تحميل رواية «ضمير ميت» PDF
بقلم دنيا آلشملول
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت تجلس فوق أرجوحتها المرفقة بداخل حديقة الفيلا، تقرأ كتاب "امرأة من طراز خاص". رغم كونها قد قرأته مرارًا وتكرارًا، إلا أنها تعاود قراءته في كل مرة وكأنها المرة الأولى. وبينما هي على حالها حاملة في يدها كوب النسكافيه الذي تفضل ارتشافه أثناء قراءة الكتب، فإذا به يحاوطها من الخلف طابعًا قبلة رقيقة فوق رأسها مستنشقًا عبير خصلاتها. ابتسمت بهدوء وهي تغلق الكتاب وتضع كوب النسكافيه أمامها، واستدارت إليه لتتقابل عسليتيهما. غرام: - أحلى صباح في الدنيا على أحلى فروس في الكون. ضحك فراس بقوة رافعًا رأسه ل...
رواية ضمير ميت الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم دنيا آلشملول
الحلقة الواحد والعشرين:
فتحت عينيها ببطء وكسل مستشعرةً صدره الصلب أسفل رأسها. رفعت رأسها قليلًا تنظر إليه بشرود. إنه معها منذ ثلاثة أيام، لا يتركها أبدًا. ماذا إذًا؟ هل سيتركها ويتخلى عنها؟ لقد لحق بها إلى هنا حينما أرسلت له رسالة تخبره فيها أنها ستلجأ للانتحار إن لم يحادثها أو يأتِ إليها. ولم يمر سوى ساعات فقط وكان عندها. هل حبًا بها أم هناك شيء آخر؟ أفاقت من شرودها على صوته الناعس:
سرحانة في إيه يا سمر؟
سمر بتنهيدة:
في اللي إحنا فيه. آخرته إيه يا مراد؟
مراد بضيق:
هو كل يوم هنصبح على نفس الموضوع ولا إيه؟ أنتي ناقصك حاجة يا سمر؟ أنا ومعاكي، بنتك وبطمنك عليها من الخدامين اللي في الفيلا، في إيه تاني؟
سمر وهي تعتدل مقربة الغطاء من جسدها:
أنت شايف إن دي عيشة يا مراد؟ أنا تخليت عن حياتي مع شريف وجنب بنتي وبعيد عن شغلي عشانك. ودلوقتي بتقولي ناقصك إيه؟! لا ناقصني كتير يا مراد، وكتير أوي. ناقصني أعيش من غير خوف وقلق من إني أصحى الصبح ما تكونش جنبي. ناقصني بنتي تبقى قصاد عيني عشان أحميها من تهور ابنك وغباؤه. ناقصني شغلي وصحباتي اللي اتخليت عنهم عشانك.
مراد بضيق وهو يترك الفراش متجهًا لدورة المياه:
ارجعي لحياتك يا سمر وما تعمليش حاجة عشاني. أنا ما فيش في إيدي حاجة أقدمهالك.
سمر بعصبية:
أرجع إزاي وعاصم عارف كل اللي بينا ومش بعيد تبقى مشاكله مع فاتن أساسها موضوعنا ومش بعيد فاتن تكون عارفة. وشريف لو عرف ما أعرفش رد فعله هيكون إزاي. وطبعًا ما انتاش محتاج تعرف أخوك رد فعله هيبقي إيه.
مراد بضيق وهو ينظر تجاهها:
والحل إيه يا سمر؟ اتفضلي سمعيني حلك.
سمر بهدوء:
أتطلق من شريف.
مراد:
ما منعتكيش، ده شيء يرجعلك.
سمر متابعة:
ونتجوز.
نظر مراد تجاهها ببلاهة وهو يتمتم:
نعمل إيه؟
سمر:
نتجوز يا مراد. فين المشكلة لما نتجوز ونعيش حياة طبيعية؟ أنا مش عايزة شريف، وأنت أهو معايا بقالك سنين، إيه المانع بقى؟
مراد:
اسمعي يا سمر. أنا ما ضربتكيش على إيدك عشان تكوني معايا. ومعنديش استعداد أعمل اللي قلتيه ده. ولو هتفتحي الموضوع ده تاني يبقى لحد هنا وآخر الطريق بينا.
سمر بألم:
يـ يـ يعني إيه؟
مراد ولا يزال على حالته:
يعني اللي سمعتيه. طلعي موضوع الجواز من دماغك. ودلوقتي بعد إذنك.
دلف مراد لدورة المياه تاركًا خلفه سمر التي تنظر للفراغ بتيه، وقد حسمت أمرها الآن وليس هناك تراجع لأي سبب أبدًا.
*****
رمشت عدة مرات قبل أن تفتح عينيها بتعب. نظرت بجانبها لتجد دالين تنظر تجاهها بابتسامة:
صح النوم يا كسولة. سبتك قد إيه.. ورجعت وأنتي برضه زي ما أنتي كسولة.
اعتدلت فاتن بسرعة واحتضنت دالين بقوة وهي تتمتم:
وحشتيني أوي.
دالين وهي تربت على ظهرها بحب:
وأنتي كمان يا حبيبتي وحشتيني أوي. بس خلاص بقى ما عادش فيه غيبة تاني، أنا على قلبك.
فاتن بهدوء:
إيه اللي حصل معاكي يا دالي؟
دالين بتنهيدة:
هحكيلك كل حاجة. بس دلوقتي عندي مشوار مهم هنهيه وهجيلك تاني بالليل.
فاتن بقلق:
مشوار إيه؟
دالين بهدوء:
القسم.
فاتن بشهقة:
قسم؟ قسم إيه؟ وليه؟
دالين بهدوء:
ما تقلقيش كده، دي شكليات بس عشان يقفلوا القضية. الموضوع طويل، هحكيلك بالليل... بس دلوقتي لازم أمشي. أوك؟
فاتن بهدوء:
ما تتأخريش طيب وطمنيني.
احتضنتها دالين وهي تتمتم:
وحشتني القعدة معاكي أوي، بس هنعوضها. يلا قومي ساعديني ألبس حاجة من عندك، ما عنديش وقت أروح البيت وأرجع أروح القسم. وكمان هاخد عربيتك.
فاتن وهي تتحرك بنشاط لا يتناسب مع حالتها أبدًا، ولكن هي الآن لا تخشى شيئًا، فصديقتها المقربة معها، وستعوضها عن كل شيء حدث:
يلا بينا.
فتحت فاتن الخزانة ووقفت أمامها بحيرة. أمسكت بإحدى فساتينها الزرقاء وقالت بشغف:
أنتي بتحبي الأزرق، وده عليكي هيجنن.
اقتربت دالين وأمسكت به بين يديها وهي تتذكر فراس. ستراه اليوم بالتأكيد. تُرى هل سترى نظرة الإعجاب التي رأتها بعينيه يوم عيد ميلاده حينما ارتدت فستانًا؟ حسنًا الأمر يستحق التجربة.
دالين بمرح وهي تقرص وجنة فاتن:
يسلملي ذوقه القمر يا ناس.
دلفت للمرحاض وقامت بتبديل ملابسها وخرجت لتقف أمام المرآة بهدوء. وقفت خلفها فاتن وأخذت تمشط شعر دالين بهدوء وتركته منسدلًا على كتفيها بنعومة وهي تقول:
دائمًا بتبقي أجمل وأنتي بدريس وشعرك مفرود. سيبيه كده.
استدارت دالين لها ثم نظرت لها بحنو وهي تتمتم:
أرجع من بره ألاقي الكيك بالشوكولاتة اللي بحبها معموله وبإيدك، والبيتزا ما تنسيهاش، وفيلم رومانسي كده... بصي يا تونا، أرجع ألاقي جو عالي ها، هعتمد عليكي.
فاتن بشغف:
هحضر ليلة تجنن وهكلم البنات يجوا وتبقى ليلة بنوتاتي.
ضحكت دالين بخفة ثم كحلت عينيها بهدوء وقبلت وجنة فاتن قبل أن تذهب وهي تزفر براحة، فهي تعمدت أن تطلب هذا من فاتن حتى تشغلها عن التفكير في شيء.
غادرت دالين متجهة لقسم الشرطة وفي داخلها شوق غريب لرؤية فراس وابتسامة حنين ارتسمت على ثغرها بنعومة.
*****
وصل للقسم وقام بصف سيارته وصعد لمكتبه بهدوء. جلس إلى مقعده وطلب قهوته. وما إن أتت القهوة حتى دلف بعدها العسكري يخبر لؤي بحضور شذى وبدور وفراس وحازم.
أذن بدخولهم وهو يترقب دلوف شذى حتى دلفت ببنطالها الزيتي والذي يعلوه قميص زيتي ولكن بدرجة أهدأ قليلًا من درجة البنطال. هذا اللون الذي جعلها غاية في السحر والجمال، وشعرها ينسدل بنعومة على كتفيها.
تصافح مع فراس وبعدها حازم ثم بدور، وما إن لامست يده يد شذى ووقعت عينيهما في عيني بعضهما حتى سحبت شذى يدها سريعًا بتوتر.
جلس لؤي إلى مقعده وجلست الفتاتان وبقي حازم وفراس واقفين.
نظر لؤي تجاه فراس فأشار برأسه كي يتحدث.
لؤي بهدوء:
عاملة إيه يا بدور؟
بدور ببعض التوتر:
كـ كويسة؟
لؤي بهدوء:
أنتي خايفة وقلقانة من إيه! ما فيش داعي للتوتر ده أبدًا. كلها دقايق هنتكلم فيهم عن اللي حصل كله وكأننا بندردش مش أكتر. وبمجرد ما تنتهي المناقشة دي كل واحد هيرجع لحياته الطبيعية وكأن شيئًا لم يكن. أنا شايفك بنوتة قوية وهتقدري تكملي.
أومأت بدور بابتسامة وقد شعرت ببعض الهدوء والراحة من حديث لؤي. لقد طمأنها تمامًا.
ابتسمت شذى لأختها بهدوء ثم نظرت للؤي لتجده ينظر تجاهها بنظرات لم تفهم معناها أبدًا. لكنها آثرت الصمت، وفي داخلها إعجاب كبير به وبأسلوبه الذي بث الطمأنينة في قلب أختها.
*****
وصل لشركته وأنهى بعض الأوراق المهمة ثم ألقى نظرة أخيرة على هيئته التي يحب دائمًا أن يظهر بها بعيدًا عن ملابسه الرسمية، فقد كان يرتدي بنطال جينز أسود مع قميص أسود ترك أول أزراره مفتوحة بالإضافة إلى نظارته الشمسية وساعة معصمه الرقمية السوداء ويمشط خصلاته البنية الطويلة للخلف والتي تغطي أذنيه وتنزل منها بعض الخصلات على جانبي جبينه مما جعلت منه شابًا وسيمًا للغاية. نظر لنفسه مرة أخيرة في دورة مياه مكتبه وهو يبتسم بسخرية يتمتم لنفسه:
وكأني رايح موعد غرامي... بس إيه المانع الشياكة مطلوبة برضه.
ضحك على نفسه وأفكاره قبل أن يخرج ملتقطًا هاتفه ومفاتيح سيارته متجهًا لقسم الشرطة.
وصل شادي ودلف للقسم بهدوء وقبل أن يصل حيث مكتب لؤي، كان هناك من هو آت بسرعة فارتطما ببعضهما وانسكبت القهوة على جانب قميصه مما جعله يخلع نظارته بعنف وهو ينظر لذاك الأحمق وكان على وشك أن يرفع صوته ويزجره بحدة، لكن توقفت الكلمات بحلقه وهو يراها تنظر لقميصه بصدمة، مرتدية ملابس شرطية بعيون بندقية واسعة وبشرة بيضاء نقية وشعر أسود داكن ملفوف بعناية ليستقر في شكل كعكة خلف رأسها وحاجبين عريضين غير منمقين بالمرة ولكن لهما جاذبية خاصة. أفاق من تأمله بها على صوتها الذي خرج بنعومة:
أنا... أنا آسفة أوي... كنت مستعجلة بجد وما قصدتش... آسفة.
شادي وهو يبتسم ببلاهة:
هو أنتي اسمك إيه؟
نظرت له بضيق لترى نظرة الإعجاب بعينيه الخضراوين. ارتبكت قليلًا لكنها استعادت قوتها سريعًا وهي تقول بحدة:
تصدق أنا غلطانة إني بعتذر... أصلًا أمثالك ما لهمش غير كده. ثم سكبت المتبقي من فنجان القهوة على ملابسه وغادرت تاركة إياه يقف مذهولًا مما فعلته وهو يلعنها تحت أنفاسه.
ذهب حيث دورة المياه أولًا لينظف تلك الفوضى التي أحدثتها هذه الغبية كما أسماها. وبعدما انتهى نظر لنفسه وهو يزفر بضيق. لقد خربت كل شيء. عض على شفتيه بقهر لكنه ما لبث أن ابتسم ابتسامة جانبية وهو يتذكر ملامحها التي حُفرت سريعًا في عقله. خرج بهدوء حتى وصل لمكتب لؤي.
دلف العسكري لثوانٍ قبل أن يخرج ويخبره بأن لؤي بانتظاره.
دلف شادي للمكتب وقد تعلقت أنظارهم جميعًا به. ضحك فراس أولًا وهو يقول:
إيه ده؟ أنت ملحقتش التواليت اللي بره ولا إيه؟
تابع لؤي بسخرية:
يمكن ميعرفش إن في هنا تواليت أصلًا.
شادي بابتسامة جانبية:
لا خفيف أنت وهو. إيه الخفة دي! بس مش مستغربها عليك يا لؤي. أصل واضح إن كل الشرطيين اللي هنا نفس لطاشة دمك.
لؤي:
أنت خدت عليا قوي على فكرة.
شادي بلامبالاة:
لا آخد ولا تاخد يا عم. افتح القضية خلينا ننجز عشان اليوم اتقفل من أوله.
قاطعهم صوت طرقات الباب ودلوف العسكري مجددًا وهو يقول:
دالين الربيعي يا فندم.
لؤي:
خليها تتفضل بسرعة.
ثم تابع:
كده فل قوي. نقدر نبدأ دلوقتي.
بينما توترت ملامح فراس قليلًا بعدما سمع اسمها. فوقف شادي بجانبه ولكزه في ذراعه بخفة وهو يتمتم بهدوء:
اجمد.
نظر له فراس شزرًا وقبل أن يرد عليه دلفت دالين بهيئتها التي بعثرت المتبقي من عقله، وقلبت كيانه، وجعلت ضربات قلبه تثور مجددًا وهو يراها بهيئتها الخاطفة للأنفاس بفستانها الأزرق البسيط والهادئ، يصل إلى ما بعد الركبة بكثير بطول واحد، بكمين أسودين شفافين وحزام أسود يتخصر الفستان وحذاء أسود عالي الكعبين قليلًا وحقيبة سوداء وشعرها الذي لا يعلم حتى الآن بما يسمى لونه، إنه ليس بالأشقر وليس بالأبيض، إنه... إنه غريب لكن جذاب وهذا ما يعرفه.
دلفت بهدوء واحتضنت بدور وهي تتمتم:
حمد الله على سلامتك يا صاحبتي. ثم احتضنت شدا بهدوء واقتربت من حازم كي تصافحه لكنه أراد أن يجعل فراس يشتعل بنار الغيرة كما فعل معه صباحًا، فقام بقرص وجنتها وهو يغازلها ببلاهة وابتسامة انتصار حينما سمع أنفاس فراس الثائرة بجانبه. وقد لاحظ لؤي ابتسامة حازم وعلم بأنه يقصد إغاظة فراس فابتسم بتسلية ولكنه كشر قليلًا حينما فكر في أنه قد يوضع ذات يوم محل فراس.
اقتربت دالين وصافحت فراس الذي صافحها سريعًا دون أن ينظر لها وقد آلمها بفعلته تلك، فهي تعتقد بأنه لا يزال غاضبًا بسبب ذاك اليوم الذي صرخت بوجهه واتهمته بالجنون. مدت يدها لشادي الذي صافحها بود ثم مدت يدها للؤي الذي ابتسم لها بهدوء وهو يقول:
كلنا في انتظارك عشان هنبدأ بيكي. مستعدة نبدأ؟
دالين بهدوء:
أوك.
قبل أن ينادي لؤي للعسكري أجفلهم صوت فتح الباب وعمرو الذي دلف وهو يتحدث بضيق:
أنا خلاص يا لؤي صبري نفد وعايز أتجـ..
ابتلع باقي كلماته وهو يراهم جميعًا ينظرون إليه. فازدرد ريقه وابتسم ببلاهة وهو ينظر تجاه فراس الذي ينظر له بحاجب مرفوع:
إزيك يا فراس؟ عامل إيه يا حبيبي؟ وحشني والله.
أدار فراس رأسه للجانب بسخرية لينظر عمرو تجاه لؤي الذي يكتم ضحكته بوعيد. ثم أغلق الباب بهدوء وهو يقول:
التحقيق النهاردة مش كده؟
فراس بسخرية:
طبعًا ما أنت سهران طول الليل. هتعرف منين صحيح!
عمرو وهو يرمش عدة مرات في محاولة ألا يخطئ في الحديث حتى لا يخسر يومًا آخر دون رؤية غرامه:
لا لا مش كده. هو بس عشان يعني أنا فكرت لسه في وقت و..
لؤي مقاطعًا بمشاكسة:
مش ناوي تتجوز بقى وتخلصنا منك؟
نظر عمرو تجاه فراس يرى ردة فعله، وقد كانت كما توقع: حاجب مرفوع وعينين مسلطة عليه بترقب. فازدرد ريقه بابتسامة قائلًا بهدوء:
لما الدنيا تتظبط إن شاء الله هنحدد أنا وفراس ميعاد جديد. المهم خلونا في القضية دلوقتي.
أومأ لؤي بضحكة مكتومة قبل أن ينادي العسكري الذي حضر سريعًا ومعه الكاتب.
وبدأ لؤي بطرح أسئلته وتسجيل أقوالهم.
مر من الوقت قرابة الساعتين قبل أن ينهي لؤي الأسئلة ويأذن لهم بالذهاب جميعًا.
أوقفهم فراس قبل خروجهم وهو يقول بهدوء:
اممم.. هو مش الوقت ولا المكان المناسب بس، بما إننا متجمعين كلنا، فـ أنا بدعوكم جميعًا بشكل شخصي لحفلة زواج أختي من عمرو نهاية الأسبوع.
وقف عمرو ناظرًا له فاغرًا فاهه بعدم تصديق. تقدم فراس منه واحتضنه بود وهو يتمتم:
اتأخرتوا جدًا واتأجل الفرح مرتين. كفاية ولا أنت عجبك الوضع؟
عمرو سريعًا:
لا لا وضع إيه اللي عجبني. أيوه طبعًا طبعًا أنت عندك حق اتأخرنا قوي.
كان يتحدث بسرعة، مما جعلهم يضحكون عليه.
ابتعد فراس قليلًا ثم تمتم بهدوء:
مبروك يا جوز أختي.
ثم تقدموا جميعًا منه وهنأوه على وعد بالحضور ومشاركته فرحته.
عمرو:
هطير بقى أبلغ غرامي.
وقبل أن يتحرك من مكانه كان فراس ممسكًا به من ياقته وهو يقول بضيق:
تبلغ مين؟
عمرو:
غـ غرامك.. غرامك أنت.
فراس وهو يتركه ويعدل ياقته بهدوء:
فكرت حاجة تانية.
ضحكوا جميعًا قبل أن يجفلهم فتح الباب على مصراعيه ودلوف فتاة ما تتذمر بضيق وهي تقول بعصبية:
أنا مش عارفة سعادتك ساكت ليه عـ..
لم تتمم حديثها حينما رأت هذا الجمع بالغرفة. فوقعت عينيها بعيني شادي الذي ينظر لها بابتسامة عابثة. فكشرت وجهها وهي تنظر للؤي بهدوء معاكس تمامًا للحالة التي دلفت بها وهي تتمتم:
آآ.. آسفة مكنتش أعرف إن في حد معاك.
صدح صوت شدا الذي جعل الجميع ينظر لها في ذهول وهي تقول بضيق:
معاه حد ولا معهوش.. أصلًا أنتي داخلة أوضة مكتب ظابط مش واحدة صاحبتك، وفي حاجة اسمها استئذان.
نظرت تجاهها الفتاة بوجه شاحب وهي تتمتم باعتذار:
آسفة.. بس إحنا أصدقاء مقربين ومتعودين على كده.
شدا وهي تنظر تجاه لؤي بضيق:
صحاب مقربين! ربنا يديمها..
ثم تابعت وهي تسحب بدور معها:
يلا عشان نمشي.. يلا يا دالين.
خرج ثلاثتهم وشدا تشتعل غضبًا من تلك التي تقول عن نفسها صديقة مقربة للؤي. هل حقًا يمتلك صديقة مقربة؟ يا إلهي.. لما ضايقها إلى هذا الحد؟ لما تهتم من الأساس؟
بينما ينظر لؤي في أثرها بصدمة قبل أن ينظر تجاه فراس الذي ينظر له قاضمًا شفتيه وكأنه يكتم ضحكته ورافعًا حاجبيه بعبث وهو يقول بهدوء:
متتأخرش عن ميعاد الفرح يا لؤي ها.
خرج فراس وتبعه عمرو الذي غمز للؤي قبل خروجه. وبقي فقط شادي ولؤي والفتاة.
جلس لؤي إلى مقعده والابتسامة تعلو فوق ثغره وقد نسي تمامًا وجود شادي والفتاة.
تحدثت الأخيرة بهدوء:
آسفة بجد يا لؤي.. مكنتش أعرف إن في حد هنا.. والعسكري مش بره.
لؤي بابتسامة:
آسفة إيه بس يا سندس.. والله لو ينفع كنت قمت حضنتك دلوقتي.
سندس عاقدة حاجبيها:
فهميني إيه العبارة؟
شادي بضيق مقاطعًا الحوار:
اسمك سندس؟ سبحان الله.. مش لايق على شخصيتك أبدًا.
سندس بضيق:
وأنت مالك أصلًا؟
شادي محذرًا:
اتكلمي معايا بأدب.
سندس:
حاضر.. وأنت مال حضرتك أصلًا؟
كز شادي على أسنانه بضيق بينما انفجر لؤي ضاحكًا بقوة جعلهما ينظران إليه باستفهام.
شادي:
إيه اللي يضحك قوي كده؟
لؤي وهو لا يزال على حالته من الضحك:
أصل أنا وشدا كنا كده في الأول ناقر ونقير قبل ما نحب بعض.. ودلوقتي أنتوا.
شادي وسندس في صوت واحد وهما يؤشران على بعضهما:
أنا أحب ده/دي؟
نظرا لبعضهما بغيظ قبل أن يحرك كل منهما رأسه في اتجاه.
لؤي بهدوء:
خير يا سندس إيه اللي حصل؟
سندس وقد نسيت تمامًا سبب قدومها إلى هنا:
آه افتكرت.. القضية القديمة بتاعة محاولة الانتحار دي.. ظهر فيها حلوف بيقول البت تبقى مراته وعامل دوشة.. وأنت ولا هنا.
لؤي بهدوء:
أنا معتمد عليكي يا سندس.. أنتي قدها.. أنا لسه طالع من قضية خلصت عليا.. فبليز اتصرفي.
رواية ضمير ميت الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم دنيا آلشملول
سندس:
طيب يا لؤي هتصرف .. بس كلم سي عمرو بيه يخف شوية من سرحانه في غرام ويركز في شغله .. أنت متصور ملف القضية في إيده وقاعد بيرسم عليه اسم غرام .. أنا هنفجر.
ضحك لؤي بقوة وهو يقول بهدوء:
لا ما هو عمرو هيعمل أجازة من النهاردة لمدة شهر ونص كده .. فرحه آخر الأسبوع.
سندس مضيقة عينيها:
الواطي مجابليش سيرة.
لؤي بتبرير:
لا لا متظلميهوش .. أخوها كان هنا ولسه محدد المعاد قبل ما أنتِ تدخلي بثواني.
سندس:
تمام تمام .. حسابه معايا بعدين .. هشوف أنا القضية دي ولو احتجتك هكلمك.
لؤي:
تمام .. بالتوفيق.
خرجت سندس بعدما ألقت نظرة سريعة على شادي الذي ينظر تجاهها بضيق وخرجت ولا تعلم لِمَ تلك الابتسامة التي ارتسمت على ثغرها.
لؤي بهدوء:
إيه مشكلتك مع سندس؟ .. أنت تعرفها؟
شادي بضيق:
وأعرفها منين وش الفقر دي؟ .. دي خبطت فيا وأنا جاي على هنا وقلبت عليا القهوة .. دي بجحة بجاحة يا أخي إيه ده!
لؤي ضاحكًا:
والله خايف عليك تتكفي على وشك الكفية اللي اتكفيتها.
شادي بابتسامة:
أتكلم على قدك يا شبح .. وبعدين يا مكفي اتحرك كده وخد لك خطوة .. دي كانت ثواني وهتضربك بوكس معتبر من الغيظ.
لؤي بابتسامة واسعة وتنهيدة ارتياح:
هاخدها قريب يا شادي .. قريب أوي.
بقيت دالين في سيارة فاتن أمام باب القسم ولم تتحرك منتظرة فراس حتى خرج.
ترجلت وذهبت إليه سريعًا:
فراس .. ممكن ثانية؟
سبقه عمرو إلى السيارة ووقف فراس مقابلها وهو ينظر لها بهدوء:
خير يا آنسة دالين؟
دالين بضيق:
بطل تقول يا آنسة.
فراس بهدوء:
حاضر .. خير حضرتك اتفضلي.
دالين مغمضة عينيها بألم ثم استجمعت شجاعتها وقالت بهدوء:
أنا في حاجات كتير مش فاهماها .. إيه علاقة والدك بالقضية دي؟ .. ومين اللي كان خاطفني؟ .. وإيه اللي بيحصل ... أنا فعلًا مبقتش فاهمة حاجة.
فراس بتنهيدة:
والدي اللي بعت ناس يخطفوكي يا دالين .. وأنا شفتهم صدفة وأنقذتك وعرفت منهم إن أبويا اللي عمل كده .. وأنا عملت كل اللي عملته عشان أعرف السبب اللي خلاه يعمل كده .. ومش بس عرفت السبب .. عرفت السبب وعرفت حقيقة شغله .. ودلوقتي هو مسجون بالتهمتين.
دالين مزدردة ريقها بأسف:
طـ طب أنا ليه .. هـ هو يعرفني منين .. و .. وليه عمل كده؟
فراس مغمضًا عينيه بضيق .. ماذا يخبرها الآن .. هو نفسه لا يعلم حقيقة الأمر .. هل لوالدها يد حق في موت أخيه فارس كما سمع من والدته ذاك اليوم الذي كانت تتحاور فيه مع والده؟ .. أم أن هذا محض صدفة لا أكثر؟!!
فراس بهدوء:
اسألي والدك .. أنا معرفش السبب.
تركها وذهب .. ففرت دمعة هاربة من عينيها وهي تتمتم بخفوت:
أياً كان السبب .. أنا عوضي من كل ده والحاجة الحلوة اللي حصلت لي كانت أنت يا فراس.
تحركت تجاه السيارة وانطلقت بها لمنزلها.
وصلا للفيلا وترجل عمرو وفراس وقد لمحا غرام التي تقف في الحديقة مولية ظهرها لهما مرتدية بنطال أبيض برمودا يصل للركبة بفيونكتين من نهايته وفوقه ترتدي تيشرتًا سماويًا صافيًا تزينه كلمات إنجليزية رسمت ببراعة عند الصدر باللون الأبيض وترفع شعرها بإحدى فرش التلوين بإهمال كعادتها وتضع الـ headphone على أذنها وبجانبها كوب النسكافيه المعتاد وأمامها لوحتها الفنية التي أوشكت على إنهائها.
تقدم فراس أولًا حيث قام بجذب الهيدفون أولًا فالتفتت إليه واحتضنته بقوة وهي تتمتم:
وحشتني يا فروس.
فراس وهو يشدد من احتضانها:
ولسه هوحشك أكتر.
ابتعدت غرام بعدم فهم قبل أن ترى عمرو الذي نظر لها من خلف فراس لتبتسم بنعومة وهي تقول بهدوء:
عموري!
فراس:
فستان الفرح جاهز ولا لسه هتدوري عليه؟
عقدت غرام حاجبيها بعدم فهم قبل أن ترى ابتسامة فراس لتعلم بأنه قد حدد ميعاد الزواج.
