تحميل رواية «فداء» PDF
بقلم lehcen Tetouane
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى القرى كان يعيش صديقان من عائلتين كبيرتين هما سالم وعادل. كان الشابان متقاربين في العمر، وكل منهما يسكن بجوار الآخر، فالبيت بجوار البيت والحقل بجوار الحقل. تربيا سويا في نفس البيئة، حتى أنهما لم يكملا تعليمهما بسبب انشغالهم بأعمال الحقل التي كان يكلفهم بها آباؤهم. فكان يرعيان الأرض والمزروعات طوال اليوم. وعندما يأتي موعد الغداء، يضع كل منهم صرته التي تحتوي على الخبز الفلاحي والجبن القديم وقليل من البصل، ويأكلان الطعام وهما يتحدثان ويمزحان. ثم يعود كل منهم إلى عمله بعد تناول الطعام. لما صا...
رواية فداء الفصل الحادي عشر 11 - بقلم lehcen Tetouane
في مكان آخر، أخذت الشحاذة نرجس الفتاة راندا وأعطتها بعض المناديل لتبيعها في الطرقات.
ظلت راندا طوال اليوم تطوف بالشوارع. وعندما وجدت شابة تركب سيارة جميلة، وقفت عند الإشارة وهي تبكي بسبب خلاف مع خطيبها.
جرت راندا نحوها وأعطتها منديلًا لتمسح دموعها، ثم جرت مسرعة ولم تأخذ منها شيئًا.
نظرت وعد لحال الفتاة وكيف جاءت لتواسيها بالرغم من أنها لا تملك إلا المناديل التي تبيعها، وبالرغم من الثياب الرثة القديمة التي عليها. فشعرت وعد أن الدنيا لا تستحق وأنها تحزن من أجل شيء تافه لا يستحق الحزن أبدًا.
فركنت السيارة على جانب الطريق واتصلت بخطيبها كي يصالحها، وأخبرته بمكانها.
عندما سمع الشاب خبر مسامحته من خطيبته، خرج من مكتبه ركضًا. فوجد راندا أمامه تحمل المناديل في يدها، فتعاطف معها وأخذ منها كل المناديل، والتي لا تساوي عشرين في المئة، وأعطاها لها ابتهاجًا بمكالمة خطيبته.
جرت راندا إلى بيت نرجس وهي سعيدة، لكن نرجس الطماعة أخذت منها النقود ولم تعطها إلا سندويتش فول لتأكله.
وعندما حضرت سها، رفيقتها، لم يكن معها شيء من المال، فقد فقدت نقود الزهور التي كانت معها. فضربتها نرجس ضربًا مبرحًا.
وبينما باقي الأولاد ينظرون، تدخلت راندا لتدافع عنها، فضربتها نرجس هي الأخرى حتى وقعت أرضًا وأخذت تدوس عليها بأقدامها.
حزنت راندا حزنًا شديدًا ونامت وهي تبكي، فهي لا تجد من يدافع عنها من ظلم نرجس لها، فقد قتل والدها وفقدت أمها، ولا تعلم شيئًا عن أخيها.
ظل الحال هكذا أيامًا، تعمل راندا وصديقتها سها طوال النهار ولا يجنون إلا سندويتش الفول آخر اليوم. لذا قررت راندا وسها أن تهربا عندما يأتي المساء، وبعدها تقوم كل منهما بالبحث عن أسرتها.
وبالفعل، عندما حل المساء وتأكدت من نوم نرجس، خرجت الفتاتان على أطراف أصابعهما. ولكن نرجس شعرت بهما فمسكت بهما وضربتهما ضربًا موجعًا، ثم وضعتهما في غرفة مظلمة مليئة بالأشياء القديمة والفئران تجول فيها في كل مكان. ولم تعطهم طعامًا ليوم كامل.
ثم أخرجت الفتاتان في اليوم التالي وقد أنهكهما الجوع والتعب، وأعطتهما سندويتش الفول. ثم أخبرتهم أنهم سيخرجون اليوم للعمل وسوف ترسل خلفهم من يراقبهم، ولو فكروا في الهرب مرة أخرى ستتركهم أسبوعًا كاملًا في الغرفة المظلمة دون طعام.
ظلت الفتاتان تطوفان طوال النهار حتى تعبتا. وهنا جلست الطفلتان لتستريحا وقررتا أن يؤجلا أمر الهرب لوقت آخر حتى يجمعا نقودًا من ناحية، وتقل المراقبة عليهما من ناحية أخرى.
فكانت كل واحدة تبيع ما معها وتعطي ماله لنرجس، بينما ما تحصل عليه من إحسان تخفيانه في جوربهما التي تلبسينها.
وهكذا استطاعت الفتاتان جمع مبلغ من المال لتستخدمانه بعد ذلك في شراء الطعام عندما تهربان.
ثم اشترت راندا زجاجة صغيرة من المنوم ووضعت معظمها على قطعة من الجاتوه وعادت لنرجس وأعطتها المال. ثم أخرجت قطعة الجاتوه وأخذت تمثل أنها ستأكلها. فقربتها من فمها.
فقامت نرجس وأخذتها منها وسألت راندا من أين حصلت عليها، فأخبرتها راندا أن إحدى السيدات أعطتها إياها في الشارع عندما كانت تبيع المناديل.
فقامت نرجس بأكلها وهي تقول: "هذه لي، فأنا أشعر بمرارة في حلقي منذ الصباح من كثرة الصياح مع الكسالى أمثالكم".
وبعد أن أكلتها، تمددت على سريرها وأخذ صوتها يعلو بالخير. فتسللت الفتاتان بعد أن نام الجميع، وتركت راندا المكان بعد أن أخذت السلسلة التي سرقتها منها نرجس، وكذلك النقود الذي أعطاها لها الشاب. وخرجت مع سها وظلا يركضان في الشارع بكل قوتهما حتى وصلا لموقف السيارات.
ثم ركبا مواصلة عامة تقلهما لمكان بعيد عن منزل نرجس.
وظلت الاثنتان هائمتان في الشوارع لا تدرين أين تذهبان في هذا البلد الذي لا تعرفان فيه أحدًا. فسها ليست من هذه البلد أصلًا، فقد اختطفتها نرجس من مدينة أخرى. أما راندا فالمدينة بالنسبة لها مكان جديد ولم تأت إليه من قبل. وفي نفس الوقت لا تستطيع الرجوع إلى قريتها بعد أن حذرتها عمتها هند بألا يراها أحد من أهل القرية حتى لا تتعرض للقتل.
وبعد عدة أيام، نفذ ما تملكه الفتاتان من النقود التي كانت معهم، ومرضت سها من الجوع والبرد القارس الذي يحل بمجرد دخول المساء، فهما يبيتان تحت أحد الكباري في العراء دون مأوى أو غطاء.
فتطلب راندا من سها أن تنتظرها هنا حتى تذهب وتسأل المارة ربما يعطف أحدهم عليها ويعطيها مالًا تشتري به الطعام.
بمجرد عبور راندا الشارع، تسقط سها على الأرض في الجهة المقابلة بعد أن أصابها من شدة الجوع. فيحملها أحد المارة لينقلها إلى المشفى.
وعندما تراها راندا قد سقطت على الأرض، تجري نحوها بسرعة دون أن تنظر للسيارات المسرعة في الطريق. وأثناء مرورها لتقطع الشارع وهي شاردة الذهن، جاءت سيارة مسرعة صدمتها وألقت بها على جانب الطريق.
رواية فداء الفصل الثاني عشر 12 - بقلم lehcen Tetouane
بمجرد أن عبرت راندا الشارع، سقطت سها على الأرض في الجهة المقابلة بعد أن أصابها الجوع الشديد. فحملها أحد المارة لينقلها إلى المشفى.
وعندما رأت راندا سها قد سقطت على الأرض، جرت نحوها بسرعة دون أن تنظر للسيارات المسرعة في الطريق. وأثناء مرورها لتقطع الشارع وهي شاردة الذهن، جاءت سيارة مسرعة صدمتها وألقت بها على جانب الطريق.
فاجتمع الناس حولها. وفي ذلك الوقت، كانت وعد وخطيبها يمران في الشارع ورأوا الفتاة وقد صدمتها السيارة ثم هربت مسرعة. فذهبا ليأخذا الفتاة للمشفى.
وعندما نظرت إليها وعد، قالت لخطيبها إنها نفس الفتاة التي أعطتها المنديل في ذلك اليوم عندما كانت تبكي. فجرى بسرعة نحو الفتاة الملقاة على جانب الطريق، وأدرك أنها مصابة إصابة خطرة، فقد كان رأسها ينزف بشدة. فطلبت من خطيبها أن يحملها ليضعها في سيارتها حتى يذهبوا بها إلى المشفى.
هناك، وبعد أن عالج الطبيب رأسها الذي ينزف، أخبرهم أن الفتاة حدث لها ارتجاج في المخ بسبب الحادث، وأنه يجب إبلاغ الشرطة لتأتي وتحقق في الأمر، وخصوصاً أن هناك فتاة أخرى تدعى سها في غرفة مجاورة تدعي أنها مخطوفة، وسيتم التحقق في أمر الفتاتين عندما تأتي الشرطة.
تذهب الشرطة إلى غرفة سها أولاً، ويجدون أن الفتاة من ضمن المفقودات فعلاً، ولقد قدم أهلها بلاغاً للبحث عنها. فيتصل رجل الشرطة بأسرتها كي تأتي لأخذها. ثم تخبرهم سها بمكان نرجس، المرأة التي اختطفتها وما تفعله مع الأطفال من ضرب وتعذيب.
فيأمر الضابط بخروج حملة للقبض على نرجس. ولكن سها لم تخبر الشرطة عن راندا خوفاً أن يمسكوا بها ويسلموها لأهلها كما فعلوا معها، وستكون بذلك قد عرضتها للخطر. وسها لا تعلم أن راندا في الغرفة المجاورة في المشفى.
وبعد بضع ساعات، حضر أهل سها وأخذوها وعادوا من حيث أتوا.
