تحميل رواية «فؤادة» PDF
بقلم ميمي عوالي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في نهارٍ مليءٍ بالغيوم بأحد أيام الشتاء، والذي ينذر بطقسٍ ممطرٍ شديد البرودة، وفي بلدةٍ ريفيةٍ على أطراف محافظة الغربية، كان هناك منزلٌ يقع بوسط الزروع يوحي مظهره بالجمال والأصالة. كان منزلًا مكونًا من طابقين يحتضنه سياجٌ أنيقٌ من الحديد المشغول، والذي يسمح لمن بداخله بمراقبة كل ما يدور بالخارج والعكس أيضًا، وكان يسكنه ثلاثةٌ من الرجال مع والدتهم بعد وفاة أبيهم منذ عدة سنوات. ليقوم جلال، وهو الشقيق الأكبر والذي يبلغ من العمر ثلاثًا وثلاثين عامًا، على شؤون عائلته من مراعاة مصالحهم، والأخ الأوسط ع...
رواية فؤادة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ميمي عوالي
كان كريم يقف بالباب الذي تركه عارف وراءه دون أن يغلقه عندما خرج وهو يحاول اللحاق بحسين. عندما نظرت له ندى وجدت على وجهه معالم الغضب الشديد. وقبل أن تواصل أنفاسها تفاجأت به يقترب منها ويجذبها بعنف من رسغها قائلًا:
واضح فعلًا إن كان في حاجة غلط في تربيتك. هستناكي نص ساعة ما فيش غيرها. تطلعي تلمي حاجتك وحاجة الولاد وتنزلي على طول.
حسنة وفي صوتها أثر من نشيج مكتوم:
استني بس يا كريم. دي ساعة شيطان يا ابني وهتروح لحالها. هو لما يرجع أكيد هيهدى ويردها تاني.
كريم بوجوم:
لا يا امرأة عمي. لما تبقى تتأدب الأول على اللي عملته وقالته. كتر خير حسين قوي إنه صابر عليها طول الوقت ده وهي تحت سقف بيته.
ندى بغضب:
هو ده اللي ربنا قدرك عليه؟ ده بدل ما تقف جنب أختك وتجيبلها حقها.
كريم بوجه خالٍ من أي تعبير وهو يركز بعينيها:
عاوزاني أجيبلك حقك يا ندى؟
ندى بسخرية:
ده اللي المفروض الإخوات الرجالة بيعملوه مع أخواتهم البنات.
ليطأطئ كريم رأسه ناظرًا إلى الأرض لدقيقة واحدة، ثم يرفع رأسه بابتسامة ودون أي مقدمات يرفع كفه عاليًا ليلطمها على وجهها لتشهق عاليًا من الألم والمباغتة في آن واحد.
جلال وهو يقف حاجزًا بين كريم وندى:
مش كده يا كريم. المسائل دي عمرها ما تتحل أبدًا بالأسلوب ده.
كريم وهو ينظر لندى بجمود:
القلم ده كان المفروض اديتهولك يوم حادثة فؤادة. متهيألي أنتي عارفة كويس أنتي عملتي إيه يومها. ولا تحبي أفكرك قدام الموجودين؟
لتنظر له ندى برعب من أن يكشف سرها فتقوم بلجلجة:
خلاص يا كريم... حاضر. هعمل اللي قلتلي عليه.
جلال:
ما لوش لزوم الكلام ده. أنتي هنا قاعدة في بيتك وبيت ولادك. وزي ما أمي قالت بالضبط، دي ساعة شيطان وهتروح لحالها.
لتنظر ندى إلى كريم لترى رد فعله على كلام جلال، فتجده جامدًا مكانه ينظر إليها بغضب جسيم، فتنظر لحسنة التي كانت تهدهد ليلى على قدميها بحنان فتقول:
اقعدي يا ندى. أنا ليا كلام معاكي يا بنتي قدام أخوكي، لازم يشهد عليه.
ليجلس الجميع في انتظار سماع حديث حسنة التي تقول:
يوم ما خطبتك لحسين، أنا كنت عارفة كويس قوي إنك ما كنتيش بتحبيه. لكن كنت عارفة إنه ميال ليكي. يمكن مش زي حب جلال لهدى الله يرحمها، بس كان بيفضلك إنك تبقي زوجته عن أي بنت تانية.
لما وافقتي عليه اعتقدت إنك هتقدري تكيّفي حياتك وتستغلي إعجابه وميله ده بإنك تكبريه، وتبادليه حب بحب.
لكن أنتي مشكلتك الأساسية واللي أول مرة أواجهك بيها.. إنك دايمًا باصة على حال غيرك.
بدل ما تعددي النعم اللي بتملكيها وتحمدي ربنا عليها، دايمًا محسسة نفسك بالبؤس والعجز عشان حاجة احتمال تكون عند غيرك ومش عندك رغم إن ممكن أو أكيد عندك حاجات أحلى وأغلى.
بدل ما تحمدي ربنا على حب حسين وإخلاصه ليكي ولبيتك وولادك، كنتي بتبصي على حاجات تانية مش من حقك تبصي عليها.
سنتين دلوقتي وأنتي حارمة جوزك منك. راجل غيره كان دور على راحته وانبساطه بره، وما حدش أبدًا كان هيقدر يلومه وأنتي عايشة ناشز تحت سقف بيته.
ابتديتي تدي لروحك سلطات مش ليكي ولا بتاعتك، وأنا ما حاولتش أعترض، وقلت معلش، وسيبتك لأني ما كنتش عاوزة النار اللي جواكي تكبر أكتر من كده.
معاملتك لسلوى واستحواذك عليها اللي للأسف كنت فاكراه في البداية حنين ووفاء لذكرى أختك الله يرحمها.
لو عاوزة اللي حصل ده كأنه ما كانش لازم تصلحي من نفسك يا ندى، عشان خاطرك قبل ما يبقى عشان خاطر حسين والولاد. بلاش تضيعي بيتك وتهديه بإيدك يا بنتي.
كان كريم ينظر إلى شقيقته أثناء حديث حسنة ليرى رد فعلها ولكنها كانت جامدة دون أي رد فعل فقال:
ها يا ندى: إيه رأيك؟
جلال:
معلش يا كريم. أنا كمان عندي كلمتين لازم ندى تسمعهم، وكويس إنك حاضر برضه عشان تشهد عليهم.
ليعتدل جلال ويكمل حديثه وهو ينظر لندى وقال:
اسمعي يا ندى، لازم تفهمي إن أنا وإخواتي هنفضل طول عمرنا إيد واحدة. والست اللي بس تحاول إنها تفرقنا عن بعض حتى لو كانت روحنا في إيدها، ما لهاش وجود بيننا. وحياتنا هتفضل إن شاء الله زي ما هي، ما فيش حاجة هتتغير. مش جبروت مني ولا طمع، لا، ده طلب إخواتي وأمي مني، إني أفضل مسئول عن كل حاجة وبديرها بمعرفتي.
أنا باقولك الكلام ده، عشان بس يوم ما الأمور تستقر بينك أنتي وحسين، ما تحاوليش تعيدي الكرة من تاني، لأن وقتها مش هتلاقي حد ينصحك يا ندى.
وعشان تبقي فاهمة الوضع اللي هتعيشي عليه من هنا ورايح.
ليعيد كريم سؤاله لندى مرة أخرى:
ها يا ندى، قلتي إيه؟
لتنهض ندى من مكانها فجأة وهي تقول:
قلت استناني على ما ألم حاجتي وحاجة الولاد. أنا لا يمكن أفضل في البيت اللي انضربت وانهانت فيه لحظة واحدة أكتر من كده.
لتنهض حسنة قائلة:
براحتك يا بنتي. بس اعملي حسابك، الولاد هيفضلوا هنا، ومش هيخرجوا بره باب البيت، ومش هيباتوا بره حضني ليلة واحدة.
ندى بغضب:
دول ولادي، وحقي بالشرع وبالقانون.
حسنة بهدوء:
خلاص، خديهم بالشرع وبالقانون. لكن خروج بيهم من هنا دلوقتي، مش هيحصل.
ندى بغضب:
أيوه كده، بانِ على حقيقتك. أومال بقى بنتك إيه ومصلحتي إيه اللي عمالة كل ما تتكلمي تقوليهم؟
كريم وهو يحاول السيطرة على غضب ندى:
اعقلي الكلام اللي بتقوليه يا ندى عشان ما ترجعيش تندمي.
ندى:
أنا لو هندم مش هندم غير على حاجة واحدة بس، إني دخلت البيت ده وضيعت اللي ضيعته من عمري من غير تمن.
جلال بجمود:
خلاص يا ندى. زي ما تحبي. أنتي حسمتي الموقف. أنا وأمي حاولنا نلم الحكاية، لكن واضح إن اللي في دماغك في دماغك. لكن اللي أمي قالته، هيتنفذ بالحرف الواحد.
ندى بغضب وهي تتجه إلى باب المنزل:
وأنا ما بتهددش يا سي جلال. وكل اللي أنا عاوزاه هيكون وهاخد ولادي حتى لو وصلت إني آخدهم بالبوليس والأيام ما بيننا.
حسنة بأسف وهي توجه كلامها لكريم:
أنا كنت بحاول أخليها ترجع عن اللي في دماغها. ما جاش في بالي أبدًا إنها هتقدر تسيب الولاد وتمشي.
جلال:
معلش يا كريم. أهو على يدك، روح الحقها دلوقتي، ويمكن لما تهدى بعد كده تحكم عقلها.
لينحني كريم مقبلًا رأس حسنة ويقول:
أوعى تزعلي منها يا امرأة عمي. حقك على راسي.
جلال:
مش وقته الكلام ده يا كريم. الحق أختك الأول.
ليذهب كريم وراء ندى، الذي أجلسها عنوة بسيارته وانطلق بها بغضب.
كانت فؤادة طوال الوقت تجلس بغرفتها بصحبة سلوى وأم إبراهيم وعندما استمعوا إلى صوت الشجار الدائر بالخارج حيث إن غرفة فؤادة بالطابق الأرضي، طلبت فؤادة من أم إبراهيم أن تأتيها بأدهم من الخارج. وبالفعل خرجت أم إبراهيم لثوانٍ معدودة وعادت بأدهم والذي كان يبدو عليه الرهبة، لتأخذهم فؤادة إلى شرفة غرفتها وجلست معهما أرضًا وهي تحاول إلهائهم عن الأصوات العالية بأن بدأت تقص عليهم بعض قصص الأطفال والتي جعلت الطفلين ينسيان أو يتناسيان ما يحدث بالخارج واندماجا مع فؤادة بكل حواسهما وهي تخرج من قصة إلى أخرى ومن لغز لآخر دون أن يشعرا بأي كلل أو ملل حتى تفاجئا بوقوف حسنة على رأسهم جميعًا وهي تحمل ليلى على كتفها وهي تبتسم قائلة:
والله برافو عليكي يا فؤادة إنك عرفتي تتصرفي وتلهيهم.
فؤادة بابتسامة وهي تنظر لأدهم وسلوى:
حضرتك ما تعرفيش أنا بحبهم قد إيه. وكمان كانوا خايفين من الصوت العالي فقلت ألهيهم شوية.
حسنة وهي تنظر حولها:
هي أم إبراهيم فين أومال؟
فؤادة:
قلت لها تشوف اللي وراها، عشان ما تتعطلش نفسها.
كانت ليلى تحاول النزول من على كتف حسنة للجلوس مع أدهم وسلوى، فابتسمت لها فؤادة وقالت:
وواضح إن المستمعين هيزيدوا واحد.
حسنة بابتسامة حزينة:
أيوه، ربنا يستر.
فؤادة:
المهم يكون خير.
حسنة:
هييجى منين الخير يا بنتي؟ الطلاق وقع خلاص والمجنونة صممت تسيب البيت.
فؤادة بشهقة وهي تنظر لأدهم وليلى:
يا خبر...
طب والولاد؟
حسنة بحزن: والله يا بنتي ما عارفة، ربنا يهدي.
فؤادة بحزن: ليه كده؟ ليه سابوا المواضيع بينهم توصل لكده؟
ثم قالت بأمل: طب هو ما فيش طريقة إن حضرتك تصلحي بينهم؟
حسنة بتنهيدة: ربنا يقدم اللي فيه الخير يا بنتي.
لتتساءل فؤادة بخجل: هو أنا... ممكن أكون اتسببت في مشكلة بينهم؟
حسنة: لا يا بنتي، أنتِ مالكيش أي دخل، المشكلة من زمان قوي، يمكن من عمر ليلى.
فؤادة: يا خبر! إن شاء الله ربنا يهديهم ويرجعوا لبعض من تاني عشان خاطر الولاد دول... هم اللي هيبقوا ضحية.
ليعم الصمت بعد ذلك بينهم وهم يشاهدون الأطفال الثلاثة ومرحهم ولعبهم مع بعضهم البعض.
وعندما لاحظت فؤادة الحزن الشديد على وجه حسنة قالت: ممكن حضرتك تروحي تستريحي شوية، وما تقلقيش على الولاد أنا هاخد بالي منهم.
حسنة بتردد: أيوه يا بنتي، بس دراعك.
فؤادة: ما تقلقيش حضرتك، هاخد بالي.
لتتركها حسنة عائدة إلى الخارج، لتبحث عن جلال، لتجده بغرفة المكتب فدخلت عليه وقالت: والعمل يا جلال؟
جلال بتنهيدة: لو كنت أعرف إن الحكاية هترسي على كده ما كنتش فتحت بقى بكلمة واحدة، لكن ما جاش في بالي أبدًا إنها هتبقى بالوقاحة دي.
حسنة: ومين سمعك؟ أنا مش عارفة إيه اللي جرى لها، زي ما تكون اتبدلت، بقت على طول متبطرة على حالها وباصة للي مش ليها.
جلال باستغراب: دي ثاني مرة تكرري العبارة دي النهاردة يا أمي، هو إيه بقى ده اللي بصاله ومش ليها؟
حسنة وهي تحاول السيطرة على رباط جأشها: أقصد يعني إنها عاوزة تاخد مكان مش بتاعها وتسيطر على كل حاجة.
جلال: تفتكري عمي ومراته هيبقى موقفهم إيه؟
حسنة: والله ما أنا عارفة يا ابني، زينب مش عاقلة، وبحمد ربنا إن كريم كان موجود وشاف اللي حصل بعينه.
جلال: كريم كمان كان موجود لما حسين حكى لنا على كل حاجة، وشكله وقتها زي ما يكون كان عارف، وكمان كان موجود في المستشفى وقت ما حسين وعارف ما حكوا لي على اللي حصل يوم حادثة فؤادة وعرف اللي قالته كله.
حسنة بفهم: عشان كده كان بيقول لها اللي عملتيه يوم الحادثة.
جلال: أيوه، ولما حسين حكى لنا قال جملة عرفت منها قد إيه كريم راجل وعاقل وبيعرف يوزن الأمور كويس.
حسنة: قال إيه؟
جلال: قال يعني واحدة غريبة ما نعرفهاش غير من كام يوم ما ترضاش تحكي على اللي حصل عشان الأخوات ما يزعلوش من بعض، واللي مننا عاوزة تهد الليلة على دماغ اللي فيها.
حسنة: تصدق إن فؤادة كبرت في عيني قوي بسبب الموقف ده.
جلال: وأنا كمان، ويمكن ده اللي خلاني عاوز أقف جنبها في الموضوع بتاعها.
حسنة: بمناسبة فؤادة، أنت ناوي على إيه معاها؟
جلال: ناوي على إيه في إيه بالضبط؟
حسنة: موضوع جوازكم، أوعى تكون بتفكر تطلقها دلوقتِ يا جلال، هتشيل ذنبها يا ابني طول عمرها وعمرك.
جلال باستغراب: ليه يعني؟
حسنة: ما فيش بنت تتجوز كام يوم كده وتتطلق وسمعتها تسلم من القيل والقال يا ابني، وإحنا عندنا ولايا يا ابني، بنتك وبنت أخوك، ويا عالم.
جلال بتفكير: أنا ما فكرتش أبدًا في الكلام ده قبل كده.
حسنة: الصراحة ولا أنا، لكن... ضرب النار اللي حصل، وزيارة عمها وعيلته، خلاني سألت نفسي سؤال، يا ترى لو أنت طلقتها دلوقتِ، عمها ممكن يقول إيه أو يتعامل معاها إزاي؟ خصوصًا إنه ما يعرفش سبب جوازكم في الوقت القليل ده، واللي فهمته، إنه فهم إنها هربت معاك، وأنت اتجوزتها بعد كده، يعني كانت على علاقة بيك قبل جوازكم، فلما تيجي تطلقها بعد كام يوم... تبقى بتحط راسها في الطين باقي عمرها.
أنا عارفة ومتأكدة إن هي كمان ما فكرتش في الموضوع من الناحية دي، لكن لازم تفهمها يا ابني.
يمكن تكون أنت خلاص حققت غرضك من جوازها، ويمكن تكون هي كمان حققت غرضها بإنها خلصت من اللي اسمه الهلالي ده، لكن بلاش تبقى هي ضحية حتى لو بمزاجها.
أنهت حسنة حديثها ثم ربتت على كف جلال واتجهت إلى الخارج وتركته يفكر في كيفية حل هذه المعضلة.
***
عندما انطلق عارف خلف حسين كل بسيارته، ظل وراءه حتى ضيق عليه الخناق بمكان ما وأجبره على التوقف على جانب الطريق، ثم هبط من سيارته متجهًا إلى سيارة أخيه وجلس بجواره وقال: ينفع كده شغل المطاردة والعصابات ده؟ ما أنت شايفني عمال أديك في إشارات، ما وقفتش من نفسك ليه؟
حسين: عاوز إيه يا عارف؟ أنا حاسس إني عاوز أقعد مع نفسي شوية.
عارف: حقك، بس في أوقات لما تقعد تتكلم مع حد ويرد عليك بيبقى أريح من إنك تكلم في روحك من غير ما تلاقي رد، طول عمرك بتتكلم معايا كأنك بتتكلم مع روحك.
حسين بابتسامة حزينة: طول عمرك الدكتور النفساني بتاعنا كلنا.
عارف بمرح: دي إمكانيات يا عمنا، مش بالشهادات يا دكتور.
حسين: عندك حق.
عارف: طب اركن عربيتك هنا، وانزل تعالى معايا، هقعدك في حتة مكان، هخليك تنسى الدنيا واللي فيها.
ليقوم حسين بتنفيذ كل ما قاله عارف، ليأخذه عارف بالفعل إلى قطعة أرض صغيرة وسط الزراعات بها حجرة من الخوص مفروش أمامها عدة حصر ريفية، فيشير لحسين بالجلوس قائلًا: اقعد على ما أجيب العدة من جوه.
حسين بسخرية: وكمان عدة؟ أنت بتتعاطى ممنوعات هنا ولا إيه؟
عارف بثقة: اصبر على رزقك، ده أنا عندي جوه منقد وبراد صاج إنما إيه عجب.
حسين باستفهام: بتاعة مين الأوضة والحاجات دي؟
عارف: أوضتي، ده الملجأ السري بتاعي، ما حدش يعرف مكانه غير جلال.
حسين: وليه الخيانة دي؟
عارف: ما أنت على طول وسط العيانين والشغل بتاعك، إنما جلال، ما أنت عارف، حالته النفسية كانت على طول في الحضيض.
ليقوم عارف بإشعال بعض أعواد الخشب المخلفة من فروع الشجر الجافة بداخل المنقد ووضع بداخلها إبريق الشاي وهو يقول بدعابة: هسقيك بقى شوية شاي وصاية من اللي قلبك يحبه.
وبعد أن أعد لهم كوبين من الشاي جلس بجواره وهو يقول: أنت غلطت يا حسين.
لينظر له حسين بدهشة قائلًا: بقى بعد كل ده وبرضه أنا اللي غلطان؟
عارف: أيوه، غلطت لما سكتت عليها المدة دي كلها، غلطت لما اديتها فرصة تفكر إنها بتلوي دراعك بمنع نفسها عنك.
حسين: واديتها الفرصة دي إزاي بقى؟
عارف: ما هو لما تحاول تراضيها كل وقت والثاني ده معناه إنك تعبان من غيرها وعاوزها، فهي افتكرت إنها كده بتدوس على نقطة ضعفك.
حسين: يعني كان المفروض أعمل إيه؟
عارف: كان المفروض أول ما لقيتها بتعزل نفسها وبتمنع روحها عنك بسبب الموضوع ده تهددها إنك هتعرف عمي باللي هي عاوزة تعمله، وتعرفنا كلنا، يمكن كانت ارتجعت من ساعتها عن اللي في دماغها ده، أو حتى كنت واجهتها قدام أمي عشان تعرف حجم الغبا اللي هي فيه.
حسين بحزن: كنت بحبها يا عارف، وما كنتش حابب أبدًا إني أكسر صورتها قدام أي حد، حتى عمي ذات نفسه، كفاية اللي حصل له بعد موت هدى الله يرحمها.
عارف بتركيز: أنت تقصد اللي قلته ده؟
حسين: طبعًا.
عارف: ركز معايا يا حسين، أنت قلت دلوقتِ إنك كنت بتحبها، أفهم من كلامك ده إيه؟
حسين بجمود: تفهم اللي قلته بالضبط.
عارف: حسين..
انت مش ناوي ترد ندا؟
حسين بحزم: لا.
عارف: طب وأدهم... وليلى؟
حسين: هيتربوا يا عارف عادي، ياما ولاد اتربوا كويس جدًا وأهاليهم منفصلين.
عارف: وياما ولاد طلعوا معقدين جدًا بسبب انفصال أهاليهم.
حسين: عمري ما هسمح إن حاجة زي دي تحصل، ولادي هيتربوا في حضني، وهيطلعوا أسوياء، وهو أنت فاكر إن بعقلية ندا والسواد اللي جواها ده ممكن تطلع عيال أسوياء برضه؟
عارف: يمكن يكون عندك حق، لكن أنا عاوزك تفكر في الموضوع مرة واتنين، وتفكر في مصلحة ولادك أهم حاجة.
حسين: ما تقلقش، دي أول حاجة أنا فكرت فيها.
عارف: هو أنا ليه حاسس إنك كنت واخد القرار من قبل كده؟
حسين: دي حقيقة ما أقدرش أنكرها، أنا حاولت أديها فرصة أخيرة، وحاولت أخاطب قلبها قبل عقلها، لكن هي رفضت تسمعلي، أو حتى تسمع لكلام العقل، يبقى ما تلومش غير نفسها.
عارف: طب افرض رجعت بيت عمي وأخذت معاها الولاد؟
حسين: ساعتها أنا هيبقى ليا تصرف تاني، يرجعلي ولادي تحت جناحي من تاني.
عارف: تصرف زي إيه؟
حسين: ما تشغلش بالك، وبلاش تسبق الأحداث، سيب كل حاجة لوقتها.
بمنزل عزت والد كريم وندا.
بعد أن ظل الوجوم وجه عزت وزينب فور علمهم بطلاق ندا، قال عزت بهدوء ما يسبق العاصفة: عملتي إيه وصل حسين إنه يطلقك يا ندا؟
زينب باندفاع: وليه ما يكونش هو اللي عمل يعني يا عزت، ليه على طول كده افترضت إن بنتك هي اللي غلطانة؟
كريم بانفعال: لأن بنتك اللي غلطانة فعلًا يا ماما، بنتك عاوزة تفرق الإخوات عن بعض، بنتك عاوزة جوزها الدكتور يسيب شغله ومهنته اللي ياما سهر الليالي عشان يقدر ياخدها، شغلته اللي الكل بيحترمه بسبب إنسانيته الشديدة مع الناس الغلابة وهو بيسمع لشكوتهم ووجعهم ويحاول بكل قوته إنه يعالجهم، والسبب إيه؟ السبب إنها مش عاجبها إن جلال هو اللي بيصرف شؤون إخواته، عاوزة حسين يسيب كل حاجة ويجري ورا جلال عشان يتعلم منه، لأ وياريت على قد كده، دي كمان عاوزاه بعد كده يزيح جلال ويمسك هو كل حاجة.
وياريتها مثلًا شاكة إن جلال مش كويس أو طمعان.. لأ، ده لمجرد إن تبقى هي اللي مسيطرة على كل حاجة.
عزت بفضول: الكلام اللي أخوكي بيقوله ده حقيقي؟
زينب: وافرض حقيقي، ما هي مصلحتها ومصلحة عيالها.
عزت بغضب: زينب... بنتك ليها لسان تتكلم بيه، فبلاش تبقي أنتي لسانها في كل كلمة... انطقي يا ندا، الكلام ده مظبوط؟
ندا بتردد: وفيها إيه يعني يا بابا؟
عزت: ومين بقى اللي دخل الكلام الفارغ ده في دماغك؟
ندا: ده مش كلام فارغ يا بابا، لما يبقى حسين ما يعرفش أي حاجة عن ورثه ما يبقاش كلام فارغ، كل اللي بيعمله إنه بياخد نصيبه من الإيراد كل سنة مع كلمتين شكر لجلال أكنه بيمن عليه باللي بيرميهوله.
كريم بذهول: اللي بيرميهوله؟ ده أنتي على كده تبقي بتشككي فعلًا في ذمة جلال؟
ندا بغضب: ما بشككش، وعارفة ومتأكدة كمان إن جلال لا يمكن يطمع في اللي مش ليه.
عزت: أومال إيه حكايتك؟
ندا: زهقت من إني دايمًا على الهامش، زهقت إني على طول تابعة للي حواليا، ليه أبقى أنا دايمًا اللي في الضّل، حتى أما هدى كانت عايشة، رغم إن هي الصغيرة إلا إنكم كنتم دايمًا برضه معيشيني في ضلها.
عزت بصدمة: أنتي كنتي بتغيري من أختك؟
ندا: عمري ما غيرت منها، بس كنت بغير من نظرتكم ليها، اعملوا كذا عشان هدى، هاتوا كذا عشان هدى، بلاش كذا عشان هدى، كانت دايمًا بؤرة اهتمامكم الأولى والأخيرة.
كريم بغضب: ده لأنها عمرها ما كانت بتطلب حاجة، وعشان كده كان الكل بيحاول إنه يعمل الحاجة اللي عارف إنها بتحبها.
ندا بغضب: طب ما أنا كمان عمري ما كنت بطلب حاجة زيها بالظبط يا سي كريم.
كريم: قدامنا آه، لكن من ورانا كنتي بتمدي إيدك وتاخدي كل اللي أنتي عاوزاه وأنتي متصورة إن ما حدش شايفك، لكن اللي ما تعرفيهوش إن كلنا كنا بنبقى شايفينك.
ليسود الصمت بين الجميع لتلتفت زينب فجأة قائلة: وولادك فين؟
ندا بغيظ: حسنة هانم قررت إني لو خرجت من البيت هخرج من غيرهم.
زينب بغضب: يعني إيه الكلام الفارغ ده؟ هتحرمك من ولادك وإلا إيه؟ ده بدل ما تتشطر على ابنها وتعقلّه.
كريم باعتراض: ماما، مرات عمي حاولت كتير مع ندا، على أساس إنها ساعة شيطان والدنيا هتهدى بعد كده، وبنتك اللي صممت تمشي، فقالتلها تمشي لوحدها، كانت فاكرة إنها لما تقولها كده هتهدى وتقعد مع ولادها، لكن بنتك الصراحة تفوقت على نفسها واتطاولت بالكلام عليها كمان.
ندا: كنت عاوزني أعمل إيه يعني وهي بتقولي اللي قالته؟
كريم: ما قلتش حاجة غلط، كل حرف قالته أنا بنفسي قلتلك زيه قبل كده، تقدري تنكري؟
ندا: وعجبك يعني اللي قالهولي جلال؟
كريم: أهو جلال ده بالذات اللي يتعمل له تمثال على صبره عليكي، أنتي عارفة، أنا لو مكانه.. بعد ما سرقتيه وخونتيه وكمان هنتي أمه قدامه، كتر خيره إنه ما مدش إيده عليكي يا ندا.
عزت بجمود: تطلعي على أوضتك، وياريت ما أشوفش وشك على ما أعرف حكايتك دي هترسي على إيه.
لتسرع ندا إلى غرفتها بغضب وما إن التفتت لتغلق بابها خلفها إلا وتفاجأت بكريم يدخل خلفها ويغلق الباب لتقول ندا بحدة: عاوز إيه تاني يا كريم؟ إيه ناوي تسمعني كلمتين كمان وإلا ناوي تضربني تاني؟
كريم بهدوء: عاوزك تفهمي كويس إن لولا أنك غلطانة أنا ما كنتش وقفت ضدك يا ندا، أنتي أختي، وما بقالناش غير بعض.
ندا بسخرية: لأ ماهو واضح.
كريم بتنهيدة: حاولي تقعدي مع نفسك شوية بصدق، هتعرفي أنك غلطتي في حق نفسك قبل ما تغلطي في حق حسين وجلال ومرات عمك، هتلاقي أنك غلطتي أنك ضيعتي سنتين من عمرك وعمر حسين من غير أي سبب.
فؤادة الغريبة لما خبت على جلال اللي قلتيهولها وهي ما تعرفش إنه عرف من جوزك أصلًا، كانت وجهة نظرها أنها ما تزعلش الإخوات من بعض.
فؤادة الغريبة يا ندا خافت على علاقتكم ببعض، شوفي أنتي بقى كنتي بتفكري في إيه وعاوزة إيه.
ده غير عملتك السودا بتاعة ضرب النار اللي لولا خوفي على أبوكي كان زماني حكيتله كل حاجة.
ثم اتجه إلى الخارج وهو يقول قبل أن يغلق الباب خلفه: راجعي نفسك يا ندا واعقلي، عشانك قبل أي حد.
وبعد أن أغلق الباب قالت ندا بغل: أنا فعلًا هراجع نفسي، بس ده كله عشان بس الكل يعرف قيمتي يا سي كريم، وأخرجت هاتفها من جيب معطفها وقامت بالاتصال على شخص ما قائلة: رغم إني ما كنتش ناوية إني أتعاون معاك تاني بعد اللي حصل المرة اللي فاتت، بس عندي خبر أعتقد إنه يهمك.... فؤادة وجلال رايحين المزرعة بتاعتها خلال كام يوم.
رواية فؤادة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ميمي عوالي
مر اليوم على منزل جلال وسط مشاورات بين الجميع، والجميع يحاول إثناء حسين عما وصلت إليه علاقته بندى، محاولين إقناعه بأن يردها إلى عصمته وعدم إتمام الطلاق من أجل الصغار.
أما حسين، فكان يسمع لهم بصد تارة وبهدوء تارة أخرى حتى خرجت فؤادة من غرفتها والصغار حولها، وهي تمسك يد ليلى الصغيرة التي قد بدأت تشعر بغياب أمها عنها، وبدأت الدموع تداعب عينيها.
وعندما وصلت إليهم نهض حسين مسرعًا وهو يتلقف ليلى ويرفعها إليه مداعبًا إياها، والتي ما أن رأت أباها حتى دست وجهها بين ثنايا عنقه واستسلمت لنوم عميق في ثوانٍ معدودة بوداعة طفولية أشفق عليها الجميع.
لتتنحنح فؤادة قائلة بإحراج شديد:
"أنا آسفة، بس حسيت إن ليلى مستغرباني ومش عارفة تنام معايا."
حسنة بأسف:
"حقك عليا يا بنتي، المفروض إنك تستريحي وتتغذي، مش إنك تفضلي مذنبة روحك كده وسط الولاد."
فؤادة بابتسامة صادقة:
"أبدًا والله يا أمي، أنا الولاد ما تعبونيش خالص، بس ليلى صعبت عليا لما حسيت إنها عاوزة تنام وقلقانة تنام معايا عشان مش واخدة عليا."
حسين بامتنان:
"كتر خيرك يا فؤادة، يكفي إنها ما عيطتش خالص من ساعة..."
ليصمت حسين دون أن يكمل حديثه المفهوم دون سماعه.
فؤادة:
"ربنا يهدي الحال والمايه ترجع لمجاريها إن شاء الله."
حسنة وهي تنادي أم إبراهيم:
"إحنا اليوم خلص لا حد أكل ولا حد شرب، والغلبانة دي لا أكلت ولا خدت الأدوية بتاعتها من ساعة ما خرجت من المستشفى."
فؤادة بإحراج:
"ما تشغليش بالك، أنا مش جعانة."
حسين وهو لا يزال يحتضن ليلى النائمة:
"ما ينفعش يا فؤادة، لو عاوزة تخفي وترجعي لحالتك الطبيعية من تاني لازم تتغذي كويس وتلتزمي بكل اللي قال لك عليه الدكتور سيف."
أمرت حسنة أم إبراهيم أن تجهز لهم الطعام، وما أن التف الجميع حول مائدة الطعام، إلا ووجدوا كريم قادمًا إليهم وملقيًا السلام.
حسنة:
"تعالى يا ابني كل لك لقمة معانا، إحنا يا دوب هنتغدى."
كريم وهو يجلس بجوار عارف:
"والله أنا كمان لسه ما اتغديتش."
عارف:
"طب يلا يا سيدي اتفضل مد إيدك، حماتك بتحبك."
كريم وهو يتابع فؤادة بابتسامة:
"المهم إن بنتها تحبني، وإلا إيه."
كانت فؤادة تنظر في طبقها، لم ترفع رأسها عنه، ولم تحاول الاشتراك في حديثهم، تحاول الاعتماد على نفسها في الطعام، فهي تتعامل بيد واحدة، والأخرى رغم أنها معلقة بسبب إصابتها إلا أنها تتشبث وتتلاعب بشدة بملابسها كعادتها.
وعندما بدأت حسنة في ضيافة كريم قال:
"ما تقلقيش عليا يا امرأة عمي، أنا هعرف أصرف نفسي، شوفي أنتي بس الغلبانة دي أحسن شكلها كده مش عارفة تاكل."
لترفع فؤادة رأسها وتنظر لكريم لأول مرة ليقابلها بابتسامة واسعة قائلًا:
"حمد لله على السلامة."
فؤادة بوجل:
"الله يسلم حضرتك، شكرًا."
لتشعر فؤادة ببعض الارتباك الذي لا تدري سببه، فهي تشعر أنها مراقبة من هذا الكريم، فهو ينظر إليها وكأنه يتغلغل إلى شرايينها ليدقق النظر بداخلها، فحاولت أن تنهي طعامها سريعًا حتى تغادر تلك الجلسة، ولكنها وجدت كريم يقول لها:
"تعرفي يا آنسة فؤادة إني شفتك قبل كده."
لترفع فؤادة رأسها إليه مرة أخرى وهي تتساءل بعينيها دون أن ينطق لسانها، فيكمل كريم قائلًا:
"أنتي كنتي بتتعاملي مع مكتب ترجمة في سان استيفانو في إسكندرية... مش كده؟"
فؤادة وهي تنظر لجلال:
"أيوة.. ده حقيقي، بس الكلام ده كان من سنين."
لتكمل فؤادة بخفوت:
"كنت بشتغل معاهم."
كريم:
"أنتي بتعرفي لغات إيه؟"
فؤادة بإيجاز:
"لغات شرقية."
كريم بفضول وهو يحاول رصد رد فعلها:
"برافو عليكي، طب سيبتي الشغل ليه؟ دي الترجمة دي شيء ممتع، أنا كمان بشتغل مع نفس المكتب، بس أنا بترجم إسباني وإيطالي."
لتخفض فؤادة رأسها مرة أخرى إلى طبقها دون رد وعندما حاول كريم فتح الحوار مرة أخرى معها، قامت فؤادة من مكانها بخجل بعد أن قالت:
"أنا الحمد لله شبعت."
حسنة:
"أنتي ما أكلتيش كويس يا بنتي."
جلال بحزم:
"خلي أم إبراهيم تودي لها سندوتشات وفاكهة في أوضتها يا ماما، هيبقوا أسهل بالنسبة لها عشان إيدها."
فؤادة بامتنان:
"شكرًا."
ثم نظرت لأدهم وسلوى قائلة:
"هستنى أشوفكم قبل ما تناموا."
ثم استأذنت في الانصراف، وتركتهم واتجهت إلى غرفتها بهدوء.
كانت سلوى وأدهم يتحدثان سويًا بصوت خافت وهما يراقبان الكبار وأحاديثهم، لتنبري سلوى وهي تسأل كريم قائلة:
"هي خالتو ما جاتش معاك تاني من عند جدو؟"
كريم بهدوء:
"لا يا سلوى، أصل جدو تعبان، ولما يخف..."
ليقاطعه حسين قائلًا بحزم:
"لما تحبي تشوفيها يا حبيبتي، يبقى خالو ياخدك تشوفيها ويرجعك تاني."
لتعود سلوى بنظرها لأدهم وعلى وجهها نظرة بمعنى.. أرأيت.
ليقول أدهم بتردد:
"طب وأنا يا بابا؟"
حسين وهو يعلم جيدًا مغزى سؤال ولده:
"أنت إيه يا حبيبي؟"
أدهم:
"لما أحب أشوف ماما؟"
حسين بحنان وهو ينظر لأدهم:
"وقت ما تحب تشوفها هتشوفها طبعًا يا أدهم، دي مامتك، ولا يمكن أبدًا حد ممكن يمنعك عنها أو يمنعها عنك."
أدهم بحزن:
"يعني ماما مش هتعيش معانا هنا تاني؟"
ليقول جلال مقاطعًا إجابة حسين قبل نطقها:
"وقت ماما ما تحب ترجع تعيش معانا يا أدهم ما حدش أبدًا هيمانع ده."
لينظر أدهم إلى حسين وكأنه ينتظر تأكيده على كلام عمه فوجده يومئ رأسه مع نظرة طمأنة.
بعد أن فرغ الجميع من الطعام جلسوا جميعهم لتناول المشروبات الساخنة، بعد أن ذهب أدهم وسلوى للجلوس مع فؤادة لسماع قصصها الشيقة إليهم.
ليقول كريم متسائلًا:
"ناوي على إيه يا حسين؟"
حسين بهدوء:
"مش ناوي على حاجة يا كريم، أنا خلاص نفذت قراري ومش هرجع فيه تاني."