صفقت بسعادة قبل أن تقفز إليه مجددًا وهي تحتضنه بقوة فضحك عليها وهو يقول:
مبروك يا قلب فروس.
غرام بخجل:
يبارك لي في عمرك يا قلب غرامك.
عمرو:
خلصتوا وصلة الحب بتاعتكوا؟ .. ممكن بقى تاخد جنب يا فراس بيه عشان أبارك لمراتي.
فراس:
بتقول حاجة يا عمرو؟
عمرو بتنهيدة:
لا أبداً .. ده أنا كنت عايز بس أشوف اللوحة اللي رسمتها غرام.
ضحكا كليهما عليه قبل أن تتحدث غرام:
حددتم المعاد امتى؟
عمرو بحماس:
نهاية الأسبوع.
غرام بصدمة:
نهاية الأسبوع؟!!!! .. بالسرعة دي؟
عمرو:
نعم يا أختي؟ .. بالسرعة دي!! .. أنتِ مش ملاحظة إننا أجلناه مرتين؟
غرام بابتسامة:
مش قصدي يا عموري .. أنا بس المفاجأة خدتني.
عمرو بابتسامة:
آه بحسب .. طب إيه .. إيه النظام بقى؟
فراس بهدوء:
يلا هندخل لماما ونظبط مع بعض.
غرام بتلقائية:
طب وبابا؟
تحولت ملامح فراس للتهجم ليتحدث عمرو سريعًا:
أنتِ معرضك امتى؟
غرام:
آخر الشهر.
عمرو:
اممم يعني هيبقى في نص شهر العسل .. أوك .. نسافر أسبوعين ونرجع عشان المعرض وبعدها نبقى نسافر تاني لو تحبي.
غرام بحماس:
هنسافر فين؟
عمرو بغمزة:
خليها مفاجأة.
غرام:
فراس .. عايزة أكلم دالين.
عمرو مقاطعًا:
عزمناها النهاردة.
غرام بمرح:
بجد .. تمام أوي .. بس برده عايزة أكلمها عشان تكون معايا في التحضيرات.
فراس:
بكرة أبقى أجيب لك رقمها.
غرام بهدوء:
لو عنوانها يبقى أفضل.
فراس بجانب عينه:
ادخلي قدامي.
دلفت غرام وابتسامة سعيدة تزين ثغرها .. واتفقوا مع والدتها على كل شيء والتجهيزات كذلك .. وبدأت جومانا من هذه اللحظة في دعوة الأصدقاء والمقربين.
وصل حازم وشدا للجريدة وقبل أن ينزلا من السيارة تحدثت شدا بهدوء:
حازم عايزة رأيك في حاجة.
حازم:
إيه هي؟
شدا بهدوء:
ما أظنش هتبقى حاجة حلوة إننا نكشف كل شغل رأفت ونعلنه في الجرايد وبنته تتجوز نهاية الأسبوع .. هتبقى في وش فراس وأخته وعمرو كمان.
حازم بهدوء:
بتفكري في إيه؟
شدا:
رأفت هيتحكم عليه وياخد جزاءه .. أونكل ماجد مفيش حاجة ضده .. فراس هيمسك المستشفى وغير دكاترتها .. مفيش داعي للشوشرة.
حازم بابتسامة:
ونعم العقل.
شدا بابتسامة:
ده واجب يا بيه .. يلا انزل خلينا نتكلم مع رئيس الجريدة وربنا يستر.
دلفت دالين لمنزلها بهدوء.
قابلتها حياة وأخذت تحتضنها وتربت على ظهرها بحنان.
دالين بابتسامة:
أنا رجعت يا حبيبتي .. أنتِ مش مصدقة ليه؟
حياة بهدوء:
كنت هموت عشانك يا بنت قلبي ... يلا تعالي كلميني في اللي حصل بالتفصيل.
دالين باستسلام:
يلا.
جلست دالين مع والدتها وقصت لها كل شيء .. وبعدما انتهت من سرد ما حدث نظرت لوالدتها بهدوء وهي تتمتم:
ده كل اللي حصل .. بس مش فاهمة منين يعرفني أبو فراس .. وليه عمل كده .. ولما سألت فراس قال لي مش عارف السبب واسألي والدك وسابني ومشي.
حياة بوجه شاحب:
خـ خلاص يا دالين .. نقفل بقى الصفحة دي .. ونعيش اللي جاي مع بعض .. وربنا يا بنتي ما يعودهاش تاني أبداً .. واهو كل ظالم بياخد جزاءه.
دالين وقد استشعرت من نبرة والدتها أن هناك أمرًا ما تخفيه:
ماما أنتِ مخبية عني حاجة؟
حياة:
اا .. أخبي حاجة إيه؟ .. لا لا أبداً مفيش كده يا بنتي.
دالين بشك:
متأكدة يا ماما؟
حياة بمزاح حتى تغير الحوار:
إيه يا بت ده أنتِ اتعلمتِ التحقيقات ولا إيه!
دالين بضحكة خفيفة لتجاري والدتها:
حاجة زي كده .. ده إحنا اتفحتنا أسئلة من لؤي .. مش عارفة أومال لو ما كانش في الصورة من الأول كان عمل إيه!
حياة بهدوء:
ربنا ما يكتبها تاني يا بنتي .. يلا تعالي عشان ناكل سوا.
دالين بسرعة:
وحشني أكلك يا حيااااه ..
يلا غديني غديني.
ضحكت حياة ودلفت مع ابنتها ليتناولا الغداء بهدوء. بينما ماجد كان يجلس أعلى الدرج وقد سمع كل ما تحدثا فيه. وبقي مكانه يبكي على ما أوصل ابنته إليه، وما عانته بسببه. لكنه أقسم أن يعيد ترتيب حياته من جديد، ويمحو أثر ما حدث من حياتهم، ويعوض حياة عن تلك السنوات التي عاشتها بعيدة عنه، ويعوض دالين عن حياتها بالخارج وعما حدث معها في الفترة الأخيرة.
كانت تقف في المطبخ ومعها السيدة سعاد المسؤولة عن الطعام.
صنعت قالب كيك كبير من الشوكولاتة، وزينته من الأعلى بحروف أسمائهم الأربعة: فاتن وشدا ودالين وبدور.
ثم قامت بصنع ثمان من البيتزا بأنواع مختلفة لاختلاف أذواقهم جميعًا. وقامت بتجهيز غرفة الجلوس ليسهرون بها معًا. وقد انتقت إحدى الأفلام الرومانسية. وجهزت أيضًا التسالي والمقرمشات والعصائر. والآن حان الوقت لتنتقي فستانًا مناسبًا للسهرة. فهم عادة بعد سهرة الفتيات تلك يخرجون للنادي ويقضون وقتًا طويلًا على الشاطئ يتحدثون معًا في كل شيء.
صعدت للأعلى وانتقت لنفسها فستانًا من اللون البنفسجي الرائق. طويل بأكمام تنتهي بإسورة عند يديها ويتخصر بحزام أسود، ورفعت شعرها في تسريحة بسيطة، ووضعت القليل من مساحيق التجميل لتخفي آثار الإرهاق عن وجهها.
رن جرس المنزل. فنزلت بمرح لتقابل الفتيات. ولكنه كان شادي وروح.
ابتسمت روح لها بسعادة وهي تراها تتألق بهذا الشكل الرائع:
فاتن!
فاتن بهدوء:
اتفضلوا. إزيك يا طنط؟ إزيك يا شادي؟
شادي بابتسامة:
مش أجمل منك طبعًا.
فاتن بخجل:
ميرسي. اتفضلوا.
روح:
انتي خارجة انتي وعاصم ولا إيه؟
تهجمت ملامح فاتن واحمر وجهها وذبلت عيناها مجددًا. فأدركت روح على الفور بأنهما لم يتصالحا. فاعتذرت بخفوت. لتبتسم فاتن بهدوء:
ولا يهمك. البنات هييجوا وهنسهر.
روح بابتسامة:
يااااه. لسه العادة دي ملزماكم؟
فاتن بتأكيد:
وهتفضل ملازمانا على طول.
شادي بتساؤل:
فهموني بتتكلموا عن إيه؟
روح بابتسامة:
فاتن ودالين وشدا وبدور بييجوا كل فترة كده يعملوا لنفسهم سهرة. أكل وعصاير وجاتوه وحلويات، وفيلم رومانسي أو كوميدي، وبعدها يخرجوا يقعدوا في النادي لوقت متأخر على حسب ما يملوا بقى ويرجعوا. والشقية بتاعتهم بتقول عليها سهرة بنوتاتي.
شادي باستفهام:
مين الشقية؟
أتاهم صوت دالين من الخارج:
أنا.
نظر لها شادي:
سلام قول من رب رحيم.
دالين بحاجب مرفوع:
أي شوفت عفريت؟
شادي بابتسامة عابثة:
لا شوفت أميرة زمانها. أي الجمال ده.
دالين بابتسامة ثقة وغرور مصطنع:
ده أقل ما عندي.
شادي بضحكة:
يا عيني عليك يا فراس.
دالين باستفهام:
فـ فراس؟ ماله فراس؟
شادي متمحمًا بخفوت:
آآآ. لا يعني عشان فترة ما كنتي عنده ما كنتيش بتحطي ميك أب.
دالين بحاجب مرفوع:
ودلوقتي مش حاطة ميك أب على فكرة.
شادي مغيرًا الحوار:
طب إيه. فين المزتين التانيين. ما أنا واضح إن حظي حلو النهاردة بصراحة. وهختار واحدة منكم وأتجوزها.
روح بسرعة:
والله يا شادي أنا شيفاك انت وشدا لايقين على بعض أوي.
دالين بحمحمة:
شدا مين يا طنط. شدا لو سمعتك هتقتل شادي.
شادي:
لا وعلى إيه؟
روح بابتسامة:
المهم. إحنا هنمشي بقى يا تونا. أنا قلت أتطمن عليكي. وطالما دالين رجعت بالسلامة فـ أنا مبقتش خايفة عليكي.
ابتسمت فاتن بهدوء. وللمرة الثانية أجفلهم صوت عاصم لتختفي ابتسامتها من جديد ويشحب وجهها على الفور.
رواية ضمير ميت الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم دنيا آلشملول
كان يشعر بأن الدنيا تضيق به. لم يعد يستطع تحمل بعدها عنه أكثر، ولم يعد يستطع تركها في آلامها دون أن يشاركها بها. سيحاول مع دالين مجددًا، فهي أكثرهم قربًا لفاتن، وهي أكثرهم تعقلًا، وبإمكانها فتح الطريق بينهما. سيحاول مهما كلفه الأمر.
أخذ مفاتيح سيارته وذهب إلى الفيلا. وجد سيارة شادي وسيارة أخرى. لم يتردد في الدلوف. وجد شادي يقف موليًا ظهره للباب وبجانبه تقف دالين مبتسمة.
وصل للباب ليسمع والدته وهي تقول بهدوء:
طالما دالين رجعت بالسلامة فـ أنا مبقتش خايفة عليكي.
تحدث عاصم بهدوء:
مساء الخير.
نظرت تجاهه دالين وكانت على وشك تعنيفه لكنها رأت نظرته المترجية لها. سحبت شهيقًا طويلًا قبل أن تقول بهدوء:
اتفضلي يا طنط انتي وشادي مع فاتن، وأنا هخرج أشوف بدور وشدا فين.
أومأت روح متفهمة الأمر فأخذت بيد فاتن ودلفت لغرفة الجلوس.
خرجت دالين وأغلقت الباب خلفها وذهبت مع عاصم بعيدًا عن المكان قليلًا.
دالين بهدوء:
جاي ليه يا عاصم؟
تحمحم عاصم بخفوت قبل أن يتحدث:
دالين، انتي سمعتي من طرف واحد، لازم تسمعيني وبعدها تحكمي.
دالين:
مهما كان اللي هتقوله يا عاصم، ده ما يديلكش الحق أبدًا إنك تتهميها اتهام زي ده ولا إنك تمد إيدك عليها.
عاصم بألم:
ندمان، أقسم لك بالله ندمان يا دالين، ندمان ولو يرجع بيا الزمن عمري ما كنت هعمل كده. كانت لحظة غضب، كانت لحظة وحشة أوي يا دالين صدقيني.
دالين بهدوء:
عايز إيه يا عاصم.
عاصم بسرعة:
فاتن، عايز فاتن.
دالين بهدوء:
أنا هساعدك، بس مش عشانك يا عاصم، هساعدك عشان فاتن، لإني واثقة إن راحة فاتن وضحكتها اللي بهتت مش في إيد حد غيرك للأسف. بس صدقني يا عاصم لو خليتني أندم.
قاطعها عاصم:
مش هتندمي، وشرفي يا دالين ما هتندمي.
دالين باستسلام:
تمام، ممكن تمشي دلوقتي، وأنا أول ما أجيب فون هكلمك على طول.
عاصم:
هنعمل إيه؟
دالين بنفاذ صبر وهي تدفعه للخارج:
امشي يا عاصم، امشي من هنا بوظت سهرة البنوتات الله يسامحك.
عاصم بابتسامة وقد انفتح له باب الأمل:
خلاص يا بنتي همشي أهو والله.
ذهب عاصم وقد انفتح أمامه باب أمل جديد، وبكل الطرق الممكنة سيحاول أن يكسب قلبها من جديد. هذا الأحمق ومنذ متى خسر قلبها اللعين من الأساس. إنه يستوطن خلايا جسدها بالكامل وليس فقط قلبها، لكنها مجروحة، مجروحة وتحتاج لمداواة، وللأسف هو دواؤها.
*******
دلفت دالين وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة.
شادي ضاحكًا كي يخرج فاتن من دوامة أفكارها:
بقيتي بتكلمي نفسك على آخر الزمن ولا إيه؟ إوعي تكوني بتشتمي فراس.
دالين منتبهة:
انت إيه حكايتك مع فراس بالظبط!
شادي وهو ينظر لفاتن نظرة خاطفة لاحظتها دالين ففهمت أنه يحاول إشغال فاتن، فابتسمت بهدوء وجارته في حديثه ليس فقط من أجل فاتن بل من أجل قلبها هي الأخرى تلك الماكرة:
ألا قولي يا شادي، هو عامل إيه؟
شادي رافعًا إحدى حاجبيه:
كويس كويس، بيدور على رقمك.
دالين بتوتر:
ر ر رقمي؟ ليه؟
شادي رافعًا كتفيه بلامبالاة:
مش عارف هو كلمني وأنا جاي ع الطريق وقالي اعرفلي رقم دالين.
دالين بابتسامة لاحظتها فاتن فركزت مع دالين متناسية تمامًا ما هي به.
فاتن بهدوء:
إيه الحكاية؟ ومين فراس ده؟ وليه عايز رقمك؟ واشمعنا طلبه من شادي؟ هو أصلاً يعرف شادي منين؟ وانتي كمان تعرفي شادي منين؟
شادي ضاحكًا:
اييييه قطر ملوش سواق! واحدة واحدة، سؤال سؤال، عيدي يلا من الأول عشان نجاوب على أسئلتك واحد واحد.
فاتن وهي تفرك رأسها من الخلف بابتسامة:
مش فاكرة أنا سألت قلت إيه.
شادي ضاحكًا:
صاحبتك جالها زهايمر يا دالي! قومي يا روح، قومي يا حبيبتي نروح بيتنا أنا عايز أرتاح.
روح بابتسامة:
يلا يا حبيبي.
ذهب شادي وروح وبقيت فاتن ودالين.
فاتن:
مش هتحكيلي اللي حصل معاكي؟
دالين بهدوء:
هحكيلك كل حاجة بس نقضي الليلة دي وننسى العالم اللي بره ده كله الأول.
شدا وهي تدلف بانزعاج:
طبعًا طبعًا وماله لما تنسوا العالم، ده حتى العالم خنيق.
دالين بضحكة:
فعلاً خنيق أوي، وخصوصًا الصديقة المقربة للؤي، يااااه يا شدا خنيقة بشكل.
شدا بتوتر:
مـ مين؟
دالين بابتسامة مكر:
لؤي.
شدا:
ما يتحرق هو وهي وأنا مالي.
فاتن مقاطعة:
إيه إيه إيه، واحدة يتقالها فراس والتانية يتقالها لؤي، انتوا إيه حكايتكوا بالظبط! ومين فراس ومين لؤي.
بدور من الخارج:
فراس ده المز بتاع دالين ولؤي المز بتاع شدا، بس إيييه يا بت يا فاتن، حاجة كده عجب.
صرخت بدور بسبب يد حازم الذي ضربها على مؤخرة رأسها وهو يقول بضيق:
فراس مز ولؤي مز مش كده، لا وعجب كمان.
بدور وهي تمسد خلف رأسها:
إيدك تقيلة على فكرة، وبعدين الواحد يكذب ولا إيه؟ مش أقول رأيي يعني بأمانة.
حازم وهو يدفعها للداخل:
ادخلي يا بدور، ادخلي بدل ما أشوه لك وشك ادخلي.
دلفت بدور وهي تعرج على قدمها وحازم يسندها للداخل. أجلسها إلى إحدى المقاعد وهو يقول:
سهرة بنوتاتي سعيدة يا شلة فقر.
فاتن:
بدور مال رجلك.
حازم:
كسرتها لها.
فاتن:
بتتكلم جد؟ ليه إيه اللي حصل؟ متفهموني يا خلق، غبتوا كام يوم وراجعين لي بفراس ولؤي ورجل بدور العرجة.
بدور بضيق:
ما اسمهاش عرجة، ده جزع بسيط يومين وتفك.
دالين بضحكة:
ومالها عرجة دي حتى لايقة عليكي.
بدور بضحكة استخفاف:
ها ها ها خفيفة.
حازم:
طب أطير أنا بقى.
شدا بهدوء:
زوما ما تنساش تروح للؤي وفراس الصبح قبل ما تيجي الجريزة وتوضح لهم الموضوع أوك.
حازم:
تمام يا برنسيس، يلا سلام.
خرج حازم لتبدأ تحقيقات فاتن، ولم تصمت حتى بدأت دالين تقص عليها كل شيء وشدا تكمل عنها. واستبعدوا تمامًا ما حدث مع بدور في حديثهم، فمهما ظهرت أمامهم طبيعية إلا أن هناك جرحًا في داخلها يحتاج للالتئام، وحتى يلتئم سريعًا لا يجب أن يمسسه أحد. وقد لاحظت فاتن عينا دالين التي حذرتها أن تسأل عما أصاب بدور فلم تسأل واكتفت بالتحفيل على دالين وشدا وهي تنادي كل منهما بفراس أو لؤي.
بدأت السهرة بتناولهم الطعام ثم قاموا بتشغيل الفيلم والذي كان يحتوي على الكثير من المشاعر، فكانوا يبكون تارةً ويضحكون تارةً أخرى وكل منهما تتمنى بداخلها حياة هانئة مع من يحتل قلبها.
انتهوا من الفيلم وذهبوا جميعًا في سيارة شدا للنادي الذي يحوي على حمام سباحة ضخم بحشائش حوله وأضواء خافتة. وبمجرد أن وصلوا ارتمت كل منهما على الحشائش وتمددوا جميعًا موجهين أعينهم للسماء وبدأوا في إلقاء مزحاتهم تارةً والتحدث عن المشاعر تارةً حتى غلبهم النعاس، فتحركوا عائدين لمنزل فاتن، وناموا جميعًا هناك.
*******
كان يغط في نوم عميق، فـ الأيام السابقة لم يكن ينام جيدًا، ساعات بسيطة فقط، لكن من أين تأتيه الراحة وله توأم كغرام.
قفزت إلى الفراش وهي تجذب الوسادة عن رأسه وهي تتحدث بمرح:
يلا يا فرووووس، اصحى ورانا حاجات كثيرة نعملها عشان الفرح.
فراس بغيظ:
أنا عارف إنه قرار زفت من الأول وإن ما حدش هيشيل الليلة على دماغه غير أهلي.
غرام:
إخص عليك يا فراس، مش عايز تساعدني، خلاص مش عايزة منك حاجة، أنا هقوم أكلم عموري يشوف لي أراضي دالين فين وتيجي هي تساعدني.
ما إن سمع فراس اسم دالين حتى هب واقفًا:
لا لا أنا صحيت أهو، هاخد شاور وأروح أجيبها لك ونطلع نجيب كل اللي انتي عايزاه.
غرام بضحكة:
أيوه كده.
فراس بغيظ:
قومي اطلعي بره يا بت.
غرام:
هطلع بس مش عشان انت عايزني أطلع، هطلع عشان عايزاك تجيب لي دالين في أسرع وقت عشان نروح ننقي الفستان سوا، وإيااااك عمرو يعرف حاجة عن الفستان، عايزاه مفاجأة.
ركضت غرام للخارج فتثاءب فراس بكسل وهو يتمتم:
والله ما هيعود فرحك عليّ بحاجة حلوة غير دالين يا غرام.
ابتسم لتفكيره ثم دلف لدورة المياه. أخذ حمامًا سريعًا وخرج مرتديًا ملابسه والتي كانت عبارة عن بنطال جينز أزرق داكن ويعلوه تي شيرت أبيض يعلوه قميص سماوي ترك أزراره مفتوحة، وقام بتشمير ساعديه حتى الكوع مرتديًا ساعة معصمه السوداء ورفع شعره للأعلى كعادته مرتديًا نظارته الشمسية السوداء وحذاءه الأبيض.
ثم خرج من الغرفة بعدما وضع عطره المميز. قابلته غرام عند الدرج، فصفرت بمرح وهي تعبث بحاجبيها:
"إيشي إيشي إيشي.. إيه الحلاوة والشياكة دي!"
فراس بابتسامة:
"طول عمري.. بس بدكن."
غرام ضاحكة:
"يا خووفي."
ضربها فراس على رأسها بخفة ثم غادر بهدوء.
غرام في نفسها:
"يا رب يكرمك بيها ويسعدك معاها يا فراس يا رب."
بينما غادر فراس متجهًا لقسم الشرطة، ولا يعلم لماذا أصبح لؤي ملجأه في الفترة الأخيرة. سعيد يذهب إليه، حزين يذهب إليه، تائه أيضًا لا يذهب سوى إليه.
وصل أخيرًا وصف سيارته ودلف بهدوء. أخبر العسكري لؤي بوجود فراس فسمح له بالدلوف على الفور.
فراس وهو يخلع نظارته ويرفعها إلى شعره بابتسامة:
"ما أكونش عطلتك بس."
لؤي بإعجاب:
"أوهووو.. دا إيه الشياكة دي!.. كان مستخبي فين ده يا دوك."
فراس:
"هو أنا كنت أجرب قبل كده ولا إيه يا جدعان.. فيه إيه مالكوا؟!"
لؤي بضحكة:
"لا لا مش كده.. بس لبسك كان غوامق باين.. والنهاردة أبيض وسماوي ونضارة شمس.. لا لا ده تغيير جذري يا عم."
فراس:
"ما علينا.. سيبك مني.. تعرفي عنوان شدا؟"
لؤي رافعًا إحدى حاجبيه:
"لا ما أعرفوش.. ليه بتسأل؟"
قبل أن يجيب فراس قاطعهما دلوف العسكري مجددًا:
"الصحفي حازم يا لؤي بيه."
نظر لؤي وفراس لبعضهما بابتسامة قبل أن يقول لؤي:
"خليه يدخل يا بني."
دلف حازم ليجدهما ينظران إليه وابتسامة غريبة تعلو ثغريهما. نظر لهما بتعجب ثم ابتسم بهدوء وهو يقول:
"صباح الخير.. كويس إنكم مع بعض.. أنا كنت هروح لك المستشفى يا دكتور."
لؤي بابتسامة:
"ليه في حاجة ولا إيه؟"
حازم بهدوء:
"لا أبدًا كل خير.. بس شدا اقترحت اقتراح يعني وحبت تاخد رأيكم."
لؤي باندفاع:
"وهي ما جتش ليه؟"
تحمحم حازم قبل أن يقول بمشاكسة خفية:
"ااا.. أبدًا.. أصل هي كانت سهرانة إمبارح وهتصحي متأخر أكيد."
لؤي وقد زحف الضيق إلى وجهه:
"سهرانة؟.. سهرانة فين ومع مين؟"
حازم بابتسامة:
"مع الشلة."
لؤي بنفاذ صبر:
"أيوه يعني مين الشلة دي؟"
حازم ببراءة:
"فاتن وبدور ودالين."
فراس مندفعًا:
"دالين؟"
حازم بتأكيد وقد حزم أمره أن يرحم فضولهما:
"أيوه.. هي عادة عند البنات بتضرب في دماغهم يعملوا لنفسهم سهرة.. دالين مسمياها سهرة بنوتاتي.. بيقضوا الليل ما بين الأكل والأفلام الرومانسية أو الكوميدية ويختموا السهرة بقعدة معتبرة ع البسين يفضفضوا فيها شوية لحد ما يتعبوا ويروحوا يناموا كلهم عند واحدة منهم.. بس كده هي دي كل الحكاية."
لؤي بتنهيدة:
"آه أوك.. طب وإيه الاقتراح اللي جاي عشانه؟"
حازم:
"اا.. شدا بتقول يعني إنه ما فيش داعي إنها تنشر البيانات اللي معاها في الجرايد.. ونكتفي باللي حصل."
فراس بعدم فهم:
"وليه لأ؟.. دي فرصة ما تتعوضش وهترفعها جدًا."
حازم:
"شدا مش من النوع اللي بيسعى ورا شكليات وأماكن عالية.. هي بتفكر بعقلها قبل أي حاجة.. وحضرتك قلت فرح أختك نهاية الأسبوع.. وعشان تنشر خبر زي ده هيقلب الدنيا والكلام هيكتر.. وساعتها مش هتسلم من الكلام أنت وأختك.. إزاي يعملوا فرح في ظروف زي دي وإزاي ما أعرفش أي وكاني وماني وعمي الفكهاني وحاجات كلنا في غنى عنها."
لؤي بابتسامة إعجاب:
"طول عمرها عاقلة."
فراس رافعًا إحدى حاجبيه للؤي متمتمًا:
"لا يا شييييخ."
لؤي بضحكة:
"سوري يا فراس.. بس بجد شدا عندها حق."
فراس بلامبالاة:
"هي حرة يا عم.. المهم دلوقتي أنا عايز أوصل لدالين."
حازم بتساؤل:
"ليه؟"
فراس بتبرير:
"اا.. غرام.. غرام أختي عايزاها معاها الفترة دي."
حازم:
"أوك.. أنا ممكن آخد حضرتك لبيت فاتن."
فراس:
"فاتن مين؟"
حازم وهو يمسد جبهته:
"رابعَتهم اللي باتوا عندها إمبارح."
فراس بتفهم:
"أوك أوك.. يلا طيب."
لؤي بتهكم:
"أيه هو ده.. وأنا برميل طرشي هنا مثلًا."
فراس باستفزاز:
"طب أنا هروح أكلم دالين تيجي لغرام.. أنت بقى عايز إيه؟"
لؤي بخيبة أمل في أن يراها اليوم:
"امشوا من هنا.. خلوني أشوف شغلي."
خرج حازم أولًا وتحرك فراس خطوتين ولكنه أراد مشاكسة لؤي فعاد خطواته ووقف أمامه باستفزاز:
"مش عايزني أقول حاجة لشدا؟"
ألقى لؤي القلم الذي أمامه عليه بغيظ وهو يقول:
"امشي من هنا."
فراس بضحكة:
"خلاص خلاص هبقى أطمنك عليها."
خرج وأغلق الباب خلفه قبل أن تصل المطفأة التي ألقاها عليه لؤي لرأسه. ثم فتح الباب وأدخل رأسه مجددًا وقال باستفزاز:
"عنيف أوي يا لؤي."
ألقى جملته وغادر وهو يضحك بسعادة لجعل لؤي يغتاظ هكذا.
بينما جلس لؤي لاعنًا حظه.. كيف سيراها مجددًا؟! ابتسم باتساع وهو يتذكر والدته.. سيجعل والدته تهاتفها وتطلب منها الذهاب إليها.. ضحك بكل صوته وهو يعود لعمله بمزاج رائق.
