواز.
تفاجئ من هجومها ليقول مبررا:
_ انا مقصدتش كل ده، انا بس قصدت لو في حد في حياتك عرفيني عشان...
قاطعته بجرأة فاجئته:
_ اه فيه.. اتمنى بقى يكون الموضوع خلص ومفيش داعي كل شوية تكلم جميلة عشان تكلمني.
بهتت ملامحه وهو يسمع ردها القاسي له، هو لا يحبها وإن أظهر عكس هذا لها ولصديقتها فكان من أجل أن يعزز موافقتها به، لكنها في حقيقة الأمر كانت تعجبه، وكان يتمنى أن تصبح من نصيبه، فلديها كل ما تمناه في المرأة، جمال، ولباقة، وأرستقراطية، ولطف وقوة في آن، لكنه في الوقت ذاته يمكنه أن يجد من هي أفضل منها، هذا ما ردده لنفسه قبل أن يبتسم لها في هدوء:
_ خلص، وآسف لو أزعجتك.
شعرت بحدتها المبالغ فيها فهدأت ولانت ملامحها المشدودة وهي تقول:
_ أنا اللي أسفة لو احتديت شوية في كلامي متزعلش يا أستاذ باسم وحقيقي أنتَ زميل عزيز وشخص خلوق.
هز رأسه لها في دبلوماسية:
_ مش هعطلك اكتر من كدة تقدري تتفضلي.
وافسح لها الطريق لتتحرك عدة خطوات قبل أن تزفر انفاسها بقوة وقد شعرت أنها أزاحت حملا من فوق كاهلها.
---
في صباح اليوم التالي.
نزلت درجات سلم الفيلا بحذر تتلفت يمينا ويسارا وعيناها تبحث عن أي طيف لـ"مستكة" فهي قد قررت ألا تنتظر البلاء، ويجب عليها أن تضمن "مستكة" لصفها بأي طريقة كانت، فلن تترك لها فرصة وضعها في خطر ربما لن تدركه الأولى، يجب عليها أن تمسك جميع خيوط اللعبة كي لا تتأرجح على حبال الخسارة.
رأت "صفاء" في طريقها لمكتب "شاهين" لتوقفها صائحة:
– صفاء استني.
توقفت "صفاء" فورا وتحركت "فيروز" ناحيتها حتى وقفت أمامها وسألتها:
– هي في خدامة هنا اسمها مستكة؟
قطبت "صفاء" ما بين حاجبيها بتعجب تسألها:
– ايوه، في حاجة يا هانم؟
وبهدوء تام لا يثير أي شك أجابتها:
– كانت امبارح وهي مروحة وقع منها حاجة وانا كنت في الجنينة فكنت حابة اديهالها.
– ممكن انا اوصلهالها.
رفضت بنفس الهدوء:
– لا، احب انا اديهالها بنفسي عشان اتعرف عليها، مش معقول مش هعرف غيرك في البيت يا صفاء!
– اصل خدم المطبخ مبيخرجوش للفيلا غير عشان يرصوا السفرة.
سألتها "فيروز" بحذر:
– ومين بينضف؟
أوضحت "صفاء":
– خدم تانيين، كل حد له اختصاصه.
إذن إمكانية رؤيتها قليلة جدا، حسنًا فلتأجل ما أرادت فعله لفترة، ربما يحالفها الحظ ولا تراها "مستكة"، وإن شعرت بقرب الخطر ستنفذ خطتها التي أعدتها أمس، نظرت لـ"صفاء" قائلة:
– خلاص… هبقى اديهالها بعدين انا نسيتها في اوضتي.
استمعت لصوت يأتي من مكتب "شاهين" المغلق، صوت طفل!
– ايه الصوت ده؟ مين مع شاهين جوه؟
أجابتها "صفاء" مبتسمة:
– ده البيه الصغير، من وقت ما صحي وهو مع البيه الكبير في المكتب.
لاح الجهل في عينيها وهي تسأل نفسها بتعجب من البيه الصغير؟ لكنها لم تظهر هذا للواقفة أمامها بل سألتها:
– أنتِ كنتِ داخله؟
– ايوه كنت هسأل البيه لو اطلع اصحي شدوى هانم عشان الفطار، ولا...
قاطعتها تسألها:
– هو الفطار هنا بميعاد زي الغدا كده؟
– ايوه كل وجبة لها ميعادها.
رفعت حاجبها الأيسر تتابع أسئلتها الساخرة:
– وهي الهانم متعرفش ميعاده؟
– لا طبعا تعرف، بس يمكن راحت عليها نومة، بس ماحبش اطلع اصحيها من نفسي لأنها بتتعصب لما حد يصحيها، لكن لو البيه اللي قالي مش هتتكلم معايا ولا هتتعصب.
ربطت بكفها على كتف "صفاء" بخفة تخبرها:
– متتعبيش نفسك وتصحي حد، هي عارفة الميعاد ما صحيتش عليه يبقى براحتها، جهزي الفطار وهدخل ابلغ شاهين انه جاهز.
وتحركت من أمامها لتتوقف وهي ممسكة بمقبض الباب قبل فتحه والتفت لـ"صفاء" تقول بضيق:
– انتِ لسه واقفة عندك؟ اتحركي يا صفاء!
تنهدت "صفاء" بقلة حيلة وهي تتذكر ما أخبرها به شاهين بأن تنفذ كل ما تقوله وتريده "فيروز" ما دام الأمر في نطاق المعقول:
– أمرك يا هانم.
وتحركت للمطبخ لتبتسم "فيروز" بزهو وتفتح الباب بعد دقة عليه ودلفت ليقع بصرها على طفل صغير يجلس فوق الأريكة ويجاوره "شاهين"، طفل لطيف، وجميل وحسن المظهر، منذ رأته وقد ابتسمت بعفوية، وتوقفت تنظر له كالبلهاء دون حراك.
رفع "شاهين" رأسه على فتح الباب ليجدها أمامه مرتدية ثياب أكثر تحررا من أمس، فستان أبيض يلتصق بشدة بجسدها فيرسم منحنياتها بدقة، ويصل طوله إلى قبل ركبتيها بقليل، به نقوش وردية كبيرة، بنصف أكمام وفتحة عنق واسعة لكنها تنتهي قبل الصدر، وتركت لخصلاتها المموجة السوداء الحرية لتصل لمنتصف ظهرها، وكالعادة تكتفي بالكحل المزين لعينيها ولون وردي هادئ يطلي شفتيها، انتبه من شروده بها على صوت "تيم" يسأله:
– مين دي يا بابي؟
ونزلت الجملة كالدلو البارد عليها، هل لديه طفل من تلك الشمطاء؟ نظرت له وهي تسأله متقدمة منهما عدة خطوات:
– ابنك؟
اومأ وقد أبعد نظره عنها:
– ايوه، تيم.
ابتسمت بالكاد وهي تقترب منهما وجلست بجوار صغير على كرسي مجاور وهي تمد كفها له بود:
– ازيك؟ أنا فيروز.
مد الصغير كفه على الفور يصافحها وقال بلطف:
– انا تيم ابن بابي.
قال كلمته الأخيرة مشيرا لـ"شاهين" فاتسعت ابتسامتها على جملته اللطيفة، وحاولت جذب أطراف الحديث مع الصغير فسألته بعبث:
– قولي بقى يا تيم، ايه رأيك في بابي؟
قطب الصغير ما بين حاجبيه بعدم فهم وسألها تحت نظرات "شاهين" المدركة لمَ تفعله والحانقة في آن:
– يعني هو بابي كويس ولا شرير؟
اتسعت أعين الصغير وكأنها سبت والده وأجاب على الفور مدافعا:
– لا طبعا، بابي طيب خالص، وانا بحبه اوي.
نظرت لـ"شاهين" عابثة وهي تقول باستمتاع بحنقه الواضح:
– كويس إنك طيب في حاجة.
– حبيبي روح قول لصفاء تعملك اللبن واشربه على ما اجيلك.
ابتلعت ريقها الذي جف فجأة وهبت واقفة تقول:
– تعالى انا هروح معاك، اصلا هي كانت قالتلي ابلغكوا إنها بتجهز الفطار.
وقبل أن تخطو خطوة سمعت صوته يقول:
– روح يا تيم، وانا وطنط فيروز هنحصلك.
انصرف الصغير على الفور، لتبقى في مواجهته بعدما أغلق الباب بواسطة الحارس الذي عاد ليقف أمامه:
– هو الحارس ده بيقف قدام الباب بمزاجه؟ انا مشفتوش من امبارح!
– كان عنده ظرف وفاة وكان في إجازة.
سعدت لاستجابته لحديثها بعيدا عن ما قالته منذ قليل فأكملت على المنوال:
– بس وقوفه كده مش حلو على فكرة، يعني ايه حارس يقف جوه البيت؟ بعدين كل شغله يقفل الباب ويفتحه!
سايرها وهو يقول:
– لا ويمنع أي حد يدخل من غير استئذان، وياخد طلباتي كمان، هو مضايقك في حاجة؟
رفعت كتفيها وقالت:
– يعني… حاسه وجوده جوه البيت مش لطيف مش أكتر.
وفجأة صدمها قوله الحاد:
– وانتِ مين قالك تحسي؟ انتِ مالك أصلا؟ هو كان بيت ابوكِ؟
جحظت عيناها ذاهلة وما كادت ترد إهانته حتى وجدته يقترب الخطوات الفاصلة بينهما وهو يقول محذرا:
– اوعي تنسي نفسك وتنسي أنتِ هنا ليه، ليكِ حدود متحاوليش تتجاوزيها عشان متزعليش.
سألته مستنكرة:
– كل ده ليه؟ عشان علقت على الحارس؟ ولا عشان قولت عليك أب طيب؟ انا عاوزه افهم ما دام عندك ابن منها ايه لازمة اللي بتعمله ده؟ حتى لو مكانش عشانها يبقى عشان ابنك.
ورده كان صادما لها حين قال ببرود:
رواية فراشة في سك العقرب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ناهد خالد
لا تستهن بذكاء عدوك.. ولا تأمن لمكر حواء… فالحرب خدعة.. والخدعة تأتي دومًا على غفلة، فكن متيقظًا.
ورده كان صادمًا لها حين تجاوز كل ما قالته وهو يقول لها بإهانة:
_ كمثل الحمار يحمل أسفار… أنتِ فاهمة معنى الآية دي؟ اعتبري نفسك مكان الحمار ده بالضبط.. هو عمومًا مبيبقاش عارف هو شايل ايه على ضهره.. ولو عارف فهو مش هيفهم شايله ليه ولا جهته ايه! خليكِ زيه بالضبط، نفذي المطلوب منك من غير أسئلة كتير.
وإهانته لن تبتلعها أبدًا، فهي التي لم تقبل يومًا أن يتطاول عليها أحدٍ لن تقبل الآن أيًا من كان هذا الشخص وتحت أي ظرف كان، نصبت ظهرها ووقفت شامخة وهي تجيبه بتحدٍ سافر:
_ لو انتَ بتستشهد بالقرآن عشان توصل لي معلومة عقيمة زي اللي قولتها دلوقتي، فخليني أنا كمان أرد عليك بآية من القرآن، “وَلَقد كَرمنَا بَني آدَمَ وَحملناهُم في البَر والبحر ورزقنَاهُم من الطيبَاتِ وفَضلنَاهُم علَى كثِيرٍ مِمن خَلقنَا تَفضِيلاً” يعني ربنا كرمنا كبشر على كل مخلوقاته، مين انتَ عشان تيجي تشبهني بالحمار؟
رجعت بظهرها للوراء وجلست على الكرسي الذي خلفها بكبر وهي تكمل:
_ وبناءً عليه، فأنا مش هتحرك خطوة تانية في الخطة دي غير لما أفهم اللي محتاجه أفهمه.
التواء بسيط ظهر في رفع جانب شفته العليا، التواء في ظاهره بدا لها سخرية واستخفاف، لكنه في باطنه إعجاب جديد بقوتها وكأن لديه مشكلة حقيقية مع ضعف المرأة!
_ تمام، هقولك اللي حابه تعرفيه، وفي المقابل..
سكت قليلاً وكأنه متعمد أن يثير فضولها ويكسب اهتمامها تجاه القادم، جلس هو الآخر ووضع ساق فوق الأخرى وهو يكمل:
_ قولي لي ايه السبب الحقيقي ورا قبولك بعرض مازن، وقولي لي كمان عرفتيه ازاي وايه اللي جمعك بيه؟
ابتلعت ريقها الجاف وأجابته بثقة زائفة:
_ قولت لك، هو أنا هعيد كل ده تاني!؟
ابتسم ساخرًا بحق هذه المرة وهو يعقب على حديثها:
_ ياريت زي ما بحترم ذكائك تحترمي ذكائي، أنا قولت لك قبل كده إن كل اللي قولتيه أنا متأكد إنه مش الحقيقة بس اتغاضيت.. لو انتِ بقى مش هتتغاضي إنك تعرفي علاقتي بشدوى يبقى أنا كمان مش هتغاضى.
غمغمت قائلة:
_ واحدة بواحدة.
مال بفمه للأسفل في حركة تعني أنه هذا هو الأمر وقال:
_ أي deal بيكون دايمًا واحدة بواحدة، تنازل قدام تنازل، وشرط قدام شرط.. وتغاضي قدام تغاضي.
وجملته الأخيرة كانت تقصد اتفاقهما تحديدًا، فزمت شفتيها بسخطٍ، حسنًا لن تستطيع أن تبوح بما يريده وفي صالحها أن يتغاضى… وللأسف كي يفعل هو لابد لها أن تفعل.
_ تمام، خلينا نتغاضى.
ملامحه الجامدة أوشت لها بأنه توقع اختيارها بل وكان متأكدًا منه، فهز رأسه بحركة بلا معنى.. قبل أن يسمع دقات فوق الباب ليسمح بالدخول، فُتح الباب بواسطة الحارس لتدلف “صفاء” وهي تقول باحترام:
_ الفطار جاهز يا شاهين بيه.
سألها:
_ شدوى صحيت؟
نقلت “صفاء” نظراتها على الفور ل “فيروز” التي تململت في جلستها قلقة من أن تخبره بما أمرتها بهِ، وجاء قلقها في محله حين قالت “صفاء”:
_ لا، وكنت هصحيها، بس فيروز هانم رفضت.
وفي الحال تدخلت “فيروز” تحت نظرات “شاهين” المستغربة والتي انتقلت لها حين قالت مبررة:
_ أصل صفاء قالت لي إنها عارفة المواعيد، ويعني لو هي منزلتش يبقى مش حابة، أو مرهقة ومش هتقدر تصحى دلوقتي.
نظر لها لثوانٍ دون رد، فرفرت باهدابها تبعد نظراتها عنه، لتسمع صوته بعدها يقول بما أدهشها:
_ معاكِ حق، صفاء أنتِ عارفه إني بحب كل شخص يلتزم بالمواعيد.. ومن نفسه، يعني مفيش داعي تستدعي حد على ميعاد هو عارفه.
أومأت برأسها طاعةً قبل أن تنصرف، فحول بصره لها يخبرها بنبرة ماكرة بعدما وقف مستعدًا للخروج:
_ واضح إنك بدأتِ تلعبي، وأنا مش همنعك، بس في نفس الوقت مش هتدخل في اللعبة.. يعني لو قولتِ أي حاجة هعمل نفسي مسمعتش..
وتركها ذاهلة من حديثه، كيف يقبل أن تلعب مع زوجته بل ويصرح لها بهذا!! هي الآن باتت متأكدة أن الأمر بينهما جلل، وليس مجرد مشكلة عابرة.
❈-❈-❈
وعلى طاولة الإفطار، كان الحاضرين “شاهين” و “فيروز” و “تيم”، نظرت “فيروز” للطعام بسخطٍ، هل يعاملونهم معاملة العصافير! فبعض مكعبات الجُبن التي قد لا تتعدى العشر من ذوات الحجم الصغير، ولأول مرة ترى جُبن مُقطع لمكعبات! والغريب أن المكعبات جميعها متساوية الحجم كأنها قُطعت بآلة ما! أين الجُبن المهروس الذي يخرج من العلبة للطبق فورًا ليُدعس تحت أسنان الشوكة فلا تظهر له ملامح!؟ وفي طبق آخر فيما قدرته بمعلقتين من المربى، وفي آخر خمس شرائح رفيعة من الجُبن الرومي، والطبق الذي آثار اشمئزازها بهِ ثلاث بيضات لكنها ترى البيضة كاملة! لم تُخضع للهرس هي الأخرى يالله ما مشكلتهم هؤلاء ألا يُهرس شيء عِندهم! هي تعرفه قد رأته ذات مرة في التلفاز ويطلق عليه بيض عيون لكنه مثير لل… حسنًا وطبق خضروات تُعد على الأصبع مُقطعة بأشكال لطيفة، والخبز.. ويا ويل الخبز! هو قطعة بحجم نصف كف اليد، نظرت ل “شاهين” الذي التقط شريحة خبز وفرد عليها مكعب من الجبن ودعمها بقطعتين من الخُبز ليقدمها للصغير يحثه على تناولها، وتناولها قاضمًا قطعة منها كما هي، إنه غير قابل للتقطيع.. هذا ما رددته في عقلها وهي تنظر للطعام بسخطٍ، ولأول مرة لا تجد لها شهية في الإفطار، فكيف لها أن تفعل بدون الخبز البلدي المُحبب لها، وطبق الفول بالزيت الحار الذي إن تناولته عمرًا لن تزهده، عليها التعايش… هكذا رددت لنفسها قبل أن تلتقط شريحة خُبز وشريحة من الجبن الرومي.. وهل لها أن تأخذ أكثر! حقًا صدق من قال (لاتهون إلا على الفقير) فها هي تلتمس بخلاً غريبًا من أصحاب القصور العالية..!
ألقت نظرة جانبية على “شاهين” لتجده يرتشف من فنجان قهوته ولم يمد يده للطعام، لتقول بتلقائية:
_ انتَ بتشرب قهوة على الريق! ولا فطرت بدري؟
لم ينظر لها واكتفى بالإجابة وهو يطالع الصغير بحرص:
_ مبفطرش.
ورغم حدة كلمته، ورغم سخطها على طريقته، وجدت نفسها تقول ناصحة:
_ بس كده غلط، يعني أول حاجة تدخل المعدة قهوة اللي فيها نسبة كافيين عالية هتتعبك، وكمان ممكن تعمل لك هبوط.
استحوذت على اهتمامه فنظر لها بجانب عينيه:
_ ياترى كلامك ده مبني على حقائق علمية ولا فتي من عندك؟
رفعت حاجبها مستهجنة وقالت بغيظ واضح:
_ فتي من عندي!… طب اسمع بقى مخاطر القهوة على الريق، ممكن ترفع ضغط دمك وتخليك ماشي مش شايف قدامك من الضغط ويمكن تطب ساكت ومحدش يلحقك، ده طبعًا مع إنها بتزود ضربات القلب يعني كده كده مش هتتلحق.
وضع كف يده فوق فمه يخفي بسمته التي خرجت صادقة هذه المرة دون سخرية أو استنكار، وحمحممداريًا بسمته ومستعيدًا جديته بعدما أزال كفه:
_ ده تمني؟ .. أنتِ بتتمني يحصلي كل ده مش بتعرفيني أخطار القهوة على الريق!
رفعت كتفيها وهي تقول بفتور:
_ وأنا هتمنالك ده ليه! أنا بس بنصحك وأنتَ حر.
همهم يقول:
_ اممم.. لا شكرًا على النصيحة.
وبعدها أصبح يراقبها كما يراقب صغيره، ليلاحظ أنها لم تمس البيض، ضيق عينيهِ في شكٍ هل من الممكن أن تكون مثل صغيره لا تحبذ البيض أبدًا؟!
شاكسها وهو يدفع الطبق لها يقول:
_ شكلك مش شيفاه، ملاحظ إنك مبتاكليش منه.
جعدت أنفها بضيق وهي تدفعه من جهتها وقالت:
_ لا شيفاه متقلقش.
رفع حاجبه بتلاعب يخبرها:
_ طب ما تاكلي!
نظرت له بضيق:
_ أنتَ مركز معايا ليه؟
تجمدت ملامحه يجيبها:
_ هركز معاكي أنتِ؟ أنا بس ملاحظ إنك زي تيم شكلك مبتاكليش البيض..
وخرج الصغير عن صمته يعبر عن عدم حبه له يقول:
_ أنا noway أكله، أصلا it’s not delicious.
قلبت شفتها بضجر توافقه:
_ معاك حق يا بني، هيكون delicious ازاي بشكله ده!
نظرت ل “شاهين” تكمل:
_ يعني ده طفل عاوزينه ياكله بالشكل ده ازاي؟ أنا نفسي المنظر أثار إشمئزازي.
جعد ما بين حاجبيهِ مستغربًا:
_ ايه العبط ده! ماله شكله؟ ده بيض عيون وطبيعي يكون شكله كده.
سألته مستنكرة:
_ ايوه وليه لازم يكون بيض عيون! يعني ما ممكن يبقى بيض مقلي عادي، أو حتى بيض مسلوق.. ولا هو ده كمان عشان المظهر العام؟
_ ايه علاقة ده بالمظهر العام؟
_ أصل في ناس عندها جنون بالطبقة الارستقراطية، أو طبقة الأغنياء، فحتى الأكل لازم يكون له شكل معين ومعمول بطريقة معينة، مثلاً… الجبنة تكون متقطعة مكعبات، البيض يكون عيون، الخضار يكون متقطع بشكل شيك واشكال مختلفة وردة ولا قلب، على أساس إنه لو متقطع عادي البطن هترفضه! العيش العادي مبيدخلش بيتهم أصلاً.. دي كلها شكليات فارغة، البطن في النهاية مبتميزش، بس العين هي اللي بتميز، وكل ده عشان شكل السفرة يليق بناس غنية ويبان إن معاهم فلوس يعني..
تجعدت ملامحه باستغراب جلي وهو يحدقها بتعجب:
_ أنتِ ليه بتتكلمي كأنك مش منهم؟
أشاحت بنظرها عنه مرتبكة وقد شعرت باندفاعها في الحديث الذي لربما يثير شكه، فهدأت وجمعت أفكارها وهي تبرر:
_ مش معنى إني منهم إني بحب تفكيرهم والمظاهر الكدابة اللي بيهتموا بيها، أنا معنديش مانع أبدًا أنزل آكل على عربية فول، أو أقف في مطبخ أعمل أكلة بحبها، مش معنى إني غنية ومعايا فلوس يبقى أتقيد وأمشي على نمط الأغنياء، ليه نبقى كلنا نسخة واحدة مكررة وشبه بعض!
رجع بظهره مسترخيًا على كرسيه وهو يناقشها ولأول مرة يجد نفسه راغبًا في المناقشة، هو الذي يأمر دومًا ويُطاع دون جِدال، لكن حديثها ممتع ويدفعه عنوة لمناقشتها:
_ بس الناس مقامات، يعني الفقير بيقف على عربية الفول لأنه معندوش اختيارات تانية ودي حياته، لما الغني يعمل زيه يبقى فين الاختلاف.. مين هيدخل المطعم، لما كلنا نقف في المطابخ ونطبخ بنفسنا الشيفات اللي ده شغلهم ومصدر رزقهم هيعملوا ايه وقتها!؟
تركت طعامها واعتدلت لتكن في مواجهته وهي تقول:
_ الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام كان أفضل أكل له القديد اللي هو اللحم المجفف، والخبز.. وكان لبسه عباية عادية زي باقي الناس مش من حرير ولا مطرزه بالدهب، كان بينام في الجامع وأحيانًا تحت الشجرة اللي بيستظل بها، مش في قصر… الحقيقة إن الغنىَ عمره ما كان سبب للعيشة المرفهة بزيادة، الناس بس اللي بوظت المعايير.. فبقى الشخص بيتقاس غناه من عيشته، ومقولتش منجبش طباخين ومقولتش مندخلش مطاعم، بس احنا بنقيد نفسنا إن مينفعش نعمل ده، رغم إنه عادي لو يوم صحيت وحبيت أنزل أفطر على عربية فول، ولا أقف أعمل طبخة.. لكن طبعًا تِبعًا للأتيكيت دي جريمة.
ورده كان ظاهرًا لتعجبه من تفكيرها وهي يقول:
_ أنا متفاجئ.. ودي حاجة مبتحصلش.
انعقاد حاجبيها وضحوا انتظارها لتوضيح لمعنى جملته، فاكمل:
_ أنا في العادة ببقى قاري اللي قدامي فأي رد فعل بيصدر منه بكون متوقعه، لكن أنتِ غير… باعترف إن ردود افعالك بتفاجئني، وبعترف بردو إن دي حاجة زعجاني.
_ أنا مش غامضة اوي كده! ايه اللي متوقعتوش مني وعملته؟
_ كله.. من أول اعترافك إنك ملكيش علاقة عاطفية بمازن، لحد الآن.. متوقعتش إنك عندك خلفية دينية مش بطالة، يعني..
قطع حديثه ممرًا نظره عليها بمغزى وأكمل:
_ طبعًا ده زائد وجودك في لندن لفترة طويلة.
أومأت برأسها متفهمة:
_ تقصد استايل لبسي ووجودي في لندن أوحولك إني شخصية مليش في الدين أصلاً وده آخر حاجة ممكن اهتم بيها، لكن خليني أقولك إن رغبة الشخص وإرادته هي دايمًا الغالبة، يعني لو الواحد بيطلع حسب البيئة اللي حواليه مكانش طلع من قبيلة قريش أقوى فئة مؤمنة اتمسكوا بدينهم رغم كم العذاب اللي شافوه، مكانش ابن سيدنا نوح طلع كافر، و مكانتش زوجة سيدنا لوط بقت مع قومها ضده، أمثلة كتير اوي بتأكد لنا إن خِصال الشخص باختياره مش مفروضة عليه.
أومأ برأسه مؤيدًا حديثها ولكنه بالطبع لن ينطقها قولاً.
_ بابي أنا شبعت.
مسد بكفه على الشعر الصغير بلطف ورفع صوته مناديًا “صفاء” التي أتت على الفور:
_ خدي تيم يغسل إيده.