كريم بتنهيدة:
"أنا مش هحاول أخليك ترجع عن قرارك يا حسين، أنا عاوزك تفكر في مصير الولاد."
حسين بجمود:
"أنا ما أقدرش أبدًا أثق في ندى إنها تربي ولادي وهي بعيد عن البيت ده يا كريم، وأنت أكيد فاهم أنا أقصد إيه كويس."
ليحني كريم رأسه وهو يستند بمرفقيه على قدميه ويقول وهو على نفس وضعه:
"لكن الولاد مش هيقدروا يستغنوا عن أمهم يا حسين وأنت أكيد فاهم ده كويس."
حسين:
"خلاص، حلها أنت."
حسنة:
"أنا غلبت فيها عشان ما تخرجش من البيت وهي ركبت دماغها قدام كريم."
لينظر كريم إلى حسنة ويقول:
"مهما إن كان يا امرأة عمي، ورغم اللي عملته مع ندى، لكن أنا مع ندى في قرار خروجها من هنا."
ليتدخل عارف قائلًا:
"وأنا كمان."
حسنة:
"إزاي بس يا ولاد؟"
كريم:
"النفوس شالت خلاص يا امرأة عمي، وعمرها ما هترجع زي ما كانت أبدًا، ومش هتعرفوا تتعاملوا مع بعض بطبيعتكم زي الأول."
جلال بتنهيدة:
"عمي عرف التفاصيل يا كريم؟"
كريم:
"أنا حكيت لهم كل حاجة."
حسين بفضول:
"وعمي عامل إيه؟"
كريم:
"والله يا حسين ما عارف أقول لك إيه، من ساعتها وهو شبه سرحان وما بيتكلمش غير لو حد وجه له كلام."
حسين بأسف:
"ما كنتش أحب أبدًا إن الحكاية توصل لكده، لكن يعلم ربنا.. إني حاولت معاها لمرات فشلت عن إني أعدها من كتر تكرارهم."
كريم:
"برضه ما عرفتش ناوي تعمل إيه بخصوص الولاد، والحكاية مش على قد أدهم وليلى لكن كمان سلوى متعلقة بيها."
جلال:
"ما تشغلوش بالكم بسلوى، أنا قررت إني آخدها معايا وأنا مسافر."
كريم بفضول:
"مسافر فين؟"
جلال:
"مسافر مع فؤادة، هنقعد شوية في المزرعة بتاعتها."
كريم بتردد:
"هو أنت ناوي تستمر في جوازك منها يا جلال؟"
وعندما نظر له جلال بجمود أكمل كريم قائلًا:
"يا ريت ما تعتبرش كلامي ده تدخل في حياتك الشخصية، بس ندى كانت حكت لي على ظروف جوازكم وملابساته، طبعًا في تفاصيل غايبة عني أنا ما أعرفهاش، بس الكام مرة اللي شفتها في إسكندرية، بيقولوا إنها..."
جلال بفضول تغلب على جموده:
"إنها إيه يا كريم؟"
كريم:
"يعني، بصراحة اللي شفته منها في إسكندرية.. مختلف تمامًا عن اللي شايفه منها هنا."
جلال:
"مش فاهم."
كريم:
"يعني طبعها اللي شفته هناك بيقول إنها مش بالوداعة اللي أنا شايفها هنا أبدًا."
جلال:
"اشرح لي أكتر.. مش فاهم."
كريم:
"يعني اللي يشوفها هنا يقول إنها منكسرة وهادية وبريئة، لكن اللي شفتها في إسكندرية قطة شرسة بضوافر، كنت موجود في المكتب مرة وكانت شبه مكسرة نص الأجهزة اللي فيه."
عارف باستغراب:
"فؤادة؟"
كريم:
"أيوة فؤادة، رغم إني ما كنتش متأكد إن هي لما شفتها إلا النهاردة وهي قدامي وجهًا لوجه، وكمان أنا ما كنتش وقتها أعرف اسمها."
جلال:
"وما عرفتش كانت عاملة كده ليه؟"
كريم:
"اللي فهمته وقتها إنها كانت عاملة شغل كتير جدًا للمكتب، وقعدت فترة تتعامل بالإيميلات من غير ما تروح تحاسبهم، ولما راحت بعد فترة كان ليها مبلغ كبير، ولما قعدت مع المحاسب عشان يصفوا الحسابات بتاعتها، المحاسب اتطاول عليها وعاكسها بجرأة وهو عامل حسابه إن ما حدش هيقدر يعدل عليه لأنه شريك في المكتب، لكن طبعًا ما كانش عامل حساب اللي فؤادة عملته يومها."
جلال بفضول:
"عملت إيه بالظبط؟"
كريم:
"أنا لما دخلت لقيت 3 شاشات كمبيوتر مكسورين ومرميين في وسط المكتب ولقيتها بتقول بنرفزة جامدة..."
أنا مش هتعامل مع مكتب يملكه حد بالحقارة دي مرة تانية، وبالنسبة لفلوسي اللي عندكم أعتقد إنها تجيب لكم أجهزة بدل اللي اتكسرت دي، ونبقى خالصين. وبالنسبة لباقي فلوسي بما إني ما بسيبش حقي فهاتوا بدل ده كمان بالمرة. وهوب يا ابني عينك ما تشوفش إلا النور، بعزم ما فيها حدفت طقطوقة السجاير الكريستال في الباب الإزاز بتاع المدير. وعشان كده مش عارف إيه وش الهدوء اللي هي لابساه ده.
بعد أن انتهى كريم كان الصوت السائد هو ضحكات عارف، والذي كان يضحك مرددًا:
"والله جدعة، بنت بميت راجل."
بينما جلال قال مبتسمًا:
"لا ما أنا عارف وشفت الوش التاني ما تقلقش."
كريم باستغراب:
"إيه كسرت لك حاجة هنا ولا إيه؟"
جلال ضاحكًا:
"مش للدرجة دي يعني."
حسنة:
"هي شكلها ما بتسيبش حقها."
كريم بمغزى:
"أول مرة شفتها، شدتني بالشبه الكبير اللي بينها وبين هدى الله يرحمها وخصوصًا إن ليها بعض الحركات بتعملها بإيدها زيها بالظبط، لكن لما شفت الحادثة دي عرفت إن فرق السما من العمى."
كان جلال يستمع إلى كريم وهو يعلم تمامًا أنه يلمح إلى ما كانت تفكر به ندى، ولكنه لم يعلق وظل محتفظًا بابتسامته الهادئة ولكن كريم أعاد عليه سؤاله مرة أخرى قائلًا:
"برضه ما قلتليش... ناوي تستمر في جوازتك دي؟"
جلال بوجوم:
"يهمك تعرف الإجابة يا كريم؟"
كريم:
"أيوه."
جلال:
"عاوز تعرف ليه؟"
كريم بتردد:
"تزعل لو قلت إني عاوز أحتفظ بالإجابة لنفسي؟"
جلال بابتسامة:
"لا طبعًا ما أزعلش أبدًا، لأن إجابتي نفس إجابتك برضه هحتفظ بيها لنفسي."
ليومئ كريم برأسه وهو يتجاوز عن حديثهم عن فؤادة ويلتفت إلى حسين مرة أخرى قائلًا:
"ما قلتليش يا حسين، ناوي على إيه؟ على الأقل لما عمك ومرات عمك يسألوني أعرف أرد عليهم."
حسين:
"بص يا كريم، أنا مواعيد شغلي كلها أختك عارفاها وحافظاها، يعني تقدر تتواجد كل يوم مع ولادها لو حبت في الوقت اللي أنا مش موجود فيه، لكن غير كده مش هقدر."
حسنة:
"بس برضه لو حبت تاخدهم يوم ولا اتنين ويرجعوا تاني من حقها يا ابني، دي أمهم."
ليقول حسين:
"وتضمني إنها ما تسممش دماغهم من ناحيتي أو ناحيتكم وهم بعاد عن هنا؟"
كريم:
"مش للدرجة دي يا حسين، وبعدين من الناحية دي ما تقلقش، أنا موجود وعمك موجود ومرات عمك كمان، ما حدش أبدًا ممكن يسمح بحاجة زي دي."
جلال:
"عمومًا، حسين لازم يروح لعمي ويقعد معاه ويفهمه كل حاجة، ويتفق معاه على الكلام ده في وجودك يا كريم برضه."
وعندما نظر حسين إلى جلال أكمل قائلًا:
"أنا وعارف هنبقى معاك، ما تقلقش."
ليومئ حسين برأسه، لينهض كريم مودعًا إياهم وهو يقول:
"تمام، يبقى أشوفكم إن شاء الله على خير وقت ما تيجوا."
جلال:
"بكرة يا كريم إن شاء الله، عشان نخلص من الموضوع ده قبل سفري إن شاء الله."
لينصرف كريم، وبعدها يستأذنهم حسين لينضم إلى ليلى في نومها بعد أن عبر لهم عن مدى إرهاقه وحاجته إلى النوم بشدة.
لينظر عارف إلى جلال قائلًا:
"أنت مسافر إمتى؟"
جلال:
"بعد بكرة إن شاء الله."
عارف:
"طب وأنت حاسس إنك هتقدر تاخد بالك من سلوى لوحدك؟"
حسنة:
"سلوى اتعلقت بفؤادة، لكن المشكلة في أدهم، لما تاخد سلوى وأمه كمان مش موجودة هيبقى عامل إزاي لوحده؟"
عارف:
"طب ما تروحي مع جلال وتاخديهم معاكي؟"
حسنة:
"أنا... أنت بتهزر؟"
عارف:
"لا بهزر ولا حاجة، أهم يغيروا جو يومين، ووقت ما تحبوا ترجعوا كلميني أجي أخدكم."
حسنة:
"وهسيبك أنت وحسين لوحدكم؟"
عارف بضحك:
"إحنا مش أطفال يا أمي، ثم ده أنا بقول لك يومين، ما بقولكش خليكي هناك."
لتنظر حسنة إلى جلال الذي يراقبهم بصمت:
"وأنت رأيك إيه يا جلال؟"
جلال:
"مش عارف، وبعدين يعني إحنا مش عارفين صاحبة المكان هترحب بده ولا إيه وهل المكان المفروض إنه يصلح للولاد ولا لأ."
حسنة:
"إن كان على صاحبة المكان، هي عرضت قبل كده إن سلوى تروح معاهم، يعني هي مرحبة، لكن بقى حكاية الولاد كلهم دي بصراحة... مش عارفة، وأتحرج كمان إني أقول لها حاجة زي دي."
عارف:
"أنا أقول لها ما تشغلوش بالكم."
وما أن فرغ عارف من جملته، حتى وجدوا فؤادة تصطحب أدهم وسلوى إلى حسنة قائلة:
"معلش يا أمي، بس الولاد عاوزين يناموا."
لتنهض حسنة وتصطحب الطفلين معها إلى الأعلى قائلة:
"ياللا يا ولاد أنا هوديكم أوضكم عشان تناموا."
وبعد أن صعدت حسنة بالطفلين قال عارف لفؤادة:
"بقول لك يا فؤادة."
فؤادة:
"أيوه يا أستاذ عارف."
عارف:
"ما بلاش يا بنتي كلمة أستاذ دي، ده إحنا حتى هنبقى نسايب."
فؤادة بابتسامة خجلى:
"معلش، سيبني براحتي."
عارف:
"ماشي يا ستي، بس كنت عاوز أسألك على المزرعة بتاعتك."
فؤادة:
"مالها؟"
عارف:
"يعني، هل لو في ولاد صغيرين، المكان يبقى أمان بالنسبة لهم؟"
فؤادة بحماس:
"آه طبعًا، المزرعة أمان جدًا وفي حراسة وأسوار، وكمان هينبسطوا جدًا بالخيل بتاعة بابا الله يرحمه، لكن حضرتك بتسأل ليه؟"
عارف:
"أصلي بحاول أقنع أمي، إنها تروح معاكم هي والولاد."
فؤادة بلهفة وسعادة:
"بجد؟ طب يا ريت، والله هتنبسط جدًا، والبيت مليان أوض، وكمان في جنينة البيت بابا كان عامل لي مراجيح بين الشجر، يعني الولاد كمان هيلعبوا وهينبسطوا."
لينظر عارف بابتسامة لجلال قائلًا:
"شفتوا بقى، أنا قلت كده، أنت تاخد ماما والولاد، وأم إبراهيم."
جلال ضاحكًا:
"تصدق أنا ابتديت أتغوش من إصرارك إنك تفضي البيت بالشكل ده."
عارف بمرح:
"لا، أوعى مخك يروح لبعيد، أخوك أشرف من الشرف."
لتنسحب فؤادة بخجل وهي منكسة الرأس بعد أن قالت:
"بعد إذنكم."
ليضحك عارف بصخب بينما جلال يبتسم ابتسامة واسعة وهو يقول:
"يا أخي لم نفسك، وخد بالك من كلامك."
عارف:
"المهم إني ظبطت لكم السفرية، بس أنت في الفترة الجاية دي ما عندكش هنا حاجة مهمة في الأرض؟"
جلال:
"المحصول... التاجر خلاص استلمه، ولو في أي حاجة عطوة ممكن يتصرف ما تقلقش."
عارف وهو يحك مؤخرة رأسه وينظر لجلال بمكر:
"هو أنا لو سألتك نفس سؤال الواد كريم، هتجاوبني نفس الإجابة؟"
جلال بفضول:
"وأنت عاوز تعرف ليه؟"
عارف:
"أخويا وبتطمن عليك."
جلال:
"ماشي يا سيدي، ناوي أستنى شوية."
عارف:
"أشمعنى؟"
جلال:
"يعني، أمي لفتت نظري لحكاية لا كانت على بالي ولا على بال فؤادة أصلًا."
عارف بفضول:
"حكاية إيه دي؟"
جلال:
"سمعتها لو اتطلقت بسرعة كده، وكمان عمها بما إنه ما يعرفش تفاصيل جوازنا."
عارف بتفهم:
"فعلًا، إنما أنت ليه ما جاوبتش كريم لما سألك؟"
جلال ببعض الغضب:
"مالوش إنه يسأل أصلًا، ومش مستريح لنيته."
عارف:
"ليه يعني؟"
جلال:
"بصراحة يا عارف، مش عاجبني الطريقة اللي بيحاول يتعامل بيها مع فؤادة ولا الطريقة اللي بيبص لها بيها."
عارف بخبث:
"الله أعلم بالنوايا."
جلال:
"أهو النوايا دي اللي مش عاجباني."
عارف:
"ما هو عارف إنها جوازة كده وكده."
جلال بحزم غاضب:
"حتى لو كان، البنت دي حاليًا شايلة اسمي، ومش من الأصول أبدًا إنه يفكر فيها من الأساس يا عارف، ده اللي إحنا اتربينا عليه... ولا إيه؟"
عارف:
"ما تضايقش نفسك، هو أكيد ما يقصدش، وخلينا دلوقتِ نتفق هنعمل إيه مع عمك."
جلال:
"ما تقلقش، إن شاء الله خير."
في اليوم التالي كان لقاء الأخوة الثلاثة بعمهم.
لقاء يسوده الوجوم بعدما عاتب عزت حسين عتابًا مريرًا بسبب إخفائه كل ما كان من ابنته كل هذه المدة، ولكن حسين برر ما حدث بأنه كان يأمل أن يستطيع إصلاح الأمور دون أن تتطور إلى تلك الدرجة.
وفي النهاية، بعد أن تبين لعزت أن قرار حسين بالطلاق قرار لا رجعة فيه، اتفق الجميع على أن ترى ندى أبناءها وقتما تريد بمنزل حسنة، ولكن جلال أعلمه أن ذلك سيكون بعد رجوعهم من السفر.
كانت الشرطة قد قامت بتفتيش منزل الهلالي وضبطت كل المخالفات التي وُجهت إليه الاتهامات بسببها، مما أدى إلى مد حبسه على ذمة التحقيقات خمسة عشر يومًا آخرين. وعندما سمع جلال هذا الخبر من محاميه، كاد يطير فوق السحاب من شدة سعادته، وأبلغ فؤادة أن مشكلة الهلالي قد انتهت تمامًا بالنسبة لها.
أما تهمة إطلاق النار، فقد اعتبرته النيابة بريئًا منها بعد أن نجح الهلالي في إثبات أماكن تواجده وقت الحادث.
يوم السفر صباحًا، قرر عارف أن يقوم بأخذ إجازة من عمله وأن يذهب بسيارته بصحبة جلال ووالدته.
وقد أصر جلال أن تمر فؤادة على المشفى قبل سفرهم للاطمئنان على جروحها.
وبعدها توجها إلى المزرعة. كان عارف يقود سيارته ويصطحب معه والدته التي كانت تحمل ليلى على قدميها، وكانت أم إبراهيم وفتاة عشرينية أخرى تسمى ماجدة قد أتت بها أم إبراهيم بناءً على طلب جلال تجلسان بالمقعد الخلفي.
وفي سيارة جلال، كان جلال يقوم بالقيادة وتجلس فؤادة بجواره، وبالخلف يجلس أدهم بجوار سلوى بسعادة متناهية، فهي تكاد تكون المرة الأولى التي يخرجان بها من محافظتهم، وكانوا طوال الطريق يسألان فؤادة أسئلة لم تنتهِ إلا بوصولهم عن المكان الذي سيذهبون إليه، وما يوجد بداخله، وكانت فؤادة كل مرة تجيبهم والابتسامة لم تفارق وجهها دون كلل أو ملل، حتى وصلوا إلى المزرعة والتي فاجأت الجميع بفخامتها ورقيها وأناقة تقسيمها. وما أن وصلوا إلى البوابة الضخمة المصفحة حتى أطلق جلال زمور السيارة وما هي إلا دقيقة واحدة وخرج من باب صغير رجل يكاد يكون على عتبة الستين من عمره، ولكنه مفتول العضلات... قوي البنية. ما أن وقع بصره على فؤادة التي كانت تشير إليه بيدها بمرح كالأطفال قائلة:
أنا جيت.
ليبتسم الرجل ابتسامة واسعة مهللًا بالترحيب قائلًا:
أخيرًا نورتي مكانك يا ست فؤادة، حمد لله على السلامة.
فؤادة بسعادة:
الله يسلمك يا عمو نبيل، وحشتني ووحشتوني كلكم.
ليأمر الرجل أحدهم بالداخل ليفتح البوابة من الداخل، لتنفتح عن مشهد يخطف الأنفاس، فكان المدخل عبارة عن أعمدة خرسانية قصيرة منحوتة بمهارة فائقة بتشابك فيما بينها على شكل يشبه جذوع النخيل، وتنتهي في الأعلى بشكل يوحي بأنه تيجان مرصعة بالعديد من مصابيح الإضاءة، بينما تتجادل أفرع العنب التي تتساقط عناقيدها من سقف الممر بشكل يخلب الألباب، بينما ينتهي الممر بساحة صغيرة يغلب عليها شجر التوت والكافور، فيلقيان بظلالهما على الساحة والتي تطل على مدخل منزل على طراز الأكواخ الإنجليزية مطلي من الخارج بلون الياقوت. عندما توقفت السيارات، هبطت فؤادة بسعادة وهي تلتفت لنبيل الذي تبعهم حتى المنزل، وتقوم بتقبيل يده قائلة بحب شديد:
وحشتني أوي يا عمو، ووحشني كل حاجة هنا.
نبيل:
وإنتِ كمان وحشتيني ووحشتي كل حاجة هنا يا فؤادة.
فؤادة بحب:
وأنا هفضل هنا ومش هسيب أرضي لحد أما أموت.
نبيل:
بعد الشر عليكِ يا بنتي، ربنا يحفظك من كل شر.
فؤادة وهي تسحب نبيل من يده بمرح:
تعالى يا عمو لما أعرفك على ناس ليهم جميل كبير أوي في رقبتي.
فتشير إلى حسنة بحب قائلة:
دي تبقى حسنة هانم زي أمي بالظبط.
ثم تشير لعارف الواقف بجوار حسنة قائلة:
الأستاذ عارف مدرس في طنطا.
ثم أشارت إلى جلال الذي اقترب من تجمعهم بعد أن كان يفحص المكان بعينيه وقالت:
وده الأستاذ جلال يبقى...
ليقاطعها جلال قائلًا بابتسامة:
جوزها.
فتلتفت فؤادة بخجل لنبيل وهي تقول:
وده بقى عمو نبيل هو اللي مربيني مع بابا الله يرحمه وياما ذاكر لي أيام المدرسة.
ليتبادل الجميع التحية، بينما قامت أم إبراهيم وماجدة بحمل الحقائب وإدخالها إلى المنزل.
نبيل بابتسامة واسعة:
ألف مبروك يا بنتي، ربنا يسعدكم يا رب.
ثم أشار إلى سلوى وأدهم وأكمل قائلًا:
...ومين القطاقيط الحلوين دول؟
فؤادة بابتسامة:
القمراية دي سلوى بنت الأستاذ جلال والجميل ده أدهم ابن عمها وأخته ليلى، باباهم دكتور، بس ما قدرش يجي معانا.
نبيل بترحيب:
نورتوا المزرعة، وإن شاء الله تنبسطوا، البيت متوضب وزي الفل، خليت البنات اللي في الملحق جم نظفوه امبارح، والأكل كمان جاهز.
فؤادة وهي تصفق بيديها كالأطفال:
أنا شامة ريحة الفرن شغال.
لتلتفت فؤادة إلى حسنة والباقين بالدخول إلى المنزل قائلة بترحيب شديد:
ياللا يا أمي عشان تستريحوا وتتفرجوا على البيت من جوه، اتفضلوا.
ليدلفوا إلى المنزل، ليجدوا ردهة واسعة مليئة بالأرائك المتراصة بجوار بعضها وتلتف بعد ذلك على شكل مربع بينهم مائدة عليها أطباق تمتلئ بالعديد من أنواع الفاكهة، وبالخلف مائدة طعام متوسطة الحجم، وحول الردهة عدة أبواب وسلم خشبي أنيق يؤدي إلى الأعلى فتقول فؤادة وهي تشير إلى الأرائك:
بابا الله يرحمه كان دايما بيعمل اجتماعات بأصحاب المزارع اللي حوالينا هنا.
حسنة:
الله يرحمه يا بنتي.
فؤادة وهي تشير للأعلى:
اتفضلوا فوق عشان تعرفوا مكان أوضكم.
ليصعد الجميع إلى الأعلى وخلفهم أم إبراهيم وماجدة وهما تحملان الحقائب إلى الأعلى، ليجدوا أن المكان يحتوي على أربع غرف للنوم، فتشير على غرفة تحتوي على سرير ضخم وتقول:
الأوضة دي لحضرتك يا أمي اتفضلي.
وأشارت إلى غرفة بسريرين لتقول:
والأوضة دي عشان سلوى وأدهم.
ثم أشارت لغرفة أخرى وقالت:
دي كانت أوضة بابا، ممكن أستاذ جلال يقعد فيها، ولو أستاذ عارف حب يفضل معانا الأوضة سريرها كبير جدا، ممكن تباتوا سوا، ولو بيحب ينام لوحده في أوضتين للضيوف تحت.
وأشارت على الغرفة الأخيرة قائلة:
ودي أوضتي.
ليدلف كل منهم إلى الغرفة التي خصصت لهم وبدأوا في رص حاجياتهم، وبدأت أم إبراهيم وماجدة بمساعدتهم.
وبعد عودتهم إلى الأسفل لتناول الغداء الذي أمر نبيل بإعداده لهم، وأثناء تجمعهم على مائدة الطعام سمعوا صوت طلق ناري علموا على الفور أنه بداخل المزرعة.
رواية فؤادة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ميمي عوالي
فزع الجميع عند سماعهم لصوت إطلاق النار الذي انطلق بعده طلقات أخرى متباعدة من أماكن خارج المزرعة ومن اتجاهات مختلفة. ونهض جلال وعارف معًا على الفور واتجها إلى باب المنزل الذي وجدا عند بابه العم نبيل وهو يهم بالدخول إليهم، ليباغته جلال بلهفة قائلًا:
"إيه صوت ضرب النار ده؟ إيه اللي حصل؟"
قال نبيل بابتسامة وهو يطمئنهم:
"ما تقلقوش، ده طلق بنضربه كل يوم وبيبتدي من عندنا والمزارع التانية بترد علينا، عشان نبلغ بعض إن عربيات التموين والماية وصلت."
قال عارف:
"أممم، زي سيم يعني."
قال نبيل:
"أيوه."
ليأتيهم صوت فؤادة بتساؤل:
"ومن إمتى السيم ده يا عمو؟"
قال نبيل:
"بقالوا دلوقتي سنة يا بنتي ويمكن أكتر كمان. ولما العيار انطلق النهاردة، افتكرت إنك ما تعرفيش عنه حاجة فجيت أطمنكم."
قال جلال:
"وهو أنتم هنا ما عندكمش ماية؟"
قال نبيل:
"عندنا بس ضعيفة، وعشان كده بنجيب ماية من برة نملي الخزانات اللي بنستعملها في الحموم والنضافة، ودول ليهم حنفيات مخصوص. لكن الماية الحلوة، بنستخدمها للأكل والشرب بس."
قالت فؤادة وهي تستدير لتعود إلى مائدة الطعام:
"يلا يا جماعة كملوا أكلكم قبل ما الأكل يبرد، وتعالى يا عمو اتغدى معانا يلا."
ليعود الجميع إلى الداخل بينما اعتذر نبيل متعللًا بأنه قد تناول غداءه بالفعل، وبأنه سيعود إليهم مرة أخرى ليتناول معهم الشاي.
وعند جلوسهم مرة أخرى قامت فؤادة بطمأنة حسنة والأطفال ليعود الجميع إلى طعامه مرة أخرى.
قال عارف:
"بصراحة يا فؤادة، الأكل يجنن."
قالت فؤادة بسعادة:
"أومال، ده متسوّي كله في فخار في فرن بلدي."
قالت حسنة:
"رغم إن إحنا كمان حاجتنا كلها بيتي ومن خير الأرض، لكن بصراحة الحاجة ليها طعم مختلف برضه عن عندنا."
قالت فؤادة:
"أنا مبسوطة قوي إن الأكل عجبكم."
قالت سلوى بسعادة:
"والبيت كمان حلو قوي يا طنط فؤادة، هتودينا بقى نتفرج على الخيل إمتى؟"
قالت فؤادة بضحك:
"آه يا مصلحجية، حاضر، بكرة الصبح إن شاء الله بعد الفطار، أوديكم."
قالت سلوى باعتراض:
"وليه مش النهاردة؟"
قالت فؤادة:
"حبيبتي النهاردة خلاص قرب يخلص، والدنيا قربت تضلم، فمش هتلحقوا تتفرجوا وتنبسطوا. إنما بكرة الصبح اليوم هيبقى طويل، وهتقدروا تتفرجوا وتلعبوا وتركبوا خيل كمان."
قال جلال بحدة:
"لا، افرضي حد وقع ولا اتعور، مش تتكلمي كلام مسئول."
تفاجئت فؤادة بهجوم جلال غير المبرر عليها فقالت بندية وهي تتشبث بيدها المعلقة بطرف غطاء رأسها وتتلاعب به بشدة:
"هو حضرتك شفت الخيل اللي عندنا؟"
قال جلال بسخرية:
"وهشوفها إمتى بقى إن شاء الله؟ في الحلم؟"
قالت فؤادة:
"يبقى ممكن تصبر على ما تشوفها وبعدين تقول الكلام ده. أولًا الخيل اللي عندنا هادية جدًا، ثانيًا والأهم إني عمري ما كنت هسمح إن حد من الولاد يركب خيل من غير ما يبقى معاهم حد من السيّاس."
قال جلال بعند:
"برضه لا، ما فيش ركوب خيل."
لتنظر له فؤادة بحنق ثم التفتت إلى الجهة الأخرى في صمت وعلامات الانزعاج بادية على وجهها.
قالت حسنة:
"سيبوا بكرة لربنا، وبطلوا نقار بقى شوية، ده أنا قلت إنكوا عقلتوا."
قال عارف بمرح وهو ينهض من مكانه بعد أن أنهى طعامه:
"يموت الزمار وصباعه بيلعب، سفرة دايمة يا ست فؤادة، ربنا يستر وما نامش وأنا سايق."
قالت فؤادة بابتسامة:
"ألف هنا، طب ما تخليك معانا يومين، هتنبسط قوي."
قال عارف بمرح:
"لا يا أختي، ما باحبش النقار."
قال جلال بتساؤل:
"أنت هترجع دلوقتي على طول؟"
قال جلال:
"هشرب بس فنجان قهوة وأتوكل على الله على طول."
لتنهض فؤادة من فورها وهي تتجه إلى باب المنزل من الداخل، وتضغط على زر جهاز معلق بجوار الباب وتقول:
"مين اللي موجود؟ أنا فؤادة."
ليأتيها صوت سيدة ما قائلة:
"حمد لله على السلامة يا ست البنات، أنا سعدية."
قالت فؤادة بابتسامة:
"خالة سعدية، وحشتيني، أكيد هاجيلك وأسلم عليكم كلكم، بس عاوزة منك خدمة."
قالت سعدية:
"اؤمريني يا ستنا."
قالت فؤادة:
"عاوزة قفص من كل نوع فاكهة ويبقوا عندي في ظرف نص ساعة، ممكن؟"
قالت سعدية:
"ده أنتي تؤمري، قبل النص ساعة هيبقوا عندك."
لترفع فؤادة إصبعها عن الزر وتعود إليهم مرة أخرى لتدعوهم إلى تناول الشاي والقهوة في الخارج.
ليخرجوا جميعهم إلى خارج المنزل فيجدوا أريكتين خشبيتين مرصوص عليهم بعض الوسائد ويوجد فوقهم مظلة ضخمة، وأمام الأرائك يوجد منضدة. وجدوا نبيل قد أتى ووضع عليها عدة أنواع من الفاكهة وهو يقول:
"دوقوا من خير ربنا اللي من أرضنا، الفاكهة مغسولة وزي الفل."
قام عارف بالتقاط ثمرة من فاكهة الخوخ وتناولها على الفور، وسلوى التي امتدت يدها وتذوقت من معظم الأصناف وهي تصدر أصواتًا تنم عن الاستمتاع. وكان أدهم يحاول مجاراة سلوى فيما تفعله وسط ضحكات ليلى الرنانة وهي تنظر إليهم بينما تتلاعب ببعض حبات العنب بين يديها. واعتذرت حسنة بأن معدتها حاليًا ممتلئة، بينما جلال ظل يتلفت حوله وكأنه يدرس المكان بعينيه دون أن ينظر إلى الفاكهة أو ما يحدث إلى أن تنبه على صوت عارف وهو يقول باستمتاع:
"يا خبر يا فؤادة، أنتي إزاي كنتي حارمة نفسك من الجمال ده؟"
قالت فؤادة وهي تحاول إبعاد سحابة حزن من عينيها:
"ما أنت عارف يا أستاذ عارف..."
مجبر أخاك لا بطل.
عارف بمرح: آه يا ولاد الذين، هسيبكوا أنتوا مع الحاجات الحلوة دي وأمشي أنا.
فؤادة بابتسامة: لا ما تقلقش، ما أنت هتاخد نصيبك معاك.
عارف بضحك: أوعى تكوني فهمتيني صح.
فؤادة: ده ما يجيش من بعض فضلكم عليّ.
حسنة وهي تربت على يد فؤادة: ما تقوليش كده يا بنتي، أنتِ تستاهلي كل خير.
نبيل وهو يوجه كلامه لفؤادة: قلتي لي في التليفون إن كتفك ودراعك مصاب، لكن ما قولتيليش من إيه، كنتِ متشعبطة على الشجر برضه؟
لتضحك فؤادة بملء فيها وتقول: تصدق فكرتني، بس ما تقلقش أول ما أخف إن شاء الله هتلاقيني فوق شجرة التوت.
سلوى بشهقة: أنتِ بتتشعبطي على الشجر يا طنط؟
نبيل بضحك: بتتشعبط بس، ده كان فاضل نبنيلها أوضة فوق الشجرة تنام فيها.
ليضحك أدهم وسلوى بطفولية، بينما كرمشت فؤادة وجهها بشكل لطيف وقالت: بتضحكوا عليّ؟ معلش، اصبروا عليّ بس أما أخف وأنا أوريكم.
سلوى ضاحكة وهي تحذر فؤادة بسبابتها: لو عملتيها تاني بابا هيعاقبك.
لتلتفت فؤادة تلقائيًا على جلال لتجده ينظر إليها بتركيز لتخفض عينيها بسرعة وكأنها ضبطت بالجرم المشهود ليخرجها نبيل مما هي فيه مرة أخرى قائلًا: ولما أنتِ ما وقعتيش من على شجرة أومال إيه اللي عمل فيكِ كده؟
فؤادة بتردد وهي تحاول تخفيف الخبر عن نبيل: دي حاجة بسيطة يا عمو، ما تقلقش.
وعندما وجدت نبيل ما زال ينتظر إجابة قالت بتنهيدة: انضرب عليّ نار.
نبيل بدون فهم: أنتِ محروقة واللا متعورة؟
فؤادة بتوضيح: رصاصة يا عم نبيل، انضرب عليّ رصاصة.
نبيل بصدمة: ومين اللي عمل كده؟ واتقبض عليه واللا لا؟ وكان قاصدك أنتِ واللا جت فيكِ بالغلط؟
فؤادة: براحة يا عمو، أنا كويسة أهو قدامك، تعالى اقعد بس، وأنا هحكيلك على كل حاجة.
وما أن جلس نبيل حتى رأوا مجموعة من السيدات كل منهم تحمل على رأسها صندوقًا مغلقًا ويتجهون ناحيتهم، لتنهض فؤادة مسرعة وهي تصرخ بسعادة قائلة: خالة سعدية وحشتيني.
لتضع سعدية ما تحمله أرضًا، وتفتح ذراعيها محتضنة فؤادة بحب شديد وهي تتفحص كتفها وذراعيها وهي تحاول الاطمئنان عليها.
لتفعل باقي السيدات مثلما فعلت سعدية.
عارف: واضح إن الكل هنا بيحب فؤادة.
نبيل: ومين يعرف فؤادة وما يحبهاش؟ فؤادة متربية وسطنا هنا، حتى وقت الدراسة لما كانت تضطر تروح إسكندرية، كانت بتصمم تقضي كل إجازة هنا وسطنا، حتى الفترة اللي اشتغلتها كانت بتشتغل من هنا وكل فين وفين على ما تنزل المكتب مرة وترد على طول.
ثم أكمل بتنهيدة: سليم بيه الله يرحمه، كان دايما يقول فؤادة عمرها من عمر أول بذرة انغرست في الأرض دي، ورغم إنها اتعلمت ودخلت الجامعة، إلا إنها فلاحة أصيلة.
ثم ضحك قائلًا: الليدي اللي قدامكم دي، يا سلام عليها وهي لابسة البرنيطة القش وبتجمع المحصول وسط الستات.
كان جلال مصوبًا نظره على فؤادة يتفحصها ويركز مع ردود أفعالها، كانت بسيطة، رقيقة، مرحة مرح طفل يلهو مع رفاقه وهو يحاول تأجيل المغيب كيلا تفوته لعبة هنا أو أطروحة هناك.
كانت فؤادة قد استأذنت من السيدات بعد أن شكرتهم على مساعدتها وأشارت إلى سيارة عارف طالبة منهم أن يضعوا بها الفاكهة.
عارف وهو يضحك بصوت عالي: إيه يا بنتي كل ده؟ مين اللي هياكل كل ده؟
فؤادة بابتسامة: خد اللي يكفيكم أنت ودكتور حسين والباقي هادي بيه حبايبك وأصحابك.
عارف: ماشي يا ستي، شكرًا.
وعندما التفتت وجدت نظرات جلال تتفحصها مرة أخرى، لينتابها شعور لم ينتابها من قبل، شعور بالخجل ولم تدرِ سببًا لهذا الشعور ولكن وجهها اعتلته حمرة خفيفة زادتها جمالًا ورقة.
فعادت للجلوس بجوار حسنة مرة أخرى بينما قال عارف بعد أن انتهى من شرب القهوة: أنا هضطر أمشي بقى عشان ألحق الطريق قبل الليل.
نبيل: تحب أبعت معاك حد لغاية البوابات؟
عارف: لا وعلى إيه، متشكر جدًا، بس أنا متعود على الطريق وعارفه ما تقلقش.
ليتجه عارف إلى حسنة ويقبل رأسها، ويقبل الصغار بمداعبة، بينما وقف جلال واتكأ على عصاه وذهب معه إلى أن أوصله إلى السيارة، وبعد أن جلس عارف خلف المقود نظر إلى جلال وقال: عيش لك يومين يا جلال، وسيب روحك، وحاول تنسى أي حاجة تانية طول ما أنت هنا.
جلال: حاجة إيه اللي عاوزني أنساها يا عارف؟
عارف: أي حاجة يا جلال، أي حاجة.
جلال: خد بالك من نفسك وطمني عليك أول ما توصل بالسلامة.
عارف: حاضر، لا إله إلا الله.
جلال وهو يشير إليه مودعًا إياه: محمد رسول الله.
بعد أن خرج عارف من البوابة وأغلقت خلفه مرة أخرى، عاد جلال إليهم مرة أخرى ليجد أن سلوى وأدهم قد جلسوا حول فؤادة وهم يتهامسون معها في شيء ما وهي ترد عليهم بابتسامة خبيثة وهي ترفع حاجبًا وتخفض الآخر، وكأنهم يدبرون أمرًا ما.
وعندما جلس مرة أخرى وجدها نهضت مصطحبة الأطفال الثلاثة معها وتسير بالهوينا من أجل خطوات ليلى الضعيفة وهي تمسك يدها وقالت موجهة حديثها إلى نبيل قبل انصرافها: معلش بقى يا عمو نبيل، أنا هسيب أستاذ جلال يشرح لك اللي حصل عشان الولاد عاوزيني أوريهم حاجة.
