تحميل رواية «فوق جبال الهوان» PDF
بقلم منال سالم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حمل عنها حقيبتها الصغيرة وعلقها على كتفه، ليسير معها بخطوات شبه متعجلة عبر الطرقات الضيقة والأزقة، فقد انتهى بهما المطاف بعد ساعات من استقلال عربة القطار إلى هذا الحي البعيد بتلك المدينة النائية عن بلدتها. لم تتوقع "مروة" أن يكون مستوى المعيشة هنا متدنيًا، فبناءً على ما أخبرها به سابقًا، من المفترض أنه يعيش في منطقة راقية، بها مظاهر الترف والراحة، لكنها رأت عكس ما وصف تمامًا. سألته بقلب متوجس وهي تدير رأسها لتنظر إليه: - هو احنا هنا فين كده؟ أجابها وهو يدفعها برفق للولوج إلى داخل مدخل هذه العمار...
رواية فوق جبال الهوان الفصل الأول 1 - بقلم منال سالم
حمل عنها حقيبتها الصغيرة وعلقها على كتفه، ليسير معها بخطوات شبه متعجلة عبر الطرقات الضيقة والأزقة، فقد انتهى بهما المطاف بعد ساعات من استقلال عربة القطار إلى هذا الحي البعيد بتلك المدينة النائية عن بلدتها.
لم تتوقع "مروة" أن يكون مستوى المعيشة هنا متدنيًا، فبناءً على ما أخبرها به سابقًا، من المفترض أنه يعيش في منطقة راقية، بها مظاهر الترف والراحة، لكنها رأت عكس ما وصف تمامًا.
سألته بقلب متوجس وهي تدير رأسها لتنظر إليه:
- هو احنا هنا فين كده؟
أجابها وهو يدفعها برفق للولوج إلى داخل مدخل هذه العمارة القديمة:
- عند ناس معارفنا.
توقفت فجأة وعلامات الدهشة قد تجسدت على تعابير وجهها، نظرت إليه في شك، وسألته بقلب راحت نبضاته تتصاعد خوفًا وتوجسًا:
- إيه ده؟ مش إنت قولتلي هتاخدني عند أمك؟
برر لها بكذبة غير مقنعة:
- مش هينفع دلوقت، لازم أمهدلّها الأول، خلي الليلة تسلك وتمشي للآخر.
حاول دفعها برفق لإجبارها على الصعود على سلم الدرج، وهو لا يزال يحادثها في ودية:
- وبعدين أنا موديكي عند ناس حبايبي جدًا.
ما زالت ترفض التجاوب معه لشكوكها المتزايدة، وسألته في قلق أكبر:
- هي متعرفش عن موضوعنا ولا إيه؟
اضطر للف ذراعه حول كتفيها ليحاوطها، واستمر في دفعها بترفق نحو السلم، وصوته يهمس بالقرب من أذنها:
- يا بت هي عندها خبر وكل حاجة، بس علشان نتجوز كده خبط لزق صعب اليومين دول.
مدفوعة بواسطته، بدأت في الصعود على الدرج، وهي تسأله:
- لما هو صعب طلبت مني أجي معاك ليه؟
تنهد مليًا قبل أن يخبرها متصنعًا الحزن:
- ما أنا مش هطول، على الأقل أجيب أوضة نوم جديدة، وأنا يدوب حوشت نص فلوسها.
مجددًا توقفت عن الصعود، واستطردت:
- أنا راضية أنام على فرشة قديمة، بس نكون سوا، وفي الحلال.
ابتسم مؤكدًا لها:
- هيحصل، الحكاية كلها أسبوع ولا اتنين...
راح يستحثها من جديد على الصعود متابعًا حديثه إليها:
- وبعدين هو أنا وعدتك بحاجة وكدبت عليكي فيها؟
ردت نافية:
- لأ.
أضاف في جدية:
- ده أنا حتى كنت بحوش فلوسي معاكي، ومكونتش بسرقك.
أخبرته بملامح وجه مشدودة:
- وأنا حافظت على الأمانة.
ابتسم في خبث قبل أن يخبرها:
- وده كان اختباري ليكي، اللي تصون مالي، هتصون عرضي.
وكأنه يعلم جيدًا كيف يستغل سذاجتها، وافتقارها للخبرة، ليخدعها، ويوقعها أكثر في شباكه، فما كان منها إلا أن واصلت السقوط في بئر الهاوية، لتجد "مروة" نفسها أمام باب منزل انقبض قلبها لمجرد رؤيته، وما عزز من هذا الشعور المخيف قوله الغامض:
- تعالي احنا وصلنا.
***
دق بأصابعه على الزجاج المغبش، بعدما قرع الجرس مرتين، ليأتيه صوتًا أنثويًا مألوفًا من الداخل يبلغه بالانتظار والصبر، ريثما تقوم بفتح الباب.
تطلعت "خضرة" إلى ضيفيها بنظرات شاملة فاحصة، ليأتي سؤال "بغدادي" في جدية توافقت مع ملامح وجهه:
- الست "توحيدة" موجودة؟
تحولت بناظريها تجاه تلك الشابة المرتجفة في نفسها، وسألته بشكل تقليدي مستهلك:
- أيوه، بس إنت مش لواحدك؟
غمز لها بطرف عينه مرددًا:
- لأ، معايا أمانة.
صدح صوت "توحيدة" من الداخل في صيغة متسائلة:
- مين يا "خضرة"؟
من موضع وقوفها أجابت عليها بنبرة مرتفعة لتضمن سماعها لها:
- ده الواد "بغدادي" يا أبلتي.
استغربت "مروة" من طريقة تلفظها لهذا اللقب، وحاولت مغالبة ما يعتريها من مخاوف وتوتر.
على نفس الوتيرة العالية نادته "توحيدة" من الداخل:
- تعالى يا واد.
أمسك "بغدادي" بمعصم فريسته الجديدة، وجرها معه إلى الداخل قبل أن تقوم "خضرة" بإغلاق الباب بالمفتاح والمزلاج، وكأنها تضمن بذلك عدم قدرة تلك المخدوعة على الهروب من وكر صاحبة هذا المكان.
لم يكن أمام "مروة" سوى الإذعان لما يريده منها من يعد مجازًا المسئول عن شأنها، ألقت نظرة خاطفة على البيت، كان وضعه مريبًا، أثاثه رغم قدمه يوحي بأشياء لا تحبذ التفكير فيها، تشتت عن الاستغراق في أفكارها الحائرة عندما تكلمت هذه المرأة الغريبة بلهجة بدت مقلقة إلى حد كبير:
- بقى تهون عليك العشرة يا قليل الأصل، تاخد في وشك بالشهور وتقول عدولي؟!
علل "بغدادي" غيابه قائلًا، وقد أدار يده خلف مؤخرة رأسه ليحكها بعدما ألقى بالحقيبة أرضًا:
- لزوم الشغل يا ستنا.
بنظرة تبدو كعدسة المجهر، جالت "توحيدة" بها على ضيفتها المرتاعة من رأسها لأخمص قدميها، كانت ذات بشرة خمرية، وتمتلك زوج أعين بنية اللون، وفم واسع، وأنف دقيق، لم تتوقف عن فحصها ظاهريًا، وتساءلت وهي تلوك العلكة في جوفها بصوت مسموع، وطريقة مقززة:
- مين الحلوة اللي معاك؟
أشار بيده ناحيتها قائلًا في نبرة متباهية:
- إيه رأيك؟ حاجة بكرتونتها، على أبوها!
كلماته الغريبة وطريقة وصفه الأغرب جعلتها ترتاب أكثر في شأنه، وما زاد من هذا الشعور المخيف بداخلها تعليق هذه المرأة الغامضة:
- شكلها باين، أهي دي تجيب رجل الزبون اللي يحب التجديد.
قصف قلبها بارتعاب أكبر، وشحب لون وجهها مما تسمعه وتراه، لوهلة ظنت أنها تعايش كابوسًا مؤقتًا، سينتهي بمجرد أن تستيقظ من نومها، لكنها ليست الحقيقة، إن ما تختبره الآن واقعًا ملموسًا، وهي طرف متورط فيه، بل إنها محور كل شيء يجري هنا.
تساءل "بغدادي" في لؤم وهو يفرك كفيه معًا:
- أستاهل نفحة؟
أطلقت "توحيدة" ضحكة رقيعة عالية، لتقول بعدها في شيء من الذم:
- مصلحجي طول عمرك.
ما زالت "مروة" على حالتها المصدومة تلك، لا تصدق ما تسمعه بأذنيها، وما أكد صدمتها الموجعة التي كانت كطعنة غادرة في منتصف قلبها قوله المتفاخر:
- مش برجعلك باللي يرضيكي.
لم تعد تتحمل "مروة" ما يجري، كل ما يدور يصيبها بالرعب والرهبة، لهذا قررت التخلي عن جمودها لتتساءل:
- مين دول يا "بغدادي"؟
تولت مضيفتها الإجابة عنه بقولها المتعجرف وهي ترفع ساقها لتثنيها وتضعها على أريكتها، حتى تستند بمرفقها على ركبتها هذه:
- أنا ستك "توحيدة" يا حلوة.
تجاهلتها تمامًا، وتحدثت إلى من جاء بها إلى هذا المكان الباعث على كل ما هو مخيف في عصبية مشوبة بالتوتر:
- أنا عايزة أمشي من هنا.
من ورائها تكلمت "خضرة" في لهجة ساخرة:
- هو دخول الحمام زي خروجه؟
التفتت "مروة" لتنظر ناحيتها بنفور، قبل أن تعاود توجيه سؤالها إليه في حمئة، وهي تمسك به من ذراعه:
- فهمني يا "بغدادي" مين دول؟
نفض قبضتها عنه بقوة، فانصدمت أكثر من تصرفه غير المتوقع، ليأتي بعد ذلك قوله:
- أنا كده عملت اللي عليا، سلام.
في التو انتفضت متحركة تجاهه لتعترض طريقه، أمسكت به من كلا ذراعيه، وراحت تصرخ فيه:
- استنى هنا، إنت سايبني ورايح فين؟
استخدم نفس الأسلوب الخشن في إبعاد يديها عنه مرددًا بجمود، وعيناه تتطلعان إليها بنظرة متجافية خالية من أي مظهر للحب أو حتى الشفقة:
- هما هيفهموكي الحوار ماشي إزاي.
رفضت تركه يمضي لحال سبيله، لكن "خضرة" تدخلت لمنعها من اللحاق به، فتمكن من المغادرة، ورحل من الباب الآخر للمنزل، ذلك الذي لا تعلم عنه شيئًا، لتظل هي محاصرة بين جدران هذا المكان.
ما لبثت أن تغلّب حنقها على خوفها لتصيح بتصميم، وقد تخلصت من يدي "خضرة" المحتجزتين لها:
- أنا استحالة أفضل هنا، لازم أمشي مع "بُغدادي".
مرة ثانية ضحكت "توحيدة" بطريقة مستفزة قبل أن تخاطبها بما جعل الدماء تفر من عروقها:
- هو إنتي لسه معرفتيش حقيقته؟
قالت وهي تجاهد للتغلب على رعشة بدنها الخفيفة:
- حقيقة إيه؟
استرخت الأخيرة أكثر في جلستها، واسترسلت بعدما تصعّبت بشفتيها:
- بصي يا حلوة، الواد "بُغدادي" شغلته إنه يجيب الحلوين المغفلين اللي زيك عندي، ده طبعًا بعد ما يوقعهم في حبه، ويفهمهم إنه هيتجوزهم، ويخليهم يهربوا من بيوت أهاليهم زي العُبط، ويسلمهم ليا، وأنا بقى أوضبهم وأسنجفهم علشان يليقوا بزباينا...
برزت عيناها في صدمة عظيمة، لتُضاعف من إحساسها بالحسرة والخذلان بإضافتها:
- ولو بت ناصحة من دول وعجبت رجالتنا، بياخدها يشغلها في كباريه كده، وجايز تطلع في كليب من ضمن البنات اللي بترقص.
هلّلت "خضرة" في انتشاء سعيد:
- ودي تبقى من التوب واللي الحظ ماسك في ديلها يا أبلتي.
راحت "توحيدة" تشير بعدها بكفيها وهي تتكلم:
- وياما وصلت بإيدي دول بنات وقيع لسلم الشهرة والمجد.
أشادت تابعتها المؤدية لها قولًا وفعلًا بما تقوم بها هاتفة:
- فيكي الخير يا أبلتي.
استوعبت "مروة" أخيرًا حجم الكارثة التي حلّت بها، فأطلقت صيحة غاضبة، وقد انتفض كل ما فيها للابتعاد عن هذا البيت الملعون:
- أنا استحالة أفضل هنا، الموت أهون عليا من اللي هيحصلني لو استنيت للحظة.
استخدمت "خضرة" قوتها لإيقافها، وهتفت في ضيق:
- شكلك مش ناوية تجي بالذوق.
من الخلف حذرتها "توحيدة" في هدوء عجيب، وعلى وجهها نظرات التسلية والاستمتاع:
- بالراحة يا "خضرة"، هي لسه مستجدة، مالهاش في اللون.
اكتفت فقط بدفعها تجاه ربة عملها مرددة:
- أوامرك يا أبلتي.
كوّرت "مروة" يدها لتضرب بقبضتها على ذراعها، فتجبرها على إفلاتها، وهي لا تزال تصرخ بها:
- شيلي إيدك من عليا لأقطعهالك.
أوجعتها ضرباتها الخرقاء، فاستُفزّت على الأخير، وردّت في شماتة وحقد:
- جاية تعملي شريفة عليا أنا؟ ده إنتي يا بت مضحوك عليكي من واد مدورها ليل نهار.
توالت عليها الصدمات كالصواعق الكهربية، فبكت قهرًا وكمدًا، ومن الوراء "توحيدة" تهتف بنفس النبرة المستمتعة:
- خديها على الهادي يا "خضرة"، الصدمة لسه كبيرة عليها.
شحذت "مروة" قوى غضبها مما حدث لها، واستخدمتها في التخلص من تلك المرأة السمجة التي ترفض تركها، وصاحت بإصرار معاند:
- أنا مش هفضل هنا ثانية واحدة..
ثم راحت تضربها بقوة أكبر في صدرها، ومعدتها، فتأوهت "خضرة" من الألم، واضطرت في النهاية لتحريرها، لتدفعها "مروة" جانبًا وهي تندفع بخطوات راكضة تجاه الباب صائحة فيها:
- أوعي من سكتي.
تمكنت من إدارة المفتاح في قفل الباب، ومن نزع المزلاج، لتقوم بفتحه، لكنها تفاجأت بأحدهم يسد عليها مهربها الوحيد، كان ضخم الجثة، أسمر اللون، ذي ملامح خبيثة، بوجهه ندوب متفرقة جراء مشاجراته الدائمة، عيناه لا توحيان سوى بالشر المستطير. تسمرت في موضعها مندهشة من رؤيته، ارتاعت من احتمالية تعرضها للإيذاء على يده. في التو لحقت بها "خضرة" لتجد ضيفها حاضرًا بغير ميعاد مسبق كعادته دومًا، فهتفت تناديه باسمه:
- معلم "عباس"!
لم يُبعد الأخير نظراته الفضولية عن وجه تلك الشابة غير المألوف عليه، وسألها في صوت أجش:
- في إيه يا بت؟ صوتك مسمّع ليه برا؟
تجاهلته، وحاولت المرور لتجاوزه، لكنه قبض على ذراعها بقوة، ودفعها دفعًا للعودة إلى الداخل، فصرخت في ألم:
- ابعد عني.
استغلّت "خضرة" فرصة تواجده لتستنجد به:
- حوشها يا معلم، ده أنا بوضبها لكوبارتنا، حتة جديدة نقاوة الست "توحيدة"، وفرز أول كمان.
ظهرت أمارات الاستحسان على تعبير وجهه، فقال في حبور وهو لا يزال قابضًا على ذراعها:
- إن كان كده يبقى ديتها عندي.
بذلت "مروة" كل جهدها للتحرر منه، لكنه ضربها بقسوة على مؤخرة عنقها، في بقعة معينة، ليفقدها الوعي في الحال، ارتخى بدنها على ذراعه، فظل ممسكًا بها وهو يتحدث في صوته المتحشرج الخشن:
- نادي على النسوان اللي جوا ياخدوها، بدل ما هما عاملين زي البهايم، أكل ومرعى وقلة صنعة.
هتفت "خضرة" في طاعة:
- عينيا.
في أقل من لحظات، عادت ومعها ثلاثة من نساء هذا البيت، تعاونت جميعًا في حمل جسدها، ونقلها إلى داخل إحدى الغرف، بينما أتت "توحيدة" لترحب بضيفها العزيز في حفاوة شديدة:
- اتفضل يا سيد المعلمين، مطرحك ومكانك.
جلست مجاورًا لها على الأريكة، وأمسك بمبسم النارجيلة ليسحب نفسًا عميقًا منها، قبل أن يتلفظه على دفعات وهو يخبرها:
- عايزك تظبطيلي مزاجي، لأحسن طالع عيني الأيام اللي فاتت.
وضعت "توحيدة" قبضتيها الممتلئتين على كتفيه لتدلكهما في نعومة ورفق، وراحت تخاطبه بصوت متدلل:
- بكرة الكبير يخرج ويريحك.
نفث دفقة أخرى من الدخان الكثيف في الهواء قائلًا:
- أديني مستني اليوم ده من زمان.
أطلقت ضحكة عالية فرحة، قبل أن تضيف في نشوة:
- خلي التعابين تتلم وتخش جحورها.
***
حسب الاتفاق المسبق، استسلم حقيبة سفر قماشية قديمة، عند مكب النفايات العمومي، والموضوع بداخلها الرضيع النائم، ليتحرك بعدها مباشرة لمقابلة أحدهم بعدما خابره هاتفيًا، للقائه في بقعة أخرى مهجورة، ليعطيه إياه. خشي "حمص" من استيقاظ المولود، فيلفت بصوت صراخه الأنظار إليه، لهذا حرص كل الحرص على السير في أماكن تخلو من المارة، ولا يتواجد بها إلا الباحثين عما يُذهب العقل، وينسي الهموم بالأوهام والضلالات الخدّاعة.
ظل مكلّلًا بتوتره إلى أن جاء إليه هذا الشقي المشاغب، المعتاد على ممارسة كافة أنواع الإجرام، والمُلقب بـ "سِنجة"، نظرًا لمهاراته غير العادية في استخدام المِطواة في قتالات الشوارع العنيفة وإصابة خصومه بإصابات مباشرة ومُمِيتة. نفث دخان سجائره متسائلًا، قبل أن يتحسس الندبة البارزة في صدغه الأيمن:
- معاك اللفة؟
ناوله الحقيبة قائلًا:
- أيوه.
أخذها منه، وفتح السحاب ليلقي نظرة خاطفة على ما فيها، قبل أن يعاود إغلاقها طارحًا سؤاله التالي:
- والفلوس؟
دس يده في جيبه ليخرج رزمة مطوية من النقود، أعطاها له مرددًا:
- خد.
نظر إلى المال محتجًا بوجه عابس:
- مش قليل ده؟
أخبره "حمص" بجدية:
- ده النص بالنص.
على مضض، وضع النقود في جيبه مبديًا سخطه:
- لولا إنها تخص الست "توحيدة" مكونتش عملت معاك الواجب.
عقب عليه غامزًا بطرف عينه:
- ما إنت عارفها اللي يخدمها في حاجة بتدلعه.
يبدو أنه اقتنع بالصفقة، ولم يجادل كثيرًا، لكنه استطرد في شيء من التحذير المشوب بالريبة:
- إياكش بس المعلم "عباس" ما ياخدش خبر، ساعتها هيلهف الفلوس كلها.
أكد له "حمص" بما لا يدع مجالًا للشك:
- من جهتي أنا مش هجيب سيرة.
أعلمه بمشاركته نفس القرار:
- وأنا شارحه.
همَّ "حمص" بالمغادرة، فقال وهو يلوح بيده:
- أما تخلص إديني التمام.
ابتسم في انتشاء قبل أن يرد:
- بالصوت والصورة يا صاحبي.
افترق الاثنان، كلٌ في اتجاه مغاير، ليقوم بعدها "سِنجة" بتبديل الحقيبة القماشية بكيس بلاستيك أسود اللون، ووضع الرضيع بداخلها بعدما أحكم لفه في قطعة قماشية، لم يكترث إن كانت ستطبق على أنفاسه ويختنق بها أم لا، فمهمته محددة، محو أثره من الوجود.
***
على أطراف تلك المدينة النابضة بالحياة والعامرة بسكانها، تحديدًا بعد منطقة المقابر، وقبل الخلاء الشاسع الفاصل بين الحضر والصحراء الممتدة، تواجدت بُقعة نائية، معزولة عن العمران، رغم توافر كل المرافق والخدمات الأساسية بها، إلا أنها كانت قصيَّة، منفية، أو بالأحرى منسية، تحكمها قوانين ونفوذ أحدهم فقط، دونًا عن البقية، بالقرب من محيط التَّبَّة العالية.
شردت بنظراتها القلقة من عينيها –ذات اللون العسلي- تراقب الطرقات المؤدية إليها، فقد كانت الملاذ الوحيد المتاح لعائلتها بعدما انهارت بنايتهم، وأصبحوا بلا مأوى، الاختلاف في مستوى المعيشة والثقافة جعلها أكثر اضطرابًا وتوترًا، فهي لم تطأ مثل هذه المناطق الشعبية المتدنية من قبل، رغم قيام الحكومة بالتعاون مع الجمعيات الأهلية ببنائها للمساعدة في حل أزمة الإسكان، بل إنها كانت تسخر من الأفلام التي تجسد وجودها، والآن باتت رغمًا عنها جزءًا منها.
التفتت "دليلة" ناظرة إلى والدتها الجالسة بجوارها في المقعد الخلفي بسيارة الأجرة عندما خاطبت والدها الماكث في المقدمة تسأله:
- فاضل كتير يا "فهيم" عقبال ما نوصل؟
أدار رأسه لينظر ناحيتها قائلًا بتحيّر:
- مش عارف...
ثم وجه سؤاله إلى السائق:
- قدامنا قد إيه يا أسطى؟
بعد زفرة مسموعة، تنم عن تبرمه وشكواه وضيقه من اختياره دونًا عن غيره للقيام بتوصيلهم، أجاب:
- خلاص يا حاج، كلها 5 دقايق، وأوديكم عند العنوان...
قبل أن يفكر "فهيم" في قول شيء آخر، أنذره السائق مشيرًا بيده:
- بس مش هعرف أخش جوا، الشوارع ضيقة، والعربية مش هتعرف تطلع، ده غير إنها حتة كل اللي فيها لَبَط.
وكأنه يبث الشعور بالراحة والأمان في نفوسهم عقب جملته تلك، رددت "عيشة" من ورائه في توجس، وفي نوع من السخرية المتوارية:
- الله يطمنك يا ابني.
مالت "دليلة" على والدتها تخاطبها في صوت خافت، شبه لائم:
- ما كنا روحنا مكان تاني يا ماما؟ إيه اللي يجبرنا على كده؟
ردت عليها بنفس النبرة الخفيضة، آملة في إقناعها بعدم إثارة المشاكل في الوقت الراهن:
- ده وضع مؤقت، لحد ما أبوكي يظبط أموره، وماتنسيش هو شريك في فرن العيش اللي هناك، أهو القرشين اللي يطلعوا منه، نحوشهم لحد ما ربنا يعدلهالنا ونمشي.
لم تحبذ ما فرضته عليها، وبرطمت في همس:
- ليها حق "إيمان" وجوزها يرفضوا يوصلونا، ما هو بعد ما كنا ساكنين في أرقى مكان في البلد، بقينا قاعدين في العشوائيات.
سكتت للحظات، تتأمل فيها أطنان القمامة الملقاة على هيئة أكوام في جانبها الذي تحدق فيه من الطريق عبر نافذتها، أزعجت الرائحة المنفرة أنفها، فأغلقت النافذة، واستدارت تكلم والدتها من جديد:
- وأنا هروح الكلية إزاي؟ ده المشوار بعيد جدًا.
أخبرتها بتهجم واضح على تعبيرات وجهها:
- أبوكي هيوصلك، يا إما أنا هاجي معاكي، وخلاص إنتي في آخر سنة في اقتصاد منزلي، وكلها كام شهر وترتاحي من هم التعليم والمذاكرة.
لم يعطِ حديثها التقليدي أي حل لمشكلتها، فطرأ في بالها فكرة ما، لذا لم تتردد في الاستفسار منها عن مدى تطبيقها، وراحت تسألها باندفاع:
- ماينفعش أفضل قاعدة مع "إيمان"؟
زادت تعبيراتها وجومًا، وهتفت مستنكرة:
- وجوزها يقول عننا إيه؟ إنتي عارفاه بيتلكك.
جاء تبريرها منطقيًا:
- بس أنا كده مش هعرف أركز، وجايز أسقط في الامتحانات، ساعتها هيكون العمل إيه؟
صمتت "عيشة" لهنيهة تفكر، لتقول بعدها على مضض:
- خلاص لما يجي وقت الامتحانات تبقي تروحي عندها..
مجددًا اعترضت على طول المدة قائلة:
- بس ده لسه بدري، وآ...
قاطعتها في حسم، وهذه النظرة الصارمة تطل من حدقتيها:
- نتكلم بعدين، واحفظي السكة اللي مش باينلها ملامح دي!
عاودت النظر إلى الطرقات الرملية، التي نشرت في الجو سحابة من الغبار والعفر جراء سير إطارات المركبات المختلفة بسرعات متفاوتة، فلم تتبين وجهتهم تحديدًا، أدركت لحظتها أنه لن يكون من السهل تقبل هذا الوضع الجديد، فهي بالكاد تحاول الصمود والتأقلم، ولكن البداية لا تبدو مبشرة على الإطلاق.
بعدما ألقى نظرة مدققة على محيط هذه المنطقة، وتأكد من خلوها من كاميرات المراقبة، تحرك "سِنجة" تجاه الشارع المزدحم بمختلف أنواع السيارات بجانب الدراجات النارية والمارة، ليلقي على الأسفلت الكيس الذي كان يحمله في يده، وكأنها قمامة يتخلص منها، دون أن ينتبه إليه أحد، فالكل مشغول بشأنه، ليسرع بعدها في خطاه عابرًا للجهة الأخرى من الطريق، محاولًا مراقبة ما سيحدث بتوتر وقلق.
من سوء حظ سائق ذلك الميكروباص، أنه دهس بإطار مركبته على الكيس، فانفجر ما به، مخلفًا على الطريق بركة كانت مزيجًا من الأشلاء والدماء، توقف فجأة، ليترجل من مركبته متسائلًا:
- دي قطة ولا إيه؟
لتسود بعدها حالة من الهرج والمرج، وقد تم الكشف عما بداخل الكيس، حيث أطلت بقايا رأس رضيع مُهشّمة، وأجزاء مُمزقة من جسده. فصاح مهللًا في فزع:
- يا ليلة سودة، ده كان في عيل جوا الكيس.
صرخت النساء، وارتفع الصخب، ليردد أحدهم مستنكرًا بشدة فظاعة ما جرى:
- مين ابن الحرام اللي عمل كده؟!
في التو نفى السائق التهمة عنه، والذعر يعتريه:
- وربنا كنت مفكره كيس زبالة.
برر أحدهم تصرفه التلقائي بمنطقية:
- وإنت هتعرف منين؟ ده مرمي في وسط الشارع.
هتف آخر من الخلف:
- اطلبوا النجدة أوام.
في حين تحدث أحدهم وهو يضرب كفه بالآخر في حزن وتأثر:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، ذنبه إيه ده تكون نهايته كده؟
مثل البقية التحم "سِنجة" مع الحشد المتفرج، واستخدم هاتفه المحمول لتسجيل الحادثة، وكأنها سبق صحفي، قبل أن يتوارى عن الأنظار، ويختفي عن المشهد البشع الذي كان هو سببًا رئيسيًا في حدوثه.
انتهى لتوه من الاغتسال، فقام أحدهم بإعطائه منشفة قطنية نظيفة، ليجفف بها وجهه ومرفقيه، قبل أن يقذفها إليه، ليأخذ من آخر قميصه الكحلي ليرتديه، قام بعدها بَزَرّ أزراره على مهل، ثم خرج من الحمام مختالًا في مشيته، ومن خلفه أتباعه كأنهم أفراد حراسته الخاصة أو حاشيته المخلصة. عرج على أحد قوات تأمين حراسة السجن، فلوح بيده له ليحييه، ومر على آخر خاطبه بلهجة مالت للمزاح قليلًا:
- مش هتوحشنا يا "هجام"، يا ريت مترجعش تاني عندنا.
رد عليه في زهو، وكأن قدومه إلى السجن مُدعاة للفخر والاعتزاز:
- على حسب الظروف يا باشا.
واصل سيره كالملك إلى أن وصل إلى عنبر السجناء، فتقدم أحد أتباعه ليفتح الباب له، فولج إلى الداخل باحثًا بنظرة شاملة عن أحد بعينه، وجده منزويًا بالقرب من قضبان النافذة الوحيدة بالمكان، فأشار لرجاله بالتوقف، واتجه إليه. وضع "كرم الهجام" كفه على كتف شقيقه الأصغر لينبهه إلى وجوده، ثم استطرد في صوت أجش:
- مش عايزك تقلق، رجالتي معاك طول الوقت، كأني موجود بالظبط.
أطفأ "زهير" سيجارته قبل أن ينهي نصفها بالدعس على عقبها مرددًا:
- ماشي يا "هجام".
تابع كلامه إليه، كنوع من التحفيز، وهو لا يزال يربت على كتفه بشيء من القوة:
- إنت مش أخويا الصغير وبس، إنت ابني، وأقرب حد ليا.
لحظتها التفت ينظر إليه، خاصة حينما شدد عليه، وعيناه قد أصبحتا أكثر قتامة وشراسة:
- وحط كلامي ده حلقة في ودنك، اللي يدوسلك على صُباع، اقطعله إيده كلها، الضعيف بيتاكل، سامعني؟ وإنت جاي من صلب عيلة "الهجام"، مش واخد الصيت والسلام.
هز رأسه مقتضبًا في الرد:
- حاضر.
سحبه بعدها من كتفيه بعيدًا عن النافذة، وهو لا يزال يتحدث إليه، في نبرة جادة رغم خفوتها:
- تعجبني، الليلة مش هبات معاك هنا في العنبر، بس اعتبرني موجود.
عقب عليه مرددًا:
- الحكاية كلها كام يوم وأخرج.
ربت مرة ثانية بقوة طفيفة على منبت كتفه محفزًا إياه:
- السجن للجدعان، واحنا ملوك التبّة!
اكتفى بتحريك رأسه مبديًا تأييده لما اعتبره خطابه التشجيعي، وجلس معه على سريره يتبادلان المزيد من الأحاديث الجادة عن أمور شتى، كأنما يراجعان كيفية سير جدول أعمالهما داخل جدران السجن، وخارجه.
انقلبت حياتهم رأسًا على عقب ذلك النهار الغائم، جراء إصرار أحد جيرانهم - والذي يقطن بالطابق الأرضي - على إجراء تعديلات في التصميم الهندسي داخل منزله، فهدم الجدران لتوسعة الصالة، مما أثر على البنية الأساسية للمبنى القديم، وجعله عرضة للانهيار في أي لحظة، فصدر الأمر المباشر من الحي بإخلاء جميع العائلات منه، وانتقالهم للعيش في أماكن أخرى، ولكون الأمر فجائيًا، وغير مرتب له، لم يكن أمام السيد "فهيم حجاب" سوى الانتقال إلى هذا المنزل المتواضع، والذي كان قد حصل عليه منذ زمن عن طريق الاشتراك في الجمعيات الأهلية التي توفر السكن للمواطنين بأسعار في المتناول، ريثما يتمكن من توفيق أوضاعه، والانتقال إلى حي سكني آخر يليق بالعائلة.
بعد مداولات، ومشاورات، وزيارات متعددة لأباطرة السمسرة تمكن من مبادلة شقته الوضيعة بأخرى أفضل حالًا، في هذا الحي الجديد النائي، وبفارق سعر بسيط، يتناسب مع ظروفه الاقتصادية، كانت لحسن حظه قريبة من المخبز الذي يتشارك فيه مع أحد معارفه بنسبة الثلث إلى الثلثين، بالطبع لم يمتلك حق الإدارة، وكان فقط يحصل على حصته من الأرباح السنوية، تلك التي لم تعد تكفي للمعيشة بعد بلوغه سن المعاش، وانخفاض راتبه إلى الحد الأدنى.
كذلك تزويج ابنته البكرية - "إيمان" - ومساعدتها على الاستقرار مع زوجها قضى على كافة مدخراته، وما تبقى بالكاد يكفي للمشاركة في شراء الأثاث والأشياء الضرورية لزواج ابنته الصغرى إن جاء أحدهم وتقدم لخطبتها، لكن القدر لم يمهله الفرصة للحفاظ على هذا المال، فسحب جزءًا كبيرًا منه لدفع النقود المطلوبة لتوضيب سكن العائلة وشراء الأثاث، وإلا لنصبوا إحدى الخيمات وجلسوا بداخلها في العراء!
- حاسبي يا ماما.
قالت "دليلة" هذه العبارة محذرة أمها لتنتبه لخطواتها أثناء محاولتها العبور على الرصيف المهدم، على أمل ألا يلمس حذائها ماء الصرف العطن الذي يغرق الشارع الضيق منذ بدايته.
كما قامت برفع طرف ثوبها لئلا يتسخ أو يبتل، لتتساءل "عيشة" في ضيق:
- هو البيت مكانه فين؟
أجابها السمسار "كيشو" مبتسمًا بسماجة:
- على الناصية يا حاجة.
لم تستطع "عيشة" منع نفسها من إظهار نقمها على سوء اختياره، خاصة مع رؤيتها لمدى تدني مستوى المعيشة بالمنطقة:
- ملاقتش أبعد من كده يا "فهيم" علشان نسكن؟
لحظتها استدار زوجها ناظرًا إليها بعتاب، وهمهم في صوت خفيض:
- مش قصاد الراجل.
كان السمسار قد سبقهم في خطاه، فوصل إلى منتصف المسافة، وأشار بيده نحو أحد الأبنية القديمة قائلًا:
- وربنا الحتة هناك هواها يرد الروح، دي بحري، في الصيف طراوة، والشتا مقولكش.
حاول "فهيم" مجاراته في خطواته السريعة، ليصغي إليه بتركيز وهو يعطيه معلومة هامة:
- وفرن العيش بعدها بعمارتين.
استحسن ذلك معقبًا:
- كويس.
انتفضت "عيشة" وابنتها معًا حينما صدح فجأة أصوات صرخات ملتاعة فزعة، من مكان قريب، توحي بأن كارثة مفجعة قد وقعت للتو، فتساءلت بعفوية:
- إيه الصويت ده؟
استطاع "كيشو" تحديد مصدر الصوت، وقال في لهجة محذرة، وقد انقلبت سحنته:
- مالناش دعوة، وخصوصًا جماعة الست "توحيدة"، دي مسنودة، والزعل معاها وحش.
في لمحة من السخرية تساءلت "دليلة" وهي غير قادرة على منع نفسها من الابتسام:
- مين دي كمان؟ زعيمة عصابة ولا إيه؟
سمعتها والدتها فوكزتها في ذراعها تنذرها:
- بطلي تريقة يا "دليلة"، إنتي مش سامعة الراجل بيقول إيه، ما هو ده اللي ناقص نشبك مع الأشكال اللي هنا!!
بعد بضعة دقائق وصلوا جميعًا إلى مدخل العمارة، لم يكن في أحسن صوره، ولا مشجعًا على تقبله، فتشققات الطلاء ظاهرة، بجانب الصدوع الممتدة بطول الحائط، ورشح المياه، ناهيك عن الرائحة الغريبة المنبعثة من طفح مجاري الصرف الصحي الموجودة بالمنور الخلفي. سدت "دليلة" أنفها بطرف حجابها، وتبعت أمها في خطاها الصاعدة على الدرج لتستوقفهم إحدى الجارات الفضوليات متسائلة بتطفل شبه فظ:
- مين دول يا "كيشو"؟ طالعين عند مين هنا؟
أجابها بلا ابتسام:
- جيرانكم الجداد، اللي ساكنين في الدور الأخير.
وكأنهم وضعوا تحت عدسة المجهر، مررت الجارة نظراتها المدققة عليهم قبل أن تهتف في ودية عجيبة:
- يا مراحب، منورين الحتة، إن شاء الله تكون بالخير عليكم.
ترفعت "عيشة" عن الرد عليها، بينما تولى "فهيم" دفة الكلام مجاملًا:
- تشكري يا حاجة.
وفجأة راحت الجارة تنادي على معارفها لتطلعهم على ما اعتبرته بالأخبار العاجلة، لتعلق "دليلة" هازئة مما يحدث معهم:
- الظاهر هنا محدش يعرف حاجة عن مفهوم الخصوصية.
مجددًا راحت والدتها تحذرها بنفاد صبر:
- خلينا في حالنا.
أكملوا صعودهم إلى الطابق الأخير، ومن ورائهم كانت الأبواب تُفتح لرؤيتهم بشكل أوضح بعدما انتشر خبر وصولهم كسرعة البرق.
الترقية التي حصل عليها مؤخرًا في عمله، جعلته يتولى إدارة فرع هذا البنك الاستثماري كنائب عن المدير في حالة غيابه، مما أكسبه سمة العجرفة والاستعلاء على الغير، خاصة هؤلاء الذين يعرفون أصله، وكيف بدأ بموظف بسيط بعقد مؤقت في بنك لا يسمع عنه أحد، فظل يتمسح لهذا وذاك، إلى أن واتته فرصة حقيقية، وانتقل عبر وساطة أحدهم إلى بنك آخر ذائع الصيت، فسهل عليه إظهار مهاراته في الإدارة وتولي الأعمال.
نثر "راغب" عطره باهظ الثمن بإفراط على قميصه السماوي، قبل أن يفرقع بإصبعيه لزوجته لتحضر له سترته الكحلية، ساعدته على ارتدائها، ثم استخدمت فرشاة الملابس لتمسح عليها ببطء حتى تزيح قشرة الشعر وأي أشياء صغيرة قد تفسد مظهره الأنيق. ابتسمت "إيمان" لوجاهته، وقالت في شيء من العتاب:
- مش كان واجب علينا روحنا مع ماما وبابا وأختي نطمن عليهم في بيتهم الجديد.
نظر لها من طرف عينه، قبل أن يرد متهكمًا:
- هما المكان اللي سكنوا فيه ينفع أصلًا يتراحله؟
وجمت ملامحها في إحباط، فتابع على نفس النهج الوقح:
- دول ساكنين مع المجرمين، وسط النور والهليبة.
ابتلعت بصعوبة ريقها، وردت مبررة اضطرارها للانتقال إلى هناك:
- ما إنت عارف إنه وضع مؤقت.
وكأنه يحملها اللوم في أمر ليس لها أي يد فيه، فسألها:
- وأبوكي ما خدش شقة بالإيجار ليه في مكان أحسن؟ لازم يعني يعمل فيها صاحب أملاك!!
تعللت له بأسباب بدت من وجهة نظرها منطقية:
- إنت عارف إنه ما بيحبش يسكن عند حد، وبعدين المكان مش وحش للدرجادي، هو إكمنه متطرف شوية، فطالع عليه السمعة دي.
استخدم يده للتطاول عليها، ولكزها في جبينها مستهترًا بما فاهت قبل أن يخرج من غرفة نومهما:
- إنتي مش عايشة معانا ولا إيه؟
تأوهت من وكزته القاسية، وسارت خلفه لتتبعه مواصلة الدفاع عن عائلتها:
- وبعدين ما تنساش بابا وقف جمبنا وساعدنا إننا ننقل هنا، ولولاه كنا زمانا لسه في سكن الموظفين.
وكأنها مست كرامته وجرحتها بهذه الحقيقة، فتوقف عن السير ليلتفت تجاهها هاتفًا في حقد:
- وأظن إن اللي استلفته منه سددته كله على داير المليم، بس هو اللي ضيعه في توضيبات مالهاش لازمة، على أساس لما يجي لأختك عريس يلاقي بيتكم زي القصر.
استشعرت "إيمان" أن زوجها يفتش بطريقته الحانقة تلك عن أسباب للجدال وإثارة الخلاف بينهما، فوأدت المشاجرة في مهدها قبل أن تنشب بقولها الحاسم:
- "راغب" هي الحكاية مش مستاهلة نتخانق.
كان مثلها لا يريد تعكير صفوه بالحديث عن ذكريات الماضي، فتجاوز مشادتهما الوشيكة بإعلامها:
- أنا احتمال أتأخر، عندنا مراجعة وتقفيل ميزانيات.
ضبطت رابطة عنقه، وتبسمت في وجهه قائلة بتدلل خفيف:
- براحتك يا حبيبي، هستناك علشان ناكل سوا.
بلا ابتسام قال وهو يبتعد عنها متجهًا نحو باب المنزل:
- طيب.
شيعته بناظريها، وهي لا تزال محافظة على ابتسامتها اللطيفة الودودة إلى أن صفق الباب بعنف طفيف، وقتئذ تلاشت بسمتها، واحتل التجهم تقاسيمها، لتلومه في استعتاب حزين:
- ليه المعاملة دي يا "راغب"؟ أومال لو مكانش أهلي بيحبوك وعملوا كل حاجة ترضيك، علشان تكون إنت مرتاح ومبسوط!