في الغرفة المجاورة، تجلس وعد وخطيبها ورجال الشرطة والطبيب بجانب الفتاة. وعندما تستيقظ راندا، تسألها الشرطة عن اسمها فلا تعرف، فقد فقدت ذاكرتها. وعندما تسأل وعد الطبيب لما لا تعرف الفتاة اسمها، أخبرها الطبيب أن الفتاة حدث لها ارتجاج في المخ وربما فقدت الذاكرة بسبب ذلك.
ولكن وعد تنظر لرندا قائلة: "لا تخافي يا حبيبتي، لن أدعك هنا. سوف آخذك لتعيشي معي في بيتي."
بالفعل، تقوم وعد بإجراءات الخروج لـ "نور" كما أطلقت عليها، وأخذتها معها إلى بيتها. وهناك كانت أمها وإخوتها الذكور في البيت. وعندما رأتها الأم، نادت على ابنتها وعد وقالت لها: "هل جننتِ؟ تحضرين فتاة غريبة لمنزلنا وأنتِ تعرفين أن إخوتك في سن الشباب والفتاة جميلة وسوف تلفت انتباههم."
قالت وعد: "ولكنها وحيدة ويتيمة، فأين تذهب؟"
قالت الأم: "تذهب لأي دار رعاية للأيتام، ولكن لن أبقيها بين أبنائي، وهذا ليس حرصاً عليهم فقط، بل حرصاً عليها أيضاً. فلن أضع النار بجوار البنزين وأجلس لأشاهدها وهي تشتعل."
قالت وعد: "حاضر يا أمي، فلن أستطيع مخالفة قرارك." ثم تنادي وعد: "نور، نور، تعالي." ثم تأخذها وعد إلى دار رعاية الأيتام وتخبرها أنها ستأتي لزيارتها كل فترة.
هناك في القرية، تجلس ليلي في دوار العمدة، وإلى جوارها ابنتها الصغرى أمنة يتحدثان.
قالت أمنة: "هل هناك أخبار عن ابن خالتي يا أمي؟"
قالت ليلي: "للأسف يا ابنتي، فلم نتوصل لشيء، وأبوك بحث عنه في كل مكان نعرفه."
تبكي أمنة قائلة: "لقد غرقت راندا في المصرف وضاع فداء للأبد ولن أراه مرة أخرى."
قالت ليلي: "لا تبكي يا ابنتي."
قالت أمنة: "ولكني أبكي لأنني لن أرى فداء مرة أخرى، فهو صديقي الوحيد هو وراند، والآن فقدت كلاهما ولن أراهما أبداً."
تحتضن ليلي ابنتها وتقول في نفسها: "عندما كنتم تلعبون مع بعض، كانت سامية أختي تخبرني أننا سنزوجكم أنت وفداء لبعض، ولأن الله وحده يعلم هو حي ولا مات، ولن نراه مرة ثانية."
في ملجأ الأيتام، تجلس راندا وحيدة على سريرها. بينما تأتي فتاة أخرى وتجلس إلى جوارها. قالت لها: "أنا اسمي ندى، وصديقاتي ينادونني دودي. ما اسمك أنت؟"
قالت راندا: "لا أعرف."
قالت ندى: "هل هناك أحد لا يعرف اسمه؟"
قالت: "لا أتذكر شيئاً أبداً، لقد أُفقت ووجدت نفسي في المشفى ولا أذكر حتى اسمي."
قالت ندى: "وهل أطلقوا عليك اسماً؟"
قالت راندا: "نعم، أخبروني أنهم سيطلقون علي اسم نور حتى أتذكر اسمي الحقيقي."
قالت ندى: "نور اسم جميل مثلك. أنا هنا منذ وقت ولم أر فتاة أجمل منك في الميتم. عيونك لونها يميل إلى الرمادي وشعرك ناعم وشديد السواد وبشرتك بيضاء."
قالت راندا: "شكراً على المديح، ولكنك جميلة أيضاً. وأتمنى أن نكون صديقتين."
قالت ندى: "لقد أصبحنا أصدقاء بالفعل."
بعد قليل، تأتي المشرفة وتطلب منهم الخلود إلى النوم، فتنام كل منهم على سريرها.
رواية فداء الفصل الثالث عشر 13 - بقلم lehcen Tetouane
يجلس فداء مع الضابط أحمد.
"لقد اتصلت بالبلد وعرفت أن الوضع متوتر هناك، وأهل القتيل يبحثون عنك في كل مكان حتى يأخذوا بثأر ابنهم الصغير، لذا يجب أن تبقى معي ولا يعلم أحد بمكان وجودك."
قال فداء: "ولكن أمي وأختي هناك، وربما تقلقان علي."
قال الضابط أحمد: "للأسف أمك حدث لها انهيار عصبي بسبب فقد والدك، وهي الآن في مصح للأمراض العقلية. أختك مفقودة ولا يعلم أحد عنها شيئًا أبدًا، لذا رجوعك لن يفيد في شيء."
يبكي فداء على حاله وحال أسرته ويقول: "اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها."
ثم ينظر لأحمد قائلاً: "إذا، ماذا أفعل الآن يا عمي؟"
قال أحمد: "ستظل معي، وأنا قد أنهيت خدمتي في الشرطة وسوف أسافر خارج البلاد. لقد كنت أنوي السفر لأوروبا عند أخي، ولكني غيرت وجهتي وسوف أذهب لأعيش في بلد عربي آخر حيث عينت مستشارًا هناك، وسوف آخذك معي بعد أن أقوم بتجهيز وترتيب بعض الأوراق. كما سنغير اسمك في الأوراق الرسمية بتقديم طلب للسجل المدني، وسأطلق عليك اسم محمد حتى لا يستطيع أحد التعرف عليك من خلال اسمك."
قال فداء: "شكرًا لك يا عمي، ولكني لا أريد أن أسافر وأنا لا أعلم شيئًا عن أختي، فلربما تكون مازالت على قيد الحياة وفي حاجة إلي، لذا يجب أن أبحث عنها."
قال أحمد: "لم أكن أرغب في أن أخبرك، ولكن للأسف وجدت ملابس أختك في مصرف المياه، وقد تكون ماتت. ويقول بعض القرويين أن تماسيح النهر قد أكلتها، لذا فلا أمل في العثور عليها. ولكن لن أدع الأمر، وسوف أطلب من بعض زملائي في الشرطة كي يبحثوا عنها، وسوف يبلغونني بكل جديد، لذا سنترك هذا العمل للشرطة."
قال فداء: "ولكن إن كنا سنسافر، فكيف سنعرف نتيجة البحث؟"
قال أحمد: "سأكلف أحد زملائي المقربين بمتابعة البحث، وإن وجدوا أي معلومات عنها سيبلغونني فورًا، فلا تقلق، وسأظل أتواصل معهم باستمرار."
قال فداء: "أتمنى أن نعرف خبرًا جيدًا عنها قبل أن نرحل. ولكن كيف أترك أمي في تلك الحالة وأرحل؟"
قال أحمد: "أمك غائبة عن الوعي تمامًا، وحتي لو رأتك فلن تتعرف عليك. ولكن أهل القتيل قد يتعرفون عليك ويقتلونك لو ذهبنا لزيارتها، لذا من الأفضل أن تظل بعيدًا لفترة حتى ينسالك الجميع ويظنون أنك مت."
قال فداء: "يظنون أنني مت، أليس كذلك؟"
قال أحمد: "حفظك الله يا بني، ولكن يجب أن يظن الجميع ذلك. لذا سنغير اسمك حتى لا يستدل عليك أحد."
قال فداء: "حتى لو تغير اسمي، فسوف أظل فداء."
قال أحمد: "إذا سأبدأ إجراءات الكفالة وتغيير الاسم بدأ من الغد."
قال فداء: "كما تحب يا عمي."
قال أحمد: "هل يمكن أن تناديني أبي؟ فأنا لم أنجب أبناء وأريد أن أسمعها منك."
قال فداء: "حاضر يا أبي."
يحتضن أحمد فداء وقد دمعت عيناه ويقول: "الحمد لله أنني سمعتها بعد هذا العمر الطويل. هيا بنا كي تستريح، فأمامنا عمل طويل غدًا."
في الملجأ، تجلس رندا مع ندي يتبادلان الحديث.
قالت ندي: "ألم تتذكري شيئًا بعد يا نور؟"
قالت راندا: "للأسف يا ندي، فقط أحيانًا تراودني بعض الكوابيس ولا أعلم شيئًا عنها."
قالت ندي: "ماذا تشاهدين؟"
قالت راندا: "أشاهد جثثًا على الأرض وسيدات يصرخن، ولكني لا أتعرف على وجوه أحد فيهم."
قالت ندي: "لا تقلقي، ستتذكرين مع الأيام. أتعرفين يا آمنة، أشعر بالجوع وأريد أن آكل شيئًا."
قالت راندا: "ومن أين قد تحضرين الطعام؟"
قالت ندي: "المشرف الذي يمسك وردية النهار لديه ثلاجة. سأذهب لأخذ شيئًا منها."
قالت راندا: "ولكنه شخص شرس وربما يؤذيك."
قالت ندي: "لا أعتقد أنه سيعاقبني لو علم أني جائعة."
قالت راندا: "خذي حذرك."
تتسلل ندي وتأخذ بعض الطعام من ثلاجة المشرف وتجلس وتأكله.
بعدها بقليل، ينادي المشرف صارخًا: "من فتح الثلاجة خاصتي؟"
يتسمر الجميع في مكانه ولا يستطيع الأطفال أن ينطقوا بكلمة.
قال المشرف: "إذا لم تعترف السارقة، سأضرب الجميع بالعصا ضربًا مبرحًا."
لم يتكلم أحد، وكذلك ندي، فهي خائفة من العقاب فلم تنطق بكلمة.
يمسك المشرف بواحدة من يتامى الملجأ ويضربها بالعصا على يديها حتى تصرخ من الألم.
فلا تتحمل راندا المنظر وهي تعرف أن الفتاة مظلومة ولم تأخذ الطعام، وفي نفس الوقت لا تستطيع أن تخبره أن صديقتها ندي هي من فعل ذلك، وخصوصًا بعد أن رأتها ترتعد من الخوف وقد ملأت الدموع عيونها.
