تحميل رواية «فؤادة» PDF
بقلم ميمي عوالي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في نهارٍ مليءٍ بالغيوم بأحد أيام الشتاء، والذي ينذر بطقسٍ ممطرٍ شديد البرودة، وفي بلدةٍ ريفيةٍ على أطراف محافظة الغربية، كان هناك منزلٌ يقع بوسط الزروع يوحي مظهره بالجمال والأصالة. كان منزلًا مكونًا من طابقين يحتضنه سياجٌ أنيقٌ من الحديد المشغول، والذي يسمح لمن بداخله بمراقبة كل ما يدور بالخارج والعكس أيضًا، وكان يسكنه ثلاثةٌ من الرجال مع والدتهم بعد وفاة أبيهم منذ عدة سنوات. ليقوم جلال، وهو الشقيق الأكبر والذي يبلغ من العمر ثلاثًا وثلاثين عامًا، على شؤون عائلته من مراعاة مصالحهم، والأخ الأوسط ع...
رواية فؤادة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ميمي عوالي
بعد أن اتجه جلال واستلقى على الأريكة معطيًا فؤادة ظهره دون أن يعطيها أي فرصة للحوار، وتدثر جيدًا حتى أنه لم يكن يظهر منه سوى بعض الشعيرات من رأسه كانت تطل من تحت حواف الدثار وكأنها تقاوم كي تأخذ قسطًا من الهواء.
ظلت فؤادة مكانها لبرهة بوسط الغرفة، تقف بذهول حاملة على يدها الملابس التي اصطحبتها إلى عمها وزوجته، وكانت تنظر إلى جلال بغيظ مكبوت. فقد كانت ترتب أمورها على أن تقضي ليلتها مستيقظة على الأريكة، فكيف لها الآن أن تقاوم النوم وهي جالسة على فراش واسع مريح كفراش أبيها.
فؤادة في سريرتها وهي تزفر أنفاسها بخفوت:
الله يسامحك يا عمي، أنت السبب في كل اللي أنا فيه دلوقتي. كان لازم يعني أمسك فيه يبات معانا، ما كنت سيبته يرجع طنطا براحته، اديني اتحبست في أوضة واحدة مع الأستاذ جلال… بس معلش، كله يهون عشان خاطر الست نهاد، ربنا يسعدها ويتمم لها بخير يا قادر يا كريم.
ثم تنهدت واتجهت إلى الفراش، ووضعت ما بيدها، ثم جلست ورفعت قدميها تحت الدثار، فقد كان الطقس شديد البرودة. ولكنها شيئًا فشيئًا مالت بجسدها على الوسائد وهي تلف الدثار حول نفسها، وما هي إلا دقائق حتى راحت في سبات عميق.
كانت الأريكة التي يستلقي عليها جلال صغيرة إلى حد ما بالنسبة لطوله الفارع، فكانت بالكاد تتسع لجلال. ولكن ما إن حاول أن يفرد قدميه حتى وجد أنه لا يستطيع فعل ذلك من صغر الأريكة بالنسبة له. وما إن تقلب في نومته وهو يحاول أن يجد وضعًا مريحًا، إلا ووقعت عيناه على فؤادة، والتي كان شكلها مضحكًا للغاية. فأول ما جاء إلى ذهن جلال ما إن رآها، هي وجبة ورق العنب المحشو، فقد لفت فؤادة الدثار على نفسها بطريقة محكمة قد يفشل فيها أمهر طهاة محشو الملفوف وورق العنب.
وضع جلال كف يده على فمه يمنع صوت ضحكاته خوفًا أن يقلقها صوته. وظل على تلك الحالة لبعض الدقائق، وعندما هدأت ضحكاته، كانت عيناه على وجه فؤادة.
يا الله، كم هي شديدة الشبه من حبيبته، ولكن شتان بين طبعهما.
وعادت به الذاكرة إلى ذكرى ما في حياتهما.
***
كان جلال جالسًا في بهو منزلهم بصحبة أمه وزوجته وكريم، وكان وقتها يوجد خلاف ما بين ندا وكريم، وكان كريم في حالة خصام تام مع ندا ولا يبادلها أي حديث.
جلال:
مش هتكبر دماغك بقى يا كريم، أنت هتعمل عقلك بعقل الستات.
كريم:
يا عم ما تشغلش دماغك.
جلال:
يا ابني أنتم إخوات، ومالكمش غير بعض، ما يصحش كده. وبعدين ندا غلبانة، ما تقساش عليها بالشكل ده.
كريم بسخرية:
آه غلبانة فعلاً، كل شيء جايز.
جلال وهو يوجه حديثه لهدى:
ما تقولي حاجة يا حبيبتي لأخوكي ده تعقليه.
حسنة ضاحكة:
مين دي، هدى، هدى آخر واحدة هتقول لحد فيهم حاجة، دايما تتفرج وتسكت، مهما كان الوضع مش عاجبها، ما بتحبش وجع الدماغ.
هدى بهدوء:
أبدًا يا ماما، مش كده أبدًا، بس هم الاثنين أخواتي، ولو طلعت حد غلطان الثاني هيزعل مني، وأنا ما بحبش حد يزعل مني.
***
عاد جلال من الفلاش باك.
قارن جلال بين موقف هدى مع أخوتها وقت خصامهم، وبين موقف فؤادة مع عمها وابنه ومحاولاتها مرة بعد الأخرى أن ترم صدع خلافاتهما. واعترف بينه وبين نفسه، أن فؤادة تمتلك قوة وعزيمة لم تمتلكها هدى، فهدى كانت رقيقة.. هشة، وكانت دائمًا تخشى ردود الأفعال، وكانت قلما تعترض على حديث، خوفًا من غضب المحيطين بها.
أما فؤادة، فهي صلبة.. قوية المراس، لا تكتم رأيها ولا تترك حق من حقوقها.
وأثناء عقده مقارنته، تذكر حادثة فؤادة مع مكتب الترجمة والتي قصها عليهم كريم، والتي لم يستطع جلال أن ينكر إعجابه بشجاعتها وتصميمها على عدم ترك ولو جزء بسيط من حقوقها، رغم دهشته الدائمة من تشبث يدها بملابسها أثناء الحديث، فهو يعلم جيدًا أن هدى أيضًا كانت تمتلك هذه المتلازمة، ولكن كان دائمًا ما يرجع تصرفها هذا إلى خجلها وخوفها الدائم. أما فؤادة.. فتملكته الحيرة الشديدة منذ أن رآها بسبب تلك المتلازمة.
حاول جلال الاستلقاء مرة أخرى ومحاولة النوم، والذي جافاه إلى أن بدأت ساعات اليوم التالي، بعدما تذكر حديث فؤادة مع عمها، وكم أثارت إعجابه وهي تحاول الرد على أسئلة عمها دون قول الحقيقة، ولكنها أيضًا دون أن تقول كلمة واحدة كذب، وتذكر دفاعها عنه وهي تثني عليه وتعدد لعمها مزاياه وخصاله الحميدة.
وعندما كانت الساعة في تمام الواحدة صباحًا… أشفق النوم عليه وبدأ وصاله لسويعات قليلة.
تململت فؤادة في نومها وحاولت الاعتدال، ولكنها لم تستطع الحركة بسبب الطريقة التي دثرت بها نفسها، فأخذت تتحرك ذات اليمين وذات اليسار، حتى استطاعت الحركة وهمت بالنزول من الفراش، ولكن لسوء حظها أن الغطاء لم ينفك عنها بالكامل، فقد ظل عالقًا حول كف قدمها، وما إن حاولت الحركة حتى انكفأت على وجهها مصدرة صوتًا قويًا، وتأوهت بشدة، فما كان إلا أن نهض جلال مذعورًا على صوت الجلبة والتأوه، وما إن رآها متكومة أرضًا حتى أسرع إليها وهو يحاول مساعدتها على النهوض وهو يقول:
ايه اللي حصل.. في ايه؟
فؤادة بتأوه:
اتكعبلت في حرف البطانية واتكفيت على وشي.
ليتذكر جلال على الفور مظهرها وهي ملتفة بالغطاء، فقال وهو يكتم ضحكه بصعوبة شديدة:
طب معلش، قومي قومي، حصلك حاجة؟
فؤادة وهي تمسد كتفها المصاب:
اتخبطت في كتفي.
جلال وبعفوية شديدة، امتدت يده إلى كتفها قائلاً:
وريني كده، أوعى يكون الجرح انفتح تاني.
ليبتعد فؤادة إلى الوراء قائلة بتوتر:
لا ماتقلقش، إن شاء الله خير، أنا هخلي محمد يبصلي عليها.
جلال بحزم:
لأ.
فؤادة بدهشة:
وليه لأ، ماهو مهما كان دكتور.
جلال:
خلي أمي تبصلك عليه، ولو لا قدر الله فيه حاجة، هوديكي المستشفى يشوفوا الدنيا فيها إيه.
فؤادة بامتعاض من تحكمه الغير مبرر:
طب لو سمحت عاوزة أدخل الحمام.
جلال باستغراب:
طب ما تروحي، عاوزاني أسندك ولا حاجة، أنتِ اتوجعتي للدرجة دي؟
فؤادة بغلظة:
حضرتك واقف قدام باب الحمام، وسادد السكة.
ليلتفت جلال خلفه ليجد أنه بالفعل يسد عليها الطريق، فانزاح جانبًا ثم قال ببعض السماجة:
طب يا ستي، اتفضلي، اديني وسعتلك السكة.
لتتحرك فؤادة رأسها ذات اليمين وذات اليسار دلالة على قلة الحيلة، ودلفت إلى المرحاض وأغلقت الباب خلفها بقوة، لينخرط جلال في الضحك دون مراعاة لصوته العالي، فسمعته فؤادة من الداخل فزاد غيظها منه. وما إن خرجت من المرحاض ووقع بصرها على جلال، والذي ما إن رآها حتى انخرط في الضحك مرة أخرى فقالت له بغيظ:
ممكن أعرف أنت بتضحك على إيه؟
جلال وهو يحاول السيطرة على ضحكاته:
أصل كان نفسي أصورك وأنتِ نايمة بالليل ولفه نفسك في البطانية وكنتي عاملة زي صباع ورق العنب المحشي، ده بوراك نفسه مايعرفش يعمل كده.
لتبتسم فؤادة قليلاً ثم ضحكت هي الأخرى بشدة.
فنظرت إليها جلال باستغراب، فكان يظن أنها ستغضب من حديثه، ولكن تفاجأت بها تقول:
ده أنا اللي كان نفسي أصورك وأنت حاشر روحك في الكنبة، وفارد البطانية كلها عليك، أكأنك مغطي قتيل، وشعرك يا عيني طالع من البطانية بيستغيث يا ولداه، ونفسه إن حد يلحقه.
كان جلال يستمع إليها وهو يفتح عينيه على اتساعها، ويلامس شعره بكف يده كأنه يتأكد من حديثها، فما كان من فؤادة إلا أن علت ضحكاتها أكثر وهي تقول:
لا لا لا… بجد مش قادرة، هفطس.
ثم اتجهت ناحية الفراش وجلست وهي تأخذ أنفاسها، وبعد أن هدأت رفعت رأسها اتجاه جلال بترقب، وقد شعرت أنها قد تجاوزت حدودها فقالت بلجلجة:
أنا آسفة…. أنا شكلي زودتها أوي، بس أنا كنت بهزر… ارجوك ما تزعلش مني.
جلال بسخرية مازحة:
لو ما كنتيش عملتي كده كنت قلقلت عليكي، ما أنا خلاص عرفت إنك ما بتسيبيش حقك.
فؤادة بابتسامة:
يعني صافي يا لبن؟
ليشرد جلال سريعًا وهو يتذكر هدى، والتي كانت دائمًا تقول تلك الجملة عندما يتصالحان بعد خصام لم يدم أبدًا أكثر من نصف ساعة.
وعندما لاحظت فؤادة شروده قالت:
شكلك لسه زعلان.
جلال وهو ينفض رأسه:
لأ أبدًا.
فؤادة:
طب أنا هصلي الفجر.
جلال وهو ينهض من مكانه:
استنى أما أتوضى ونصلي سوا، وبعد الصلاة تروحي لأمي تبصلك على كتفك، زمانها صحت، والمفروض الدكتور يبص عليكي عشان تبتدي العلاج الطبيعي.
فؤادة:
إن شاء الله.
***
كان سالم وزوجته يستعدان للمغادرة، وكان الجميع في وداعهم.
حسنة وهي تحتضن أم نهاد:
والله هتوحشيني يا أم نهاد، يعلم ربنا أنا حبيتك أد إيه.
أم نهاد:
والله وأنتي كمان يا أم جلال، إن شاء الله الوجوه تتلاقى على خير وما يحرمناش من اللمة الحلوة دي.
حسنة:
لما نرجع طنطا إن شاء الله لازم تشرفونا في بيتنا وتنورونا.
أم نهاد:
يا حبيبتي يجعله عامر دائمًا بأصحابه ومنور بيكي.
حسنة وهي تغمز بعينيها بمرح:
يا أختي أنا عاوزاه ينور بالعروسة.
أم نهاد:
ربنا يا حبيبتي يقدم كل خير ويسر الأحوال.
سالم:
ابقى هات مراتك، وتعالى عشان تعرفها مكان أبوك وأهلك يا دكتور.
محمد:
أكيد طبعًا يا بابا إن شاء الله، أول ما نرجع طنطا بعد ما البنات يشبعوا من بعض.
سالم لعايشة:
وإنتي خدي بالك من روحك ومن أكلك، أنا عاوز حفيدي تبقى صحته بمبة.
عايشة بابتسامة:
على راسي يا عمو.. عويناتى.
سالم موجها حديثه لفؤادة:
وإنتي يا فؤادة لو في أي وقت احتاجتي حاجة.. كلميني على طول.
فؤادة بابتسامة:
طبعًا يا عمي، ربنا ما يحرمناش منكم.
أم نهاد لابنتيها:
وإنتو هترجعوا امتى؟
نهاد:
يومين كده، ما خلاص إجازة نص السنة هتخلص آخر الأسبوع، ممكن نيجي على الخميس أو الجمعة إن شاء الله.
سالم:
خدوا بالكم من بعضيكم.
نهاد وسلمى:
حاضر يا بابا.
جلال:
شرفتنا يا سالم بيه، كان نفسنا نتأنس بيك أكتر من كده.
سالم:
الجيات كتير، ولما ترجعوا طنطا بالسلامة، ابقوا خلوني أشوفكم.
جلال:
أنا إن شاء الله هكون عند حضرتك يوم الاثنين اللي جاي مع عارف.
سالم:
تنوروا… أنا في انتظاركم إن شاء الله.
وبعد أن غادر سالم المزرعة التفتت حسنة لتعود إلى الداخل فوجدت نهاد تلعب الكرة مع سلوى وأدهم، ووجدت سلمى تحمل ليلى وهي تداعبها وتضاحكها كعادتها منذ أن أتوا إلى المزرعة، وليلى مستمتعة جدًا لدرجة أنها تنحني على سلمى لتقبلها بوجنتها بين الفينة والأخرى، وكلما تفعل ليلى ذلك تعلو ضحكات سلمى وهي تقول:
يا خراشي على العسل والسكر اللي بقى ينقط من وشي.
ابتسمت حسنة على نقاء سريرتهم وحب أحفادها لهم، ثم اتجهت إلى المطبخ لتتابع عمل الغداء.
كان المحامي قد انصرف متوجهًا إلى نقطة الشرطة ليتابع مستجدات الأمور، أما محمد وعائشة فكانوا يتابعون اللعب وهم يضحكون، وانسحبت سلوى من اللعب وذهبت اتجاه فؤادة قائلة:
مش هتجيبي لنا توت النهاردة يا طنط؟
فؤادة بمشاكسة:
تدفعي كام؟
سلوى وهي تحتضن فؤادة بحب:
هديكي حضن وبوسة.
لتضحك فؤادة وتقول:
سعر مغري الصراحة، حاضر يا ستي.
وما إن التفتت فؤادة لتتجه إلى شجرة التوت حتى أوقفها جلال قائلاً بنبرة حازمة:
وإنتي بقى فاكرة إني هسيبك تطلعي على الشجرة بكتفك ده تاني؟
فؤادة:
ما خلاص اتطمنت عليه والحمد لله ما حصلوش حاجة.
جلال بتصميم:
لأ برضة ما فيش شعبطة على الشجرة تاني أبدًا لحد ما تخفي.
محمد بفضول:
وإنتي كتفك حصل له إيه تاني يا فؤادة؟
فؤادة بامتعاض:
اتخبطت فيه الصبح.
محمد:
يبقى جلال عنده حق، خفي على روحك شوية، ثم أشار إلى سلوى قائلاً:
تعالي يا ست لولو أنا هجيب لكم التوت.
واتجهت فؤادة بغضب من تحكمات جلال إلى داخل المنزل.
ليعلو رنين هاتف جلال، وعندما نظر إلى الهاتف وجد أن المتصل هو عارف، فرد قائلاً:
السلام عليكم، أزيك يا عارف؟
عارف:
وعليكم السلام، الحمد لله أنتم أخباركم إيه؟
جلال:
تمام، ما فيش جديد.
عارف:
أنا حبيت أقول لك إن عطوة دبر لك البيت اللي وصيتني عليه، موجود قرب جناين الموالح زي ما طلبت.
جلال:
ويا ترى جاهز على السكن ولا محتاج لسه شغل؟
عارف:
أنا شفته، هو بالطوب الأحمر، ومتبييض بياض على قد الحال، بس ممكن يتقعد فيه من دلوقتي لو عاوز.
جلال:
تمام، هبعت لك عنوان الناس اللي هتقعد فيه، وتبعثلهم عربية تاخدهم من مكانهم لحد باب البيت، وخلي عطوة يشوف إذا كانوا محتاجين حاجة يجيبها لهم.
عارف:
تمام، وكمان حبيت أعرفك إني اتكلمت مع كريم وعرفته باللي حصل.
جلال:
والنتيجة؟
عارف:
الله أعلم، بس هو أول ما عرف مشي بسرعة، وكان شكله على آخره، واللي يشوفه يقول هيقتل له قتيل.
جلال:
هو حر في أخته بقى.
عارف:
وإيه أخبار الجماعة عندك؟
جلال ضاحكًا:
بيسلموا عليك.
عارف ممتعضًا:
يعني يرضى ربنا إنك تبقى قاعد وسط الكل، وأنا بوزي في بوز حسين.
جلال مازحًا:
لو حسين سمعك هينفخك.
عارف:
وعلى إيه، أنا هروح أشوف موضوع عطوة والعربية، وربنا حليم ستار.
بعد أن أغلق جلال الهاتف، اتجه إلى الداخل، باحثاً عن ماجدة، فاتجه إلى المطبخ، فوجد فؤادة تجلس على أحد المقاعد معطية ظهرها إلى الباب، ووجد ماجدة تقف خلفها وعلم من حديثهم أن ماجدة تجدل لفؤادة شعرها وكانوا يتحدثون بمرح.
ماجدة:
الصراحة يا ست فؤادة شعرك بسم الله ما شاء الله طويل أوي، ده الضفيرة واصلة لحد وسطك.
أم إبراهيم:
قل أعوذ برب الفلق.
فؤادة ضاحكة:
الحقيقة يا ماجدة أنا مش عارفة أودي جمايلك فين، اصبري بس عليا لما أخف، وأنا هعملك شعرك كل يوم فورمة شكل.
ماجدة ضاحكة:
صلي على النبي في سرك يا ست فؤادة، ده أنا شعري ممكن تقعدي تعديه كده شعراية شعراية.
حسنة:
ابقى فكريني أما نرجع طنطا أوديكِ لدكتور يعالج لك شعرك العيان ده.
ماجدة وهي تمص شفتيها:
لأ هو الشعر راخر له دكتور، إلا ما بنروح للدكتور واحنا بنفرفر، هنروح وشعرنا بيقع يا ست الحاجة.
أم إبراهيم:
أهو تبقى روحتيله وخلاص، إنتي طايلة.
لتتحرك ماجدة من خلف فؤادة وهي تتجه إلى صنبور المياه، وكانت فؤادة تنهض من مكانها وهي تبحث عن حجابها لتلتفت بوجهها إلى اتجاه جلال ليقف متأملاً إياها.
كان وجهها باسماً مشرقاً، صبوحاً، لم يكن شعرها ناعماً، فبرغم الجديلة إلا أن غرتها كانت تحتضن وجهها بطريقة محببة.
و فؤادة تحاول إزاحتها وحبسها وراء أذنها، كي تستطيع وضع حجابها، وما إن رفعت رأسها حتى وجدت من يراقبها في هدوء تام فما كان منها إلا أن رمت حجابها فوق رأسها سريعًا وهي تستعمل كلتا يديها دون أن تنتبه لحركتها، فما كان إلا أن أصدرت صرخة من أثر الألم المفاجئ نتيجة حركتها الغير محسوبة، ليسرع إليها جلال قائلاً بلهفة وغيظ:
كتفك وجعك مش كده، ما حدش أبدًا يعمل كده.
فؤادة بتأوه ونظرة ذات مغزى:
وما حدش أبدًا برضة يعمل كده.
حسنة كانت تقف وتنظر إليهم ولا تفهم منهم شيئًا فقالت باستغراب:
هو إيه اللي كده وكده، إيه اللي حصل، وإنتي كتفك ماله، ما أنا بصيت لك عليه ولقيته كويس.
فؤادة بخفوت:
أصل نسيت وحركت دراعي مرة واحدة وعشان كده وجعني.
جلال بغيظ:
تبقي تاخدي بالك.
لتنظر له فؤادة وهي تحاول كبت غضبها فقالت:
انت كنت جاي عاوز حاجة؟
جلال متذكراً:
آه، كنت هنسى، ومد يده بالهاتف لماجدة قائلاً:
كلمي حد من عندك وبلغيهم إن في عربية هتروحلهم تاخدهم النهاردة تنقلهم بيت تاني.
ماجدة بلهفة:
هنخرج من البلد يا بيه؟
جلال:
لأ، بس هتروحوا الناحية التانية، ولما يوصلوا بالسلامة قوليلهم يبلغوا عطوة بكل اللي هيحتاجوه وهو هيتصرف ويدبرها لهم.
لتنحني ماجدة على يد جلال في محاولة لتقبيلها، إلا أنه منعها قائلاً:
أنا ما بحبش الكلام ده يا ماجدة، يالا شوفى هتكلمي مين.
ماجدة بقلق:
ما فيش غير خالتي، هي بس اللي حدانا عندها محمول زي اللي أديتهولي الست ندا، وأخاف أكلمها الست ندا تعرف وتطين عيشتها.
حسنة:
خلاص ما تخافيش، أنا هكلمها وأفهمها تعمل إيه، وخليكي إنتي بعيد عن الحكاية دي.
ماجدة بحب:
الهي ربنا يجبر خاطركم ويكفيكم كل شر يارب.
فؤادة بفضول:
هو إنتو بقى يا ماجدة في بيتكم يعني، عندكم عفش هيحتاج يتنقل، أقصد يعني هيحتاجوا وقت عشان يوضبوا حاجتهم؟
ماجدة بسخرية:
الله يباركلك يا ست فؤادة، عفش إيه بس، ده هو شوية حصير، وكنبتين.
فؤادة بمرح:
تصدقي إني بحب الحصير ده أوي، وكثير كنت أروح أقعد مع الخالة سعدية وتروح عليا نومة، ويا سلام بقى لما أصحى ألاقي وشي ودراعاتي متقسمين من علامات الحصيرة عليها.
ثم اتجهت إلى الخارج قائلة:
يالا بقى خلصوا الأكل، على ما أروح أبص على الأرض وأرجع، ثم نظرت لجلال وأشارت له أنها تريد أن تتحدث إليه.
فذهب خلفها وما إن وصلوا إلى الخارج قالت:
من فضلك ممكن أبعت مبلغ لعم عطوة، عشان يفرش لهم البيت، واضح إن حالتهم صعبة أوي.
جلال:
ما تقلقيش، أنا هتصرف.
فؤادة باعتراض:
انت اتصرفت في البيت ورفضت إني أجيبهم هنا، سيبني بقى أساهم بده، أنا كده كده كنت عايزة أطلع صدقة على روح بابا، وما فيش أحلى من كده.
جلال:
خلاص يا ستي، زي ما تحبي.
فؤادة:
خلاص أنا هجيبلك الفلوس قبل ما أروح أبص على الأرض.
جلال:
هنبص على الأرض سوا، لأني عاوز أطمن إن كل حاجة تمام قبل ما أسافر لعارف.
فؤادة بلهفة:
انت هتسافر؟
جلال:
لازم أحضر مع عارف مقابلة عمك.
فؤادة:
أيوة طبعًا، عندك حق، وكمان أنا عطلتك وبعدتك عن أرضك وشغلك كتير، حقك عليا.
جلال:
أنا جيت هنا برغبتي يا فؤادة، ما حدش أجبرني، وتأكدي إني هكون دائمًا جنبكم.
***
مرت الأيام سريعًا، وعلموا من المحامي أن النيابة أمرت بحبس الزيني خمسة وأربعين يومًا على ذمة التحقيقات، بعدما ثبت بشهادة الشهود أنه كان وراء عمليات التخريب التي حدثت بمزرعة فؤادة بالكاميرات.
ومع نهاية الأسبوع حان موعد عودة سلمى ونهاد إلى منزلهم مرة أخرى، وبالطبع كان محمد وعائشة بصحبتهم. وعندما حان وقت الوداع، وبعد أن صعدت الفتيات إلى السيارة التفت محمد إلى فؤادة واحتضنها قائلاً:
أنا خلاص مش راجع فرنسا تاني، يعني وقت ما أوحشك هتلاقيني، ثم قال وهو يداعب يدها المصابة المتشبثة بملابسها:
وعاوز أقعد معاكي كام جلسة كده عشان نخلص من القفشة دي… ولا إيه؟
فؤادة بمرح:
هو أنت عشان مش لاقي عيانين، هتيجي تسترزق مني أنا؟
محمد وهو يضرب جبهتها بخفة:
بطلي عند، واسمعي الكلام، كنت فاكر إن الحكاية دي قربت تخلص، لما لاحظت إنها قلت أوي عن الأول، لكن أهي رجعت تاني أهو زي ما كانت بقالها تلات أيام.
ثم مال عليها مقبلاً رأسها وقال بحنان:
صدقيني، ده عشان مصلحتك.
كان جلال يستمع لكل كلمة بوضوح، ها قد علم أن وراء متلازمة يدها سرًا، ووجد بداخله فضولًا شديدًا لمعرفة ذلك السر.
كان جلال كل يوم يذهب مع العم نبيل لمتابعة الزرع، واحتياجاته ومستلزماته، وكان يجلس مع المهندس الزراعي المسؤول، وكانت فؤادة معه في كل خطوة.
حتى جاء يوم الأحد صباحًا موعد عودة جلال إلى طنطا.
كان الإفطار صامتًا حزينًا لا يتخلله إلا حديث الصغار، فكانت فؤادة تشعر بالحزن لفراقهم، فقد أحست أن المزرعة تشع بالحياة في وجود الجميع، ولكنها بدأت في وداع الجميع واحدًا تلو الآخر.
أما جلال فكان بالرغم من علمه بأن خطر الزيني قد زال وأنه لم يعد هناك أي خوف منه وهو وراء القضبان، إلا أنه كان يشعر بغصة لتركه إياها وحيدة في هذا المكان والذي برغم كل العاملين به إلا أنه بعيد عن العمران والأهم أنه بعيد عنه.
أما حسنة فكانت صامتة احترامًا لصمتهم، حتى نهضت سلوى من مكانها وذهبت إلى جوار فؤادة وقالت:
هو إنتي يا طنط هتفضلي هنا ولا هتيجي معانا؟
فؤادة وهي تحاول الوصول إلى صوتها:
لأ يا سلوى… هفضل هنا.
سلوى بحزن:
طب ليه هتفضلي لوحدك، ما تيجي معانا.
فؤادة:
للأسف… ما ينفعش.
حسنة:
وليه لأ يا بنتي، ما تيجي معانا، واديكي اطمنتِ على أرضك وكله تمام أهو الحمد لله.
فؤادة:
هنا مكاني يا أمي، ومهما روحت هنا أو هنا، مسيري هرجع هنا من تاني، يبقى لزمته إيه.
لتحتضن سلوى فؤادة وهي تبكي وتقول:
طب خلاص، خليني هنا معاكي.
لتمتلئ عينا فؤادة بالدموع وتنظر باستجداء لجلال وتقول:
يا ريت يا سلوى، بس بابا لازم يوافق الأول.
لتلتفت سلوى إلى أبيها قائلة وهي تمسح عينيها بكفوفها:
أنا عاوزة أفضل مع طنط فؤادة يا بابا لو سمحت.
ليقول جلال، وهو ينظر لفؤادة:
أيوة يا سلوى بس طنط فؤادة مش هتبقى فاضية، أو ممكن تتضايق عشان هتعطليها أو تشغليها عن المزرعة.
لتقول فؤادة بلهفة وهي تمد كف يدها لتزيح دموعها بعيدًا عن وجهها:
بالعكس، ما تقلقش خالص، وبعدين أنا وسلوى هنسلي بعض، ووقت ما هي تزهق أو توحشوها هتصل بيكم على طول حد يجيلها ياخدها ليكم.
أدهم باعتراض:
طب وأنا، أنا كمان عاوز أفضل مع سلوى.
حسنة:
إنت لازم ترجع معانا يا حبيبي عشان مامتك عاوزة تشوفك، ولا ما وحشتك؟
أدهم:
طب لما أشوفها أجي تاني عند طنط فؤادة.
فؤادة:
وأنا هستناك يا حبيبي.
سلوى بفضول وهي تنظر لابيها:
خلاص يا بابا، هتسيبني هنا مع طنط؟
جلال بتنبيه:
بس اعملي حسابك لو عرفت إنك اتشاقيتي أو عملتي أي مشكلة، مش هجيبك هنا تاني.
لتحتضن سلوى فؤادة بيديها قائلة:
أنا مش هعمل أي حاجة وحشة وهسمع كل الكلام.
جلال موجها حديثه لفؤادة:
أنا هسيب سلوى معاكي تونسك، على ما نشوف هنعمل إيه في موضوع عارف، وهرجع عشان آخدها.
وقبل انصرافهم أكد جلال على فؤادة أن تجعل هاتفها قريبًا منها باستمرار لكي يستطيع الاطمئنان عليها وعلى سلوى.
وأوصى العم نبيل عليهم، وكذلك ماجدة التي تركها مع فؤادة لتقوم على تلبية طلباتها وخدمتها.
وصعد إلى سيارته وقادها متجها إلى الخارج وعيناه مصوبة على مرآة السيارة يراقب فؤادة ويدها الحرة تحتضن سلوى، أما الأخرى المعلقة فرآها تتشبث بقوة بأطراف وشاحها، بينما تغرق العبرات وجهها بشدة.