***
كانت دالين أول من استيقظ من الفتيات. دلفت لدورة المياه واغتسلت سريعًا ثم خرجت للمطبخ وأمسكت إحدى قطع البيتزا التي تبقت منهم بالأمس في فمها وبدأت تأكلها بكسل وهي تُجهز كوب النسكافيه الخاص بها. أنهت النسكافيه مع انتهاء قطعة البيتزا. فالتقطت قطعة أخرى ووضعتها في فمها ثم خرجت وهي تحمل كوب النسكافيه متجهة للحديقة وباليد الأخرى تفتح الباب. فتسمرت مكانها وهي ترى حازم وبجانبه فراس ويد حازم مرفوعة على وشك طرق الباب. كانت تنظر لهما ببلاهة وقطعة البيتزا في فمها وكوب النسكافيه في يد واليد الأخرى ممسكة بمقبض الباب. وما إن رآها حازم حتى انفجر ضاحكًا وهو ينحني للأمام وما يلبث أن يرفع رأسه بعدما يهدأ ليعود مجددًا إلى الضحك بصخب.
بينما فراس يحاول قدر المستطاع أن يكتم ضحكته أمامها.
دالين بعدما استفاقت من نعاسها واستدركت الموقف.. رمشت عدة مرات قبل أن تمسك بقطعة البيتزا في يدها ثم ابتلعت ما بفمها وهي تقول لحازم بضيق:
"بتضحك على خيبة أهلك؟!"
فراس رافعًا إحدى حاجبيه بتعجب.. هل هذه هي نفسها الملاك الهادئ التي كانت في منزله منذ فترة قصيرة؟ هل تتحول بمجرد أن يتغير المكان أم ماذا؟ لقد كان يراها كقطة أليفة.. أما الآن فهي مختلفة.. مختلفة تمامًا.
حازم قاطعًا شروده:
"آسف يا فراس إني خليتك تشوف الجانب البشع ده منها.. بس ما كنتش أعرف إنها هتقابلنا كده."
دالين وهي تنظر له بحاجب مرفوع:
"وماله كده؟"
حازم:
"أنتِ شبه اللي طالعة من خناقة يا دالين بشعرك ده."
دالين بانتباه فهي لم تمشط شعرها وهذا يعني أنه يقف كأشعة الشمس تمامًا.
فراس ضاحكًا:
"هو حد مكهربها؟"
دالين بغيظ:
"لا والله!!"
فراس ببراءة:
"أنا بتكلم على اللي شايفه قدامي."
دلفت دالين وتركت الباب مفتوح فدلف حازم أولًا وتبعه فراس الذي انصدم من مظهر غرفة الجلوس التي تنتشر بها مخلفات المسليات وأطباق الجاتوه الفارغة وأكواب العصير وعلب الكنز كذلك.
فراس:
"هما كانوا أربع بنات ولا أربع وحوش؟"
حازم ضاحكًا:
"مسيرك تتعود على كده."
فراس بابتسامة:
"واضح إنهم شلة متفقة الميول."
حازم بتأكيد:
"فوق ما تتخيل."
دلفت دالين لهما بعدما قامت بتمشيط شعرها وهي تحمل كوبين من النسكافيه. أعطت أحدهما لحازم والآخر لفراس الذي تلامست يده مع يدها فنظرت له نظرة سريعة لترى لمعة عينيه التي عشقتها منذ يوم عيد ميلاده.
إنها نفس اللمعة التي تظهر جلية في رسمة غرام.
دالين بعفوية:
"هي اللوحة اللي كانت رسمتها غرام راحت فين؟"
فراس بابتسامة واسعة:
"تقريبًا لسه في الفيلا."
دالين بهدوء:
"أوك."
فراس متحمحمًا:
"غرام زي ما حضرتك عارفة فرحها بعد يومين.. فـ هي طلبّاكي تكوني معاها اليومين دول.. ومحتاجاكي النهاردة عشان تروح تجيب الفستان."
دالين بحماس:
"طبعًاااا.. أروح لها أكيد أنا والبنات وأعرفهم عليها وأعرفها عليهم.. واااو هتبقى حفلة خيااال.. وإحنا اللي هننظمها."
حازم:
"هاااي.. إيه إيه يا حبيبتي اهدي وصلي ع النبي كده.. الفرح فرح غرام مش فاتن ها."
تهجمت ملامح فراس من كلمة "حبيبتي" التي نطق بها حازم لكن ما باليد حيلة.
دالين بتلقائية:
"غرام اللي هتحدد.. لو عايزانا ننظمها لها مش هنتأخر."
دلفت شدا بهدوء:
"مين غرام؟"
دالين:
"أخت فراس.. اللي فرحها بعد يومين."
شدا متذكرة:
"أيوه أيوه.. طب والله عال أوي.. إحنا هنعملها أحلى حفلة."
ثم أخفضت صوتها قليلًا وتابعت:
وكمان نشغل فاتن شوية ونخرجها من الجو ده.
حازم بتساؤل:
هو عاصم مظهرش تاني؟
دالين بهدوء:
جه إمبارح.. وأنا خرجت وكلمته.. وأول إمبارح رحت له مكتبه وبهدلته.. بس مش عارفة حاسة إني ظلمته... أو يعني هو محتاج فرصة تانية.
حازم:
أنا معاكي في الكلام ده.. بس لازم يتأدب ويقول حقي برقبتي الأول قبل ما نساعده.
دالين بتأكيد:
هو ده بالظبط اللي هنعمله.
فراس بنفاذ صبر:
طب إيه.. تحبوا تجهزوا وأوصلكم الفيلا دلوقتي ولا إيه؟
دالين وهي تتحرك بسرعة:
فوريرة.
ركضت شدا خلفها بسرعة وقاموا بإيقاظ فاتن وبدور.. ثم ارتدوا ملابسهم على عجلة ونزلوا سريعًا.
دالين:
جاهزين.
خرج فراس وحازم وركب كل منهما سيارته.. وركبت بدور مع شدا ودالين مع فاتن.
حازم وهو يخرج رأسه من النافذة:
أنا هروح الجريدة يا شدا وأشوف الدنيا هناك.. ولو احتجتوا حاجة كلميني.
أومأت شدا قبل أن تنطلق خلف سيارة فراس وتبعتهم دالين وفاتن.
طرقات خفيفة على باب المنزل فتحت بعدها دينا الممرضة وهي ترحب بلؤي بهدوء:
اتفضل حضرتك.. حمد الله ع السلامة.
لؤي:
متشكر.. ماما صاحية؟
دينا بتأكيد:
أيوه قاعدة في البلكونة فوق.
صعد لؤي لغرفة والدته وقبل يديها بحب.. ابتسمت له جنات وهي تتمتم:
إيه يا حبيبي راجع بدري ليه؟
لؤي بارتباك:
اا.. أصل أنا.. ماما بصي أنا.
جنات مقاطعة:
قول على طول يا لؤي.. في إيه يا حبيبي؟
لؤي بتنهيدة:
محتاجك في خدمة.
جنات:
أؤمرني يا حبيبي.
لؤي:
الأمر لله وحده.. بس كنت عايز أعرف حقيقة مشاعر شدا.. و.. وعايز أتكلم معاها وكده.. فـ مش عارف يعني ااا..
جنات بابتسامة:
معاك رقمها.
لؤي بابتسامة واسعة:
ااا أيوه معايا..
أخرج هاتفه ثم قام بنقل رقم شدا إلى هاتفها ورفعت الهاتف على أذنها ليأتيها الرد بأنه مغلق.. حاولت جنات مرة أخرى وأتاها نفس الرد..
يئس لؤي على الفور فربتت السيدة جنات على شعره بحنان وهي تتمتم:
هتلاقيها مشغولة في حاجة بس.. وأنا هفضل وراها لحد ما تفتح وترد.
لؤي بابتسامة باهتة:
سلميها لله.. المهم تعالي يلا نتغدى سوا عشان أرجع شغلي تاني.
أومأت جنات بابتسامة وذهبت معه لتناول الغداء في الأسفل.
دلفت روح إلى الشرفة لتجد شادي شاردًا في عالم آخر وقد برد فنجان قهوته تمامًا.
روح بهدوء وهي تجلس إلى جانبه:
اللي واخد عقلك.
انتبه لها شادي ونظر تجاهها بابتسامة وهو يقول:
أكيد واحدة.
روح بضحكة:
إيوااه مين هي بقى.
شادي بتنهيدة:
اللي هقوله ده ميمسش العقل بأي صفة.. ده مجرد جنون بس.. هي بنت شرطية ناشفة كده بس كيوت أوي.. عيونها شبه الغزال في وسعها ولونهم بندقي غريب كده بيلمع.. وشعرها أسود أوي.. حواجبها منعكشة هههه بس.. بس عليها يجننوا.. مديينها رونق خاص كده وجاذبية خاصة.. عليها لسان أجارك الله.. بس خجولة أوي وبتعتذر لو غلطت.. وبتبجح لو حد بجح قصادها.. تخيلي كل ده عرفته في شخصيتها في دقيقتين اتنين اللي شفتها فيهم.
روح بذهول:
إنت بتتكلم جد؟!!!
شادي بتأكيد:
آه والله.. بصي يا ستي هحكيلك اللي حصل.
سرد عليها شادي كل ما حدث معه.. وبدأت روح تضحك.
شادي وهو يضحك معها:
آه والله زي ما بقولك كده.. حاجة كده استغفر الله يعني.
روح بهدوء:
نقول أهلًا بأول دقة قلب.
شادي:
مش عارف يا روح.. مش هحكم كده من مرتين لمحتها فيهم.. أنا ممكن أكون أعجبت بأسلوبها اللي أصلًا متعاملتش معاها عشان أعرفه بس كأسلوب في موقفين ورا بعض عجبني.
روح بغمزة:
وبالنسبة لعيون الغزال؟
شادي بضحكة:
انتي محدش يحكيلك عن حاجة أبدًا.
ضحكت روح وضحك معها قبل أن يضمها إليه بسعادة.
سمعا صوت طرقات على الباب.. فتحرك شادي ليفتحه فوجد عاصم أمامه.. تحولت ملامحه على الفور.. لكنه وجد عاصم يقف كما هو.. لا تظهر عليه أي تعبيرات.
شادي بهدوء:
ادخل تعالى.
دلف عاصم وتقابل مع والدته التي دلفت من الشرفة للتو:
عاصم حبيبي.. تعالى اتفضل.
احتضنته بحنان وأخذت تربت على ظهره بهدوء.. ثم جلسا معًا وقد تحرك شادي ليعد شيئًا ليشربونه.. تاركًا المجال لعاصم كي يتحدث إلى والدته.
روح بهدوء:
متيأسش حبيبي.. فاتن هترجعلك قريب أوي.. بس لازم تتقاوى يا عاصم وتحاول تاني وعاشر عشانها.
عاصم بتنهيدة:
عارف.. وأنا بحاول أهو.. وعشان كده جيتلك.
روح بعدم فهم:
قصدك إيه؟
عاصم بهدوء:
أنا آسف عشان مكنتش الابن اللي اتخيلتيه واللي المفروض يبقى جنبك دايمًا.
وكمان عايز أعتذر لشادي على تعاملي السيئ معاه الفترة اللي فاتت.
روح بابتسامة:
حبيبي متقولش كده.. انت ابني وحتة مني.. وشادي نفسه تكون له أخ.. هو هيرحب بيك جدًا.
عاصم بابتسامة:
عارف.
دلف شادي يحمل كوبين من الشاي في يده.. أعطى واحدة لروح والأخرى لعاصم.. وكان على وشك الذهاب ولكن أوقفه صوت عاصم:
شادي.
نظر له شادي في صمت فتابع عاصم:
أنا آسف على تصرفي معاك.
شادي بهدوء:
مفيش حاجة يا عاصم.. أنا مش زعلان منك.. أنا زعلان عليك... انت فعلًا أعقل بكتير من كده وأكبر من كده.. سيبك مني خالص.. واعتبرني يا عم شريك في شغلك بس مش أكتر.. والأيام تقوي ما بينا.. دلوقتي عندك مهمة صعبة لازم تقوم بيها واللي هي مداواة قلب فاتن.. هياخد منك وقت بس هتقدر تداويه.. وأنا هساعدك يا سيدي.
عاصم بعدم فهم:
تساعدني إزاي؟
شادي:
سيبها بقى للوقت.
عاصم وهو يستعد للذهاب:
تمام.. أنا همشي دلوقتي عندي شوية شغل في الشركة لازم أخلصهم عشان أفوق شوية.
روح باستفهام:
أبوك مظهرش برضه؟
عاصم بعدم فهم:
بابا؟!.. بابا مسافر.
روح:
مسافر؟.. يمكن.
عاصم:
قصدك إيه؟.. في إيه؟
روح:
أبدًا أصل سمر اختفت من يوم ما خرجت فاتن من المستشفى ومحدش يعرف أراضيها فين.. وتقريبًا هو نفس الوقت اللي اختفى فيه مراد.
عاصم بابتسامة ساخرة:
مبقاش يفرق خلاص.
تحرك عاصم ذاهبًا للشركة بينما تنهدت روح براحة وأخذت تدعو له ولفاتن بأن يهديهم الله ويصلح فيما بينهم.
وصلوا جميعًا حيث فيلا فراس.. وترجلوا بهدوء.
فراس:
نورتوا المكان.. اتفضلوا.
دلفوا جميعًا لتقابلهم جومانة بابتسامة.. فلقد هاتفها فراس وأعلمها بقدومهم وقد ابتسمت بسعادة لأنها أخيرًا سترى من ملكت قلب ابنها.
قبل فراس رأسها بحب وهو يقدمهم لها:
دي يا أمي دالين مهندسة شاطرة أوي وصحبة غرام.. ودي شدا صحفية ليها مكانتها.. ودي بدور أخت شدا لسه طالبة جامعية وخدي بالك عشان مشاغبة أوي.
بدور باعتراض:
أنا مش مشاغبة أوي.. أنا كيوت أوي.
ضحكوا جميعًا على تذمرها قبل أن يتابع فراس حديثه:
ودي بقى يا جماعة والدتي.
رحبت بهم جومانة ترحاب حار وقد كان لدالين ترحيب خاص.. وكانت جومانة لا تكف عن الحديث معها في أي شيء ولا تكف عن سؤالها في كل شيء.
نظروا جميعًا تجاه صوت صراخ غرام التي تركض من الدرج متجهة للخارج وهي تقول بصراخ:
والله تووووووبة... عاااااااا.. حد يحوشه عنااااااي.
ضحكت الفتيات على منظرهم وهم يركضون خلف بعضهم هكذا.
دالين بضحكة:
هما مبيبطلوش أبدًا؟
جومانة بضحكة:
طول ما فراس في البيت وهما على كده.
انتهى هذا الركض والصراخ بحمل فراس لغرام وأخذ يدور بها وهي تصرخ في خوف:
هقع هقع لا لا هموووت عاااا.
دلف بها فراس وهو يحملها على كتفه وأخذت هي تركل الهواء وهي تضربه على ظهره بغيظ.. ثم أنزلها أمامهم لتترنح نتيجة الدوار الذي داهمها.. فضحكوا جميعًا عليها لتنتبه أخيرًا لوجودهم ومن دون مقدمات قفزت إلى دالين صارخة:
دالييييييييي..
وحشتيني أوي.
احتضنتها دالين بحب ثم قدمت لها صديقاتها وقدمتها لهم كذلك.
غرام:
في لحظة هغير هدومي وأجي ونخرج كلنا مع بعض نشتري الحاجات.
صعدت غرام بسرعة للأعلى، فتحدثت جومانه:
مش هتبطل اللي بتعمله ده؟ البت هتطب منك ساكتة في يوم بسبب تدويخك ليها ده.
فراس بغيظ:
حد قالها تقعد تكلم سي عمرو بالساعة فوق؟ أطلع ألاقيها بتتدلع وهي بتكلمه.
دالين وهي تكتم ضحكتها حينما تحدثت شدا:
وإيه المشكلة؟ على حد علمي إنهم كاتبين كتابهم باين.
فراس بغيظ:
لما تبقى في بيته يبقوا يتكلموا براحتهم.
كانت شدا ستتحدث ولكن أوقفتها دالين بحديثها فهي تعلم أن نهاية هذا النقاش سيكون مشادة كلامية بين شدا وفراس لأن شدا لا تتفاهم أبدًا وفراس لا يتفاهم حينما يتعلق الأمر بغرام كذلك:
شدا أنا عايزة أشتري تليفون وخط.
شدا بهدوء:
أوك.. نشتري وإحنا بره.
عادت لهم غرام:
أنا جاهزة.
تحركوا جميعًا، وذهبوا أولًا لشراء فستان مناسب لغرام، وقد وجدوا مبتغاهم وكان الفستان في غاية الأناقة والجمال. وبدأت الفتيات في شراء فساتين لهم أيضًا كي يحضروا بها الزفاف. وما أصابهم جميعًا بالذهول هو اختيار شدا لإحدى الفساتين. نظرت لها دالين بدهشة:
شدا! أنتي هتلبسي فستان؟
شدا بتوتر:
هـ هجرب يعني.
صرخت دالين بسعادة وهي تحتضنها:
أنا كنت هموت قبل ما أشوفك لابسة فستان.
شدا بغيظ:
لو مابعدتيش حالًا هغير رأيي.
ابتعدت دالين على الفور وهي تكتم ضحكاتها، فهي تعلم جيدًا سبب اختيار شدا للفستان.
انتهوا جميعًا من تسوقهم وخرجوا ليقلهم فراس، لكن فراس تحدث إلى دالين بهدوء وهو يقدم لها إحدى العلب الصغيرة.
دالين بتساؤل:
إيه ده؟
فراس رافعًا كتفيه:
هدية بسيطة بمناسبة رجوعك بالسلامة، بتمنى تقبليها.
أومأت دالين بهدوء وابتسامة ولكنها اختفت حينما تحدث مجددًا:
يلا اتفضلي حضرتك.
ركبت دالين وصفقت الباب خلفها بضيق، إلى متى سيعاملها برسمية هكذا؟
شدا بهدوء وهي تقترب من أذنها:
زعلانة ولا زعل لؤي.
دالين وقد ضربت في عقلها فكرة، فنظرت لشدا بابتسامة واسعة وهي عازمة على تنفيذ تلك الخطة.
رواية ضمير ميت الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم دنيا آلشملول
ضمير ميت
الحلقة الثالثة والعشرون
أنهى جميع أعماله وتفرغ تمامًا لكي يعيد محبوبته إليه. الآن لن يشغله أي شيء عنها وعن محاولة إرضائها. خرج من مكتبه وأخبر داليا السكرتيرة بأنه لن يعود قبل أيام، وبأن عليها مباشرة الأعمال المهمة وأن ترسل له الأوراق التي تتطلب توقيعه. ذهب إلى منزله فوجد والده يجلس إلى الأريكة ويرتشف من فنجان قهوته.
وقف مواجهًا له وعيناه حمراوان من قلة النوم، فهو قضى الليل بأكمله في إنهاء أعماله.
عاصم:
مبسوط؟
مراد بلامبالاة:
ليه، إنت زعلان ولا حاجة؟!
عاصم:
دي مرات أخوك! إزاي؟ إزاي قدرتوا تعملوا كده؟
مراد زافرًا بضيق:
إنت هتعلمني اللي ينفع واللي ما ينفعش يا عاصم ولا إيه؟
عاصم بغضب:
إنت بتقول إيه!!! بقولك مرات أخوك، يعني حرام... علاقتكوا كلها حرام في حرام.
مراد:
اللي ما يخصكش ما تتدخلش فيه. روح اجري صلح علاقتك بمراتك.
عاصم بتعب:
تصدق! إنت صح. ما ينفعش أضيع وقتي مع حد مش في دماغه وما بيدورش غير على نفسه وحياته واللي يهمه وبس. مراتي أحق بكل دقيقة باضيعها دلوقتي.
مراد ببرود:
شاطر.
تحرك عاصم من أمامه وقد عزم على إنهاء كل هذا. سينفرد بأعماله وسيعيد محبوبته. منذ متى ووالده يهتم من الأساس؟ سيعتمد على نفسه، ونفسه فقط.
دلف إلى غرفته وبدل ملابسه واستغرق في نوم عميق، فبعدما يستيقظ ينتظره الكثير ليقوم به.
*******
عادت الفتيات لفيلا فراس، وطوال الطريق لم يكفوا عن الثرثرة في أمور الزواج وترتيباته. وقد انتهى بهم الحال إلى أن هاتفت غرام عمرو وأخبرته بأنها ستهتم هي بكل أمور حفل الزفاف وسيكون في فيلتهم. اعترض في بادئ الأمر ولكنه وافق على مضض بعدما تحدث له فراس وأخبره بأن الفتيات سيهتممن بهذا الأمر، وبأن هذه رغبة غرام وليس هناك فرق بينهم، وبأن عمرو سيتكفل بكل تكاليف الزواج ولكن الاختلاف فقط في المكان.
ترجلت الفتيات ودلفن ليقمن بتقييم المكان وتهيئته على أكمل وجه كي يكون أنيقًا ولائقًا بملاك صغير كغرام.
فراس بهدوء:
هتشتغلوا شغل مهندسين مش كده؟
شدا بحماس لم تعتده الفتيات عليها:
هنظبط الدنيا.
ذهب فراس لإنهاء بعض أعماله في المستشفى بينما بقيت الفتيات مع غرام يرتبون المكان ويعدونه للزفاف الذي لم يتبق عليه سوى يوم واحد فقط.
جلست دالين إلى أرجوحة غرام وبدأت بفتح العلبة التي أعطاها لها فراس. كانت عبارة عن علبة سوداء صغيرة بداخلها علبة أخرى علمت من مظهرها كونها علبة لهاتف. شهقت بفرحة وهي تخرجه من العلبة. كان لونه أزرق وموضوع بعلبة سوداء. هل هي مصادفة أن يجلب لها اللونين المفضلين؟! أم أنه يعلم كونهما مفضلين لديها؟!
أجفلها صوته الذي أتى من العدم فجأة:
عجبتك الهدية؟
دالين وهي تنظر له بفرحة:
أوي أوي... بس... بس ما كانش في داعي بجد.
فراس وهو يهز كتفيه كعلامة اللامبالاة:
أنا السبب إن تليفونك يتحرق مع العربية، فده واجبي لا أكثر.
أصابها الإحباط على الفور وهي تخفض بصرها للأسفل ثم ابتسمت بألم وهي تتمتم:
شكرًا مرة تانية... بعد إذنك.
غادرت المكان ودموعها تهدد بالسقوط، بينما بقي هو بمكانه وبداخله رغبة كبيرة في أن يجذبها إلى أحضانه ويخبرها بأنه يود أن يجلب لها كل شيء تحبه وأي شيء مهما يكن. يود بث مشاعره إليها، لكنه بقي مكانه ولم يتحرك. كانت فقط رغبة وقد تبخرت مع تبخر رائحتها من المكان بعد مغادرتها.
جلس إلى الأرجوحة ورفع رأسه للسماء وشرد بالأوقات التي جمعتهما معًا. يتذكر كيف احتوته بكلماتها البسيطة في ذاك اليوم الذي ذهب إليها شاكيًا همه. يتذكر لمعة عينيها السعيدة بيوم مولده، كم كانت جميلة وهادئة. يتذكر خوفها منه في أول مرة رأته فيها وكيف تعمد إخافتها في ذاك اليوم بسبب ثوران عقله وقلبه لمعرفة كون الخاطف هو والده.
أخرجه من شروده رأس غرام التي وُضعت على كتفه محاوطة ذراعه بذراعيها.
أمال برأسه على رأسها بهدوء وهو يتمتم:
مبسوطة؟
غرام:
أوي أوي.
فراس بابتسامة:
وأنا ده اللي يهمني. أوعي تزعلي في يوم أبدًا، ولا تحزني على حاجة. حافظي على جوزك وبيتك. استحملي شغله ومواعيده لإن الشرطة معروفين بإن مواعيدهم مش منتظمة. يعني ممكن يبقى في حضنك الساعة اتنين بليل وفجأة يجيله تليفون يخليه يطلع بسرعة على ملى وشه. ممكن تجيله مهمة يسافرلها بالشهر ويضطر يقفل تليفونه وما تعرفيش تتواصلي معاه. هيبقى قلق ليكي وصعب عليكي بس لازم كل مرة يطلع فيها تكوني واثقة إن ربنا هيحميه ويرجعهولك بالسلامة. ما تضغطيش عليه في حاجة عشان هو طبيعي مضغوط في شغله. يعني لو جاي متأخر من بره وشكله تعبان مش لازم تطلعوا تسهروا. ممكن تخليها وقت تاني وهو من نفسه هيعمل إجازات لنفسه عشان يديكي حقك من وقته. لازم تقدريه وتحترميه. مش معنى مثلًا إنك بتهزري معاه أو هو بيهزر معاكي وتقوليله يا بايخ أو يا رخم قدام حد. أوعي يا غرام. ديما اعمليله هيبة واحترام قدام الناس، وفي بيتك بينك وبينه اعملوا كل اللي نفسكوا فيه لو هتضربوا بعض، لكن قدام الناس ما لوش غير الاحترام. ما تجرحيهوش بكلمة إنتي عارفة إنها هتجرحه لمجرد إنك تاخدي حقك. لا في طرق كتير تاخدي حقك بيها غير دي. وأوعي في يوم يطلبك وإنتي زعلانة وترفضيه. حاولي على قد ما تقدري مهما يكون بينكوا مشاكل ما تناميش غير في حضنه آخر الليل. قدريه وقدري اللي بيعمله عشانك. افتكريله الحلو وبس.
انتهى من حديثه بتنهيدة قبل أن يتساءل بهدوء:
فهمتي كلامي؟
كانت غرام تنظر له بعيون دامعة وما إن انتهى حتى ألقت بنفسها بين ذراعيه تحتضنه بقوة:
إنت مش بس أخويا... إنت أخويا وأبويا وابني وحبيبي وكل حاجة ليا في الدنيا. ربنا ما يحرمني منك أبدًا.
فراس بابتسامة وهو يربت على ظهرها بحنان:
ولا يحرمني منك يا كل دنيتي يا فراس.
غرام بهدوء بعد صمت طال لدقائق:
فراس.
فراس:
همممم.
غرام بهدوء:
مش ناوي تاخد خطوة في علاقتك بدالين؟
فراس بعد دقيقة صمت:
ما فيش علاقة بيني وبين دالين عشان آخد فيها خطوة.
غرام:
فعلًا... حتى دقات قلبك اللي زادت بمجرد ما سمعت اسمها بتقول كده.
فراس متحمحمًا:
هي غلطت فيا.
غرام بهدوء:
أكيد ما كنتش تقصد.
فراس:
وإن يكن... ما تعتذرش؟! أو حتى ما تحاولش؟!
غرام بهدوء ونبرة غموض:
نشوف الأيام مخبيالنا إيه.
*******
تحركت الفتيات على وعد بالعودة في الغد لترتيب المكان بعدما خططوا جميعًا له. وغدًا سيكون التنفيذ.
وصلت دالين بفاتن إلى الفيلا ودلفتا بهدوء. كان المكان هادئًا إلا من غرفة المكتب الخاصة بوالد فاتن، فكان يصدر عنها صوت أغنية لأم كلثوم.
نظرت دالين لفاتن بابتسامة وهي تتمتم بهدوء:
عمو شريف شكله بيحب ولا إيه!
ضحكت فاتن بخفة وهي تتمتم:
شكله كده... تعالي نطب عليه.
أماءت دالين وذهبتا بهدوء تجاه مكتب شريف الذي كان يجلس إلى مكتبه رافعًا رأسه إلى ظهر مقعده وينظر للسقف في شرود، وابتسامة شاردة تزين ثغره.
دالين بابتسامة:
أوبااا... أبوكي رجع مراهق يا تونا.
فاتن وهي تكتم ضحكتها:
لا بجد هو عامل ليه كده!
دالين بمكر:
هنعرف حالًا.
وما إن أنهت جملتها حتى دفعت باب الغرفة وقفزت إلى الأريكة المقابلة للمكتب وهي تقول بمرح:
قفشتتتتك.
شريف وقد أجفله حركة دالين، لكنه ابتسم سريعًا وهو يقول بهدوء:
اااه... رجعت للدوشة تاني أنا.
دالين وهي تقف في غرور مصطنع:
طبعًا طبعًا... ربنا ما يحرمك مني أبدًا... وبردو مش هتفلت من إيدي... قولي كده إيه سر الابتسامة دي والأغنية دي والسرحان ده... ها... إيه ها؟!
فاتن بضحكة:
بابي العاشق الولهان بيسمع "الحب كله"!