جلال بتساؤل حذر: أنتم رايحين فين؟
فؤادة وهي تنظر لسلوى وترفع كتفيها ببراءة: مش رايحين في حتة، إحنا قدامكم هنا، قالتها وهي تشير إلى شجرة التوت الضخمة التي تلقي بظلالها عليهم.
ليومئ جلال برأسه، وبدأ في قص ما حدث لفؤادة وقت الحادث على نبيل، وتعمد أن لا يقص عليه أي شيء يخص كيفية زواجهم، ولكنه وضح له أن فؤادة تشك أن الجاني هو نفسه نفس الشخص الطامع في المزرعة.
كان يقص على نبيل ما حدث وعينه لا تفارق فؤادة والأطفال فوجدهم ذهبوا إلى شجرة التوت لتشير فؤادة إليهم على أرجوحة معلقة، ليجدها قد حملت ليلى بذراعها السليم وأجلستها على الأرجوحة وهي تضحك معها وتلاغيها بينما تحاول أرجحتها ببطء حتى لا تخاف.
وكانت تحكي شيئًا ما لأدهم وسلوى اللذان كانا يضحكان بمرح شديد بين الفينة والأخرى، وعندما أنزلت ليلى من الأرجوحة قالت لهم شيئًا ما وهي تشير إليهم بتحذير بإصبعها السبابة وعندما وافقها الصغار على ما قالته ابتسمت بمكر واتجهت خلف الشجرة وغابت عن عينيه عندما اختفت خلف الشجرة، فتشتت انتباهه وهو يتحدث مع نبيل، فكان يأكله الفضول ليعرف محتوى ما يقولونه وما يخططون إليه معًا، ولكنه انتبه فجأة عندما سمع تهليل الصغار وتصفيقهم ليراهم ينظرون إلى الأعلى ووجد فؤادة تطل عليهم من فوق أحد الأغصان وهي تساقط عليهم التوت وهي تهز فرع الشجرة وسط ضحكاتهم المرحة وهم يتلقفونه بأيديهم ويأكلونه بسعادة.
لينهض جلال من مكانه منتفضًا وهو يقول بغضب: دي مجنونة رسمي.
حسنة والتي كانت تتابع كل ما يحدث بابتسامة هادئة: في إيه بس يا ابني؟
جلال بغضب: أنتِ مش شايفة عملت إيه؟ افرضي وقعت دلوقتي؟ يبقى إزاي الحال؟
لتنظر إليه فؤادة على أثر صوته العالي الغاضب فتقول بعناد: أنا طول عمري بطلع على الشجر، وأعلى من كده بكتير وعمري ما وقعت، ده أنا لولا بس كتفي كنت طلعت فوق عن كده بكتير.
جلال بحدة: ولما حد من الولاد يقلدك ويحصل له حاجة هتفيديني بإيه بقى إن شاء الله؟
فؤادة بدفاع وهي تشير إليهم: أنا ما طلعتش غير لما هم وعدوني إنهم مش هيعملوا زيي، حتى اسألهم.
أدهم: وعد مش هنعمل كده يا عمو، ما تخافش.
سلوى: وأنا كمان يا بابا.
جلال بتردد: ومش المفروض التوت ده يتغسل قبل ما يتاكل؟
هنا نظرت له فؤادة بتردد وقالت: الشجرة دي عمرها ما اترشت بأي مبيدات، بس هو طبعًا في دي أنت عندك حق.
لينفخ جلال بغيظ وهو يتجه إليها وقال بنوع من الشماتة: وريني بقى هتعرفي تنزلي إزاي وأنتي بكتفك ده.
لتنظر له فؤادة بتحدي، ليجدها استدارت وهي ما زالت على فرع الشجرة لتصبح مستلقية عليه بظهرها، لتعتدل جالسة في ثوانٍ. ثم أسندت قدميها على فرع منخفض عن الفرع الذي تجلس عليه، واستندت بيدها السليمة لتهبط بقدميها بكل سلاسة، وكأنها تهبط درج المنزل حتى وصلت إلى الأرض وسط تصفيق الأطفال وضحكات عالية من حسنة التي كانت تراقب جلال وهو يلقي بعصاه أرضًا ويفتح ذراعيه متحركًا يمينًا ويسارًا مع خطواتها، منتظرًا سقوط فؤادة المحتوم في كل لحظة. ونبيل أيضًا ظل بمكانه بابتسامة عريضة تملأ وجهه ولم يتدخل وهو يعلم تمام العلم أن فؤادة تستطيع فعلها دون خوف عليها.
وما إن وصلت إلى الأرض حتى مدت يدها لتعدل هندام ملابسها وهي تنظر إلى جلال بكبر وقالت للأطفال: تعالوا نلم بقى التوت ده ونديهولهم جوا يغسلوهولنا عشان بابا ما يزعلش، وتركته مكانه مذهولًا ومغتاظًا في نفس الوقت من عنجهيتها المجوفة.
والتفت متأهبًا للانحناء أرضًا ليلتقط عصاه، إلا أنه وجدها قد ناولته إياها وهي تجلس أرضًا مع الأطفال وهم يجمعون التوت الذي تساقط من الشجرة.
ليشكرها جلال بخفوت وعاد إلى مجلسه مع حسنة التي كانت تنظر بسعادة للأطفال وهي تراقب ضحكاتهم التي لم تنقطع منذ وصولهم إلى هذا المكان الذي يخيم عليه سحر من نوع خاص. أما نبيل فقال بود: ما تقلقش على فؤادة يا أستاذ جلال.
جلال بابتسامة ود: جلال بس يا عم نبيل.
نبيل: تكرم يا ابني، بس لما فؤادة شاكة إن ممكن يكون الزيني ورا موضوع ضرب النار ده، ليه خاطرت بروحها وجت لحد هنا دلوقتي؟
ليأتيهم صوت فؤادة التي أرسلت الصغار إلى الداخل لغسل أيديهم وانضمت لهم قائلة: وأنت من إمتى تعرف عني إني ممكن أهرب ولا أخاف يا عمو؟
نبيل: ما قلتش تهربي ولا تخافي، لكن الموضوع وصل لمحاولة قتل يا بنتي، لازم تحرصي على روحك.
فؤادة: أنا لا يمكن أسيبه يفكر لحظة واحدة إنه قدر يخوفني، وعاوزاك توصله بطريقتك إني شاكة فيه وإني رجعت هنا عشان كده، لا يفكر إني جاية هنا عشان استخبى ولا حاجة.
لينظر إليها جلال ولأول مرة وهو معترفًا بإعجابه الشديد بشجاعتها وجرأتها في الدفاع عن حقها.
نبيل: بس برضه لازم تحرصي.
فؤادة بثقة: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.
جلال: ما تقلقش يا عم نبيل، أنا معاها ومش هسيبها لحد ما أتطمن عليها.
نبيل بتساؤل: هو أنت يا ابني ممكن تسيبها عشان شغلك وترجعلها تاني؟
جلال: أنا كمان عندي أرض بتابعها، مش موظف مرتبط بأيام ومواعيد.
نبيل: ربنا يبارك فيما أعطى، ثم نهض وقال: أنا هروح دلوقتي أبيت على الحراسة وأتمم على كل حاجة، وأوصل رسالتك يا فؤادة.
جلال باستفسار: هتوصلها إزاي؟
نبيل: كل المزارع اللي حوالينا عاملين جروب على الواتس بنتواصل مع بعض عليه في الحاجات اللي تخص المزارع. هبعت عليه رسالة أبلغهم إن صاحبة المزرعة موجودة لو حد محتاج إنه يشورها في أي حاجة، وهقول كمان إنها موجودة هنا فترة لإنها اتعرضت لضرب نار وعارفة إن اللي عمل كده من النواحي دي، فجاية عشان تعرف هو مين وعاوز إيه.
فؤادة بابتسامة: هو ده بالظبط اللي عاوزاه يوصل للزيني يا عمو، الزيني لازم يعرف إن لو سليم عز الدين مات، فأنا بداله وعمري ما هفرط في شبر واحد منها.
ليومئ نبيل برأسه ويتركهم منصرفًا ليلتفت جلال إلى فؤادة قائلًا: هو اشمعنى مزرعتكم أنتو بالذات اللي طمعان فيها اللي اسمه الزيني ده؟
فؤادة: لما جه اشترى حتة أرض جنبنا وحب يكبرها، أخد اللي في ضهر مزرعتنا بالظبط، ولما جارنا اللي في اليمة التانية حصلتله ظروف وعرض مزرعته للبيع، اشتراها منه، فأصبح محاوطنا يمين وشمال ومن ضهرنا كمان، وحاسس إن مزرعتنا هي صرة الأرض بتاعته، لو أخدها هتبقى الأرض على بعضها، وكمان بابا الله يرحمه حفر آبار كتير، والبئر الواحد دلوقتي تكلفة حفره عالية جدًا... فهمت؟
جلال: اممم، الآبار وعاملينله زي الخازوق يعني.
فؤادة بسخرية: بالظبط كده.
حسنة: بس مش شايفة إنك كده بتقوليله حاربني على المكشوف؟
فؤادة: أصلك ما تعرفيش يا أمي، اللي زي الزيني ده ما بيعرفش يلعب غير في الضلمة، ما بيحبش النور.. بيخاف منه، وده أول سلاح لازم يبقى في إيدي ضده.
حسنة: ربنا يحفظك يا بنتي ويبعد عنك كل شر.
فؤادة وهي تنظر إلى السماء: الدنيا ابتدت تضلم، والجو هنا بالليل بيبرد، اتفضلوا جوه.
جلال: روحوا أنتو أنا هدخن سيجارة وهحصلكم.
لتدلف فؤادة وحسنة إلى الداخل ليجدوا الصغار الثلاثة قد تجمعوا أرضًا حول طبق من التوت اللذيذ وهم يتناولونه بشهية شغوفة.
فضحكت حسنة وقالت: كلتوا التوت كله، ما سيبتوش لتيتة حبة؟
لتجد ليلى قد مدت يدها والتقطت بعض حبات من التوت واتجهت إلى حسنة ومدت يدها بحبات التوت إلى فم حسنة لتدسها بداخله.
فؤادة بابتسامة وهي تربت على رأس ليلى بحنان وهي تقول: ماشاء الله عليها، جميلة وحنينة.
حسنة بابتسامة: أيوه، ربنا يديمها نعمة.
سلوى: على فكرة في لسه طبق توت مليان على الترابيزة عشانكم يا تيتا.
حسنة ضاحكة: طب والله كتر خيركم.
فؤادة: حضرتك ما دقتيش حاجة لسه من الفاكهة بتاعتنا، أنا هعمللك طبق على ذوقي.
حسنة: ماشي يا ستي مش هكسفك.
لتعد فؤادة طبقين من الفاكهة وتعود لتجلس مع حسنة وتعطيها أحدهم وتضع الآخر جانبًا وهي تقول: يلا بقى، ذوقي وقوليلي رأيك.
لتلتقط حسنة بعض حبات الفاكهة وهي تقول بابتسامة: صدقتي والله يا بنتي، فعلًا طعمهم مختلف، وخصوصًا الخوخ والبرقوق.
سلوى بمرح: وكلهم يا تيتا.
فؤادة: ها بقى يا سلوى، هتفضلي معايا هنا ولا ترجعي طنطا؟
سلوى بتأكيد: هنا طبعًا بس توريني الخيل.
فؤادة: وأنت يا دومي؟
أدهم بابتسامة: أنا كمان عاوز أفضل هنا، بس هي ماما تنفع تيجي هنا؟
فؤادة بحنان: حبيبي وقت ماما ما تحب تيجي هتنور المزرعة كلها.
أدهم: بس هي ما تعرفش السكة.
فؤادة: هي بس توافق تيجي وأنا أبعتلها عربية مخصوص تجيبها.
أدهم وهو ينظر خلف فؤادة: ينفع تكلمها يا عمو وتقوليلها تيجي؟ ماما وحشتني.
لتلتفت فؤادة فتجد جلال يقف خلفها وعلى ما يبدو قد استمع لحوارها مع أدهم فقال بتنهيدة: حاضر يا أدهم، هكلم خالو كريم يقوللها.
أدهم وهو يرفع كفوفه بالدعاء: يا رب توافق.
نظرت فؤادة لجلال وقالت وهي تشير على طبق الفاكهة الآخر: اتفضل حضرتك أنا عملتلك الطبق ده، أنت ما أكلتش فاكهة.
جلال وهو يجلس أمامهم: أنا ماليش تقل أوي على الفاكهة لكن هدوق عشان ما تزعليش.
فؤادة: بألف هنا.
ليبدأ جلال في تذوق الفاكهة بينما أتت سلوى وجلست بجوار فؤادة وقالت: هتحكيلنا حواديت وحكايات إيه النهاردة؟
ليأتي أدهم ويجلس بجوارها من الجهة الأخرى قائلًا: أنتي وعدتينا تحكيلنا قصة سيدنا يوسف.
فؤادة بابتسامة: حاضر، لما تيجوا تناموا هطلع معاكم وأحكيلكم اللي أنتم عاوزينه.
ليتفاجأ الجميع بليلى قد أتت مسرعة وألقت بنفسها في أحضان فؤادة وهي تغمغم بشيء ما وكأنها تشترك معهم في الحوار وتقول لهم إني معكم.
لينفجر الجميع ضاحكين بشدة عليها، ثم قالت سلوى: وكمان تحكيلنا سنو وايت.. أنتي وافقتي.
فؤادة بمرح: هو أنتي ليه محسساني إني أنكرت؟ ماشي يا ستي حاضر، بس افرضوا بقى نمتوا مني قبل ما أكمل.
سلوى ضاحكة: المهم أنتي ما تناميش.
فؤادة وهي تدعي النعاس: آه يا لولو، شكلي هنام من دلوقتي.
سلوى وأدهم بإزعاج: لا ما تناميش.
فؤادة بضحك: خلاص يا عم أنت وهي، مش هنام.
سلوى وهي تنهض وتسحب فؤادة من يدها: طب يلا دلوقتي.
فؤادة: طب مش لما تتعشوا؟
أدهم: أنا مش جعان، أنا أكلت توت كتير أوي.
سلوى: وأنا كمان، يلا بقى.
فؤادة بقلة حيلة: يلا، لتجد أن كف ليلى قد تشبث بملابسها فانحنت وحملتها واتجهت إلى الدرج قائلة: بعد إذنكم، هنيم الولاد وأرجعلكم.
البيت بيتكم، وخالتي أم إبراهيم وماجدة في المطبخ لو احتجتم أي حاجة.
حسنة وهي تنادي أم إبراهيم: طيب يا بنتي كتر خيرك، وأم إبراهيم هتطلع وراكي عشان تغير لليلى وتساعدك إنها تنام.
وبعد صعودهم التفتت حسنة لجلال قائلة: البنت دي بنت حلال مصفى.
جلال وهو يمد يده في طبق الفاكهة: فعلًا.
لتقول حسنة بمكر: واضح إن الفاكهة عجبتك.
جلال: آه، بس أنتِ عارفة إني ما ليش تقل على الفاكهة.
حسنة بضحك: أومال لو ليك تقل يا جلال.
نظر لها جلال بعدم فهم ثم نظر إلى الطبق الذي أعدته له فؤادة ليجده قد فرغ تمامًا من الفاكهة ولم يتبق سوى البقايا فقال بانتباه: تصدقي ما أخدتش بالي إني أكلت كل ده.
حسنة بخبث: اللي واخذ بالك يتهنى به.
جلال بانتباه: تقصدي إيه؟
حسنة ببراءة: هقصد إيه يعني يا ابني؟ بس قول لي صحيح، أنت هتكلم كريم بجد عشان موضوع ندى ومجيئها هنا؟
جلال بتنهيدة: وأنتِ تعرفي عني إني ممكن أوعد وما أوفيش؟
حسنة: تفتكري هترضى؟
جلال: والله هي حرة، أنا هعمل اللي عليَّ وخلاص.
ليسمع جلال صوت هاتفه وعندما نظر إلى شاشته وجد أن عارف هو المتصل فأجابه قائلًا: السلام عليكم، أنت فين دلوقتي؟
عارف: وعليكم السلام، أنا يعتبر وصلت، بس عديت على قصر الثقافة الأول، هقعد شوية وبعدين أروح، بس قلت أطمنكم إني وصلت.
جلال: ماشي يا سيدي، حمد لله على السلامة.
عارف: الله يسلمك، يلا سلام.
وبعد أن أغلق الهاتف: الوقت عدى بسرعة قوي، وأنا حاسس إني تعبت وعاوز أنام، وأنتِ مش هتنامي؟
لتنهض حسنة من مكانها قائلة: أنا كمان عاوزة أنام بس ما كنتش عاوزة أسيبك لوحدك.
جلال: طب يلا بينا.
ليصعدا إلى الأعلى لتدلف حسنة إلى غرفتها مباشرة بينما مر جلال على غرفة الصغار التي كان بابها مردودًا دون إغلاق ليلمح فؤادة تجلس بين الفراشين وظهرها إلى الباب وكل من سلوى وأدهم في فراش وهم منتبهين إليها بكل تركيزهم وهي تقول: ولما رموا القميص على وش سيدنا يعقوب راح مفتح ورجع يشوف من تاني، فقال لهم شفتوا بقى إن ربنا عرفني حاجات أنتم ما تعرفوهاش، وقاموا راحوا كلهم مصر عند سيدنا يوسف اللي رحب بيهم جدًا وقعد باباه ومامته على العرش ولما انحنوا له كلهم قال لباباه، إن هو ده تفسير الرؤية اللي شافها وهو صغير.
سلوى: يعني سيدنا يوسف سامح أخواته على اللي عملوه معاه وهو صغير؟
فؤادة: آه يا لولو، سامحهم كلهم.
أدهم: بس دول كانوا عاوزين يموتوه.
فؤادة سكتت شوية وبعدين قالت لهم: عاوزاكم تعرفوا حاجة، بس فكروا كده شوية معايا، هو لو ما كانش أخواته عملوا فيه كده كان جه مصر وبقى هو العزيز بتاعها؟
سلوى وأدهم: لا.
فؤادة: أخواته كانوا يقصدوا يأذوه، لكن ربنا كان رايد حاجة تانية، والحاجة التانية دي ما حصلتش غير لما أخواته نفذوا اللي كانوا عاوزين يعملوه، أنتم فاهمين حاجة؟
سلوى وأدهم: لا.
فؤادة بتوضيح: يعني أخواته كانوا عاوزين يأذوه، فربنا حول أذيتهم دي لخير كتير قوي لسيدنا يوسف، لكن البداية بتاعة الخير دي كانت بإنهم رموه في البير، فهمتوا؟
سلوى: أنا فهمت.
أدهم: وأنا كمان.
فؤادة: أنا طبعًا ما أعرفش السبب الحقيقي اللي خلى سيدنا يوسف سامحهم، لكن لما فكرت فيها قلت ممكن يكون عشان كده.
أدهم: بس أنتِ كبيرة، المفروض تبقي عارفة.
فؤادة بمرح: أبقى عارفة أكتر منكم آه، لكن عارفة كل حاجة كل حاجة.. لا.
أدهم وهو يتثاءب: يلا بقى سنو وايت.
فؤادة برجاء: طب ممكن أحط ليلى في سرير تيتا عشان نامت، وأشوف لو تيتا أو بابا عاوزين حاجة وأرجع لكم تاني؟
سلوى وأدهم: ماشي.
لتنهض فؤادة وهي تحاول الاعتدال بينما تحمل ليلى النائمة بذراعها السليم ليسرع إليها جلال دون تفكير ويلتقط منها ليلى قائلًا بتحذير هامس: حاسبي لا تقعي بيها.
لتشهق فؤادة من المفاجأة حتى كادت ترتد ساقطة أرضًا بينما تلقفها جلال بين ذراعيه مانعًا إياها من السقوط.
رواية فؤادة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ميمي عوالي
في لحظة واحدة، كانت فؤادة بأحضان جلال بالكامل، لا يفصلهما سوى جسد ليلى الصغير العالق بذراع فؤادة، لتتسارع أنفاس فؤادة وتتدفق الدماء ساخنة إلى وجنتيها وتقول متلعثمة:
نااامت، عااوزة أحطهاا في سريرها.
كان جلال يستمع إلى لجلجتها في الحديث بشيء من التسلية قد نسيه منذ أعوام طويلة وتفاجأ أنه يحيط جسدها بشدة طوال حديثها ولم يتركها حتى وجدها تحاول الفكاك منه قائلة:
سيبني من فضلك، أنااا خلاااص وقفت كويس.
ليبتسم بزاوية فمه قائلًا وهو يتركها بهدوء:
ابقي خدي بالك.
وابتعد عن مسار خروجها تاركًا الصغيرة بأحضانها كما كانت لتنظر له فؤادة بدهشة، فكانت تنتظر أن يلتقط منها الصغيرة، ولكنه لم يفعل سوى أنه ابتعد عن خط سيرها، وعندما سمعته يقول لها بتسلية:
إيه مش عارفة تشيليها؟ أخدها منك.
فقالت له بعناد حاد:
لا كتر خيرك، أنا شايلاها كويس.
وتركته وانصرفت تجاه غرفة حسنة والتي وقفت أمامها عاجزة عن دق بابها، ولكنها عندما لمحت ظله خلفها وهو يراقب تصرفها استندت على الباب وهي تنقر الباب بأصابع يدها المصابة، وعندما أتاها صوت حسنة من الداخل آذنة لها بالدخول، قالت بحمحمة:
افتحيلي يا أمي لو سمحتي.
لتفتح حسنة الباب بابتسامة وعندما وجدتها تحمل ليلى بهذا الإجهاد البادي عليها قالت بقلق:
ليه كده بس يا بنتي؟ ما خليتيش ليه حد يشيلها أو كنتِ ندهتي عليا أشيلها، غلط عليكي كده.
وعندما رأت جلال وهو يراقبهم بتسلية، قالت له بدهشة:
ما أخدتهاش منها ليه يا جلال؟ قدر دراعها انخبط منها وإلا كانت ليلى وقعت منها.
جلال ببراءة:
عرضت عليها وما رضيتش، أعمل إيه؟
كانت حسنة قد أبدلت ثيابها استعدادًا للنوم، وعندما وجدت جلال على نفس حاله ولم يبدل ملابسه قالت باستغراب:
هو من ساعة ما طلعت معايا وأنت لسه بهدومك لحد دلوقتي؟ مش قلت لي هتغير وتنام على طول؟ ما غيرتش ليه؟
جلال بلجلجة:
عادي، هغير دلوقتي، تصبحوا على خير.
ليلتفت ويدخل إلى غرفته تاركًا حسنة تبتسم بتمنى، أما فؤادة فقالت:
هو حضرتك هتنامي من غير ما تتعشي؟
حسنة:
لا يا بنتي عشا إيه تاني؟ أنا أكلت فاكهة كتير وما عنديش حتة في بطني لأي أكل تاني الليلة دي.
فؤادة وهي تشير بإصبعها على غرفة جلال:
طب وأستاذ جلال؟
حسنة بخبث:
ابقي اسأليه يا بنتي لو مش هتعبك.
فؤادة بخجل:
لا أبدًا، ما فيش تعب ولا حاجة، هسيب حضرتك ترتاحي، تصبحي على خير.
حسنة:
وأنتِ من أهل الخير يا بنتي.
لتتركها فؤادة وتغلق الباب خلفها، لتظل بمكانها لا تدري كيف تسأل جلال عن إذا كان لديه رغبة في العشاء أم لا، ولكنها أخيرًا حسمت رأيها ودقت عليه الباب دقات صغيرة، ليأتيها صوته من الداخل قائلًا:
أيوه، ثانية واحدة.
ليفتح الباب مستطلعًا وجهها في تساؤل لتحمحم فؤادة بصوتها قائلة له:
أخلي خالتي أم إبراهيم تجيب لحضرتك العشا هنا، وإلا تحب تتعشى تحت؟
لينظر جلال لها بتفحص وقد أصبح يتلذذ بالنظر إلى عبث يديها الدائم بملابسها، ثم قال:
أنتِ هتتعشي فين؟
فؤادة:
أنا هاكل في أي مكان عشان العلاج مش هتفرق.
جلال:
خلاص، خلينا نتعشى تحت.
لتومئ فؤادة برأسها وتتركه ذاهبة للأسفل تحت مراقبته لها، وكان قد أبدل ثيابه، فذهب لغرفة الصغار ليجدهم يغطون في نوم عميق فيتركهم ويذهب إلى الأسفل ليجد أن المكان خالي تمامًا، فبدأ في التجول بالمكان، وعندما التف خلف الدرج وجد بابًا يدلف إلى غرفة واسعة للطهي، ووجد فؤادة تقف وهي تفعل شيئًا ما لم يتبينه.
وعندما اقترب منها قال:
أمال فين أم إبراهيم؟
ليسمع صوت سقوط شيء ما أرضًا مع شهقة عالية من فؤادة والتفاتها سريعًا له، وهي تسمي الله بصوت عال.
جلال وهو يضحك بشدة:
أمال بس عمالة لي سبع رجالة في بعض وأنتِ بتترعبي من خيالك؟
فؤادة وهي تلتقط أنفاسها:
وهو المفروض برضه أن حضرتك تدخل على حد تخضه بالشكل ده؟
جلال:
وهو أنا عملت إيه؟ أنا بسألك على أم إبراهيم لما ما لقيتهاش هنا لا هي ولا ماجدة.
فؤادة:
لقيتهم ناموا، صعبوا عليا أصحيهم.
جلال:
طب وأنتِ بتعملي إيه؟
لتنحني فؤادة أرضًا وهي تلتقط من الأرض شوكة وسكينًا وتعتدل مرة أخرى قائلة:
بحضر لنا عشا.
ليقترب جلال مستطلعًا ما أمامها، ليجدها قد وضعت طبقين وتحاول صنع بعض شطائر الجبن والعسل فيقول وهو يسحب من أمامها الأطباق:
طب هاتي أنا هعملهم أنا.
فؤادة باعتراض:
لا لا لا، ما تتعبش نفسك، أنا هعملهم.
جلال بسخرية:
وهتعمليهم إزاي بقى بإيد واحدة؟ مش هتعرفي.
فؤادة باستسلام:
معلش بقى، هتعبك.
ليبدأ جلال في صنع الشطائر تحت تعليمات فؤادة التي كانت تملي عليه ماذا يضع أولًا وماذا يليه بداخل الخبز، ووجدها أخرجت من المبرد طبقًا ملئ بالخضروات المجهزة وطبقًا آخر من التوت عندما رآه جلال ابتسم ساخرًا وهو يقول:
وده بقى هنعمل بيه إيه؟
فؤادة:
أنا بحب آكله مع الجبنة، أكنّي باكل عنب.
جلال:
طب ما تاكلي عنب على طول.
فؤادة وعلى شفتيها ابتسامة حنين:
حضرتك عمرك ما هتتخيل أنا قد إيه مشتاقة للتوت بتاعنا ده، لو أطول يمكن كنت طبخته كمان.
وبدأوا في تناول الطعام، كان جلال لا يشعر بالجوع، وكان يرغب في النعاس، لكنه وجد نفسه يأكل بشهية، وعندما وجدها تلتقط حبات التوت مع الطعام مد يده والتقط بعض حبات التوت ووضعها بفمه ليبتسم ويقول:
تصدقي مش وحشة، بالعكس طعمه حلو.
فؤادة بابتسامة:
إحنا ما عندناش حاجة وحشة.
وبعد انتهائهم من الطعام سألته فؤادة إن كان يرغب في احتساء أي مشروب لكنه رفض تمامًا قائلًا:
أنا خلاص على آخري، أنا هطلع أدخن سيجارة وأشم شوية هوا يمكن أهضم.
فؤادة بابتسامة:
اتفضل، ومش محتاجة أفكر حضرتك يا أستاذ جلال، البيت بيتك.
جلال بانتباه:
كنت عاوز أقول لك على حاجة.
فؤادة بانتباه:
خير.
جلال:
مش عاوز حد هنا أبدًا مهما كانت علاقتك بيه يعرف أي تفاصيل عن جوازنا، مش عاوز الكلام يتسرب للزيني، عاوزه يعتقد إن جوازنا طبيعي جدًا.
فؤادة بفضول:
طب إيه السبب؟
جلال:
لو الزيني عرف الوضع الحقيقي، هتلاقيه سكت وبعد تمامًا لحد ما يلاقيني بعدت ومشيت ويرجع يستفرد بيكي، لكن طول ما هو فاهم إن جوازنا طبيعي، حتى لو أنا بعدت هيبقى فاهم إني راجع تاني في أي وقت.
فؤادة وهي تومئ برأسها:
فهمت.
جلال:
ولا حتى عم نبيل يا فؤادة.
فؤادة:
حاضر يا أستاذ جلال، ما تقلقش.
جلال وهو يمشط شعره بأصابعه:
وعاوزك كمان بلاش كلمة أستاذ دي وأنتِ بتتكلمي معايا.
فؤادة بخجل:
يا خبر، لا طبعًا ما يصحش.
جلال:
ما أنتِ لو فضلتي تقولي لي يا أستاذ كل اللي موجودين هيفهموا كل حاجة لوحدهم، ووقتها يبقى كل تعبنا راح على الفاضي.
فؤادة بتردد:
خلاص، أنا هحاول ما أندهلكش باسمك قدام حد.
جلال بدهشة:
أمال هتندهيني بإيه؟
فؤادة بعند:
مش هندهلك أصلًا.
جلال بابتسامة تسلية:
ماشي، لما نشوف.
***
في منزل عزت..
عم جلال
كانت ندا شبه محتجزة لنفسها بغرفتها، مع اعتقاد الجميع بأنها منهارة نفسيًا لبُعد أبنائها عنها.
كانت زينب تجلس مع عزت في حديقة منزلهم فقالت له:
"مش شايف إنك ظلمت بنتك يا عزت لما وافقت ولاد أخوك على اللي هم عاوزينه؟"
عزت بهدوء:
"لا يا زينب، ما ظلمتهاش."
زينب بعند:
"لا ظلمتها وهنتها كمان، لما حكمت إنها تتحرم من حضن عيالها وحكمت عليها إنها تروح تشحت ولادها كل ما تشتاق لهم."
عزت بتأنيب:
"بلاش تقفي مع الباطل يا زينب، بنتك هي اللي عملت كده في روحها، غلطت غلطة أنتِ نفسك كنت هتغلطيها زمان، بس لما حسيتي إنها مش هتجيب غير الخراب رجعتي لعقلك وبعدتي عن المشاكل، لكن بنتك ساقت فيها وارتكبت معصية كبيرة لربها قبل ما تبقى لجوزها يا زينب."
زينب:
"تقوم توافق على طلاقها بالشكل ده يا عزت، وهي لسه في عز شبابها، هتفضل مترهبنة طول عمرها وهي عايشة لوحدها."
عزت:
"وتترهبن ليه، لو حبت تتجوز وجالها حد مناسب، ما حدش هيمنعها."
زينب بحسرة:
"ومين اللي هيبصلها بعد ما ابن عمها يطلقها وياخد منها كمان عيالها، وكل واحد يتخيل حكايات وحكايات من ورا الموال ده، ما فيش ست بتتحرم من عيالها غير لما تكون ست بطالة يا عزت، وأنت مش عاوز تاخد بالك من النقطة دي."
ليظهر الحزن جليًا على وجه عزت ويقول:
"بنتك هتشوف عيالها وقت ما تحب يا زينب، ما حدش قال إنه هيحرمها منهم، وسيبيني دلوقتِ يا زينب، أنا عاوز أقعد لوحدي شوية."
لتتنهد زينب وتنهض قائلة:
"أنا هروح أبص على الغلبانة اللي حابسة روحها في أوضتها دي."
وعندما ذهبت زينب إلى غرفة ندا وقبل أن تفتح الباب سمعت ندا تقول:
"أهم سافروا سوا، ويا عالم نتيجة السفرية دي هتبقى إيه، مش يمكن يروحوا أغراب ويرجعوا أحباب."
"أنا ما يخصنيش كل الكلام ده، أنا كل اللي يخصني، إن البت دي تبعد تمامًا عن الكل، ما يخصنيش ولا الطريقة ولا التفاصيل."
لتفتح زينب الباب لتتفاجأ بها ندا فتلقي الهاتف على الفراش بعد أن أغلقته واعتدلت في مكانها وقالت:
"خير يا ماما."
زينب:
"خير أنتِ يا بنتي، كنتِ بتكلمي مين؟"
ندا وهي تنظر اتجاه الشرفة:
"دي واحدة صاحبتي."
لتجلس زينب بجوارها وتقول وهي تربت على قدمها بحنان:
"وأنتِ هتفضلي قافلة على روحك كده يا بنتي لحد إمتى؟"
ندا:
"مش ده اللي بابا عاوزه وأمر بيه من يوم ما جيت؟"
زينب:
"ده بس كان من صدمته من اللي حصل، لكن أكيد ما كانش يقصد إنك تفضلي كده العمر كله."
ندا:
"أنا مش عاوزة أخرج من الأوضة، عاوزة أقعد مع نفسي شوية."
زينب:
"بكفاياكي يا ندا، وبدل اللي أنتِ بتعمليه ده، فكري إزاي ترجعي جوزك لحضنك من تاني."
ندا بعجرفة:
"حسين هيرجع لي هيرجع لي، بس بعد ما أعمل اللي أنا عاوزاه."
زينب بفضول:
"وإيه بقى اللي أنتِ عاوزاه؟"
ندا بغرور:
"أما يحصل، هبقى أفهمك كل حاجة."
زينب بتحذير:
"شكلك مش ناوية تجيبيها لبر، إحنا مش عاوزين مشاكل تاني يا ندا."
ندا بتصميم:
"كل اللي أنا عاوزاه هيحصل، حكاية إني استنى اللي الكل عاوزه وأنفذه دي انتهت بالنسبة لي من زمان، آن الأوان إن اللي أنا عاوزاه هو اللي هيحصل."
زينب بسخرية:
"وهيحصل إزاي بقى يا فصيحة عصرك وأوانك؟"
ندا:
"بأن الكل يعرف إن أنا اللي باقية، أنا وبس."
في منزل سالم
كانت نهاد تجلس بصحبة سلمى في غرفتها عندما سمعت رنين هاتفها لتجد أن المتصل ما هو إلا عارف فقالت بتساؤل:
"ده عارف، أخو جوز فؤادة، خير يا رب."
وضغطت على زر الرد وقالت بتوجس:
"ألو."
عارف:
"السلام عليكم، إزيك يا آنسة نهاد."
نهاد:
"وعليكم السلام، أنا الحمد لله بخير، هي فؤادة كويسة؟"
عارف:
"الحمد لله فؤادة بألف خير."
نهاد باستغراب:
"أومال في إيه؟"
لتضربها سلمى على رأسها باستياء.
ليتنحنح عارف بإحراج قائلًا:
"أنا بس حبيت أطمنك على أخبارها، وأقول لك إنها رجعت المزرعة بتاعتها."
نهاد بشهقة عالية:
"هو أخوك طلقها؟"
عارف وهو يكتم ضحكه:
"لا، هيطلقها ليه بس، ربنا ما يجيبش طلاق أبدًا."
نهاد:
"الله، أنت مش بتقول إنه رجعها على المزرعة؟"
عارف بدفاع:
"أنا قلت كده، أنا ما قلتش كده، أنا قلت إنها رجعت المزرعة."
نهاد بغيظ:
"أنت هتجنني يا جدع أنت، ما أنت بتقول أهو، أنت بتقول الكلام وبتنفيه في ساعتها."
لم يستطع عارف كتم ضحكه أكثر من ذلك ليقول وسط ضحكه:
"يا ستي والله ما طلقها، هو أخدها وراحوا يقعدوا في المزرعة عندها كام يوم."
نهاد بتنهيدة:
"طب ما تقول كده من الأول، طيب يا سيدي ربنا يهنيهم ويرجعوا بالسلامة إن شاء الله."
عارف:
"أنا قلت أقول لك يمكن تحبي تروحي تغيري جو معاها كام يوم أنتِ وأختك مثلًا ولا حاجة."
نهاد بامتعاض:
"ما أعتقدش إن بابا يوافق."
عارف:
"طب ما تحاولي، مش يمكن، وخصوصًا بعد المقابلة الأخيرة اللي حصلت بينهم."
نهاد بفضول:
"مقابلة إيه دي؟"
عارف:
"أنتِ ما تعرفيش إن عمي راح لفؤادة واتكلم معاها يوم ما خرجت من المستشفى؟"
نهاد بعدم فهم:
"عمك مين؟"
عارف:
"عمي سالم."
نهاد:
"أنت عندك عم اسمه سالم؟"
عارف بضجر:
"يا بنتي عم سالم باباكي."
نهاد بغيظ:
"بنتك، أنا مدرسة لغة عربية على فكرة، لا يكون حضرتك فاكرني عيلة صغيرة."
عارف بهيام:
"عارف يا ستي إنك كبيرة وست البنات كمان."
نهاد بلجلجة:
"طب حضرتك عاوز تبلغني حاجة تانية؟"
عارف وهو ما زال على هيامه:
"عاوز سلامتك وأتمنى إن يبقى لنا لقا قريب."
لتغلق نهاد الخط دون أن ترد عليه بكلمة واحدة لينظر عارف إلى الهاتف بصدمة قائلًا:
"يا بنت المجانين."
أما نهاد فأغلقت الخط وألقت بالهاتف من يدها وكأنه سلك كهربائي قد مسها بماس مفاجئ لتنظر لها سلمى بدهشة قائلة:
"مالك يا بنتي في إيه؟"
نهاد بتيه:
"ها، مااافيش حاجة."
سلمى:
"أومال مالك قفلتي التليفون من غير ولا كلمة كده وبترميه كأنه قرصك في دراعك؟"
نهاد بلجلجة:
"اللي اسمه عارف ده بيتكلم بطريقة كده غريبة."
سلمى بسخرية:
"غريبة إزاي يعني، بيتكلم بحواجبه بدل لسانه؟"
نهاد بحدة:
"ما تتنيلِ وتسكتي أنتِ راخرة هو أنا ناقصاكي، مش كفاية النحنوح التاني."