فخرجت راندا أمام المشرف وأخبرته أنها من أخذ الطعام.
فجذبها بقوة من يدها وأنهال عليها بالعصا ضربًا.
ولكن في هذه اللحظة، كانت وعد قد جاءت لزيارة راندا، فرأت المنظر المحزن، فقامت بتصوير الحدث وهو ضرب المشرف لرندا، ثم رفعت البث على شبكة التواصل الاجتماعي.
ومن ثم دخلت مسرعة وأخذت العصا من المشرف ورمتها بعيدًا، وقامت باحتضان راندا التي احمرت يداها من ضرب العصي، وهي تتوسل للمشرف أن يكف عن ضربها.
بينما باقي الأطفال يبكون من الخوف.
قال المشرف: "من أنت وكيف تتدخلين في أمر لا يعنيك؟"
قالت وعد: "بل يعنيني يا هذا. هذا ملجأ الأيتام، أي المفترض أن يكون مكانًا للرحمة وليس لتعذيب هؤلاء الأبرياء."
قال: "هذا شيء لا يخصك."
قالت: "بل يخصني. قال: "اخرجي من غير مطرود بسرعة، وإلا طلبت لك الشرطة."
قالت وعد: "أنا من طلبت الشرطة يا هذا، وسوف تأتي لتأخذك للسجن بتهمة خيانة الأمانة."
قال: "تضحك، أنت تمزحين بالتأكيد وليس لديك دليل ضدي."
قالت: "بل لدي دليل، وقد رآه ألف شخص في أقل من دقيقة. فقد صورتك وأنت تضرب هذه الفتاة المسكينة وأنزلته بالبث المباشر على النت، وسوف تشاهدها الشرطة وتقبض عليك أيها الجبان عديم الرحمة."
قال المشرف: "إذا سأنتقم منك قبل وصول الشرطة، ولن يخلصك أحد من يدي."
ثم ينقض على وعد بالسكين.
ولكن ندي تأتي مسرعة وتحاول دفع المشرف بيديها الصغيرين، فتتلقى طعنة بالسكين التي كان يمسك المشرف، وتسقط على الأرض غارقة في الدم.
رواية فداء الفصل الرابع عشر 14 - بقلم lehcen Tetouane
تدخل الشرطة وتطلب من المشرف تسليم نفسه.
فيمسك بآمنة بسرعة ويضع السكين على رقبتها مهدداً أنه سوف يقتلها.
ولكنها يغمى عليها من شدة الضغط على رقبتها فيثقل جسدها فلا يقوي الرجل على حملها والامساك بها.
وتسقط منه على الأرض.
وهنا يصوب الشرطي مسدسه على المشرف قائلاً: ارم السكين وسلم نفسك وإلا أطلقت النار عليك.
وهنا يرمي المشرف السكين ويرفع يديه لتقبض عليه الشرطة.
تجري وعد نحو ندى الملقاة على الأرض غارقة في دمائها.
وتأتي الإسعاف لنقلها إلى المشفى.
ولكنها عندما تصل للمشفى يجدها الطبيب قد فارقت الحياة.
تبكي وعد وراندا على ندى.
ثم تمسح وعد دموعها وتخبر راندا أن ندى قد صارت في مكان أفضل.
وتطمئن راندا أنها لن تصاب بمكروه بعد الآن.
فلقد أصبحت قضية الملجأ قضية رأي عام ولن يستطيع أحد أن يعبث مع الأطفال مرة أخرى.
وأخبرتها وعد أنها قدمت طلباً لتكون هي المشرفة النفسية على أطفال الملجأ منذ أيام وقد قُبل الطلب.
لذا فعليها أن تطمئن أنه لن يحدث معها شيء من هذا القبيل بعد الآن.
لأن القائمين على الملجأ سيحرصون على اختيار أحد مؤتمن هذه المرة حتى لا تتكرر الحادثة.
يقرر الضابط أحمد السفر إلى بلد عربي آخر للعمل هناك.
فجهز كل الأوراق المطلوبة وأخرج جوازاً لفداء بعد أن غير اسمه لمحمد.
وأعطاه هو اسم عائلته حتى يكون بعيداً عن الخطر الذي يحيط به.
وقبل السفر بيوم واحد يأخذ أحمد فداء كي يرى أمه قبل الرحيل.
وعندما يصل للغرفة يسمع فداء صوت خالته والعمدة مهران.
فينظر الضابط أحمد خلسة من الباب فيراهما.
فيمسك فداء من يده ويطلب منه أن ينظر لأمه من بعيد.
بينما يدخل هو الغرفة ليشغل العمدة حتى لا يخرج ويراه.
ثم يدخل الضابط أحمد قائلاً: كنت أزور قريباً لي فسمعت صوتك فدخلت لأُسلم عليك قبل سفري.
قال مهران: إنه شرف كبير أن ألتقي بك ولكن ما ستتركنا؟
قال الضابط: لقد عينت مستشاراً هناك وسأسافر غداً.
وهنا تتدخل ليلى في الحديث: حضرة الضابط أن ابن أختي مفقود كما تعلم، وأمه فقدت عقلها من الحزن عليه ولم يتبق له غيري أنا والعمدة.
فهل من الممكن أن تبحث عنه الشرطة؟
قال مهران: الرجل يقول أنه مسافر.
وينظر للضابط قائلاً: لا تشغل بالك حضرة الضابط، فزوجتي لا تعرف شيئاً عن عمل الشرطة وكيف أن لديهم أموراً أخرى أهم من ابن أختها المخطوف.
قال الضابط: أبداً دعها تطلب ما تريد، فنحن أهل وسوف أوصي بعض زملائي بالبحث عنه وإذا عرفوا شيئاً عنه سيتصلون بكم فوراً.
قالت ليلى: شكراً حضرة الضابط.
يخرج الضابط أحمد بعد أن يودع العمدة ليجد فداء أمام الباب وقد انهار من البكاء.
فيأخذه وينصرف بسرعة قبل أن يراه أحد.
وفي السيارة يحاول الضابط أن يهدئ فداء.
قال فداء: لقد كانت أمي على بعد خطوات مني ولم أستطع أن أودعها أو أحتضنها.
قال الضابط: ستعود يوماً ما وقد أصبحت ضابطاً كبيراً كما تريد، وسوف ترد الحق لأصحابه وتحقق ميزان العدالة.
وعندها تستطيع أن تضم أمك أمام الجميع دون خوف.
قال فداء: معك حق يا أبي، سأنتظر هذا اليوم بفارغ الصبر.
في اليوم التالي يسافر أحمد وفداء تاركين خلفهما ماض مثقل بالأحزان.
بينما سامية في المشفى الخاص وكانت ليلى تذهب كل فترة للاطمئنان عليها.
ولكن ذات يوم اتصل المشفى النفسي يطالب مهران بالمال لدفع حساب المريضة.
فيقول لهم أنه دفع كثيراً من المال ولن يدفع شيئاً آخر.
فيخبرونه أنهم سيطردونها إذا لم يدفع.
فيقول لهم مهران: افعلوا ما تشاءون.
ولكن إذا سأل أحد من أهلها عليها فليقولوا أنها هربت من المشفى النفسي.
وبالفعل تطرد سامية من المشفى.
ولكن أثناء خروجها إلى الشارع تشاهدها الدكتورة وعد.
فتمسك يدها وتذهب بها نحو مدير المشفى وتستفسر عن تركهم المريضة تمشي في الشارع وهي في هذه حالة بمفردها.
فيخبرها مدير المشفى أن أهلها رفضوا دفع تكاليف العلاج.
فتأخذها وعد للمصح الحكومي الذي تعمل فيه، حيث للأسف الأعداد كبيرة والرعاية قليلة.
بعدها بأيام يخبر مهران ليلى وإخوتها أن سامية هربت من المصح وأنهم بحثوا عنها في كل مكان ولم يجدوها.
تبكي ليلى على أختها وما وصلت إليه من حال.
ولكن تمر الأيام وتُنسى سامية من أهلها شيئاً فشيئاً.
هناك في مستشفى الأمراض العصبية تتعافى سامية شيئاً فشيئاً من الصدمة بفضل رعاية الدكتورة وعد لها.
ولكن بسبب بكاؤه المستمر على أولادها تبيض عيناها من الحزن ويضعف بصرها شيئاً فشيئاً حتى لم تعد ترى من أمامها إلا كصورة أشباح لا تميز ملامح أحد أو تستطيع التعرف على أحد.
وبالرغم من شفائها لم يعرف أحد بالأمر لأنها كانت صامتة طوال الوقت لا تحاول الحديث مع أحد أو حتى الخروج من المصح العقلي.
فلم يكن لديها الرغبة في العودة للقرية ولا رؤية أحد فيها.
وخصوصاً بعد أن عرفت من وعد أن أهلها رفضوا دفع تكاليف العلاج في المشفى الخاص.
وبعد أن أخبرتها ليلى أختها في آخر لقاء بينهم حين زارتها في المصح الخاص قبل نقلها للمشفي الحكومي أنه لم يعد هناك أمل في أن تجد فداء ابنها.
لذا استسلمت للواقع وقبلت العيش مع المجانين واعتبرته أنه خير لها من العيش مع أناس عقلاء ولكن مجرمين وقتلة كما يحدث في بعض الدول وبعض المناطق والقرى في زمننا هذا.
رواية فداء الفصل الخامس عشر 15 - بقلم lehcen Tetouane
مرت الأيام، وفي بلد عربي، يكبر فداء ويصير ضابطًا في الشرطة، بل يصبح من أوائل دفعته. وبسبب كفاءته العالية، عُيّن في منصب مرموق.
في الجانب الآخر، تكبر راندا وتصبح في السنة النهائية في كلية الآداب، قسم علم نفس. وفي آخر العام، طلب أساتذة الجامعة بحثًا عن المرضى النفسيين ليكون مشروع تخرج لطلبة القسم.