شريف:
اتلمي يا ماما إنتي وهي... ويلا بقى على بره.
دالين:
إحنا بننطرد؟!
فاتن:
تعالي يا دالين تعالي... هنطلع أوضتنا يا بيبي ونسهر سوا نتفرج على فيلم كوميدي يفرفشنا... وخليه لوحده يسمع أم كلثوم.
شريف بابتسامة، فابنته عادت لها ابتسامتها بعودة دالين:
يلا يلا هنرُش مية يلا.
دالين بضحكة:
مقبولة يا أونكل.
ثم أمسكت بذراع فاتن وهي تقول:
يلا يا بنتي بدل ما ننضرب.
خرجتا وصعدتا لغرفة فاتن. دلفت فاتن أولًا لدورة المياه وارتدت منامة مريحة، وخرجت لتدلف بعدها دالين.
كانت تجلس إلى فراشها تنظر إلى المرآة أمامها بشرود. ترى ماذا يفعل الآن؟ هل حقًا شك بها بسهولة؟ كيف استطاع أن يفعل بها هذا؟ كيف استطاع أن يرفع يده ويصفعها بكل بساطة؟ كيف شبهها بوالدتها وهي التي قضت كل العمر بجانبه، هو وفقط ولا أحد آخر؟ كيف غزا الشك قلبه بسهولة هكذا؟ لما لم يسمع منها كما سمع من غيرها؟ لما جعل الأمور تصل إلى هنا؟ من المفترض أنها تنام بين أحضانه الآن، فزواجهما كان سيتم بعد عقد القران بشهر واحد فقط، وها قد مر شهر ونصف.
ابتسمت بتعب وهي تتنهد بهدوء حتى جذب انتباهها صوت يأتي من الأسفل.
وقفت لتتجه إلى البالكون ولكن أوقفتها دالين التي خرجت للتو وهي تقول بحماس:
تونا.. عايزة أجرب الدريس بتاع الفرح.. متحمسة أوي أوي ألبسه.
فاتن بابتسامة:
وأنا كمان متحمسة جدًا.. بقولك في.. في صوت تحت.
دالين وهي تلهيها عن ذلك:
أبوكي ما هو تحت.. تعالي نشوف الحاجة اللي جبناها بقى.
ألقت فاتن نظرة على البالكون قبل أن تتحرك مع دالين تجاه الفراش وبدأوا في إخراج الأغراض التي أحضروها.
وبعد بعض الوقت سمعت فاتن صوت عاصم ينادي من الأسفل. وقفت بسرعة وأخذت تفرك يديها معًا وهي تنظر إلى البالكون بتوتر.
دالين بهدوء:
تعالي نشوف في إيه!
تحركت معها فاتن بهدوء حتى دلفوا من البالكون ووقفتا ناظرتين إلى الحديقة في الأسفل. كانت جميع الأضواء مطفأة. وما إن خرجت حتى فُتحت الأضواء البنفسجية والبيضاء التي تزين الشجر وأطراف البسين والبوابة والتي تأخذ مجرى من أسفل البالكون الخاص بها إلى نهاية البوابة كعدة صفوف متراصة بجانب بعضها بعضًا. وبجانب أضواء البسين تتراص زهور بنفسجية وبيضاء تشكل قلوبًا متعددة. والبسين يمتلئ بالمياه ويطفو على وجهه نفس الزهور ولكن بعشوائية ساحرة. وفجأة بدأت البلالين في التصاعد من الأسفل للأعلى ببطء وجميعها بيضاء وبنفسجية. البيضاء مكتوب عليها باللون البنفسجي "تونايتي". والبنفسجية مكتوب عليها بالأبيض "بحبك". بدأ يصدح صوت موسيقى هادئة في المكان مع صعود تلك البلالين للسماء. وكانت بداية مطلع أغنية "سبت فراغ كبير".
كان كل شيء مفاجئ بالنسبة لها. لكن ما صدمها حقًا.. هو رؤيتها لتلك الفرقة التي تحتل جانب الحديقة وتعزف للأغنية وعاصم يقف أمامهم حاملًا المايك بيده. وروح وشادي وشريف وشدا وبدور وحازم يجلسون في الأسفل ناظرين إليها بهدوء وترقب.
بدأ عاصم الأغنية:
سبت فراغ كبير
عندي والله حبيبي، حبيبي
وإنت هناك بعيد
مش بعيد عني حبيبي
قولي إزاي أعيش
سبت فراغ كبير
عندي والله حبيبي، حبيبي
وإنت هناك بعيد
مش بعيد عني حبيبي
قولي إزاي أعيش
كل يوم بقول
إمتى ترجع لي؟ إمتى؟
صعبة أوي الحياة
صعبة من غيرنا أنا وإنت
قولي إزاي أعيش
ذكريات كتير
بتقابلني معاك يوماتي
بتفكرني بيك
وبسنين حلوة في حياتي
قولي إزاي أعيش
مهما غبت سنين عن عيني ابتسامتك ضي عيني
روحي مش ممكن هترجع إلا بوجودك حبيبي
حبيبي
حبيبي
سبت فراغ كبير
عندي والله حبيبي، حبيبي
وإنت هناك بعيد
مش بعيد عني حبيبي
انتهت الأغنية وعينيهما متلاقيتان ببعضهما في حديث صامت طويل. قطعه صوت عاصم الذي صدح مجددًا يقول بصوت متعب:
بحبك ومش قادر أعيش من غيرك.. بحبك وندمان على كل لحظة زعلتك فيها.. بحبك وهعمل المستحيل عشان أشوف ضحكتك بتنور حياتي من تاني.. بحبك وهفضل أحبك لآخر يوم في عمري.. تونايتي.. أنا آسف.
شهقت بقوة وهي تركض لغرفتها وألقت بنفسها إلى الفراش على معدتها ووضعت الوسادة فوق رأسها وبدأت تبكي بقوة.
أومأت لهم دالين بهدوء بمعنى أنها لن تتركها. ثم دلفت خلفها وجلست إلى جانبها وأخذت تمسد ظهرها بحنان دون أن تنبس ببنت شفه. فهذا أفضل.. عليها أن تبكي كي تُخرج كل ما بقلبها من حزن.. عليها أن تنظف عينيها من آثار الدموع التي تتراكم وتأبى السقوط. أخذت شهقاتها في الانخفاض تدريجيًا وانتظمت أنفاسها لتعلم دالين بأنها ذهبت في سبات عميق. فقامت بجذب الوسادة عن رأسها وسطحتها بشكل مريح ونزلت للأسفل حيث عاصم والبقية.
عاصم بلهفة:
هي كويسة يا دالين صح؟.. هتسامحني مش كده؟
دالين وهي تربت على يده بهدوء:
مظنش إنها عايزة تخرجك من حياتها يا عاصم.. وإلا كانت قلعت دبلتك من بدري.. وده معناه إنها هتسامحك عاجلًا أم آجلًا.. بس شوية وقت.. اللي هي فيه مش شوية.
عاصم بتنهيدة طويلة:
وأنا هحاول تاني وتالت وألف وهفضل أحاول ومش هيأس أبدًا.
تحركوا جميعًا للذهاب بعد بعض الوقت. وقف عاصم أمام شادي وصافحه بامتنان:
أنا مش عارف أشكرك إزاي على وقفتك وفكرتك دي.
شادي بمزاح:
لا شكر ولا حاجة ياعم.. يمكن تردهالي قريب لما أشبك نفس الشبكة بتاعتك دي.
عاصم بابتسامة:
أهلًا بيك يا صاحبي.
ابتسم شادي بهدوء وهو يتمتم:
وبيك يا بو الصحاب.
دمعت عينا روح تأثرًا بهما. فاقترب شريف منها وهو يتمتم بهدوء:
ششش.. ما تعيطيش.
روح بابتسامة:
مبسوطة إنهم بقوا أصحاب على الأقل.. كنت خايفة أوي عاصم يفضل مش متقبله.
شريف بهدوء:
كل حاجة بتيجي مع الوقت يا روح.
أومأت روح بهدوء قبل أن يأتي شادي ويأخذها معه ليذهبا. بينما ذهب عاصم لمنزل والده. وعادت بدور وشدا مع حازم إلى المنزل ليوصلهما.
شدا بتنهيدة:
ربنا يصلح أمورهم.. أنا متأكدة إن اللي هما فيه ده بسببنا.
بدور:
ليه إن شاء الله.
حازم بضحكة:
حسدناهم.. طول الوقت نقولهم بطلوا تتمحننوا انتوا الاتنين.. وشوية شوية تسلطوني أروح أسحب عاصم من جنبها وشوية تانية وتقوموا انتوا ساحبين فاتن.. دا احنا كنا مطلعين عينهم أصلًا.
بدور بضحكة:
عندك حق والله.. بس حبهم قوي.. وهيرجعوا.. أنا واثقة من كده.
حازم وشدا:
يااارب.
***
دلف إلى منزله بتعب وهو يلعن عمرو تحت أنفاسه. لقد أرهقه اليوم كثيرًا.
جنات وهي تقابله بابتسامة:
حمد الله على سلامتك يا حبيبي.. أجهزلك عشا؟
لؤي:
لا لا.. الحسنة الوحيدة اللي عملهالي عمرو الزفت النهاردة إنه عشاني.
جنات بضحكة:
شكلك مهدود يا حبيبي.. يلا هانت أهو.. صاحبك بقى وهيدخل بعد بكرة.
لؤي:
يدخل على قفا أهلي أنا يعني.
جنات وهي تربت على صدره بحنان:
عقبال ما أتعبلك كده يا ابني يا رب.
لؤي بابتسامة:
لازم تفصليني يعني.
جنات بابتسامة:
ما شفتهاش؟
لؤي بتصنع عدم الفهم:
هي مين دي؟
جنات وهي تلكزه في خصره:
إنت فاهم.. ما تستعبطش عليا.
لؤي بضحكة:
لا لا ما شفتهاش.. كانت مع غرام مرات عمرو بينقوا الحاجة النهاردة.
جنات بابتسامة أمل:
عقبال حاجتكوا كده يا رب.
لؤي بهدوء:
أنا هطلع بقى أرتاح شوية عشان تعبان.
أومأت جنات بهدوء ليصعد إلى غرفته وهو يفكر في مجنونته. ترى هل تشعر به كما يشعر هو بها؟.. هل حقًا سيكون لهما نفس الطريق؟.. بقي في مكانه يفكر بها حتى غلبه النعاس وذهب في سبات عميق. دون أن يدري بأن هناك من تنام فوق فراشها ناظرة لسقف الغرفة بشرود تفكر في تلك الخطة التي اقترحتها دالين وهي تدعو داخلها بأن تنجح حقًا.. مهما حدث هي مدينة له على أي حال.. كما أنها.. كما أنها تحبه.
***
كانت تجلس إلى فراشها وأمامها اللاب توب الخاص بها وصورها التي تملأ الفيسبوك أمامها. تشاهدها للمرة العاشرة في هذه الليلة. كم هو وسيم وأنيق في اختيار ملابسه.. شعره البني الطويل.. عيونه الخضراء.. لحيته الخفيفة.. ابتسامته.. نظرته.
تنهدت بابتسامة وهي تفكر في نفسها.. هل يتذكرها؟.. هل احتلت جزءًا بسيطًا من تفكيره كما فعل بها.. أم أن الصدفة التي جمعتهم كانت مجرد صدفة وانتهت ونسيها بمجرد خروجه من المكان؟.. هل ستراه قريبًا؟
تذكرت حفل زفاف صديقها عمرو.. بالتأكيد سيحضر.. فلؤي أخبرها سابقًا بأنهم جميعًا أصدقاء. أغلقت اللاب توب وهي تنتظر أن يمر الوقت بفارغ الصبر حتى تراه. وأخذ يأتي برأسها مشهد تلو الآخر عن مقابلتهما.
بينما عند شادي كان يجلس وأمامه ورقة وقلم وأخذ يرسم حروف اسمها بهدوء وتروٍ. وبعدما انتهى أخذ ينظر له بابتسامة وهو يتمتم في نفسه:
اسمك حلو زيك.. يا ترى هتيجي الحفلة يا سندس؟
***
سطعت شمس يوم جديد. مَلِئ بالأمل للبعض.. والغموض للبعض الآخر.. المحاولة والمثابرة للبعض.. والشوق عند البعض.
استيقظت في نشاط كالعادة لكنه صباح مميز. فاليوم سينتهون من توضيبات حفل الزفاف.. لتكون غدًا في منزلها الجديد الذي أنشأته معه بالحب والدفء.
اغتسلت وارتدت ملابسها التي تتكون من بنطال بنفسجي ينتهي بأساور مع شميز أبيض وحذاء رياضي أبيض. ورفعت شعرها في شكل ذيل حصان. ونزلت للحديقة لتجد العمال قد حضروا ومعهم ما طلبوه.
ابتسمت لهم غرام بهدوء قبل أن تهاتف دالين التي أخبرتها بأنهم في طريقهم إليها. وبالفعل لم يمر أكثر من ربع ساعة وكانت الفتيات في منزل غرام. تناولوا الإفطار معًا وبدأن في إرشاد العمال ليقوموا بترتيب الأجواء على أذواقهن التي اتفقوا عليها معًا بالألوان التي تحبها غرام. بقوا على هذا الحال حتى غابت الشمس. وكان كل شيء على أتم الاستعداد. وتبقى فقط اللمسات الأخيرة.
والتي ستُضاف في الصباح.
غرام وهي تنظر للحديقة ضامة يديها إلى صدرها بسعادة:
مكنتش أعرف إنها هتطلع بالجمال ده... بجد خرافة.
دالين بابتسامة:
الجميل للجميل يا جميل.
غرام وهي تحتضنها بحب:
أنا بحبك... بحبك أوي.
ضحكت دالين بخفة:
طب سيبي شوية لعمرو طيب.
غرام وهي تلكزها في كتفها:
نفس رخامة فراس.
فراس من خلفهم:
طب بتجيبوا في سيرتي ليه وأنا مش موجود بقى؟! ها؟
غرام وهي تقفز إليه بسعادة:
شفت عملنا إيه؟ إيه رأيك بقى!
فراس بإعجاب واضح:
لا فعلاً جنان... ذوقكم عالي وراقي جداً... ولمسة الكيوت اللي في المكان شبهك أوي.
غرام بابتسامة:
حبيبي والله.
دالين مقاطعة بهدوء:
طب يا غرام إحنا هنمشي بقى... ومن النجمة هنكون عندك... وأنتِ حاولي ترتاحي النهارده على قد ما تقدري لإن اليوم بكرة هيكون صعب. أوك؟
غرام بتأكيد:
حاضر... بجد شكراً أوي يا دالي... مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه.
دالين وهي تحتضنها متجاهلة تماماً وجود فراس:
حبيبتي أنتِ زي أختي بالظبط... يلا أشوفك بكرة... سلام.
غادرت دالين تاركة خلفها فراس يكز على أسنانه بغيظ... هل تجاهلته الآن؟ ألم تلقِ تجاهه ولو نظرة؟ آااخ يا إلهي كم يتوق لخنقها الآن.
غرام:
فراااس... إيه رحت فين؟
فراس بانتباه:
أنتِ بتنادي على حد في بلد تانية... ما براحة... أنا جنبك أهو.
غرام:
جنبي آه لكن مش معايا أصلاً... أنا بكلمك من بدري يا بيه.
فراس:
طب غوري قدامي يلا... أنا جعان أصلاً... ولو مبطلتيش كلام هتعشى بيكي.
غرام بضحكة:
لا وعلى إيه... الطيب أحسن.
رواية ضمير ميت الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم دنيا آلشملول
ذهبت دالين لمنزلها وبدلت ثيابها أولًا، ثم ذهبت لمنزل فاتن. فهي رفضت الذهاب معهم، وطلبت من دالين أن تتركها بمفردها قليلًا.
وصلت للمنزل وترجلت من السيارة بهدوء، وصعدت لغرفتها مباشرة.
دالين وهي تدخل رأسها من الباب:
أدخل بالبيتزا ولا ألف وأرجع تاني؟
فاتن بابتسامة:
لا ترجعي فين، دي فيها بيتزا.
دالين بغيظ:
آه يا زبالة، بقا أدخل عشان البيتزا وبس!
فاتن:
وانتي فاكرة إيه يعني!
دالين:
لا مش فاكرة يا أختي، طول عمرك معفنة، يلا يلا ناكل بسرعة بس قبل ما تبرد.
وبدأتا في تناول طعامهما في صمت قطعته فاتن وهي تتمتم:
هو عاصم لسه بجد بيحبني زي زمان يا دالين؟
دالين بهدوء:
مش معنى إننا غلطنا يبقى مبنحبش أو الحب قل يا تونا، كل ما كان الحب كبير كل ما كانت ردود الأفعال صادمة. موقف زي اللي كان فيه عاصم مثلًا. عاصم ما قدرش يفكر بعقله، عقله وقف تمامًا عن التفكير، وكل اللي اشتغل في الوقت ده كان قلبه وبس. حس إنه مجروح، مدبوح. انتي عارفة عاصم عاش فترة صعبة أوي بعد طنط روح، هي كانت كل حاجة ليه، وأونكل مراد عمره ما حسسه إنه ابنه. ولما طنط روح رجعت، رجعت ومعاها شادي وبتقول ابني اللي ما خلفتوش. هو شايفه معاها في كل مكان، شايف إنها كانت جنبه وبتراعيه في الوقت اللي عاصم كان محتاجلها فيه. وبالتالي غضبه وكرهه لشادي عمّاه عن إنه يشغل عقله ويركب الأمور ويوزنها. فكرة قرب شادي من مراته جننته، وشادي الحق يتقال كان بيتعمد يضايق عاصم وهو اللي اعترفلي بنفسه. قالي إنه كان عارف إن عاصم جاي المستشفى ومع ذلك هو اللي زق الكرسي بتاعك عشان يوديكي العربية، مع إن حازم كان موجود وكان ممكن يطلب منه بحكم القرب بينكم أو حتى عمو شريف أصله مش مكحكح أوي كده. كان بيتعمد يفضل ساكت وما يتكلمش في الوقت اللي عاصم بيطلع نار من ودنه، ولما يشوف شادي ساكت بيتجنن أكتر. قالي إن طنط روح قالت لعاصم إن شادي هو اللي اتبرعلك بالدم لما عملتي الحادثة وهو اللي أنقذك من الحادثة بعد ما سبتي الشقة وهو كان بيجري وراكي عشان يهديكي. أي واحد مكان عاصم مش هيفهم الموضوع غير بشكل ومنطق واحد، خصوصًا إن عاصم قال إنك من بعد الحادثة وانتي رافضة تمامًا تتكلمي عن المكان اللي كنتي فيه قبلها.
هو غلط مش ما غلطش، غلط عشان ما سمعكيش، وغلط عشان مد إيده عليكي. بس كل إنسان مننا يستحق فرصة تانية، وهو شاريكي وهيبيع الدنيا بحالها ويشتريكي. وأنا مش بقولك كده عشان ترجعيله يا فاتن، أنا بوضحلك الأمور. وانتي شغلي عقلك وقلبك وما تحكميش واحد فيهم على التاني، وشوفي هتوصلي لفين. يا تسامحيه وتبدأوا من جديد، يا تشيلي ده من هنا.
وأشارت في نهاية حديثها إلى دبلتها التي ترتديها، وبحركة تلقائية رفعت فاتن يدها التي تحتلها دبلته تجاه قلبها وهي تقول بسرعة:
لا مستحيل أقلعه.
ابتسمت لها دالين بهدوء لتتمتم فاتن بعدها:
أنا بحبه ويمكن تخطيت مرحلة الحب من زمان أوي، بس.. بس خايفة يجرحني تاني، خايفة يكسرني تاني يا دالين.
دالين بهدوء:
مش هيكون في تاني يا تونا، لإنكم هتقطعوا وعود وعهود على بعض. محدش يتدخل بينكم، محدش فيكم يتسرع في الحكم على التاني. لو شفتيه بيخونك بعينيكي اقفي واسأليه واسمعي منه واحكمي بعدها. بلاش التسرع لإنه بيخسرنا بعض، فهماني يا تونا؟
فاتن بهدوء وتنهيدة:
فاهماكي.
دالين بابتسامة ماكرة:
طب بالمناسبة بقى، أنا كنت جاية من غير أكل وعاصم اللي قابلني بره واداني البيتزا دي وقالي ما تاكليش منها قبل فاتن.
فاتن وهي تنظر لقطعة البيتزا في يدها وابتسامة حنين ارتسمت على ثغرها، جعلت دالين تقترب منها وبدأت في دغدغتها وفاتن تضحك بصخب قطعه دلوف شريف الذي نظر لهما بانزعاج قبل أن يتحول لضحكة خفيفة على مظهرهما وكأنهما طفلتين مذنبتين أمامه.
دالين:
يوه بقى يا أونكل، كل مرة تعمل فينا كده وتدخل مصدرلنا الوش الناشف فنكش وبعدها تضحك، ما بنتعلمش.
شريف:
أغبياء بقى أعملكوا إيه، المهم، ياريت تنجزولي حفلاتكوا وسهراتكوا عشان في شغل مستنيكم من بداية الأسبوع، ومش عايز أي اعتراض.
دالين بحماس:
مستعدين يا برنس.
شريف:
يا إيه؟
دالين وهي تتراجع في الفراش:
سوري يا أونكل.
شريف رافعًا رأسه بغرور مصطنع:
بحبني وأنا مسيطر.
خرج وهو يضحك عليهما بينما تمتمت دالين بغيظ:
أبوكي ده ولا واحد صاحبنا.
فاتن بضحكة:
بابا بس قالب على واحد صاحبنا.
انقضى يوم ملئ بالأشغال والمتاعب، فعمرو أنهى كل شيء يخص منزله هو وغرام، وأنهى دعواته وحجز حلة الزفاف وكذلك قام بحلق شعره حلقة خفيفة، ليكون الغد مقتصرًا فقط على تهدئة توتره.
بينما أنهى لؤي بعض الأعمال لديه حتى يأخذ إجازة في الغد طوال اليوم.
وكذلك البقية، كل من كان لديه عمل سعى لإنهائه في هذا اليوم حتى يتفرغوا للغد.
أتى اليوم المنتظر، غرام تجلس إلى الفراش تفرك يديها بتوتر، ثم تتحرك في الغرفة ذهابًا وإيابًا، ثم تعود لتجلس إلى الفراش وتفرك يديها معًا، حتى سمعت طرقات على الباب فظنت بأنها دالين.
دلف فراس بابتسامة وهو يتمتم بحنان:
عروستنا الحلوة عاملة إيه؟
غرام وهي على وشك البكاء:
متوترة أوي أوي يا فراس، لا لا أنا مش عايزة أتجوز، أنا خلاص قررت مش هتجوز.
فراس:
قررتي إيه يا مجنونة، الفرح النهارده، أومال فين الشقية اللي كانت بتتنطط امبارح وأول هنا وهناك وحماسها مغرقنا؟!
غرام:
فراس أنا بتكلم بجد، مش هتجوز، أنا هموت من الخوف.
اقترب منها فراس وحاوطها بحنان وهو يمسد ظهرها بهدوء:
حبيبتي ما تخافيش من حاجة، أنا جنبك، كل حاجة هتبقى كويسة وبخير، ده توتر بس عشان داخلة على حياة جديدة، وده أمر طبيعي، يلا بقى يا حبيبة أخوكي ادخلي خدي الشاور بتاعك عما الست دالين والميك أب أرتيست يجوا.
أومأت غرام عدة مرات وهي تتمتم:
طيب طيب، ربنا يستر.
دلفت غرام لدورة المياه بينما أخرج فراس الهاتف ليرى سبب تأخر دالين هكذا.
دالين:
ألو يا فراس.
فراس:
حضرتك فين؟ غرام قلقانة وعايزاكي ومش عارف أعملها حاجة.
دالين:
والله بحاول مع ماما عشان تيجي تحضر الفرح وهي رافضة.
فراس بهدوء:
ممكن تديهاني أكلمها؟
دالين بهدوء:
أكيد، يارب تقدر تقنعها.
وبالفعل تحدث فراس إلى والدة دالين ووافقت على ذهابها إليهم تحت إصرار فراس، وكانت تدعو الله بأن ينتهي هذا اليوم على خير.
بينما اتصل فراس بعمرو ولكن لؤي هو من أجاب.
فراس:
أومال عمرو فين؟
لؤي وهو يضحك:
عمرو قاعد بيفرك إيديه في بعض ويمشي في الأوضة ويشرب ميه ولا كأنه عيل صغير مستني العقاب.
فراس:
ما تقوليش إنه قرر يلغي الجوازة.
لؤي باستغراب:
إنت عرفت منين؟
فراس:
غرام بتقول وبتعمل نفس الشيء، المهم أنا ساعة كده وهجيلكم ماشي؟ والدتك تبقى معاك وإلا إنت حر.
لؤي:
ماما ما وافقتش والله يا فراس، قالت هتروحلها بيتها بعد الفرح.
فراس:
لا طبعًا إيه الكلام ده، بس اديني رقمها وأنا هكلمها، وإلا أقولك، أنا هروحلها بنفسي وبعدين أجيلكم.
لؤي:
يارب تسمع منك، ما تتأخرش بقى ها، لحسن عمرو محتاج اللي يفوقه.
فراس:
مش هتأخر.
وصلت الفتيات للفيلا وصعدت دالين سريعًا لغرفة غرام فوجدتها لا تزال ببرنص الاستحمام.
دالين عاقدة حاجبيها:
انتي قاعدة كده ليه؟
غرام بتوتر:
دالين، دالين أرجوكي أنا صرفت نظر عن الجوازة دي، أرجوكي مش عايزة.
دالين بذهول:
انتي بتقولي إيه، قومي يا بنتي الله يستر علينا وعلى ولايانا، قومي يا حبيبتي الله يهديكي قومي.
غرام وهي على وشك البكاء:
مش بهزر أنا بتكلم جد، مش هقدر يا دالين.
أخذت دالين شهيقًا طويلًا أخرجته بهدوء مع كلماتها:
حبيبتي ده طبيعي، مش كل يوم بنتجوز ومش أي حد بيتجوز اللي بيحبه، ده مجرد توتر هيروح مجرد ما عمرو يمسك إيدك عشان تنزلوا تحت. وبعدين صبرتوا قد إيه عشان اللحظة دي؟ وعمرو استناكي قد إيه عشان بس يشوفك بالأبيض ويأكد للعالم بحاله إنك ليه هو وبس. فكرتي فيه لما يسمعك ويعرف إنك عايزة تلغي الجوازة عشان بس متوترة؟ طب هو عمرو هيجبرك على حاجة؟ هو بيتمنالك الرضا، وبيحبك، ومش عايز حاجة من الدنيا غير راحتك، فمينفعش تكافئيه على حبه ده بإنك تلغي الجواز عشان بس خايفة. انتي لو هتخافي من الدنيا كلها مينفعش تخافي من عمرو، يلا يا ماما يلا اتكلمنا كتير وده وقت الفعل، يلا قومي.
غرام بتنهيدة ارتياح بعض الشيء:
طيب يلا، بس دالين ما تسيبنيش أبدًا ها.
دالين بابتسامة:
مش هسيبك. يلا.
وصل فراس لمنزل لؤي وترجل بهدوء، طرق عدة طرقات قبل أن تظهر من خلف الباب السيدة جنات التي توترت بمجرد رؤيتها لفراس.
فراس بهدوء:
إزيك يا ست الكل، وازي صحتك؟
جنات:
بخ.. بخير الحمد لله... ات.. اتفضل يا ابني.
اتفضل.
فراس بهدوء: لا لا عشان بس الشباب مستنييني. لؤي قالي حضرتك مش عايزة تيجي الفرح، ممكن أعرف السبب؟
جنات بتنهيدة: مش عشان حاجة أنا فعلًا مش هقدر وهخاف أتنكس وأبوظ الدنيا. أنتوا شباب في بعض، وربنا يسعدكم.
فراس بابتسامة هادئة: لا مينفعش الكلام ده. أوعدك مش هتتعبي ولو حصل هو أنا إيه بقى ها؟ وبعدين ماما موجودة ومامة دالين. أكيد مش هتكسفيني ولا إيه؟
جنات بتنهيدة استسلام: خلاص يا ابني حاضر مقدرش أتأخر.
فراس بابتسامة: شكرًا جدًا لحضرتك. يلا بعد إذنك.