أردف الصغير متحمسًا:
_ وبعدها هلعب بالpuzzle شوية، ok؟
_ ok يا حبيبي.
وبعد انصراف الصغير وقف هو الآخر مستعدًا للرحيل ولكنه قال لها قبلاً:
_ اعملي حسابك هتكلمي مازن بكره.
لوت فمها بامتعاض بعد انسحابه ونظرت لارجاء المكان بملل قائلة:
_ ايه الزهق ده بقى!
❈-❈-❈
_ كويس إنها عرفت تتواصل معاك، مكناش عارفين نوصلها.
قال “مازن” براحة:
_ وكانت هتضطرني اتواصل مع حد قطعت علاقتي بيه من سنين.
_ مين ده بقى؟
نظر له ساخطًا:
_ ريح نفسك مش هقول.
سأله بضجر:
_ هو سر!
رد ببرود:
_ اعتبره كده.
تغاضى عن هذا السؤال وسأله آخر:
_ طب قولي أنتِ تاعب قلبك مع شاهين ليه؟ يا بني الراجل ملهوش ملف أصلاً! يعني في نظر القانون معلهوش غبار، وأنتَ مُصمم إن شغله شمال ومجرم! وسايب قضاياك ومركز معاه، أنتَ عارف لو اللواء شم خبر إنك بتجري ورا واحد وسايب القضايا اللي مُكلف بيها هيكدرك ازاي… مش بعيد يديك جِزا شهر، أنتَ بتخاطر بوظيفتك يا مازن.
تحولت ملامحه للغضب، وجز على أسنانه بقوة كادت تكسرها وهو يقول:
_ لو مقابل إني أحبسه فانا معنديش مشكلة.
سخرَ “مدحت” منه وهو يقول:
_ طب فُض الشراكة اللي بينكوا الأول، قبل ما تحبسه ويحجزوا على أملاكه، وطبعًا الشركة هتضيع.
نهض واقفًا ينظر من نافذة المكتب وقال بغضب مكبوت:
_ ياريتني أقدر، لكن الشراكة بينا مش بس في الشركة، في الشركة وفي أرض الساحل وفي فيلا التجمع.. وللأسف الموضوع مش في إيدي لوحدي عشان أفض الشراكة.
نهض “مدحت” يجاوره وقال ناصحًا:
_ ما ربنا يهديك يا مازن وتتكلم معاه بهدوء، مش يمكن كل اللي في بالك ده أوهام؟ مش يمكن ملوش في الشغل ده أصلاً؟ يا بني احنا مامسكناش عليه هفوة! نفسي أعرف ليه متأكد إنه شغال في السلاح.
التف له وقد ضاق ذرعه من ضغطه عليه:
_ خلاص بقى يا مدحت، كفاية كلام عنه ده بيعفرتني.
طالعه “مدحت” بشك وهو يقول:
_ مازن اوعى يكون كل ده انتقام منه للي حصل زمان؟
ونظرته له كانت مبهمة، ولم يعقب، ليزداد شك “مدحت” حول الأمر، ويزفر انفاسه باختناق وحول الحديث لطرف آخر يقول:
_ طب قولي أنتَ متأكد إن البنت كويسة؟
أجابه باقتضاب:
_ لا مش متأكد.
هز رأسه بضيق:
_ من الأول انا مكنتش موافق على الفكرة دي، وبعدين أنتَ خدعتها وفهمتها إن الموضوع رسمي..
قاطعه معقبًا:
_ مانا قولت للواء وكان على عِلم…
قاطعه “مدحت” هو الآخر يقول:
_ أولاً اللواء وافق في الأول إنك تتبع شاهين لأنك أكدتله إن وراه بلاوي، لكن اللواء بعدها على طول بلغك توقف كل حاجة لما اداك القضية الجديدة وقالك تركز فيها وتشيل موضوع شاهين من دماغك، ثانيًا كل دي مجرد شكوك مفيش حاجة رسمي، ثالثًا أنتَ خدعتها مرتين.. مرة لما فهمتها إنه مجرم ومطلوب من العدالة بس مفيش دليل، والتانية لما سرقت الفلوس عشان ترغمها توافق على القضية وتقبلها…
رفع كفه يضعه على كتف “مدحت” وابتسم ابتسامة لم تصل لعينيه:
_ يا مدحت الحرب خدعة، عشان تكسب لازم تتنازل شوية عن الفضيلة وتلعب بكل الوسايل المتاحة، مش مهم أبدًا تكون نزيه في اللعبة قد ما مهم تكسب في النهاية.
حدقه “مدحت” لبعض الوقت قبل أن يقول آسفًا:
_ مبادئك غلط يا مازن، وصدقني عمرك ما هتكسب المكسب الحقيقي بمبادئك دي.
وأزاح كفه منصرفًا من أمامه، ليهز رأسه بلامبالاة وهو يتجه لمكتبه ليكمل متابعة عمله دون الاهتمام بحديث صديقه.
❈-❈-❈
_ حضرتك طلبتيني يا هانم؟
قالتها” مستكة” وهي تقف خلف “فيروز” التي التفت بعد أن أخذت نفسًا عميقًا لتُصدم “مستكة” حين رأتها مرددة بصدمة:
_ فُلة!!
اقتربت منها “فيروز” بعدما اتجهت للباب واغلقتة لتقول بهدوء:
_ مستكة احنا لازم نتكلم.
جرت نظرات “مستكة” فوقها بذهول واضح، وفور إفاقتها منه قالت:
_ إش إش ايه الشياكة دي كلها؟ بتعملي ايه هنا يا فُلة؟ وايه النضافة دي؟
حدقتها “فيروز” بتردد كبير، فهي ليست واثقة من شعورها تجاه “مستكة” ونظرتها بها، هل ستصون الود والعِشرة أم ستنقلب عليها وتكون كارت إضافي ضدها؟
_ انا اتورطت في مصيبة، ولما عرفت إنك شغالة هنا قولت مفيش حد غيرك هيساعدني.
وتحت نظرات “مستكة” الذاهلة لِمَ تسمعه أوضحت لها” فيروز” طبيعة الأمر، ولا مانع بالقليل من الكذب!
_ هو هددني، وده ضابط يعني مقدرش أقف في وشه، لما شافني في الإشارة قالي على اللي عاوزه رفضت طبعًا بس هددني لو ماوافقتش هيلبسني قضية، معرفتش اتصرف وخوفت، فاضطريت أوافق.
وبالطبع لم تخبرها بعرضه للأموال وقبولها بها!
_ وبعدين؟
_ جيت هنا ورموني تحت ليلة كاملة شوفت فيها سواد، وبعدها شاهين ده طلعني واضطريت أقوله إن مازن زاققني عليه بس غيرت في الموضوع شوية، فهمته إني غنية وعندي فلوس وبيني وبين مازن مصلحة عشان كده قبلت.
سألتها مستغربة:
_ وليه ماقولتيش الحقيقة؟
أجابتها بثبات:
_ خوفت، خوفت يعرف إني فقيرة وبت غلبانة فيدوس عليا زي التاني، قولت أبين له إني بنت ذوات زيهم عشان ميستقلش بيا.
وحديثها مُقنع! مرت دقائق من الصمت قطعته “مستكة” تقول:
_ أنتِ لازم تطلعي من بينهم، دول مش هيسموا عليكِ يا خايبة.
نظرت لها “فيروز” باستفسار وسألتها:
_ يعني أنتِ معايا؟؟
حدقتها بسخطٍ، ولوت فمها متشدقة:
_ بلا خيبة هو أنا عندي حل تاني! أنا اه مابحبكيش، واه مبرتاحلكيش، وبينا مصانع الحداد، بس ده كله كوم وكونك بنت حتتي وجمعتنا دِكة واحدة في الفصل وأمك اللي ياما ساعدت أمي الله يرحمها كوم تاني، يعني أكيد مش هسيبك لقمة طرية للبهوات، وخصوصًا بقى وانا عارفه وشايفه هم يقدروا يعملوا ايه.
نظرت لها “فيروز” ممتنة قبل أن تطلب منها:
_ معاكي تليفون؟ محتاجه أعمل مكالمة؟
اخرجته على الفور، لتأخذه “فيروز” وتطلب رقمًا تحفظه جيدًا، ووضعته على أذنها منتظرة الجواب الذي آتاها سريعًا، فقالت:
_ انا فيروز.
وعلى الجهة الأخرى انتفض واقفًا يهتف بحذر:
_ ايه يا فيروز عرفتي تجندي حد من الخدم؟
ولم تجيب سؤاله، بل قالت:
_ الدار أمان يا مازن يا بيه، أنا لوحدي.
وقد كانت إشارة واضحة له ب….
رواية فراشة في سك العقرب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ناهد خالد
"الدار أمان يا مازن بيه، أنا لوحدي."
"أخيرًا يا فيروز قدرتي تكوني لوحدك، انا من وقت ما كلمتيني كنت قلقان متعرفيش تكلميني وانتِ لوحدك."
نظرت فيروز لمستكة لتقول لها بعدما أبعدت الهاتف عن أذنها قليلاً:
"أنا قلقانة الحيزبونة اللي أسمها صفاء دي تيجي أو حد يسمعني وانا بتكلم، ما تقفي على الباب عشان تنبهيني لو حد جه."
نظرت لها مستكة بصمت لتدرك الأولى معنى نظرتها فقالت:
"يابت والله مش بطريقتك، انا فعلاً قلقانة حد ييجي."
زفرت انفاسها بضيق قبل أن تتجه للخروج قائلة:
"انجزي يا ختي."
اغلقت الباب خلفها لتعود فيروز لمهاتفته:
"على ما عرفت اخد تليفون من حد، وبعدين شاهين ده بييجي البيت في اوقات مش منتظمة وبقلق احاول اتكلم مع حد من الخدم ويشوفني وقتها اكيد هيشك فيا.. او حتى الحيزبونة اللي عنده دي بتوصله دبة النملة أكيد."
همهم مازن قائلاً:
"اامم.. أكيد قصدك صفاء، فعلاً لازم تحرصي منها، صفاء زي الكلب الوفي بالظبط لشاهين."
غمغمت مجيبة:
"لاحظت ده من اول ما شوفتها."
"اومال عرفتِ تاخدي تليفون ازاي؟ وبتاع مين ده؟"
"سبحان الله لاقيت واحده من الشغالين هنا معرفة ليا، بنت حتتي ولما طلبت مساعدتها متأخرتش."
حذرها قائلاً:
"اوعي تكوني عرفتيها حاجة."
تلجلجت في الإجابة وهي تقول:
"هو يعني مش كله… بس في شوية حاجات كان لازم تعرفهم عشان تساعدني، بس متقلقش البت دي جدعة وانا عارفه معدنها كويس مش هتضرني ابدًا وهي عارفة ان شاهين ممكن يقتلني فيها."
"متثقيش في حد يا فيروز، ولو عرفتيها حاجة فمتعرفش كلمة زيادة بعد كده، لازم تحرصي على قد ما تقدري."
"حاضر."
توجه لسؤاله الأهم:
"قوليلي ايه اللي حصل في اليومين اللي فاتوا، وشاهين طلب منك ايه بالظبط؟"
وكأنها كانت تنتظر سؤاله، لتنطلق تخبره بكل ما حدث طوال الوقت الذي قضته هُنا، وأنهت حديثها تقول بنبرة ضعيفة لم تستطع التحكم بها:
"أنا عاوزه اخرج من هنا في أسرع وقت، الراجل ده باين عليه مجنون ومبيهمش حد، أنا مش متخيلة ان عنده مكان مخصوص لتعذيب الناس! رغم إني قادرة اتعامل معاه ومابينش له خوفي، بس أنا من جوايا مرعوبة ليحصل مني أي غلطة أو يكشفني في أي وقت ويعرف إني كدبت عليه ويرجعني للمكان ده تاني.. وإن كان في المرة الأولى مخلاش حد يقرب لي واكتفى بالترهيب ليا فأكيد المرة التانية مش هيعمل كده."
"انا فاهم كل اللي بتقوليه، وكويس إننا حطينا خطة بديلة قدرت تحفظك من شره، وده يخليكِ تثقي فيا وتطمني إني مش هسيبك تتأذي."
قالت بصدق:
"مش هنكر إني اطمنت لما الخطة التانية نجحت وبعدت شره عني، بس بردو مش هنكر إني لسه قلقانة وكل لحظة بتعدي عليَّ في المكان ده بقلق أكتر."
"وده شعور طبيعي منك، بس أنتِ دلوقتي بقيتِ في بيته وخروجك منه هيعتمد عليه ثباتك وذكائك."
زفرت باختناق وقالت:
"قالي انه هيخليني اكلمك بكره، معرفش لسه هيطلب مني ابلغك ايه."
"أكيد عشان تعرفيني إنك قدرتِ تجندي واحدة من الخدم، عمومًا متقلقيش اللعبة في ايدينا احنا، شاهين فاكر انه هو اللي بيحركنا لكن في الحقيقة احنا اللي بنحركه."
قالت بضيق حقيقي:
"انا محتاجه اعرف طبيعة علاقته بشدوى دي، انا حاسه إني زي الأطرش في الزفة، مش فاهمه هو بيحبها ولا لأ، علاقتهم طبيعية ولا لأ، في حاجة بينهم غلط بس أنا مش فهماها."
"ومش هينفع تفهميها، لأنك لو فهمتي طبيعي طريقتك معاها هتتغير بناءً على اللي فهمتيه، وده مينفعش يحصل عشان محدش يشك فيكي، وبعدين الأحسن ميكونش ليكِ علاقة بيها خالص، أنتِ مجرد ضيفة.. انا فاهم إنها أكيد متضايقة وهي اللي بتتعامل معاكِ بس طنشيها، أنتِ المفروض ضيفة في بيتها والطبيعي مش هتكوني نِد ليها."
تذبذبت نبرتها وهي تقول:
"في حاجة انا مقولتلكش عليها.."
"حاجة ايه؟"
"شاهين قال قدام شدوى إني خطيبته، وكل اللي هنا دلوقتي فاهمين كده، وانا مش عارفه السبب اللي خلاه يقول حاجه زي دي."
وضحكاته التي انطلقت فجأة جعلتها تشك أنها قالت له إحدى الدعبات، قطبت ما بين حاجبيها حائرة وسألته باستنكار:
"بتضحك على ايه؟ أنا مقولتش نكتة!"
هدأت ضحكاته ولكن ظهر المرح في نبرته وهو يجيبها:
"بالعكس دي أحلى من النكتة، شاهين بيحاول يرد اللي حصل فيه زمان من شدوى، اول مرة أشوفه بيلعب الألعاب الهايفة دي، بس شكله مش قادر ينسى اللي عملته فيه زمان."
وبكل فضول سألته:
"اللي هو ايه؟"
ورده لم يُرضي فضولها ابدًا وهو يقول:
"شاهين زمان خد قلم محترم من شدوى، قلم سمع في العيلة كلها وخلاه ولا يسوى قدام الكل، والواضح أنه دلوقتي بيستخدمك عشان يردلها القلم ده، بس مهما عمل مش هيقدر يرد ربعه حتى."
وبفطنتها سألته:
"هي شدوى زمان فضلت حد على شاهين؟"
"تقدري تقولي كده."
"ده قبل الجواز ولا بعده؟"
"لا قبل الجواز، بس وقتها كان شاهين وشدوى في حكم المخطوبين، مكانش لسه في حاجة رسمي، بس العيلة كلها كانت عارفة إن شدوى لشاهين و مسألة خطوبتهم كانت مجرد وقت مش أكتر، وتخيلي إن شدوى اللي كانت بتماطل."
أردفت بيأس:
"أنا مش فاهمة حاجة."
"مش مهم، صدقيني لو فهمك هيفرق في لعبتنا كنت اكيد فهمتك، لكن مش هيفرق ابدًا، ودلوقتي تعاملك مع شدوى هيكون تعامل واحدة لمرات خطيبها، يعني طبيعي هيكون في غيرة، وشد وجذب لازم تسايريها فيه عشان ماتشكش في حاجة وشدوى مش غبية ابدًا، و مينفعش تعرف أي حاجة بيني وبينك وكويس إن شاهين علاقته بيها مش كويسة يعني مستحيل يعرفها خصوصًا بعد فيلم الخطوبة ده."
"تمام، هقفل بقى قبل ما حد ييجي."
"تمام، بس زي ما قولتلك خليكِ فايقة طول الوقت ومركزة، ومتثقيش اوي في البت معرفتك دي، وكمان اي خطر تحسي بيه كلميني فورًا، انا مش عاوزك تتأذي في لعبتنا دي يا فيروز."
"اتفقنا."
غمغمت بها قبل أن تغلق المكالمة وتفتح الباب مشيرة لمستكة أن تاتي من أول الطرقة الطويلة، ركضت لها وأخذت منها الهاتف تقول بعجالة:
"كل ده مش قولتلك مطوليش! هنزل بسرعة عشان صفاء هتمسكني سين وجيم بسبب تأخيري عندك، وهبقى احاول اطلع لك في أوقات محدش منهم فاضي فيها."
وركضت على الفور للأسفل قبل أن تلاحظ صفاء تأخرها.
عادت فيروز لغرفتها وجلست فوق الفراش ليسترجع عقلها حديث مازن معها قبل اختطافها بيومين..
"قبل عِدة أيام"
كان مازن يجلس معها في أحد المطاعم لتناول الغداء، قال لها جاذبًا انتباهها له:
"بصي يا فيروز ركزي معايا، دلوقتي شاهين لما يحب يوصلك له ٣ طرق مفيش غيرهم.."
قالها وهو يخرج ورقة من جيبه وقلم ويبدأ بالتخطيط عليها وكأنه يشرح خطة لسرقة بنك ما، رسم ثلاث أسهم وهو يباشر شرحه:
"أول طريق انه يحاول يوقع بينا من غير ما يقرب لك، يعني يبعت لك حاجات غلط عشان يطلع صورتي وحشة قدامك، ويشكك فيا، عشان في النهاية علاقتنا تفشل، ونسيب بعض، او بمعني أدق تسبيني، وممكن يحاول يخوفك.. يهددك انك لو مبعدتيش عني هتتأذي بما إني ضابط فانتِ تفتكري ان اعدائي هيأذوكي، وتحسي إنك في خطر، وقتها بردو وارد تنسحبي…"
قاطعته تسأل بضيق:
"أنا نفسي أفهم هو ايه اللي هيهمه أوي كده انه يبوظ علاقاتك العاطفية! أكيد في سبب قوي يخليك متأكد كده إن شاهين هيكون كل همه يبوظ علاقتك بيا."
ضجر مازن من إلحاحها لمعرفة إجابة هذا السؤال فقرر الإجابة ليرتاح من تكرار تساؤلاتها وقال:
"شاهين في فترة من زمان كان بيحب بنت، معرفش إن كان حب فعلاً ولا مجرد إعجاب، بس عمومًا كان متعلق بيها وكانوا متفقين على الجواز، وقتها أنا كنت عارف البنت دي بحكم علاقتي بيه.."
وكادت تسأله عن طبيعة علاقته بهِ، ليقاطعها مكملاً:
"ومتسأليش عن علاقتي بيه لأني مش هقولك، المهم…"
امتعضت ملامحها وهي ترى رفضه إخبارها بطبيعة العلاقة، لكنها كل مدى تتأكد أنها كانت علاقة قوية، وعلى الأرجح فسدت حين علمَ مازن بتجارة الاخير الغير مشروعة!
"وقتَها أنا قررت اصارحها بحقيقة شاهين عشان ماتتغفلش، وقولتلها على شغله، وده كان سبب انفصالها عن شاهين.. سافرت فجأة من غير حتى ما تعرفه انها عرفت حقيقته، بس قدر يوصلها بعد فترة، ووقتها عرفته انها عرفت مني حقيقة شغله، وأنها مستحيل تكمل معاه وهو في الشغل ده، ووقتها علاقته بيها انتهت.. وطبعًا بسببي، بس مش ده بس اللي صدمه فيا، الصدمة الأكبر إني مكنتش عرفته إني عرفت انه بيشتغل في السلاح… فمكانش متوقع غدر مني، رجع من السفر وواجهني ووقتها عرفته إني كنت عارف تجارته في السلاح، ودي كانت آخر مواجهة بينا.. بعدها بقينا اعداء."
انتهى من سرد القصة القديمة عليها، ولكنها لم تكن سردًا كاملاً، بل لقد كان جزءًا من حقيقة ما حدث والباقي احتفظ بهِ لنفسه..
"يعني هو اتأثر ببعدها عنه، يمكن كمان شاف ده زي مانتَ قولت غدر منك، عشان كده متوقع انه يخربلك أي علاقة تدخلها؟"
هز رأسه بلا معنى وقال:
"أنا شبه متأكد أصل شاهين مابيسبش حقه، وبياخده بنفس الطريقة، عشان كده متوقع ده."
نظرت للورقة تسأله:
"ايه هم الطريقين الباقيين؟"
عاد يخطط بها وهو يسترسل:
"اولاً اتمنى انه ميستخدمش الطريق الأولى، لأن كده الخطة كلها هتخرب، لما يلعب معاكي من بعيد مش هيكون عندك أي فرصة تدخلي بيته.. الطريق التاني انه يحاول يتودد لك، يخلق تعرف بيكِ وبعدها هتلاقيه بيتسرسب لحياتك من غير ما تحسي، بس انا مستبعد الطريق ده لأن شاهين ملوش خُلق لطريق زي ده، هو غشيم يعني كل طرقه مباشرة، مش هيقعد يتعرف لسه والحوارات دي.. فاحتمال انه ياخد الطريق ده احتمال ضعيف.."
"والطريق التالت؟"
ترك القلم من يده وهو يقول جاهلاً:
"الطريق التالت هيكون مفاجأة لينا، مش هنتوقعه.. وده اكتر طريق ممكن شاهين يسلكه بنسبة كبيرة."
رفعت حاجبها الأيسر باستهجان:
"صدق كلامك فادني جدًا!"
تغاضى عن سخريتها وقال:
"يمكن كلامي اللي فات مش مفيد قد اللي جاي، في أي لحظة هتحسي بيها بالخطر أو إنك ملكيش مخرج مع شاهين هتقوليله الحقيقة."
قطبت ما بين حاجبيها مستفسرة:
"حقيقة؟ حقيقة ايه مش فاهمة؟"
رجع بظهره للوراء يستند على ظهر الكرسي وابتسم ابتسامة غامضة وهو يقول:
"هتقوليله انا ومازن مفيش أي علاقة تجمع بينا، كل الحكاية إني ليا مصلحة عنده ومقابلها هو طلب مني أمثل ان في بينا علاقة وحكالي عنك وقالي إنك لما تعرف إن في علاقة بينا هتحاول تتواصل معايا، ووقتها هو هيستفيد بأنه يخليني ادخل حياتك وبأي شكل اكون جزء فيها فأعرف اخبارك وكمان اكون عينه جوه بيتك، انا معرفش بالضبط هو هيستفيد مني ازاي غير كده، بس الأكيد ان له استفاده أكبر هعرفها لما اكون في بيتك، واتفاقي معاه ان اللعبة دي كلها متخدش اكتر من اسبوعين، لانه قالي بمجرد ما ادخل بيتك هقدر اوصل للي هو عاوزه ووقتها اللعبة هتخلص.. هيقولك وهتستفيدي ايه منه؟ وقتها هتحكيله عن حوار القضية وتبينيله قد إيه الشقة دي مهمة عندك لدرجة إنك مستعدة تعملي المستحيل عشان تفضل معاكي واهل أمك مياخدوهاش.."
سألته والصدمة متجلية على وجهها:
"وبعدين؟"
تراقص العبث والمكر في عينيهِ وهو يجيبها:
"وبعدين، شاهين هيحب يلعب بيكِ، ككارت في صالحة، هيفكر انه كده وقعني في شر أعمالي، وخطتي هتتقلب ضدي، وإنك هتكوني في صفه، لكن الحقيقة إنك دايمًا هتكوني في صفي أنا.. واللعبة هاكون انا الوحيد المتحكم فيها."
جحظت عيناها وهي تردد:
"يعني شاهين هيفكر إني دلوقتي بقيت معاه، وإني هوصله خطواتك اول بأول، وهوصلك اللي هو عاوزه يوصلك.. لكن الحقيقة إنك أنتِ اللي هتوصله اللي عاوزه توصلهوله… أنتَ ازاي جت فكرة زي دي في بالك؟?"
قالت الجملة الأخيرة بانبهار لم تستطع اخفائه، ليقول بهدوء:
"أنا وشاهين في الحرب دي بقالنا فترة طويلة، وابقى غبي لو ماتعلمتش ازاي العب بذكاء، صحيح هو دايمًا كان بيعلن فوزه ويسبقني بخطوة، لكن في كل مرة كنت بستفيد حاجة من الجولة، غير إن معرفتي وقربي من شاهين لسنين طويلة خلتني اتعلم حاجات كتير مهمة.. مش هنكر وهقولك إن هو بنفسه اللي علمني ازاي العب مع خصمي."
فُغر فاهها وهي تستمع لحديثه، وما لبثت أن رددت بصدمة مستنكرة:
"وأول من طبقت عليه اللي اتعلمته منه كان هو! حكايتكوا عجيبة أوي وفيها أسرار وغموض كبير."
هز رأسه يقول:
"دي حقيقة، المهم لو بقيتِ معاه واتحطيتِ في موقف إنك تكلميني وهو جنبك لازم تعرفيني إن في حد معاكي أو لو في أي لبش عمومًا."
"وهعرفك ازاي؟!"
"هتقوليلي مازن… لكن لو لوحدك هتقوليلي الدار آمان يا مازن بيه.. ركزي يا فيروز واوعي تتلغبطي، لو مقولتيش جملة الدار آمان أو قولتيلي مازن بس يبقى في حد جنبك، لو قولتي الجملة أو قولتيلي مازن بيه يبقى لوحدك.. واعرفي إنك لو اتلغبطي هنروح في داهية عشان وقتها أنا هتكلم براحتي."
هزت رأسها في توترٍ وقالت:
"فهمت والله…ربنا يستر.."