فطلبت راندا من الدكتورة وعد أن تأخذها معها إلى المستشفى النفسي الذي تعمل فيه، حتى تستطيع إعداد الأبحاث المطلوبة منها. ولم تكن راندا قد استعادت ذاكرتها بعد كل هذه السنوات، فهي لا تعرف شيئًا عن ماضيها. وكان الجميع يناديها باسم "نور"، وهو الاسم الذي اعتمده الملجأ في أوراقه الرسمية.
وهناك في المستشفى، الدكتورة وعد تتصل بنور على الهاتف:
"أين أنت الآن يا نور؟"
"أنا في طريقي للمستشفى."
"عندما تصلين للمستشفى، اتصلي حتى أخرج لاستقبالك."
"شكرًا حبيبتي، سلام."
"أنا في انتظارك، سلام."
وعندما تصل نور للمستشفى، تأخذها وعد معها إلى قسم الحالات البسيطة في المستشفى الذي تعمل فيه، من أجل أن تُعد راندا الأبحاث المطلوبة منها.
"تعالي يا نور، سوف أعرفك بالسيدة سامية، وهي تعتبر من عقلاء المستشفى، وهي هنا منذ أكثر من عشر سنوات. وأستطيع أن أتركك معها وأنا مطمئنة، كي أذهب لأكمل عملي، وتستطيعين أن تتعرفي على تجربتها المؤلمة التي كانت سببًا فيما حدث لها."
تدخل وعد الغرفة مع راندا وتشير إلى إحدى السيدات قائلة:
"هذه الحاجة سامية، وهذه نور، طالبة علم النفس التي أخبرتك عنها يا خالة سامية. وسوف تجري معك حوارًا في مجال تخصصها."
ثم تمد راندا يدها لتسلم على سامية، ولكن وعد تقول لها:
"امسكي أنت بيد الحاجة سامية، فهي لا تستطيع الرؤية جيدًا، فهي مصابة بياض العين."
تمسك راندا بيد سامية وتجلس بجوارها قائلة:
"كيف حالك سيدتي؟"
"من أنت يا ابنتي؟ فصوتك ليس غريبًا على أذني."
"اسمي نور، وأنا طالبة في كلية الآداب."
"هل زرت القرية الفلانية قبل ذلك؟"
"لم أسمع به حتى يا خالتي سامية، فلقد تربيت في الملجأ طوال حياتي."
"كم عمرك يا ابنتي؟"
"عندي اثنان وعشرون عامًا، وأنا في السنة النهائية في الجامعة، وأعد مشروع التخرج."
"لو كانت ابنتي على قيد الحياة، لكانت في مثل عمرك تمامًا."
"شكرًا سيدتي، اعتبريني ابنتك، فأنا نشأت في الملجأ بدون أم، وكم تمنيت لو كانت لي عائلة."
"شكرًا ابنتي، تعالي كي أضمك."
تضم سامية راندا، وبينما تشعر راندا بحنان الأم لأول مرة في حياتها، تسقط دمعة من عينها فتمسحها بسرعة.
"أريد أن تقصي علي قصتك منذ البداية، حتى أستطيع أن أحلل شخصيتك وأعطي النتائج من أجل العلاج، حتى أسجل ذلك في أطروحتي."
فتبدأ سامية في سرد جزء من القصة، حتى تشعر راندا أنها بدأت تنفعل وتبكي بحرقة. فتخبرها راندا أنها ستكمل حديثها معها في يوم آخر، حتى تكون قد هدأت نفسيتها قليلاً وتستطيع إكمال القصة لها. ثم تقبل راندا رأسها وتنصرف والدموع تملأ عينيها.
هناك في القرية، تجلس آمنة مع والدها العمدة مهران وليلى أمها.
"غدًا سيكون حفل تخرجي من كلية الشرطة، ويجب أن تكون أنت وأمي في الحفل."
"طبعًا يا ابنتي، سأكون في الصفوف الأمامية، فهذا شرف للكفر كله. فأنت أول فتاة تتخرج من كلية الشرطة في القرية. هذا وسوف أطلب تعيينك في..."
"لا يا أبي، فأنا أريد أن أعمل هنا حتى أصلح أمورًا كثيرة هنا في البلدة. لقد كثر تجار المخدرات والآثار والسلاح بشكل غريب في السنوات الأخيرة، وأريد وضع حد لها."
"ابنتي الرقيقة ذات الشعر الذهبي والعيون الخضراء، ستحاربين المجرمين." ثم يضحك قائلاً: "يبدو أنك ستقتلينهم بجمالك وسحر عيونك."
"لا تسخر مني يا أبي، وستري كم أنا قوية، وسأحقق العدالة في القرية."
"أنا أمزح معك طبعًا، وسأكون أنا وجيش الذي عندي في ظهرك وسندًا لك."
في الجانب الآخر، يمرض الضابط أحمد مرض الموت. فيرعاه فداء حتى النهاية. وعندما يشعر باقتراب أجله، يمسك يد فداء قائلاً:
"أظن أن الأوان قد حان للرجوع لبلدنا. ستذهب أنت وتبحث عن أسرتك، ولعل الله يجمعك بهم."
"ولكني أريد أن تكون معي حتى تنصحني وتدعمني."
"على العكس، لو ذهبت معك سيفضح أمرك، فكل من في القرية يعرفني. وأنا قد أوصيت زملائي بتعيينك في قسم شرطة الكفر. ولقد استغربوا بصراحة كيف يكون أحد مثلك تلقى تدريبًا عاليًا كهذا ويشغل هذا المنصب المرموق في هذا البلد، ثم يطلب العمل في كفر بعيد هكذا. ولكني أخبرتهم أنك تحب المهام الصعبة وتريد البدء من الصفر."
"شكرًا أبي."
"وصيتي أن تدفنيني في بلدي، وفي العاصمة بالتحديد، وسط مقابر العائلة."
"لا تقل هذا يا أبي، ستشفى وتكون بخير إن شاء الله."
"لا يا بني، أنا أشعر أن أجلي قد اقترب، لذا فوصيتي لك أن تنهي هذا الصراع على الثأر في بلدكم. وحتى هذا الحين، يجب أن تخفي هويتك حتى لا يستطيع أحد التعرف عليك. لذا فأنت من هذه اللحظة لست فداء، بل الضابط محمد، كما تقول كل الأوراق الرسمية التي استخرجتها لك. وستظل بهذه الهوية حتى تستطيع تحقيق العدالة ورد المظالم إلى أهلها."
"سأفعل، لا تقلق يا أبي."
وقبل أن يكمل فداء حديثه، يلفظ الضابط أحمد أنفاسه الأخيرة، بينما يقبله فداء قبلة الوداع وسط دموعه على رجل كان له نعم الأب، ولم يبخل عليه لا بالحب أو المال، بالرغم من عدم وجود صلة قرابة تربطه به.
وفي اليوم التالي، كان فداء يحمل جثمان والده إلى المطار متوجهًا نحو العاصمة في بلده، حيث قام بدفن الجثمان، ليتجه بعدها إلى مسقط رأسه وهو يركب سيارة الشرطة ليستلم عمله في قريته، قائلاً:
"والآن ستبدأ رحلتك يا فداء، لتصويب كل أخطاء الماضي وتحقيق العدالة لأسرتي، ويجب أن يدفع الجناة الثمن، ولكن بطريقتي."
رواية فداء الفصل السادس عشر 16 - بقلم lehcen Tetouane
بعد أن دفن فداء الضابط أحمد في مقابر العائلة في العاصمة، ذهب إلى القسم الرئيسي لأخذ الأوراق المطلوبة لاستلام عمله بالقرية. أرسل أحد المخبرين الذين يعملون في قسم المحافظة الرئيسي ليسأل عن أسرة المرحوم سالم. أخبره المخبر أن الابن مفقود ولا أحد يعرف طريقه. أما الفتاة، فقد اختفت منذ عشر سنوات، وكل أهل القرية يقولون إنها قد غرقت في المصرف وأكلتها تماسيح النيل لأنه لم يُعثر على جثتها. أما الأم سامية، فقد اختفت بعد ثلاثة أشهر من المستشفى النفسي الخاص ولا أحد يعرف عنها شيئاً، فلم تعد لبلدتها وهي مختفية منذ أكثر من عشر سنوات.
يبلع فداء ريقه والألم يعتصر قلبه، ثم يقرر الذهاب إلى المستشفى الخاص بنفسه ليستفسر عن بعض المعلومات، لعله يعرف شيئاً عن أمه قبل أن يذهب لاستلام عمله بالقرية.
في المستشفى الخاص، قال فداء: "لو سمحت أيها الطبيب، أنا أحقق في إحدى القضايا وهناك سيدة تدعى سامية عمران كانت هنا في المستشفى منذ عشر سنوات وأريد أن أعرف كيف خرجت من المشفى حتى أستطيع العثور عليها لاستكمال القضية."
قال الطبيب: "يمكنك الذهاب لأرشيف المستشفى وهناك تستطيع الحصول على المعلومات، ولولا أنك شرطي ما كنا سمحنا بذلك."
قال فداء: "بعد إذنك." ثم يذهب إلى الأرشيف هو وأحد الموظفين.
بعد بحث مجهد، يجد الموظف سجلات الحاجة سامية عمران. ويعرف فداء من خلال السجلات أنها خرجت لأن العمدة رفض دفع تكاليف بقائها في المستشفى وأنها خرجت دون أن تكمل علاجها.
قال فداء: "وكيف تخرجون مريضة وهي لا تعي ما يحدث حولها؟"
قال الموظف: "هذا من اختصاص إدارة المستشفى وليس من اختصاصي، فالمستشفى قائم على الربح المادي أولاً وأخيراً."
قال فداء: "والإنسانية أليس لها أي أهمية؟"
قال الموظف: "سيدي، لو استعملنا الإنسانية هنا فسيفلس المستشفى ويغلق أبوابه خلال شهور، ولن يجد مالكه مالاً لدفع رواتب العاملين به."
قال فداء: "كلام فارغ! أليس هناك زكاة مال للحالات الخاصة؟ ولكن الجشع والطمع أعمى قلوبهم لدرجة إلقاء امرأة مصابة بانهيار في الشارع دون شفقة أو رحمة."