غادر فراس متجهًا حيث الشباب، بينما تنهدت جنات بتعب وهي تدعو من صميم قلبها أن يمر اليوم على خير.
كانت تنظر تجاهه بأعين زائغة، وألف سؤال وسؤال يدور داخل رأسها. هل علم بما فعلته؟ لما عاد بهذه السرعة؟ لما يبدو غاضبًا هكذا؟
رأفت بحدة: هتفضلي واقفة متنحة كده كتير؟
بدور وقد انتبهت سريعًا واعتدلت بهدوء محاولة استجماع شجاعتها: أنا.. أنا جيت لحضرتك المكتب أستأذن بس في أجازة يومين، وملقتش حضرتك في المكتب وكنت راجعة أشوف دكتور فراس.
رأفت بضيق: أنتي هتحكيلي قصة حياتك! شوفي شغلك مفيش أجازات الفترة دي خالص، خصوصًا اليومين دول.
بدور بتلقائية: ليه؟
رأفت مضيقًا عينيه: أنتي قلتي حاجة؟
بدور بسرعة: لا لا أبدًا. اللي حضرتك تشوفه يا دكتور طبعًا.
غادر من أمامها وهو ينظر لها شزرًا. وما إن سمعت صوت إغلاق غرفة المكتب حتى تنهدت براحة واستعادت توازنها من جديد.
نزلت للأسفل لتباشر بعض الأعمال لكنها تقابلت مع وليد في الممر.
وليد بهدوء: آنسة بدور.
بدور: همم.. نعم.
وليد بابتسامة: أنا عارف إنه لا مكانه ولا وقته أبدًا.. بس.. بس أنا يعني كنت عايز آآ..
بدور مقاطعة: فيه إيه يا دكتور؟ حضرتك مش مجمع ليه؟
وليد بسرعة: عايز ميعاد من والدك.
بدور ببلاهة: ميعاد إيه؟
وليد: ميعاد أقابل والدك فيه وآجي أتقدملك.
بدور وقد اتسعت عينيها وجف حلقها: نـ نعم؟
وليد: أنا آسف فعلًا.. عارف الأمور دي مبتتقالش هنا بس أنا..
بدور: دكتور وليد.. يا ريت حضرتك تكون فاكر بس إحنا هنا بنعمل إيه؟ فلو سمحت متتخطاش حدودك معايا.
وليد بهدوء: وفين تخطي الحدود دلوقتي؟ أنا بقولك عايز ميعاد..
قاطعته بدور: آسفة بجد.. أكيد ربنا هيعوضك بالبنت اللي تستاهلك. حضرتك دكتور ناجح وكبير وألف من تتمناك. لكن أنا للأسف ده مشغول.. ومقدرش.
أشارت بيدها تجاه قلبها قبل أن تغادر المكان، تاركة خلفها وليد الذي عض على شفتيه بحسرة قبل أن يتمتم بهدوء: وأنا أتمنالك السعادة أينما كانت.
ثم غادر هو الآخر غافلًا تمامًا عن ذاك الذي يراقب الكاميرات بضحكة عالية: والله وطلعت حبيب كمان ومضحي وشهم يا وليد.
كان يقف ناظرًا لشادي الواقف أمامه بعدم فهم، لكنه تخطى الموقف سريعًا وهو يقول: أنت متأكد؟
شادي: أيوه متأكد.. أنا اتبرعتلها من فترة قريبة.
فراس: تمام.. هتروح مع الممرضة حالًا عشان تجهز.
وبالفعل تم تجهيزه ودلف لغرفة فاتن واستلقى إلى فراش بجانبها وبدأ فراس بعمل اللازم لنقل الدم من شادي إلى فاتن.
بينما يقف الجميع في الخارج وحالة من التوتر تسيطر عليهم جميعًا.
انتبه لؤي ليده التي تمسك بيد شدا فسحبها سريعًا وهو يقول بهدوء: أنا هشوف ماما وشو وهبقى آجي تاني.
شدا بنفي: لا لا.. خليك مع والدتك.. وأنا لما تتحسن فاتن هطلع أتطمن عليها وعليك.
أماء لؤي بهدوء وغادر المكان.
بينما حازم كان لا يزال يحاول مهاتفة عاصم الذي أجاب أخيرًا.
حازم بضيق: أنت فين يا بني آدم أنت؟
عاصم: عايز إيه يا حازم أنا مش فايقلك.
حازم بسخرية: طبعًا مش فايقلي.. فايق بس تروح تتشطر على مراتك وتسيبها سايحة في دمها وتمشي.
عاصم بخوف: فـ فاتن؟!! مالها فاتن؟ إيه اللي بتقوله ده؟ حصلها إيه يا حازم انطق.
حازم بسخرية: لا متخفش نزيف وضغط عصبي وفي العمليات جوه بينقلولها دم كمان متقلقش حاجة بسيطة يا أخي.
أغلق عاصم في وجهه وقاد سيارته بسرعة جنونية متجهًا إلى المستشفى. وما إن وصل حتى دلفها على عجل من أمره دون حتى أن يهتم لغلق باب السيارة. وصل حيث يقف الجميع في الانتظار، فاقترب بترقب وما إن رأته سمر حتى هجمت عليه، لكن يد حازم كانت الأسرع حينما حاوطها بقوة وهو يقول بترجي: أرجوكي يا طنط مش هنا ولا دلوقتي.. حالة فاتن متسمحش.. أرجوكي.
سمر بضيق وعصبية: يمشي من هنا وهسكت.. يخرج من هنا وهسكت.. سيبني يا حازم سيبني.
لم يعرها عاصم اهتمام بل أكمل طريقه إلى غرفة فاتن. وما إن رآها من الدائرة الزجاجية المطلة على الغرفة نائمة في هدوء هكذا حتى دق قلبه بعنف وألم لما آلت إليه حالتها بسببه. لكن سرعان ما تحول هذا الألم إلى غضب وهو يرى شادي الممدد إلى الفراش المجاور لها وتُنقل منه دماءً إليها. تحول وجهه للأحمر وفارت عروقه بغضب وقبض على يديه بقوة تزامنًا مع خروج فراس من الغرفة، فاندفع عاصم بدون وعي إلى الداخل كي يقضي على شادي. وقبل أن تصل يده إليه، أحكمته قبضة قوية لم يستطع الفرار منها أو الاقتراب من شادي، فأخذ يصرخ بهستيريا: سيبني هموته.. هموته سيبني.. هموتك.. أقسم لك بالله هموتك يا كلب.
جذبه فراس بعنف ودفعه خارج الغرفة وكاد أن يسقط إثر دفعة فراس لكنه استعاد توازنه سريعًا.
فراس بحدة: إيه اللي أنت بتعمله ده؟ أنت متخلف!!
عاصم بعصبية: خرّج الكلب ده من عندها وأنا هتبرعلها بالدم اللي تحتاجه.
فراس بحدة: والله إحنا مش هنوقف نقل دم من متبرع لمريضة عشان خاطر سيادتك عايز كده.. إحنا لقينا المتبرع واتبرع وخلاص انتهى الأمر.. وتاني مرة هتدخل الغرفة بدون إذن هخلي الأمن يخرجك بره.. إحنا في مستشفى مش عالقهوة.
عاصم وقد هربت منه كل موازين العقل، اقترب من فراس وهجم عليه، ولكن فراس كان الأسرع حينما تفادى ضربة عاصم ثم أمسك بيده سريعًا وأداره للخلف وأمسكه بقوة وأخذ يتحدث بحدة: أقسم بالله هنسى إني دكتور وهتعامل معاك معاملة شوارعية.. احترم نفسك وبالذوق اطلع بره.
اقترب حازم ليبعدهما عن بعضهما وهو يقول بهدوء: لو سمحت يا عاصم بلاش مشاكل.. ده لا الوقت ولا المكان المناسب.. وفاتن حالتها صعبة.. أرجوك اتمالك أعصابك بس واللي أنت عايزه هنعمله.
عاصم بعصبية: أنا مش عايز الكلب ده يقرب من مراتي تاني.
قاطعهم صوته البارد: الكلب مقربش من مراتك أولاني عشان يقربلها تاني.. ثم إني حتى شكلها معرفوش.. تخيل! بس عارف يا عاصم.. بعد اللي عملته ده.. أوعدك إني أخليك تتحسر عليها.. خصوصًا إنك السبب في اللي هي فيه.
دفع عاصم فراس واقترب من شادي الذي خرج من الغرفة للتو وبدأوا في الاشتباك حتى أتى الأمن بأمر من فراس وجذبوا عاصم للخارج عنوة، تحت صياحه وتهديداته لشادي وسبابه اللاذع.
ترنح شادي قليلًا فاقترب منه فراس وأسنده إلى مكتبه ووصى على وجبة سريعة وبعض العصائر كي يستعيد توازنه من جديد.
بينما بقيت روح تبكي في مكانها على ابنها وما آل حاله إليه، وشدا تحاوطها بهدوء.
خرجت من المعرض وهي تتنهد بهدوء.. ثم دلفت لسيارتها متجهة للمنزل. وما إن وصلت حتى دلفت بهدوء لتقابلها والدتها بحماس: تعالي بقى عشان مش هسيبك النهارده غير لما تقوليلي كل حاجة عن دالين وإلا والله هعرف من بره وساعتها هزعل أوي.
غرام بتنهيدة: يا ماما يا حبيبتي يعني يرضيكي أقولك سر فراس قالهولي عشان ميبقاش يقولي أسرار تاني!
جومانه بحزن مصطنع: إخص عليكي يا غرام.. وأنا يعني هقول لمين يعني.. أنا بس عايزة أعرف هي مين.. وبنت مين.. وعلاقتهم وصلت لفين.. وهو ناوي على إيه معاها.. عايزة أتطمن عليه بس.. تقومي تقولي معدش يحكيلك؟!! لا.. إخص عليكي يا غرام ملكيش حق.. لا.
غرام باستسلام: حاضر يا ماما هقولك.. بصي يا ستي.. دالين دي بنت كان فراس هيخبطها بالعربية بس ربنا سترها.. بس البنت من الخوف وقعت مغمى عليها.. فراس عملها الإسعافات الأولية في العربية لحد ما فاقت.. بعدين بقى هي زقته لما لقيته قريب منها وكانت هتصوت بس هو قالها إنه دكتور وكان بيسعفها فسكتت.. هو بقى من اليوم ده ومشاعره متحركة تجاهها.. شافها مرة تانية مع صحابها في النادي تقريبًا وبردو حبها أكتر.. بس يا ستي دي كل الخلاصة.. بس هو مقليش هي بنت مين ولا كده.. هو قال اسمها بس.
جومانه بغمزة: طب ما تتعرفي عليها وتقربي منها.
غرام: حاضر يا ماما.. في الخطة ده متقلقيش.
جومانه بسعادة: ياااااه..
وأخيرًا يا فراس.
غرام:
إيه يا ماما حيلك بس.. هو فراس عنده مية سنة؟.. دول ستة وعشرين سنة.. محسساني إنه عجز ليه كده!
جومانه بتذمر:
وهو مين بس في سنه ده وما حبش.. ده أنتِ حتى متجوزة.. آه صح يا غرام.. عمرو بقاله كام يوم ما جاش ليه؟.. ولا بأشوفك تكلميه ولا يكلمك؟.. هو في مهمة ولا حاجة؟..
شهقت بخفة واضعة يدها على فمها وهي تتابع:
اوعوا تكونوا متخانقين!
غرام بتنهيدة:
لا يا ماما هو في مهمة فعلًا.
جومانه بعدم تصديق:
غرام.
غرام:
خلاص بقى يا ماما.. أنا تعبانة ومحتاجة أرتاح شوية.. وبعدين عندي معرض آخر الشهر وفي حاجات كتير عايزة أعملها.. فأرجوكِ بقى.
تحركت بخفة من جانب والدتها صاعدة لغرفتها.. لكنها سرعان ما بدلت ثيابها وخرجت من الفيلا إلى حيث دالين.
بينما بقيت جومانه في مكانها تنظر لظهر ابنتها بعدم تصديق.. بالتأكيد هناك شيء ما.
***
بعدما استعاد شادي توازنه بالكامل تحدث له فراس بهدوء:
ها.. أنت كويس دلوقتي؟
أومأ شادي بصمت فتابع فراس:
طب ممكن أفهم إيه اللي بيحصل ده؟.. وأنت هنا بتعمل إيه؟.. وليه الهمجي ده هجم عليك كده؟
أخذ شادي زفيرًا طويلًا ثم أخرجه ببطء مع كلماته:
أنت عارف طبيعة شغلي.. وعارف إني بوفق بين شغلي هنا وفي إنجلترا.. أنا طبعًا قبل وفاة بابا ما كنتش بأسيب مصر غير فين وفين.. بس طبعًا بموت بابا ووجود روح هناك فضلت جنبها فترة.. وفي يوم جاء لروح إيميل من جوزها القديم بيقولها إنهم حددوا فرح عاصم ابنها وفاتن بنت عمه.. فطبعًا روح قالت هننزل عشان نحضر الفرح.. ولازم ننزل قبله بفترة عشان تكون جنب ابنها.. وفي نفس الليلة اللي وصلنا فيها مصر.. وصلت ماسدج لروح ونصها كان "مرات ابنك في شقة عنوانها ( ... ) .. يا تلحقيها يا ما تلحقيهاش."
طبعًا رسالة زي دي ما كانش فيه عقل أصلًا عشان نفكر.. فطلعت فورًا على العنوان اللي في الرسالة.. وبمجرد ما وصلت شفت بنت بتجري وباين عليها بتعيط جامد وكمان مدروخة زي ما يكون هتقع.. وأخذت عربيتها وساقَت بسرعة جنونية لدرجة إنها كسرت مراية عربية واحد كان راكن قدامها.. روح قالت أنا هنزل أشوف في إيه فوق.. وأنت الحقها دي فاتن مرات عاصم.. وفعلاً نزلت هي وأنا جريت وراء فاتن.. لحد ما وقفت في مكان الكل متجمع فيه ولمحت عربيتها مولعة من قدام.. نزلت جري وأخذتها من العربية وكانوا الناس طلبوا الإسعاف وأسعفناها.. ولما روحت معاها المستشفى طلبوا دم وأتبرعت لها.. وأصحابها لما جاءوا أنا مشيت ووصيت في الاستقبال إن محدش يقول اسمي.. وده ما كانش ليه أي سبب غير إني مش عايز أدخل في التحقيق بتاع الشرطة لا أكثر ولا أقل.. بعدها أنا كنت مقدم على صفقة مع شركات الراوي عشان شركة الأمن بتاعتي هنا على وشك الإفلاس.. ولحد ما أُصفي في إنجلترا.. وبعد مفاوضات بيني وبين مراد أبو عاصم وافق.. بس بعدها بيومين سافر وجاء عاصم ابنه شاف الصفقة ورفضها.. بعدها اتقابلنا في شقة والدته.. وهو اتعصب جامد وعفاريته طلعت وأنا سبته ومشيت.. بعدها رجع مراد الراوي كلمني واعتذر على إلغاء الصفقة وقال هيرجعها ثاني.. وفعلاً روحت له واتفقت معاه في وجود عاصم.. بعدها رحت لروح عشان أراضيها بعد ما شديت أنا وعاصم قدامها.. فجاء لها تليفون من أبو فاتن عشان تروح لفاتن المستشفى.. ولما روحنا عرفت إن عاصم اللي وصلها للحالة دي.. بس ما عرفش عمل إيه بالضبط.. والباقي أنت عارفه.
فراس بتنهيدة:
إيه الزفت ده؟
شادي:
والله ما أنا عارف إيه اللي بيحصل بالضبط.. ألا قل لي إيه حصل معاك بخصوص البنت اللي أنقذتها دي.. والبت اللي كانت خاطفاها؟.. وصلت لحاجة ولا إيه الدنيا؟
فراس:
دالين لسه معايا.. والبت سفرتها وأديتها مطلق الحرية في التصرف بعد ما أديتها مبلغ تقدر تفتح منه مشروع كويس عشان ما ترجعش للشغل ده ثاني.
أما أسباب خطف دالين لسه ما وصلتش لحاجة أكيدة.
شادي:
ياااه يا فراس.. ده الموضوع عدى عليه وقت طويل يا ابني.. طب الشرطة عملوا إيه؟
فراس بلامبالاة:
اتقيدت القضية بتاعة الجثة ضد مجهول.
شادي:
معقولة!!.. طب ودالين اللي المفروض لسه مخطوفة؟
فراس:
عمرو جوز أختي وصاحبه كانوا ماسكين القضية وخلصوها.. أنا كنت معرف عمرو كل حاجة.. وكان في واحدة بتساعدني أعرف خطوات الظابط الثاني.. وقدرت أسبقه بخطوة كل مرة وأبعده عن طريق وجود دالين.. وكل ده عشان أكسب وقت بس وأعرف سبب خطفها.
شادي:
وأنت مهتم ليه كده؟!
فراس:
سيبك أنت.. المهم أنت هتستقر هنا بقى ولا إيه؟
شادي:
آه.. شهر ولا اثنين بالكتير وهأكون صفيت شغلي هناك وهأستقر هنا.
فراس بهدوء:
تنور يا باشا.
ابتسم شادي بهدوء ثم استأذن للذهاب.
***
جلس لؤي بجانب والدته وأخذ يقبل يدها بحب:
ألف ألف ألف حمد الله على سلامتك يا ست الكل.. كده تخضيني عليكِ وكنتِ هتوقفي قلبي.
جنات وهي تربت على وجنته بحنان:
بعد الشر عنك يا حبيبي.. بعد الشر.
طرقات على الباب قاطعتهما فأذن لؤي للطارق بالدلوف.. دلف فراس بهدوء وابتسامة هادئة على غير العادة ترتسم على محياه ليقول ببحة خفيفة:
حمد الله على سلامتك يا ست الكل.
نظرت له جنات قليلًا بشيء من التفحص.. ثم قالت بخفوت:
الله يسلمك.
فراس بهدوء:
أنا دكتور فراس.. المشرف على العملية بتاعة حضرتك.
أومأت جنات عدة مرات ثم لازمت الصمت بعدها.. فحصها فراس سريعًا ثم ابتسم بهدوء وهو يدون بعض الملاحظات وتحدث موجهًا حديثه للؤي:
حمد الله على سلامتها.. إن شاء الله يومين بالكتير وتقدر تخرج بيها.. ودي كل الأدوية اللي هتحتاجها.. وطبعًا مش هوصيك ثاني.. الأدوية ضرورية وأي حاجة تحصل أعرفها أول بـأول عشان ده مهم جدًا في تحديد حالتها الصحية.. أستأذن أنا.
ثم نظر تجاه السيدة جنات التي تنظر له في حزن دفين وتحدث بهدوء:
حمد الله على سلامتك مرة ثانية يا ست الكل.
غادر المكان بهدوء تاركًا لؤي الجالس في حيرة من أمره بسبب تصرف فراس معه.. من المفترض أن يتجنبه أو يتجنب النظر إليه.. لكن لِمَ يقف أمامه بهذه الثقة وهذا الهدوء.. ما الذي يخفيه فراس عن الجميع؟
بينما كانت السيدة جنات سابحة في شرودها الذي أصبح لا متناهي في الفترة الأخيرة.. فهي دائمًا تفكر في نفس الموضوع.. هل سيسامحها لؤي حينما يعرف بالحقيقة أم ماذا؟
***
دلفت لغرفة الممرضات بهدوء وقامت بالاتصال على رقم ما.. حتى أتاها الرد..
شدا:
ها يا بدور عملتِ إيه؟
بدور:
كله تمام وفل الفل.. البرنامج في الجهاز دلوقتي ونشط كمان.
شدا:
برافو.. إوعي يكون حد شافك.
بدور:
لا لا خالص.. بس في حاجة.. لما خرجت من المكتب قابلني دكتور رأفت.. فعشان أتحجج قلت له إني جيت أطلب إجازة فقال لي اليومين دول بالذات مينفعش أبدًا.. وكان واضح إنه بيتكلم بجدية زيادة كده وعصبية.
شدا:
امممم.. أنا لازم أقول لفراس.. خلاص يا بدور أوك.. خلي بالك من نفسك.
رواية ضمير ميت الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم دنيا آلشملول
دلفت فاتن لدورة المياه الملحقة بغرفة الجلوس، قامت بغسل وجهها ثم أخرجت علبة المكياج خاصتها وقامت بإعادة ترتيب مظهرها قبل أن تتنفس بقوة في محاولة لاستعادة رباط جأشها وشجاعتها.
انتهت سريعًا ثم خرجت لتشهق وهي ترى عاصم يقف أمامها، ثم وضعت يدها تجاه قلبها وهي تتمتم:
خضتني يا عاصم.
اقترب منها بخطوات هادئة بينما تحركت هي للخلف وهي تتمتم:
عـ عاصم.
عاصم بهدوء:
خايفة مني؟
نفت فاتن سريعًا، ليتابع:
مبقتيش عيزاني؟
نفت مجددًا ليتابع وهو يقترب أكثر حتى وقفت عندما وصلت إلى الحائط:
متسبنيش، متبعديش، أنا بحبك.
فاتن وهي تحاول تمالك نفسها:
مـ مش هتجرحني تاني؟
نفى عاصم سريعًا، لتتابع هي:
هتسمعني دايمًا قبل ما تحكم عليا؟
أومأ عاصم وعينيه فقط تركز على مخارج حروفها، وعندما لاحظت هي ذلك عضت على شفتيها وهي تدفعه من صدره كي تركض لكنه كان أسرع حينما جذبها إلى صدره ليدفن رأسه في عنقها وهو يتمتم:
وحشتيني، وحشتيني يا كل دنيتي وحياتي.
فاتن وهي تحاول التحرر:
عـ عاصم مـ ممكن حد يشوفنا.
عاصم وهو يشدد من احتضانها:
أنتِ مراتي، محدش له حاجة عندنا.
فاتن:
عاصم أرجوك.
ابتعد على مضض ثم أمسك برأسها وطبع قبلة حانية على جبينها وهو يتمتم:
بحبك.
ابتسمت في خجل لتتمتم هي الأخرى:
وأنا كمان.
عاصم بمكر:
وأنتِ كمان إيه؟!
فاتن بغيظ:
هكون إيه يعني، بتهبب بحبك.
عاصم بضحكة:
وحشاني عصبيتك يا قطتي الشرسة الأليفة.
فاتن:
شرسة ولا أليفة، إرسى على بر.
عاصم:
أنتِ كل حاجة وعكسها يا روحي، يلا تعالي نرقص.
خرجت معه إلى ساحة الرقص.
-----*-----*-----
تحركت بدور لتجلب شيئًا ما لتشربه وهي تتعثر في فستانها كل فترة والأخرى مما جعل حازم يبتسم باتساع لغيظها الذي تكتمه بداخلها.
حازم من خلفها بهدوء:
متخلنيش أضطر أشتريلك لبس احتياطي تاني عشان ميطلعش تقيل وطويل بالشكل ده.
بدور بغيظ:
خليك في حالك.
حازم بابتسامة:
براحتي، خطيبتي وهتبقي مراتي قريب، فبراحتي.
بدور وهي تنظر له فاغرة فاهها:
مين ده اللي خطيب مين؟!
حازم بابتسامة:
أنتِ هتكوني خطيبتي ومراتي، ولا أنتِ مبتحبنيش؟
خجلت بدور وأنزلت رأسها للأسفل ليرفعها حازم بطرف إصبعه متمتمًا:
طب أنا بحبك.
بدور بابتسامة خجلة:
طب خلاص بقى.
حازم:
مش هتقولي حاجة؟
بدور:
أقول إيه؟
حازم:
أي حاجة؟ أنتِ شايفاني إيه؟ شايفاني إزاي؟ كده يعني.
بدور بتردد:
أا أنا.. أا..
حازم بهدوء:
خلاص، سيبي كل حاجة لوقتها، المهم تعرفي إني بحبك، بحبك وعايز أكمل باقي عمري وأنتِ جنبي ومعايا.
صدح صوت دالين من المايك وهي ترحب بالحضور جميعًا وقامت بتقديم نفسها أولًا:
مساء الخير عليكم جميعًا، ويا رب تكون حفلة ظريفة، أنا دالين الربيعي ونيابة عن صاحباتي وصحابي بقدم كل التهاني والمباركات لغرام وعمرو وبهنيهم من كل قلبي وبتمنالهم السعادة والفرحة في حياتهم، ودلوقتي هنقدم أغنية أنا وصديقي المقرب عاصم الرواي للعروسين ولكل كابلز موجودين النهاردة يشرفونا هنا.
علا صوت التصفيق والتشجيع من جميع الحضور، فابتسمت دالين وهي تبحث بعينيها عن فراس حتى استقرت عليه يقف إلى جانب والدته، فابتسمت له بهدوء، فأخذت غرام تؤشر لفراس الذي انتبه لها وذهب تجاهها.
غرام بهدوء:
أقف جنب دالين عشان عاصم معاه مراته وهيغنيلها، وشوية وكل كابلز هييجوا مع بعض، ودالين شكلها مش هيبقى لطيف لوحدها.
فراس وهو يرمش عدة مرات، وقبل أن يستوعب شيئًا قامت بدفعه للأمام فتقدم ووقف بجانب دالين، لتنطفئ الأضواء وتبقى فقط الأضواء الدائرية التي تتسلط على ساحة الرقص ويقف كل من عاصم ممسكًا بيد فاتن، ودالين تقف إلى جانب فراس، وغرام تمسك بيد عمرو، وكذلك حازم الذي أمسك بيد بدور وجذبها إلى هناك، ومن دون أي مقدمات قامت شدا بإمساك لؤي من يده وجذبته معها تحت صدمته وذهوله، لكنها لم تعطه فرصة ليستوعب من الأساس.
وأيضًا قامت روح بأخذ سندس من يدها واقتربت من شادي ووضعت يدها بيد شادي ودفعتهما معًا تجاه ساحة الرقص، لتبدأ الموسيقى في الصدوح.
وبدأت دالين أولًا:
ولا أي كلمة حب اتقالت في يوم ما بين اتنين تسوى حلاوة كلمة منك قولتهالي.
ليتابع عاصم عنها:
عيد قولت إيه كده تاني وتالت، أنا قلبي كله حنين، ولا يطفي ناره حبيبي غير لو عدتهالي.
أخذت دالين وعاصم يرددان معًا:
عارف أنت أجمل حاجة تفرح الواحد هيا إيه؟
إن اللي ياما حلمت بيه تلاقيه حبيبك.
وأنا عشت بحلم باللحظة دي دا اللي بدور عليه، أنا أسيب حياتي ودنيتي ولا يوم أسيبك.
لتعود دالين للغناء وحدها:
عارف بتعمل فيا إيه كلمة حبيبي، زي اللي أول مرة بيحس بأمان.
ومن ثم شاركها عاصم وكذلك شدا:
خليك معايا
خليك معايا يا حبيبي مهما كان
خليك معايا
يا حلم عمري اللي في خيالي من زمان.
تابع عاصم بمفرده:
عارف بتعمل فيا إيه كلمة حبيبي؟
زي اللي أول مرة بيحس بأمان.
ثم بدأت دالين وعاصم وشدا في الغناء:
خليك معايا
خليك معايا يا حبيبي مهما كان
خليك معايا
يا حلم عمري اللي في خيالي من زمان.
انتهت الأغنية وعادت الأضواء مجددًا والتصفيق يملأ الأجواء، في حين جذب عمرو غرام لأحضانه، ونظر فراس لأعين دالين بعمق والابتسامة تشق الطريق على وجهيهما دون أن ينطق أحدهما بشيء، وكذلك شدا ولؤي اللذان ينظران لبعضهما ولأول مرة يتبادلان هذه النظرة التي يملؤها الحب والشوق واللهفة والحنين، في حين يحتضن حازم كف بدور داخل يديه والتي بكت من فرط سعادتها، بينما يقف شادي وسندس وعينيهما معلقة ببعضهما فقط قبل أن يتحدث شادي بخفوت:
من غير ما تسألي إزاي وفين وإمتى، من الآخر كده أنا بحبك.
نظرت سندس للأرض بسرعة قبل أن تلمح يديهما المتشابكة وابتسامة سعادة ارتسمت على ثغرها جعلت الآخر يبتسم بحب لابتسامتها الصافية.
كانوا ينظرون تجاه ساحة الرقص بأعين تلمع سعادة ولكن ليست مطمئنة.
هناك شيء خاطئ، نظرت السيدة حياة تجاه جنات لتجدها تنظر تجاه لؤي ودموعها تغرق وجنتيها.