"عودة للأحداث"
هزت رأسها بسخرية وهي تقول:
"وقعت مع اتنين أمكر من بعض، محدش فيهم سهل، واحد كل اللي قاله وكل الاحتياطات اللي خدها نفعتنا دلوقتي، والتاني استغلني عشان يرد القلم لمراته ويا عالم ايه اللي جاي معاهم.. يارب طلعني من بينهم على خير أنتَ عارف إني حاولت اخرج من قبل حتى ما اقابل شاهين ده بس اتدبست أكتر.."
❈-❈-❈
في شركة العقرب..
انتهيا التو من اجتماع بقادات الشركة، وخرجا من غرفة الاجتماعات إلى مكتب شاهين الذي قال ما إن دلف مكتبه:
"والبيه مجاش ليه؟ هو ناسي إن النهاردة الجرد السنوي للشركة؟ ولا سايبنا نقوم بشغله كالعادة؟"
جلس معاذ أمامه وهو يقول:
"معلش يا شاهين يمكن مشغول، ده طبعًا غير إنه مبيحبش ييجي الشركة أصلاً وهو متأكد إنك هنا."
احتدت نبرته وهو يعقب:
"مفيش حاجة اسمها كده، ده شغل، يعني ييجي يتابع شغله ورجله فوق رقابته، عداوتنا الشخصية ملهاش علاقة بالشغل."
القى معاذ اللوم عليهِ وهو يقول:
"الغلط غلطك يا شاهين، من سنين ومازن طلب ياخد نصيبه وينفصل وأنتَ اللي رفضت، ولما حب يبيعه وقفتله بردو، من وجهة نظري الانفصال كان هيبقى أفضل."
أردف شاهين وقد تملك الغضب منه:
"مش هجيب واحد غريب يقاسمني في شركتي!"
"مهو عرض عليك تشتري أنتَ نصيبه وبردو رفضت، شاهين ماتكابرش أنتَ رفضت عشان ده آخر خيط بيربطك بمازن ومش عاوز تخسره.. وده شيء يخليني احترمك جدًا إنك بتحاول لآخر نفس إن علاقتكوا ماتوصلش لنقطة النهاية، بس المكابرة بتاعتك دي هي اللي غلط، يمكن لو كنت قولت لمازن أنا مش عاوز أخسر آخر رابط بيني وبينك كان هدي وكانت مشاكل كتير ما بينكوا انحلت، لكن أنتَ خدتها معاه عِند وأنتَ عارف إنه هيعند أكتر."
رفع شفته العليا ساخرًا:
"وأنا مش هستحلفه بحبي عشان علاقتنا ترجع كويسة، ومبقاش فارق معايا أصلاً، هو اختار طريقه من زمان وانا كمان اخترت طريقي، وطرقنا عمرها ما هتتقابل."
قال معاذ آسفًا:
"أنتَ مجروح منه، ومازن خبط فيك كتير، وحقك تشيل على قد ما تقدر، بس الغريب إن في نفس الوقت أنا متأكد إنك لسه بتشوفه العيل الصغير اللي مهما يغلط مضطر تسامحه وبتلتمسله الف عذر عشان تشفعله غلطته، علاقتك مع مازن كانت دايمًا بتبهرني، عمري ما شوفت حد بيحب حد ويخاف عليه زي حبك وخوفك على مازن، وكنت دايمًا اقول أنه محظوظ انه…"
قاطعه شاهين بضجر:
"بس انا فعلاً مابقتش زي الأول، وقلبي شايل فوق ما تتخيل يا معاذ، فبلاش ثقتك دي، انا اه عمري ما افكر أأذيه، بس مبقتش شاهين الدرع الحامي لمازن، مبقتش اقف في وش الدنيا عشانه، يمكن مأذيهوش بس لو شوفت حد بيأذيه مش هتدخل زي زمان."
ابتسامة ساخرة ظهرت على شفتي معاذ وأدرك شاهين معناها فهو لا يصدق حديثه، تجاهل الحديث عن الموضوع وهو يخبره:
"النهاردة عيد ميلاد تيم.. أكيد هتيجي."
تغيرت ملامح معاذ وسكت لثواني ثم قال:
"وطبعًا شدوى هانم موجودة."
زفر شاهين باختناق:
"ملكش دعوه بيها يا معاذ، يعني هي الحفلة مفيهاش غيرها! أنتَ جاي عشاني وعشان تيم."
اعترض بضيق واضح:
"مليش دعوة بيها ازاي بس، أنتَ عارف إني مبطيقهاش ولا هي، ودايمًا بتحصل بينا مشكلة لما بنتقابل."
زجرها بجانب عينيهِ وقال:
"أنا مش عيل عشان حد يحرضني، وكفاية كلام لحد كده."
ابتلعت باقي حديثها مرغمة ووقفت بتزمر واضح رافضة في صمتها وجود ذلك الذي لا تتقبله ابدًا في حفلة طفلها.
نزلت درجات السلم الداخلي بعدما انتهت من تجهيز نفسها، ترفع طرف فستانها الأسود الأنيق والذي جاء مناسبًا لمقاسها تمامًا، وهكذا الحذاء! والأمر آثار استغرابها فكيف عرف مقاسها بهذه الاحترافية! حررت خصلاتها السوداء كسواد الليل الحالك خلف ظهرها ليصل لبعد منتصفه، آخاذًا تجعيده الطبيعي، وزينة وجهها بسيطة للغاية لكنها أعطتها جمالاً مميزًا، ولم تغير لون بشرتها ولو بدرجة، خرجت من الفيلا للحديقة المُقام فيها الحفل، لتتوقف برهبة من كم المتواجدين، وظلت محلها غير قادرة على التحرك، وأثناء تنقلها لبصرها في الارجاء اتسعت عيناها دهشًة وهي تبصر آخر شخص توقعته لتردد هامسًة:
"نورهان!!!!"
رواية فراشة في سك العقرب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ناهد خالد
هُنا حيثُ الحياة التي دلفتها مؤخرًا تكمن الكثير من الخبايا والأسرار، التي لم تصل لأقل القليل منها، والتي تستمر في إدهاشها، وعلامات استفهام كثيرة لم تحصل على إجابتها بعد، فقط كل ما ترجوه أن تُكشف لها تلك الأسرار لتكن عونًا في طريقها المحفوف بالمخاطر، فمن يدري لعلّ أحدهم ينجيها يومًا ما.
وقبل أن يصل لها "شاهين" غير مساره حين نادت "نورهان" عليهِ دون أن تنتبه لـ"فيروز" ولا لحضورها، فاتجه لها مبتسمًا ابتسامة طفيفة وما إن وصلها قال:
_ ايه يا حبيبتي، متقوليش إنك لحقتي تزهقي؟ ده أنا حتى سايبك مع صاحبتك اللي مشوفتيهاش بقالك فترة.
أجابته مبتسمة:
_ مش حكاية زهق، بس أنا اتفقت معاك إني هاجي أشوفكم وأدي لتيم هديته وأمشي، وأنا بقالي نص ساعة هنا اهو كفاية كده.
اختفت ابتسامته وهتف بامتعاض:
_ طبعًا خايفة البيه يوصل البيت وأنتِ لسه مروحتيش..
زفرت بتروي وقالت بهدوء:
_ شاهين، حبيبي أنا مش عاوزه مشاكل مش أكتر، ومادام أقدر أتجنب المشاكل دي يبقى ليه ما عملش كده! أنتوا الاتنين أغلى اتنين عندي في حياتي، ومعنديش استعداد أخسر حد منكوا.
لم يخفِ امتعاضه وهو يقول:
_ تمام يا نور، لو عاوزه تمشي امشي.
اقتربت منه تمسك ذراعه، تقول بإلحاح وهي تهز ذراعه كطفلة صغيرة:
_ متزعلش بقى، أنا مش عاوزه أمشي وأنتَ زعلان مني، بليز يا شاهين قدر موقفي.
زفر بقوة معبرًا عن ضجره وقال باقتضاب:
_ تمام يا نور.. مش زعلان، استني هاجبلك حد يوصلك..
ولم تتردد وهي تشب على أطرافها قليلاً لتقبل وجنته بحب واضح وتمتمت بعدها:
_ روح قلبي أنتَ.
ابتسم لها رابطًا على ظهرها برفق وقد زال ضيقه منها بحق..
اتسعت عيناها على آخرهما وهي ترى ما يحدث، لقد قبلته! فغر فاهها وهي تتابع أفعالهما وفي وجود الجميع دون خجل، هزت رأسها مستنكرة وحادت ببصرها عنهما لتبحث بعينيها عن "شدوى" لتجدها تقف مع أحد السيدات تتحدث في هدوءٍ ويبدو أنها لم ترَ المشهد!
_ ايه العك ده! هو أنا جيت قبيلة قريش!
هذا ما حدثت بهِ نفسها قبل أن تقرر التحرك من مكانها والذهاب لموضع تقديم المشروبات، لعلّها تُلهي نفسها عن الهرج الذي يحدث حولها، فإن بقت واقفة تراقب أفعالهم حتمًا ستُصاب بالجنون.
أخبر "شاهين" رِجاله بأن يحضروا سيارة لتوصيلها لبيتها، وما كادت أن تودعه بعد أن حضرت السيارة بقرب مكان الحفل حتى قاطعهما مجيء آخر شخص تمنت التصادم معه، فربما هو أهم أحد أسبابها للهرب سريعًا من الحفل، فقد كانت تُمني نفسها بأن تذهب قبل مجيئه، ولكن يبدو أنه قد جاء منذ فترة لكنها لم تراه، وبالفعل لقد كان موجودًا ولكنه انشغل مع بعض رِجال الأعمال الذين دُعوا إلى الحفلة لِمَ يربطهما مع شاهين من أعمال وكنوع من تحسين العلاقات، دق قلبها متسارعًا وهي تراه يقترب منهما، وشعرت بسخونة حارقة تضرب وجهها ورأسها وتوتر بالغ أصابها وهي تنتظر اقترابه المحتوم باعصاب هائجة.
– مساء الخير ازيك يا نورهان؟ أخبارك ايه؟
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة ودون أن تنظر له أجابت بهدوء:
_ تمام، ازيك يا معاذ؟
وهو لم يكن حاله أفضل من حالها فمنذ رؤيته لها من بعيد وهي تقف مع شاهين ورؤيته لتأنقها المعتاد وقد بدت مُبهرة في ثوبها الذي اكتسب لونًا بنفسجيًا بدرجة فاتحة، واحتوى منحنيات جسدها بطريقة رائعة، واحتشامه أزاد طلتها بهاءًا، لم يستطع السيطرة على دقاته التي خفقت في صدره بقوة ولا على قدمه التي ساقته لمحلها كي يحظى ببعض الحديث معها ويمتع ذاته بسماع صوتها الذي افتقده منذ كثير.
_ بخير الحمد لله مبسوط إني شفتك بقى لي كتير ما شفتكيش.
وهنا تدخل "شاهين" مرددًا بسخرية واضحة:
_ أصل نورهان بتقلق لاحسن الحيلة يزعل لو عرف إنها بتقابلني.
حدقته "نورهان" بنظرة غاضبة على ذِكر شقيقها بهذه الطريقة الساخرة وقالت بنبرة ظهر بها ضيقها الشديد:
_ مش عيب على فكرة لما أخاف على زعل أخويا، وبعدين وقتها مش هيزعل بس أكيد الموضوع بينكوا هيتطور أكتر من كده.
تدخل "معاذ" حين لاحظ غضبها من طريقة حديث شاهين ليقول محاولاً تهدئة الوضع:
_ نورهان معاها حق يا شاهين ما فيهاش حاجة يعني لما تخاف على زعل أخوها وخصوصًا وهي عارفة إنه مقفل دماغه من ناحية الموضوع ده.
نظر له شاهين بجانب عينيه وقال بحدة:
_ فبدل ما نقف قدامه ونوقفه عن الهبل اللي هو بيعمله نسمع كلامه ونمشي وراه.
عارضته مبررة:
_ بس أنا مش بمشي وراه.. لو بمشي وراه ما كنتش زماني هنا دلوقتي.
عقب على حديثها مستهزئًا:
_ لو مش بتمشي وراه كنتِ زمانك قلتيله إنك جاية هنا ومش عاملة تقوليلي عاوزة أمشي عشان خايفة يعرف إنك مش في البيت، لو مش بتمشي وراه يبقى تقفي قدامه وتقوليله اللي بيعمله ده ما يصحش، ما لهاش معنى على فكرة إنك تعملي عكس اللي هو بيقوله من وراه، وخدي بالك طول ما الوضع ده ماشي هو هيسوق فيها أكتر.
ربما حديثه صحيح وربما يكون على حق، ولكن هي قليلة الحيلة فمازن صلد الرأس لا يمكن إقناعه بعكس ما هو مقتنع بهِ والحديث معه في أي شيء يخص شاهين كفيل أن يُشعل بهِ بركانًا لن يهدأ، وهي للحق تتجنبه.. زفرت أنفاسها بضيقٍ واختناقٍ وقالت وهي تنسحب من بينهما:
_ أنا همشي..
تابعا ذهابها وركوبها للسيارة التي تحركت على الفور لينظر له "معاذ" قائلاً:
_ ما كانش ينفع تتكلم معاها بالأسلوب ده يا شاهين، أنتَ عارف مازن كويس ما حدش بيقدر يرجعه عن اللي في دماغه ونورهان مش في إيدها حاجة ولا وقوفها قدامه هيجيب نتيجة.
نظر له "شاهين" بنظرة تحمل الكثير والتي عرفها رفيق ضربه:
_ بس اسمها تكون عملت حاجة عشاني، لكن هي بتعمل كل حاجة عشان مازن، وأي حاجة تخص شاهين بتتعمل في الدرى وسرقة، وأنا ما بقتش متحمل الوضع ده، لو أنا فعلاً ليا معزة عندها زي ما هي دايمًا بتقول كانت هتقف في وشه عشاني زي ما ياما وقفت في وشي عشانه.
أنهى حديثه وترك "معاذ" متحركًا حيث موضع "فيروز" والتي لم يجدها فبحث بنظره عنها حتى رآها تجلس هناك مستندة على الطاولة الطويلة المخصصة للمشروبات، تمسك بين كفيها كوب عصير ترتشف منه على مهل، فاتجه لها بعد ما استطاع أن يسيطر على مشاعره الغاضبة ويعود لِمَ هو عليهِ دومًا، جامد الملامح يُخفي مشاعره ببراعة..
وصل لها فقال بينما يرمقها بإعجاب لم يظهر في عينيهِ:
_ واضح إن الفستان طلع على مقاسك مظبوط، الحقيقة ما كنتش متأكد.
نظرت له حين اخترق صوته سمعها وابتسمت ابتسامة صغيرة تلقائية وهي تنظر لفستانها بإعجاب شديد وقالت:
_ الحقيقة الفستان عجبني جدًا، وأنا نفسي اتفاجئت إنه على مقاسي، ازاي قدرت تتخمن صح كده؟
مط شفتيهِ بلا معنى وقال وهو يلتقط كأس ماء موضوع على الطاولة:
_ تخمين مش صعب.. مقاسك سهل إنه يُتوقع، جسمك متوسط لا رفيع ولا تخين فعلى الأغلب مقاس الميديم بيكون هو المقاس المناسب.
هزت رأسها بتفهم وقالت معبرة عن رأيها في الحفل:
_ الحفلة لطيفة، هادية ولذيذة.
هز رأسه دون أن يعقب لتقول هي:
_ قلتلي إنني هكلم مازن النهاردة، بس يعتبر اليوم قرب يخلص.
أجابها بتوضيح:
_ طول اليوم كنت مشغول كان عندي شغل كتير بره ويدوب جيت على ميعاد الحفلة، بعد الحفلة هتكلميه.
_ وهقول له ايه؟
سألته بفضول ليجيبها بنبرته الغامضة المعتادة:
_ هتعرفي وقتها.
ارتشفت رشفة أخيرة من كأس العصير الذي أمامها ثم وضعته فوق الطاولة ونظرت له بقوة تسأله:
_ نورهان أخت مازن كانت بتعمل ايه هنا؟ شوفت إن العلاقة ما بينكم غريبة قوي ومثيرة للشك.
انحناء طفيف ظهر في فمه يعبر عن استنكاره أو سخريته وقال مغمغمًا بعدما وضع كأس الماء جانبًا:
_ بتفاجئ إن مازن مش معرفك حاجة، يعني حتى أتفه الأسرار ما صارحكيش بيها، عارفة ده بيخليني أحس إيه؟ إنه بيعاملك كأنك…. ولا بلاش عشان ما تزعليش.
تغاضت عن سخريته منها وإهانتها التي لم ينطقها وقالت:
_ طب لو مازن معتبرني زي ما أنتَ شايف بلاش أنتَ كمان تعتبرني زيه، وفهمني، اللي أنا مش فهماه.
_ عاوزة تفهمي ايه؟
سألها لتجيبه بوضوح:
_ عاوزة أعرف نورهان تقربلك ايه؟ ازاي جت الحفلة وكانت واقفة جنبك بالطريقة دي ومقربة منك بالشكل ده قدام كل الناس حتى في وجود مراتك؟ وايه أصلاً اللي يربط المجرم بعلاقة مع أخت الظابط؟ العلاقة الوحيدة اللي أقدر أفسرها في الحالة دي إنك استغلتها عشان تلعب معاه بيها، بس برده بالنسبالي مش مفهوم إنها تيجي في وسط الحفلة والناس كلها تكون شايفاها!! يبقى تخميني مش صح!
وضحكة خافتة خرجت منه وهو يستمع لتحليلها للوضع وقال مجعدًا جبينه:
_ شكلك بتتفرجي على أفلام كتير، حوار إن المجرم يلف على أخت الظابط أو حد من قرايبه عشان يلعب معاه بيه ده حوار فكسان قوي، والحقيقة إنه أصلاً مش بالعادة يحصل في الواقع.. علاقتي بنورهان ملهاش أي علاقة بعلاقتي بمازن كضابط ومجرم زي ما أنتِ بتقولي.
تملك منها الفضول أكثر ونزلت عن مقعدها تقترب منه حتى باتت هناك قليل جدًا من السنتيمترات يفصلهما وسألته رافعة رأسها له لتستطيع رؤية ما في عينيهِ:
_ أومال ايه العلاقة اللي ما بينكم؟ حقيقي أنا لو فضلت كده هتجنن، مش فاهمة أي حاجة لا فاهمة ايه علاقتك بمراتك وعاملها ازاي وأنا شايفة إن في حاجة متوترة مش قادرة أمسها، ولا فاهمة علاقتك بمازن ايه، ولا علاقتك بأخته، ولا حتى عارفة هو أنت فعلاً مجرم ولا لأ أنا محتاجة أفهم.
ابتسامة متسلية زينت ثغره وهو يلاعبها قائلاً:
_ طيب هسمحلك بسؤال واحد أجاوبك عليه من كل الأسئلة اللي في دماغك دي، فيا ريت تفكري صح وتختاري السؤال اللي هيفيدك مش اللي فضولك بيسوقك له.
حسنًا لم يكن تخييرًا عادلًا أبدًا، فكل الأسئلة التي برأسها تموت فضولاً بمعرفة إجابتها، ولكن الآن عليها أن تختار سؤالًا واحدًا فقط من بينهم، وإن اختارت فبالطبع لن تختار من يفيدها بل ما يقودها إليه فضولها! وبالطبع سيكون السؤال الذي توقعه شاهين:
_ قولي ايه علاقتك بنورهان؟
ضحك مستمتعًا بعدما اختارت السؤال الذي توقعه تمامًا وقال:
_ طب والله توقعت إنك هتسألي السؤال ده، على فكرة أنتِ مشكلتك خطيرة مهما حاولتي ما بتقدريش تتغلبي على فضولك، وهو دايمًا اللي بينتصر.
زفرت أنفاسها بقوة لا تستطيع صبرًا أن تعرف إجابة سؤالها وسألته مرة أخرى بإصرار:
_ ايه علاقتك بنورهان؟
وجاوبته كانت صاعقة ضربت جسدها لترتد للخلف خطوتين وعيناها جاحظة كمن تلقى خبر وفاة عزيز له!
وقبل أن تنطق، جاء صوت "شدوى" التي حضرت للتو تقول لشاهين بغيظ:
_ شاهين أنتَ واقف هنا وسايب ضيوفك اللي بييجوا أرحب بيهم لوحدي!
وانسحب "شاهين" معها بعدما قال وهو ينظر لـ"فيروز" الشاحبة:
_ جاي معاكِ.
ترجلت من السيارة بعدما وصلت لمنزلها، وعقلها منذُ خرجت من هناك وهو لا ينفك عن تذكر حديث شاهين وضيقها لا يفارقها بسبب طريقته معها، وبنفس الوقت شعرت بحزنه منها ومن أفعالها التي تهتم دومًا لحديث مازن وشعوره، دون مراعاة لشعور شاهين هو الآخر، بدأت تلتمس أنها مخطئة لا يجب أن تقف في صف أحدهما دون الآخر، عليها أن تكون على الحياد دومًا، فمعزتهما واحدة، وعليهِ لا ينبغي عليها أن تفرق في المعاملة والاهتمام بهذه الطريقة، خصوصًا وهي تعلم يقينًا أن "مازن" يبالغ، ويجب أن يقف عند حده، فيكفي أربع سنوات من العداوة الغير مبررة من وجهة نظرها، وهذا ما قررته، لن تخفي عنه أنها ذهبت لشاهين، ستخبره وستقف في وجهه إن حاول أن يفرض سيطرته على علاقتها بشاهين.
وبينما هي في زوبعة أفكارها عبرت الطريق دون انتباه للسيارات المارة، لتلتفت فجأة على بوق عالي جدًا لأحد السيارات،
فاتسعت عيناها جاحظة وتيبست قدميها أرضًا، وفورًا شعرت باصطدام السيارة بها.
وقفت بعيدًا بعد انتهاء الحفل تراقب توديع "شاهين" و"شدوى" للمدعوين، مشهد مثالي، الزوج والزوجة والابن يجاورهما ممسكًا بيد والدته التي تلتصق بـ"شاهين" بشكل ملحوظ، زفرت أنفاسها بضيق وهي تتابعهما متمتمة لنفسها:
_ هو عاوز ايه تاني! يعني عيشته مرتاحة، ومراته عسل وتحل من على حبل المشنقة، وعنده وعيل زي السكر.. ناقصه ايه عشان يبقى مجرم ويدخل نفسه في حوارات ملهاش لازمة مش هينوبه منها غير انه هيخسر كل ده!!
تذكرت ما عرفته منه منذ قليل لتحدث نفسها بشك يغلغل لقلبها:
_ انا بدأت أشك في مازن، حاسه ان كل اللي بيعمله ده وراه غرض تاني غير اللي قالهولي، في حاجه مش مفهومة ابدًا، هو انا هفضل اتصدم في الناس دي لامتى! هفضل لامتى زي الأطرش في الزفة وفي ألف حاجة مش عرفاها ولا فهماها، كلهم بيلعبوا بيا، كلهم بيحركوني زي ما هم عاوزين… ياترى الحكاية دي كلها هتخلص على ايه!؟
انسحبت من الحديقة متجهة لداخل الفيلا لكنها توقفت حين صدح صوت "شاهين" يناديها:
_ فيروز.
وصل إليها بعدما التفت له وقال:
_ تعالي ورايا على المكتب.
وسبقها للداخل لتلقي هي نظرة أخيرة على "شدوى" الواقفة بمحلها تنظر لهما بأعين مشتعلة، وما ينتابها الآن من مشاعر تعرفها فيروز جيدًا، فإن أُتيحت لها الفرصة ستقبض على عنقها ولن تتركها إلا حين تُزهق روحها وتختفي من حياة زوجها للأبد، هزت رأسها بيأس من كل شيء حولها:
_ والله معجنة.
جملة رددتها وهي تلحق بـ"شاهين" لمكتبه، فلا احد يعرف من زوج من، ومن أخ من، ومن يحب من، ومن يكره من؟ لاشيء هُنا "في حياتهم" طبيعي، كل شيء في فوضى عارمة.
_ نعم؟
قالتها ما إن دلفت مكتبه ليشير لها بالجلوس جواره وكان قد احتلى الأريكة التي تقبع في مكتبه، فعلت والحرج يغزوها، فقربه على هذا الوضع مبالغ بهِ ويوترها! مد كفه لها بهاتف فالتقطته بينما قال ما إن فعلت:
_ ده نفس الرقم اللي كلمتي منه مازن المرة اللي فاتت، هتكلميه وهتقوليله إنك قدرتِ تجندي الخدامة صاحبة الرقم ده، لو سألك عن حاجة مش هتنطقي بحرف غير لما اقولك تقولي ايه.
_ وهتقولي ازاي وهو معايا على التليفون؟
اجابها بمكر:
_ هتكلميه على برنامج مكالمات عن طريق النت، هتفهميه ان البنت ممعهاش رصيد بس معاها واي فاي الفيلا هنا عشان كده كلمتيه عليه، وهتقوليله إنك هتقفلي ويرن هو، بس هو مش هيرن، هيقولك تكملي المكالمه لأن كده أمان أكتر، المعروف عن مكالمات النت إنها أوقات بتأخر وصول الصوت، فالجملة اللي هو بيقولها توصلك بعد شوية، في الشوية دول هكون قولتلك الرد.. فهمتي؟
رفعت حاجبيها باعجاب وهي تقول:
_ فهمت… مفيش حاجة بتفوتك.
تجاهل حديثها وطلب لها رقمه عبر ذلك البرنامج ليأتيها رده بعد قليل، وتبدأ في الحديث معه:
_ انتِ ليه بتكلميني من البرنامج ده؟
وسؤاله أتى كما توقعه "شاهين" فنظرت له وهي تقول ما أملاه عليها قبل المكالمة، لتتسع عيناها حين أتى صوته يقول:
_ لا خلاص ماتقفليش، خلينا نكمل المكالمة هنا أمان اكتر.
حمحمت متخلية عن صدمتها في صواب توقع الآخر، وقالت:
_ انا قدرت أجند البنت صاحبة التليفون.. قولي هعمل ايه؟
_ كده جه دورك انتِ، لازم توصلي لخزنة شاهين.