لتضحك سلمى بمرح قائلة:
"أيوه بقى، إحنا فينا من نحنحة، أوعدني يا رب."
نهاد بغيظ:
"يوعدك بإيه إن شاء الله؟"
سلمى بضحك:
"بنحنوح من النحانين ونتنحنح مع بعضينا إحنا الاتنين ونتجوز ونخلف نحانين صغيرين."
نهاد:
"وأنا بقى يوم ما ألاقي نحنوح وأحب أتنحنح يبقى أخو جوز فؤادة؟"
سلمى باستياء:
"وماله بس أخو جوز فؤادة يعيبه إيه؟"
نهاد وهي تشرح لها:
"يعيبه أخوه يا أذكى أخواتك، أنتِ فاكرة إن بابا ممكن يوافق على حاجة زي دي؟"
سلمى بتفكير:
"طب مش يمكن يوافق، وخصوصًا بعد ما اللي اسمه الهلالي ده اتقبض عليه وبيتحقق معاه، يعني خلاص بعد عنه."
نهاد:
"المشكلة ما كانتش في الهلالي يا سلمى، المشكلة في بابا نفسه، بابا هو اللي كان طمعان في فؤادة."
سلمى:
"طب هو كان بيكلمك عاوز إيه؟"
نهاد باستفهام:
"مين؟"
بابا
سلمى بضجر: صبرني يا رب، بابا هيعوز منك إيه أصلاً؟ أنا بكلمك عن عارف.
نهاد: كان بيقول لي إن فؤادة سافرت المزرعة بتاعتها هي وجوزها، وبيقول لي لو أحب أروح أقعد معاها كام يوم أنا وأنتِ.
سلمى ببهجة: الله! طب ما تيجي فعلًا نروح لها.
نهاد: وتفتكري بابا ممكن يوافق؟
سلمى: أهي محاولة، يا صابت يا اتنين عور.
دخل كريم على ندى بغرفتها فوجدها تمسك إحدى المجلات وتطالعها بملل فقال لها: ما زهقتيش من قعدتك دي؟
ندى بملل: هعمل إيه يعني؟ أديني قاعدة.
كريم: جلال كلمني النهاردة.
ندى بلهفة: هو جلال رجع وسابها؟
كريم: لا ما رجعش، كلمني من هناك.
ندى بفضول: خير؟
كريم وهو يطالع رد فعلها: قال لي إن أدهم طلب منه إنه يكلمك عشان تروحي تقضي معاهم هناك كام يوم؛ لإنك وحشتيه.
ندى بسعادة: أدهم طلب منه كده فعلًا؟
كريم باستغراب: مش أمه يا بنتي؟ وأكيد وحشتيه ونفسه يشوفك.
ندى بفضول: وهو مبسوط هناك؟ فرحان يعني وبيأكل وبيلعب عادي؟
كريم: جدًا.
ندى بحدة: وهو بقى اللي قال لك الكلام ده؟
كريم بابتسامة: الحقيقة لا، بس أدهم هو اللي قال لي بنفسه.
ندى: أنت كلمته؟
كريم: أيوه، وقال لي إن هو وسلوى وليلى مبسوطين جدًا، وكان نفسهم تبقي معاهم عشان أنتِ كمان تنبسطي زيهم.
ندى بجمود: لا طبعًا.
كريم باستغراب: هو إيه ده اللي لا طبعًا؟
ندى: دي إجابتي على طلب جلال، مش موافقة طبعًا إني أروح لهم هناك.
كريم: رغم إن أنا كمان رأيي من رأيك، بس ماما لما عرفت كانت هتطير من الفرح وقالت إن دي خطوة ممكن تفرق في صلحك مع حسين.
ندى بسخرية: وهو فين حسين؟ ما صدق عمل اللي عمله وخلص مني.
كريم وهو يحك رقبته: حسين بعت لك ورقتك النهاردة الصبح.
ندى بغل: أهي غلطة هتتحط مع غلطاته، وبكرة الحساب يجمع.
كريم وهو مغادرًا إياها بقلة حيلة: واضح إن ما فيش فايدة فيكِ.
كان قد مر ثلاثة أيام على وجود فؤادة على أرضها، وهي في قمة سعادتها لعودتها إلى جذورها التي كانت تشعر أنها اجتثت منها عنوة طوال العامين السابقين.
وكان جلال يرافقها في المرور على أرضها ومتابعة كل كبيرة وصغيرة، ليجدها على إلمام بالكثير من شؤون الزراعة، بل وجد أنها تتفوق عليه معرفة في بعض الأمور التي يجهلها هو عن الأراضي المستصلحة، ولكنه أيضًا وجدها تميل عليه شارحة له بهدوء وسلاسة ما يجهله دون أن يلاحظ أحد ذلك؛ حتى تحافظ على هيبته وسط العاملين.
وكانت سلوى وأدهم قلما يفارقوهما في جولاتهما باستمتاع شديد، وقد سمح جلال للصغار بركوب الخيل عندما وجد السياس لا يتركوا الصغار وحدهما بالمرة ويراقبان تحرك الجياد بعناية، علاوة على أن الجياد كانت هادئة الطباع بطبيعتها فلم يكن هناك أي خوف من أي نوع على الصغار عند امتطائهم إياهم.
وعندما كانوا يتجولون بالقرب من بعض صوبات الخضار، سمعت فؤادة صوت هاتفها فردت بمرح قائلة: وحشتيني يا قردة، فينك؟
ليأتيها صوت تهليل نهاد من الطرف الآخر وهي تقول: وافق يا فؤادة، بابا وافق.
فؤادة: وافق على إيه مش تفهميني؟
نهاد وهي لازالت على تهليلها: وافق إن أنا وسلمى نجي لك نقعد معاكِ يومين في المزرعة.
فؤادة بسعادة: أنتِ بتتكلمي جد؟
نهاد: لا وخذي عندك الكبيرة بقى.
فؤادة بمرح: هو لسه كمان في كبيرة؟
نهاد: محمد جه وهيبقي معانا، بس طبعًا بابا ما يعرفش إنه هنا.
فؤادة بتهليل: محمد! يا حبيبي يا أخويا، وحشني قوي، قد إيه محتاجاه يا نهاد، قولي لي بسرعة هتيجوا امتى؟
نهاد بمرح: اعملي حسابنا معاكِ على الفطار بكرة، هنبقى عندك من بدري يا قلبي.
فؤادة بسعادة: وأنا هستناكوا من النجمة، أوعوا تتأخروا.
نهاد: نجيب لك إيه معانا؟
فؤادة باشتياق: كتبي يا نهاد، كتبي وحشوني، هاتيهم لي معاكِ كلهم.. ممكن؟
نهاد: عيوني، وإيه كمان؟
فؤادة: تسلم عيونك يا حبيبتي، وسلمي لي على مرات عمي كتير، وقولي لها إنها وحشتني قوي.
نهاد: هي كمان بتسلم عليكِ قوي، وربنا يسهل بقى، يلّا هقفل معاكِ عشان أروح أجهز الحاجة.
فؤادة: ماشي يا حبيبتي، مع السلامة.
وما إن أغلقت الهاتف حتى التفتت لجلال الذي كان يراقبها عن كثب وقالت: ولاد عمي هيبقوا بكرة إن شاء الله يقضوا معانا يومين.
جلال: ربنا يجعله عامر دايمًا.
فؤادة بتردد: شكرًا.. طب إيه رأيك؟
جلال: في إيه؟
فؤادة: يعني لو كلمنا أستاذ عارف وقلنا له ييجي هو كمان يقضي معانا اليومين دول، ويتعرف على نهاد عن قرب وهم وسطينا عشان ياخد قرار أخير إن كانت مناسبة ليه فعلًا ولا لأ.
جلال بابتسامة: أنتِ شايفة كده؟
فؤادة: ما أنا باخد رأيك أهو، ولا نسأل والدتك؟
ليومئ جلال برأسه علامة الموافقة.
عند عودتهم للمنزل، وإثارة الحوار مرة أخرى أمام حسنة قالت: على كده يا بنتي أنا لازم أرجع طنطا أنا والولاد.
ليعلو اعتراض سلوى وأدهم بحزن مطالبين ببقائهم مع فؤادة، لتطمئنهم فؤادة بأن أحدًا منهما لن يغادر المكان وصرفتهم للعب، ثم التفتت لحسنة قائلة: ليه يا أمي عاوزة ترجعي؟ هو حضرتك مش مبسوطة هنا؟
حسنة: أبدًا يا بنتي، بس مهما إن كان، عشان ضيوفك ياخدوا راحتهم، ده أنا والولاد لوحدنا واخدين أوضتين، وبتقولي بنات عمك وأخوهم وكمان عارف، هتجيبي منين مكان لكل دول وإحنا موجودين؟ والدنيا شتا، يعني ما ينفعش أي نومة والسلام.
فؤادة: أنا ممكن أنام مع حضرتك والبنات يناموا في أوضتي، ومحمد وأستاذ عارف في أوضة الضيوف اللي تحت، شوفتي محلولة إزاي؟
حسنة بتساؤل: بس هم ولاد عمك يعرفوا إيه عن جوازك أنتِ وجلال؟
فؤادة وهي تنظر لجلال: ما يعرفوش حاجة.
حسنة: يعني المفروض إنكم متجوزين جواز طبيعي، وخصوصًا عشان عمك مش المفروض أبدًا إنه يعرف حاجة.
فؤادة: أنا ما حكيتش حاجة، رغم إني متأكدة إن حتى لو حكيت محدش هيقول حاجة قدام عمي.
حسنة: ما تضمنيش الظروف يا بنتي، وكمان ما حدش فينا ما بيقعش بلسانه بكلمة كده ولا حاجة في أي وقت أو قدام أي حد.
فؤادة: خلاص مش مشكلة، مش هقول حاجة برضه وخليهم زي ما فهموا من البداية.
حسنة بابتسامة: مش كفاية أبدًا.
جلال بزهق: أنتِ تقصدي إيه يا أمي؟ وضحي كلامك.
حسنة: المفروض لو أنتم متجوزين وعايشين طبيعي، يبقى وجودكم مع بعض في نفس الأوضة، ما يبقاش كل واحد منكم في أوضة منفصلة.
فؤادة باعتراض: لا طبعًا ما ينفعش.
حسنة: أنتِ أصلًا مراته، يعني حلاله، ما فيهاش حاجة لو اليومين دول نمتوا في نفس الأوضة على ما يرجعوا طنطا تاني.
فؤادة: لا يمكن ما أقدرش، أنا كل اللي أقدر أعمله إني أستناهم على ما يناموا وبعدين أجي لحضرتك أنام عندك، لكن ما أقدرش أبدًا إني أنام في أوضة واحدة مع راجل غريب عني.
حسنة: أيوه بس...
ليقاطعها جلال بوجوم قائلًا: فؤادة عندها حق يا أمي، هي بتتكلم صح.
لتستأذنهم فؤادة للذهاب للمطبخ لمتابعة تحضير الغداء، ليقول جلال لحسنة بهجوم: أنتِ إزاي يا أمي تقترحي اقتراح زي ده؟
حسنة: أنا بنبهكم للي المفروض يكون وأنتم حرين.
جلال بغضب: وأنتِ معتقدة إني ممكن أنام في مكان وجنبي حد غير هدى حتى لو الاسم مراتي زي ما قلتي من شوية؟
حسنة بخبث: هو أنا قلت لك نيمها جنبك ولا في حضنك؟ أنا قلت في أوضة واحدة، وأوضتك فيها كنبة كبيرة، فكان ممكن عادي يعني حد على السرير وحد على الكنبة، أنت ليه مخك خدك بعيد كده؟
جلال وهو يحاول التغلب على غضبه: يعني أنتِ رأيك أكلم عارف أبلغه فعلًا زي ما قالت فؤادة؟
حسنة: بلغه، يمكن يبقى فيه نصيب.
رواية فؤادة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ميمي عوالي
في صبيحة اليوم التالي، كانت الساعة قد تخطت التاسعة ببضع دقائق، وكانت فؤادة تقف على باب المنزل وهي تراقب لهو الصغار ومرحهم بابتسامة واسعة، وهم يتناولون إفطارهم بين اللهو والضحك.
فقد أصرت فؤادة عليهم أن يتناولوا إفطارهم حتى تتركهم للهو، ولكنها رضخت لإلحاحهم بأنهم سيتناولون طعامهم وهم يلعبون بالحديقة.
وكانت حسنة تجلس معهم وهي تراقبهم بابتسامة عذبة، ثم نظرت لفؤادة قائلة:
"عمري ما شفتهم قبل كده وهم مبسوطين وبيلعبوا بالشكل ده، الله أكبر عليهم من عينيا."
فؤادة وهي تبادلها الابتسام:
"ومن عينيا أنا كمان."
وفي تلك اللحظة سمعت فؤادة صوت زمير عالي علمت على الفور أنه لسيارة أبناء عمها، وما كادت تعتدل في وقفتها حتى لمحت سيارتهم وهي تمر من البوابة المصفحة قبل إغلاقها مرة أخرى، لتسرع فؤادة وهي تعدو اتجاه السيارة حتى هبط منها شاب وسيم عريض الصدر وهو يسرع إلى فؤادة ليلتقطها في أحضانه ويرفعها من على الأرض وهو يقول بمرح:
"قطيعة تقطع الغربة وسنينها، وحشتيني يا زقردة."
لتضحك فؤادة عاليًا وهي بين أحضانه متشبثة به بذراع واحدة قائلة:
"أنت وحشتني أكتر يا قلب الزقردة من جوه."
لينزلها أرضًا وهو يتجول بعينيه في وجهها بمرح ثم يقول بعتاب ذي مغزى:
"ما خلاص بقى، القلب انشغل بغيري واللي كان كان."
لتفهم عليه فؤادة فتقول ضاحكة وهي تغمز بعينيها:
"بس سيبك أنت، أنت برضه الحبيب الأول."
كانت الفتيات قد هبطن من السيارة لتقول نهاد:
"بت أنتِ، هو من لقى أحبابه نسي أصحابه واللا إيه؟ واللا نرجع إحنا وكفاية عليكي سي محمد."
فؤادة بمرح:
"ودي تيجي برضه يا نونو، تعالى في حضني."
وقامت باحتضان نهاد بمرح، ثم التفتت لاحتضان سلمى هي الأخرى، ولكنها تفاجأت بشابة جميلة تخلب الألباب تقف خلف سلمى، فتحتضن سلمى وهي تهمس بأذنها بصوت مسموع قائلة:
"إيه الصاروخ الأرض جو اللي أنتم جايبينه معاكم ده؟"
لتجد محمد قد ذهب إلى تلك الفتاة وسحبها تحت جناحه قائلًا:
"دي يا ستي تبقى عايشة... مراتي."
فؤادة بشهقة عالية:
"أنت اتجوزت!"
ليشير محمد إلى بطن عايشة المنتفخة بشكل لطيف وقال بمرح:
"اتجوزت وهبقى أب بعد شهرين إن شاء الله."
ثم نظر إلى عايشة وقبّل رأسها وقال وهو يشير إلى فؤادة:
"ودي بقى يا ستي زقردة اللي شفطت اللبن بتاع أمي وشاركتنا فيه."
عايشة بابتسامة جميلة:
"مرحبًا فؤادة، كيفك؟"
فؤادة بابتسامة:
"بالحضن يا مراة أخويا."
محمد بمرح:
"بس بالراحة على بعض عشان الإصابات."
فؤادة:
"أنتِ جميلة أوي يا عائشة ما شاء الله."
لتضحك عايشة وتقول:
"اسمي عايشة مو عائشة."
فؤادة بضحك:
"يا أختي دايما عايشة وبخير، تعالوا ياللا ندخل."
وعندما استدارت تذكرت أن حسنة خلفها فاستدركت قائلة:
"تعالوا أعرفكم الأول."
وأشارت إلى حسنة قائلة لمحمد وعايشة:
"أقدم لكم حسنة هانم، والدة الأستاذ جلال جوزي، سلمى ونهاد اتعرفوا عليهم قبل كده."
ليتبادل الجميع السلام، ثم تجد الصغار قد التفوا حولها فتقول ضاحكة:
"شفتي يا عايشة، أنا أجدع منك أنا لسه هحمل وأولد ووجع قلب، أنا جبت عيال جاهزة على طول."
ثم تشير إلى سلوى قائلة:
"العسلاياية دي سلوى، تبقى بنت الأستاذ جلال، والقمر ده أدهم ودي ليلى أخته، باباهم يبقى دكتور حسين وولاد عم سلوى."
بعد دلوف الجميع إلى داخل المنزل قال محمد:
"أومال جوزك فين؟"
فؤادة:
"خمس دقايق ويبقى هنا، أصل عربية أخواته عطلت في السكة فراح يجيبهم بعربيته."
نهاد:
"آه، ما أنا شفتهم واقفين على الطريق."
محمد باستغراب:
"طب ما قولتيش ليه يا بنتي إنك تعرفيهم، كنت وقفت وشفت محتاجين إيه."
نهاد:
"ما أنا قلت أكيد في حد هيلحقهم عشان قريبين من المزرعة."
لتنفخ سلمى بملل وهي تضرب نهاد على رأسها من الخلف قائلة:
"الله يكون في عونه يا شيخة."
ما هي إلا دقائق حتى سمعوا صوت زمير سيارة جلال وهو يدلف إلى المزرعة، وعندما وصلوا إلى مدخل المنزل جرى الصغار نحوهم وهم يرحبون بحسين بشدة وتعلقت سلوى بخصر عارف قائلة:
"أنا مستنياك من امبارح عشان تشيلني ونلعب سوا."
أما ليلى فعندما رأت حسين تشبثت به ورفضت تمامًا أن تتركه لحظة واحدة، فاضطر أن يحيي الجميع وهو حاملًا إياها في أحضانه.
فؤادة وهي ترحب بحسين:
"نورت المزرعة يا دكتور حسين، أنا بجد مبسوطة جدًا إنك أخيرًا اقتنعت تيجي تقعد معانا شوية."
حسين بابتسامة:
"أعمل إيه بقى، عارف لما عرف إني إجازة النهاردة صمم إني أجي معاه، وبيني وبينك، البيت وحش أوي من غيركم ومن غير أمي."
حسنة:
"حقك عليا يا ابني، خلاص ما تزعلش أنا هرجع معاك."
سلوى باعتراض:
"لا يا تيتا إحنا عاوزين نفضل هنا مع طنط فؤادة."
جلال وهو يرحب بالجميع ويقوم بدور رجل المنزل:
"حمد لله على السلامة يا أستاذ محمد."
محمد بابتسامة:
"الله يسلمك ومبروك على الجواز ولو إنها جت متأخرة حبتين."
ليقول جلال بابتسامة وهو ينظر إلى فؤادة:
"الله يبارك فيك ومبروك عليك أنت كمان."
كان عارف يضاحك سلوى وأدهم ولكن انتباهه بالكامل كان مع نهاد التي لم تنظر إليه بالمرة، بينما سلمى كانت تتابع نظراته لشقيقتها بعبث وهي تبتسم بخبث أثناء مراقبتها لهما.
لتأتي أم إبراهيم قائلة:
"الفطار جاهز يا فؤادة يا بنتي."
لتنهض فؤادة وهي تقول:
"تسلم إيديكي يا خالتي، ياللا يا جماعة اتفضلوا الفطار، جوعتونا على ما جيتوا."
ليذهب الجميع إلى مائدة الطعام ليجدوها تمتلئ بما لذ وطاب، وكانت فؤادة قد طلبت من سيدات المزرعة إعداد الفطير المشلتت لأنها تعلم عشق محمد له.
نهاد وهي تجلس مسرعة وتختطف قطعة من الفطير:
"الله الله الله، إيه الجمال ده كله، طبعًا الحاجات دي للعزيز الغالي مش كده، بس طبعًا إحنا هينوبنا من الحب جانب."
ليضحك محمد وهو يساعد عايشة على الجلوس وهو يقول:
"طول عمرك ما بتستريش قدام الأكل."
نهاد بلا مبالاة:
"يا ابني المثل بيقول إيه؟"
فؤادة:
"إيه يا فيلسوفة؟"
نهاد:
"كُلي وبحلقي عينيكِ... أكلة واتحسبت عليكِ."
فؤادة ضاحكة:
"طب كُلي وبحلقي بعينك كويس."
نهاد ضاحكة:
"أنا هبحلق ببقى."
لتميل سلمى على فؤادة قائلة بحنق:
"الجزمة هتطير الراجل من إيدها بهبلها ده."
فؤادة بفضول:
"راجل مين؟"
سلمى وهي تنظر لعارف:
"الهيمان السرحان... عارف أخو جوزك."
فؤادة باستغراب:
"وعرفتي منين إن عينه منها؟"
سلمى ضاحكة وهي تهمس بإذن فؤادة:
"كل لبيب بالإشارة يفهم يا أختي."
لتضحك فؤادة بشدة تلفت إليها أنظار الجميع فيقول محمد:
"ما تضحكونا معاكم يا جماعة."
فتنظر فؤادة بتلقائية إلى عارف وتضحك مرة أخرى وهي تحاول السيطرة على ضحكها بيدها وما إن تمالكت أنفاسها قالت لمحمد:
"أنا عاوزة أعمل تحليل دي إن إيه عشان أتأكد إن العيال دول أخواتك."
محمد ضاحكًا:
"تصدقي الفكرة دي جات لي قبل كده بس خفت أعملها."
نهاد بامتعاض:
"وليه بقى يا خفيف؟"
محمد بابتسامة:
"شكلنا هنطلع كلنا مش من السلالة."
رغم ابتسامة محمد الواسعة إلا أن الجميع قد أحسها تقطر بالمرارة الشديدة.
كان حسين يجلس لتناول الطعام وليلى بأحضانه، وعرضت حسنة أن تأخذها منه ولكن ليلى رفضت وتشبثت بأبيها أكثر وأكثر وكأنها تعوض بُعده وبعد والدتها عنها في آن واحد، فاتجهت فؤادة إلى ليلى في محاولة منها أن تأخذها من حسين حتى يستطيع تناول الطعام فقالت:
"تعالي يا لولو كُلي معايا توت."
فالتفتت ليلى إلى فؤادة ومدت يديها إليها كي تحملها، فقال حسين:
"بقى تبيعيني بشوية توت؟"
حسنة:
"يا بنتي تقيلة على إيدك."
فؤادة بابتسامة:
"على ما بس دكتور حسين يعرف ياكل."
كانت فؤادة كلما التفتت تجد جلال ينظر إليها بحنق لا تدري سببه، ولكنها قررت أن تتجاهل نظراته حتى تأتيها الفرصة لمعرفة سببها.
بعد الانتهاء من تناول طعام الإفطار، اتجهوا جميعًا إلى الحديقة لتناول المشروبات فقالت نهاد:
"دراعك عامل إيه دلوقتِ يا فؤادة؟"
فؤادة بابتسامة:
"الحمد لله، أحسن."
محمد باهتمام:
"لينا قاعدة طويلة مع بعض يا فؤادة."
فؤادة:
"أكيد يا حبيبي طبعًا، بس لو عايشة محتاجة ترتاح شوية ممكن تدخل تستريح."
عايشة وهي تنظر لمحمد:
"يا ريت يا محمد أنا فعلًا محتاجة أفرد ضهري شوي."
لتنهض فؤادة وتتجه بصحبة محمد وعايشة إلى الداخل مستأذنة من الباقين.
لتتجه إلى غرفة بالدور الأرضي وتدلف إليهم قائلة:
"تقعدوا هنا أحسن عشان عايشة ما تطلعش وتنزل السلم وتتعب."
عايشة بمرح:
"والله كلك مفهومية تسلمي يا عمري."
فؤادة:
"تسلمي يا حبيبتي، أنا هخلي حد يجيب لكم الشنطة بتاعتكم."
محمد:
"لا ما فيش داعي..."
أنا هجيبها.
ليذهب محمد إلى سيارته مرة أخرى، ويخرج الحقائب ويدخلها إلى المنزل، ثم يأخذ حقيبته ويعود إلى عايشة. ولكنه في أثناء ما كان يجلب الحقائب، كان يدور بعينيه بين المتواجدين، ولاحظ أن الإخوة الثلاثة كل منهم يصوب عينيه إلى جهة واحدة لا يحيد عنها. فجلال يركز مع تحركات فؤادة، وعارف مع تحركات نهاد، والتي كانت سلمى قد نبهته إلى ذلك دون علم نهاد. أما ما أدهشه حقًا فكانت نظرات حسين إلى سلمى التي كانت غافلة تمامًا عنها كغفلة نهاد تمامًا، ولكنه قد انتابه الضيق من نظرات حسين فهو قد رأى أطفاله. ولكنه تذكر أن جلال أيضًا له طفلة، ولكنه علم من شقيقتيه أن أمها توفيت منذ سنوات. فأخذ يتساءل: هل توفيت والدة الصغيرين أيضًا؟ يا إلهي ما بال تلك العائلة التي يموت إناثها بهذا الشكل؟
وعندما أوصل محمد الحقيبة لزوجته ووضعها على الفراش وفتحها وقال لها بحب:
"البسي حاجة مريحة وريحي شوية، تحبي أساعدك؟"
عايشة برقة:
"تسلم لي حبيبي، أنا بشوف حالي، لا تشغل حالك."
ليقبلها محمد على جبينها ويتركها ليعود إلى إخوته بعد أن قال لها:
"لو احتجتي أي حاجة رني عليا."
ليعود محمد إلى المجلس المجمع بالحديقة ليجد نهاد تلعب الكرة مع الصغار، وتشاركهم فؤادة بمرح بحذر خوفًا على ذراعها، بينما سلمى كانت تحمل ليلى الصغيرة من جزعها وتلعب معهم وسط الضحكات الشديدة لليلى كلما لامست الكرة.
وكانت حسنة كل فينة تصرخ على فؤادة محذرة إياها من أن يصيبها أي مكروه، بينما جلس الأشقاء الثلاثة وعلى وجه كل منهم قصة تحكي على ما وراء العيون.
فكانت نظرات جلال تنم عن غيظ مدفون، كاد محمد أن يقسم أنها نظرات حانقة تكاد تقتل فؤادة. فكان لا يعلم أهي نظرات غيظ من الخوف عليها من الإصابة مرة أخرى أم هي نظرة غيرة أم هي شيء آخر لا يعلمه أحد.
أما عارف فكانت نظرات عاشقة، فكانت عيناه تتابع محبوبته لا تخطئها أبدًا. كانت الابتسامة تزين عينيه قبل شفتيه كأنها ابتسامة رضا.
أما حسين فكان يتابع سلمى وعلى وجهه اهتمام لم يدرك محمد مغزاه. فكان حسين وكأنه يحلل شيء ما أو كأنه يحاول حل نظرية رياضية.
فبدا وكأنه غارق لأذنيه في عملية حسابية دقيقة، مليئة بالتعقيدات والألغاز.
لتلمح فؤادة محمد وهو يتابع الوجوه محاولًا قراءتها، لتنسحب من اللعب وتتجه إلى محمد لتدس نفسها في أحضانه قائلة بمرح محبب:
"هو أنت مش هتنسى مهنتك دي أبدًا؟ من ساعة ما وصلت وأنت عمال تحلل في كل واحد شوية، مش عاوز تنسى أبدًا إنك دكتور نفساني."
محمد وهو يهمس بأذنها:
"هو حسين ده إيه حكايته؟"
لتنظر فؤادة إلى حسين قائلة بفضول:
"ماله؟"
محمد:
"فين مراته؟ ميتة برضه؟"
فؤادة:
"لا بعد الشر، بس هم منفصلين، بتسأل ليه؟"
محمد:
"مش ملاحظة مركز عينه فين؟"
وعندما فهمت عليه فؤادة قالت:
"لا يا شيخ، ده بس عشان بنته معاها، لكن دكتور حسين ده شخصية محترمة جدًا فوق ما تتصور، وكمان ولاده بيعشقوه، لولاه هو وعارف الله أعلم كنت وصلت المستشفى حية واللا ميتة."
محمد وهو يلتقط نظرات جلال التي تدور في فلك فؤادة:
"بس واضح إن جلال بيحبك ومتعلق بيكي أوي."
فؤادة بسخرية وامتعاض داخلي:
"آه طبعًا، أومال إيه يا ابني!"
محمد وهو يضربها على رأسها من الخلف بخفة:
"شوف إزاي!"
فؤادة باعتراض:
"يا أخي هو أنت تغيب مهما تغيب وترجع لعادتك دي ما تغيرهاش؟"
محمد وهو يضمها تحت جناحه:
"وحشتني المناكفة معاكي."
فؤادة:
"طب تعالى نقعد بقى أحسن تعبت."
ليقتربوا من مجلس الإخوة وحسنة، ليجلسان بالقرب من جلال الذي يدير وجهه عنهما ويتابع لعب الصغار.
فؤادة بفضول وبصوت منخفض ولكنه كان يصل لجلال:
"مش ناوي تشوف عمي ولا تعرفه إنك موجود؟"
محمد بجمود:
"لا."
فؤادة:
"يا محمد ما ينفعش، ده مهما إن كان أبوك، هتفضل مقاطعه لإمتى؟"
محمد:
"لحد ما يرجع لربنا يا فؤادة، المفروض إن هو اللي يدلنا على طريق الهداية مش العكس أبدًا، لولا ماما الله يبارك لها كان زماننا طلعنا كلنا زيه، ولعلمك وقت ما نهاد بلغتني باللي حصل لك ما كانش عندي أي شك إن هو اللي وراها، ولحد دلوقتي ما استبعدتوش رغم شكك في غيره."
فؤادة بشهقة استنكار:
"اخص عليك يا محمد، لا طبعًا عمي لا يمكن أبدًا يعمل فيا كده مهما حصل، بقى عمي يفكر إنه يموتني بإيده؟"
محمد:
"وهو ما كانش هيدفنك بالحيا لما كان عاوز يجوزك اللي اسمه الهلالي ده، تقدري تقولي لي إيه الفرق؟"
فؤادة بتفكير:
"لا برضه يا محمد، مهما إن كان في فرق كبير، وبعدين يا محمد هو إحنا برضه يعني لينا مين غيره؟ حاول تفتكر له كل حاجة حلوة عملها عشانك أنت وإخواتك في يوم من الأيام."
محمد بسخرية:
"ولا حاجة."
فؤادة بغيظ:
"يا مفتري، بقى أنت مش فاكر له أي حاجة كويسة؟ طب على الأقل افتكر له إنه اختار إن مرات عمي العسل السكر دي تبقى مامتكم، افتكر إنه اهتم بتعليمكم."
ثم أكملت بنبرة حنين:
"كان دايماً بيهتم إننا نبقى متجمعين سوا مهما بعدت المسافات، وحاجات كتير ياما، ما ينفعش ننسى كل ده عشان طبع واحد مش حابينه فيه."
محمد بأسى:
"هو الطمع والجشع ده أي طبع برضه يا فؤادة؟ الطمع في أي حد وفي كل حاجة."
لتتنهد فؤادة ولكنها تقول بمكابرة:
"برضه ما ينفعش تقاطعه كده، مهما إن كان ده أبوك، افرض لا قدر الله حد فيكم حصل له حاجة وأنتم مقاطعين بعض كده يبقى كويس يعني؟"
محمد وهو يزفر أنفاسه:
"أنتِ عاوزة إيه دلوقتي؟"
لتضحك فؤادة وهي تنظر له بمكر وتقبل وجنته قائلة:
"تقول حاضر وتسمع الكلام."
ليضحك محمد بشدة وهو يقول:
"يا بنتي ده أمي اللي هي أمي عمرها ما عملت معايا كده."
فؤادة بمكر:
"طب وعايشة يا قلب عايشة؟"
ليضربها محمد على رأسها من الخلف قائلًا:
"شفتي أهو أنتِ اللي بتجيبي لنفسك التلطيش، خليكي في حالك."
ليسمعوا حسنة قائلة بابتسامة:
"ربنا يخليكم لبعض ويحفظكم من كل شر يا رب."
لينظرا حولهما ليجدا أن الجميع كان يتابع حوارهما باهتمام شديد، لتنكس فؤادة رأسها وتنهض قائلة وهي تتجه إلى الداخل:
"هخليهم يجيبوا لنا فاكهة."
عارف:
"يا بنتي ما الفاكهة كتير أهيه قدامنا."
نهاد بصوت عالٍ:
"أنا عاوزة توت يا فؤادة."
لتقول سلوى وهي تجذب نهاد من يدها:
"تعالي أقول لك تجيبي توت منين."
لتتصنع نهاد الجهل قائلة:
"منين؟"
لتشير سلوى إلى شجرة التوت قائلة:
"اطلعي فوق الشجرة دي وهزي الفرع جامد هينزل توت كتير كتير، وإحنا هنلمه ونديه لدادا ماجدة ودادا أم إبراهيم عشان يغسلوه لنا قبل ما ناكله عشان بابا ما يزعق لناش."
لتعض نهاد على شفتيها وهي تهز رأسها وكأنها استوعبت ما تقترحه عليها سلوى وتقول:
"وتفتكري يا سلوى يا أختي أطلع أتشعبط على أنهي فرع؟"
سلوى وكأنها تفضي إليها بسر حربي:
"طنط فؤادة اتشعبطت على الفرع القريب عشان كتفها ما يوجعهاش تاني، لكن أنتِ كتفك مش بيوجعك، اطلعي على الفرع اللي فوق خالص."
نهاد وهي تهز رأسها للأسفل والأعلى مع كل كلمة تقولها سلوى ثم قالت:
"يعني أنا أطلع فوق خالص وأهز لكم الفرع وأنتم تلموا التوت؟"
سلوى بحماس:
"أيوه ياللا بسرعة."
نهاد وهي تحك رأسها بتفكير:
"طب التوت لما يقع على الأرض أنتُ هتلموه عشان يتغسل؟ طب أنا لما أقع مين هيلمني؟ وتفتكري ينفع أتغسل بعدها واللا هيعتبروني شهيدة ويدفنوني ملفوفة في ورقة توت؟"
لتنظر لها سلوى بتفكير ثم تنفجر ضاحكة بعدما تبينت مداعبة نهاد.
ليأتيهم محمد وهو يضحك بشدة ويتجه إلى الشجرة ليتسلقها بمهارة فائقة ويهز لهم أفرع الشجرة بشدة لتتساقط عليهم حبات التوت وهو يتقافزون بمرح تحتها، وجرت نهاد إلى المائدة الموضوعة لتفرغ حبات الفاكهة على المائدة وتلتقط الوعاء وتعود إلى تحت شجرة التوت وهي تشجع الصغار على مساعدتها لجمع حبات التوت. وعندما هبط محمد أرضًا مرة أخرى كانت فؤادة قد عادت إليهم وهي تقول بمزاح:
"لا والله تعبي معاك ما راحش على الفاضي، ده أنا قلت عيشتك مع الخواجات نستك العلام اللي علمتهولك."
محمد بفخر زائف:
"يا بنتي دايماً التلميذ بيتفوق على أستاذه."
ثم يعود محمد ليجلس بجوار جلال قائلًا:
"وأنت أخبارك إيه يا جوز أختي؟ عرفت من البنات إنك بتدير الأرض بتاعتك."
جلال:
"والدي الله يرحمه كان عنده أرض جزء منها جناين وجزء بنزرعه محاصيل عادية، وإخواتي قرروا إن أنا اللي أشرف عليها وأراعيها، الدكتور حسين مشغول بشغله والعيانين بتوعه، والأستاذ عارف عايش حياته ما بين التدريس وقصر الثقافة والندوات بتاعته."
محمد وهو ينظر لعارف:
"تصدق من ساعة ما شفتك وأنا عمال أقول شفتك فين قبل كده؟ دلوقتي بس افتكرتك."
عارف بابتسامة:
"الحقيقة أنا افتكرتك من ساعة ما شفتك بس ما حبيتش أتطفل عليك."
فؤادة:
"إيه الحكاية؟ أنتُ تعرفوا بعض واللا إيه؟"
عارف بابتسامة:
"هي مش معرفة مباشرة، بس أنا حضرت أكتر من ندوة كان بيشارك فيها دكتور محمد وهو كمان حضر لي أكتر من ندوة."
حسين باستغراب:
"حضرتك دكتور؟"
محمد:
"دكتور أمراض نفسية وعصبية، وحضرتك؟"
حسين:
"تشرفنا، أنا باطني، لكن إن شاء الله بعد ما أخلص الدكتوراه بتاعتي هتخصص دكتور باطنة وقلب."
محمد:
"ربنا يوفقك إن شاء الله، أنا الحقيقة استغليت الفترة اللي سافرتها وخلصت الماجستير بتاعي هناك، عايشة الحقيقة ساعدتني مساعدة عمري."
فؤادة:
"هي عايشة جنسيتها إيه صحيح يا محمد؟"
محمد:
"عايشة من سوريا، لكن تعتبر عايشة طول عمرها في فرنسا مع عمها، هو اللي مربيها."
فؤادة بفضول:
"واتعرفت عليها إزاي احكي لي؟"
محمد بضحك:
"هو أنتِ يا بت مش هتبطلي الحشرية دي؟"
فؤادة بتوعد:
"ماشي ماشي، مش عاوزة أعرف حاجة، بكرة تيجي تتحايل عليا عشان تحكي لي وأنا اللي ما أبقاش عاوزة."
محمد بمغزى:
"هبقى أحكي لك بعدين، بس قولي لي دلوقتي أخبار الراجل اللي عامل لك مشاكل ده إيه؟"
فؤادة:
"ما أنت عارف، بيفضل مستخبي في الدرة وتلاقيه فجأة عمل لك أي مشكلة كده ويرجع يختفي تاني."
محمد:
"عمل لك حاجة تاني من ساعة ما جيتوا؟"
فؤادة وكانت تشير إلى جلال:
"الحقيقة لا، بس الأستاذ...."
لتصمت فؤادة وهي تبتلع لعابها، ثم أكملت بعدها بشيء من التردد:
"أقصد يعني إن جلال عاوزنا نعمل اجتماع مع أصحاب المزارع اللي حوالينا بما فيهم هو بحيث إننا نشوفه وجهًا لوجه."