ظلت مطرقة الرأس لبعض الوقت، وهي تقاوم غزو دموعها لحدقتيها، اضطرت أن تسحب نفسًا عميقًا لتثبط به ما غص بصدرها من مشاعر مختنقة، تجعلها دومًا في صراع ما بين إرضائه، وإسعاد أسرتها.
في دوائر صغيرة، راح السمسار يلتف في أرجاء الصالة بعدما انتهى من إجراء التعديلات المطلوبة لجعل المكان يبدو أفضل إلى حد ما، وفرشها بالأثاث الذي لم يكن مماثلًا لما امتلكوا في وقت سابق، ثم قام بفتح كافة النوافذ، وشرح مزايا السكن هنا لهم، ليستدير مخاطبًا "فهيم" بحماس متقد:
- مافيش بعد كده يا حاج، كل اللي طلبته اتعمل.
رد في امتنان مقتضب:
- تسلم.
تفقدت "دليلة" محيط المنزل عبر نوافذه في تعجل، وعادت إلى والدتها، لتميل عليها هامسة في تذمر:
- هو احنا هنقعد إزاي هنا؟ ده البيوت كلها بتطل على بعض!
تحركت "عيشة" من موضع وقوفها لتنظر بتدقيق إلى موقع المنزل في هذه المنطقة المتواضعة، وابنتها من ورائها تعقب في نفس النبرة المنزعجة:
- مافيش إلا الصالة اللي يدوب جايبة الشارع.
نهرتها أمها من جديد في استياء معكوس عليها:
- خلاص بقى يا "دليلة"، أنا على أخري، ومش قادرة أستحمل، يدوب متلصمة.
استغلت حالتها تلك لتطلب منها بإلحاح:
- طب ما تقنعي بابا نغير المكان، واحنا لسه فيها.
زفرت عاليًا، وحدجتها بهذه النظرة المحذرة قبل أن تنطق بصبر قد نفد تقريبًا:
- اللي قولته هنعيده تاني؟ لما الظروف تسمح.
وقف "فهيم" أمام النافذة، وتطلع إلى الطريق بتركيز، فأخذ "كيشو" يشرح له مستخدمًا يده في الإشارة:
- من الشارع ده تقدر تمشي لآخره لحد ما توصل قسم الشرطة، والله يبعد سيرتهم عننا، ومن الناحية التانية لو مشيت طوالي هتوصل للتُربة، ودي حتة ربنا يكفينا شر الناس اللي فيها.
سمعت كلتاهما من الخلفية وصفه للطريق، فعلقت "دليلة" ساخرة:
- كلامه يطمن أوي.
تساءلت "عيشة" وهي تستدير بجسدها لتسير نحو ردهة صغيرة:
- على كده شكل الحمام إيه؟!
سبقها "كيشو" في خطواته، وقال بتفاخر:
- دي حاجة أبهة!
قام بفتح الباب الخشبي للحمام، وولج إلى داخلها مشيرًا بيده، وفي نفس الوقت مخاطبًا "فهيم":
- غيرت الإشاني يا حاج، والقاعدة أفرنجي أهي، بدش خارجي مش بلدي زي ما كنت مفكر.
ألقى الأخير نظرة على مقعد المرحاض الأبيض، بالفعل كان قد تم تغييره إلى آخر جديد، بجانب الحوض، وكذلك المغطس، والبلاط الذي كان مزيجًا من اللونين اللبني والأبيض. استحسن صنيعه مرددًا بابتسامة باهتة، رغم عدم اقتناعه بذوقه العجيب في اختيار مثل هذه الألوان:
- كويس.
سمع جميعهم صوتًا يصدر عن مقعد المرحاض، فبدا وكأن شيئًا ما يخمش سطحه الداخلي.
رفع "كيشو" الغطاء، فتفاجأ بوجود فأر صغير يقفز بداخله. في التو، أعاد وضع الغطاء البلاستيكي ريثما يبحث عن شيء يساعده على التخلص منه، بينما صرخت "دليلة" في فزع، وهي تشير بإصبعها تجاهه:
- ماما، الحقي فار!
ذعرت والدتها هي الأخرى وتراجعت للخلف لتقف عند عتبته، بينما تمكن السمسار من استخدام عصا الممسحة في القضاء على ذلك المتسلل القميء. ثم أمسك به من ذيله، فانكمشت "دليلة" على نفسها، ليقوم بإلقائه من النافذة الصغيرة مرددًا في زهو:
- جبت خبره.
تساءل "فهيم" في دهشة:
- إزاي طلع من القاعدة كده؟
جاء رد "كيشو" عاديًا:
- تلاقيه مشي في المواسير.
من الخلف هتفت "دليلة" متسائلة، وعلى وجهها علامات الذهول والتأفف:
- عملها إزاي؟!
أجاب عليها والدها بتبرم:
- ابقي اسأليه، أنا اللي هعرف.
هذه المرة وجهت سؤالها للسمسار، فحادثته بتعبير مشمئز:
- على كده الحتة مليانة من الكائنات دي؟
كعادته، أتى رده واضحًا للغاية:
- متعديش، بس حلها سهل، مصيدة وحتة جبنة وهتجيبي أبوهم، مش قصة هي.
اقشعرت شعيرات جلدها، فعقبت في سخرية مغلفة بالخوف:
- أنا أخاف يطلعلي تعبان وأنا جوا.
تصنع "كيشو" الضحك، قبل أن يخاطبها:
- مش للدرجادي، بكرة تتعودوا...
ثم اتجه ناحية "فهيم" ليناوله مفتاح المنزل قائلًا:
- المفتاح أهو يا حاج، وربنا يجعلها قدم السعد عليكم.
أخذه منه، وسار معه نحو الصالة هاتفًا في شيء من التقدير:
- تعبتك معايا يا "كيشو".
رد عليه مجاملًا:
- متقولش كده يا حاج...
ناوله "فهيم" مظروفًا مطويًا، وضع بداخله العمولة المتفق عليها مسبقًا، فمد يده ليأخذها في سرور، وشكره:
- يدوم يا رب..
ثم وضع المغلف في جيبه بعدما تفقده بنظرة سريعة، ليتابع كلامه إليه:
- لو احتجت حاجة أنا في الخدمة.
هز رأسه مرددًا:
- أكيد طبعًا.
أوصله إلى خارج المنزل، وبقيا على البسطة يتحدثان للحظات، بينما قامت "عيشة" بإلقاء نظرة أخرى مدققة لمحيط بيتها، وهي تتمتم برجاء:
- ربنا يعدي اللي جاي على خير.
رواية فوق جبال الهوان الفصل الثاني 2 - بقلم منال سالم
انفطر قلبها منذ اللحظة التي حُرمت فيها من وجود رضيعها إلى جوارها، قبل حتى أن تشتم رائحته، تضمه إلى صدرها، أو حتى تُطعمه من لبنها. كان ذلك أقسى ما استطاعت اختباره في هذه الدنيا المجحفة. فمنذ أن رمتها الحياة إلى هذا المنزل المملوء بكل مساوئ البشر، تحملت كل شيء، وصبرت على ما لا يمكن لفردٍ سوي احتماله، لعل وعسى يأتي من ينتشلها من هنا. ومع ذلك ظلت قابعة في الوحل، تتنقل بين الرجال كأنها سلعة مستهلكة، هذا يهينها، وهذا يدللها، وهذا يصب عليها جام غضبه. سكتت، وتقبلت الهوان على نفسها، إلى أن علمت بمسألة حملها. شعرت آنذاك بأن هناك بارقة من الأمل، ستكون لها عائلة، وإن كانت مكونة منهما فقط.
لكن ربة المنزل وصاحبته اللئيمة رفضت إكمال هذا الأمر بشدة، وسعت لإجهاضها والتخلص من بذرة السوء تارة بالضرب المبرح، وتارة أخرى بالأدوية المسببة لإسقاطها، إلا أن جنينها أظهر تشبثه أكثر بالحياة. فتخلت "توحيدة" عن مسألة حرمانها منه. وقتها ظنت "وِزة" أن قلبها رقَّ إليها، وستمنحها ما تطمح فقط لامتلاكه؛ لكن تحطمت أبسط أحلامها على صخرة الواقع القاسية حينما اختطفته منها، لتأخذه إلى المجهول.
لم ينضب دمعها، ولم تكف عن النواح والاستجداء، بل إنها تحينت كل فرصة تجدها فيها رائقة المزاج، لتسألها عن مصيره. ورغم أن جوابها كان متكررًا، بأن تنساه، إلا أنها لم تفقد الأمل، فقد توهمت أنها أودعته كأمانةٍ عند أحدهم، كنوعٍ من العقاب لها لمخالفتها أوامرها.
هذه المرة انتظرت انتهائها من تمضية وقتها الخاص مع "عباس" لتتسلل إلى مخدعها. كان الأخير في الحمام الملحق بالغرفة يغتسل، و"توحيدة" تتمدد باسترخاءٍ على سريرها وهي في قميص نومها ذي اللون الأحمر القاني. ولجت "وِزة" إلى الداخل دون استئذانٍ، مقتحمة عليها خصوصيتها المزعومة، ثم أحنت رأسها في ذلٍ، وتوسلتها بصوتها الباكي:
- بالله عليكي يا أبلتي تخليني أشوف ابني.
انتفضت لرؤيتها بداخل غرفتها في وقاحة فجة منها، وصاحت بها وهي تعتدل في رقدتها:
- إنتي اتجننتي؟ داخلة عليا أوضتي من غير إحم ولا دستور؟
اعتذرت منها في التو:
- حقك عليا، بس نفسي تريحيني.
نهضت عن الفراش، وسحبت روبها الملقي بإهمالٍ على الأرضية لترتديه، وهي لا تزال توبخها بحدةٍ:
- إيه ما بتزهقيش من الأسطوانة دي؟
هدر "عباس" من داخل الحمام مبديًا تذمره من صوتهما المرتفع:
- في إيه يا "توحة"، ليه في دوشة عندك؟
انقلبت سحنتها للغاية من تسببها في تكديره، ولو بشكلٍ بسيط، راحت "توحيدة" تلكزها في كتفها لتدفعها نحو باب الغرفة وهي تعنفها بغيظٍ:
- عاجبك كده، قلبتي مزاج المعلم...
بقدر استطاعتها حاولت مقاومة طردها لها وهي ترجوها:
- علشان خاطري بس، أطمن عليه.
صرت على أسنانها في حنقٍ، وزعقت فيها بغلٍ وقد شحذت كامل قواها لطردها خارج الغرفة:
- قولتلك هو مات، مات، إيه ما بتفهميش!
انكفأت "وِزة" على وجهها من إثر الدفعة العنيفة، فوقفت بجوارها تصيح في صوتٍ غاضب:
- يا "خضرة"! إنتي يا ولية، تعالي خدي الهبابة دي من هنا.
بخطواتٍ راكضة أتت إليها في الحال، وردت وهي تنحني عليها لتشدها من ذراعها، وتبعدها عن محيط ناظريها:
- حاضر يا أبلتي.
انخرطت الأخيرة في بكاءٍ شديد، وحاولت استجدائها من جديد؛ لكنها صفقت الباب في وجهها، لتطلب منها "خضرة" في قليلٍ من التعاطف:
- يالا يا "وِزة"، كفاية كده، بدل ما تسلط عليكي اللي ما بيرحمش.
بثقلٍ نهضت من موضعها، وهي لا تتوقف عن البكاء المرير، فما زال الأمل يحدوها بأنها ستكون على لقاءٍ قريب برضيعها.
***
بداخل غرفة مكتب مديره الفخمة، ذات الحوائط الزجاجية اللامعة، حيث تغطي الستائر البلاستيكية معظمها، تلك التي يحلم بالجلوس على مقعد رئاستها، وتعليق لافتة تحمل اسمه بالخارج والداخل، وقف "راغب" أمام رئيسه يحني رأسه مبديًا احترامه له، خاصة والأخير يخاطبه في نبرةٍ جمعت ما بين الجدية والاهتمام:
- إنت عارف إنك من المفضلين عندي يا "راغب".
ابتسم مجاملًا وهو يرد:
- أكيد يا فندم.
تابع رئيسه المباشر كلامه إليه بنفس الدرجة من الشفافية والوضوح:
- وأنا بجهزك علشان تمسك فرع البنك في العاصمة.
بلا خجلٍ أفصح عن رغبته:
- يا ريت ده يحصل، أنا بحلم باليوم ده من زمان.
بدا معجبًا بما وصفه بحماس الشباب، وراح يؤكد عليه:
- عايزك الفترة الجاية تستعد كويس، وتكون على أد المسؤولية الجديدة دي.
هز رأسه في طاعةٍ حينما عقب:
- اطمن، وإن شاء الله هكون عند حسن ظن سيادتك.
أشار له ليغادر مكتبه هاتفًا في نبرة رسمية:
- تقدر تشوف شغلك.
ظل محافظًا على ابتسامته المصطنعة وهو يخاطبه قبل أن يستدير متجهًا نحو الباب:
- تمام يا فندم، عن إذنك.
ما إن خرج حتى لفظ تنهيدة عميقة محملة بالآمال والأحلام، ليحادث نفسه مرددًا:
- يا سلام لو ده حصل، هبقى في حتة تانية خالص.
***
الصخب غير المفهوم الذي كان يحيط بها جعل مداركها تتيقظ ببطء، فبدأت في الاستفاقة من حالة الإغماء التي فُرضت عليها، لتشعر بشيءٍ غريب، وكأن هناك برودة قارصة تأتيها من كل جانب، تجبر أطرافها على الارتعاش. استوعبت الأمر حقًا، كانت مجردة من كامل ثيابها، فيما عدا ملابسها التحتية، وهناك فقط ملاءة بيضاء قديمة، تسترها عن الأعين النسائية المحدقة فيها بفضولٍ.
فزعت "مروة" لكونها على هذا الوضع المشين، وسحبت بيدين مرتعشتين الملاءة حتى كتفيها لتغطي جسدها المكشوف. طافت بنظرة مذعورة على من حولها، إنها وسط مجموعة من النسوة الغرباء عنها، يجلسن في أسرَّةٍ متفرقة تزدحم بها الغرفة، وكلهن يتطلعن إليها بنظرات متفاوتة جمعت بين الاستخفاف والحيرة، وهن بالكاد يرتدين ما يسترهن. انكمشت على نفسها، وأطلقت دفعة من الأسئلة المتلاحقة مرة واحدة، وتعبير مفزوع يحتل كامل تقاسيمها:
- أنا فين؟ وإنتو مين؟ وفين هدومي؟!!
ضحكت إحداهن ساخرة منها:
- الوارد الجديد صحت يا نسوان.
تحولت "مروة" ببصرها تجاهها لتجدها تطلي أظافرها في اهتمامٍ، قبل أن تدير رأسها للجانب الآخر عندما قامت إحداهن بالإجابة عليها في صيغة متسائلة:
- مش إنتي يا حبيبتي اللي جابك "بُغدادي" عندنا؟!!
علقت أخرى في عبوسٍ منزعج:
- ياما جاب الغراب لأمه.
عادت الشابة الأولى لتتكلم وهي تشير بفرشاة طلاء الأظافر الملطخة باللون الأحمر:
- نص اللي هنا جابهم اللي ما يتسمى.
ردت عليها أخرى في كرهٍ:
- ده طلع دحلاب ابن (...)، عرف إزاي يضحك علينا، ولبسنا في الحيطة.
الآن تذكرت كل شيء، لقد تم خداعها تحت وعود الزواج الزائفة، واستدراجها بحماقةٍ لتهرب من بيتها، ومن ثَمَّ جرها إلى هذا المستنقع الملعون. ظلت متشبثة بالملاءة، والذعر يعتريها، لتتساءل في صوتٍ مهتز شبه صارخ:
- فين هدومي؟ ردوا عليا!
نهضت امرأة ما من على فراشها المحشور في الزاوية لتقول بفمٍ ملتوٍ:
- ده علشان يا اختي كشف الهيئة.
لم تفهم مقصدها بالضبط؛ لكن دبيب قلبها ارتفع بشدةٍ حتى كاد يصم أذنيها. ابتلعت ريقها وسألتها:
- نعم؟ يعني إيه؟
تجاهل الجميع الرد عليها، وكأنهن اتفقن ضمنيًا على مفاجأتها بما لا يمكن لخيالها المحدود أن يصوره لها. هتفت أخرى عاليًا:
- نادي على "خضرة" وقوليلها البت فاقت.
عصفت بـ "مروة" موجة من الغضب الممزوج بالخوف، وراحت تصرخ في عصبيةٍ:
- أنا عايزة أمشي من هنا، وديتوا هدومي فين؟
ادعت امرأة ثالثة الضحك، لتقول وهي تتصعَّب بشفتيها:
- يا ريتها كانت بالساهل، مكانش حد غلب.
في غمرة حديثهن المخيف لها، جاءت "خضرة"، ووقفت عند أعتاب الغرفة هاتفة في نبرة هازئة:
- أخيرًا فوقتي، نوم العوافي يا ادلعدي.
تذكرتها في الحال، فتوسلت إليها "مروة" بعينين تحبسان الدموع فيهما:
- من فضلك يا ست "خضرة" خليني أمشي من هنا، وأرجع لأهلي.
منحتها الأخيرة نظرة إشفاقٍ واهية قبل أن تسخر منها:
- أهلك، يا حـــرام!
لحظتها شعرت "مروة" بأن محاولتها لنيل تعاطفها باءت بالفشل، ولن تترأف بها. استمرت "خضرة" على وتيرة سخريتها قائلة وهي تشير إلى عينها:
- قطعتي في قلبي، وأنا دمعتي قريبة!
فجأة تحولت للنقيض، لتبدو كشخصيةٍ قاسية للغاية، ووبختها:
- دول لو شافوكي هيذبحوكي! ده إنتي هربانة مع واحد من الشارع يا روح الروح!
ثم صفقت بيديها صائحة فيمن حولها بلهجةٍ آمرة:
- يالا يا بنات شوفوا شغلكم.
تفاجأت "مروة" بالتفافهن حولها في طرفة عين، فذعرت أكثر، وصرخت في هلعٍ:
- إنتو هتعملوا إيه؟
عقدت "خضرة" رابطة إيشارب رأسها جيدًا، وأخبرتها بغموضٍ ملبك للأبدان وهي تدنو منها:
- ده كاس وداير يا حبيبتي على كل حد جه هنا.
اشتدت قبضتها على الملاءة، وكأنها درعها الوحيد والمتاح لها لحمايتها. رأت نظرة "خضرة" الشريرة إليها، فأيقنت أنه لا مهرب لها منها، خاصة عندما أكدت بما جعل الدماء تفر من كامل عروقها:
- والدور عليكي تدوقي منه!
فجأة انقضضن عليها جميعًا، أمسكن بها من كتفيها لتثبيتها على ظهرها، ونزعت أخرى الملاءة عنها، لتشعر وكأنها بلا ستر يغطيها. صرخت في هلع متزايد، فوضعت واحدة منهن قطعة من القماش لتسد به جوفها، وتكتم صرخاتها المستغيثة، فلا تجد لها مخرج.
تعرّت ظاهريًا، وجسديًا، ونفسيًا، لتشرع "خضرة" في اقتحام بواطنها السرية بلا خجل، وكأنها معتادة على ذلك بلا عناء، حتى تتأكد من طُهرها، وبالتالي إن ثبتت الرؤية، ونجحت في اجتياز كشفها، ستصبح الهدية المثالية لتقديمها لمن يستحق، خاصة علية القوم ممن يترددون على هذا المكان، ويطمحون في مُضاجعة مثيلاتها.
حجزت هاتفيًا موعدًا لدى الطبيب النسائي، لتتجنب عدم بقائها ضمن المنتظرين باستقبال عيادته لوقت طويل، خاصة مع شهرته الكبيرة، وتزاحمها بالكثير من الطامحات في أن يصبحن أمهات المستقبل. جاءت على الموعد المحدد، وناولت الممرضة نفحة زائدة لتضمن دخولها سريعًا، وحدث ما خططت له، فالتقت به بعد خمس دقائق من قدومها، وانتظرت على أحر من الجمر سماع نتائج التحاليل التي أجرتها في وقت سابق. تأهبت "إيمان" في جلستها، ونظرت إليه بعينين مترقبتين، فاستطرد الطبيب شارحًا لها بوضوح:
- زي ما قولتلك يا مدام في المرة اللي فاتت، إنتي معندكيش مشكلة، وجوزك معندوش مشكلة، والتأخير في الحمل ده طبيعي.
لم تبدُ مقتنعة كليًا بما فاه به، فتأخر الإنجاب يزيد من الفجوة التي تشعر بها في حياتها مع زوجها، خاصة مع انشغاله الدائم بالعمل، وبقائها بالساعات بمفردها دون أن تفعل ما تملأ به وقت فراغها الممل. انتصبت بكتفيها وسألته في شيء من الإلحاح:
- طب ما فيش أدوية، ولا أي حاجة محفزة تخليني أحمل؟!
نفى ببساطة:
- إنتي مش محتاجة ده، كله في الآخر بتاع ربنا سبحانه وتعالى.
اعترضت على عزوفه عن مساعدتها:
- بس أنا بقالي كتير متجوزة.
جاء رده منطقيًا:
- في ناس بتقعد بالسنين، ولما ربنا بيأذن بيحصل الحمل.
امتلأ وجهها بتعبير مهموم، وسألته كحل أخير:
- طب هل في إمكانية أعمل حقن مجهري؟
تطلع إليها قائلًا، وابتسامة خفيفة قد برزت على ثغره:
- مافيش مشكلة، اتشاوري مع جوزك، وأنا جاهز.
نهضت بعدها من على المقعد لتخاطبه في ودية:
- شكرًا يا دكتور.
حرك رأسه باهتزازة مقتضبة وهو يرد:
- العفو يا مدام.
غادرت العيادة، وعقلها قد شرد يفكر في كيفية طرح هذه المسألة الهامة، وإقناع زوجها بسحب عينة منه، لإتمام العملية. حررت زفرة ثقيلة عن صدرها لتُهمهم مع نفسها في رجاء:
- يا رب توافق على الحل ده يا "راغب".
وقفت بعدها على طرف الرصيف تنتظر قدوم سيارة أجرة شاغرة لتستقلها عائدة إلى منزلها، وهي لا تزال مشغولة البال بهذا الأمر.
في الباحة الخلفية للسجن، حيث يجتمع السجناء عادة لتمضية أوقات الراحة بها والتسامر معًا، وتحديدًا عند أقدم شجرة بهذا المكان، تظلل "الهجام" أسفلها، وأتباعه من حوله يحيطون به، ليبدأ في إملاء أوامره الصارمة عليهم، ونظرة لا تعرف الرأفة تُطل من حدقتيه:
- عينكم ما تتشالش عن "زهير"، تلازموه طول الوقت، والأهم إنه ما يخدش باله.
رد عليه أحد رجاله مؤكدًا:
- اطمن يا كوبارتنا، هو تحت الحماية.
تابع موضحًا سبب شموله برعايته الشديدة:
- أنا عارف إنه خارج قريب من هنا، بس هو لسه على قديمه، مش زي ما أنا عايزه، بيحسبها مليون مرة قبل ما ياخد خطوة...
بدت نبرته عميقة للغاية وهو يتم جملته:
- وفي دُنيتنا ما بيعملوش حساب إلا للي قلبه ميّت من زمان!
مجددًا أخبره تابعه المخلص:
- احنا في ضهره، مش هنسيب حاجة تمسه.
شدد مرة ثانية على اتباع أوامره بحذافيرها مشيرًا بسبابته:
- المهم هو ما يحسش بحاجة.
رد عليه في طاعة:
- أوامرك يا كبير "الهجامة".
أشعل بعدها سيجارته ليلتفت ناظرًا إلى جانبه، حيث لاحظ اقتراب أحد الضباط منه، ومن ورائه أفراد قوة الشرطة، وصل صوته إليه مناديًا:
- يالا يا "كرم"، هتترحل من هنا علشان نخلص إجراءات خروجك.
ألقى بسيجارته قبل أن ينتهي منها أرضًا، ودعس عليها بقدمه مرددًا:
- ماشي يا باشا.
هلل أحد رجاله من الخلف ملوحًا بيديه في الهواء عندما همّ بالانصراف:
- هتوحشنا يا كوبارتنا.
لم ينظر تجاهه، وقال مبتسمًا من زاوية فمه، وفي شيء من السخرية:
- إنتو لأ.
على نفس المصطبة المتهالكة، جلس كلاهما في استرخاء، أحدهما يشعل الفحم في القصعة، والآخر يعيد ربط المبسم في النارجيلة بعد تسليك مجراها من الشوائب. استطرد "شيكاغو" متحدثًا وهو يحرك مروحة ورقية فوق الجمرات المتقدة:
- "عصفورة" جه يبلغنا إن كبير "الهجامة" طالع.
رد عليه "حمص" وقد أمسك بالملقط لينتقي أكثرهم سخونة ليضعها في موضعها على موقد النارجيلة:
- لازم الكل يكون في شرف استقباله.
وافقه الرأي مومئًا برأسه:
- مظبوط.
بدأ "شيكاغو" في سحب أنفاسٍ متتالية منها، ليختبر مدى جودتها بعدما ناوله رفيقه المبسم، حرر الدخان في الهواء، وسأله في مكر:
- أومال إيه حوارك مع "سِنجة"؟
أجابه بغموض:
- مصلحة واتقضت.
أتى سؤاله التالي مباشرًا:
- و"عباس" عنده عِلم بيها؟
لوى ثغره مرددًا، وهو يأخذ منه المبسم ليدخن:
- لأ، والأفضل ما يعرفش، إنت عارفه ياكل مال النبي.
لحظتها سأله "شيكاغو" في تبرم:
- ونصيبي فين؟
أجابه بامتعاض:
- هو إنت كنت فايق أصلًا؟
ثم أخرج من جيبه قطعة شبه مربعة، ملفوفة في ورق مفضض، وضعها نصب عينيه قائلًا بابتسامة عابثة:
- بس ما تقلقش، أنا جبتلنا حتة حكاية للدماغ المتكلفة.
في التو اختطفها منه "شيكاغو" وتأملها بلعاب مسال، ليردد بعدها في حبور:
- أهو ده الكلام.
بعد فحص مصحوب بهذا الشعور المتعاظم بالمهانة، والإذلال، واستباحة ما لا يجوز، تأكدت بالدليل القاطع من نقائها، فقلما أحضر لهن "بغدادي" شابة مثلها، على سجيتها، معدومة الخبرة، لا تشوبها شائبة، منذ أن امتهن هذه المهنة الوضيعة، وتخصص في استدراج الفتيات وخداعهن.
كانت تُعد ورقة رابحة لمن يظفر بها. بالطبع ظلت "مروة" أسيرة حصارهن المُحكم إلى أن فرغت منها "خضرة". لحظتها فقط تمكنت من التحرر من أياديهن القابضة عليها، لتنزع القماشة التي تكبت صوتها وتلقيها أرضًا، قبل أن تصيح فيهن في بكاء شديد:
- إنتو استحالة تكونوا بشر.
ضحكت "خضرة" في استخفاف، وأخبرتها ساخرة:
- علقة تفوت ولا حد يموت، مش غنيوة هنفضل نرددها ليل نهار!
نهضت "مروة" من على الفراش مواصلة صراخها الباكي فيهن:
- هاتولي هدومي، أنا مش هستنى هنا لحظة واحدة، حتى لو فيها موتي.
اعترضت الأخيرة طريقها، وحذرتها بنظرة لا تبدو مُبشرة، وقد أمسكت بها من معصمها:
- قولتلك إن دخول الحمام مش زي خروجه.
في نفور واشمئزاز نفضت قبضتها عنها مكملة هديرها الحانق بها:
- حاسبي إيدك دي عني.
من موضع وقوفها، استطاعت أن ترى حقيبتها التي جاءت بها مُلقاة عند أحد أركان الغرفة، فأسرعت ناحيتها، وأخرجت منها ملابسها لتضعها عليها، وهي عاقدة العزم على الفكاك من هنا قبل أن تتطور الأوضاع للأسوأ، وتخسر أهم ما في حياتها، بل الأغلى على الإطلاق.
........................................
لم تتمكن "خضرة" من إيقافها، وحاولت بشتى الطرق منعها من الذهاب، فارتفعت أصوات صرخاتها الجاذبة للانتباه، ليخرج "عباس" من خلوته مع صاحبة البيت متسائلًا في ضجر:
- إيه الدوشة دي؟
تفاجأ بالشابة التي أفقدها الوعي تقف أمامه، وهي لا تزال على حالتها الثائرة، نظر إليها شزرًا وسألها وهو يزر أزرار قميصه:
- برضوه إنتي تاني؟
من ورائه خرجت "توحيدة" لتتفقد ما يدور، قامت بعقد رباط روبها المفتوح، فوجدت تابعتها تقبل عليها لتشكو إليها باستياء:
- يا أبلتي البت اللي جابها "بغدادي" سايقة علينا العوج، ومش عاجبها الحال.
بغنج تحركت "توحيدة" ناحية هذه المستجدة المتمردة، لتعنفها في استعلاء:
- في إيه يا بت؟ شايفة نفسك علينا ليه؟ ده إنتي هربانة من بيت أهلك، وجاية لحد عندنا بمزاجك.
في التو نفت تُهمها الباطلة بنبرة غاضبة وعالية، تعبر عن حنقها وشعورها بالظلم والقهر:
- لأ، إنتي غلطانة، أنا مش بالشكل ده، هو ضحك عليا، وأنا اللي عبيطة وصدقته، وخلاص فوقت، وراجعة من مطرح ما جيت.
ثم انطلقت صوب الباب وهي تدفع بيدها كل من تعترض طريقها، وصوتها يصرخ:
- حاسبوا من سكتي.
اغتاظ "عباس" من محاولتها استعراض القوة أمامه، وكأن وجوده لا يرهبها، ولا يعني لها شيئًا فتبعها هادرًا:
- وأنا مش عاجبك ولا إيه؟
صوته الأجش جمدها في موضعها، فاستدارت تنظر إليه بتوتر، في حين جاءت من خلفه "توحيدة" ترجوه بتدلل:
- اهدى يا معلم "عباس"...
ثم ضحكت بشكل رقيع ومفتعل لتضيف:
- دي هبلة.
رد عليها بوجوم، ونظرة مخيفة تنبعث من حدقتيه:
- والهبلة تتعلم.
لم تظل "مروة" على جمودها كثيرًا، أولته ظهرها وهمّت بالمغادرة. لكنها تفاجأت به ينقض عليها ليمسك بها من كومة من شعرها، صرخت من شدة جذبه في ألم:
- آه، شعري.
أرجع رأسها للخلف، وهمس بالقرب من أذنها في نبرة تهديد صريحة:
- عايزة تطلعي من هنا، وجب...
قصف قلبها رعبًا من طريقته المخيفة، وازداد إحساسها بالخوف أضعافًا عندما أتم جملته:
- بس من غير ولا حاجة.
بلا أي مقدمات أمسك بحقيبة يدها وألقاها أرضًا، ثم راح ينتزع عنها ما يستر جسدها من أقمشة ويمزقها إربًا، فصرخت تحت يده وهي تستغيث:
- شيل إيدك، حرام عليك.
تأكد من بقائها بالخفيف من الثياب، ما يحجب مفاتنها بالكاد، لتبدو في أعين الجميع شابة لعوب، منفلتة، منحلة، مُدنسة، تُجيد إغواء الرجال واستدراجهم لارتكاب المحرمات.
جرها خلفه بخشونة نحو الباب، وفتحه على مصراعيه، وهو يأمرها بغلظة وصرامة:
- يالا قدامي.
قاومته بكل ما أوتيت من قوة، ومع ذلك عجزت أمام طوفان غضبه الأعمى، ساقها كالبهائم إلى الخارج، بل إنه حرفيًا جرها على درجات السلم ليمعن في إهانتها، وكسر شوكتها، ولم تجرؤ أي واحدة على منعه من أخذها قسرًا. تصعبت "توحيدة" بشفتيها مرددة:
- دي هتبقى فضيحة للركب...
ثم التفتت نحو المتفرجات بصالة منزلها تأمرهن:
- هاتولي العباية أوام.
في التو رددت "خضرة" وهي تركض:
- عينيا يا أبلتي.
................................
مستعينًا بإحدى وسائل النقل الصغيرة، استخدم "فهيم" مركبة التوكتوك لنقل ما قام بتخزينه من متعلقات شخصية تخص عائلته في مخزن أحد رفاقه، لوضعها في بيته الجديد، كانت الوسيلة الوحيدة المتاحة للتمكن من الدخول والتحرك بيسر عبر الأزقة والشوارع الضيقة.
تذمر العمال من صعودهم مرارًا وتكرارًا لعدة مرات، حتى انتهوا كليًا من نقل كافة الأشياء، مما دفع "فهيم" لإعطائهم المال الإضافي كنوع من الترضية لهم. وجدت "دليلة" نفسها مضطرة لتوضيب كل شيء بجانب محاولتها للاستذكار، فمن الصعب على والدتها إنجاز هذه الأمور بمفردها. اشتكت من استنفاذ طاقتها في رص أدوات الطهي في الدواليب بالمطبخ، خاصة حينما طلبت منها أمها التوجه إلى غرفة النوم لطي الثياب ووضعها على الرفوف بالدولاب.
قبل أن توشك على أداء مهمتها التالية قرع جرس الباب، فأمرتها "عيشة" من الداخل:
- روحي شوفي مين جه.
هتفت في تبرم وهي تسير تجاهه:
- طيب، حاضر.
ثم أمسكت بالمقبض، وأدارته، تطلعت "دليلة" إلى الضيفة الغريبة التي وقفت عند أعتاب الباب بنظرة حائرة، فقد كانت ممتلئة الجسد، متوسطة الطول، وترتدي قميصًا منزليًا يبدو فضفاضًا في حالته العادية، لكنه يلتصق بشحمها ولحمها، وتحمل في يدها طبقًا مغلفًا بورق الفويل. لم تبتسم لها وهي تسألها مستفهمة:
- أيوه، مين حضرتك؟
رفعت المرأة يدها الأخرى الخالية لتضعها أمام فمها، ثم أطلقت زغرودة عالية، دون أي مقدمات، لتهلل في ابتهاج:
- يا مرحب بالسكان الجداد، أنا جارتكم "اعتدال".
في البداية انتفضت بشكل لا إرادي مذهولة من تصرفها، لتدارك الأمر قائلة بابتسامة مقتضبة:
- أهلًا وسهلًا، لحظة أنادي ماما.
لم ترفع "اعتدال" عينيها عنها، رغم ترك "دليلة" لها عند الباب لتسرع في خطاها نحو الداخل، بل إنها اقتحمت الصالة دون استئذان لتتأملها بنظرات مبهورة وهي تطوف بعينيها على كل ركن فيها. زمت شفتيها هاتفة في استحسان:
- إيش إيش على الحلاوة.
تحسست ظهر الأريكة المذهبة بيدها، وتابعت حديثها إلى نفسها:
- الواد "كيشو" مكدبش أما قال إنه قلب الخرابة دي قصر.
.......................................
- مين يا "دليلة"؟
تساءلت والدتها بهذه العبارة وهي تنهض عن سجادة الصلاة بحذر، لتجد ابنتها تخبرها في صوت خافت، وهي تشير بيدها نحو الخارج:
- واحدة بتقول إنها جارتنا.
انحنت "عيشة" لتلتقط السجادة من على الأرضية، طوتها على عجالة، وأمرتها وهي تشير نحو ضلفة الدولاب المفتوحة:
- طب خليكي جوا، وكملي رص الهدوم.
اكتفت بهز رأسها، لتسير بعدها والدتها متجهة إلى الصالة، دون أن تبدل إسدال الصلاة، حيث تنتظرها الضيفة الغريبة. وضعت على وجهها ابتسامة مهذبة، واستطردت تُحييها:
- السلام عليكم.
في أريحية زائدة ردت عليها:
- وعليكم السلام يا حبيبتي، أنا جارتكم "اعتدال" ساكنة في الأول.
مدت "عيشة" يدها لمصافحتها، لكنها تفاجأت بها تجذبها ناحيتها لتنهال عليها بعشرات القبلات على وجنتيها كنوع من الترحيب الحار.
بالكاد تمكنت من التملص منها، وقالت مجاملة، وهي تجاهد للحفاظ على ابتسامتها الودية:
-أهلًا بيكي، شرفتينا، اتفضلي.
جلست "اعتدال" على الأريكة، وتساءلت في اهتمام:
-ما اتشرفتش باسمك.
أجابتها الأخيرة باقتضاب:
-أنا "عيشة".
انتقلت لسؤالها الفضولي التالي:
-واللي البنوتة الحلوة اللي فتحتلي تبقى مين؟
بعد زفرة سريعة أخبرتها:
-دي بنتي "دليلة".
هتفت مجاملة:
-عاشت الأسامي...
ثم أضافت في ألفة عجيبة، وكأنها على سابق معرفة بعائلتها:
-أنا قولت أشأر عليكم، وأشوف إن كنتم محتاجين حاجة.
قالت في امتنان:
-كتر خيرك.
مدت بعدها يدها بالصحن الذي أحضرته معها، واستطردت في إصرار:
-اتفضلي يا "عيشة" يا اختي، حاجة كده تفتح نفسكم، عمايل إيديا وحياة عينيا.
شكرتها على هديتها في تهذيب:
-مالوش لازمة تعبك، كفاية زيارتك الطيبة.
تصنعت الضحك، وهتفت في صوت شبه صاخب:
-ولا تعب ولا حاجة، ده إنتي ما تعرفنيش...
لم تعقب "عيشة" بكلمة، فاستمرت ضيفتها في الاسترسال عن مدى تفوق مهاراتها في طهي الطعام:
-وربنا مافيش حد في الحتة دي يعرف يعمل محشي زيي.
كنوع من المجاملة ردت:
-ما هو باين من الريحة الحلوة.
عادت "اعتدال" لفضولها المتطفل، وتساءلت في صوت جاد:
-على كده ما عندكيش إلا المحروسة دي؟
اضطرت على مضض للإجابة عليها:
-لأ، في بنتي الكبيرة "إيمان"، وهي متجوزة، وقاعدة في بيتها.
ابتهجت أساريرها مرددة:
-يا صلاة النبي.
ردت بتلقائية:
-عليه الصلاة والسلام.
بنفس النهج الذي تتبعه، لاحقتها "اعتدال" بسؤالها التالي:
-والحلوة دي متجوزة ولا في حد متكلم عليها؟
الوداعة التي كانت على وجهها اختفت بالتدريج، لتبدو قسماتها جادة إلى حد ما وهي تخبرها:
-"دليلة" لسه بتدرس، واحنا مش بنفكر في الكلام ده دلوقت، أبوها مستني أما تخلص دراسة.
مصمصت جارتها شفتيها مرددة:
-وماله، في النهاية الواحدة مالهاش إلا بيت جوزها، وراجل تخدمه، وتشوف طلباته.
لم تكن "عيشة" راضية عن محدودية تفكيرها في هذا الشأن، ومع هذا لم تجادلها، واكتفت بالحفاظ على صمتها وهدوئها، لتتفاجأ بها تعرض عليها بتصميم:
-وبعدين ما تقلقيش، لو ما جالهاش عدلها، أنا سدادة، عندي بدل العريس عشرة، أنا مجوزة نص بنات الحتة.
بلا ابتسام ردت:
-متشكرين.
وقبل أن تستمر في وصلتها التحقيقية التي جاءت من أجلها، نهضت "عيشة" من على الأريكة هاتفة:
-أنا مش عايزة أعطلك معايا، وزي ما إنتي شايفة البيت مكركب، والحاج زمانه راجع فلازم أروقه.
بتثاقل وكسل نهضت هي الأخرى قائلة:
-أه وماله، أنا جاية أصلًا زيارة على الواقف أتعرف بيكم...
إلى حد ما انقلبت سحنة "عيشة" عندما أتمت جارتها السمجة جملتها:
-وبعد كده هتلاقيني ليل نهار عندك، احنا كلنا هنا في الحتة زي العيلة الواحدة.
حرصت على ألا تعقب بشيء، فاتخاذ موقف صارم مع هذه النوعية من الشخصيات الفضولية قد يأتي بنتائج عكسية، خاصة في منطقة شعبية كتلك. ظلت على وديتها المصطنعة، وأشارت لها لتصحبها تجاه الباب، و"اعتدال" لا تزال تكلمها:
-لو عوزتي حاجة نادي عليا من السلم، أنا باب بيتي مفتوح ليل نهار.
هزت رأسها كأنما توضح لها دون كلام أنها تصغي لها، لتضيف الأخيرة في جدية:
-ماهو مافيش حد غريب بيدخل حتتنا دي، احنا مقفول علينا.
أوجزت في التعليق عليها:
-واضح.
بصبر أوشك على الانتهاء، تساءلت "دليلة" بعدما خرجت من الغرفة في ضيق وتذمر:
-مين الست الحشرية دي؟
قبل أن تجيبها، انتبهت كلتاهما لهذا الصراخ المخيف الذي صدح فجأة في المكان، وكأن إحداهن قد فقدت عزيزًا لديها، فراحت تنعي وفاته بطريقتها. من تلقاء نفسها استطردت "دليلة" وهي تتجه نحو الشرفة:
-في صويت جامد في الشارع.