قال الموظف: "أنت منفعل سيدي أكثر من اللازم، هل تعرف المرأة؟"
قال فداء: "لا، لا، ولكن الموقف استفزني."
ثم يخرج فداء من المستشفى ويقف أمامها قائلاً: "أين ذهبت يا أمي؟ ولكن كل هذا بسبب العمدة. لقد أجر والدي لك الأرض وتستغلها منذ أكثر من عشر سنين، على الأقل كنت عالجت أمي ببعض المال الذي تدين بها لك. ولكن لا، دمرت أسرتي وضيعت أمي وسرقت أرضها. لقد زاد رصيد جرائمك عندي يا مهران، وسوف تدفع الثمن غالياً."
وبعد أن يصل إلى القسم لأخذ الأوراق، يطلب منه المأمور أن يذهب ممثلاً للقسم في سباق الخيل الذي تقيمه المزينة، وخصوصاً أنه بطل للفروسية وقد أخذ مركزاً متقدماً في العام الماضي على مستوى الدول العربية.
قال فداء: "يشرفني سيدي بالطبع، ولكن كنت أود استلام عملي في القرية الفلانية غداً."
قال المأمور: "أنت فعلاً مجتهد كما سمعت عنك، ولكن هذا طلب خاص وسيتم تكريم القسم الفائز ونريد نيل هذا الشرف."
قال فداء: "تمام يا سيدي، سأنفذ الأمر. متى السباق؟"
قال المأمور: "عصر اليوم. طبعاً المفترض أن تتدرب قبلها، ولكن..."
قال فداء: "لا تشغل بالك سيدي، فلا أحتاج إلى تدريب."
في موعد السباق، ينظر فداء لأسماء المشتركين فيجد حسين ابن خالته من ضمن الخيالة.
قال فداء: "حسناً، حسناً يا ابن خالتي، هناك دين عليك أن ترده. لقد أخذت الفرس الذي كنت أركبه عندما كنت صغيراً وأسقطني وكادت أن تكسر يدي، والآن سأرد لك الصاع صاعين. انتظر فقط وسوف ترى."
وبعد أن بدأ السباق، كان في استطاعة فداء أن يتقدم السباق، ولكنه تقهقر حتى أصبح خلف حسين بفرسه. ثم وخذ الفرس التي يركب عليها حسين ليقف على قوائمه الخلفية ويسقط حسين على الأرض. فينظر إليه فداء إلى الخلف وهو يبتسم.
بينما ينفض حسين ثيابه لينطلق هو مسرعاً ويسبق جميع المشتركين ويفوز بالسباق وهو يقول لنفسه: "هذه الأولى يا حسين، ولي عندك دين آخر سآخذه قريباً جداً، انتظر فقط وستري."
وبعد أن ينتهي السباق، يسلم منظموا السباق الميدالية الذهبية لفداء.
وعند خروجه من قاعة التكريم، يذهب حسين نحوه قائلاً: "لقد كنت أحصل على مركز متقدم طوال سنوات، وهذه المرة الأولى التي أخسر فيها."
قال فداء: "إذاً عليك أن تعتاد على الخسارة."
قال حسين: "ماذا فعلت بالفرس يا هذا؟ إنه معي منذ سنوات ولم يحدث شيء كهذا من قبل، وأنا متأكد أنك خلف ما حدث له، فلقد كنت خلفي مباشرة ونظرت لي بسخرية عندما سقطت."
قال فداء: "كل هذا أوهام في عقلك يا فتى، ماذا بيني وبينك؟ حتى أنني لا أعرفك. بالإذن منك فأنا رجل وقتي ثمين ولا أحب تضييعه في مثل هذا الهراء." ثم ينصرف فداء وهو يبتسم.
قائلاً: "سأنتظر ردة فعلك عندما ألقيك في مصرف القرية قريباً."
في اليوم التالي، يعود فداء للقرية ويذهب لاستلام عمله في قسم الشرطة. وعندما يعلم العمدة مهران، يذهب ليستقبل الضابط الجديد محمد حتى يأخذه تحت جناحه كالضباط السابقين. ولكن فداء هو الآخر كان أيضاً يفكر في نفس الشيء، وهو كيف يطوي العمدة تحت جناحه حتى يثبت بالدليل أنه هو القاتل الحقيقي الذي دمر أسرته، وكيف سيدخل بيت العمدة ويجعله يطمئن له حتى يستطيع أن يبحث عن سلاح الجريمة بنفسه.
رواية فداء الفصل السابع عشر 17 - بقلم lehcen Tetouane
كان فداء يعرف أن مهران سيحاول أن يأخذه في صفه حتى ينفذ جرائمه من تسهيل بيع السلاح في القرية دون أن تتعرض له الشرطة.
فقرر فداء أن يجاريه حتى يتقرب منه ويمسك عليه دليلاً يدينه.
توجه مهران للضابط محمد وسلم عليه قائلاً:
"أنت مدعو عندنا اليوم حضرت الضابط على الغداء."
قال فداء:
"بالطبع أقبل الدعوة سيد مهران، فلقد علمت أنك رجل كريم ومضياف ولن أرد واجبك."
قال مهران:
"إذا توكلنا على الله سانتظرك بعد صلاة الظهر."
قال فداء:
"طبعاً سأكون في الموعد تماماً."
بعد صلاة الظهر يتوجه فداء نحو دوار العمدة، ولكنه يقف أمام باب الفناء قليلاً فقد تذكر ما مر به من ذكريات في هذا المكان.
هنا كان حبه الأول من ابنة خالته آمنة، وهنا كان يرقد مبتلاً حين رماه حسين في المصرف.
وهنا كان يلعب مع أخته راندا وأمنه بينما أمه وخالته تجلسان على تلك المصطبة تضحكان.
كل شيء مر أمامه في لحظات كأنه شريط سينما، ولكنه استفاق على صوت الغفير وهو يطلب منه الدخول للبيت.
وها هو يدخل البيت الذي طالما شهد جزء جميلاً من أيام طفولته، ثم يجلس فداء على الطبلية بجوار العمدة ليأكل معه وهو يقول لنفسه:
"ها أنا ذا أجلس جنباً إلى جنب بجوار القاتل الحقيقي الذي أشعل النار في بيتي ودمر أسرتي. ولكن نجاح حيلتي يقتضي الصبر."
قال مهران:
"أين ستسكن حضرة الضابط محمد؟"
قال فداء:
"هناك بيت في القرية، أخبرني الصول جاد أنه مهجور منذ أعوام، سأسكن فيه حتى ينتهي موظفو القسم من تجهيز الاستراحة الخاصة بي، فهي تحتاج إلى دهان وبعض التجهيزات."
قال مهران:
"لولا أن لدي فتاة في البيت كنت استضفتك عندي، ولكن البيت الذي دلّوك عنه بيت أخت زوجتي وهي مختفية هي وابنها منذ زمن، ولكنه بيت واسع ومريح."
قال فداء:
"شكراً حضرة العمدة على كرمك، فلقد كلمت أقارب أصحاب البيت فقرروا استضافتي فيه لبضعة أيام حتى تنتهي الاستراحة ثم سانتقل إليها."
قال مهران:
"بالتوفيق. ها قد وصل الطعام، مد يدك وكل. زوجتي طباخة ماهرة، ولولا أننا لا نكشف نساءنا على أحد، لاخرجت بنفسها للترحيب بك."
قال فداء:
"شكراً سيد مهران."
ثم يقول في نفسه:
"كنت أود رؤيتها، فهي من ريحة أمي، وكنت سأرى وجهها لو رأيتها."
وأثناء الطعام تدخل آمنة إلى المنضرة قائلة:
"أين أنت يا أبي؟"
قال مهران:
"تعالي يا آمنة."
ثم يضحك قائلاً:
"كنت أقول لك منذ قليل أن نساء البيت لا يقابلن الرجال، ولكن هذه ابنتي الصغيرة ولم أمنعها من الدخول لأنها ضابطة وهي تعمل معك في نفس القسم وستراها كل يوم، فلا داعي لأخفائها."
ينظر فداء للفتاة ويبتسم ويقول في نفسه:
"إذا هذه حبيبتي الصغيرة، ولكنها لم تعد كذلك، لقد كبرت وأصبحت امرأة ناضجة، ولكنها ازدادت جمالاً وفتنة."
قال مهران:
"ابنتي آمنة ألقت عليك السلام، فلما لم ترد عليها؟"
قال فداء:
"آسف حضرة العمدة، ولكن شرد ذهني قليلاً. أهلاً بك آنسة آمنة."
قالت آمنة:
"أهلاً بك حضرت الضابط محمد."
قال فداء:
"ألا تعتقدين أن مهنة الشرطة عملاً غير مناسب للنساء؟"
قالت:
"على العكس، أنا أراها مهنة مناسبة تماماً، فليست كل المهام تعتمد على القوة والعضلات، والكثير منها يحتاج للذكاء. وأكثر عمل المباحث يعتمد على القدرة على تحليل البيانات والتركيز على التفاصيل البسيطة وربط الأشياء ببعضها، وهذا ما يبرع فيه النساء أكثر من الرجال."
قال فداء:
"يبدو أنك متحدثة بارعة، وعندما نعمل سوياً سنرى قدرتك على تحليل البيانات."
قال مهران:
"طبعاً يجب أن تكون متحدثة بارعة، فابن الوز عوام، لقد ورثت الفصاحة من أبيها."
قالت آمنة:
"شكراً يا أبي، ولكن بالاذن منكم، فعندي عمل في القسم، فأنا استلمت البارحة فقط ولا أريد أن يأخذ مديري فكرة سيئة عني."
قال فداء:
"ولكن مديرك ضيف عندك الآن وهو يسمح لك بالتأخير قليلاً."
قالت:
"أنت مديري في القسم، أما هنا في البيت فأنت ضيفي. لذا سأترك ضيفنا المحترم وأذهب لعملي."
قال فداء:
"تفضلي آنستي، فأنا من النوع الذي يقدر من يحترم المواعيد."