السيدة حياة بهدوء:
بتفكري في إيه يا جنات؟
السيدة جنات:
عمري ما بصتله غير على إنه ابني، حتة مني، رغم تأنيب الضمير ووجع قلبي وحرقته لما بيهتم بيا ويسيب الكون كله عشاني وعشان راحتي ورضايا وأنا مستحقوش.
السيدة حياة مقاطعة:
إوعي تقولي كده يا جنات، أنتِ ربيتيه وعلمتيه وكبرتيه وخلتيه لؤي ده، اللي أنتِ شايفاه ده لؤي ابنك أنتِ.
السيدة جنات بغصة:
وأمه ملهاش ذنب يا حياة، ملهاش ذنب تتحرم منه أبدًا وتعيش في وهم موته كل ده.
السيدة حياة مغمضة عينيها بألم:
ذنبها الوحيد إنها مرات واحد زي رأفت.
تعرفي؟ لما بنتي اتخطفت قلت ده ذنبي، ذنبي لوحدي عشان كنت فاكرة إن وجودي مع ماجد هيحميها، وسفرها بره بعيد عن حضني هيحميها، ذنبي لوحدي عشان مسبتوش لما عرفت حقيقته، واستسلمت للأمر الواقع ومدورتش عليها لإني كنت متأكدة إن ربنا بيخلص حق جومانا من رقبتي، بس مكنتش أتخيل أبدًا إن ابن جومانا التاني هو اللي ينقذها وهو اللي يحبها وتحبه، الدنيا صغيرة أوي يا جنات، صغيرة أوي.
السيدة جنات:
تفتكري هيسامحني؟
السيدة حياة بتأكيد:
فارس أنتِ اللي مربياه وأنتِ أدرى الناس بيه يا جنات.
السيدة جنات وقد زاد بكاؤها:
متقوليش فارس يا حياة، ده لؤي، لؤي ابني أنا، ابني أنا لؤي.
كانت تتحدث بشهقة وبدأ وجهها يتدرج بالاحمرار وبدأت تشعر بألم في قلبها ونغزات تزداد، وضعت يدها تجاه قلبها وأخذت تحاول جاهدة التنفس، وقبل أن تفقد الوعي، كان لؤي قد لمحها بهذا الوضع وحياة تركض تجاهها، فركض هو الآخر ولحقت به شدا على الفور.
لاحظتهم دالين فتحركت وفراس تجاههم.
وصل فراس قبل أن يتحرك لؤي بها فأخذها من بين يديه وصعد بها لغرفة ما، وضعها على الفراش وبدأ في فحصها بهدوء.
أخذت شدا تهدئ من توتر لؤي وقلقه الذي يتفاقم، بينما بقيت دالين بجانب والدتها وهي تسألها بهدوء:
إيه اللي حصل يا ماما؟
السيدة حياة بتوتر:
معرفش، كنا بنتكلم وفجأة تعبت.
دالين:
ربنا يستر وتبقى كويسة يا رب.
خرج فراس بعد بعض الوقت وأخذ يربت على كتف لؤي وهو يتمتم:
هي اتعرضت لشوية ضغط بس، محتاجة ترتاح شوية وهتبقى كويسة متقلقش.
لؤي:
متأكد يا فراس؟ يعني هي بخير بجد؟
فراس بتأكيد:
بخير والله متقلقش.
السيدة جومانا وقد صعدت للأعلى:
في إيه يا جماعة؟
إيه اللي بـ...
ابتلعت باقي حروفها حينما سقطت عينيها في عيني السيدة حياة الواقفة تنظر لها بترقب وخفوت.
السيدة جومانة:
حياة؟!
فراس باستغراب:
أنتوا اتعرفتوا على بعض؟!
السيدة جومانة بهدوء:
إحنا كنا أصحاب قدامى.
فراس:
كنتوا؟!
السيدة حياة:
أيوه.. لحد ما الشغل اللي بين أبوك وماجد اتفض.
فراس بصدمة:
أنتِ.. أنتِ كنتِ تعرفي بشغل بابا يا ماما؟!
السيدة جومانة بتوتر:
شـ شغل إيه؟!
نظر فراس تجاه السيدة حياة ليجدها تحني رأسها للأسفل.. فضحك بشدة وهو يتمتم من بين ضحكاته:
لا لا مش معقول.. أنتِ بجد تعرفي بشغله؟! أنتَوا كنتوا أصحاب وهو وماجد كانوا أصحاب.. وفارس اللي دفع تمن صحوبيتكوا دي مش كده؟!
دالين مقاطعة بعدم فهم:
أنا مش فاهمة حاجة؟! إيه موضوع الشغل اللي بين بابايا وباباك ده؟! وإيه دخل فارس بكل ده؟! أنتَوا بتتكلموا عن إيه؟!
صمت عم في المكان عند سماعهم صوت غرام التي تتحدث وهي تصعد الدرج:
فيه إيه يا جماعة؟! إيه اللي حصل؟!
لؤي بسرعة:
أبدًا يا غرام.. دي والدتي بس تعبت شوية وفراس جه طمني عليها.. يلا يا فراس.. انزل مع أختك وأنتوا كمان يا جماعة.. أنا هدخل أطمن على ماما بس وأحصلكم.
تحرك فراس أولًا وأمسك بيد غرام يطمئنها ثم خرج بها مجددًا.. وتبعته دالين ووالدتها.. بينما بقيت شدا ولؤي والسيدة جومانة.
نظر لؤي تجاه السيدة جومانة التي تسلط نظرها عليه دون أن تحيد عنه.
لؤي بهدوء:
ما تقلقيش يا طنط.. كل حاجة هتبقى كويسة إن شاء الله.
أومأت السيدة جومانة ببعض التوتر ولا تعلم سببًا لانقباضة قلبها تلك بمجرد رؤيتها له.. تحركت بتثاقل للأسفل.
بينما دلفت شدا برفقة لؤي ليطمئنوا على والدته.. وحينما رآها تنام في سلام.. قبل جبينها بهدوء ثم خرج وهو ممسك بيد شدا.. ونزلا للأسفل.
لم يمر الكثير من الوقت وبدأ الضيوف في المغادرة.
اقترب فراس من غرام وأمسك بوجهها بين يديه وأخذ ينظر لها ولتفاصيلها وملامحها البريئة.. ثم اقترب وطبع قبلة طويلة وعميقة على جبينها وجذبها لأحضانه بقوة آلمتها لكنها لم تئن بل بادلته إياها وهي تبكي بصمت.
ابتعد فراس على مضض وأخذ يمحو عبراتها بهدوء وهو يتمتم:
خلي بالك من نفسك ومن جوزك.. وزي ما اتفقنا.
غمز لها في نهاية حديثه لتبتسم بهدوء قبل أن يحتضنا بعضهما مجددًا.. ثم اقترب من عمرو واحتضنه هو الآخر وهو يتمتم:
خلي بالك منها يا عمرو.
عمرو بابتسامة:
ما تقلقش يا فراس.. غرام في قلبي وعيني.
ربت على كتفه ثم ابتعد ليركبا سيارتهما ويذهبا تحت نظراته المهددة بسقوط دموع عينيه.
رواية ضمير ميت الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم دنيا آلشملول
اقتربت دالين واحتضنت ذراعه وهي تتمتم:
متقلقش عليها.. هي في قلب أمين.
أماء فراس وهو يربت على يدها المحاوطة لذراعه بهدوء. ابتعدا حينما أتاهم صوت شادي من الخلف:
مبروك لأختك يا صاحبي وعقبال ما أفرح فيك.. اا قصدي بيك كده يا رب.
فراس وهو يضربه على كتفه بخفة:
لا ما أنا شكلي هفرح فيك قبل ما تفرح فيا يا أخويا.
شادي وهو يحك مؤخرة رأسه ناظرًا لسندس:
أهو وقعت تحت ضرس اللي ما بيرحمش.
ضحكوا بخفة ثم استأذن شادي ليوصل سندس ثم يغادر هو وروح لمنزلهم.
بينما غادر عاصم وفاتن بعد انتهاء الأغنية مباشرة. وكذلك حازم الذي قرر أن يرحم بدور مما ترتديه وأخذها لمنزلها وهاتف شدا وأخبرها بأنه سيعود لأخذها بعدما تكون اطمأنت على والدة لؤي.
دالين بهدوء:
فراس ممكن تفهمني اللي بيحصل حواليا؟ أنا بجد توهت وما بقتش فاهمة حاجة. بابا وأونكل رأفت إيه اللي بينهم؟ وفارس ليه جبت سيرته فوق؟ وقصدك إيه بإنه دفع ثمن صحوبيتهم؟
فراس وهو يحاوط وجهها بيديه:
دالين.. أنتِ.. أنتِ..
دالين:
أنا إيه؟
فراس:
أنتِ بتحبيني يا دالين؟
توردت وجنتاها وأخفضت وجهها ليرفعه لها بيده مجددًا وهو يتمتم:
دالين ردي عليا.. أنتِ بتحبيني؟
دالين بتوتر:
اا اشمعنا السؤال ده؟
فراس بهدوء:
عشان أنا بحبك.. بحبك وما اعرفش إمتى وإزاي.. بحبك وعايزك جنبي ومعايا.. مش عايز حاجة تفرق بينا.. دالين أنا بجد بحبك.
دالين بخفوت:
و.. و وأنا كمان بحبك.. بحبك أوي يا فراس.. وما اتأكدتش من حبي ليك غير لما رجعت لي يوم عيد ميلادك وقعدت تشكي لي أنا دونًا عن العالم كله.. وقتها كنت بتمنى يكون لي الحق إني آخذك في حضني وما أخرجكش منه أبدًا.. كنت بتمنى أقدر أشيل كل اللي على كتافك وأحميك من كل اللي بيحصل حواليك.
فراس وهو يقبض على يدها بقوة:
مهما كان السبب.. ما تبعديش.
دالين:
طول ما أنت ماسك يدي عمري ما هسيبك.
***
ذهب عاصم وفاتن إلى الكورنيش. وقد قام عاصم بخلع جاكيت بدلته وقام بوضعه على كتفيها مما منحها دفء افتقدته كثيرًا في الأيام الماضية. ضمته بيديها إلى صدرها تستمتع برائحته المميزة بالنسبة لها والتي تجعلها تغيب في عالمه.. عالمه هو وفقط.
عاصم بهدوء:
مش زعلانة مني؟
نظرت له فاتن مطولًا ثم مالت برأسها على كتفه وهي تتمتم:
أنا كنت زعلانة من كل حاجة إلا أنت.
عاصم وهو يرفع ذراعه ليأخذها بين أحضانه:
وأنا بكل قوة جوايا هحاول أعوضك عن كل اللي فات.. اللي فات ده مات خلاص.. مات باللي فيه.. النهارده أنا وأنتِ.. أنا وأنتِ وبس يا تونايا تي.
فاتن بابتسامة:
كان وحشني أوي اسم تونايا تي منك.
عاصم وهو يرفعها عنه ناظرًا لعمق عينيها البندقية:
بس؟
فاتن وهي ترمش بعدم فهم:
بس إيه؟
عاصم بمكر:
اسمك بس اللي وحشك؟
فاتن بخجل:
اا آه.. أومال هيكون إيه ثاني يعني!
عاصم وهو يقترب منها بهدوء:
يعني ما وحشكش أي حاجة غير اسمك؟
فاتن وهي تضربه على صدره بخفة:
عاصم بقى.
عاصم وهو يمسك بيدها التي ضربته للتو:
عيون عاصم.
فاتن بارتباك:
عـ عاصم.
عاصم بابتسامة وهو لا يزال يقترب ببطء:
قلب وروح عاصم.
فاتن بارتباك:
اا ابعد شـ شوية.. إحنا في الشارع.
عاصم بضحكة:
لا إحنا مش في الشارع.. إحنا ع الكورنيش.
ضربته فاتن على كتفه بغيظ وهي تتمتم:
بس بقى.
ضحك عليها وهو يتابع:
طب إيه.. مش نشوف ميعاد الفرح بقى.
فاتن بابتسامة خجولة:
أتكلم مع بابا في الموضوع بقى.
عاصم:
ده أنا هتخانق مش هتكلم.. ضحكا معًا ليأخذها بين أحضانه لتنعم بدفء قلبه وينعم هو بعبيرها الذي لا يحل لسواه.. هو وفقط.
***
كان يقود في صمت تام وهو ينظر أمامه دون أن يتفوه بكلمة أو يصدر عنه أي رد فعل.
شعرت بدور بأنه في هذه الحال بسببها.. فهي لم تعطه جوابًا يريح قلبه ويهدئ من نفسه.
بدور بتردد:
ز زوما.
حازم:
همم.
بدور:
أنت كويس؟
ابتسم بسخرية وهو يتمتم:
آه يا بدور.. كويس يا حبيبتي.
بدور وهي تفرك يديها بارتباك وابتسامة صغيرة ارتسمت على ثغرها بهدوء:
يا إيه؟
نظر إليها عاقدًا حاجبيه:
إيه؟.. لو مش عايزاني أقول كده مش هقول ثاني.. آسف.
بدور وهي تتأفف بضجر:
إيه هو ده.. وأنا كلمتك.
أوقف حازم السيارة على جانب الطريق ثم أخذ شهيقًا طويلًا أخرجه ببطء ثم التفت لها بهدوء وهو يتمتم:
بدور.. هو سؤال وجاوبيني بصراحة.. وأوعدك والله مش هزعل ولا أي حاجة.. وعلاقتنا هتفضل زي ما هي لو الإجابة بالنفي.
بدور بترقب:
إيه؟
حازم بهدوء:
بدور أنا بحبك.. أنتِ بتحبيني؟
بدور وقد توردت وجنتاها وأخذت تفرك يديها معًا بتوتر:
هـ هو أنت ليه معلق معاك السؤال ده؟
حازم:
عشان عايز أعرف إجابته يا بدور.. بتحبيني زي ما بحبك ولا لأ؟.. عايزاني صديقة زي ما أنا ولا بتحبيني وعايزة تكملي معايا؟.. أنا محتاج إجابتك يا بدور.
بدور وقد أغمضت عينيها بقوة تحاول استجماع شجاعتها ثم خرجت حروفها بخفوت:
بحبك.
حازم:
قلتِ إيه؟!.. عيدي اللي قلتيه ثاني كده.
بدور وهي تنظر له بغيظ:
بقولك إيه ما تدوشنيش.. هي ما بتطلعش غير مرة واحدة.. يلا سوق روحني عشان ما أقلعش الفستان ده هنا وأفضحك.
حازم وهو يرمش عدة مرات بعدم تصديق.. هل هذه التي توردت منذ قليل حينما أخبرها أنه يحبها؟.. وهي نفسها التي ركضت من أمامه في توتر حينما كان يقترب منها في فيلا فراس:
أنتِ بتتحولي يا بنتي؟
بدور:
آه.. وبعُض كمان على فكرة.
حازم وهو يعود للقيادة:
لا وعلى إيه.. الطيب أحسن.
ابتسمت بدور في خفاء.. وابتسم هو الآخر.
فهي تحاول أن تتماسك وألا تبدو خجولة أمامه.
***
بينما جلس لؤي على الأرجوحة الخاصة بغرام وجلست بجواره شدا ليتمتم بهدوء:
أول مرة أشوفك بفستان.
شدا بهدوء:
وأنا فعلًا أول مرة ألبس فستان.
لؤي:
ليه؟
شدا بعدم فهم:
ليه إيه؟
لؤي:
ليه ما بتلبسيش فساتين؟.. وليه لبستيه النهارده؟
شدا وهي تنظر له بزيتونيتيها:
بجد أنت مش عارف ليه؟
لؤي بمشاكسة:
لا مش عارف.
شدا وهي تتحرك من جانبه:
طيب يا لؤي.. لما تبقى تعرف بقى أبقى أتكلم.
جذبها من معصمها فاختل توازنها لتقع إلى جواره من جديد:
لـ لؤي.. لؤي سيبني أقوم.
لؤي وهو يتحدث بهمس:
ليه؟
شدا بتوتر:
لؤي لو سمحت.. ما ينفعش كده.
تنهد لؤي بهدوء ثم ترك يدها لتنهض وهي ترتب فستانها بهدوء.
لؤي:
شدا.
شدا:
نعم.
لؤي:
هو.. هو أنا يعني.. أنا..
شدا مقاطعة:
أنتَ إيه؟
لؤي:
مش عارف.. بس.. أصل يعني..
نفخت شدا بنفاذ صبر ثم ضربت الأرض بقدمها وتحركت من أمامه لتذهب لكنه كان الأسرع حيث وقف أمامها وهو يمسك بذراعيها:
استني بس.. رايحة فين؟
شدا:
رايحة في داهية.. اوعى من طريقي.
لؤي وهو يقف أمامها يمنعها من الذهاب:
مش قبل ما تسمعيني.
شدا بنفاذ صبر:
اخلص.. عايز إيه؟
لؤي وهو يحاول تهدئة أعصابه:
شدا أنا بـ..
قطعه رنين هاتفه.. ليغمض عينيه في نفاذ صبر.. ثم استخرجه ليجده اللواء أمجد.
زفر لؤي بضيق وهو يقول بهدوء:
لحظة بس.
ثم أجاب على اللواء الذي أخبره بأن هناك قضية ما وأخبره بضرورة الذهاب إليه في الحال. حاول لؤي الاعتراض لكن لم يمنحه اللواء فرصة وأغلق الهاتف.
ضغط لؤي على الهاتف بين يديه في محاولة لأن يكتم غضبه ثم نظر لشدا وهو يتمتم:
هي ليلة ما يعلم بيها إلا ربنا أساسًا. شدا بليز ممكن تروحي ماما أنتي وحازم وتهتمي بيها لحد ما أجي. جت لي مهمة فجأة ولازم أمشي.
شدا بتأكيد:
ما تقلقش عليها. أنا هتم بالموضوع. خلي بالك أنت من نفسك.
لؤي بابتسامة:
وأنتي كمان.
غادر مسرعًا وتقابل مع فراس ودالين اللذان يتوجهان للمنزل.
فراس:
لؤي! رايح فين؟
لؤي بأسف:
جت لي مهمة ولازم أمشي ضروري. فراس بعد إذنك ممكن تهتم بماما. شدا هتروح معاها لحد ما أخلص.
فراس:
ولا يكون عندك فكر يا كبير. يلا شوف طريقك.
شكره لؤي بهدوء ثم غادر سريعًا.
بينما ذهبت دالين تجاه شدا وهي تتمتم بهدوء:
دودي أنتي كويسة؟
شدا:
آه كويسة. يلا ندخل. عايزة أطمن على طنط جنات.
دلفوا للفيلا وصعدت شدا للغرفة التي تستلقي فيها جنات لتجدها مستيقظة وتنظر للفراغ بشرود.
شدا بابتسامة:
كده تخضينا عليكي يا طنط؟
السيدة جنات بابتسامة:
غصب عني يا بنتي. أنا بوظت الفرح مش كده؟
شدا بنفي:
لا طبعًا إيه اللي حضرتك بتقوليه ده. وبعدين غرام خلاص مشيت على بيت جوزها. وحازم هيوصل بدور ويرجع عشان نروح مع حضرتك لإن لؤي جات له مهمة مستعجلة واضطر يمشي.
أومأت السيدة جنات بتوتر وهي تتمتم:
حياة فين؟
شدا:
تحت مع طنط جومانا.
السيدة جنات باندفاع:
مع مين؟!
شدا باستغراب لاندفاعها:
طنط جومانا مامة فراس.
السيدة جنات وهي تحاول النهوض:
أنا لازم أنزل.
شدا وهي تحاول منعها:
ليه بس. ارتاحي شوية لحد ما حازم ييجي بس.
السيدة جنات بإصرار:
لا لا لا لازم أنزل لا.
شدا بتعجب:
طب حاضر أنا هساعد حضرتك. يلا تعالي.
وبالفعل أخذتها من يديها وهي تسندها بهدوء لتنزل بها للأسفل حيث القدر المنتظر.
بينما دلفت دالين وفراس ليجدا والدتهما يجلسان متباعدان عن بعضهما.
نظر فراس ودالين لبعضهما وكانت عينا دالين بها تساؤلات عديدة. لكن فراس ليس في وضع يسمح له بالشرح أبدًا.
وقفت السيدة جومانا واتجهت إليهما وهي تقول بهدوء:
فراس. فراس أنا..
فراس وهو يبتعد عن مرمى يديها التي تحاول أن تلامس وجنتيه بها:
أنا مش عايز أسمع حاجة بعد إذنك.
السيدة حياة من خلفها:
فراس. أنت أنقذت بنتي. وأنا مديونالك باعتراف.
نظروا جميعًا تجاهها في حين نطقت دالين بهدوء:
اعتراف إيه يا ماما؟
حياة وهي تفرك يديها معًا:
فـ فـ فارس.
رواية ضمير ميت الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم دنيا آلشملول
ذهبت دالين حيث فيلا فراس لتحضر ثيابًا لوالدته ومن أجله أيضًا. دلفت بهدوء لتقابلها السيدة ابتهال بابتسامة:
أهلًا أهلًا يا بنتي، وحشتيني أوي والله.
دالين بحب:
أنتِ اللي وحشتيني أوي يا ست ابتهال، عاملة إيه؟
السيدة ابتهال:
نحمد الله يا بنتي. أزيها الست جومانة؟ لما كلمت دكتور فراس أقوله إنها مش موجودة في أوضتها قالي إنها معاه. هي كويسة؟
دالين:
كويسة يا ست ابتهال الحمد لله بس فراس تعبان شوية وهيفضل في المستشفى، فأنا كنت عايزة هدوم عشان طنط جومانة وعشان فراس.
السيدة ابتهال:
ألف لا بأس عليه. طيب أنا هطلع أجيبلك هدوم للست جومانة من أوضتها، وأنتِ هاتي للدكتور فراس، أوضته التانية على يمين السلم.
أومأت دالين بهدوء وابتسامة ثم صعدت لغرفته وبمجرد أن فتحت الباب فإذا برائحته الساحرة لقلبها تقابلها بقوة. أغمضت عينيها وأخذت شهيقًا طويلًا تملأ رئتيها برائحته ثم دلفت بهدوء وهي تنظر إلى كل ركن بالغرفة تستكشفها.
لقد كانت عبارة عن مزيج بين اللونين الرمادي والأبيض، يتوسطها سرير مستطيل مفروش بمفرش رمادي والوسائد بمفارش بيضاء، ومن جانبي السرير يوجد اثنان من الكوميدينو مزيج ألوانهما من الرمادي والأبيض. وبجانب من جوانب الغرفة يوجد مكتب صغير يعلوه العديد من الكتب والأوراق وأيضًا لاب توب رمادي، ومن خلف المكتب توجد مكتبة بيضاء بعرض الحائط بها العديد من الكتب المرصوصة بعناية. وفي جانب آخر يوجد باب يؤدي لدورة المياه الخاصة بغرفته ويليه مباشرة خزانة تأخذ باقي العرض تقريبًا وهي مزيج من الرمادي والأبيض كذلك، بينما تأتي مرآته التي تقف على حامل يشبه العمود وبيضاوية الشكل وحافتها بيضاء في حين أن الحامل رمادي وتقع في الجانب الثالث من الغرفة.
كان كل شيء بالغرفة يوحي بذوقه الراقي. لكن لما كل شيء بالأبيض والرمادي؟ إن المفارش الأرضية حتى بالرمادي وسقف الغرفة أبيض، يبدو أنه يعشق هذين اللونين تحديدًا.
تنهدت بعدما انتهت من تأملها لتقترب من خزانته وفتحتها بهدوء وقامت بإخراج بنطال جينز أسود مع قميص أسود. اقتربت من مكان وجود ساعاته واختارت ساعة فضية. وأخذت تفكر قليلًا هل تأخذ له حذاء أم لا، واستقر رأيها على أن تأخذ واحدًا. ثم وضعت أغراضه في حقيبة صغيرة وأحضرت أيضًا عطره الذي تعرف رائحته جيدًا. ثم حملت الحقيبة وألقت نظرة أخيرة على الغرفة قبل أن تبتسم بهدوء وتغادرها.
قابلتها السيدة ابتهال ومعها حقيبة أخرى بها ملابس للسيدة جومانة وأخبرتها بأنها ستذهب معها فربما يحتاجون إليها هناك.
**************************************************
دلفت شدا بهدوء لمنزل لؤي كي تجلب ملابس من أجل السيدة جنات، ولم تكن تعلم بوجود أحد هنا. لكنها تفاجأت بصوت حركة في الطابق العلوي. أجفلتها تلك الحركة ولكن تشجعت وصعدت بهدوء ليجفلها فتح باب إحدى الغرف وخروج لؤي.
وقفت مكانها وأمسكت بقلبها وهي تتنهد براحة قبل أن تنفجر فيه:
طب قولي إنك هتتنيل تيجي أم البيت بدل ما تقطعلي خلفي كده.
لؤي بابتسامة بسبب احمرار وجهها وغضبها هذا:
هو أنا المفروض أستأذن قبل ما أجي ولا إيه؟
شدا:
لا مش القصد بس يعني كنت قلتلي، أنا جيت أخد هدوم لطنط والمفتاح خدته منها.
لؤي بابتسامة عابثة:
وهو أنا سألتك جبتي المفتاح منين؟
شدا بارتباك:
اا.. لـ لأ.. بس.. عـ عادي يعني.. أنا..
لؤي وقد زادت ابتسامته وهو يقترب منها بهدوء مما جعلها تتحرك للخلف كرد فعل حتى كادت تسقط من أعلى الدرج، لكنه كان أسرع حيث أمسكها من معصمها وأحكم قبضته على يدها لتشهق وهي ترمش عدة مرات. بينما ابتسامته العابثة تزداد وهو يتمتم:
شكلك حلو وأنتِ متوترة يا دودي.
شدا وهي تزدرد ريقها وتحاول الوقوف باتزان:
لـ لـ لؤي اا إوعى.
لؤي:
ولو موعتش؟
شدا وهي تحاول استجماع شجاعتها التي تتبخر مع حضوره:
اا إوعى بقولك.
لؤي بعبث:
بس أنا مرتاح كده.
شدا بغيظ:
وأنا مش مرتاحة، إوعى كده.
أنهت كلمتها وهي تدفعه من صدره وكادت تسقط مجددًا لكنه أمسك بيدها وأوقفها سريعًا لتتوازن، فنظرت له بغيظ لترى ابتسامته التي أظهرت غمازتيه. يا إلهي، لمَ هو وسيم إلى هذا الحد؟ ذقنه الحليقة تترك العنان لغمازتيه كي تزين وجهه حينما يتحدث أو يبتسم. عينيه التي تتحول من الزيتوني للأخضر القاتم وأحيانًا تظنها رمادية ولا تعلم كيف هذا في الحقيقة. بنيته القوية، إنه.. إنه حقًا رائع، وهي تحبه.
انتبهت شدا من تأملها له حينما تحدث لؤي:
سرحتي في إيه؟
شدا وهي تتحمحم منظفة حلقها:
اا.. لا أبدًا، أنا.. أنا عايزة أجيب هدوم لطنط.
لؤي:
طب ادخلي هاتي وأنا هستناكي تحت.
شدا:
لا لا.. أنا معايا عربيتي.
لؤي:
طيب بما إنك هتروحي لوحدك، ورغم إني عارف كمان إن الظروف والوقت الحالي ما يسمحوش للي أنا عايز أقوله بس.. بس يعني هقوله بقى وخلاص.
شدا:
إيه؟
لؤي:
أنا من أول يوم شفتك وأنا في حاجة جوايا اتشدتـ..
قاطعه صوت هاتفه الذي أعلن عن اتصال، ليلعن لؤي تحت أنفاسه وهو ينظر تجاهها في غيظ قبل أن يجيب على الهاتف باقتضاب:
عايزة إيه يا زفتة الطين، مش جاية تتصلي غير دلوقتي!!
سندس باستغراب:
إيه يا عم براحة شوية قطر داخل عليا، وبعدين هي دي النص ساعة اللي هتخلص وترجع فيها، انجز يابا ورانا شغل.
لؤي:
غوري يا سندس.
سندس:
أنا تحت البيت يلا اطلع عاصم وشادي مستنيينا.
لؤي:
طيب طيب جاي.
أغلق معها ونظر لشدا بقلة حيلة قبل أن يذهب وهو يتمتم:
نخلص من أم الزفت ده وأفضالك، سلام.