تبعتها أمها قائلة بشيء من الفضول الحائر:
-خلينا نشوف في إيه؟
.................................
كلص يتم مطاردته ومعاقبته من قِبل الجميع، جرت جرًا إلى خارج مدخل العمارة، وهي بالكاد تحاول تغطية ما برز منها بيد، وباليد الأخرى تقاوم سحب هذا الرجل العتيد لها، بينما احتشد أهالي المنطقة، في المساحة الضيقة الفاصلة بين العمارات والأبنية القديمة، ليشهدوا بأم أعينهم على ما يجري الآن بما يسمى بفضيحة علنية، بطلتها شابة مجهولة الهوية، ممسك بها الذراع الأيمن لمن يفرض السطوة والقانون هنا، كذلك امتلأت الشرفات بعشرات النساء والأطفال، ممن شعروا بالأسف على هذه المسكينة التي وقعت في يد من لا يرحم.
هدر "عباس" عاليًا، وذراعه مفرود على طوله في الهواء:
-يا أهل الحتة، تعالوا اشهدوا، واتفرجوا...
ضمن الحوز على انتباه الحشد الغفير له، ثم بخشونة كبيرة دفع "مروة" للأمام، ففقدت اتزانها، وانكفأت على وجهها، وطرحت أرضًا، مما جعل أجزاء أخرى من جسدها تنكشف، ومع هذا لم يتجرأ أي شخص على منحها ما تستر به نفسها، لتصرخ في حسرة وعجز وهي تحاول مواراة ما ظهر من لحمها بيديها:
-حرام عليك.
أشار ناحيتها بإصبعه ملقيًا باتهاماته المجحفة عليها:
-المحروسة، بنت الأصول، هربانة من بيتها، ومش عاجبها إن الست "توحيدة" سترتها عندها، وما سألتهاش عن اللي كانت بتعمله..
ارتفعت صيحات الاستهجان وسرت بين الجموع المشاهدة
-وقالت تخليها تشتغل في خدمة البيوت، إكمنها شغلانة بالحلال.
لم تكن لها أي مطالب سوى الخروج من هذا المستنقع قبل أن تطأه، لكن عاصفة الظلم هبت، وجرفتها معها، راحت "مروة" تصرخ مدافعة عن نفسها:
-والله العظيم ده كداب، أنا شريفة، ومعملتش حاجة غلط.
ظل الجميع يتابعون في صمت وجل ما تتعرض له، و"عباس" يزيد في اضطهاده لها:
-شايفين؟ هو ده اللبس اللي جاية بيه؟
دنا منها حتى وقف أمامها، نظر إليها من علياه، وقال بشبح ابتسامة مخيفة:
-وأنا لو مكان أهلك كنت صفيت دمك.
للغرابة تدخلت "توحيدة" بعدما خرجت من المدخل وفي يدها ملاءة شبه بالية، ألقتها على هذه المغلوبة على أمرها، وتوسلته في سمة من التعاطف الزائف:
-خلاص يا معلم "عباس" ربنا أمر بالستر.
حتى وإن كانت ما ألقته خرقة بالية لأخذتها حتى تتوارى بداخلها، فما اختبرته الآن يفوق قدرتها على الاحتمال. ربتت "توحيدة" على كتفه قائلة:
-احنا مش ملايكة، بس ربنا غفور رحيم.
منحها نظرة ذات مغزى، فبادلته أخرى ممتنة، لكونه ببساطة قد نجح في إتقان الدور، وإخضاع من تفكر في عصيانها، تكلمت بعدها آمرة تابعتها اللصيقة بها:
-خديها يا "خضرة" فوق.
في التو امتثلت لأمرها، واتجهت ناحيتها قائلة:
-حاضر يا أبلتي.
عاونتها على النهوض، ولفت من حولها الملاءة، لتهمس في أذنها بشماتة:
-مش قولتلك قبل سابق، دخول الحمام مش زي خروجه.
طأطأت "مروة" رأسها في خزي، وانساقت هذه المرة بطواعية منها عائدة إلى الداخل، ليهدر "عباس" في صوت مرتفع وهو يصفق بيديه:
-المولد اتفض، كل واحد يشوف سكة.
مثلما اجتمعوا تفرقوا في ثوان معدودة، لتظل "توحيدة" معه تنظر لها بافتنان وإعجاب قبل أن تمتدحه، ويدها تمسح على صدره برفق:
-طول عمرك راجلي وراجل الناس يا سي "عباس".
زجرها في خشونة:
-اطلعي وراها يا ولية احنا في الشارع.
ضحكت بشكل رقيع، وعلقت وهي تتغندر في مشيتها:
-أموت فيك وإنت حمش.
...........................................
لم تكن لتبالي للحظة واحدة بما جرى على مرأى ومسمع منها، لو كان ما تشاهده مشهدًا عابرًا ضمن أحداث أحد تلك الأفلام الهابطة التي تعرض على التلفاز في السهرة، لكن ما حدث للتو لا يصدق أبدًا، شعرت "عيشة" بالذعر والخوف، وخاصة على ابنتها النقية التي أرغمت على رؤية إذلال إحداهن وإلصاق العار بها لذنب لا تعلمه، وربما لم ترتكبه من الأساس، وذلك لأنها فقط تمردت على أمثال هؤلاء الأشداء القساة.
انتشلها من تفكيرها المرتعب صوت "دليلة" المتسائل:
-إيه الناس دي؟
صاحت بها في تعصب استغربته:
-مالناش دعوة بيهم، حاجة ما تخصناش، واقفلي الشباك ده خالص.
اندهشت للغاية من عصبيتها التي استثيرت فجأة، وهتفت بملامح حائرة:
-أنا مش فاهمة حاجة.
وكزتها أمها، وأرجعتها للخلف لتقوم بغلق شباك الشرفة الكبير وهي تعقب بنفس اللهجة الصارمة:
-مش مهم، وملكيش دعوة بحد هنا...
كادت تنطق بشيء محتج لولا أن أضافت والدتها لتعلمها بما قررته فجأة:
-وأنا هشوف صرفة مع أبوكي وأخليكي تروحي عند أختك.
انفرجت أساريرها ابتهاجًا، وقالت في سرور كبير، وتنهيدة ارتياح تنطلق من رئتيها:
-يا ريت والله.
...........................................
فهم بالتدريج أن ما يقدمه العامل له، طوال النهار، من حجج وأعذار سخيفة هي مجرد وسيلة لإلهائه ومماطلته ريثما يأتي صاحب الفرن ليتحدث شخصيًا إليه، فجاء الحاج "درويش" بالفعل، وسحب كرسيه الخشبي وجلس مجاورًا له، ليخبره بأن المخبز الذي يتشارك فيه معه لا يحقق الربح الكافي، وعلى وشك الإفلاس.
نظر إليه "فهيم" مدهوشًا، وسأله باستنكار:
- إيه الكلام ده؟ إزاي الفرن ما بيكسبش؟
حسبما تابع منذ وقت جلوسه المبكر، فإن الزبائن يترددون عليه دون انقطاع، وبأعداد معقولة، فأفصح عما رآه بعفوية:
- ده ما شاء الله الناس داخلة خارجة عليه.
آنئذ خمّس "درويش" بكف يده في وجهه هادرًا بضيق، وقد حل العبوس على كامل تقاسيمه:
- الله أكبر، إنت هتحسد مالي ولا إيه؟
استهجن ردة فعله، وسأله:
- مالك؟
واصل "درويش" هجومه اللفظي عليه:
- دول كام ملطوش يدوب بجيب بيهم مصاريفه، هتبص فيهم كمان؟
غامت تعبيرات وجهه من أسلوبه الفظ، وقال رغم هذا بهدوء:
- طب هات الدفاتر أراجعها.
انفجر فيه صائحًا بغلظة:
- إنت بتسرقني كمان؟
في التو برر له مقصده لئلا يستمر في إساءة تفسيره:
- حاشا لله، أنا بس عايز أعرف الغلط فين.
كانت كلماته قاسية، مهينة إلى حد كبير، خاصة عندما خاطبه في استحقار وهو يوكزه في كتفه:
- بقولك إيه يا عم "فهيم"، روح شوف حالك، وتبقى تيجي أول كل شهر تاخد اللي فيه النصيب.
حفظًا لماء وجهه علق بعدما نهض من على المقعد، وهو يبتلع تلك الغصة المريرة العالقة في جوفه:
- أنا مش بشحت منك، أنا ليا لي في الفرن ده.
قام الأخير بدوره، وناطحه في تحدٍ مستفز:
- ده اللي عندي، ولو مش عاجبك اشتكي.
كور "فهيم" قبضة يده معقبًا:
- حقي هجيبه، بس ما ترجعش تزعل يا .. حاج.
جاء رده على هيئة تهديد أخطر، وأكثر بثًا للرعب في قلبه:
- إنت عندك بنات، أحسنلك تخاف عليهم، لأنك ما تعرفش أنا تبع مين، وأقدر أعمل فيك إيه.
لم يكن بالممازح معه، نبرته، ونظرته أكدت أنه قادر على سحقه ما لم يتراجع عن موقفه معه. لكنه رغم هذا قبل بذلك النوع من التحدي غير المحمود العواقب، ورد بإباء:
- هنشوف.
رواية فوق جبال الهوان الفصل الثالث 3 - بقلم منال سالم
من بعيد، بدت الهالة المحيطة به وكأنه شخصية مثقفة، غير عدوانية، راقية إلى حد ما، تتحاور بالمنطق والعقل، بسبب إنهائه لتعليمه الجامعي، وحبه للمعرفة والعلم، وما أكد على ذلك اهتمامه الدائم بالقراءة ومطالعة الكتب المختلفة الموجودة في المكتبة الملحقة بالسجن. لكن في حقيقة الأمر كان هذا هو المكان الوحيد الذي اعتاد أن يجري فيه صفقاته السرية، ويرتب لإدارة كافة الأمور الهامة دون إزعاج من الآخرين.
جلس "زهير" بشيء من الشموخ على طاولته القريبة من النافذة، يستمتع بتسلل أشعة الشمس عبر زجاجها المفتوح، وفي يده هذا الكتاب، شرد يتأمل الحديقة المتواضعة عبر القضبان المعدنية، أما أمامه فاستقر أحد النزلاء يتطلع إليه بترقب، فقد كان يخشى من احتمالية رفضه التدخل في حل معضلته العويصة، وخصوصًا وهو محتجز هنا، وعاجز عن التصرف بأريحية مثلما كان بالخارج وفي يده زمام السلطة.
ازدرد النزيل ريقه، وسأله بحذر:
- إنت مردتش عليا لسه؟
دون أن يكلف نفسه عناء النظر ناحيته أخبره بعجرفة:
- ما أنا ما شوفتش منك أمارة.
زوى ما بين حاجبيه متسائلًا:
- قصدك إيه؟
هذه المرة حملق فيه بنظرة قوية ثابتة قبل أن يخبره مباشرة:
- حسابي يتحط فيه الفلوس، هتلاقي كل مشاكلك اتحلت.
امتعضت ملامح الأخير في استياء، ولاحظ "زهير" ما انعكس على تعبيراته، فأعلمه بلهجة صاحب القرار الأول والأوحد:
- ويا ريت ما تضيعش وقتي تاني طالما مش جاهز، لأن وقتي مش ببلاش.
نهض من على مقعد معقبًا في وجوم:
- ماشي الكلام.
قبل أن ينصرف النزيل، حذره مبتسمًا في مكر:
- وما تنساش إنت بتتعامل مع عيلة "الهجام"، واحنا مش أي حد.
حدق فيه، وهز رأسه معلقًا باقتضاب:
- فعلًا.
غادر بعدها المكان، ليعود "زهير" إلى مطالعة كتابه في هدوء، وكأنه لم يقم بإجراء أي اتفاق من الأساس، ربما يظنه البعض أنه على النقيض مع شقيقه الأكبر، لكنه كان يحتكم إلى صوت العقل أولًا قبل الاندفاع بتهور في تيسير شئونه، مستفيدًا بسنوات تعليمه الممتدة حتى انقضاء دراسته في كلية التجارة. في بعض الأحيان يطغى عليه الجانب الإنساني، فيجعله يتردد، وربما يتعاطف مع البعض، ورغم هذا لم يعارض قرارات شقيقه حينما يصدرها، إلا إذا تطلب الأمر تدخله للتصرف بروية، كلاهما كانا يكملان بعضهما البعض بشكل مشوق وغريب.
...........................................
ظلت قبضتاها ممسكتان بطرفي الملاءة القديمة، ترفض إزاحتها عنها، وكأنها درعها الوحيد الذي يحجب عنها الأعين الشامتة فيها، برغم كونها أصبحت بداخل هذا المنزل الملعون، إلا أنها ما زالت تشعر بأنها مجردة مما يسترها.
اصطحبتها "خضرة" إلى الغرفة التي استفاقت فيها قبل برهة، وأجلستها على طرف الفراش، لتواسيها في نبرة جمعت بين قدر محدود من التعاطف، والمزيد من اللوم:
- عيني عليكي يا حبيبتي، قولتلك من الأول دخول الحمام مش زي خروجه.
لم تجرؤ على رفع رأسها والنظر إلى من حولها، فالجميع قد شهد على فضيحتها العلنية، وعلى تدنيس سيرتها النقية بوقاحة فجة، وكأنها حقًا شابة سيئة السمعة، فكيف لها أن تحظى بالاحترام من جديد؟
أصغت "مروة" إليها وهي لا تزال تخاطبها في حماس يناقض ما يعتريها الآن من مشاعر ذليلة ومقهورة:
- وبعدين يا حلوة إنتي متعانة للكبير، وده يا بخته اللي تنول شرف الأعدة معاه.
التشوش الذي استحوذ على عقلها بعد تجربتها الأليمة والصادمة جعلها عاجزة بقدر كبير عن تفسير ما ترمي إليه من عبارات، ورغم هذا لم تنطق بشيء أو تستعلم عن مقصدها، ظلت صامتة، تبكي بحرقة، والرجاء يحدوها أن يكون ما تعايشه مجرد كابوس لحظي ستستفيق منه في أي وقت.
أضافت "خضرة" وهي تلكزها في كتفها بخشونة طفيفة:
- واحدة غيرك كان المفروض تبوس إيدها وش وضهر إنها جت مع الست "توحيدة"، وهي بتقدر اللي معاها.
افتعلت الضحك، فبدت ضحكاتها مزيفة وسخيفة قبل أن تقول:
- بكرة تدوقي الشهد، وتودعي الفقر.
من بعيد راقبت "وزة" ما تعرضت له هذه المسكينة من ظلم واضطهاد، فشعرت بالأسف عليها، وانتظرت ابتعاد هذه اللئيمة عنها لتحضر بعض الثياب لها لتدنو منها قائلة في صوت خفيض، ونظرة حذرة تطوف في أرجاء الغرفة:
- ما تسمعيش كلامها...
انتبهت لها "مروة"، وتطلعت إليها من خلف سحابة الدموع التي تحتل حدقتيها، لتجدها مستمرة في حديثها الخافت:
- لو جتلك فرصة تهربي من هنا، اعملي كده وانفدي بجلدك.
لم تتوقف عن البكاء، و"وزة" تواصل إفراغ ما في جعبتها من مشاعر ناقمة ساخطة:
- دول أبـــالــسة، ما يعرفوش ربنا.
لاحظت "خضرة" وجودها بالقرب من كنزهما الثمين، فاتجهت إليها بخطوات سريعة تسألها في تحفز:
- بتزني في ودانها بإيه يا بت؟
في التو عمدت إلى تغيير الموضوع بسؤالها المتذلل:
- مش هتكلميلي الست "توحيدة" عن ابني؟
بجمود واضح أخبرتها، وهي تدفعها بيدها للخلف:
- حوارك ما يخصنيش.
توسلت إليها في إلحاح:
- ده أنا حبيبتك، ساعديني الله يكرمك.
زمت شفتيها متمتمة في تجهم:
- وأنا ماليش حبايب، ويالا ابعدي عنها وشوفي وراكي إيه.
اضطرت "وزة" للانصياع لها، وتراجعت مبتعدة عن "مروة"، لتسمع "خضرة" وهي تدمدم:
- نسوان فاضية.
رغمًا عنها كبتت "وزة" مشاعرها الأمومية في صدرها، وراحت تردد بين جنبات نفسها في رجاء:
- مسيري أعرف طريقك يا ضنايا، وأرجعك لحضني.
...........................................
بقي على وجومه وشروده بعدما غادر محيط المخبز، فقد كان يعتمد على الربح القادم منه لادخـــاره من أجل الانتقال لمنطقة سكنية أفضل، لكن حديث "درويش" هدم كافة آماله، بل وجعله عرضة للتشاحن معه وتصعيد الأمور لشيء خطير.
انتشله من سرحانه رنين هاتفه المحمول. انقبض قلب "فهيم" عندما وجد زوجته تتصل به، لا إراديًا ظن أن ذلك البغيض نفذ تهديده، ومكروهًا قد وقع لإحدى ابنتيه، فأجاب على الاتصال في جزع:
- خير يا "عيشة" في حاجة حصلت؟
اندهشت من اللهفة التي كان عليها وهو يسألها، ومع ذلك تغاضت عن سؤاله، لتعلمه:
- أنا هاخد "دليلة"، ونروح لبنتك "إيمان" شوية.
ما زال زوجها على خوفه، فتساءل بنفس النبرة المتوجسة، وكامل وجهه يعكس قلقًا متعاظمًا:
- هي كويسة؟ حصلها حاجة؟ ما تتكلمي.
استغربت أكثر من طريقته المريبة في السؤال عن أحوالها، وأكدت له:
- هي بخير والله...
تنفس الصعداء، وأصغى إليها بقدر من التركيز وهي تخبره:
- بس إنت عارف صعب تيجلنا هنا، وأنا عاوزة أشوفها، وأقعد معها شوية.
وافق على طلبها مبديًا شرطه الإلزامي:
- ماشي، روحي، بس ما تطوليش.
أطاعته بلا جدال:
- طيب.
أنهى معها المكالمة ليعيد وضع هاتفه داخل جيب بنطاله القماشي، وتابع سيره المهموم ليلتقي مصادفة مع "كيشو" الذي هلل مناديًا باسمه وهو يلوح بيده في الهواء:
- عم "فهيم".
وكأن في رؤيته نجدة من السماء، فأقبل عليه هاتفًا في صوت عبر عن مدى احتياجه إليه:
- "كيشو"، ابن حلال، أنا عايزك في حاجة مهمة.
لم يرفض مطلبه، ودعاه للجلوس معه قائلًا:
- طب تعالى نتكلم على القهوة.
هز برأسه موافقًا:
- ماشي.
اتجه الاثنان إلى المقهى القريب، لينادي "كيشو" على الصبي الذي يعمل هناك ليعد لهما كوبان من الشاي حتى يصغي بتركيز إلى ما يريده منه.
................................
بعبارات بسيطة ومفهومة، راح يسرد ما تعرض له من عملية يمكن وصفها بالاحتيال لنهب حقه الشرعي، ولم يقاطعه "كيشو" طوال حديثه، إلى أن فرغ تمامًا، حينها لوى ثغره بعبوس، وفرك طرف ذقنه بيده مرددًا في امتعاض:
- حوارك ده في مشاكل، وناس هتزعل من بعض.
تعبيرات وجهه أوحت بمدى تعقيد الأمور، وتيقن "فهيم" أكثر من صدق حدسه حينما أعطاه تلميحًا بدا غامضًا إلى حد ما:
- وخصوصًا إن الحاج "درويش" تبع جماعة "العترة".
حدق فيه متسائلًا:
- مش فاهم، مين ده كمان؟
شرح له ببساطة:
- الدنيا نواحينا متقسمة زي مناطق، وكل منطقة ليها كبير، واحنا كبيرنا "الهجام"، وهو مش أد كده مع "العترة"، إكمنه عمل كام دقة نقص معاه.
انقبض قلبه في توجس، وسأله:
- طب والعمل إيه؟
نفخ بصوت مسموع قبل أن يقترح عليه:
- بص، احنا نحاول نشوف واسطة خير يحللنا الحكاية، جايز تخلص من غير مشاكل.
في التو أكد له "فهيم" مشيرًا بيده:
- وأنا والله ما عايز مشاكل من الأساس، بس ده حقي، وصعبان عليا يروح مني كده، وما بقاش قادر أخده.
تعاطف معه، وعقب بجدية:
- سيبلي الحوار، وأنا هتصرفلك فيه.
بدا ممتنًا لمبادرته بالمساعدة، وأخبره:
- ربنا ييسرلك الأمور، وأنا مش هنساك طبعًا.
في شيء من المجاملة رد:
- تعيش يا عم "فهيم".
ثم فرقع بإصبعيه ليستدعي صبي المقهى من جديد، ليميل الأخير عليه، ويهمس في أذنه ببعض العبارات غير المسموعة، في التو تغيرت تعبيرات وجه الصبي، ومع ذلك قال في طاعة:
- ماشي يا "كيشو"، هبلغه.
....................................
عرجت على أحد محال بيع الحلويات الشرقية الشهيرة، وابتاعت لابنتها منه ما لذ وطاب، وخاصة ما تشتهيه لنفسها، قبل أن تصعد إلى منزلها القريب منه لتقوم بزيارتها دون أن تهاتفها مسبقًا لتعلمها بقدومها، لكنها كانت مضطرة لفعل ذلك لتفاتحها في المسألة الهامة التي جاءت خصيصًا من أجلها.
فرحت "إيمان" لرؤيتها مع شقيقتها، واستقبلتهما بحفاوة وترحاب، ونظرت إلى العلب الكرتونية المغلفة بالأشرطة، وعاتبت والدتها في رقة:
- ما كانش ليه لازمة تكلفي نفسك يا ماما، خير ربنا موجود، و"راغب" مش مقصر معايا.
ابتسمت قائلة بودية:
- ما إنتِ عارفة أبوكي موصيني.
بادلتها الابتسام، وقالت في حبور:
- ربنا يخليكم ليا يا رب.
ثم التفتت ناظرة إلى "دليلة" التي كانت تتمدد باسترخاء على الأريكة المريحة وهي تعبث بهاتفها المحمول، لتسألها باهتمام:
- عاملة إيه يا "دولي"؟ مبسوطة؟
رفعت عينيها عن شاشته المضيئة، وعلقت بضجر:
- بتتريقي؟
اكتفت بالتبسم لها، فتابعت "دليلة" في سخط:
- مش هتكلم، بس احنا في حتة بيئة أوي، مش هاقولك على الحكايات اللي بتحصل فيها، دي ولا الأفلام.
تطرقها للحديث عن هذا الأمر تحديدًا مهد لها الكثير، فاستغلت "عيشة" الفرصة لتصرف ابنتها الصغرى، فأمرتها:
- خشي اغسلي الأطباق لأختك، بدل ما إنتِ قاعدة كده.
في التو أظهرت تبرمها مرددة بضيق:
- هو شغل هنا وشغل هناك؟!
شددت عليها أمها بلهجتها الآمرة:
- يالا، اتلحلحي.
على مضض، نهضت من موضع جلوسها، وسارت تجاه المطبخ لتؤدي مهمة غسل الصحون وتنظيفها، ما إن اختفت عن ناظريها حتى انتقلت "عيشة" بجوار ابنتها لتهمس بخفوت جاد للغاية:
- "إيمان"، عايزاكي في كلمتين؟
استغربت من تبدل حالها، وسألتها بقلب وجل:
- خير يا ماما؟
ازدردت ريقها، وتابعت مباشرة:
- ينفع تخلي "دليلة" تقعد معاكي هنا؟ المكان اللي احنا فيه صعب أوي، وأنا خايفة عليها من العالم الواغش اللي عايشين فيه.
استطال وجهها لحظيًا، فقد استشعرت الحرج من مطلبها رغم أهميته، خاصة مع انزعاج زوجها مؤخرًا من انتقال العائلة لهذه المنطقة المتدنية في كل شيء، ومع هذا أخبرتها بتردد محسوس في نبرتها:
- مش عارفة "راغب" رأيه هيكون إيه؟
لو لم تكن مضطرة إلى هذا لما لجأت إلى مساعدتها، في شيء من الإلحاح طلبت منها:
- حاولي تقنعيه، ده وضع مؤقت، وأنا هزن على أبوكي ليل نهار لحد ما ننقل من المنطقة دي.
بهتت ملامحها نوعًا ما، وراحت تقول بحيادية، رافضة إعطائها الرد النهائي على هذه المسألة الشائكة:
- مقدرش أوعدك يا ماما، بس هعمل اللي عليا.
استدارت الاثنتان بوجهيهما نحو باب المنزل عندما سمعتا صوت المفتاح يُدار في قفله، تأهبت "عيشة" في جلستها، ووضعت ابتسامة وقورة على محياها عندما رأت زوج ابنتها يلج من الباب، على عكسها وجمت ملامح الأخير حينما وجدها جالسة بالصالة، وردد في نبرة مستنكرة، وكأن وجودها غير مرحب به:
- حماتي!
نهضت لتُحييه قائلة في نبرة أليفة:
- إزيك يا "راغب" يا ابني؟
عاملها بجفاء صريح:
- كويس.
قبل أن تنبس زوجته بكلمة، تفاجأت به يأمرها في نبرة صارمة:
- تعالي يا "إيمان" عايزك لحظة.
ارتعدت أوصالها من طريقته الجافة، واستطردت في طاعة:
- حاضر.
خرجت "دليلة" من المطبخ حينما سمعت صوته، وراحت ترحب بعودته في عفوية:
- حمد لله على السلامة يا "راغب".
نظر إليها من طرف عينه، ولم يرد، وانصرف بعصبية نحو الردهة، فتطلعت إلى والدتها بحرج، فما كان من الأخيرة إلا أن قالت بتفهم مخاطبة شقيقتها الكبرى:
- روحي يا "إيمان" شوفي طلبات جوزك.
لم تكن "عيشة" صغيرة في السن، أو حتى محدودة التفكير لتدرك من طريقته المتغطرسة في التعامل معهما أنه غير راضٍ عن هذه الزيارة المفاجئة، وتمنت أن تخيب ظنونها بشأنه، ويكون انزعاجه عائدًا لضغوطات العمل وليس لرؤيتهما هنا.
............................................
قدمت ساقًا وأخرت الأخرى وهي تتبعه في خطواته السريعة المنفعلة إلى داخل غرفة نومهما، أغلقت الباب ورائهما، لئلا تستمع الضيفتان إلى مشادتهما الدائرة، والتفتت ناظرة إليه في توجس خائف، لتجده يصيح في غضب جم، وبصوت يكاد يخترق الجدران:
- إنتِ ما قولتيش يعني إن أمك جاية؟
اقتربت منه، ورجته في نبرة خافتة:
- من فضلك وطي صوتك.
تعمد أن يكون صوته مسموعًا، وإلا لما أشعر ضيفتيه بنبذه لهما، لذا هتف بتهكم مستاء:
- يعني ده اللي همك؟
ضاقت نظراتها المستعتبة ناحيته، فتابع لومها بتشنج وهو ينزع عنه سترته ليلقيها أرضًا:
- وطبعًا إنتِ مظبطة معاها، على اعتبار إني مش موجود في البيت.
على الفور دافعت عن اتهامه لها وهي تنحني لتأخذها:
- والله هي اللي جت من نفسها، حتى ما اتصلتش.
وجه إصبعه إليها مستأنفًا كلامه في سخط:
- دلوقت أنا عاوز آخد راحتي في بيتي، وطبعًا هي وأختك ما هيصدقوا يطبوا علينا كل شوية.
ردت عليه في عجز:
- طب أعمل إيه يا "راغب"؟ أقوم أطردهم؟
حل رابطة عنقه، وأخذ يفك أزرار قميصه، ويشمر عن كميه وهو يخاطبها:
- معرفش، اتصرفي.
وقفت أمامه قليلة الحيلة، فواصل الكلام بعصبية:
- ده بيتي، وأنا من حقي أرتاح فيه، مش ألاقي ناس غرب قاعدين ومبرشطين فيه.
وصفه كان دنيئًا، فوبخته بحذر:
- بس دول أهلي، مش حد غريب، عيب الكلام ده.
قال بعنجهية وتسلط:
- ماليش فيه.
.....................................
بالخارج استمعت "عيشة" إلى المشاجرة المحتدمة بين الزوجين، فصوته الحانق كان يصلها بوضوح رغم الأبواب الموصدة، وكذلك ابنتها، فشعرت كلتاهما بالحرج الشديد من فظاظته. آنئذ اضطربت أفكار "عيشة"، فإن كان يبدو مزعوجًا للغاية لمجرد القيام بزيارة عابرة، فماذا إن اقترحت عليه ابنتها ما جاءت حقًا من أجله؟ أفاقت من استغراقها في تفكيرها العميق على صوت "دليلة" وهي تهمس لها:
- ماما، واضح إن في خناقة بين "إيمان" وجوزها، الظاهر إنه مش مبسوط من جيتنا.
قالت بلا ابتسام:
- استني لما أختك تيجي نسلم عليها ونمشي.
هزت رأسها مرددة:
- طيب.
بعد عدة دقائق، خرجت "إيمان" من الداخل وهي تلصق بوجهها ابتسامة متكلفة وزائفة، جلست بجوار والدتها قائلة:
- منوراني يا ماما.
تفاجأت بها تنهض من على الأريكة لترد في جمود مريب:
- تسلمي يا حبيبتي، يدوب نمشي.
قامت بدورها، وتعلقت بذراعها هاتفة:
- ما لسه بدري!
بنفس الأسلوب الجامد أخبرتها:
- علشان نلحق أبوكي.
أحست من طريقتها بوجود خطب ما، فسألتها في حرج:
- إنتِ سمعتي "راغب"؟
لم تنبس أمها بكلمة، ففطنت إلى ما حدث، وراحت تبرر لها:
- أوعي تكوني زعلتي منه، هو ما يقصدش، بس هو لما بيرجع من الشغل بيكون مضايق ومتعصب من الضغط طول اليوم وبيكون على آخره.
ظلت على تعبيراتها الجامدة وهي تخبرها:
- سيبيه على راحته...
ثم انحنت عليها لتقبلها من وجنتيها قائلة في صوت خافت:
- خدي بالك من نفسك، وما فيش داعي تحكي معاه في اللي طلبته منك.
شعرت "إيمان" بالاستياء لتسببها في إحزان والدتها وشقيقتها، فحاولت الاعتذار منها وهي تمسك بذراعها:
- يا ماما استني بس، أنا آسفة والله.
استلت يدها منها، وانصرفت سائرة تجاه الباب، لتتجه بعدها بناظريها إلى شقيقتها تطلب منها:
- كلميها يا "دليلة"، وخليها ما تزعلش مني.
أومأت برأسها قائلة باقتضاب:
- حاضر.
لحقت بوالدتها التي خرجت من المنزل على عجل وهي تجرجر أذيال الخيبة، لتغلق ابنتها الكبرى الباب بعد ذهابهما. استندت بكفها على الإطار الخشبي، ونكست رأسها في خزي، لتهسهس مع نفسها في ضيق، والحزن يعتصر قلبها:
- ليه بس كده يا "راغب"؟
............................................
كانت في غمرة الحديث عن مآثره، وقدرته الفائقة في ضبط المتمردين عن سلطانه، ليشعر بالرضا والانتشاء عن حاله، وبالتالي يغدق عليها بالمشاعر الفياضة، فيسعد كلاهما، وينالا مبتغاهما، كل على طريقته الخاصة، لذا ظهرت علامات الغضب والحنق على وجهه حينما أفسد عليه مضطجعه مجددًا مجيء تابعه "سنجة" في بيت "توحيدة"، ليخبره بوجود من يبغض بالمنطقة، ومعه فئة من الخارجين عن القانون ومعتادي الإجرام، كدليل على تحفزهم واستعدادهم لافتعال الشغب بالأرجاء. حاولت "توحيدة" إيقافه قبل أن يتهور، وتوسلته:
- استنى بس يا معلم "عباس"، إنت عارف إنه بيجرك للمشاكل.
نهرها في غلظة:
- خليكي هنا يا ولية.
أحضر ما يحتاج إليه من أسلحة بيضاء، وخرج من البيت متجهًا إلى حيث ينتظره هذا المقيت، لتعنف "توحيدة" تابعه بحقد:
- كان لازم تقوله يا "سنجة" وتعكر مزاجه؟ ده من الصبح في دوشة وحوارات.
رد عليه في جدية قبل أن يلحق به:
- لازمًا يا ست الحارة، وإلا هيتعلم علينا جامد.
ضمت كفي يدها أمام صدرها، ورددت في قلق كبير:
- ربنا يعديها على خير.
ثم اتجهت إلى الشرفة بعدما أحكمت ربط إيشارب رأسها، لتتابع من الأعلى تطور الأوضاع بين الفئات المتلاحمة.
.....................................
على ناصية الشارع الضيق، تقدم أحدهم على أقرانه الذين جاءوا معه، ووجهه الغائم والمملوء بالندوب والسحجات يلتف يمينًا ويسارًا للبحث عن أحد بعينه.
كان "شحته" يحمل في إحدى يديه سكينًا ضخمًا، وفي اليد الأخرى سلسلة معدنية غليظة، ضرب بطرفها في الأرضية الترابية مهللًا بصوت جهوري رن صداه في الأنحاء:
- يالا يا حتة ما فيهاش راجل.
بمجرد أن شاهده المارة، فروا من أمامه مهابة منه، في حين هتف أحد أصحاب المحال التجارية محذرًا البقية:
- ده في عوا هيحصل في المكان، خلونا نقفل الدكاكين.
ساد الهرج والمرج، وارتفعت الصيحات المرتاعة والمستنكرة، وصوت "شحته" لا يزال يجلجل بإهانة فجة:
- إنتوا آخركم تلبسوا طرح.
خرج "عباس" من مدخل العمارة، وحك نصل سكينه الممتد بطول ذراعه على الجدار الإسمنتي ليحدث صليلًا حادًا وهو يرد عليه في تحد سافر:
- مين ده اللي جاي يعمل نمرة هنا؟
ثم أطلق ضحكة هازئة، قبل أن يستفزه بكلماته المتعمدة:
- "شحته"، طب يا ريته كان حد تاني غيرك!
استشاط غيظًا من استحقاره المقصود، وراح يرد عليه بنفس أسلوبه:
- أهلًا بـ "عباس" الزفر، خدام سيده.
بدا وكأن المكان قد خلا إلا من الجمعين المتحفزين، كلاهما يقفان في مواجهة بعضهما البعض، وعلى أهبة الاستعداد للانقضاض في أي لحظة، ينقصهما فقط إشارة البدء. تحرك "عباس" تجاهه بغير خوف، واستطرد في استخفاف:
- الله، ده إنت بقالك صوت، وبتزعق كمان.
تقدم "شحته" للأمام وهو يتهمه علنًا:
- بقى أنا تسرق الونش بتاعي وتفكه وتبيعه في الوكالة؟
أكد له اتهامه بسخرية مستفزة:
- وأسرقك إنت كمان كلك على بعضك، وأبيع جثتك حتت، بس يا ريت ألاقي اللي يشتري لحمك النجس.
في تلك الأثناء، بالكاد وافق سائق سيارة الأجرة على إيصالهما لأقرب نقطة للدخول إلى هذه المنطقة النائية، فمركبته لن تتحمل الحركة فوق الطرقات غير المعبدة لكونها بحاجة للإصلاح، ناهيك عن خوفه من تعرضه للسطو والتثبيت من معتادي الإجرام الذين يتربصون بضحاياهم في الأزقة الجانبية هنا.
ترجلت "دليلة" من السيارة، وعاونت والدتها على النزول بعدما دفعت للسائق أجرته، لتسير كلتاهما بتؤدة وتمهل حتى بداية الطريق المؤدي إلى البيت، تعجبت الاثنتان من هدوء الأرجاء على غير العادة، وكأن المارة والمتسكعين قد اختفوا فجأة من النواصي، ما إن اقتربت كلتاهما من محيط الخطر، حتى أبصرتا حشدًا من أناس غاضبين مدججين بأنواع مختلفة من الأسلحة البيضاء.
شهقت "دليلة" مذعورة، وأحست بقلبها يهوي فزعًا بين قدميها، لتتساءل في خوف:
- هو إيه اللي بيحصل هنا يا ماما؟
دون مقدمات تمهيدية، اندلعت المشاجرة، واندفع الجميع في كل اتجاه يحاولون إصابة بعضهم البعض بوحشية، وأصوات الصراخ والصياح الغاضب تزلزل من حولهم. هنا صرخت "عيشة" من هول المفاجأة:
- يا ختاي!
أمسكت بابنتها من معصمها، وسحبتها للخلف باحثة عن موضع للاختباء وهي تهتف بها:
- إداري يا "دليلة".
كان من الصعب العثور على موضع آمن، خاصة مع ركض أتباع الفئتين في كل زاوية للإمساك بأي شيء يصلح للاقتتال العنيف. لحسن حظها تفادت "عيشة" بأعجوبة قفصًا كان مرميًا باتجاهها، وصرخت وهي تختبئ خلف أحد الأكشاك:
- يا نصيبتي!
تطايرت الزجاجات الفارغة في الهواء، وتهشمت على الجدران والأرض محدثة دويًا مخيفًا، فزعت "عيشة"، وارتعدت "دليلة"؛ لكن الأخيرة رغم خوفها هتفت بتلقائية وعزم:
- ماما، احنا نطلب البوليس.
نظرت إليها أمها مصدومة، وما زاد من ذهولها قيام ابنتها بسحبها معها من خلف الكشك لتسألها بنبرة مرعوبة:
- إنتي بتعملي إيه؟
أجبرتها على الركض معها في الاتجاه المعاكس، ذلك المؤدي في نهايته إلى قسم الشرطة، وأخبرتها بما انتوته بصوتها اللاهث:
- احنا الأحسن نروح عند القسم، ده في آخر الشارع.
لم تستطع الاعتراض عليها، فأسلم شيء في الوضع الراهن، هو الفرار من هنا بأي وسيلة.
على وجه السرعة، وبناءً على استغاثتها الفورية في قسم الشرطة، تم استدعاء فرقة أمنية للذهاب معها إلى منطقتها الشعبية، لفض الشجار الدائر هناك، والقبض على كافة المتورطين فيه، ولكون نطاق المشاحنة قد اتسع وشمل عدة أزقة جانبية، تمكنت قوات الشرطة من القبض على البعض منهم، بينما نجح الغالبية في الفكاك، ليصعد أحدهم فوق سطح إحدى العمائر، ثم صاح مهللًا ومكررًا ليلفت انتباه الجميع:
- الدبابير جت، الدبابير جت.
انتشرت الصافرات هنا وهناك لإنذار كافة المتلاحمين، فصاح آخر يأمر المتواجدين:
- كله يخلع أوام.
في لمح البصر، تفرق أتباع الاثنين سريعًا للاختفاء عن أنظار رجال القانون، وكأن المشاجرة لم تحدث من الأساس، بينما سار "عباس" عائدًا إلى بيت "توحيدة" متسائلًا في سخط، وهو يمسح الدماء العالقة بيده على قميصه الممزق من الشجار:
- مين ابن الـ... اللي طيرهم من عشهم؟
رد عليه "سنجة" وهو ينحني ليلتقط بعض الأسلحة البيضاء الملقاة في طريقه سيره ليأخذها كغنيمة لنفسه:
- محدش لسه عارف.
تكلم آخر من ورائه:
- عيونا هتبلغنا يا ريس.
توعد "عباس" بحنق، وقد تناثر الشرر من عينيه الحمراوين:
- مسيره يقع في إيدي، وهخليه عبرة، ده إن ما كانش الريس الكبير هيعلقه في نص الحتة.
قبل أن يطأ بقدمه المدخل جاء "عصفورة" ركضًا، ليهتف من بين أنفاسه اللاهثة:
- يا معلم "عباس"، الكوبارة خارج النهاردة.
استدار تجاهه، وهتف في استحسان كبير:
- أهي دي الأخبار ولا بلاش، بينا نستقبله.
بغير تأجيل تحركوا جميعًا عبر المسالك والدروب الخفية للخروج من المكان بعيدًا عن الطرق المتواجد بها بقايا قوات الأمن.
عاد إلى المنزل، وجلس بمفرده، غير قادر على البوح بما تعتمل به نفسه، حتى حينما قصت عليه زوجته ما فعلته ابنته لطلب المساعدة من الشرطة لتتمكنا من العودة إلى هنا لم يظهر اهتمامه، ظنت أنه يتجاهلها، فحامت تعبيرات وجهها بين الغضب والتحسر، وراحت تطلب منه في تصميم عنيد:
- إنت لازم تشوف لنا أي مكان تاني ننقل فيه غير هنا.
بفتور غريب رد "فهيم" عليها:
- ربنا ييسر.
استمرت على صياحها المنزعج قائلة:
- ده كل لحظة والثانية مشاكل وخناقات، واحنا مش بتوع كده.
تسلح بصمته، وحملق فيها بعينين شبه تائهتين وهي تستأنف الشكاية إليه:
- يا راجل ده احنا داخلين البيت بالبوكس، هيحصل فينا إيه تاني؟
ضجر من تحمل ما لا يطيق منذ مطلع النهار، فقال بصبر نافد:
- خلاص يا "عيشة"، ربك يدبرها، وهشوف.