رواية فؤادة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ميمي عوالي
كانت سلوى سعيدة بتواجدها مع فؤادة التى لاتمنع عنها شيئا و لا ترفض لها طلبا مادام ليس به اذى ، و كان اكثر ما يسعدها ، هو وعد فؤادة لها بتعليمها كيفية التسلق على شجرة التوت
و كانت تسمح لها ايضا بركوب الخيل و لكن بشرط ان لا يفارقها السائس و لا تسرع بها ، خلاف لهوهما معا و نومهما ايضا باحضان بعضهما البعض بعد ان تقص عليها فؤادة احدى حواديتها التى عشقتها سلوى
اما فؤادة ، فقد شعرت بالخواء فجأة بعد ان ذهب الجميع ، فقد كانت تستأنس بهم ، و تذيل رهبة عقلها بوجودهم من حولها
اما الان ، فهى تشعر بالصقيع الموجع ، و لكن ليس لبرودة الجو ، بل لبرودة قلبها الذى اشتاق لهذا الجلال، رغم تحكماته المغيظة لها ، و صلفته فى تعامله بعض الاوقات ، الا انها كانت تشعر بالحماية و هو الى جوارها
لم تعترف قبل ذلك حتى الى نفسها ، و لكنها ما ان رأت السيارة تأخذهم و تبتعد و هى تغادر المزرعة حتى شعرت بقبضة موجعة تعتصر قلبها
كانت تضم سلوى و كأنها تحميها ، و لكنها ايضا كانت تحتمى بها ، و اعترفت لنفسها .. انها تناست يتمها طوال فترة تواجد جلال الى جوارها ، الا ان احساس اليتم سرعان ما عاد اليها فور ابتعاده
امن الممكن ان يكون تعلقها بحمايته لها حبا له كرجل ، ام هو مجرد حب الحماية ليس اكثر
و لكنها سرعان ما تأكدت من الاجابة ، عندما دلفت الى حجرة ابيها و اشتمت بقايا من عبق رائحته فى الغرفة و لم تنتبه لدموعها التى اغرقت وجهها و هى تتذكر عنادهم و مشاكساتهم فى الليلة الوحيدة التى قضوها معا بغرفة ابيها
هل يحق لها ان يهفو قلبها اليه و هى تعلم تمام العلم ان قلبه لم و لن يكن الا لامرأة واحدة برغم رحيلها عن عالمنا
و عندما تذكرت انها تحمل اسمه ، فهو زوجها ، زوج مع ايقاف التنفيذ و لاجل قد يكن معلوما ، الا انها تعلم تمام العلم انه حين يأتى موعد رحيله عن عالمها .. انه سيكون رحيلا موجعا قد لا يكون هناك املا فى الشفاء منه
اما فى سيارة جلال ، فقد كان يقود السيارة فى صمت شديد حتى قال ادهم بتذمر : طب انا كده بقى هلعب مع مين لما نرجع البيت
حسنة بحنان : مع اختك ليلى ، و مع عمو عارف ، و بابا ، هو بابا ما واحشكش
ادهم : وحشنى ، بس بيبقى طول اليوم فى الشغل هو وعمو عارف ، حتى عمو جلال ، برضة مش هيبقى فاضى
جلال : انت اصلا لما نرجع ان شاء الله خالو كريم هييجى و يجيب مامتكم معاه علشان تشوفك انت و ليلى ، لانها عاوزة تشوفكم
ادهم : يعنى ماما هترجع تعيش معانا تانى زى الاول
جلال : لا ، هتيجى تقعد معاكم شوية و تمشى تانى
ادهم : يعنى لما ماما تمشى تانى هنيجى عند طنط فؤادة تانى
حسنة بمزاح : انا مش فاهمة .. هى طنط فؤادة عملتلكم ايه عشان تتعلقوا بيها بالشكل ده
ادهم ببراءة : بتحبنا و بتعمل لنا كل اللى احنا عاوزينه ، و لما حد بيعمل حاجة غلط بتفهمه بالراحة من غير ما تعاقبه
و كمان البيت عندها حلو اوى و المرجيحة و الاحصنة ، و كمان شجرة التوت
جلال بابتسامة : هوصى عمكم عطوة يزرعلكم شجرة توت فى الجنينة
ادهم بفرحة : بجد يا عمو ، و نطلع نجيب من عليها توت
حسنة بابتسامة : تبقوا تطلعوا تجيبوا لولادكم بقى يا ابنى ، دى قدامها سنين على ما تكبر و تطرح
ادهم بامتعاض : هو احنا لسه هنستنى ، لا .. يبقى اروح لطنط فؤادة بقى
ام ابراهيم ضاحكة : يعنى انت عاوز تروح لطنط فؤادة بس عشان التوت
ادهم : لا … عشان بحبها ، و عشان العب مع سلوى
حسنة : ان شاء الله يا حبيبى ، اما نشوف بس ايه اللى هيحصل
عند ندا كانت حبيسة غرفتها منذ محادثتها مع جلال على الهاتف ، و عندما علم كريم بالامر من عارف ، و ذهب لتعنيفها ، لم تجادله بكلمة واحدة ، فكانت صامتة شاردة ، فلم يأتى الى خاطرها ابدا ان جلال قد يكتشف الامر ، و كانت مرتعبة من احتمال علمه بتورطها بحادثة اطلاق النار على فؤادة ، و لذلك قررت أن تنحنى للريح حتى تعلم مدى المامهم بما فعلت تماما
فكانت ندا كعادتها منذ عدة ايام تجلس بغرفتها منذ عدة ايام لا تبرحها ابدا ، حين دلف اليها كريم وقال لها بوجوم : ولادك راجعين النهاردة
فنظرت له ندا بترقب و قالت : هتجيبهوملى اشوفهم
كريم : اكيد لا ، اذا كان حسين صمم الاول انك تروحيلهم هناك ، فاكيد دلوقتى جلال هو اللى هيصمم على ده ، مش حبا فى رؤيتك اكيد ، لكن لان ما بقاش عندهم ذرة ثقة فيكى يا ندا ، انا هاخدك الصبح تروحى تشوفيهم وتقعدى معاهم شوية ، وياريت تعقلى بقى لحد كده و كفاية مشاكل
ندا بفضول : هم راجعين كلهم
كريم : تقصدى مين بكلهم
ندل بتردد : اقصد يعنى … فؤادة راجعة معاهم تانى
كريم : ما عنديش فكرة ، بس اكيد لما نروح بكرة هنعرف
اوصل جلال والدته و الصغار ، و اوصى ام ابراهيم بالانتباه جيدا للصغار ، و ذهب الى عطوة ، ليقف على بواطن الامور و الالمام بكل الاحداث التى حدثت اثناء غيابه
و قام بالاطمئنان على عائلة ماجدة ، و ان البيت الذى اختاره لهم عطوة مناسبا لاحتياجاتهم
و عندما عاد الى البيت مرة اخرى ، وجد ان كلا من عارف و حسين متواجدين بالمنزل و رحبوا بعودته سالما
و بعد ان تناولوا طعام العشاء وجلسوا لتناول المشروبات الساخنة قال عارف : انا كلمت عمى سالم و اكدت عليه المعاد بكرة ان شاء الله
جلال : ربنا يتمم لك بكل خير ان شاء الله
حسين : طب هى ليه فؤادة ماجاتش معاك ، و كانت تبقى موجودة معانا بكرة
و عندما اتى حسين على ذكر فؤادة ، رفع جلال وجهه و كأنه يبحث عن وجهها بينهم ، و لكنه عاد لسابق وضعه بخيبة امل
و قصت حسنة على حسين كل ما قاله ادهم اثناء العودة ، و رغبته فى العودة مرة اخرى لمزرعة فؤادة
فقال عارف : الحقيقة فؤادة استولت على قلب الصغير و الكبير
حسنة بابتسامة خبيثة و هى تنظر الى عارف : و الله لولا انك عينك من نهاد ، كنت خطبتهالك و جوزتهالك من وقتها بدل الربطة اللى اتربطتها مع اخوك دى و اللى الله اعلم هترسى على ايه
لينهض جلال ببعض العنف و يتجه الى غرفة مكتبه مغلقا اياها خلفه بشده
لينظر عارف بمكر الى حسنة قائلا : تقصدى ايه بالكلمتين اللى قلتيهم دول يا حاجة
حسنة نظرت الى حسين ثم قالت بابتسامة : ربنا يهديلكم كلكم الحال ، نفسى اتطمن عليكم كلكم قبل ما اموت يا اولاد
حسين و عارف فى آن واحد : بعد الشر عنك يا امى
عارف باصرار : انما برضة ايه علاقة اللى انتى قلتبه بانك تطمنى علينا
حسنة بتنهيدة : مستخسرة البنت تروح من ايد اخوكم ، بنت محترمة و متدينة و قوية و طيبة … قلبها زى اللبن الحليب ، هى دى اللى تنفع تبقى سند لاخوكم
حسين : صدقتى يا امى ، ماشوفتيهاش اما كانوا عاوزين يغرقوا الارض بتاعتها ، رغم اننا كنا كلنا حواليها ، الا انها كانت عاملة زى النمرة الشرسة ، و رغم اصابتها الا انها كانت ماسكة الفاس بايد واحدة و ايدها بايدنا ، لولا جلال اللى اخد منها الفاس ، و رغم ذلك ما وقفتش تتفرج ، لا … بقت من هنا لهنا لحد ما رجعنا يومها ، لو كانت ندا او هدى الله يرحمها مكانها ، كان اقصى حاجة عملوها انهم هيقعدوا يعيطوا
حسنة بتاكيد : و هو ده اللى انا اقصده ، اخوكم محتاج ده ، لو فضلوا سوا هيبقوا هم الاتنين سند لبعض ، فؤادة عاملة ذى جذع الشجرة العفى اللى ما تغلبوش ريح ابدا
حسين : طب و انتى تضمنى ان فؤادة توافق على ده ، دول عاملين زى ناقر و نقير
عارف بابتسامة : تؤ … ساعات النقار بيبقى علامة الوفاق ، مش الاختلاف ابدا ، و بعدين مش عارفة ليه قلبى بيقوللى ان جلال ابتدى يميل لها ، حتى لو بيقاوح قدامنا
حسنة بابتسامة : انا كمان عندى نفس الاحساس ، و يارب احساسى يصدق
حسين بمرح : طول عمرك قلبك دليلك يا امى
اما جلال فبعد ان دخل مكتبه ، اتجه الى النافذة و اشعل سيجارته ، و اخذ يدخنها بتوتر ، فمنذ ان ترك فؤادة و سلوى بمفردهما و هو يشعر بالقلق عليهما ، برغم محادثته لنبيل للاطمئنان عليهما كل ساعة ، و لكنه لم بجرؤ على محادثتها ، فكلما حاول مهاتفتها ، اعاد الهاتف مرة اخرى الى جيب بنطاله مع زفرة حارة من انفاسه ، و لا يعلم السبب ، و لكنه الان تحديدا أخرج هاتفه و ضغط على زر الاتصال ليهاتفها و هو يقاوم بشدة عودة الهاتف الى جيبه مرة الاخرى
و ما كاد ان يستمع الى رنين الهاتف الا و استمع الى صوت فؤادة تقول بهمس مضطرب : اااالوو
و ما ان تمالك جلال نفسه قال : ازيك يا فؤادة
فؤادة : الحمدلله يا استاذ جلال ، ازي حضرتك ، و كلكم ، حمدالله على السلامة
جلال ببعض الاحباط الذى لا يفهم له سبب : الله يسلمك ، انتو عاملين ايه
فؤادة و قد استعادت بعض من اعصابها : احنا الحمدلله بخير ، و سلوى كويسة و مبسوطة ، بس طبعا نامت من بدرى
لينظر جلال الى ساعته فيجدها العاشرة ، فهو لم يشعر بالوقت طيلة اليوم فقال بارتباك : ما تأخذنيش لو كنت اتصلت فى وقت زى ده ، بس انا الحقيقة ما كنتش اعرف الساعة كام بالظبط
فؤادة : الله يكون فى العون ، اكيد اليوم كان طويل عليك ، اقصد يعنى عليكم كلكم
جلال : انا حبيت اعرفك انى اتطمنت على اهل ماجدة ، ابقى طمنيها عليهم ، و لو حبت تكلمهم فى اى وقت ابقى بلغينى ، و انا هبقى اتصرف و اخليهم يكلموها
فؤادة بابتسامة : الله يباركلك و يجعله فى ميزان حسناتك ، انت فكيت عنهم و عن ماجدة كرب كبير اوى
جلال : ماتنسيش انك شريكة معايا
فؤادة : عمر اللى انا عملته ما يتساوى ابدا باللى انت عملته
جلال : يا ستى ربنا يجازينا احنا الاتنين خير ان شاء الله ، بس يا ترى بقى سلوى تعبتك
فؤادة بشرود : سلوى … سلوى دى زى النسمة اللى بتفرح بيها فى ليلة صيف
ليتذكر جلال حديثها لعمها عن سلوى فقال لها : خلاص يا ستى خليها معاكى
فؤادة بلهفة : انت بتتكلم جد ، ممكن فعلا تسمحلها انها تفضل هنا ويايا على طول
جلال ضاحكا : تفتكرى يعنى ان امى ممكن توافق انها تتحرم منها على طول
فؤادة بنبرة حزن : ده انا كنت صدقتك و فرحت اوى
جلال باستنباط لرد فعلها : ما انتى ممكن تخليها معاكى و تقعدوا عندك شوية و عندنا شوية
فؤادة بتمنى : يا ريت
جلال : يعنى انتى موافقة
فؤادة بانتباه : هااا ، يا عالم يا استاذ جلال ، الايام مخبية لنا ايه
جلال بتنهيدة : عموما ، احنا رايحين بكرة ان شاء الله لعمك ، عشان نتكلم فى موضوع عارف و نهاد ، دعواتك بقى
فؤادة بصدق : يارب يجمعهم بالخير و يكتب لهم كل خير
عند نهاد ، كانت نهاد تجلس الى حاسوبها و هى تطالع بعض الاخبار ، و كانت سلمى بجانبها تمسك احد كتبها و هى تقرأ به ، عندما دلفت اليهم والدتهم و هى تقول بابتسامة : ايه يا بنات ، مش هتناموا و اللا ايه
سلمى : انا ماعنديش محاضرات بكرة بدرى فهنام براحتى
ام نهاد : و انتى يا نهاد ، مش عندك مدرسة بكرة بدرى و لازم تنامى و اللا ايه
نهاد دون ان تنظر لوالدتها : مش جايلى نوم يا ماما ، شوية كده
ام نهاد و هى تجلس امامها : طب بما انك بقى مش جايلك نوم ، كنت عاوزة اسألك على حاجة كده
نهاد و هى لازالت تنظر الى شاشة حاسوبها : خير يا ماما … قولى .. انا سامعاكى
لتمتد يد والدتها لتغلق الحاسوب و تقول : ما انا لو هتكلم ، يبقى انتى لازم تركزى معايا عشان اعرف ساسى من راسى
لتنظر لها نهاد بعدم فهم و قالت : ساس ايه و راس ايه ، ما تتكلمى يا ماما على طول
لتقول ام نهاد و هى تركز مع رد فعلها : جايلك عريس
نهاد بعدم اهتمام : اهلا و سهلا يشرف … ها و بعدين
لتنظر سلمى لامها بفضول قائلة : حد نعرفه
ام نهاد بغيظ : الا المعدلة اللى جايلها العريس ما سألتش اصلا و لا اكنها هنا
نهاد بامتعاض : احكى يا ماما ، انتى عارفة انى مابحبش كده ، هاتى الموضوع على بعضة مرة واحدة وبعدين انا هنزل بالكومنت بتاعى فى الاخر
ام نهاد بتنهيدة : عارف اخو جلال جوز فؤادة
سلمى و هى تصفق بيديها : و الله انا استاذة و رئيسة قسم ، من اول مرة شوفته فيها حسيت على طول ان عينه منها
ام نهاد : و اهو طلع محترم و ابن حلال و عاوز يدخل البيت من بابه
سلمى : ساكتة ليه يا نهاد ، ما تقولى رأيك ايه
نهاد : قبل ما اقول رأيى ، تفتكروا بابا ممكن يوافق
ام نهاد : مالكيش دعوة بابوكى ، المهم رايك انتى
نهاد بسخرية : و ده من امتى ان شاء الله ، احنا هنضحك على بعض ، من امتى حد فينا بيتنفذله رغبته فى حاجة .. تقدرى تقولى لى
ام نهاد : يا بنتى ابوكى اتغير كتير الفترة اللى فاتت
نهاد بسخرية : بامارة ايه بقى ان شاء الله
سلمى : لا يا نهاد ، هو حد كان يفكر ان بابا يروح لحد فؤادة لمجرد انه يتطمن عليها ، و كمان يعتبر ان هو اللى صالح محمد و العلاقة بينهم مش بطالة ، و بيتعامل كويس جدا مع عايشة رغم ان كلنا كنا متوقعين انه يرفضها تماما بسبب جوازهم من غير علمه
ام نهاد : ابوكم بعد حكاية ضرب النار على فؤادة و هو فعلا اتغير ، ابوكم كان خايف عليها اوى ، و كان خايف اكتر انها تظن انه ورا اللى حصل لها ، و لما عرف انها نفت عنه التهمة تماما و باصرار قدام النيابة ، حسيت انه اتوجع و ندم على كل اللى عمله معاها ، و ندم اكتر بعد ماعرف ان الهلالى كان بيلعب بيه فى موضوع مزرعة فؤادة
نهاد : برضة يا ماما … انا مش هقول رأيى الا لما اعرف راى بابا فى الاول
ام نهاد : طب ايه قولك بقى ان هو اللى طلب منى اعرف رايك
لترفع نهاد رأسها لتمعن النظر بوجه امها و تقول : بتتكلمى بجد ، و اللا بس عشان تسرسبينى فى الكلام
لتضربها سلمى على راسها قائلة بسخرية : اتلهى ، هو انتى محتاجة حد يسرسبك فى كلمة ، ده انتى الشريط عندك على طول سافف
نهاد بغضب مكبوت و هى توجه حديثها لوالدتها : قولى لبنتك تحترم انى اختها الكبيرة بدل ما اديها كف انزلهالك فى الارض سبع حتت
سلمى بمرح : مقليين و اللا محمرين
نهاد بسماجة : مشويين يا خفيفة عشان الدايت ، تعرفى تسكتى بقى شوية
ام نهاد بضيق : ما تركزى معايا بقى يا بنتى و ادينى عقاد نافع
نهاد بتردد : الصراحة يا ماما هو انسان مهذب و اخلاق ، و كمان دمه خفيف ، و بصراحة اكتر ، انا كمان معجبة بيه ، و لاحظت اعجابه بيا و تركيزه معايا لما جه و احنا عند فؤادة ، بس خايفة
ام نهاد : خايفة من ايه
نهاد لحزن : خايفة بابا يرفضه بسبب قرابته من جوز فؤادة عشان يعنى اتجوزوا من وراه
ام نهاد بابتسامة : اولا الجدع مش قليل ، ده عنده ارض ماشاءالله .. الله اكبر شئ و شويات و كمان بيشتغل فى مدرسة خاصة ، و دخله كويس اوى ، و غير ده كله ، واضح ان ابوكى ميال له و عشان كده قاللى اخد رايك قبل ما يقعد معاه
نهاد بحزن : ياريته كان عمل كده من زمان مع فؤادة
ام نهاد : النصيب غلاب يا بنتى ، و ان شاء الله ربنا يجعلها جوازة الهنا وعقبال ما افرح بيكى يا سلمى
سلمى بابتسامة خجلى : تسلميلى يا ماما
و فى صباح اليوم التالى ، بعد ذهاب حسين و عارف الى اشغالهم ، اتجه جلال هو الاخر الى متابعة اشغاله ، و ترك حسنة بصحبة الصغار و ام ابراهيم ، ليجدوا ندا تأتى اليهم بصحبة كريم ، و ما ان دلفوا من الباب و رآها ادهم ، حتى اسرع الي امه و القى بنفسه فى احضانها ، لتضمه و هى تدور بعينيها فى الارجاء و كأنها تبحث عن شئ ما ، حتى اصطدمت عيناها بعين حسنة التى كانت تنظر لها بلوم و حزن شديدن
ليتقدم كريم من زوجة عمه و يحيبها بود قائلا : ازيك يا مراة عمى اخبارك ايه
حسنة : الحمدلله يا حبيبى ، انت ازيك و ازى زينب و عزت اخبارهم ايه
كريم : بخير الحمدلله ، و بيسلموا عليكم كلكم ، ها … انبسطتوا عند فؤادة
ليقول ادهم بسعادة : انبسطنا اوى يا خالو ، البيت عندها حلو اوى ، انا ماكنتش عاوز اجى
فاستقامت ندا فى وقفتها و اقتربت من حسنة قائلة بجمود : ازيك يا مراة عمى
حسنة : غرقانة فى نعم ربنا علينا ، الحمدلله
لتنظر ندا الى ليلى التى كانت تمسك بيدها بعض حبات التوت التى ارسلتها فؤادة معهم عند عودتهم ، و كانت تاكل بنهم و هى تنظر لامها بابتسامة بريئة رغم انها لم تتحرك من مجلسها ارضا بجوار العابها
لتتقدم منها ندا قائلة باشتياق : لولى حبيبة ماما وحشتينى
لتمد ليلى يدها بحبة توت الى امها و هى تقول : توت مم
لتنحنى عليها ندا و تحملها و تظل تقبلها و هى تقول بسعادة : حبيبة ماما كبرت و بقت تتكلم ، جبتى منين التوت الحلو ده
ليلى : توت … آدة
لتنظر ندا الى ادهم باستفسار فيقول ضاحكا : ده توت من عند طنط فؤادة ، اديتهولنا و احنا جايين لما عرفت اننا بتحبه اوى ، و كمان بعتت معانا كل الفاكهة اللى بنحبها
لينظر كريم الى حسنة بفضول و يقول : هى فؤادة ما رجعتش معاكم
حسنة و هى تنظر لندا : لا … جلال هو اللى هيبقى بين هنا و هناك
اليومين دول ، و بعد كده بقى ، يبقوا يقعدوا مكان ما هم عاوزين
كريم بتردد : افهم من كلام حضرتك انه يعنى … ربنا وفقهم لبعض
حسنة باختصار : عقبال ما نفرح بيك يا حبيبى و ربنا يرزقك ببنت الحلال
لينهض كريم ببعض الحزن و يقول : طب هستأذن انا عشان شغلى ، هعدى عليكى الساعة اتنين يا ندا الاقيكى جاهزة
لتنهض حسنة من مكانها و تقول بلهجة جافة : تقدرى تاخدى ولادك و تقعدوا فى الجنينة برة ، بس انصحك ما تحاوليش تطلعى بيهم برة البيت ، عشان ماتضطريش الغفر يتعاملوا معاكى بطريقة مش هتعجبك ابدا
و تركتها حسنة و اتجهت الى الداخل دون انتظار اى رد منها ، فقالت ندا لادهم : تعالوا ياللا نقعد برة فى الشمس
و بعد جلوسهم بالخارج سألت ندا ولدها قائلة : اومال سلوى فين
ادهم بامتعاض : عمو جلال سابها مع طنط فؤادة
ندا بدهشة : ايه ، و ازاى يسيبها لوحدها معاها
ادهم بتوضيح : اصل سلوى كانت زعلانة اننا راجعين من غير طنط فؤادة فاتحايلت على عمو جلال انها هى اللى تفضل مع طنط هناك و عمو وافق
ندا بغيظ : ليه يعنى ، ايه اللى يخليها تتشعبط فيها اوى كده
ادهم ببراءة : احنا كلنا بنحبها ، و انا كمان طلبت من عمو انى ارجع هناك تانى ، عشان العب مع سلوى
لتنظر له ندا بجمود و هى تضغط على ضروسها و كأنها تطحن شئ صعب المضغ و هى تقول فى سريرتها : يعنى ناوية تاخد الكبار و الصغيرين كمان ، لكن لا … و مين ده اللى هيسمحلها بحاجة زى دى
و فى تمام الثانية كانت ندا تقف امام الباب الخارجى فى انتظار اخيها ، لتجد عارف يهبط من سيارته و هو يحمل العديد من علب الهدايا و عندما رأى ندا قال : ازيك يا بنت عمى
ندا ببعض الجمود : كويسة ، ايه الهدايا دى كلها
عارف : اديكى قلتى …. هدايا
ليأتى عليهم كريم ، فيحيى عارف بترحاب و يقول بمرح : ايه ده كله انت قررت تخطب و اللا ايه
عارف : حاجة زى كده
كريم ببهجة : ايه ده بجد … مبرووك ، حد نعرفه
عارف : ان شاء الله لو ربنا اراد انه يتمم لنا بخير ، اكيد كلكم هتعرفوا
كريم : ماشى ياعمنا ، مبروك مقدما
و اصطحب كريم شقيقته و اتجه الى سيارته و غادرا على الفور ، و اتجه عارف الى الداخل و استقبلته والدته و ام ابراهيم ببهجة عالية ، و بدأوا فى التجهيز لزيارة منزل سالم
و فى المساء اتجه الجميع الى منزل سالم ، جلال و عارف و حسين بصحبة حسنة ، و تركوا الصغار تحت رعاية ام ابراهيم لحين عودتهم
استقبلهم سالم بالترحاب المتحفظ ، و قابلتهم ام نهاد بترحاب حار ، و وجدوا محمد باستقبالهم هو الاخر
و جلسوا جميعا يتجاذبون اطراف الحديث ، حتى قال جلال : يمكن اكون اتشرفت بمعرفة حضرتك متأخر ، لكن انا سعيد جدا انى شرفت بمعرفتك
سالم : الشرف ليا يابنى
جلال : الحقيقة انا اتشرفت بمعرفتك و بنسبك مرة ، و يسعدنى انى اطلب نسبك للمرة التانية ، حضرتك طبعا اتعرفت على عارف اخويا و ظروفه و ظروف شغله ، و يشرفنا انك توافق انه يكون زوج للانسة نهاد ، يصونها و يحفظها و يراعى فيها ربنا ، و تبقى اخت لينا انا و حسين
حسنة بتاكيد : و بنت ليا طبعا
ليعجب سالم بلباقة جلال فى الحديث فيقول : الحقيقة انا كمان يا ابنى يشرفنى نسبكم و انتم من خيرة الناس ، و انا عن نفسى ما عنديش اى مانع ، بس طبعا لازم اعرف رأى البنت فى الاول
ليقف محمد و يقول : بعد اذنك يا بابا انا هندهلها
سالم : ماشى يا دكتور ، اندهلها
كانت نهاد تقف خلف باب غرفة الصالون ، تستمع بانتباه الى كل كلمة ، حتى تفاجئت بمحمد وهو يفتح الباب فابتعدت بسرعة عن الانظار و اغلق محمد الباب سريعا ، و قال و هو يكبت ضحكاته : هو انتى مش هتبطلى تلمعى اوكر ابدا
كانت عايشة و سلمى يجلسون بالقرب من نهاد فقالت عايشة بوجع : و الله حكيت معها كتير ماسمعت منى كلمة
فانتبه محمد على وجع عايشة فقال لها بفضول : انتى تعبانة
عايشة : ماتقلق حبيبى ، لسه شوى
محمد : لو الوجع زاد اوعى تكتمى فى روحك
عايشة : يسلمو … ياللا … خد خايتك و ارجع لهونيك ، و انا و سلمى هنسوى القهوة
محمد بتنهيدة : ماشى
ثم التفت الى نهاد و ضمها تحت جناحه و قبل رأسها و قال : مبروك ياحبيبتى .. ربنا يسعدك ، ياللا بينا
نهاد : هو انا هدخل لهم كده ايد ورا و ايد قدام ، مش هقدملهم حتى العصير
محمد : كان بودى يا حبيبتى ، بس امك الغالية خافت لاتغرقى العريس و امه بالعصير ، فاخدتها من قصيرها و قدمته هى ، و اختك هتجيبلنا القهوة
نهاد بامتعاض : حتى اللحظة اللى ياما حلمت بيها حرمتونى منها
محمد بذهول : انهى لحظة دى
نهاد : انى ادلق العصير على العريس ، و اخد جاكتته انضفهاله
محمد بدهشة : و اشمعنى يعنى ، عاوزة توريله شطارتك فى الغسيل
نهاد : لا طبعا ، كنت عاوزة اشوف محفظته فيها صور لبنات و اللا لا
ليضحك محمد بشدة و يمد يده ليفتح الباب و هو ما زال محتضنا اخته و عند دخولهم قالت نهاد بصوت هادئ و هى تنظر لحسنة : مساء الخير يا طنط
فقامت حسنة من مجلسها و احتضنتها بسعادة قائلة : اهلا بعروستنا الحلوة
و ما ان تركتها حسنة و عادت الى جلستها الا و جلست نهاد بجوارها دون ان تحيى الباقين ، و كان عارف ينظر ارصا و هو يكاد يختنق من كبت ضحكاته ، و لكن ما انقذه كان قول محمد : ايه رأى حضرتك يا بابا لو نسيب العرسان لوحدهم شوية على ما نشرب احنا القهوة برة
ليتجه الجمبع الى الخارج و يتركان عارف و نهاد معا مع ترك الباب مفتوحا
و ما ان جلسوا بالخارج حتى تنحنح جلال و اقترب من محمد الجالس لجواره و قال : كنت عاوز اسألك عن موضوع كده
محمد : تحت امرك
جلال : هى ايه مشكلة فؤادة
محمد بعدم فهم : مشكلة ايه ، مالها فؤادة
جلال : اللى فهمته من كلامك معاها ان موضوع قفشتها فى هدومها و هى بتتكلم دى ليها سبب ، و انا عاوز اعرف السبب ده
رواية فؤادة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ميمي عوالي
جلال: اللى فهمته من كلامك معاها إن موضوع قفشتها في هدومها وهي بتتكلم دي ليها سبب، وأنا عاوز أعرف السبب ده.
محمد: الحقيقة يا جوز أختي، أنا كنت عاوز برضو أتكلم معاك في الحكاية دي.
لقد كان لجوز أختي وقع خاص على قلب جلال، فقد أحس بالانتشاء من تلك العبارة القصيرة، فالتفت إلى محمد يوليه كامل انتباهه باهتمام شديد قائلاً:
جلال: وأنا سامعك، اتكلم.
محمد: الحقيقة الموضوع مش مجرد كلمتين يتقالوا في خمس دقايق، إحنا محتاجين قاعدة طويلة مع بعض، عشان نحاول نلاقي حل سوا في الموضوع ده، لأني حاسس إنه اتطور عن وقت ما سافرت.
جلال بلهفة: تحب نقعد مع بعض إمتى؟ شوف الوقت اللي يناسبك، وأنا تحت أمرك.
محمد بمرح: عفواً يا جوز أختي، ده إحنا كلنا اللي تحت أمرك.
أما بالداخل، فكانت نهاد تجدل أصابعها بأصابعها تارة، وتنفضهم تارة، وتصفق بخفة وتوتر تارة أخرى، وهي تنظر للأرض.
وكان عارف يراقبها بتسلية وحب شديدين في صمت شديد، ولكنه عندما وجد أن الوقت يكاد يسرقهم تنحنح قائلاً:
عارف: هي السجادة فعلاً شيك وشكلها حلو، بس ما أعتقدش إنها أحلى مني للدرجة دي.
لترفع نهاد عينيها وتنظر إليه بتوتر، جعل عارف يشفق عليها، فقال مرة أخرى:
عارف: المفروض إننا اتكلمنا مع بعض قبل كده كذا مرة يا نهاد، وفي كذا مناسبة، يعني مش لسه هنتعرف على بعض من أول وجديد، وأكيد إنتي عرفتي طبعاً أنا جاي هنا النهاردة ليه.
لتخفض نهاد عينيها مرة أخرى، بينما يقول عارف بمكر:
عارف: أنا طلبت من والدك إنه يسمح لي أركب معاكي خيل.
لترفع نهاد وجهها سريعاً وتنظر إليه بعدم فهم قائلة:
نهاد: خيل إيه؟
عارف وهو يتصنع الجدية:
عارف: أصلي عرفت إنك بتخافي تركبي خيل لوحدك، والحقيقة فكرة إنك تركبي خيل مع حد على نفس الحصان في حد ذاتها دي فكرة كده تحسيها تجنن، ففكرت إني أركب معاكي عشان ما تخافيش.
نهاد: وهو أنا لما أحب أركب خيل هركب معاك أو مع أي حد كده.. لا طبعاً.
عارف وهو يرسم ملامح الحزن والإحراج على وجهه:
عارف: يعني بترفضى؟ ده أنا كنت همسكك كويس والله عشان ما تقعي.
نهاد بحدة: إنت عبيط.
عارف وهو يضحك بشدة:
عارف: لا.. بستعبط، خلاص يا ستي ما تزعليش، وافقي إنك تتجوزيني، وأهو لما هتركبي معايا مش هبقى أي حد.
لتبتسم نهاد بمشاغبة وتقول:
نهاد: وتخليني أمسك اللجام واحنا راكبين؟
عارف بمرح: اللجام وصاحب اللجام تحت أمرك.
لتهض نهاد قائلة بخبث:
نهاد: هفكر.
وتركته وذهبت مسرعة إلى الخارج، ولم تعطِ أحد فرصة للتحدث معها، فقد اتجهت إلى غرفتها رأساً، وأغلقت الباب خلفها فوراً.
وعندما عاد الجميع إلى عارف بالداخل، وجدوه يجلس مبتسماً بسعادة، فطلب جلال من سالم قراءة الفاتحة وتحديد موعد للزواج.
فقاموا باستدعاء نهاد من غرفتها مرة أخرى وقاموا بقراءة الفاتحة، وصدعت الزغاريد من سلمى وحسنة وأم نهاد.
وفي وسط الزغاريد كانت هناك صرخة عالية تصدر من عائشة وهي تحاول الحفاظ على انتظام أنفاسها وتستنجد بمحمد قائلة بارتعاش:
عائشة: غيتني محمد.. بولد.
محمد برهبة: ما أنا قلتلك من بدري وإنتي فضلتِ تقاوحى.
عائشة: غيتني ها الحين.. بسرعة.
ليسارع عارف إلى الباب قائلاً:
عارف: هاتها بسرعة يا محمد على ما أدور العربية.
حسين وهو يسرع معه: وديها على المستشفى عندي يا عارف، وأنا هبقى هناك قبلك في استقبالك.
ليتجه الجميع إلى المشفى في سرعة كبيرة وسط صرخات عائشة المتألمة، وكانت تتعرق بشدة رغم برودة الجو، وكان محمد يحتضنها ويواسيها ببعض الكلمات.
عارف: خلاص يا مدام عائشة، إحنا اعتبرنا وصلنا، خلاص دقيقة واحدة وهتبقي جوة المستشفى وإن شاء الله تقومي بالسلامة.
وبالفعل، قبل أن تمر الدقيقة كانوا قد وصلوا بالفعل أمام باب الحالات الطارئة، وكان يوجد هناك من استقبلهم بالفعل مع حسين كما وعدهم، وأوصل عائشة مباشرة إلى الطبيب المختص، والذي حولها على الفور إلى غرفة العمليات.
كان الجميع ينتظر أمام غرفة العمليات بترقب، وهناك من يحفز محمد على الصبر والجلد، ومن يدعو لعائشة، ومن يقرأ القرآن.
ولكن كان هناك أيضاً جلال، الذي تذكر على الفور يوم ولادة ابنته وموت حبيبته، فقد كان المشهد مقارباً مع اختلاف الأشخاص، عندما رفض أن يسعفه أحد قبل الاطمئنان على حبيبته، ولكن القدر لم يمهله لفعل ذلك.
ولكن تذكره هذه المرة للمشهد لم يكن بنفس درجة الألم ككل مرة، كان متألماً وبشدة، ولكن ألمه هذه المرة لم يكن مميتاً ككل مرة سبقت تلك المرة.
ولاول مرة كان هو من يبادر بالخروج من تلك الذكرى، فاخرج هاتفه وقام بمهاتفتها.
مهاتفة فؤادة.
فؤادة: السلام عليكم.
جلال: وعليكم السلام.. إزيك؟
فؤادة: إحنا كلنا بخير الحمد لله.. طمنني عملتوا إيه، عمي وافق؟
جلال بتنهيدة عميقة: أيوه.. الحمد لله، وقرينا الفاتحة كمان.
فؤادة بارتياح: مبروك، مبروك ربنا يتمم لهم بكل خير.
جلال وبقايا الحزن تغلف صوته: يا رب.
فؤادة بتردد: مال صوتك، حصل حاجة؟
جلال بابتسامة سخرية: أبداً، بس إحنا في المستشفى.
فؤادة برهبة وصوت مرتعش: ليه؟ إيه اللي حصل، طمنني يا جلال أرجوك.
ليبتسم جلال على مخاطبته باسمه مجرداً من أي ألقاب ويقول:
جلال: ما تقلقيش، بس عائشة مرات محمد بتولد.
ليستمع جلال إلى زفرة ارتياح حارة تصدر من صدر فؤادة، فيقول مداعباً:
جلال: ما يبقاش قلبك خفيف وتتخضي أوي بالشكل كده.
فؤادة وما زال الارتعاش يغلف صوتها: ربنا يقومها له بالسلامة هي واللي في بطنها، وما يحرمهمش منها أبداً.
ليسود الصمت برهة، فتقول فؤادة بفضول:
فؤادة: تحب تكلم سلوى؟
لينتبه جلال أنه لم يحادث سلوى منذ تركها، فقال:
جلال: هي لسه صاحية؟
فؤادة: الحقيقة كانت نايمة بس صحيت على صوتنا وإحنا بنتكلم، هي معاك أهي، كلمها عشان تطمنها أحسن شكلها كده اتخضت من صوتي.
ليسمعها جلال وهي تقبل سلوى بمرح قائلة:
فؤادة: حقك عليا يا لولو، ده بابا يا حبيبتي، خدي كلميه أحسن إنتي وحشتيه أوي.
سلوى بنعاس: بابي.
جلال: إزيك يا لولو؟
سلوى ضاحكة: إنت هتقول لي لولو زي ماما؟
جلال بانتباه: ماما!!
سلوى: ما أنا اتفقت مع طنط فؤادة إني أقول لها يا ماما.
جلال بارتباك: والاتفاق ده كان إمتى؟
سلوى: النهاردة الصبح، وهي بتعمل لي شعري ضفاير اللي بحبها، هو إنت هتيجي إمتى؟
جلال بانتباه: عاوزة ترجعي عند تيتا؟
سلوى بلهفة: أنا عاوزة أفضل مع ماما.
جلال بقليل من العتاب: يعني مش عاوزة تيجي عند بابا وتيتا خالص؟
سلوى: لا عاوزة، بس ماما تيجي معايا.
جلال بحنان: عموماً نبقى نشوف الحكاية دي بعدين، المهم ما تتعبيش طنط معاكي.
سلوى: ماما.. اسمها ماما يا بابا.
جلال بابتسامة: ماشي يا ستي، ما تتعبيش.. ماما معاكي.
وكان جلال يستمع إلى سلوى وهي تتثائب مرة بعد الأخرى أثناء حديثهما معاً، فأشفق عليها وقال:
جلال: يلا يا حبيبتي، كملي نومك.
سلوى: طب هو إنت مش هتيجي هنا تاني؟
جلال: هاجي يا حبيبتي.. إن شاء الله هاجي.
لتلتقط فؤادة الهاتف من سلوى لتجد أن جلال ما زال على الخط، فتقول:
فؤادة: ما فيش جديد عن عائشة، لسه ما ولدتش؟
جلال وهو ينظر من على بعد إلى التجمع أمام غرفة العمليات: لسه، ما حدش خرج قال أي حاجة لحد دلوقتي.
فؤادة بحرج: ممكن من فضلك تبقى تطمني، أنا هفضل صاحية لحد ما أطمن عليها.
جلال وهو يومئ برأسه وكأنها تراه: إن شاء الله حاضر، أول ما تخرج بالسلامة هكلمك على طول.
فؤادة: متشكرة.. مع السلامة.
ليقول جلال بلهفة وهو يحاول اللحاق بها قبل أن تغلق الخط:
جلال: فؤادة.
فؤادة: أيوه يا أستاذ جلال.
جلال: وأنا جايلكم إن شاء الله، هجيب معايا الدكتور بتاع العلاج الطبيعي، عشان يبص على دراعك ويطمنك.
فؤادة بلهفة: هو إنت جاي؟
جلال: أيوه.. هظبط بس كام حاجة كده وهجيلكم على طول.
ليرى جلال أثناء حديثهم من على بعد إحدى طاقم التمريض تخرج من غرفة العمليات وهي تحتضن مولوداً صغيراً، وقد تجمع حولها كل الوجود بسعادة، فيقول جلال بابتسامة:
جلال: واضح إن عائشة ولدت خلاص الحمد لله.. روحي نامي بقى وهكلمك الصبح إن شاء الله. تصبحي على خير.
فؤادة: وحضرتك من أهله.
كان جلال يشعر بالارتياح لمهاتفة فؤادة، ولكن كلما سمعها وهي تحيط اسمه بالألقاب يشعر بإحباط دفين لا يستطيع فهم أسبابه.
أما فؤادة، فبعد أن أغلقت الهاتف تركته في يدها وهي تنظر للهاتف بإمعان، وكأنها تتخيل به وجه جلال، والهواجس تكاد تطل من رأسها لتقتلها.
وكان هاجسها الأكبر أن زيارة جلال القادمة قد تكون لاصطحاب ابنته والعودة بها وللأبد إلى منزله، لتبيت ليلتها أشد تشبثاً بنفسها، ووجهها تغسله دموع الترقب والرهبة.
في غرفة عائشة كان يلتف حولها زوجها وأسرته بعد أن استأذن جلال وأمه في الانصراف، بينما بقى حسين لاستدعائه لكشف على إحدى الحالات، بينما عارف.. فقد بقى مع أسرة خطيبته، فلربما قد يحتاجون إلى أي شيء يستطيع القيام به، وظل جالساً بالخارج في الانتظار.