مال عليها "شاهين" ليحدثها في أذنها فرجعت للخلف بتلقائية من خضتها، ليمسك ذراعها معيدها لوضعها بعدما نظر لها نظرة صارمة، جلست متخشبة وهي تشعر بقربه الخطير، وانفاسه تضرب أذنها فضربتها سخونة شديدة في وجهها وجسدها من الخجل لقربه ومن مشاعر أخرى غير مفهومة، فهي بطبيعة الحال فتاة يقترب منها رجل لهذا الحد لأول مرة.
_ قوليله إنك هتحاولي، واطلبي منه الباسورد اللي قالك عليها تكون معاكي احتياطي عشان لو عرفتي توصلي للخزنة في أي وقت.
_ روحتي فين يا فيروز؟
كتم فمها بكفه ما إن كادت تتحدث ليعيد يهمس لها:
_ مترديش على سؤاله كأنه لسه موصلكيش، وقولي اللي قولته.
رفع كفه لتنطلق في الحديث فورًا بما قاله لها، ليجيبها "مازن":
_ ماشي هقولك عليهم و….
همس لها في أذنها أن تسرع بإجابة سؤاله السابق فقالت:
_ بجد انا بتأخر في الرد؟ مش عارفة لما …
اشار لها ان تتوقف عن الحديث ففعلت، ليقول مازن متفهمًا:
_ هتلاقي النت، ساعات بيوصل الكلام متأخر.. المهم اسمعيني هقولك ٣ باسورد دلوقتي هاتي ورقة وقلم واكتبي ورايا بالترتيب..
همس لها شاهين:
_ استني شوية وردي، كأنك صوته وصل متأخر.
اومأت متفهمة، ثم قالت:
_ معاك، لحظة هجيب ورقة وقلم..
وصمتت قليلاً ولم تتحرك من مكانها حتى قالت ثانيًة:
_ يلا قول انا معاك.
وأخذ يُملي عليها ثلاث أرقام سرية، ابتسم "شاهين" بألم.. لقد أجاد توقع الأرقام، فالثلاثة ذات صِلة مهمة بهِ… أحدهم يوم وفاة والده، والآخر يوم وفاة والدته، والثالث يوم……
انتبه على حديثهما مرة أخرى وبعد ثواني أغلقت المكالمة لينهض "شاهين" فورًا هاربًا من ذكرياته وهو يقول:
_ اخرجي.
قطبت ما بين حاجبيها بصدمة، لتدرك بعد قليل أنه ليس على ما يرام، فانسحبت بهدوء تاركة إياه في زوبعة مشاعره وذكريات ماضيه المؤلمة.
بمنزل مازن عمران…
القى الهاتف بعد أن جلسَ على الفراش وزفر بقوة، هو يعلم أنه كان يجاورها أثناء الحديث، ويعلم أن صمتها كان لتسمع تعليماته.. لمتى ستستمر هذه اللعبة السخيفة؟ والسؤال الأهم ما هي غايته من كل هذا؟ هل يسعى أن يلقى شاهين عقابه ويُسجن؟ أو يسعى فقط لكشف شاهين أمام الجميع بأنه فاسد؟ هل سيقدر على الزج بهِ في السجن أم ستحاول أشياء عِدة دون هذا؟
ومع ذِكر الأشياء التي ستحول تذكر "مازن" مشهد مرَ عليهِ عشر سنوات…تحديدًا حين كان في المرحلة الثانوية…
"عودة بالأحداث"
– مين اللي ضربك كده؟
جلس متأوهًا على الكرسي وهو يشعر بنيران تسري في جسده أثر الضربات التي تلقاها، ونظر للواقف أمامه يبدو أنه بركان ينتظر اللحظة المناسبة للانفجار، حاول أن يكون حذرًا فيما سيقوله كي يتجنب انفجار الأول وقال:
_ مشكلة بسيطة واتحلت..
رفع حاجبه مستهجنًا وضغط على أسنانه يوضح غضبه الدفين وخرجت نبرته ساخرة في أولها وحادة في أخرها:
_ حاجه بسيطة ووشك بقى زي البليتشو! اخلص يا مازن ايه اللي حصل؟
_ اتخانقت مع سالم..
جملة وحيدة أردف بها "مازن" جعلت الواقف أمامه تجحظ عيناه غضبًا مرددًا:
_ من امتى بتمدوا ايدكوا على بعض؟ مهما وصل خناقكوا عمركوا ما ضربتوا بعض كده! مين فيكوا الغلطان؟
احنى رأسه بحرج وقال بصدق:
_ أنا.. أنا اللي بدأت بالضرب.
نهض رغم ألمه وتحرك خلفه حين وجده يخرج من المنزل:
_ رايح فين يا شاهين؟ بقولك أنا الغلطان هتروح تعمله ايه؟
"عودة للأن"
نهض من فوق الفراش باختناق شديد مقررًا النزول للركض قليلاً علّه يخرج طاقة غضبه المشحونة، لكنه توقف على صوت الهاتف وبعد ثواني كان يهتف بخوفٍ شديدٍ:
_ مستشفى؟ مستشفى ايه؟
وما إن وصل للمستشفى المنشودة وعرف رقم الغرفة التي بها، حتى ركض لها وفتح الباب مقتحمًا الغرفة، ليتجمد بأرضه وهو يجد "شاهين" بوجهه، ووجوده الآن مع كم المشاعر السلبية التي شعر بها في الفترة الزمنية المنصرمة جعلته لا يطيق رؤيته، فهتف بغضب ساحق دون أن يهتم بالاطمئنان على "نورهان" حتى:
_ أنتَ بتعمل ايه هنا؟
واجابه شاهين بهدوء:
_ جاي اشوف نورهان واطمن عليها.
ولم يتخلى عن عنفوانه وهو يقول:
_ مين قالك إننا عايزينك هنا! اطلع بره وجودك مش مُرحب بيه..
لم يتحرك خطوة، ولم ينطق، فخرج صوت "نورهان" بضعف بالغ أثر مرضها:
_ مازن.. اسكت.
ولم يهتم لها، حتى لم ينظر لها، وأصر على موقفه، ليقول بوقاحة:
_ اطلع بره، ولو عندك دم متخليناش نشوفك تاني..
وتحرك "شاهين" بعد جملته… تحرك حتى أصبح واقفًا في وجهه، ثانية… اثنان.. والثالثة صدح صوتان عاليان… صوت صفعة دوت على وجنة أحدهم.. وصوت شهقة خافتة خرجت من "نورهان"….
رواية فراشة في سك العقرب الفصل السادس عشر 16 - بقلم ناهد خالد
الأصول لا تتغير بل هي من الثوابت، ولا تخضع لأي شذوذ قاعدي، فاختلاف الظروف والمجتمعات والأحوال عامة لا يؤثر على الأصول، الأصول هي كل شيء صائب، وكل شيء يرسم طريق الحق ويبرزه، فجمع واحد وواحد لا يمكن أن يساوي ثلاثة أبدا!
ومن الأصول ألا ترفع يدك على من هو أكبر منك سنا، وإن كان ذا قرابة شديدة فيعظم الأصل، وعليه فمن الأصول أن يبتلع مازن إهانة شاهين له، وألا يرد الضربة.. ولكن هل يفعل؟
احمرار عيناه ووجهه خير دليل على غضبه المشتعل، غضبه الذي لم يستطع التحكم به ليخرج عن طور صمته وهو يدفع صدر الآخر بقبضتيه دفعة قوية ارتد للخلف على أثرها، ولم يتوقف هنا بل اقترب هو الخطوات التي ابتعدها شاهين أثر الدفعة، وقبض كفه على ياقة قميص شاهين في استعداد تام لخوض معركة سيخرج منها أحدهم خاسرًا حياته، لكن ما أوقف الكارثة التي كانت على وشك الحدوث هو صرخة نورهان:
"مازن انت اتجننت؟"
التف لها مازن ومازال قابضًا على ياقة الآخر وهتف مستنكرًا:
"اتجنت؟ أنا اللي اتجننت؟ وهو لما مد إيده علي عادي؟"
نهضت من فوق الفراش، حذرة لذراعها الملفوفة بجبيرة لحدوث كسر به، وسارت ببطء لشعورها بدوار يلف رأسها، حتى وقفت بجوار شاهين وفي مواجهة الآخر وقالت بينما امتد كفها يفك قبضة يد مازن:
"حتى لو هو اللي بدأ وضربك، ما يصحش تمد إيدك على أخوك الكبير."
اعترض واستنكر حديثها، ليجذب كفه منها بحدة غير مراعيًا لحالتها المرضية، وصرخ بها:
"متقوليش أخويا! أنا ماسمحش إنه يمد إيده علي، اللي يمد إيده علي أكسرهاله."
والمعني بالحديث ظل واقفًا بصمت غريب، وكأن كل ما يحدث لا يعنيه!
كتمت تألمها من دفعته لذراعها، وتغلبت على حزنها والغصة التي تحتل حلقها بسبب كل ما يحدث أمامها الآن، والذي لم تتوقع أن يصل بهم الأمر لهذا الحد.
"الكبير كبير يا مازن، وانت اللي غلط في البداية، عيب تطرده.. وتطرده ليه أصلا؟ هو كان جاي يشوفني وده حقه."
"حقه!" رددها مستهجنًا وهو يجز على أسنانه محاولاً كبح غيظه، لتصر على موقفها تقول:
"أيوه حقه.. أنا أخته وجاي يشوفني إيه المانع؟"
بدى وكأنه يخرج نارًا من أنفه، وأجابها بنبرة مشتعلة غضبًا:
"أنا من سنين قولتلك علاقتنا بيه اقطعت، جاية دلوقتي تقولي حقه!"
"مين قرر أن علاقتنا بيه اقطعت؟ انت؟ طب وانت تقررلي ليه؟ مازن أنا مش مقتنعة بولا حاجة من اللي انت مقتنع بيها ومدياك مبرر قوي إنك تعادي أخوك، أنا بس كنت بجاريك عشان مش عاوزة أخسرك وأوي يكون في مشاكل بينا، لكن واضح إن كنت غلط، ومكانش ينفع أجاريِك ضد أخويا.. انت أخويا وهو كمان أخويا، مكانش ينفع أقف في صف واحد قصاد التاني."
رفع حاجبه ساخرًا:
"لا انتِ ما وقفتيش في صفي، ولا تكوني فاهمة إني ما أعرفش إنك بتتواصلي معاه؟ تبقي غبية لو فكرتيني مغفل وإنك بتلعبي من ورايا."
تملك منها الغضب لتجيبه بحدة:
"أنا مش محتاجة ألعب من وراك عشان أشوف أخويا أو أتواصل معاه، أنا ما بعملش حاجة غلط! أنا بس كنت بحترم رغبتك ومش حابة يحصل خلاف بينا، لكن خلاص، أنا مش هبعد عن شاهين يا مازن، ومش هقطع علاقتي بيه."
نظر مازن ل شاهين بنظرة حارقة:
"طبعًا انت كده مبسوط، وصلت للي انت عاوزه ووقعت ما بينا."
لم يلفظ شاهين حرفًا واحدًا ولكن أتى الجواب من نورهان التي قالت معترضة:
"شاهين ملوش دعوة، مش هو اللي مصر يعمل بينا عداوة ولا هو اللي مصر يقطع علاقتنا ببعض."
نظر لها بقوة وقد أغضبه أكثر دفاعها عن الآخر ليقول بنبرة قاطعة:
"تمام زي ما قولتهالك زمان هقولهالك تاني دلوقتي، ده…."
قال كلمته الأخيرة وهو يشير بأصبعه على شاهين وأكمل:
"ما لناش علاقة بيه لا من بعيد ولا من قريب، والمرادي مش هتستغفليني ولا أنا هسكت زي ما سكت المرة اللي فاتت، المرادي علاقتك هتتقطع بيه نهائيًا سامعة؟"
جحظت عيناها بصدمة وهي ترى إصراره المميت على قطع علاقتها بشاهين لتقول برفض قاطع:
"لا مش سامعة ولا هعمل اللي انت بتقوله، أنا مش مضطرة أعمل كده، مش مضطرة أخسر حد من أخواتي عشان أكسب الثاني، أنا مش مقتنعة بأي حاجة انت واخدها ضد شاهين وبناء عليه أنا مش محتاجة أقطع علاقتي بيه."
وأخذ الموضوع عناد وتحدي ليقول لها:
"تمام دلوقتي انت قدامك اختيارين يا تختاريه هو وتقطعي علاقتك بيا، يا تختاريني أنا وتقطعي علاقتك بيه."
هزت رأسها بقوة مستنكرة ما يفعله وهتفت وقد بدأت في البكاء:
"انت بتعمل كده ليه؟ انت ليه مصمم تفرقنا؟"
لم يجيبها ولم يهتم بحالتها التي قاربت على الانهيار وظل واقفًا بجمود منتظرًا اختيارها، وبعد ثواني من الصمت الذي لا يقطعه سوى صوت بكاء نورهان قرر شاهين أن يسهل عليها الاختيار، وأن يخرجها من الموقف برمته، فتحرك خطوتين للخلف يفسح طريق خروجه من الغرفة وقال دون أن يحيد بنظره عنه:
"ما فيش داعي تختاري، أنا ماشي."
لحظات أخرى مرت وهو يتبادل نظرات صامته لكنها تحمل الكثير بينه وبين مازن الذي فرد ظهره بغرور وانتصار واهي، قبل أن يتحرك في طريقه للخروج وما إن وصل لباب الغرفة ووضع كفه على مقبض الباب حتى توقف على صوت نورهان تقول من بين بكائها:
"استنى يا شاهين هاجي معاك."
ظهر التفاجئ جليًا على وجه مازن الذي تصنم فجأة وهو يسمع جملتها، فلم يتوقع أبدًا أن تختار شاهين وتفضله عليه فقال يسألها بصدمة:
"انت هتروحي معاه؟"
لتمسح دموعها بيدها السليمة ونظرت له بحزن وأسف جم مجيبة:
"انت اللي اخترت، انت اللي اخترت لما خيرتني بينك وبينه.. مش ينفع أبدا تعمل كده، كرهك ل شاهين عماك، ده حتى لما جيت ما فكرتش تبص علي وتعرف إذا كنت كويسة ولا لأ! خارجة من حادثة وما وصلكش أي معلومة عن الحادثة عملت فيا إيه وكان كل همك أول ما شفته إنك تتخانق معاه وتطرده قبل حتى ما تطمن علي، انت اتغيرت… ما بقتش مازن اللي إحنا التلاته اتربينا سوا مع بعض، جواك كره بيوجهك وصدقني هيخليك تخسر كل اللي حواليك، أنا هروح معاه آه بس أنا مش هقطع علاقتي بيك، حتى لو انت عاوز تعمل ده.. هتفضل أخويا وهتواصل معاك من فترة للتانية وفي أي مشكلة ليك هتلاقيني جنبك.. لأني ما بعترفش إن العلاقة ما بين الأخوات ممكن تتقطع، إحنا مش اتنين متجوزين علاقتنا هتنتهي بورقة الطلاق! ولا اتنين صحاب هندوس على العشرة وننهي علاقتنا، إحنا اللي بينا دم لا يمكن ينتهي."
تحركت لتقف أمام شاهين الذي يتابع الموقف بصمت، وأشارت له برأسها ليذهبان ففتح الباب وخرج معها وهو يحيطها بذراع والذراع الآخر مده لها لتستند عليه، يسير بها برفق مراعيًا تعبها، تاركين مازن خلفهما يواجه الكثير من براهين مشاعره الثائرة، وفي النهاية لقد تركته نورهان من أجل شاهين! إذاً فكالعادة شاهين هو سبب كل مشاكل حياته….!
***
كانت تقف في شرفة الغرفة، لتمضي ساعاتها المملة، فهنا لا تفعل أي شيء، وهي المعتادة دوما على الحركة والانشغال، زفرت أنفاسها مختنقة حتى مستكة قد أنهت عملها وذهبت، ماذا تفعل ليمر الوقت بها؟ أتى على عقلها أن تنزل للأسفل علها تجد ما يسليها، وبالفعل بعدما أبدلت ثوبها لبدلة رياضية بيضاء بها بعض النقوش السوداء والتي أخذت شكل العقرب نزلت للأسفل لتجد الهدوء التام يعم المكان، فاتجهت للمطبخ فوجدت صفاء تقف به ومعه اثنتين من الخدم، فسألتها:
"اومال أهل البيت فين؟"
نظرت لها صفاء لتسألها باستفسار حذر:
"تقصدي مين بالضبط؟"
رفعت منكبيها بلا معنى وقالت:
"كله.."
"تيم بيه نام، وشدوى هانم غالبا نامت هي كمان لأنه كان يوم طويل.."
وصمتت، هذه السيدة غير معقولة فأبسط التفاصيل عن رب عملها لا تقولها!
"وشاهين؟"
واضطرت حينها للإجابة وهي ترى تحديًا في عيني فيروز، تحدي لا يمكنها مجاراته، ففي النهاية هي من إحدى سيدات المنزل:
"خرج…"
ذمت شفتيها وهي تتجه للتوغل في المطبخ أكثر وقالت:
"ما توقعتش أعرف منك أكتر من كده… هو انتوا كنتوا بتعملوا إيه؟"
"كنا بنظبط المكان بعد الحفلة، وبنتصرف في الحلويات اللي فاضت…"
جعدت ملامحها ضجرة وقالت معربة عن عدم إعجابها بما قدموه في الحفل:
"حلويات إيه بس.. كلها جاتوه ودوناتس وحاجات مسكرة، ده انتوا تجيبوا السكر للمعازيم!"
ابتسمت صفاء على حديثها وسألتها مستفهمة:
"اومال هنقدم إيه؟"
"كان لازم يكون في حوائج برضو، حتى لو بقسماط مملح! ده حتى يفتح النفس لو جزعت من الحلو."
أيدتها صفاء قائلة:
"معاكي حق يا هانم.. فعلا التنويع مطلوب، خصوصا إن في ناس مبتاكلش الحلو."
رفعت حاجبها الأيسر بنظرة تقييمية وقالت:
"شكلي هحبك ولا إيه؟ أنا أحب اللي يأيدني…"
ضحكت هي والفتيات المستمعات لحديثها، لتستند على طاولة المطبخ العريضة وسألتهم:
"هو أنا ينفع أطبخ؟"
"ماتتعبيش نفسك يا هانم، قولي عاوزة إيه والبنات هيعملوه."
نفت برأسها:
"لأ أنا عاوزة أطبخ بنفسي، أنا زهقانة وعاوزة حاجة تسليني، وجاي على بالي إني أعمل أكل…"
"اللي تحبيه يا هانم، تحبي نسيبك لوحدك ولا البنات يساعدوكي؟"
"لأ سبوني لوحدي وأنا هتعامل."
انسحب الجميع من المطبخ، وبقت هي وحيدة، اتجهت للثلاجة ذات البابين تفتحها لتجدها مليئة بكافة الأنواع، فغر فاهها بصدمة مما تراه، وما لبثت أن قالت بتعجب:
"ثلاجة دي ولا سوبر ماركت!"
هزت رأسها بيأس، فهل ستكون ثلاجتهم كثلاجتها البائسة!
أخرجت طبق لحم، وكيس من الفاصوليا البيضاء المسلوقة، والخضروات التي ستحتاج إليها، وابتسمت بحماس شديد وهي تشرع في إعداد الوجبة التقليدية بكل مكوناتها…
***
وقف مجد أمام مديحة يقول بضجر:
"وبعدين يعني يا ست مديحة؟ هي فلة هتغيب كتير؟"
احتدت ملامح مديحة تقول بضيق:
"هو في إيه يا مجد؟ هو انت ولي أمر البت وأنا ماعرفش؟ ما تغيب زي ما تغيب وترجع وقت ما ترجع، بنتي محدش له سلطة عليها غيري."
"يا ست مديحة أنا ما قصدتش، أنا بس أقصد…"
قاطعته ترفع كفها توقفه عن الحديث، وقالت بصرامة تحدثه بها لأول مرة:
"لا قصدك ولا ما قصدكش، اسمع يا مجد، شوف حالك يا بني بنتي مش ليك.. وخلينا نفضها سيرة بقى…"
اشتعلت عيناه غضبًا وصدح صوته عاليًا يقول:
"نفضها سيرة! بعد أربع سنين بلف ورا بنتك تقوليلي نفضها سيرة؟"
جحظت عيناها بصدمة وهي ترى انفعاله وصوته العالي:
"وبنتي كانت رافضة من البداية، ما عشمِتكش وخليت بيك، أنا نفسي قولتلك كذا مرة هي مش موافقة، يبقى إيه بقى؟ إحنا ما ضحكناش عليك يا بن الناس.. ولا خدنا منك لا أبيض ولا أسود، حتى الحاجة اللي كنت بتبعتها كانت بنتي بتبهدلني عليها، ولولا العيبة كنت رجعتهالك وقولتلك ده كذا مرة."
ولم يخفض صوته بل رفعه أكثر وهو يقول:
"يعني الحاجة مارجعتش في النهاية.. واه عشمتوني مش كل ما كنت أكلمك كنتِ تقوليلي هكلمها."
برقت بعينيها من وقاحته التي فاجئتها، وصوته الذي بدأ يجذب انتباه من حولهم:
"حاجات إيه يالا.. دي كلها حلويات ويوم ما علِت بالمستوى جبت عشوة كفتة، ده أنا أحاسبك عليهم وقتي.. واه كنت بقولك هكلمها عشان ما أكسرش بخاطرك وعشان زنك.. كنت بعد ما أغلب أفهمك إنها رافضة أقولك هكلمها.. وكنت بكلمها وبرضو ترفض.. إيه هغصبها؟"
الغضب المشتعل به وهو يدرك أنه على شفا أن يخسر أمل أن تكون له يجعله كالمجذوب، يريد أن ينفجر في أي شخص ويخرج طاقة غضبه، وكان الشخص المتاح حاليًا هو مديحة…
"قولي إنكم كنتوا بتلعبوا بيا عشان ما شايفني مدلوق عليكوا، حاطني احتياطي لو ملقتش حد أحسن مني.. وشكلها لقت."
وجملته الأخيرة كانت طعنًا واضحًا في شرف المقصودة، وهنا خرجت مديحة عن كل الأطوار ولم يهمها وجودها في الشارع والمارة حولهم، وعلت بصوتها قدر استطاعتها وهي تقول:
"لا بقولك إيه، هتجيب سيرة بنتي على لسانك هقطعهولك، مش فلة اللي يتقال عليها كلمة كده ولا كده، فلة طول عمرها في حالها وسيرتها زي الماس، أقصر الشر يا مجد ومطولش في الكلام عشان مانخسرش بعض.. عيب إحنا جيران."
ولم يصمت ولم يخفت غضبه وهو يستمر في حديثه:
"جيران.. كنتوا عملتوا انتوا بالجيرة دي."
تدخل أحد رجال المنطقة وهو يسحب مجد بعيدًا يقول:
"عيب بقى يا مجد، ما يصحش تقف لست كده في الشارع.. امشي يا أم فلة وسيبك منه دي ساعة شيطان."
تحركت مكملة سيرها للسوق وهي تضرب كف بآخر:
"ده باينه مش سهل، وأنا اللي كنت بقوله عليه محترم وغلبان…"
وكيف لها أن تعرف إن كان طيبًا أم لا؟ هل عاشرته؟ هل سكنت معه في نفس المكان وأكلت وشربت من نفس الإناء؟ حتى وإن كان فأحيانًا تفجعنا الحقيقة المستترة، والمعدن الحقيقي للشخص، فما بالها هي التي لم تفعل!
***
وقفت سيارة شاهين أمام المنزل وترجل السائق منها يفتح الباب لرب عمله والحارس الشخصي يفتح الباب الآخر، ترجلا من السيارة، وهرول شاهين بخطواته الواسعة ليصل إليها يدعم سيرها، وقفا أمام الباب الداخلي للفيلا لتأخذ نورهان نفسًا قويًا شعر به شاهين الذي سألها بهدوء:
"أنت متأكدة من قرارك؟"
أومأت برأسها بقوة وقالت وهي تنظر للمنزل:
"أنا من يوم ما خرجت من هنا وأنا مش مرتاحة.. آن الأوان أرجع."
"بكرة هبعت حد يجيب هدومك."
أومأت برأسها دون رد، فقال بنبرة حنونة:
"أوضتك لسه فاضية، مستنياكِ."
نظرت له بعينين امتلأ بالدموع، هي مقدرة لكل ما يفعله معها، ولكنها كانت مجبورة أن تبتعد عنه وتبقى جوار مازن، ليس لأنها تحبه أكثر.. بل لأنها تدرك أنه أكثر تهورًا، كانت تريد أن تكون بجواره لتحجم تهوره هذا كي لا يصيب شاهين بأذى.
"شكرًا."
الكلمة الوحيدة التي نطقتها ليبتسم هو ابتسامة صغيرة لها ويدفعها بكفه برفق لتدلف للداخل بعد أن فُتح باب الفيلا حين علموا بقدومه، ابتسمت صفاء بحب وهي ترحب بها:
"أهلاً يا نورهان هانم، يا خبر مال حضرتك."
"حادثة بسيطة."
"ألف سلامة على حضرتك يا هانم."
تدخل شاهين يقول:
"اهتمي بيها يا صفاء الفترة الجاية، لها أدوية لازم تاخدها في مواعيدها، عشان كده اهتمي بأكلها كويس جدًا."
ابتهجت صفاء تسأله:
"هي هتقعد معانا هنا؟"
أومأ برأسه لتهتف بحماس:
"دي في عنيا."
ابتسمت لها نورهان بلطف، ولكنها قطبت ما بين حاجبيها حين اشتمت رائحة تعرفها جيدًا، نظرت لصفاء تسألها باستغراب:
"انتوا بتطبخوا الساعة ١٢ بليل؟"
ونقلت بصرها ل شاهين تكمل:
"هي المواعيد اتغيرت؟"
سارعت صفاء في الرد:
"لأ، لسه العشاء آخره ٩ بليل.. بس دي فيروز هانم حبت تتعشى وتطبخ بنفسها كمان."