وكأنها لم تنتبه لحالته المستاءة، فأكملت على نفس الوتيرة المتعصبة:
- وبعدين إنت ممكن تبيع نصيبك في الفرن اللي مش جايب همه ده، وبفارق الفلوس نسكن في مكان تاني.
تطلع إليها بنظرة لم تفهمها، فكيف له أن يحطم آمالها بإطلاعها على الحقيقة المؤسفة، لم يلق هذا به، لهذا رد باقتضاب:
- إن شاء الله.
صنفت تعقيبه هذا بكونه نوعًا من الملاوعة، والمراوغة، فسألته في غيظ:
- هو إنت بتاخدني على قد عقلي ولا إيه؟
حرر زفرة ثقيلة على قلبه، وأخبرها بحذر لعلها تحل عن رأسه، وتكف عن مضايقته بشكواها المستمرة:
- أبدًا، بس الفرن عليه مشاكل، وعلشان تتحل مش بالسهل.
لطمت على فخذيها نادبة سوء الحظ الملازم لعائلتها:
- حتى ده كمان؟ ما فيش حاجة بتيجي سالكة أبدًا معانا؟
قال في رجاء:
- ربنا قادر يدبرها من عنده.
فجأة صدحت أصوات أبواق، ومزامير، مصحوبة بطرق قوي على الدفوف والطبول، بجانب موسيقى صاخبة لمطرب غير مفهومة كلمات أغنيته، ليتساءل "فهيم" في تحير:
- إيه الدوشة دي؟
رأى كلاهما ابنتهما الصغرى وهي تتجه نحو الشرفة لتتفقد ما يدور الآن، فوجه والدها سؤاله لها:
- في إيه يا "دليلة" عندك؟
تلقائيًا، ظن ثلاثتهم أنها ربما زفة عابرة لإحدى الشابات المقبلات على الزواج، وأهلها وأحبائها يحتفون بها على طريقتهم المعتادة. دون أن تتحرك من موضع وقوفها بالشرفة، استدارت "دليلة" برأسها ناحيتهما، وقالت مفسرة ما التقطته بأذنيها من أحاديث الجيران وأهل المنطقة:
- سامعة الناس بتقول إن في حد اسمه الكوبارة باين طلع من السجن.
زمت "عيشة" شفتيها معلقة بقنوط:
- ودي كمان بيحتفلوا بيها؟
ضحكت ابنتها ساخرة:
- ما احنا في فيلم هابط يا ماما.
استحثها فضولها على رؤية ما يجري، فنهضت بتكاسل من على الأريكة، ووقفت إلى جوار ابنتها بالشرفة، لتشاهد موكبًا مهيبًا مكونًا من عشرات الدراجات النارية، وحشدًا غفيرًا من البشر يتحركون في تماوج مرح وصاخب للترحيب بذلك الذي يقف بزهو وتفاخر على سيارة ربع نقل، ملامح وجهه كانت تضمر شرًا واضحًا، وما عزز من تخمينها رؤيتها للأسلحة الآلية التي أحاطت به، قبل أن ترتفع فوهاتها للأعلى، لتطلق وابلًا من الرصاص الحي.
بشكل غريزي، انحنت "دليلة" للأسفل، جاذبة معها والدتها، لتصرخ الأخيرة في جزع وفزع:
- إيه ضرب النار ده كله؟
لم تجرؤ أيًا منهما على الاستقامة، بل تحركتا خافضتين الرأس للعودة في الحال إلى الداخل، و"فهيم" يهتف بتوجس:
- اقفلوا شباك البلكونة دي، بدل ما حاجة تفلت وتيجي فينا.
في شيء من التذمر رددت "دليلة"، وقد عبست قسماتها:
- طب أنا كنت عايزة أتفرج شوية!
وكزتها أمها في كتفها تعنفها:
- هتشوفي الأملة يعني؟ إياكي الشباك ده يتفتح النهاردة.
ركلت بقدمها بلاط الأرضية في تذمر، وألقت بثقل جسدها على الأريكة، لتظل باقية بصحبة أبويها وهما يعاودان النقاش في مسألة البحث عن مسكن آخر.
......................................
واصل موكب استعراض القوة تقدمه حتى بلغ المنطقة الصخرية المؤدية إلى ما يعرف بالتبة العالية، حيث مقر إقامة كبير "الهجامة" وأتباعه.
وكأنها أقرب إلى ثكنة عسكرية في تجهيزاتها، فبها كل شيء يصلح لاحتلال بقعة ما بلا مجهود يذكر، وهي أيضًا مقصد لكل باحث عن مأوى وحماية لدى صاحب السلطة والقوة.
خارجها محاط بأطنان من النفايات والمخلفات، لتحجب الأنظار -عن قصد- عما يجري بالداخل، خاصة فيما هو متعلق بتصفية الحسابات، ومعاقبة الخصوم، بالإضافة إلى وجود عشرات الأعين المحذرة والمنذرة لأي خطر قد يداهمهم.
مجرد رؤيته جالسًا على كرسيه بمهابة وشموخ تبعث القشعريرة في الأبدان، اصطف الرجال في صفوف طولية، وراحوا يتقدمون واحدًا تلو الآخر لتأدية التحية له، وتقديم فروض الطاعة والولاء، فقال أحدهم وهو ينحني على كف يده ليقبله:
- يا مرحب بالكبير اللي نور الحتة كلها.
تبعه آخر مرددًا:
- منور يا ريسنا.
اكتفى بهز رأسه بإيماءات صغيرة مقتضبة حتى جاء إليه "عباس"، فقام بتحيته من جديد وهو يجلس عند قدميه:
- حمد لله على السلامة يا كبير.
نظر "الهجام" تجاهه متسائلًا بصوت أجش وعميق:
- إيه اللي حصل في غيابي يا "عباس"؟
أخبره بلهجة جمعت بين الجدية والعبث:
- هيكون عندك خبر بالصغيرة قبل الكبيرة، بس الأول نشوف مزاجك ونروقه.
لاحت شبح ابتسامة باهتة على زاوية فمه، ليردد بعدها:
- وماله، الواحد محتاج يتدلع برضوه، ويشيل جلخ السجن اللي علم على جتته.
أشار نحو عينيه كتعبير عن طاعته، وهب واقفًا ليصيح في تهديد:
- الكوبارة رجع، وهيحط على أتخن تخين شايف نفسه فيها.
......................................
كانت في وصف حالتها أقرب إلى قربان يتم التضحية به لنيل رضا علية القوم، وها قد أتت لحظتها كسرعة البرق، لم تستوعب "مروة" ما يجري معها، فلم تكن قد استفاقت بعد من صدمة فضحيتها، لتجد نفسها مجبرة على التزين، والظهور بمظهر أنثى فائقة الجمال، لتبدو كعروس في ليلة زفافها، وعليها فعل المستحيل من أجل إسعاد صاحب الكلمة العليا هنا.
أرسلت مع "توحيدة" شخصيًا، وتابعتها، وبضعة نساء إلى التبة، فقد كن ضمن الجموع التي جاءت للتأكيد على مبايعة كبير "الهجامة". أودعت في غرفة مفروشة بأثاث جديد باهظ الثمن، يتناقض تمامًا مع طبيعة المنطقة المتواضعة في كل شيء. جلست على طرف الفراش ترتجف في ثيابها الخفيفة الكاشفة لما هو مبهج وممتع، وراحت تلفتت حولها بنظرات قلقة مرتاعة، انتفضت شاهقة بأنين خافت حينما رأته بطلته المهيبة أمامها، مجرد مجيئه فعل بها الكثير، ارتعدت فرائصها أكثر، وحدقت فيه برعب واضح.
جذبت الغطاء، وتلفحت به لتتجنب نظراته التي تجردها مجازًا، وهي تشملها من رأسها لأخمص قدميها:
استطاع "كرم" قراءة ما يدور في ذهنها ببساطة، فقال بغير اكتراث:
- شوفي يا حلوة، أنا مش فارق معايا حكايتك، ولا يهمني حتى أعرفها، طالما هتعدلي مزاجي.
فهمت ما يرمي إليه بحديثه الموحي عن سوء سمعتها، فحاولت الدفاع عن نفسها:
- أنا بنت ناس والله، ولولا إنه واحد ابن حـــرام ضحك عليا، كان زماني لسه وسط أهلي.
قهقه ضاحكًا قبل أن يعلق ساخرًا:
- ما كلنا ولاد ناس، أومال يعني جينا كده من الهوا؟
تقدم ناحيتها نازعًا ثيابه العلوية، فهبت واقفة، وأخبرته وهي تتراجع عنه:
- أنا مش عايزة أعمل حاجة حرام أغضب بيها ربنا.
زجرها في استهجان، وبنظرة نارية تطل من عينيه بعدما اسودت قسماته:
- هي "توحيدة" بعتاكي تتوبي عندي؟
أوضحت له وهي مستمرة في تراجعها إلى أن التصقت بالحائط:
- هما جابوني غـــصـــب هنا، أنا عايزة أرجع لأهلي..
نفخ في سأم، وقال بفم ملتو:
- وأنا ماليش في الحلال، واللي بعوزه باخده.
حاصرها عند الزاوية، وقبض على رسغها ليجذبها ناحيته قائلًا في لهجته الآمرة:
- تعالي هنا...
خفض من نبرته، وابتسم متابعًا في نصيحة مستترة:
- والأحسن تخليكي حلوة معايا، بدل ما تتعبي.
لكمته في صدره بأقصى ما تملك من قوة بقبضتها الأخرى، وكأنها بهذا تظهر قدرًا من المقاومة له، ثم استطردت هاتفة بصوت مختنق انتهى مع ختام جملتها ببكائها:
- ما تقربش مني، أنا مش بنت وحشة.
سدد لها نظرة غامضة، طامعة في المضي قدمًا لما هو أكثر من مجرد إظهار التعاطف والمواساة، أرخى قبضته عنها قبل أن يقول بنبرة ذات مغزى:
- وهو أنا عملت حاجة أصلًا؟
انفلتت منها شهقة مذعورة عندما أحاط بها فجأة من خصرها بذراعيه ليلصقها به، أصبحت واقعة تحت أسره، ونظرت إليه بعينين زائغتين، فخاطبها بما جعل الدماء تفر من عروقها بالكامل:
- شكلها هتبقى ليلة كوبيا النهاردة.
رواية فوق جبال الهوان الفصل الرابع 4 - بقلم منال سالم
عذرًا على التأخير ♥♥
في انتظار كم الداعمة
>>>>>>>>>>>>>>>>>
الفصل الرابع
لم تشفع لها عنده رجاواتها ولا توسلاتها ليكف أذاه عنها، بل إنه تمادى في اللعب على أعصابها، وإرهاقها معنويًا حتى نجح في استنزاف طاقات مقاومتها، إلى أن قرر التوقف عن إضاعة وقته باللهو الفارغ، واقتحـــام أراضيها بكل عنفوانٍ وجموح، وبلا هوادة.
صرخت "مروة" مستغيثة بمن ينجدها من براثنه، فكانت نبرتها بمثابة معزوفة تطرب لها الآذان، تركها تظن أنها على وشك نيل المساعدة، فأطلقت صيحة عالية:
-يا خلق هوو، الحقــــوني.
منحها ابتسامة مستمتعة، قبل أن يتحفز فجأة، وينقض على شفتيها كاتمًا صوتها بقبلة نهمة جائعة، جعلت معدتها تتقلص، ورغبتها في الذود عن نفسها تتضاعف. ضربت بقســـوة صدره بكلتا قبضتيها، وحاولت دفعه عنها لتتمكن من الابتعاد عنه أو حتى التنفس. ظل "أكرم" لبرهةٍ على تلك الحالة حتى أبعد رأسه عنها، وهذه الابتسامة اللئيمة تحتل وجهه.
حملقت فيه مذهولة، ومرعوبة، رأت كيف يبتسم لها، فارتعدت دواخلها بالكامل.
لم يرغب في انقضاء لعبة الفريسة التي وقعت في عرين الأسد بسرعة، لذلك أرخى ذراعيه عنها لتظن أنها قادرة على الفكاك منه، وتركها تركض هنا وهناك بداخل الغرفة باحثة عن المهرب المناسب، إلى أن تأهب لملاحقتها، وياليته لم يفعل!
لم يحتج إلى الكثير من المجهود ليعاود الإمساك بها ببساطةٍ، فقبض على رسغها، وجذبها إليه، ثم انحنى قليلًا للأسفل ليتمكن من رفعها على كتفه، صرخت في هلعٍ، فأخبرها بتسليةٍ:
-ده احنا لسه بنبتدي يا "سمارة".
اسم عجيب، ووضع أعجب معه، ركلت بساقيها في الهواء، وواصلت الصراخ، لتجده يتجه بها نحو فراشه الذي يتوسط الغرفة، طرحها بقوةٍ عليه، لتهتز جوانبه الأربع، وقبل أن تستفيق من الصدمة، وجدته يعتليها، ويطبق بكله على كلها، وهو يحاول الظفر بما لا تسمح له بالمساس به.
وما هي إلا لحظاتٍ، واِنزاح ستر الروح ومن قبله غطاء الجسد، لتُرفع رايات الاستسلام قهرًا وظلمًا، ورغم التوسلات والأنين إلا أنه لم يعبأ للحظة بشأن تهشيم روحها أو حتى يندم على ما اقترف في حقها. اعتبر كل ما فيها مُحللًا له، فراح يستبيح بجراءةٍ ما لا يجوز، حتى انقضت الرغبة، وخبت الشهوة، فأصبح وجودها لا يهم.
متعة أن تكون الأول في حياة أحدهم كانت لا توصف، وهذا ما عزز شعور التفرد والانفراد لديه. تركها أقرب بجُــــثةٍ تنازع للبقاء على قيد الحياة على فراشه، تبكي في صمتٍ عاجز على فقدان أغلى ما تملك في دنياها الفانية، والتقط ثيابه المُلقاة على الأرضية ليرتديها في شموخٍ وزهو، وكأنه انتصر في معركة معروف منذ بدايتها أنه الفائز فيها، ليخرج من غرفته وبين شفتيه سيجارة أخرجها من علبة السجائر المفضلة لديه، أشعل طرفها بالولاعة، وتابع سيره في الردهة وهو يسحب نفسًا عميقًا منها، حبسه لعدةٍ لحظاتٍ في صدره قبل أن يحرر دخانها الكثيف ببطءٍ. الهدية كانت ثمينة، وتستحق صاحبتها الثناء والتقدير، فقلما مُنح ما يرضي نفسه الطامعة.
اتجه "كرم الهجام" بخطاه الثابتة إلى "عباس" الذي كان ماكثًا في موقعه بباحة بيته يعطي الأوامر لأتباعه، هب الأخير واقفًا بمجرد أن رآه مقبلًا عليه، أحنى رأسه في احترامٍ، ثم خاطبه في توقيرٍ:
-ريسنا، اتفضل يا كبير مكانك.
ثم أشار له ليجلس على مقعده الخشبي الضخم، والذي بدا أشبه بكرسي الحكم عن مجرد مقعد عادي. ألقى "كرم" بثقل جسده عليه، فراح الحاضرون يهللون لتحيته، فرد عليهم بلا ابتسامٍ، وتطلع إلى "عباسٍ" بنظرة غامضة قبل أن يأمره في صوتٍ خفيض مسموعٍ لكليهما فقط:
-عايزك تبعت لـ "توحيدة" نفحة حلوة.
فهم الأخير في التو المغزى من وراء هذه العطية الكبيرة، وصاح مهللًا وهو يصفق بيديه:
-أيوه بقى، خلي الكبير يتدلع، ومزاجه يتظبط.
لم يبدُ متحرجًا من شأن تطرقه لهذا الأمر الخاص على الملأ، وتابع إلقاء أوامره عليه في هدوءٍ، وقد انتهى من تدخين سيجارته الأولى:
-ابعت حد من حريمنا للبت "سمارة" يشوفها.
تساءل "عباس" في تحيرٍ، وهو يرمقه بهذه النظرة الغريبة:
-"سمارة" مين؟
اكتفى فقط بالإشارة بحاجبه للأعلى، ليعي مقصده المتواري، وتساءل ليتأكد مما تفقه إليه ذهنه:
-هو ده اسمها الجديد؟
أكد له بإيماءةٍ صغيرة من رأسه:
-أيوه.
استحسن قراره معلقًا بابتسامةٍ عريضة:
-يا زين ما اخترت يا ريسنا.
ضجر "كرم" من شعوره بالتعرق، وارتفاع الرطوبة في الجو، فتأهب للنهوض وهو يتكلم:
-هاقوم أغسل جسمي بالمياه، وبعدها هرجع تقولي على حوار الواد "شِحْتة" علشان هيتعلم عليه جامد.
رد في حماسٍ، وكأنه ينتظر تلك الفرصة لرد الصاع صاعين له:
-ماشي يا كبيرنا.
أثناء عودته للداخل تبعه "عباس" متسائلًا في اهتمامٍ:
-و"سمارة" هتفضل هنا؟
دون أن يلتفت ناحيته، أخبره بملامحٍ قاتمة:
-أيوه، لحد ما أزهق منها.
أبدى كعادته امتثاله التام له بترديده:
-زي ما تؤمر.
................................................
لم تستطع تجاوز نظرة الخذلان المُطعمة بالحزن في عيني والدتها، وهي تودعها مع شقيقتها بعدما سمعت بوضوحٍ مشاحنتها الكلامية مع زوجها، والأسوأ من ذلك تبجحه في طردهما من المنزل بلا خجلٍ أو حياء، متناسيًا ما قامت به عائلتها من أجل تحسين مستواه المعيشي، وتسهيل انتقاله إلى هذا الحي السكني الراقي.
تركت "إيمان" العنان لدموعها لتنساب في وجع، وهي تعد له الطعام. بالكاد كفت عن البكاء عندما رصت الأطباق أمامه، وتأهبت لتركه يتناول ما طهته بمفرده، كنوع من المعاتبة، لكنه في غير مبالاة، أمسك بها من رسغها ليستوقفها متسائلًا:
-هو أنا هاكل لوحدي؟
أجابته بصوت مختنق وهي تحاول انتزاع يدها من بين أصابعه:
-أنا ماليش نفس.
لم يتركها، وجذبها بقوة ليجبرها على الجلوس في مقعدها مرددًا:
-خلاص خليكي قاعدة معايا.
على مضض، جلست بجواره، ولم تنبس بكلمة، فنظر إليها شزرًا قبل أن يوبخها بكلماته السمجة:
-هتفضلي لاوية بوزك كده كتير عليا؟
ردت في ضيق لا يمكن إنكاره:
-عايزني أعمل إيه تاني؟ كل اللي طلبته اتنفذ.
تعمدت الإشارة إلى ما فعل، ومع ذلك لم يعبأ بحالة الاستياء المسيطرة عليها، وقال في برود، مديرًا دفة اللوم تجاهها:
-طب افردي وشك، أنا مش ناقص عكننة في البيت، كفاية ضغط الشغل عليا.
رغمًا عنها لم تتمكن من تجاوز ما حدث، وتركه يمضي هكذا، فخاطبته بصراحة، وبكلمات مباشرة، لعله يفهم ويستوعب فداحة تصرفه المحرج لعائلتها:
-ما هو اللي حصل ده ما يصحش يا "راغب"...
دس الملعقة في جوفه، ومضغ الطعام على مهل، فأضافت بنزق:
-ترضى أعمل كده مع حد من أهلك؟
سعل مصدومًا من جراءتها، وهدر بها بعدما ضرب بيده بعصبية السطح الزجاجي لمائدة الطعام:
-إنتي اتجننتي؟ وأنا هسكتلك مثلًا؟
وكأنها تناولت حبوب الشجاعة، فزادت في استعتابه:
-اشمعنى أمي وأختي؟ وهما أصلًا كانوا جايين يطمنوا علينا وماشيين.
نفخ بصوت مسموع، وقال في سأم وهو ينهض من مكانه:
-ما كفاية رغي في الحوار ده...
قامت بدورها لتجده يمنحها نظرة ازدراء قبل أن يضيف بملامح مكفهرة:
-حتى الأكل الواحد نفسه اتسدت عليه.
لم تتبعه، وظلت في مكانها تجمع الأطباق غير النظيفة، وتضع بقايا الطعام في صحن واحد، لتسمعه يخاطبها في نبرة عالية آتية من جهة الحمام:
-اعملي حسابك الفترة الجاية أنا عندي دورة تدريبية، وجايز أسافر كام يوم.
استرعى الأمر اهتمامها، فتركت ما في يدها لتتجه إليه متسائلة:
-وأنا هجي معاك؟
أشار لها بعينيه لتحضر له المنشفة، فامتثلت لأمره غير المنطوق، واستلتها من على المشجب لتعطيه إياها. جفف بها يديه، وألقاها في وجهها مرددًا بعجرفة:
-هشوف، لو كان ينفع هتيجي، لو لأ، يبقى هتروحي تقعدي يومين مع أمي.
جملته الأخيرة استفزتها بدرجة كبيرة، فالمكوث عند أسرته يعني تعرضها للمعاناة والإزعاج طوال الوقت، ناهيك عن قيامها بخدمة الصغير قبل الكبير بلا توقف، وكأنها آلة لا يحق لها البحث عن بعض الراحة والخصوصية، لهذا هتفت محتجة على اقتراحه غير المريح لها:
-وليه ما أفضلش هنا؟
قست نظراته ناحيتها بغرابة، خاصة عندما أتمت جملتها:
-أو حتى أروح عند أهلي.
جاء تعليقه هجوميًا بعض الشيء:
-بذمتك المكان اللي هما ساكنين فيه ينفع يتعاش فيه أصلًا؟
تفهمت تمنعه عن القبول بمطلبها الأخير، وأصرت على رأيها الأول:
-خلاص خليني قاعدة في بيتي معززة مكرمة.
رد معترضًا على مطلبها العادي:
-وأنا مش هطمن عليكي وإنتي لوحدك.
صممت على رأيها بقدر من العناد:
-وأنا ما برتحش إلا في بيتي.
لم يحبذ استمرار المجادلة في هذا الشأن كثيرًا، خاصة والأمر محسوم بالنسبة له، فما كان منه إلا أن أبلغها برد محايد:
-لما نيجي لوقتها نبقى نشوف هنعمل إيه.
بالطبع كان يراوغها -كعادته- ليكسب وقتًا، ويوفر على نفسه عناء المناقشة، لذا ظلت تلح عليه:
-بس إنت آ...
بتر جملتها في منتصفها هاتفًا بحزم، وإصبعه مرفوع في وجهها:
-هي كلمة ومش هكررها، قولتلك نتناقش في الحوار ده بعدين...
كانت على وشك الاعتراض عليه، لكنها ابتلعت حروف كلماتها في جوفها عندما أنذرها "راغب" بشيء من التهديد:
-وما فيش داعي ننكد على بعض أكتر من كده النهاردة.
أتبع ذلك نظرة صارمة ومحذرة من عينيه وهو يضغط على عبارته الأخيرة:
-سامعة يا "إيمان"؟
لوت ثغرها قائلة بامتعاض، وهذه التكشيرة الكبيرة تسود ملامحها:
-طيب.
تمطى بذراعيه، واتجه نحو غرفة النوم قائلًا:
-أنا هنام شوية، صحيني كمان ساعتين.
من ورائه رددت في خنوع:
-ماشي.
ساعدته على الاستلقاء، وفردت الغطاء عليه، بعدما طلب منها إضافة وسادة أخرى ليتمكن من إراحة عنقه وهو يغفو، لتنسحب من الحجرة بهدوء، وهذا الصوت الحائر يتردد في رأسها:
-أتصرف معاك إزاي بس؟!!
حَمَل المعنى الآخر الدارج لاسمه والمتعارف بين الجميع فيما يخص نقل الأخبار والأسرار للغير، وتحديدًا لمن يجود عليه بالمال والعطايا، في مقابل استفادة شخصية بحتة، غير مكترث بتبعات جرائره الماكرة. جثا "عصفورة" على ركبتيه أمام غريم من يعمل لديه، ليبث في أذنه آخر ما لديه من معلومات قد تهمه، وكأنه بهذا يحظى بالحظوة والأفضلية عنده. حرك "العترة" مبسم النارجيلة على طرف شفته السفلى بروية، ليستطرد بعدها متسائلًا، ونظرة تفكير عميقة تظهر على وجهه:
-يعني العاركة دلوقت بقت مع الواد "شِحْتَة"؟
أومأ برأسه مؤكدًا الأمر:
-أيوه يا معلم.
ارتسمت ابتسامة عريضة على ثغره، أتبعها قوله المستحسن:
-زي الفل.
أضاف "عصفورة" مجددًا، في شيء من النصيحة:
-عارف يا معلم لو خدت الواد ده تحت جناحك، صدقني هتكسب جبهة جديدة تساعدك في حربك ضد حبيبك.
استمر "العترة" في هز رأسه باهتزازات صغيرة قبل أن يعقب:
-مظبوط، ما هو الكترة تغلب الشجاعة، وأنا عايز أجمع معايا رجالة على قد ما أقدر، وخصوصًا إن "الهجام" دماغه سم، ومش سهل.
تحفز "عصفورة" في جلسته المتواضعة عندما أُلقي في حجره حفنة من النقود، جمعها بلهاث متلهف، وصاحب الفضل عليه يشدد عليه:
-خد دول ياض، ولو في جديد، مش هوصيك.
أبدى طاعته التامة له بتأكيده غير المشكوك فيه:
-طبعًا، زي تملي يا معلم الناس كلهم.
تبادل معه المنفعة، المعلومة مقابل المال، ولا يهم كم يدفع من أجل الإيقاع بخصمه، فالبقاء هنا للأقوى، وهو يريد أن يصبح صاحب الكلمة العليا والوحيدة في هذا العالم المعزول عن الحضر. بصوته المتحشرج حمحم "العترة" في لهجة شبه آمرة:
-يالا أوام قبل ما حد ياخد باله منك.
دس "عصفورة" المال الذي حاز عليه جراء خيانته في جيبي بنطاله الجينز القديم والممزق، وهتف وهو ينهض واقفًا:
-فوريرة.
مثلما جاء في الخفاء، اختفى دون أن يتمكن أحدهم من رصد حركته أو اكتشاف خسته، ليعود إلى التَّبَّة العالية وكأن شيئًا لم يكن.
قيل أن المال هو المحرك الأساسي لكل شيء وأي شيء يطمح الإنسان في حدوثه، لهذا بمجرد أن تلقى "كيشو" ذلك المبلغ الإضافي بعد يومين من مقابلة "فهيم" سعى لمقابلة أحد رجال "الهجام" في مقهاه الذي اعتاد الجلوس فيه.
انتظر قيام الصبي بتقديم كوب الشاي له، ومغادرته لأداء عمله ليخاطبه في صوت خافت نسبيًا:
-دي قرصة ودن صغيرة، مش حاجة كبيرة.
زم شفتيه معترضًا:
-بس إنت عارف إن اللي تبع "العترة" بيجي منه عُوَار، مش بس قرصة ودن.
حاول الضغط عليه بطريقة ماكرة، فسأله:
-يعني يرضيك حق الناس يضيع ظلم؟
نفى في تجهم:
-لأ، بس أنا مش ناقص مشاكل مع الكبير، وإنت عارف زعله.
أشار "كيشو" بيده شارحًا:
-احنا هنخوفه بس، يقوم يلم الدور شويتين، وفي نفس الوقت هنسترزق.
ثم أخرج من جيبه حفنة من النقود المطوية، وضعها جبرًا في راحته، ليضم قبضته عليها وهو يحك جبينه معقبًا بعد لحظات من الصمت:
-طيب سبني أدور الحكاية في راسي، وبعد كده هشوف هعمل إيه.
هز رأسه مرددًا:
-ماشي الكلام، وأنا من جهتي هطمن الراجل.
دس المال في جيب بنطاله مشددًا عليه:
-ما تدلوش كلمة أخيرة إلا لما أحسبها صح.
أرجع ظهره للخلف ليقول باسمًا:
-اتفقنا، اشرب الشاي.
وأمسك بعدها بكوبه الزجاجي ليتجرع ما فيه على فم واحد، قبل أن ينظر أمامه ليحدق في المارة بنظرات عابرة.
....................................
نضبت ما لديها من حيل من أجل الحصول على أي معلومة تطمئنها على رضيعها المفقود، ففكرت في استدراج "حمص" بما اعتادت ممارسته، لتستخرج منه –تحت تأثير نشوة المتعة- أي شيء يخمد نيران اللوعة المتأججة في صدرها؟ لكنه لم يكن من النوع الذي يستهوي تلك العلاقات النجسة، خاصة مع من اعتدن ملاقاة أكثر من رجل دون حياء أو خجل، ومع هذا لم تيأس، ولجأت إلى طريقة أخرى، التصعب وإظهار الضعف والعوز، ربما لحازت على اهتمامه، وكانت تلك الطريقة الأكثر صدقًا، والأكبر تأثيرًا عليه.
عاونته "وِزَّة" وهو ينقل كعادته كل بضعة أيام ما قام بابتياعه من طلبات إلى داخل المطبخ، وأراحت يدها على كتفه تسأله في وداعة:
-بالله عليك يا سي "حمص" ما تعرفش حاجة عن ابني.
نظر إلى موضع يدها على كتفه، فأكملت بنفس النبرة المستعطفة:
-ده الضنا غالي، وحرقة القلب وحشة.
أبعد يدها عنه مرددًا بجمود:
-ماليش فيه الحوار ده.
وهمَّ بالتحرك خارج المطبخ، لكنها سبقته في خطاها، واعترضت طريقه قائلة بنظرة حزن، لم تبذل أي جهد في تزييفها:
-إزاي بس؟ ده إنت من غيرك ما فيش حاجة تمشي.
طالعها بتحير، فتابعت على نفس النهج متوسلة عاطفته:
-بالله عليك ما تكسر بخاطري، قولي أي حاجة تريح بالي.
زفر عاليًا، وأخبرها وهو يشير بيده:
-حوارك ده شوفيه مع "سِنجة"، وده تمامي فيه.
أمسكت بكفه، وقبلته في امتنان، قبل أن تشكره:
-كتر خيرك، ربنا ما يوقعك في ضيقة.
سرعان ما استل يده من بين أصابعها عندما اقتحمت "خضرة" المطبخ فجأة، وهي تتساءل في فضول، وهذه النظرة الغريبة تدور على كليهما:
-بترغي فيه إيه ده كله يا بت؟
استدارت ناظرة إليها، لترد نافية بارتباك طفيف:
-ولا حاجة يا "خضرة".
أمرتها بحزم، وهذه النظرة المتشككة تعلو وجهها:
-طب روحي غيري الملايات اللي في الأوض، وحطي الجديد مكانها.
ابتسمت، ومع ذلك ظهرت ابتسامتها مهزوزة، وانتفضت مسرعة نحو الخارج وهي تخبرها:
-عينيا.
ظلت "خضرة" باقية للحظات تراقب "حمص" بعينين حادتين، ثم دنت منه لتهمس له في شيء من النصيحة:
-ابعد عن البت دي يا "حمص"، الست "توحيدة" لسه معلمة عليها، وإنت مش ناقص إنها تحطك في دماغها، دلوقت الكوبارة موجود، وما بيسكتش عن حد غلط.
تغير لون وجهه قليلًا، فتابعت تحذيرها الجاد إليه:
-وإنت أكيد مش عايزه يزعل منك.
تصنع الجدية، وقال في عبوس:
-أنا أخري أقضي طلباتكم وبس.
قوست شفتيها عن ابتسامة خبيثة وهي تمتدحه:
-تعجبني.
أخرج من جيبه ورقة مطوية، ثم مد يده بها ناحيتها قائلًا:
-ودي فاتورة الحساب.
التقطتها منه قائلة بتدَلّل وهي تضرب على صدره بخفة:
-هجيبلك الفلوس من الست "توحيدة" يا عينيا.
شيعها بناظريه وهي تنصرف بغنج قاصدة إبقاء عينيه عليها، ورغم أنها لم تره فعليًا وهو يفعل ذلك إلا أنها استشعرت نجاحها في هذا.
.................................
مثل كل يوم، تتعرض للرفض من قِبَل سائقي سيارات الأجرة، ممن يستبعدون المسافة، أو يحتجون على الأجرة غير المناسبة للوقود الذي يحترق بلا فائدة من أجل توصيلها إلى عنوان سكنها البعيد، ناهيك عن رفضهم الأساسي المرور في الشوارع الضيقة، والأزقة الخانقة حتى تصل إلى ناصية شارع عمارتها.
هذه المرة تطاول عليها أحد السائقين بالسباب اللاذع والكلمات النابية رغم إعطائها لأجرته، فقد اعتبر ذلك المبلغ قليلًا، لا يكفي لوقته ومجهوده اللذين ضاعا عليها فقط، ورفضت منحه أي مبلغ إضافي، لتأتي نتيجة ذلك بتعرضها للإهانة الفجة.
ندمت "دليلة" لأنها تجنبت الشجار معه، وظلت تبرطم في حنق إلى أن ولجت لداخل منزلها، فواصلت التذمر بسخط:
-احنا عايشين في
تنبهت لصوتها عندما قالت:
-هسيبك تاخد راحتك، وهعدي وقت تاني على "عيشة"، أصل أنا حبيتها أوي.
باقتضاب مشوب بالاحترام تكلم "فهيم" وهو مخفض لعينيه ورأسه:
-تنوري.
تجاوزته لتتجه نحو الباب وهي تردد:
-فوتكم بالعافية.
تبعتها "عيشة" قائلة كنوع من المجاملة:
-تسلم رجليكي يا حبيبتي.
التفت "اعتدال" ناحيتها، وافتعلت الضحك قبل أن تخبرها:
-عايزة المرة الجاية أدوق عمايل إيدك بقى.
وكأنها تضع لها العراقيل لتزعجها أكثر، فقبلت على مضض بتحديها المتواري:
-طبعًا، ده أنا هستنى رأيك.
صرفتها بأعجوبة من بيتها لتغلق الباب مدمدمة في سخط كبير:
-أعوذ بالله من دي ست، حشرية بدرجة فظيعة.
زفرت في نفور، واتجهت إلى زوجها الذي جلس على الأريكة شاردًا، فسألته في تحفز:
-مافيش جديد في موضوع الفرن؟
لم ينظر ناحيتها وهو يجاوبها:
-لأ لسه.
انتقلت بإلحاح إلى سؤالها التالي:
-طب ما فوتش على الراجل اللي اسمه "درويش" تتكلم معاه تاني؟
أوجز في رده المتجهم:
-لأ.
ضاقت ذرعًا مما اعتبرته تكاسلًا منه، وصاحت في غير صبر:
-أومال بتعمل إيه كل يوم يا راجل؟ طول النهار برا، ومافيش جديد خالص.
هذه المرة أدار وجهه تجاهها لينظر إليها مليًّا، بماذا يخبرها بالضبط وهو يبدو عاجزًا عن فعل أي شيء بمفرده؟ ما زال ينتظر على أحر من الجمر قبول "كيشو" بتقديم العون له في هذه المسألة، فإن –لا قدر الله- رفض، لبات في وضع أصعب، حاول ألا يفكر بسلبية، وتعمد تغيير الموضوع بقوله غير المبالي:
-خلي "دليلة" تعملي شوية شاي.
فغرت شفتيها متسائلة باستهجان:
-هتشرب شاي قبل ما تاكل؟
في قدر من الانفعال رد:
-أه يا "عيشة"، عندك اعتراض؟
لوت ثغرها قائلة:
-لأ.
نهض بعدها متجهًا إلى الشرفة ليتطلع إلى الطريق الضيق المزدحم بالمارة والدراجات، ومركبات التوكتوك. أخرج تنهيدة ثقيلة من صدره محادثًا نفسه في يأس وإحباط:
-هعمل إيه لو معرفتش أجيب حقي؟
على عكس طبيعة شقيقه المتباهية، والداعية للفت الأنظار، كان "زهير" يحب العمل في هدوء، والتحرك بلا أدنى صخب أو ضوضاء، وكأن في التخفي عن الأعين لذة عجيبة، لذلك لم يبدُ راضيًا تمامًا عن الحشد الذي وقف في انتظاره خارج أسوار السجن، تمهيدًا للاحتفاء به بعد انقضاء مدة حبسه.
تقدم "شيكاغو" تجاهه، ليستقبله ويرحب به، فهتف في حماس فرح وهو يشير بيده للفرقة الموسيقية الشعبية التي أتت بصحبته لتبدأ في العزف الصاخب:
-الكوبارة بنفسه باعتنا ليك يا سي "زهير".
أمر الجميع بلهجة الآمر الناهي:
-مش عايز أسمع دقة طبلة، ولا صوت مزمار.
سادت الحيرة بينهم، فأكمل على نفس الوتيرة الصارمة:
-أنا مابحبش الحركات دي، وبقول من تاني مش عايز لا زفة، ولا مولد، الكل يرجع من مطرح ما جه.
معارضته لم تكن إحدى الخيارات المتاحة، لهذا صفق "شيكاغو" بيديه للجميع حتى يمتثلوا لأمره، وينصرفوا تباعًا، ثم التفت ناظرًا إليه قبل أن يردد:
-كل اللي أمرت بيه اتنفذ يا ريس "زهير".
تقدم بعدها تجاه إحدى السيارات، فتح الباب الأمامي، وجلس مجاورًا لمقعد السائق، ليأمر الأخير بتعابير جادة للغاية:
-اطلع على التبه.
هز رأسه في طاعة قبل أن يدير المحرك متمتمًا:
-ماشي يا كبير.
انطلقت السيارات المنتظرة خلف بعضها البعض في تتابع صامت نحو الطريق الرئيسي المؤدي إلى ذلك المكان القصي، لتبدأ فترة جديدة –ربما تكون عصيبة على البعض- حينما تتضافر جهود الشقيقين معًا من أجل تدعيم نفوذهم وسلطتهم على من يقطنون منطقتهم وضواحيها.
رواية فوق جبال الهوان الفصل الخامس 5 - بقلم منال سالم
الفصل الخامس
بعد مراقبة حثيثة لعدة دقائق في محيط هذه المنطقة المزدحمة بالمركبات المختلفة والمارة، وقع الاختيار على أحد بعينه، للقيام ضده بهذه الخطوة الجريئة، فالأخير كان مشغولًا بالحديث في هاتفه المحمول، وهو جالس في المقعد الأخير الملاصق للنافذة بالحافلة الصغيرة.
تأهب "شيكاغو" في جلسته على محرك دراجته البخارية، غطى وجهه بطرف وشاحه، ثم حركها ببطء، إلى أن أصبح على مسافة قريبة منه.
لسوء حظ هذا الفتى، كان يشعر بالاختناق من الزحام، فتعمد طرح جانبه الأيمن عبر النافذة، ليصبح ذراعه الممسك بهاتفه بارزًا لمن بالخارج، وانشغل في الحديث مع الطرف الآخر، دون أن ينتبه لزوج الأعين المراقبة له.
أعاد "شيكاغو" من جديد تقييم الموقف في رأسه، وحدد وجهته التي سينطلق ناحيتها بمجرد أن يتم مهمته، فالأجواء تقريبًا مهيأة للشروع في إتمام سرقته.
حينما حانت اللحظة المناسبة، زاد من سرعة الدراجة، وفي غمضة عين اختطف من بين أصابع الفتى الصغير هاتفه الجديد ليزيد من سرعته، ويهرب في الحال.
استطاع سماع صراخه ينادي مستغيثًا:
- حرامي يا ناس، موبايلي اتسرق.
في التو انحرف بدراجته عبر زقاق جانبي، ومنه إلى آخر ليتجنب بحرفية أي محاولة لإلقاء القبض عليه.
أصبح بعد برهة بعيدًا عن الخطر، فأبطأ من سرعة دراجته، ونظر بتفحص إلى غنيمته التي ظفر بها، راح يقلبها يمينًا ويسارًا وهو يحادث نفسه متسائلًا في تحير:
- يجيبله كام البتاع ده؟
لم يحاول التخمين كثيرًا، ووضعه في جيبه، ليعود إلى مقر إقامته، من أجل الترتيب مع شريكه لبيعه، والاستفادة من المبلغ الذي سيجنيه من ورائه في الترويح عن نفسه.
.........................................
أتاه أخيرًا التكليف الرسمي بحضور ذلك التدريب الهام، والذي سيعقد في إحدى قاعات المؤتمرات بواحد من الفنادق الشهيرة في العاصمة.
تحمس كغيره للتواجد هناك، وجلس مع باقي زملائه يتفقون فيما بينهم على ما يجب فعله للاستفادة بكل المنح المصاحبة لذلك.
قال أحدهم كنوع من الاقتراح:
- احنا نخلص تدريب الصبح، ونقضيها سهر بالليل.
رد عليه "راغب" ممازحًا:
- هو هيكون فينا حيل؟
لكزه في كتفه قائلًا بزهو:
- يا ابني احنا بنتعامل معاملة VIP .. فرصة نستفيد بكل حاجة في الفندق.
سأله آخر في فضول:
- على كده هتقول إيه لمراتك؟
التفت "راغب" تجاهه، وأجابه بملامح جادة:
- مش هجيب سيرة طبعًا إنه في أفخم الفنادق، وهفضل أزن إنه حاجة فقر ووجع دماغ.
استغرب من تحامله عليها، وتساءل:
- ليه كده؟
قال بوجه ممتعض:
- هتفضل تقولي خدني معاك، وأنا مش ناقص خانقة.