أما بالداخل، فكان محمد سعيداً للغاية، فقد رزقه الله بطفلة جميلة.. رقيقة الملامح والمحيا، سعد بها الجميع، خاصة سالم الذي جلس على أحد المقاعد وهو يحتويها بين ذراعيه وينظر إليها بحنان بالغ جعل عينا زوجته اغرورقت بالدموع وقالت بحنان:
سلمى: تعيش وتتربى في عزك وعز أبوها، وتعيش وتجوزها يا سالم.
ليبتسم سالم ويقرب الصغيرة من وجهه وهو يتأملها جلياً ويقول:
سالم: ربنا يحفظها ويبارك فيها.
ثم نظر إلى عائشة وقال:
سالم: حمد لله على سلامتك يا بنتي.
عائشة بارهاق: تسلم لي يا عمو.
سلمى: وهتسموها إيه؟
محمد وهو ينظر إلى أبيه بحب: بابا يسميها.
سالم بدهشة: أنا، إزاي، أمها تسميها.
عائشة: إنت مقدارك وقيمتك على راسي يا عمو.
نهاد بلهفة ومحايلة: أنا عاوزة أنا اللي اسميها.
محمد بمرح: ويا ترى هتسميها على اسم أنهي أكلة؟ ما إنتي على طول يا جعانة يا بتاكلي.
نهاد: عشان خاطري يا محمد اسميها أنا.
أم نهاد: وعاوزة تسميها إيه بقى يا ست نهاد؟
نهاد: عاوزة أسميها زهرة، بالذمة مش اسم حلو؟
سالم بابتسامة: والله فعلاً اسم حلو، بس برضو لازم يعجب أمها الأول.
عائشة بابتسامة مرهقة: والله حلو يا نهاد، خلاص تبقى زهرة.
محمد بابتسامة مرحة: أخيراً الواحد خد منك حاجة عدلة.
نهاد بسماجة: يا عم اجري كده، هو حد فيكم يعرف يعمل حاجة من غيري.
سلمى بفرحة: مبروك يا أم زهرة.
أم نهاد موجهة حديثها لعائشة: بس يا بنتي طالما إنك تعبانة من بدري ليه ما قلتيش إلا على الآخر كده؟
عائشة: بالله يا ماما، ما حبيت أعمل طق حنك على الفاضي، وكان بودي نخلص فرحة نهاد الأول.
نهاد بمرح: تخلصي فرحتي، ولا كان عينك من الجاتوه يا طفسة وكنتي عاوزة تاكلي الأول قبل ما تولدي.
ومن وسط ضحكاتهم تشهق أم نهاد وتقول:
أم نهاد: يا خبر، ده إحنا قاعدين هنا كلنا وسايبين عارف لوحده بره، اخرج يا نهاد اقعدي معاه، ما يصحش يا بنتي، الجدع يقول علينا إيه.
لتنظر نهاد إلى والدها بفضول، لترى رد فعله، فيقول لها:
سالم: اخرجي اقعدي معاه واحنا شوية وهنمشي كلنا عشان نسيب عائشة تستريح شوية.
لتخرج نهاد من الغرفة مغلقة الباب خلفها، لتجد عارف واقفاً في استقبالها بابتسامة جميلة قائلاً:
عارف: ها.. إيه الأخبار، كله تمام؟
نهاد وهي يومئ برأسها علامة إيجاب: الحمد لله، وبابا قال إننا شوية وهنمشي، بس إنت مزنب نفسك معانا ليه، كنت روحت مع جلال وطنط؟
عارف بمشاكسة: أمشي يعني، مش عاوزاني معاكم؟
نهاد بخجل: أنا ما قلتش كده، أنا قصدي عشان ما تتعبش.
عارف بغزل: لو فضلت معاكي العمر كله عمري ما أتعب أبداً.
وعندما لاحظ تورد وجهها خجلاً قال:
عارف: مش هتقعدي؟ اقعدي معايا شوية على ما يستعدوا ويخرجوا.
لتجلس نهاد بجانبه في صمت شديد وهي تنظر أرضاً كعادتها معه، فيقول عارف:
عارف: ها سميتوا المولودة إيه؟
نهاد بفرحة وهي تصفق بيديها كالصغار: سميناها زهرة، وأنا اللي اخترت لها اسمها.
عارف: عاشت الأسماء، عقبال ما تنوري بيتي وتبقي زهرة دنيتي كله.
لتعود نهاد سريعاً بنظرها أرضاً، فيقول عارف بدعابة:
عارف: طب في بيتكم قلت السجادة عجباكي، لكن هنا مافيش غير السيراميك، يا ستي اعتبريني أنا كمان حتة موكيت وبصيلي شوية.
لتبتسم نهاد بشدة وهي تقاوم ضحكاتها، وما أن رفعت عينيها إلى عينيه حتى قال لها:
عارف: تعرفي إني حبيتك من أول مرة شفتك فيها.
وقبل أن تعيد نظراتها إلى الأسفل، مد عارف أصابعه ليمنعها عن الإفلات بنظراتها منه وأكمل قائلاً:
عارف: يومها لما روحت البيت وحكيت لهم على اللي حصل، كلهم عرفوا على طول إني أخيراً لقيت اللي خطفت قلبي.
وعندما لم يجد منها رداً أكمل قائلاً:
عارف: أنا بحبك أوي يا نهاد، حصل إمتى وإزاي بالسرعة دي.. ما أعرفش، لكن كل أمنيتي إني أقدر أسعدك وأحافظ عليكي، زي ما بتمنى إنك تبادليني نفس مشاعري ناحيتك.
وفي تلك اللحظة، فتحت سلمى الباب وكان والداها خلفها استعداداً للرحيل، فنهض عارف ونهاد على الفور وقال عارف موجهاً حديثه لسالم:
عارف: حضرتك مش محتاج مني أي خدمة يا عمي؟
سالم بامتنان: تسلم يا ابني، عقبال ما أفرح بيك إنت ونهاد إن شاء الله.
لينظر عارف إلى نهاد بابتسامة حالمة، إلا أن سلمى سحبت نهاد من يدها واتجهت بها إلى الخارج وهي تقول:
سلمى: هنسابق إحنا على العربية يا بابا.
سالم وهو يربت على كتف عارف: إحنا تعبناك معانا النهاردة وسهرتنا معانا.
عارف: تعب إيه يا عمي، إحنا خلاص بقينا أهل، ومحمد بقى أخويا ومراته مرأة أخويا.
أم نهاد بحب: من يوم ما عرفتكم يا بني وأنا بقول عليكم ولاد أصول، ربنا يحفظكم يا رب.
سلمى بمرح وهي تسحب نهاد للخارج: الحب ولع في الدرة يا جدعان.. هييح، عقبال كده أما ألاقي حد يتطس في معاميعي ويحبني.
نهاد بغيظ: إلهي يطسك عجلات عمي يا شيخة، لازم تسحبيني كده من غير حتى ما تديني فرصة أسلم عليه قبل ما نمشي.
سلمى: الحق عليا إني لحقتك قبل ما أبوكي ياخد باله وهو بيكشف على سنانك.
نهاد بعدم فهم: سنان إيه اللي كان بيكشف عليها يا زفتة إنتي؟
سلمى وهي تلاعب حاجبيها بخبث: أومال كان ماسكك من دقنك ليه يا حيلتها، كان بيقيسلك النظر؟
لتخبطها نهاد بحنق على رأسها من الخلف وهي تقول:
نهاد: لا يا خفيفة، كان بيقرالي البخت، وقال لي إني هتسحب بلوة من قدامه.
انصرف الجميع وبقي محمد بصحبة زوجته وصغيرته، وهو قائم على رعاية زوجته رعاية كاملة، وقد بات حسين ليلته بالمشفى، باستراحة الأطباء بعد أن أبلغ محمد ببقائه بالقرب، حال احتاج لأي مساعدة من أي نوع، وقد شكره محمد بشدة على ذلك.
وفي اليوم التالي ذهب جلال إلى المشفى للاطمئنان على محمد وزوجته، واصطحب معه هدية ذهبية قيمة باسمه واسم فؤادة كما اقترحت عليه حسنة، بأنه من المستحسن أن يقدم هديته باسمه وزوجته ويهاتف فؤادة من المشفى لتقوم بتهنئة أخيها.
وعندما هاتف جلال فؤادة قال لها:
جلال: إزيك يا حبيبتي عاملة إيه؟
لتذهل فؤادة من سماعها لتلك الكلمة منه دون أي مقدمات، ولم تستطع الرد عليه ببنت شفة، ولكنها استوعبت الموقف عندما أكمل قائلاً:
جلال: أنا عند محمد ومدام عائشة، وقلت أتصل بيكي عشان تباركيلهم بنفسك، محمد معاكي أهو، وأعطى الهاتف لمحمد دون أن ينتظر منها أي رد.
محمد: حبيبة أخوكي، ليه كلفتوا نفسكم كده، إحنا المفروض مافيش بينا وبين بعض الكلام ده.
فؤادة بعدم فهم: كلفت نفسنا في إيه؟
محمد بامتنان: السلسلة الحلوة اللي جبتوها لزهرة، يسلم ذوقك وذوق جوزك الحقيقة.
لتفهم فؤادة ما حدث على الفور وتقول:
فؤادة: مبروك ما جا لك يا أبو زهرة، عقبال ما تخلفوها إن شاء الله.
محمد وهو ينظر لجلال بابتسامة: ونفرح بيكي يا حبيبتي على القريب إن شاء الله.
وقامت فؤادة بمحادثة عائشة وتهنئتها على السلامة، وعلى مولودتها الجميلة، ووعدتها بزيارة قريبة.
وبعدها امتدت يد عائشة بالهاتف ليلتقطه جلال مرة أخرى قائلاً بهدوء:
جلال: أيوه يا حبيبتي، إنتو بخير.. مش محتاجين حاجة؟
فؤادة بلجلجة شديدة أثرت على نبرة صوتها بوضوح: أنا متشكرة جداً لحضرتك، مش عارفة أرد جمايلك عليا إزاي.
جلال بابتسامة: عموماً أنا إن شاء الله مش هتأخر عليكم، ولو احتاجتوا حاجة كلميني على طول.
وعندما أنهى جلال المكالمة، ارتمت فؤادة جالسة في موضعها، وهي تحدث نفسها قائلة:
فؤادة: لو تعرف كلمة حبيبتي اللي إنت قلتها لي تمثيل دي، قد إيه بتمنى أسمعها منك بس تكون قاصدها بجد وإنت بتقولها لي.
لتدخل عليها سلوى لتجدها في تلك الحالة، فقالت باستغراب:
سلوى: مالك يا ماما، إنتي في حاجة بتوجعك؟
فؤادة بابتسامة وهي تحتضنها بحب: أبداً يا لولو، ده أنا بس مبسوطة عشان عمو محمد وطنط عائشة ج لهم بيبي صغننة زي القمر زيك كده.
سلوى: هنروح نلعب معاها؟
فؤادة: أكيد يا حبيبتي إن شاء الله.. أكيد.
أما جلال، فعندما أراد الاستئذان من محمد بالانصراف، كانت عائشة على وشك الذهاب في النوم، فأخذه محمد إلى الخارج، وبعد أن جلسا معاً في الاستراحة قال:
محمد: أنا عاوز أديك نبذة عن موضوع فؤادة، لأني عارف إني هبقى مشغول بعائشة وزهرة الفترة اللي جاية.
جلال بفضول: يا ريت.. لو ما كنتش هتعطلك.
محمد: فؤادة طول عمرها كان عمي الله يرحمه في ضهرها، وكان دايماً بيشجعها إنها تبقى قوية وما تخافش من حد وما تسيبش حقها أبداً ولو حتى كان مع مين، لأنه كان عارف هي قد إيه قلبها رقيق.
وفعلاً، ما كانتش بتسيب حقها أبداً، لكن كانت بتحس بقوة فوق قوتها إن عمي على طول في ضهرها بيشدها وبيدعمها في كل موقف بتاخده، عمره ما خذلها أبداً.
لكن زي ما كان بيعلمها ما تسيبش حقها، كان بيعلمها تحترم الكبير وصلة الرحم، وعشان كده برغم كل اللي حصل من بابا، فؤادة عمرها ما وقفت قدامه ولا عارضته بقوة زي ما كانت دايماً بتعمل مع أي حد.
لما عمي مات، بابا صمم إنها تيجي معانا تعيش هنا، وأجبرها تسيب إسكندرية والمزرعة، وهي عشان كانت شايلة جميل أمي وإخواتي وما قدرتش تنكر أبداً يوم واحد إن بابا كان له مواقف كتير حلوة معاها، ولأنها كانت عارفة إن ما عدلهاش أي حد في الدنيا غير بابا.. ما قدرتش تعارضه.
لكن ابتدت تحس بالضعف، حست إن العمود المتين اللي كانت مسنودة عليه راح، ومع الوقت ابتدت حركة إيدها دي لما تكون بتتكلم وهي بتدافع عن حاجة شايفة إنها من حقها، تحسها بتدور على حاجة تتشبث بيها تساعدها إنها تتقوى بيها زي زمان.
كون إن بابا عمها، وما هواش أي حد غريب عنها، خلاها تحس بعجز كبير، والمرة الوحيدة اللي واجهته فيها، كان مصيرها الحبس في البيت على حسب ما نهاد وسلمى ما كانوا بيحكوا لي.
حاولت أتكلم معاها وأعالجها من المتلازمة دي، لكن خلافاتي المستمرة مع بابا، واللي كلها تقريباً كانت بسبب تعامله معاها، سبت البيت والبلد كلها، واللي فؤادة اعتبرته وقتها إني هربت وسيبتها لوحدها.
عرفت من نهاد إن كل ما الوقت بيعدي كل ما الحالة بتبقى أوضح، لكن اللي أنا مستغربله إني لما رجعت كنت حاسس إنها شبه بقت طبيعية، لحد قبل ما نسيبكم بيومين بس، لقيتها زي ما يكون حصل لها انتكاسة، وده مالوش غير تفسير واحد وعاوزك تساعدني في إني أعرف تفسيري ده صح ولا غلط.
جلال بفضول: وإيه هو التفسير ده؟
محمد وهو ينظر لجلال بتركيز شديد: إن فؤادة لقت حماية بديلة زي حماية عمي الله يرحمه، بس ممكن تكون راحت منها تاني مثلاً، أو حست إنها هتروح منها.. مش عارف بالظبط.
لكن اللي أنا متأكد منه إن فؤادة مخبية عني حاجة، وحاجة مهمة أو كبيرة، مش عارف.. إنت إيه رأيك، إنت قضيت مع فؤادة فترة مش قليلة، هل حكتلك حاجة، أو لاحظت حاجة من اللي أنا قلتها دي؟
ليشرد جلال قليلاً وهو يفكر في كل ما قصه عليه محمد، وهو يتمنى من داخله أن يكون تخمينه صحيحاً، فلو كان تفسير محمد حقيقياً لأصبح هو نفسه الحماية البديلة التي وجدتها فؤادة.
ولكن لو كان ذلك حقيقة، فلما تشعر بضياع تلك الحماية، فهو لم يتخلى عنها لحظة واحدة، وعندما طال شرود جلال قال محمد:
محمد: رحت فين؟
جلال بانتباه: أبداً.. بفكر في كلامك.
محمد: ويا ترى وصلت لحاجة؟
جلال وهو يُمعن النظر بعيني محمد: الأول عاوز أسألك سؤال، وترد عليا بصراحة وبصدق وأمانة.
محمد ضاحكاً: كل ده؟ إيه يا عم حيلك عليا، إنت هتقولي سر حربي ولا إيه؟
جلال بجدية: هو فعلاً حاجة زي كده.
محمد: اسأل يا سيدي.
جلال: لو قلت لك إن فيه سر في حياتي أنا وفؤادة، وممكن يكون السر ده هو اللي ورا حالتها دي في الفترة الأخيرة، هتصون السر اللي هحكيهولك؟
محمد بانتباه: أكيد يا جلال، بغض النظر إن فؤادة تبقى أختي، لكن كمان مريضة محتاجة علاج وأي كلمة هعرفها تعتبر سر مهني ممنوع إني أبوح بيه لأي مخلوق.
جلال: أنا هحكيلك على كل حاجة من لحظة ما شفت فؤادة أول مرة لحد دلوقتي.
وبدأ جلال في قص كل ما حدث منذ رآها أول مرة وهي تحتمي من الأمطار تحت شجرة البرتقال، حتى تلك اللحظة.
كان محمد يستمع إليه في ذهول شديد حتى انتهى جلال من حديثه فقال محمد:
محمد: يعني لحد دلوقتي جوازكم ده تمثيلية؟
جلال: أيوه، واللي مدينا عمرها على ما نتطمن على جواز أخويا وأختك، خوف من إن باباك يقف قدامهم لو عرف الحقيقة دلوقتي.
محمد بفضول: وإنت؟
جلال: أنا إيه؟
محمد: مشاعرك ما اتحركتش ناحيتها في أي لحظة؟
جلال بصدق: مش عارف، وحاسس إني خايف أعرف، ولما اتكلمت معاك بصراحة.. اتمنيت إنك تقدر تساعدني إني كمان أعرف اللي جوايا.
رواية فؤادة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ميمي عوالي
محمد: مشاعرك ما اتحركتش ناحيتها في أي لحظة؟
جلال بصدق: مش عارف، وحاسس إني خايف أعرف. ولما اتكلمت معاك بصراحة، اتمنيت إنك تقدر تساعدني إني كمان أعرف اللي جوايا.
محمد: طب ما تحكيلي على اللي جواك وملخبطك بالشكل ده، لدرجة إنك مش عارف إيه اللي جواك.
جلال وهو ينظر إلى اللاشيء: أنا كنت وما زلت بحب مراتي الله يرحمها جداً، لدرجة مش سهلة أبداً إن أي حد يتصورها. كانت بنت عمي، وكنا بنحب بعض من صغرنا، رغم إن برضو كان فيه فرق في السن بيننا وبين بعض. كانت زي النسمة الشاردة اللي تلمس القلب ترطبه. كانت هادية ورقيقة، كانت أكتر حاجة ترعبها إنها تعرف إن حد زعلان منها، حتى لو هي اللي كانت عندها الحق. لكن كان عندها مقدرة كبيرة على التسامح والعفو.
برغم إنها الله يرحمها كان طول عمرها عندها نفس المتلازمة بتاعة فؤادة دي من صغرها، لكن عمري ما فكرت إنها ممكن تكون أزمة نفسية. كل اللي جه في بالي واللي كان تفسيري الوحيد لده، إنها كانت خجولة جداً زيادة عن اللزوم ومسالمة لأقصى درجة، فكانت إيدها دايماً تتشبث في هدومها من كتر الخجل.
محمد بتردد: أو يمكن ضعف شخصية، وده اللي كان بيخليها تتنازل عن حقوقها لمجرد خوفها إن حد يزعل منها.
جلال باعتراض: هي لما تحب ترضي اللي حواليها تبقى شخصيتها ضعيفة؟
محمد: طب ما فؤادة برضو بترضي كل اللي حواليها وبمنتهى الحب، لكن عمرها ما تنازلت عن أي حق من حقوقها.
جلال بخضوع: أنا عارف إن هدى الله يرحمها كانت شخصيتها أهدى وأضعف بكتير من فؤادة. وعشان كده استغربت إن المتلازمة دي تحصل مع فؤادة لما لاحظت قوتها الداخلية وشدتها في عدم تنازلها عن أي حق من حقوقها. فؤادة عكس هدى تماماً في كل شيء. ساعات بحس إنها عاملة زي الشجرة العفية اللي واقفة قصاد الريح تتحداها إنها تغلبها أو حتى تاخد غصن واحد من غصونها، رغم إنها أوقات كتير كانت بتعمل كده رغم علمها الكامل إن ضهرها للحائط وإن ماحدش معاها ممكن يسندها أو يقويها.
محمد: ويمكن عشان كده بتتشبث في نفسها، أو بمعنى تاني بتقوي روحها بروحها.
جلال: مش هنكر إن قوتها أبهرتني وخدتني، لكن في نفس الوقت خفت. خفت يا محمد.
محمد بفضول: وإيه اللي خوفك؟
جلال بتيه: مش عارف.
محمد: لكن على الأقل عندك أول الخيط.
لينظر جلال إلى محمد بشرود ويقول: يمكن عشان شكلها قوي.
محمد بفضول: شكل مين؟
جلال: هدى، مراتي الله يرحمها.
محمد: وإيه اللي يخوفك في ده؟
جلال: يمكن خايف تاخد مكانها في قلبي.
محمد: طب مش يمكن خايف من حد تاني؟
جلال باستغراب: حد زي مين؟
محمد بتخمين: عمك... أخواتها... سلوى.
جلال بنفي: لا لا لأ، سلوى لأ، دول روحهم في بعض.
محمد: يمكن خايف على زعل عمك مثلاً.
جلال بتنهيدة عميقة: مش عارف... صدقني مش عارف.
محمد وهو ينظر إليه بتركيز شديد: يمكن خايف منها هي.
جلال بفضول: من فؤادة؟ طب هخاف منها ليه؟
محمد: يعني، ممكن تفكر إنك عاوزها عشان شبه مراتك اللي ماتت مش عشانها هي.
وعندما لم يجد محمد رداً من جلال أكمل حديثه قائلاً: أو خايف مثلاً إنها ترفضك، أو إنها ما تحبكش زي ما بتحبها.
جلال بانتباه: هو أنا بحبها؟
محمد بابتسامة: معرفش، أنت بس اللي تعرف ده يا جلال.
جلال: ما أنا قلت لك إني محتاج لك تساعدني، على الأقل بصفتك دكتور نفسي.
محمد: مهما كانت شطارة الدكتور، إلا إنه عمره ما يقدر يعالج مريض مش قادر إنه يبقى صريح مع نفسه.
جلال: بس أنا قلت لك كل حاجة.
محمد: لازم تعرف الأول إن كنت بتحبها وعاوزها ولا لأ.
جلال: طب وأنا هعرف إزاي؟
محمد بابتسامة: ركز مع نفسك واعرف إن كانت بتوحشك... بتفكر فيها... شغلاك... بتغير عليها مثلاً... والأهم من ده كله، عاوز تحميها إنسانياً ولا عشان هي فؤادة، يعني لو أي حد مكانها كنت برضه هتعمل معاها كده، ولا أنت عملت ده عشانها هي بس؟
سبت سلوى معاها ليه، عشان سلوى عاوزة ده، ولا عشان تبقى حجة إن الوداد يفضل موصول.
اقعد مع نفسك يا جلال وجاوب بدقة وأمانة، لأن إجابة الأسئلة دي هي اللي هتحدد مكانة فؤادة فين بالظبط بالنسبة لك.
جلال: طب موضوع إيديها.
محمد: موضوع إيديها... يمكن يتحل لوحده لو أنت عرفت الإجابات دي الأول.
جلال: وإيه علاقة ده بده؟
محمد بابتسامة ساخرة: للأسف العلاقة وطيدة جداً، بس خلينا خطوة بخطوة، وأتمنى إنك لما تعرف الإجابة تبلغني.
ليومئ جلال برأسه ويجذب عصاه من موضعها، لينهض من مجلسه استعداداً للمغادرة.
لينهض محمد هو الآخر ويقول: هتشوفها قريب.
جلال متنهداً: هسافر لهم بعد بكرة إن شاء. المفروض دكتور العلاج الطبيعي يشوفها ويقرر هتتعامل إزاي بعد كده، فهاخد الدكتور وأوديه له.
محمد بتساؤل: طب وليه هي ما تجيش تقعد هنا وتتابع معاه أسهل، وعلى الأقل تبقى وسطنا كلنا؟
جلال: هي حابة تقعد في المزرعة بتاعتها حالياً.
محمد: يعني عرضت عليها إنها ترجع تقعد هنا وهي اللي رفضت.
ليحرك جلال رأسه يميناً ويساراً علامة الرفض بشيء من الخجل.
محمد: طب وما عرضتش عليها ده ليه؟
جلال بخفوت: حسيت إنه مش من حقي.
محمد سكت شوية وبعدين قال له بفضول: طب وبعد كده؟
جلال بعدم فهم: بعد كده إيه؟
محمد: أقصد بعد ما هتوديلها الدكتور وتشوفوا كل ده، أنت هتفضل هناك ولا هترجع طنطا؟
جلال: غالباً هرجع، لأن الدكتور هيبقى معايا في عربيتي.
محمد بفضول: طب لو توفرت عربية للدكتور يرجع فيها، هترجع برضه؟
جلال: أخاف أكون بفرض روحي عليه.
ليبتسم محمد بسعادة ويقول: شكلك قربت توصل للإجابة. عموماً... أنا هبقى جنبك دايماً في أي خطوة تحتاجني فيها.
جلال بتردد: طبعاً مش محتاج أوصيك إن فؤادة ما تعرفش حاجة عن كلامنا ده.
محمد بجدية: أكيد مش محتاج.
جلال: ولا إنك عرفت حاجة عن حقيقة علاقتنا ببعض.
محمد: كله منفذ على بعض يا جلال، ما تقلقش.
جلال بامتنان: أنا متشكر جداً، ومعلش بقى عطلتك عن مراتك وبنوتك الحلوة.
محمد: يا سيدي لا عطلتني ولا حاجة، وزي ما قلت لك أنا موجود معاك وجنبك دايماً.
عند نهاد.. كانت في أوضتها، وكان عارف بيكلمها على التليفون.
عارف: مش ملاحظة إني عمال أتكلم معاكي وإنتي ما بترديش عليا غير بالقطارة؟
نهاد: عاوزني أعمل إيه بس؟
عارف: عاوزك تتكلمي معايا بطبيعتك، وحشتني شقاوتك في الكلام.
نهاد بمكر: ما ينفعش يا مستر.
عارف وهو يجارى عبثها بعبث مماثل: وليه ما ينفعش يا ميس؟
نهاد: لأنه لا يجوز حضرتك.
عارف: وهو أنا بقول لك حبّي فيا، أنا بقول لك اتكلمي معايا، احكيلي حتى عن يومك.
نهاد بشهقة تمثيلية: أنت عاوزني أفتش لك أسراري؟
عارف: وإنتي عندك أسرار؟
نهاد بتأكيد: طبعاً.
عارف: وإيه بقى أسرارك دي؟
نهاد بشقاوة: وتبقى أسرار إزاي لو قلت لك عليها؟
عارف بمرح: طب ما أنا عارفها كلها.
نهاد: وعارف إيه بقى؟
عارف بصوت ضاحك: إنك بتعشقي التوت، وبتموتي في المحشي، وفي مودة من نوع خاص بينك وبين الرز بلبن.
نهاد بوعيد: صبرك عليا يا فؤادة الكلب، إن ما وريتك يا فتانة.
عارف ضاحكاً: وإنتي فكرك إن فؤادة هي اللي قالت لي المعلومات دي؟
نهاد بفضول: أومال مين؟
عارف: يا بنتي انتي بس اكتبي على جوجل "نهاد سالم"، هتلاقي كل المعلومات دي.
نهاد بتصنع: أنا صحيح شخصية عامة ومن المشاهير، لكن ما افتكرش إني صرحت قبل كده بالحاجات دي.
عارف: طب مش هتجاوبيني على سؤالي؟
نهاد وهي تتصنع عدم الفهم: سؤال إيه؟
عارف: اللي سألته لك في أول المكالمة.
نهاد: مش فاكرة.
عارف: يعني عاوزاني أقولهولك تاني؟
نهاد بابتسامة: وماله.. في الإعادة إفادة.
عارف بنبرة دافئة: يا ترى بتحبيني زي ما بحبك؟
نهاد بخبث: هو مش أنا قلت لك لا يجوز يا مستر؟
عارف: لا يجوز إنك تحبيني ولا لا يجوز إنك تجاوبيني يا نهاد؟
نهاد بلبلة: هااا، بص.. هو مش هينفع وخلاص، وكمان أنا لازم أقفل عشان ماما ما بتندهش عليا.
عارف: نعم.
نهاد: ما هو مش هنكدب من أولها.. ساعدني يساعدك ربنا، المفروض يبقى فيه شوية إنسانية عن كده.
عارف وهو لا يستطيع كبت ضحكاته: خلاص خلاص، عرفت إنك اتكسفتي وعاوزة تقفلي، بس عاوز منك حاجة واحدة بس... ممكن؟
نهاد بقلة صبر: هممممم، قول.
عارف بامتعاض: ما تقفلي السكة في وشي أحسن يا حبيبتي.
نهاد بزهق: هتقول على الحاجة اللي عاوزها، ولا أسيبك وأروح أتغدى بدل اللطعة دي.
عارف: تصدقي كنت شاكك فيكي من الأول.
نهاد: هااا.
عارف: هقول خلاص، يا لطيف منك... عاوزك تبلغي بابا إننا إن شاء الله في العقيقة بتاعة زهرة هنحدد معاد الفرح.
نهاد بذهول: فرح مين؟
عارف: فرح عم عبده البواب اللي عندنا في المدرسة، ما تركزي يا نهاد، فرحنا طبعاً.
نهاد: تقصد فرحنا فرحنا، اللي هو يعني جواز، ولا خطوبة وشبكة وكده؟
عارف باستيعاب: امممممم، أيوه يا ستي.. أقصد فرح فرح اللي هو جواز، إحنا هنكتب الكتاب ونتجوز على طول.
نهاد بدهشة: إزاي يعني بسرعة كده، مش المفروض بيبقى فيه ترتيبات وتجهيزات لكل ده؟
عارف: إحنا يا ستي مش هنحتاج لكل الكلام ده، انتي بس كل اللي عليكي إنك تختاري عاوزة تعيشي فين. لو حابة تفضلي في طنطا، أنا عندي شقة حلوة جداً في كفر عصام وجاهزة على الفرش، ما عليكي إلا إنك تنزلي معايا تختارى فرشها على ذوقك. ولو موافقة إننا نعيش مع أمي وأخواتي في بيتنا، فبرضه هيبقى لينا جناح لوحدنا زي الشقة الصغيرة كده بس عيشتنا هتبقى كلنا مع بعضنا. يعني من الآخر سواء هنا أو هناك أنا جاهز، بس انتي كل اللي عليكي إنك تاخدي قرار في المكان اللي هتحبي تقعدي فيه.
نهاد: طب هو أنا لو اخترت إني أفضل هنا في طنطا، هتزعل، أو مثلاً يعني مامتك هتضايق؟
عارف: أمي كل اللي يهمها سعادتي أنا وإخواتي، بس مش هكذب عليكي، أكيد أمي هتضايق إني هبعد عنها، وأنا كمان لأنني ما اتعودتش إني أبعد عنها أو عن أخواتي، لكن ده ما يمنعش إني هبقى مبسوط وأنا شايفك مبسوطة، وعموماً مش مكان سكني أبداً اللي هيبعدني عن أمي أو أخواتي.
نهاد بجدية: عندك حق، وأنا احتراماً لصراحتك معايا، أنا كمان هبقى صريحة معاك، أنا ما عنديش مانع أبداً إني أبقى معاك في أي حتة، هنا أو هناك، لكن أنا مش هقدر أديك رأي في الحكاية دي قبل ما أعرف رأي ماما وبابا.
عارف: أفهم من كده إننا لو عشنا في طنطا، إن لما أطلب منك نزور أمي وأخواتي ونقعد معاهم كام يوم، إنك مش هتمانعي، لأن وقتها هيبقى قرار الموافقة أو الرفض نابع منك وحدك من غير ما أي حد تاني ممكن يتدخل؟
نهاد: أيوه طبعاً هوافق، وعلى فكرة أنا حبيت مامتك وإخواتك جداً وخصوصاً أما شفتهم بيتعاملوا إزاي مع فؤادة، وإد إيه عوضوها عن حاجات كتير حصلت معاها.
عارف بمرح: وأنا كمان.
نهاد: أنت كمان إيه؟
عارف بحب: أنا كمان بحبك أوي...
في اليوم التالي، خرج جلال من المنزل وذهب في طريقه مع عطوة إلى حديقة الموالح، ولكن ما إن مر على الموضع الذي رأى فيه فؤادة لأول مرة إلا وأمر عطوة بالتوقف، وهبط من الكاريتة أمراً عطوة باستكمال طريقه وتركه بمفرده بعض الوقت.
وبعد انصياع عطوة لما أمر به جلال، ذهب جلال إلى نفس الشجرة التي كانت تحتمي بها فؤادة من الأمطار، وجلس أسفلها وهو يتذكر كل ما مر به مع فؤادة منذ ذلك اليوم وهو يحدث نفسه:
"ها يا جلال ناوي على إيه؟"
"هو أنا لو عارف ناوي على إيه كنت جيت وقعدت القاعدة دي."
"انت اللي تاعب روحك رغم إنك عارف كويس أوي إنك ابتديت تنشغل بيها... اعترف إنك بتحبها وأنت تستريح."
"طب وهدى؟ مش هقدر أخونها."
"هدى الله يرحمها من سنين طويلة، من عمر بنتك."
"بس أنا طول السنين دي وأنا مخلص ليها، وعمري ما فكرت أبداً إني أتجوز بعدها، ولا حتى انشغل بغيرها."
"لأنك ما لقيتش حد يشغلك ولا يسكن قلبك قبل فؤادة، ولا أنت خايف إنها ما توافقش؟"
"وهي ممكن ما توافقش؟"
"أنت قلبك بيقول لك إيه؟"
"مش عارف."
"طب ما تجرب، مش هتخسر حاجة."
"مين قال إني مش هخسر، بالعكس هخسر كتير أوي."
"وهتخسر إيه بقى؟"
"هخسرها... لو بعدت عني هخسرها، وما أعتقدش إني هقدر على ده أبداً."
"أخيراً اعترفت إنك بتحبها."
"أيوه بحبها، بحب قوتها وعنادها، بحب تصميمها على الحق، بحب رقة قلبها، بحب حبها لبنتي وأمي وأخواتي، بحب حبها لكل اللي حواليها وحبهم ليها."
وأخذ يتذكر استقبال العاملين في المزرعة لفؤادة ومبادلتهما الأحضان والقبلات بحب صادق دون رياء وهو يقول بابتسامة: "وحشتيني."
في اليوم التالي اصطحب جلال الطبيب المختص بالعلاج الطبيعي والذي أوصى به الطبيب الجراح، واتجها إلى مزرعة فؤادة، والتي وصلا إليها قبيل الظهر بساعة واحدة.
وعندما دلفت السيارة من البوابة الرئيسية واصطفت بالممر، وقبل أن يهبط منها جلال سمعا صرخات مرحة، وعندما اتجه ببصره اتجاه صوت الصرخات وجد سلوى تأتي إليه مهرولة وهي تصرخ بفرح قائلة: "بابا جه يا ماما بابا جه". وما إن فتح جلال باب السيارة وهبط منها بقدم واحدة حتى ارتمت سلوى بأحضان بسعادة مقبلة وجنته بحب شديد، وعاطفة لم يجربها من قبل مع ابنته، فكان تعاملهم غالباً ما ينطبق عليه التعامل الروتيني الجاف، فعلاقتهم لم تتطور إلى تلك الصورة المحببة إلا في وجود فؤادة.
جلال بسعادة وهو يحتضن سلوى بحب: وحشتيني يا عفريتة، ما كنتش أعرف إنك لما هتغيبي عني يومين هتوحشيني كده.
سلوى بطفولة وهي تفتح ذراعيها على طول امتدادهما: أنت كمان وحشتني آآآآد كده، وتيتا وعمو عارف وعمو حسين وأدهم وليلى و... و...
جلال بدعابة: ومين تاني بقى، ما فاضلش غير عمك عطوة اللي ما جبتش سيرته.
سلوى بمرح: وكمان دادا أم إبراهيم.
ثم أكملت بشهقة عالية وقالت: وكمان نسيت خالتو ندا وخالو كريم وجدو وتيتا زينب.
جلال وقد أحس بالضيق لسماع اسم ندا فقال: طب إيه، هتخلي بابا قاعد كده في العربية لحد ما أرجع تاني ولا إيه؟
لتسحب سلوى أباها من يده وهي تقول: لاااا، تمشي إيه، ده حتى ماما عملالك أكل حلو أوي عشان تتغدى معانا.
للتفت جلال إلى الرجل الجالس بجواره ويقول بترحيب: اتفضل يا دكتور محمود، ما تأخذنيش، سلوى عطلتنا شوية.
محمود: لا يا سيدي ولا يهمك، أنا مش مستعجل، ربنا يخليهالكوا.