محمد بإعجاب بالفكرة:
"وليه لا، أنا شايف إنها فكرة كويسة، أحيانًا لما بتشوفي عدوك وجهًا لوجه بتقدري تحددي الطريقة المناسبة اللي تحاربيه بيها، وياريت الاجتماع ده يتعمل وأنا موجود."
فؤادة:
"أنا مش معترضة على الفكرة بس أنا عارفة إن الزيني جبان واحتمال كبير ما يحضرش."
محمد:
"تبقى ما خسرتيش حاجة، وكل أصحاب المزارع لما يعرفوا إنك مش لوحدك وحواليكي جوزك وأخوكي، أكيد الكلام هيوصل له وهيعرف إنك ما بقيتيش لوحدك."
عارف:
"أنا ممكن أجي لكم يوم الاجتماع ده أحضره معاكم بس عرفوني المعاد قبلها بيوم."
حسين:
"وأنا كمان لو قدرت أجي معاه هجي لكم."
فؤادة بامتنان:
"أنا مش عارفة أشكركم إزاي."
حسين بابتسامة:
"أنتِ إنسانة جميلة يا فؤادة، وكلنا ممنونين جدًا للقدر اللي خلاكي موجودة وسطينا."
محمد وهو يشاغب فؤادة:
"طب ما تحكي لي أنتِ بقى اتعرفتي على جلال إزاي وإمتى رغم الحراسة المشددة اللي كانت عليكي؟"
لتلتفت فؤادة لجلال وهي زائغة الأعين لا تدري بماذا تجيبه، ليقول جلال بمرح:
"وليه الإحراج ده بس يا دكتور، في حاجات كده لما بتفضل مستخبية، بتفضل محتفظة بجمالها."
محمد بمرح وهو ما زال على مشاغبته لفؤادة:
"يا زيدي يا زيدي على الكلام الحلو، ماشي يا عمنا ربنا يهنيكم ويسعدكم جميعًا."
ليأتي أدهم ويرتمي في أحضان أبيه قائلًا:
"مش هتيجي تتفرج معايا على الخيل بتوع طنط فؤادة يا بابا؟ دي عندها حصان حلو أوي وأنا ركبته وقعدت ألف بيه كتير."
حسين بابتسامة:
"لو طنط فؤادة وافقت نروح."
فؤادة بترحيب:
"يا خبر يا دكتور، اتفضل، وخد راحتك البيت بيتك والمزرعة مزرعة أختك."
حسين بود:
"الله يكرمك."
لتقول نهاد:
"ياللا يا محمد نروح إحنا كمان."
لتنهض فؤادة قائلة:
"خلاص، تعالوا ياللا نروح كلنا على هناك على ما الغدا يجهز."
كانت ماجدة تنصب أدوات الشواء في الحديقة بالقرب منهم فالتفت إليها حسين بدهشة قائلًا:
"إيه ده، إزيك يا ماجدة، والدتك عاملة إيه دلوقتي؟"
لتترك ماجدة ما بيدها وتقترب من حسين مرحبة برؤيته وتنحني على يده في محاولة لتقبيلها ولكن حسين يبعد يده عنها مستغفرًا.
ماجدة:
"إزيك يا دكتور، يا ألف مرحب، أمي دايماً بتدعيلك وكلنا بندعي لك والله كل ما نبص في وشها."
حسين:
"وهو أنتِ بتشتغلي هنا، إيه اللي حدفك بعيد كده؟"
جلال:
"لما طلبت من أم إبراهيم تشوف لي واحدة تهتم بفؤادة وتساعدها عشان دراعها جابت لي ماجدة."
ثم أكمل بفضول:
"أنت تعرفها منين؟"
حسين:
"كانت أمها عندنا في المستشفى، كان عندها مشاكل كبد على سكر على ضغط، وهم حالتهم على قدها، فما كانوش بالوعي الكافي إنهم يلحقوها من زمان، والمستشفى كانت في أدوية كتير مش متوفرة لحالتها، فكانوا بيشتروها من بره."
جلال:
"طب وهم برضه يقدروا على المصاريف دي؟"
حسين:
"ما أنا خليتها خرجت من المستشفى، وكنت بروح لها البيت، وربنا كرمني وقدرت إني أوفر لها العلاج بتاعها لحد ما حالتها اتحسنت، وساعدتها تعمل بعد كده علاج على نفقة الدولة عشان حالة الكبد بتاعتها محتاجة رحلة طويلة شوية."
ماجدة بامتنان:
"كانت أول مرة نعرف إن الدنيا فيها خير بصحيح، ربنا يكرمك ويديك كل خير من عنده يا رب."
حسين:
"شكرًا يا ماجدة، تسلمي."
لتقف ماجدة بتردد وتقول:
"إنما يعني ما تؤاخذنيش يا سي الدكتور، هو حضرتك تقرب للست فؤادة؟"
حسين بابتسامة:
"أنا أخو جوزها يا ماجدة، ولو عاوزة تشكريني بجد، خلصي الشوي بسرعة عشان أنا بعشق المشويات."
لتسرع ماجدة بالعودة إلى ما كانت تفعله وهي تقول:
"من عينيا يا دكتور."
لينهض الجميع متجهين إلى إسطبل الخيل لتمضية وقت لطيف.
ولكن حسنة اعتذرت لهم وأصرت على البقاء بحجة عدم قدرتها على السير كثيرًا، وأنها ستتولى الإشراف على تحضير الغداء حتى يحين موعد عودتهم.
وبعد انصراف الجميع لاحظت أن ماجدة تقف أمام الشواء وهي توزع الهواء من حوله وهي مدمعة العين وتمد يدها بين الحين والآخر لتمسح دموعها، فظنت أنها لا تتحمل دخان الشواء فاقتربت منها قائلة:
"لو الدخان هيتعب عينك يا بنتي كده، روحي أنتِ وأنا هقف بدالك."
ماجدة باعتراض وصوتها يعلو بالنحيب:
"لا يا ست الحاجة تسلمي."
فأدركت حسنة أنها تبكي لسبب آخر فقالت لها:
"مالك يا بنتي؟ في حد ضايقك؟"
لتتفاجأ حسنة بماجدة وهي ترتمي عند أقدامها باكية تحاول تقبيلها وتقول من بين نحيبها:
"سايقة عليكي النبي يا ست الحاجة تسامحيني وتخليهم يسامحوني، ما كنتش أعرف إنكم أهل الغالي أبدًا."
حسنة بعدم فهم:
"نسامحك على إيه يا بنتي؟ أنا مش فاهمة حاجة."
لتعتدل ماجدة قائلة من بين بكائها:
"أنا هحكي لك على كل حاجة يا ست الحاجة، ومش هخبي عليكي أيتها حاجة."
رواية فؤادة الفصل السادس عشر 16 - بقلم ميمي عوالي
ذهب الجميع بصحبة الصغار إلى إسطبل الخيل الذي لا يبعد كثيرًا عن المنزل، وكان المرح مصاحبًا لهم أثناء أحاديثهم معًا.
محمد: أمال أخبار حسنية إيه يا فؤادة؟
فؤادة بابتسامة: الحمد لله والله يا محمد، المحصول بيتصدر بالكامل، ما بيفضلش منه حاجة.
حسين: مين بقى حسنية دي؟
فؤادة بحنين: دي مجموعة كبيرة من الصوب مزروعة بأكثر من نوع من أنواع الخضار، واللي ما شاء الله إنتاجها بالكامل درجة أولى، وبابا مسميها على اسم ماما الله يرحمها.
محمد: وماتنسيش النخيل.
فؤادة: فكرة نخيل الزينة ده من الأساس كانت فكرة ماما الله يرحمها، وعشان كده زي ما بابا الله يرحمه ما حكالي إنه برضه مسميه كله على اسمها، وسبحان الله، عاوزة أقول لك إن الطلبات عليه كترت جدًا وخصوصًا في القرى السياحية، لدرجة إننا ساعات ما بيبقاش عندنا كل الكميات المطلوبة.
محمد: خسارة.
فؤادة: ولا خسارة ولا حاجة، إحنا وزعنا الشتلات في المزارع اللي حوالينا وبنساعد بعض في تلبية الطلبات اللي بتيجي.
عارف بإعجاب: طب والله برافو عليكوا.
فؤادة بفخر: بابا الله يرحمه كان معروف هنا بلقب العمدة، لأنه كان أقدم حد في تعمير المنطقة دي، وكان الكل بيشوره وبياخد برأيه وعشان كده كان دايما حابب إن الخير يعم على المكان بحاله.
ليقوم محمد بضم فؤادة ومقبلًا رأسها بحنان قائلًا: عمي الله يرحمه كان فخر لكل اللي عرفه، الله يرحمه.
ليردد الجميع: الله يرحمه.
كان جلال صامتًا طوال الوقت، لا يشاركهم الحديث، ولكنه كان يتابع ما يقولون في اهتمام بالغ مركزًا نظراته على فؤادة.
وفي أثناء ذلك، كانت نهاد وسلمى يشاركان الصغار لهوهم مع الخيل.
لتهتف نهاد وهي تنادي أخاها قائلة: ياللا يا محمد تعالى اركب معايا.
محمد بشغب: لا يا ستي، روحي اركبي انتي بعيد عني.
نهاد برجاء: عشان خاطري تعالى اركب معايا.
فؤادة بمرح: انتي مش هتبطلي جبن أبدًا، ما تركبي لوحدك.
نهاد بتمرد: أنا مش جبانة على فكرة.
محمد بخبث: لا ما أنا عارف، وعشان كده ياللا اركبي لوحدك وورينا.
نهاد بمراوغة: لا، أصل ضهري بيوجعني، فببقى عاوزة حد يسندني وأنا راكبة عشان ما أقعش، قصدي عشان ما يوجعنيش زيادة.
كان عارف يعض على نواجزه حتى يخفي ضحكه على تصرفات نهاد وردود أفعالها التي لا تحاول التفكير قبلها، فتخرج عفوية مثيرة للضحك والسخرية.
لتميل سلمى على أذن نهاد قائلة: يا بنتي اِهمدي بقى فضّحتينا، هو انتي ما بتعرفيش تستري في حتة أبدًا؟
نهاد باعتراض وبصوت عالي: الله، ما هو عارف إني ما بعرفش أتنيل أركب لوحدي وبخاف أقع، لازم يقعد يرخم عليا كل مرة. طب أنا بقى هركب لوحدي ولو وقعت ذنبي في رقبته.
ليتجه إليها محمد ضاحكًا وهو يساعدها على الصعود على ظهر الفرس قائلًا: يبقى تطلبي بأدب وتبطلي لماضة، ثم صعد خلفها بخفة وهي تصفق بيديها كالأطفال قائلة: اجري بسرعة بقى... ماشي.
محمد: تحبي أعوم بيكي كمان، ولا نطير؟
نهاد وهي تصرخ بفرحة وتفرد ذراعيها بجانبها وكأنها تستعد للطيران: امسكني كويس بس واجري بسرعة ياللا.
لتسرع سلوى إلى جلال قائلة: بابا، عاوزة أركب معاك كده زي طنط وعمو وتجري بالحصان بسرعة.
وقبل أن يجيبها جلال، قال عارف وهو يحملها ويتجه إلى مربط الخيل: تعالى يا حبيبة عمو معايا وأنا هركبك معايا.
أدهم: وأنا يا عمو؟
عارف: خلاص ياللا تعالوا أنتوا الاتنين.
ليأخذهم عارف أمامه على الجواد ويذهب خلف محمد ونهاد.
فؤادة: وأنت يا دكتور، لو تحب تركب خيل معاهم، هات ليلى وروح انبسط شوية.
حسين وهو ينظر إلى سلمى: لا مش مشكلة، خلي ليلى معايا، ماليش مزاج للخيل دلوقتي.
لينظر جلال إلى فؤادة قائلًا: تعالى يا فؤادة وريني كده الصوب اللي قلتي عليها على ما يرجعوا.
لتفهم فؤادة على الفور أنه يريد الاختلاء بها لأمر ما، فتنظر إلى سلمى وحسين قائلة: مش هنتأخر عليكم، على ما يرجعوا نكون إحنا كمان رجعنالكم.
وتذهب فؤادة في اتجاه آخر وجلال من خلفها تاركين حسين وسلمى، لينظر حسين والذي كان يقف حاملًا ليلى إلى سلمى قائلًا: وأنتي ما بتحبيش تركبي خيل؟
سلمى: بحب طبعًا، بس ما بحبش أركبه دلوقتي.
حسين: أومال بتحبي تركبيه أمته؟
سلمى: بحب أركبه وقت الشروق، وأتمشى بيه بين الزرع، بيبقى المنظر يجنن وريحة الندى على الشجر تخبل.
حسين بابتسامة: ده أنتي فنانة على كده.
سلمى بابتسامة: ولا فنانة ولا حاجة، بس بحس وقتها إن فعلًا بتغسل من كل التلوث اللي إحنا عايشين فيه.
حسين بابتسامة: تعرفي إن أنا كمان لما بيجيلي مزاج للخيل ما بركبهوش غير الصبح بدري زيك كده.
لتبتسم سلمى وتقول: أنا هضطر أرجع على البيت عشان أشوف عايشة لا تضايق إننا سيبناها لوحدها.
حسين وهو يشير إليها كي تتقدمه: اتفضلي، أنا كمان هرجع عشان أقعد مع ماما شوية قبل ما أسافر.
فؤادة مشيت مع جلال لحد ما كانت الصوب على مرمى بصرهم فشاورت لجلال عليهم وقالت: أهي هي دي الصوب اللي قلت عليها.
جلال بجمود: أنا ما ندهتكش عشان كده.
فؤادة: أومال عشان إيه هو في حاجة ولا إيه؟
جلال ببعض الغضب: هو أنتي مش واخدة بالك أنتي بتتصرفي إزاي؟
فؤادة باستغراب شديد: بتصرف إزاي؟ إيه اللي حصل؟
جلال: هزارك وتهريجك وضحكك العالي ده، ولا كأنك على ذمة راجل.
فؤادة وقد بدأ الغضب يعتمل بداخلها: يا ريت توضح كلامك على طول، أنا ما بحبش التلميحات والكلام المتداري ده.
جلال: أنا ما أحبش إن يبقى في ست شايلة اسمي وتضحك مع ده وتتباسط مع ده.
فؤادة بغضب: أنا ما أسمحلكش إنك تكلمني بالشكل ده، أنا عارفة حدودي كويس ومع الكل، مش مستنية أبدًا حد ييجي يلفت نظري لحاجة زي دي أو يعلمني أتعامل مع الناس إزاي.
جلال: وهي حدودك دي تخليكي قاعدة طول الوقت في حضن ابن عمك؟
فؤادة بعدم استيعاب: ابن عمي مين؟ أنت ناسي إنه أخويا في الرضاعة؟
جلال: ولو... افرضي، برضه ما يصحش.
فؤادة برفض وتحدي: أنت شايف إني عملت حاجة حرام؟
جلال: أنا ما قلتش إنه حرام، أنا قلت...
لتقاطعه فؤادة بحزم: طالما مش حرام، يبقى ما عملتش حاجة غلط.
جلال بغضب: والله... طب وهزارك وضحكك مع عارف، وكمان حسين؟
فؤادة بذهول: أستاذ عارف ودكتور حسين ضيوف في بيت بابا، ومن واجبي إني أرحب بيهم وأضايفهم، وبعدين أنا برضه ما اتخطيتش حدودي أبدًا مع حد فيهم.
جلال بغضب: أنا بنبهك بس عشان تاخدي بالك بعد كده وأنتي بتتعاملي مع الكل.
فؤادة وقد امتلك منها الغضب تمامًا وبدأت في القبض على أطراف ملابسها والشد عليهم بشدة وقالت: أنا واخدة بالي كويس جدًا، وما أسمحلكش لا أنت ولا غيرك إنه يعلق على سلوكي ولا يشكك في أخلاقي مهما كان السبب.
جلال بدفاع: مين اللي جاب سيرة أخلاقك دلوقتي؟
فؤادة: وهو كلامك ده كله معناه إيه؟
جلال: أنا بتكلم عشان مصلحتك، أنتي لسه صغيرة، وما عندكيش خبرة كفاية بالناس، وعشان كده المفروض تقبلي النصيحة من سكات وتشكريني عليها كمان.
لتصمت فؤادة فجأة وهي تنظر بشرود خلف جلال ليطبق عليهم صمتًا رهيبًا لا يقطعه إلا حفيف النبات بسبب الهواء.
وعندما لاحظ جلال صمتها وعدم ردها عليه ومجادلتها على غير العادة قال: سكتي يعني...
لتقاطعه فؤادة وهي تشير له بكف يدها قائلة: ششششششششش.
وقبل أن يحتج جلال على إسكاتها إياه يتفاجأ بها تتخطاه وهي تهرول في اتجاه الصوب الزراعية وتصرخ عاليًا وهي تنادي بأعلى صوتها قائلة: عم نبييييييل!
ليلتفت جلال خلفه وينظر إلى المكان الذي تنشده فؤادة، ليجد العم نبيل ملقى أرضًا وبجانبه بعض الدماء التي غطى جزء منها ملابسه، ليسرع جلال خلف فؤادة وهو يحاول اللحاق بها رغم إصابة قدمه، وأخرج هاتفه سريعًا وقام بالاتصال بحسين طالبًا منه سرعة المساعدة.
وعندما وصل إلى العم نبيل، كانت فؤادة قد وصلت إليه وهي تحاول إفاقته وهي تنادي عليه مرارًا وتكرارًا بجزع لم يخلُ من بكائها.
بعد ساعة من الزمن في سكن العم نبيل، كان نبيل نائمًا في فراشه وحول رأسه ضمادة من الشاش الأبيض حوله كل من جلال وحسين وعارف ومحمد، وبالطبع...
فؤادة
فؤادة بجزع موجهة حديثها إلى حسين: طب هو ليه ما فاقش لحد دلوقتِ يا دكتور؟
حسين: ما تخافيش يا فؤادة، الجرح اللي في دماغه مش غويط، بس هو الخوف إنه يكون جاله ارتجاج.
فؤادة: طب ننقله المستشفى عشان نتطمن.
حسين: هنصبر بس نص ساعة كمان، لو ما فاقش، ننقله، بس انتِ اهدِي بس وبلاش الرعب ده.
محمد راح ناحية فؤادة، خدها في حضنه وباس راسها وقال: استهدِي بالله واحمدِي ربنا إنك شوفتيه، وإدينا لحقناه.
فؤادة بحزن: ما كنتش مركزة في اللي قدامي، أنا لمحت حاجة متكومة، وفي الآخر عرفت إن هو لما لمحت إيده وفيها السبحة بتاعته.
عارف: تفتكروا إيه اللي عمل فيه كده؟
ثم نظر إلى جلال قائلًا: أنت ساكت ليه كده يا جلال؟
كان جلال يقف جامدًا وهو يتابع حديثها مع الجميع وهو مركز بصره على العم نبيل، والأفكار تتوالى عليه من كل حدب وصوب، وعندما انتبه إلى سؤال عارف نظر إلى فؤادة وقال: عم نبيل لو ما فاقش هنفضل كلنا متهددين في أي لحظة.
محمد بفضول: متهددين من مين؟
جلال: واضح إن إصابة عم نبيل نتيجة ضربة أخدها، وإلا إيه اللي هيعمل فيه كده؟ ولو ما فاقش وقال لنا على اللي حصل هنبقى ماشيين كلنا متغميين.
وعندما فكر الجميع في حديث جلال لم يجد منهم شيئًا آخر يقوله، وذهب تفكير كل منهم في اتجاه، ليقطع تفكيرهم تأوهات صادرة من العم نبيل، لتلتفت إليه فؤادة بلهفة وتجثو على ركبتيها أمامه وتناشده قائلة: عمي نبيل، عمي نبيل، فوق يا عمي سلامتك، فوق بالله عليك وطمن قلبي عليك.
ليجذبها محمد بعيدًا عن العم نبيل قائلًا: اصبري عليه بس يا فؤادة، خليه يقدر يتنفس بهدوء عشان ما يتعبش زيادة.
ليحاول نبيل فتح عينيه بصعوبة وهو يحبس تأوهاته بصدره، وأخذ يجيل بعينيه بين الجميع ثم قال هاتفًا بوهن: الزرع يا فؤادة، الحقي الزرع يا بنتي.
لتقترب منه فؤادة مرة أخرى قائلة بلهفة: سيبك من أي حاجة دلوقتِ وطمنيني عليك، حاسس بإيه؟
لينظر نبيل إلى جلال قائلًا: يبقى الحقه أنت يا بني، هيموتوه.
ليقترب منه جلال قائلًا بفضول: فهمني بالراحة اللي حصل عشان أقدر أتصرف.
نبيل: كانوا عاوزين يغرقوا حسنية، ولما حاولت أمنعهم ضربوني، الحقوا الزرع قبل ما المحصول كله يموت.
لتنهض فؤادة بعنف وتقول: أنا هتصرف، بس طمنيني عليك الأول.
نبيل: أنا هبقى كويس، روحوا أنتم قوام.
لتسرع فؤادة إلى الخارج وبخلفها الأربع رجال، وهي تجري اتصال بأحد ما ولكن على ما يبدو إنه ما من مجيب، ولكنها لم تتوقف عن العدو والجميع خلفها، وجلال يحاول جاهدًا الاستناد إلى عصاه ومجاراة خطواتها، حتى وصلت إلى مربط الخيول، لتمتطي أحد الجياد وهي تصرخ على السائس قائلة: بلغ الأمن إن حصل اعتداء على عمي نبيل، وروح له السكن بتاعه بسرعة.
وأخذت تعدو بالجواد ليفعل مثلها الجميع، حتى وصلوا إلى بئر المياه المسؤول عن ري الصوب فوجدت موتور رفع الري يعمل وجميع الرشاشات تعمل بلا انقطاع، فما كان منها إلا أن ذهبت على الفور لفصل عملية رفع المياه، وغلق جميع المضخات.
ذهب جلال وعارف على الفور لتفقد نتيجة ما حدث ليجدوا إن المياه قد غمرت التربة بكثافة، فما كان من جلال إلا أن شمر عن ساعديه، وجذب أحد الفؤوس المعلقة على جوانب الصوب وألقى عصاه أرضًا وأخذ يحفر نفقًا من داخل الصوبة إلى خارجها لتصريف المياه الزائدة وهو يصرخ بالآخرين قائلًا: كل واحد يمسك فاس ويعمل قناية تصرف الماية دي بسرعة قبل الزرع ما يموت.
ليسرع الجميع إلى تنفيذ ما أمر به جلال، وفي خلال دقائق كان عدد كبير من العاملين قد تجمعوا على الفور عندما علموا بما حدث، وأخذ جلال يوجههم إلى ما يلزم لعمله، وفي أثناء ذلك وجد فؤادة تمسك فأسًا وتعمل وسط الجميع بيد واحدة يدًا بيد فذهب إليها مسرعًا ونزع من يدها الفأس وأخذ مكانها قائلًا بحزم: ما يصحش توطي كده وسط الرجالة.
وبدأ في العمل بدلًا منها، فما كان منها إلا أن قالت بصوت عالٍ: عاوزة الصوب كلها تتكشف، ارفعوا الصوب عشان التربة تتهوى.
من حسن حظهم، إن من قام بهذه الفعلة، لم يسعفه الحظ ليتأكد من تشغيل جميع المواتير، فلم يقم إلا بتشغيل موتور واحد، فلم يكن في الوقت متسعًا أن تصل المياه إلا إلى ثلاث صوب فقط، والتي كان من المقرر ريها بعد ثلاثة أيام، فلم تكن الخسائر جسيمة.
ولكن يبقى السؤال دون إجابة يلوح في ذهن الجميع أثناء محاولتهم لإنقاذ ما يمكن أنقاذه، من فعل ذلك؟
وبعد مجهود شاق، نظرت فؤادة نظرة امتنان للجميع وقالت: ربنا ما يحرمنيش منكم أبدًا.
ليعلو صوت أحد العاملين: تعيشي يا ست فؤادة، بس لازم نعرف مين اللي عمل كده.
فؤادة بحزم: هنعرف يا عم فراج، لازم نعرف.
جلال: بس دلوقتِ، أنا عاوز تلات رجالة يفضلوا سهرانين جنب البير هنا، ويتعمل وردية تتغير كل اتناشر ساعة، وكمان البير التاني نفس القصة.
لتنظر فؤادة إلى أحد السيدات قائلة: عاوزة الناس اللي هتبقى حراسة دي يتعمل لها الأكل ويجي لها لحد هنا، مش عاوزاهم يتحركوا من مكانهم.
لينظر محمد إلى جلال ويقول: أنا شايف إنك المفروض تختار الرجالة دي بنفسك.
جلال: ماشي.
وبدأ في اختيار وتقسيم الرجال إلى ورديات، ثم ذهب إلى فؤادة التي قد نال منها الإرهاق مبلغه وقال: أنتِ مش قلتِ إن في كاميرات مراقبة مغطية المزرعة كلها؟
فؤادة: أيوه، بس محتاجين نرجع البيت عشان نقدر نراجعها.
جلال: طب يلا بينا.
فؤادة: عاوزة أتطمن على عمي نبيل الأول.
جلال: أنتِ محتاجة ترتاحي، وكمان أرهقتِ دراعك جدًا النهاردة.
فؤادة بإرهاق: أتطمن على عمي نبيل الأول.
وتركتْه واتجهت إلى جوادها وامتطتْه عائدة بقوى خائرة، ليلحق بها الجميع.
وعند دخولهم سكن العم نبيل، وجدوه يحاول النهوض من فراشه متكئًا على السائس، فيسرع حسين باتجاهه قائلًا: رايح على فين حضرتك؟ المفروض ترتاح.
العم نبيل: عاوز أتطمن على اللي عملتوه.
لتجلس فؤادة بإنهاك قائلة: ما تقلقش يا عمي، الحمد لله لحقنا الدنيا على قد ما قدرنا وصرفنا الماية.
ليعود نبيل إلى الفراش ليجلس عليه بإعياء شديد فيقول جلال: لو حضرتك تقدر تتكلم يا عم نبيل، فياريت تحكي لنا على اللي حصل بالضبط.
العم نبيل: أنا كنت باشقر على الأرض، ورجلي خدتني لحد البير الشرقي، لمحت اتنين بيحاولوا يفتحوا رشاشات الري، صرخت فيهم وسألتهم هم مين و بيعملوا إيه، فجأة حد منهم ضربني بعصاية خشب على دماغي، حاولت أستنجد بحد، ما عرفتش، وخصوصًا إن تليفوني كان فاصل شحن وكنت سايبه هنا عشان يشحن، بس ما قدرتش أفضل كتير، وقعت من طولي قبل ما أوصل لحد، وما حسيتش بحاجة تاني لحد ما فوقت وشوفتكم.
جلال: الاتنين دول كانوا مين يا عم نبيل؟
العم نبيل: عمري في حياتي ما شفتهم قبل النهاردة يا ابني.
فؤادة: طب دخلوا المزرعة إزاي؟
محمد: يبقى لازم نشيك على أسوار المزرعة بالكامل، ما نضمنش هم ممكن يدخلوا لنا تاني منه وإلا إيه.
لتنهض فؤادة قائلة بخفوت: هبعت لك أكل يا عمي، وهشوف إيه الأدوية اللي هتحتاج تاخدها وهبعت أجيبها لك، وأنت استريح.
وبصت للسائس وقالت له: خليك معاه يا إبراهيم، أو ابعت له محمود يقعد معاه، أوعوا تسيبوه لوحده.
والتفتت وخرجت دون أي كلمة أخرى، فيذهب محمد خلفها مسرعًا وهو يأخذها تحت جناحه أثناء سيرها داعمًا إياها، وخرج جلال وإخوته خلفهم، ليعودوا جميعًا إلى المنزل، لتستقبلهم النساء بلهفة وجزع، ولكن محمد وعارف قاموا بطمأنتهم، وطلبت فؤادة أن يرسل أحدهم طعامًا إلى العم نبيل، وطلبت من حسين برجاء مهذب أن يكتب كل ما يحتاجه العم نبيل من أدوية حتى ترسل في طلبها، واتجهت إلى غرفتها لتغيب ما لا يتعدى العشرون دقيقة، لتعود إليهم بعد أن اغتسلت وبدلت ثيابها، واتجهت من فورها إلى غرفة المكتب الخاصة بأبيها لتناديها حسنة قائلة: مش هتاكلي لك لقمة يا بنتي، ده أنتِ على لقمة الفطار.
فؤادة: اعذريني يا أمي، اتفضلوا أنتم كلوا، وأنا هراجع حاجة وبعدين هاكل على طول.
ليذهب جلال خلفها وأغلق الباب دونهم ثم قال بتعاطف: فؤادة.
وكانت قد جلست خلف مكتب أبيها وقامت بإخراج شرائط المراقبة وتجهيزها لكي تقوم بمشاهدتها، ولاحظ إنها تحرك يدها السليمة ببعض الثقل، وعندما قام جلال بالنداء عليها رفعت إليه عيونها فقال مستكملًا حديثه: أنتِ النهاردة أجهدتِ روحك أكثر من اللازم، وحاسس إن حركة كتفك مش تمام، أنتِ كتفك بيوجعك؟
لتعود فؤادة بعينيها إلى الأجهزة أمامها وتقول باقتضاب: أما أعرف الأول هم دخلوا منين وإزاي، أبقى ألتفت لأي حاجة تانية.
ليتنهد جلال ويجلس بالقرب منها متسائلًا: هو مش المفروض إن بيبقى في حد شغلته الشاشات دي، ويبقى مراقبها باستمرار؟
فؤادة: الشاشات دي في نسخة تانية منها عند البوابة، وما حدش يعرف إن النسخة دي موجودة هنا غير أنا وبابا وعمي نبيل.
جلال: يعني المفروض الأمن كان شايف اللي حصل ومتابعه لحظة بلحظة؟
فؤادة: المفروض.
جلال بحدة حاول السيطرة عليها ولكنه فشل فشلًا ذريعًا: يعني في حد من الحرس اللي على المزرعة خان وباع؟
فؤادة بحزن: ما لهاش تفسير تاني، بس لازم أتأكد الأول قبل ما أحكم على أي حد.
وقامت فؤادة بتشغيل أشرطة المراقبة شريطًا تلو الآخر حتى وجدت بأحد الأشرطة في السور الخلفي للمزرعة، والتي تفصل أرض المزرعة عن مزرعة الزيني، شاهدوا من يخرج من الأرض في بقعة معينة ووراءه شخص آخر وهما يتلفتان يمينًا ويسارًا، وبعد أن شاهدوا جميع ما حدث، وجدوهم يعودون من حيث أتوا.
فؤادة ببهوت: دول حفروا نفق من عندهم لعندنا، طب لو ردمناه دلوقتِ، هنضمن منين إنهم ما يعملوش غيره؟
جلال: الشرايط دي أكبر دليل عليه وعلى اللي عمله، ولازم تتقدم للبوليس.
فؤادة: أنا حاليًا يعتبر ما عنديش محامي.
جلال: ما تقلقيش، المحامي بتاعي موجود وأمين، وأهل للثقة، هكلمه يجي لنا فورًا، بس مبدئيًا لازم يبقى في حرس على النفق ده، ومش المفروض نردمه قبل ما البوليس يعاين ويتأكد من صدق كلامنا.
فؤادة بامتنان: أنا متشكرة أوي، تعبتك معايا النهاردة بزيادة.
وقبل أن يجيبها جلال بأي كلمة، يستمعون لطرق خفيف على الباب، وعندما سمحوا للطارق بالدخول، وجدوا حسنة بصحبة ماجدة وهي تحمل بعض الطعام لتضعه أمامهم، ووجدوا حسنة قد أغلقت الباب خلفهما، وقالت: أنا عوزاكم تاكلوا، وأنتم بتاكلوا تسمعوا ماجدة كويس عشان هتحكي لكم على حاجة مهمة، بس الكلام اللي هتسمعوه ده مش عاوزة حد غيرنا يعرفه.
فتبادل جلال وفؤادة نظرات مليئة بالدهشة ثم أشار جلال لماجدة سامحًا لها بالحديث، فقالت بوجل: أنا خالتي تبقى أم سالم اللي بتشتغل في بيت عم حضرتك يا سى جلال، والست ندا هي اللي خلتني أجي أشتغل هنا عند الست فؤادة، عشان أنقل لها أخبار الست فؤادة وأخبار المزرعة أول بأول.
رواية فؤادة الفصل السابع عشر 17 - بقلم ميمي عوالي
بعد أن صمتت ماجدة عن الحديث، تبادل جلال وفؤادة النظر لبعضهما البعض دون تعليق، ثم عادوا ببصرهم مرة أخرى لحسنة التي قالت لهما:
حسنة: أنا ما كنتش ناوية إني أعرفكم حاجة وكنت هتصرف من نفسي، لكن بعد اللي حصل النهاردة ده متهيألي الموضوع ده ما يتسكتش عليه.
جلال موجهاً كلامه لماجدة: وهي ندا عرفت توصلك لحد عندنا إزاي؟ المفروض إن أم إبراهيم هي اللي جابتك مش ندا.
ماجدة وهي تطأطئ رأسها خزياً: لما حضرتك قلت للخالة أم إبراهيم إنك عاوز واحدة عشان تساعد الست فؤادة على ما تخف، الست ندا كلمت خالتي وطلبتني منها، لأنها كانت شافتني مرة عند عزت بيه في البيت وأنا رايحة لخالتي وكنت بستلف منها فلوس عشان أجيب علاج لأمي. وخالتي كلمتني وقالت لي إنها لاقت لي شغلانة هكسب من وراها قرشين حلوين أقدر بيهم أساعد في المعايش بعد ما أبويا رقد وما بقاش يقدر على الشغل، وخلت خالتي تكلم الخالة أم إبراهيم وتقول لها إنها تاخدني معاها في الشغل عشان ظروفي وحشة. ولما الخالة أم إبراهيم قالت لخالتي إني ممكن أروح أشتغل معاها، خالتي كلمتني وخلتني روحت لها بيت عزت بيه، عشان أقابل الست ندا. ولما روحت لها
فلاش باك:
ندا: اسمعي يا ماجدة، أنا جايبالك شغل تقبضي منه بدل المرة مرتين، مرة من اللي هتشتغلي عندهم، والتانية مني، بس أنا بقى هديكِ اللي قد اللي هم هيدهولك كمان مرتين… إيه رأيك؟
ماجدة بفرحة: رأيي في إيه يا هانم؟ ده أنا رقبتي ليكي، واللي تأمريني بيه أنفذهولك على طول.
ندا: برافو عليكي. وأنا مش طالبة منك حاجة غير إنك وإنتي شغالة تفتحي عينيكي، وترطقي ودانك كويّس. إنتي هتشتغلي في بيت عمي، ويمكن يبقى وقتك كله مع اللي اسمها فؤادة. مش عاوزاكي تسهي عنها ولا عن جلال. الاتنين دول بالذات ركزي معاهم. وعاوزاكي تبلغيني بدبة النملة، أي حاجة تحصل، تكلميني تبلغيها لي بالتفصيل. وحسّي عينك حد يعرف الكلام ده، هتلاقي نفسك إنتي وأهلك مرميين بره البلد خالص، وبدل ما كنتِ هيبقى معاكي قرشين حلوين، مش هتلاقي اللقمة الناشفة حتى عشان تاكليها.
باكو اديتيني المحمول ده وسجلت لي عليه رقمها، ولازم كل يوم تكلميني عشان تعرفي كل حاجة بتحصل في البيت.
جلال: وإيه اللى نقلتيه لها من أخبارنا من ساعة ما جيتي تشتغلي عندنا يا ماجدة؟
ماجدة بخجل: كل اللي كنت بشوفه يا سي جلال، كل حاجة. بس والله خلاص يا سي جلال ما عدتش أبداً أبلغهم حاجة. حتى خلي المحمول معاك عشان لا أكلمهم ولا يكلموني من تاني.
جلال باستغراب: هو كان في حد بيكلمك غير ندا؟
ماجدة: أيوه يا سيدي، في واحد تاني بقى يكلمني كل يوم من بعد ما جينا هنا. وساعات هو والست ندا يكلموني في نفس اليوم.
جلال: ومين الراجل اللي بيكلمك ده؟ تعرفه؟
ماجدة: لا يا بيه، ولا حتى أعرف اسمه. هي بس الست ندا قالت لي إن في واحد هيكلمني يسألني على الأخبار، ولما يكلمني أحكيله كل حاجة.
جلال: وكلمك إمتى آخر مرة؟
ماجدة وهي تنكس رأسها: النهاردة الصبح يا سيدي. وسألني على الضيوف إن كانوا وصلوا ولا لسه.
جلال: وإيه قولتي له؟
ماجدة بخفوت: قلت له إنكم متجمعين كلكم في الجنينة، وإننا هنبدأ نحضر الغداء.
جلال: وإيه بقى اللي خلاكي فجأة كده ضميرك صحي؟ ولا حد قفشك وإنتي بتديهم التقرير اليومي بتاعك؟
لتنخرط ماجدة في البكاء بينما قالت حسنة: لا يا ابني، ماجدة هي اللي جت وقالت لي على كل حاجة منها لنفسها النهاردة وهي ندمانة إنها سمعت كلام ندا من البداية.
ماجدة من وسط نشيجها: والله يا سي جلال ما كنت أعرف إنك أخو الدكتور حسين. أنا ما شفتهوش في البيت بتاع سعادتك ولا مرة. والدكتور له في رقبتي جميل عمري ما أقدر أنساه أبداً.
جلال: خلاص يا ماجدة، روحي إنتي دلوقتي. والكلام اللي حصل هنا ده ما يطلعش لحد أبداً. وسيبِ لي تليفونك ده شوية لحد أما أقرر أنا هعمل إيه.
ماجدة بخوف: أنا مش عاوزاها تأذي حد من أهلي يا سي جلال. إحنا ناس غلابة وعلى قد حالنا، وبنكمل عِشا نوم زي ما بيقولوا، ما نحتكمش من الدنيا غير على حتة البيت اللي أوينا تحت سقفه.