تصنع زميله الضحك، وقال وهو يسترخي في جلسته على المقعد:
- على رأيك الستات طول عمرها غاوية نكد ومشاكل.
بينما تساءل آخر عن شيء يخص العمل:
- أومال هنعمل إيه في آ...؟
لم يبد "راغب" مهتمًا بمتابعة باقي الحوار، فقد انشغل باله في كيفية الترتيب لغيابه، ووضع زوجته أثناء ذلك.
بالطبع تبادر إلى ذهنه إرسالها للمكوث عند ذويه، لهذا استأذن للقيام بمكالمة ما ضرورية، فخرج إلى الرواق، وبحث في هاتفه عن رقم والدته ليتصل بها.
على عكس ما توقع، تفاجأ بوالدته – السيدة "نجاح"- تتذمر من الأمر:
- لأ يا "راغب"، مش هينفع معايا الكلام ده.
اندهش من رفضها القاطع هذه المرة، وسألها في استغراب:
- ليه بس؟
أتاه صوتها مسترسلًا في الشرح:
- بصراحة كده أنا طالعة مع أبوك رحلة تبع النادي بتاعنا، ولو مراتك جت قعدت معانا، هنضطر ناخدها، وأنا مش عايزاها تيجي، هتفضل تبص لكل اللي بنعمله، وتبقى كابسة على نفسنا، وتعد علينا خطواينا.
اعترض على ظنونها السيئة تجاهها قائلًا بشيء من التحيز:
- بس هي غلبانة، ودايمًا بتقوم بطلباتك، ما فيش حاجة لو اتفسحت اليومين دول معاكو.
سمع نبرتها الحادة تعلمه:
- ما تفسحها إنت على حسابك.
رد محتجًا:
- ما الجاي يدوب على قد اللي رايح.
علقت عليه في إصرار:
- مش مشكلتي يا "راغب"، وبعدين دي وش فقر، وهتقول لأمها، ويفضلوا يؤروا علينا، واحنا مش ناقصين حسد، ولا نتنش عين.
سألها في تحير، وهو يتابع بناظريه أحد الموظفين المار بجواره:
- طب والعمل؟
جاء تعليقها فجًا بعض الشيء:
- ما تتنيل تفضل في بيتها، هيجرالها حاجة يعني؟
لوى ثغره متمتمًا بخفوت، محاولًا عدم إظهار ضيقه:
- أنا مش متعود أسيبها لوحدها، وفي نفس الوقت مش عايزها تروح عند أهلها، الحتة اللي هما قاعدين فيها صعبة شويتين.
غمغمت "نجاح" في غير مبالاة:
- الموضوع ما يخصنيش، أنا عايزة أغير جو مع أبوك، واصطفل إنت مع مراتك.
نفخ مليًا قبل أن يرد:
- ماشي يا ماما، اللي تشوفيه.
من جديد عاودت التشديد عليه لئلا يتراخى في وعده لها:
- أوعى بس تجيبلها سيرة عننا، سامعني يا "راغب"؟ لو هي عرفت يبقى منك، وساعتها هزعل.
على مضض أخبرها:
- طيب.
أنهى معها المكالمة، وظل باقيًا في الرواق، ويده موضوعة على طرف ذقنه، راح يحكه لبعض الوقت، مستغرقًا في تفكيره، قبل أن يكلم نفسه حاسمًا المسألة:
- خلاص خليها تفضل في البيت، وأهي تعتبرها بجميلة إني وافقت على طلبها ده.
..........................................
حينما تشرد كل شابة وتسرح بالخيال، تتمنى تحقيق الكثير من الأحلام، كان من أبسطها إقامة ليلة زفاف خيالية، يتحاكى الجميع عن مدى روعتها، وحضور كل المعارف والأقارب لتهنئتها.
لكن ذلك أصبح مستبعد الحدوث، بل إنه صار من المستحيلات الآن بعدما تبخرت كل الأحلام، وسارت كالسراب في الصحراء الجرداء.
لم تنضب دموعها أو تخف بالرغم من مرور الكثير من الوقت على تركها بمفردها في هذه الغرفة التي شهدت على اغتيال براءتها، وتحويلها إلى امرأة وضيعه قسرًا.
لم تختر هذا المصير المشؤوم، لكنها سارت بإرادتها في الطريق الذي أودى بها في نهايته إلا ما لم تتوقع حدوثه، آمنت بعهود الحب، ووضعت ثقتها فيمن لم يحافظ على وعوده، فأصبحت كالمغيبة وانساقت وراء المجهول، حتى هوت في مستنقع مظلم، لا تعلم متى يمكنها النجاة منه.
تلفحت "مروة" بالغطاء، محاولة إخفاء معالم جسدها، كانت لا تزال على رجفتها، تبكي بأنين وحرقة خسارة كل شيء، لم يترأف بها "كرم"، ولم يعبأ بما تعانيه من ظلم واضطهاد، ورغم يقينه من عفتها إلا أنه مضى للنهاية فيما عقد العزم عليه، حتى ظفر بمبتغاه، ونال مآربه.
انتفضت بهلع حينما فتح باب الغرفة فجأة، ظنت أنه قد عاد لممارسة طقوس الغرام، لكن خابت توقعاتها، وجاءت فتاة أخرى تجهل هويتها، حملقت فيها بعينين ضيقتين حينما ولجت إلى الداخل وعلى ثغرها ابتسامة صغيرة، انكمشت على نفسها عندما رأتها تدنو منها قائلة في ودية تتناقض مع طبيعة الحياة القاسية هنا:
- ست "سمارة"، كويس إنك صاحية، أنا جاية آ...
ذلك الاسم البغيض الذي منحها إياه، كرهت سماعه، فهو يذكرها بمصيرها الملعون، اعتدلت في رقدتها، وقاطعتها صارخة بحدة:
- محدش يقرب مني.
توقفت الفتاة في منتصف المسافة إليها، وبررت سبب وجودها بالحجرة لئلا تسيء فهمها:
- كوبارتنا باعتني ليكي علشان أساعدك.
نظرت إليها بعينين حائرتين، وكأنها لم تتفقه بعد إلى هوية ذاك الذي تتحدث عنه، فأوضحت لها من تلقاء نفسها:
- كبيرنا "الهجام"، اللي إنتي نايمة على فرشته.
اللعين الذي اقتحمها ودنس طهرها! أصابها الغثيان، وانقلبت سحنتها لمجرد ذكرها لاسمه، ناهيك عن شعور الألم الذي ما زال يعصف ببواطنها، فدمدمت من بين شفتيها في اهتياج:
- الحيوان، القذر!
صدمت الفتاة من نعتها المسيء إليه، وتوجست خيفة من سماع أحدهم لسبابها، فذلك يعني الوقوع في مشكلة خطيرة، في التو هرولت عائدة نحو الباب لتغلقه منعًا لتلصص الغير عليهما.
لم تكن "مروة" قد لمحت ما تحمله في يدها، فتجمدت نظراتها على الثياب النظيفة التي معها، والفتاة قد استدارت لتخبرها بلهجة شبه آمرة:
- اغسلي جسمك بالمياه، والبسي الهدوم دي.
مهمتها كانت محددة، إعدادها وتزيينها لتظهر في أبهى طلة، ولتكون على أهبة الاستعداد حينما يتم استدعائها من قبله.
تكرار نفس التجربة، ومعايشة نفس الأحداث المؤلمة، لمجرد إشباع رغبة أحدهم في استباحة ما تمتلكه بغض النظر عن كونه مشروعًا من عدمه جعلها أكثر نفورًا واشمئزازًا.
رفضت الانصياع لها، وقفزت من على الفراش باحثة عما يساعدها على الفكاك من هنا، وإن عنى ذلك التضحية بنفسها.
ألقت نظرة سريعة على أنحاء الغرفة، فوقعت عيناها على مرآة التسريحة، فبها ما يصلح للاستخدام، لم تفكر مرتين، واتجهت نحوها، ثم أمسكت بزجاجة عطر ضمن المجموعة الموضوعة عليها، ضربتها في الحائط ليتهشم زجاجها في الحال، وينسكب عطرها الثمين على جلدها وكذلك الأرضية.
لم تهتم بالقطع الذي حز في جلدها، ولا بالدماء التي سالت في راحتها، استخدمت الطرف الحاد كأداة إما للذود عن نفسها أو القضاء عليها، فكلا الحالتين لن تخسر نفسها مجددًا.
شهقت الفتاة في ذعر، حينما رأتها تتصرف بجموح، وسألتها وهي تتحرك صوبها بتوجس قلق:
- إنتي بتعملي إيه يا ست "سمارة"؟!
أطلقت عليها تهديدها العلني بلا ندم:
- أنا هموت نفسي.
برقت عيناها ذهولًا، فأكملت "مروة" في صوت مختنق، وعيناها تعاودان البكاء مجددًا:
- منكم لله يا ظلمة، حرمتوني من حياتي، وضيعتوني...
ثم انخرطت في نوبة بكاء عنيفة ومتحسرة وهي لا تزال تهسهس:
- أنا مش كده، أنا بنت ناس.
حاولت الفتاة إقناعها بالتوقف عما تفعل، ورجتها:
- يا ست "سمارة" بلاش كده، هتودي نفسك في داهية، الكوبارة عايزك.
تمسكت أكثر برغبتها في استدعاء ملك الموت، وصرحت مؤكدة:
- الموت أهون عليا من إني أعيش في العار!
تطلعت إليها في حيرة وخوف، عجزت عن منعها من التصرف بتهور، لتقرر بعدها حاسمة أمرها في الحال:
- ما بدهاش لازم أبلغ كبيرنا.
ثم اندفعت إلى خارج الغرفة ركضًا باحثة عن صاحب النفوذ والسلطة لتبلغه برغبة امرأته الجديدة في الانتحار.
تجمدت "مروة" في موضعها، وتضاعفت رعشتها، لم تتوقع أن تنتهي بها الأمور إلى ذلك، بكت، وارتفع نحيبها، حتى كادت تسقط الزجاجة المكسورة عن يدها. لكن ما لبث أن طرأ ببالها فكرة أكثر جنونًا، لما لا تعاقب المسيء بدلًا من تحمل الذنب وحدها؟ أليست هي الضحية؟ ألم يتم جبرها على البقاء معه؟ استحوذت هذه الفكرة على كامل تفكيرها، وقررت مواجهة خصمها وإجباره على دفع ثمن جرائره في حقها.
***
في الهواء الطلق، وتحديدًا فوق سطح هذه العمارة، استلقى "حمص" جالسًا على أريكته القديمة، مستمتعًا بارتشاف كوب شايه الساخن، وتدخين سجائره المفضلة، سرعان ما سلط أنظاره نحو باب السطح، عندما دفعه "شيكاغو" بقوة ليفتحه، ثم اتجه إليه، ليجلس في مواجهته على مصطبة قديمة، أصدر خشبها صريرًا مزعجًا بمجرد جلوسه عليها. سأله الأول في استرخاء:
- أعملك شاي في الخمسينة؟
تجاهل إجابته، ومد يده بالهاتف المحمول ليعطيه له قائلًا في نبرة متحمسة:
- شوفلنا صرفة في العدة دي.
أخذه منه، وراح يفحصه بتدقيق شديد، ثم سأله، وعيناه لا تزالان تدوران عليه:
- إنت وقعت على الحتة دي منين؟
أجابه في تفاخر:
- نشلته من واحد وهو بيتكلم في الميكروباص.
استحسن مبادرته غير المتوقعة مبديًا إعجابه به:
- يا ابن اللاعيبة.
تابع "شيكاغو" كلامه في تبرم:
- ما الحالة ضنك وجيوبنا مأشفرة على الآخر.
تساءل "حمص" مستفهمًا وهو يغمز له بطرف عينه:
- إيه الكلام؟ هنرجع للسرقة تاني؟
رد عليه في سخط ساخر، وقد تجهمت تعبيرات وجهه:
- هو احنا كنا بطلناها أولاني!
لم يجادله كثيرًا، ورد وهو يزيل بطاقة الهاتف من مكانها المخصص به:
- زي ما تحب.
تابع "شيكاغو" مضيفًا في غموض مثير:
- في دماغي حوار كده، لو ظبط هنطلع منه بسبوبة عجب.
تحمس رفيقه لمشاركته الأمر هاتفًا:
- أيوه بقى، شغل الجمجمة، وخلينا نتنغنغ!
مرة أخرى تساءل "شيكاغو" مستوضحًا:
- ما قولتليش هتديه لمين؟
بعد لحظة من التفكير أخبره:
- ما فيش غيره "سنجة"، هو اللي يعرف بتوع الموبايلات المسروقة، ليه سكة معاهم.
زم شفتيه قليلًا، وقال:
- بس خليه يجيبلنا فيه سعر حلو، العدة شكلها جديد، وتستاهل.
هز رأسه معقبًا:
- ماشي الكلام.
***
في حفاوة شديدة، ومشاعر أخوية صادقة وعميقة، استقبل "الهجام" شقيقه الأصغر الذي أنهى لتوه فترة احتجازه بالسجن، ليصطحبه إلى الباحة الرئيسية لمنزله وهو يلف ذراعه حول كتفيه معاتبًا إياه:
- بقى "زهير الهجام" يجي التبة كده على الساكت؟
أخبره "زهير" في هدوء:
- إنت عارفني ما بحبش الدوشة.
هنأه من جديد وهو يربت على ظهره:
- مبروك عليك الإفراج.
نظر إليه "زهير" بنظرة موحية قبل أن يقول:
- أنا عارف إنك لبستها لحد تاني علشان تطلعني منها.
ابتسم قليلًا، بل على العكس لم ينكر شكوكه، وأكد له:
- ما أنا مش هسيبك تعفن في المخروبة دي...
لم يبدُ مقتنعًا بتصرفه، فتابع "كرم" الكلام بعدما اختفت ابتسامته:
- وبعدين احنا ورانا شغل برا أهم.
أفسد عليه لحظة الصفاء الخاصة مع شقيقه صراخ الفتاة المستنجد:
- الحق يا كوبارتنا، في نصيبة هتحصل يا كبير.
التفت ناظرًا إليها متسائلًا في ضيق:
- في إيه يا بت ما تتكلمي؟
من بين لهاثها، أخبرته بصوت متقطع:
- الست "سمارة" عايزة تنتحر!
لم تهتز له عضلة، وقال في استخفاف هازئ:
- وجاتلها الجرأة دي منين؟
في حين سيطرت الحيرة على "زهير"، وتساءل وهو يوزع نظراته بين شقيقه وتلك الفتاة:
- مين دي؟
وكأن شأنها لا يعنيه البتة، فقال وهو يستحثه على السير معه:
- هفهمك بعدين.
تحيرت الفتاة في كيفية التعامل مع هذه المسألة الحرجة، وتساءلت بتردد:
- العمل إيه يا كبيرنا؟
اخشوشنت نبرته وهو يعنفها في غلظة:
- إنتي مش شايفاني قاعد مع أخويا؟
رد عليه "زهير" في قلق شبه ملحوظ:
- يا عم سيبك مني، وقوم إلحقها.
استمر على عدم مبالاته مرددًا في تبجح:
- كبر دماغك، تروح واحدة.. ييجي مكانها عشرة.
أغاظه للغاية تصرفه غير المسئول، فراح ينذره بغير تساهل:
- "كرم"! اتصرف وحل الليلة دي، إنت عارف مبدأي، ماليش في اللي يضر لا العيال ولا الحريم، ومش هسكت.
بدا وكأنه يستهزئ به بشكل ما عندما علق عليه:
- طول عمر قلبك رهيف ناحيتهم.
في غير خوف أخبره:
- كفاية واحد طالع قاسي القلب، مش هنبقى احنا الجوز.
أومأ برأسه هاتفًا بعد زفرة سريعة:
- علشان خاطرك بس.
***
بعض الندبات يمكن أن تُشفى مع الزمن، والبعض الآخر لا يمكن محو آثارها المؤلمة حتى من الذاكرة، وكانت تلك إحداهن. أسرع "كرم" مع شقيقه في خطاهما نحو غرفة النوم، ولج الأول إلى الداخل ملقيًا نظرة متأنية على "مروة" التي حشرت نفسها بالزاوية وهي لا تزال ممسكة بزجاجة العطر المكسورة، تبعه شقيقه الأصغر، وتطلع إليها بغرابة وفضول، فمن نظرته التقييمية الأولى أدرك أنها تعاني الويلات بتواجدها هنا، خاصة إن كانت متورطة مع زعيم هذه المنطقة.
صاح "كرم" في نبرة آمرة، ونظرة ازدراء ساخطة تطل من عينيه:
- إرمي يا بت البتاع ده من إيدك.
مجرد رؤيته بهيئته المتسلطة، أصابها بالمزيد من النفور والكراهية، انتفضت خلايا جسدها، وصرخت في وجهه بحرقة عظيمة:
- إنت ضيعتني يا ظالم! منك لله، ربنا ينتقم منك.
منحها نظرة احتقار صريحة قبل أن يقول في تهكم:
- شوف البجاحة، جيالي من عند "توحيدة"، وعايزة تعملي فيها شريفة وطاهرة!!!!
تقدم "زهير" في خطواته ليصبح مجاورًا له، وسأله بصوت خفيض:
- إنت عملت معاها إيه؟
أدار شقيقه وجهه ناحيته، وتطلع إليه بنظرة ذات مغزى، ليردد بعدها بلمحة من التفاخر:
- اللي فهمته وجه في دماغك.
لم يكن بحاجة لتفسير كلماته المتوارية، وسأله مباشرة:
- بالحلال ولا؟
تقوس فمه مجيبًا في غير مبالاة:
- هو أنا بتاع الحلال؟ ليلة وانقضت، أنا حتى مش فاكر اسمها إيه.
عبارته الأخيرة كانت مستفزة للغاية، فاستثارت أعصابها، وجعلتها على شفير الجنون، لتصيح في هياج أكبر:
- آه يا جبان، يا واطي.
ثم اندفعت تجاهه، قاصدة إصابته برأس الزجاجة المكسورة في عنقه، لكنه نجح في تفادي ضربتها بغير عناء، ليمسك بها من رسغها، ثم مد يده الأخرى وقبض على ذراعها، فأصبحت واقعة تحت أسره تقريبًا، حاول تثبيط مقاومتها بقوة، وقال في تحدٍ مغيظ لها:
- يا بت إنتي مش أدي، ما تعرفيش أنا مين.
استمرت في شحذ قواها الحانقة للانقضاض عليه، وراحت تصيح في غضب أشد:
- اللي زيك لازم يموت.
جاء رده مستخفًا بها:
- كتير قالها قبلك، بس ولا واحد قدر عليا.
حاولت، وظلت تحاول بكل طاقاتها لإفلات يده، وبلوغ جلد عنقه، ومع ذلك باءت كافة محاولاتها بالفشل، ليتمكن في النهاية من نزع الزجاجة من يدها، ويلقيها أرضًا، ثم قبض على عنقها، وضغط بأصابعه عليه ليخنقها، فانحشرت أنفاسها، وباتت تصارع للبقاء على قيد الحياة.
في التو تدخل "زهير" لإنقاذها من بين براثنه قائلًا في جدية تامة:
- "كرم"!
خليني أجيب آخرها معايا، وأبقى ريحتها من الدنيا بحالها.
قبل أن تزهق روحها، استطاع "زهير" فك أصابعه عن عنقها، وإبعادها عنه بدفعها للخلف، فانطرحت أرضًا من إثر الدفعة الخشنة، وراحت تسعل بقوة محاولة التقاط أنفاسها، بينما وقف "كرم" يهددها:
ولا أقولك الأحسن أقص لسانها بس، حاجة بسيطة تعرفها أنا مين بالظبط.
منعه من الاقتراب منها مجددًا وهو يكلمه في ضيق:
خلاص سيبها، ورجّعها عند "توحيدة".
صاح معترضًا في تذمر:
ليه عايزهم يقولوا إني طلعت خيخة؟ حتة حرمة مش قادر عليها؟!
قال في تحيز:
ما كفاية اللي إنت عملته فيها.
لم تيأس "مروة" من تكرار المحاولة، بمجرد أن استعادت انتظام أنفاسها أمسكت بالزجاجة المكسورة، واستندت على مرفقيها، لتنهض من رقدتها حتى تنقض عليه، ومع ذلك لم تفلح هذه المرة أيضًا، بل إنه سدد لها لكمة مباغتة في وجهها أفقدتها الوعي في الحال، وأسقطتها على الأرضية. بصق فوقها، وكاد يهجم عليها، لولا أن منعه "زهير"، وأبعده عن محيطها، لينعتها بسباب لاذع.
بصعوبة تمكن من إخراجه من الغرفة، ليستمع إلى "كرم" وهو يهدر في ضيق:
لولا إنها بت غبية وخام كنت شردتها، وخليت الكل ينهش في جثتها.
استرعى وصفه لها انتباهه، فوقف قبالته، وطالعه بنظرة مستريبة، ليقطب جبينه متسائلًا في غرابة:
قصدك إيه؟
أوضح له ببساطة:
كانت بسلوفانها لسه.
وكأنه صدمه بالحقيقة التي لم يتوقعها، فهتف مستنكرًا بشدة:
كمان؟!
استطاع أن يرى شبح تلك الابتسامة المزهوة الذي لاح على ثغره عندما أضاف:
الصراحة كانت أول حاجة تيجي عدلة من عند "توحيدة"....
ضاقت عيناه باستنكار، بينما استمر شقيقه في الاعتراف له:
وبيني وبينك.. وأنا لسه ما شبعتش منها.
في التو أخبره "زهير" بلا مزاح:
لو البنت دي فضلت هنا يبقى لازم يكون في بينكم ورقة جواز، حتى لو عرفي.
زجره "كرم" بتعصب:
جرى إيه يا "زهير"؟ إنت جاي تعمل عليا شيخ؟
رد عليه في تصميم:
إنت عارف إني ما ليش في النجاسة، ولا بأقبل بيها.
رمقه بهذه النظرة القاسية قبل أن يعقب عليه:
بس أنا عاجبني الحوار كده، وبعدين هي اللي جت عندي بمزاجها.
بدا كما لو كان يحدثه عن امرأة فاضلة، تشتهر بحسن أخلاقها، غير تلك التي عاهدها منذ زمن، ويحفظ عن ظهر قلب حقيقتها المؤسفة، استهجن "زهير" كلامه مرددًا في انزعاج:
هو أنا مش عارف "توحيدة" بتجيب اللي شغالين عندها إزاي؟!!!
سئم "كرم" من جدالهما السقيم، واستطرد في حزم:
قفل على الحوار ده، أنا دماغي وجعتني منه.
همّ بالتحرك، لكنه استوقفه بالإمساك به من ذراعه، ليطلب منه في جدية:
رجعها من مطرح ما جت، ده الأحسن طالما ما لكش في سكة الحلال.
كان يعلم تمام العلم أن شقيقه لن يكف عن إثارة هذا الأمر طالما أنه يخالف أهواءه والقواعد التي يفرضها على نفسه، لهذا كان من المريح له أن يرجئ النقاش فيه إلى أن يتغافل عنه أو ينساه، فقال متجاوزًا الحديث في شأنها:
هشوف، وتعالى ناكل لقمة.
سأله في لمحة من التعاطف:
وهتسيبها كده مرمية؟
نفخ في غير صبر، ثم رد بسخط:
يعني هتروح فين؟
طلب منه في جدية:
شوف حد يطمن عليها.
هز رأسه مرددًا:
ماشي، خلينا بس فيك دلوقت.
ثم استحثه على السير معه بعيدًا عنها ليكملَا حوارهما الجاد عن الأعمال العالقة التي تخص مصالحهما.
......................................
طوّع الأمور لصالحه، وحول مجراها في اتجاه جعله يبدو وكأنه صاحب الفضل في إسعادها وتحقيق رغباتها، حيث أخبر "راغب" زوجته فور رجوعه من عمله بموافقته على بقائها في المنزل، وعدم إرسالها للإقامة عند أبويه، لتبتهج وتسر من قراره الذي أراحها للغاية. احتضنته "إيمان" في امتنان، وسألته في غير تصديق وعيناها تلمعان في فرحة:
بجد يا "راغب"؟ إنت بتتكلم جد؟
أبعدها عنه قائلًا بتأكيد وقد بدأ في حل عقدة رابطة عنقه:
آه طبعًا، ما أنا ما يهونش عليا أزعلك.
عاودت ضمه قائلة في سرور:
ربنا يخليك ليا، هو أنا بأحبك من قليل.
تحولت نبرته للعبثية وهو يسألها:
وما فيش بقى مكافأة حلوة ليا؟
تدللت عليه قائلة بترحاب:
اللي إنت عايزه يا حبيبي، اطلب وأنا أنفذ.
سكت لهنيهة، ثم قال وهو يرمقها بهذه النظرة الطامعة لما يلبي رغباته:
طب أنا عايزك ترقصي لي شوية؟
ابتسمت في خجل، وقالت وهي تهز رأسها إيجابًا:
من عنيا.
استلت رابطة عنقه التي حلها من ياقة قميصه، لتلفها حول خصرها، ثم تراجعت عدة خطوات للخلف لتسأله في استحياء:
عشرة بلدي، مظبوط؟
قال في إيجاز وهو يجلس على الأريكة متخذًا وضعية المشاهد:
أيوه.
وأدار المسجل الإلكتروني مستخدمًا جهاز التحكم عن بعد، ليبحث عن أغنية مناسبة لتتمايل عليها في خفة وليونة، وحين وجد ضالته تركها تفعل ما تجيده برشاقة وتدلل، ليظل يطالعها بهذه النظرة المفتونة حتى تأججت به الرغبة، وصار أكثر لهفة عليها.
.............................................
فضل هذه المرة أن يأتي بمفرده، ليكون حديثه معه مباشرًا وموجزًا، بعدما تلقى دفعة من المال لتأدية هذه المهمة التي بدت إلى حد ما سهلة ويمكن إنجازها بشيء من التهديد والتخويف.
اقتحم "سنجة" المخبز بتبجح، ورفع من نبرته هادرًا في خشونة وتحفز:
شوف يا حاج "درويش"، هما كلمتين أنا جاي أقولهم وأمشي...
تفاجأ الأخير بوجوده، فقلما تعامل معه، ونهض من على كرسيه ليواجهه في ضيق، خاصة مع هروب الزبائن بمجرد رؤيتهم لذلك البلطجي بالمكان، تابع كلامه إليه على نفس الوتيرة:
عم "فهيم" ترجع له حقه، يا إما هتلاقي الفرن ده سقفه في حلقه.
في التو عرف سبب تواجده، وقال بغير اكتراث ضاربًا بعكازه الأرضية:
إنت جاي تهددني يا واد إنت؟ هو إنت ما تعرفش أنا تبع مين؟
تحداه في جراءة كبيرة، مستفزًا إياه عن عمد:
لأ عارف كويس، واللي إنت محمي بيه ما يجيش مداس في رجل كبارتنا.
استشاط غضبًا من تهديده السافر، وهدر في عصبية:
طب اتمشى من هنا بدل ما أخلي رجالتي تحطك على السير، وتسويك مع العيش.
قابل كلامه بمزيد من التحدي:
ده آخر ما عندك؟
أكد له بلا خوف مطوحًا بعكازه في وجهه:
آه، ووريني إنت والكبارة بتاعك هتعمل إيه؟
استخف به مرددًا في تجبر:
زي الفل، ما ترجعش تعيط بقى يا حاج، وتقولي حقي برقبتي.
زعق فيه بغيظ:
انجر يالا من هنا!
ثم نادى على عماله بوجه مشتعل من الغضب:
اكرشوه بره الصايع ده.
انصاع العمال لأمره، وتجمعوا حوله على هيئة هلال لطرده خارج المخبز، لكنه أشهر مديته في وجوههم محذرًا إياهم:
إيدك لأقطعها لك منك ليه!
ترددوا في هجومهم عليه، خاصة أن "سنجة" كان بارعًا للغاية في استخدامها، ويجيد إصابة خصومه من المرة الأولى، ورغم ذلك غادر المخبز بعدما أطلق سبة نابية لكونه يعلم جيدًا أن الكثرة تغلب الشجاعة، فمهما كان جريئًا ومقدامًا، هناك بعض المواقف التي تتطلب الحكمة فيها. غضب "درويش" مما اعتبره تخاذلًا مشينًا من قبل عماله، وراح يعنفهم في سخط وهو يضربهم بعكازه:
مالكم؟ بقى حتة البرص ده خايفين منه؟
تولى أحدهم الكلام عن البقية مبررًا:
يا حاج ده واد شراني، واللي وراه أشر منه.
وكزه في ذراعه متمتمًا من بين أسنانه:
وأنا مش هأسكت عن اللي عمله ابن الـ .... ده!
.....................................
أرادت تعويض والدتها الغالية عن المعاملة الفظة التي تعرضت لها في منزلها قبل وقت سابق على يد زوجها، كان من غير المستحب أن تعتمد فقط على مكالمة هاتفية روتينية لاسترضائها، لهذا قررت مفاجأتها، واستغلال فرصة سفر "راغب" للذهاب لرؤيتها، وتمضية بعض الوقت بصحبة عائلتها التي تشتاق إليهم كثيرًا.
تأنقت "إيمان" في عباءة محتشمة، من اللون البيج الفاتح، واستوقفت سيارة أجرة لتطلب من سائقها إرسالها لأقرب نقطة تذكرها عن عنوان العائلة الجديد بالقرب من الوحدة الصحية الرئيسية لهذه المنطقة.
وأثناء ذلك قامت بمهاتفة أمها، انتظرت ردها عليها بصبر نافد، بمجرد أن سمعت صوتها سألتها في لهفة وشوق:
- عاملة إيه يا ماما؟ وحشاني أوي.
ردت الأخيرة باقتضاب:
- كويسة.
سألتها في صوت رقيق:
- إنتي لسه زعلانة مني؟
على نفس النهج الجامد قالت:
- عادي.
رجتها في نبرة شبه مستعطفة:
- بالله عليكي يا ماما ما تضايقي من اللي حصل، إنتي عارفة "راغب" لما بيرجع من الشغل بيكون على آخره.
أخبرتها في ضيق محسوس في صوته:
- فضينا من سيرته.
استطردت "إيمان" قائلة بحماس:
- طب أنا عايزة أشوفكم.
سألتها في استغراب مطعم بالسخرية:
- معقولة جوزك سمحلنا نيجي عندك؟
بالكاد سيطرت على مشاعرها المتحمسة وهي توضح لها:
- لأ، أنا اللي هجيلكم.
استطاعت سماع اللهفة في نبرة والدتها وهي تسألها لتتأكد مما سمعت:
- بجد؟
أكدت لها بابتسامة أشرقت كامل ملامحها:
- أيوه، ده "راغب" بنفسه اللي موصيني أعمل كده، وبعدين أنا بكلمك من التاكسي، قدامي شوية وأوصل عند الوحدة الصحية، بس مش عارفة مكانكم فين بالظبط بعدها.
في التو علقت عليها "عيشة" بنفس النبرة اللهفى:
- أنا هبعتلك "دليلة" تستناكي هناك، وهي هتجيبك لحد عندنا.
ردت عليها دون أن تفتر بسمتها:
- ماشي يا ماما.
....................................
حُسم الأمر بإعادتها إلى المكان الذي جاءت منه، ريثما يوفق "الهجام" أوضاعه معها، فإن أراد الاستمرار في هذه العلاقة عليه أن يوثقها بشكل ما، وإلا لتركها لحال سبيلها، وكف شأنه عنها، فما كان من الأخير إلا أن رضخ -على مضض- لرغبة شقيقه احترامًا لما بينهما من روابط أخوة أصيلة ومتأصلة. جاءت "خضرة" لأخذها بناءً على التعليمات الصادرة، ولضمان تنفيذ ذلك، ذهب "زهير" معهما، وجلس في المقعد الأمامي للسيارة، تلك التي كان محركها يزمجر بصوت مزعج، مما اضطره لإخبار السائق بضرورة إرسالها للصيانة للكشف عن العطب بها وإصلاحه.
مالت "خضرة" على "مروة" لتهمس في أذنها بصوت خفيض:
- اقسم بالله إنتي محظوظة، لولا الريس "زهير" كان زمان خبرك اتقطع.
حانت من الأخيرة نظرة خاطفة نحو المرآة الجانبية للسيارة، لتتطلع إلى وجه ذلك الشهم الذي أخرجها من جحيم شقيقه، فلم تتبين ملامحه بسبب الزجاج المغبر، استمرت تلك الثرثارة في الهمس لها بشيء من الحقد والحسد:
- مين أدك دلوقت؟ الكوبارة راضي عنك، وأخوه واقف في صفك.
تصعبت بشفتيها بعدها، وأكملت حديثها في نفس النبرة الخافتة:
- لأ، وكمان راجعة عند الست "توحيدة" في تشريفة ما تحلمش بيها أي بت....
أخرجت "خضرة" من بين شفتيها تنهيدة حالمة، قبل أن تقول في نبرة مُتمنية:
- يا ريتني كنت مكانك!
...................................
في تلك الأثناء، أسرعت "دليلة" في خطاها بعدما ارتدت ثيابها الرياضية لتلتقي بشقيقتها عند الوحدة الصحية التي تقبع بالقرب من الطريق الضيق المؤدي في نهايته إلى آخر يفضي للشارع الرئيسي الذي تقع بنايتهم في امتداده. احتضنتها في تشوق واشتياق، ونظرت إليها بسعادة، قبل أن تخاطبها في سرور:
- مش قادرة أقولك ماما فرحانة إزاي إنك جاية النهاردة.
ظلت على ملامحها الوديعة وهي تخبرها:
- وأنا كمان والله.
تساءلت "دليلة" في قليل من الشك:
- بس إزاي "راغب" سابك تيجي عندنا؟
تلبكت من سؤالها، وقالت في تردد بائن في نبرتها:
- أصله آ.. سافر يومين تدريب تبع شغله...
ثم سكتت للحظة، وأضافت وهي مطرقة لرأسها:
- والصراحة هو ما يعرفش إني جاية عندكم.
غامت تعبيرات وجه "دليلة" معلقة في ضيق:
- بقى الحكاية كده!
مدت "إيمان" يدها لتمسك بكف شقيقتها، ورجتها في حرج:
- أوعي تقولي لماما لأحسن تزعل، أنا مفهماها إن "راغب" باعتني أصالحها.
بامتعاض عقبت:
- اطمني، ماما مش ناقصة نكد.
تأبطت كلتاهما ذراعي بعضهما البعض، وسارتا على مهل في الطريق الضيق، قبل أن ينتقلا للآخر، و"إيمان" تتساءل في اهتمام:
- وبابا إزيه؟ صحته عاملة إيه؟
تنهدت "دليلة" قبل أن تجيبها في شيء من الإسهاب:
- الحمد لله، كل يوم بينزل، بيفضل غايب طول النهار، ويرجع على الغدا، وبعدين ينزل تاني.
سألتها مستفهمة:
- بيروح الفرن اللي مشارك فيه؟
هزت كتفيها مرددة:
- الظاهر كده، بس الصراحة أنا معرفش مكانه فين لسه...
نظرت إليها بتحير، فأكملت "دليلة" موضحة بابتسامة ساخرة تجسدت على زاوية فمها:
- أصل ماما مش عايزاني أتجول في المنطقة، إنتي لو تشوفي نوعية الناس اللي فيها هتعرفي إن هي معاها حق.
ظهرت أمارات التأفف على وجه "إيمان" وهي تخبرها بلا مجاملة:
- بصراحة شكل المكان بيئة أوي.
أحنت شقيقتها رأسها في أسف، وقالت:
- بلاش تيجي على الجرح، أنا مستحملة بالعافية.
مدت يدها الأخرى لتربت على كفها قائلة في تفاؤل:
- إن شاء الله تنقلوا من هنا قريب.
حررت زفرة سريعة من رئتيها ليتبعها قولها:
- يا ريت، نتمنى ده.
في تذمر منزعج تساءلت "إيمان" وهي ترفع ثوب عباءتها لئلا تتسخ:
- هو المجاري طافحة في كل حتة كده؟
أجابتها شقيقتها بعبوس:
- مافيش صرف أصلًا هنا.
على قدر المستطاع حاولت "دليلة" إبعادها عن بِرك مياه الصرف الراكدة، وذات الرائحة المنفرة، وتجنب مركبات التوكتوك التي تتسابق وتتزاحم مع باقي السيارات، لتجعل الحركة في غاية الصعوبة، مما جعل الاثنتان عرضة للرذاذ المتناثر من مرورهم على تلك البرك. شهقت "إيمان" صارخة في فزع عندما مر إطار سيارة بعينها على تلك البركة العميقة، ونثر كمية كبيرة من المياه غير النظيفة على عباءتها، فأغرقها وأفسد هيئتها في الحال.
اغتاظت "دليلة" مما حدث لشقيقتها، وهدرت في غضب منفعل وملوحة بيدها في الهواء:
- إنت غبي؟ أعمى؟ مش شايف الناس اللي ماشية في الشارع؟ داهية تاخد أشكالكم!!
صوتها الصارخ والمهين وصل إلى مسامعه بالرغم من ارتفاع زئير المحرك، فسلط "زهير" عينيه الثاقبتين على المرآة الجانبية الملاصقة لموضعه، لينظر إلى صاحبته الباحثة عن المشاكل، رآها من زاويته، تنحني قليلًا نحو أخرى تلطخت عباءتها، محاولة تنظيفها. ضرب بقبضته على الباب المعدني، وأمر السائق بنبرة لا تُرد:
- وقف العربية عندك!
رواية فوق جبال الهوان الفصل السادس 6 - بقلم منال سالم
الفصل السادس
زعزعة هيبته والتقليل من شأنه أمام أهالي المنطقة، ناهيك عن حدوث ذلك في تواجد عماله بالمخزن، جعله في أوج غضبه وحنقه. لم تهدأ مهاج الحاج "درويش"، وظل على حالته المنفعلة، فأمسك بهاتفه المحمول، وخابر من يقع تحت سطوة قوته ونفوذه، للقيام بمهمة رد اعتباره أمام الجميع، وتلقين من تجرأ عليه درسًا لا ينساه أبدًا.
ارتفعت نبرته المحتدة وهو يخبره بما يزيد من تأجيج نيران الفتنة بين الأطراف المتناحرة:
- والله يا ريس "العترة" لو فوتنا اللي حصل ده، هتلاقي الكل عملنا مسخرة، الصغير قبل الكبير، مش معقول ده يرضيك.
ظل صوته متأرجحًا ما بين الغضب والغل وهو لا يزال يكلمه:
- وأني لازم أعلم على الواد ده علشان يعرف هو غلط في مين.
غامت نظرته أكثر حينما أضاف كذلك:
- وبعدين دي بقت عداوة صريحة مع "فهيم"، وأنا عايزه يتربى.
أتاه صوت "العترة" هادئًا وناصحًا:
- اصبر عليا كده، وخليني أشوف هتصرف إزاي.
ألح عليه بتصميم:
- اعمل أي حاجة تخليني أخد حقي على طول.
بنفس الصوت الهادئ خاطبه:
- هيحصل، بس سبني أدورها صح في دماغي، علشان لما نضرب ضربتنا، تسمع عند الكل.
بالكاد تمكن من كبح غضبه المستعر، وقال، ووجهه يسوده تجهم شديد:
- ماشي الكلام.
***
كلماتها وإن كانت عفوية، نابعة من طبيعة الموقف الذي تعرضت له مع شقيقتها، إلا أنها كانت كسهم نافذ، رشق في صدر أحدهم وأصابه في مقتل. التفتت "خضرة" ناظرة من موضعها إلى الشابتين اللتين كانتا تقفان في الخلف، وعاودت النظر إلى "زهير" لتكلمه في صوت قلق، محفز للنزعة الذكورية الانتقامية بداخله:
- يا وقعة سودة يا سيد الناس!
اشتدت عضلات وجهه، وكذلك كتفيه بشكل ملحوظ، خاصة وهي لا تزال تهتف بنفس الطريقة المستثيرة للأعصاب:
- مين اللي اتجرأت عليك كده يا سي "زهير"؟ هي متعرفش إنت مين؟!
مصمصت شفتيها، وأكملت بتحفز مزعج أكثر:
- نهارها مش فايت أكيد.
نفد صبره من أسلوبها الذي يستفزه أكثر من أي شيء، وهدر بها بنبرة أخرستها على الفور:
- ولا كلمة.
انتفضت "مروة" فزعًا من نبرته التي أجفلت بدنها، وانكمشت على نفسها، في حين هزت "خضرة" رأسها في طاعة، وتابعته بعينين متوجستين وهو يترجل من السيارة ليذهب إليهما، متوقعة حدوث الأسوأ. مالت بعدها على تلك الملتصقة بها لتلكزها في جانب ذراعها، مرددة بشيء من الحماس المريب، وكأنها تبدي استمتاعها ونشوتها العارمة لرؤية جانبه الموحش حينما يظهره للجميع علنًا:
- أديكي هتشوفي بنفسك الوش التاني لأخو كوبارتنا سي "زهير".
تلقائيًا، استدارت "مروة" برأسها للخلف لتنظر إلى ما سيحدث بين الثلاثة من صدام وشيك، وقلبها يدق خوفًا لهذا!
***
على الجانب الآخر، وعند مسافة لا تبعد بضعة أمتار، تطلعت "إيمان" ناظرة إلى شقيقتها تعاتبها على نزقها واندفاعها الذي قد يودي بها إلى المشاكل دون داع، فراحت تلومها في جدية وهي تمسح بمنشفة ورقية استخرجتها من حقيبة كتفها على عباءتها:
- مكانش في داعي تتكلمي بالشكل السوقي ده.