عندما هبط جلال من السيارة وذهب ببصره إلى المنزل وجدها هناك، كانت تقف بجوار شجرة التوت وقد حلت رباط كتفها، وكانت هناك ابتسامة تزين ثغرها جعل جلال يزدرد لعابه بصعوبة، وهو يحاول أن يوصل الهواء إلى حنجرته ليدعو الطبيب إلى السير معه للداخل.
وما إن وصلا أمامها حتى قال لها باشتياق وهو يلتهم ملامحها بعينيه: ازيك؟
فؤادة بخجل: الحمد لله، حمد الله على السلامة.
جلال: الله يسلمك، أقدمك دكتور محمود، دكتور العلاج الطبيعي، ويبقى صديق محمد أخوكي.
محمود: أنا ومحمد أكتر من الإخوات، أهلاً بيكي يا مدام فؤادة، اتشرفت بمعرفتك.
فؤادة بخجل: الشرف لينا يا دكتور.. اتفضلوا.
ليصطحب جلال الطبيب إلى الجلسة الخارجية ويدعوه للجلوس ويقول لفؤادة: يا ترى ممكن تطلبي لنا فنجانين قهوة؟
فؤادة: حالاً.
ثم ذهبت إلى الداخل وأثناء غيابها حضرت ماجدة ووضعت أمامهم الكثير من الفاكهة وهي تقول بترحاب: ألف حمد الله على السلامة يا سي جلال.
جلال: الله يسلمك يا ماجدة، عاملة إيه؟
ماجدة بعرفان: تسلم لنا من كل شر ويزيدك من نعيمه يارب.
جلال: بعد ما نتطمن على فؤادة، فكريني عشان أتصل لك بأهلك عشان تسلمي وتتطمني عليهم.
ماجدة بسعادة: يارب تسلم وتعيش، وأنا هروح أجيب القهوة حالاً.
تعود إليهم فؤادة بصحبة ماجدة وهي تحمل إليهم القهوة.
وما إن تناول جلال أول رشفة حتى قال: إيه القهوة اللي تعدل الدماغ دي؟
محمود وهو يتناول فنجانه: آآآه والله صدقت، وريحتها لوحدها حكاية.
جلال بدعابة: إيه يا ماجدة، قهوتك اتحسنت أوي؟
ماجدة ضحك: الكذب خيبة يا سي جلال، دي عمايل الست فؤادة.
محمود بدماثة: تسلم إيدها والله.
أما جلال فقد رفع الفنجان مرة أخرى إلى شفتيه، وهو يتذوقها مرة أخرى بهدوء وروية وهو ينظر لفؤادة بإمعان جعلها تغض الطرف عن مراقبته وأخذت تنظر هنا وهناك دون أن تنطق بأي كلمة.
حتى انتهى جلال من قهوته فقال بهدوء: تسلم إيدك.
تتمتم فؤادة ببعض الكلمات التي لا تصل للأذن فيقول محمود بعملية شديدة: أنا عاوز أشوف حركة دراعك أخبارها إيه؟
وبعد أن أمضى محمود مع فؤادة ما لا يقل عن ساعة ونصف وهو يقوم بعمل بعض التمارين لها ويشرح لها بعض التمارين الأخرى التي يجب عليها تكرارها يومياً وعلى فترات كان الإرهاق والألم قد نالا من فؤادة بشدة.
لاحظها جلال فقال لمحمود: طب وهي هتقدر تعمل التمارين دي كلها لوحدها؟
محمود: يفضل طبعاً في البداية يبقى بمساعدة حد معاها، لكن طبعاً بحذر عشان زي ما فهمت إن الإصابة كانت قريبة جداً من الأوتار، وأي حركة عنيفة ممكن تأذيها وتأخر في رجوعها لطبيعتها أكتر من اللازم.
واديك اهو كنت معانا خطوة بخطوة، وأنا كمان هشرحلك إزاي تساعدها وقت التمارين دي عشان ما تحملش عليها بزيادة.
وطبعاً فيه كمان بعض التحذيرات على ما نخف تماماً، وكل ده هكتبهولكم عشان تبقوا دايماً فاكرينه.
وبعد أن أتم محمود ما جاء بشأنه تماماً، وقام بكتابة كل التعليمات وسلمها لجلال، نهض محمود من مكانه وهو يقول: أمشي أنا بقى.
جلال: تمشي فين يا عم انت، استنى إحنا لسه هنتغدى سوا، هنتغدى ونقعد شوية وهوصلكم.
محمود: لا ما تتعبش نفسك، محمد مرتب معايا الرجوع.
جلال بعدم فهم: إزاي مش فاهم؟
محمود: محمد المفروض إنه على وصول، قالي هيتطمن على أخته وهنرجع سوا أنا وهو.
جلال بنصف ابتسامة: محمد ما جابليش سيرة.
محمود بمرح: مش عارف بقى، انتو قرايب وبينكم وبين بعض.
جلال باستغراب: طب ولما أنت هتستنى محمد، أومال بتقول إنك هتمشي إزاي؟
محمود: لا، أنا أقصد أمشي رجلياً في الجو النضيف ده شوية على ما محمد يوصل.
ليأخذه جلال في جولة سريعة بالمزرعة حتى وصل إليهم محمد.
وما إن وصل محمد حتى احتضن فؤادة بمرح كالعادة وأخذ يطمئن على حال كتفها وذراعها من محمود.
ودعتهم فؤادة لتناول الغداء، فجلسوا جميعاً في جو يعمه المرح والدفء في آن واحد.
محمد: حبيبة أخوكي... طبعاً هتحضري العقيقة بتاعة زهرة يوم الاتنين اللي جاي إن شاء الله.
فؤادة بتأكيد: طبعاً، وأنا أقدر أتأخر؟
محمد بمرح: ده بعد إذن سعادتك يا جلال باشا طبعاً.
جلال: ومين قال لك إني هسيبها تيجي لوحدها، رجلي على رجلها طبعاً.
لتنظر فؤادة إلى الطبق أمامها في وجل لتقول سلوى: وأنا يا ماما عاوزة آجي معاكي أشوف النونو.
محمد: طبعاً يا سلوى، دي طنط عائشة موصياني عليكي إنتي وأدهم وليلى إنكم لازم تيجوا وكلكم تبقوا موجودين.
لتنظر سلوى إلى أبيها وتقول: يعني هتفضل معانا يا بابا لحد ما نروح سوا؟
لينظر جلال إلى فؤادة والتي وجدها تنظر إليه بفضول انتظارا لرده، فابتسم وقال: لو مامتك وافقت هفضل معاكم.
محمد وهو ينهض من مكانه بعد أن أتم طعامه ووجد أن محمود أيضاً أنهى طعامه هو الآخر: ياللا يا محمود نغسل إيدينا عشان نشرب القهوة ونطير عشان نلحق الطريق قبل الضلمة.
فؤادة بانتباه: هو إيه أصله ده، أنت ما قعدتش معايا أصلاً؟
محمد: حبيبتي أنا جيت بس عشان أطمن على كتفك، وأعزمك على العقيقة.
فؤادة: وهو أنا محتاجة عزومة، عشان تجيني لحد هنا، ده ما يجيش على المشوار، كنت كلمني في التليفون وخلاص بقى أحسن.
محمد وهو ينظر لجلال بمرح: أدي أخرتها، خيراً تعمل شراً تلقى، شكلي بنطرد.
جلال بضحك: يا حبيبي ده بيتك ما تقولش كده، بس حاول تنجز عشان تلحق الطريق.
لينظر محمد إلى جلال بسماجة ويقول: على فكرة أنا ممكن أبات عادي.
جلال: وهتسيب مراتك وبنتك لوحدهم، ما ينفعش طبعاً.
محمد: أمي وإخواتي معاها.
جلال: لا.. بس برضه مهما كان وجودك أهم.
كانت فؤادة تنظر إليهم أثناء حديثهم باستغراب، ولكنها لاحظت أن هناك ألفة جديدة بين جلال ومحمد لم تكن موجودة مسبقاً، وأرجحت ذلك إلى خطبة عارف ونهاد، وأنه ربما توطدت علاقتهما أثناء الخطبة.
وانتبهت على محمد وهو يقول لها: جوزك اللي مش عاوزني أقعد.
جلال: يا ابني لمصلحتك صدقني، عشان مراتك ما تزعلش منك.
لينظر محمد إلى فؤادة قائلاً: خلي حد بقى يعمل لنا القهوة عشان أمشي قبل ما عائشة تزعل مني بصحيح.
محمود بعد أن غسل يديه: لأ.. حد إيه، أنا عاوز فنجان قهوة زي بتاع الصبح، مدام فؤادة كانت عاملاه بنفسها. بس إيه يا ابني حكاية؟
محمد وهو يقبل رأس فؤادة: أنت هتقولي يا ابني، ما أنا عارفها، ياللا يا دودو فنجانين قهوة حلوين كده قبل ما أمشي.
جلال بوجوم: خليهم تلاتة من فضلك يا فؤادة، وتعمد أن ينطق اسمها بتوضيح وهو ينظر لمحمد شزراً.
وبعد انصراف فؤادة للداخل دون أي تعليق، اقترب جلال من أذن محمد وهو يقول بتوبيخ: ما بحبكش يعني الدلع قدام حد غريب.. نلم نفسنا شوية.
ليحتضنه محمد بمرح قائلاً: حمدلله على السلامة يا جوز الغالية، كده تبقى وصلت أرض المطار بسلامة الله.
جلال بابتسامة محببة: لا ما أنا شكلي وصلت من بدري، بس التوهة كانت واخداني لبعيد حبتين تلاتة.
رواية فؤادة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ميمي عوالي
وقف جلال بجانب فؤادة وهي تحتضن سلوى في وداع محمد وصديقه طبيب العلاج الطبيعي. وبعد أن اختفت سيارتهما عن الأنظار، التفت جلال إلى فؤادة وسلوى قائلًا:
يا ترى هتستضيفوني معاكم اليومين دول لحد ما نرجع سوا على العقيقة بتاعة بنت محمد، وإلا أروح وأبقى أرجع لكم تاني؟
فؤادة:
يا خبر يا أستاذ جلال، ده البيت بيتك، إزاي تقول كده؟
سلوى:
هتفضل معانا عشان عايزة أوريك إزاي أنا بقيت أعرف أطلع على شجرة التوت وأنزل من عليها لوحدي... ماما علمتني حتى شوف.
لتسرع سلوى إلى شجرة التوت، ولكن جلال قال مسرعًا:
لا يا سلوى أحسن تقعي.
سلوى:
تعالى بس اقف جنبي وهتشوف إني مش هقع.
فؤادة بعتاب لسلوى:
وهو ده برضه اللبس اللي بنطلع بيه على الشجرة يا سلوى؟
لتضرب سلوى على مقدمة رأسها قائلة:
يوه نسيت... أنا آسفة، هروح ألبس بسرعة.
لتسرع سلوى إلى المنزل وتختفي عن أعينهم. ليلتفت جلال إلى فؤادة متسائلًا بفضول:
وهو الشجرة ليها لبس معين عشان تطلعوا عليه؟
فؤادة بخجل:
آه طبعًا، لازم تبقى مستورة، ما ينفعش تطلع بفستان.
لينظر إليها جلال بنظرة لم تدرِ معناها، فهي نظرة لعدة مشاعر مختلطة، ما بين الحب والامتنان والإعجاب في ذات الوقت، ولكن فؤادة أحست بالخجل الشديد من نظرته وأعادت عينيها للأسفل. وسرعان ما عادت سلوى إليهم بعد أن ارتدت بنطالًا أسفل ردائها الطفولي وهي تقول:
أهو يا ماما لبست بنطلون، يالا يا بابا تعالى.
فؤادة بتشجيع:
ما تخافش عليها، بس روح فعلًا اقف جنبها عشان تبقى متطمن عليها.
جلال وهو ينظر لسلوى:
طب استني أما أجيلك.
ليذهب إليها ويقف يراقبها وهي تتسلق الشجرة بسرعة ومهارة لم يتوقعها حتى جلست على أحد فروع الشجرة من الأعلى.
جلال ضاحكًا:
إزاي اتعلمتي تعملي كده وإمتى بالسرعة دي؟
سلوى ضاحكة بصوت عالٍ وهي تقول:
ماما كانت كل يوم بتعلمني شوية كتير، ومستنية أدهم ييجي عشان نعلمه هو كمان، ونطلع نقعد كده سوا.
جلال بابتسامة:
ويا ترى هتعرفي تنزلي بقى على كده؟
سلوى بحماس:
آه طبعًا، استني خليك واقف عشان أوريك.
لتهبط سلوى وسط تحفز جلال لسقوطها في أي لحظة، ولكنها كما صعدت بسهولة، هبطت أيضًا وبكل يسر.
وما إن هبطت سلوى من على الشجرة حتى أسرعت بإلقاء نفسها بين أحضان فؤادة بسعادة وقالت:
عايزاكي بقى تصوريني وأنا قاعدة فوق الشجرة وباكل التوت.
فؤادة بحب:
بس كده، حاضر.
جلال وهو يحاول مشاركتهم الحوار:
ولما ماما دراعها يخف خالص، تبقوا تطلعوا أنتم الاثنين وأصوركم جنب بعض.
لتصفق سلوى بسعادة وتقول:
طب هتروح تركب معايا الحصان؟
جلال:
ما تبقيش طماعة بقى، خلي الخيل لبكرة إن شاء الله، روحي أنتي اتمرجحي شوية على ما أقعد استريح شوية أنا ومامتك.
لتذهب سلوى للعب ويجلس جلال وفؤادة يشاهدانها في صمت وفؤادة ما زال قلبها يرقص من وصف جلال لها بأنها أم سلوى، وكانت تتساءل بين نفسها إن كان سيستمر ذلك الوضع كذلك كثيرًا أم أن للقدر رأي آخر، حتى قال جلال بهدوء:
شكرًا.
لتنظر فؤادة له بانتباه وتقول:
شكرًا على إيه؟
جلال:
على كل اللي بتعمليه مع سلوى، أنا عمري ما شفتها بالسعادة والحيوية دي قبل كده.
لتعيد فؤادة نظرها إلى سلوى قائلة:
سلوى بنت جميلة ورقيقة، وفوق كل ده ذكية جدًا وحنينة قوي، يا بختك بيها.
جلال بابتسامة:
ويابختها بيكي، من يوم ما ماتت أمها وأنا مش قادر أتعامل معاها، وكنت حاسس إني هفضل كده طول عمري، كانت دايمًا أمي تقول لي قرب من بنتك، بلاش تبقى يتيمة الأب كمان وأنت عايش على وش الدنيا، بس ما كنتش بقدر أتعامل معاها من كتر إحساسي بالذنب إني ما قدرتش ألحق أمها.
فؤادة:
بس مهما كنت عملت، ما فيش مخلوق يقدر يمنع أو يأجل ميعاد الموت ولا الولادة، الاثنين دول بالذات ما فيش مخلوق يقدر يتدخل فيهم.
جلال بابتسامة:
رغم إني عارف الكلام ده كويس، بس سيبت دوامتي تاخدني وتحبسني جواها، لحد ما جيتي أنتي وظهرتي في حياتنا.
ليعتدل جلال وينظر لفؤادة وهو يكمل حديثه فقال:
صدفة ظهورك في حياتي غيرت فيا حاجات كتير قوي يا فؤادة، وأولهم علاقتي بسلوى.
سلوى اللي أول واحدة لفتت نظري إن أنتي وهي ظروفكم واحدة، أول مرة حكيتي لأمي حكايتك، وما كناش لسه نعرف عنك أي حاجة، ولما أمي خرجت حكت لنا كل اللي أنتي حكيتيهولها لقيت سلوى بتقول بزعل:
يعني هي كمان ما عندهاش ماما زيي؟
لأول مرة وقتها كنت أحس قد إيه سلوى حاسة بيتمها رغم وجود أمي وأخواتي وخالتها اللي ما أقدرش أنكر أبدًا إنها كانت بتهتم بيها جدًا.
يومها خفت على سلوى لما سمعت حكايتك، رغم الفرق الشاسع اللي بين أخواتي واللي حكيتيه عن عمك وقتها، بس لقيت برضه فرق شاسع من اللي عمله معاكي أبوكي واللي أنا بعمله مع سلوى.
يومها بيني وبين نفسي قررت إني أحاول أقرب من بنتي على الأقل تفتكرني بذكرى حلوة بعد موتي.
لتقول فؤادة بجزع:
بعد الشر عليك، ليه بتقول كده؟
ليبتسم جلال قائلًا:
تصدقيني لو قلت لك إني كنت بتمنى الموت في كل لحظة لحد ما قابلتك؟
لترفع فؤادة وجهها إليه بفضول فيكمل قائلًا:
كنت عايش زي الآلة، حياتي كانت كلها عبارة عن روتين ممل ومميت، لكن كنت دافن نفسي فيه بإرادتي الكاملة لحد ما دخلتي حياتنا.
ما أنكرش إني في الأول، كنت بعتبر وجودك في حياتي مجرد انتقام من الهلالي، أو تكدير ليه، لكن أول ما حسيت إني جبت حق مراتي منه، ابتديت إني أحس بحاجة جوايا بتتغير شوية بشوية، حسيت إني مسؤول عنك، لقيتني فجأة بغير عليكي حتى من أخوكي ومن أخواتي، كنت بستمتع جدًا وأنتي واقفة قدامي تعترضي على حاجة قلتها أو عملتها وأنتي بتناطحيني كلمة بكلمة، كنت بتمتع وأنا شايفك بتدوري بعينيكي وأنتي بتفكري في كلامي وفي الرد اللي هترديه عليا، في الأول ما كنتش فاهم وكنت بتعصب عليكي من غير ما أفهمك سر عصبيتي بس ده كان لإن أنا نفسي ما كنتش فاهم.
فؤادة ودقات قلبها تتسارع بشدة لدرجة أثرت على نبرة صوتها:
وإيه هو اللي ما كنتش فاهمه؟
جلال:
إن مش بس سلوى اللي حبيتك واتعلقت بيكي، إني لما كنت بركز مع كلامك وأنتي بتدافعي عن حقك، ما كانش مجرد إعجاب بشجاعتك، وإنك وقت ما كنتي بتحاولي تقنعي محمد إنه يصلح علاقته بأبوه رغم كل اللي حصل لك بسببه، ما كانش مجرد إعجاب بمبادئك.
فؤادة:
أومال كان إيه؟
جلال بحب:
كان حب يا فؤادة، أيوه يا فؤادة، أنا فجأة لقيت نفسي بحبك، مش هكدب عليكي وأقول لك إني ما قاومتوش حبك ده، ولا إني ما كدبتوش وحاولت أدفنه جوايا، بالعكس أنا عملت كل ده، بس لقيت إن حبك جوايا أقوى من كل ده، اليومين اللي غبتهم عنك خلوني أحس إن في حاجة كبيرة ناقصاني... لقيتني بنده لك جوايا وأقول لك وحشتيني، لقيتني مش هقدر إني أخرجك من حياتي تاني، لإني ساعتها هبقى بنزع قلبي من جسمي بالكامل، لقيتني مش هقدر أرجع زي الآلة اللي كنت متعايش معاها قبل كده، اللي داق العسل مش سهل إنه يرجع للمُر من تاني.
لتغمض فؤادة عينيها بشدة وهي تحاول السيطرة على أنفاسها المتلاحقة، ولكنها لم تستطع السيطرة على بعض العبرات التي هربت من بين جفنيها فيظن جلال لوهلة أنها دموع الحزن أو الرفض فيقول بخفوت:
أنا آسف لو كنت ضايقتك للدرجة دي.
لتحرك فؤادة رأسها نفيًا وهي لا زالت مغمضة عينيها قائلة بخفوت:
أنت ما ضايقتنيش.
جلال بفضول:
أومال دموعك دي ليه؟
فؤادة وهي تحاول منع صوت نشيجها ولكنها لم تستطع:
كنت مرعوبة من اليوم اللي هتقول لي فيه خلاص كده، التمثيلية خلصت، كنت مرعوبة من اليوم اللي هتاخد فيه سلوى من حضني وتقول لي إنها مش من حقي، مرعوبة من اليوم اللي هتخرجني فيه من حياتكم وأرجع لوحدي من تاني بعد ما اتعودت إني أبقى وسطكم وتحت جناحكم.
ليقترب جلال منها ويمد يده ليضمها إليه بهدوء خوفًا على كتفها ويقول بحنان:
ولو قلت لك إن أنا اللي كنت مرعوب من كل ده أكتر منك؟
وقبل أن ترد فؤادة وجدوا سلوى تهبط من أرجوحتها وتأتي إليهم مسرعة وهي تقول بلهفة:
هي ماما بتعيط ليه؟ هي إيدها بتوجعها تاني؟
ليمد جلال يده الأخرى لسلوى ليضمها إلى صدره مثل فؤادة ويقول:
لا يا حبيبتي، دي بس ماما فرحانة إننا هنفضل مع بعض على طول.
سلوى بفرحة:
بجد يا بابا؟
جلال بابتسامة:
بجد يا حبيبتي، يالا روحي كملي لعب.
وعندما عادت سلوى لأرجوحتها، حاولت فؤادة الخروج من تحت جناح جلال، ولكنه أعادها إليه مرة أخرى وقبل رأسها وقال:
أفهم من كلامك اللي أنتي قلتيه ده من شوية، إنك موافقة إننا نكمل حياتنا سوا؟
ولكن فؤادة لم تستطع الرد خجلًا، وعندما طال صمتها قال جلال:
أنا مش هغصب عليكي أبدًا بأي حاجة، ولا هستعجلك، أنا عارف إن الطريقة اللي اتجوزنا بيها بعيدة تمامًا عن أحلام أي بنت.
أكيد كان نفسك يتعمل لك فرح وتحسي إنك عروسة وتفرحي زي كل البنات، وأنا مش هبخل عليكي بده...
لو وافقتي إنك تكملي حياتك معايا، هنعمل فرحنا مع عارف ونهاد.. إيه رأيك؟
لتعتدل فؤادة وتقول: ومامتك وإخواتك هيقولوا إيه؟ وعمي و...
جلال ضاحكًا: بس بس، ده انتي شوية شوية وهتقولي أم إبراهيم هتقول إيه. بس عمومًا يا ستي متقلقيش، وافقي انتي بس وأنا هتصرف.
فؤادة: أيوة يعني هتتصرف هتقول لهم إيه؟
جلال: هقول لهم ببساطة إن ظروف جوازنا خلتنا ملحقناش نفرح كويس، فهنفرح من تاني معاهم.
فؤادة: وتفتكر عمي هيقتنع بالكلام ده؟
جلال: اسمعي يا فؤادة: لازم تعرفي إن أهم حاجة والواقع اللي مفروض على الكل، إنك فعلًا مراتي، وإن مفيش حد أبدًا مهما كانت صفته له الحق إنه يتدخل بيننا.. انتي فهماني؟
فؤادة وقد انتشت أوردتها بسماع وصفه لها بزوجته والتي أقرها كواقع مفروغ منه لا تراجع فيه فقالت بابتسامة: أيوة.. فهمتك.
جلال: وكمان على ما ييجي وقتها يكون كتفك ودراعك بقوا تمام، وأنا بنفسي اللي هساعدك على التمارين بتاعتك كل يوم.
فؤادة بخجل: أنا هعرف أعملها لوحدي.
جلال: لأ طبعًا.. الدكتور قال في الأول لازم حد يساعدك عشان متحمليش عليها.
فؤادة باستسلام: إن شاء الله ربنا ييسر الأحوال.
جلال: يبقى تجهزي نفسك إننا هنحدد معاد فرحنا في عقيقة بنت محمد، زي ما عارف بلغني إنه هيتفق مع عمك يومها على معاد فرحهم.
فؤادة: هم هيتجوزوا على طول كده من غير فترة خطوبة الأول؟
جلال بخبث: أيوة يا ستي، أصل عارف مبيحبش يضيع وقته، أكتر حاجة بتعجبني فيه إنه دايمًا محدد أهدافه وبيشتغل عليها بضمير.
في منزل سالم، كان سالم يجلس بغرفته مع أم نهاد التي تقول: عارف عاوز يحدد معاد للجواز.
سالم: تقصدي الشبكة؟
أم نهاد: لأ، الجواز، عاوز يعمل كله على بعضه، ولو عاوز الحق، طالما إنه ابن حلال وكويس وجاهز، يبقى لزومه إيه التأخير؟
سالم: أيوة، بس لسه مقالش هيقعدوا فين.
أم نهاد: هو قال إنه عنده شقة في كفر عصام، وعنده زي شقة صغيرة في بيت أبوه، وقال لنهاد تختار عاوزة تقعد فين، عشان تنقي العفش على أساسه.
سالم: وهو شافها فين وقال لها الكلام ده؟
أم نهاد بحذر: هو كلمها في التليفون وقال لها.
سالم بفضول: وهي بقى قالت له إيه؟
أم نهاد: قالت له لازم آخد رأي بابا وماما الأول.
سالم: اممم، وبعدين؟
أم نهاد: أبدًا، قال لها خدي رأيهم واللي هتقولوا عليه هعملهولكم، وطلب منها تستأذنك إنه يتفق معاك على كل حاجة يوم عقيقة زهرة.
سالم برضا: كويس إنه فاهم الأصول، بس بلغي بنتك إنها تقصر معاه في الكلام لحد ما يبقى في بينهم حاجة رسمي.
أم نهاد: من غير ما تقول، ما أنت عارف نهاد، ملهاش في مواويل البنات دي من أصله.
سالم: طب روحي بقى هاتيلى زهرة لما أقعد معاها شوية قبل ما أنام.
في غرفة محمد، كانت نهاد وسلمى تجلسان بصحبة عايشة وهما يحاولان مساعدتها في تغيير ملابس الصغيرة، وعند دخول أم نهاد ورأت ما يفعلون: هو أنتو بتعملوا إيه؟
عايشة بضحك: سلمى بتضب أغراض الصغيرة، ونهاد بتفركشها.
نهاد بضجر: أنا عاوزة السالوبيت الأبيض اللي جبتهولها عشان ألبسهولها ومش لاقياه.
لتميل أم نهاد وتحمل الصغيرة بحنو وهي تعدل من هندامها: أنا لسه غسلاه الصبح، وبعدين ما كانش سالوبيت جبتيه عاوزاها تفضل لابساه على طول، دي يا بنتي بتغير هدومها مرتين تلاتة في اليوم.
نهاد: خلاص، هبقى أجيب لها تاني بكرة.
عايشة: والله ما في لزوم، الصغيرة راح تكبر بسرعة، وراح يصغروا عليها وما عم تستنفع بيهم.. حرام.
أم نهاد: صح يا نهاد، مرات أخوكي عندها حق، اصبري لما تجيب شهرين حتى، أو لو حبيتي تجيبيلها حاجة متجيبيش حديثي الولادة هاتي أكبر شوية.
وعندما اتجهت أم نهاد بالصغيرة إلى خارج الغرفة صاحت نهاد باعتراض قائلة: إيه يا حاجة انتي واخداها من وسطنا كلنا كده ورايحة على فين؟
أم نهاد بتحدي: أبوكي عاوز يقعد معاها شوية قبل ما ينام.. إيه.. أبعتهولك يستأذن منك؟
نهاد وهي تحك رأسها من الخلف: أنا مش عارفة انتي بقيتي تقفشي بسرعة ليه كده، اتفضلي حضرتك ولو تحبي أوصلهالك لحد عنده والله.
لتتركها والدتها وتتجه لغرفتها، وتضحك سلمى قائلة: أنا مش فاهمة الناس اللي دايمًا بتحرج نفسها دي.
نهاد بغيظ: متبسي انتي، متخلينيش أتكلم.
سلمى وهي تخرج لسانها: وهتتكلمي تقولي إيه بقى؟
نهاد بمكر: أبدًا يا حبيبتي، كنت هسألك على التبرعات الإنسانية اللي بتعمليها، وإني عاوزة أنضم للنشاط الاجتماعي بتاعك.
لتعتدل سلمى باضطراب ويبهت لونها بشدة وتقول بارتباك: أنا نسيت إن عندي محاضرات بدري، وعاوزة أروح أحضر نفسي.
لتستدير للخروج من الغرفة بسرعة لتصطدم بمحمد الذي يقول بمرح: إي، إيه يا بنتي ده، قطر معدي، ما بالراحة شوية.
ولكن سلمى لا ترد بأي كلمة وتتجه إلى غرفتها، ليقول محمد: هي مالها؟
عايشة بسرعة: أبدًا حبيبي، راحة تجهز حالها لجامعتها بكير.
محمد وهو ينظر للفراش: إيه ده.. بنتي فين؟
نهاد وهي تغمز بعينيها بمرح: أمك وديتها لأبوك عشان ياخد الجرعة قبل ما ينام.
ليخبط محمد أخته على رأسها من الخلف قائلًا: يا بت احترمي نفسك وانتي بتتكلمي، جرعة إيه دي اللي أبوكي هياخدها.
نهاد بضجر وهي تدلك رأسها: يا أخي اتجوزت وخلفت ولسه إيدك مرزبة زي ما هي، ثم نظرت إلى عايشة وهي تقول: بتعملي معاه إيه ده الله يكون في عونك.
محمد بسماجة: ويكون في عون الغلبان اللي حظه وقعه فيكي.
نهاد وهي تدعي الغرور: وهو كان يطول؟
محمد وهو يطردها خارج الغرفة: أهو طال يا أختي، ربنا يستر وميرفعش علينا بعد كده قضية غش تجاري.
ليجدوا والدتهم عادت بزهرة في أحضانها وقالت بعد أن سمعت مناغشتهم لبعضهما البعض: مالكش انت دعوة، هو عارف هبلها وراضي بيه.
لينفجر محمد ضاحكًا وهو يخرج لسانه لنهاد التي نظرت لأمها وقالت بغيظ: نفسي حتى تعامليني زي ما الخنفسة بتعامل عيالها، للدرجة دي مش محصلة في عينك حتى خنفسة؟
محمد من بين ضحكاته: ويا ترى بقى أم الخنافس بتعمل إيه مع ولادها الخنافس؟
نهاد: مسمعتش المثل اللي بيقول.. خنفسة شافت ولادها على الحيط قالت لولي ومتعلق في خيط.
محمد وهو يقبلها بعنف من وجنتها مداعبًا إياها: ده انتي أحلى لولاية في اللولي كله.
وعندما عادت نهاد إلى غرفتها وجدت سلمى قد وضعت نفسها بالفراش لتجلس نهاد بجوارها وهي تزيح عنها الغطاء وتقول: أنا عارفة إنك صاحية، اتعدلي عشان عاوزة أتكلم معاكي.
سلمى: أنا عندي محاضرة بدري وعاوزة أنام يا نهاد أجلي الكلام لبعدين.
نهاد: اتعدلي يا سلمى لأني مصممة نتكلم.
لتعتدل سلمى بتأفف ولكنها لا ترفع عينيها إلى أختها وتقول: اديني اتعدلت، عاوزة تقولي إيه؟
نهاد: أنا بس عاوزة أسألك.. انتي شايفة إن اللي انتي بتعمليه ده صح؟
سلمى بخفوت: أنا معملتش حاجة غلط.
نهاد: يمكن لحد دلوقتي، لكن وآخرتها؟
سلمى بحزن: مش عارفة.
نهاد: حبيتيه؟
لتنخرط سلمى في البكاء وهي تقول: وإيه الفايدة بس؟
نهاد بشفقة: ولما انتي عارفة ده، ليه بتعذبي نفسك بإيدك يا سلمى؟
سلمى: مش قادرة يا نهاد، عمري ما اتصورت إني أقابل بني آدم بالنبل ده، طول عمري أسمع عن ناس كتير بيدخلوا الطب عشان يبقوا دكاترة كبار ويتشهروا ويكبروا ويتغنوا، ورغم إني طول عمري أسمع إن الطب رسالة سامية لكن عمري ما شفت حد بيطبق الرسالة دي بحذافيرها غيره.
نهاد: طب احكي لي من الأول إيه اللي طور الموضوع كده؟
سلمى: في البداية خالص سمعت ماجدة اللي بتشتغل عند فؤادة وهي بتحكي لأم إبراهيم عن اللي عمله مع أمها، عجبني اللي عمله، عجبني حب بنته وتعلقها بيه وحنيته عليها وهو طول الوقت واخدها في حضنه من غير ما يزهق ولا يتعصب، استغربت لما عرفت إنه مطلق، قلت في بالي مين دي اللي تضحي براجل زيه، ورجعت قلت يمكن تكون المظاهر خداعة.
لحد ما حصل اللي حصل في الكلية أول يوم في الدراسة بعد إجازة نص السنة.
نهاد: وإيه اللي حصل؟
سلمى: واحدة صاحبتي مجاتش الكلية رغم إننا كلنا كنا متفقين إننا هنتقابل أول يوم، ولما سألنا عليها عرفنا إن باباها تعب فجأة ولما طلبوا له الإسعاف جت ونقلته المستشفى اللي بيشتغل فيها.
ولما عرفنا قلنا واجب إننا نزوره، ولما روحنا لقيناه واقف قدام الأوضة مع أخو صاحبتي اللي كان منهار لأنه عرف إن أبوه عنده أنيميا حادة ونقص شديد في الصفائح الدموية واللي الكبد بيكسرها باستمرار بسبب حالة التضخم الشديدة اللي فيه وإن حالته متأخرة، وهم كلهم اتفاجئوا بده لأن أبوهم طول عمره كان وسطيهم ومشتكاش أبدًا، وعرف إن فصيلة دم أبوه نادرة ومش موجودة ولقيت حسين بيطبطب عليه ويقول له.. وحد الله، وبدل ما تنهار كده أنا هقول لك على الأماكن اللي ممكن تسأل فيها على البلازما اللي محتاجينها وإن شاء الله هتلاقي، وعلى ما تلاقي أنا فصيلتي زي باباك بالظبط وهتبرع له على ما أنت تتصرف.
لقيت أخو صاحبتي بيبص له بذهول وهو مش مصدق وكل اللي حسين عمله إنه زقه بهزار وقال له..
أنت لسه هتتنح؟ يالا يا عم عشان أكتب لك العناوين اللي هتروحها.
وأخذه تحت ذراعه وراح به على مكتبه.
وقبل ما نمشي من هناك، كان فعلًا اتبرع بدمه، وخلى التمريض يعلقوه لأبو صاحبتي.
نهاد: وشافك هناك؟ أخذ باله منك يعني؟
سلمى: أيوه، لما كان رايح يبص عليه لقاني قاعدة بره معاهم، لقيته اتخض وجه جرى عليا وسألني أنا موجودة ليه، ولما شرحت له، اتطمن وقال لي إني لو احتجت أي حاجة أروح له على طول.
ولما رحت زرتهم تاني مرتين كمان، شفته إزاي بيتعامل مع الناس، شفت الناس قد إيه بتحبه بجد، شفت وسمعت دعوات الناس ليه بصدق من قدامه ومن وراه.
يتحب يا نهاد، صدقيني يستاهل إني أحبه.
نهاد بشفقة: طب وآخرتها إيه بس يا سلمى؟
سلمى: مش عارفة.
نهاد: طب وإيه حكاية الخدمة المجتمعية دي بقى؟ ومين اللي اقترحها عليكي؟
سلمى: ده نشاط تبع الكلية، وأول ما عرفت إنهم بيروحوا عنده المستشفى انضميت لهم، ما بنعملش حاجة وحشة، إحنا بنزور العيانين اللي مالهمش حد، بنتبرع بالدم، وبنحاول نساعد المرضى المتعسرين ماديًا، لينا زمايل بيحاولوا يعملوا لهم علاج على نفقة الدولة أو يلموا لهم تبرعات، وكمان بيتواصلوا مع صيدليات معينة بتتبرع بأدوية من عندها.
نهاد: أنا عارفة يا حبيبتي إن كل دي حاجات جميلة جدًا، بس كان هيبقى ثوابها أعظم لو كنتي بتعمليها لوجه الله، لكن...
سلمى: والله أنا لما بعمل أي حاجة بعملها بنية خالصة لله، وبعدين إحنا بنروح أماكن كتير غير عنده، لكن مش هنكر إني ببقى رايحة عنده وأنا نفسي أشوفه.
نهاد: طب هو أنتِ حاسة بحاجة من ناحيته ليكي؟
سلمى: مش عارفة، هو بيتعامل معايا برقة شديدة، بس أعتقد إن ده طبعه.
نهاد: عمومًا يا سلمى أنا اتكلمت معاكي لأني خايفة عليكي، وبعترف إني مش خايفة عليكي من حسين لإن حسين فعلًا إنسان مهذب وأخلاقه عالية جدًا، لكن خايفة عليكي من ظروفه، يعني تفتكري مثلًا لو حسين بيبادلك نفس مشاعرك دي، إن بابا ممكن يوافق عليه وهو مطلق وعنده طفلين؟
سلمى بحزن: مش عارفة يا نهاد.