غادر المنزل لتبتسم على طريقته، ثم دلفت لغرفة جنات وأحضرت ملابسها وكادت تذهب لكن لا تعلم لمَ قادتها قدماها إلى غرفته.
أرادت أن تستكشف عالمه الصغير، ففي المرة السابقة غفت سريعًا من شدة الإرهاق. دلفت بهدوء لترى غرفته المتألقة بلونها الكحلي.
إنها ساحرة وهادئة ومريحة للأعصاب كذلك، سرير يكفي لشخص واحد، خزانة طويلة بعض الشيء، مكتب في إحدى أركان الغرفة تتناثر عليه الكثير من الأوراق والملفات، مرآة دائرية تحتل جانب من جوانب الغرفة وأسفلها منضدة طويلة يعلوها فرشاة شعره وزجاجات عطر وأربعة علب لأربعة ساعات فقط، واحدة كحلية والأخرى بنية وغيرها سوداء وأخيرتهم فضية، ستائر غرفته من اللون الأبيض وعلاقاتها كحلية، سقف الغرفة أبيض تتداخل به خيوط كحلية، مفارش الأرضية بيضاء برسومات كحلية. جذب انتباهها ألبوم صور موضوع أعلى الكومود بجانب الفراش، اقتربت بهدوء لترى صور تجمعه مع السيدة جنات ورجل آخر يبدو أنه السيد مصعب زوج السيدة جنات الراحل، كانت صورًا لمراحل عمرية مختلفة، وكان يبدو سعيدًا.
لقد عوضته السيدة جنات حقًا عن أهله وكانت له ونعم الأم والمربية. الآن فقط علمت سبب كونه لم يغادرها لفترة طويلة، بمجرد أن رآها انتشلها بين أحضانه. إنها تستحق، حتى ولو لم تخبره الحقيقة، لكنها تستحق.
تنهدت بهدوء قبل أن تضع الألبوم في مكانه وتخرج من الغرفة متجهة إلى المستشفى.
**************************************************
قادت سندس السيارة بعدما استقلها لؤي، لتلاحظ تلك الابتسامة التي تعلو شفتيه.
سندس:
إيه يا عم الابتسامة الرايقة دي!! مش عوايدك.
لؤي:
بت أنتِ بقولك إيه، مش هتنطيلي في كلامي معاها وفي تفكيري فيها كمان، اطلعي من دماغي.
سندس بضحكة عالية:
أنا بردو قلت الابتسامة دي مش وراها غير القلب.
لؤي:
والله يا سندس أنا مش عارف القلب شافها امتى وإزاي، خايف يطلع مجرد إعجاب مش أكتر وأظلمها معايا.
سندس بتنهيدة:
إيه الفرق بين الحب والإعجاب يا لؤي؟
لؤي بتفكير:
اممم.. مش عارف.
سندس:
الحب يا لؤي هو إنك تشوف سعادتك في سعادة اللي بتحبه، دائمًا يكون عندك شغف إنك تشوفه وتسمع صوته، رغبتك الدائمة في وجوده جنبك وحواليك، تبقى مستعد إنك تعمل أي حاجة عشانه وعشان تنفذ رغبته، إنك تقدم سعادته هو على سعادتك الشخصية، تكون متقبل عيوبه قبل ميزاته، هيحقله اللي ما يحقش لغيره، مجرد وجوده بس كفيل يديك حافز أو يسعدك، هتلاقي نفسك فجأة مهتم إنك تتعرف على كل اللي حواليه والقريبين منه، الحب ده إحساس جميل أوي يا لؤي بيخليك طاير لفوق.
أما الإعجاب هو مجرد انجذاب لشخصية معينة، بتبقى عندك فضول تتعرف عليه أكتر، والإعجاب ده بينتهي بطريقين ما لهمش تالت، يا إما ينتهي بالحب، يا إما بيختفي فضولك واهتمامك بيه فتختفي اللهفة تجاهه.
لؤي بتفكير:
اممم.. بناءً على كلامك يبقى أنا عديت مرحلة الإعجاب وانتهى إعجابي بيها لطريق الحب.
سندس بابتسامة:
يبقى بلاش تخبي مشاعرك كتير يا زميلي، قولها إنك بتحبها، لإنها لو بتحبك هتكون مستنياها منك، والحاجة اللي بتتأخر عن وقتها ما بيبقاش ليها طعم، وشغفها بالنسبة للطرف التاني بيقل.
لؤي وهو ينظر لها بجانب عينه:
ويا ترى بقى سندس هانم عرفت الكلام ده منين، تكونيش بتحبي!
سندس بضحكة:
هو الحب حلال ليك لوحدك يا عم ولا إيه!
لؤي بمكر:
لا يا ستي حلال ليكي أنتِ كمان..
بس مين بقى سعيد الحظ؟
سندس بتوتر:
آه... في وقته أحسن يا لؤي.
لؤي بابتسامة:
أوك يا ستي... وأنا موجود لو احتجتي حاجة.
سندس:
لا أنت بالذات مش عايزاك في حاجة.
لؤي بغيظ:
وأنا أصلًا مش هعمل عشانك حاجة.
سندس:
طب يلا انزل يا بتاع شدا انزل.
لؤي بصدمة:
بتاع شدا! طب يلا يا بتاعة شادي يلا.
سندس بذهول:
أنت عرفت منين؟
لؤي بغمزة ماكرة:
أنا بابا يا بت.
ضحك بقوة قبل أن يتركها في غيظها ويخرج من السيارة متجهًا لمنزل عاصم الذي كان في انتظارهم هو وشادي.
صعد للأعلى بهدوء لينظرا له بضيق.
لؤي:
إيه يا جماعة دي كلها نص ساعة اللي اتأخرتها.
شادي:
بطل برود يا أخي ويلا خلينا ننجز في أم الليلة دي.
لؤي بتنهيدة:
فهمت عاصم كل حاجة؟
شادي:
من الألف للياء.
لؤي:
عظيم... كده باقي خطوة واحدة بس... هاتي يا سندس الشنطة.
أخذ يرمش عدة مرات قبل أن يتبين له سقف الغرفة أولًا... ليميل برأسه يمينًا فتقابله ابتسامة معشوقته الصغيرة.
فراس بابتسامة:
غـ غرامي.
غرام بابتسامة:
قلب غرامك وحياتها... سلامتك يا كل ما ليا.
فراس:
وحشتيني.
عمرو وهو يتحمحم:
إيه يا عم أنت... صحتك يا با.
فراس:
الغتت كالعادة.
غرام بضحكة:
حمد الله على سلامتك يا حبيبي... ربنا ما يوريني فيك أي وحش أبدًا.
ابتسم فراس بهدوء قبل أن تقع عينيه على تلك التي دلفت للغرفة توا.
غرام وهي تنظر حيث ينظر فراس:
أها... دالي تعالي... فراس فاق أهو.
اقتربت دالين بخجل وهي تتمتم:
حمد الله على سلامتك.
فراس:
الله يسلمك.
اقتربت والدته لتمسك بيده تقبلها بحب ولهفة:
حمد الله على سلامتك يا حتة من قلبي... ربنا ما يتعبش قلبي بيك أبدًا.
فراس بابتسامة صافية لها:
ربنا يخليكِ ليا يا ست الكل.
ابتسمت السيدة جومانه بسعادة قبل أن تقترب لتحتضنه بقوة آلمته لكنه لم يتحدث أو يُظهر ذلك.
غرام بهدوء:
ماما حبيبتي تعالي معايا بقى عشان تغيري هدومك.
تحركت السيدة جومانه وغرام خارج الغرفة ولحق بهما عمرو.
بقيت فقط دالين بجانبه... وبعد صمت دام لدقائق تحدث فراس أخيرًا:
ممكن أسألك سؤال؟
دالين:
أكيد اتفضل.
فراس:
هو شعرك لونه إيه؟
دالين باستغراب:
شعري!!
فراس موضحًا:
أنا مش عارف أحدد لونه وده شيء مزعج بصراحة.
ضحكت دالين بخفة وهي تتمتم:
لا وأنا ما يرضينيش إنك تنزعج يا عم... شعري لونه أشقر عسلي.
فراس بتنهيدة:
وأخيرًا.
ضحكت دالين بخفة:
أنت كل اللي محيرك لون شعري؟
فراس:
لا.
دالين بتساؤل:
أومال إيه تاني؟
فراس:
أنتِ.
دالين بارتباك:
أنا إيه؟
فراس:
أنتِ محيراني... كل حاجة فيكِ محيراني.
دالين بتساؤل:
ليه بتقول كده؟
فراس بهدوء:
أنتِ من وقت ما دخلتِ حياتي وأنتِ غيرتيها تمامًا... تقريبًا مليتيها... كل حاجة حواليا متغيرة.
دالين:
وده شيء كويس ولا؟
فراس:
كويس؟! وجودك بس أحلى حاجة حصلتلي.
دالين بارتباك:
فراس أنا...
فراس:
دالين أنا بحبك.
دالين وهي تنظر له بدموع:
فراس...
فراس مقاطعًا:
تقبلي حبي ليكِ يا دالين؟
دالين وقد انسابت عبراتها:
طبعًا.
فراس:
يعني... يعني بتحبيني زي ما بحبك.
أومأت دالين بخجل ليتابع فراس:
مش بقولك غيرتي فيا حاجات كتير.
دالين:
قصدك إيه؟
فراس:
يعني... عمري ما كنت أتوقع إني أحب وأتحب... أو مش عدم توقع... يعني هو ما كنتش عايز أصلًا... بس أنتِ دخلتِ قلبي من غير استئذان... بكل حاجة فيكِ... بساطتك... هدوئك اللي تقريبًا بيتبخر لما يكونوا أصحابك معاكِ... بتقلبي حد تاني خالص.
دالين بضحكة:
فعلًا.
نظر لها فراس طويلًا لتخجل من نظرته تلك ولكن أنقذها طرقات على الباب ودلوف حازم وهو يتحدث بمرح:
أوهووو دكتور فراس فاق بقى ومبتسم وليه غمازات... يا عيني.
فراس بغيظ:
مالها الغمازات... ما أنتَ ما شاء الله عندك غمازات واصلة لودانك أهي.
ضحكت دالين لينظر لها حازم في غيظ وهو يتمتم:
أنتِ اللي قلتيله؟
دالين:
لا والله أبدًا.
فراس بعدم فهم:
قالتلي إيه؟
حازم:
ما حدش بيقولي غمازاتك واصلة لودانك غير دالين.
ابتسم فراس وهو يتحدث:
عشان عندها نظر.
حازم بابتسامة جانبية:
طبعًا ومين يشهد للعروسة... المهم هتطلع إمتى؟ عايز أروح أتقدم للبت ومش عارف.
فراس:
لو أنا اللي معطلك فصدقني مش هطلع عندها فيك.
حازم:
دالين قوليله حاجة... بدور بجد واقفالي على إن فراس في المستشفى ومينفعش في الظروف دي... تقوليش فراس كان جوز أمها ولا إيه مش عارف.
فراس:
دي واحدة عندها ذوق وأصيلة مش زيك.
حازم وقد تذكر إغاظة فراس له حينما كانت بدور مريضة فقرر اللعب بنفس الطريقة... اقترب من دالين وأمسك بيديها وكأنه يرجوها:
دالي حبيبتي عشان خاطري أنا... ده أنا زوما.
دالين بإحراج:
أعمل إيه طيب... وأنا معاك في اللي تعوزه.
فراس بغيظ:
أول حاجة تعمليها تحطي إيدك اللي تتقطع دي جنبك بدل ما أقوم أقطعهالك... تاني حاجة اطلع بره بقى عشان ما أقومش أطلعك بطريقتي.
حازم بضحكة:
لا لا أنا ماشي باحترامي... بس بالله ما تطول يا فراس... عايز أتجوز يا ناس.
فراس:
الواد اتجنن.
ضحك ثلاثتهم قبل أن يغادر حازم وتدلف بعده غرام ووالدتها وجلسوا يتحدثون جميعًا في أمور مختلفة.
كان يقف على بعد مناسب من مكان منزل عاصم الذي أنهى اتصاله مع فاتن للتو وخرج من الفيلا بترقب وهو يستند إلى عكاز بيده... وصل حتى البوابة الخارجية وبدأ يسير قليلًا في الطريق... ومن دون سابق إنذار علا صوت طلق ناري أصاب صدره مباشرة ليرتمي إلى الأرض غارقًا في دمائه قبل أن يركب الفاعل سيارته وهرب من المكان بسرعة... لكن هناك من تبع القاتل... وبعد أن تلقى شادي خبرًا بابتعاد التابع بمسافة قاد سيارته سريعًا حتى وصل لعاصم الملقى أرضًا...
ساعده على الجلوس ثم قام بشق تيشيرته إلى نصفين وأخرج الواقي من صدره بينما عاصم يلهث بأنفاس متسارعة وجسد يشعر وكأن أحدهم كان يضربه بقوة عليه.
شادي:
أنت كويس؟
عاصم:
أنا ما كنتش فاكر إن واقي الرصاص متعب كده... إيه ده أنا جسمي مكسر.
أسنده شادي وهو يضحك:
اجمد كده يا شبح خلاص المهمة خلصت.
عاصم:
أنا مش فاهم حاجة أصلًا... اللي ضربوا عليا رجالتك أنت... عرفتوا مين بقى وإزاي؟
شادي ضاحكًا:
يا حبيبي اللي ضربوك رجالتي آه بس اللي جريوا ورا رجالتي دول اللي عايزين يخلصوا عليك... إحنا استدرجناهم بس... اللي قتلك من وجهة نظرهم مش منهم... فهيرتبكوا من الموقف ويا إما هيمشوا ورا اللي ضربوك يا إما هيخلعوا هما... وفي الحالتين لؤي هيعرفهم لإنه زارع كاميرات في كل حتة وواحد مراقب الكاميرات وإداله إشارة بمكان تحرك العربية اللي فيها المجرمين الحقيقيين... فهمت حاجة؟
عاصم:
هو لؤي ظابط شرطة ولا زعيم عصابة؟
ضحك كلاهما قبل أن يصعد عاصم للأعلى بمساعدة شادي وقام بتبديل ملابسه وخرج مجددًا ليذهب إلى منزل فاتن وقد أوصله شادي أولًا ثم ذهب للقسم بعدها ليجد لؤي قد أصيب في ذراعه أثناء هجومه عليهم...
والرجلين أمامه في غرفة الاستجواب.
وبعد تحقيقات تخطت الثلاث ساعات، استطاعوا معرفة أنهم مجرد رجال تم استئجارهم لإنهاء مهمتهم التي تتلخص في إنهاء حياة عاصم.
***
كانت تجلس في شرفة القصر الكبير بصحبة رجل أعمال كبير له وضعه الخاص بالبلدة، قبل أن يجفلهم صوت سيارات الشرطة التي حاصرت القصر بأكمله.
خرج عادل الجندي من قصره ليقابله لؤي الذي عرف عن نفسه بأنه عميد مباحث الجنايات ولديه أمر بالقبض عليه وعلى سمر الشافعي والدة فاتن. وبعد تحقيقات دامت لساعات، أكدوا بأن سمر هي من خططت لقتل عاصم انتقامًا من مراد وأن عادل الجندي ساعدها في ذلك مقابل رغبته القذرة بها. تحولت أوراقهم للنيابة وتم القبض عليهم حتى وقت المحاكمة.
وصل هذا الخبر لفاتن التي انهارت باكية على ما فعلته بها والدتها. لم تخن والدها فقط، بل كانت ستجعل ابنتها تعيسة أيضًا. فكرت فقط في الانتقام من مراد ولكنها لم تفكر بابنتها وتعاستها. بقي عاصم بجانبها يقويها ويدعمها لتعود لإشراقها من جديد وكذلك باقي أصدقائها الذين لم يتركوا فرصة واحدة إلا واستغلوها كي يخرجوها مما هي فيه. بينما خسر مراد ابنه وأخاه للأبد وبقي وحيدًا، وبدأت شركته في التدهور كذلك.
***
كان ينظر لها بحب كبير وهو يراها تصب جميع تركيزها على اللوحة أمامها، فلم يعد هناك وقت للمعرض، فقط يومان. لتتنهد بتعب وهي تتمتم:
عموري.. إيه رأيك؟
عمرو بابتسامة:
أجمل ما شافت عيني.
التفتت له غرام لتجده ينظر لها بحب فابتسمت بخجل وهي تجلس بجانبه:
بس أنا أقصد اللوحة.
عمرو:
سيبك من اللوحة دلوقتي.. انتي وحشتيني.
غرام بخجل:
عمرو.
عمرو وهو يحملها معه:
لا عمرو إيه؟.. عمرو خلاص جاب آخره يا بيبي.
أنهى جملته وهو يركض بها لغرفتهما ليحيى معها عالم جنون العاشق.
***
اتجهت نحو مكان جلوسه وهي تحمل في يدها صينية بها بعض الطعام من أجله. وضعتها فوق الطاولة ثم جلست بجانبه وهي تتمتم:
يلا بقى ده معاد الأكل عشان تاخد الدوا.
فراس بابتسامة:
مش هاكل إلا لو كلتي معايا.
دالين باستسلام:
وادي أكل أهو.
بدآ يأكلان في هدوء حتى قطع هذا الصمت صوت لؤي الذي نظر تجاههما بسخط:
طبعًا أقعد أبصلها وأسبلها وأنا مرمي جوه مش لاقي اللي يعبر أهلي.
فراس:
انت هتدوشني ليه.. وبعدين بطل قر يا أخي.
لؤي بغيظ:
فراس ما تفرسنيش.
دالين بضحكة:
إيه بس يا لؤي هي شدا مجنناك أوي كده؟
لؤي:
والله يا دالين صاحبتك دي نحس أصلاً.. مفيش مرة أفكر أعترفلها بمشاعري إلا وينط لنا حاجة في النص توقفني عن الكلام.
فراس:
انت لحد دلوقتي ما قلتلهاش؟
لؤي بسخط:
بكلم في حيطة.. قلتلك الظروف مش سامحة.
فراس وهو ينظر لدالين التي التقطت أفكاره على الفور:
خلاص ولا يهمك.. واللي يجيبها لك ويظبطلك جو شاعري من غير ما يقاطعكوا حد؟!
لؤي وهو يجلس بجانبه ممسكًا بذراعه:
هحبه.. هحبه ده إيه؟.. ده أنا هعمله كل اللي عاوزه.
دالين بضحكة:
خلاص سيب الموضوع ده عليا أنا وفراس.
لؤي بابتسامة رضا:
أشوفكوا في بيت العدل يا رب.
ضحك ثلاثتهم بمرح قبل أن يغادر لؤي لعمله وهو يتذكر ذاك اليوم الذي دلف به لغرفة فراس في المستشفى بعدما أنهى تلك القضية.
دلف إلى المستشفى لتقابله دالين التي ابتسمت بهدوء وهي تقف أمامه:
عامل إيه يا لؤي؟
لؤي:
كويس بس.. بس قلقان.
دالين:
من مقابلة فراس؟
لؤي بتأكيد:
مش متأكد هيتقبلني ولا لأ.
دالين:
يتقبلك؟!.. انت عارف أول مرة فراس يفتحلي قلبه قالي إيه؟
لؤي:
إيه؟
دالين:
كان جاي تعبان أوي.. الدنيا مقفلة في وشه جامد.. المهم لما قعد معايا ما حكاش عن أي وجع جواه غير عن وجعه من بُعد فارس عنه.. حكالي إزاي فقد أخوه ويومها بكى من قلبه.. قالي ما قدرتش أعمل حاجة وما قدرتش أحميه.. قالي إنك كنت رافض تنزل اليوم ده وهو أصر عليك.. وشال نفسه المسؤولية وإن هو السبب في كل اللي حصلك.. فراس بيحبك فوق ما تتخيل يا لؤي.
لؤي بتنهيدة:
من قبل ما يعرف إني أخوه جالي وحكالي عن حبه ليكي.. وكنت أنا أول حد يعرف.. لا.. هو أنا الوحيد أصلاً اللي عرف.
دالين بابتسامة:
طب هو كده لما ارتاحلك من غير ما يعرف إنك أخوه.. ما بالك بقى وانتوا إخوات.
لؤي بتنهيدة:
خلينا نشوف.
دالين:
يلا اطلعله.. وأنا هجيب أكل وأجي.
أومأ لؤي بهدوء قبل أن يذهب لغرفة فراس.
طرق بهدوء حتى أتاه صوت فراس يأذن له بالدخول. فتح الباب بهدوء ودلف ليجد عيني فراس معلقة عليه.. لكن نظرته مختلفة.. ترى ما تلك النظرة؟.. ماذا يقصد بها؟
لؤي بهدوء:
آه.. حمد الله على سلامتك.
فراس بابتسامة خفيفة:
الله يسلمك.
لؤي وهو يقترب بهدوء:
فراس أنا..
قاطعه فراس حينما مد يده إليه.. فلم يفهم لؤي ماذا يريد فأشار برأسه علامة.. ماذا تريد؟
فراس وهو ينظر له بحنق:
هات إيدك يا بني آدم.
مد لؤي يده باستغراب لكن زاد استغرابه حينما جذبه فراس بقوة إليه وضمه إلى صدره وهو يتمتم بخفوت:
وحشتني يا قلب أخوك.
أدمعت عينيهما فأحاطه لؤي هو الآخر وهو يتمتم:
مش أكتر مني يا شحط.
أبعده فراس بغيظ:
مش خير؟!
لؤي بضحكة:
خير طبعًا.. أنا الكبير وبراحتي.
بدآ في الاندماج معًا حتى انضمت لهما دالين وبعدها السيدة جومانا والسيدة جنات التي رحبوا بها بينهم وأصبح لديها ستة أبناء الآن وليس واحد.. لؤي وشدا.. فراس ودالين.. عمرو وغرام.. لم يشعرها أي منهم بأنها غريبة عنهم أبدًا.
انضمت غرام أخيرًا والتي أضافت جوًا من المرح إلى المكان.
قفزت فوق لؤي وهي تعض أذنه مما جعله يقف لثوان غير مستوعب لما تفعل.. لكن آلمه عضتها فتحرك بها وهو يصيح:
يخربيت كده بتوجع انزلي انزلي.
ضحك فراس عليه وهو يتمتم:
اشرب بقى.
أفاق من شروده حينما وصل لقسم الشرطة فدلف بهدوء لينهي أعماله باكرًا ليعود ويجهز لمقابلة شدا.
بينما بقيت دالين وفراس يخططان لما سيفعلانه من أجلهما.
رواية ضمير ميت الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم دنيا آلشملول
كانت تجلس على حافة سور الشرفة تتحدث إليه بابتسامة عريضة. لقد مر أكثر من أسبوع وهما يتهاتفان سويًا. اقتربا من بعضهما بشكل كافٍ ليعرفا جوانب شخصيتيهما.
شادي: سندس شوية وأكلمك.. عندي شغل ضروري.
سندس بهدوء: أوك.. خلي بالك من نفسك.
شادي بابتسامة: وانتي كمان.
أغلقت معه ومن ثم وضعت الهاتف تجاه قلبها وهي تبتسم بسعادة. إنه حقًا رجل رائع. لقد أصبح النبض له.. باسمه فقط.
دلفت لغرفتها وبدلت ثيابها استعدادًا للذهاب للعمل. أخرجت ملابسها الرسمية وارتدتها على عجل حينما وجدت الساعة تشير للعاشرة. سيقتلها لؤي فهو أكد عليها الحضور في التاسعة لإنهاء العديد من المهام لأنه يود التفرغ نهاية اليوم.
خرجت من المنزل سريعًا بعدما قبلت جبين والدتها بحب. استقلت سيارتها وذهبت حيث قسم الشرطة. وصلت ودلفت للقسم وهي تقوم بلف شعرها للخلف لتدخله في تلك الماسكة بيدها. فأكثر ما تكرهه هو أن تنساب خصلاتها أثناء العمل.
وصلت حيث مكتب لؤي ودلفت دون أن تطرق الباب وهي تتحدث بسرعة:
آسفه.. آسفه.. آسفه.. اتأخرت عارفة بس غصب عني.. أنا جايه بأكبر سرعة.. حتى نسيت ألم شعري.
لؤي وهو ينظر لها رافعًا إحدى حاجبيه:
أسفك مش مقبول.. ودلوقتي هتتكفي على الورق ده تخلصيه ومش هتتحركي من هنا قبل ما يخلص.
سندس وهي تزفر بإرهاق:
لؤيييي.
لؤي بجدية:
مفيش لؤي.. يلا خدي شغلك وعلى مكتبك.
ضربت الأرض بقدمها بغيظ ثم أخذت الأوراق وخرجت. ولكن قبل أن تغلق الباب نظرت له بجانب عينها وهي تتمتم:
روح يا شيخ.. إلهِ ما تعرف تشوف شدا ولا يصفالك الجو معاها دقيقة حتى.
ألقى بقلمه عليها وهو يتحدث بحنق:
أقسم بالله ما ناقصة هي.
أغلقت الباب قبل أن يصلها القلم وهي تضحك. لقد أغاظته.
بينما ابتسم لؤي بتمني. فراس ودالين سيهتمان بالأمر. يثق بهما حقًا.
***
أنهت عملها بالجريدة وهي تزفر بإرهاق. اقترب منها حازم متمتمًا بهدوء:
شدا.. عايز منك خدمة.
شدا:
إرغي.
حازم:
عايز أخرج أنا وبدور شويه.
شدا بحنق:
مش عايزني أرتبلك جو رومانسي بالمرة!
حازم بابتسامة وتلقائية:
ياريت.
نظرت له ليبتلع ابتسامته وهو يحك مؤخرة رأسه ببلاهه:
اا.. أنا أقصد يعني.. هاخدها ونتمشى شوية.. مش هأخرها والله بجد.
شدا بتفكير:
أوك.. مفيش مشكله.
حازم:
هو أونكل مسعد جاي امته؟
شدا بلامبالاه:
آخر الأسبوع.
حازم:
تمام جدًا.. طب أنا هطير بقا عشان أشوف هظبط اليوم إزاي.
شدا بابتسامة:
ماشي يا عم.. طير.
ألقى لها قبله في الهواء ثم غادر سريعًا لتضحك عليه وهي تتنهد براحة. الآن بإمكانها الإطمئنان على شقيقتها. فلديها شخص رائع كـ حازم يحبها. ويرتب لخطبتها في القريب العاجل.
أنهت عملها وعادت للمنزل واستلقت إلى فراشها بهدوء. شردت في سقف الغرفة وهي تتذكر لؤي. لم تره منذ فترة طويلة. وأيضًا محادثاتهما لا تأتي سوى صدفة. ترى كيف حاله الآن؟ وكيف يحيى في عالمه الجديد؟ هل اتخذ قرارًا بأن يعيد نسبه لرأفت الصاوي ليصبح فارس الصاوي؟ هل يتذكرها ويفكر بها.. أم أنها فتره في حياته وها قد مرت وانتهت؟
تنهدت بإرهاق. فهي ليست لديها الجرأة الكافيه لأن تهاتفه وتسأل عن كل ما يدور بعقلها من أسئلة.
كادت تغفو إلا أن صوت هاتفها أجفلها لتنظر له بأعين شبه مفتوحة وأجابت بهدوء:
دالي؟!
فراس:
شدا.. دالين تعبانة.. ومحتاجاكي.
انتفضت شدا من مكانها وهي تنتشل حقيبتها استعدادًا للذهاب:
مالها؟.. في إيه؟.. وهي فين؟
فراس:
في البيت عندي.. تعبت فجأه.. وبصراحه ماما مش هنا ولا لؤي.. وأنا يعني.. عشان.. اا.
شدا وقد تفهمت الأمر:
أنا في الطريق.. مسافة السكه وأكون عندك.
أغلق فراس معها وابتسامة ماكرة تعلو ثغره.
دالين بقلق:
ياريتنا جبناها بطريقة أفضل.. خايفة تتهور.
فراس:
لو حصل واتهورت.. لؤي يلمها.
لؤي من خلفهم:
هي مين دي اللي تتهور وألمها؟
دالين:
فراس جايب شدا علي ملى وشها وقالها إني تعبانة.
لؤي:
دي طريقة يا بني آدم؟!
فراس بلامبالاه:
إذا كان عاجبك.
لؤي:
طب انا هعمل إيه دلوقتي.
وقفت دالين واتجهت للڤيلا وهي تتمتم:
تعالى معايا.