وكسؤال طبيعي بدر منها:
"فيروز مين؟"
ولم تتوانى صفاء عن الرد سريعًا:
"دي خطيبة شاهين بيه."
جحظت عيناها بصدمة وهي تنظر له على الفور وتردد بعدم تصديق:
"خطيبتك؟"
رواية فراشة في سك العقرب الفصل السابع عشر 17 - بقلم ناهد خالد
تمسكت بالأكياس التي تحملها والتي تحوي بداخلها بعض مستلزمات البيت.
رفعت رأسها بعزم على ما هي مُقبلة عليه، وداخلها صوت يحثها أن تفعل.
وقفت بخطاها أمامه وهو منحني على أحد السيارات يصلح ما بها من عُطل.
رفع رأسه حين شعر بوقوف أحد أمامه، ليزفر بضيق جلي ما إن أبصرها.
ألقى بالمفتاح الذي بين يده أرضًا بعصبية مكبوتة، جعلتها تبتسم ساخرة وهي ترى انقلاب حاله لمجرد رؤيتها.
ضجرت ملامحه وهو ينظر لها يسألها باختناق:
_ خير؟ إيه يوقفك الوقفة دي قدام ورشتي؟ هو انتِ مُصرة الناس تتكلم علينا بالردي!
نفت برأسها وابتلعت غصتها تجيبه:
_ لا، بس جيت أقولك كلمتين مش أكتر.
قلب عينيهِ بملل، لتكمل دون أن تنتظر سماحه لها بالقول:
_ فُلة اللي انتَ جيت عليها وقولت شافت واحد غيرك، أنا عارفه مكانها.. وهي ماشافتش غيرك ولا حاجة.. عارف ليه؟ لأنها عمرها ما شافتك أصلاً.
_ تعرفي مكانها؟ هي فين وبتعمل إيه!؟
قال وقد تغيرت ملامحه على الفور، من الفتور للاهتمام، ومن الملل للإنصات.
ضحكت باستهزاء تعقب:
_ ياااه، ده الحب بهدلة صحيح.
تحولت ملامحه مرة أخرى وهو يزجرها:
_ اخلصي انطقي لو تعرفي حاجة.
هزت رأسها تبدأ في الحديث:
_ أعرف.. بس مش هقول، أنا بس جيت أقولك للمرة الأخيرة، شوف حالك بعيد عن فُلة، صدقني والله عمرها ما هتبصلك، ولا هتمر على عقلها، يعني سألتني عن أمها وقالتلي اطمن عليها، لكن ماجابتش سيرتك لا من بعيد ولا من قريب.. ولما أنا جبت سيرتك قالتلي بالحرف ” مجد إيه وبتاع إيه خلينا في المهم”.
_ أنا بس عاوز أعرف حاجة واحدة، هو انتِ متخيلة إن كل اللي عماله تعمليه، وكلامك اللي عماله توصليه ليا، إني حتى لو بطلت أبص لفيروز هبصلك انتِ؟
هزت رأسها بيأس من أن يفهمها وقالت بصدق:
_ قولتلي الكلام ده قبل كده، وقلتلك إني حقيقي ما يهمنيش إنك تشوفني، يا سيدي اعتبر إني بنقذك من وهم معيش نفسك فيه.
ذم شفتيهِ بعدم اقتناع وقال:
_ ماشي، هنفرض إنك عاوزة تنقذيني زي ما بتقولي، يهمك في إيه إذا كنت أفضل عايش على الوهم ولا تنقذيني منه؟
صمتت لثواني تحاول إيجاد إجابة غير التي تلح على عقلها وطرقته فور سماع السؤال، تحاول أن تخرج حافظة لماء وجهها وتخترع سبب آخر يقنعه غير السبب الحقيقي الذي ربما يمس كرامتها، ولكنها لم تجد. فالحقيقة لا تتجمل وليس لها بدائل.
لذا قالت وعيناها مُعبأة بسحب الحزن والحسرة:
_ عشان ببساطة اللي يهمه حد ما يحبش يشوفه بيقع أو بيغلط، لو انتَ شايف أختك أو أخوك بيحب شخص والشخص ده مستحيل يعرف يوصله هتفضل دايمًا تنصحه أنه يبعد عنه وما يكملش في حبه له، عشان خايف عليه من الأذى، خصوصًا بقى لو انتَ مجرب وجع الحب.
نظره لها صامتًا وكأنه لأول مرة يحاول فهمها، لأول مرة ينظر لها نظرة تفحصية ليست ساخرة أو مُستهزئة، أو حتى كارهة، لأول مرة بنية أن يكتشف الشخص الذي أمامه، وهذا ما جعله يسألها للمرة الأولى:
_ هو انتِ إمتى حبيتيني؟ والأهم إمتى حبيتيني الحب ده كله؟ إحنا عمرنا ما جمعنا موقف، ولا عمرنا اتكلمنا حتى.. غير في الفترة الأخيرة، مش هكدب عليكِ أنا كنت بلاحظ نظراتك ليا، وكنت بقول إنك مهتمة بيا شوية.. يمكن إعجاب زي أي بنت ممكن تعجب بحد وتفضل مركزه معاه، لكن عمري ما تخيلت تكوني بتحبيني.. ما تخيلتش ده غير لما لقيتك بتتكلمي كتير وبتنصحيني أبعد عن فله مش بتنصحيني أبعد عادي.. دايمًا كنت بشوف في عينيكي نظرة عارفها كويس..
ابتسامة متألمة زينت ثغرها وهي تنظر له بقلة حيلة:
_ السؤال مش صح عشان أجوبك.. محدش بيعرف هو إمتى حب.. هو بس بيعرف إنه وقع.. لكن إمتى وإزاي ميقدرش يجاوب..
زفر أنفاسه الحارقة وهو يخبرها بهدوء جديد عليهِ معها:
_ نصيحة مني اعملي المستحيل عشان تنسيني.. هعتبرك أختي وهقولك الحب ده ابعدي عنه مش هيجيبلك غير الوجع.
صدرت ضحكة منها تحمل الكثير والكثير من المشاعر السيئة، تحمل همومًا لا تستطيع التخلص منها، تحمل حبًا يقتلها، وكسرة نفس تحرقها، أوجاع جمة تحملها تحني ظهرها، وتصل بها للهاوية.. وهي عاجزة.
_ يا ريتني أقدر أعمل بنصيحتك، غريبة أوي الدنيا دي.. دايمًا اللي تحبه ما يحبكش، واللي تعوزه ميجيلكش.. دايمًا نتمنى ولا نطولش، يعني انتَ مش قادر تشيل حبك لفيروز ورغبتك فيها.. تتوقع إني هقدر؟
نظر بعيدًا ولم يعد لديهِ قدرة على المواجهة، وقال ينهي الحديث:
_ وأنا هدعيلك ربنا يشلني من قلبك..
وصمت لثواني ليراها تهز رأسها بيأس وهي تلتف للذهاب، وما كادت تخطو خطوتين حتى سمعت صوته من خلفها يكمل:
_ زي ما بدعيلي…
ودون أن تلتف ابتسم ثغرها، ولمعت عيناها بالأمل، تمنت نفسها أن يقدر هو على فعل ما لم تقدر على فعله، مجرد دعائه بأن يزيل الله حب فيروز من قلبه يعني أنه بدأ يتحرر.
❈-❈-❈
_ خطيبتك إزاي؟ انتَ مقولتليش إنك خطبت!
لم يجيبها فورًا ونظر أولاً ل “صفاء” نظرة علمت معناها جيدًا، لقد أخطأت بالافصاح عن شيء قبل أن يفصح هو عنه.
اخفضت رأسها بخجل من خطئها الذي ترتكبه لأول مرة، فهي حافظة أسراره ودومًا لا تنطق قبل أن يفعل هو.
عاد ببصره ل “نورهان” يجيب عليها بهدوء:
_ لسه الخطوبة قريب، ملحقتش أبلغك، بعدين لسه ملبسنهاش دبل حتى.
لوت فمها بضجر:
_ ده اللي كان ناقص.
_ اطلعي ارتاحي يا نورهان عشان متتعبيش.
نظرت له متفاجئة:
_ اطلع ارتاح! انتَ مش هتعرفني عليها.
زفر بنفاذ صبر:
_ بكرة يا نور الدنيا مطارتش.
طالعته بغيظ ثم نظرت ل “صفاء” التي هزت لها رأسها بمعنى ألا تطيل في الحديث معه، فكادت تنصرف لتسمعه يقول ل”صفاء”:
_ جهزي عشا لنورهان عشان دواها.
رفعت “نورهان” رأسها بأنفه وقالت وهي تسير نحو الدرج:
_ أنا عاوزة من الأكل اللي بيطبخ ده.
وقد شعرت حقًا بالجوع مع رائحة الطعام التي تغزو أجواء الفيلا بطريقة غير طبيعية.
ابتسامة لا تُرى خرجت منه وهو يسمع جملتها التي قالتها بكبرياء أحمق، ووجه نظره تجاه المطبخ وهو يقول مجعدًا أنفه بضيق:
_ هي الريحة مالها مالية الجو ليه!
وقد كان أمرًا عجيبًا، بالعادة حين يتم طهي الطعام لا يخرج له رائحة أبدًا لداخل الفيلا، بل تُطرد للخارج بواسطة شفاط السحب.
_ هروح أشوفها.
_ لا خليكي.. أنا كده كده عاوزها.
أنهى حديثه واتجه للمطبخ الذي يدلفه لأول مرة بحياته، ليقف على بابه ينظر لها وهي تتابع طهي شيء ما على الموقد، وتدندن بكلمات لم تصل لمسامعه، فاقترب بخطوات حثيثة حتى جلس على الكرسي الموضوع حول الطاولة الكبيرة بالمنتصف، ومن هنا استطاع سماعها جيدًا.
_ بحياتك يا ولدي امرأةٌ عيناها سبحان المعبود..
فمها مرسومًا كالعنقود..
ضحكتها أنغامًا وورود…
والشعر الغجري المجنون يسافر في كل الدنيا..
قد تغدو امرأةٌ يا ولدي يهواها القلب هي الدنيا…
لكن سمائك ممطرةٌ وطريقك مسدودٌ مسدود..
فحبيبة قلبك يا ولدي نائمة في قصر مرصود..
من يدخل حجرتها من يطلب يدها من يدنو من سور حديقتها من حاول فك ضفائرها..
من حاول فك ضفائرها يا ولدي مفقود مفقود مفق..
علت بصوتها وقد تحمست مع كلمات الغنوة ورفعت ذراعها الحر للأعلى وكأنها تقف على المسرح أمام الجمهور والآخر تلوح بالملعقة الخشبيه بهِ.
واستدارت لتأخذ طبقًا من فوق الطاولة لتضع بهِ طعامها الذي انتهى، لتقف كالتمثال حين أبصرته أمامها، حتى أنها لم تنزل ذراعيها المرفوعين، وكأنها تجمدت بحق!
تحكم بالكاد في ابتسامته التي هددت بالظهور على مظهرها المضحك، ونهض يقترب منها حتى أصبح أمامها فانزلهما بكفيهِ وهو يقول بجدية مصطنعة:
_ انتِ واقفة في مطبخ ولا على المسرح؟ إيه الدوشة دي!
فاقت من صدمتها وتجمدها، واخفضت بصرها عنه بحرج بالغ، وابتعدت خطوة اقتربها هو مرة أخرى بنفس اللحظة دون شعور منه، مسدت على وشاح رأسها بتوتر وهي تقول:
_ معلش.. أصل صفاء قالت محدش في الفيلا.
وللتو انتبه لوشاح الرأس الغريب الذي ترتديه، وأول سؤال بدر لذهنه من أين حصلت عليه؟ فهو مختلف عن أي وشاح سبق أن رآه، لكنه جميل، يجعلها تشبه شخصيات الأساطير، التي لطالما حكت عنها والدته له حين كان صغيرًا.
_ شكلك حلو.
بالله لا يعرف كيف نطقها، وكأنه كان محتجزًا في ذكريات ماضية جميلة، وكأنه يسمع صوت والدته الآن تحكي له عن قصة الأميرة الهاربة التي قابلت رجلاً حقيقي فكان لها بطلاً، يسمع صوتها تزامنًا مع رؤيته للأميرة!
فوالدته لطالما لم تتجاهل رسم صورة للبطلة والبطل في خيال الصغير، حتى أنها أحيانًا كانت تخيل له ما يرتدون… والخيالات تنطبق تمامًا عليها الآن.
فغر فاهها وهي تسمع مدحه المباشر، لأول مرة يكون مباشر في شيء! شيء صدمها، ولم تجد جواب يناسب قوله، فصمتت لكن شيء ما بداخلها تحرك، شيء ما بها سعد.
ولأول مرة أحد يُثني على جمالها، هي لا تعرف علاما أثنى تحديدًا، لكن عمومًا تسمعها للمرة الأولى.. للمرة الأولى وهي “فيروز” ليست مُهندمة، وليست متأنقة كما علمها مازن مؤخرًا، فقط ثياب رياضية ووشاح رأسها الذي تنتمي إليه، حتى أنها غسلت وجهها من مستحضرات الزينة قبل أن تنزل، وكحل عيناها الذي لا يفارقها لم تضعه الآن.
لأول مرة تسمع ثناءًا لا يندرج للتودد والوقاحة التي يقصدها الغير، فكثيرًا ما سمعت هذا وأكثر بعملها بالشارع، لكنه لم يكن سوى تحرش لفظي.. يخفي خلفه خفايا سوداء ونوايا حقيرة.
تحرك فورًا حين أدرك ما تفوه بهِ، وتجنب الحديث في الأمر وهو يجاورها ليضغط على زر ما يعلو الموقد الذي يوضع بداخل المطبخ الخشبي وقال بجمود:
_ ده زرار الشفاط، لازم تشغليه عشان ريحة الأكل متدخلش الفيلا… شكلك مش متعودة تدخلي المطبخ أصلاً.
استدارت لتصبح موازية له بعد أن كانت تعطيه ظهرها مع حركته، وقالت بيأس:
_ لا بدخل.. بس ريحة الأكل دي اللي بتحسسنا بالبيوت العمرانة بناسها، ريحة الطبيخ اللي بتتخلصوا منها دي ذكريات لأبن بيفتكر والدته الميتة مع كل مرة بيدخل فيها الشقة وبيشم ريحة الأكل.. وبيفتكر الزوج مراته اللي غايبة عن البيت وملوش حس من غيرها.. انتوا بتفقدوا أي لذة للحياة من غير ما تحسوا.
التفت نصف التفاته فأصبح يقابلها:
_ إحنا مين؟
هي تخطئ ولا تعلم لمتى ستلازمها الذلات، فغالبًا ما يذل لسانها والذلة قد تكشف حقيقتها، تنهدت بتوتر اخفته وقالت بتوضيح:
_ اللي مش عاوزين ريحة الأكل تدخل البيت..
واتجهت للطاولة تلتقط طبقًا لتضع فيهِ طعامها، فقال وقد ابتعد عن الموقد خطوتين للخلف:
_ اعملي حساب نورهان معاكي.
نظرت له بتفاجئ تسأله:
_ هي نورهان رجعت؟ هي مش كانت روحت!
مد كفه يتناول ملعقة موضوعة جانبًا وأخذ بضعًا من الطبيخ بها ليذم شفتيهِ بإعجاب بعد تناوله، إعجاب لم تفهمه.. تحت صدمتها مما يفعله، فهو على طاولة الطعام الطويلة لا يمد يده في طعامه إلا بعد أن يضع منديل الطعام ويعدل جلسته بعناية، وقصص كثيرة جعلتها تصدم من تناوله من القدر وهو مازال على النار!
لكنها لا تعلم أن وقفته هذه ذكرته بوقفته مع والدته في مطبخ بيتهم القديم، وطوال وقفته كان يلتقط الطعام من هنا وهناك ووالدته تصرخ عليه بأن يتحلى بالصبر فهي انتهت من الطهي وستضع الطعام الآن.. لكنه كان يجد متعة فيما يفعله.
_ عملت حادثة وجت تقعد معايا.
تركت الطبق جانبًا وسألته بخضة:
_ يعني هتشوفني! هتقولها عني إيه؟ دي تعرفني إني خطيبة مازن! أو أنه كان هيخطبني يعني.
نظر لها يقول:
_ أنا هتصرف معاها، المهم انتِ ماتتكلميش معاها في أي حاجة..
أومأت موافقة، وتناولت الطبق مرة أخرى بينما تسأله:
_ هي بخير؟
_ كويسة.
وجدت يده تمتد مرة أخرى ليأخذ قطعة لحم صغيرة يضعها بفمه وقد استند على طاولة المطبخ الخشبي كمراهق ينتظر انتهاء الطعام، سألته بضيق خفي فهي لا تحبذ هذه الأفعال أبدًا:
_ أحطلك أكل؟
هز برأسه نافيًا وهو يطالعها بصمت، لترفع حاجبيها مستنكرة فعلته، لكنها أشاحت ببصرها عنه تتناول طبقًا آخر، لتجده يعاود الفعل.
_ أنتَ متأكد إنك مش جعان؟ بدل التنتيش اللي عمال تنتشه ده!
_ تنتيش؟؟
رددها ممتعضًا:
_ انتِ متأكدة إنك كنتِ في لندن!
لوت فمها تجيبه:
_ أنا مش معايا الجنسية الأجنبية عشان تنتظر مني أعوج لساني، في فترة طويلة قضيتها في مصر.
صمت وصمتت هي تتابع غرف الطعام، حتى صرخت فجأة بغضب:
_ الله! وبعدين بقى.
رفع حاجبه مستهجنًا:
_ انتِ بتصرخي في وشي؟
زفرت أنفاسها لتهدأ وبررت:
_ مابحبش العند.. عاوز تاكل قول أحطلك، لكن إيه اللي بتعمله ده! وبعدين خايلني وأنا بغرف كل شوية ألاقي إيدك في الحلة!
ظهرت الابتسامة هذه المرة على وجهه وقد فشل في اخفائها كمثيلاتها، وقال:
_ طيب، حطيلي معاكي.
هو مستمتع.. يشعر بلمحات من أيام صباه تعود له الآن، فتخلق فوضى بداخله، فوضى تجعله يخرج عن أطواره…
_ حطي مخلل مع الأكل…
قالها بعدما جلس على الطاولة المستديرة لتسأله بصدمة:
_ ماتقولش إنك هتاكل هنا؟؟!
لم يجيبها، فأدركت الجواب، لتتابع تجهيز الطعام وعقلها متجمد من الصدمات التي تأخذها اليوم.
جلست أمامه بعدما أخذت “صفاء” الطعام الخاص ب “نورهان” واخبرها “شاهين” بأن تظل معها حتى تأخذ الدواء، نظرت له من حين لآخر تتابع أكله دون أن يعبر عن إعجابه بالطعام أو العكس حتى، فوجدت نفسها تقول بهدوء:
_ ماقولتش يعني الأكل عجبك ولا لأ.
ولم يعطيها الإجابة المنتظرة فقط قال:
_ لو مش حلو مش هاكل.
ضربت كفًا بآخر تقول:
_ مستخسر تقول حلو! دايمًا إجاباتك ثعبانية.
ابتلع طعامه ونظر لها يقول:
_ مش دايمًا لازم تسمعي الإجابة اللي مستنياها.
هزت رأسها يائسة واستكملت تناول طعامها فالصمت معه أفضل.
❈-❈-❈
صباحًا…
أخبرها بأن تنتظر يومين فقط وسيجعل ابنتها تحدثها، ومرا اليومان دون جديد، وطفح كيلها، فقلبها يحترق بأفكار أذية ابنتها الوحيدة، لتمسك الهاتف عازمة على محادثته ووضع حد لكل ما يحدث.
بعد ثوانٍ أتاها الرد لتقول دون مقدمات:
_ أنا استنيت اليومين وعدوا وبنتي ماكلمتنيش.. أنا مش هقدر استنى أكتر من كده.
أتاها صوته يهدأها:
_ أنا قولتلك أنها كويسة.. وحكاية اتصالها بيكِ فالظروف مش سامحة دلوقتي.
_ وأنا إيه اللي يخليني أصدقك، بأمارة إيه أصدق إن بنتي كويسة، ما هي لو جرالها حاجة مش هتقولي وبردو هتفضل تنيم فيا عشان متعملش شوشرة لنفسك، يا بيه انتَ من يوم ما كلمتني وقولتلي إنها راحت للراجل ده ومش هتعرف تكلمني عشان خطر عليها، وأنا هموت من القلق.. أنا لازم أسمع صوتها، لازم أطمن.
_ وأنا هطمنك يا ست مديحة، بس اديني وقت، الموضوع مش سهل كده، لازم تاخد احتياطتها وهي بتكلمك، ولا انتِ عاوزة تأذيها؟
نفت سريعًا بقلق:
_ لا، أنا بس عاوزة أطمن.
_ اديني يومين تانيين، وصدقيني قبل ما يخلصوا هتكون بتكلمك.
_ ماشي يا بيه، اديني مستنية.
_ محتاجة حاجة أبعتهالك؟
سألها بعد أن أخبرها في المرة السابقة إن احتاجت لأي شيء تخبره فورًا دون تردد، لتقول بنبرة حزينة:
_ مش عاوزة غير إني أسمع صوت بنتي.
_ طيب، عمومًا هبعتلك مبلغ مع حد، و…
قاطعته قبل أن يُكمل:
_ قولتلك المرة اللي فاتت فيروز الله يسترها سابتلي كل الفلوس اللي خدتها منك، يعني أكيد مش هخلصهم في يومين.. ولا في شهرين حتى.. وإن شاء الله قبل ما يخلصوا تكون بنتي رجعت، مش انتَ قولتلي معاها أسبوع.
_ يمكن تطول شوية.. يعني ممكن يوصلوا أسبوعين، لسه مش عارفين حسب الظروف، هخليها تكلمك قريب، سلام عليكم.
_ عليكم السلام ورحمة الله.
أغلقت الخط بيأس بعد أن شعرت بحديثه أن الأمر مازال له بقية، وكما قال ربما سيطول أكثر من المدة المحددة، يبدو أن ابنتها دلفت في دوامة تتمنى أن تخرج منها بسلام وألا تأخذها للمجهول.
❈-❈-❈
_ فيروز؟؟
رددتها “نورهان” بصدمة وقد وقفت في منتصف الدرج الداخلي حين قابلت “فيروز” تصعده، وقفت “فيروز” تبتلع ريقها بارتباك، فقد كانت تجلس في الحديقة منذ الصباح الباكر، وقررت أن تصعد لغرفتها الآن لأداء صلاة الظهر، لكنها وقفت حين قابلت الواقفة أمامها ولم تتوقع رؤيتها الآن.
وتلقائيًا دارت برأسها في المكان تبحث عنه، فأي سؤال ستطرحه “نورهان” الآن ليس لديها إجابة له، ولكنها لم تجده، فعادت تنظر لها بابتسامة مرتبكة وقالت ناظرة لذراعها:
_ ألف سلامة عليكي.
لم ترد جملتها، وسألتها بنفس الصدمة:
_ بتعملي إيه هنا؟
وها قد بدأت الأسئلة، وقبل أن تجيب هي، سمعت صوت “شدوى” يقول من خلف نورهان:
_ خطيبة شاهين، إزاي متعرفيش!
جحظت عيني “نورهان” وهي تقول:
_ خطيبة شاهين إزاي؟ طب ومازن؟
جاورتها “شدوى” الآن، فسألتها بحاجبين معقودين:
_ ماله مازن؟ دي خطيبة شاهين.
نفت “نورهان” برأسها بصدمة:
_ لا.. دي خطيبة مازن.
وهنا أتى دور “شدوى” في الصدمة، واتسعت عيناها هي الأخرى وهي تردد:
_ مازن؟ إزاي؟
وفجأة نزلت الدرجتين الفاصلتين بينها وبين “فيروز” وامسكتها من ذراعها لتهدر بها في عنف:
_ انتِ مين يا بت انتِ؟ ردي، انتِ خطيبة شاهين ولا مازن، ولا بتلعبي على الاتنين؟؟
رواية فراشة في سك العقرب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ناهد خالد
انتِ مين يا بت انتِ؟ ردي، انتِ خطيبة شاهين ولا مازن، ولا بتلعبي على الاتنين؟
جذبت ذراعها منها بعنف وصرخت بها قاصدة أن يعلو صوتها علّه في مكان ما قريب ويسمعها، فهي بأشد الحاجة إليه الآن بعد أن وقعت بين الاثنين.
سيبي أيدي انتِ اتجننتِ ازاي تمسكيني كده؟ وايه بلعب عليهم دي احترمي نفسك.
وهنا تدخلت “نورهان” توجه لها الحديث بنظرات كارهه.
طب ما تردي عليها، بتعملي ايه هنا.. وانتِ ازاي خطيبة شاهين وفي نفس الوقت خطيبة مازن؟
طافت بعيناها في المكان بغير هدى، عقلها لا يهتدي لأي اجابة أبدًا، حتى وقع نظرها عليهِ يخرج من ممر الغرف بالأعلى ويقترب من الدرج، لتتركهما وهي تركض فوق درجات السلم متجهه له تحت نظراته المستغربة فقد سمع صوتًا عاليًا وهذا ما أخرجه من غرفته التي أبدل ثيابه بها لثياب بيتيهِ، بعد أن أتى اليوم باكرًا من عمله كي يطمئن على “نورهان” ويمهد لها رؤية “فيروز” لكن يبدو أن الأمور قد حدثت.
وقفت أمامه تهمس له بوجه شاحب.
تعالي حل المصيبة دي.. انتَ مش قولتلي هتتصرف مع نورهان! اهي قالت قدام شدوى إني خطيبة مازن.
شاهين! تعالى فهمني ايه الهبل اللي بيحصل ده.
قالتها “نورهان” بعصبية بالغة جعلت “شاهين” ينظر لها نظرة صارمة قبل أن يترك “فيروز” وينزل الدرج ليقف في منتصفه أمام الأخرى.
وطي صوتك يا نورهان.
ورغم انها اخفضت صوتها تلقائيًا امتثالاً لأمره، إلا أنها قالت بوجهها المحمر من الغضب.