قالت:
"بالاذن منكم."
ثم تنصرف.
قال مهران:
"كما ترى، إنها فتاة عنيدة، وأنا أطلق عليها الغزال الصغير. ولكن المشكلة أنها ترفض الزواج بالرغم أن معظم شباب القرية تقدموا لخطبتها، ولكني لن أفرض رأي عليها، فهي الصغرى المدللة، فكل أخواتها تزوجن وذهبن لبيت الزوجية، ولم يبق معنا إلا هي."
قال فداء:
"هل لديك أبناء ذكور؟"
قال مهران:
"لدي ولد وحيد وقد أرسلته ليدرس في العاصمة، فللأسف يأخذ كل سنة في سنتين، وبالرغم أنه أكبر من آمنة بأربع سنوات، إلا أنه ما زال في السنة الأخيرة في كلية الحقوق."
قال فداء:
"أرجو له التوفيق."
قال مهران:
"الحقيقة أنني جهزت له شقة في الطابق الثاني واشتريت له العفش وكل الأجهزة الكهربائية، ولكنه يرفض تماماً أن يتزوج ويسكن في القرية، ويقول إنه سيسكن في مكان آخر ويتزوج من هناك."
قال فداء:
"معظم الشباب يفكرون مثله الآن، ولن تستطيع إجباره على شيء. شكراً على الغداء الرائع. بالاذن منك، فلدي أعمال كثيرة اليوم."
هناك في الملجأ تجلس وعد مع راندا، فلقد كانت تأتي كل يوم بعد العصر بعد انتهاء عملها في المصح العقلي لمتابعة أطفال اليتيم.
قالت دكتورة وعد:
"ما بك يا نور منذ أن حضرت من المشفى وأنت حزينة؟"
قالت راندا:
"قصة السيدة أثرت في قلبي، لقد حكت لي عن زوجها الذي قتل وابنها المفقود، ولكن لم تكمل لي الحكاية، فلقد انهارت، فقررت أن أكمل الحكاية غداً."
قالت وعد:
"لو أصبحت تتأثرين بكلام المرضى هكذا، فستعيشين حياة حزينة، يجب أن تعتبري هذا عملاً فقط ولا دخل له بالمشاعر، لأنك طالما أصبحت تعملين في هذا المجال، فسوف تصادفين مآسي كثيرة."
قالت راندا:
"ما حدث رغماً عني، ولا أدري لماذا تأثرت لهذه الدرجة، بل أنني شعرت كأن المرأة ليست غريبة عني، وكأنني رأيتها في مكان ما قبل."
قالت وعد:
"لو أنك ستعانين هكذا من البداية، فدعك من هذا المشروع وسأختار لك شخصاً آخر غير سامية."
قالت راندا:
"لا، بل أريد أن يكون مشروع تخرجي عن هذه المرأة بالذات، فأنا أريد أن أعرف باقي القصة."
قالت وعد:
"إذا حاولي ألا تخلطي بين العمل وبين حياتك الخاصة."
قالت راندا:
"سأحاول، لأني متشوقة أن أسمع باقي حكاية سامية بكل تفاصيلها، ومن يعلم، قد أستطيع العثور على ابنها المفقود وأغير حياتها."
رواية فداء الفصل الثامن عشر 18 - بقلم lehcen Tetouane
بعد أن يخرج فداء من بيت العمدة ويتوجه لقسم الشرطة الذي يعمل فيه ويدخل إلى مكتبه.
وبعد أن يجلس برهة من الوقت، يدق الجرس ويطلب من آمنة أن تحضر إلى مكتبه.
وهو يقول لنفسه: "آسف حبيبتي، ولكنك أول شخص سأبدأ انتقامي منه."
تدخل آمنة.
"أهلاً بك في القسم، حضرة الضابط محمد. ماذا تريد مني؟"
قال فداء: "شعرت من كلامك أثناء الغداء أنك فتاة قوية ومتحمسة للعمل، وأرى أنك سوف تساعديني في عملي كثيراً. لذا أريد منك التوجه للارشيف."
ثم أعطاها ورقة مكتوب عليها بعض الأسماء وأكمل قائلاً: "هذه الورقة بها أسماء قضايا معلقة لأنه لم يستدل على الجاني فيها. لذا فأنت ستخرجينها كلها ثم تدرسينها بدقة وتربطين النقاط ببعضها البعض وتحللين القضية. فالنساء أكثر ملاحظة من الرجال في القضايا المعقدة."
"طبعاً، هذا كلامك الذي قلته لي منذ قليل عندما كنت أتناول الطعام في بيتكم. وأعتقد أنه من خلال دراسة الملفات ستتوصلين للجاني الحقيقي بعد كل هذه السنوات. هيا أريد أن أرى براعتك، فأنت من سيثبت لي كفاءة النساء في العمل. ولكن اتصلي أولاً بأسرتك لتخبريهم أن لديك عمل مهم في القسم وستتأخرين، وربما تبقين الليل بطوله."
قالت آمنة في نفسها: "أنت تريد تعجيزي، ولكن سأفعل ما طلبته لأثبت لك أني أنفذ ما أقوله."
قال فداء فيما شردت: "هل المهمة شاقة عليك؟ صارحيني."
قالت: "أبداً، إنها مهمة غاية في السهولة ولن تستغرق معي وقتاً طويلاً."
يتقدم فداء قليلاً ويدوس على إحدى قدميها متظاهراً أنه لا يشعر بذلك.
ثم يقول: "عزيزتي، لا، نحن لا نهتم للحديث هنا، وإنما يهمنا الفعل، أليس كذلك؟"
قالت وهي تتألم من ضغطه على قدمها، ولكنها تقف بثبات حتى لا يشعر بضعفها: "طبعاً، ولكن يجب أن ترفع قدمك التي تدوس بها على قدمي أولاً حتى أستطيع الذهاب."
قال: "أوه، عذراً منك، لما لم تخبريني مباشرةً؟ فأنا أظن أن أصابعك الرقيقة قد سحقت تحت حذائي."
قالت: "أبداً، فأنا لم أشعر بشيء حتى أخبرك."
قال: "رائع أنك فتاة قوية فعلاً. هيا اتصلي بأهلك لتخبريهم بتأخرك ثم أعطني الهاتف."
قالت آمنة: "لماذا تريد هاتفي؟"
قال: "لأني سآخذه منك حتى تنهي عملك."
قالت: "ما تفعله غير قانوني، حضرة الضابط."
قال: "على العكس، أنا أحمي الوثائق الخاصة بالقسم. فما أدري أنا، فربما تصورينها فتتسرب لخارج القسم وتتعقد القضية أكثر."
قالت: "إن كنت لا تثق بي، فلما كلفتني بهذا العمل؟"
قال: "أنا جديد هنا والأمر متعلق بالحذر وليس بالثقة."
تجري آمنة مكالمة لبيت والدها وتخبر أمها أنها ستتأخر قليلاً.
ثم تعطيه الهاتف.
قال فداء: "انتبهي لنفسك، فالغرفة مليئة بالفئران."
قالت: "لماذا تقول لي هذا؟ أنت تقصد إزعاجي فقط."
قال فداء: "هيا انصرفي، فأنت تتخطين حدودك في الحديث معي."
تنصرف آمنة متوجهة نحو الأرشيف في بدروم القسم.
وتفتح بابه وتدخل لتجد عشرات الأرفف وعليها مئات القضايا.
فتقول لنفسها: "ماذا أفعل الآن؟ ومن أين أبدأ؟"
وتتجه نحو أحد الأرفف وتجد أول حرف تبحث عنه.
فتُحاول أن تشد إحدى اللفائف فلا تصل إليها.
وفجأة تجد أحداً قد أمسكها من وسطها ورفعها للأعلى.
قائلاً: "هيا، أحضري ما تريدين."
فتمسك الملف وتسحبه، فيخرج منه الغبار ويتطاير على وجهها.
فينزلها فداء قائلاً: "على فكرة، هناك سلم في الزاوية، يا دقيقة الملاحظة. تستطيعين استخدامه للوصول للملفات."
قالت آمنة: "أنا جديدة في المكان، والإضاءة غير كافية لذا لم أره."
يمسك فداء منديلاً ويمسح لها بعض التراب الذي سقط على وجهها.
ولكن آمنة تدفع يده بعيداً قائلة: "ولو سمحت، لا تقترب مني مرة أخرى."
قال فداء: "ألا تثقين في نفسك؟"
قالت آمنة: "الحقيقة أنا أثق بنفسي، ولكني لا أثق بالغرباء."
قال: "ولكني لست غريباً، فأنا رئيسك في العمل، وربما أكون..."
ثم يصمت قائلاً في نفسه: "أنت تعرفينني بقدر معرفتك لنفسك. أنا رفيق طفولتك، ولكنك لا تعرفين ذلك. لذا تخافين أن أسرق قلبك، وهذا ما سأفعله بالضبط. فلا بد من وسيلة لدخول بيت العمدة والإقامة هناك حتى أخرج ما في جوفه من أسرار، وأنت وسيلتي لذلك."
ثم يأخذ منها الملفات متعمداً الإمساك بيدها.
ثم يقترب منها ويهمس في أذنها: "هيا، فأمامك عمل طويل يا قطتي."
ثم يتجه نحو المكتب.
قالت آمنة: "لو سمحت، لا تناديني هكذا ثانية. أنت مديري في العمل فلا تتخطى حدودك معي. والشخص الوحيد الذي كان يناديني بهذه الكلمة هو ابن خالتي وهو مفقود."
قال فداء: "اعتبريني مكانه لبعض الوقت."
قالت آمنة: "آسفة، لا أستطيع. فلن يأخذ أحد مكانه أبداً."
قال: "يبدو أنك مغرمة بابن خالتك هذا. أنه محظوظ فعلاً."
قالت: "لا أحب أن يتدخل أحد في حياتي الشخصية، لو سمحت. هيا لنبدأ العمل، فلقد ضاع ما يكفي من الوقت."
قال: "ومن قال أنني سأبقى معك؟ فأنت من سيعمل هنا عزيزتي. أما أنا، فسأتناول بعض القهوة في مكتبي."