نهاد: كل اللي هقدر أقولهولك، إنك لازم تمنعي نفسك عن المرواح عنده، على الأقل تعلقك بيه ده يمكن يهدى شوية ومع الوقت يمكن تنسيه.
سلمى باهتمام: هو أنتِ عرفتي إزاي؟
نهاد: عرفت بالصدفة، لما لقيت عارف بيسألني إن كنت مشتركة في أي نشاطات مجتمعية زيك ولا لأ، ولما لقيت إنك مخبية عننا كلنا ابتديت أفهم.
سلمى: أوعي يا نهاد تجيبي سيرة أي كلمة من الكلام ده قصاد عارف.
نهاد بابتسامة: أنا هبلة أه، بس مش للدرجة دي.
رواية فؤادة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ميمي عوالي
كانت فؤادة تعيش أسعد لحظات عمرها، وهي تعرف للمرة الأولى معنى أن تحب شخصًا ما، وأن يبادلها ذلك الشخص تلك العاطفة الجياشة.
جلال، ذلك الرجل الذي كان دائمًا يعلو وجهه الجمود والغضب، والتي كانت تحاول تجنب الدخول معه في أي حديث، ولكنها كثيرًا ما كانت تفشل في ذلك. ذلك الرجل الذي كانت تتشبث بملابسها أثناء وجودها أمامه أو الحديث معه.
أين الصلة بين هذين الرجلين؟ أين الرابط بين هذين الجلالين؟ فجلال الأمس.. ذلك الرجل الصارم المتشبث برأيه دائمًا دونما أي اعتبار لمشاعر من حوله، وجلال اليوم.. ذلك الرجل الذي لا تفارقه ابتسامته المتأملة دائمًا في وجهها، جلال الحنون الذي يهتم بكل شؤونها.
فبين ليلة وضحاها، جعلها تنسى كل ما مر عليها في حياتها، ولا تتذكر سوى عشق هذا الجلال لها.
كانا يجلسان ليلًا بحديقة المنزل، وكانت تجلس بجواره وهي معلقة بصرها بالسماء تراقب النجوم، وجلال ضامًا إياها إلى صدره، وهما مستمتعان بهدوء المكان بعد أن خلدت سلوى إلى النوم.
ليقول جلال وهو يعبث بأصابعه في كتفيها:
"مش بردانة؟"
فؤادة:
"احنا على أبواب الربيع، الجو ابتدى يدفى."
جلال:
"بس لسه الشتا ما خلصش لحد دلوقتي."
فؤادة بابتسامة:
"دي بالذات ما ينفعش أنساها، ما تقلقش."
جلال:
"بيقولوا هيبقى في مطرة تاني على آخر الأسبوع."
فؤادة:
"من غير ما يقولوا، ده بيبقى معادها، أنت ما شفتش الدنيا لما بتمطر هنا بتبقى الدنيا عاملة إزاي!"
جلال بفضول:
"بتبقى عاملة إزاي؟"
فؤادة:
"أحيانًا بتبقى عاملة زي السيول."
جلال:
"المطرة دي بتبقى رزق وخير من عند ربنا."
فؤادة:
"الحمد لله."
جلال:
"ما قولتيليش، عاوزانا نتحرك إمتى بكرة واحنا ماشيين؟"
فؤادة:
"زي ما تحب."
جلال:
"عشرة كويس؟"
فؤادة:
"كويس أوي."
جلال:
"عاوزة تحضري حاجة معينة عشان عمك أو محمد؟"
فؤادة:
"أنا وصيت عمي نبيل يحضر لنا فاكهة عشانهم وعشان والدتك وإخواتك، وهيبقوا جاهزين الصبح إن شاء الله، والستات كمان من بدري هيجهزوا من خيرات الله."
جلال:
"وأمي كمان جهزت عندها حاجات زي كده عشان عارف ياخدها معاه وهو رايح، ولو تحبي نعدي على عمك الأول قبل ما نروح نوديلهم الحاجات دي ماشي."
فؤادة بابتسامة:
"متشكرة أوي يا جلال، تعبتك معايا."
جلال بحب:
"أوعى تقولي كده، أنا ما عنديش أعز منك."
وفي اليوم التالي، بعد أن تم تجهيز كل ما طلبته فؤادة، قاموا بتوديع الجميع بعد أن أوصاهم جلال على المزرعة، ووعدتهم فؤادة أن غيابها لن يطول عن بعض الأيام القلائل.
واتجه جلال بسيارته مصطحبًا فؤادة وسلوى وماجدة التي كانت في قمة سعادتها بأنها أخيرًا ستلتقي بأهلها بعد غيابها عنهم تلك الفترة الطويلة بالنسبة لها. وقبل التوجه إلى بلدتهم، قاموا بالمرور أولًا على منزل عمها، لتساعد ماجدة حارس العقار على توصيل كل ما تم تجهيزه لأسرة عمها، ثم اتجهوا بعد ذلك إلى منزل جلال.
وما أن وصلت سيارة جلال إلى السياج الخارجي للمنزل، حتى وجدوا أدهم وليلى يسرعان إليهم بفرحة عارمة، وهما يتبادلان التحية الحارة وسط ضحكات جلال وفؤادة العالية، ليقول جلال:
"ياللا طيب دخلونا وإلا فاكرينا هنرجع تاني؟"
أدهم:
"لا يا عمو، لو رجعتوا تاني هاجي معاكم."
ليأتيهم صوت حسنة وهي تقول بسعادة:
"ومين ده اللي هيخلي حد فيهم يروح في حتة تاني؟"
لتسرع إليها فؤادة وتحتضنها بحب شديد قائلة:
"وحشتيني يا أمي، وحشتيني أوي."
حسنة بحب:
"وأنتِ يا بنتي وحشتيني أكتر، المفروض إننا كلنا نكافئ عارف وأبو زهرة إنهم اتسببوا إنك تجيلنا هنا من تاني."
ليأتي إليهم جلال ويحتضن أمه ويقبل يديها، ثم يضم فؤادة تحت جناحه وهو ينظر لأمه ويقول بابتسامة:
"ويا ترى لو أنا اتسببت إنها تفضل معانا على طول، هتكافئينى أنا كمان بإيه؟"
حسنة بشهقة عالية وهي تضع كف يدها تغطي فمها وهي تنظر بذهول إلى فؤادة التي تورد وجهها خجلًا وجعلت تنظر للأرض:
"جد يا فؤادة؟ طمني قلبي يا بنتي."
لتومئ فؤادة رأسها بخجل فتنظر إليهم حسنة في سعادة بالغة وتضمهم إليها بكلتا ذراعيها وهي تقول بفرحة عارمة:
"ده يبقى يوم الهنا والسعد، ربنا يهدي سركم ويبعد عنكم كل حاجة وحشة يا رب."
وعند دلوفهم إلى الداخل تفاجئوا بندا وهي تقف تراقبهم في صمت شديد وإن كانت أعينها تمتلئ بالدموع، وما أن رأتها سلوى حتى جرت إليها محتضنة جذعها قائلة:
"خالتو ندا، وحشتيني."
ندا وهي تنظر لسلوى بعتاب:
"وحشتك إيه بقى؟ ده أنتِ نسيتيني خالص، وما كلمتينيش حتى ولا مرة."
سلوى ببراءة:
"أصل أنا كنت عاوزة أفضل مع ماما هناك، عشان المزرعة بتاعتها حلوة أوي."
ندا بحدة:
"مين ماما دي؟"
سلوى بتلقائية شديدة:
"ماما فؤادة."
ندا بغضب وهي تمسك ذراع سلوى بعنف:
"أنتِ أمك اسمها هدى، وأمك ماتت ومالكيش أم تانية، وإياكِ أسمعك بتقولي كلمة ماما دي لأي حد تاني... أنتِ فاهمة؟"
جلال بغضب:
"ندا.. الزمي حدودك، أنتِ مالكيش هنا أي صفة أصلًا عشان تتكلمي في حاجة ما تخصكيش من الأساس."
ندا بحدة ووجهها غارق بعبراتها:
"قدرت تنسى هدى، قدرت تحط واحدة تانية مكانها، سمحت لبنتك تنده لواحدة غيرها بكلمة ماما اللي منعتها تقولهالي رغم إن أنا اللي ربيتها طول السنين دي، إزاي قلبك سمح لك تعمل كده إزاي.. أنت مش أكتر من راجل خاين."
جلال بعنف:
"أنا عمري ما كنت خاين."
ندا بعنف مماثل:
"لا خاين، لما تنساها تبقى خاين، لما تستبدلها بواحدة غيرها تبقى خاين، وأوعى تفكر إنك لما تجيبلها بديلة تشبهها ما تبقاش خنت يا جلال يا جوز أختي."
لتتركهم ندا مهرولة إلى الأعلى وهي تبكي بشدة، بينما يقف جلال بشموخ رغم انتفاضة جسده الواضحة للعيان نتيجة غضبه الشديد.
أما فؤادة فكانت تضم سلوى بأحضانها وهي تربت عليها بحنان بينما عيناها لم تترك وجه جلال للحظة واحدة، فكان رغم جموده، إلا أن عينيه كانت تشتعل غضبًا وحزنًا في ذات الوقت مع تنفسه الحاد الواضح للعيان، فكان صدره يعلو وينخفض بشدة وكأنه في حلبة سباق.. مما جعلها تعتقد أنه قد ندم على تصريحه بحبه لها، وقد كان اعتقادًا قاتلًا موجعًا بشدة.
وكانت على وقفتها لا تعلم ماذا تفعل أو ماذا تقول، حتى راودها عقلها أن تعد من حيث أتت، إلا أن صوت حسنة قد انتشلها مما هي فيه حين قالت بهدوء:
"ياللا يا أولاد غيروا هدومكم، زمان عارف وحسين جايين، عشان نلحق نتغدى ونستعد للي ورانا."
ليقول جلال بجمود:
"معلش يا أمي، أنا هروح أبص على الأرض على ما إخواتي يرجعوا، وهاجي على معاد الغدا."
وتركهم وانصرف دون أن ينظر إليها نظرة واحدة، فكانت ما زالت تشعر باحتياجها لنظرة من عينيه تطمئنها أنه لا زال على عهده معها، وأنه لم يندم على طلبه توطيد علاقتهما.
فكانت تضم سلوى بيد واليد الأخرى تعبث وتتشبث بشدة بثيابها مما لفت انتباه حسنة، فاقتربت منها وربتت على كتفها قائلة بحنان:
"ما تخليش اللي حصل ده يشغل بالك يا بنتي، ولا تخليه يعكر صفو حياتك، ياللا اطلعي غيري هدومك وتعالى، سلوى هتوريكي أوضة جوزك."
فؤادة بشرود:
"لا يا أمي، الوضع مش زي ما أنتِ فاهمة، لسه شوية، من فضلك أنا هرجع نفس الأوضة اللي كنت فيها."
سلوى وهي تتشبث بفؤادة:
"لا يا ماما، خليكي معايا في أوضتي، عاوزاكي تنامي معايا زي ما كنا هناك... عشان خاطري."
لتومئ فؤادة رأسها بقلة حيلة في صمت شديد، وتتجه مع سلوى إلى الأعلى، وما أن دلفت إلى غرفة سلوى حتى قالت:
"ادخلي ياللا اغسلي وشك وتعالى عشان أساعدك تغيري هدومك."
وما أن دلفت سلوى إلى الحمام إلا والتفتت فؤادة باتجاه خزينة الملابس لتجد صورة كبيرة لشابة جميلة معلقة فوق الفراش، ولأول وهلة علمت أن تلك الشابة ما هي إلا هدى.
لتقف وهي تتأملها في شرود ليأتيها صوت ندا من خلفها وهي تقول بغل دفين:
"عرفتي اتجوزك ليه؟ عرفتي عاوز يقلب التمثيلية حقيقة ليه؟ عشان كربونة منك، من يوم ما دخلتي البيت ده وأنا عارفة إنه هيشوفها فيكي، من أول لحظة عرفت إن ده هيحصل، وحاولت أمنعه بكل قوتي، بس في الآخر برضه حصل.
أوعى تفكري إنه هيحبك في يوم من الأيام،" ثم أشارت إلى الصورة المعلقة وقالت بقسوة:
كل مرة هيعترفلك فيها بحبه هيكون بيعترف لهدى. كل مرة هياخدك في حضنه هيتخيلك هي. كل كلمة حلوة هتبقى ليها وكل لمسة هتبقى هي اللي قصاده. رميتي نفسك في وهم كبير أوي... اكرملك تاخديها من قصيرها وترجعي لحياتك وتسيبينا لحياتنا اللي خربتيها من يوم ما دخلتي بيننا.
ثم تركتها وانصرفت. وليس من الغرفة فقط بل من المنزل بأكمله. أما فؤادة فكانت تسمع لكل كلمة وهي شاردة مع ملامح هدى. فحقا يوجد هناك شبه كبير فيما بينهما إلى تلك الدرجة. وأخذت تربط بين كلمات ندى المسمومة، وبين ملامحها الشبه متطابقة لملامح هدى وقد أصبحت شبه متيقنة من صحة كل ما قالته لها ندى. لتهوي بجسدها على الفراش وهي تفكر في اتجاه واحد فقط: كيف لها أن تترك جلال دون أن يؤثر ذلك على زواج نهاد وعارف؟ لتنهض من مكانها فجأة وتخرج هاتفها وتقوم بالاتصال بمحمد على الفور.
عند عودة جلال من الخارج، كان الجمود مازال مرتسمًا على ملامحه. ووجد إخوته في انتظاره، وحسنة تجلس معهم بصحبة الصغيرين أدهم وليلى. ولكنه لم يجد من بينهم فؤادة أو سلوى.
وبعد أن تبادل التحية مع إخوته قال:
"أومال فؤادة وسلوى فين؟"
حسنة وفي نبرتها بعض العتاب لجلال:
"محمد جه أخد فؤادة عشان محتاجلها معاه النهاردة، وسلوى شبطت فيها فأخدتها معاها هي وماجدة."
جلال بغضب:
"وإزاي يعني تروح من غير ما تقوللي ولا تستأذني؟"
حسنة وبغضب لم يره جلال من أمه منذ سنوات:
"وتقول لك بمناسبة إيه؟ بمناسبة إنك سيبتها ومشيت من غير حتى ما تطيب خاطرها بكلمة واحدة بعد السم اللي سمعته من ندى."
حسين باستغراب:
"ندى... هو إيه اللي حصل يا أمي؟"
حسنة:
"اللي حصل إن أخوك الكبير العاقل اللي دماغه توزن بلد، أول ما سمع كلمتين خايبين من ندى، ساب البنية واقفة في وسط هدومها وهي مش عارفة راسها من رجليها. كان لسه بيقوللي إنهم خلاص هيفضلوا مع بعض على طول وفرحانين ببعض، يقوم أول ما ندى تفكره بهدى، ينسى كل حاجة ويجري يهرب ويسيبها."
جلال بدفاع:
"أنا ما هربتش يا أمي."
حسنة بحزم:
"لا هربت. تقدر تقوللي كنت فين؟ سيبتها ودمعتها على خدها وروحت فين يا جلال؟ وإلا تحب أقول لك أنا؟"
لينظر لها جلال بحزن فتكمل قائلة:
"روحت لهدى مش كده؟"
لينكس جلال رأسه فتقول حسنة مرة أخرى:
"اسمع يا ابني... ربنا قال في كتابه الحكيم: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) ولو مش هتبقى عادل مع مراتك... سيبها تشوف حياتها وعمرها. ما تبقاش أنت والزمن عليها. الهلالي كان طمعان في أرضها وأنت طمعان في عمرها وياريتك هتقدره وتصونه."
جلال باستغراب:
"أنتِ شايفاني أناني كده يا أمي؟"
حسنة بتأكيد:
"أيوه أناني يا جلال. اسمعها مني يا ابني... أنت النهاردة ما بصتش غير على وجعك أنت وبس. طب ووجعها هي يا ابني؟ ذنبها إيه تتوجع الوجع ده وأنت حتى ما تفكرش تطمنها ببصة واحدة من عينك."
حسين بقلة صبر:
"ممكن حد يفهمني ندى قالت إيه خلت كل ده يحصل؟"
لتقص عليهم حسنة ما فعلته ندى وقالته عندما رأت جلال مع فؤادة وعند سماعها لسلوى وهي تناديها على أنها أمها.
عارف:
"ممكن تفكوا التنشنة دي شوية وتروقوا كده، وخلونا في زيارة النهاردة، وإكيد جلال هيلطف الجو مع فؤادة أما يشوفها، وإلا إيه يا جلال؟"
ليذهب جلال من أمامهم متجهًا إلى الأعلى دون أن ينطق بكلمة واحدة.
عند سالم... كان الجميع مشغول بتحضيرات العقيقة التي أعدها سالم ومحمد من أجل زهرة. حتى فؤادة تناست مؤقتًا كل ما حدث واندمجت مع الجميع وهي تساعدهم في تلك التجهيزات.
وقام سالم ومحمد بتجهيز سطح البناية بمساعدة الحارس وبعض الجيران حتى يقوموا بالاحتفال بداخله. وقد قام محمد بإنارته وتجهيزه بالموائد والمقاعد.
وكان هناك جمع من المعارف والزملاء والجيران متواجدين بالفعل قبل وصول جلال وإخوته ووالدته. وما أن دلفوا إلى المكان إلا ووجدوا محمد وسالم في استقبالهم. وما أن رحبوا بهم حتى اصطحبوهم إلى مائدة كبيرة وهي تبدو أنها المائدة الرئيسية في الاحتفال. فقد كان يجلس إليها جميع أفراد أسرة سالم بما فيهم فؤادة والتي وجدوها تحتضن سلوى والتي كانت هي الأخرى تحتضن زهرة الصغيرة بفرحة شديدة تحت رعاية فؤادة التي كانت تراقبهم بحنان بالغ والتي سرقت به أعين جلال التي سافرت مع ابتسامتها إلى مكان بعيد يخلو من جميع من حوله حتى انتبه على صوت محمد وهو يقول بمرح:
"مراتك وبنتك من ساعة ما جم وهم مستولين على بنتي ومش مدين فرصة لحد يلمسها."
لترفع فؤادة عينيها لتصطدم بعيني جلال المسلطة عليها، لتهرب منهما سريعًا إلى محمد وهي تقول:
"معلش، سيبنا نشبع منها شوية، قبل ما كل واحد يروح لحاله."
لم يدرِ جلال سر تلك القبضة الحديدية التي لكمت قلبه بقوة عند سماعه لتلك العبارة. كان يتمنى أن ترفع وجهها إليه لكنها أبت أن تفعل ذلك. وقبل أن يفيق من شروده، وجد محمد يسحبه بعيدًا عن الجميع وهو يقول له في فضول:
"إيه اللي حصل؟"
جلال باستفسار:
"حصل في إيه؟"
محمد باستياء:
"أنا سيبتكم في المزرعة وكانت الحال غير الحال، إيه اللي حصل بينكم خلاها في الحالة دي؟"
ليستدير جلال سريعًا وهو يلقي بنظره على فؤادة بتركيز ويقول متسائلًا بلهفة:
"مالها فؤادة؟"
محمد:
"أنا اللي بسألك يا جلال... مالها فؤادة؟ فؤادة مش في حالتها أبدًا، وواضح إن حصل حاجة كبيرة."
ليقص جلال على مسامعه ما حدث باختصار شديد.
لينظر له محمد بخيبة أمل ويقول:
"ليه يا جلال؟ ده أنا فرحت لما كلمتني في التليفون وحكيتلي على التطور اللي حصل بينكم."
جلال:
"ما كنتش أقصد صدقني، بس أنا ناوي أصالحها، بس فهمني إيه اللي حصل؟"
محمد بسخرية:
"أنت عارف إنها مش هتقول حاجة، بس أنا حسيتها مشحونة، ومش لاقية متنفس تفضي الشحنة اللي جواها، بس اللي لفت نظري أكتر إنها وهي بتتكلم مع بابا سمعتها بتقول له إنها راجعة المزرعة تاني بكرة، ولما بابا سألها إن كنت هتبقى معاها وإلا لا، نفت ده، وقالت إنك مش فاضي، وعندك مشاغل كتير هنا محتاج لك."
جلال بغضب مكبوت:
"ومين اللي هيسمحلها تعمل ده؟"
محمد:
"أعتقد إنك عارف كويس إن فؤادة ما بتجيش كده أبدًا."
جلال:
"عمومًا، أنا هتصرف ما تقلقش."
محمد بتمني:
"ربنا يستر."
جلس جلال بصحبة عارف وحسين مع سالم ومحمد لتحديد موعد زواج عارف ونهاد، وطال نقاشهم، حتى نهض سالم قائلًا بصوت عالي:
"يا جماعة، طبعًا إحنا كلنا متجمعين مع بعض النهاردة عشان نحتفل مع بعض بزهرة بنت محمد ابني... وأول حفيدة ليا، لكن الحقيقة في مناسبة تانية لازم نحتفل بيها."
ليشير سالم إلى نهاد لتذهب إليه وتقف إلى جواره وهو يحيطها بجناحه، ومن الجهة الأخرى يقف عارف وهو يبتسم بسعادة شديدة بينما يقول سالم:
"إحنا الأسبوع اللي فات، يوم ولادة زهرة قرينا فاتحة عارف على نهاد بنتي، وحددنا الجواز إن شاء الله بعد شهرين من دلوقتِ."
ليعلو صوت الزغاريد والتهاني من الجميع، وهم يتبادلون التحية مع عارف ونهاد.
طوال فترة الاحتفال كانت فؤادة تتعمد عدم النظر نهائيًا إلى جلال، وظلت جالسة بمكانها لم تبرحه. حتى أعلن عمها عن موعد زواج نهاد وعارف، فاختلط المدعوون، وتبادل الجميع الأماكن فاضطرت فؤادة إلى الابتعاد قليلًا عن التجمع الموجود خوفًا على زهرة، وجذبت معها سلوى بعيدًا عن الازدحام.
وعندما لمحها جلال، ووجد أنه أخيرًا سيستطيع التحدث معها فذهب إليها وجلس بجوارها وقال:
"ليه ما استنيتنيش لما أرجع عشان تقوليللي إنك هتيجي هنا؟"
لتنظر له فؤادة نظرة محملة بالألم الشديد وقالت:
"يمكن يكون الكلام ده شرعًا من حقك، لكن الكلام ده لما اللي بيننا يبقى بيسمح بده."
جلال بذهول:
"وهو اللي بيننا ما يسمحش بده؟"
فؤادة وهي تنظر للا شيء:
"إحنا متجوزين لهدف معين يا أستاذ جلال، والهدف ده خلاص اتحقق، ويمكن ظروف جواز عارف ونهاد أخرت انفصالنا شوية، لكن موضوع انفصالنا ده أمر مفروغ منه."
جلال بدهشة:
"إيه التخريف اللي أنتِ بتخرفيه ده؟ أعتقد إني لما صرحت لك بحقيقة مشاعري... ورغبتي إننا نكمل سوا... بادلتيني نفس الرغبة دي، ووافقتيني إننا نبتدي مع بعض من أول وجديد... ده إحنا كمان اتفقنا إننا هنعمل فرح مع عارف ونهاد... وإلا نسيتِ ده كمان؟"
فؤادة بجمود:
"الحقيقة ما نسيتش، بس لما وصلنا هنا... حسيت إني مش هقدر أسيب أرضي وحياتي وأجي أعيش هنا."
جلال:
"ومين جاب سيرة العيشة هنا أو هناك؟ ومين قال إني هخليكِ تسيبي حياتك هناك أو أجبرك إنك تعيشي هنا؟"
لتنظر له فؤادة نظرة ممزوجة من الألم والعتاب وتقول:
"ما أعتقدش أبدًا إنك هتسيب النسخة التانية من مراتك الأولانية تعيش بطريقة مختلفة عن عيشتها اللي كانت عايشاها."
جلال بعدم فهم:
"إيه الكلام اللي أنتِ بتقوليه ده؟ أنا مش فاهم حاجة."
فؤادة بألم وهي تنظر للا شيء:
"بس أنا بقى فهمت يا أستاذ جلال، فهمت لما شفتها."
جلال بفضول:
"شفتِ مين... فهميني."
فؤادة:
"شفت صورتها..."
صورة أم سلوى، شفتِ قد إيه تشبهني؟ أو أنا اللي أشبهها؟ ما أعرفش مين فين بالضبط اللي نسخة من الثانية. فهمت ليه ندا عملت اللي عملته، زي ما أنا فهمت إيه اللي غير موقفك من ناحيتي.
جلال وهو يحاول السيطرة على غضبه: لازم تفهمي إن كل الكلام اللي أنتِ بتقوليه ده مش أكتر من أوهام في دماغك.
فؤادة بنبرة تحدي: لازم أنت اللي تفهم إني مش هسمح أبدًا إني أبقى مجرد مسخ أو صورة من حد أنا ما أعرفوش، ولا عمري هابقى لعبة في إيد حد، حتى لو روحي في إيده.
جلال بلين: يا فؤادة، أقسم لك إن كل الكلام اللي ندا قالته النهاردة ده ما لوش أي أساس من الصحة.
فؤادة ببسمة سخرية: فعلًا، بإمارة ما كل كلمة قالتها كانت بتنهش من قلبك وروحك معاها، بدليل إنك بدل ما تاخدني في حضنك وتقول لي أنا هنا معاكي، سيبتيني تايهة لوحدي وأنا مش عارفة أخطّي أي خطوة ولا في أي اتجاه. للأسف، أنت سقطت في أول امتحان ليك يا جلال، وياريتني كنت حتى أنا اللي عاملاهولك.
جلال: أنا ما أقدرش أنكر أبدًا إني كنت ومازلت بحب هدى، لكن أنتِ غير يا فؤادة.
فؤادة وهي تنهض من مكانها وزهرة بين أحضانها: أرجوك كفاية، أنا مش عاوزة أسمع أي كلام تاني في الحكاية دي. أنا لولا خاطر نهاد وعارف.. كان زماني رجعت المزرعة من ساعتها. لكن عشان تبقى عارف، أنا طلبت من عمي نبيل يبعت لي عربية من المزرعة تاخدني الصبح بدري، وأول ما هتوصل، أنا هروح على شقتي في إسكندرية، لأني محتاجة إني أصفي حساباتي مع نفسي.
جلال: ومين هيسمحلك إنك تعملي كده؟
لتلتفت إليه فؤادة وتقول بإصرار: أعتقد إن مهمتي خلصت لحد كده، وبيتي أولى بيا، واللي بيننا وبين بعض خلاص، في أيامه الأخيرة.
وتتركه فؤادة وتتجه إلى عمها وأبنائه ساحبة سلوى بيدها، وتحاول الاندماج معهم حتى حان موعد رحيلهم.
وعند عودتهم، وما إن دلفوا إلى المنزل حتى توجهت فؤادة مع سلوى إلى غرفتها دون أي حديث مع أحد، وباتت ليلتها وهي تتأمل الصورة المعلقة أعلى الفراش وهي تترك لعبراتها العنان.
أما جلال فبات ليلته بغرفة مكتبه، وهو يلعن ندا وكلماتها أشد اللعنات، ولا يدري كيف له أن يعيد وصال فؤادة من جديد، حتى سمع آذان الفجر، فصعد إلى غرفته لكي يتوضأ ويستعد للصلاة، وأثناء مروره بغرفة ابنته سمع:
سلوى ببكاء: عشان خاطري يا ماما، خديني معاكي ماتسيبينيش.
فؤادة بحزن: حبيبتي أنا لو أعرف إن باباكي ممكن يوافق، ما أسيبكيش عمري كله.
سلوى: طب هو مش هيوافق ليه؟ ما هو وافق المرة اللي فاتت.
فؤادة بتنهيدة: يعني، في حاجات كده اتغيرت.
سلوى: طب هو أنتِ مش عاوزاني معاكي؟
فؤادة: أنا... أخص عليكي يا لولو، ده أنا لو أطول أخليكي معايا على طول، بس مش من حقي.
سلوى وقد زادت وتيرة بكائها: لو ما أخدتينيش معاكي هاجيلك لوحدي.. أنا هعرف.
فؤادة بلهفة: أوعي يا سلوى.. أوعي تخرجي من البيت من غير بابا وتيتا ما يبقوا عارفين أنتِ رايحة فين.
سلوى: خلاص خديني معاكي.
فؤادة وقد اعتلى النشيج نبراتها هي الأخرى: يا حبيبتي مش هينفع، وبابا مش هيوافق أبدًا.
لتأتي فكرة ما على بال جلال، فتعتلي البسمة شفاهه ويذهب لأداء صلاة الفجر والاستعداد لتنفيذ ما جال في خاطره.
وفي تمام الثامنة صباحًا، تستمع فؤادة إلى نفير إحدى السيارات لتعلم أن السيارة التي طلبتها من المزرعة قد وصلت إليها، لتهبط إلى الأسفل بحقيبتها، وسلوى من ورائها وهي مستمرة في البكاء، لتجد حسنة تجلس بالأسفل، ولا يوجد معها سوى ماجدة وأم إبراهيم.
فتحييها فؤادة وتقوم بتوديعها بعد أن شكرتها على كل ما قامت به من أجلها، ورفضت تمامًا محاولات حسنة لاثنائها عن تلك الخطوة، وقامت بتوديع سلوى التي لم تكف لحظة عن البكاء.
وما إن خرجت من المنزل، إلا ووجدت جلال يقف بجانب سيارته، ولا توجد أي سيارة أخرى فقالت بدهشة: أنا سمعت عربية كانت بتزمّر، وفكرتها عربية المزرعة.
جلال: عربية المزرعة مش جاية.
فؤادة: ليه؟ وإزاي عم نبيل ما يقولليش؟
جلال: أنا اللي قلت له ما يبعتش حاجة، ما ينفعش أبقى موجود وأسيبك تركبي مع حد غريب.
فؤادة: مين ده اللي غريب؟ ده سواق المزرعة.
جلال: أياكش يكون سواق الجن الأزرق، وياللا اركبي وأنا هوصلك المكان اللي أنتِ عايزاه.
سلوى ببكاء: عايزة أروح مع ماما يا بابا، خليها تاخدني معاها.
جلال وهو يتصنع عدم المبالاة: والله أنتِ ومامتك حرين مع بعض، ما تدخلونيش بينكم.
سلوى: يعني أنت موافق؟
جلال: ما قلت لك أنتُ حرين مع بعض.
كانت فؤادة تنظر له بدهشة شديدة فقد اعتقدت أنه سيمنع سلوى من الذهاب معها لأي مكان ولكن عندما سألتها سلوى: هتاخديني معاكي يا ماما؟
نظرت فؤادة إلى ماجدة وقالت: اطلعي بسرعة هاتي حاجتها وتعالي، مش عايزين نتأخر أكتر من كده.
رواية فؤادة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ميمي عوالي
تحركت سيارة جلال متجهة إلى الإسكندرية، لا يتخللها سوى بعض الأحاديث بين سلوى وفؤادة، وكان جلال يتولى القيادة في صمت شديد. ومع الوقت راحت سلوى في سبات عميق، وغفت ماجدة هي الأخرى، ولكنه لاحظ فؤادة وهي تخرج هاتفها وتهاتف أحدًا، واستمع إليها تقول:
صباح الخير يا عمي. أيوه أنا على الطريق دلوقتِ. لا.. جلال صمم يوصلنا عشان يتطمن علينا. الله يسلمك، أنا بس بعد إذنك عاوزاك تكلم الجراچ اللي رافع فيه العربية بتاعتي، وتخليهم يجيبوها لي على عمارة ستانلى. أيوه أنا هقعد هناك شوية. حاضر إن شاء الله وسلم لي على كل اللي عندك. مع السلامة.
وبعد أن أعادت هاتفها إلى الحقيبة مرة أخرى قال جلال بفضول:
أنتِ بتعرفي تسوقي؟
فؤادة:
أيوه.
جلال:
بتسوقي كويس يعني ولا سواقة حريمي؟
فؤادة وهي تنظر إليه بجانب عينيها:
بسوق من وأنا في ثانوي.
جلال:
طب وأنتِ محتاجة العربية في إيه؟
فؤادة:
وأسيبها مركونة في الجراچ ليه؟
جلال:
أيوه يعني هتروحي فين؟
لتنظر إليه فؤادة وهي تكبت غضبها ولكنها قالت:
أكيد مش هفضل في البيت الأربعة وعشرين ساعة.
جلال بقلق:
أيوه، بس ليه ما قلتيليش؟
فؤادة:
وهتفرق إيه؟
جلال:
كنت اتصرفت وجبت لك سواق، أو أفضل أنا معاكم و...
فؤادة بحزم:
لأ.
جلال بخفوت وهو ينظر في المرآة إلى ماجدة التي ذهبت في النوم:
ما تنسيش إننا مش لوحدنا.
لتلتفت فؤادة ناحية ماجدة وسلوى المستغرقتان في النوم بجمود، ثم تعود بوجهها مرة أخرى إلى الأمام وهي تقول:
يبقى من الأحسن إن كل واحد ياخد باله من كلامه.
جلال:
طب ناوية تقعدي في إسكندرية قد إيه؟
فؤادة بإيجاز:
ما أعرفش.
جلال:
طب هترجعي على المزرعة ثاني ولا هتفضلي هنا؟
فؤادة بعند:
ما أعرفش.
جلال بغيظ:
لازم تعرفي وتعرفيني، على الأقل أبقى عارف بنتي فين بالضبط.
لتنظر فؤادة له نظرة عتاب وتقول:
حاضر، هبقى أخليها تكلمك وتبلغك بتحركاتها.
لينظر لها جلال بغضب ولكنه يقرر أن يؤجل معها أي نقاش وهي في تلك الحالة المزاجية المتجمدة.
في منزل عزت، كانت ندى تجلس في غرفتها منذ عودتها من زيارة أبنائها في اليوم السابق، ليدخل عليها كريم ويسألها بفضول:
أنتِ ما روحتيش لولادك ليه النهاردة؟
ندى بجمود:
جلال رجع إمبارح.
كريم بتعجب:
طب وده يمنعك إنك تروحي لولادك؟
ندى:
رجع هو ومراته.
كريم بفضول:
فؤادة رجعت معاه ثاني؟ يعني فعلًا ناويين يكملوا جوازهم؟
ندى بغضب دفين:
داخل بيها وهي في حضنه والدنيا مش سايعاهم، لا وكمان سمح لسلوى تقول لها يا ماما، اللي لما كانت تغلط وتقولها لي زي ما أدهم بيقول، كان يزعقلها بغضب، ويقول لها أمك ماتت، ندى تبقي خالتك وبس، سابها تقول لمرأة أبوها يا ماما وهو فرحان ومبسوط يا كريم!
كريم ببعض الأسى:
كل واحد حر في حياته يا ندى، احنا مالناش إننا نتدخل.
ندى بغضب:
لا لينا، أنت ناسي إنها بنت أختنا والوحيدة اللي باقية لنا من ريحتها؟
كريم:
متهَيأ لي يا ندى أنتِ آخر واحدة ممكن تتكلمي في الموضوع ده، وجلال عمره ما هيسمح لك أنتِ بالذات إنك تتدخلي فيه.
ندى بتمرد:
وليه بقى إن شاء الله؟
كريم بسخرية:
لو كنتِ نسيتِ اللي حصل، أنا ما نسيتش وممكن أفكرك، أو أخلي حد من ولاد عمك يفكرك، فياريت تعقلي كده وتبطلي مشاكل.
ندى بدهشة:
أنا شايفاك يعني واخد الموضوع ببساطة، مش دي فؤادة اللي كنت معجب بيها وكان نفسك تتجوزها، إزاي واخد الحكاية عادي كده، وأنت شايفها راحت لغيرك، لا ولمين؟ لجلال، يعني معرض إنك تتوجع بيها كل ساعة والثانية.
كريم:
أديكِ أنتِ بنفسك قولتها، كان نفسي، لكن ربنا ما أرادش.
ندى:
يعني إيه؟ هتسيبهاله كده ببساطة؟
كريم:
لا، هروح أقول له جوزني مراتك؟ فيه إيه يا ندى، احنا الموضوع ده بالذات ماينفعش نتكلم فيه، بلاش مشاكل على الفاضي، وأنتِ بالذات، واحمدي ربنا إن الحكاية الآخرانية رسيت على خير، وإن لحد دلوقتِ حسين ما يعرفش حاجة.