ردت "دليلة" مبررة تصرفها وهي تطوح بيدها في الهواء:
- التعامل في الحتة دي كده، نظام البقاء للأقوى، ولا عيزاهم يستأفونا؟
حذرتها بلهجتها الجادة:
- إنتي مش ناقصة مشاكل مع حد.
قالت في شيء من التحدي، وكأنها لا تخشى المواجهة مع أحدهم:
- يعني غلطان وبجح؟ طب يا ريت يتكلم، وأنا هعرفه مقامه.
قبل أن يغدو "زهير" في مواجهة الاثنتين، استدار برأسه للجانب عندما سمع صوت المكابح لإحدى السيارات وإطاراتها تحتك بالأسفلت قبل أن تصطدم عن عمد، بمقدمة سيارته محدثة دويًا هائلًا ومفزعًا، أتبعه صراخ كل من "خضرة"، و"مروة". توقف في مكانه وضاقت عيناه بشك واسترابة، ليجد قائدها وثلاثة آخرين يترجلون منها ليهتف أحدهم بصوت جهوري يحمل الإهانة الفجة قاصدًا مخاطبته على وجه الخصوص:
- الدكر طلع من جحر الفيران أهو.
في التو تأهب في وقفته، ودار عليهم بنظراته المدققة، لتتساءل "إيمان" من الخلف في خوف كبير:
- هو إيه اللي بيحصل؟
بلا تفكير، أمسكت "دليلة" برسغها، وشدت عليه لتجذبها معها بعيدًا عن مرمى الخطر الوشيك هاتفة في توجس:
- تعالي أوام من هنا.
رددت بقلب متصارع في نبضاته:
- استر يا رب.
تقدم "زهير" تجاه الثلاثة أشخاص، طاف على وجوههم اللئيمة بنظرات استحقارية مستخفة بهم قبل أن يسألهم بزمجرة تفوق صوت المتحدث الأول:
- إنت مين ياض إنت؟
تحداه هذا الشخص بشكل سافر، فاستطرد وهو يكور قبضته بقوة:
- أنا اللي جاي أحط عليك، وأخلي وشك مداس للأرض.
رد عليه "زهير" بلا خوف، وهذه الابتسامة الهازئة تظهر على زاوية فمه:
- شكلك عايز يتقرى عليك الفاتحة النهاردة.
فرقع الشخص فقرات عنقه مرددًا في استهانة:
- وماله، بس هناخدها على روحك الأول.
انضم إلى الثلاثة سيارة ربع نقل حملت ثمانية أفراد، قفزوا من على ظهرها وهم يحملون في أياديهم السلاسل الحديدية، وعدد لا بأس به من الأسلحة البيضاء المختلفة في الأحجام والأطوال، ليصبح الوضع على المحك.
***
بعدما حدث الاصطدام العنيف، خرجت "خضرة" من السيارة في الحال، وسحبت معها "مروة" لتركض بها نحو أقرب نقطة جيدة للاختباء، في مدخل واحدة من العمائر، لم تفلتها من يدها، وصوتها الصارخ يردد بعد أن أبصرت وجوههم المألوفة:
- يا مصيبتي، دول رجالة "العترة"!
لمحت أحد معارفها يركض، فنادت عليه وهي تشير له بيدها، ليدنو منها، فأمرته في الحال بتلهف:
- اطلب الكوبارة أوام يجي ينجدنا.
رد عليها مؤكدًا:
- الخبر وصله من أول ما اتلمحوا داخلين منطقتنا.
هتفت في شيء من الارتياح:
- طب كويس.
- حاولوا إنتو تداروا.
تحذيره كان واضحًا، فمن المحتمل أن تتحول المنطقة بين لحظة وأخرى إلى ساحة لحرب ضروس. ارتعشت "مروة" كليًا، وتساءلت في هلع:
- هو إيه اللي هيحصلنا؟
وكزتها في جانبها وهي تنظر لها شزرًا، لتغمغم بعدها في استياء ناقم، وكأنها تحملها الذنب فيما لم تقترف من الأساس:
- اتنيلي اسكتي، قدمك فقر على الراجل، ملحقش يفرح بخروجه...
توقفت لهنيهة لتلتقط أنفاسها، ورمشت بعينيها متابعة بتوجس متزايد:
- ربنا يعديها على خير.
***
في لمح البصر، حل الهرج والمرج في الشارع، وتوقفت حركة المرور به فجأة، وكأن أحدهم قد قام بعرقلة السير عن قصد ليعزل هذه المنطقة تحديدًا عن البقية، ليجد "زهير" نفسه محاصرًا من قبل أتباع غريم شقيقه المعتاد. لم يظهر الخوف عليه، بل كان هادئًا للغاية، معتدًا بنفسه، يطالعهم جميعًا بنظرات مستخفة، غير مبالية، فقد كان المشهد ممتعًا بشكل غريب.
أشهر الرجل مديته، ولفها في حركة دائرية مستمرة حول إصبعه في استعراض بائن، ليقول بعدها:
- نفسك في إيه قبل ما تقابل وجه كريم؟
قبل أن ينبس "زهير" بكلمة واحدة تفاجأ باقتحام شقيقه الأكبر للمكان بموكب من سيارات الربع نقل، وعربات الدفع الرباعي، بجانب مركبات التوكتوك، والدراجات البخارية.
هبط عن تلك التي تقف في المقدمة، ليهدر عاليًا بصوت أرعب المتواجدين:
- ما تخلقش لسه اللي يقف قصاد أخويا ويهدده.
ارتفعت أصوات التهليل المشجعة من أهالي المنطقة، وكأن فريقهم المفضل قد أحرز هدفًا في مرمى الخصم.
التف رجال "العترة" حولهم بتوتر، ليجدوا أنفسهم محاصرين من كل جهة، وفي وضع لا يبشر بخير، فهم قلة قليلة أمام ذلك الحشد الغفير الذي جاء من كل حدب وصوب لمؤازرة كبيرهم وهم مدججين بالأسلحة الآلية. استسلموا في الحال خشية فقدان حياتهم، وألقي القبض عليهم جميعًا، ليتم إجبارهم على الركوع قسرًا، وفي وضعية إذلال صريحة.
استدار من يتزعمهم نحو "كرم" عندما استطرد صائحًا بنبرة أقرب للزئير الغاضب:
- دقة النقص دي معروف طالعة من مين.
أقبل عليه، وانقض عليه ليمسك به من تلابيبه مكملًا هديره:
- بس العيب على معلمك...
انتزع من يده مديته التي كان يتباهى بها، ثم ألقاه لأحد أتباعه ليتلقفها ويحتفظ بها، بينما لم يجرؤ الأخير على التفوه بشيء، فقد انقلبت الطاولة، وأصبح هو ومن معه في موقف مشين. قبض بعدها على رسغه، ولواه بقوة ليصرخ من الألم الشديد، حتى تمزقت أربطته، ثم كز على أسنانه مهددًا إياه:
- إيدك اللي اترفعت عليه هقطعهالك!
أدرك الرجل من طريقته أنه لا يمزح، ووقع بالفعل في براثن من لا يرحم.
أخذ "الهجام" يهزه بخشونة وهو يعنفه بإهانة فجة:
- طب بدل معلمك ما يتدارى في شوية ..... مفكرين نفسهم رجالة كان جه بنفسه...
تقوس فمه بابتسامة متهكمة وهو يكمل باقي حديثه إليه:
- على الأقل كنت عملتله اعتبار، وما مسحتش بكرامة اللي جايبينه الأرض.
كور بعدها قبضته، وانهال عليه ببضعة لكمات متعاقبة جعلت وجهه يتورم وينزف الدماء من فمه وأنفه، قبل أن يطرحه أرضًا ليركله في أسفل معدته بقساوة، ثم أشار لـ "عباس" آمرًا إياه:
- خدوهم على التبة، هناك هنتعامل معاهم على رواقة.
رد في طاعة:
- اللي تؤمر بيه يا ريس.
ثم استدار مخاطبًا البقية بلهجة جهورية صادحة:
- إيه؟ ما سمعتوش الكبير؟ على التبة يا رجالة!
أطاعوه في الحال، واقتادوا هؤلاء الأذلة مكبلين الأيادي إلى سيارات الربع نقل، و"زهير" يشاهد ما يحدث مبتسمًا في سخرية.
انتظر انفضاض الحشد ليعلق:
- معقولة، جاي بنفسك يا "كرم"؟
حاوط الأخير شقيقه من كتفيه، وقال في اعتزاز:
- وأنا أقدر أسيب أخويا لواحده.
رد عليه بحاجب مرفوع للأعلى:
- مع إني أقدر عليهم.
شدد من قبضته على جانب ذراعه مرددًا:
- عارف ومتأكد من ده...
ثم غمز له بطرف عينه متابعًا:
- بس دي تيجي تبهدل نفسك واحنا لسه معملناش الواجب معاك؟
أزاح "زهير" يده قائلًا:
- كفاية حفلة النهاردة.
خاطبه "الهجام" في حماس وهو يفرك كفيه معًا:
- هما لحقوا عملوا حاجة، ده أنا هاخدهم على الهادي.
استدار كلاهما مرة واحدة جهة اليسار عندما سمعا صوت "خضرة" وهي تهلل في ابتهاج شديد:
- أيوه بقى يا كبيرنا، يا معلم الكل، يا سيد الناس، خلي الكلاب تعرف مين سيدهم.
تفاجأ "الهجام" بوجود "مروة" أيضًا، ترتجف ذعرًا لرؤيته، فجمد نظراته عليها متسائلًا بصوت أجش:
- إنتو لسه هنا؟ ما طلعتوش على "توحيدة" ليه؟
وكأنها أرادت عن عمد أن تطلعه على تفاصيل اندلاع المشاجرة منذ البداية، فاسترسلت "خضرة" موضحة دون تمهيد، وقبضتها لا تزال ممسكة برسغ "مروة":
- ما احنا كنا في طريقنا، بس في بت شتمت سي "زهير"، وهو كان نازل من العربية يأدبها ويعرفها مقامها.
نفخ "زهير" في سأم لتذكره السبب الذي استدعاه لفعل هذا، في حين تساءل "الهجام" مستفهمًا بملامح ممتعضة:
- بت مين دي؟
هزت كتفيها قائلة:
- مش عارفين.
سألها في نبرة تحقيقية وهو يحك مؤخرة عنقه:
- حد من المنطقة؟
ازدردت ريقها، وأجابته بتوجس:
- معرفش.
اشتاط على الأخير، وراح يهدر عاليًا في زمجرة منزعجة:
- ما هي لو موجودة في بيت من دول هعرف أجيبها هي واللي خلفوها وآ...
لحظتها قاطعه "زهير" في سأم مرددًا:
- كبر دماغك من التفاهات دي، وخلينا نرجع التُبَّة.
صاح محتجًا:
- برضوه هتطنش.
انتفضت "مروة" ارتعابًا على إثر صوته المجلجل، وتمنت لو استطاعت الفكاك من هنا، فوجودها في محيطه يصيبها بالمزيد من الرهبة والخوف.
أخبره في هدوء:
- حكاية عبيطة ما تستاهلش.
رد عليه بعناد:
- يا "زهير" لازم تعرف إن الغلطة الصغيرة زيها زي الكبيرة، الكل بيتحاسب عليها مهما غلط، وإلا هتلاقيهم ساقوا فيها.
رغم أن الأمر يمس كرامته، والإهانة موجهة لشخصه دونًا عن البقية، إلا أنه لم يعبأ حاليًا بذلك، وقال بعد زفرة ثقيلة:
- كفاية صداع، أنا جبت أخري، في ورانا مصالح بفلوس متعطلة.
على مضض اضطر للإذعان إلى رغبته قائلًا:
- ماشي كلامك، بس مسيرها تتعرف.
ثم وجه أمره إلى تابعته بلهجته التي لا تُرد:
- وإنتي يا بت يا "خضرة" لو شفتيها في أي حتة تقوليلي عليها.
أومأت برأسها في طاعة:
- عينيا يا كبير الناس.
طوح بيده في الهواء لهما مكملًا إلقاء أوامره:
- يالا غوروا.
في التو قامت بالاستجابة له، ودفعت "مروة" للتحرك معها، لتتنفس الأخيرة الصعداء لنجاتها منه، بينما ظلت عينا "كرم" تلاحقها، ليميل على شقيقه هامسًا:
- بقولك إيه ما ناخد "سمارة" معانا.
رمقه بهذه النظرة المحذرة قبل أن يدمدم في ضيق:
- هنعيده تاني؟
اعتلى ثغره ابتسامة غريبة، وحادثه في نبرة ذات مغزى:
- اللي إنت عايزه هيتعمل.. أصلي لسه ما شبعتش منها!
فهم ما ترمي إليه نظراته قبل كلماته، واستحسن رضوخه لمطلبه دون جدال مرددًا في حبور:
- ماشي يا كبير...
ثم أشار بعينيه نحو سيارات ربع النقل منهيًا جملته:
- بس الأول نشوف العاركة اللي مستنياك.
..........................................
استغرقها الأمر عدة دقائق لتركض من زقاق لآخر، حتى تتمكن من الوصول إلى العمارة التي تسكن بها، تجنبًا للشغب الدائر بالمنطقة، أدهشها أن الأمر قد هدأ قبل أن يبدأ فعليًا، ومع ذلك لم تحاول الاستفسار أو الاستعلام عن هذه المسألة، يكفي أن كلتيهما بخير. تباطأت خطوات "دليلة" وهي تشكو إلى شقيقتها بأنفاس شبه متقطعة:
- أهوو احنا ليل نهار على الحال ده.
ردت عليها في تعاطف كبير:
- بجد الله يكون في عونكم...
ثم سحبت نفسًا عميقًا، ولفظته دفعة واحدة لتقول بعدها:
- أنا هحاول أخلي "راغب" يشوف حد من معارفه في البنك يسألكم على قرض مناسب تجيبوا بيه شقة.
ردت عليها "دليلة" بتبرم:
- ما إنتي عارفة رأي بابا في موضوع القروض.
عقبت "إيمان" في جدية وتفهم:
- على الأقل أحسن من الوضع بتاعكم، وده الحل المناسب ليكم...
التعبير الذي غطى وجهها أوحى بعدم اقتناعها بهذا، فأكدت لها شقيقتها الكبرى مبتسمة في لطافة:
- بصي سيبي الحكاية دي عليا، أنا هكلمه، وأحاول أقنعه.
حررت تنهيدة راجية من رئتيها وهي تُتمتم داعية:
- يا ريت يرضى.
....................................
اصطحبتها إلى مدخل العمارة، فألقت "إيمان" نظرة متأملة للمكان، بالطبع لم يكن الوضع بالجيد على الإطلاق أو الذي يليق بمستوى عائلتها الاجتماعي، تقلصت عضلات وجهها كتعبير عن شعورها بالتأفف والنفور. همست إلى شقيقتها متسائلة في تحير حينما رأت إحداهن تقف عند عتبة باب منزلها المفتوح، وكأنها تنتظرهما:
- مين دي؟
تنحنحت تكلمها في خفوت:
- دلوقت هتعرفي.
ألصقت "دليلة" بشفتيها ابتسامة مصطنعة، واستطردت تخاطب "اعتدال" في تهذيب:
- إزي حضرتك؟
تجاوزتها بناظريها لتتطلع إلى من ورائها بنظرات فاحصة مدققة شملتها من رأسها لأخمص قدميها، وهتفت:
- بنت حلال مصفي، ده الدنيا والعة على أول الشارع...
مررت عينيها بينهما متابعة:
- كويس إنكم بخير.
تساءلت "دليلة" في شيء من الفضول:
- هو في إيه أصلًا؟
كوكالة للأبناء لديها علم بكل شاردة وواردة، استرسلت موضحة:
- جماعة "العِترة" شبكت مع "الكوبارة" من تاني، وشكلها هتبقى بحور دم، وخصوصًا إن الاتنين ما بيفوتوش لبعض حاجة.
همهمت "دليلة" معقبة في قدر من الخوف:
- ربنا يستر.
كعادتها المتطفلة تساءلت "اعتدال" وهي ترسم ابتسامة لزجة على شفتيها:
- مين القمراية دي؟ صاحبتك؟
أجابتها وهي تشير ناحيتها بيدها:
- لأ، أختي الكبيرة "إيمان".
تفاجأت بها تدفعها للجانب لتتمكن من الوصول إلى شقيقتها، جذبتها دون مقدمات إلى حضنها، وانهالت عليها بعشرات القبلات الترحيبية على وجنتيها هاتفة:
- ما شاء الله، بدر البدور زيك، أخيرًا شوفتك.
مرة ثانية أعطت "إيمان" نظرة حائرة تتساءل عن هوية تلك المرأة العجيبة، دون الحاجة لقول ذلك علنًا، بادرت "دليلة" بتعريفها إليها، وكأنها تخبرها بما تريد سماعه:
- الست "اعتدال" جارتنا اللطيفة.
حادثتها "إيمان" في احترام:
- أهلًا وسهلًا بحضرتك.
استمرت على إمعان النظر بها، وقالت في إعجاب:
- ياختي ما شاء الله، متربية وبنت أصول.
اكتفت بالابتسام المجامل لها، لتتابع جارتهما الفضولية إلقاء أسئلتها التحقيقية:
- على كده متجوزة بقالك قد إيه؟
اضطرت أن تجيبها رغم انزعاجها من تطفلها:
- 3 سنين.
في التو انتقلت لسؤالها التالي:
- وعندكم عيال؟
أجابت بحرج مرسوم على تعبيرات وجهها:
- لسه ربنا مأذنش.
تصنعت الضيق، ورددت في شيء من المواساة:
- يا عيني يا بنتي، بكرة ربنا يرزقك.
قالت في وداعة:
- إن شاء الله.
من تلقاء نفسها أضافت "اعتدال"، وكأنها رفعت الكلفة بينهما:
- أنا أعرف شيخ مبروك إنما إيه، على إيده بتتحل كل العقد والمشاكل، مافيش واحدة راحتله إلا وربنا جبر بخاطرها.
تحرجت "دليلة" للغاية من فجاجتها مع شقيقتها التي عجزت عن الرد عليها، فقالت في عبوس ظاهر:
- مش وقته يا طنط.
في شيء من العتاب صححت لها "اعتدال" وهي تفتعل الضحك:
- طنط إيه والجو ده؟ قوليلي يا خالتي على طول.
ثم عاودت التحديق في ثياب "إيمان" متسائلة:
- صحيح إيه اللي مبهدلك كده؟
وكأنها تملك الجواب قبل السؤال، فتولت أيضًا الرد مبتسمة بسخافة:
- أكيد من الجري علشان الخناقة، ما هو الكل لازم ياخد ديله في سنانه ويقول يا فاكيك، بدل ما يتاخد في الرجلين.
ضجرت "دليلة" من لزاجتها، وأنفها المحشور في أمور لا تعنيها مُطلقًا، لذا أمسكت بشقيقتها من معصمها، وسحبتها من أمامها قائلة بتعجل، وهي تهم بالصعود للأعلى:
- معلش احنا متأخرين على ماما، وزمانها قلقانة علينا بسبب القلق اللي حاصل في الشارع.
لم تنتظر ردها، وانطلقت بها بعيدًا عنها، لتتبعهما "اعتدال" لعدة خطوات وهي تخبرهما:
- القلق اتفض في ساعتها، ده الريس "الهجام" بنفسه كان هنا.
لحظتها تساءلت "إيمان" في فضول:
- مين ده كمان؟
سمعتها "اعتدال" من موضعها فأجابت من نفسها كالعادة:
- ده بقى كبير الحتة وآ...
مجددًا قاطعتها "دليلة" قائلة بتعجل:
- معلش يا طنط..
قاصدي يا خالتي، إحنا اتأخرنا على ماما، وتلاقيها قلقانة علينا، هنستأذنك.
وقفت "اعتدال" في منتصف بسطة السلم تتطلع إلى الأعلى، وقالت باسمة الثغر:
- وماله، مسيرنا نتقابل ونتكلم من تاني، أصلي أنا عشرية وبحب الناس واللمة أوي.
ردت عليها "دليلة" بصوت مرتفع وهي تواصل الصعود:
- أه طبعًا، عن إذنك.
أتى صوتها مرددًا:
- اتفضلوا يا حبايبي، سلامي لأمكم، وأنا هفوت عليها بعدين.
زفرت "دليلة" في استياء وضيق قبل أن تهسهس بصوت خافت:
- ست فظيعة.
أيدتها شقيقتها في الرأي، وزادت عليها:
- مش ممكن، أنا أول مرة أقابل حد كده في حياتي.
بالكاد منعت نفسها من الضحك وهي ترد:
- ده الطبيعي هنا.
بحرارة ممزوجة بالسعادة الغامرة، استقبلت "عيشة" ابنتها، وراحت تضمها إلى صدرها لعدة دقائق، متنعمة بدفء وجودها فيه، لا تريد إفلاتها، أو إبعادها عنها. ظلت كلتاهما على تلك الوضعية إلى أن قالت "دليلة" بشيء من الغيرة الطبيعية:
- أنا كده هزعل، عمرك يا ماما ما عملتي معايا ده.
ردت عليها تمازحها:
- لما تتجوزي هبقى أخدك في حضني زيها.
تصنعت العبوس وهي تسألها باستنكار:
- ويعني لازم أتجوز علشان أتحضن؟
أشارت لها أمها لتركض إلى حضنها الأمومي الحاني قائلة:
- تعالي يا هبلة.
ضمتها هي الأخرى إليها، مستشعرة حلاوة وجود فلذتي كبدها معها. بعد برهة كان الثلاثة يجلسن على الأرائك متجاورات، لتتحدث "عيشة" أولًا في نبرة عبرت عن خوفها الغريزي:
- أنا قلبي وقع في رجليا لما شوفت من فوق الخناقة، قولت إنتو هتتحاشوا فيها.
مدحت "إيمان" شقيقتها في تفاخر:
- "دليلة" طلعت ناصحة وطلعت بينا من حتت كده غريبة، أنا قولت تاهت، بس طلعت بتدور على سكة سالكة نعرف نيجي بيها على هنا.
ردت عليها أمها في نبرة شبه مهمومة:
- أنا لو أعرف إنك هتتبهدلي كده مكونتش وافقت إنك تيجي هنا.
مدت ابنتها الكبرى يدها ناحيتها، وأمسكت بكفها لتضغط بأصابعها عليه قائلة في ودية:
- فداكم أي حاجة، المهم إني أشوفكم.
بدت نظراتها رقيقة، تحوم في عينيها سحابة أرق من الدموع وهي تسألها:
- لسه زعلانة مني يا ماما؟
هزت والدتها رأسها نافية:
- لأ يا حبيبتي، ما إنتي عارفاني بزعل وأتصافى بسرعة.
اشتدت ضغطتها اللطيفة على يدها قائلة بامتنان:
- ربنا يخليكي ليا.
في مكتبة ما، قابعة في وسط المدينة، مختصة في بيع كل ما يلزم الطلبة من أدوات مدرسية ودراسية مختلفة، وقف "فهيم" في مؤخرتها، حيث يتواجد الباب الخشبي الفاصل بينها وبين المخزن الملحق بها، وبيده دفتر صغير. راح يحصي الأشياء الموجودة، ويدون عددها به، ليشعر بيد أحدهم توضع على كتفه، ابتسم في وقار، ورحب بصاحب المكتبة الذي ألحقه بالعمل لديه بعدما ظل يجوس بين المحلات المختلفة باحثًا عن وظيفة تتناسب مع عمره، ليتقاضى منها أجرًا يساعده على الإنفاق على أسرته، ريثما تُحل مشكلة المخبر.
استطرد "رجائي" متسائلًا في اهتمام:
- إيه الأخبار؟
أجابه وهو يشير بالقلم نحو الكراتين المتراصة فوق بعضها البعض:
- الطلبية الجديدة وصلت، وأنا بفرزها.
هز رأسه في استحسان، وعلق:
- كويس، عايزك بقى تعمل إحصائية بكل الوارد، وتسجلها.
رد عليه مشيرًا نحو الدفتر الذي بحوزته:
- ما أنا شغال فيها.
ابتسم متابعًا في جدية:
- حلو، لما يجي ابني سلمه الدفاتر وإيصالات التوريد علشان يبص فيها هو كمان.
كان يعلم جيدًا أنه لا يثق بسهولة في الآخرين، لهذا تقبل أمره في تفهم، واقتضب في رده:
- ماشي يا أستاذ "رجائي".
قال الأخير كشيء من الدعم المعنوي له:
- ربنا يقويك.
ظل محافظًا على ابتسامته الصغيرة قائلًا:
- تسلم يا رب.
تابعه بناظريه إلى أن انصرف بعيدًا عنه، وجلس على مكتبه، ليعاود التحديق بنظرات شاردة في الكراتين، مستشعرًا تلك الغصة التي تؤلم حلقه، لولا تبدل الأحوال، وتغير الظروف لما اضطر للجوء لوظيفة متواضعة كتلك، يعامل فيها كالأجير، بدلًا من التنعم بالراحة والسلام في خريف عمره المنقضي.
أحس باهتزازة هاتفه المحمول في جيبه، فالتقطه منه، لينظر إلى شاشته، قرأ اسم السمسار عليه، فأجابه فورًا:
- أيوه يا "كيشو"، خير يا ابني؟
استطاع تبين القلق والتوتر من نبرة الأخير وهو يخبره:
- مش خير خالص يا عم "فهيم".
انخلع قلبه في صدره، وسأله بتعابير مالت للشحوب:
- ليه يا ابني؟
جاء رده صادمًا، بل وجاعلًا قلبه يقصف بقوة في رعب أكبر:
- بسبب حوارك، الكبار وقعوا في بعض، وشكلها هتبقى سواد على الكل.
رواية فوق جبال الهوان الفصل السابع 7 - بقلم منال سالم
الفصل السابع
ب&;هتت ملامحه&; وزاغت نظراته بمجرد أن علم بحجم الكارثة التي حلت فوق رأسه&; لم يكن ينتمي لفئة الباحثين عن المشاكل ليتورط في واحدة منها&; بل على العكس كان مسالم&;ا لأقصى درجة&; يحاول حل الأمور العالقة والمشاحنات العادية بالس&;لم والود. أحس "فهيم" بالعرق البارد يغمر كامل جسده ويغرقه&; تساءل في صوت&; خفيض محاول&;ا عدم لفت الأنظار إليه:
-طب إيه الحل دلوقت&;
رد عليه "كيشو" بنبرة منزعجة:
-مش عارف.
توسله على الفور في رجاء&; شديد:
-بالله عليك يا "كيشو" ما تسيبني في الليلة دي لواحدي&; أنا مش هعرف أتصرف...
اختطف نظرة سريعة تجاه "رجائي" قبل أن يكمل وصلة استجدائه:
-ده أنا راجل كبير&; وماشي جمب الحيط.
استطاع سماع أنفاس "كيشو" الثقيلة قبل أن يخبره:
-هشوف كده&; وادعي ربنا تعدي على خير.
أنهى معه المكالمة&; وهسهس مع نفسه في توجس&; شديد:
-سترك يا رب.
لاحظ "رجائي" تبدل حالة مخدومة من الهدوء إلى الارتباك والاضطراب&; فناداه من موضع جلوسه متسائل&;ا في استفهام:
-في حاجة يا عم "فهيم"&;
ابتلع ريق&;ا غير موجود&; في حلقه&; وأجابه بوجه&; شاحب:
-لأ&; كله تمام.
أمره في لهجة&; شبه حازمة:
-طب شوف شغلك&; ومتعطلش مصالح الناس.
رد عليه بصوت&; متقطع&; وهو يحاول استعادة رباطة جأشه بعدما سابت أعصابه وانفلتت:
-حـ.. حاضر.
.........................................
مؤخر&;ا&; وبعد انتشار خبر هروبها من المنزل بين أهالي بلدته&; أصبح يسير بين الناس متجهم&;ا&; عابس&;ا&; وقلما يختلط بأحدهم&; فقد كان م&;حرج&;ا من الفضيحة التي تسببت بها شقيقته الصغرى&; وجعلته في قمة شعوره بالخجل. ود&;&; بشدة لو استطاع محو هذا العـــار المشين الذي لحق بسمعة&; العائلة&; وتلطيخها بالوحـــل.
ناداه أحد رفاقه عدة مرات&; فلم يبد&; أنه يسمعه&; فأسرع الأخير في خطاه ليلحق به متسائل&;ا في استعتاب&;:
-يا "موجي" بناديك من بدري&; إنت مطنشني ولا إيه&;
توقف عن المشي ليستدير إليه قائل&;ا بوجوم:
-والله ولا سمعتك من الأساس.
مازحه في بساطة&;:
-اللي واخد عقلك.
جاء رده مغلف&;ا بالحنق&; خاصة وتعبيراته تشي بانزعاجه الشديد:
-هو في غيرها بنت الـ ....!
مد يده ليربت على كتفه م&;ظهر&;ا تعاطفه معه:
-معلش يا "موجي"&; هون على نفسك&; هي بردك صغيرة ومالهاش خبرة في الدنيا.
كور قبضة يده&; وضغط عليها حتى ابيضت مفاصل أصابعه&; ثم كز على أسنانه متوعد&;ا:
-أه لو بس أوصل لأراضيها&; ولا أعرف كانت ماشية مع مين!
رد عليه رفيقه مومئ&;ا برأسه بشكل&; آلي:
-مسيرك تعرف.
تابع "موجي" مضيف&;ا في استهجان&; متعاظم:
-هتجنن&; دي كانت طول الوقت تحت عيني&; وأنا والله كنت ناوي أجوزها للي يصونها&; ويعيشها ملكة في بيتها&; بس هي مصبرتش على رزقها.
سأله في شيء&; من الاستفهام&; وهو يطالعه بهذه النظرة الحائرة:
-طب في حد معين في دماغك يكون شاغلها وضحك عليها&; وخلاها تعمل كده&;!!
صمت للحظات&;&; وكأنه قد استغرق في التفكير&; ليجيبه بعدها مسترسل&;ا في شرح ما يدور في خلده:
-مش متأكد&; بس في واد كده شاكك فيه&; لمحته نواحي بيتنا كذا مرة&; وكانت هي بتبقى واقفة في الشباك&; وتتلبخ أول ما تشوفني جاي&; وارد يكون ليه صلة بيها&; وخصوص&;ا إنه ما هوبش ناحية المكان من ساعة ما طفشت.
عاد ليسأله رفيقه مستوضح&;ا:
-طب إنت فاكر شكله&;
أكد له بما لا يدع مجال&;ا للشك:
-ده أنا أطلعه من وسط ألف.
عقب عليه في رجاء&;:
-ربنا يعترك فيه!
&;
رواية فوق جبال الهوان الفصل الثامن 8 - بقلم منال سالم
همَّ "موجي" بالمغادرة، لكن استوقفه رفيقه مرة ثانية مقترحًا عليه:
- تعالى نقعد على القهوة شوية.
اعتذر منه بنفس أسلوبه الواجم:
- ماليش مزاج، خليها وقت تاني.
أصر عليه بتصميم:
- يا عم ما تحبكهاش، دي ربعاية، هو أنا بقولك نبات فيها؟
على مضض، اضطر للتخلي عن عناده، ووافق على الذهاب معه مرددًا:
- ماشي.
سار كلاهما تجاه مقهى البلدة الشهير، ليكملَا تسامرهما هناك، ورغم شعور "موجي" بالحرج من ظهوره علنًا، وفي تجمعات يعرفها فيها أهل بلدته، إلا أنه لم يحادثه أي شخص في شأن شقيقته، فالجميع يعلم من طباعه الصارمة أنه لن يترك الأمر يمضي هكذا دون أن يصل إلى ما يعيد للعائلة مكانتها.
توقع أن يقوم أحدهم بتدبير مكيدة ما، واستدراج شقيقه للإيقاع به، ومن ثم جره للمشاكل مجددًا، لضمان استمرار المشاحنات والعداوة، لكنه لم يظن أن يبادر "العترة" بهذا، ويسبق غيره وهو الذي لم يعلن بعد عن خروجه من محبسه، إذًا هناك من ينقل عمدًا أخباره إليه، من باعه مقابل طمعه في كسب المزيد من المال.
أراد معرفة ذلك الخائن المندس بين رجاله في أقرب وقت، لكنه لن يتعجل في كشف الستار عنه، سيتربص به، وينتظر اللحظة المناسبة للإيقاع به في شر أعماله، ولحظتها فقط سينال ما يستحق.
استقل الشقيقان سيارة أخرى تابعة لـ "كرم"، لكنه لم يتجه إلى التبّة، بل قادها إلى منتصف المدينة تقريبًا، حيث تتواجد المراكز التجارية والمطاعم الشهيرة. استغرب "زهير" من تغيير وجهتهما، وسأله:
- رايح فين كده؟ مش ورانا مصالح؟
أجابه وقد لاحت ابتسامة باهتة على زاوية فمه:
- كله يستنى، المهم نكون سوا.
علق ساخرًا:
- ومن إمتى الاهتمام الزايد ده؟
خاطبه في لهجة لينة، لا تناسب طبيعة شخصيته غير المتساهلة:
- سبني أفرح بخروجك، وإنت من ساعة ما طلعت لابس معايا في المشاكل.
أتى رده كالعادة متهكمًا:
- وهي من إمتى سابتنا؟ دي زي ما تكون بتطاردنا كأنا عاملين معاها اتفاق.
ضحك "كرم" بعفوية، قبل أن يعقب عليه:
- على رأيك، خلينا نفك شوية، ونبعد عن الواغش اللي حوالينا.
وافقه الرأي، واسترخى في مقعده مرددًا بعد تنهيدة بطيئة:
- ماشي.
بداخل إحدى القاعات المتسعة التي تعج بعشرات الأفراد الذين اتفقوا فيما بينهم على ارتداء البدلات الرسمية، انتهى المحاضر من إلقاء كلمته، فبدأ الجمع في الافتراق والتجمع على هيئة تشكيلات صغيرة لا تتجاوز في مجملها من أربعة إلى خمسة أفراد. لمح "راغب" مديره وهو يفرقع بأصابعه له، فأسرع تجاهه محنيًا رأسه قليلًا في احترام مبالغ فيه، ليصغي إليه بانتباه كامل وهو يخاطبه:
- مش هوصيك يا "راغب"، عايزك تستفيد من كل لحظة هنا، مش مجرد جاي تضيع وقت والسلام.
هز رأسه في طاعة، فأكمل مديره كلامه الجاد إليه:
- إنت لو مشيت ورا كلامي، هتمسك مناصب مهمة جدًا، مش مجرد مدير فرع عادي.
تكلم مبديًا امتثاله لنصائحه الذهبية:
- أكيد يا فندم ده هيحصل بتوجيهات سيادتك ونصايحك.
استمر في إعطائه المزيد بقوله:
- عايزك تبص لقدام، اللي معاك هيجروك لتحت، وإنت أفضل من المستوى ده بكتير، مفهوم؟
تلقائيًا اختطف نظرة عابرة نحو مجموعته، كانوا يتمازحون فيما بينهم ويتضاحكون بأريحية تامة لا تليق مع جدية الوضع، عاود النظر في وجهه وهو يرد بلا ابتسام بعدما فهم المغزى من عباراته الموحية:
- حاضر يا فندم.
ظل كلاهما يتحادثان بخفوت، لعدة دقائق قبل أن ينصرف المدير لينضم إلى رفاقه، في حين سار "راغب" بتكاسل عائدًا لزملائه، انتبه لقول أحدهم المتحمس:
- شايف الأبهة والعظمة؟
رد عليه آخر، ولمعة الانبهار تتجلى في نظراته:
- إحنا مكوناش عايشين يا ابني.
بينما سأله ثالث في فضول:
- المدير كان بيقولك إيه يا "راغب"؟
تحفز في وقفته، وارتدى قناع الجمود قائلًا بلا تعبير واضح:
- مافيش، بيسألني عن الدورة، والتدريب، كويس ولا لأ، في حاجات نقصانا، ولا محتاجين حاجة، يعني كلام عادي.
ردوده كانت منمقة، مرتبة، فلم تجعلهم يرتابون في أمره، ليقول رابع بتشوق:
- كويس، عايزين نشوف البوفيه، الواحد واقع من الجوع.
في التو تحولت أنظارهم نحو القاعة الجانبية التي تتواجد بها موائد الطعام، اتجهوا إليها معًا بخطوات شبه سريعة، في حين تعمد "راغب" التلكؤ في خطاه لينظر إليهما بتأفف وانزعاج، غمغم من بين أسنانه بامتعاض:
- هي دي أشكال الواحد يشتغل معاها؟ المدير معاه حق، المفروض أبص لفوق.
كانت لا تزال على حالتها المصدومة، لا تقوى عيناها على الرمش، ولا جسدها عن التوقف عن الارتجاف، فما تمر به منذ قرارها الطائش بترك مسكنها والهرب من أجل الزواج الأهوج يفوق قدرتها على الاحتمال أو التصديق، لقد كانت أضعف بكثير من هذا. بدون أدنى مقاومة، سحبتها "خضرة" كالبهيمة، مع فارق أنها بلا قيد يحيط بعنقها، لتعود إلى منزل "توحيدة" بصحبة "سنجة" أيضًا، كسيرة الخاطر، ذليلة النفس، وفاقدة لأهم ما يميز المرأة الحرة الشريفة عن غيرها. لم تنظر "مروة" إلى من تكلمها هامسة بحقد وحسد عندما دفعتها دفعًا إلى مخدعها:
- بيضالك في القفص يا بنت المحظوظة، محدش لا أدك ولا زيك.
أجلستها على طرف الفراش، ثم التفتت ناظرة إلى ربة عملها لتخبرها:
- الريس "الهجام" موصي عليها يا أبلتي.
تنهدت "توحيدة" مرددة بهزة خفيفة من رأسها:
- وصلني الخبر من "عباس" يا "خضرة".
ثم أعطت أوامرها الصارمة إلى الجميع وهي تشير بإصبعها:
- دلعوها وهننوها، دي اللي هتخلي الكبير يرضى عننا.
تطوعت إحداهن لترد عن البقية:
- حاضر يا أبلتي.
غادرت "توحيدة" الغرفة، لتجد "سنجة" ما زال متواجدًا بالصالة، فسلطت ناظريها عليه عندما طلب منها:
- ملاقيش حاجة عندك أشربها يا ستنا، لأحسن ريقي ناشف.
من موضع وقوفها هتفت منادية:
- بت يا "لوزة"، إنتي يا بت.
جاءت الأخيرة تلبي ندائها الآمر:
- أيوه يا ست "توحيدة".
سرعان ما تعلقت عيناها به، وراحت تومض في عقلها كلمات "حمص" الأخيرة عن علاقته المباشرة برضيعها المفقود، عليها أن تبذل ما في وسعها لتقصي أي معلومات منه عنه، فتأهبت حواسها، وعمدت إلى اللجوء لبعض الحيل المستهلكة لإبقائه مشغولًا بها. ركزت سمعها مع "توحيدة" عندما أمرتها:
- هاتي لـ "سنجة" حاجة باردة يشربها.
ابتسمت في تدلل، وردت وهي تمسك بطرف منديل رأسها لتلفه حول إصبعها في ميوعة افتقدتها في الآونة الأخيرة:
- تعالى معايا، وأنا أعملك الساقع والسخن كمان.
تبعها بعدما منحته "توحيدة" الإذن للحاق بها، لتشيعهما الأخيرة بنظرات مهتمة وهي تهمهم بصوت خفيض:
- شكلها عقلت، ورجعت لدماغها.
راقبت "خضرة" مثلها حركاتها المكشوفة لاستدراج أحدهم لفخ الإغواء المحكم، لتقول بعدها كنوع من التأييد لها:
- يا ريت يا أبلتي.
لم يستطع إغفال نظرات الاستحقار وأمارات الاشمئزاز والنفور الظاهرة على أعين ووجوه كل من يتطلع إليهما منذ أن ولجَا إلى داخل هذا المطعم الشهير، المعروف بنوعية رواده الذين ينتمون لفئة الأثرياء وعلية القوم بالمدينة، فالأمر ببساطة يعود إلى هيئتهما غير المهندمة، ومظهرهما البسيط الذي يناقض طبيعة المتواجدين به.
شعر "زهير" بالضيق من طريقة تحديق الآخرين به، ورأى كيف تقدم أحد الندلاء تجاههما على مضض، ليوجه سؤاله إليهما وهو يوزع نظراته بينهما، كأنما يحاول صرفهما من المكان بشكل غير مباشر قبل أن يفسدا بوجودهما أناقته:
- في حجز يا فندم؟
انقض عليه "كرم" ليطوقه من عنقه، وسأله بلهجة هجومية:
- ولو مافيش؟ هتمنعنا يعني؟
ارتاع النادل من أسلوبه العنيف في التعامل، وحاول أن يبدو منضبطًا قدر استطاعته:
- لأ يا فندم، بس آ...
قاطعه قبل أن ينهي كلامه قائلًا بلهجة من يقرر لا من يخير:
- من غير بسبسة، شوفلنا أجدعها تربيزة عندك وأقعدنا فيها...
وقبل أن يوشك على رفض مطلبه، أو حتى الاعتراض عليه، جذبه من عنقه بقساوة ناحيته، ليهمس في أذنه بغير تفاهم:
- بدل ما أجيبلك سقف المكان ده في حلقه.