ثم يلتفت إليها وهو يغادر قائلاً: "على فكرة، لا تنسي استخدام السلم، واسحبي الملفات برفق حتى لا يغطيك الغبار مرة أخرى. بالإذن منك."
يخرج فداء ويغلق باب الغرفة بالمفتاح من الخارج، وينصرف متوجهاً لمكتبه.
بينما تذهب آمنة لإحضار باقي الملفات المطلوبة.
يجلس فداء على مكتبه لثلاث ساعات وهو في صراع مع نفسه.
"لما شعرت نحوها بكل هذا الشوق عندما رأيتها؟ ولما كان قلبي يرتجف عندما حملتها لتحضر الملفات؟ ولما شعرت بالحزن عليها عندما رأيت التراب يغطي وجهها؟ ماذا أفعل يا فداء؟ هل جئت كي تحب أم تنتقم؟ يجب أن تنسى أن آمنة كانت حبيبتك يوماً، وتتذكر فقط شيئاً واحداً: أنها بنت عدوك وقاتل أبيك."
ثم تصطدم يده فجأة بهاتف آمنة.
فينظر إليه قائلاً: "أوه، لقد مضت ثلاث ساعات وهي هناك. ولكن المكان هناك مليء بالفئران وهي تخافها كثيراً. كفاك هراء، كيف ستنتقم منها وأنت تخاف عليها؟"
ثم يكمل قائلاً: "ما الأفضل للخطة؟ أن تصبح عدوتك أم حبيبتك؟ أعتقد أنها لو أحبتك سيكون أفضل من عداوتها لك. لأنك ستستطيع بذلك دخول بيت العمدة بسهولة والبحث بداخله. فماذا ستستفيد من كرهها وعداوتها؟ وما المانع من قليل من الحب وسط كل هذا الحقد والغضب؟ فلعل نيران الحب تطفئ نيران الحقد والغضب التي بداخلك."
ينفخ فداء أنفاسه وهو يقول: "هيا بنا للمخزن لنطمئن على قطتي ذات العيون الجميلة."
يذهب للمخزن ويفتح الباب ليتفاجأ.
رواية فداء الفصل التاسع عشر 19 - بقلم lehcen Tetouane
ذهب فداء إلى المخزن وفتح الباب ليفاجأ بأن آمنة تجلس فوق المكتب وهي تبكي. شعر بالحزن وتألم قلبه من أجلها، فاقترب منها قائلاً: "لما تبكين أيتها القوية؟"
نظرت إليه وصفعته على وجهه قائلة: "أنت مديري، ولكن لا يعطيك هذا الحق في أن تفعل بي هذا. لماذا أغلقت الباب من الخارج؟ لقد كانت الفئران في كل مكان حولي، وعندما حاولت الخروج وجدت الباب مغلقًا من الخارج، وعندما أردت استخدام الهاتف تذكرت أنك قد أخذت هاتفي أيضًا. لقد تعمدت أن تفعل ذلك لتثبت لنفسك أنني ضعيفة، أليس كذلك؟ مبارك لك النجاح الباهر الذي حققته، حضرة الضابط."
قال فداء: "أنا لم أقصد أن أغلق الباب، ولكن هذا شيء بحكم العادة فقط. لقد اعتدت على قفل باب الأرشيف عند خروجي منه ونسيت أنك بالداخل. ولقد ظللت أعمل منذ أن غادرت من هنا فنسيتك، ولكن عندما تذكرت حضرت فوراً كي أخرجك. أنا آسف لما حدث، هيا بنا ويكفي بحثك لهذا اليوم."
قالت آمنة: "ولكني لم أنتهِ من الملفات بعد، ويجب أن أعيدها لأماكنها."
قال: "اتركيها مكانها على المكتب وسأخبر أحد الموظفين غداً بأن يجمعها ويعيدها أماكنها."
ثم حملها بين يديه وأنزلها من على المكتب، وبمجرد أن مشت خطوتين، جاء فأر مسرع واصطدم بقدمها. فصرخت ورمت نفسها في حضنه، فانتهز فداء الفرصة وحملها بين يديه وضَمّها لصدره.
قالت: "ماذا تفعل؟ انزلني فوراً."
قال: "أنا أحملك فقط حتى أخرجك من الغرفة، وبعدها سأنزلك فوراً، إلا إذا أحببتِ أن تصطدم الفئران بك مرة أخرى."
قالت: "حسناً." فتمسكت برقبته بينما تنظر إليه وتتأمل في وجهه الغاضب، وهي تقول لنفسها: "يالك من فتى وسيم، ولولا أن قلبي متعلق بفداء لكنت أحببتك. فأنت مع أنك قاسِ القلب، يظهر الحزن في عينيك، ولكن وجهك يبدو عليه علامات الغضب شيئاً ما. هل قلبك قاسٍ كملامحك؟ أو ربما لا. الحقيقة أنك شخص غامض ولا أستطيع فهمك."
وعندما وصل فداء لباب الغرفة، أنزلها على الأرض وأغلق باب الأرشيف.
قالت آمنة: "شكراً، ولكن أرجو ألا يتكرر هذا مرة أخرى. فلو رآك أبي وأنت تحملني لقتلك."
قال فداء في نفسه: "لقد قتلني أبوك بالفعل منذ زمن بعيد حين حرمني من كل أسرتي." ثم نظر إليها قائلاً: "أنا مستعد للموت من أجل هذه العيون الجميلة."
نظرت للأرض في خجل: "لو سمحت، لا أريد أن تتغزل في. نحن هنا في قرية صغيرة وأنا أخاف على سمعتي."
نظر إليها فداء قائلاً: "طبعاً طبعاً، وأنا أيضاً أهتم لسمعتي." ثم ابتسم ابتسامة ماكرة وابتعد قائلاً: "تستطيعين الرجوع لمنزلك، فقد انتهى العمل."
قالت: "ولكني لا أستطيع الرجوع مشياً في هذا الوقت المتأخر، فقد أصبحت الساعة الواحدة صباحاً."
قال: "إذاً هيا، سأوصلك بسيارة الشرطة خاصتي، فأنت في طريقي."
ركب الاثنان سيارة الشرطة وانطلق فداء بآمنة نحو منزلها.
قالت: "أين ستذهب؟ واستراحتك لم تنتهِ بعد."
قال: "سوف أذهب لأستريح قليلاً في أحد البيوت القريبة حتى يتم تجهيز الاستراحة."
قالت: "سمعت في القسم أنك ستبقى في بيت خالتي سامية، ولكني لم أصدق لأنه مهجور منذ زمن بعيد، حتى أن الناس تسميه بيت الأشباح."
قال: "ولكني لا أخاف الأشباح لأني واحد منهم، كما أن بقائي هناك سيكون مؤقتاً."
قالت: "أعتقد من خلال الفترة القصيرة التي قضيتها معك أنك لا تخاف فعلاً، ولكن البيت مهجور منذ زمن ومليء بالتراب."
قال: "لا تقلقي، لقد أرسلت في الصباح من قام بتنظيفه."
قالت: "حسناً، أتمنى أن ترتاح هناك. على كل حال، لقد وصلنا للبيت. شكراً على توصيلي، هيا نلتقي غداً."
نزلت آمنة، ثم أكمل فداء طريقه ووصل لمنزله القديم وهو يقدم قدماً ويؤخر أخرى. وعندما فتح الباب ودخل، شعر بكل ركن في البيت ينادي عليه وعلى من كانوا يسكنون معه في البيت، وسمع صدى صوته وهو ينادي على أمه. فأغلق الباب وتجه نحو سرير أمه وجلس عليه وبكى بأعلى صوته قائلاً: "أين أنت يا أمي؟ أين أجدك؟ لقد ذهبت إلى المصح الخاص وبحثت عنك وأخبروني أنهم لا يعلمون عنك شيئاً منذ أكثر من عشرة أعوام. أين اختفيت؟ وهل لا زلت على قيد الحياة أم تركتني وحيداً في هذا العالم الموحش؟"
ثم ذهب لسرير أخته راندا ووجد عروستها مازالت في أحد أركان الغرفة وقد غطاها التراب. فنفضها واحتضنها قائلاً: "وأنت يا صغيرتي، هل صحيح أنك أصبحت طعاماً للتماسيح كما يزعم أهل القرية أم نجوت؟" ثم ضرب يده في قوائم السرير قائلاً: "ولكني أقسم أنني سأنتقم من كل شخص تسبب في أذيتكم وسوف أعاقبهم جميعاً حتى يتمنوا الموت ولا يجدونه. وسوف أبحث في كل مكان حتى أجدك يا أمي."
هناك في الميتم تجلس وعد مع راندا.
قالت وعد: "ما بك يا نور؟ عندما لم تحضري المستشفى قلقت عليك وجئت الملجأ حتى أطمئن عليك وعلى باقي الفتيات."
قالت راندا: "لقد أكملت اثنين وعشرين عاماً وإدارة الملجأ سوف تعطيني تصريحاً بالخروج نهائياً، ولا أدري أين أذهب."
قالت وعد: "هل هذا فقط ما يزعجك؟ بسيطة، ستأتي لتسكني معي."
قالت راندا: "لا، لن أزعجك، فزوجك لن يعجبه الأمر."
قالت وعد: "زوجي تركني منذ فترة وتزوج من أخرى لأني لا أنجب."
قالت راندا: "كيف هذا؟ أبعد زواج استمر عشر سنوات يتخلى عنك بهذه البساطة؟"
قالت وعد: "للأسف، لقد كشفنا على أطباء كثر واتضح أن العيب مني. ثم أخبرني أنه سيتزوج، فلم أعترض لأن من حقه أن يكون لديه طفل. بل رشحت له إحدى صديقاتي، وكانت قد تزوجت وأنجبت طفلاً واحداً ثم انفصلت عن زوجها. وعندما خطبها زوجي، اشترطت عليه العروس الجديدة أن يطلقني حتى تقبل به. وللأسف استجاب لها على الفور، مع أنني كنت سأقبل أن أعيش كزوجة ثانية. ولكن للأسف فاجأني وطلقني غيابياً وأرسل لي قسيمة الطلاق على يد محضر. المهم، لقد حدث ما حدث وانفصلنا. فهيّا اجمعي أشياءك وتعالي لتعيشي معي، فأنا وحيدة في هذا العالم بعد وفاة أمي ولا أحد من أخوتي يسأل عني إلا نادراً، فكل منهم مشغول بعمله وأسرته."