فهميني.. ازاي دي خطيبتك، وبتعمل ايه في بيتك اصلاً!
تعالي ورايا.
قالها ونزل درجات السلم سريعًا لتتبعه هي بعد أن نظرت ل “فيروز” نظرة كادت تحرقها.
زفرت “فيروز” انفاسها بقوة من التوتر الذي شعرت بهِ، لتجد “شدوى” تنظر لها بتركيز، فسألتها بحدة.
هتفضلي بصالي كتير؟
صعدت “شدوى” الدرجات الفاصلة بينهما ووقفت أمامها تقول بملامح مبتهجة.
انا من الأول كنت شاكة إن شاهين يكون مختارك انتِ زوجة له، ودلوقتي اتأكدت إن في سر كبير ورا انه يخطبك، وانا لازم اعرف السر ده، وهعرفه.
حديثها كان بهِ انتصارًا واضحًا، انتصارًا اغاظ “فيروز” بشدة خاصًة مع ادراكها لمغزى حديثها الذي تعيده ثانيًة على مسامعها، فتجمدت ملامحها وهي تسألها.
قصدك ايه؟ ليه ميختارنيش زوجة له.
ونظراتها التي شملتها من اعلاها لأسفلها، جعلت نيران الغضب تشتعل داخل “فيروز” التي احمرت مقلتيها وهي تستمع لجملتها التي قالتها ساخرة.
صح.. ليه مايختاركيش ده انتِ حتى جميلة خالص.
اقتربت منها حتى أصبحت تقابلها تمامًا وقالت بتهديد.
انتِ لسه ماتعرفنيش يا شدوى هانم، انا صبري قد كده…
قالتها وهي تشير بإصبعيها بمسافة صغيرة، واكملت.
ولما صبري بينتهي بشفق اوي على الشخص اللي قدامي، لأن انا نفسي بتفاجئ باللي بعمله فيه، اوعي تفكريني غلبانة ولا هبلة، انا اوديكي البحر واجيبك عطشانة زي ما بيقولوا، فاتقي شري احسنلك.
رفعت حاجبها تستخف بحديثها فربتت “فيروز” على كتفها مرتين بقوة كرسالة لها بأنها لا تقول حديثًا عبثًا، وانصرفت من أمامها لتظل “شدوى” تتابعها بعينيها حتى اختفت فقالت بابتسامة ساخرة.
هنشوف مين فينا اللي هيروح البحر ويرجع عطشان.
***
يعني انتَ دلوقتي عاوز تفهمني إن “مازن” هو اللي خد حقك؟ هو اللي سرقها منك!
اومأ برأسه مؤكدًا وهو يقول بثبات.
قولتلك، انا علاقتي بفيروز من زمان.. اعرفها من اكتر من خمس سنين.. ومازن هو اللي فرق بينا ولما رجعت ظهرت وشوفتها مره معاه من بعيد، اتواصلت معاها وعرفت انه كان موصلها عني معلومات مغلوطة، نفس الهبل اللي ماشي يقوله.. اني تاجر سلاح ومجرم، وهي وقتها خافت، ومعاها حق لان لما اخويا يقول عني كلام زي ده طبيعي هتصدقه، لان مفيش اخ بيتكلم عن اخوه كلام كيدي، هو مش بس فرق بينا ده كمان بدأ يقرب منها كصحاب وفجأة من قريب طلبها للجواز وهي وافقت لانها مشافتش منه حاجه تخليها ترفض.
نظرت له بصدمة تسأله.
وازاي رجعتلك؟
عشان انا فهمتها الحقيقة، لما سابتني اول مرة بعد كلام مازن اختفت من غير اي مقدمات، مكانش ليا فرصة معاها اتكلم لو مرة واحدة وتسمعني، لكن دلوقتي سمعتني.. وعرفت ان في مشاكل بيني وبين مازن ومستعد يعمل اي حاجه عشان يدمرني.. على فكرة مازن مطلبهاش للجواز حبًا فيها، ده بس عشان يقهرني.
وضعت كفها على رأسها بصدمة غير مصدقة ما تسمعه وقالت بحيرة.
ازاي مازن يعمل كده؟ ازاي بقى بيكرهك للدرجادي؟ وامتى؟
هز رأسه بلامبالاة وقال بصدق مرير.
بطلت اسألي نفسي السؤال دي من زمان اوي.. متركزيش معاه، المهم انك فهمتي الصورة عشان متفكريش اني وحش للدرجادي.
نهضت تفتح ذراعيها له تحتضنه بقوة وهي تهمس.
عمري ما شوفتك وحش يا شاهين، انا بس كنت عاوزه افهم يا حبيبي.
مسد على شعرها بحب وهو يقول.
عارف.. انتِ الوحيدة اللي بتثقي فيا بعد ماما الله يرحمها.
مسدت بكفها على ظهره تردد.
الله يرحمها يا حبيبي.
***
نهضت من فوق الكرسي حين رأت خروجهما من غرفة مكتبه، وتبادلات النظرات معه بقلق، لكنها كالعادة لم تفهم شيء من نظراته الجامدة، نظرت ل “نورهان” التي اقتربت منها تقول.
سوري، اتكلمت معاكِ بطريقة مش كويسة بس أنا اتفاجئت بوجودك، بس شاهين فهمني الحكاية، و حقيقي مش عارفه اقولك ايه.. بس يعني اتمنى متزعليش من مازن، هو دخلك في مشكلة ملكيش دخل فيها وكمان شيلك ذنب مش ذنبك واتأذيتِ بسببه.. بس هو والله كويس ومش الشخص المؤذي ابدًا، هو بس ساعات تفكيره بيخونه.
قطبت ما بين حاجبيها بعدم فهم، لكن ما اهتدى له عقلها أن شاهين اخبرها الحقيقة فقالت بكياسة.
مازن انا اتعاملت معاه وعارفه انه مش شخص مؤذي، وعموما انا مش زعلانه منه.
ابتسمت لها “نورهان” بهدوء لتبادلها الابتسامة وعقلها لا ينكاد ينفك عن التفكير في شيء واحد.. كيف انقلبت نورهان من جانب مازن لجانب شاهين؟ وكيف بعد أن عرفت الحقيقة أن تظل واقفة في جانب شاهين بل وتضع اللوم والخطأ على مازن؟ هناك شيء لا تفهمه!
***
وقفت أمام مكتبه وهو يتابع النظر في بعض الأوراق غير مهتمًا بها، لتزفر انفاسها بصوت مسموع علّه يشعر بضجرها لكنه لم يهتم، فكت عقدة ذراعيها وهي تخرج عن صمتها ضجرة.
استاذ شاهين.. لو مش هعطلك تركز معايا ثواني.
رفع عينيهِ لها ببرود يخفي استمتاعه بضجرها وقال.
هتعطليني.
قطبت ما بين حاجبيها غيظًا من سخافته، وقالت وهي تضع ذراعها في خصرها بتشنج.
لا معلش اتعطل شوية وفهمني.
ترك القلم من بين اصابعه وقال وهو يستند على ظهر الكرسي بتنهيدة.
اقعدي يا فيروز… اقعدي يا مغلباني.
جلست وهي تقول ضاحكة ضحكة صغيرة وقد زال غيظها.
انا اللي مغلباك، والله ما حد ما طلع عيني غيرك، سايبني طول الوقت مش فاهمه حاجه يدوب تأمرني وانفذ.
ذم شفتيهِ بأن تعتاد.
لو قعدتك هتطول هنا او حتى هتقصر لازم تتعودي على طبعي عشان ماتشوفيش وشي التاني، خدي بالك انا مش دايمًا هادي واجاوبك، انا اوقات بقول الكلمة مرة واحدة وأي جدال منك أو مقاوحة وقتها هتزعلك.
رفعت حاجبها الايسر مستنكرة وقالت متغاضية التعقيب عن حديثه.
قولي بقى قولت ايه لنورهان.
التواء طفيف ظهر في زواية ثغره يعبر عن اعجابه الخفي بردودها الغير متوقعة، وطفق يسرد لها حديثه مع نورهان، وما ان انتهى حتى سألته.
وافرض نورهان كلمت مازن وكدبك؟
هي هتكلمه فعلا.. بس مش هيرد عليها.
وايه يضمنلك؟
مازن انا اكتر حد عارفه، واللي نورهان عملته وتفضيلها ليا عليه مش هيعديه بالساهل.
ايوه بس هييجي وقت ويتكلموا واكيد هتحكيله او حتى هتلومه على اللي فهمته.
ووقتها هيكدبني، وهيبقى كلامه قصاد كلامي وكلامك.. تفتكري هتصدق مين وقتها؟
رفعت حاجبها متفاجئة من دهائه.
طبعا ما دام كلامي مع كلامك هتصدقك انتَ، مش سهل زي ما بيقولوا عنك وكل مدى بتأكد من كده.
نهض يحمل هاتفه وقال لها بجمود مخيف.
مشوفتيش مني حاجه عشان تقولي بتتأكدي.
رفعت حاجبها وهي تقول باستهجان.
كل ده ومشوفتش!
اقترب منها بعد وقوفها ليبتسم ساخرًا وقال بخبث.
وادعي متشوفيش.
انهى جملته وخرج من المكتب تاركًا إياها تحدقه بنظرات مضطربة خائفة وجملته تترد في عقلها وكأنها تحذير لها من أن تفكر مجرد تفكير أن تخطأ معه.
اتبعته للخارج لتقف وهي تبصره يتجه ل”نورهان” التي جلست في غرفة الاستقبال ويتضح عليها الكآبة ودموعها تغرق وجهها.
مالك يا نور؟
سألها بقلق واضح وهو يجلس جوارها، فاسرعت ترتمي بحضنه تعانقه بيأس وحزن وهي تقول.
مازن مبيردش عليا.. من امبارح بكلمه مبيردش.
اتسعت أعين “فيروز” بصدمة وهي تسمع حديثها الذي اخبرها بهِ للتو في الداخل، ونظرت له لتجد نظراته تلتمع بالنصر وكأنه يخبرها “اعلم ما يفكر بهِ من حولي قبل أن يفكرون حتى”
لوت فمها له قبل أن تجاور “نورهان” من الجهة الأخرى وهي تواسيها.
متزعليش، هو اخوكي اكيد مش هيقسى عليكِ، بس يعني انتِ بردو اتسرعتي انك تسبيه، اكيد الموضوع مأثر في نفسيته.
تأوهت صارخة وانتفضت في جلستها حين شعرت بأصابعه تقرص خصرها بقوة اوجعتها، ونظرت له بأعين متسعة تحت سؤال “نورهان” بخضة.
في ايه؟
ونظراته العابثة والمتحدية أن تنطق بما فعله، جعلتها تبتلع غيظها وهي تنهض قائلة.
مفيش.. انا بس افتكرت حاجه مهمة نسيت اعملها.
وركضت من امامهما سريعًا تحت نظرات “نورهان” المتعجبة، ونظرات الآخر المستمتع…
***
مازن باشا!؟
قالتها “مستكة” وهي تقف أمامه بعد أن حدثها وطلب مقابلتها، نظر لها “مازن” بتفحص قبل أن يسألها.
مستكة؟
ايوه يا باشا.
اخرج هاتف صغير من جيبه واعطاه لها يخبرها.
خدي التليفون ده، اديه لفيروز، واكدي عليها محدش يلمحه معاها، ولما تكلمني فيه تتأكد الف مرة ان محدش مراقبها او سامعها.
اومأت وهي تأخذه ليخبرها وهو يمد يده لها بظرف ابيض.
خدي ده مبلغ ليكي.
قطبت حاجبيها معترضة.
لا هو انتَ فاكرني يا باشا اني بعمل اللي بعمله ومنتظرة فلوس! انا عاوزه انجد بنت حتتي مش اكتر.
ابتسم لها يخبرها.
انا عارف.. بس اعتبريها…
قاطعته وهي تدس الهاتف في حقيبتها عازمة على الرحيل.
ماعتبرهاش.. تشكر يا بيه..سلام.
وذهبت من أمامه على الفور ليقول هامسًا لذاته بشك.
ما هي يإما مخلصة صحيح.. يا بتاخد من حد تاني ومش ناقصها فلوس.. ربنا يستر.
ردد الأخيرة بقلق حقيقي وهو لا يثق بها ولكنه مجبر لحين اشعار آخر..
***
اخذت الهاتف بعد ان تأكدت من عدم وجود أحد قرب غرفتها، ومشطت الغرفة جيدًا بحثًا عن أي كاميرا او جهاز تصنت لكنها لم تجد، فخرجت لشرفة الغرفة لزيادة الأمان وهي تضغط رقمه.
ايوه يا مازن بيه..
اجابها بلهفة.
فـيـروز! اتأكدتي محدش قريب منك؟
ايوه، انا في بلكونة الاوضة، قولي امي عاملة ايه؟
امك كويسة، بس مصرة تسمع صوتك، لازم تكلميها، انا سجلتلك رقمها على التليفون، بس مطوليش معاها قصري واوعي حد يسمعك، ونبهي عليها متتصلش بيكي وانتي لما تلاقي الوقت المناسب هتكلميها، والتليفون ده تخفيه في مكان محدش يعرف يوصله وتعملي صوته صامت دايمًا، وقت ما يبقى في حاجه طلعيه وكلميني.
حاضر، كنت عاوزه أسألك عن حاجه.
قولي.
ليه نورهان بتصدق شاهين اكتر منك؟ وليه سابتك وجت تعيش معاه هنا لو هو مجرم وشخص بشع زي ما بتقول؟ ولا هي متعرفش؟
لا عارفه.. بس نورهان شايفه شاهين ملاك مستحيل يغلط، شايفه شاهين اخونا اللي اتربينا معاه، ومش قادره تستوعب انه ممكن يكون مجرم، نورهان عندها رفض للواقع، هي اتصدمت في شاهين صدمتها دي خلتها ترفض انها تصدق او تهدم صورة البطل اللي كانت رسماها له في خيالها.
هي النهارده عرفت اني خطيبة شاهين وشافتني.
ابتسامة منتصرة، ماكرة ظهرت على ثغره وهو يستمع للخبر الذي انتظره على أحر من الجمر، فقد سبق بتقديم “فيروز” ل “نورهان” لغايتين، الأولى أن يصل الخبر لشاهين وقتها فيتأكد من حقيقة العلاقة بينه وبين فيروز، والثانية حين يغدر بهِ شاهين في أي وقت ويسرق “فيروز” منه سيظهر بصورة السيء أمام “نورهان” التي ستدرك حينها مدى بشاعته لدرجة أن يسرق خطيبة أخيه، قال بنبرة مستمتعة بما سيسمعه.
قوليلي انهم بقوا على خلاف.
سخرت وهي تجيبه.
خلاف! ده الموضوع ماخدش معاه ربع ساعة ولقيت نورهان خارجة بتعتذرلي عن سوء الفهم، وبتطلب مني مزعلش منك واسامحك على أذيتك ليا..
جحظت عيناه وتجمدت ملامحه منتفضًا من فوق كرسيهِ بعصبية بالغة وجسد مشدود.
يعني ايه؟ ازاي يعني بقيت انا الغلطان؟؟
سردت له الحوار الذي دار بين “شاهين” و “نورهان” وما ان انتهت حتى سمعت ضحكاته تنطلق، فقطبت ما بين حاجبيها متعجبة، لكنها لاحظت مع انتهاء ضحكاته انها ضحكات مريرة، فوجمت ملامحها حتى انتهى من ضحكه وسمعته يقول.
بوينت كمان لصالح شاهين، كالعادة في كل مرة ببقى متأكد انه مش هيعرف يخرج منها، بيفاجئني وبيخرج.. فكرت كتير هو ممكن يبرر لنورهان وجودك عنده ازاي بس ملقتش اي تبرير ممكن يقدمه يحسن شكله قدامها، لكن هو دايمًا جاهز.. دايمًا عنده الحل.
وسمعت صوت تكسير شيء ما وصل لها عبر الهاتف، ففزعت وهي تهتف.
اهدا.. لسه اللعبة بينكوا مخلصتش، طبيعي ساعات يفوز، لكن المهم مين اللي هيفوز في الآخر، والشر عمره ما ينتصر، اكيد الانتصار هيكون ليك انتَ، بس لازم اعصابك تكون هادية عشان تعرف تفكر في الخطوة الجاية..
سمعت صوته يأتيها محملاً بالمرار ومشحونًا بالغضب.
الخطوة الجاية عنده هو، يعني انا قاعد مستني سعادته ياخد الخطوة، وهي انه يبعت حد من الخدم عندك ليا بالورق المطلوب.
هتفت بحيرة.
انا مش هينفع استعجله عشان مايشكش فيا.
حتى لو عملتي كده، هو هينفذ في الوقت اللي محدده، مش اللي انتِ تقوليه.
زفرت انفاسها باختناق وقالت.
انا تعبت من كل ده، ومش عارفه هفضل هنا لامتى، بس حاسه اني مطولة، عايشة مع راجل غامض مش قادره اتوقع تصرفاته، وده مخليني حاسه اني قاعده هنا شهور مش اسابيع.
لم تستمع تعقيب منه، وكأنه لديهِ ما يكفيه من الغضب لأن يواسيها، فتنهدت وهي تقول.
المهم، لو بعتلك الورق وانت هتبعت ورق مصور عشان احطه مكان اللي بعته، بس انتَ عارف انه هيبعت ورق مضروب، يعني مش هتستفيد بيه، وفي نفس الوقت عشان مايشكش فينا وقتها لازم اطلع من الفيلا، او حتى احاول.. ايه اللي بعده كده انا مش فاهمه؟ لو طلعت، وهو سبني اطلع انتَ مش هتستفيد حاجه.. ولو فضلت بردو مش هتستفيد لانه اكيد شال الورق المهم في مكان محدش فينا هيعرف يوصله.
تجاوز الإجابة عن أسئلتها، وكأنه لم يسمعها، وقال بما فاجئها.
انتِ لازم تحاولي تقربي من شاهين، مينفعش شاهين يخرجك من عنده بعد قصة الورق دي ما تخلص..
سألته بصدمة.
اقرب منه ازاي يعني؟
واتاها صوته المحمل بنبرته الغاضبة وكأنه مازال مشحونًا بطاقة غضبه.
يعني تقربي منه.. محتاجه شرح دي! زي اي ست ما بتقرب من راجل، لازم شاهين يحس انك بقيتِ جزء مهم في حياته.. وإلا هيخرجك منها في اسرع وقت، ووقتها مش هستفيد حاجه فعلاً.
احنا متفقناش على كده!
رددتها باستنكار شديد ورفض في آنٍ، وهي لا تصدق ما يطلبه منها، لتسمع صوته يوضح.
انتِ فهمتي ايه! انا مش قصدي تقربي منه بشكل وحش.. انا قصدي تحاولي تخليه يتعلق بوجودك، يحس إنك شخص وجوده فارق، يطمنلك.. مش اكتر من كده، انتِ مش شيفاني مش راجل عشان اطلب منك تقربي منه بشكل تاني.
تحكمت في نبرة صوتها بالكاد من الا تعلو وهي تقول بغضب تمكن منها.
اي نوع قرب مرفوض، واصلا انا مش محتاجه اقرب منه عشان يخليني هنا، بالعكس انا عاوزاه يمشيني في أسرع وقت، ومش مشكلتي لو قضيتك ماتحلتش احنا اتفقنا على اقصى مدى اسبوعين، اكتر من كده يوم واحد انا مش معاك.. سواء استفدت ولا لسه.
هدأت نبرته وحاول تمالك زمام الأمور كي يصلح ما افسده، فيبدو انه لم يحسب جيدًا لِمَ قاله.
انا مش قصدي انك تفضلي عندك كتير، احنا بس بنحاول نضيق الخناق عليه، وماتنسيش ان اللي بتعمليه ده عمل خير، كفاية انك هتساعدي في القبض على مجرم.. وميغركيش الوش اللي شاهين لابسه، انتِ لو غلطي غلطة واحدة شاهين هيظهر وشه الاجرامي وساعتها هتحسي انك متعرفيهوش، اوعي يغرك طريقته والمثالية اللي بيحاول يظهرها، اسأليني انا.. انا اكتر واحد عارفه كويس..
ابتلعت ريقها بحيرة، فهي بالفعل بدأت تراه إنسان جيد، رغم بشاعته التي رأتها في أول معرفتها بهِ، احيانًا تشعر أن بداخله شيء ما جيد، لكنه يحاول تجاهله وإظهار عكس هذا، ولكن حديث “مازن” ذكرها بحديثه اليوم لها وهو يحذرها من أن تخطأ معه، ويخبرها أنها لم ترى منه السيء بعد.
وبنفس الوقت كان يخرج لشرفة غرفته والتي تجاور شرفة غرفتها فقط يفصل بينهما مسافة صغيرة تبلغ القليل من الأمتار ليقطب ما بين حاجبيهِ وهو يراها تقف في شرفتها رافعه إحدى ذراعيها وتتحدث..!
رواية فراشة في سك العقرب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ناهد خالد
تسمرت مكانها حين لمحت بجانب عينيها وقوفه القريب لحد ما، وصمتت تمامًا عن الحديث غير قادرة على التفوه بحرف واحد ورد الفعل الصحيح تجهله، فماذا ستفعل وأين ستخفي الهاتف وهو يقف مجاورًا لها وعينيه بالتأكيد لا تفارقها، ثواني مرت عليها كالساعات حتى أتت مشيئة الرب حين دلفت "نورهان" لغرفته فجأة ليلتفت لها فتسرع "فيروز" التصرف وهي تسقط الهاتف في إناء زرع قريب منها ووقفت تعدل خصلات شعرها وكأنها لا تنتبه له.
_ إيه يا حبيبتي محتاجة حاجة؟
نظرت له بتردد واضح جعله يحثها على الحديث فقالت بحذر:
_ كنت عاوزة أسألك سؤال لو هيعصبك بلاش ترد.
ابتسم لها ابتسامة صغيرة وقال مشجعًا:
_ اسألي..
فركت كفيها بقلق بالغ وسألته:
_ مبتفكرش تحل مشاكلك مع مازن؟
استند على سور الشرفة بإحدى ذراعيه وقال ببسمة ساخرة:
_ لأ، مبفكرش.
قطبت ما بين حاجبيها بحزن وضيق في آن:
_ ليه؟ عمر العداوة ما تستمر بين الأخوات يا شاهين.
_ بتستمر عادي.. طول ما هم اتفننوا في أذية بعض.. تحبي أعدلك كام مرة مازن أذاني؟ أو محتاجة أعرفك هو أذاني لدرجة إيه؟
أحنَت رأسها أرضًا وصمتها كان مفسرًا فلوى فمه باستهزاء والتف ينظر خارج الشرفة يتعمق في السماء السوداء الكاحلة والتي بات قلبه يشبهها في عتمتها.
زفرة خانقة صدرت منها وبعدها ربتت على كتفه بمواساة وقالت:
_ أنا آسفة.. مكانش قصدي أفكرك.
_ مبنساش عشان تفكريني.
قالها بنبرة ظهر فيها القسوة والألم، فسحبت كفها وانسحبت هي نفسها بعدما ألقت نظرة على "فيروز" الواقفة بشرفتها تعطيها ظهرها..
بعد ثواني من الانغماس في قسوة الماضي وذكرياته الأليمة نفض رأسه عن كل ما يدور بها، والتف للواقفة على الجهة الأخرى ليجدها تضع كفها على أذنها كما كانت فجعدت ملامحه قليلاً محاولاً فهم ما تفعله، ولِمَ تضع كفها هكذا!
_ فيروز؟
وعنها فلقد استمرت على نفس الوضع كي لا تثير شكوكه، لأنها تعلم أنه إن نظر لها سيسألها عن وضعها الغريب وحينها ستخترع له حجة تبدد أي شكوك لديهِ..
نظرت له وكأنها تفاجأت الآن بوجوده، رفرفت بأهدابها قبل أن تجيبه:
_ نعم!
_ انتِ حاطة إيدك على ودنك ليه؟
دلكت أذنها بكفها وجعدت ملامحها في ألم مصطنع قبل أن تقول:
_ وجعاني بقالها شوية وحساها بتوش.
سألها بحيرة:
_ دي أول مرة ولا ساعات بتتعبك؟
أنزلت كفها وابتسمت بهدوء وهي تجيبه:
_ لا متقلقش هي ساعات كده بتتعبني أصل أنا وأنا صغيرة وأنا عندي مشكلة في طبلة ودني اليمين حتى تلاقيني مبسمعش بيها كويس.
وقد كانت حقيقة فعلية، فهي لديها مشكلة في أذنها اليمنى أثر حادث تصادم حدث لها حين قررت العمل في بيع الفل لأول مرة.. كانت تائهة وتشعر بالتوتر والتخبط في آنٍ فلم تكن قد اعتادت بعد المرور بين السيارات وإشارات المرور المغلقة والمفتوحة! وكعادة أي فتاة فكانت سرعة السيارات تربكها وتخيفها، وفي أول يوم لها في العمل حين فُتحت إشارة المرور دون انتباه منها وبدأت السيارات تتحرك أصابها الارتباك وهي ترى السيارات تمر من حولها دون توقف وأصوات الزمور القوي عزز ارتباكها، فتحركت بعشوائية جعلت إحدى السيارات تصطدم بها، لم يكن الصدام قوي، ولم يحدث بها ضررًا واضحًا، لكن بعد عدة أيام عانت من ألم في أذنها التي سقطت عليها على الأرضية الصلبة، لتكتشف أنها قد أصيبت بثقب صغير في طبلة الأذن.. يسبب لها ألم من حين لآخر، ومع علو الأصوات تحديدًا يفقدها صوابها وهذا كان له السبب الأكبر في عدم تحملها لصراخ الرجل الذي كان في القبو…
_ مقلقتش.
قالها ببرود، فرفعت حاجبيها باستنكار لرده وقالت ساخرةً:
_ حتى قولي إنك قلقت ولو بالكدب! وأنا اللي كنت بسأل نفسي ليه المسافة دي كلها بينك وبين مراتك.. دلوقتي فهمت.