فؤادة: ما تخافيش يا ماجدة. وحتى لو حصل حاجة زي كده، المزرعة هنا مفتوحة لكِ إنتي وأهلك كلكم.
لتنحني ماجدة مسرعة على كف فؤادة تنوي تقبيلها، ولكن فؤادة أبعدت نفسها عنها وهي تقول: بكفياكي ذنوب بقى، وأوعي تعملي الحركة دي تاني مرة مع أي حد. ويالا، امسحي وشك ده وروحي شوفي اللي وراكي.
لتخرج ماجدة وتغلق الباب خلفها، لتقول حسنة بتنهيدة ثقيلة: كل أما أقول إن النفوس مسيرها تهدى، ألاقيها عملت عملة أنيل من اللي قبلها. حسين لو عرف الحكاية دي كمان، هتبقى الناهية.
جلال بجمود: ما تشغليش بالك يا أمي. وعموماً أنا ما أعتقدش إن في أمل إن حسين يرد ندا تاني.
فؤادة: ربنا يهدي النفوس. بس لو اللي فهمته مظبوط، يبقى وصلوا لبعض إزاي؟
حسنة بفضول: هم مين دول يا بنتي؟
جلال: ماهو بديهي كده إن اللي بيكلم ماجدة ده يبقى الزيني، سبب كل المصايب اللي هنا.
حسنة برفض: لا يا ابني، وهم هيعرفوا بعض منين بس؟
جلال: ماهو ده الكلام اللي محتاج إجابة.
حسنة وهي تنهض من مكانها: أنا مش عارفة، ومش فاهمة. أنا هخرج أشوف الناس اللي بره دول، وإحنا قاعدين هنا وسايبينهم لوحدهم.
فؤادة: عشر دقايق وهتلاقيني خارجة يا أمي. معلش حملتك فوق طاقتك النهاردة وتعبتك معايا.
حسنة: ما تقوليش كده يا بنتي، الله يكون في عونك على اللي حصل النهاردة.
لتخرج حسنة تاركة إياهم في جمود شديد، لتمر عليهم الدقائق في صمت مطبق، وكل منهم غارق في أفكاره. وكانت فؤادة هي أول من تحدث فقالت: تفتكر الزينى هو اللي كان بيكلم ماجدة، ولا حد تاني؟
ليمسك جلال بالهاتف الذي أخذه من ماجدة وقام بفتحه والعبث به، ليجد أن الهاتف غير مسجل عليه سوى رقم واحد، وهو الرقم الخاص بندا. ولكن وجد رقماً آخر قام بالاتصال بماجدة عدة مرات، فقال لفؤادة: هو أنتي معاكي نمرة اللي اسمه الزيني ده؟
فؤادة وهي تنفي برأسها: لا.
لينهض جلال بعد أن سجل الرقم على ورقة ودسها في جيب بنطاله واتجه إلى الخارج وهو يقول: هشوف كده لو رقمه مع حد من الحرس اللي موجودين.
فؤادة: وهنعمل إيه في النفق؟
جلال: ما تقلقيش، هعين عليه حراسة، لحد ما المحامي يقدم البلاغ ويقول لنا نعمل إيه.
ثم تركها وغادر الغرفة، لتنهض هي الأخرى متجهة إلى الخارج لتجد الجميع يجلس بالبهو وهم يحاولون فهم ما جرى من أحداث، بينما جلال يقف عند الدرج وهو يتحدث مع عارف في أمر ما.
وعندما لمحها محمد نهض من مكانه وأشار لها لتذهب وتجلس تحت جناحه وهو يقبل رأسها قائلاً: أنا عاوزك تبقي قد الموقف زي ما اتعودت عليكي دايماً، وأوعِكِ تخافي، إحنا كلنا حواليكي، وأنا مش هسيبك قبل ما أطمن عليكي.
لتبتسم فؤادة رابتة بيدها على قدم محمد وهي تقول: تسلم لي يا رب، أنا عارفة ومتأكدة من ده من غير ما تتكلم.
عايشة: قلبي معكِ فؤادة، والله ما بعرف ليش الناس عم تعمل هيك في بعضهن.
فؤادة: ربنا يرحمنا برحمته يا عايشة، الحمد لله، وسامحيني ما عرفتش أرحب بيكي، بس إن شاء الله تتعوض.
عايشة بابتسامة: حبيبتي لا تحملي همي، وعلى بكير بتلاقي كل شي بخير.
فؤادة: يارب يا عايشة.. يارب.
نهاد: طب وإنتي يا فؤادة… ناوية تعملي إيه؟ هتبلغي؟
فؤادة: أيوه، استا……. أقصد جلال هيخلي المحامي بتاعه يعمل بلاغ، وهنشوف الدنيا هترسي على إيه.
ثم نهضت فؤادة من مجلسها وقالت: أنا هسيبكم عشر دقايق بس، هروح أطمن على عمي نبيل وهاجي على طول.
لينهض حسين قائلاً: أنا هاجي معاكي يا فؤادة عشان أبص عليه قبل ما أمشي.
فؤادة: هو حضرتك ناوي تسافر النهاردة؟
حسين بابتسامة: ما إنتي عارفة، أنا عندي شغل في المستشفى، وما أقدرش أسيبه كده.
لتنظر فؤادة إلى عارف الذي كان مازال يتحدث مع جلال وقالت وهي لازالت تحدث حسين: واستاذ عارف هو كمان هيرجع معاك برضه النهاردة؟
حسين: الحقيقة مش عارف، بس تعالي الأول نشوف عم نبيل ولما نرجع نبقى نشوف.
محمد: تحبي أجـي معاكم؟
فؤادة وهي تنهض من مكانها: ما فيش داعي، خليك عشان البنات وإحنا مش هنتأخر.
لتذهب فؤادة وحسين في اتجاه الباب لينتبه لهم جلال فيقول بصوت عالٍ: إنتوا رايحين فين كده مع بعض؟
لتلتفت فؤادة إلى جلال قائلة: هنبص على عمي نبيل عشان أطمن عليه.
ليترك جلال عارف واقفاً مكانه ويتجه إليهم قائلاً: مش أنا قلت لك إني رايحه له، هتروحي ليه إنتي كمان؟
فؤادة: عاوزة أطمن عليه ومحتاجة أسأله على حاجة.
لينظر إليها جلال بغيظ ثم يسبقها إلى الخارج قائلاً: طب يلا بينا، اتفضلي.
وعندما ذهبوا إلى سكن العم نبيل، وجدوا أن السايس مازال بجانبه وكان يناوله الأدوية التي قد طلبها له حسين.
فؤادة: عامل إيه دلوقتي يا عمي، طمنني عليك.
العم نبيل: الحمد لله يا بنتي على كل حال، طمنيني إنتي عليكي.
فؤادة وهي تحدث السايس: روح إنت اتغدى وشوف حالك وتعالى تاني، أنا هقعد مع عمي نص ساعة، بس ما تتأخرش.
السايس: حاضر يا ست فؤادة، ومش هعوق عليكم.
بعد أن خرج السايس، قامت فؤادة من مكانها لتتأكد أنه لا يوجد أحد في المكان وقامت بإغلاق الباب وعادت إلى العم نبيل وقالت: عمي… أنا عاوزة أقول لك على حاجة، بس من غير ما تتعصب أرجوك، عاوزاك تبقى هادي عشان نقدر نفكر سوا.
العم نبيل: خير يا بنتي، اتكلمي على طول من غير قلق.
فؤادة بتردد: أنا شاكة إن في حد من الأمن اللي على البوابة بيشتغل لحساب الزيني.
العم نبيل بفضول: وإيه اللي خلاكي تقولي كده؟
فؤادة: المزرعة معمول فيها نفق يا عمي من عند السور الخلفي ما بينا وبين الزيني، يبقى إزاي اللي بيراقب الكاميرا ماشافش الكلام ده؟ طب لو ماشافهوش، معقول كمان ماشافهمش وهم خارجين منه ولا وهم بيعتدوا عليك؟ ده لولا إن ربنا كاتب لك النجاة، ما كانش بعتنا أنا وجلال أبداً ولا كنا شوفناك ولحقناك.
العم نبيل: يعني الكاميرات مصورة كل ده؟
فؤادة: أنا مش هكذب عليك وأقول لك إني شفت الحفر، لأن ما اتفرجتش على كل الشرائط، بس أنا شفتهم وهم طالعين من النفق، يبقى أكيد لما حفروا كانوا واضحين برضه في الكاميرا.
العم نبيل: عندك حق. عموماً، هم تلاتة اللي مسؤولين عن الكاميرات، وممكن نحقق معاهم.
جلال: وهو لو حققنا معاهم هتلاقي اللي عمل كده هيعترف بسهولة برضه.
العم نبيل: طب والحلف؟
فؤادة: أنا عاوزة أرقام تليفونات التلاتة بأسمائهم.
جلال: هتعملي إيه؟
فؤادة: هتصرف، ما تقلقش.
ليمد العم نبيل يده ملتقطاً هاتفه، ويبدأ في البحث عن الأسماء الثلاثة بأرقام هواتفهم.
لتحصل فؤادة على الأرقام، وبعدها يقول جلال: معلش يا عم نبيل، بس عاوزك ترشح لي أربع رجالة تثق فيهم عشان يحرسوا مدخل النفق على ما البوليس ييجي يعاين.
نبيل: ما تقلقش، أنا هتصرف في الحكاية دي.
حسين بعد أن انتهى من تغيير ضمادة رأس العم نبيل: أنا مش عاوزك تجهد نفسك يا راجل يا طيب، الحمد لله إنت بخير، بس المفروض ترتاح يومين تلاتة.
العم نبيل بابتسامة: ما تقلقوش عليا، ده حتى بيقولوا الدهن في العتاقي.
ليمد جلال يده بالورقة المدون عليها رقم من يقوم بالاتصال بماجدة وقال للعم نبيل: ما تعرفش الرقم ده بتاع مين يا عم نبيل؟
ليمد العم نبيل يده ملتقطاً الورقة ليقوم بضرب الأرقام على هاتفه ثم يرفع رأسه إلى جلال قائلاً: دي نمرة من نمر الزينى.
بعد عودة فؤادة إلى المنزل قامت بالنداء على ماجدة، وطلبت منها الصعود معها إلى غرفتها كي تساعدها في شيء ما، وطلبت من جلال أن يصعد معهما. وعندما صعدا إلى الأعلى قاما بالدلوف إلى حجرة جلال، وبعد إغلاق الباب قالت فؤادة لماجدة: عاوزاكي تكلمي الراجل اللي بيكلمك دلوقتي وتحكيله عن اللي حصل النهاردة كله بالحرف الواحد.
جلال بفضول: طب مش تفهميني الأول بتعملي كده ليه؟
فؤادة: هفهمك، بس الأول خرج لي الشريحة اللي في تليفون ماجدة وهاتها. وبعد أن أعطاها جلال الشريحة، قامت بتركيبها في هاتفها الحديث، وقامت بالاتصال على رقم الرجل الذي يحدث ماجدة وقامت بفتح الصوت وتسجيل المكالمة، وما أن رد عليها قال بصوت متهكم: إيه الأخبار عندكم؟
ماجدة: كلهم متجمعين بعد اللي حصل النهاردة.
الرجل: وإيه اللي حصل النهاردة؟
وأخذت ماجدة تقص عليه ما حدث وهو يقاطعها من الحين والآخر مستفسراً عن شيء ما حتى قال في النهاية: فتحي عينك كويس وصحصحي لكل اللي بيحصل، ولو حصل حاجة جديدة كلميني فوراً.
وبعد أن انتهت المكالمة، أعادت ماجدة الشريحة إلى هاتف ماجدة وقالت لها: خلاص، روحي إنتي يا ماجدة، وهبقى أديكي التليفون لما أنزل. ولو ندا كلمتك بلغيها نفس الكلام من غير زيادة… مفهوم؟
ماجدة: حاضر يا ست فؤادة، بس لو الراجل ده كلمني تاني أقول له إيه؟
فؤادة: ما ترديش عليه، إلا لما تديني خبر، اتفقنا.
ماجدة: أمرك يا ستي.
فؤادة: خلاص، روحي إنتي.
وبعد خروج ماجدة، نظر إليها جلال وقال بفضول: مش هتفهميني، إنتي ناوية على إيه؟
لتذهب فؤادة باتجاه خزانة الملابس لتفتحها وتخرج منها حقيبة كمبيوتر محمول، وتقوم بتوصيله بقابس الكهرباء وهي تقول: اللاب توب ده كان بتاع بابا الله يرحمه، وعليه برنامج بيمنتج الكلام.
جلال باستغراب: وده لزمته إيه دلوقتي، هتستفيدي منه إيه؟
فؤادة وقد بدأت بتوصيل هاتفها بالكمبيوتر: هشيل صوت ماجدة، وهخلي صوت الراجل ده.
جلال: وبعدين؟
فؤادة: هسيب بس صوته وهو بيقول إيه الأخبار عندكم.
جلال: وبعدين؟
فؤادة: هنتصل على الأرقام التلاتة، واحد واحد، ونسمعه السؤال اللي بصوت الراجل ده ونشوف مين فيهم اللي هيرد عليه بالأخبار.
جلال: طب وهتكلميهم من تليفون مين؟ ما المفروض إن اللي بيتعاون معاه مسجل رقمه.
فؤادة: اهي محاولة، بس طبعاً محتاجة تليفون غير تليفوني وتليفونك، لأني كنت اديت نمرتك لعمي نبيل، فممكن تكون راحت لحد فيهم برضه.
جلال: ناخد تليفون عارف أو حسين.
فؤادة: لا، الأحسن تليفون محمد، لسه نازل مصر والخط اللي معاه أكيد لسه ما حدش عارفه. أنا هنزل أجيبه وأيجي.
لينهض جلال قائلاً بحزم: لا.. خليكي إنتي، أنا هجيبه على ما إنتي تخلصي اللي بتعمليه.
ليتركها ذاهباً إلى الأسفل ثم ينادي على محمد وهو يقول بحرج: كنا محتاجين نتكلم معاك.
لينهض محمد متجهاً إلى جلال قائلاً بمودة: خير، أؤمرني في حاجة ولا إيه؟
جلال بتردد وقد بدأ يقرع نفسه على أنه وضع نفسه في هذا الموقف: الحقيقة كنا محتاجين الموبايل بتاعك.
محمد بدهشة: تليفوني أنا… خير؟
جلال بحرج: أبداً محتاجين نعمل كام مكالمة من رقم ما يكونش حد يعرفه.
محمد وهو يخرج هاتفه من جيبه: آه طبعاً اتفضل بس استنى أفتحهولكم.
قام محمد بفتح الهاتف وإلغاء الكود السري، ثم أعطاه لجلال بابتسامة قائلاً: اتفضل ياسيدي.
جلال باحراج وهو يعود إلى الأعلى: متشكر أوي… عن إذنك.
وعندما عاد إلى فؤادة وجدها قد انتهت مما تفعل وأخذت منه هاتف محمد، وأوصلته بالكمبيوتر، وقامت بالاتصال بالرقم الأول. وعندما قام صاحب الهاتف بالرد، قامت فؤادة بتشغيل الجملة التي اقتصتها من مكالمة ماجدة: إيه الأخبار عندكم؟ وما كان جواب الرجل إلا تساؤل واضح… مين معايا؟
تغلق فؤادة الخط، وبعدها بدقيقتين قامت بالاتصال على الرقم الثاني والذي كان يخص شخصاً اسمه عادل. وما أن سمع الجملة المقتصة حتى قال: كله تمام يا باشا، وكل أوامرك اتنفذت بالحرف الواحد.
لتغلق فؤادة الخط وتقول: يبقى اللي اسمه عادل ده هو الجاسوس بتاع الزيني، ولازم يمشي من هنا.
جلال: لا.. يمشي إيه، إحنا الكلام ده كله نحطه قدام البوليس وهما يتصرفوا.
فؤادة: وأنا لسه هستنى البوليس، افرض دبروا لحاجة تانية قبل ما البوليس يتحرك.
وقبل أن يجيبها جلال سمع رنين هاتفه وعندما أخرجه من جيب بنطاله نظر إلى فؤادة قائلاً: ده المحامي. ثم قام بالرد على الهاتف قائلاً: السلام عليكم، إزيك يا متر.
المحامي: وعليكم السلام يا جلال بيه، أنا حبيت أبلغك إني حالياً موجود هنا في قسم البوليس التابع ليه المزرعة.
جلال: وإيه الأخبار.. طمنني.
المحامي: أنا خلاص قدمت البلاغ، باسمك طبعاً لأن ما معيش توكيل من مدام فؤادة، والحقيقة الظابط اللي كان ماسك قضية ضرب النار على مدام فؤادة، لما كلمته وحكيت له على اللي حصل خدمني كتير، لما اتواصل مع الظابط المسؤول هنا.
جلال: يعني إيه اللي هيتم؟
المحامي: الصبح إن شاء الله هيبقى فيه معاينة، ومش عاوزك تقلق أبداً، كل شيء هيبقى تمام إن شاء الله. رغم إن المفروض والأحسن لو إن الراجل اللي انضرب عندكم كان اتنقل المستشفى واتقدم بحالته تقرير طبي.
جلال: إحنا وقتها كنا كل اللي بنفكر فيه إننا نسعفه، وما جاش في بالنا أبداً أي شيء تاني.
المحامي: عموماً، طالما كل شيء متسجل بالكاميرات، فده برضه خطوة كبيرة في مصلحتنا.
جلال: أنا متشكر جداً يا متر، تعبناك معانا.
المحامي: لا شكر على واجب، وكمان ده شغلي يا جلال بيه.
جلال وهو ينظر إلى فؤادة متسائلاً: طب هو حضرتك ناوي تبات فين الليلة دي؟
المحامي: هتصرف، ما تقلقش.
فأشارت له فؤادة بأن يدعوه للمبيت لديهم فاستطرد جلال قائلاً: لا ماتتصرفش، حضرتك تيجي على هنا وهتنورنا على مانشوف هنعمل إيه.
المحامي: مش عاوز أتقل عليكم.
جلال: لا أبداً ما تقولش كده، ده حتى العيلة كلها متجمعين هنا.
المحامي: ربنا يجعله عامر يا سيدي، خلاص أنا هسأل على الطريق، وبمشيئة الله أبقى عندكم في ظرف نص ساعة.
جلال: تنورنا.. إحنا في الانتظار.
وبعد أن أغلق الهاتف، قال: هو فيه مكان هنا ممكن يبات فيه؟
فؤادة: ما تقلقش، البيت كبير، وهي ساعنا إن شاء الله.
جلال: طب يلا ننزل لهم ولا إيه؟
فؤادة: يلا، وزمان محمد عاوز التليفون.
ليقول جلال بنوع من الحزم: أنا مش عاوز أضغط على أعصابك بزيادة، بس ما بحبش أكرر كلامي كتير يا فؤادة، أنا مش عاجبني قعدتك في حضن محمد كل شوية، ما يصحش.
لتنظر له فؤادة بامتعاض، وتنفخ قائلة باعتراض: هو ما فيش فايدة، كل شوية نفس الكلمتين، هو إنت لو كان عندك أخت كنت هتتعامل معاها إزاي، ولا كنت هتقاطعها ولا إيه بالظبط أنا مش فاهمة.
جلال: أنا مش عاوز نقاش كتير واسمعي الكلام من سكات.
فؤادة بعناد: طالما إني ما بعملش حاجة عيب ولا حرام، ما حدش يقدر يقول لي أعمل إيه وما أعملش إيه. ثم مش يمكن ربنا بعته لي هو والبنات عشان على الأقل ما أحسش إني لوحدي وسط اللي بيحصل لي ده كله.
لينظر لها جلال بغضب ثم يتجه إلى الباب ليفتحه ويتجه إلى الأسفل دون أن يعقب على حديثها.
أما فؤادة فوقفت تراقبه بذهول ثم قالت وهي تحدث نفسها: هو إيه، عاوز يتحكم في اللي حواليه بأي طريقة، أعوذ بالله.
ثم اتجهت هي الأخرى إلى الأسفل وعندما انتهت من نزول الدرج قالت بصوت عالٍ وهي تحاول إضفاء المرح على حديثها: والله يا جماعة كنت ناوية إني أستضيفكم استضافة سبع نجوم، بس للأسف، أديكوا شفتوا اللي حصل بنفسكم.
سلمى: أنا عاوزاكي تقعدي شوية يا فؤادة، اليوم كان طويل أوي عليكي، وأكيد تعبتي.
نهاد: وأكيد جوعتي، وشكلك ما أكلتيش.
حسنة: هو إنتوا ما أكلتوش يا ولاد لما دخلت لكم بالأكل؟
فؤادة: أبداً والله يا أمي، ما لحقناش.
نهاد: وإحنا ما اتعشيناش، تعالي يلا نتعشى سوا، أنا قلت للخالة أم إبراهيم وماجدة يحضروا لنا العشا.
ليقول حسين موجهاً حديثه لجلال: أنا نسيت خالص موضوع العربية، هي خلصت ولا لسه؟
جلال وهو يخبط على مقدمة رأسه: يااااه، أنا نسيت خالص يا حسين، المفروض إنهم عند البوابة بعتوا حد يصلحها ويجيبها، بس اللي حصل خلاني أنسى أتابع اللي حصل. هروح أشوفهم عملوا إيه.
لينهض عارف متوجهاً إلى الخارج وهو يقول: طب أنا هروح أسأل أنا كده وأشوف الأخبار، خليك إنت يا جلال، أحسن إنت استويت برضه النهاردة.
فؤادة: الدنيا ضلمت يا دكتور والوقت آخر، خليك بقى للصبح، وامشي بدري بدل ما تسوق بالليل.
حسين: مش هتفرق بقى يا فؤادة سواد الليل، كده كده همشي.
فؤادة: أديك قلتها بنفسك، مش هتفرق سواد الليل، يبقى خليك للنهار أحسن، النهار له عينين.
حسنة: اسمع كلام فؤادة يا حسين، أنا ما بحبش السواقة بالليل يا ابني، وكمان على طرق السفر دي.
حسين: طب لما عارف ييجي بس وأشوف رأيه إيه، لأننا كنا هنمشي سوا.
وجلسوا يتجاذبون أطراف الحديث حتى عاد إليهم عارف وقال: العربية جت برة، بس لسه فيها شغل، والميكانيكي بيقول إنها مش هتخلص قبل بكرة آخر النهار.
حسين: طب والعمل؟
جلال: مش مشكلة، خدوا عربيتي وقت ما تيجوا تنزلوا، ووقت ما تقدروا ابقوا هاتوها وخدوا عربيتك يا حسين.
ليقول عارف: ما تيجي نشرب سيجارة في الجنينة يا جلال.
فؤادة: نتعشى الأول.
عارف: على ما تحضروا بس، نكون شربنا سيجارة.
وقام عارف بسحب جلال إلى الخارج الذي قال بدهشة: من إمتى بتجيب سيرة السجاير كده قدام أمك عادي؟
عارف: اسمع يا جلال، في واحد قاعد في أوضة الأمن اللي على البوابة، لما روحت عشان أسأل على العربية سمعته بيقول لحد في التليفون: عشان الكلام ده يحصل لازم الكهربا تبقى مقطوعة عن المزرعة كلها عشان ما حدش يقدر يعمل حاجة.
وقبل أن يجيب جلال وجدوا أن البوابة قد فتحت وسيارة المحامي تدلف إلى الداخل.
تبع
رواية فؤادة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ميمي عوالي
خرج المحامي من سيارته، واتجه نحو جلال وعارف. قال جلال وهو يتركهما: "أهلاً يا متر، نورتنا. معلش هسيبك لعارف يحكيلك التطورات، وأنا هرجع لكم على طول إن شاء الله."
تركهم ودلف إلى الداخل مسرعاً، محاولاً السيطرة على خطواته وعصاه. نادى على فؤادة التي ذهبت إليه على الفور وهمس إليها قائلاً: "عاوزك تخلي الأولاد الصغيرين جنبك ما يفرقوكيش. ولو النور انطفى، أو عاواكي يفارقوكي."
ردت فؤادة همسه بهمس: "إيه اللي حصل؟"
قال جلال مسرعاً: "عارف سمع حد عند البوابة كان بيتكلم في التليفون إنهم ناويين يعملوا حاجة، بس هيقطعوا الكهربا قبلها."
فؤادة: "النفق، ممكن يعدوا منه تاني ويعملوا أي مصيبة تانية في الضلمة."
جلال: "أنا رايح أشوف الحراسة هناك أخبارها إيه."
فؤادة: "مش هتقدر توصل في الضلمة بسرعة. كلم عمي نبيل، هو هيعرف يتصرف."
قال جلال وهو يتجه إلى الخارج: "أنا رايح له."
عادت فؤادة للداخل، وذهبت إلى غرفة المكتب لدقيقة واحدة، ثم عادت مرة أخرى إلى مجلس الجميع. نادت سلوى وأدهم وأجلستهم بجوارها من الجانبين. نظرت إلى ليلى الغافية في أحضان حسنة قائلة: "تحبي آخد منك ليلى أطلعها فوق يا أمي؟"
قبل أن تجيبها حسنة، تفاجأوا بانقطاع الكهرباء. قالت فؤادة بجمود: "كل واحد يفضل مكانه. وخذي بالك من ليلى يا أمي. ويا ريت يا دكتور حسين أنت ومحمد تفضلوا هنا. وما تقلقيش يا أمي على سلوى وأدهم، أنا هاخد بالي منهم."
عندما أضاء حسين المكان بهاتفه، لم يجد فؤادة والصغار بمكانه.
نهاد: "هو مش المفروض فيه مولد كهربا بيشتغل في الطوارئ؟ ليه اتأخر كده وما اشتغلش؟"
عائشة: "والله الجو حلو وشاعري."
سلمى: "وهي فؤادة راحت فين بالعيال في الضلمة دي؟"
ماهي إلا ثوانٍ واستمعوا إلى طلقات نارية ونباح كلاب عالٍ يأتي من المزرعة.
لينهض حسين باضطراب قائلاً: "فؤادة خرجت بالولاد برة."
وبعد ثوانٍ، سمع حسين صوت هاتفه ليجد أن المتصل جلال. قال له: "حسين، أوعاك تسيب الحريم عندك لوحدهم. وما حدش يخرج برة البيت."
حسين باضطراب: "فؤادة مش هنا، ومعاها أدهم وسلوى."
جلال بغضب: "راحوا فين؟"
حسين: "ما أعرفش. فجأة ما لقيناهاش قدامنا، لا هي ولا الولاد، بعد ما قالت لأمي إن الولاد معاها وما تقلقش عليهم."
جلال بغضب أكبر: "ما فيش فايدة في جنانها وعدم مسؤوليتها. أنا جايلكم حالا."
حسين: "هو عارف معاك؟"
جلال وهو يلهث ويبدو المجهود على صوته: "لا، أنا سايبه عند الباب من برة."
حسين: "طب أنا هخرج أشوفه."
جلال بثورة: "ما حدش يتحرك من البيت ولا يخرج منه."
حسين: "طب مش تفهمني الأول إيه اللي حصل؟"
جلال: "بعدين يا حسين، المهم ما حدش يتحرك منكم ولا يطلع من الباب."
وقبل أن يجيبه حسين، كان جلال قد أغلق الخط.
قال محمد بهدوء: "فهمت منه حاجة؟"
حسين: "أبدا. كل اللي طالع عليه ما حدش يطلع برة."
حسنة بقلق: "طب والولاد، وعارف وفؤادة... وجلال ذات نفسه؟"
حسين بقلة حيلة: "مش عارف يا أمي، مش عارف."
ليقترب محمد من إحدى النوافذ المطلة على ساحة المنزل، ليجد أن المكان بالخارج غارقاً في الظلام. فيقول: "ممكن يكون حرامية هاجموا على المزرعة وهم اللي فصلوا الكهربا."
سلمى: "طب ما تيجي نبص على المحول يا محمد، يمكن نعرف نشغله."
حسين: "هو انتوا عارفين مكانه؟"
وقبل أن يجيب أحدهم، كانت الإضاءة قد عادت للمنزل، ولكن الظلام ما زال يلف المنزل من الخارج.
لتنهض نهاد من مجلسها قائلة بلهفة: "أكيد البت فؤادة هي اللي رجعت الكهربا. طالما الدنيا لسه ضلمة برة، يبقى أكيد نزلت تحت."
حسين باستفهام: "تحت فين؟"
سلمى: "في محول بينور البيت، بس موجود تحت في البدروم."
حسين بتساؤل: "وهو فين مدخل البدروم ده؟"
أتتهم صوت فؤادة: "من المطبخ يا دكتور."
ليجدوا فؤادة ومعها الصغار، وكل منهم يلبس خوذة على رأسه ملحقة بكشاف للإضاءة.
حسنة بلهفة: "فزعتينا عليكم يا بنتي."
فؤادة بهدوء: "ليه يا أمي؟ مش أنا قلتلك ما تقلقيش؟"
محمد: "ما نقلقش إزاي بس واحنا مانعرفش انتوا فين، بعد ما سمعنا ضرب النار اللي برة ده؟"
فؤادة وهي تخلع الخوذة من على رأسها: "عندكم حق، أنا آسفة. بس كنت عاوزة أرجع لكم النور بسرعة."
حسين: "وخدتي الولاد معاكي ليه؟"
فؤادة: "جلال قالي ما أسيبهمش."
ليسمعوا طرقات عنيفة على الباب. ليجدوا فؤادة قد أخرجت سلاحاً صغيراً من ملابسها، ووقفت بالقرب من الباب وهي تشير لمحمد قائلة: "افتح يا محمد بالراحة."
وما إن فتح محمد الباب، حتى وجد جلال يقتحم المنزل صارخاً: "فؤادة فين؟"
فؤادة: "أنا أهه."
لينظر لها جلال بدهشة، ثم يقول لحسين: "أومال قلت لي إنكم مش لاقيينها هي والولاد ليه؟"
حسين باضطراب: "أصل..."
لتقاطعه فؤادة قائلة: "أصل أنا روحت أشغل المحول من غير ما أقول لهم."
ليقترب منها جلال ويمسك ذراعها بعنف ويقول غاضباً: "هو انتي مش ناوية بقى في مرة تسمعي الكلام من أول مرة؟ هو أنا مش قلتلك ما تتحركيش من البيت؟"
لتنتزع فؤادة يدها بعنف وتقول بحدة هي الأخرى: "وأنا ما خرجتش من البيت أصلاً."
جلال وهو ما زال على غضبه: "أومال المحول ده فين إن شاء الله؟"
فؤادة: "في البدروم اللي تحت المطبخ."
لينظر لها جلال بغضب وهو يضغط على أسنانه: "تاني مرة ما تتحركيش من مكانك إلا بعلمي، مفهوم؟ وإيه اللي انتي ماسكاه في إيدك ده؟ انتي فاكراها لعبة ولا إيه؟"
لتتبادل النظرات بغضب بغضب، ولكنها عندما لمحت محمد يقف متأهباً وكأنه كان يخشى أن يتشابكا بالأيدي، رمته بنظرة غاضبة، ثم أعادت السلاح إلى جيب تنورتها، وذهبت للجلوس بجانب حسنة التي مدت يدها ورتبت على قدمها بهدوء.
وعندما رفعت فؤادة نظرها إليها، وجدتها تبتسم لها في حنان.
محمد: "طب مش هتقولولنا إيه اللي حصل بالظبط؟"
ليجدوا عارف وهو يدلف إليهم ممسكاً بشخص ما، وفمه وأنفُه ينزفان بشدة، ويداه مكبلتان خلف ظهره، ويقول ضاحكاً: "بصوا جيبتلكم إيه."
ليقول جلال بقوة: "انت كنت فين انت كمان؟ اختفيت مرة واحدة."
عارف بمرح: "كنت بصطاد بالنبلة، ما انت عارف إنها هواية عندي."
لتهدأ ثورة جلال نوعاً ما قائلاً: "واصطادت إيه بقى؟"
عارف: "أهو، زي ما انت شايف كده، غراب أسود."
فؤادة بفضول: "مين ده يا أستاذ عارف، وكان فين؟"
عارف: "أول ما حصل ضرب النار، كل الأمن اللي كان على البوابة راح ناحية المزرعة من جوة. بس في حد ساب الباب الصغير مفتوح، ولقيت أخينا ده بيتسحب زي الحرامية ومعاه واحد تاني وشايلين جركَن بنزين وشكلهم كانوا ناويين يعملوا حفلة باربكيو عندنا."
محمد: "وراح فين الراجل التاني؟"
عارف بمرح وهو يشرح لهم بيده دقته في النشان: "النشان جه ما بين عينيه بالظبط."
فؤادة: "أيوه يعني هو فين دلوقتي؟"
حسين باختصار: "غالباً هيبقى مغمى عليه من الخبطة."
عارف ضاحكاً: "بالظبط كده، ومتكتف ومرمي برة. أما بقى أخينا ده فكان مزاجي أروشه شوية، فنشنت عليه في حبّة أماكن مختلفة، كنت عاوز أسره حي."
ليقترب جلال من الرجل ويجذبه من ملابسه قائلاً بغضب: "كنتوا ناويين تعملوا إيه تاني الليلة دي؟... انطق."
الرجل وقد فقد أسنانه الأمامية بالكامل: "أنا هقول كل حاجة، بس سيبوني."
جلال وهو يسحبه من تلابيب ملابسه: "إحنا لسه هنستناك على ما تقول، وهتف بقوة: عايز حبل بسرعة."
لتنظر له فؤادة قائلة باعتراض: "هتعمل إيه بالحبل؟ ماهو متكتف قدامك أهو، كفاية كده... حرام."
لينظر إليها جلال بغضب قائلاً: "ولما كان هيولع فينا كلنا ما كانش حرام؟"
فؤادة: "البوليس زمانه جاي، يحقق معاه بمعرفته."
جلال بفضول: "وعرفتِ منين بقى إن البوليس زمانه جاي؟"
عارف: "المحامي كلم البوليس، وجاي في السكة."
جلال وهو يتلفت حوله: "هو المتر فين صحيح؟"
عارف: "كان معايا برة ولما حصل اللي حصل، بلغ البوليس وواقف برة المزرعة مستنيه."
جلال وهو يتوعد لفؤادة: "ولما انتي ما خرجتيش من البيت عرفتي منين بقى الكلام ده؟"
فؤادة ببرود: "أنا بلغت بنفسي أول ما سمعت ضرب النار."
لينظر إليها جلال بامتعاض، ثم التفت إلى عارف قائلاً: "انت متأكد إنهم كانوا اتنين بس؟"
عارف: "أيوه متأكد، ومن ساعتها عيني ما غفلتش عن البوابة لحد ما المتر راح اتأكد بنفسه."
عارف: "وضرب النار ده إيه أومال؟"
جلال: "ما كانش من عندنا، كان من برة المزرعة. الظاهر إنه كان بيحاول يشد الانتباه بعيد عن المدخل الرئيسي."
لتقترب فؤادة من الرجل المقيد قائلة: "طيب وانتوا ما طلعتوش من النفق اللي عملتوه ورا ليه، اشمعنى جايين من المدخل الرئيسي؟"
الرجل بخوف وكلامه بالكاد مفهوم بعد أن فقد أسنانه: "عرفنا إنكم نشرتوا الكلاب في المزرعة، وشوفناها من السور وهي عند النفق."
لتومئ برأسها متفهمة. وعندما سمعوا صوت سارينة الشرطة، قالت فؤادة لمحمد: "خلي البنات يرتاحوا بقى يا محمد، ما فيش داعي لقعدتهم دي، هيتعبوا."
محمد: "هدخل عايشة وأرجع لكم."
نهاد: "وأنا هعمل سندوتش وأطلع أكله فوق."
فؤادة وهي تنظر لحسنة: "وحضرتك كمان يا أمي، خدي الولاد وروحوا ارتاحوا. وإن شاء الله لما تصحوا الصبح هيكون كل حاجة خلصت."
وبالفعل، ذهب جميع النساء والصغار، ولم يتبق سوى فؤادة والرجال من حولها. فاتجهوا إلى الخارج، وعارف يجر معه الرجل الذي أصابه. فقابلوا مجموعة من رجال الشرطة يتقدمهم شخص ما قدم نفسه إليهم قائلاً: "النقيب حمدي... تحت أمركم."
وقبل أن تتحدث فؤادة، نظر إليها جلال محذراً وقال: "أنا جلال العشري، وزوجتي تبقى صاحبة المزرعة دي."
حمدي: "إحنا جالنا استدعائين ورا بعض، واحد من المحامي بتاعك، والتاني من زوجة حضرتك."
ليشير جلال إلى الداخل قائلاً: "اتفضل حضرتك جوه، واحنا هنشرح لك كل حاجة."
وبعد أن دلف الجميع إلى الداخل وجلسوا جميعهم، وتعمدت فؤادة الجلوس بجوار محمد، وكأنها تحتمي به وسط نظرات جلال التي لو كانت تحرق لاحرقتها حية. ولكن فؤادة تجاهلته تماماً، وقالت وهي تنظر إليه بتحدٍ: "حضرتك أول حاجة لازم تتعمل، إني بسجل اتهامي للزيني مالك المزرعة اللي بتحاوط مزرعتي بأن رجّالته اقتحموا المزرعة بتاعتي النهارده وحاولوا يغرقوا الزرع بتاعي، وكمان اعتدوا على عمي نبيل بالضرب لما كان هيمسكهم، وحفروا نفق من أرضه لأرضي بدون وجه حق، وأخيراً محاولته من شوية إنه يحرق البيت بتاعي."
النقيب حمدي: "وإيه دليلك إنه هو اللي عمل كل ده؟"
لتشير فؤادة إلى الرجل المقيد قائلة: "ممكن حضرتك تسأله هو وشريكه اللي برة مين اللي سلطهم يحرقوا بيتي؟"
ليشير النقيب حمدي إلى إحدى رجاله قائلاً: "حطوهم في البوكس."
المحامي: "متهيألي إني لما مريت على حضرتك العصر قدمت لك بلاغ بخصوص موضوع النفق وغرق الزرع."