ندى بسخرية:
و افرض إنه عرف، هيعمل إيه يعني؟
كريم:
أبسط حاجة هيعملها إنه يمنعك نهائي عن ولاده، وحقه، أنتِ تفكيرك كله بقى إجرامي وبقى يتخاف منك، أنا نفسي بقيت أخاف عليكِ من روحك، ربنا يهديكِ.
وتركها كريم بمفردها مرة أخرى، وذهب إلى الخارج.
في الإسكندرية، ما إن اقترب جلال من منطقة ستانلى، حتى طلب من فؤادة أن ترشده إلى منزلها، لتدله على الطريق، حتى وصلوا إلى العقار الذي تملكه وتسكن به أيضًا، وعندما يراها الحارس الذي تخطى الخمسين من عمره، أتى إليها مهرولًا ببشاشة وهو يصيح قائلًا:
ست فؤادة، عاش من شافك يا بنتي، ألف حمد الله على السلامة.
فؤادة بابتسامة عذبة:
إزيك يا عم صالح وإزاي صحتك وخالتي بدرية؟
صالح:
احنا كلنا بخير يا بنتي طول ما أنتِ بخير.
وعندما ذهب صالح إلى السيارة ليحمل الحقائب قال جلال:
عنك أنت يا عم صالح، أنا هطلع الشنط بنفسي.
صالح وهو ينقل عينيه ما بين فؤادة وجلال:
العفو يا بيه، بس يعني...
وعندما لاحظ جلال أن فؤادة تهم بقول شيء ما فبادر بوضع كفه على كتف صالح قائلًا:
لو معتبر فؤادة بنتك يبقى أنا كمان ابنك يا راجل يا طيب، أنا اسمي جلال وأبقى جوز فؤادة.
ليحتقن وجه فؤادة غضبًا بينما ينظر إليها جلال عبثًا وهو يخرج الحقائب من السيارة وهو يتلقى التهاني من صالح.
وأشار لها جلال أن تتقدم أمامه ليعرف الطريق، وبالفعل سحبت سلوى بيدها، وذهبت أمامه، وهو يبتسم بعبث وهو يسير خلفها حاملًا بعض الحقائب وتاركًا لماجدة حقيبتها الخاصة.
وعندما دلفوا إلى الشقة، أسرعت ماجدة بفتح جميع النوافذ، بينما ظلت فؤادة تنظر إلى أرجاء الشقة وعينيها تمتلئ بالعبرات، ليقترب منها جلال ويقول بصوت خافت متسائلًا:
دي أول مرة تيجي هنا من ساعة وفاة والدك؟
لتومئ فؤادة رأسها بصمت لتجد سلوى قد احتضنتها بصمت وكأنها تشعر بحزنها وتواسيها على طريقتها، وما هي إلا ثوانٍ ووجدوا امرأة تدخل خلفهم من باب الشقة والذي لا زال مفتوحًا وهي تقول بفرحة واضحة على قسمات وجهها:
نورتي بيتك يا بنتي ألف حمد الله على سلامتك.
لتحتضنها فؤادة بود وهي تقول:
إزيك يا خالتي بدرية، عاملة إيه وصحتك أخبارها إيه؟
بدرية:
الحمد لله يا حبيبتي، وصالح بيقول لي إنك اتجوزتي، ألف مبروك يا بنتي ربنا يهنيكم.
ليخرج جلال من جيبه بعض الأوراق المالية ويدسها بيد بدرية ويقول:
الله يبارك فيكِ، بس يا ريت تشوفي لنا حد يساعد ماجدة في تنضيف الشقة، أحسن أنتِ عارفة إنها مقفولة بقالها مدة كبيرة.
بدرية وهي تنظر للنقود بيدها:
ده احنا عنينا للست فؤادة من غير أي حاجة، بس على عيني حاضر هنده للبنات عندي ومسافة ساعة زمن هيبقى كله زي الفل.
ليلتفت جلال إلى فؤادة ويقول:
هاتي سلوى وتعالي نقعد في أي حتة على ما يخلصوا تنضيف، وكمان نجيب معانا غدا.
فؤادة بعند:
مالوش لزوم، أنا هفضل معاهم وهم بينضفوا عشان لو احتاجوا حاجة.
جلال بإصرار:
عرفيهم أماكن الحاجات اللي ممكن يحتاجوها ويالا يا فؤادة، مش هنفضل واقفين كده على ما يخلصوا.
فؤادة:
أنا شايفة إنك ما تعطلش نفسك، تقدر ترجع أنت بالسلامة، واحنا هنشوف حالنا.
ليدير جلال وجهه عنها ثم يقول بحزن وباستياء مصطنع:
أنتِ بتطرديني من بيتك يا فؤادة؟ كتر خيرك.
فؤادة بذهول:
أنت عارف كويس أوي إني ما أقصدش كده.
جلال وهو ما زال معطيًا ظهره إياها:
عمومًا كتر خيرك، وآسف لو كنت أزعجتك، أشوف وشك بخير.
لتسرع فؤادة بالوقوف في طريقه وتقول بلهفة:
جلال أرجوك..
أنت عارف إني لا يمكن أقصد كده.
جلال وهو لا يزال يرسم ملامح الأسى على وجهه ودون أن ينظر بعينيها:
لو احتجتي أي حاجة في أي وقت كلميني، وتأكدي إني لا يمكن أبدًا هتأخر عنك لآخر لحظة في عمري، ولو تحبي آخد سلوى معايا من دلوقتي عشان ما تبقاش عبء عليكي أكتر من كده، أنا ممكن أخدها معايا.
لتمتد يد فؤادة وتمسك ذراع جلال وهي تشد عليها قائلة بنبرة غلبتها العبرات:
والله ما أقصد اللي أنت فهمته، والله ما أقصد أبدًا صدقني، وعمري ما أقدر أستغنى عن سلوى لحظة واحدة.
جلال بجمود:
حصل خير، خدي بالك من نفسك، أشوف وشك بخير.
فؤادة بلهفة:
أنت مش قلت هننزل نقعد بره شوية على ما يخلصوا وكمان نجيب غدا؟
ليكتم جلال ابتسامته بصعوبة، فها هو قد وصل لغرضه، وجعلها تتشبث بوجوده معهم، ليرفع عينيه ليجد عينيها تمتلئ بالرجاء فيقول وكأنه مجبر:
زي ما تحبي، أنا هستناكم تحت في العربية.
ويتركها ويذهب، وما أن اختفى عن عينيها حتى سمح لنفسه بالابتسام وهو يمني نفسه بمحو آثار ما قالته وفعلته ندى.
وبعد ما يقرب من العشر دقائق، فتحت فؤادة باب السيارة وصعدت هي وسلوى بجواره، ليقول بابتسامة صافية:
أنتِ الليدر بتاعنا النهاردة، شوقي هتودينا نقعد فين على ما ييجي ميعاد الغدا.
كان الطقس مشمسًا دافئًا، نسماته ممتعة، مع رائحة البحر المنعشة، لتنظر فؤادة باتجاه البحر وتقول بابتسامة حنين:
ممكن نقعد على البحر شوية لحد ما ييجي ميعاد الغدا.
سلوى:
هو إحنا هننزل نعوم في البحر يا ماما؟
فؤادة:
لا يا حبيبتي، الجو لسه برد على نزول الماية.
سلوى:
طب ممكن نلعب على الرملة اللي عند البحر؟
فؤادة:
طبعًا، ممكن أوي، إحنا هنروح دلوقتي.
جلال:
طب إيه... تمشي إزاي؟
فؤادة:
يلا اتحرك وأنا هدلك على المكان اللي هنقعد فيه.
لتذهب بهم فؤادة إلى مكان ما يتبع لأحد الشواطئ الخاصة التي تعودت الذهاب والجلوس به فيما مضى.
وبعد دلوفهم إلى الداخل، اتجهت بهم فؤادة إلى بعض الموائد التي ترتص على الرمال وأشارت سلوى قائلة:
أدينا جينا عند الرملة أهو يا ستي.
سلوى:
عاوزة أبني بيت بالرملة زي ما بشوفهم في التليفزيون.
فؤادة:
ماشي، بس مش هينفع النهاردة، ممكن نخليها بكرة، عشان أشتري لك الحاجات اللي بنعمل بيها البيت ده.
ماشى، وكمان أجيبلك لبس ينفع تلعبى بيه على الرملة، إيه رأيك؟
سلوى وهى تصفق بيديها: وهتنزلى معايا الماية؟
فؤادة: ما احنا قلنا مش هينفع ننزل الماية الأيام دى، لسه شوية. اقعدى انتى دلوقتى على الكرسى واتفرجى على البحر، وهنطلبلك آيس كريم.
لتنفذ سلوى ما قالته فؤادة حرفيًا، وتجلس لتراقب البحر وما حولها باستمتاع. وكان جلال ينتقل بعينيه بينهما باستمتاع شديد أثناء حديثهما معًا والابتسامة لم تغب عن شفتيه لحظة واحدة.
ليأتيهم الويتر ليملي عليه جلال ما يريدون تناوله من مشروبات، وبعد ذهابه، نظر جلال إلى البحر وهو يتأمل أمواجه الهائجة كقلبه بعمق ثم قال دون أن ينظر لفؤادة: يمكن أكون هربت فعلًا بعد ما سمعت كلام ندى، بس صدقيني، هروبي ما كانش للسبب اللى انتى فهمتيه.
لتنظر له فؤادة وتقول: أومال إيه اللى حصل؟
لينظر لها جلال ويقول: هدى الله يرحمها ما كانتش مجرد زوجة، هدى كانت أول حب فى حياتى. حبيت حبها ليا، حبيت انتمائها ليا، حبيت ضعفها واحتياجها ليا. يمكن اللى ما حدش أبدًا يعرفه، أن هدى هى اللى اعترفتلى بحبها فى الأول، أو بتعبير أدق اعترفت لنفسها، رغم هدوئها وخجلها الشديد. من صغرنا وإحنا بنحب بعض وقريبين لبعض، من غير ما حد فينا يجرؤ على مصارحة التانى، إلا إني فى يوم وأنا بزور عمى، وكنت انقطعت عنهم فترة بسبب مشاغلي، كانت هدى قاعدة فى الجنينة وواضح عليها إنها بتكتب حاجة ومركزة معاها أوى لدرجة إنها ما أخدتش بالها إني وقفت وراها وابتديت أقرأ اللى بتكتبه. اتفاجئت إنها بتكتب خواطر ليها فى أجندتها، ولمحت إسمى من بين السطور وهى بتوصفنى بإني القرصان اللى استوليت على دفة قلبها، وإني بالنسبة لها أهم من الهوا اللى بتتنفسه، وإنها بتتمنى اليوم اللى نلاقى فيه مرسى تضم سفينتى وسفينتها سوا.
يومها بعدت من مكاني بسرعة، خفت لو شافتني تتكسف أو تتحرج مني، ورجعت على بيتنا من غير حتى ما أشوف عمى.
رغم أن من صغرنا وأنا وهى قريبين جدًا من بعض، وكنت بحبها جدًا، لكن أول ما قريت كلامها ده، حسيت أن حالي اتشقلب، ولأول مرة أفاتح أمي فى موضوع جوازي، وطلبت منها تخطبهالى.
يوم بعد يوم كان حبها بيكبر جوايا، كانت بتتفنن عشان تخليني دايمًا مبسوط وراضي، كانت دايمًا تختار اللى بتبقى عارفة إني بحبه، طبعت نفسها بطبعي، حبيتها وهفضل طول عمري بحبها، وهبقى كداب لو قلت غير كده.
لتنظر له فؤادة بألم فيعيد جلال نظره إلى البحر مرة أخرى ويكمل حديثه قائلًا: أول ما دخلتى بيتنا، وابتديتى تتعاملى مع اللى حواليكي، الكل نبهني للشبه اللى بينك وبينها، لكن أنا كان دايمًا ردي واحد، أن الفرق بينكم كبير جدًا، بس هم ما فهموش.
من أول مرة اتكلمت معاكي فيها وأنا عرفت إنك مش زيها، وإن رغم الشبه الخارجي اللى بينكم إلا إن ما فيكوش من بعض أى حاجة.
ثم التفت إلى فؤادة وأكمل وهو ينظر بعينيها: ورغم ذلك وقعت فى حبك، ورغم الكبر والعند اللى عاندتهم لروحي، إلا إني ما قدرتش أنكر كتير، بس لما حبيتك، حبيت فيكي فؤادة... مش هدى أبدًا.
أى حد هيتعامل معاكي هيكتشف الفرق ما بينكم من أول لحظة، زي ما أنا عرفت برضه الفرق ده من أول مرة اتكلمنا فيها سوا.
وقت ما طلبت منك الجواز بغرض إني أحميكي من الهلالي، حسيت وقتها بنشوة غريبة ما عرفتش سببها غير بعد كده، ما كانتش أبدًا نشوة انتصاري على الهلالي، لأ، دى كانت نشوة فوزي بيكي، رغم إن ما كانش عدا على لقانا غير يومين اتنين وبس، لكن كون إنك على إسمى... ده كان بيديني إحساس بالقوة ما عرفش كان مصدره إيه.
لما هربت بعد الكلام اللى ندى قالته، روحت لهدى، قعدت عند قبرها وأنا بشتكيلها من حبي ليكي، حكيتلها كل حاجة عنك، وحكيتلها عن حبي ليكي اللى ندى بتحاول تقتله وبتقاومه من أول لحظة، حبيت أحكيلها بنفسي عن حبي ليكي عشان لو ندى اتهمتني بالخيانة تاني ما أثورش وأحزن.
خفت تزعل مني عشان أختها، رغم إن طول عمرها ما زعلتني، روحتلها عشان أبرئ ذمتي قدامها من أى تصرف ممكن أتصرفه مع ندى لو حاولت تأذيكي أو تأذيني بيكي أو فيكي، روحت أحكيلها بنفسي الحقيقة قبل ما تعرفها من غيري.
فؤادة بفضول: وإيه هى الحقيقة؟
جلال: إني حبيتك بكل ما فيكي، حبيت فؤادة اللى عمري ما شفت فيها هدى لحظة واحدة.
فؤادة بألم: لما شفت صورتها فى أوضة سلوى، عذرت ندى، حسيت واتوجعت بكل كلمة قالتهالي.
جلال باستغراب: هى اتكلمت معاكي بعد ما سيبتكم ومشيت؟
لتنظر فؤادة أرضًا وتسقط عبرة هاربة من عينيها وتقول: قالت لى كتير أوى، أكتر من اللازم.
جلال وهو يقبض على حواف مقعده بغضب حتى نفرت أوردته بوضوح: قالت لك إيه؟
فؤادة بدموع: قالت لى إن كل كلمة حب هسمعها منك هتبقى ليها هى مش ليا، أى كلمة حلوة أو أى تصرف منك هيبقى فيه لمحة حب هتعمله أو هتقوله وأنت متخيلها هى اللى قدامك مش أنا، قالت لى إن حبك ليا مش أكتر من وهم كبير أنا رميت نفسي فيه، وإني بالنسبة لك مش أكتر من صورة لمراتك اللى بتحبها وعمرك ما حبيت غيرها، وإن أكرملي إني أخرج من حياتكم اللى خربتها من يوم ما دخلت وسطكم.
جلال بغضب: لو عاوزاني أحلف لك إن ولا كلمة من الكلام ده له أساس من الصحة هحلف لك يا فؤادة، أقسم لك إني بحبك أنتي، وإن هدى برغم مكانتها الكبيرة اللى عندي إلا إنها بقت ماضي، لكن أنتي المستقبل يا فؤادة، ساعديني نحافظ عليه وما نضيعهوش من إيدينا.
ثم يمد كف يده ليمسح عبراتها ويقول برجاء: مصدقاني؟
لتومئ فؤادة برأسها علامة الموافقة، ليبتسم لها فى سعادة ويقول: بالمناسبة دى بقى، أنا عازمكم على المكان اللى تحبيه ونتغدى سوا قبل ما نروح البيت.
فؤادة: طب وماجدة، هى كمان زمانها جعانة.
جلال: طب خلاص، قوليلي على مكان بتحبيه أجيب لكم منه الغدا ونرجع نتغدى كلنا سوا.
وفى المساء يقرر البقاء معهم بالإسكندرية ليومين آخرين قبل العودة لطنطا، وأثناء ذلك اليومين قضى جلال مع فؤادة وسلوى أوقاتًا سعيدة، قضوها بعيدًا عن أى شيء قد يخرب أوقاتهم.
وأثناء جلوسهم ليلًا بالشرفة وبعد خلود سلوى إلى النوم نظر جلال إلى فؤادة وقال: برضه مصممة ترجعي على المزرعة وما تجيش معايا؟
فؤادة: معلش يا جلال، اليومين دول مهمين فى المزرعة وأكيد هيحتاجوني معاهم عشان نقل الفاكهة اللى هتتصدر.
جلال بامتعاض: طب ما هو عم نبيل معاهم، وهم بقالهم سنتين بيعملوا الكلام ده لوحدهم، هتفرق إيه بقى، تعالى معايا عشان ما أبقاش قلقان عليكي.
فؤادة: معلش، عشان خاطري سيبني بس الفترة دى، وكمان أنت تكون رتبت أمورك وفضيت نفسك عشان خاطر عارف.
جلال بخبث: وخاطري... وإلا نسيتي إننا هنتجوز معاهم؟
فؤادة بخجل: لا يا سيدي ما نسيتش، وعشان كده عاوزاك تخلص اللى وراك وأنا كمان، عاوزة أبقى متطمنة على المزرعة.
جلال بتنهيدة: خلاص، هنمشي مع بعض لغاية ما أتطمن إنك وصلتي بالسلامة، وبعد كده هبقى أكمل أنا على طنطا.
فؤادة: طالما مصمم إنك توصلنا، يبقى تقضي اليوم معانا بكرة إن شاء الله فى المزرعة، وبعدين تبقى تسافر تاني يوم عشان ما يبقاش إرهاق عليك.
جلال بمرح: أنتي أخدتي على كده وإلا إيه؟
فؤادة بغيظ: حقك عليا، خلاص امشي على طول، من غير ما تدخل حتى.
جلال: أنتي بتطرديني تاني؟
فؤادة بحنق: لا بقول لك إيه، أنا آه شربتها المرة اللى فاتت، لكن المرة دى مش هشربها.
جلال ضاحكًا: طب خلاص بس، ما تقفشيش كده، طب لو جيت وفضلت معاكم لتاني يوم تكافئينى بإيه؟
فؤادة بمرح: هعلمك تتشعبط على شجرة التوت زي سلوى.
ليتجهَا فى اليوم التالي إلى المزرعة، فؤادة بسيارتها ومعها ماجدة وأيضًا سلوى التى صممت أن تكون معها، وظلت طوال الطريق تشير لأبيها بمرح وهو بسيارته أحيانًا بجوارهم وأحيانًا أخرى خلفهم، حتى وصلا بسلام، وقضى جلال ليلته إلى جوارهم.
كان عارف يجلس بصحبة كريم فى مركز الثقافة وهما يتجاذبان أطراف الحديث فقال كريم: يعني قررت هتقعد هنا فى طنطا؟
عارف: اتفقت مع نهاد إننا هنبتدي جوازنا فى شقتي، وهنفضل هنا فى الدراسة، وبعد كده هنروح نقعد مع أمي وأخواتي طول الإجازة، بس طبعًا ممكن يبقى يوم كده فى النص، موسم، إجازة، هتلاقينا ناطين هناك باستمرار.
كريم بابتسامة: ربنا يسعدك ويهنيك يا عارف أنت تستاهل كل خير.
ليستمع عارف إلى صوت هاتفه ليجد أن المتصل جلال، ليرد عليه فى مرح قائلًا: أيوه يا عم ماهو اللى على على، خليك أنت مقضيها كده وإحنا ولا على بالك.
جلال بضحك: أهو نبرك ده اللى جايبنا ورا.
عارف: إيه، أنت رجعت وإلا إيه الأخبار؟
جلال: إحنا سيبنا إسكندرية، وحاليًا فى المزرعة، لكن بكرة إن شاء الله قبل الضهر هبقى عندكم.
عارف: طب وما جيتوش على هنا على طول ليه؟
جلال: لا ما أنا هاجي لوحدي، وفؤادة لسه وراها شوية حاجات فى المزرعة عاوزة تتطمن عليها.
عارف: عمومًا تيجي بالسلامة، إحنا هنبتدي ننزل ننقي العفش الأسبوع ده بإذن الله.
جلال: مبارك يا حبيبي إن شاء الله، وعاوزك تخلي عطوة يعدي على أم ماجدة ويشوفهم لو محتاجين حاجة على ما أجي، أحسن حاولت أكلمه لقيت تليفونه مقفول، الظاهر فاصل شحن.
عارف: حاضر، ما تقلقش، هقول له الصبح إن شاء الله، وترجع بالسلامة.
جلال: الله يسلمك، ياللا تصبح على خير.
عارف: وأنت من أهله.
وبعد أن أغلق الهاتف قال كريم: إيه، جلال ومراته راجعين خلاص؟
عارف: جلال هيرجع لوحده، مراته لسه وراها شغل فى المزرعة بتاعتها، بس هتبقى موجودة معانا قبل ميعاد الفرح بفترة معقولة.
كانت نهاد تتجول بالأسواق يوميًا تارة مع سلمى وتارة ينضم إليهما عارف لتنتقي احتياجاتها للزواج، وفى بعض الأحيان كان حسين يرافق عارف عند تجوالهم، ويال سعادة سلمى وقتما يقع بصرها على حسين، والذى أصبح يصادفها مرة تلو الأخرى نتيجة انضمامها لذلك النشاط الاجتماعي والذى لفت انتباه واهتمام حسين، فأصبحت علاقتهما أكثر قربًا وتفاهمًا عن ذي قبل دون التطرق إلى أى أحاديث عن حياة أحدهم الشخصية.
حتى أتى يوم وكان حسين بسيارته خارج جامعة سلمى، ينتظر خروجها حتى يصطحبها إلى شقيقتها وشقيقه بأحد محلات الأثاث، وعند خروج سلمى من بوابة الجامعة صادف مرور مجموعة من الشباب والذى حاول أحدهم لفت انتباه سلمى بمغازلته إياها، وعندما لم تلقي إليه بالًا، تطاول عليها وحاول التحرش بها، فما كان من سلمى إلا أن نهرته بشدة، وعندما لم يرتجع وتمادى فى تحرشه بها فلم تجد مفرًا وقامت بصفعه على وجهه، وفى لحظات تحول الموقع
رواية فؤادة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ميمي عوالي
في المشفى، وأمام غرفة العمليات، كانت تجلس سلمى منتحبة بأحضان نهاد التي يعتري ملامحها القلق.
وكان جلال وعارف ومحمد يقطعون طرقة الاستراحة الخاصة بغرفة العمليات جيئة وذهابًا، وهم يتلصصون بين الفينة والأخرى على النافذة الزجاجية الصغيرة التي تطل على ممر غرفة العمليات، وهم يصارعون القلق منذ ما لا يقل عن ساعتين.
وعندما وجدوا إحدى الممرضات في طريقها إلى الداخل، أوقفها عارف بلهفة قائلًا:
"من فضلك، ممكن تشوفيلنا حد من جوه يطمنا؟"
الممرضة:
"ما تقلقش حضرتك، إن شاء الله خير، وحاضر هتطمن وأطمنكم."
وبعد مرور ما لا يقل عن خمسة عشر دقيقة أخرى، خرجت نفس الممرضة وعلى وجهها ابتسامة قائلة:
"اتطمنوا خلاص العملية خلصت، وهو دلوقتي هيودوه على الأوضة بتاعته، وربنا يطمنكم."
جلال بقلق:
"يعني هو بقى كويس يا آنسة، ولا في لسه خطر عليه؟"
الممرضة:
"طالما خرجوه على أوضة عادية مش الرعاية يبقى خير إن شاء الله."
ليزفر الجميع أنفاسهم براحة ما عدا سلمى التي لم تنقطع لحظة واحدة عن البكاء والنحيب.
فيقترب منها محمد ويجذبها إلى أحضانه قائلًا:
"خلاص يا سلمى، اهدى يا حبيبتي هو إن شاء الله هيبقى كويس ودلوقتي هنشوفه ونتطمن عليه."
سلمى وهي تشهق من أثر البكاء:
"كان هيموت بسببي يا محمد، كان بيتخانق عشاني."
محمد:
"أنا لحد دلوقتِ ما فهمتش إيه اللي حصل بالضبط، وإيه اللي وداه عندك عند الجامعة."
لتقص عليهم سلمى من وسط شهقاتها كل ما حدث بالتفصيل.
وقبل أن يعلق أحدهم بكلمة، انتبهوا على صوت عجلات الترولي وهو يحمل حسين الغائب عن الوعي إلى غرفته الخاصة، والتي طلب عارف أن يكون جناحًا خاصًا لتتسع لزائريه دون أن يسبب إرهاقًا لحسين.
وانطلقوا جميعهم في أثره حتى يستطيعوا الاطمئنان عليه.
وما أن استقر بغرفته حتى قال عارف موجهًا حديثه إلى جلال:
"هنبلغ أمي ولا هنعمل إيه؟"
جلال بتفكير:
"متهيألي نستنى لما نتطمن عليه عشان ما نخضهاش، ولو سألت نقوللها إنه مشغول في المستشفى."
عارف:
"ماشي."
ثم نظر إلى محمد وقال:
"معلش يا محمد تعبناك وعطلناك، خد أنت البنات وروحوا يلا أحسن الوقت اتأخر قوي."
محمد:
"عطلتوني إيه بس، مش كفاية إن كل ده بسببنا إحنا، والمفروض نشوف الولد اللي اتمسك ده عملوا معاه إيه."
لتنخرط سلمى مرة أخرى في البكاء بعد أن انقطعت عنه وانهمكت في مراقبة حسين وهو نائم في فراشه.
عارف بحنان:
"خلاص يا سلمى اهدى، أي راجل كان هيشوف اللي حصل ده كان لازم هيتدخل حتى لو ما يعرفكيش، ما بالك بقى أما يبقى عارفك، وبعدين يا ستي الحمد لله إنها جت على قد كده."
سلمى بحزن:
"لما هيفوق هيزعل مني."
جلال باستغراب:
"وهيزعل منك ليه، هو أنتِ اللي ضربتيه؟"
سلمى وبدون تركيز:
"مش عاوزاه يزعل مني."
نهاد وهي تجذب سلمى لأحضانها مرة أخرى:
"معلش يا جماعة هي الظاهر اتخضت وأعصابها تعبت من منظر الدم اللي مغرق هدومها ده، وفعلًا محتاجة تروح تغير هدومها دي وتستريح."
عارف بتفهم:
"يلا يا محمد روح أخواتك، ونبقى بكرة إن شاء الله نشوف الدنيا فيها إيه."
ليصحب محمد شقيقتيه إلى الخارج، بينما قال عارف لجلال:
"أنا رأيي إن أنت كمان تروح عشان أمك ما تقلقش ولا تشك في حاجة، لكن أنا.. هي عارفة إني ممكن في أي لحظة أبات هنا في شقتي، فخليني أنا جنب حسين على ما نتطمن عليه."
جلال بعدم راحة:
"طب وأنت هتفضل قاعد لوحدك كده طول الليل؟"
عارف بمرح:
"لا ما تقلقش، هنزل أجيب شاحن الموبايل من العربية، وأكيد نهاد هتكلمني تونسني."
جلال باستسلام:
"ماشي، طب مش عاوزني أجيبلك أكل ولا حاجة؟"
عارف:
"لو احتجت حاجة هتصرف ما تقلقش، خد أنت بالك من نفسك وأنت سايق."
في منزل سالم، كانت نهاد ما زالت على بكائها عند عودتهم للمنزل، لينخلع قلب أمها رعبًا من مظهرها ومظهر ثيابها الملوثة بالدماء.
فيطمئنها محمد بأن أخبرها باختصار ما حدث.
أم نهاد بقلق:
"طب وهو عامل إيه دلوقتي، وإزاي تسيبوه وتمشوا كده؟"
محمد:
"عارف كان قلقان على شكل سلمى، وأنا كمان، فقلت أوصلهم، ويمكن شوية كده وأرجعلهم تاني."
وفي تلك اللحظة، كانت نهاد تبعد الهاتف عن أذنها بعد أن هاتفت عارف لتطمئنه على عودتهم للمنزل كما أوصاها قبل رحيلهم، فقالت لهم:
"عارف خلى جلال كمان يروح عشان خاطر طنط حسنة ما تحسش بحاجة."
أم نهاد بتعاطف:
"يا عيني عليها، وهو يعني لما هيخبوا عنها مش هتحس، أكيد هتحس من غير حاجة، قلب الأم بيبقى دايمًا دليلها."
ليأتي عليهم سالم هو الآخر، وقد كان ما زال بعمله بالخارج حتى تلك اللحظة، وما أن رأى سلمى وهلع من مظهرها، حتى أسرع محمد بتوضيح ما حدث لهم مرة أخرى فيقول سالم موجهًا حديثه لزوجته:
"كتر خيره، راجل وشهِم بصحيح، أنا لما أغير هدومي وآكل لقمة عشان ما أكلتش طول النهار، تكوني حضرتي أكل لعارف وحسين، وأنا هروح أبص عليهم مع محمد."
أم نهاد:
"هتروح الليلة دي ولا الصبح؟"
سالم:
"الليلة دي، ما يصحش أتأخر عنهم بعد اللي حصل."
بعد عودة جلال للمنزل، وجد حسنة تجلس بانتظاره بقلق، وما أن رأته حتى قالت:
"اتأخرت كده ليه يا ابني مش عوايدك وكمان من غير عطوة؟"
جلال وهو يتصنع الهدوء:
"ما أنتِ عارفة يا أمي إني ما غيبتش شوية عن الأرض، والشغل ما بيخلصش."
حسنة بقلق:
"هو حسين ما كلمكش؟"
جلال بارتباك:
"لا ما كلمنيش، هو في حاجة حصلت؟"
حسنة:
"أصلي قلقانة عليه طول اليوم، ما كلمنيش ولا مرة، مش عوايده، وكمان اتأخر قوي."
جلال:
"هو عارف ما قاللكيش؟"
حسنة:
"وعارف كمان ما كلمنيش."
جلال:
"أصلهم بايتين سوا في طنطا."
حسنة:
"كده من غير ما يقولوا لحد ولا يطمنوني، ليه يسيبوني قلقانة بالشكل ده؟"
جلال:
"ما هم اعتمدوا عليا إني هبلغك، بس حقك عليا أنا، أنا اللي اتأخرت."
حسنة:
"ربنا يصلح حالكم يا ابني ويخليكم دايمًا سند لبعض، طب أحضر لك لقمة تأكلها؟"
جلال وهو يتجه لغرفته:
"لا يا أمي تسلم إيدك، أنا محتاج أنام عشان عندي مشاوير مهمة بكرة، ويمكن أتأخر برضه عشان ما تقلقيش."
حسنة:
"الله يعينك يا ابني ويحفظك أنت وإخواتك من كل مكروه."
طمأن جلال والدته على أخوته، واتجه إلى غرفته ليأخذ قسطًا من الراحة، فقد كان اليوم مرهقًا للغاية.
ولكنه بعد أن قام بتغيير ملابسه واتجه إلى القابس ليضع هاتفه على الشاحن الكهربائي وما أن قام بتشغيله بعد أن كان قد نفد شحنه منه أثناء الأحداث، سمع صوت هاتفه ليجد أن فؤادة هي من تقوم بمهاتفته.
وعندما قام بفتح الخط سمع صوتها وهي تقول بلهفة:
"جلال.. أنت كويس؟ أنت فين طول النهار وتليفونك خارج الخدمة؟"
جلال بابتسامة:
"حقك عليا، أنا عارف إنك أكيد قلقتي، تليفوني كان فاصل شحن من بدري، بس لما هتعرفي اللي حصل هتعذريني."
فؤادة بقلق:
"وهو إيه اللي حصل؟"
وبعد أن قص عليها جلال كل أحداث اليوم قالت فؤادة:
"يعني أنت اتطمنت إنه بقى الحمد لله كويس؟"
جلال:
"الحمد لله، الدكتور طمنا إن الطعنة كانت بعيدة عن الأعضاء الحيوية في جسمه، بس طبعًا على ما نقلوه المستشفى، كان نزف كتير."
فؤادة بتعاطف:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يقومه بالسلامة ويتم شفاه على خير، لما تروحله بكرة إن شاء الله ابقى كلمني من هناك عشان أتطمن عليه."
جلال:
"ماشي، وياريت كمان تبقى تتطمني على سلمى، أحسن لحد ما محمد أخدها روحها وهي كانت منهارة على الآخر."
فؤادة:
"يا عيني يا سلمى أنتِ كمان، حاضر هكلمها."
في المشفى، كان قد بدأ تأثير البنج في الزوال، وكان حسين يجاهد كي يفتح عينيه، لينتبه له عارف ويقول برفق:
"حسين.. أنت فوقت، حاسس بحاجة؟"
حسين وهو ينظر لعارف بتيه:
"سلمى، سلمى فين؟"
عارف بمرح:
"لا.. طالما افتكرت سلمى، تبقى فوقت الحمد لله."
حسين:
"سلمى.. كنت سايبها في العربية، قلتلها ما تنزلش منها، ونزلت، سمعتها وهي بتصرخ، هي فين يا عارف.. حصل لها حاجة؟"
عارف بابتسامة:
"لا يا حبيبي اتطمن ما حصللهاش حاجة، هي زي الفل، يا كش بس حاجات بسيطة يعني."
حسين بانتباه:
"حصل لها إيه يا عارف انطق، ما توقعش قلبي."
عارف بخبث:
"سلامة قلبك يا عم العاشق، قلنا كده.. قلتوا اطلعوا من البلد."
حسين ببعض الغضب وهو يضع يده على جنبه المصاب من الألم:
"ما تنطق يا بني آدم.. سلمى حصل لها إيه؟"
عارف باستياء:
"ماتت من خضتها عليك، واتصفت وجالها جفاف من كتر الدموع اللي سحتها من عينيها عشانك، وجالها تشنجات من كتر الشحتفة وهي ما فيش على لسانها... غير كان هيموت بسببي."
ثم قال بمرح:
"صحيح يا جدعان..
الحب ولّع في الدرة، ما تخطبها بقى وتخلصنا من حالة الحب العذري اللي أنتوا الاثنين واقعين فيه لشوشتكم دي.
حسين بأسى: يا ريتها كانت بالساهل كده.
عارف: وهتصعبها ليه بس يا دكاترة، هو الجواز إيه غير طلب وقبول، صارحها بحبك وشوف رأيها إيه، رغم إني متأكد إنها بتبادلك نفس مشاعرك.
حسين بحزن: وتفتكر يعني عم سالم ممكن يوافق على الكلام ده؟
عارف: وما يوافقش ليه؟ أنت راجل ليك وضعك ومركزك الاجتماعي والمالي، واللي يعتبر حتى أحسن وأرقى مني بمراحل كمان، يبقى هيرفضك ليه؟
حسين: أنت ناسي إني مطلق وعندي طفلين كمان مش طفل واحد، وإن سلمى لسه صغيرة، ولسه ما شافتش حاجة من الدنيا، ليه أظلمها معايا؟
عارف: وهو أنت لما تتجوزها وأنت بتحبها تبقى بتظلمها؟
حسين: مش لو اتجوزتها.
عارف: أنا مش فاهم أنت تقصد إيه.
حسين بتنهيدة: أقصد إن حبي لسلمى من أول يوم شفتها فيه وقت حادثة فؤادة، وابتدى يزيد في قلبي لما قابلتها من تاني عند فؤادة في المزرعة، شفت بنت هادية وعاقلة ورقيقة، لكن في نفس الوقت روحها حلوة، شفت حنيتها وطفولتها وهي بتتعامل مع ولادي، عمري ما فكرت إنها ممكن تفكر فيا كراجل في يوم من الأيام، لكن الظروف جمعتنا من تاني في أوقات كتير، خلت حبي ليها يزيد أضعاف، وخلتني أحس بحبها ليا اللي باين في عينيها.
عارف: طب تمام أهو، إيه بقى المشكلة؟
حسين بحزن: المشكلة إني لو طلبتها من والدها، نسبة موافقته عليا هتبقى ضعيفة أوي يا عارف، ويمكن تكون كمان معدومة، ولو رفضني، هيحصل شرخ في علاقتها بأبوها بسببي، ومتهيأ لي كلنا لاحظنا إن رغم كل شيء حصل قبل كده، إلا إن سلمى متعلقة بأبوها أكتر من أخواتها بكتير، وأنا ما أحبش أبدًا إني أبقى سبب في شرخ علاقتهم ببعض، يبقى الأفضل ليها إني أنسحب من حياتها وأبعد تمامًا.