استند على سور شرفته الجانبي ليصبح قبالتها وهو يسألها بتهكم:
_ إيه بقى اللي فهمتيه يا فيلسوفة؟
ربَتْتْ ذراعيها أمام صدرها وهي تجيبه بتهكم مماثل:
_ مش محتاجة فلسفة ولا حاجة.. يعني بصراحة أنا شايفة إنك شخص ملكش تعامل مع البشر، فأكيد مراتك كمان مش عارفة تتعامل معاك وده سبب الخلاف اللي مش فهماه بينكوا، رغم أنها متتخيرش عنك يعني المفروض تليقوا مع بعض جداً.
ارتفع جانب فمه ساخرًا:
_ وانتِ بقى اللي بتعرفي تتعاملي مع البشر، عشان كده مش عارفة تاخدي قرار في حياتك وأي حد يقولك كلمتين تقفي في صفه.
قطبت ما بين حاجبيها غاضبة بعدما فكَّتْ عقدة ذراعيها وسألته بتحدٍّ:
_ يعني إيه؟
اعتدل في وقفته هو الآخر وقال:
_ يعني أول ما مازن أقنعك إنه هيحللك مشكلة القضية وهتبقى شقة أمك ملك ليكي وقفتي في صفه ونفذتي اللي هو عاوزه، وبذكائك عشان تكسبي قضية كان ممكن تكسبيها بطرق كتير تانية وقعتي نفسك في مصيبة مش هتعرفي تخلصي منها.. ده طبعًا لو الحكاية حكاية قضية.. وشقة.. ميكونش ماسك عليكي حاجة كده ولا كده.
_ المصيبة دي اللي هي أنتَ مش كده؟
مسح وجهه بكفه وحرك رأسه يائسًا منها فلقد تركت كل ما تحدث فيه وعلَّقت على أتفه ما بهِ..
_ مش بقولك ذكية!
اقتربت من السور المشترك بين الشرفتين حتى أصبحت ملاصقة له وبات يفصلها عنه عدة سنتيمترات قليلة، نظرت له بغضب حقيقي وهي ترغب في سبّه لكنها تحكمت في لسانها بالكاد وهي تقول:
_ أنتَ مش بس مصيبة، ده أنتَ مصيبة سودا ووقعت على دماغي.. لو كنت أعرف إني هتقابل مع شخص زيك عمري ما كنت وافقت وتغور الشقة، بس للأسف دلوقتي مازن عنده فعلاً اللي يهددني بيه عشان أكمل..
وتركته دالفة لغرفتها وقد أغلقت باب الشرفة بالقفل الإلكتروني…
حسنًا لقد اعترفت.. هناك شيء ما لم تقوله وهو ما يهددها مازن بهِ، إذًا الأمر بات واضحًا، الحقيقة ليس لها أي علاقة بشقة وقضية والوضع أخطر بكثير، ولكن ما الشيء الذي يضغط بهِ مازن عليها؟ هل الأمر يتعلق بالشرف أم شيء آخر؟؟!!!
والغريب أنه حين خطر بباله أن الأمر قد يتعلق بعلاقة ما جمعتها بمازن أو بغيره شعر بنفسه يضيق، وكأن صدره يرفض ما توصل إليه عقله، والأغرب أن هناك صوت في قاع عقله يخبره أنها لا تفعلها، لا تتورط بهذا النوع من المصائب القذرة، وهناك في قمة عقله صوت يخبره ولِمَ لا؟ ألم تفعلها غيرها؟ وغيرها لم تتوقع منها أن تكون على هذا القدر من الحقارة.. هل ستثق مرة أخرى؟ ألم تأخذ عهدًا على نفسك ألا تضع رأيًا في أي امرأة أيًا كانت.. مجرد رأي! وأن تتوقع منهم دائمًا أن يدهشوك بالخيانة والغدر والحقارة التي يتلاعبن بها!
زفرة قوية أخرجت الكثير والكثير من خبايا صدره، تبعها بدلوفه لغرفته ليخلد لنوم جديد يهرب فيهِ من الماضي الأليم والحاضر المؤذي..
حين سمعت إغلاق باب شرفته فتحت بابها برفق وحذر وخرجت تأخذ الهاتف من إناء الزرع ودلفت مسرعة للداخل تتنهد براحة.. وما إن فتحت شاشة الهاتف لتطلب رقم والدتها حتى تفاجأت أن مكالمة مازن قيد الاستمرار!
_ الو؟
_ أمان؟
جلست فوق الفراش وهي تجيبه:
_ أيوه تمام أنا في أوضتي، أنا فكرت الخط فصل.
_ لأ.
كان صوته غريبًا لم تفهم سبب وجومه وحدته، ولم تدع نفسها حائرة كثيرًا وهي تسأله بتردد:
_ مال صوتك؟ في حاجة حصلت؟
بالطبع لن يخبرها أنه استمع لحديث "نورهان" و"شاهين" الذي حرك بهِ شيئًا ما يمقته، وأثار الضيق في نفسه حتى أنه فكر أن يغلق المكالمة لكن الفضول دفعه للاستمرار ومعرفة ما سينتهي إليه الأمر.. وكالعادة "شاهين" ينال اعتذارًا مُحملاً بالأسف، و"مازن" ينال اتهامًا مُحملاً باللوم، متى سيقف أحدهم في صفه دون أن ينصر "شاهين" عليهِ؟ متى سيجد من يفهم ألمه هو الآخر ومبرراته كما يفعلون معه؟
_ زعلت من كلام شاهين؟ ولا إن نورهان مقالتش في حقك كلامك تدافع عنك؟
تجمدت ملامحه تفاجئًا بحديثها، هل فهمت ما أزعجه دون أن يبوح؟
_ الاتنين.
تنهدت قبل أن تقول بنبرة لينة:
_ أمي دايمًا كانت تقولي مفيش حد بيعترف بغلطه، عشان كده ملكش حق تزعل من كلام شاهين.. هو طبيعي مش شايف نفسه غلطان حتى لو هو فعلاً غلطان، ونورهان حتى لو عاوزة تدافع عنك مش هتعمل كده لأنها شافته إزاي مضايق، فهتأجل إنها تقول كلمة تضايقه أكتر حتى لو كانت كلمة الحق.
ولأول مرة يقرر الإفصاح عن بعض ما يعتمر صدره فسألها:
_ ولو نورهان فعلاً شايفة شاهين مظلوم ومعندهاش كلمة أصلاً تقولها في حقي تدافعي بيها عني.
_ يبقى ده لسببين.. إما شاهين عارف يقنعها كويس بغلبه ومسكنته وإنه مستحيل يأذيك وده أنا شوفته بعيني وشوفت إزاي ألف حكاية عني أنا وهو واقنعها بيها.. إما أنتَ فعلاً مش مظلوم بس زي أي إنسان مبيعترفش بغلطه.
_ وتتوقعي أنهي الصح فيهم؟
صمتت قليلاً، وأخذت نفسًا تبدد بهِ حيرتها:
_ أنا شوفت بعيني إزاي قدر يقنعها بحكاية مزيفة في دقايق.. حكاية لو أنا مش طرف فيها كنت صدقتها وكرهتك.. وفي نفس الوقت قلبي بيقولي إنك مش السبب في الخلاف بينكوا، وبعدين إمتى المجرم بيكون بريء وصادق!
لقد أعطته الشعور الذي يفتقده، أن يثق بهِ أحد دون أن يحتاج لكثير من الدلائل والمبررات المقنعة، أن يؤكد أحد على أنه الطرف المظلوم وليس الظالم، الطرف الصادق والبريء.
وبالتأكيد هذا ما جعله يخرج عن صمته ويبوح بالكثير من الأسرار التي لم يتحدث بها مع أحد من قبل:
_ شاهين كان أخويا الكبير وأبويا وصاحبي، كان مثلي الأعلى وقدوتي، كل حاجة كنت عاوز أكون شبهه فيها، طريقة لبسه وتسريحة شعره، نوع البرفان اللي بيستخدمه، ألوانه المفضلة واللي بيلبسها معظم الوقت، طريقة كلامه ومشيته.. لو قولتك إني كنت مهووس بيه لدرجة إني طول الوقت براقبه عشان أكون نسخة منه هتقولي عني ببالغ، بس دي كانت الحقيقة..
صمت صاد ساد لثواني جعلها تجلس مستريحة على الفراش وهي تدرك أن المكالمة ستطول، وصوته الشاجن المحمل بلوم وعتاب خفيان ربما يلقيهما على أكتاف شقيقه، وربما يقصد بهما الزمن الذي بدل الأحوال وفرَّق العزيزين جعل ملامحها توَصَمْ بالحزن دون أن تدرك.
وعنه فقد ترك الهاتف فوق الفراش واسترخى جاعلاً ذراعيهِ أسفل رأسه وكأنه يتحدث مع نفسه ويرى مشاهد الماضي تتجسد أمامه على سقف الغرفة!
_ دايمًا الأخوات بيحبوا يكونوا مختلفين عن بعض، حتى التوأم اللي شبه بعض في الشكل بيكونوا حابين يكونوا مختلفين في الطريقة والكلام ومجال الدراسة والهوايات كنوع من التميز، لكن أنا كنت العكس خالص.. شاهين بيحب اللون البني والأسود يبقى أنا كمان أحبهم، شاهين بيكره الأصفر.. أنا كمان أكرهه، شاهين بيلعب بوكس يبقى أنا كمان العب زيه، كل حاجة كنت ماشي وراه فيها، ومكنتش شايف ده عيب على قد ما كان حب مني له، كان بابا دايمًا يقولي أنتَ تابع لشاهين.. أنتَ بتحاول تكون نسخة منه لكن هتكون نسخة ماسخة ومهما حاولت تكون شبهه هتفشل، كان دايما يقولي أنتَ ملكش شخصية وبتعمل كل حاجة شاهين بيعملها مبتعملش حاجة من نفسك أبدًا، كل الكلام ده على قد ما كان بيوجعني على قد ما كنت مبهتمش أفهمه أو حتى أفكر فيه، وفضلت ورا شاهين في كل حاجة..
صمت آخر، وتنهيدة طويلة..
_ ماما كانت مهتمة بيه أكتر مني ومُدْيَالَهْ مكانة وحب أكتر مني بكتير، كنت فاهم إن المكانة دي لأنه الكبير، لكن ليه بتحبه وبتخاف عليه أكتر؟
_ مجربتش تسألها؟
انتفض بخفة على صوتها كأنه نسي وجودها، ولكن سريعًا ما استكان وهو يجيب وكأن ذكرياته أبت أن تتركه:
_ سألتها… مرة،
قالتلي عشان شاهين اتيم بدري وابوه مات وهو لسه صغير فبحاول أكون له الأب والأم وأعوضه.
_ واقتنعت بإجابتها؟
ابتسم ساخرًا وهو يجيبها وقد بدأت الدموع توخز مقلتيه دون شعور:
_ مش بس اقتنعت ده أنا كمان بدأت أمارس دور الأب وأهتم بيه زيها وأخاف عليه أكتر منها، ماما من غير ما تقصد زودت هوسي بوجود شاهين، فبقيت شايف إن أي حاجة في الدنيا تغور بس شاهين ميزعلش، أي حاجة تغور بس شاهين ميتأذيش، وهكذا بقى..
ظهر التأثر واضحًا في صوتها، والحزن زيَّن نبرتها وهي تسأله:
_ وبعدين؟ إيه اللي بعدكوا عن بعض كده؟
_ عارفة لما يكون في شخص كل ده بالنسبة لك وفجأة ينزل من نظرك؟ إحساسك إيه لو في شيخ معين بتحبيه أوي وخداه قدوة، وفجأة شوفتيه بيشرب خمرة مثلاً..
_ هحس بالقرف ناحيته.
قاطعته قبل أن يكمل، ليبتسم برضا وهو يؤكد كلامها:
_ بالضبط ده اللي حسيته ناحية شاهين لما اكتشفت تجارته في السلاح، اتصدمت وحسيت بالقرف ناحيته وناحية نفسي أنا كمان، خصوصًا إني وقتها كنت في كلية الشرطة فكان إحساسي إن حاميها حراميها.. وعلى فكرة شاهين هو اللي ساعدني أدخل الكلية لما عرف إنها حلمي من سنين بس كنت عاوز أضيعه عشان أكون بيزنس مان زيه.
_ هو اللي ساعدك! مكانش خايف تكتشف شغله وتنقلب ضده؟
_ معرفش، يمكن مكانش متخيل إني أكتشف شغله أصلاً.
_ طب ليه محاولتش تتكلم معاه وترجعه عن الطريق ده، أنا حاسة إنه بيحبك بجد وأكيد وقتها كان هيسمع منك.
جاء صوته مختنقًا:
_ عشان اللي حصل يوم ما اتواجهنا كان أصعب من إنه يتلم..
وسرح في ذكريات الماضي الأليم يتذكر تلك الليلة التي تحولت لكابوس يطارده في يقظته ومنامه.
قبل ثلاث سنوات..
_ وطّي صوتك أمك هتسمعنا!
نظر له بأعين تتقد غضبًا:
_ يعني هو ده كل اللي هامك؟ أمك هتسمعنا! رد عليا وجاوبني إنتَ إزاي مشيت في الطريق الوحش ده!
توترت نظراته وهو يشيح بها بعيدًا وقال:
_ أنا معملتش حاجة غلط، أنا كل اللي بعمله إني بدخل السلاح البلد.. يروح فين أو يروح لمين مش شغلي، وبعدين مش كل اللي بيشتروا سلاح بيستخدموه في الأذية في بدو كتير بياخدوا أسلحة عشان يدافعوا عن أهلهم في المناطق الصعبة اللي عايشين فيها.
جذبه من كتفه بقوة ليلتف له ويصبح في مواجهته وصرخ به:
_ إنتَ بتبرر!! هي البجاحة واصلة معاك للدرجة دي؟ أنا تخيلتك هتتكسف مني، هتعترف بغلطك وندمك، لكن إنتَ حتى مش شايف نفسك غلطان!
نظر له بقوة يناطحه:
_ لا مش غلطان، عارف ليه؟ لأن كل إنسان فينا عنده عقل يفكر بيه عشان كده هو مسؤول عن أفعاله، أنا بدخل السلاح أه، لكن مبقولش لفلان يروح يقتل بيه فلان عشان خناقة تافهة! السلاح زي ما له أضرار له فوائد كتير ولا إنتَوا مبتستخدموش السلاح في شغلكوا يا حضرة الضابط المستقبلي عشان تحمي بلدك ونفسك!
ارتد "مازن" للخلف مصدومًا من منطقه، وقال بدهشة تعبر عن صدمته:
_ مش شغلك! دخول السلاح البلد هو شغلة الحكومة وبس، ثم إنك لم توفِّر مسدس لشخص ده مش تحريض منك له إنه يخلِّص بيه كل مشاكله، كام واحد بيشتري سلاح عشان ياخد ثأر ولا حتى يقتل حد ويسرقه وغيره وغيره!
نظر له "شاهين" هازئًا:
_ تحريض مني! ما هو يا حضرة الضابط أنا لو اتخانقت معاك دلوقتي وطلعت في دماغي أقتلك مش لازم يكون معايا مسدس أنا ممكن بكل سهولة أجري على المطبخ أجيب سكينة أدْبِهَا في قلبك، يا ترى بقى هتمنعوا السكاكين من البيوت؟ ما هو تحريض على القتل بقى!
صمت ولم يستطع مجابهته في الرد، بالطبع ليس لصواب حديثه، ولكن ربما لتفاجئه بردوده، أو صدمته فيه التي لم تزول بعد..
_ من أول ما اكتشفت إنك ماشي في الطريق ده وأنا كنت عارف إنك خلاص روحت بلا رجعة، وإني يوم ما هقف في وشك مش هاخد فيك حق ولا باطل، عشان كده خليت ليلى تبعد عنك.. محبتش أشيل ذنبها هي كمان وتتغش فيك.. عرفتها حقيقتك وهي اختارت تبعد عشان بتفهم.
وقد كانت القشة التي قسمت ظهر البعير، هو السبب في بعد حبيبته عنه، هو السبب في اختفائها الغريب والمفاجئ دون إن يستطيع الوصول لأي معلومة عنها وكأنها قصدت هذا، هُزِمَت ملامحه وهو ينظر له بعتاب جم:
_ ما أنا عرفت، أصلي نسيت أقولك إني وصلت لليلى وحكتلي اللي حصل، وقالتلي إنك بعدتها عني وفرقت بينا رغم إنك أكتر واحد عارف إني مدبوح من الموضوع ده بالذات بعد اللي عملته شدوى، إنتَ أكتر واحد كان شاهد على اللي عشته وقتها وكان عارف إن حبي لليلى كان آخر أمل لقلبي إنه يعيش.. يمكن مكنتش بحب شدوى للدرجة اللي تكسرني فيها، بس هي كسرتني بطريقة تانية.. كسرة رجولتي وحنّت راسي قدام الكل، ٣ سنين مكنتش عارف أدخل حد حياتي لحد ما ظهرت ليلى وحبيتها، حسيتها الدواء اللي ربنا باعتهولي عشان يطيب خاطري من كسرة مكانش ليا يد فيها ولا ذنب…
قاطعه مازن بصياح غاضب:
_ فوق يا شاهين.. فووووق، إنتَ محبتش شدوى ولا حبيت ليلى.. كل واحدة فيهم كانت محطة في حياتك لكن مش حب.. إنتَ عجبك المحاولات اللي ليلى كانت بتعملها عشان تقرب منك وتكون جنبك، عجبك دورها في إنها تصلح كل اللي اتكسر فيك، ليلى حبتك.. وإنتَ حبيت حبها ليك، لكن محبتهاش.. بطل توهم نفسك بقى، ليلى محدش حبها… غيري.
جحظت عينا "شاهين" بصدمة زلزلت كيانه وضربته في الصميم وهو يردد ذاهلاً:
_ إنتَ بتقول إيه؟ ليلى! إنتَ كنت بتحبها؟؟؟ إزاي!؟
ابتسامة مريرة زيَّنت ثغر "مازن" وهو يقول:
_ متفاجئ عشان عمري ما بينت، ولا كنت هبيِّن، وكنت هسيبك تتجوزها ومكانتش هتكون في نظري غير مرات أخويا، لكن لما لقيتك بتخدعها وحسيت إنها ممكن في يوم تتكسر بسببك، اخترت لها البعد عن الكل.. عني وعنك.. بعدها أهون من إني أشوفها بتتوجع قدامي واقف عاجز.
استند "شاهين" على مكتبه بهم وضعف واضحين، كل ما سمعه الآن كان صدمة مزلزلة له، لم يتوقعها حتى في أتعس أحلامه.
_ مش وقت تفكير، اللي حصل حصل، خلينا في دلوقتي.. قولي إنك هتسيب الشغل.
نظر له بغضب لون عيون خضرواتيه:
_ أسيبه! لو كنت عاوزني أسيبه كنت واجهتني قبل ما تعرفها حقيقتي وتبعدها عني.. أسيبه بعد ما نفذت عقابك فيَّ قبل حتى ما تواجهني!! ده إنتَ حتى يا خي مكنتش هتواجهني لولا إني وصلت لليلى وهي اللي عرفتني.. كنت هتفضل مستغفلني وعمال تضرب فيَّ من تحت لتحت من غير ما تفكر تواجهني..
_ خوفت عليها.
ابتسم هازئًا بعدما وجده يتخطى جزئية عدم مواجهته:
_ حد قالك إني كنت هعذبها ولا كنت هشغلها معايا!
_ كنت هتخدعها، وفجأة تكتشف إن جوزها أو خطيبها تاجر سلاح.
_ كان هيبقى وقتها ليها حرية الاختيار يا تكمل معايا يا تسبني، محدش طلب منك تكون فاعل خير، زي ما محدش طلب منك تكون مضحي.. إنتَ شوفت إن ليلى فضلت كام شهر تحاول تقرب مني وأنا كنت قافل ورافض أي محاولة منها، ليه ملفتش نظري عشان أنسحب من الصورة؟ أنا وإنتَ قريبين كفاية أوي إنك كنت تصارحني خصوصًا وإنتَ عارف إنها مكانتش في بالي لسه.. بس إنتَ اخترت تعيش دور الضحية.
ضحك بألم والتَمَعَّت الدموع في عينيه وهو يقول:
_ عشان كنت مفضلك عليَّ، كالعَادَة… كنت بسبِّلَك فرصة تحبها عشان تنسى وجع شدوى اللي أنا عشته معاك، ضحيت بحبي عشانك زي ما بضحِّي بكل حاجة عشانك، وإنتَ دلوقتي رافض تضحِّي بشغلك الشمال عشاني وعشان العيلة كلها.
تحرَّك بعيدًا عنه وهو يقول بصرامة يعرفها:
_ متفتحش معايا الموضوع ده تاني.. عشان منخسرش بعض، كفاية الحاجز اللي اتكوَّن بينا بسبب عملتك.
وكَنوع من أنواع التهديد ليس إلا، كحل أخير.. أخرج "مازن" مسدسه وسَدَّدَهُ لِرَأْسِهِ وهو يقول:
_ يبقى قدامك حل من اتنين.. يا تسيب شغلك وتوعدني دلوقتي يا هتخسرني.
التَفَّ "شاهين" ليرى المنظر الذي قلب الدنيا فوق رأسه، لم يستطع أن يَشْهَقَ الهواء الذي زَفَّرَهُ، أو يَرْمُشَ بعينه التي جَحَظَتْ كأنها ستخرج من مكانها، فقط وجد نفسه يردد بلا توقف وهو يَمُدُّ ذراعه له:
_ لأ لأ… بطل جنان، إنتَ بتعمل إيه نزِّل الزفت ده.. نزِّلَهْ بقولك..
صرخ بالأخيرة لكنه لم يتحرَّك وهو ينظر له بقوة، ويخبره:
_ عاوزني أنزِّلَهْ أوعدني إنك تبعد عن الشغل ده.
كلاهما يعرف أن وعد "شاهين" لا يُخْنَثْ، وعْدُهُ لا يخْلُفُهُ أبدًا تحت أي ظرف ومهما كان الوضع، لذا هو واثق أنه إنْ وَعَدَهُ سيَصْدُقُ..
_ بطل جنان!
ابتسم وكأنه مجذوب:
_ طب ده حتى الفرق بينا، إني مجنون ومتهور، وإنتَ العاقل الرزين.
مال برأسه بعيدًا وهو يَسُبُّ "مازن" من بين أسنانه هو يدرك ما يحاول فعله لكن في نفس الوقت يخشى تَهَوُّرَهُ وجِنَانَهُ الذي يعرفه خير المعرفة، يخشى أن يؤذي نفسه..
وعلى غرَّة انقَضَّ عليه لتبدأ مُناوَشَةٌ خطيرة بينهما، الأول يريد أن يأخذ السلاح، والثاني يريد أن يظل محتفظًا به حتى يحقق غايته..
وبين هذا وذاك… ضغط "مازن" على الزنَّاد دون قصد، في نفس الوقت الذي فُتِحَ فيه باب الغرفة لتخرج رصاصة غادرة في اتجاه الضيف المفاجئ…
رواية فراشة في سك العقرب الفصل العشرون 20 - بقلم ناهد خالد
"الحقيقة أن الأفعال البسيطة هي ما تُغذي مشاعرنا السيئة التي تتسرب لداخلنا لتحدث الكره والحقد، وتبني ألوفًا من الحواجز.. تقطع علاقات وتفرق أحبة، ومع تكرار المواقف يصبح الصديق عدو، والحبيب غريب مكروه، حتى وإن كانت تلك الأفعال غير مقصودة"
والزائر لم يكن سوى والد مازن "ممدوح" الذي سمع صوتهما العالي من الخارج فقرر الدخول لفهم ما يحدث، فاخترقته رصاصة طائشة أسقطته أرضًا..
صراخ وربكة وصدمة وضجيج في الوسط حتى وصل الجميع للمستشفى القريبة لحد ما..
وهناك وقفت "نادية" تصرخ بولاديها من بين بكائها:
_ أنا عاوزه افهم ايه اللي حصل؟ ايه المسدس ده وازاي الرصاصة جت في ممدوح؟
اعتدل "شاهين" في وقفته بعدما كان مستندًا على الحائط خلفه وقال محاولاً إخفاء الحقيقة:
_ كان مازن بينضف سلاحه و…
اتسعت عيناها وهي توجه نظرها لمازن الذي ينظر لباب الغرفة التي اختفى فيها والده ونظراته تائهة، يخشى فقده ويخشى أن يكون بتهوره قد تسبب في موته فيحمل ذنبًا سيكويه طوال حياته..
_ جبت المسدس ده منين يا مازن؟ وجايبه ليه اصلا بتعمل بيه ايه؟
نظر لها معاتبًا:
_ معتقدش ده وقته.. احنا حتى لسه مطمناش على بابا.
وبعد انتهاء جملته خرج الطبيب ليندفعوا ناحيته بلهفة قلقة فيخبرهم انه بخير وان الرصاصة ولحسن الحظ كانت بعيدة عن القلب بعدة سنتيمترات، وأنها مسألة وقت وسيتم نقله من غرفة العناية لغرفة عادية بعد التأكد من مؤشراته الحيوية..
وبقى الوضع على أشده بين الجميع، نورهان التي التصقت بشاهين تبكي خشية فقد والدها وهول المنظر الذي رأته ووالدها غارق في دمائه، وشاهين الذي يحتضن شقيقته يدعمها ويهدأ من روعها وفي الوقت ذاته يلقي نظرة على والدته التي اتخذت الصمت والابتعاد عنهم عقابًا على الكارثة التي حدثت.. عقاب مؤقت! وأما عن الذي أصبح يقف مقابلاً له الآن لم ينفك عن رميه بنظرات اتهامية واضحة أثارت غيظه وأشعلت نيران غضبه ولا يتمنى الآن سوى أن ينفرد بهِ ليفهم معنى نظراته.
وجاء الانفراد بعد ساعات حين خرج ممدوح من غرفة العناية لغرفة أخرى وسُمح لوالدته وشقيقته بالبقاء بجواره، وحينها قرر "مازن" الانسحاب والعودة إلى المنزل ليبدل ثيابه التي تلطخت ببعض الدماء، وكذلك يجلب ثياب نظيفة لوالدته التي لم يختلف حالها عنه، وحينها استغل شاهين الفرصة وهو يبرر خروجه لحسابات المستشفى ليدفعها..