ازدرد النادل ريقه، وقال في طاعة تامة:
- حاضر يا فندم.
حرره بعدما ربت على جانب عنقه مبتسمًا بسخافة:
- تعجبني.
اضطر إلى اصطحابهما إلى أكثر الأماكن تميزًا بداخل هذا المطعم، ما إن تأكد من استقرارهما حتى فر هاربًا ليبلغ عن وجودهما المزعج إلى رئيسه في العمل.
استنكر "زهير" طريقته محتجًا:
- مش لازم الأسلوب ده يا "كرم"، ما كنا نشوف حتة تانية.
في نبرة مملوءة بالزهو والعجرفة تكلم شقيقه الأكبر مشيرًا بيده:
- اللي إنت ما تعرفوش أنا شريك في أم المخروبة دي، يعني أقعد في أتخنها حتة تعجبني، وعلى مزاج مزاجي.
اندهش للمفاجأة، وسأله بتعبير شبه واجم:
- وإزاي معنديش خبر؟
أعطاه ردًا مقنعًا:
- أومال أنا جايبك هنا ليه؟ علشان تشوف وتعاين بنفسك على الطبيعة، وتقولي يستاهل اللي اتدفع فيه ولا لأ.
مسح بنظرة شمولية محيط المطعم ليردد في قدر من الإعجاب:
- مش بطال، بس لازم أشوف ورقه وأطمن.
هز رأسه هاتفًا في إذعان معتاد لتحقيق مطالبه:
- حقك يا خويا.
جاء مدير المطعم على وجه السرعة بناءً على ما أخبره به النادل ليتعامل مع هذين الدخيلين بصرامة وحزم، لكنه في التو عرف هوية أحدهما، فتراجع عن طريقته المتحفزة قبل أن يمارسها حتى، ليقول في ترحيب شديد، وهو شبه مطأطئ لرأسه:
- المطعم نوع يا فندم، مش كنت تدينا خبر سيادتك علشان نستقبلك كويس.
رد عليه بتعال:
- أنا أحب أطب على اللي يخصني من غير إحم ولا دستور.
تصنع الابتسام، وقال في تهذيب:
- مكانك يا فندم.
جاء رده وقحًا كعهده مع كل من يحاول استخدام معسول الكلام في الحديث إليه بتودد:
- ما هو مكاني فعلًا.
لم يسعَ لقول المزيد مما قد يضعه في موقف سخيف، واكتفى بسؤاله:
- أوامر سيادتك؟
رفع "كرم" يده أعلى رأسه ليفركها في حركة سريعة، واستطرد:
- عايزين ناكل أنا وأخويا، شوف لنا إيه ينفع عندك هنا.
عقب عليه بأسلوبه المتأدب في التحاور مع الغير:
- كل حاجة متاحة يا فندم.
لحظتها وجه "كرم" سؤاله إلى شقيقه:
- في دماغك حاجة معينة تاكلها؟
حرك رأسه بالنفي مرددًا:
- لأ، مش فارقة.
آنئذ التفت ناظرًا إلى مدير المطعم يأمره:
- هات لنا أجدعها أكل، وأوام مش ناقصين لكاعة.
رد عليه مبديًا فروض الطاعة:
- حاضر يا فندم، دقايق وهيكون الأكل عند سيادتك.
صرفه "كرم" بإشارة من يده، ليعاود التحديق في وجه شقيقه، وجده مشغولًا بالتطلع في تركيز مريب نحو بقعة بعينها، فاستدار برأسه ناظرًا إلى حيث يحدق، فأبصر شابة متأنقة الثياب، تجلس بصحبة أحدهم، وتبتسم إليه في لطافة ورقة، فظن بديهيًا أنه يعاكسها، وأفصح عن ذلك ممازحًا إياه:
- عينك رايحة فين؟
انتبه "زهير" لكشف أمره، وانعكست علامات الانزعاج على تعابير وجهه قبل نبرته عندما خاطبه:
- ولا حاجة.
مجددًا سأله "كرم" في وقاحة جريئة:
- عجباك ولا إيه؟
تجهم أكثر حينما اقتضب في رده:
- لأ.
مرة ثانية عاود شقيقه الأكبر التحديق في الشابة، ولكن بنظرات متفرسة أكثر، فبدت نوعًا ما مألوفة إليه، لذا راح يخبره بعفوية:
- وشها مش غريب.
اعتصر ذهنه ليتذكر أين رآها قبل سابق، لم يستغرقه الأمر أكثر من لحظات ليقول في الحال في صيغة تساؤلية:
- مش دي البت بتاعة الكلية؟
حسنًا، لم تكن هذه المسألة تحديدًا من الأمور التي يحبذ "زهير" الحديث عنها، لكونها تمثل مصدرًا للحرج والإزعاج، فلم يتجاوز بعد نظرتها المتعجرفة المتعالية عليه عندما عبر لها ببلاهة وحماقة في أول عام دراسي له عن إعجابه بها، وقتئذ صدته، وعاملته بازدراء وسخرية، وتعمدت الحط من شأنه للإمعان في مضايقته وإزعاجه، ليعلم بعدها شقيقه بالأمر، ويتعامل مع عائلتها شخصيًا، وبالطريقة التي جعلتها تعتذر له علنًا، قبل أن تنتقل فورًا من الجامعة، وتغادر المدينة بأسرها، لكن بقيت أطلال ما مر به قابعة في دواخله.
واليوم تفاجأ بوجودها هنا، في نفس المكان معه، لو كان يعلم لما فكر في المجيء تجنبًا لتلك الذكريات المزعجة التي انهالت عليه كالسيل لتذكره بما حاول نسيانه. انقلبت تعبيرات وجهه بوضوح، وحذره بضيق:
- "كـــرم"، قفل على سيرتها، كإنها مش موجودة.
رد مستهزئًا من الأمر برمته:
- أهوو، على يدك المشاكل هي اللي بتيجي لحد عندنا.
ظل "زهير" على تكشيرته الكبيرة وهو ينذره:
- إنت لو عملت اللي يضايقني همشي.
رفع كفيه للأعلى قائلًا:
- خلاص، احنا جايين نتبسط أصلًا.
لاحظته الشابة حينما مررت عينيها بشكل عابر على أرجاء المطعم، فتبدلت في التو قسماتها للقلق والخوف، ثم راحت تميل على من معها لتهمس له بشيء، قبل أن تنهض فجأة وتجمع متعلقاتها الشخصية، وتهرع مغادرة للمطعم بأقصى سرعة، وكأن هناك من يطاردها به.
سخر "كرم" من الطريقة التي ذهبت بها هاتفًا:
- أهي طفشت من نفسها.
مجددًا عاتبه "زهير" في انزعاج بائن على نبرته، وكذلك وجهه:
- برضوه هتتكلم عنها؟
راح يمازحه باستظراف زائد:
- خلاص، خلينا في "سمارة" طيب.
ضجر منه مرددًا في استياء:
- برضوه؟
حرصت على بث كل ما يحتاج إليه لتوقظ بداخله الرغبة، ونجحت في استثارته بالطريقة التي تجيدها لتتمكن من سلب الحقيقة من بين شفتيه أثناء ممارسته لطقوس الحب معها، في الزاوية الخلفية بالمطبخ. بالطبع لم يضيع "سنجة" الفرصة التي واتته بلا عناء، واستغلها بالكامل، فأخذ ينهم من الشهد المصفى أضعافًا مضاعفة، إلى أن بلغ الذروة، وأصبح على حافة الانهيار، آنئذ فقط سألته "وزة" بصوت لاهث وخافت:
- ما تريحني يا "سنجة" وتقولي ابني فين؟
أفضى إليها بالسر الذي لا يعرفه سواه، وهو يخمد النيران المتأججة في جسده:
- مات يا حلوة.
ظنت أنه يلاعبها بكلماته المراوغة، ليضللها، ويستفيد في نفس الآن مما تقدمه له، فسألته وقد تصلبت أطرافها:
- هي الست "توحيدة" موصياك تقولي كده؟ خليك صادق معايا.
انقضت الحاجة، وانطفأت شعلة الرغبة، فابتعد عنها قائلًا بجمود، وهذا التعبير الساخط يسود كامل وجهه:
- اقري عليه الفاتحة، ربنا رحمه من أم زيك، كان هيتعاير بيكي لما يكبر.
إهانته كانت قاسية للغاية، لكنها لا تفوق تصريحه الذي لم يكن بالمزاح مطلقًا، فهتفت تسأله بقلب يدق في خوف:
- إنت بتقول إيه؟
أجابها صراحة، ودون تجميل للحقائق الصادمة، مشيرًا بكفيه:
- بجيبلك الناهية، أنا بإيدي دول قضيت عليه.
برزت عيناها في محجريهما، وأمسكت به من تلابيبه تسأله في نبرة صارخة، وقد فاض الدمع الغزير من طرفيها:
- حرام عليك؟ ليه كده؟ عملك إيه؟ ده كان حتت لحمة حمرا، إيه ذنبه؟
أمسك بقبضتيها، وأزاحهما قائلًا في استحقار:
- ذنبه إنك خلفتيه.
وكأنها امتلكت قوة جسدية هائلة، سيطر عليها غضبها الممزوج بحسرتها وقهرها فانقضت عليه لتخنقه من عنقه وهي تتوعده:
- أنا هموتك، هقتلك زي ما قتلته يا ابن الـ .....
تفاجأ بهجومها الضاري عليه، وحاول تخليص نفسه من براثنها، خاصة أنها راحت تخمش في وجهه وجلد عنقه بأظافرها لتؤلمه، وتشوهه.
أتى على صوت صراخها الهائج "خضرة"، وبعض الشابات، تدخلن على الفور للفصل بينهما، والأولى تلومها بشدة:
- إنتي اتجننتي يا بت، إيه اللي بتعمليه ده؟
واصلت "وزة" الصراخ بمشاعر أم مكلومة، وقلبها قد انكوى بلوعة خسارة فلذة كبدها:
- ابني، ضنايا!
بالكاد نجا "سنجة" من بين يديها، لتشكل الشابات حائلًا فاصلًا بينهما، سحبته "توحيدة" نحو الخارج وهي تكلمه:
- امشي يا واد من هنا دلوقت.
تحسس وجهه الملطخ ببقع دماء متفرقة جراء النزف الحادث من الخدوش الموجعة التي طالت وجهه، وأخذ يبرطم في غيظ:
- فوقوها المجنونة دي، بدل ما تحصل ابنها.
لكزته "توحيدة" في كتفه وهي لا تزال تأمره:
- روح من هنا بقى.
لو كان في مواجهة مع غيرها من الرجال لما تركها هكذا دون أن يرد الصاع صاعين، لكن يكفي عليه - حاليًا - احتراقها بنيران فقدان رضيعها.
الأوقات الطيبة تمضي كسرعة البرق مهما امتدت لساعات، وهذا ما حدث معها، كم تمنت "إيمان" ألا ينقضي نهارها الهانئ مع أسرتها أبدًا، لكنها مضطرة للذهاب والعودة إلى منزلها قبل أن يجن عليها الليل.
احتضنت والدتها في محبة صافية، وخاطبتها بصوتٍ بات إلى حدٍ ما مهمومًا:
- كان نفسي أقعد معاكوا أكتر من كده، بس علشان الوقت ما يتأخرش عليا وأنا برا.
تفهمت "عيشة" لوضعها المتأرجح ما بين محاولة إرضاء ذويها، وعدم إغضاب زوجها، فقالت:
- ماشي يا حبيبتي.
تراجعت عنها وأوصتها:
- خديلك مواصلة من على أول الشارع، وكلمينا لما توصلي.
هزت رأسها مرددة:
- حاضر.
التفتت بعدها موجهة أمرها إلى ابنتها الصغرى:
- روحي معاها يا "دليلة"، وديها من مطرح ما جت، واتأكدي إنها ركبت.
أطاعتها هي الأخرى قائلة:
- ماشي.
علقت "إيمان" حقيبة يدها على عضدها، واستطردت في نبرة شبه حزينة:
- بابا واحشني جدًا، معرفش هو اتأخر ليه؟ كان نفسي أشوفه أوي.
بدت تعبيرات أمها مزعوجة إلى حدٍ كبير عندما تحدثت إليها:
- أبوكي ده بأحوال، بيختفي ومحدش بيعرفله سكة.
حررت تنهيدة عميقة من صدرها لتقول بعدها:
- طيب سلمولي عليه، وأنا هحاول أفوت عليكم تاني.
ربتت "عيشة" على ظهرها في حنوٍ، وقالت وهي توصلها إلى باب المنزل:
- بإذن الله.
مجددًا انحنت "إيمان" على والدتها تقبلها من وجنتيها، وبالطبع تلقت منها عشرات التوصيات أثناء هبوطها على درجات السلم، ومن خلفها تبعتها "دليلة" وهي تأمل ألا تلتقي مرة ثانية بجارتهما المتطفلة اللزجة.
***
العودة إلى التُبة بعدما فرغ من الظفر بلحظات حميمية عاصفة كان مستبعدًا، فقد أتت الأوامر من "عباس" بالجلوس في المقهى الرئيسي، ومراقبة حركة المارة، لمعرفة إن كان أحد أتباع العِترة لا يزالون متواجدون بالمنطقة، لهذا استغل "سِنجة" الفرصة، واسترخى على كرسيه الخشبي أمام دراجته النارية، يدخن النارجيلة، ومتابعًا بعينين حادتين كالصقر كل من يعرج إلى داخل الشارع.
لمح من موضع جلوسه شابتين، تقفان على مسافة ليست ببعيدة عنه، وجهيهما ليسا مألوفًا عليه، فاستنفرت حواسه، وركز بصره معهما فقط دونًا عن البقية.
***
لم يكن من السهل العثور على سيارة أجرة شاغرة في هذه المنطقة النائية، حتى باستخدام التطبيق الخاص باستئجار العربات. زفرت "إيمان" في ضيقٍ من انتظارها غير المجدي؛ لكن ما لبث أن تبدلت تعبيراتها للتوتر حينما وردها اتصالًا هاتفيًا من زوجها، انتفضت تخاطب "دليلة" في توجسٍ قلق:
- ده "راغب" بيتصل.
ردت عليها بعدم مبالاة:
- وفيها إيه دي؟
سددت لها نظرة أكثر قلقًا وهي تخبرها:
- ما هو يعرفش إني هنا، إنتي ناسية ولا إيه؟
تذكرت "دليلة" ذلك، وسألتها في اهتمامٍ:
- طب هتقوليله إيه؟
ارتبكت أكثر، وهتفت بملامحٍ عبرت عن قلقٍ زائد:
- مش عارفة.
ارتعش الهاتف في يد "إيمان" وهي تخاطب شقيقتها:
- خايفة ماردش عليه يعملي مشكلة.
تشدقت مقترحة عليها:
- خلاص قوليله إنك في الشارع بتجيبي طلبات للبيت.
استحسنت فكرتها قائلة:
- طيب.
سحبت في التو نفسًا عميقًا، لفظته دفعة واحدة، لتجيب على اتصاله بصوتٍ جاهدت ليبدو ثابتًا وطبيعيًا:
- أيوه يا حبيبي، إيه أخبارك؟
جاء صوته صلدًا وغير ودي:
- إنتي فين؟
نظرت إلى شقيقتها الصغرى بتوترٍ، وأجابته بهدوءٍ:
- في السوبر ماركت، بجيب بقالة، وشوية طلبات نقصاني.
أمرها في جديةٍ:
- طيب افتحي الكاميرا.
تصلب بدنها، وسكتت هنيهة قبل أن تخبره كذبًا:
- مش معايا نت، الباقة عايزة تتجدد.
بدت حجتها مقنعة نوعًا ما، فتنفست الصعداء لأنه لم يصر عليها، وإلا لوقعت في مأزق كبير، سمعته يسألها:
- ماشي قدامك أد إيه وتطلعي البيت؟
أجابته في الحال رغم عدم يقينها من حدوث ذلك:
- ربع ساعة بالكتير.
قال بعدها بلهجته الآمرة:
- كلميني أول ما توصلي.
ردت في طاعة، وكالعادة:
- حاضر.
انتهت مكالمته، ودقات قلبها تكاد تصم أذنيها من فرط خوفها، لتهتف بعدها في غير تصديقٍ:
- الحمدلله، قلبي وقع في رجليا، كنت خايفة لأحسن يعرف إني هنا.
بدت "دليلة" منزعجة من الأمر، وسألتها:
- وهو إيه اللي مضايقه إنك تيجي عندنا؟
حاولت اختلاق الأعذار له، ودافعت عنه:
- لسه مش واخد على الوضع الجديد.
لوت ثغرها معقبة باستهجانٍ:
- تقولش أخدين أمير الأمراء، ما احنا عارفين حاله وماله!
في نبرة أقرب للرجاء طلبت منها:
- مش وقته يا "دليلة"، خلينا نشوف تاكسي يروحني.
***
ما زالت نظراته مثبتة عليهما، أو تحديدًا على حقيبة اليد المنتفخة التي تعلقها إحداهما على ذراعها بإهمالٍ، كانت بالنسبة له غنيمة سهل الاصطياد، فقط إن تصرف بمهارة، واختطفها منها في لمح البصر، وما زاد من رغبته تلك رؤيته لهاتفها المحمول الذي ألقته بداخلها، حتمًا سيجني حفنة لا بأس بها من النقود حينما يبيعه. تصلب في جلسته، وبدا مستعدًا لتنفيذ خطته التي رسمها في عجالةٍ.
هتف في انتشاءٍ، وهذه اللمعة الخبيثة تصدح في عينيه:
- شكلها هتحلو معاك.
نهض "سِنجة" من على كرسيه، وسار تجاه دراجته النارية، أدارها بعدما ركب فوقها، والتف بها من طريق جانبي ليصبح على مقربة أكثر من ضحيته الجديدة، وراح ينتظر لحظته المناسبة للانقضاض على الحقيبة واختطافها.
لم تبدُ "إيمان" منتبهة لمن يراقبها خلسة، كانت مشغولة بالبحث عن سيارة أجرة تعيدها إلى بيتها، وبدأت تظهر تبرمها:
- مش معقولة مافيش عربيات هنا.
بشكل عفوي التفتت بنظرها للجانب عندما سمعت صوت الدراجة النارية يقترب منها، وقبل أن تفهم ما الذي يدور، انتُزِعت حقيبتها من يدها، فتمزق حاملها الجلدي، وشعرت بألم عظيم في عظام ذراعها، لتنطلق منها صرخة مفزوعة.
تداركت "دليلة" ما حدث للتو، وأمسكت بشقيقتها قبل أن تنكفئ على وجهها مرددة بصراخ:
- الحقونا يا ناس، حرامي.............................!!!
رواية فوق جبال الهوان الفصل التاسع 9 - بقلم منال سالم
الفصل التاسع
كل الخسائر المادية يمكن أن تعوض، إلا فقدان عزيز نفيس، ففراقه يدمي القلوب ويعذب الروح. قساة القلوب لم يمهلوها الفرصة لضم رضيعها، لشم رائحته، للتمتع بوجوده في أحضانها. سلبوه منها قبل أن تُملي عينيها منه، قبل أن تحفظ ملامحه. قاموا بحرمانها من قربه بكل ظلم وتجبر، فكيف لها أن تغفر بسهولة جريمتهم الشنعاء؟!
تعمدت "وزة" التقيؤ عنوة، بوضع إصبعها في حلقها، لتفرغ ما أُجبرت على ابتلاعه من مواد مهدئة، لتتمكن من الانتقام من هؤلاء الأشقياء. ادعت أنها في حالة ما بين اليقظة والهذيان، غير واعية لما يدور حولها، لتتمكن من خداع من حولها. استلقت على الفراش، مواصلة تمثيليتها السخيفة، إلى أن واتتها الفرصة، وتمكنت من التسلل إلى المطبخ. دارت ببصرها على الرفوف، إلى أن تجمدت عيناها على شيء بعينه. اقتربت من أحد الأدراج، فتحته واستلت منه هذا السكين الضخم الذي يستخدم في تقطيع اللحوم.
كزت على أسنانها في حرقة، وتوعدتها بقلب منكوء من لوعة الظلم والفراق:
- نهايتك النهاردة يا مفترية.
أخفته في طيات ملابسها، وعاودت أدراجها إلى داخل الغرفة، تنتظر على أحر من الجمر اللحظة الملائمة للانقضاض على من أصدرت أمر الإعدام -بدم بارد- في حق فلذة كبدها.
...............................
تأنقت، وتألقت، وتزينت، وارتدت عباءتها المميزة المزركشة، تلك التي تجعلها بهية وندية، لتبدو في أعين ضيفها المميز ذات مظهر لائق فيبدي استحسانه، ويغدق عليها بالمال. صفقت "توحيدة" بيديها في همة وحماس، وراحت تلقي أوامرها على من حولها بغير كلل:
- كبيرنا جه تحت، يالا يا بت إنتي وهي، ظبطوا القعدة.
ثم اتجهت إلى "خضرة" تسألها باهتمام:
- البت "مروة" جهزت؟
أجابتها بإيماءة من رأسها:
- أيوه يا أبلتي، وصيت المقاطيع اللي جوه يروقوا عليها.
شددت عليها بغير تساهل:
- شوفيها بنفسك واطمني، مش عايزة حاجة تقصر رقبتي قصاد الكوبارة.
أطاعتها كالعادة مبتسمة:
- حاضر يا ست الناس كلها.
في تلك الأثناء، انتظرت "وزة" ذهاب الجميع، وانشغالهم بتنفيذ أوامرها، لتخرج من مخبئها، وتندفع تجاهها بكل عنفوانها وغضبها، ويدها قابضة على السكين بقوة وغل، لتصرخ فجأة في اهتياج لاعنة إياها بشدة:
- هموتك يا بنت الـ......
بأعجوبة تمكنت "توحيدة" من تفادي ضربة النصل المميتة، وأمسكت برسغها في اللحظة الأخيرة، لتتفاجأ بها تكمل صراخها الهادر وهي تلومها في حرقة أم مكلومة القلب:
- عملك إيه يا فاجرة؟ ده كان حتة لحمة حمرا!!!
هتفت مذهولة:
- يا لهوي، إنتي اتجننتي ولا إيه؟
خرج صوتها كهدير عاصف وهي تلومها بحرقة أشد:
- أيوه اتجننت من اللحظة اللي خدتيه فيها بالعافية من حضني وحرمتيني منه، أيوه اتجننت لما قتلتيه يا ظالمة.
قاومتها قدر استطاعتها، لكن غضب "وزة" المتصاعد جعلها تفوقها قدرة ومقدرة، فعرقلتها من قدمها، وطرحتها أرضًا، لتجثو فوقها وهي لا تزال تحاول دب السكين في صدرها لتزهق روحها، فما كان منها إلا أن صرخت عاليًا مستغيثة في هلع:
- الحقوني يا ناس، غتوني يا خلق هوو.
صرخاتها المفزوعة دوت في المكان، وجعلت كل من يقيم في بيتها يحتشد بصالة المنزل، ليحدقوا في ذهول وفزع إلى المشهد الدامي. وفي نفس الآن، دفع "كرم" الباب بكتفه في قوة، ليفتحه على مصراعيه مبديًا في الحال استنكاره لتجرؤ تلك الوقحة على سيدتها، فهدر بها وهو يدنو ناحيتها بخطوات ثابتة:
- سيبي يا بت البتاعة اللي في إيدك دي.
لم تخبت قواها للحظة، وتوعدتها بشراسة، وهي تحاول غرز النصل الحاد في صدرها:
- مش هسيبها إلا لما أخد حقي منها.
في التو استنجدت به "توحيدة"، وكأنه ملاذها الأخير:
- الحقني يا سيد الناس.
استهجن "كرم" حالة الجمود المشوبة بالخوف المسيطرة على أتباعها، فعنفهم بحدة:
- إنتو واقفين تتفرجوا عليها؟ أما إنكم ....... بصحيح!
كذلك صعد كلًا من "زهير" و"عباس" إلى منزلها لتحل علامات الصدمة على تعابير وجهيهما، فهتف الأخير صائحًا بحنق، خاصة وهو يرى امرأته واقعة تحت قبضتها:
- إنتي اتلطشتي في مخك يا بت؟
أخبرته باهتياج:
- هي قتلت ابني، لازم أنتقم منها!
انعكست أمارات الحيرة على أوجه الثلاثة رجال، لكن "كرم" لم يترك نفسه فريسة للتخبط والتساؤل، فانطلق صوبها ليمسك برأسها ويجذبها بشراسة من شعرها، وأسرع "زهير" ليساعده بالقبض على رسغها، وانتزاع السكين من يدها، ليقوم "عباس" بسحب امرأته بعيدًا عنها، والأخيرة لا تزال تشهق في خوف وفزع، غير مصدقة أنها نجت من على شفير الهلاك الحتمي.
...........................................
بنفس التوقيت، كانت "دليلة" تعاود أدراجها بصحبة شقيقتها إلى العمارة التي تقطن بها عائلتها، فانتبهت كلتاهما إلى صوت الصراخ الصادح حولهما، فتساءلت "إيمان" بشيء من الفضول، وإحساسها بالرهبة قد بدأ يتسلل إليها:
- هو في إيه؟ مين اللي بتصوت كده؟
على عكسها بدت "دليلة" هادئة نسبيًا، فقد اعتادت على ذلك الشيء الذي لا يتوقف عن التكرار ليل نهار، وخاطبت شقيقتها بامتعاض معكوس على ملامحها:
- مش عارفة، بس تقريبًا احنا اتعودنا على كده، كل يوم والتاني تسمعي واحدة تطلع ترقع بالصوت، ونعرف بعد كده إنها متخانقة مع جوزها، وهو بيربيها.
استنكرت تفسيرها بشدة:
- يا ساتر يارب، طب ليه كده؟
ظلت "دليلة" على انزعاجها وهي تواصل إخبارها:
- يا ريت ترسى على الوضع ده، لأحسن بنشوف حاجات أفظع من كده بكتير!
ثم خفضت بعدها من نبرتها لتحذرها:
- بقولك إيه، خلينا نكمل كلامنا فوق لأحسن الست إياها تسمعنا.
أيدتها في ذلك قائلة:
- على رأيك، ودي ما هتصدق تسأل كنت فين ورجعت ليه!
بالكاد منعت "دليلة" نفسها من الضحك بوضع يدها على فمها، لتضيف معلقة بسخرية:
- بالظبط، ولا المخبرين!
أكملت الاثنتان صعودهما إلى الأعلى، وهما تأملان ألا تكون جارتهما المتطفلة تاركة لباب بيتها مفتوحًا، وإلا لما سلمتا من سخافتها اللزجة.
..............................................
لم يحتج "كرم" إلى أي مجهود ليتمكن من السيطرة على من فقدت صوابها، وتحولت إلى الجنون. قيدها من رسغيها بيديه، ريثما يحضر أحدهم حبلًا لها، في حين نظر إليها "زهير" بشيء من الإشفاق والحيرة، فوصولها إلى هذه الدرجة من الهياج لم يحدث من فراغ.
بعد أن تم تقييدها، تُركت في منتصف الصالة ملقاة على جانبها، كالشاه التي تنتظر الأمر الفوري بالذبـــح، تبكي في عجزٍ وقهرٍ، ومن حولها تجمع كل قاطني المنزل، بمن فيهم "مروة" التي وقفت في الخلفية، تحتمي بأظهر النساء، وهي تدعو الله في نفسها ألا يراها ذلك البربري القاسي.
جلس "كرم" على الأريكة، مسلطًا ناظريه على "توحيدة" الجالسة في مواجهته ومن خلفها "عباس" الذي كان يربت على كتفها بترفقٍ، عمَّ الصمت إلا من أصوات تنفس الجميع، ليقطعه "زهير" متسائلًا في نبرة تحقيقية:
- الهوجة دي من إيه؟
تلبكت "توحيدة" في جلستها، وشعرت بالقلق، فتلك المسألة الخطيرة التي أقدمت على فعلها، كانت بأمرٍ مباشر منها، ودون علم عائلة "الهجام".
من تلقاء نفسها تولت "خضرة" الإجابة، لعلها ترفع الحرج عن ربة عملها:
- البت اتلحست في مخها.
لحظتها نهرها "كرم" في صوتٍ أجش غليظ:
- حد وجهلك سؤال؟
اعتذرت في التو مهابةً منه:
- آسفة يا كبيرنا، مش هيحصل أفتح بؤي تاني.
راح "كرم" يشير بإصبعه نحو رجلين من أتباعه ممن كلفهم بمهمة البقاء في المنزل والمساعدة، ليوبخهما في حدةٍ:
- والدلدول ده فايدته إيه؟ واللطخ ده كمان؟
جاء تعقيب "زهير" كالأمر النافذ:
- يتغيروا كلهم.
في التو أيده شقيقه الأكبر بغير مراجعةٍ أو نقاش:
- ده اللي هيحصل.
بادرت "توحيدة" بتقديم فروض الامتنان والولاء لزعيم المنطقة، ولتهرب في نفس التوقيت من الإجابة على السؤال الذي طُرح مسبقًا:
- كتر خيرك يا كوبارتنا، لولا إنك جيت في الوقت المناسب كان زماني مع الأموات.
لم يكن "زهير" بالشخص الساذج لتظن أنها قادرة على مراوغته والتحايل عليه، ثبت عينيه عليها معيدًا تكرار سؤاله بصيغة أخرى:
- ما قولتيش برضوه هي عملت كده ليه؟
ازدردت ريقها، وقالت بصوتٍ مهتز، وهذا التعبير القلق يحتل كافة تعابير وجهها:
- مخها طاقق بعيد عنك.
علق عليها "كرم" بنظرة نافذة:
- بس هي قالت إنها قتلت ابنها.
هربت الدماء من وجهها، فبدت بشرتها أكثر شحوبًا وهي تجيبه:
- وده كلام يتصدق يا كوبارتنا؟
شكَّ أنها لا تزال تلف وتدور محاولة منحه الإجابة المباشرة، فاتجه بسؤاله إلى تلك المسجاة على الأرضية يسألها:
- انطقي يا بت، هجمتي على سِتك ليه؟
من بين دموعها الغزيرة أجابته:
- هي حرمتني من ابني وقتلته.
نفت في الحال تلك المصيبة التي ألصقتها بها، وقد هبت من مكانها لتهجم عليها في غيظٍ وحقد:
- مش أنا وربنا.
أفقدتها الوعي بصفعاتها القاسية عليها، ليقوم "عباس" بإبعادها وهو ينظر إلى امرأته باستنكارٍ وحيرةٍ، فمن النادر أن تخفي عليه شيئًا، واليوم هو كغيره يستمع إلى كارثة حدثت كتلك وللمرة الأولى، ولا خلفية له عنها، فكيف يمكنه الدفاع عن تورطها في الأمر من عدمه؟!
تركها "زهير" تكمل تمثيليتها المكشوفة بادعاء الانفعال والغضب، دون أن يمنعها من مواصلة الاعتداء البدني على هذه المكدومة المكلومة، واعتدل في جلسته مستطردًا باهتمامٍ:
- لأ أفهم بقى الحوار من أوله.
سكتت وعجزت عن الرد، فأمرها شقيقه "كرم" بلهجته التي لا ترد:
- "توحيدة"، انطقي واحكي اللي حصل بالظبط، وأحسنلك تكوني صادقة معايا، بدل ما أقلب عليكي.
أصبحت محاصرة بين مطرقة وسندان، عليها أن تبوح الآن بما ظنت أنها وأدته مع من لم يقترف ذنبًا في هذه الحياة التي لا تمنح الرحمة أو الشفقة للضعفاء.
.............................................
عاد "فهيم" إلى المنزل، واستقبل ابنته الكبرى بكل محبة أبوية وسعادة، سرعان ما تحولت إلى توترٍ واستنكار عندما علم بما صار معها أثناء بحثها عن وسيلة مواصلات لتقلها إلى منزلها، وذهابها إلى قسم الشرطة لتحرير محضر بواقعة السرقة، وما أتبع ذلك من ادعاء "دليلة" بأنها من تعرضت للأمر تجنبًا لغضبة "راغب" المتوقعة، بينما صاحت "عيشة" في لومٍ واستعتاب:
- بقى كل ده يحصل واحنا معدناش خبر؟ إيه عدمتيني أنا وأبوكي؟
أخبرتها "دليلة" في شيءٍ من العناد:
- أنا كنت عايزة أتصرف بسرعة علشان أكسب وقت.
ضربت والدتها كفها بالآخر مرددة في تذمرٍ وتبرم:
- هو ده اللي خدناه من الحتة الفقر دي، كل يوم والتاني في القسم.
ردت عليها ابنتها الصغرى باستغرابٍ مستنكر:
- احنا المظلومين يا ماما.
بعد تفكيرٍ مترٍ تحدث "فهيم" وهو يشير بيده:
- خلاص يا "عيشة"، هي اتصرفت صح.
استهجنت للغاية تقبله لما اعتبرته تصرفًا مليئًا بالرعونة، وصاحت:
- بتهاودها يا "فهيم"؟
قال بمنطقيةٍ بحتة:
- يعني تتسرق وتسكت؟ البلد فيها قانون.
من داخلها شعرت "دليلة" بالاعتزاز والسرور لكون والدها يدعمها على الدوام، طالعته بنظرات فخورة وهو لا يزال يتحدث مؤيدًا لموقفها:
- وكويس إنها اتعرفت على الحرامي، بكرة البوليس يمسكه، ويرجع اللي سرقه، ويتحاسب كمان.
على عكسه بدت "عيشة" متوجسة خيفة من تبعات ذلك، وراحت تمتمت في غير رضا:
- ربنا يستر من اللي جاي!
ثم توجهت بكلامها إلى "إيمان" فسألتها في قلقٍ:
- وإنتي يا فالحة هتتصرفي إزاي لو جوزك عرف بالحقيقة، وخصوصًا لما يلاقي إن البلاغ متقدم في القسم اللي نواحينا؟!!
ردت عليها بتوترٍ:
- طب ليه نقدر البلاء قبل وقوعه؟
حذرتها بجديةٍ:
- احنا مش ناقصين مشاكل معاه، ده بيتلكك.
اغتاظت "دليلة" من محاولة اختلاق الأعذار لتبرير تصرفات زوج شقيقتها الفظة، ووجهت اللوم إليه:
- هو السبب، ماهو لو مكانش مانعنا نروح لها مكانش ده حصل.
قطب "فهيم" جبينه في استغرابٍ، فلاحظت "عيشة" التغيير الحائر الذي طرأ على قسماته، فكزت على أسنانها تنذرها:
- خلاص بقى يا "دليلة"!
استرعى كلامها الأخير انتباهه أكثر، فتساءل مستفهمًا، وهذا التعبير الغائم لا يزال يكسوه:
- يعني إيه مانعكم؟ أنا مش فاهم.
لحظتها انزعجت "عيشة" أكثر من اندفاعها، ووبختها:
- عاجبك كده يا فالحة؟
ألح "فهيم" في معرفة الحقيقة متسائلًا:
- إنتو مخبيين إيه عني؟ اتكلمي يا "إيمان"!
تلبكت وهي تحاول الهروب من إجابته:
- مافيش حاجة يا بابا.
صاح في غير صبرٍ:
- ما ترسوني على اللي حاصل من ورايا.
تبادلن نظرات مترددة حائرة فيما بينهن، انتهت بإخباره بتفاصيل ما جرى في وقتٍ سابق.
.........................................
فور أن تم اقتياده لقسم الشرطة، تم التعامل معه بالأسلوب الذي يستحقه أمثاله من اللصوص ومعتادي السرقات، ليتجه بعدئذ إلى غرفة مكتب ضابط المباحث، حيث تولى التحقيق معه في مسألة السرقة بالإكراه. أنكر "سِنجة" الأمر برمته هاتفًا في استعطافٍ زائف:
- يا بيه، أنا غلبان، ماليش دعوة بحاجة.
رد عليه بجديةٍ وهو ممسك بقلمه الحبري بين أصابعه:
- الضحية قالت عن أوصافك، واتعرفت عليك، وطلعت صورتك إنت بالذات من وسط المجرمين.
هتف مؤكدًا كذبته الملفقة:
- أكيد مزقوقة عليا.
صاح به مستهجنًا، وفي شيءٍ من الهجوم:
- ده على أساس إنك ماشي جمب الحيط وفي حالك؟ ده إنت سوابق ياله!
استمر "سِنجة" على نهج الإنكار مرددًا:
- يا بيه ما إنتو مسكتوني ومكانش معايا حاجة.
جاء رده منطقيًا:
- تلاقيك اتصرفت فيها، هو إنت هتغلب!
تمسك بإنكاره الكاذب:
- مظلوم يا باشا!
ضغط الضابط على الزر الجانبي المعلق في الدرج العلوي من مكتبه، ليسمع كلاهما طرقات على الباب قبل أن يُفتح ويلج الصول "صادق" للداخل، أمره الأول في صرامة:
- خده، واعمله فيش وتشبيه، واستدعي اللي بلغت عنه، خلينا نكمل إجراءاتنا.
أدى له التحية العسكرية مرددًا:
- تمام يا باشا.
ثم قبض على ذراع "سِنجة" وجذبه معه إلى خارج الغرفة وهو يلقي عليه تبعات عقوبة السرقة، ليصبح الأخير أكثر ضيقًا واستياءً.
اعترض طريقهما أحد المخبرين، ممن يدينون بالولاء لعائلة "الهجام"، فادعى اهتمامه بالمساعدة، فاستطرد وهو يلصق هذه الابتسامة السخيفة على محياه:
- سيبهولي يا صول "صادق"، أنا هتعامل مع المجرم ده، وريح إنت، الحكاية مش مستاهلة تتعب علشان واحد زيه.
بالنسبة له كانت مسألة عادية، فلم يكترث كثيرًا للتأكد من إنجازها بنفسه، لهذا لم يشك للحظة في الأمر، وقال وهو يلوح بإصبعه في وجهه:
- طب انجز، وجبهولي لما تخلص علشان نحطه في الحجز.
هز رأسه قائلًا في امتثالٍ وطاعة:
- أوامرك.
أمسك به المخبر، وسحبه معه إلى إحدى الغرف الجانبية ليتمكن من محادثته سرًا، فتساءل "سِنجة" مستفهمًا باندهاشٍ مستنكر:
- الدنيا إيه؟ الحوار ده مش هيتلم؟
رد عليه بصوتٍ خفيض وحذر:
- بص الباشا بتاعنا مش هيسكت، وهيوديك النيابة.
سأله في قلقٍ:
- والعمل إيه؟
أجابه بعدما اختطف نظرة سريعة نحو الخارج:
- لازمًا الحوار يخلص من طرف البت، وتنكر إنك اللي سرقتها.
فرك طرف ذقنه بيده، وتساءل في تحيرٍ:
- طب ودي أوصلها إزاي؟
ومضت عيناه بهذه اللمعة الغريبة، وأخبره باسمًا في لؤم:
- بسيطة، بس كأنك متعرفش مني.
وكأنه أعطاه المخرج من مشكلته العويصة، فبادله الابتسام قائلًا في حبور:
- زي الفل، وحلاوتك محفوظة.
استحسن كثيرًا وعده بالعطايا، وردد:
- اتفقنا.
..........................................
بعباراتٍ شبه موجزة، سردت "توحيدة" تفاصيل الواقعة، ليشعر "كرم" بالاستياء العارم من تصرفها الشنيع، وما زاد من إحساسه بالحنق هو جهله التام بالأمر، ولولا حالة الجنون التي سيطرت على هذه المرأة واندفاعها للاقتصاص منها لما عرف من الأساس عنه، ولطُمر مع غيره مما يجهل به.
اعتبر ذلك استخفافًا به، وتحقيرًا من سلطانه وسطوته، فهدر بصوتٍ صادح جعل أبدان الجميع تهتز:
- بقى كل ده يحصل وأنا معنديش خبر؟ طرطور معاكو؟ ولا إكمني كنت محبوس فإيدي مش هتطولكم؟
حاول "عباس" تخفيف حدة انفعاله مرددًا:
- متقولش كده يا كبير، ده أنا عينك برا وجوا.
سلط نظراته النارية عليه، ووجه إليه موجة من التقريع القاسي بترديده المستهزئ به:
- ولما إنت عيني يا فالح، كنت فين وقت ما ده تم وحصل؟ مش إنت دراعي اليمين، ولا معدتش ليك لازمة، مش معمولك اعتبار من الهفأ اللي تحت إيدك؟!!!
دافع عن نفسه بحرجٍ:
- وربنا يا كبير ما كنت أعرف، الحوار ده اتعمل من ورايا.
زاد من إهانته بقوله المستحقر:
- استغفلوك لأنك حمار...
نكس "عباس" رأسه في خزيٍ، فتابع "كرم" كلامه إليه متوعدًا:
- بس هتتحاسب على تقصيرك.
لم يجرؤ على التعليق، ولاذ بالصمت، بينما تحدث "زهير" في تحفزٍ:
- وإنتي يا "توحيدة"، من امتى بنعمل كده في العيال حتى لو جايين من حـــــــرام؟!
ارتجفت وهي تحاول التبرير، عله يصفح عنها:
- أنا قولت للواد "سِنجة" يتصرف، يرميه عند باب جامع، يوديه ملجأ، مجاش في بالي إنه آ...