ليأتيهم صوت سالم وهو يقول: أنا الحقيقة كل يوم بكتشف فيكم طبع جديد يخليني أفرح أكتر بمعرفتكم.
ليحاول حسين الاستقامة من رقدته ولكن جرحه منعه من ذلك، ولكنه يقول مرحبًا باضطراب: أهلًا يا سالم بيه، اتفضل.
ليربت سالم على كتفه بمودة قائلًا: سلامتك يا ابني ألف سلامة.
محمد: حمد لله على سلامتك يا دكتور، قلقتنا عليك.
حسين: الله يسلمك، الحمد لله جت سليمة.
عارف: ليه تعبتوا روحكم كده، الوقت اتأخر أوي.
سالم بمرح لم يعتاده عارف وحسين منه من قبل: حماتك يا سيدي وخطيبتك، ما هانش عليهم تقعدوا من غير أكل كده.
عارف بامتنان: ليه التعب ده، تسلم إيدهم.
ليلتفت سالم إلى حسين الشارد والذي كان يتساءل بينه وبين نفسه عن ما إذا كان استمع إليهم سالم ومحمد قبل دخولهم ويقول: لو عاوز تعرف أنا سمعت إيه فهقول لك، أنا لما دخلت من باب الجناح سمعتك وأنت عاوز تطمن على بنتي من أخوك، والحقيقة حواركم شدني، فقررت أستنى على ما أفهم الموضوع بالضبط.
حسين بصدق: اسمع يا سالم بيه، أنا بعترف قدامك إني بحب سلمى حب كبير جدًا، لكن من يوم ما عرفتها عمري ما وجهت لها أي كلمة تعبر عن مشاعري دي، وسلمى كمان بنت في منتهى الأخلاق والأدب ما شفتش منها أي حاجة تنتقص من أخلاقها ولا تربيتها.
سالم بامتِعاض: أنت هتعرفني على بنتي يا دكتور ولا إيه؟
حسين بحرج: العفو حضرتك، أنا بس حبيت أوضح لك الصورة، عشان ما تفهمش الكلام اللي سمعته بشكل مش مظبوط.
سالم: ما أعتقدش إن في حاجة في الكلام اللي سمعته ممكن تتفسر غلط.
حسين: طيب، طالما إن الموضوع وصل لكده، فأنا بعد إذنك بطلب منك إيد سلمى، وأوعدك بشرفي إنك لو رفضتني وده حقك، إن سلمى مش هتعرف أي كلمة من اللي حصل ده، لكن لو أكرمتني بموافقتك، فأنا بوعدك إني هعمل كل جهدي إني أسعدها طول عمري.
محمد: بعد إذنك يا بابا... أنا موافق.
سالم: ما فيش حد من حقه إنه يوافق أو يرفض غيري أنا وبس.
عارف: أرجوك يا عمي إدي لنفسك فرصة تفكر، بلاش تقول رأيك بسرعة كده، على الأقل تبقى متأكد إن قرارك صح مية في المية.
سالم وهو ينهض من مجلسه وينظر لعارف بتهكم: تقصد إني لو وافقت دلوقت ممكن يبقى رأيي مش مظبوط؟
لينظر عارف إلى سالم بسعادة ثم ينظر لحسين الذي كان في حالة ذهول، واقترب منه وهو يعانقه قائلًا: مبروك يا حسين، ألف مبروك يا حبيبي.
حسين: بجد يا عمي؟ تقصد إنك فعلًا وافقت؟
محمد بمرح: ما بلاش تشكك في اللي سمعته لا يرجع في كلامه.
سالم وهو يتوجه إلى الخارج: أنا ما برجعش في كلامي، بس برضه لازم أسأل سلمى.
ثم رجع ببصره إلى عارف وقال: ولما تكونوا بتتكلموا تاني مرة ابقوا اقفلوا باب الأوضة عليكم، مش كل مرة بتبقى النتيجة بالشكل ده.
حسين بلهفة: عمي سالم.
ليلتفت له سالم بتساؤل فيقول حسين: ممكن لو سلمى وافقت على طلبي، نتجوز مع عارف ونهاد؟
محمد بضحك: كمان!! طب يا أخي اصبر لما تعرف النتيجة، هو فيه تنسيق قبل النتيجة؟
فيقول سالم بابتسامة وهو يومئ لحسين برأسه: خف بسرعة عشان نقري الفاتحة.
حسين بتسرع: طب ما نقراها دلوقت.
ليقف سالم للحظات وكأنه يشير نفسه في عرض حسين، فيميل عليه محمد ويحتضنه بحب ويقول: يا ريت يا بابا، ده حتى يبقى أحلى خبر يفوق سلمى من الوجع اللي هي فيه.
ليبتسم سالم، فقد أحس من احتضان محمد له بالفخر والحب الذي أفقدهم لسنوات طوال، فالتفت قائلًا لحسين: طب وعلى كده حافظها ولا هقول وأنت تقول ورايا؟
في منزل سالم... بعد عودة سالم ومحمد من المشفى، كان أذان الفجر قد اقترب موعده، ولكنهم وجدوا سلمى تجلس مع نهاد في صالة المنزل، وعندما رآهم سالم قال بجدية: أنتوا إيه اللي مسهركم لحد دلوقت؟ ما عندكمش حاجة الصبح ولا إيه؟
لتقول نهاد وهي تنظر لسلمى بقلة حيلة: أصل يا بابا بقى لي كتير كل ما أحاول أكلم عارف عشان نتطمن على الدكتور حسين، ما يردش علينا، فقلقنا عليهم، وقلنا نستنى حضرتك ومحمد تطمنونا لما تيجوا.
لينظر سالم إلى سلمى فيجد عينيها محتقنة من أثر البكاء فيقول: ما تقلقوش هم كويسين، بس أكيد يعني محتاجين يناموا ويرتاحوا، وأنتم كمان لازم تناموا وترتاحوا.
لتقول سلمى وهي تقاوم نوبة من نوبات بكائها التي لم تتوقف: يعني لما روحتوا لهم يا بابا، لقيتوا الدكتور فاق؟
سالم: دكتور مين اللي فاق؟
سلمى: الدكتور حسين يا بابا.
سالم بمكر: وأنتِ برضه هتفضلي تقوليله يا دكتور بعد ما تتجوزوا؟
سلمى بعدم فهم وهي تنتقل بعينيها بين أبيها وأخيها: هم مين دول اللي هيتجوزوا؟
محمد: بابا يقصدك أنتِ وشهيد الواجب.
سلمى بقلق: أنا مش فاهمة حاجة، ومين ده اللي شهيد، هو حصل له حاجة؟
سالم: هو مين ده؟
سلمى بقلة صبر: حسين يا بابا.
ليتركها سالم ويتجه إلى غرفته وهو يقاوم ابتسامته ويقول: وأنتِ بتسأليني أنا ليه، ما تتصلي بيه أنتِ وتسأليه بنفسك، هو مش خطيبك؟
لتضع سلمى كفيها على وجهها وتدلكه بشدة وقد نال منها الإجهاد بشكل كبير، فتأخذ شهيقًا عاليًا وهي توجه حديثها لأخيها قائلة: محمد، أنا حاسة إني مش قادرة أستوعب كلامكم كويس، هو سؤال وعاوزة إجابته، لما روحتوا للدكتور حسين لقيتوه فاق ولا لسه؟
ليشفق محمد على مظهر أخته، فيتجه إليها ويحتضنها قائلًا: فاق يا سلمى، والحمد لله ابتدى يتكلم وطلب من بابا طلب كده وبابا وافق عليه مبدئيًا، بس طبعًا رأيك أنتِ هو الفيصل.
سلمى بفضول: طلب إيه من بابا؟
محمد بابتسامة حنونة: طلب إيدك يا حبيبتي.
لتنظر سلمى لأخيها بتيه وما هي إلا لحظات حتى سقطت بين يديه غائبة عن الوعي.
ليحملها محمد ويتجه بها إلى غرفتها بمساعدة نهاد، ويقوم بإفاقتها، وإسعافها، ثم يعيد عليها كل ما حدث مرة أخرى بهدوء وسلاسة، ليضيء وجهها من السعادة وتقول وهي تنظر لنهاد: الكلام ده بجد؟
لتقبلها نهاد بسعادة قائلة: بصراحة أنا مش مصدقة إن الحكاية حصلت كده ومشيت بالسهولة دي، صدق اللي قال اللي تخاف منه ما يجيش أحسن منه، ألف مبروك يا حبيبتي.
محمد وهو ينهض من مكانه: اعملي حسابك بكرة إن شاء الله هاخدك معايا أنتِ وأختك وأنا رايح أتطمن عليه، وهروح أنام بقى شوية أحسن خلاص فصلت ومش قادر أفتح عيني.
في اليوم التالي بمنزل حسنة، كانت حسنة تجلس بحديقة المنزل وهي تراقب ندى وهي تلاعب صغيريها بالقرب منها، عندما هاتفها حسين، وعندما قامت بالرد قالت بلهفة: كده برضه يا حسين، بقى تبات بره من غير حتى ما تبلغني قبلها وتقلقني عليك بالشكل ده؟
حسين: سامحيني يا أمي، بس الظروف جت كده، وكمان أنا وعارف مع بعض، وعمومًا أنا قلت أبلغك من دلوقت إني هبات النهاردة كمان في المستشفى.
حسنة: وليه يا ابني؟ هو في حاجة؟
من إمتى بتبات في المستشفى يومين ورا بعض؟ أنت كويس؟ وأخوك كويس؟
حسين: بخير يا أمي ما تقلقيش علينا.
حسنة بقلق: أومال ليه حاسة إن صوتك مش طبيعي؟
حسين بمناورة: وهيبقى طبيعي إزاي بس؟ ده أنا عندي ليكي خبر هيخليكي تتنططي من الفرحة.
حسنة بابتسامة: طب ما تفرحني، إديني سامعاك أهوه.
حسين: طب هو جلال نزل من عندك ولا لسه؟ عشان لو لسه عندك أفرحكم سوا.
حسنة وهي تتعمد الحديث بصوت واضح: جلال يا سيدي بيحاول يلم كل اللي وراه عشان يعرف يرجع يجيب فؤادة من المزرعة ولما ييجي ميعاد الفرح يعرف ياخد شهر عسل زي أخوه.
لتنتبه ندا إلى حديث حسنة بغل، لكنها لم تعلق، بل تابعت المكالمة بشغف.
حسين: قصدك تقولي زي أخواته.
حسنة بعدم فهم: أخواته مين؟
حسين ضاحكًا: جرى إيه يا أمي؟ ده أنا طول عمري بقول عليكي لبيبة.
حسنة بلهفة دون أن تشعر: تقصد إن أنت كمان هتتجوز معاهم؟
حسين: أيوه يا ستي، ادعيلي أنتِ بس.
لتنتبه حسنة إلى ندا التي نهضت من مكانها وهي تنظر لها بذهول جعلها تضطرب فتقول لحسين: طب، طب يا حبيبي، أنا شوية كده وهبقى أكلمك أفهم منك التفاصيل.
ثم أغلقت الهاتف ونظرت لندا التي تقدمت منها بحقد وقالت: ابنك هيتجوز؟ هي حصلت؟ ده أنا يا دوب عدتي خلصانة من مافيش، لحق يبص ويختار وينقي ويخطب كمان، بس معلش ملحوقة.
والتفتت بغضب متجهة إلى الخارج وهي تتوعد في سرها للجميع، حتى وصلت إلى منزل أبيها، وما إن دخلت حتى وجدت كريم يجلس مع أبيها وأمها في حالة وجوم، فلم تبالِ بمظهرهم وقالت لأبيها بانفعال: شفت ابن أخوك اللي دايماً تدافع عنه، وعلى طول تيجي في صفه وتطلعني أنا اللي غلطانة.
ابن أخوك اللي طلاقنا يا دوب عدى عليه أربع شهور، راح خطب، زي ما يكون ما صدق إنه خلص مني، ولا يمكن يكون كان على علاقة بيها من زمان وأنا نايمة على وداني، وكان مستني تجيله فرصة يعلنها.
ليقول عزت بتأنيب: أنتِ اللي خربتي بيتك بإيدك، ياما اتحايل عليكي إنك تسيبك من الأوهام اللي في دماغك وتلتفتي له وتهتمي بيه، لكن أنتِ كنتِ شاغلة نفسك بحاجات تانية ما تخصكيش من الأساس، وآدي النتيجة.
ندا بغضب: أنت لسه برضه بتدافع عنه مافيش فايدة.
كريم: أنتي عرفتي الموضوع ده منين؟
ندا بغل: البيه كان بيبلغ أمه بالخبر وأنا هناك، كان بيفرحها.
ثم التفتت إليهم وقالت بفضول: إنما يعني هو أنا ليه حاسة إنكم كنتم عارفين؟
عزت: حسين كلمني وبلغني، راجل وبيعرف في الأصول، وقال لي عشان ما أعرفش من بره وآخد على خاطري منه.
ندا بسخرية: لا والله عداه العيب، وإيه بقى؟ ما قاللكش تبقى مين المحروسة اللي هتبقى مرات أبو ولادي؟
لينظر كريم إليها بجمود وقال: بنت عم فؤادة.
ندا بعدم تصديق: مش المفروض إن دي تبقى خطيبة عارف؟
كريم بتوضيح: أختها.
لتصرخ ندا بغضب وكأن النيران قد اشتعلت بداخلها: فؤادة.. فؤادة.. فؤادة! من يوم ما دخلت بيننا وهي سبب الخراب، فرقتنا وطردتنا من بيتنا، وراحت احتلته هي وقرايبها.
كريم بغضب: ما تكدبيش الكدبة وتصدقيها يا ندا، أنتِ عارفة كويس أوي إن أنتِ السبب الوحيد في كل اللي حصل ده، أنتِ بعدتي جوزك عنك وكرهتيه فيكي، وأنتِ اللي هديتي بيتك بإيدك.
ندا بتوعد: وههد بيتها برضه بإيدي ومش هسيبها تتهنى لحظة واحدة على وش الدنيا.
وتتركهم وتتجه إلى الأعلى وهي في حالة غضب شديد، وما إن أغلقت عليها باب حجرتها حتى أخرجت هاتفها وهاتفت شخص ما قائلة: لو عاوز فعلاً تضرب ضربتك، الفرصة جاتلك لحد عندك، هي حالياً موجودة لوحدها ومافيش معاها أي حد ممكن ينجدها.
رواية فؤادة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ميمي عوالي
ما أن انتهت ندى من مكالمتها حتى التفتت بفزع على صوت باب غرفتها الذي فتحه كريم بغضب، وهو يقول بصوت جهوري غاضب:
"هو أنتِ ما فيش فايدة فيكِ؟ أنتِ عايزة توصلي نفسك وتوصلينا معاكِ لفين؟ إيه يا شيخة... خلاص بقيتي عضو رسمي في عصابة وبتستغلي مع قتالين القتلى!"
ندى بإنكار:
"إيه اللي أنت بتقوله ده؟ هو أنا عملت إيه لكلامك ده؟"
لينقض عليها كريم ساحبًا إياها من ذراعها بعنف ويتجه بها إلى الأسفل وسط صراخها واعتراضها، ولكنه لم يمهلها، وأخذ يجرها خلفه حتى وصل إلى الأسفل وألقاها بعنف تحت قدمي والده، لتشهق زينب بلوعة على مظهر ابنتها وتقول:
"أنت اتجننت يا كريم؟ إيه اللي أنت عامله في أختك ده؟"
كريم بغضب:
"أختي دي أنا متبري منها ومن أفكارها السودة."
عزت:
"فهمني يا ابني بس إيه اللي حصل بالراحة."
كريم:
"طلعت وراها عشان أهديها وآخد بخاطرها لما حسيت إني زودتها معاها بالكلام، لقيتها بتتفق مع حد إنه يروح لمرات جلال المزرعة بتاعتها ويخلص عليها وهي لوحدها قبل ما حد يعرف ينجدها."
زينب بشهقة عالية:
"لا يمكن أبدًا! أنت أكيد فهمت غلط."
كريم بغضب:
"هو إيه اللي فهمت غلط؟ ما هي قدامك أهي اسأليها."
لينظر عزت إلى ندى التي كانت ما زالت تجلس أرضًا عند قدمي أبيها وقال لها:
"الكلام اللي أخوكِ قاله ده صحيح؟"
ندى بحدة:
"أنا مش هأقف أتفرج على اللي خربت بيتي وأسكت."
عزت بصدمة:
"عايزة تقتليها؟"
ندى بصراخ:
"عايزاها تختفي من حياتي."
كريم:
"دي لو ضرتك مش هتعملي فيها كده! ده لو كان حسين فكر يعملها وأنتِ على ذمته كان كبيرك هتنكدي عليه واللا تطلبي الطلاق، إنما دي حيالة مرات سلفك."
ندى بقهر:
"سلفي اللي كان المفروض أتجوزني أنا عشان أنا الكبيرة! سلفي اللي لو كان أتجوزني أنا، كان زمان كل حاجة دلوقتِ بقت في إيدي أنا! سلفي اللي كان المفروض يفضل مخلص لذكرى هدى وما يفكرش إنه يتجوز بعدها تاني، راح أتجوز واحدة لقاها مرمية على الطريق من غير ما يعرف لها أصل من فصل."
عزت بصدمة:
"لا هو أنتِ كنتِ متجوزة حسين وعينك من أخوه وهو جوز أختك!"
ندى بغضب:
"عمري ما فكرت فيه كراجل، لكن هو اللي في إيده كل حاجة، الكلمة كلمته والشورة شورته، تقوم تيجي واحدة من الشارع تكوش على كل حاجة."
كريم:
"أنتِ هتضحكي على روحك؟ ما كلنا عرفنا أصلها وفصلها، ولو على الفلوس، فكل الهيلمان بتاع جلال وإخواته ما يجيش نص اللي تملكه مراته."
ندى بغل:
"وعشان عينها فارغة جت حطت عينها على حاجتنا كمان! ابتدت بالكبير العاقل اللي كل حاجة في إيده، وبعد كده لفت على عارف، ولما لقت إن لسه في حتة ناقصة من التورتة راحت لافة على حسين كمان. خدت العيلة كلها شروة واحدة، يبقى أسيبها برضه؟ واللا أخلص منها ومن جشعها وقدمها الفقر؟"
وما أن فرغت ندى من حديثها المسموم حتى وجدت كف أبيها تزين وجهها بصفعة قوية أدمت شفتيها، جعلتها تنظر لأبيها بصدمة فقال لها بحزن شديد:
"إيه... وجعتك؟ أبقى وصي قتال القتلى اللي كلمتيه عشان يقتل مرات جلال إنه يبقى ييجي يقتلني أنا كمان... يا خسارة تربيتنا فيكِ! بقى مرات جلال برضه اللي عينها فارغة وبصت على اللي مش ليها؟ أومال أنتِ عملتِ إيه؟ لما تطمعي في فلوس ولاد عمك اللي واحد منهم يبقى أبو ولادك تبقى عملتِ إيه؟ طيب لو كانت مرات جلال عملت كده فعلًا هنقول غريبة لا نعرفها ولا تعرفنا، لكن أنتِ... أنتِ اللي تطمعي فيهم بالشكل ده؟ ثم هو أنتِ كنتِ فقيرة واللا محتاجة؟ ما أنتِ طول عمرك متنّعمة في خير أبوكِ ومتربية على الغالي أنتِ وأخواتك... اخس عليكِ!"
ثم نظر كريم وقال:
"اتصل لي بجلال حالًا."
ندى بلهفة وغل:
"لا... ما تكلمهوش! هتكلمه ليه؟ عشان يلحقها؟ أوعى تكلمه! أنا مش عايزة حد يلحقها... مش عايزة حد يلحقها! لو حد لحقها أنا بنفسي المرة الجاية هأقتلها بإيدي!"
عزت بحزم وهو يوجه حديثه لكريم:
"خدها من قدامي وهات لي تليفونها، وتعالى بسرعة اتصل بجلال."
زينب ببكاء:
"هتقول له إيه يا عزت؟ هتحبس بنتك؟"
عزت:
"هأقول له يلحق مراته يا زينب، واللا عايزانا نشيل ذنبها على أكتافنا ليوم الدين؟"
كان جلال مع حسين وعارف بالمشفى، وعلم منه تفاصيل ما حدث في اليوم السابق من خطبته لسلمى.
جلال بدعابة:
"أما إنك راجل مكار بصحيح، يعني تفضل مرقد كده، وفجأة نلاقيك عايز تتجوز!"
عارف:
"لا وإيه يقرأ الفاتحة وهو متشرح وراقد في السرير كمان!"
حسين بابتسامة:
"ده بس عشان نيتي بيضة وقلبي طيب."
جلال بحب:
"في دي أبصم لك بالعشرة، أنت تستاهل كل خير، وأهو ربنا عوضك أحلى عوض."
حسين بفضول:
"يعني اتوفقت في اختياري؟"
جلال:
"إلا اتوفقت، وبصراحة البنت مؤدبة وأخلاقها عالية، ومحترمة وكل حاجة حلوة."
عارف بمرح:
"وضيف على كده أهم حاجة يا أخينا أنت لسه ما قلتهاش."
جلال:
"واللي هي إيه بقى دي؟"
عارف بتنهيدة وهو يضع كف يده على قلبه:
"الحب يا أستاذ... اللاموور، لما الحب بيبقى متبادل كل حاجة تهون."
لتأتي فؤادة على خاطر جلال على الفور فيخرج هاتفه من جيب بنطاله قائلًا:
"صحيح دي فؤادة عايزة تكلمك عشان تتطمن عليك."
عارف:
"يا عم دي تلاقيها خلاص قربت تعشي سلوى وتنميها وهي كمان تنام."
جلال:
"لا دي موصياني إني أما أكون هنا أكلمها وأديها حسين تكلمه."
وقبل أن يهاتفها وجد هاتفه يضيء برقم عمه عزت.
جلال باستغراب:
"ده عمي."
حسين:
"رد عليه، أنا كلمته الصبح وحكيت له على خطوبتي عشان ما يزعلش مني بعد كده."
ليتنهد جلال ويفتح الخط مجيبًا عمه وهو يقول:
"السلام عليكم... إزيك يا عمي."
عزت:
"وعليكم السلام يا ابني، اسمع يا جلال ومن غير ما تقاطعني يا ابني، روح لمراتك فورًا وخليك جنبها أو هاتها هنا معاك في بيت أبوك."
جلال باستغراب:
"هو في حاجة حصلت يا عمي؟ أنا مش فاهم حضرتك بتقول كده ليه؟"
ليأتيه صوت كريم وهو يقول:
"للأسف يا جلال، ندى لما عرفت بموضوع جواز حسين، اتجننت على الآخر، وبلغت حد إن مراتك لوحدها في المزرعة وإنه يقدر يستفرد بيها ويخلص عليها."
لينتفض جلال من مكانه وهو يقول بغضب:
"ومين الراجل ده يا كريم اللي بلغته؟ يبقى مين؟ ما خلاص الزيني محبوس، يبقى مين غيره؟"
كريم:
"للأسف أنا ما أعرفوش، لكن أهم حاجة دلوقتِ إنك تلحق مراتك."
ليغلق جلال الهاتف وينظر لإخوته وترتسم على وجهه ملامح الفزع:
"فؤادة في خطر!"
وفي خلال أقل من خمس دقائق كان كل من جلال وعارف على الطريق إلى مزرعة فؤادة، عارف أمام المقود وجلال يحاول الاتصال بفؤادة، ولكنه في كل مرة لا يجد أي رد.
عارف:
"طيب ما تكلم عم نبيل."
جلال:
"تليفونه هو كمان مقفول."
عارف:
"خلاص، حاول تكلم ماجدة."
ليبحث جلال بسرعة عن رقم ماجدة حتى وجده واتصل بها على الفور وحين أجابته فتح جلال مكبر الصوت وقال بلهفة:
"أنتوا فين يا ماجدة وفين فؤادة؟ أنتوا كويسين؟"
ماجدة باستغراب:
"إحنا كلنا بخير يا سي جلال، هو في حاجة واللا إيه؟"
جلال:
"أومال فؤادة ما بتردش على تليفونها ليه؟"
ماجدة:
"أنا سامعة تليفونها من الصبح عمال يرن، بس هي أصلها مع عم نبيل عشان الفاكهة بتتنقل من الصبح."
جلال:
"طيب روحي ادي لها التليفون وخليها تكلمني ضروري، وكمان عم نبيل أحسن تليفونه مقفول."
ماجدة:
"ما هو أصل ما فيش شبكة في قلب الصوب."
جلال بغضب:
"اتصرفي يا ماجدة بسرعة وخليها تكلمني ضروري."
ماجدة باضطراب:
"حاضر، حاضر يا سي جلال، هأروح لها وأخليها تكلمك على عيني."
لينفخ جلال بزهق وهو يغلق الخط.
عارف:
"اهدأ يا جلال، إن شاء الله خير، وهنلحقها ما تقلقش، وإدام المزرعة مليانة ناس وتجار وسواقين ما حدش هيقدر يعمل لها حاجة، إحنا لما نروح لها نفضل معاها على ما تخلص الكلام ده ونرجعها معانا."
جلال:
"على الله تقتنع بس."
عارف:
"ما تقلقش، وكمان زمان حسين كلم محمد، وأكيد هنلاقيه محصلنا على الطريق دلوقتِ."
وبعد فترة قصيرة من الوقت حاول جلال الاتصال مرة أخرى بماجدة ولكنه هذه المرة وجد الهاتف مغلقًا، ليصل جلال إلى مرحلة من الجنون والرعب لم يجربها من قبل ليصرخ بعارف مطالبًا إياه بالإسراع في القيادة.
عند فؤادة، بعد أن خرجت آخر سيارة من المزرعة، كانت تمسك سلوى بيدها وهي في غاية السعادة وقالت للعم نبيل:
"الحمد لله، ما تتصورش أنا مبسوطة قد إيه إني حضرت الكلام ده من تاني."
العم نبيل:
"والله يا بنتي كلنا مبسوطين بوجودك، عقبال كل سنة."
فؤادة:
"عقبال كل سنة وأنتَ معانا يا راجل طيب."
سلوى:
"وأنا كمان يا ماما أبقى معاكم، مش أنا عرفت أعمل معاكم."
لتقبلها فؤادة من وجنتها بمرح قائلة:
"وهو إحنا كنا هنعرف نعمل حاجة من غيرك يا لولو؟"
العم نبيل:
"ياللا بقى روحوا كلوا لكم لقمة وناموا، أحسن اليوم النهاردة كان طويل بزيادة."
فؤادة:
"ماشي يا عمو..."
تصبح على خير.
وما إن اقتربت فؤادة من باب المنزل إلا ووجدت ماجدة ملقاة على الأرض أمام المنزل، لتسرع إليها فؤادة بفزع. ولكنها ما إن اقتربت من باب المنزل حتى لمحت ظل شخص ما وهو يتجول بداخل المنزل بتلصص وحرص، لتضع يدها بسرعة على فم سلوى وعادت بها إلى الخلف حتى وصلت إلى شجرة التوت، لتنحني على أذن سلوى قائلة بخفوت:
"عاوزاكي تطلعي على شجرة التوت من فوق وتستخبي، وأوعي تعملي أي صوت. وأنا شوية وهاجيلك."
لتدمع عينا سلوى وهي تنظر لفؤادة برعب، فقالت لها مرة أخرى:
"أنا بس لازم ألحق ماجدة قبل الحرامي ما يعمل فيها حاجة، وهنجيلك إحنا الاتنين. مش أنتي بقيتي تعرفي تطلعي فوق خالص؟"
لتومئ سلوى برأسها، فتقول فؤادة:
"يبقى يلا زي الشاطرة كده، نفذي بسرعة اللي قلتلك عليه."
لتومئ سلوى برأسها وتسرع بتنفيذ ما أمرتها به فؤادة، وظلت فؤادة تراقبها حتى اطمأنت أنها أصبحت بأمان. ثم أسرعت بحذر إلى رجال الأمن المتواجدين عند بوابة الدخول وأخبرتهم أن هناك من اقتحم المنزل وقام بتخدير ماجدة، وطلبت منهم أن يساعدوها في إبعاد ماجدة من أمام المنزل قبل كل شيء حتى تكون في مأمن.
ليقوم رجلان من رجال الأمن بمرافقة فؤادة، بينما أبلغ الثالث بجهازه باقي رجال الأمن المنتشرين بالمزرعة.
وعندما وصلت فؤادة أمام المنزل، اقترب أحد رجلي الحراسة بحذر وقام بسحب ماجدة وحملها واتجه بها اتجاه فؤادة التي سارعت بالاطمئنان على أنفاس ماجدة ثم قالت بهمس:
"وديها عند عم نبيل أو بيت العمال، المهم أبعدها عن هنا، وخلي أي حد يفوقها وارجعلنا بسرعة."
ليقول لها الحارس الآخر:
"طب وأنتي يا مدام فؤادة، أنتي كمان لازم تبعدي عن هنا، وجودك كده خطر عليكي."
فؤادة:
"أنا عاوزة أعرف مين ده وعاوز إيه، وإزاي دخل لحد هنا من غير ما حد فيكم يشوفه أو ياخد باله منه؟"
الحارس:
"استخبي أنتي بس في حتة وإحنا هنتصرف."
فؤادة:
"أوعى تدخل إلا أما ييجي زميلك."
وما هي إلا لحظات وعاد الحارس الآخر بصحبة ثلاثة آخرين، ليصبحوا خمسة ويطلبوا من فؤادة الابتعاد.
لتذهب فؤادة على الفور إلى شجرة التوت وتتسلق عليها حتى وصلت إلى سلوى التي كانت تبكي ذعرًا وهي وحيدة، لتجلس فؤادة إلى جوارها بحذر وتحتضنها بشدة قائلة:
"خلاص يا حبيبتي أنا جيتلك أهو، أوعي تخافي، وبطلي عياط، هم دلوقتي هيقبضوا على الحرامي."
سلوى بهمس باكٍ:
"هي دادا ماجدة ماتت؟"
فؤادة بنفي:
"لا يا حبيبتي هي بس كانت مغمى عليها، وعمو وداها عند عمو نبيل عشان يفوقوها."
أما بداخل المنزل، فبدأ رجال أمن المزرعة بالدخول إلى المنزل بحذر وهم يوجهون بعضهم بالإشارة، فبدأوا بالانتشار، واتجه كل واحد منهم في اتجاه مختلف. وبعد أن قاموا بتفتيش الطابق الأرضي ولم يعثروا على أحد، عادوا مرة أخرى إلى بهو المنزل واتفقوا على الصعود للأعلى. وما إن بدأ أول حارس منهم في الاتجاه إلى الدرج حتى بدأ إطلاق النار عليهم، ليتحامى الجميع من الرصاص كل منهم في اتجاه، وبدأوا في تبادل إطلاق النار، ليعلموا أن هناك أكثر من شخص بالأعلى وكانوا يردون على طلقات الرصاص بطلقات مثلها ولكنها كانت بالكامل دون أي نتيجة فهم يصوبون النار على مجرد ظلال ولم يروا عدوهم بالفعل، وكلما حاول أحدهم الخروج من مخبئه ليتجه إلى الأعلى، يجد طلقات الرصاص له بالمرصاد.
ولكن بعد ما يقرب من النصف ساعة جاءتهم النجدة عبارة عن سيارات الشرطة، والتي أبلغهم محمد وجلال بأن هناك محاولة لقتل فؤادة.
كانت فؤادة تحتضن سلوى الباكية وهي تهدهدها وتطمئنها، بينما كانت هي الأخرى ترتعد خوفًا وقلقًا، وكانت تتمنى في تلك اللحظة أن تمتلك هاتفها لتحدث جلال لتستمد منه بعض الطمأنينة، ولكنها ما إن رأت سيارات الشرطة حتى حمدت الله وتأملت خيرًا.
وما إن عبرت سيارات الشرطة من البوابة حتى اتجهت القوة سريعًا إلى المنزل، وعلى الفور خرج إليهم أحد الحرس الذين يتبادلون إطلاق النار مع المقتحمين، وأخبر النقيب حمدي بحقيقة الموقف، ليقوم حمدي بتوزيع القوة، ثم قام باستخدام مكبر الصوت وأخذ في تحذير المقتحمين وأمرهم بتسليم أنفسهم.
وفي تلك الأثناء، وصلت سيارة عارف وجلال الذي انخلع قلبه عندما وقعت عينيه على المشهد، فأسرع إلى النقيب حمدي يسأله عن ما يحدث فقال:
"حمدي بيه... طمني أرجوك، فين فؤادة وسلوى بنتي؟ حد حصل له حاجة؟"
حمدي بهدوء:
"اطمن يا أستاذ جلال، اللي عرفته أنهم مستخبيين في مكان بعيد عن البيت تمامًا."
جلال:
"طب هو فيه حد حاول يأذيهم فعلًا؟"
حمدي:
"في أكتر من شخص في الدور التاني، وحصل ضرب نار قبل وصولنا."
جلال بقلق:
"طب والحل؟"
حمدي:
"أنا بحاول أدرس المكان وأشوف لو في مكان أقدر أدخل منه البيت غير الباب الرئيسي."
جلال بلهفة:
"أيوه، في."
حمدي:
"طب يا ريت، فين المكان ده؟"
جلال:
"في بدروم تحت البيت، اللي فيه محول الكهربا، والبدروم ده له باب بيطلع على المطبخ وباب على الجنينة ورا شجرة التوت اللي هناك دي."
ليتجه حمدي إلى شجرة التوت وهو يقول:
"تعالى معايا وريهالي."
وما إن وصلوا أسفل شجرة التوت حتى سمع جلال صوت فؤادة وهي تنادي عليه بخفوت، ليرفع رأسه للأعلى ليتبين فؤادة بالكاد من بين أوراق الشجرة ليقول بلهفة:
"فؤادة.. أنتي بخير؟"
فؤادة:
"أيوه يا جلال، الحمد لله أنك جيت."
جلال:
"وسلوى فين؟"
فؤادة:
"سلوى في حضني هنا ما تخافش، بس مش عارفة ننزل دلوقتي ولا إيه؟"
حمدي:
"يا ريت يا مدام فؤادة، انزلوا عشان محتاج أعرف منك شوية حاجات."
لتساعد فؤادة سلوى على الهبوط ثم تهبط خلفها بحرص، ليتلقف عارف سلوى بين يديه بينما يتلقف جلال زوجته بخوف ثم يضمها إليه بيمينه ويضم سلوى بيساره وهو يقول:
"الحمد لله أنكم كويسين وبخير، كنت هاموت من الرعب عليكم."
حمدي بعملية:
"معلش بس يا جماعة، ركزوا معايا شوية، دلوقتي أنا لو نزلت البدروم هطلع منه على المطبخ، المطبخ بقى هيخرجني فين بالضبط من السلم اللي بيودي على فوق؟"
فؤادة:
"حضرتك لو عاوز تطلع فوق، مش هتحتاج تنزل البدروم، في جنب شباك أوضة المكتب في الجنينة السلم الحديد اللي بيوصل على الروف."
حمدي:
"وده فين؟"
لتشير فؤادة إلى الجهة الأخرى من المنزل قائلة:
"من الناحية دي."
حمدي:
"تمام، كل اللي عليكم، أنكم ترجعوا تقعدوا في العربية عشان تبقوا في أمان على ما القلق ده يخلص."
وما إن استدار عارف وجلال وهم محتضنين فؤادة وسلوى للاتجاه إلى سيارة عارف، إلا ووجدوا سيارة محمد وهي تصل إليهم ويهبط منها محمد وسالم وهما في حالة من الرعب والقلق الشديدين، وما إن وقع بصرهم على فؤادة حتى أسرعوا إليها والتقطها محمد من أحضان جلال وأخذ يطمئن عليها، ليسحبها سالم إلى أحضانه هو الآخر قائلًا:
"الحمد لله يا بنتي أني اطمنت عليكي، إيه الحكاية.. فهموني؟"
ليتبادل جلال وعارف النظرات، ويقول عارف:
"في حد اقتحم البيت عند فؤادة بس لسه ما نعرفش التفاصيل."
تقول فؤادة بانتباه:
"هو أنتم صحيح عرفتوا إزاي؟"
ليضغط جلال على ذراع فؤادة وهو يقول:
"إحنا محتاجين نقعد في العربية زي ما سيادة النقيب قال."