لينهض المقدم حمدي قائلاً: "إحنا هنعاين كل الكلام ده دلوقتي. مين هييجي معانا؟"
فؤادة وجلال معاً: "أنا."
لينظر جلال لفؤادة بامتعاض قائلاً: "بقول تخليكي انتي."
لتتقدمه فؤادة بعند قائلة: "لازم أبقى موجودة. الكشافات الكبيرة موجودة في سكن عمي نبيل."
النقيب حمدي: "وياترى حالته تسمح إننا نتكلم معاه ولا تعبان؟"
فؤادة: "هو الحمد لله بخير... اتفضلوا."
لتتفاجأ بجلال يمسك بيدها بقوة ويجبرها على السير بمحاذاته. وعلى قدر غيظها الشديد من محاولته لفرض سيطرته عليها، إلا أن شعوراً جديداً قد تملكها لم تعرفه ولم تدري عنه شيئاً من قبل، جعلها تترك يدها بيده وهي تسير إلى جواره باطمئنان.
أما جلال، فكان يعتقد أنها ستقاوم يده، وكان يعد نفسه لوأد محاولتها. ولكنه تفاجأ باستسلامها الكامل له، وقد زادت برودة يدها الصغيرة بين كفه الضخم الذي ابتلع كفها بسهولة. وعندما نظر إليها بجانب عينه، وجدها تسير إلى جواره باعتداد. ولكنه وجد عينيه تبحث عن كفها الآخر المعلق، والذي كان دائماً يتلاعب بملابسها. ولكن وجد كفها الآخر ثابتاً بمكانه نائماً على صدرها في هدوء. فرفع وجهه إلى وجهها فتلاقت أعينهما، فسارعت بالهرب من عينيه وتشاغلت بمتابعة الطريق.
وعندما وصلوا إلى مسكن نبيل، أخذوا عدداً من الكشافات، وتابعوا سيرهم إلى مكان النفق المحفور، وتركوا أحد الظباط مع العم نبيل يستمع منه عن ما حدث معه.
وما إن وصلوا إلى مكان النفق، حتى وجدوا أربعة من الرجال حول النفق ومعهم العديد من الكلاب الشرسة المقيدة حول مدخل النفق.
وعند تسليط الكشاف من بين فراغات السور العالي، قال أحد الرجال: "الحفر اتردم من يمتهم من حوالي ساعة دلوقتي."
ولكن فؤادة قالت: "عموماً الكاميرات مصورة تعديهم بالكامل."
النقيب حمدي: "كويس جداً، إحنا طبعاً هنتحفظ على الشرائط دي."
استمر النقيب حمدي ورجاله في معاينة المكان لفترة طويلة، وقاموا بمعاينة بئر المياه وموتور الري والصوب التي تعرضت للغرق.
وبعد انتهاء المعاينة واستيفاء كل ما قد يحتاجون إليه من بيانات، عادوا جميعاً حتى وصلوا إلى مدخل المزرعة. وعندما وصلت إلى غرفة مراقبة الكاميرات، أشارت لشخص ما بالداخل طالبة منه أن يتجه إليها. وعندما وصل إليها، قالت للنقيب حمدي: "وياريت كمان حضرتك تاخد الأستاذ عادل معاك، لأني بتهمه بالتواطؤ مع الزيني وبيشتغل جاسوس لحسابه."
عادل بإنكار شديد: "إيه اللي بتقوليه ده يا أستاذة؟ الكلام ده ما حصلش."
فؤادة بثبات: "وبطلب إن حضرتك تصادر تليفونه قبل ما يمسح المكالمات اللي عليه، واللي بتثبت تواطئه وتسهيله للناس دي إنها تدخل المزرعة عندي."
ليأمر حمدي بالقبض على عادل بعد أن تحفظوا على هاتفه. ثم تساءل جلال قائلاً: "وإنت ناوي تعمل إيه مع الزيني؟"
النقيب حمدي: "صدر قرار باستدعائه وهيتم التحقيق معاه الصبح إن شاء الله."
جلال بامتعاض: "قرار استدعاء! طب ليه ما اتقبضش عليه؟"
النقيب حمدي: "لأنه مجرد اتهام من حضراتكم، ما كانش لسه عليه دلائل، ولحد دلوقتي، ممكن بكل سهولة، ينفي التهمة عنه."
جلال: "إزاي بقى بعد كل ده، والكاميرا اللي صورت كل اللي حصل؟"
النقيب حمدي: "ما هو للأسف، مش هو اللي اقتحم بنفسه، بس عموماً، بلاش نسبق الأحداث."
فؤادة: "المرة دي اتنين من رجّالته ممسوكين في أرضنا في محاولة التخريب."
النقيب حمدي: "وعشان كده بقول لكم ماتستعجلوش."
المحامي: "ياريت لو حضرتك تمنع الزيارة عن العيال دي لحد ما تحقق معاهم، وأكيد حضرتك فاهم أنا أقصد إيه."
النقيب حمدي: "طبعاً فاهم، وعاوزك تتطمن، التحقيق معاهم هيبتدي أول ما نوصل النقطة، ما تقلقوش."
فؤادة: "أنا متشكرة جداً يا فندم."
النقيب حمدي: "يمكن ما يكونش اتقابلنا قبل كده يا مدام فؤادة، لكن الحقيقة والدك خدماته لكل أهالي المنطقة مش قليلة أبداً، وعشان كده مش عاوزك تقلقي، إن شاء الله الحق لازم يرجع لأصحابه."
بعد انصراف الشرطة، وجدوا العم نبيل يستند على أحد الرجال، ويوجه بعض التعليمات لرجال الأمن. ووجدوا أن الكهرباء قد عادت إلى كل أركان المزرعة.
لتقول فؤادة له بعتاب: "إيه اللي خلاك تقوم دلوقتي بس يا عمي نبيل؟"
العم نبيل: "ما ينفعش أسيبك لوحدك في وقت زي ده يا بنتي."
فؤادة: "بس أنا مش لوحدي أبداً. ممكن ترجع بقى تستريح، اليوم كان طويل أوي، والفجر خلاص قرب يأذن."
العم نبيل: "ما تقلقيش، هصلي الفجر وهنام."
لتلتفت فؤادة لجلال وتقول هامسة: "خلي المحامي يدخل يستريح شوية في الأوضة اللي جنب محمد ومراته، ما يصحش يطلع فوق."
ليصطحب جلال المحامي بالفعل إلى الغرفة المجاورة لمحمد. وتذهب فؤادة إلى المطبخ فتجد أن ماجدة لازالت مستيقظة، فتطلب منها تحضير بعض الطعام وإرساله إلى المحامي.
ثم قالت لعارف وحسين: "معلش بقى، هتضطروا تشتركوا مع بعض في أوضة واحدة بسرير واحد، لأن ما كانش ينفع أخلي المحامي يطلع فوق."
حسين: "أنا شايف إننا نصلي الفجر ونتوكل على الله."
فؤادة بإصرار: "ما ينفعش تسافروا من غير حتى ما تنامولكم ساعة ولا اتنين. اطلعوا بس استريحوا الساعتين دول، وبعد كده اتوكلوا على الله."
عارف: "فؤادة بتتكلم صح يا حسين، عشان حتى تقدر تركز في شغلك. وبعدين أنا أصلاً إجازة بكرة كمان، فهفضل هنا على ما أطمن على الوضع، وبعد كده هبقى أرجع مع المحامي بعربيته."
حسين بموافقة: "ماشي، فين الأوضة دي؟"
لتشير فؤادة بيدها للأعلى قائلة: "اتفضلوا."
ليأتي جلال قائلاً: "على فين؟"
فؤادة: "هوصلهم فوق، عشان يستريحوا شوية."
حسين: "وماتنساش تديني مفاتيح عربيتك يا جلال عشان همشي أول الدنيا ما تنور."
جلال: "هو ما ينفعش تاخد إجازة يا حسين وتخليك معانا النهاردة؟"
حسين بفضول: "انت محتاجني في حاجة؟"
جلال: "أصل أكيد هيحتاجونا الصبح في النقطة، ومش عاوز أسيب الستات لوحدهم، فكنت عاوزك انت ومحمد تبقوا موجودين معاهم، خصوصاً إنهم في التحقيق أكيد هيحتاجوا ياخدوا أقوال عارف بما إنه هو اللي مسك العيال دي، فهيبقى معانا هو كمان."
عارف وهو يدق بكف يده على مقدمة رأسه: "يا خبر! ده أنا كنت ناسي خالص الحكاية دي."
جلال: "وأنا كمان، لولا المتر هو اللي نبه عليا أقول لك ماتسافرش."
حسين بتنهيدة: "خلاص، أنا على الساعة تسعة كده هعمل لهم تليفون في المستشفى وأعتذر لهم، وهفضل معاكم حاضر."
جلال: "طب طالما كده، خليها يومين بعد إذنك مش يوم واحد."
حسين بمرح: "قابل يا عم، سكتناله دخل بحماره."
جلال بتعب: "لو كنت قادر كنت دخلت بالكاريته كمان مش بالحمار بس."
فؤادة بخجل: "معلش حقكم عليا، أنا عارفة إني تعبتكم كلكم معايا النهارده."
عارف بمرح: "يا ستي اتعبينا انتي بس ومالكيش دعوة، ده انتي سلّيتينا وخرجتينا من الملل اللي كنا فيه، وحتى عملتيلنا شوية ساسبنس، إنما إيه... عنب."
حسين: "انتي أختنا يا فؤادة، ما تقوليش كده."
كان جلال ينظر لفؤادة وبداخله حالة من الفوران والغضب. فقال: "يالا كل واحد على مكانه عشان نلحق نستريح لنا شوية، إحنا مش عارفين إيه اللي مستنينا بكرة."
لتشير فؤادة بيدها إلى حسين وعارف قائلة: "اتفضلوا." وسبقتهم إلى الأعلى.
وأشارت لهم على غرفة أبيها قائلة: "جلال كان بينام هنا، بس بما إنكم هتباتوا سوا، فأنتم اللي هتباتوا فيها لأن الأوضة دي سريرها كبير."
عارف: "طب وجلال هيبات فين؟"
لتشير فؤادة إلى غرفتها قائلة بابتسامة: "هيبات في أوضتي."
ليتبادل الإخوة النظرات فيما بينهم، ثم يدخل عارف إلى الغرفة مسرعاً وهو يجذب حسين من يده وهو يقول: "إحنا هننام بقى عشان نصحى بدري، تصبحوا على خير." ويغلق الباب وراءهم بسرعة.
لينظر جلال إلى فؤادة التي أشارت على غرفتها قائلة: "معلش بقى، بس الوضع جه كده. ثواني بس، هاخد هدومي وأسيبك براحتك."
جلال: "وانتي هتنامي فين؟"
فؤادة: "هنام جنب سلوى، في أوضة الولاد، ما تقلقش."
وما إن دخلت فؤادة إلى حجرتها، حتى دخل جلال خلفها وأغلق الباب وقال: "ولو ولاد عمك شافوكي وانتي نايمة معاهم هتقوليلهم إيه؟"
فؤادة: "عادي يعني، وفيها إيه؟ مش مشكلة."
جلال: "إحنا مش اتفقنا إن ما حدش يعرف الحقيقة عشان عمك؟"
فؤادة بتردد: "أيوه، بس ما تقلقش حضرتك، لو حد شافني، أنا هعرف أتصرف."
واتجهت إلى الخارج. وقبل أن تفتح الباب، قال لها متسائلاً: "انتي مداومة على الدهانات والعلاج بتاعك ولا لأ؟"
فؤادة: "آه الحمد لله."
جلال: "ومين بيدهن لك؟"
فؤادة بخجل: "ساعات ماجدة، وساعات خالتي أم إبراهيم."
جلال: "المهم إنك ما تهمليش، عشان المفروض تبتدي العلاج الطبيعي بعد كام يوم."
فؤادة: "إن شاء الله."
وتركته، وخرجت متجهة إلى غرفة الصغار، وقضت ليلتها التي لم تتعد الثلاث ساعات بجوار سلوى. وما إن تعدت الساعة الثامنة ببضع دقائق، إلا وكانت فؤادة بداخل المطبخ بصحبة الصغار، تضع لهم بعض الطعام، فمعظم من بالمنزل لم يتناول العشاء رغم إعداده وتجهيزه.
فؤادة: "بصوا يا حلوين، أنا هحاول أعمل لكم السندوتشات وهنطلع نقعد برة في الشمس الحلوة دي، وتاكلوها كلها... ماشي."
سلوى: "ماشي، بس أنا عاوزة توت."
فؤادة ضاحكة: "انتي أدمنتِ ولا إيه؟ عموماً حاضر، بس المهم تخلصوا السندوتشات بتاعتكم كلها."
واصطحبتهم إلى الخارج وظلت بجوارهم حتى تناولوا إفطارهم بالكامل. وأثناء ضحكاتهم، رأت العم نبيل يأتي إليها قائلاً: "صباح الخير على الحلوين."
فؤادة: "أهلاً يا عمي، إزيك حضرتك، عامل إيه دلوقتي؟"
العم نبيل: "أنا في نعمة يا بنتي الحمد لله."
فؤادة: "فطرت، ولا أحضر لك فطار؟"
العم نبيل: "فطرت من بدري وشربت الشاي كمان."
فؤادة: "واخدت العلاج ولا لأ؟"
العم نبيل: "أخدت كل حاجة، واسمعيني بقى عشان عاوز أقول لك كلمتين."
فؤادة: "كلمتين إيه يا عمي، خير؟"
العم نبيل: "أنا خايف عليكي يا بنتي."
فؤادة: "خايف عليا من إيه بالظبط يا عمي؟"
العم نبيل: "عمر الزيني ما اتجرأ قبل كده أبداً، وعمل العملة اللي عملها امبارح، ما توصلش إنه يحرق البيت باللي فيه أبداً."
فؤادة: "وأنا بقى المفروض إني أخاف وأهرب وأسيبه له الجمل بما حمل؟"
العم نبيل بتنهيدة: "لا يا بنتي، أنا مش قصدي كده أبداً، وعارف إنك لا يمكن تفرطي في أرض أبوكي."
فؤادة: "ولا عمري أفرط في شبر واحد من ترابها، حتى لو حكمت بموتي، ما عنديش استعداد أبداً أقابل بابا في الآخرة وأقول له إني خفت وهربت."
العم نبيل: "وأنا ينقطع لساني لو قلت لك حاجة زي دي. أنا بس كل اللي عاوز أقولهولك، إنك لازم تنتبهي لنفسك يا بنتي، وكمان عاوز أعرفك إن عمك اتصل بيا امبارح بالليل."
فؤادة باستغراب: "اتصل بيك ليه؟"
العم نبيل: "انتي عارفة عمك، ما تعرفيش أبداً تفهمي اللي في دماغه. لكن هو لما اتكلم سألني عليكي، وعلى بناته، وإن كان كل شيء تمام."
فؤادة: "وأنت حكيت له على اللي حصل امبارح؟"
العم نبيل: "ما كانش ينفع أخبي، خصوصاً إن ولاده كلهم موجودين هنا."
فؤادة: "طب هو كان رد فعله إيه؟"
العم نبيل: "كان عمال يصرخ في التليفون، ويزعق، بس في الآخر قال إنه مش هيسكت على اللي حصل ده، وقال إنه هييجي بنفسه."
فؤادة بذهول: "ييجي بنفسه!!"
العم نبيل: "أيوه، فقلت أقول لك عشان تبقي عارفة وعاملة حسابك."
فؤادة: "شكراً يا عمي، وكويس إنك اديتني خبر عشان أعرف أتصرف."
رواية فؤادة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ميمي عوالي
بعد انصراف العم نبيل إلى أشغاله، ظلت فؤادة بجوار الصغيرين في الحديقة.
قالت لها سلوى: "هتجيبيلي توت يا طنط؟"
فؤادة: "حاضر يا حبيبتي هجيبلك."
تنهض من مكانها لتتجه إلى شجرة التوت، وصعدت عليها.
عندما هبطت من عليها، أمرت الصغار بجمع التوت من الأرض ليتم غسله.
لكنها شعرت فجأة بأنها مراقبة.
أخذت تنظر حولها في كل اتجاه ولكنها لم تجد أحد.
ولكنها عندما نظرت إلى الأعلى، وجدت أن جلال يقف بشرفة غرفتها يراقبها بهدوء شديد، وهو يدخن سيجارته بشرود.
عندما تلاقت أعينهم، ألقت عليه فؤادة تحية الصباح بإيماءة من رأسها وصوت لا تكاد تسمعه بأذنها.
لكنه أجابها بإيماءة مماثلة، وأيضًا بصوت غير مسموع، ثم عاد إلى الداخل.
سلوى: "يالا يا طنط عاوزين نغسل التوت."
فؤادة: "تعالوا على المطبخ يالا، ونشوف في حد صحي ولا لسه."
عندما دلفوا إلى الداخل، وجدوا أن أم إبراهيم وماجدة متواجدتين بالمطبخ ويقومان بتحضير الإفطار.
فؤادة: "صباح الخير."
أم إبراهيم: "يسعد صباحك يا بنتي، إنتي صحيتي إمتى؟ ده أنا لما سمعت حسك في الجنينة مع الولاد كنت لسه هخرجلك أشوفك عاملة إيه دلوقتي."
فؤادة: "الحمد لله يا خالة، أنا بخير ما تقلقيش."
ماجدة بتردد: "كنت عاوزاكي في حكاية كده يا ست فؤادة."
فؤادة بتركيز: "حكاية إيه يا ماجدة، خير؟"
ماجدة وهي تتنقل بعينيها بين فؤادة وأم إبراهيم: "أصل التليفون بتاعي الظاهر فيه مشكلة وكنت عاوزاكي تبصيلي عليه."
فؤادة: "طب بعد إذنك يا خالة اغسلي التوت للولاد، وإنتي يا ماجدة هاتِ التليفون بتاعك وحصليني على الجنينة."
عندما ذهبوا إلى الخارج مرة أخرى، قالت ماجدة: "تليفوني ما بطلش رن من امبارح بالليل، وأنا مارضيتش أرد إلا أما أشوفك هتقولي إيه."
لتأخذ فؤادة الهاتف من يد ماجدة وتنظر إليه، لتجد عشر مكالمات من ندا وأكثر منهم من الزيني.
فؤادة: "وخليكي ماترديش."
ماجدة: "خالة أم إبراهيم كل شوية تزعقلي على صوته، وتقولي يا تردي يا تقفليه، وأنا ما أعرفش أقفله إزاي."
فؤادة: "وهي عارفة مين اللي بيتصل؟"
ماجدة: "لا، ما بتسألنيش."
لتعيد فؤادة الهاتف إلى ماجدة قائلة: "أنا قفلتلك الصوت، بس خليكي ماترديش برضو مهما اتصلوا لحد أما أقول لك."
ماجدة: "تؤمرينى يا ست فؤادة."
فؤادة: "روحي بقى شوفي اللي وراكي."
لتذهب فؤادة خلفها حتى وصلت إلى غرفة محمد، ودقت الباب بخفوت وانتظرت مكانها.
حتى سمعت صوت محمد قائلاً: "ثانية واحدة."
عندما فتح محمد الباب ووجد فؤادة أمامه، قال: "صباح الخير، في حاجة ولا إيه؟"
فؤادة: "هي عايشة صحيت؟"
محمد: "أيوه من شوية."
فؤادة: "طب كنت عاوزاك في كلمتين كده بيني وبينك، يا ريت تحصلني على برة."
محمد: "طب روحي وأنا دقيقتين وهتلاقيني وراكي."
عادت فؤادة إلى جلستها بالخارج ووجدت محمد خلفها مباشرة، وجلس بجوارها قائلاً: "خير، في حاجة حصلت تاني ولا إيه؟"
فؤادة: "عمي جاي هنا."
محمد بفضول: "إيه… إمتى؟ وعرفتي منين؟"
فؤادة: "كلمت عمي نبيل في التليفون يتطمن على البنات، وعرف منه اللي حصل وقال له إنه هييجي بنفسه."
محمد: "ومش غريبة شويتين إنه يتصل بنبيل… وما يتصلش بعياله؟ لا، وكمان في نفس اليوم اللي يحصل فيه كل المصايب دي."
فؤادة ببعض الغضب: "وبعدهالك بقى يا محمد، إنت ليه على طول حاطط أبوك ورا كل المصايب اللي ممكن تحصل في الدنيا دي؟"
محمد بدهشة: "إنتي اللي بتقولي كده؟ إشحال إن ما كنتيش أكتر واحدة اتأذيتي منه؟"
فؤادة: "أنا ما اتأذتش منه."
محمد: "والله؟ أومال هربتي منه ليه يا فؤادة لما هو حلو وصالح كده؟"
فؤادة: "يا محمد، يا محمد، مين فينا ما فيهوش عيوب؟"
محمد: "برضه هربتي منه ليه يا فؤادة؟"
فؤادة بتنهيدة: "لأني ما كنتش بحب الهلالي، ولا كان مناسب ليا يا محمد."
محمد بغيظ: "يا سلام، يعني مش عشان كان طمعان في أرضك وفلوسك مثلاً؟"
فؤادة بوجع: "يا محمد أرجوك، أنا بحاول أنسى الحكاية دي، ليه مصر إنك دايماً تفكرني بيه؟"
محمد: "عشان تفضلي فاية ومصحصحة للي بيحصل حواليكي يا فؤادة، عشان ما تديلوش الأمان تاني أبداً، وقلتهالك قبل كده، أنا برضه لحد دلوقتي مش قادر أبرئه من النار اللي انضربت عليكي."
فؤادة: "اسمع يا محمد، أستاذ عارف سمع عمي وهو بيتكلم في التليفون وبيتخانق مع الهلالي، ومعنى كلامه وقتها إنه ما كانش يعرف مين اللي ورا اللي حصل، وكمان جالي يوم ما خرجت من المستشفى وقال لي إنه مالهوش علاقة باللي حصل."
محمد بسخرية: "وإنتي بقى صدقتيه؟"
فؤادة: "ما تقدرش تنكر إن رغم كل اللي عمي بيعمله، إلا إنه ما بيكذبش، وإنت عارف الكلام ده ومتأكد منه كمان، ولو كان له يد في اللي حصل، كان على الأقل هيتلاشى إنه يتعامل معايا، مش إنه يجيلي مخصوص عشان يبرئ نفسه."
محمد بتنهيدة: "وإنتي دلوقتي عاوزة إيه؟"
فؤادة: "اسمع يا محمد، أستاذ عارف معجب بنهاد، وعاوز يتجوزها، وطبعاً عمي ممكن يرفضه بسبب علاقته بجلل."
محمد: "ده أكيد."
فؤادة: "رغم إني ما عاصرتش العيلة دي كتير، بس أقدر أقول لك وأنا متأكدة من كلامي ده، إن الناس دي جميلة أوي يا عارف، كلهم بلا استثناء، كبيرهم وصغيرهم، طول ما أنا وسطهم ماشفتش منهم غير كل خير، وأديك شايف أهو هم بيعملوا إيه معايا، وعشان كده، شايفة إن نهاد تستاهل الأستاذ عارف، وإنها هتبقى سعيدة جداً معاه لو قدروا فعلاً يتجوزوا."
محمد بخبث: "وطبعاً إنتي كمان هتبقي سعيدة بسعادة جوزك حبيبك عشان خاطر أخوه."
فؤادة بصت في الأرض وسكتت.
محمد: "طب أنا مش فاهم إنتي عاوزة توصلي لإيه دلوقتي؟"
فؤادة: "أنا عاوزاك تنتهز مجيء عمي هنا، وتصفي بقى كل الخلافات والزعل اللي موجود، وتبقى فرصة إننا نخطب نهاد ونفرح بيه."
ليعلو صوت ضحك محمد، لتنظر له فؤادة بامتعاض قائلة: "ممكن أعرف بتضحك على إيه دلوقتي؟"
محمد: "فؤادة هتفضل طول عمرها فؤادة."
فؤادة بغيظ: "اشجينى، عاوز تقول إيه؟"
محمد: "عاوز أقول إنك نسيتي كل اللي إنتي فيه وغرقِتِ نفسك في مشكلتي ومشكلة نهاد."
فؤادة بعزيمة: "ده لأني ما بركنش حاجة على الرف يا محمد، وإنت عارف كويس إن مهما حصل إلا إني عمري ما هفرط في حق من حقوقي، يبقى هحمل هم إيه وليه؟"
ليضمها محمد تحت جناحه مقبلاً رأسها قائلاً: "ربنا إن شاء الله مش هيتخلى عنك أبداً، ما ضاع حق وراءه مطالب."
فؤادة: "طب هتقابل عمي؟"
محمد: "يا بنتي الحكاية مش سهلة كده زي ما إنتي فاكرة، وبعدين يعني إنتي فكرك إنه هيقبل إني اتجوزت من غير علمه كده بسهولة؟"
فؤادة: "مهما كان صعوبتها بس أكيد هتبقى أسهل من إنه يعرف بعد ولادة عايشة… صدقني."
وبعد صمت قليل قال محمد: "ربنا يقدم اللي فيه الخير، أنا هقوم أبص على عايشة، وبعدين إنتو مش ناويين تفطرونا ولا إيه؟ مش كفاية امبارح جوعتونا وبايتونا من غير عشا؟"
يسمعوا صوت عايشة وهي قادمة إليهم قائلة: "أي والله يا فؤادة، إني جوعانة كتير وبدي أكل."
فؤادة بابتسامة: "حقكم عليا والله بس أهو على يدكم اللي حصل."
عايشة: "إنتي كمان ما أكلتيش أي شيء من البارحة من وقت الفطور؟"
محمد: "لا إن كان على فؤادة ممكن تقعد بالأسبوع ما تأكلش عادي."
عايشة: "مو معقول."
فؤادة: "خليكوا إنتوا قاعدين في الهوا كده شوية، ولو ما لقيتش حد صحي برضه، أنا هخليهم يجيبولكم إنتو الفطار."
وما إن نهضت فؤادة من مكانها حتى لمحت جلال يقف في شرفتها مرة أخرى وهو يتابع حديثها مع محمد وعايشة، ولم تكن تعلم أنه كان يتابع حديثها مع محمد من البداية.
لكنها خفضت بصرها سريعاً واتجهت إلى الداخل لتجد أن الجميع قد بدأوا في التجمع بالداخل، فقالت لهم: "صباح الخير، كنت لسه هبتدي أصحيكم."
نهاد وهي تتثائب: "إحنا صحينا من الجوع، أنا عاوزة أفطر."
عارف ضاحكاً: "الصراحة يا فؤادة أنا ابتديت أشك إن الفطار اللي فطرتيهولنا امبارح، كنتي بتأكلينا وإنتي عاملة حسابك إنه يقوم بدور التلات وجبات."
فؤادة بمرح: "طبعاً أومال إيه، عشان أبقى مدبرة."
نهاد: "مدبرة مجاعات، عاوزة آكل."
سلمى وهي تضرب نهاد على رأسها: "بس فضحتِينا."
ثم نظرت لفؤادة قائلة: "بابا وماما جايين النهاردة."
فؤادة: "والله، مرات عمي جايه معاهم."
نهاد باستغراب: "إنتي كنتي عارفة ولا إيه؟"
فؤادة: "آه، ومحمد كمان عرف."
سلمى وهي تلتفت اتجاه غرفة أخيها: "هما صحيوا؟"
فؤادة: "آه، قاعدين برة على ما الفطار يجهز."
نهاد بفضول: "طب وإنتو عرفتوا إزاي، دي ماما لسه مكلماني الصبح قبل ما يركبوا العربية على طول."
فؤادة: "عمي كلم عمي نبيل وبلغه."
كان حسين يجلس وليلى على قدميه تحاول طرد النوم من عيونها وهي تتشبث بملابس أبيها، فقالت لها فؤادة: "مش هتاكلي توت يا لولو؟ سلوى وأدهم بياكلوا التوت لوحدهم في الجنينة."
لتهبط الصغيرة من فوق أقدام والدها وهي تجذبه معها اتجاه الخارج، فيضحك حسين قائلاً: "طب أنا مش عاوز توت، أجي بقى معاكي ليه؟"
حسنة: "اخرج معاها لحد ما تطمئن إنها شافتهم وسيبها معاهم وتعالى تاني."
وبعد قليل انضم إليهم جلال قائلاً: "صباح الخير عليكم جميعاً."
ليرد الجميع تحية الصباح، وتأتيهم ماجدة تخبرهم بأن الفطور معد على مائدة الطعام، فتقول فؤادة موجهة حديثها لجلال: "مش المفروض حد يبلغ المتر إن الفطار جاهز عشان ييجي ياكل معانا ولا إيه؟"
جلال وهو يحك ذقنه بيده: "ده أنا كنت نسيته خالص، أنا هروح أنده له."
وبعد دقائق قليلة اجتمع الجميع على مائدة الطعام وهم يتحدثون عن ما جرى بالليلة السابقة، فقال المحامي: "المفروض نبقى موجودين في النقطة على الساعة حداشر عشان يتعمل محضر رسمي بكل اللي حصل."
وعندما حل عليهم الصمت قالت نهاد: "يعني كلنا لازم ناكل كويس، عشان ماحدش يعرف هناكل المرة الجاية إمتى."
ليضحكوا على ما قالت، ووسط ضحكاتهم يسمعوا صوت سالم وهو يقول بقوة وبصوت عالٍ: "السلام عليكم."
لتنهض فؤادة مسرعة وتتجه لزوجة عمها محتضنة إياها وهي تقول: "وحشتيني أوي لدرجة عمرك ما هتتخيليها."
أم نهاد: "ما قدرتش ما أجيش أتطمن عليكي."
ثم وقفت أمام عمها قائلة بأدب وترحاب: "أهلاً يا عمي، نورت مزرعتك."
لينظر إليها سالم بصمت رغم مرور نظرة عابرة فسرتها فؤادة بأنها نظرة ألم لم تعرف سببه، ولكن سالم قال: "أنا قلت أجي أتطمن عليكي بعد ما عرفت اللي حصل معاكي."
لتربت فؤادة على كف عمها قائلة: "طبعاً يا عمي، أنا متأكدة إن عمرك ما هتتخلى عني أبداً، تعالوا يالا نفطر سوا، إحنا لسه ما خلصناش فطار."
سالم وهو ينظر باتجاه محمد بجمود: "لا، روحي إنتي كملي فطارك وبعدين نبقى نتكلم، إحنا فطرنا من بدري."
فؤادة: "طب استريحوا على ما أطلب لكم القهوة."
وقبل أن تلتفت وجدت جلال يقف خلفها وقال مرحباً: "أهلاً وسهلاً يا سالم بيه، نورت."
سالم بجمود: "شكراً."
ليحيي جلال زوجته قائلاً بترحاب: "أهلاً وسهلاً بحضرتك، يا ترى فاكراني؟"
زوجة سالم بود: "أهلاً بيك يا ابني، أيوه طبعاً فاكراك."
ليبدأ الجميع في القدوم والترحيب بسالم وزوجته حتى لم يتبقى غير محمد الذي اقترب وارتمى بأحضان والدته متبادلاً إياها الأحضان والقبلات.
ثم ابتعد عنها واقترب من أبيه قائلاً بخفوت: "إزي حضرتك؟"
لينظر إليه سالم قائلاً بنبرة يغلب عليها العتاب: "حمدلله على السلامة."
محمد: "الله يسلمكم."
أشار محمد إلى عايشة لكي تقترب منه، وعند اقترابها، أخذها محمد تحت جناحه ونظر إلى أبيه قائلاً: "أقدم لك عايشة… مراتي."
ليرفع سالم عينه التي ارتطمت ببطن عايشة بذهول، وأخذ ينقل عينيه ما بين وجهها وبطنها المنتفخ ووجه محمد في صمت ثقيل، حتى قطعته عايشة باقترابها من زوجة سالم قائلة ببشاشة: "كيفك أمي، إن شاء الله تكوني بخير."
لتحتضنها زوجة سالم بحذر وهي تربت على بطنها بحنان قائلة: "أنا بخير ما دمتم كلكم بخير يا بنتي، ربنا يقومك بالسلامة ويتملك على خير."
لتنظر عايشة إلى سالم بتردد، ولكنها انحنت مقبلة يده قائلة: "رضاك على راسي عمو."
لينظر إليها سالم بجمود ولكنّه تمالك صدمته وقال بهدوء: "اقعدي… وحاولي تستريحي عشان ما تتعبِش."
لتبتسم عايشة بود شديد وتجلس إلى جوار زوجة سالم.
سالم موجهاً حديثه إلى فؤادة: "هتروحي النقطة إمتى؟"
جلال وهو ينظر لفؤادة: "إحنا المفروض نبقى موجودين هناك الساعة 11."
سالم: "أنا هاجي معاكم، عشان أضم البلاغات اللي اتعملت قبل كده للبلاغ الجديد."
ليتدخل المحامي قائلاً: "اسمَح لي أتدخل في الكلام يا سالم بيه، يا ترى حضرتك فاكرني؟"
لينظر سالم إلى المحامي ببعض الغضب قائلاً: "وهو إنت تتنسى برضه يا متر؟"
ليقول المحامي بعملية شديدة: "كويس جداً إنك فاكرني، بس يا ترى حضرتك معاك أرقام المحاضر دي؟"
سالم وهو ينظر بجانب عينيه إلى فؤادة: "الحقيقة لا، شريكي هو اللي كان بيعمل المحاضر دي عشان له معارف هنا في النقطة وهو اللي معاه أرقام المحاضر."
المحامي: "يعني حضرتك ما جيتش تعمل المحاضر دي بنفسك ولا مرة؟"
سالم بتنهيدة: "لا."
المحامي: "طب يا ترى فاكر تواريخها؟"
سالم: "أيوه، دي فاكرها كويس جداً، وعموماً كانوا تلات بلاغات، آخرهم كان…"
وعندما صمت سالم، قال المحامي يستحثه: "كان إيه حضرتك؟"
ليقول سالم بجمود وهو ينظر لفؤادة: "كان يوم هروب فؤادة، لما نبيل كلمني وبلغني إنهم حاولوا يخربوا محول الكهربا."
المحامي: "تمام، لما نوصل النقطة إن شاء الله هحاول أطلع أرقام المحاضر وأرفقه بالمحضر الجديد، ويا ريت نستعد عشان يا دوب نوصل في معادنا."
مؤقتاً هنحتاج يبقى موجود معانا الست فؤادة وجلال بيه وعارف بيه، واستاذ نبيل، وطبعاً سالم بيه مشكوراً."
ليقول جلال: "طب بعد إذنكم أنا هطلع أجهز."
وبعد أن اتجه إلى الدرج التفت إلى فؤادة قائلاً: "تعالي يا فؤادة يالا عشان تجهزي إنتي كمان."
فذهبت فؤادة خلفه في هدوء حتى صعدوا إلى غرفة والدها، فأشار لها جلال بالدخول.
ليغلق الباب ورائهم وهو يقول: "إحنا امبارح ما جبناش سيرة الموضوع بتاع ماجدة في المحضر."
فؤادة شاهقة: "وما ينفعش نجيب سيرته طبعاً."
جلال باستغراب: "وليه بقى ما ينفعش؟"
فؤادة: "أعتقد إن ما يصحش أبداً نجيب سيرة ندا في حكاية زي دي، افرضي إن جه عليها أي حاجة قانوناً واتأذت بيه، يبقى أنا السبب في أذية أم أدهم وليلى، لا طبعاً أنا ما أقبلش الكلام ده."
جلال: "بس إحنا كده نبقى بنساعدها على اللي هي بتعمله."
فؤادة: "بص يا أستاذ جلال، حضرتك ممكن بكل بساطة تكلمها وتفهمها اللي حصل وحقيقة الموقف، وإنك عرفت باللي هي عملته، وخلاص كده، ما أعتقدش أبداً إنها ممكن تخطي خطوة زي دي تاني أبداً."
وعندما وجدت علامات عدم الراحة على وجهه قالت مستعطفة: "عشان خاطر الولاد يا أستاذ جلال أرجوك، واعتقد كمان عشان خاطر عم حضرتك."
جلال: "إنتي مش واخدة بالك إنك كنتي اتعودتي تشيلي الألقاب، ليه دلوقتي بترجعيها؟ أنا عاوزك تنتبهي أوي وإنتي بتتعاملي معايا قدام عمك، لأن عمك لو شك لحظة واحدة إن جوازنا ده تمثيلية، ممكن يقلب الدنيا على دماغنا، وإحنا مش ناقصين مشاكل أبداً، على الأقل دلوقتي."
فؤادة: "ما تقلقش، أنا هبقى حريصة أوي من الناحية دي."
جلال: "وعاوزين نحاول نصلح العلاقات على قد ما نقدر، عشان موضوع عارف وبنت عمك."
فؤادة بابتسامة: "أيوه، عندك حق، ربنا يسعدهم."
جلال: "طب روحي غيري هدومك واستعدي عشان تنزلي يالا."
لتؤمئ فؤادة برأسها وتغادر الغرفة متجهة إلى غرفتها.
في مركز الشرطة
بعد أخذ أقوال الجميع، جاء الدور على سالم فقال له النقيب حمدي: "كلام حضرتك غريب جداً يا سالم بيه، لأن دي أول مرة يتقدم بلاغ من مزرعتكم تجاه أي حد من جيرانكم."
سالم بذهول: "إزاي حضرتك تقول الكلام ده؟ في تلات بلاغات متقدمين قبل كده في نفس الشخص واتهمناه فيها بمحاولة التخريب."
النقيب حمدي: "وأنا بأكد لحضرتك للمرة التانية إن الكلام ده ما حصلش أبداً، أنا مسؤول عن النقطة هنا من خمس سنين فاتوا، وكنت أعرف سليم بيه الله يرحمه معرفة شخصية، وما ينفعش أبداً نعرف إن في حد بيحاول يأذي بنته أو يخرب المزرعة ونسكت من غير مانتحرك، ولو حضرتك معاك أرقام المحاضر اللي بتتكلم عنها دي، ممكن نبحث فيها عشان تتأكد بنفسك، لكن اللي حضرتك لازم تعرفه إن سليم بيه الله يرحمه كانت خدماته مغرقة الكل هنا، ولا يمكن أبداً يوصل لنا إن في حد بيضايق بنته أو بيتعرض لها بعد موته ونقف متكتفين، كنا حتى على الأقل هنتدخل بشكل ودي ونتأكد إن ده ما يحصلش مرة تانية."