دلف لؤي لتخرج دالين علبة قطيفة سوداء من حقيبتها وتُعطيها له.
لؤي:
إيه ده؟
دالين:
تعالى بس.
دلف خلفها للغرفة. لتشير دالين إلى الفراش متمتمة:
ده فستان.. لما شدا تيجي.. مش هيكون في حد هنا غيركم.. أنا وفراس هنمشي دلوقتي.. وانت هتقابلها وتعتذر عن الطريقة اللي جبتها بيها.
لؤي وهو يشير لنفسه:
أنا؟
دالين:
انجزي يا لؤي.. ولا تحب ننهي الحوار؟
لؤي بسرعة:
لا لا كملي.
دالين:
المهم أنا وفراس اهتمينا بجو رومانسي في الجنينة.. بعد ما هنخرج هنطفي الأنوار الأساسية وهنسيب الاضواء الفرعية.. هتخليها تدخل تلبس الدريس ده.. ولما تخرج هتقدملها العلبة دي.. وطبعًا أكيد مش محتاج أقولك تقدمها إزاي.
لؤي ببلاهة:
لا مش عارف بصراحه.
دالين:
شوف.. ده عقد أوك.. فصوصه تشبه فصوص الدريس.. وانت بتقدمهولها تبقى باصصلها.. واللي في قلبك بقا قوله في الموقف ده.. قلبك هيتكلم لوحده.
لؤي:
دالين.. أنا هبوظ الدنيا.
دالين بيأس:
اعتبر دي فرصتك الأخيرة.. وانك لو ما اعترفتلهاش دلوقتي هتضيع من إيدك. فاهمني؟.. حط نفسك قدام الأمر الواقع.. ودلوقتي لازم نمشي عشان هي على وصول.. اتصرف بطبيعتك يا لؤي.. الطبيعة ديمًا حلوه.
لؤي بابتسامة:
شكرًا أوي بجد.. مش عارف أقولك إيه.
دالين وهي تلوح بيدها:
مفيش داعي لأي كلام.. صحبتي في أمانتك.. حافظ عليها.
أنهت كلماتها مع خروجها من الغرفة واتجهت إلى فراس الذي ينتظرها بالخارج.
لم يمر سوى عشرين دقيقة وكانت شدا تصف سيارتها أمام البوابة. ودلفت للڤيلا لتجد الهدوء يعم المكان. والأضواء الزرقاء تتداخل مع الأبيض بشكل خافت مما يوحي بجو رومانسي. ظنت لوهله بأن فراس هو من فعل ذلك لأجل دالين. لذا تحركت دالفة ليقابلها لؤي أمام الباب الداخلي يضع يديه خلف ظهره ويبتسم بجاذبية ساحرة مرتديًا ذاك البنطال البيج الفاتح ويعلوه قميص أبيض. يرفع أكمامه قليلًا لتتبين ساعته البيج والذي أحضرهم له فراس وتركهم في غرفته. وخصلاته البنية الفاتحة التي تأتي للجانب من بعد المنتصف بقليل والبقية تميل للجانب الآخر ويرفعه من عند جبينه للأعلي في تسريحة أنيقة. ورائحة عطره المميزة التي تملأ المكان.
شدا وهي تزدرد ريقها بتوتر:
اا.. د دالين فـ فين؟
لؤي بابتسامة خفيفة أودت بقلبها:
مش موجودة.
شدا بعدم فهم:
إزاي؟.. فراس لسه مكلمني وقالي إنها تعبانه وإنهم هنا.
لؤي:
آسف.. معرفتش اجيبك غير كده.
شدا وهي ترمش بذهول:
كنتوا بتشتغلوني؟
لؤي وهو يقترب منها بهدوء:
ليه متقوليش إني عاملهالك مفاجأه عشان حبيت أشوفك.
شدا وقد توترت من اقترابه:
اا.. بـ بس مش بالطريقه دي.
لؤي:
ممكن أطلب منك طلب؟
شدا باستغراب:
إيه؟
لؤي بهدوء وهو يؤشر برأسه على باب الغرفة:
هناك.. في الأوضه دي.. في.. في حاجه ليكي.. ممكن تشوفيها وتسمحيلي أشوفها عليكي؟
شدا:
يعني إيه؟.. مش فاهمة.
لؤي:
في فرح غرام.. ملحقتش أشوفك بالفستان كويس.. ممكن أشوفك بيه النهارده؟
شدا بارتباك:
بـ بس اا أنا..
لؤي مقاطعًا:
شدا.. من فضلك.
أماءت شدا باستسلام ليفسح لها الطريق. دلفت للغرفة بهدوء وقد تفاجأت حقًا بفستان رقيق أمامها وعلبة ميك آب وحذاء ذو كعب عالي. هل فعل كل هذا من أجلها؟
اقتربت بابتسامة وارتدت ذاك الفستان بهدوء ثم وضعت لمسات خفيفة من الميك آب وتركت العنان لخصلاتها البنية كي تنساب على كتفيها وظهرها بنعومة.
خرجت من الغرفة لتجده ينتظرها في مكانه. وقد أخذته هيأتها حقًا. إنها تبدو ساحرة. فهي ترتدي فستان بأكمام تصل للكوع شفافة من اللون الكحلي. ضيق من الصدر حتى الخصر من اللون الفضي الذي يتزين بفصوص كحلية. وينزل من الخصر إلى الأسفل باتساع. وهو عبارة عن طبقات عده من قماشة التول السادة باللون الكحلي. وفي يدها إسورة فضيه. بحذاء فضي كذلك.
اقترب منها بهدوء وعينيه لم تنحدر عنها في حين تقف هي بارتباك. تقدم حتى وقف أمامها مباشرة. ليخرج تلك العلبة السوداء من خلف ظهره ويقدمها لها بعدما فتحها بهدوء لتتبين منه تلك القلادة الفضية المرصعة بفصوص كحلية شبيهة فستانها.
ابتسمت بهدوء ليخرج القلادة بينما ولته ظهرها ليعقدها لها. وما إن انتهى حتى التفتت له بارتباك ليمد يده لها فأمسكت بيديه وتقدم بها حيث العشاء البسيط بجانب من جوانب الحديقة.
جلسا بهدوء لتصدح بعدها الموسيقى الهادئة والتي تعجب لؤي لها. فمن المفترض أن لا أحد سواهما هنا. وهو لم يقم بتشغيل أي موسيقى. كيف حدث إذًا.. لم يعط الأمر أهميه وبدآ في تناول العشاء بهدوء. وعينا لؤي لم تنحدر عنها أبدا. بينما كان الارتباك والتوتر يتآكلانها. فتارة تنظر له وتارة تنظر للطبق القابع أمامها وأخرى تجول بعينيها حولهما. حتى انتهيا أخيرا.
لؤي بهدوء:
شدا.. أنا أعرفك من مده قليلة.. لكن.. لكن.. حاسس إن.. يعني نعرف بعض من وقت أطول من كده.. و.. وبصراحة أنا.. يعني.. اا.
قاطعهما صوت سيارة دلفت للڤيلا ليغمض لؤي عينيه بنفاذ صبر. ثم مسح على وجهه وشعره بامتعاض. نظر لشدا التي تكتم ابتسامتها بغيظ وأخذ يتمتم بامتعاض غير مفهوم حتى وصل لمسامعه صوت تلك المشاكسة التي أتت ركضًا تجاههما وهي تقفز إلى لؤي تعض أذنه.
لؤي:
انتي أي حكايتك مع عض الودان بالظبط؟
غرام بضحكة:
ياسيدي بحبك.. اللاااه.
لؤي:
حب أسود ومنيل بستين نيله.
اقتربت غرام من شدا واحتضنتها بود وهي تتمتم:
وحشتيني.
بادلتها شدا بهدوء:
وانتي كمان.
عمرو:
هاي شله.. أمال فين فراس ودالين والبقيه؟
لؤي رافعًا حاجبه بعدم فهم:
بقية إيه؟
عمرو بتلقائية:
فراس كلمنا وقال إن فيه سهرة الليلة على فيلم كوميدي.
لؤي وهو يضغط أسنانه بغيظ:
فراس الزفت.
فراس وهو يقترب بابتسامة واسعة:
أهلا أهلا نورتوا.
نظر لؤي تجاهه بغيظ وتوعد. بينما اقتربت غرام منه واحتضنته بشوق فبادلها إياه قبل أن يصافح عمرو وتتعانق غرام ودالين.
اقترب لؤي من فراس وهو يتحدث كازًا علي أسنانه:
أفهم حالا اللي عملته ده.
فراس بابتسامة وكأنه لم يفهم:
ابدا.. قلت نعمل لمه ونسهر سهره حلوه.. مش انت كان ده قصدك؟
لؤي:
والله ما هعديهالك يا فراس.
ضحك بصخب وهو ينظر للؤي الذي يشتعل من الغضب وضرب كتفه بكتفه بخفه:
فوك بقا متبقاش إتِم.
لؤي:
ابعد عن وشي.
حضر البقية حيث أتت فاتن مع عاصم وسندس مع شادي وبدور مع حازم. قام فراس ودالين بوضع مفرش طويل على العشب ثم قام الجميع بإحضار المسليات التي جلبوها معهم وبدأوا بترتيب أماكن الجلوس بينما وقف فراس وعمرو يهتمان بأمر تشغيل الشاشة الكبيرة مع البروجكتور.
وأخيرًا بدأ الفيلم.. وانطفأت الأضواء. كان الجو ملئ بضحكاتهم التي تخرج من القلب مباشرة. وكل عاشق منبهر بمعشوقه وطريقة ضحكته. انتهى الفيلم بعد ساعتين تقريبًا ليعود كل منهم إلى منزله بمشاعر متجدده وقلوب تنتعش بالحب.
***
كانت روح تعمل بالمكتب الخاص بها فإذا بباب غرفتها يطرق ليدلف شريف بتوتر.
روح بهدوء:
شريف؟.. خير.. في حاجه؟
شريف متحمحمًا بخفوت لينظف حلقه:
اا.. أبدا.. أنا.. أنا كنت جاي ااا.. يعني...
روح:
في إيه يا شريف.. حد من الولاد حصله حاجه.
شريف باندفاع:
روح.. تقبلي تتجوزيني؟
روح وهي تنظر له في ذهول:
إيه؟
شريف وهو يأخذ شهيقًا طويلًا:
حاولي تفهميني.. انتي يمكن محستيش بحبي ليكي طول الفترة اللي فاتت دي.. بس أنا عمري ما كنت هعترف بحبي ليكي وانتي على زمة أخويا.. وبعدها دورت عليكي في انجلترا عشان اعترفلك باللي في قلبي ليكي لكن كنتي اتجوزتي.. وبعد ما رجعتي محسستكيش بأي شئ.. بس.. بس مبقتش قادر يا روح.. إحنا الحمد لله اتطمنا على بنتي وابنك مع بعض.. وشادي ربنا كرمه ببنت الحلال اللي دقلها قلبه.. نشوف نفسنا بقا.. أنا شاريكي.. وصدقيني لو ردك بالرفض عمر ما في حاجه هتتغير أبدًا وهنفضل أصدقاء.
روح بتلعثم:
ااا.. انت فاجئتني.
شريف:
خدي وقتك يا روح.. وأيًا كان قرارك.. أنا متقبله.
كان على وشك الذهاب ولكن أتاه صوتها:
شريف.
استدار شريف إليها لتتحدث وهي تنظر للأرض بخجل:
أنا.. أنا موافقة.
شريف بفرحة:
بتتكلمي جد؟!!
روح بإماءة وابتسامة:
طبعًا جد.
شريف بفرحه حقيقية:
وأنا بوعدك إنك عمرك ما تندمي على قرارك ده.
روح:
أنا واثقة من كده.
أماء شريف بابتسامة قبل أن يذهب بهدوء لتضم روح يديها إلى قلبها بسعادة وهي تتمتم:
يا ما إنت كريم يا رب.
***
مر على الجميع يوم آخر هادئ. حتى أتى يوم معرض غرام المنتظر. كانت تتجهز من أجل المعرض والجميع يساندها ويشجعها. بدأ المعرض والناس بدأوا بالتوافد. كان الارتباك والتوتر يسيطر عليها تمامًا. ولم يبخل أيًا من عمرو أو فراس أو لؤي في منحها الأمان.
كان ثلاثتهم بجانبها يدعمونها حتى انقضت الليله على خير. وقد نالت لوحاتها استحسان لم تتوقعه ابدًا. كانت غاية في السعادة. وقرر الجميع الاحتفال بها. نظموا لرحلة تجمعهم معًا وبالفعل استقلوا سياراتهم.
أخبرهم عمرو بأنه سيسمح لهم بيومين فقط وبعدها لا يريد أن يرى وجه أحد منهم. فهو لم يحظى بشهر عسل مع غرامه. وبالتأكيد لن يُسمح له بإجازة أطول من شهر. مر على زواجهما ثلاثة أسابيع تقريبًا. ولم يتبقى له سوى ثلاثة أيام أو أربعه على الأكثر. ليستغلهم إذًا لهما فقط.
ركبت فاتن بجانب عاصم في سيارته. وكذلك دالين بجانب فراس وبالطبع لن يُضيع لؤي فرصة كهذه كي يقطع خلوة فراس بدالين حتى وإن كان سيخسر خلوته بشدا. فأصر على الذهاب معهما وبرفقته شدا. وبدور مع حازم وسندس وشادي ركبا معهما. كان الطريق طويلًا بعض الشئ لكنهم كانوا يتمازحون أحيانًا ويقفون في استراحه ليتناولون شيئًا. وأحيانًا يترجلون على الطريق ليأخذوا صورًا لهم معًا.
وصلوا أخيرًا حيث الشاليه الذي حجزوه. ودلف الشباب جميعًا إلى جناح وبالطبع لم يوافقوا على أن يأخذ عمرو جناح خاص به مع غرامه وحدهم. فبقيت غرام مع الفتيات في جناحهم.
أخذوا قسطًا من الراحة. وكانت دالين أول من نزلت للأسفل لتجد الشباب يجهزون لحلقه كبيرة للجلوس.
دالين بابتسامة:
أي مساعدة؟
اقترب فراس منها سريعًا وكاد يتعثر في لؤي لكنه لم يعطه بالًا وأكمل طريقه إلى دالين وهو يبتسم ببلاهه:
صحيتي بدري ليه؟
دالين:
أبدًا.. خدت كفايتي.
لؤي من خلفهم:
والنبي يا خي إغصب عليها تطلع ترتاح شوية لحسن رجليها تشد عليها ولا دماغها تتقل وتقوم تنام وتسيبك تخبط أخماس في أسداس.
ضحك جميعهم على حديثه ليضحك فراس باستخفاف:
ها ها ها.. لا خفيف تصدق.. ما بلاش إنت لحسن إنت الملف بتاعك فيه سوابق.
حازم ضاحكًا:
أنا بقول نركز في الفواكه اللي داخله علينا دي بدل ما انتوا قاعدين تلقحوا على بعض كده.
تحرك عمرو سريعًا وانتشل غرام من بينهم ليرفعها عن الأرض ويركض بها متجهًا للشاطئ.
غرام وهي تصرخ بفرحه:
اوعي.. اوعي.. ترميني في الميه.. اوعي.. هصووووت.
عمرو وهو يرفعها تجاه المياه وكأنه سيقذفها فتتشبث بعنقه دافنه رأسه بتجاويفه:
عموري.. عشان خاطري.. عشان خاطري.. لا.
عمرو وهو يحكم قبضته عليها ليضمها أكثر إليه:
قلب عمورك مينفعش تخافي وأنا معاكي أبدًا.
غرام:
متكسفنيييش.
بينما تحرك لؤي تجاه شدا وهو يتمتم في ضجر:
تعالي يا حظي.. تعالي.
شدا:
إيه حظك ده؟!!
لؤي:
والنبي ما تجريني إني أقولك كلام كله مشاعر لحسن معرفش المصايب بتهل على دماغي من حيث لا أدري وقتها.
ضحك الجميع على حديثه قبل أن يعود عمرو وانضموا جميعًا في حلقة حول الطعام وبدأوا بتناوله حتى انتهوا.
أخذ شادي سندس ليسيرا قليلًا إلى الشاطئ. وعمرو أخذ غرام إلى جناح الفتيات خلسه حتى لا يقفوا ضده. ولؤي أخذ شدى إلى حمام السباحة. ليستجموا هناك فهو المكان المفضل لدى لؤي. في حين ذهبت بدور مع حازم حيث مكان تواجد الألعاب. أما فراس ودالين فلم يغادرا مكانهما.
(عند حازم)
حازم بهدوء:
بدور.
بدور بانتباه:
هممم.
حازم:
تقريبًا كده كل الظروف متاحه قدامنا.
بدور بعدم فهم مصطنع:
بالنسبه لـ إيه؟
حازم بغيظ:
بت انتي.
بدور بضحكة:
خلاص خلاص.. بابا جاي بعد يومين.
حازم:
ياااامسهل.
بدور بابتسامة:
قولي يا حازم.. هو انت بتحبني ليه؟
حازم بجانب عينه:
نعم يا روح أمك؟
بدور بتصحيح:
لا.. يعني.. إيه اللي حبيته فيا.. كده يعني.
حازم بتنهيده:
الحب ملوش أسباب يا بدور.. أنا بحبك من زمان أوي.. بحب حركاتك الطفولية اللي بتفضل ملزماكي مهما عدا عليكي الوقت.. بحب ضحكتك الفُضَحيَّة اللي بتلحقيها بإنك تحطي إيدك على بوقك بسرعة تكتميها.. بحب رمشاتك السريعة لما تكون في حاجه مش فهماها.. بحب رفعة شعرك اللي بتقلبيه كله على الجنب الشمال بحركة عفويه مش مقصودة.. بحب سرحانك وانتي رافعة حاجب واحد.. بحب توترك لما بتقفي تبلعي في ريقك طول الوقت وتعضي شفايفك.. بحب ابتسامتك لما تبقي مكسوفة واللي بتلحقيها بوش خشب عشان تداري كسوفك.. بحب نظراتك ليا اللي كنتي بتخطفيها لما نكون سوا.. بحب كل حاجة فيكي.. صغيرة وكبيرة.. بحبك عشان انتي بدور يا بدور.
بدور وهي تنظر له بعيون دامعة:
وأنا بحبك.. بحبك أوووي والله.
حازم بابتسامة واسعة:
وأخيرًا نطقتي.. وأنا بعشقك.. وكلها أيام بسيطة وتكوني ملكي لوحدي.
بدور بخجل وهي تضربه على كتفه بخفه:
بس خلاص بقا.
حازم وهو يضرب كتفه بكتفها:
يوه.. مش بقول اللي في قلبي.
بدور بضحكه:
خلاص.. وعرفت اللي عايزه أعرفه.
وصلا حيث مكان الألعاب المخصص وبدآ يمرحان معًا بضحكات عالية تخرج من قلبيهما بصدق.
(عند شادي)
أخذا يسيران على الشاطئ بهدوء وصمت. حتى أمسك بيدها وأكملا سيرهما بصمت. وصلا حيث صخرة كبيرة فجلس شادي إليها وأسند ظهره وفعلت سندس مثله. الصمت هو السائد.
قاطعه شادي وهو يتحدث بابتسامة:
بت يا سندس.
سندس:
بت في عينك.
شادي بضحكة:
انتي بنت قلبي.
سندس بخجل:
شااادي.
شادي بغمزة:
يا حلاوتك يا أبيض لما بتحمر.
سندس وهي تضربه على ذراعه:
اتلم بدل ما إنت حر.
شادي وهو يقرب يدها من فمه طابعًا قبلة هادئة فوق يدها.
سندس بتوتر:
شـ شادي.
شادي:
ما انتي مش راضية ترحمي أمي ونتجوز.. يابنتي والله أنا راجل دوغري وشهم وقد كلمتي واعجبك أوي أوي يعني.. عندي شقتي وعندي شغلي وعربيتي والعروسة موجودة.. حني عليا يحنن عليكي ربنا.
سندس بعد فترة صمت:
مـ موافقة.
شادي:
موافقة!!.. احلفي بالله كده واصدقك.
سندي:
والله موافقة.
ركض إلى الشاطئ وهو يصيح بسعادة:
وافققققققت.. يا هووووو.
سندس بضحكة:
بس يا مجنون الناس.
شادي وهو ينظر إليها بحب:
ولا يهمني أي حد.. انتي كل الناس في عيني.
سندس وهي تدور بعينيها في المكان:
ربنا يخليك لقلبي.
شادي بتنهيده:
اااه.. الحب ده ابن كلب والله.
سندس وهي تناطره بغيظ:
لا والله!
شادي وهو يبتسم بغمزة:
لا لا والله ده عسل.. ده سكر.. ده ده ده الحب هو انتي أصلا.
وبقيا هكذا تارة يسيرون وتارة يجلسون ويتحدثون في أمور مختلفه ويضحكون أحيانًا.
(عند عمرو)
كانت تتوسد صدره العاري وهي تحرك إصبعها عليه نزولا وصعودًا والابتسامه تعلُ شفتيها.
عمرو:
مبسوطه؟
غرام بتنهيده:
أوي أوي.. عارف يا عمرو.. عمري ما كنت أتخيل السعادة اللي أنا فيها دي دلوقتي.. فراس معاه دالين وبيحبوا بعض أوي.. رغم رفضه التام للإرتباط لكن دالين دخلت قلبه وشايفه سعادته بيها.. فارس أخويا بعد سنييين رجعلنا تاني بفضل ربنا.. آه هو مخدش علينا أوي ومش مع بعض زي أي إخوات بس بحاول على قد ما أقدر ما افرقش في المعاملة بينه وبين فراس أبدًا.. وكمان حبه لشدا اللي باين في عينه أوي.. سعيدة بجد علشانه لإنه لقى الأم اللي اتعوضه عن طفولته.. وبقى حاجة كويسة أوي في المجتمع ولأنه عنده صاحب زيك عوضه عن أخوه.. وعشان لقى الحب في عيون شدا.. فرحانة عشان أنا معاك.. عشان بحبك وبتحبني.. فرحانه عشان شادي وسندس وبدور وحازم.. فرحانه بجد ياعمرو وفرحتي نفسي أوصلها للكون بحاله.
عمرو بمكرو:
طب ما توصليها.
غرام وهي ترفع رأسه عن صدره وتنظر له وهي تمد شفتيها للأمام علامة التذمر:
بتتريق عليا!
عمرو وهو يميل عليها:
أنا الكون يا روحي.. وصليلي أنا..
لتضحك غرام بقوه قبل أن يذهبا معًا في جنتهما التي تجمعهما معًا مع فراشات الحب وورود الغرام.
(عند فراس)
بقي كلاهما ينظران للبحر في شرود حتى قاطع هذا الشرود صوت دالين:
فراس.
فراس بتلقائية:
قلبه.
دالين بابتسامة:
بتحب البحر؟
فراس بتفكير:
اممم.. بحب بحر واحد بس.
دالين بعدم فهم:
بحر واحد إزاي؟
فراس وهو ينظر لعمق عينيها:
بحر عيونك الزرق.. بحب بحر عنيكي انتي.. بحب أفضل شايفهم قصادي.. بحب لمعة حبك ليا فيهم.. بحب لمعة السعادة فيهم.. لو عيونك بحر بجد كنت غرقت جواهم.
دالين وهي ترمش عدة مرات بتوتر:
ااا.. أنا.. أنا بتكلم عـ عن البحر د ده.
قالتها وهي تشير إلى البحر أمامهم.
ليبتسم فراس بعبث:
وأنا بتكلم عن البحر الخاص بيا لوحدي.. البحر اللي هناك ده متاح للجميع.. أما اللي أنا باصلله ده فبتاعي لوحدي.
دالين وهي تزدرد ريقها وتعود للخلف قليلًا:
اا انت.. انت موترني.
فراس بضحكة:
طب ما تيلا.
دالين بعدم فهم:
يلا إيه؟
فراس:
نتجوز.
دالين بتلعثم:
ااا نـ نـ اه لـ لـ.
فراس وهو يمسك بيدها:
وقت ما نرجع من هنا أنا هطلبك وأكتب كتابي عليكي.. أنا معنديش استعداد ابدًا أبعد عنك أكتر من كده.. دالين.. أنا محتاجك جنبي.
دالين بابتسامة:
وأنا كمان.
فراس وهو يضرب كتفه بكتفها:
وانتي كمان إيه؟
دالين:
بحبك وعايزه أكون جنبك.
فراس وهو يقبل جبينها بعمق:
مفيش حاجه في الدنيا تفرق بينا يا قمر سمايا.
ابتسمت له بحب قبل أن تُريح رأسها على كتفه وهي تنظر للبحر بتنهيدة راحة وسعادة حقيقيه. فهو سعادتها لا محاله.
(عند لؤي)
جلسا أمام البسين واضعين نظارتيهما فوق عيونهما ويحمل كل منهما عصير فروت طازج.
لؤي وهو يأخذ شهيقًا طويلًا:
أخيرًا مفيش إزعاج.. أخيرًا قدرت استفرد بيكي.
شدا:
تستفرد بيا؟!!!
لؤي بابتسامة:
اوعي دماغك ترمي شمال.. أنا أقصد قعدنا لوحدنا يعني من غير زن الشله.
شدا بابتسامة:
أيوه.
لؤي:
هيييح.. شوفي بقا يا شدا.. أنا بقالي يطلع شهر محشور في زوري كلمتين كل ما أجي أقولهملك ينطلي حاجه تاخدني من وشك.. لحد ما بقيت حاسس إن حد باصصلي في الكلمتين دول.. وعشان كده أنا قررت أغيرهم وأجبهملك من الآخر كده في كلمة واحدة.
شدا بترقب وشغف لسماعها منه:
أي هي؟
قبل أن ينطق لؤي كان هاتفه يعلن عن اتصال من اللواء أمجد. نظر لؤي إلى الهاتف وكاد يبكي على حظه العثر معها. الآن يقسم بأنها منحوسة. أمسك بهاتفه بعصبية وأجاب بضيق:
ألو.. يا فندم.
أمجد:
لؤي.. جريمة جديدة وعمرو في إجازته لسه وسندس مش عارف أوصلها.. ساعة بالكتير وتكون قدامي.
لم يعطه اللواء فرصة للرد وأغلق الهاتف. لينظر لؤي تجاه شدا التي تنظر له بغيظ وأعين تشتعل غضب. فتمتم:
مهمة جديدة واللوا عايزنـ...
لم يتمم جملته فإذا بشدا تنتشل الهاتف من يده وتلقيه بالماء وهي تتحدث بضيق:
مش هتتحرك من هنا.. سامع.. مش هتتحرك.
وقف لؤي ورفع نظارته عن عينه لتفعل هي المثل. وبدأ في السير نحوها لتتحرك للخلف كردة فعل وهو يسألها:
انتي إيه اللي عملتيه ده؟
شدا:
اا.. أنا.. أنا مقصدش... أنا بس اتضايقت و.. أنا.. عاااااااا.
لم تستطع التحدث بسبب سقوطها بالماء ليضحك لؤي بقوة على مظهرها وهو يشير إليها ويستند بيديه إلى ركبتيه وهو يقول من بين ضحكاته:
شكلك ههههه يموت هههه من هههه الضحك ههههه مش هههههه قادر هههههه.. اااه.
انتهت ضحكته حينما رفعت شدا نفسها قليلا ثم جذبته من ملابسه ليسقط هو الآخر بالماء:
أي اللي عملتيه ده يا مجنونة.
شدا:
انت اللي بدأت.
لؤي:
وانا مالي.. انتي اللي نحس.
شدا:
أنا مش نحس.. ودلوقتي بقا قول الكلمة اللي عايز تقولها قبل ما يطب علينا حد.
اقترب لؤي من حافة البسين وجلس إليها ونظر لها وهي تجلس على الحافة الجانبية له ليتمتم بهدوء:
تتجوزيني يا شدا؟
شدا بذهول.. فهي لم تتوقع هذا.. لقد انتظرت أن يقول بأنه يحبها.. أو يعترف بمشاعره.. لا أن يطلب الزواج مباشرة:
بـ بتقول إيه؟
لؤي بابتسامته الساحرة:
بقولك تتجوزيني يا شدا؟
بقيت تجول بعينيها في المكان لثوانٍ قبل أن تتمتم:
طبعا.
ازدادت ابتسامته اتساعًا وبدأ يرشها بالماء لتفعل هي المثل وهما يضحكان بسعادة.