وأمام المستشفى وقبل أن يفتح "مازن" باب سيارته.
_ استنى يا مازن.
توقف بضجر واضح وهو يلتفت له بنظرة يراها شاهين للمرة الأولى، نظرة لا يكمن فيها سوى الكره والشر، اقترب منه متجاهلاً نظرته وسأله بتحفز:
_ بتبصلي كده ليه؟ ونظراتك ليا فوق مش عجباني، كأنك بتتهمني بأني السبب في اللي حصل.
رفع جانب فمه ساخراً وهو يعقب:
_ بتهمك! لا طبعا حاشا لله، وانتَ ذنبك ايه يعني في اللي حصل.
قطب "شاهين" ما بين حاجبيهِ وهو يقول مؤكداً على حديثه رغم علمه بأنه مجرد سخرية:
_ أنا فعلا مليش ذنب في اللي حصل، لا انا اللي جبت المسدس اللي ما اعرفش انتَ جبته منين ولا بيعمل ايه معاك، ولا انا اللي طلعته من جيبي، ولا انا اللي هددت بيه.. ولا حتى انا اللي ضغطت على الزناد، قولي بقى انتَ المسدس ده كان بيعمل معاك ايه؟ انتَ لسه مجرد طالب في الكليه يعني لسه ما استلمتش سلاحك، جبته منين وكان غرضك ايه لما جبته؟ يا ترى كنت ناوي تخلص عليا بيه؟ ولا جايبه مخصوص عشان تهددني وتخليني اعمل اللي في دماغك؟
_ ما يخصكش.
رددها "مازن" بقسوة ونبرة يسمعها منه "شاهين" لأول مرة، وكأن اليوم هو يوم تعامل شاهين مع نسخه جديدة وغريبة من مازن! تنهد قبل أن يقول متجنبًا الشجار الذي على وشك الحدوث:
_ عمومًا لما ابوك يفوق هقوله إن الغلط غلطي، وهقوله كمان أن المسدس بتاعي جايبه عشان أؤمن نفسي بيه، هو عارف كويس إن احنا في المجال بتاعنا واقعين مع ناس مش سهلين وهيصدقني ما تقلقش هبعدك انتَ عن الحوار ده.
ضحك "مازن" ضحكة تهكمية ساخرة تخفي خلفها وجعًا مؤلمًا وهو يقول:
_ هتقوله كده عشان عارف إنك لما تقوله ان الغلط غلطك انتَ الموضوع هيعدي وهيقولك حصل خير حتى لو كان اللي حصل ده كان في موته، لكن لو عرف ان الموضوع أنا طرف فيه هيشيله ليا وهيشوف إني مذنب كنت هموته و مش بعيد يقاطعني فيها.. كالعاده هيقف في صفك حتى لو كنت انتَ غلطان، وحتى لو غلطك كان هيموت بني ادم.
_ انتَ من امتى بتفكر كده؟ انا مستغرب كلامك! مستغرب طريقتك! حاسس إني واقف قدام حد ما اعرفوش، من امتى بتفكر إن ابوك بيفضلني عليك ولا بيعديلي انا غلطي وبيقفلك انتَ على الواحدة!؟ ده حتى ابوك انتَ مش ابويا أنا!
قالها "شاهين" بدهشة حقيقية وهو يشعر أنه لم يعد يفهم الشخص الواقف امامه…
_ في حاجات كتير قوي انتَ مش فاهمها عشان عمرك ما شفتها ولا حسيت بيها، لكن انا بقى فاهمها كويس قوي وملاحظها من زمان بس كنت ساكت عشان كنت شايفك تستحق كل اللي بيتعمل لك، لكن دلوقتي وبعد ما نزلت من نظري انتَ ما تستحقش ربع اللي بيتعمل معاك، ولا تستحق تاخد حق واحد من حقوقي.. ومن النهارده يا شاهين انا مش هسمحلك تيجي على اي حق يخصني.
انهى حديثه وفتح باب سيارته منسحبًا بسرعة من أمامه تحت نظراته المصدومة والمدهوشة من كل ما سمعه منه اليوم…
وإفاقة "ممدوح عمران" واسترداده وعيه كانت جحيم سقط فيه "مازن" الذي لم يشفع له اعتراف شاهين بأن المسدس يخصه وانه من ضغط على الزناد دون قصد، ليتفاجئ الاثنان برد ممدوح وهو يقول:
_ أنا متأكد إنك بتداري عليه يا شاهين، انتَ عمرك ما تكون بالتهور والطيش ده انك تطلع مسدس في مكتبك اللي في بيتك وتتخانق انتَ واخوك عليه، عمرك ما تعملها أنا متأكد ان المسدس ده يخص مازن وهو اللي خرجه وكنت انتَ بتحاول تاخده منه.
وبعد الكثير من القيل والقال، ومحاولة إقناعه بعكس ما توصل له عقله فشلت كل محاولاتهم ليخرج مازن عن طور حكمته وهو يفجر الحقيقة في وجه والده:
_ ايوه المسدس بتاعي، وكان معايا بقاله فترة كنت شاريه ومرخصه عشان بحب لما انزل الاجازات اروح اتدرب على الرماية في أماكن بره، والنهارده انا كنت راجع من بره وهو معايا عشان كنت لسه راجع من التدريب، بس يا ترى مش حابب تعرف انا ايه اللي خلاني اطلعه وتحصل الخناقة بيني وبينه عليه؟ من غير ما تتعب نفسك وتسأل عشان انتَ أصلا مش هتهتم تسأل وما هتصدق ترمي اللوم عليا، المشكلة اللي حصلت النهارده كانت عشان اكتشفت ان شاهين بيه اللي كلنا شايفينه ملاك ما بيغلطش، وعاقل وذكي وبيزنس مان قد الدنيا، طلع مش بس بيزنس مان ده رئيس عصابة كمان، الباشا بيتاجر في السلاح ولما واجهته حصلت بين الخناقة اللي انتهت باللي حصلك.
والرد كان صادم للجميع حين قال "ممدوح" بعدما تجاوز صدمته:
_ شاهين عارف هو بيعمل ايه كويس، وانا واثق فيه وإن عمره ما يعمل حاجه غلط، اكيد المعلومة اللي وصلتلك دي مش صحيحة.
هز رأسه مبتسمًا بعدم تصديق وهو يقول:
_ مش صحيحة! طب ولو قلتلك انه بنفسه اعترف ليا لا وبيبرر كمان عملته هتقول ايه؟ عندك اهو اسأله.. اسأله!
_ مش محتاج اسأله وما يهمنيش اعرف الإجابة، هو مش صغير هو عارف هو بيعمل ايه كويس مش محتاج حد ينظر عليه، ويا ريت انتَ اللي تعقل وتتحكم في طيشك شوية، اديك شفت أهو كان هيجيب أجلي النهارده لولا ستر ربنا.
وانتهى الأمر…
انتهى بخيبة أمل جديدة انضمت لخيبات مازن من أبيه، أبيه الذي لم يقف في صفه ولو مرة واحدة.. والذي لم يقف في وجه شاهين ولو لمرة مماثلة،
أبيه الذي لم يشعر منه ولو لمرة بمشاعر الأبوة أو حتى يلتمس منه موقفًا من مواقف الأب مع ولده، والأمر في مجمله لم ينتهي هنا..
فرد فعل والده أشعلت نيران لم تهدأ في صدر "مازن" والذي وبكل تهور اعترف لوالدته في نفس اليوم بكل شيء عرفه عن شاهين لتنشأ مشاجرة كبيرة بين شاهين ووالدته وعلى أثرها تركت "نادية" المنزل عائدة إلى منزلها القديم والذي يخص أهلها ومعها مازن ونورهان التي ورغم رغبتها في البقاء مع شاهين ووالدها إلا أن نادية لم تقبل أن تتركها هناك ومن هنا كان تفرق العائلة…
_ أنتَ روحت فين؟
أفاق من ذكرياته التي لم ينتهِ ألمها لهنا.. بل كان كل هذا مجرد بداية لبوابة جحيم محمل بالألم والفراق والغضب!
_ معاكي.
كلمة بسيطة لكنها هزت دواخلها، وكأنه لا يخبرها أنه معها في الحديث بل معها في الحياة! هكذا كان شعورها حين سمعت الكلمة البسيطة التي لا يقصدها من الأساس، وهذا ما جعلها تتساءل هل أصحبت بائسة لهذه الدرجة! نفضت أفكارها الغريبة وهي تقول بتوتر طفيف أثر تفكيرها:
_ أصل ساكت بقالك مدة فكرتك قفلت.
خرج صوته مخالف تمامًا لما كان عليهِ قبل، خرج جامدًا وهادئًا خاليًا من أي مشاعر التمستها منذ قليل:
_ أنا فعلا هقفل عشان تلحقي تكلمي والدتك وتقفلي تليفونك ده تماما وتخفيه في أي مكان محدش يعرف يوصله، ولما تحبي تكلميني طلعيه واتصلي بيا بعد ما تتأكدي انك في أمان ومحدش سامعك.
_ حاضر.
قالتها بإحباط بعدما عاد لسابق عهده، الدقائق التي نسيا فيها من هما وما صلتهما ببعض جعلتها تحلق بعيدًا وهي تشعر أنها شخص مهم لديهِ، يشرح له معناته ويشاركه مشاعره وأحداث حياته، لكنه سريعًا ما سحب البساط من تحت قدميها ليعيدها للواقع… هو الضابط وهي بائعة الفل تجمعهما مهمة فور انقضائها لن يعرفها في طريق وسينسى انه قابلها من الأساس!
أغلقت معه واتصلت على الفور بوالدتها التي أجابتها بلهفة أم قلبها ينكوي بنيران الخوف على ابنتها، وبعد عدة دقائق كانت تنهي معها المكالمة بدموعها التي تساقطت اشتياقًا لها:
_ ادعيلي يا ماما المهمة دي تخلص على خير وفي أسرع وقت وارجع لحضنك ولبيتنا اللي اكتشفت انه أأمن بكتير من القصر اللي قاعدة فيه دلوقتي.
وقالت والدتها من بين بكائها:
_ دعيالك يا بنتي، دعيالك والله في كل صلاة وفي كل قعدة ونومة، ربنا ييسرلك طريقك ويسترها معاكي ويبعد عنك ولاد الحرام يا فُلة يا بنت بطني.. بس متغبيش عني وطمنيني من وقت للتاني.
_ حاضر، هكلمك كل ما ظروفي تسمح.. مع السلامة يا ماما.
_ مع السلامة يا حبيبتي في رعاية الله.
أغلقت المكالمة وبعدها تأكدت من إغلاق الهاتف تمامًا ونهضت تدور في الغرفة تبحث عن مكان مناسب لإخفائه حتى جاء برأسها أن تخفيه في مكان أكثر حساسية الا وهو الدرج المخصص لملابسها الداخلية، رفعت القطع الداخلية بحرص ودسته تحتهم لتشعر بأن المهمة قد تمت كما يجب، وأغلقت الدرج عائدة للفراش والقت بنفسها فوقه تنظر للسقف بشرود سابحة في أحداث وأفكار كثيرة.. حديث مازن معها، وحديث نورهان مع شاهين، ثم حديث شاهين معها.. وشعورها تجاه مازن الذي يتعمق كل يوم.. وخوفها من شاهين الذي يزداد بمرور الوقت وبقائها هنا… كل هذه أفكار كانت كفيلة أن تغرقها في النهاية في نومٍ عميقٍ…
صباح اليوم التالي…
دلفت للشركة التي لم تأتيها منذُ مدة، بل وحُرمت عليها منذُ انفصلت هي ووالدتها ومازن عن شاهين ووالدها.. والدها الذي لطالما وقف في صف "شاهين" حتى بعد تناثر الأقاويل حول متاجرته في السلاح!
وصلت لطابق الإدارة واتجهت فورًا لمكتب "شاهين" لتخبرها السكرتيرة الخاصة بأنه بالداخل ومعه احد أعضاء الإدارة، فدقت فوق الباب ودلفت بعدها بابتسامة واسعة اختفت بالتدريج حين رأت الذي يجلس في مكتب أخيها والذي لم يكن غير "معاذ"..
تقدمت منه ووجها قد اشتعلت به حمرة الخجل على الفور وبالأخص حين لم ترى شقيقها في المكان فقد كان معاذ يجلس بمفرده..
_ صباح الخير..
منذُ انتبه لفتح الباب والتفت ليرى الزائر وطلت هي بطلتها البهية،
وقد ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة ساحرة ومحبة، لا يصدق أنه يراها الآن فلقد كان يفكر فيها للتو وفي حيلة لرؤيتها بما إنها أصبحت في منزل العقرب، لتتحقق أمنيته دون عناء ويجدها أمامه، بمظهرها المرتب البسيط الذي يتكون من بنطال قماش أبيض، وكنزة خضراء حريرية مع حذاء أخضر ذو كعب عالي وزينتها البسيطة جدًا التي تخطف العين وقلبه!
وكالعادة تترك لشعرها كامل الحرية، وحين سمع صوتها كان أحب لأذنه من تغريد عصافير الصباح لتتسع ابتسامته أكثر وهو ينهض ويمد كفه ليصافحها:
_ صباح الخير يا نورهان نورتي.
وتصافحا الكفان لتسري كهرباء لذيذة تصل فورًا لقلب كليهما، ولكنها سريعًا ما سحبت كفها بارتباك كبير وهي تنظر حولها بتلجلج:
_ اومال… اومال شاهين فين؟
ابتسم على توترها الواضح الذي يلازمها طول الوقت في وجوده، لكنه يبرر هذا بأنها ليست معتادة على التعامل معه.
_ شاهين في أوضة اللبس بيغير هدومه عشان القهوة وقعت عليه من غير ما ياخد باله.
نظرت لباب غرفة الملابس الصغيرة المغلق والتي حرص شاهين على وجودها تحسبًا لمواقف كهذه، وقالت بقلق:
_ هو كويس طيب؟
طمئنها مبتسمًا:
_ متقلقيش كانت بردت شوية ما أذتوش.
تنهدت براحة، ليسألها راغبًا في خلق حديث طويل معها:
_ بس هو لسه جاي من ساعة ليه مجتيش معاه بدل ما تيجي لوحدك.
نظرت له تقول بحلق جاف من كثرة توترها في وجوده:
_ أنا روحت شغلي بدري، بس قعدت ساعتين ومشيت لأن هنبدأ في الجرد السنوي النهاردة من بعد العصر لبليل متأخر، فقولت أعدي على شاهين بما إن الشركة هنا في طريقي.
عقب بعدم رضا:
_ نفسي أفهم ازاي عندكوا شركة زي دي وتشتغلي في مكان بره، الأولى يكون مكانك هنا.
أجابته برقة:
_ بس أنا حابة شغل البنوك بلاقي نفسي فيه عن الشركات.
وأمام رقتها ابتسم يقول:
– أكيد أهم حاجة راحتك.
_ نورهان!!
رددها "شاهين" بتعجب بعد أن خرج من الغرفة ووجدها أمامه، ابتسمت وهي تقول:
_ خرجت من شغلي بدري قولت أجي أشرب معاك فنجان قهوة لو فاضي.
اقترب منها يبتسم في حنو:
_ ولو مش فاضي يا حبيبتي أفضالك، كفاية إنك نورتيني.
تنحنح "معاذ" في حرج وهو يقول مقررًا الانسحاب:
_ طيب هسيبكوا على راحتكوا وأروح مكتبي.
رفض "شاهين" انسحابه وهو يقول:
_ لا استنى أصلاً هطلب فطار أعتقد كلنا لسه مفطرناش.
_ مانتَ عارف أنا زيك مبفطرش غير بعد ما أصحى بكذا ساعة.
نظر "شاهين" في ساعته وهو يقول:
_ ماهو يدوب كده الساعة داخلة على ١١ اهي.. تعالوا اقعدوا.
قالها وهو يتجه للأريكة والكرسيان القابعان في جانب الغرفة، ليجلس هو ونورهان فوق الأريكة ويجاورهما معاذ على أحد الكراسي.
نظر لنورهان بعدما طلب الإفطار لهم وهو يقول بحنان:
_ الشركة نورت.. بقالك سنين مدخلتيهاش.
نظرت حولها تستطلع المكان وهي تقول بحنين:
_ بس متغيرتش كتير، آخر مرة دخلتها كانت مع ماما الله يرحمها لما كانت جايالك عشان تكلم بابا إنه ميدخلش مازن كلية الشرطة.
التمعت عينا "شاهين" بحنين وشوق لوالدته الغائبة عن الدنيا، وانتبه لصوت "معاذ" يسأل باستغراب:
_ معقول طنط نادية كانت رافضة دخول مازن الشرطة؟
ابتسم "شاهين" بشوق يقول:
_ رافضة بس! دي جننتنا لحد ما وافقت أو اتقبلت إنه يدخلها، ماما كانت خايفة على مازن أوي ومرعوبة عليه من السلك ده، عارضت كتير واحنا حاولنا نقنعها كتير أوي لحد ما في الآخر رضيت.
_ ماما كانت بتحبنا كلنا وبتخاف علينا من الهوا، بس شاهين كان له معزة خاصة.
قالتها "نورهان" بدون قصد، لتنقلب ملامح وجه "شاهين" ويظهر عليها الضيق الشديد وهو يقول بنبرة حادة:
_ مكانش ليا معزة خاصة ولا زفت، أنتوا بس اللي كنتوا شايفين الوضع كده، لكن الحقيقة أمكوا كانت بتعاملني زي ما بتعاملكوا وعمرها ما فرقت بينا.
فوجئت "نورهان" من حدة رده وصمتت بوجه مصدوم وحزين من طريقته، فهي لم تقول شيء سيء حتى وإن كانت والدته تفضله بطريقة ما وتحمل له حبًا زائدًا ما المشكلة في هذا!!؟
_ اهدي يا شاهين طيب، نورهان مقالتش حاجة غلط يعني!
قالها "معاذ" محاولاً تهدئة الوضع، لينهض "شاهين" واقفًا والتف حول الأريكة ليصبح مواجهًا للحائط الزجاجي المطل على الخارج وقال بخنقة:
_ جزء كبير من مشاكلي مع أخوه كانت بسبب كده، إنه شايفني واخد حب واهتمام أكبر من أمي وأبوه.
أغضبها عدم رغبته في ذكر اسمه فقالت بعصبية طفيفة:
_ أخويا ده هو نفسه أخوك.. بعدين مازن عمره ما فكر كده ولا شال شيء جواه من الناحية دي، واه يا شاهين ماما كانت بتفضلك عنا وبتحبك أكتر مننا واحنا عمرنا ما زعلنا من كده لأن احنا كمان بنحبك وبنحترمك.
التف لها بدهشة كبيرة لم تظهر على ملامحه كالعادة لكنها كانت بداخله، حتى هي!! يشعر إنه يقف أمام مازن، نفس الحديث، ونفس التفكير، هل ستنقلب هي الأخرى عليه يومًا بسبب تفكيرهم العقيم هذا!
_ وأنا بقولك مازن شايف اللي بتقوليه ده بالضبط، وده كان سبب كبير أوي في مشاكلنا..
اعترض "معاذ" متدخلاً:
_ أسمحلي يا شاهين، مازن فعلا حتى لو شايف ده بس مكانش سبب في مشاكلكوا أبدًا.. لأن كل المشاكل اللي بينك وبين مازن ما ظهرتش غير بعد الحوار اللي وصله عن إنك بتاجر في السلاح والكلام اللي بيقوله ده.. لو المشاكل اللي بينك وبينه بسبب إن والدتك بتحبك أكتر ولا مفضلاك عنه كانت هتكون المشاكل دي بادئه من قبل ما هو يقول إنك بتاجر في السلاح والحوارات دي.
ابتسم ساخرًا يقول بألم خفي:
_ كلامك ده أنيل.. لأن كلامك معناه إنه طول الوقت كان بيخدعني، كان شايل جواه من التفضيل اللي شايفه من أمه ومن أبوه ليا لكن كان بيتعامل معايا عادي.. كان بيتعامل معايا كويس قوي.. لكن لما حصل موقف خرج كل اللي جواه وقتها أنا اتصدمت فيه، ومش فاهم ازاي كان جواه كل ده وفي نفس الوقت كان بيتعامل معايا بالطريقة اللي كان بيتعامل بيها.
اقتربت "نورهان" منه وهي تقول بتوضيح:
_ عشان أنا كمان شايفة كده شايفة إن ماما كانت بتحبك أكتر وبتهتم بيك أكتر وبتخاف عليك أكتر.. لكن عمري ما كرهتك وعمري ده ما بنى حاجز جوايا ليك، شاهين أنتَ لو مخلف وعندك ولد وبنت وشايف إن بنتك بتحبك أكتر من ابنك عمرك ما هتكره ابنك أو هتحس بحاجز بينكوا، دي بتكون مجرد ملاحظة إنك عارف من جواك إن بنتك بتحبك أكتر من تصرفاتها من مشاعرها اللي بتظهرها، لكن حبك لابنك هيفضل هو هو وعمره ما هيقل.
أراد الهروب من الحديث في الموضوع، وهروب شاهين لا يعني سوى شيء واحد إنه اقتنع…. أو بدأ يقتنع، فقال بهدوء وهو يتجه لهم:
_ تشربوا قهوة مع الفطار ولا بعده!؟
نظر "نورهان" و"معاذ" لبعضهما تلقائيًا كأنهما يعلنان انتصارهما في إقناعه وهما خير من يعرفه، ولكن ما لبثت أن أشاحت نورهان ببصرها بعيدًا بارتباك حين وجدت معاذ يبتسم لها.
*******
نزلت درجات السلم بسرعة ليقابلها هدوء تام في أجواء الفيلا، زفرت بضيق وهي تنظر للساعة المعلقة لم تلحق موعد الإفطار، دلفت للمطبخ مبتسمة والقت التحية ليرد الجميع عليها، فقالت لصفاء بعتاب مزيف:
_ كده يا صفاء ما تصحنيش على الفطار.
ردت "صفاء" ببرود كاد أن يجلطها:
_ مش حضرتك من كام يوم لما شدوى هانم اتأخرت على الفطار منعتيني أصحيها وقولتي هي عارفة الميعاد لو عاوزة تنزل كانت نزلت.
ضغطت على أسنانها بغيظ حتى كادت تكسرهم، هي ترد الموقف لها! هل هي من حلفاء تلك الحيزبونة شدوى!
_ تمام، اعمليلي فطار بقى.
قالتها بحدة وغضب وهي تلتفت لتخرج لتتوقف على جملة "صفاء":
_ بس القواعد هنا في الفيلا إن اللي الفطار بيعديه بيستنى ميعاد الغدا.
التفت لها قاطبة ما بين حاجبيها بشدة وهي تخرج عن طور هدوئها:
_ ليه احنا في مدرسة يا أبلة!
_ دي القواعد يا هانم ومن أيام الباشا الكبير كمان.
ضربت كف بآخر وهي تتلفت حولها كأنها تريد أن تلتقط شيء وتكسره فوق رأس الوقفة أمامها، لكنها على الأحرى لم تجد!
_ عدي اليوم واعملي الفطار لأحسن أنا دلوقتي العفاريت كلها بتتنطط في وش أمي.
_ يا هانم أنا هنا بنفذ القواعد وعلى أي حد… حتى الباشا الصغير تميم بيها، بصحيه في ميعاد عشان يفطر في ميعاده.
نظرت لها نظرة حارقة قبل أن تقول بتوعد:
_ ماشي…. أنا بقى هكسرلك القواعد دي خالص… قال قواعد قال.. اتصليلي بشاهين فورًا.
قالتها بغضب جم بعدما شعرت بالإحراج من وقوف صفاء في وجهها أمام الفتيات العاملات بالمطبخ، ولكن قبل أن تفعل صفاء وتخرج هاتفها سمعت من تقول:
_ متتصليش بحد.. والقواعد مش هتتغير واللي مش عاجبه يخبط راسه في الحيط.
هزت رأسها بعصبية وهي تسمع صوت "شدوى" من خلفها، لتلتفت لها بغضب:
_ أنتِ بتدخلي ليه أصلاً! محدش طلب رأيك.
ضرب الغضب وجه شدوى وهي تقف ندًا لها لتثبت لها من هنا لها الكلمة الأولى والأخيرة:
_ أنا هنا صاحبة البيت وكلمتي اللي تمشي وأدخل في أي حاجة تحصل هنا.. أنتِ اللي ضيفة وضيفة بايخة وتقيلة أوي وياريت لو تخلي عندك دم وتخرجي من بيتي لأنك مش مرحب بيكي.
واستمعت "فيروز" لتهامس الفتيات في المطبخ حول ما يحدث، فاتقدت نيران غضبها أكثر وأكثر لتصرخ بوجه شدوى:
_ أنا خطيبة شاهين و….
قاطعتها "شدوى" وهي تسخر منها وتتهمها بمكر خفي:
_ ومن إمتى والمخطوبة بتروح تسكن في بيت خطيبها؟ إلا بقى لو أنتوا مخطوبين آه بس العلاقة بينكوا في حكم المتجوزين.. وواخدين على قعدتكوا سوا في بيت واحد.
جحظت عينا "فيروز" بصدمة وشعرت بدلو ماء بارد صُب فوقها، وارتفعت الهمسات والشهقات من الواقفات في المكان، التفت لتنظر للفتيات لتجد أعينهن مسلطة عليها وبها اتهامات لا تُقبل، عادت تنظر لـ"شدوى" لتجدها تبتسم بخبث وانتصار، وفي هذه اللحظة الحريق الذي شب بفيروز كان أكبر بكثير من أن تتحكم بهِ أو في رد فعلها، الذي خرج على هيئة صفعة مدوية لطمت بها خد "شدوى"… ولم تعطيها فرصة للرد أو الدفاع بل انقضت عليها تكيل لها الضربات واللكمات وكأنها تخرج بها همومها بأكملها تحت محاولة الجميع في الفصل بينهم وتعالي صرخات شدوى المتألمة…