المحامي موجهاً حديثه لسالم: "واضح إن شريكك كان له غرض معين ورا اللي عمله ده يا سالم بيه."
النقيب حمدي بفضول: "شريكه مين؟ وإيه دخله باللي حصل بالظبط؟"
المحامي: "شريكه الهلالي."
النقيب حمدي بعدم فهم: "شريك مين حضرتك ممكن توضح لي؟"
المحامي: "في واحد اسمه الهلالي يبقى شريك سالم بيه، واللي فهمته إن له هنا علاقات عملت له محاضر ضد الزيني، واللي على ما يبدو إنه له مصلحة في إنه يفهمه ده بالكذب."
النقيب حمدي: "ده لأن ماحدش هيعمل محضر في روحه يا متر."
المحامي: "مش فاهم."
النقيب حمدي: "هو حضرتك ما تعرفش اسم خصمك في القضية بالكامل؟"
المحامي باستغراب: "الحقيقة اللي وصلني إن اسمه الزيني."
النقيب حمدي: "ده اسم الشهرة اللي اتعرف بيه هنا، لكن اسمه الحقيقي… زين العابدين عبد العزيز الهلالي."
لينتفض سالم من جلسته وهو يصيح بغضب: "يعني إيه؟ يعني السنين دي كلها كان بيخدعني؟ طب كان يقصد إيه من اللي عمله ده؟"
جلال: "أيوه يا فندم، بس الهلالي اللي إحنا نعرفه حالياً اسمه عبد الجليل الهلالي ومحبوس على ذمة قضايا كتير، وما اسمه زين العابدين."
النقيب حمدي: "أيوه فعلاً، بس زين العابدين ده يبقى ابن أخوه وشريكه في الأرض في نفس الوقت، وهو اللي بيدير المزرعة."
جلال: "يعني من البداية وهو حاطط عينه على الأرض، وبيخططلها بأقذر الوسائل."
لتنظر فؤادة لعمها بعتاب شديد ولكنها عادت بنظرها إلى النقيب حمدي وقالت: "أنا كل الكلام ده دلوقتي ما يهمنيش، أنا اللي يهمني فعلاً إنه يتحاسب على كل اللي عمله، هو بقى، أبوه، عمه… ما تفرقش، لكن بالشكل ده أنا أحب أضيف اتهام تاني ما اتكلمتش عنه قبل كده."
النقيب حمدي: "اتفضلي… عاوزة تتهميه بإيه تاني؟"
فؤادة: "بمحاولة قتلي، وإنه اللي ورا ضرب النار اللي اتعرضت له من فترة قريبة."
المحامي: "وأنا معايا صور من أوراق الواقعة يا فندم وتفاصيلها."
النقيب حمدي وهو ينظر لفؤادة: "عموماً، ماتقلقيش، هو موجود برة، والتحقيق معاه هيبتدي حالاً، وهواجهه بكل التهم المنسوبة إليه."
جلال: "طب المفروض إننا دلوقتي نمشي ولا ننتظر برة ولا إيه؟"
المحامي: "اتوكلوا إنتوا على الله، وأنا هتابع التحقيقات وصلت لفين وهبلغكم فوراً بكل جديد."
عند خروجهم من مكتب النقيب حمدي فوجئوا بأن الزين العابدين ما هو إلا شاب في أوائل الثلاثينيات من عمره، تبدو عليه العنجهية الشديدة، وما إن رأته فؤادة حتى اقتربت منه قائلة بقوة: "نجوم السماء أقرب لك من إنك تلمس حفنة تراب واحدة من أرضي، يا ابن الهلالي، ولو ما ارتجعتش، هتحصل عمك وتونسوا بعض في السجن."
ليقول لها الزين العابدين بحقد شديد: "وإنتي لو كنتي فاكرة إنك ممكن تتجوزي عمي وتحطي إيدك على أرضي، يبقى بموتك يا بنت سليم."
لتنظر له فؤادة بصدمة، فهي لم تفهم مقصده، من منهم يطمع في أرض الآخر، كيف له أن يقلب الحقائق هكذا في لحظة واحدة، ولكنها أفاقت على جلال وهو يجذبها من ذراعها ويذهب بها إلى السيارة.
عند عودتهم، اصطحب سالم العم نبيل معه في سيارته، وكانت فؤادة وعارف بصحبة جلال بسيارته.
في سيارة جلال، كانت فؤادة شاردة للغاية فقال عارف: "مالك يا فؤادة، إيه اللي شاغل بالك أوي كده؟"
فؤادة بانتباه: "الكلام اللي قالهولي الزين العابدين ده غريب أوي."
جلال: "أنا لما سمعته استغربت، بس بعد كده مالقتلوش غير تفسير واحد."
فؤادة بفضول: "وإيه التفسير ده؟"
جلال: "اللي أعرفه إن الهلالي ما عندوش ولاد، وطول عمره متولي ابن أخوه، واللي اتفاجئت النهاردة بس إن ابن أخوه ده يبقى الزين العابدين نفسه واللي بيعتبر نفسه الوريث الوحيد لكل ممتلكات الهلالي."
واللي فهمته إن الزين العابدين ما كانش موافق على فكرة جوازك من عمه، عشان ما تشاركيهوش في الميراث."
فؤادة: "طب ما أنا سبتله الدنيا كلها وهربت، عاوز مني إيه تاني؟"
جلال: "عاوز يقفل الحكاية بطريقة تضمن له إنها ماتفتحش تاني أبداً، وممكن يكون خاف إنه بدل ما الهلالي ياخد المزرعة منك… يكتب لك هو نصيبه في المزرعة التانية."
فؤادة بذهول: "يقوم يحاول يقتلني؟"
جلال: "هو أكيد عارف إن عمه يقدر بكل سهولة إنه يشتري المزرعة من عمك، وإن وجودك هو العقبة الوحيدة اللي قدامه واللي تمنعه من إنه يحط إيده على المزرعة بتاعتك، فممكن يكون تفكيره جابه إن الحل الأمثل بالنسبة له إنه يخلص منك."
رواية فؤادة الفصل العشرون 20 - بقلم ميمي عوالي
كانت سيارة سالم هي أول من وصلت إلى المزرعة. عندما هبط من السيارة بصحبة العم نبيل، كانت تظللهم سحابة قاتمة من الصمت. سالم كان يشعر أنه قد ضرب في مقتل، وأن الهلالي كان يجعله كلعبة في يديه.
رأت زوجته حالته الكئيبة وذهبت إليه مسرعة وقالت له بتوجس:
"مالك يا سالم، خير. إيه اللي حصل؟ وفين باقي الجماعة؟"
سالم باختصار:
"زمانهم جايين ورانا، يالا حضري نفسك عشان نمشي."
أم نهاد:
"انت عاوز ترجع طنطا دلوقتي؟"
سالم:
"آه، إيه المانع. إحنا خلاص اتطمنا على فؤادة، وما بقالوش لزوم قعدتنا هنا أكتر من كده."
أم نهاد بقلة حيلة:
"اللي تشوفه، بس على الأقل استنى لما أسلم على فؤادة قبل ما نمشي."
سالم:
"طب اجهزي بس على ما يجوا."
قبل أن يكمل جملته، وجد سيارة جلال تدلف من البوابة. عندما هبطت فؤادة من السيارة، وجدت أن عمها متجهم الملامح، وبجواره زوجته والقلق يعتلي ملامحها. ذهبت إليهم وقالت:
"إيه مالكم، ليه واقفين هنا كده؟ مادخلتوش ليه على طول؟"
نظرت لها زوجة عمها ثم نظرت إلى زوجها بقلة حيلة وقالت:
"إحنا كنا مستنيينك عشان نسلم عليكي قبل ما نمشي."
فؤادة:
"تمشوا فين؟ انتوا تقعدوا معانا يومين."
سالم بجمود:
"مش هينفع يا فؤادة، أنا خلاص اتطمنت عليكي إنك بخير، وانتي عارفة إني مش فاضي، ولازم أرجع طنطا في أسرع وقت."
عندما نظر عارف إلى جلال وهو يستجديه بالتدخل، انضم جلال إلى حديثهم قائلاً:
"اهدأ بس كده يا سالم بيه، وتعالى ندخل نقعد شوية. أنا محتاج إني أتعرف عليك، ويزيدني شرف طبعاً إنك تعتبرني زي الدكتور محمد، إحنا خلاص بقينا أهل... وإلا إيه؟"
سالم وهو لازال على جموده:
"معلش اعذرني، بس أنا جيت فجأة وعندي أشغال كتير متعطلة."
فؤادة وهي تحاول التشبث بكتف عمها حتى تثير عاطفته:
"طب مش على الأقل تفضل معايا على ما نشوف التحقيق هيرسي على إيه؟"
سالم:
"إنتي مش لوحدك، وكمان أنا سايب معاكي أخواتك. ولو احتاجتيني في أي وقت كلميني وأنا هاجيلك على طول."
فؤادة:
"عشان خاطري يا عمي، خليك معايا النهاردة بس، عشان خاطري."
صمت سالم لعدة ثوانٍ ثم قال بقلة حيلة وهو يحذرها بسبابته:
"النهاردة بس يا فؤادة، النهاردة بس."
تقدمت منه فؤادة وطبعت قبلة عميقة على وجنته قائلة بمرح:
"أنا هسيبك براحتك، بس افرض إنت حبيت تطول المدة... مش هقدر أوعدك إني ما أستغلش الموقف."
جلال:
"اتفضلوا يالا ندخل، زمان الغدا جهز من بدري، وكلنا واقعين من الجوع، إحنا اتأخرنا أوي في النقطة."
عندما دلفوا إلى الداخل، كان الهدوء يعم المكان. قالت فؤادة بفضول:
"أومال هم فين كلهم؟"
أم نهاد:
"لما عرفوا إن العمال بيصلحوا مكان التخريب اللي حصل، كلهم صمموا يساعدوا معاهم."
فؤادة:
"يا خبر أبيض، طب وعايشة؟"
أم نهاد:
"راحت معاهم، ومحمد قالها هتقعد تتفرج بس."
فؤادة:
"طب أنا هطلع أغير هدومي وأكلمهم يجوا عشان نتغدى."
ذهبت فؤادة إلى الأعلى، واستأذن جلال ليلحق بها للأعلى. بينما جلس عارف بصحبة سالم وزوجته، ليقول بلبلة:
"الحقيقة يا سالم بيه، أنا كنت عاوز أتعرف على حضرتك من فترة، بس الظروف ما كانتش مساعدة. أنا زي ما حضرتك عرفت، أبقى أخو جلال جوز فؤادة. أبونا الله يرحمه سابلنا أراضي كتير، في منها جناين موالح، وأراضي تانية بتتزرع محاصيل زراعية موسمية، وكمان عندنا مواشي وخلافه. يعني الحمد لله الخير كتير. لكن أنا وأخويا الدكتور حسين ما بنفهمش في الزراعة، فجلال الله يبارك له هو اللي قايم على مصالحنا من سنين، من أيام الوالد الله يرحمه ما اتوفى. وكمان أنا بشتغل مدرس في مدرسة خاصة ودخلي الحمد لله كويس جداً، وبحب مهنتي جداً، وأتمنى إنك تعتبرني واحد من ولادك."
سالم:
"ده شيء يشرفني يا ابني."
عارف:
"والحقيقة أنا كنت ناوي أزور سيادتك في طنطا عشان عاوز أفاتح حضرتك في موضوع يخصني، فيا ريت لو تحددلي معاد أجي لحضرتك فيه."
سالم بفضول:
"موضوع إيه خير؟"
عارف:
"كل خير إن شاء الله، على الأقل بالنسبة لي، ولو حضرتك وافقت هبقى سعيد جداً."
سالم:
"أنا مش فاهم حاجة."
عارف:
"معلش، يا ريت بس حضرتك تشرفني بتحديد معاد أجيلك فيه."
سالم:
"خلاص، ممكن تتفضل يوم الاثنين إن شاء الله في المكتب..."
عارف مقاطعاً إياه:
"لو تسمح لي، البيت هيبقى أفضل وأنسب للموضوع بتاعي."
سالم بتفكير:
"مافيش مشكلة، أهلاً وسهلاً."
عارف:
"يا ترى الساعة سبعة مساءً يناسب حضرتك؟"
سالم:
"أوي أوي، مافيش مشكلة."
عارف:
"أنا متشكر جداً لحضرتك."
بالأعلى عند جلال وفؤادة.
بعد أن فرغت فؤادة من تغيير ثيابها وغادرت غرفتها كي تتجه إلى الأسفل، وجدت جلال منتظراً إياها أمام غرفته وأشار لها بأنه يريد التحدث إليها. فدلفت خلفه وأغلقت الباب والتفتت إليه قائلة:
"خير، في حاجة وإلا إيه؟"
جلال:
"تفتكري عمك ممكن يوافق على عارف؟"
فؤادة:
"أعتقد إن الأستاذ عارف ما فيهوش حاجة تتعايب، محترم وأخلاقه عالية وجامعي ومثقف، وكمان بصراحة دماغه حلوة وبيعرف يشغل دماغه."
جلال:
"إزاي يعني مش فاهم؟"
فؤادة:
"يعني بصراحة دايماً بيحلل اللي بيحصل قدامه بعقل، ماهواش متسرع ولا من الرجالة اللي بياخدوا كل كلمة على صدرهم من غير تفكير."
جلال وهو يحاول السيطرة على بادرة غضب بداخله:
"ها... وإيه كمان؟"
فؤادة:
"هقول إيه تاني، خلاص كده."
جلال بنفاذ صبر:
"طب أنا هحاول أصلح علاقتي بعمك على قد ما أقدر عشان نقدر نخطبله نهاد بقلب جامد."
فؤادة:
"إن شاء الله خير، ربنا يوفقهم."
جلال:
"وقررتي هتخلي عمك ومراته يباتوا فين؟"
فؤادة:
"لسه ما قررتش، بس هشوف، ربنا يسهل."
جلال:
"لما كانوا بيجولكم زمان، كانوا بيناموا إزاي؟"
فؤادة بحنين:
"الحقيقة دي أول مرة نجتمع مع بعض هنا من ساعة بابا الله يرحمه ما مات، لكن لما كانوا بيجوا أيام بابا ما كان موجود، كانوا بيناموا في الأوضة اللي بتنام فيها والدتك مع ليلى، بس أنا ممكن أخليهم يباتوا في الأوضة اللي المحامي كان بايت فيها امبارح."
جلال:
"المحامي هيفضل هنا لحد ما التحقيقات تخلص؟"
أثناء حديثهم، وجدوا من يطرق الباب. وعندما فتحت فؤادة، وجدت حسنة أمامها فقالت لها:
"أهلاً يا أمي، اتفضلي."
دخلت حسنة وأغلقت الباب من خلفها وقالت:
"الجماعة كلهم رجعوا والغدا جاهز، انتوا قاعدين هنا ليه؟"
جلال:
"أبداً، إحنا هننزل حالا أهو. هو حسين وعارف قرروا يعملوا إيه؟ هيسافروا وإلا قاعدين؟"
حسنة:
"هيسافروا بعد الغدا على طول."
جلال وهو يوجه حديثه لفؤادة:
"يبقى اتحلت، خليهم يباتوا هنا في أوضة والدك."
فؤادة باقتناع:
"ماشي."
حسنة بتحذير:
"اعملوا حسابكم... مش هينفع أبداً الليلة دي بالذات كل واحد يبات في أوضة. عمك هيبقى مركز معاكم يا فؤادة، مش عاوزينه يحس بحاجة، مش ناقصين مشاكل."
فؤادة:
"ما أعتقدش إنه بعد ما عرف الهلالي على حقيقته إنه ممكن يزعل من اللي حصل أو يعمل مشكلة."
حسنة بحكمة:
"ما أعتقدش يا بنتي إن الحكاية سهلة كده زي ما إنتي متصورة، ومش عاوزين مشاكل قبل ما نشوف موضوع عارف ونهاد هيرسي على إيه."
فؤادة:
"طب يعني هنعمل إيه؟"
حسنة:
"تحملوا بعض الليلة دي، وأهي ليلة وتعدي."
فؤادة:
"إزاي يعني يا أمي؟"
حسنة:
"اسمعوا الكلام، أنا أدرى منكم باللي ممكن يدور في دماغ عمك لو حس بحاجة. وإحنا بنلصم الليلة على ما نشوف حكاية عارف مع بنت عمك."
فؤادة بامتعاض:
"طب شوفوا حضرتك إيه اللي ممكن يتعمل وأنا هعمله."
حسنة:
"أنا وليلى هنبات في أوضتك، وعمك ومراته في أوضتي، وإنتي تباتي هنا مع جلال، لأن الطبيعي إنك تقعدي في أوضة والدك."
نظرت فؤادة إلى جلال، فوجدته يقف بصمت، ولم يعلق بأي كلمة. وفي النهاية قالت فؤادة بقلة حيلة:
"ماشي يا أمي، وأهي ليلة وتعدي."
بعد أن فرغوا من الطعام، ذهب الجميع إلى الخارج وجلسوا بالحديقة. وقص عارف على جلال وحسين كل ما دار بينه وبين سالم. وبعد قليل، هاتفهم المحامي وأبلغهم أن الزيني قد تحول إلى النيابة.
جلس محمد بالقرب من والديه وأخذ يسأل والدته عن أحوالها فقالت له:
"مراتك شكلها هادية أوي."
محمد بمرح:
"ده بس عشان لسه ما أخدتش عليكم، لكن عايشة دايماً بتفكرني بنهاد وشقاوتها."
أم نهاد:
"ربنا يسعدكم يا ابني يارب، بس هو إنت هتفضل معانا وإلا ناوي ترجع تسافر تاني؟"
محمد وهو ينظر لأبيه كأنه يستشف ما يدور بذهنه:
"لسه ما قررتش يا ماما، ومش عارف إني هستريح هنا وإلا لأ."
قال سالم بما يشبه السخرية:
"ويا ترى إيه اللي هيقل راحة بالك يا دكتور عشان يخليك تسيب البلد باللي فيها وتهج من تاني؟"
محمد وقد شعر بالراحة بعد أن وصل إلى مبتغاه بأن أشرك أباه في الحديث دون أن يبادره الحديث:
"لسه مش عارف يا بابا إني هلاقي فرصة شغل تريحني وإلا لأ."
قال سالم وكأنه يتحدث دون اهتمام:
"لما تبقى تستقر على مكان يعجبك ابقى بلغني وأنا أتصرف."
محمد:
"الحقيقة أنا معروض عليا شغل في الجامعة."
تهلل وجه سالم بلمحة فخر، ولكنه حاول جاهداً أن يخفيها وقال:
"طب هو شغل الجامعة مش هيريحك يعني؟"
محمد:
"لأ، أنا أقصد الشغل التاني."
سالم:
"شغل إيه؟"
محمد:
"أنا أكيد مش هكتفي بالجامعة، أنا عاوز أشتغل في مستشفى أو مصحة، أو حتى أعمل عيادة خاصة. يعني باختصار... عاوز أمارس مهنتي، ما يبقاش شغلي كله نظري وبس."
سالم:
"عموماً، إنت ممكن تشوف وتقرر وابقى بلغني، وأنا هشوف ممكن أساعدك إزاي."
محمد بامتنان:
"متشكر يا بابا."
وعلى صعيد آخر، كان عارف وحسين يستعدان للمغادرة، بعد أن وصلت سيارة حسين بعد أن تم إصلاحها. ووقف الجميع لتوديعهم. وعندما جاء دور سالم لتوديعهم، قال له عارف:
"على معادنا إن شاء الله يا سالم بيه."
سالم:
"في انتظارك إن شاء الله."
وعندما وصل عارف إلى نهاد، قال لها مداعباً بخبث:
"أتمنى أما أشوفك المرة الجاية ما تكونيش اتعلمتي تركبي خيل لوحدك."
نهاد بعدم استيعاب:
"لأ طبعاً، أقع!"
يضحك عارف بشدة وهو يقول:
"أشوف وشك بسرعة."
نهاد:
"اسمها أشوف وشك بخير."
لينصرف عارف بصحبة حسين وهو لا يستطيع السيطرة على ضحكاته كلما تذكر تعليقات نهاد التي لا تخلو من العفوية الشديدة.
أما نهاد، فكانت تقف بوداعهم ومعها طبق من الفاكهة تأكل منه بنهم وهي تنظر في أثرهم بملامح تعتليها البلاهة. وكانت فؤادة ومحمد يراقبانها بمرح صامت، بينما سلمى تكاد تنفجر منها غيظاً. حتى قالت فؤادة موجهة حديثها لأبناء عمها:
"بس أنا عاوزة أعرف انتوا نزلتوا الأرض كلكم كده تعملوا إيه؟"
نهاد وهي تتناول التوت:
"كنا بنساعد العمال وهم بيصلحوا التخريب اللي حصل، ده شوية شوية كانوا هيكهربوا السور، وعلى فكرة المفروض تصرفيلي يومية على التعب اللي تعبناهولك النهاردة."
فؤادة بمرح:
"إنتي بالذات حقك وصلك بزيادة، ده إنتي كلتي نص التوت اللي كان على الشجرة لوحدك."
عايشة:
"أي والله فؤادة، نهاد فضلت تاكل التوت لحد ما صار لون تمها متل التوت."
نهاد بسخرية مازحة:
"تمها... اسمه بقها، إنتي محتاجة كورس شعبي يا عايشة عشان تعرفي تعيشي على أرض الواقع."
محمد:
"لأ أبوس إيدك، إنتي بالذات مالكيش دعوة بيها، أنا عاوزها كده من غير كورسات."
نهاد:
"يا عم روح، إنت الخسران."
مع تقدم الوقت، انقسم المجلس إلى ثلاث جهات. جهة للرجال، وكانت تضم سالم والعم نبيل وجلال ومحمد، وكان بصحبتهم المحامي. وكانت أحاديثهم منصبة على الأراضي والزراعة، ولكنها كانت تتطرق في بعض الأحيان لما حدث من الزيني والهلالي بحق فؤادة دون التطرق لأي حديث عن الماضي.
والجهة الثانية كانت تضم فؤادة وسلمى ونهاد وعايشة، وكانت أحاديثهم ما بين قرب موعد ولادة عايشة وحياة فؤادة بعد الزواج، والتي كانت فؤادة تعطيهم عنها إجابات مبهمة مغلفة بالمرح.
أما الجهة الثالثة، فكانت تضم حسنة وأم نهاد، والتي دارت أحاديثهم عن الأبناء وظروف كل منهم، واستمر الحديث بينهم بود حتى قالت حسنة متبسمة:
"أنا والله من ساعة ما شفتك في المستشفى وقت إصابة فؤادة الله لا يعيدها، وإنتي دخلتي قلبي يا أم نهاد."
أم نهاد:
"القلوب عند بعضها يا أم جلال، ربنا يديم المعروف."
حسنة بابتسامة:
"إن شاء الله هيدوم، وكنت محتاجة نفسك معايا في الحكاية دي."
أم نهاد:
"أنا معاكي يا حبيبتي طبعاً من غير كلام، ده أنا اللي مربية فؤادة ومعزتها عندي من معزة أخواتها بالظبط."
حسنة:
"هي كمان بتحبك أوي، بس الكلام المرة دي مش على فؤادة."
أم نهاد:
"أومال على مين؟"
حسنة:
"على نهاد."
أم نهاد باستغراب:
"نهاد بنتي... مالها؟"
حسنة بابتسامة:
"عاوزة أخودها لعارف ابني.. إيه رأيك؟"
أم نهاد بلبلة:
"ده يوم المنى يا حبيبتي، بس إنتي أكيد فاهمة إن المواضيع دي أنا ما أقدرش أبداً أقول رأيي فيها من غير شورة أبوها."
حسنة بضحك:
"ومالك اتخضيتي كده ليه؟ ما تخافيش، عارف أخد معاد من أبو نهاد عشان يزوره ويطلب إيد نهاد، بس ما قاللوش على سبب الزيارة، بس إنتي مطلوب منك إنك تعرفي رأي البنت عشان بس نبقى عارفين إحنا واقفين فين بالظبط."
أم نهاد بابتسامة:
"حاضر، هشاورها وهرد عليكي إن شاء الله."
وعندما حان موعد النوم، اتجه كل منهم إلى الغرفة المخصصة له. واتجهت فؤادة إلى غرفة أبيها خلف جلال وهي تكاد تموت خجلاً. وما إن امتدت يدها لتغلق الباب خلفها حتى وجدت ماجدة أمامها ولونها شاحب وكأنها من الأموات. فقالت لها فؤادة بجزع:
"مالك يا ماجدة.. عاملة كده ليه؟ في حاجة؟"
ماجدة بخفوت:
"دخليني الأول يا ست فؤادة وأنا هقول لك على كل حاجة."
لتجذبها فؤادة إلى الداخل وتغلق الباب وهي تتبادل النظرات مع جلال، ثم قالت لماجدة:
"اقعدي وخذي نفسك وقوليلي إيه اللي حصل."
ماجدة وهي تنشج بالبكاء:
"الست ندا كلمتني وبهدلتني وقالتلي إنها هترمى أهلي كلهم في الشارع بعد ما تهد البيت اللي أوينا على دماغهم."
فؤادة:
"أنا مش قلتلك ما ترديش عليها مهما كلمتك لحد ما أنا أقول لك."
ماجدة:
"والله يا ست فؤادة ما رديت عليها خالص، ده أنا لقيت سي أدهم جاي بيديني تليفون ماعرفش بتاع مين وبيقولي كلمي ماما."
جلال وهو يوجه حديثه لفؤادة للتوضيح:
"أدهم طلب من عارف تليفونه بعد العصر، وقال له إنه عاوز يكلم مامته وخاله، فاتصل له بكريم وسابله التليفون على ما يخلصوا كلام."
فؤادة:
"طب قالت لك إيه بالظبط وإنتي قلتيلها إيه؟"
ماجدة:
"والنبي يا ست فؤادة ما لحقت أنطق، ده أنا يا دوب بقول آلو، لقيتها نزلت فيا شتيمة وبهدلة، وقالت لي إنها زي ما شغلتني تقدر ترميني في الشارع لو ما كنتش أكلمها الليلة دي ضروري بعد ما الكل ينام وأحكيلها كل اللي حصل هنا بالتفصيل من ساعة آخر مكالمة كلمتها لي، وأنا مش عارفة أعمل إيه، وأهلي اللي هيتبهدلوا دول، ده إحنا مصدقنا إن أمي ابتدت صحتها تتعدل شوية، تقوم تترمى في الشارع، ده إحنا غلابة يا ست فؤادة ومالناش غير ربنا."
فؤادة:
"إنتوا ليكم أرض بتزرعوها وإلا حاجة يا ماجدة؟"
ماجدة بسخرية:
"ما كانش ده بقى حالنا يا ست."
فؤادة:
"طب والبيت اللي عايشين فيه مش ملككم؟"
ماجدة:
"لأ يا ست فؤادة، ده ملك عزت بيه أبو الست ندا، وعايشين فيه مع خالتي وجوزها وعيالهم، وعشان كده بتهددني بالطرد."
فؤادة:
"خلاص، ما تقلقيش، أنا بكرة الصبح إن شاء الله هبعتك ليهم بعربية مخصوص تجيبيهم كلهم وتيجوا على هنا، والمزرعة الحمد لله مليانة شغل وخير، وإحنا هنا عندنا أماكن كتير ممكن تقعدوا فيها."
جلال:
"لأ يا فؤادة، ما تتعبيش نفسك، أنا هكلم عارف أخليه يتصرف لهم في بيت ناحية الأرض بتاعتنا، عشان أمها اللي كل شوية بتحتاج تروح تجيب علاجها دي."
ثم نظر إلى ماجدة وقال لها:
"هاتي تليفونك يا ماجدة وما تقلقيش."
ماجدة ببكاء:
"أمي يا سي جلال."
جلال بابتسامة حنونة:
"ما قلت لك ما تخافيش بقى، وروحي إنتي يالا نامي."
بعد أن خرجت ماجدة، نظرت فؤادة إلى جلال وقالت له:
"هتعمل إيه؟"
كان جلال يمسك بيده هاتف ماجدة وقام بالاتصال بأحد ما ثم ضغط على زر الاسبيكر وهو يقول لفؤادة:
"هتعرفي دلوقتى."
لتأتيهم صوت ندا وهي تقول بغضب:
"يعني اتكلمتي يا زفتة؟ هو أنا لازم أقعد أدور عليكي وأهددك عشان تتكلمي؟ اتنيلى انطقي وقوليلي إيه اللي بيحصل عندك وما كنتيش بتردي على الزفت اللي في إيدك ده ليه؟"
كان جلال يضغط بغضب على نواجزه وهو يسمع كلمات ندا اللاذعة، حتى انتهت من حديثها فقال لها بحزم:
"عشان أنا قلت لها ما تكلمكيش يا ندا."
ندا بشهقة مسموعة:
"جلال."
جلال:
"أيوه جلال يا بنت عمي، جلال اللي مصلط شغالة عندنا تنقلك أخباره، واللي كنت عشم إن لآخر لحظة إن يطلع ظني غلط وعمال أقول ندا بنت عمي لا يمكن تعمل كدة أبداً، أثرتي الغل عماكي وسيطر على قلبك وملآه بالسواد."
ندا بانكار:
"ما حصلش."
جلال:
"إنتي كنتي عاوزة إيه يحصل أكتر من كده؟ اسمعيني بقى، أنا مش هبلغ عمي بعمايلك السودا دي كلها عشان صحته مش أكتر، لكن قسماً بالله يا ندا إن ما احترمتي نفسك وعيلتك أنا مش هيفرق معايا حاجة. ويكون في معلومك، شريكك التاني اتقبض عليه."
ندا بذهول:
"شريكي؟"
جلال بغضب وهو بيحاول إن صوته ما يعلاش:
"أيوه شريك يا هانم، الزيني، اللي كنتي بتتآمري معاه على مراتي."
ندا بدهشة:
"مراتك يا جلال؟"
جلال حس إن الكلمة طلعت منه عفوية من غير قصد، لكن ما حاولش يصححها أو ينفيها فقال لها:
"احمدي ربنا إننا لحد دلوقتي ما جبناش سيرتك في النيابة، إحنا عملنا كده بس عشان خاطر ولاد أخويا وسلوى بنتي، لكن أنا أقسمت إنك لو حاولت بس تعيدي الكرة، أنا مش هسكت يا ندا. و أه، حذاري ثم حذاري تحاولي تضايقي أهل البنت الغلبانة دي أو حتى خالتها اللي بتشتغل في بيتكم. أنا بنصحك لآخر مرة، لأن دي آخر مرة هعمل فيها خاطر لأي صلة بينا، وبعد كده ما تلوميش غير نفسك.. إنتي فاهمة؟"
بعد أن انتهى جلال من حديثه لندا، أغلق الخط فوراً، فهو كان يعلم أنها لن تستطيع الرد عليه. وما إن فعل ذلك، قام بجذب هاتفه من جيب بنطاله وقام بالاتصال بعارف، وقص عليه ملخص ما حدث، وطلب منه أن يدبر بيتاً في نطاق حديقة الموالح خاصتهم، ليجعله سكناً لأهل ماجدة.
وعده عارف بتدبيره في أسرع وقت ممكن، وطلب من جلال أن يدبر وقته لكي يكون بجواره عند خطبة نهاد من أبيها، فقال له جلال:
"حاضر يا حبيبي ما تقلقش، لسه قدامنا أسبوع بحاله، وإن شاء الله ربنا يقدم لك كل خير من عنده. و أه، معلش يا عارف هتعبك، يا ريت تكلم كريم وتعرفه آخر مصايب أخته عشان لو حاولت تأذي أهل ماجدة قبل ما إنت تعرف تتصرف، يقف لها."
عارف:
"ما تقلقش يا جلال، أنا هكلم عطوة حالاً يتصرف، وهقابل كريم الصبح وأفهمه على كل حاجة."
وبعد أن انتهى جلال من حديثه مع عارف، التفت لفؤادة فوجدها تجلس على الأريكة وهي تستند برأسها إلى الخلف والنوم يداعب عينيها بشدة، فقال لها باشفاق:
"قومي غيري هدومك، ونامي لك شوية."
فؤادة بشهقة مفاجئة:
"ده أنا نسيت خالص أجيب لي هدوم من أوضتي، ونسيت أودي غيارات لعمي ومراته عمي."
ليضحك جلال بشدة، بينما قامت هي بتذمر وفتحت خزانة الملابس وقامت بإخراج منامة خاصة بوالدها، واتجهت بسرعة إلى الخارج، نحو غرفتها ودقت عليها دقة صغيرة ثم دلفت إليها فوجدت حسنة وليلى في سبات عميق، ففتحت خزانتها بهدوء وأخرجت منها منامة تناسب زوجة عمها وعادت إلى الخارج ودقت الباب على عمها، وعندما فتح لها عمها الباب قالت باعتذار:
"أنا آسفة والله يا عمي، أنا نسيت خالص أجيب لكم غيار عشان تناموا."
ولكنها نظرت إليهم باستغراب عندما وجدتهم في ملابس بيتية مريحة، وقال عمها:
"حماة جلال جابت لنا هدوم من بدري."
فؤادة بتنهيدة:
"الله يبارك لها، معلش قلقتكم، سامحوني.. تصبحوا على خير."
ليجذبها سالم من يدها قائلاً:
"تعالى ادخلي، أنا عاوزك في كلمتين."
لتدخل فؤادة لتجد زوجة عمها تستقبلها بابتسامة طمأنة، فجلست بجوارها قائلة:
"أؤمرني يا عمي."
سالم:
"ما جاتش مناسبة من ساعة ما وصلنا الصبح إني أقعد معاكي لوحدك، إنتي كويسة؟"
فؤادة باستغراب:
"أيوه يا عمي بخير الحمد لله، هو في حاجة قالقة حضرتك؟"
سالم:
"طبعاً إنتي اتجوزتي وخلاص ويمكن كلامي ده ما بقالوش قيمة، بس هل إنتي شايفة إن جوازك من جلال مع فرق السن وإنه أرمل وكمان موضوع رجله ده مناسب ليكي؟"
أحست فؤادة بالذهول من حديث عمها، فهي لم تتوقع أبداً أن يحدثها في أمر زواجها في أي وقت كان. وعندما استجمعت تركيزها قالت بابتسامة رسمتها على وجهها تخفي بها اضطرابها:
"جلال طيب أوي يا عمي وابن حلال، وراجل بمعنى الكلمة، وموضوع رجله ده كان بسبب الحادثة اللي راحت فيها أم بنته، واللي لحد دلوقتي بيكن لها كل حب واحترام. ورغم ذلك شايل حمل أرضه وأرض أخواته كله على أكتافه، وأخواته ووالدته بيحترموه جداً وبيعتبروه كبيرهم بعد والدهم الله يرحمه."
سالم باستغراب:
"يعني اتجوزتيه وإنتي عارفة إنه لسه بيحب مراته وعادي كده مش فارق معاكي؟"
فؤادة:
"تفتكر لما يفضل يحب مراته حتى بعد موتها كل السنين دي، ده يبقى معناه إيه غير إنه راجل مخلص وأمين؟"
سالم:
"طب وبنته، ليه ترضي إنك تبقي مرات أب وإنتي لسه في أول حياتك؟"
فؤادة بابتسامة:
"أنا أبقى مرات أب لسلوى... طب دي سلوى دي الحاجة اللي بدعي ربنا إنه يديمها نعمة في حياتي وإنها تعتبرني زي مامتها الله يرحمها. سلوى بنت جميلة ورقيقة وذكية، وفوق كل ده يتيمة، أمها ماتت وهي بتولدها زيي بالظبط، أنا كل صلاة بدعي ربنا إنه ما يفرقناش."
سالم:
"يعني هو كان معرفك ظروفه كلها من قبل ما تتجوزي؟"
فؤادة:
"أيوه طبعاً."
سالم:
"وعرفتيه منين يا فؤادة؟"
لتصمت فؤادة، فهي لم تعتاد على الكذب، ولا تريد أن تبدأ في الكذب أيضاً. إنها حقاً تخفي عن الجميع حقيقة زواجها ولكنها لم تكذب على أحد.
سالم:
"ما رديتيش يا فؤادة، عرفتيه منين؟"
فؤادة:
"ابن عمه كان زميلي في مكتب الترجمة اللي كنت بشتغل فيه في إسكندرية."
سالم بسخرية:
"ده الموضوع قديم بقى."
أم نهاد وهي تحاول فك الحصار عن نهاد:
"قديم بقى وإلا جديد، أهي الحمد لله اتجوزت جدع ابن حلال وواضح عليه إنه بيحبها وصاينها وواخد باله منها، وده اللي يهمني."
يومئ سالم برأسه بصمت لتنتهز فؤادة الفرصة وتنهض متجهة إلى الخارج قائلة:
"هسيبكم تناموا بقى وأروح أنا كمان عشان أنام، تصبحوا على خير."
وعندما خرجت من الغرفة، تفاجئت بجلال وقد أبدل ملابسه وهو يقف مستنداً بكتفه على باب غرفة أبيها، لتعلم أنه قد سمع حوارها مع عمها بالكامل، فقد كان باب الغرفة مفتوحاً طوال الحديق.
لينظر لها جلال نظرة غامضة وأشار لها بالدخول، وما إن أغلق باب الغرفة التفت إليها قائلاً:
"ادخلي غيري ونامي على السرير، وأنا هنام على الكنبة. تصبحي على خير."
ولم يعطها أي فرصة للرد، حيث اتجه من فوره إلى الأريكة وتمدد عليها معطياً إياها ظهره، وتركها تقف في منتصف الغرفة وهي لا تزال تحمل بيديها الملابس التي ذهبت بها لعمها وزوجته.