قاطعها قبل أن تنهي جملتها للأخير هادرًا بصيحة جعلتها تنتفض في جلستها:
- ولا كلمة زيادة، ما ليها حق تتجن عليكي وتجيبك نصين، دي أقل حاجة يا فاجـــــرة!
تساءل "كرم" بنبرة جوفاء، مانحًا شقيقه الحق الكامل في اتخاذ القرار النهائي لهذا الأمر:
- رأيك إيه يا "زهير"؟
تجول بناظريه على كلٍ من "توحيدة" و"وِزة"، لينطق بعدها بهدوءٍ مصدرًا حكمه النافذ:
- البت "وِزة" يتجوزها "عباس"، وتحمل منه تاني، وتجيب عيل بدل اللي راح منها.
لحظتها صرخت "توحيدة" لاطمة على صدرها في استنكارٍ عظيم:
- يا نصيبتي!
ابتسامة انتصار لاحت على زاوية فمه قبل أن يتابع بما أشعل نيران الغيرة أكثر داخلها:
- خدي التقيلة بقى، ليها نفس مكانتك هنا في البيت يا "توحيدة"! تؤمر وتنهي في الحريم.
شهقت مصعوقة، وهتفت مستهجنة ما اعتبرته حكمه المجحف:
- نعم؟ ليه كده يا سي "زهير"؟ إنت بتيجي عليا أوي؟
سدد لها نظرة أرعبتها، وسألها في وجومٍ:
- مش عاجبك كلامي وبتعارضيني؟
قالت بصوتٍ مختنق نسبيًا، ووجهها قد اشتعل بحمرة الحنق:
- لا عاش ولا كان اللي يعارضك، بس ده ظلم.
استرخى في جلسته أكثر، ووضع ساقه فوق الأخرى متابعًا ببرودٍ:
- خلاص رجعيلها ابنها، ونحاسبها احنا بطريقتنا على غلطها.
لم تستطع النطق بشيءٍ، فاستطرد في استهزاءٍ:
- شوفتي إنك عاجزة إزاي؟
مجددًا تحدث "كرم" في قوةٍ وصرامة، مظهرًا كامل دعمه لشقيقه:
- كلام أخويا "زهير" يمشي على رقبة الكبير قبل الصغير، واللي مش عاجبه يجيلي وأنا أريحه.
لم يملك أي من الحاضرين الشجاعة للاعتراض على الشقيقين، فأصدر "زهير" أمره غير المردود:
- خد مراتك الجديدة يا "عباس".
هز رأسه في طاعة وقد هَمَّ بالتحرك صوبها:
- أوامرك يا ريس "زهير".
اغرورقت عينا "توحيدة" بالدموع، وكبتت غيظها المشوب بغيرتها المتأججة مرغمة، فمن تعشقه يتجه لأخرى ليتزوجها في العلن، وعلى حساب كرامتها، وهي مجبورة على الصمت والانصياع!!
لم يحل "عباس" قيد "وِزة"، بل رفعها عن الأرضية، حاملًا إياها بين ذراعيه وهو يبدو متكدر الملامح، لينهض بعدها "كرم" من جلسته، وعيناه تعرفان السبيل إلى واحدة بعينها، فاحتل ثغره ابتسامة لعوب وهو يقول بنبرة ذات مغزى:
- وأنا بالمرة أخد مراتي.
وقتئذ انتفضت "مروة" صارخة في هلعٍ عقب تصريحه ذلك، خاصة عندما وجدته يشملها بنظرته النهمة الجائعة، وهرولت ركضًا عائدة للداخل هاتفة برفضٍ قاطع:
- لأ، أنا مش عايزة أجي معاك.
فرقع فقرات عنقه بتحريكه للجانبين مستطردًا بقدرٍ من الضيق:
- الله! ابتدينا بقى!
حذره "زهير" بجديةٍ، وقد نهض بدوره ليمسك به من ساعده:
- بالراحة.
على مضضٍ عقب:
- ما أنا واخدها على الهادي أهوو.
أرخى قبضته عنه، فانطلق في إثرها، ليلحق بها داخل إحدى الغرف، لم تتمكن من وصد الباب، فدفعه دون عناءٍ لتصبح محتجزة معه، تراجعت للخلف وهي ترتجف كليًا، فحذرها باسمًا بمكرٍ:
- ما تخليكي حلوة، وتيجي على الساكت!
ردت رافضة بعنادٍ ممزوجٍ بالخوف:
- مش هيحصل.
سألها كتمهيدٍ قبل أن يندفع تجاهها:
- يعني إنتي غاوية فضايح؟
انفلتت منها شهقة أقرب للصراخ حينما لاحقها وامتدت ذراعه لتمسك بها من رسغها، جذبها تجاهه، وقال من بين ابتسامته التي تجعل بدنها يقشعر، وشعيرات جلدها تنتصب:
- وأنا بموت فيها.
بيده الأخرى جذب الملاءة، ولف جسدها به، لتصبح محاصرة بالداخل، ثم رفعها على كتفه، وصراخها يعلو:
- ابعد عني.
لم يعبأ بصراخها للحظةٍ، وصفعها على مؤخرتها مرددًا في فخرٍ:
- ده إنتي مع "الهــجام" يا حلوة.
......................................
مقاومتها كانت لا شيء مقارنة به، بلا أدنى مجهود أخذها قسرًا، وهبط بها الدرجات وهو لا يزال يحملها على كتفه بتباهٍ وغرورٍ، استمرت "مروة" في الصراخ، وساقاها تركلان في الهواء:
- سيبني، أنا أموت ولا إني أرجع معاك تاني.
وكأن صياحها معزوفة موسيقية فريدة تُطرب أذناه، لم يكترث بها، ودندن بصافرة منتشية حتى أصبح خارج البناية، دار ببصره على المارة والمتواجدين في الشرفات، متأملًا ردة فعلهم على تصرفه، وكالعادة اتخذ الجميع موقفًا سلبيًا، ولم يعارضه أحدهم. واصلت "مروة" الصراخ بأقصى صوتها، إذ ربما يتعاطف شخص ما معها:
- الحقوني يا نــاس.
لكن لا جدوى، الكل تعمد تجاهل استغاثتها، وادعوا انشغالهم فيما يفعلون، لتخرج "دليلة" إلى الشرفة على صوت صرخاتها المتتالية لرؤية ما يدور.
تفاجأت بما يحدث من وقاحة وسطوة على مرأى ومسمع الجميع، لتندد من موضع وقوفها بالأعلى في استنكارٍ جلي، وبصوتٍ يكاد يكون مسموعًا:
- والله العظيم اللي بيحصل ده حرام!
توجست "عيشة" خيفة من اندفاع ابنتها، خاصة مع غياب "فهيم" وذهابه بصحبة ابنتهما الكبرى لتوصيلها إلى حيها السكني، ومعالجة مشكلة فقدان مفتاح البيت. حاولت جذبها للداخل، لكنها استلت ذراعها من أسفل قبضتها لتكمل صياحها المستهجن بصوتٍ أكثر علوًا:
- إيه؟ مافيش راجل في الحتة دي قادر على العصبجية دول؟!
ازدادت الرجفة في قلب والدتها، وأنذرتها بقلقٍ وهي تعاود شدها بعيدًا عن الشرفة:
- ملكيش دعوة، ماتدخليش.
ردت عليها بصوتٍ منفعل، وذلك الإحساس المستنكر للشعور بالاضطهاد يزأر بداخلها:
- صعبان عليا بجد، كل يوم والتاني نلاقي بنت بتتبهدل هنا، والكل عامل مش شايف.
رفعت من نبرتها ملوحة بيدها في الهواء:
- إنتو نــاس ظلمة!
من موضع وقفه رآها "زهير"، فعرفها في الحال، إنها نفس الشابة المندفعة بطيشٍ، جمد عينيه عليها، بينما انطلق "كرم" يحذرها بتحدٍ سافر:
- خشي يا حلوة جوا بدل ما أطلعلك!
لحظتها هوى قلب "عيشة" في قدميها، واعتذرت له اتقاءً لشره المستطير:
- حقك علينا، هي ما تقصدش...
وراحت تلكز ابنتها في ظهرها بقبضتها المتكورة وهي تنهرها بعدما كزت على أسنانها:
- خشي يا مسحوبة من لسانك، هو احنا ناقصين مصايب في بيتنا؟ وأبوكي كمان مش هنا.
صاحت في غير مبالاة، ومتعمدة الإبقاء على نبرتها المرتفعة:
- ولا يقدر يعملنا حاجة، هي فوضى؟!!!
اختفت مجبرة عن الأنظار بعدما أعلنت استنكارها الصريح لما يحدث، لكنها علقت في نفس التوقيت مع من لا يمرر الزلات دون عقابٍ أو محاسبة. أمر "كرم" أحد أتباعه بلهجةٍ شبه محتدة:
- اعرفلي مين البت دي!
رد عليه في طاعة تامة:
- أوامرك يا كبيرنا.
بينما ظل "زهير" واقفًا في موضعه، ومثبتًا لنظراته الغامضة على الشرفة التي خلت منها، وهذا التعبير غير المقروء يسود كافة تقاسيمه، إلى أن ناداه "كرم" بصوته القوي متسائلًا بوقاحةٍ وجراءة:
- عجباك الوقفة، ولا البت.........................؟!!!
رواية فوق جبال الهوان الفصل العاشر 10 - بقلم منال سالم
استعانت بوالدها لمساعدتها في استخراج الأوراق المطلوبة للحصول على بطاقة هوية جديدة بدلًا من تلك التي فقدتها أثناء السرقة، ثم اتجهت معه إلى أحد مراكز الاتصالات لتعيد تشغيل خط هاتفها المحمول بعدما سُرق، وبعد ذلك عادت إلى منزلها ليقوم والدها باستدعاء أحد هؤلاء المتخصصين في تغيير أقفال الأبواب لتتمكن من الدخول إلى بيتها بأمان.
استغلت انشغاله بمتابعة عمل صانع الأقفال، لتلج إلى غرفة نومها، وتتصل بزوجها بعدما وضعت الشريحة في هاتف قديم لم تعد تستخدمه منذ مدة، حمدت الله أنها كانت لا تزال تحتفظ بنسخة من كافة الأرقام بذاكرة الهاتف، لذا لم تجد صعوبة في مخابرته، وكعهده معها حينما تقع في مأزق، لا يتوانى عن تقريعها، اكفهرت كامل ملامحها وهو يزيد من توبيخه لها:
- قولتلك من الأول، خروجك من غيري في قلة قيمة ليكي.
تنفست بعمق، لتثبط من شعورها بالاختناق الذي ينتهي دومًا ببكائها قبل أن تخبره:
- ما البيت كان ناقصه حاجات.
زاد من لومه لها بترديده الساخط:
- واستفدنا إيه دلوقت غير إنك وقعتي في مصيبة وروحتي القسم؟!
في جنبات نفسها همهمت بلا صوت، وكأنها كانت تنتظر منه ذلك الأمر البسيط، لا أكثر من ذلك:
- ده بدل ما تطمن عليا!
عادت من شرودها اللحظي لتقول في صوت مختنق، وهذه الغصة الموجعة قد علقت في حلقها:
- ما أنا مكونتش لوحدي يا "راغب"...
أزاحت بطرف إصبعها دمعة نفرت من عينها، وأكملت بصوت يعبر عن شعورها المتعاظم بالضيق والاستياء:
- وبعدين بابا موجود معايا، والحمد لله حل مشكلة مفاتيح البيت، وعلى حسابه كمان.
تعمدت الضغط على كلماتها الأخيرة، لتؤكد له عدم تحمله أي أعباء مادية إضافية، فلا يزيد من تسميم بدنها بعباراته السقيمة، سمعته يقول في شيء من الشماتة والحقد:
- أحسن، خليه يكع من جيبه شوية، ما هو مش هيبقى موت وخراب ديار!
كزت على أسنانها مدمدمة بصوت خفيض:
- استغفر الله العظيم.
تابع كلامه إليها قائلًا بصيغة آمرة:
- بقولك إيه، اتصلي بأمي طمنيها، لأحسن كانت قلقانة عليكي.
وكأنها حقًا كذلك! تشكلت على زاوية فمها ابتسامة ساخرة، فقلما راعت حماتها مشاعرها يومًا، بل على العكس كانت النسخة الأصلية لطباع ابنها، فقد اكتسبها وشربها كاملة منها. على مضض ردت باقتضاب:
- حاضر.
واصل تحذيره المشدد عليها:
- وإياكي تخرجي من البيت لحد ما أرجع، لو ناقصك حاجة خلي مرات البواب تجيبهالك.
حررت زفرة ثقيلة من صدرها قبل أن ترد في طاعة:
- طيب.
أنهى معها الاتصال دون أن يضيف عبارة أخرى، لتشعر بالمزيد من الإحباط يغمرها، نظرت إلى الهاتف في حزن، وحادثت نفسها بنقم:
- إنه حتى ما قالي كلمة طيبة!
وأدت دموعها في مهدها، وبحثت عن رقم والدته لتهاتفها، حاولت أن تجعل رنة صوتها هادئة وهي تستطرد مستهلة حديثها معها:
- أيوه يا طنط، إزي حضرتك؟
جاء صوتها لائمًا للغاية:
- عملتي إيه يا فالحة في غياب جوزك؟
تحول حزنها لموجة من الحنق، وردت بشيء من الانزعاج:
- ولا حاجة يا طنط، النصيب.
تفاجأت بها توبخها في تحيز وتحامل:
- طول عمرك ماطيورة، مابتركزيش، وأنا نبهت عليكي كتير تشيلي فلوسك وموبايلك في جيوبك.
جاهدت لئلا تخرج عن طور هدوئها، وردت بحيادية:
- مشيئة ربنا.
استمرت حماتها في تعنيفها بحديثها الساخط:
- عيني عليك يا ابني، هتلاحق على إيه ولا إيه؟ ده إنت آ...
قبل أن تزيد من تنغيصها بعباراتها اللاذعة، قاطعتها قائلة بقليل من الانفعال:
- ربنا يخلي بابا هو اتصرف وظبط كل حاجة.
أتى ردها وقحًا:
- وماله، طالما ابني مش هيغرم حاجة.
كورت "إيمان" قبضة يدها فضغطت على أصابعها حتى ابيضت مفاصلها، وأصغت إليها وهي تخبرها بفتور:
- لولا إن عمك تعبان شوية كنت جيت أعدت معاكي، بس رجلي مش قادرة تشيلني.
كالعادة كانت تدعي المرض لتتجنب زيارتها، وكانت ممتنة لذلك، فمن الأفضل ألا تتواجدا معًا، وإلا لاستأنفت وصلة الاستهزاء بها. في النهاية علقت كنوع من المجاملة:
- كفاية سؤالك عليا.
دون مقدمات وجدتها تقول فجأة:
- شكل عمك بينادي، هروح أشوفه، سلام.
مثل ابنها أنهت الاتصال، وكأنها عبء ثقيل قامت بإزاحته عن كتفيها، لتردد "إيمان" مع نفسها بحزن رغم سعيها لادعاء العكس:
- مافيش داعي أضايق نفسي، هي طول عمرها كده، أسلوبها مش هيتغير.
ظلت لعدة لحظات مع نفسها، حتى عادت إلى طبيعتها، فخرجت من الغرفة، وألقت نظرة مدققة على الصالة، كان والدها بمفرده، فدنت منه متسائلة:
- ها يا بابا؟ إيه الأخبار؟
أجابها وهو يختبر المفاتيح بنفسه في موضع القفل:
- الحمدلله، الراجل خلص، وخد حسابه ومشى بعد ما فورلك طبلة الباب القديمة، وركبلك الجديدة، ودي النسخ كلها للمفاتيح.
ثم مد يده بهم نحوها، فأخذتها منه قائلة في امتنان شاكر:
- كتر خيرك يا بابا، دوختك معايا.
ربت على كتفها مرددًا بحنو:
- المهم عندي إنك تكوني بخير وفي أحسن حال.
أدركت مدى الفارق بين مشاعر أبيها المهتمة بأحوالها، وبين زوجها الذي لم يتوقف عن لومها، بالكاد منعت نفسها من البكاء تأثرًا، وهي ترتمي في أحضانه لتقول بصوت شبه مختنق:
- ربنا يخليك ليا، وما يحرمنيش منك أبدًا.
......................................
- عجباك الوقفة، ولا البت؟
سؤال وقح ومفاجئ، استطاع أن يفهم المغزى منه دون الحاجة للمزيد من الإيضاح، فقد كان من النادر أن يبدي اهتمامًا بإحداهن، لهذا استرعى تحديقه انتباه شقيقه، فلم يضمر الأمر في نفسه، ووجه إليه سؤاله بشكل مباشر، ليأتي الجواب عاديًا، بل فاتراً للغاية حينما استدار ناحيته، لينظر إليه بوجه خالٍ من التعبيرات:
- لا دي ولا دي...
ظلت عينا "كرم" عليه، لا تبارحان وجهه، وشقيقه الأصغر قد هم بالتحرك ليستقل المقعد الأمامي في السيارة، لكن قبل أن يستقر في موضع جلوسه لمح "عصفورة" وهو يحادث أحدهم سرًا، تنبه الأخير له، فاضطربت تعابير وجهه، وكأنه أمسك بالجرم المشهود، أبعد الهاتف عن أذنه ليضعه على الفور في جيبه، وتقدم ناحيته متسائلًا في صوت مهتز:
- أي أوامر؟
رمقه بهذه النظرة غير المريحة قبل أن يقول:
- لأ، خلي الرجالة تطلع.
رد عليه مبتسمًا بسخافة:
- على طول.
خاطب "زهير" شقيقه بعدما سمع صرخات "مروة" المكتومة من وراء الملاءة الملفوفة بها:
- شيل البتاعة دي عنها، خليها تعرف تتنفس.
علق "كرم" في استحسان، وكأن الفكرة قد استهوته:
- وماله، حتى الطلة في وشها أحسن.
أزاحها عنها، فظهر وجهها الحانق، لحظتها انتفضت ثائرة عليه، لكنه قضى على مقاومتها بلا عناء، لتصبح مقيدة كليًا بذراعيه، ابتسم في انتشاء، وأمرها مهددًا:
- اهدي، ولا أسكتك بطريقتي؟
كان "زهير" يشعر بالضجر والضيق من حضوره لمثل هذه المشاحنات الخاصة، فهتف في لهجة آمرة:
- يالا بينا من هنا، لسه ورانا مشاغل.
رد عليه "كرم" غامزًا بطرف عينه:
- أيوه، ده حتى النهاردة دخلتي، ولا إيه يا "سمارة"؟
ردت عليه في غيظ، وهي تتلوى بجسدها محاولة الخلاص منه:
- أنا بكرهك.
زاده نفورها منه انجذابًا أكبر تجاهها، فاشتدت قبضتاه عليها مرددًا بعبثية فظة:
- وأنا مش عايزك تحبيني، أنا عايزك تمتعيني وبس!
كلماته الجريئة كانت تشعرها بالوضاعة والحقارة، فصرت على أسنانها تنعته:
- إنت....
قبل أن تلفظ بكلمة، وجدت قبضته تعتصر فكها، فصرخت متأوهة من الألم، ليتبع هذا تهديده الصريح:
- بلاش تزعليني يا "سمارة"، لأحسن زعلي بتطير فيه رقاب.
ارتجفت من أسفل قبضته، ولم تجرؤ على النطق بشيء، ليحول بصره عنها عندما خاطبه "زهير" في غموض:
- عايزك في حاجة لما نكون لوحدنا يا "كوبارة".
علق عليه بعدما عاود التحديق إليها بنظرة نهمة جائعة:
- وماله، احنا هنروح من بعض فين، ندلع شوية، ونشوف شغلنا شويتين.
....................................
سار معه عبر الردهات المتفرقة بداخل القسم لينهي الإجراءات المتعلقة بوضعه في غرفة الاحتجاز، لكنه تعمد التباطؤ قبل أن يفرغ من آخر خطوة، واطلع على السجلات الرسمية لتسجيل المحاضر، ليتمكن من الحصول على رقم هاتفها المحمول، ثم انفرد بعدئذ بسجينه في الحمام، وأعطاه هاتفه المحمول ليتمكن من محادثة من تسببت في إلقاء القبض عليه خلسة.
وقف المخبر خارج الحمام مراقبًا للممر، وأشار لـ "سنجة" ليتم المكالمة في عجالة، وهو يأمره بقلق منعكس على وجهه قبل نبرته:
- أوام يا "سنجة"، مش عايز أتجازى.
رد عليه وهو يلصق الهاتف بأذنه بعدما ضغط على زر الاتصال بها:
- على طول أهوو.
لمح المخبر أحدهم وهو يدنو من الحمام، فهتف بامتعاض زائف:
- المجاري طافحة، شوف الحمام اللي في الدور التحتاني.
انصرف الرجل، فالتفت نحو "سنجة" يأمره:
- إدارى كده، وماتخليش حد يشوفك.
هز رأسه معقبًا بصبر شبه نافد:
- بس هي ترد الأول.
انتظر على أحر من الجمر ردها عليه، ليكمل الخطة التي رتبها مع المخبر لإخراجه من هنا بأقل الخسائر.
.....................................
في تلك الأثناء، كانت "عيشة" قد انتهت لتوها من الحديث إلى زوجها، وعلمت منه عن آخر المستجدات مع ابنتهما الكبرى، فاستراح قلبها لكون الأمور مضت على خير معها، خرجت إلى "دليلة" الجالسة باسترخاء على الأريكة وهي تشاهد التلفاز لتخبرها:
- أبوكي لسه قافل معايا، هو راجل في السكة، والحمد لله كله تمام مع أختك.
علقت دون أن تبعد عينيها عن الشاشة:
- خير.
ألقت أمها بثقلها على الأريكة المجاورة لها، وحذرتها بعدما وكزتها في ذراعها:
- إياكي بعد كده تحشري نفسك في أي مشاكل، احنا مش ناقصين بلاوي.
تأوهت بصوت خفيض، وردت بشكل آلي:
- طيب .. طيب.
أضافت والدتها بتذمر لا يعبر سوى عن قدر محدود للغاية من شعورها بالانزعاج المشوب بالخوف:
- وربنا يهون بقعدتنا هنا.
تنبهت "دليلة" إلى ذلك الاتصال الملح من هذا الرقم الغريب الذي تجهل صاحبه، حتى مع خاصية الكشف على الأرقام المجهولة، كان يظهر لها بحروف غير مفهومة، فأخرست الهاتف، وزفرت في ضيق، فسألتها والدتها مستفهمة:
- مين ده اللي بيتصل؟
ردت بعدم مبالاة وهي تهز كتفيها:
- معرفش، محدش أعرفه.
ظنت "عيشة" أن ابنتها تحاول الاتصال بهما، فهتفت على الفور تستحثها على الإجابة عليها:
- شوفي كده، لأحسن تكون أختك ولا حاجة.
قطبت جبينها متعجبة، فأصرت عليها بتصميم:
- ردي أوام، إنتي لسه هتبصيلي.
أمسكت بالهاتف قائلة:
- ماشي.
بمجرد أن انفتح الخط بينهما، سمعت صوتًا ذكوريًا خشنًا يسألها:
- إنتي "دليلة فهيم"؟
تحفزت في جلستها، واعتدلت متسائلة بقليل من القلق:
- أيوه، مين معايا؟
أجابها بصوته الخشن الذي دب الرعب في قلبها:
- أنا يا حلوة اللي بلغتي عني، ونيمتيني على البورش!
ارتعدت فرائصها، وسألته في صوت مذعور:
- مين؟
لاحظت والدتها الاضطراب الذي كسا ملامحها، فسألتها في استفهام:
- مين يا "دليلة"؟
ضغطت ابنتها على زر السماعة الخارجية للهاتف، لتتمكن أمها من سماع المكالمة معها، فانقبض قلبها برعب حينما عرف "سنجة" عن نفسه:
- الحرامي يا قطة! اللي سرقك إنتي وأختك!
لطمت "عيشة" على صدرها، وبالكاد كتمت شهقة صارخة قبل أن تنفلت من جوفها، لتتساءل "دليلة" في ذعر، وقد شحب لون بشرتها كثيرًا:
- إنت جبت رقمي منين؟
ضحك في استهزاء، ليرد بعدها:
- دي أهيف حاجة أعرف أعملها.
رغم الخوف الكبير الذي استحوذ عليها إلا أنها تشبثت بقدر من الشجاعة، وراحت تهدده:
- أنا هبلغ عنك.
استقبل تهديدها باستخفاف شديد:
- مايبقاش طلقك حامي، اسمعي للآخر علشان ما ترجعيش تزعلي.
مدت "عيشة" يدها لتمسك برسغ ابنتها، وأشارت لها لتصمت، فتابع "سنجة" تهديداته الصريحة:
- أحسنلك تنكري إنك تعرفيني، وتتنازلي عن المحضر، وإلا وشك الحلو ده مش هيبانله ملامح.
قبل أن تنبس بشيء أكمل على نفس النهج:
- أنا عارف أوصلك إزاي، وحتى لو كنت جوا الحبس، عندي اللي ينفذ برا...
لحظتها لطمت "عيشة" على صدغيها بهلع، خاصة وهو يضيف:
- فاتقي شري، وخلصي الحوار ده أوام، وإلا ما تلوميش إلا نفسك.
لم تجرؤ على مناطحته الرأس بالرأس، فحالة والدتها المفزوعة جعلتها أكثر شعورًا بالرهبة والارتعاب، نجح في إيصال رسالته بسهولة، لذا أنهى مكالمته مودعًا إياها بما بدا أشبه بالوعد:
- سلام يا مزة، مستني أشوفك برا اللومان.
ارتجفت يدها الممسكة بالهاتف، وسقط من بين أصابعها، لتنظر بذهول مصدوم إلى أمها التي لم تكف عن اللطم أو العويل:
- يا نصيبتي! يا نصيبتي! يا نصيبتي!
طالعتها ابنتها بنظرات ذاهلة والأخيرة لا تزال تسألها، وكأنها لا تصدق ما جرى توًا:
- اللي سمعته ده مظبوط يا بت؟!
استفاقت "دليلة" من حالة الجمود المرتعب التي كانت عليها، لتهتف فجأة وهي تهب واقفة من على الأريكة:
- أنا هبلغ البوليس، ده بيهددني عيني عينك.
أمسكت بها أمها من رسغها، وجذبتها بقسوة لتجلسها قسرًا وهي تنهرها:
- اتهدي كده وأقعدي، واستني أما يجي أبوكي ونقوله على المصيبة الجديدة اللي مستنيانا.
ردت عليها بغيظ:
- احنا هنخاف من واحد مجرم زي ده؟
أومأت برأسها صائحة في انفعال ممزوج بالفزع:
- أه نخاف، ده عرف طريقك يا "دليلة"؟ مستنية إيه بعد كده؟ لما يسلط أصحابه المجرمين عليكي؟
كانت على وشك الاحتجاج، لكنها أخرستها بقولها الحازم:
- احنا نعمل اللي قال عليه، ونفضنا منه الحوار ده.
اعترضت في تبرم:
- يا ماما آ...
أسكتتها مجددًا بحسم أشد:
- ولا كلمة زيادة، وأبوكي لو معملش كده أنا هولعلكم في البيت ده!
..............................
غمرته موجة من الارتياح بعدما فرغ من اتصاله الهام، فإن كان حتى تهديده فارغًا ولا جدوى منه، إلا أنه من غير المعقول أن يستهان به، خاصة مع انتمائه لهذه النوعية من البشر معتادي الإجرام، حتمًا سترتعد منه، وتعاود التفكير في مسألة إخراجه من هذه الورطة العويصة. أعاد "سنجة" الهاتف إلى المخبر، وتساءل في قليل من الغرور:
- عجبتك؟
رد عليه مادحًا:
- أوي، البت كده هتكش وتجيب ورا.
قال في رجاء:
- يا ريت، لأحسن ألبس أنا في الكلابوش وأضيع.
وضع المخبر القيد المعدني حول معصمه، ليخاطبه بعدها:
- بينا على الحجز، قبل ما الصول "صادق" يسأل عنك.
سحبه خارج الحمام وهو يحادث نفسه بانتشاء حالم:
- ولسه لما أقول للريس "عباس" إنها جاية، هطلع بحلاوة زيادة، وأهوو كله رزق ليا ولعيالي.
......................................
صارعت ذلك الصداع المؤلم الذي فتك برأسها وهي تستفيق من حالة السبات الغريبة التي سيطرت عليها، استغرقها الأمر عدة لحظات ريثما استوعبت "وزة" أنها لم تعد في بيت "توحيدة" الكئيب، دارت بعينيها في أرجاء هذه الغرفة شبه المألوفة عليها، سرعان ما تذكرتها، إنها حجرة "عباس" الملحقة ببيت عائلة "الهجام"، كانت لا تزال على حالها القديم، سرير عريض بعوارض ذهبية، وخزانة ملابس على الطراز القديم، تلك التي تصل من الأرضية إلى السقف.
اعتدلت في رقدتها متسائلة في توجس:
- أنا إيه اللي جابني هنا؟
كانت لا تزال بثيابها، اعتصرت ذهنها عصرًا لعلها تتذكر آخر ما حدث، فقط ومضات متداخلة ومبهمة للأحداث الأخيرة، تلك التي انتهت ببكائها المرير على فراق وليدها، هجومها على "توحيدة"، ومحاولة الانتقام منها، شعرت بألم يضرب وجنتيها، فتذكرت كم الصفعات اللاتي نالتها كعقاب منها لإخراسها قسرًا عن قول الحقيقة الموجعة. التفتت كليًا نحو باب الغرفة عندما فتح فجأة لتطل منه عدة سيدات، تقدمت إحداهن نحوها، فسألتها في تحفز مختلط بقليل من الخوف:
- هو في إيه؟
أجابتها المرأة وهي تشير لها بيدها لتتحرك معها:
- يالا يا عروسة علشان نوضبك، دخلتك الليلة على المعلم "عباس".
بدا وكأنها تفاجأت بالحقيقة الواقعة، فشهقت بصوت مرتفع، وقد حلت الصدمة على تعبيراتها، لتنهال عليها بوابل من الأسئلة المتواترة:
- دخلة؟ ومن مين؟ إيه الكلام ده؟
.....................................
فعل مثلما طلب شقيقه، وأكمل زواجه بها بعقد رسمي، لتصبح امرأته علنًا وأمام الجميع، رغم عدم اقتناعه بضرورة فعل ذلك، فما يطمح فيه يحصل عليه سواء بالرضا أو القوة.
تلقى عشرات المباركات والتهاني الحارة من كل المقيمين في منطقة حكمه وسلطانه، بأعجوبة أفلت من الصخب المحتفي بزواجه، ليذهب إليها والشوق المطعم بالرغبة يعصف بدواخله.
اقتحم "كرم" غرفته بلا استئذان، ليجد عروسه لا تزال بحالتها التي أحضرها بها، تتلفح بالملاءة، وتنظر إليه بخوف جلي. حدق فيها بتعبير ينم عن رغبة متأججة، تقدم ناحيتها بخطوات بطيئة ومدروسة وهو يكلمها بجدية:
- ولو إني محبش أتربط بحرمة، بس أخويا حكم، وحكمه عندي نافذ حتى لو كان على رقبتي.
واصلت التراجع للخلف باحثة عن مهرب لها منه، لكن لا مفر!
حاصرها عند الزاوية، فالتصق ظهرها بالحائط البارد. رفع مرفقه للأعلى، واستند به على الجدار، ليُسبل عينيه القويتين تجاهها متسائلًا:
- مش هتدلعيني بقى يا "سمارة"؟
استشاطت غضبًا من هذا اللقب القميء الذي منحه لها، وكأنه يذكرها بمدى العُهر والوضاعة التي أصبحت عليهما حينما أُجبرت على الاقتران به. شحنت قواها الغاضبة، وضمت قبضتيها لتلكمه في صدره بأقصى طاقة لها صارخة به:
- أنا اسمي "مروة" مش الاسم الزفت ده.
لم تتمكن من إزاحته من موضعه، وكأنه جبلٌ لا يمكن تحريكه، في حين استلذ "كرم" برؤيتها على تلك الحالة الثائرة، وقال وهو ينظر إلى موضع ضرباتها:
- ولا فارق معايا اسمك في البطاقة إيه، أنا بناديكي باللي يعجبني يا "سمارة".
ثم خفض من ذراعه ليلفه حول خصرها قائلًا بعبثية مقززة لها:
- ما تيجي بقى.
نفرت منه، وحاولت إبعاده عنها، فما زاده هذا إلا رغبة فيها، فقالت في صوتٍ يائس:
- مش هينفع...
شدد من ضمه لها، فشعرت بذراعيه تسحقان جسدها الواهن. نظرت إليه في ذعرٍ وهو يسألها بترقبٍ:
- ليه إن شاء الله؟
حمل وجهها الخائف تضرعًا خفيًا تحت الشحوب الذي ساد فيه حينما استطردت كاذبة، وكأن ذلك أول شيء طرأ على بالها:
- عندي ظروف.
تعقدت ملامحه متسائلًا باستغرابٍ:
- ظروف؟!
أوضحت له بحذرٍ:
- اللي بتيجي للواحدة.
لدهشتها، انطلى عليه الأمر، وصدقها، فأبعدها عنه ناعقًا بغيظٍ:
- يادي الهم!
مرر يده أعلى رأسه، وتابع في سأمٍ:
- ليلة فقر من أولها.
لم يقل أكثر من ذلك. انصرف مغادرًا الغرفة وصفق الباب بعنفٍ ورائه، فانتفضت أولًا في خوفٍ قبل أن يسكن جسدها وتشعر بالارتياح لرحيله. رددت "مروة" في لهاثٍ:
- الحمدلله يا رب، قدرت أبعده عني كام يوم...
سرعان ما امتلأت قسماتها بتعابير الخوف، وهي تتساءل مع نفسها:
- بس يا ترى بعد كده هتصرف إزاي؟
احتارت، وتحيرت في كيفية التصرف مع شخصه غير القابل للمراوغة، فما نجت منه اليوم لا يمكن الفكاك منه في الغد!
***
وكأن مصائب الدنيا كانت تنقصه لتزداد بواحدة أخرى أكثر قوة وتأثيرًا عن سابقاتها. علم "فهيم" فور عودته إلى المنزل باتصال ذلك البغيض بابنته، وتوقع حدوث الأسوأ إن رفضت تلبية مطالبه، فاضطر إلى اللجوء لمعاونة "كيشو"، عله يسعفه بالحل الناجز، فأقنعه الأخير بضرورة الاستجابة له اتقاءً لشروره غير المحمودة.
ارتدت "دليلة" ثيابها على مضضٍ، ورغم عدم اقتناعها بكل ما يجري، إلا أنها امتثلت مرغمة لأوامر أبويها، وقررت التنازل عن بلاغ السرقة الذي قدمته. سارت خلف أبيها الذي كان يصغي إلى "كيشو" وهو يعاتبه على تسرعه في اتخاذ مثل تلك الخطوة الخطيرة:
- ملاقتش إلا دول يا عم "فهيم" وتقع معاهم...
لم ينبس بكلمةٍ، وأطرق رأسه في أسفٍ، ليستمر "كيشو" في حديثه اللائم:
- و"سِنجة" كمان بالذات، ده هو اللي اشتبك مع "درويش" علشانك.
هبطت المفاجأة على رأسه كالصاعقة، فرفع عيناه إليه مرددًا بهلعٍ:
- يادي المصيبة اللي كانت لا على البال ولا على الخاطر.
تابعت "دليلة" حوارهما الغامض بفضولٍ حائر، خاصة ووالدها يقول في قلقٍ:
- وأنا هعرف منين إنه نفس الحرامي اللي سرق بنتي!!
رد عليه "كيشو" ساخرًا بتهكمٍ:
- أومال يعني فكرك هبعت للراجل ده شيخ جامع مثلًا؟!!
سأله بخوفٍ غريزي مسيطر عليه:
- طب والعمل إيه؟
توقف على مقربة من قسم الشرطة، وأعاد على مسامعه ما نصحه به في وقتٍ سابق:
- احنا نعمل زي ما قال، نتنازل عن المحضر، والمحروسة بنتك تنكر إنها تعرفه وتقول اتلخبطت، ويا رب تخلص على كده.
قال كلماته الأخيرة وهو يرمق "دليلة" بنظرة لائمة، ليحيد ببصره عنها عندما سأله "فهيم" في توترٍ:
- ليه؟ هو ممكن يحصل مشاكل أكتر من كده؟
أجابه بتعبيرٍ واجم:
- ده أقل حاجة ممكن يعملوها معاك إنهم يطلبوا منك دية ولا تعويض! ده إن مكانش يسلطوا حد عليها يرميها بمياه نار، ولا تتعرضلها مجموعة نسوان تدغدغ عضمها!
أصابه الفزع تمامًا، وهتف مستنكرًا بشدة ما لا يخطر على البال:
- كمان؟!!
أكد له بنفس التعبير الغائم:
- أومال مفكر إيه؟ هما ناس خطرين، والتعامل معاهم بحساب، وبنتك راحت لعش الدبابير بنفسها.
لاذت "دليلة" بالصمت مجبرة، فكلامها لن يزيد الأمر إلا سوءًا، آه لو كانت تعلم بتبعات خطوتها تلك، لما فكرت أبدًا في التورط مع هؤلاء الأشرار، واكتفت بالتحسر على ما تم خسارته ماديًا!
دافع "فهيم" عما اعتبرها رعونة واندفاع من ابنته عديمة الخبرة:
- مكانتش تعرف، هي اتصرفت من دماغها.
زفر بثقلٍ قبل أن يدمدم:
- يا ريت يفهموا كده.
أشار له ليتحرك تجاه قسم الشرطة، فتبعه "فهيم" في خطاه مرددًا بتضرعٍ ورجاء:
- استرها علينا يا رب.
بخوفٍ غريزي تعلقت "دليلة" في ذراع أبيها، وكأنها تبحث عن الملجأ والأمان في وجوده بقربها، فحاول بث هذا الشعور المفقود إليها، رغم دفقات الخوف والذعر التي تعتريه الآن.
***
بناءً على أوامره الشخصية، والمشددة، طلب "كرم" منه الانتظار خارج قسم الشرطة، لإحضار تلك التي تسببت في الإبلاغ عن مشاجرتهم قبل سابق، فور أن تخرج منه، ليتم التعامل معها وفق قانون عائلة "الهجام"، لذلك انتظر "عباس" مستندًا بظهره على سيارته المصفوفة على مسافة قريبة من بوابة القسم، وبصحبته عددًا من أتباعه الجالسين بداخل هذه الحافلة الصغيرة.
لمحه "كيشو" حينما خرج من الداخل، فتجمد في موضعه مصعوقًا، فوجوده بنفسه هنا يعني أن الموقف لا يزال متأزمًا، لذا بشكلٍ تلقائي التفت برأسه ناظرًا إلى "فهيم" ليخاطبه:
- شكل الحوار مش هيخلص.
سأله بقلقٍ واسترابة:
- ليه كده؟ ما على يدك البت قصادك سحبت البلاغ!
أخبره بشكٍ، وعيناه تحدقان في وجه "عباس" الذي كان لا يزال مصوبًا نظراته القاتمة على ثلاثتهم:
- مش عارف، بس الدراع اليمين لـ "كوبارتنا" موجود هنا.
استغرب من وصفه، وسأله مستفهمًا:
- مين ده كمان؟
ازدرد ريقه، وقال وهو يشير لهما بالتحرك:
- هقولك بعدين، إن شاء الله ما يكونش جاي لينا، بينا أوام من هنا.
لسوء حظهم اعترض "عباس" طريقهم، مرر ناظريه عليهم ببطءٍ وهو يوجه أمره غير القابل للنقاش:
- وقفوا عندكم!
اقشعر بدن "دليلة" لرؤيته، وانتصبت شعيرات جلدها فزعًا منه. التصقت بأبيها أكثر عندما خاطبها على وجه الخصوص، وهذه النظرة العدائية مثبتة عليها وحدها:
- إنتي بقى اللي عاملة فيها سبع فتوات في بعض؟
تدخل "فهيم" في الحال للذود عن ابنته متسائلًا بقليلٍ من التحفز:
- كلمني أنا يا حضرت، مالك ومال بنتي؟
ساعده "كيشو" هو الآخر في محاولة لم الأمور قبل بعثرتها قائلًا برجاءٍ طفيف:
- لا مؤاخذة يا ريس "عباس"، الجماعة دول معرفتي، في حاجة؟
دفعه "عباس" من كتفه للجانب، وحدثه في استحقارٍ:
- اتركن على جنب شوية ياض.
لم يجرؤ على معارضته، ووقف جانبًا، ليتقدم "عباس" نحو "فهيم" وابنته، ثم مد ذراعه تجاهها ليمسك بها قائلًا، وهذه الابتسامة الشيطانية تبرز على زاوية فمه:
- تعالي يا حلوة معايا.
حال "فهيم" دون وصوله إليه هاتفًا بتعصبٍ أبوي مبرر:
- إيدك عن بنتي.
ارتعبت "دليلة" للغاية مما يدور، وتشبثت بأبيها أكثر مستنجدة به:
- الحقني يا بابا، ما تسبنيش!
أولاهم "عباس" ظهره ليتطلع إلى أتباعه الأشداء الذين ترجلوا عن الحافلة الصغيرة، سار نحوهم، وصوت أمره الصارم يكاد يخرق الآذان:
- اشحنوهم كلهم...