قالت راندا: "شكراً لك يا وعد، لقد أزحت هماً كان على قلبي، ولقد أعددت حقيبتي بالفعل، فهيّا بنا."
هناك في القرية، يذهب فداء للقسم في الصباح ويجلس على مكتبه. ثم يأتي أحد أفراد الشرطة ويخبره أن المتهم مجد قد أنهى مدة حبسه وقد أتى للقسم من أجل إخلاء السبيل والمراقبة الدورية.
يتسمر فداء في مكانه. فها هو قاتل أبيه سيقف أمامه بعد دقائق. فهل يخرج مسدسه الميري ويرديه قتيلاً لينتقم من موت والده؟ فيضع يده على المسدس الذي في جيبه.
بينما يدخل مجد ويقف أمامه مباشرة. لينظر فداء في عيني قاتل أبيه ويضع يده على السلاح الذي في جيبه، فهو يسمع صوتاً من أعماقه يقول له: "خذ بثأرك يا فداء من قاتل أبيك."
رواية فداء الفصل العشرون 20 - بقلم lehcen Tetouane
يقف مجد أمام فداء بينما ينظر فداء في عيني قاتل أبيه وهو يضع يده على المسدس الذي في جيبه، والغضب يملأ قلبه. وهناك صوت يناديه من أعماق نفسه يطلب أن يطلق النار عليه ويرديه قتيلاً.
ظل ينظر إليه لبرهة، حتى تخيل أنه أطلق عليه الرصاص وقتله بالفعل. ولكنه يستعيد وعيه بسرعة، فينظر ليجد مجد ما زال واقفاً أمامه. فيجلس محاولاً أن يهدأ قليلاً.
قال مجد: "لماذا يا حضرة الضابط صامت؟"
قال فداء: "أنا أنظر لرجل ضيع اثنين عام من عمره في السجن، تاركاً زوجته وأولاده بلا رعاية، ودمر أسرة أخرى حتى أصبح بيتهم خراباً ينعق البوم فوقه، ولا أعرف سبباً لكل ذلك."
قال مجد: "ولو عادت بي الأيام مرة أخرى سوف أفعلها ثانية، ولو وجدت فداء سوف أقتله وأكمل باقي حياتي في السجن لكي آخذ بثأر أخي وابن أخي."
قال فداء: "ألم تفكر يوماً أنك قد قتلت شخصاً بريئاً ودمرت أسرته؟"
قال مجد: "لا داعي للكلام، أنا متأكد من أن سالم قتل أخي."
قال فداء: "وأين سلاح الجريمة؟ لقد درست القضية جيداً ووجدت أن سالم لم يكن معه سلاحاً عندما وجدوه بعد أن قتلوه."
قال مجد: "ممكن يكون حفر في الأرض وخبأه قبل ما وصلنا نحن، أو أعطاه لولده فداء وهرب به."
قال فداء في نفسه: "أنا لم آخذ شيئاً، ولكن لا أستطيع أن أقول لك هذا." ثم يرفع صوته قائلاً: "لو كان سالم دفن السلاح كما تقول لوجدتموه، فأنتم تحرثون الأرض مرتين كل عام، فهل وجدتم شيئاً؟"
قال مجد: "أنا قلت ممكن أعطاه لفداء وهرب به."
قال فداء: "ولكن هناك شهود قالوا أنهم رأوا فداء فوق سطح الدار عندما أطلقت النيران، فكيف أخذ السلاح؟"
قال فداء: "لقد أخذت بثأرك من الشخص الخطأ."
قال مجد: "هل أنت باحث ولا محامي دفاع عن سالم؟ اللي حصل حصل وانتهى."
قال فداء: "لم ينتهِ ما فعلته أبداً، لقد دمرت أسرتك وأسرة سالم، ولكن للأسف يجب أن يطلق سراحك بعد أن أنهيت ثلثي المدة وخرجت بحسن السير والسلوك. هيا وقع على هذه الورقة وغادر لبيتك، وأتمنى ألا أراك مرة أخرى أمامي."
قال مجد: "أعطيني ختامي، أنا لا أعرف أمضي، هات لي ختامه، أنا ما بعرف أمضي، ببصم."
يقدم له فداء ختامه، ثم يبصم على الورقة وينصرف.
بعدها ببضع دقائق، تدخل آمنة لمكتب الضابط محمد، ثم تقول له: "لقد تم إخلاء سبيل المتهم، حضرة الضابط محمد."
قال فداء: "جيد. استعدي فلدينا غداً مهمة جديدة، ولكن ستكون سرية للغاية. سأخرج أنا وأنت من أجل مراقبة بعض تجار المخدرات، ولا يجب أن يعلم أحد بذلك أبداً."
قالت أمنه: "بالتأكيد حضرة الضابط محمد."
قال: "إذاً استعدي للسفر غداً."
في الجانب الآخر، يتصل حسين بوالده مهران وقال: "كيف الحال يا أبي؟"
قال مهران: "بخير. المهم متى ستنتهي امتحاناتك؟"
قال حسين: "لقد انتهت بالفعل، ولكني سأبقى هنا لبعض الوقت حتى أستجم وأرتاح من إرهاق الامتحانات."
قال مهران: "تعال واستجم هنا في القرية، فأمك قلقة عليك."
قال حسين: "أنت تعرف أنني لا أحب عيشة القرى."
قال مهران: "ولكنك مضطر لأن تحبها، لأنك ستكون العمدة بعدي."
قال حسين: "أرجوك يا أبي دعنا من هذا الموضوع الآن، فهو يزعجني. المهم كيف حال أمي؟"
قال مهران: "بخير، ولكنها خرجت لعزاء إحدى الجيران."
قال حسين: "إذاً أرسل لها تحياتي وأخبرها أنني سأحضر بعد يومين ومعي مفاجأة لها."
في بيت الدكتورة وعد، قالت وعد: "هذه غرفتك يا نور، ولقد جهزتها حين زواجي لتكون غرفة الأطفال، ولكن للأسف لم يأتوا أبداً."
قالت راندا: "إن الله يختار لنا الأفضل دائماً. من الممكن أن ترزقي بطفل ولكنه يكون عاقاً، وساعتها كنت ستتمنين أنه لم يولد، فلقد قرأت كثيراً عن بعض الأبناء الذين يضربون والديهم أو يتركونهم في الشارع أو حوادث مشابهة لهذا. ولكن الله قد ضمن لك الأبناء في الجنة وسيكونون في سن الشباب دون أدنى مسؤولية أو مشقة."
قالت وعد: "معك حق، وأنا أعتبرك مثل ابنتي أيضاً منذ أن أعطيتني المنديل أول مرة عندما كنت أبكي."
قالت راندا: "الحقيقة لا أذكر ذلك الموقف، ولكني آسفة فعلاً أنني ذكرتك بأوجاعك."
قالت وعد: "لا تأسفي عزيزتي، فلا ذنب لك. هيا بنا لتشاهدي باقي الشقة."
في اليوم التالي، في المصح العقلي، تذهب راندا لاستكمال بحثها في المشفي وتجلس مع سامية.
قالت سامية: "كيف حالك يا نور يا ابنتي؟"
قالت راندا: "بخير. هل تسمحي لي أن أناديك أمي؟"
تحتضنها سامية قائلة: "بالطبع يا ابنتي، فأنت تذكرينني بابنتي راندا."
قالت راندا: "شكراً أمي." ثم تتساقط الدموع من عينيها.
قالت سامية: "لم تبكي يا نور يا ابنتي؟"
تمسح راندا عينيها: "أبداً أمي، فلقد تأثرت قليلاً، فلم أقل هذه الكلمة طوال حياتي."
قالت سامية: "لا تحزني حبيبتي، فكل شيء مقدر ومكتوب. وخذيني مثلاً، لو أنني صبرت عند موت زوجي كما أمرنا رب العالمين، لتصرفت بطريقة صحيحة، وكنت ساعتها سآخذ ولدي وأهرب، وما كان حدث لهم شيء. ولكن قدر الله وما شاء فعل. والنتيجة كما ترين، الجزع وقت المصيبة أفقدني أولادي ونطفأ نور عيني ولم أعد أرى شيئاً. ولكني أدركت ذلك بعد فوات الأوان. فللأسف لا ندرك الصواب من الخطأ إلا بعد أن يتقدم بنا العمر، ونعرف ساعتها أننا مجرد ضيوف على هذه الدنيا، وأنه لا شيء يستحق، فكل شيء يجري بقدر الله وتدبيره. وأنا ما نراه عقاباً من الله قد يكون منحة، ونحن لا نعلم. وربما أظن أنا أن سفينتي قد أوشكت على الغرق، بينما يعد الله لي أمراً آخر لا أعلمه. فعندي شعور أن ابني وابنتي ما زالا على قيد الحياة، وقلب الأم لا يخطئ."
قالت نور: "أنت امرأة قوية ومؤمنة يا أمي، وسوف أدعو لك في كل صلاة أن يرد إليك أولادك فداء وراندا سالمين."
قالت سامية: "شكراً حبيبتي. والآن سأقص عليك باقي القصة، حتى لا أعطلك عن عملك أكثر من هذا، فاسمعي باقي الحكاية."
بعد أن سمعت قصة سامية كلها، تحتضن سامية قائلة: "بعد أن أنهي مشروع تخرجي وأصبح معيدة في الجامعة، سأذهب لقريتك يا أمي وأبحث هناك، ربما أعرف شيئاً عن أبنائك. ومن يعلم، قد أستطيع العثور على فداء وراندا وأجمعك بهم."
قالت سامية: "من يعلم يا ابنتي، ربما تكونين سبباً في جمع هذه الأسرة بعد أن تمزقت."