ليتجه جلال إلى سيارته بصحبة سلوى وفؤادة.
واتجه عارف مع محمد وسالم إلى سيارتهم.
في سيارة جلال، قص جلال على فؤادة كل ما حدث، ثم قال:
"معلش يا فؤادة سامحيني، بس مش عاوزك تقولي الكلام ده قدام عمك أو أي حد من ولاده."
فؤادة:
"أنا كده كده ما كنتش هقول، بس اشمعنى؟"
جلال:
"حسين قرى فاتحة سلمى امبارح."
فؤادة بسعادة:
"احلف! ياااه! ألف مبروك! ما تتصورش فرحتني قد إيه! حبهم كان باين أوي في عنيهم يوم عقيقة زهرة."
جلال:
"الظاهر أني عشان ما كنتش مركز مع غيرك، ما شفتش الكلام ده."
فؤادة:
"وطبعًا خايف لا عمي يعرف إن ندى طليقة حسين اللي ورا الكلام ده فيعمل مشكلة لحسين."
جلال:
"سامحيني أني طلبت منك كده، بس..."
فؤادة:
"ما تقلقش أنا متفهمة أوي الحكاية دي، وعندك حق."
جلال:
"بس ده ما يمنعش إن ندى هتتحاسب، وحسابها هيكون شديد أوي."
التف النقيب حمدي مع اثنين من معاونيه حول المنزل باتجاه الدرج الذي أرشدته إليه فؤادة، وقبل أن يصلوا إليه لمحوا أحد المقتحمين وهو يحاول الهروب من عليه، ليصيبه حمدي بطلقة في قدمه جعلته يسقط أرضًا وهو يتلوى من الألم، ليقترب منه حمدي وهو يجذبه من تلابيبه قائلًا:
"مين معاك فوق؟"
انطق.
المقتحم: مسعد ورزق.
ليتركه حمدي بينما يصيح بأعلى صوته: ما فيش فايدة من اللي بتعملوه، أحسن لكم تسلموا نفسكم، أنا مش عاوز أضرب عليكم نار، عاوزكم سلام، بلاش تضيعوا نفسكم على الفاضي وتشيلوا تهمة زيادة... سلموا نفسكم يا مسعد أنت ورزق وبلاش مقاومة على الفاضي.
وفي لحظة كان أحد المقتحمين يطلق رصاصة على حمدي ليتفاداها وهو يطلق من سلاحه طلقة مقابلة في مقتل، أردت مسعد قتيلًا في الحال.
وما أن سقط مسعد مدرجًا في دمائه حتى أعلن رزق عن استسلامه، وطلب تسليم نفسه في الحال.
وبعد ثلاث ساعات، كان انتهى كل شيء وغادرت سيارات الشرطة والإسعاف بعد اتفاق حمدي مع جلال على ذهاب الجميع إلى قسم الشرطة في اليوم التالي.
وكان الجميع يجلس بحديقة المنزل، بينما مجموعة من العاملات بالمزرعة يقمن بتنظيف المكان بالداخل.
وكانت ماجدة تجلس بصحبة الجميع بالخارج وهي لازالت تحت تأثير الصدمة، فيقول لها جلال: أنا أما كلمتك كنتي زي الفل، إيه اللي حصل بقى واحكي لي بالتفصيل.
ماجدة: لما قفلت معاك التليفون، قلت هأروح للست فؤادة أنده لها عشان تكلمك، وبعدين لسه بأفتح الباب لقيتهم في وشي، و أما شافوني اتخضوا، و لسه بأقول لهم أنتم مين، لقيت واحد فيهم طلع من جيبه أزازة صغيرة ورشها في وشي، ما حسيتش بحاجة بعدها.
محمد: اللي إحنا محتاجين نعرفه دلوقتي، هم دخلوا المزرعة إزاي، وبمساعدة مين، ما هو ما ينفعش أبدًا ثلاث رجالة يدخلوا المزرعة كده من غير ما حد يشوفهم.
ليمضي بعض الوقت وهم يتبادلون الآراء عن ما حدث، وتخرج النساء من المنزل بعد أن فرغوا من تنظيف المنزل، ووضعوا بعض الطعام أمامهم بالخارج لتناول العشاء، فتناول الجميع بعض اللقيمات البسيطة.
وكانت سلوى تجلس بأحضان فؤادة بحزن ووجوم شديدين، ولم تتحدث أبدًا أو تحاول المشاركة بأي كلمة، وكانت فؤادة تلاحظها فقالت لها: أنتي عاوزة تنامي يا سلوى.
فهزت سلوى رأسها نفيًا، ولكن جلال قال: أنا شايف إن كله محتاج ينام، ياللا ندخل كلنا نستريح، ولما يجي بكرة يحلها ربنا.
ليتجه الجميع إلى الداخل، ويقول سالم: أنا هأبات هنا مع محمد، مش هأقدر أطلع فوق.
فؤادة: وأنا هأجيب لحضرتك ولمحمد غيار، وأنت يا عارف تحب تبات فين.
عارف: هنا برضه يا فؤادة.
فؤادة: خلاص براحتكم، هأجيب لكم هدوم حالًا.
ماجدة: ناوليهم لي بس وأنا هأنزلهم لهم يا ست فؤادة، وأطلعي أنتي بس عشان تستريحي.
فؤادة بإذعان: طب يا ماجدة تعالي معايا.
ليلحقهم جلال وسلوى، وما أن عادت ماجدة إلى الأسفل حتى نظرت فؤادة إلى جلال وقالت: محتاجة مني حاجة قبل ما أنام.
جلال: محتاج أطمن عليكي.
فؤادة: أنا كويسة يا جلال، الحمد لله.
جلال: طب خليكي أنتي وسلوى بايتين معايا هنا عشان أبقى متطمن عليكي.
لتقول سلوى: أيوه يا ماما، أنا خايفة وعاوزة أنام معاكي وعاوزة كمان بابا معانا.
فؤادة بخجل وهي تنظر لجلال: أيوه... بس ما ينفعش.
جلال برجاء: أرجوكي يا فؤادة، أنا مرهق جدًا ومحتاجكم أنتم الاثنين جنبي عشان بس أبقى متطمن.
لتصعد سلوى على الفراش وهي تسحب فؤادة من يدها وتقول: خذيني في حضنك زي كل يوم أنا خايفة.
لترقد فؤادة بكامل ملابسها وحجابها وهي محتضنة سلوى بحنان، وتقول لها: خايفة ليه؟ مش خلاص البوليس قبض على الحرامي؟
لتلتفت سلوى برأسها إلى أبيها وتقول بحزن: هو البوليس هيقبض على خالتو ندى كمان يا بابا؟
ليتفاجأ جلال من السؤال، ولا يستطيع الرد عليها، فتمد فؤادة أصابعها لتدير رأس سلوى باتجاهها مرة أخرى وتقول: ليه بتقولي كده؟
سلوى: مش هي اللي قالت للحرامي إنه يعمل كده؟
فؤادة: طب هو لو حصل حاجة زي كده لخالتو، أنتي هتزعلي؟
لتدمع عينا سلوى وتقول ببراءة: لو البوليس قبض عليها وحبسها، هيبقى آدم وليلى ما عندهمش ماما، وهيزعلوا أوي زي ما أنا كنت زعلانة لما ما كانش عندي ماما.
لتنظر فؤادة إلى جلال بحزن ثم تنظر مرة أخرى لسلوى وتقول: ما تخافيش يا لولو، البوليس مش هيقبض على خالتو ندى، بس عشان ده يحصل، عاوزاكي ما تقوليش الكلام ده قدام أي حد أبدًا.. الكلام ده سر بيننا أنا وأنتي وبابا وبس.
رواية فؤادة الفصل الثلاثون 30 - بقلم ميمي عوالي
أشرقت شمس يوم جديد، لتفتح فؤادة عينيها، لتجد أنها نائمة فوق فراش أبيها وهي لا زالت تحتضن سلوى، ولكنها وجدت ذراع قوية تحيط خصرها بتملك. وعندما رفعت عينيها وجدت جلال غارقًا في نومه، وهو بجوار سلوى من الجهة الأخرى، يتوسد ذراعه، ومكبلاً إياها بذراعه الأخرى. وعندما حاولت إزاحة يده عنها لكي تعتدل، وجدته يهب من نومه وهو يتساءل بلهفة عما حدث، لتنظر له فؤادة مشدوهة، وما هي إلا لحظات إلا وغرقت في ضحكاتها بشدة وهي تشير إليه بسبابتها، لينظر لها جلال في ذهول ويقول:
"هو في إيه اللي بيضحكك أوي كده؟"
فؤادة بخجل وهي تحاول السيطرة على ضحكاتها:
"أنا آسفة، بس يمكن عشان أول مرة أشوفك وأنت صاحي من النوم."
ليعود جلال برأسه على الوسادة وهو يراقبها بنعاس ويقول بابتسامة جميلة:
"وهو أنا شكلي بيضحك أوي كده وأنا صاحي من النوم؟"
فؤادة وهي تتلاعب بأطراف الدثار:
"لا طبعًا ما أقصدش، بس يعني فيه فرق كبير أوي بين جلال الشديد اللي دايمًا مكشر وكلامه كله أوامر، وجلال اللي صاحي من النوم وهو شعره منعكش وعنده قُصة على قورته."
جلال:
"أنا عندي قُصة؟"
لتومئ فؤادة رأسها بابتسامة وبعض العبث، لينهض جلال من الفراش ويتجه إلى المرآة ليرى أن خصلة من شعره قد انسدلت بالفعل على جانب جبينه كالغُرة. فالتفت إلى فؤادة التي اعتدلت في جلستها وأخذت تراقبه بابتسامة حالمة، فاقترب منها وجلس قبالتها وقال بعبث:
"وأنتي بقى يا ترى القُصة بتاعتي عاجباكي ولا تحبي أحلقها؟"
فؤادة بتسرع:
"أوعى!"
وعندما أحست بتسرعها غلبها خجلها مرة أخرى، فأخفضت عينيها للأسفل وأخذت تأكل شفاهها من الداخل، ليمد جلال يده ليرفع وجهها وينظر إلى عينيها قائلًا:
"كنت بموت من الرعب عليكي إمبارح، ولو كان عارف سابني أجي لوحدي، كنت أكيد عملت ستين حادثة على الطريق."
فؤادة:
"بعد الشر عنك."
ليضمها جلال إلى صدره وهو يقول:
"نفسي أغمض عيني وأفتحها، وألاقي كل الكلام ده خلص وانتهى وما فاضلش غير إننا نعيش مع بعض في هدوء وبس."
وعندما حل الصباح على الجميع اتجهوا إلى قسم الشرطة. كان جلال ومحمد قد اصطحبا الجميع حتى ماجدة إلى قسم الشرطة لتلبية استدعائهم لأخذ أقوالهم.
وبعد انتهاء التحقيقات، علموا بأن المقتحمين قد دخلوا المزرعة أثناء دخول وخروج سيارات النقل التي كانت تحمل الفاكهة، واعتقد الحرس أنهم تابعين للسيارات، واعترف أحدهم بأن الزيني هو من اتفق معهم على عمل ذلك وهو الذي كان يبلغهم بالتعليمات من داخل محبسه.
وبعد عودتهم جميعًا مرة أخرى إلى المزرعة، ودعهم سالم ومحمد وعادوا مرة أخرى إلى طنطا لمتابعة أشغالهم، وبقي عارف مع جلال وفؤادة، وأثناء جلوسهم سويًا:
فؤادة:
"أنا برضه مش فاهمة إزاي يبقى مسجون وقادر إنه يتواصل مع اللي بره كده بسهولة، معنى كده إنه اتحبس زي ما اتحبسش، شره هيفضل واصل لنا."
عارف:
"أي حاجة بتيجي بالفلوس."
جلال:
"وعشان كده النقيب حمدي هيبعت صورة من الكلام ده للنائب العام وهيعمل بيه بلاغ رسمي."
فؤادة:
"طب تفتكروا لو حققوا معاه، ممكن يجيب سيرة ندى؟"
جلال بتنهيدة:
"الحقيقة مش عارف، بس ما يتهيأليش."
عارف:
"بس مش المفروض أبدًا إن اللي حصل من ندى ده يتسكت عليه يا جلال."
جلال بقسوة:
"ومين قال لك إني هسكت عليه، اصبر عليا بس لما أرجع."
فؤادة بقلق وهي تراقب سلوى أثناء لهوها:
"هتعمل إيه يا جلال، أوعى تنسى الكلام اللي سلوى قالته إمبارح."
جلال:
"ما نسيتش يا فؤادة، بس ده مش معناه إنها ما تتعاقبش."
عارف:
"ناوي على إيه؟"
جلال:
"سيبها على الله، المهم إحنا لازم نرجع النهاردة."
فؤادة:
"هتمشوا دلوقتي؟"
جلال بإيضاح:
"هنمشي كلنا دلوقتي، أوعى تفكري إني ممكن أسيبك لوحدك هنا تاني بعد اللي حصل، أنتي خلاص الفاكهة اتسلمت والحمد لله، مطلوب منك بقى إنك تطلعي زي الشاطرة كده تحضري حاجتكم عشان نتوكل على الله."
فؤادة بتردد:
"أيوة، بس لسه في حاجات هنا محتاجاني."
جلال بحزم:
"عم نبيل موجود ولو احتاج وجودك في أي لحظة، أنا بنفسي هجيبك لحد هنا، وهفضل معاكي لحد ما نرجع سوا."
وعندما لمح عارف أن التردد ما زال على وجهها قال:
"وكمان يا فؤادة، المفروض تبقي مع نهاد وسلمى الأيام دي، وعشان كمان تشوفي حاجتك معاهم، أنتي ناسيه إن فرحنا كلنا بعد أقل من حوالي شهر ونص ولا إيه؟"
لتتنهد فؤادة بقلة حيلة وتقول:
"أمري لله.. حاضر، هروح أحضر حاجتي وأخلي ماجدة تقفل البيت."
في اليوم التالي بمنزل عزت، وبعد صلاة العصر، وصل جلال وعارف، وكان بصحبتهم حسين الذي خرج للتو من المشفى وهو ما زال تحت العلاج، ولكنه كان يسير معهم ببطء وهو يتوكأ على ذراع عارف. وما إن وصلوا إلى غرفة الاستقبال حيث يجلس عزت وزينب وكريم، حتى قال جلال بصوت قوي:
"السلام عليكم، إزيك يا عمي؟"
عزت:
"وعليكم السلام، أهلًا يا أولاد اتفضلوا."
ليدخل الجميع ويتبادلون جميعًا السلام وبعد جلوسهم يقول عزت باستغراب:
"أنت تعبان ولا إيه يا حسين، شكلك مش طبيعي يا ابني.. فيك إيه سلامتك؟"
حسين:
"أبدًا يا عمي، الله يسلمك، بس ما تقلقش، دي حادثة بسيطة."
كريم:
"حادثة إيه؟ وليه ما حدش قال؟"
حسين:
"مش مستاهلة قلق يا كريم، وبعدين ده مجرد جرح في جنبي وابتدى يخف الحمد لله."
زينب بجمود:
"سلامتك يا ابني، وأمكم عاملة إيه والولاد؟"
حسين:
"الله يسلمك يا مرات عمي."
جلال:
"أمي والولاد وكلنا بخير يا مرات عمي، وبعد إذنك يا عمي يا ريت حد ينده لنا ندى عاوزينها في كلمتين."
زينب بترقب:
"عايزينها ليه يا جلال؟"
جلال بسخرية:
"ما تخافيش يا مرات عمي، أكيد مش هنقتلها."
لتنظر زينب إلى عزت الذي تبادل النظرات مع كريم ثم قال:
"اطلع انده لأختك يا كريم."
كريم بتردد:
"حاضر.. حاضر يا بابا."
ليذهب كريم إلى الأعلى ويخرج من جيب بنطاله مفتاح غرفة ندى، والتي قد تم حبسها بها منذ الأمس بناءً على رغبة أبيها. وما إن فتح الباب حتى هبت من مكانها كالمجذوبة وهي تنقض على كريم قائلة بعدم تركيز:
"قتلها صح.. ماتت.. مش كده؟ أنا عرفت إنها ماتت، بس هي برضه جت تضايقني تاني.. ما فيش فايدة فيها."
كريم وكأنه يحاول معرفة ما يدور في ذهنها:
"هي مين دي اللي جاتلك؟"
ندى بغل:
"فؤادة."
فؤادة جات لي، ووقفت لي على الشباك وقعدت تغيظني وهي عمالة تتنطط لي على الحيطان.
كريم: انت مش بتقولي إنها ماتت؟
لتقترب منه ندى وهي تهمس له وكأنها تخبره بسر خطير: ما هي أصلها زي القطط بسبع أرواح، بس أنا بقى المرة دي اللي قتلتها بإيدي، بس هشششش.
وأخذت تتقافز وهي تنظر حولها، ثم عادت لهمسها لأخيها مرة أخرى وقالت: أوعى تقول إن أنا اللي قتلتها.
كريم: طب وإنتِ قتلتيها إزاي بس يا ندى وإنتِ هنا في أوضتك ما خرجتيش منها؟
ندى بذهول: لاااا، ما أنا لما لقيتها جات لي عند الشباك وبتغيظني، روحت ضربتها بالنار قامت وقعت من الشباك وماتت.
وعندما نظر إليها كريم بذهول من حالتها، قالت مرة أخرى: انت مش مصدقني؟ طب تعالى، تعالى وأنا هوريهالك وهي واقعة في الجنينة.
لتسحبه من يده حتى نافذة شرفتها وتشير له بإصبعها إلى الأسفل قائلة بفخر: بص، أهي مرمية على الأرض وغرقانة في دمها، أنا موتتها المرة دي خالص وخلصت منها.
وعندما نظر كريم إلى ما تشير عليه ندى وجد برواز كبير كان بداخله صورة لهدى، ملقاة أرضًا وزجاجها مهشم بالكامل.
ليلتفت إلى ندى ليجدها تنظر إلى الصورة بغل وتقول: كانت فاكرة إنها هتاخد كل حاجة، لكن لا، أنا اللي هاخد كل حاجة، كل حاجة.
ثم أخذت تهذي ببعض الكلمات المتناقضة وتضحك وتبكي في ذات اللحظة، ليتركها كريم ويغلق عليها مرة أخرى ويعود إلى الأسفل وهو في حالة من الذهول ويعلو وجهه الوجوم التام.
وعندما وجدوه عائدًا بمفرده، قال جلال بغضب: يا ريت تفهمها إني لغاية دلوقتي عامل اعتبار لعمي ولولاد حسين، لكن لو ما نزلتش من نفسها أنا هطلع أجيبها بنفسي حتى لو اضطريت إني أجرجرها من شعرها.
زينب بقلق: اهدى بس يا جلال بالراحة، إحنا كلنا عارفين إنها غلطانة، بس بالهداوة يا ابني عشان خاطر عمك.
جلال بعنف: أختك فين يا كريم؟
كريم بصدمة: ندى اتجننت.
جلال بعدم فهم: وجنانها ده أنا اللي هعرف أحاسبها عليه، خليها تنزل لي هنا.
كريم وهو لا زال تحت تأثير الصدمة: لما طلعت لها لقيتها بتخرف، وعمالة تقول كلام غريب كله هلوسة، وبتقول إنها قتلت فؤادة ورميتها من الشباك وشدتني عشان أتفرج، لقيتها رامية صورة هدى وبتتشفى فيها على إنها فؤادة.
عارف: يعني إيه الكلام ده؟ يعني اتجننت بجد ولا دي لعبة جديدة بتلعبها علينا؟
لتضع زينب يدها على صدرها وتقول بلهفة وهي تتجه إلى الأعلى: بنتي يا كريم، عملت إيه في أختك؟
ليذهب كريم خلفها وهو يحاول إسنادها، ليتجه جلال وإخوته خلفهم.
وما إن فتح كريم الغرفة على ندى، حتى وجدوها تمسك بيدها مقصًا بطريقة هجومية وهي تتشاجر مع نفسها بالمرآة وتحدث نفسها على أنها فؤادة وتقول: هو أنا كل شوية هموتك وتصحي تاني؟ أنا زهقت منك خلاص، موتي بقى... موتي.
لتدمر المرآة وتهشمها حين ضربتها بقوة بالمقص، فأسرع إليها كريم وهو يحاول إفلات المقص من يدها خوفًا من إيذاء نفسها، فقالت بتبرير: ما هو مش معقول كده أبدًا، مش أنا لسه رمياها من الشباك؟ مش أنا وريتهالك؟ كل ما أموتها تطلع لي تاني.
لتنصدم عينيها بأبناء عمها وهم يحاولون إسناد أمها التي تكاد تسقط من شدة لوعتها، وما إن تلاقت أعينها مع جلال، حتى أسرعت بالاحتماء وراء ظهر كريم وهي تنظر لجلال بخوف وترقب، وقالت: حوشه يا كريم، حوشه، ما تخليهوش يقرب لي.
ليقترب منها جلال ببطء وهو يتأمل ذعرها وانتفاضة جسدها وتلفتها حولها وكأنها متوقعة أن تتخطفها الشياطين في أي لحظة.
ثم قال لكريم بإصرار: لازم تتعرض على دكتور نفسي، ويا ويلها مني لو طلعت بتمثل.
زينب بنحيب: بنتي اتجننت يا جلال، أنتم اللي جننتوها، سيبوها في حالها بقى.
ليلتفت جلال بغضب إلى زوجة عمه وقال: بنتك بقت مجرمة يا مرات عمي، وتفكيرها كله إجرامي، لما توصل بيها الجرأة إنها تتفق على قتل مراتي يبقى لازم تتعاقب وتتعاقب بشدة كمان، لولا خاطر سلوى وخاطر عيالها، كان زماني راميها في السجن مع شركائها، لكن ده مش معناه أبدًا إني هسيبها كده من غير عقاب، لاا، ده أنا هخليها تندم على اليوم اللي اتولدت فيه.
ليتفاجأ الجميع بندى وهي تتجه بسرعة شديدة ناحية جلال وهي تمسك بيدها قطعة كبيرة من الزجاج نتيجة المرآة المكسورة ورفعتها عاليًا لتنزل بها على صدره، لولا أن سبقتها يد عارف، الذي قيد معصمها بيده، وهي تصرخ بشدة محاولة الفكاك من يده وهي تصرخ قائلة: هقتلك زيها، هقتلك زيها يا جلال، أنت السبب يا جلال، أنت اللي ضيعت كل حاجة من إيديا، أنت لازم تموت أنت كمان.
وفي أثناء محاولاتها الفكاك، ومحاولة عارف وكريم أن يأخذا من يدها الزجاج المسنن، يستمع الجميع إلى صرخة مكتومة تصدر من حنجرتها لينتبهوا إلى أن الزجاج الذي كان بكف يدها قد انغرز سنه المدبب في صدرها، لتصرخ زينب وهي تولول منادية على ابنتها، لينحني حسين بأقصى مقدرته عليها ليتفقد جرحها، محاولًا إسعافها، ولكنه يقول: الجرح جه في شريان حيوي، شوفوا لي حاجة اربطها لها بسرعة نأخر النزيف شوية واتصلوا بالإسعاف حالًا.
ليأتي إليه كريم بوساح خاص بندى فيقوم حسين بشرح طريقة شده عليها لعارف وكريم حتى يستطيعا وقف النزيف.
كانت ندى خلال ذلك تنظر أمامها بشرود وهي تحدث كائنًا وهميًا وكأنها تهذي وتقول بنفي: أنا ما خنتكيش، هو اللي خانك، ما خنتكيش.
عارف: أنا بقول ننقلها إحنا أسرع من إننا نستنى الإسعاف.
حسين: شيلها بسرعة يا كريم، بسرعة على المستشفى أنا ربطت لها الجرح عشان النزيف.
ليحملها كريم ويسرع بها إلى الأسفل، ويسرع معه عارف، ليذهبا بها إلى المشفى.
ليقوم جلال بإسناد زينب ويعودا إلى الأسفل، مع حسين ليقول عزت بهلع: في إيه يا أولاد؟ إيه اللي حصل؟ ندى مالها؟
جلال: خير إن شاء الله يا عمي، ندى انجرحت وإن شاء الله يلحقوها.
ولكن كان للقدر كلمة أخرى، فقد فارقت ندى الحياة قبل أن يصلوا بها إلى المشفى.
بعد مرور شهر على موت ندى.. في منزل حسنة، كانت تجلس حسنة وفؤادة بصحبة الصغار، ليدلف إليهم عارف فيقول: السلام عليكم.
فؤادة وحسنة: وعليكم السلام.
ويسرع الصغار للارتماء بأحضانه مرحبين بعودته، فكان دائمًا عارف يمثل لهم الحنان والمرح.
حسنة: جاي بدري يعني النهاردة.
عارف: أبدًا ما لقيتش عندي مزاج أروح في حتة فخرجت من المدرسة على هنا على طول.
فؤادة بمرح: إيه ده؟ وما شفتش نهاد النهاردة؟
عارف بامتعاض: نهاد!
نهاد بنت عمك دي هتجيب لي الاستبحس.
فؤادة بضحك: ليه بس يا عم عارف، عملت فيك إيه؟
عارف: ما صدقت إننا أجلنا الفرح شهرين عشان خاطر عمي ما يزعلش، وهي بلطت في الخط، كل أما أقول لها على حاجة نعملها أو نشوفها تقول لي لسه بدري، مستعجل على إيه.
لتضحك حسنة وتقول: وأنت بقى كنت عاوز تجيب إيه وزعلان إنها قالت لك تستنى؟
عارف: كنت عاوز آخذها أتفق لها على مركز التجميل والاستوديو اللي هنتصور فيه، وكده يعني.
لتنظر حسنة إلى فؤادة بذهول ثم يضحكان بشدة وتقول فؤادة: واضح فعلًا إن نهاد هي اللي هتجيب لك الاستبحس.
حسنة: ما هو فعلًا لسه بدري يا ابني، الكلام ده ممكن يبقى قبل الفرح بأسبوعين تلاتة.
فؤادة: وبعدين ما تحملش هم مركز التجميل، أنا عندي أصحابي من إسكندرية هيجوا لنا مخصوص لحد هنا، ما تقلقش.
ليأتيهم صوت جلال من ورائهم وهو يقول: طب أهي فؤادة حلتها لك، على الله تهمد بقى شوية.
عارف باعتراض: آه يا أخويا وهو أنت خاسس عليك حاجة، مراتك في حضنك وقدام عينك أربعة وعشرين ساعة، كان فيها إيه يعني لو سيبنا كل حاجة زي ما هي في ميعادها.
جلال بجدية: لا طبعًا، أنت اتهبلت، مهما إن كان الأصول أصول.
حسنة بتنهيدة: الله يسامحها بقى ويغفر لها، دمرت الكل بعمايلها قبل ما تموت وبعد ما ماتت.
عارف: أنا بصراحة أكثر واحد زعلان عشانه هو كريم، نفسيته زي الزفت.
جلال: ما تنساش برضه إن النيابة لما اتهمته بقتلها، خلته حس بالذنب من ناحيتها.
عارف: لكن كلنا عارفين إن ده ما حصلش.
جلال: ما هو لولا شهادتنا باللي حصل، ما كانش حد هيصدقه.
عارف بتردد: الحقيقة من حوالي أسبوعين كريم حكى لي على موضوع كده، وطلب مني أقول لكم عليه، وأطلب منكم إنكم تسامحوها وتدعوا لها بالرحمة، ومن وقتها وأنا بشاور روحي إن كنت أقول لكم وإلا لا.
حسنة: موضوع إيه ده؟
وقبل أن يتحدث عارف أشارت له فؤادة بالسكوت ثم قالت للصغار: يا لّلا يا سلوى أنتِ وأدهم خدوا ليلى واطلعوا العبوا في الجنينة، بس خدوا بالكم من أختكم.
وبعد خروج الصغار قالت فؤادة: الأولاد ابتدوا ياخدوا بالهم من الكلام، ويا ريت كلنا ناخد بالنا من الحكاية دي عشان نفسيتهم.
ليبتسم جلال ويربت على يدها بحنان ويقول لعارف: احكِ كنت عاوز تقول إيه.
عارف: ندى كان لها دور غير مباشر في ضرب النار اللي حصل لفؤادة.
فؤادة بشهقة عالية: إيه الكلام اللي أنت بتقوله ده، إزاي يعني؟
عارف: ده الكلام اللي كريم قاله لي، قال لي إنها كانت متفقة مع حد إنها تطلعك من البيت، بس أقسم لي إنها ما كانتش تعرف وقتها إن دي كانت نيته أبدًا، ولما حصل اللي حصل اتخانقت معاه.
جلال: وهو عرف الكلام ده منين، ومين اللي كانت متفقة معاه ده؟
عارف: وقت ما سمعها وهي بتتكلم معاه في التليفون، اتخانق معاها وحاول يعرف منها هو مين، بس ما قدرش، لكن طبعًا كل اللي قدر عليه ساعتها إنه اتخانق معاها وبس، ما كانش متصور أبدًا إن الحكاية ممكن توصل للمرحلة دي.
فؤادة بحزن: الله يرحمها ويسامحها.
ليضمها جلال إليه مقبلًا رأسها بابتسامة واسعة حانية، لينهض عارف متأففًا ويذهب إلى الأعلى وهو يقول: خليك أنت مقضيها وحارق دمنا كده عيني عينك.
ليسمع ضحكاتهم العالية على كلامه، فيبتسم بصفاء وهو يدعو الله في سريرته أن يديم السعادة والهناء على قلب أخيه.
بعد مرور سبع سنوات، كان يوجد احتفال كبير في مزرعة فؤادة، وكان يحضره الجميع.
وكان الاحتفال بمناسبة حصول حسين على الدكتوراه الفخرية، فقررت فؤادة الاحتفال به في مزرعتها، وبعد الاحتفال وتحت ظلال القمر المكتمل.
جلسوا جميعًا في حديقة المنزل بالترتيب التالي، حسنة بجوار أم نهاد وهم يتجاذبون أطراف الحديث والذكريات ويجلس بجوارهم أرضًا أم إبراهيم وماجدة وهما يقومان بشواء الذرة للجميع.
ثم كان هناك حلقة من الرجال الذين التفوا حول لعب الطاولة، فكان سالم يلعب مع العم نبيل بمرح شديد ومن حوله كان يجلس حسين وعارف ومحمد وكريم وهم تارة يقوموا بتشجيع سالم وتارة بتشجيع نبيل.
وعلى مقربة منهم كانت تجلس الفتيات نهاد وسلمى وعائشة وبصحبتهم نادين صديقة نهاد والتي تعرف عليها كريم أثناء زفاف أبناء عمه ووقعوا في غرام بعضهما البعض ليطلبها للزواج ويتم زواجهم بعدها بعام واحد، وكانت الفتيات يلعبون الورق بمرح كبير.
وكان هناك جمع من الصغار يلتف حولهم هنا وهناك وهم يلعبون بمرح وسعادة، فكان هناك نور ونورهان أبناء عارف ونهاد والذي أصر أن تبدأ أسماء أبنائه بأول حرف من حروف نهاد لتكون إمبراطورية ن، وهناك أيضًا حياة وزهرة وسالم، أبناء محمد وعائشة، وأيضًا نهلة وعلي أبناء كريم ونادين، وأخيرًا حسنة وسليم أبناء فؤادة وجلال.
أما سلوى وأدهم فكانا يجلسان فوق أحد أفرع شجرة التوت وهما يتحدثان سويًا عن بعض الأحاجي التي يحاولان حلها سويًا.
أما فؤادة وجلال فكانا معًا عند البئر الشرقي، فعندما جلس الجميع لتقضية السهرة، سحب جلال فؤادة من يدها وقال لها: ما تيجي نطمن على الصوب والبئر.
لتوافق فؤادة على الفور، فكانت تعشق التجول بالمزرعة ليلًا على ضوء القمر وقت تمامه، فكان يضفي على المكان رونقًا من السحر والخيال، وعندما وصلوا إلى البئر استند عليه جلال وجذب إليه فؤادة بروية لتجلس إلى جواره ضامًا إياها تحت جناحه وقال: المكان ده له ذكرى خاصة عندي.
فؤادة بابتسامة: وأنا كمان.
جلال: أنتِ كمان إيه؟
فؤادة: أنا كمان المكان ده له ذكرى خاصة عندي.
جلال وهو يشد على ضمها: طب ما تحكي لي.
فؤادة بمكر: طب وما تحكي أنت الأول.
جلال: أنا كده كده جايبك عشان أحكي لك.
فؤادة: طب احكي يا لّلا أنا سمعاك.
جلال وهو ينظر إلى السماء المرصعة بالنجوم التي تتلألأ ببريق ساحر حول القمر: أول مرة جئت هنا معاكِ، لما حاولوا يغرقوا لكِ المحصول.. فاكرة؟
فؤادة بمرح: وهي دي حاجة تتنسي برضه؟
جلال: يومها كنتِ عاملة زي القطة الشرسة، كنت حاسس إن جواكِ طاقة رهيبة مش ممكن تخلص أبدًا، لقيتكِ مسكتِ الفأس ووطيتي وابتديتِ تحفري قناية وأنتِ بإيد واحدة، ساعتها حسيت إني هتجنن منك.
فؤادة: ما أنت ساعتها زعقت لي وأخذت مني الفأس.
جلال وهو يزيد من احتضانها: يومها غيرت عليكِ أوي وأنتِ صوتك عالي وبتوطي قدامهم، وإيدك بإيدهم في كل حاجة، يومها ابتديت أخَانق في روحي بسبب انشغالي بيكِ.
لتستكين فؤادة بأحضان جلال وتقول: وأنا كمان، يومها كنت أول مرة أحس إني شايفاك بشكل ثاني، حسيت إنك بتحاول تحميني، وتقف في ظهري، اليوم ده بالذات على قد غضبي من اللي حصل، على قد ما حسيت إني لأول مرة من يوم موت بابا.. إني مش لوحدي.
جلال: حسيت أيامها إن كلبشتك في هدومك قلت شوية، لكن رجعت ثاني لما عرفتِ إني مسافر.
فؤادة: الموضوع ده كان ابتدى معايا لما محمد قرر إنه يسافر ويسيب مصر، كنت بستقوى بيه بعد ما بابا مات، وأما فجأة لقيت روحي لوحدي، افتكرت لما كان بابا دايماً يقول لي سر قوتك جواكِ اتقوي بروحك وبنفسك، لما كنت بمسك في هدومي كنت بحس إني بشد نفسي، لكن من وقت ما حسيت بحبك واهتمامك بيا، حسيت إني بتقوى بيك، خصوصًا إنك كنت دايماً تصمم تمسكني من إيدي وتضمني، وده في حد ذاته كان بيديني إحساس رائع بالأمان، وشوية بشوية موضوع إيدي ده اختفى خالص.
لكن البئر ده له ذكرى ثانية عندي أغلى.
جلال: إيه هي؟
فؤادة: يوم ما قدرت إني أقنعك إننا نخلف، أنت ناسي إنك فضلت مدة مصمم إننا ما نجيبش أولاد، أول مرة قلت لي فيها إنك موافق إننا نجيب أولاد كان هنا.
ليقبلها جلال من رأسها ويقول: عاوز أعترف لك بحاجة.
فؤادة: قول.
جلال: كنتِ كل ما تجيبي سيرة الأولاد والخلفة، كنت أفتكر إن هدى الله يرحمها راحت مني وهي بتولد سلوى، كنت ببقى مرعوب وأنا بتخيل حياتي من غيرك، لحد ما أمي في يوم.. قعدت اتكلمت معايا بالعقل والمنطق وطبعًا الدين وأخيرًا أقنعتني إن كل شيء نصيب، والحمد لله أهو ربنا رزقنا بحسنة وسليم ربنا يحفظهم لنا.
فؤادة: ويحفظ لنا سلوى واللي جاي في السكة.
ليضحك جلال بشدة وهو يقول: وأنا عمال أقول إيه الطاعة دي، وأول ما قلت لك تعالي نبص على البئر والصوب وافقتِ على طول، أتاريك كنتِ بتستدرجيني.
لتوكزه فؤادة في جنبه بامتعاض وتقول: إيه بستدرجك دي، ليه إن شاء الله حضرتك معترض وإلا حاجة؟
جلال بحب: وأنا أقدر أعترض على حبايب فؤاد فؤادة، طب تصدقي.. لو جاء ولد هنسميه فؤاد.
فؤادة: طب ولو جاءت بنت؟
جلال وهو يقترب من شفتيها: لو بنت تبقى أكيد فؤادة.