تحميل رواية «ضمير ميت» PDF
بقلم دنيا آلشملول
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت تجلس فوق أرجوحتها المرفقة بداخل حديقة الفيلا، تقرأ كتاب "امرأة من طراز خاص". رغم كونها قد قرأته مرارًا وتكرارًا، إلا أنها تعاود قراءته في كل مرة وكأنها المرة الأولى. وبينما هي على حالها حاملة في يدها كوب النسكافيه الذي تفضل ارتشافه أثناء قراءة الكتب، فإذا به يحاوطها من الخلف طابعًا قبلة رقيقة فوق رأسها مستنشقًا عبير خصلاتها. ابتسمت بهدوء وهي تغلق الكتاب وتضع كوب النسكافيه أمامها، واستدارت إليه لتتقابل عسليتيهما. غرام: - أحلى صباح في الدنيا على أحلى فروس في الكون. ضحك فراس بقوة رافعًا رأسه ل...
رواية ضمير ميت الفصل الحادي عشر 11 - بقلم دنيا آلشملول
الحلقة الحادية عشر:
جلست بجانب أختها في المساء وأخذت تعبث بمفاتيح السيارة تارة، وهاتفها تارة أخرى.
بدور بضيق:
صدعتيني يا شدا، بطلي بقا.
شدا:
بدور، عايزة مساعدتك.
بدور بعدم فهم:
في إيه؟!
شدا:
تمثيل.
بدور:
نعم يا اختي؟!
شدا:
أنتِ أكتر حد أثق فيه يا بدور، بصي إحنا عايزين نعرف اللي بيحصل جوه مستشفى الصاوي. لؤي الظابط اللي ماسك قضية دالين عايز يعرف كل حاجة بتحصل جواها، وهيساعدنا نلاقي دالين.
بدور بتهكم:
حاجة قصاد حاجة يعني؟! على فكرة بقا ده شغله أصلاً، إحنا مش مجبرين نعمله حاجة. وبعدين ده ظابط المفروض...
قاطعتها شدا بنفاذ صبر:
بدور، أنا مش جاية آخد درس، أنا جاية أطلب مساعدتك. في شك تجاه فراس إنه يعرف مكان دالين، والظابط عرف حاجات وعايز يتأكد منها جوه المستشفى، فهمتي ولا لسه؟!
بدور:
وأنا إيه المطلوب مني؟!
شدا:
حلو أوي، مطلوب منك يا ستي تدخلي المستشفى دي وتظهري كممرضة عادي جدًا. ولؤي هيظبطلك ورقك كله، وهتحاولي تعرفي كل حاجة بتحصل، وده طبعًا عايزينه في أسرع وقت ممكن.
بدور:
تمام، أمتى بقا؟!
شدا بسعادة:
من بكرة.
بدور:
بسرعة كده؟!
شدا:
أيوه، استني بقا لما أبلغ لؤي.
هاتفت شدا لؤي وأخبرته بأن كل شيء لديها قد تم على أكمل وجه فأخبرها هو الآخر بأنه سيبدأ في إجراء الأوراق اللازمة لبدور وسيهاتفها مجددًا.
ما لبثت أن أغلقت مع لؤي حتى أتاها اتصال من فراس.
شدا:
ألو.
فراس بهدوء:
كل حاجة تمام؟!
شدا وهي تتحرك بالهاتف بعيدًا بعض الشيء:
أيوه، كله تمام. ودلوقتي أنا كلمت بدور ووافقت وكلمت لؤي وهيبدأ في الأوراق بتاعتها، كده باقي دور حضرتك واللي هيتمثل في إنك تقبلها.
فراس:
متقلقيش، كله هيبقى تمام.
أغلقت شدا مع فراس وهي تدعو من داخلها أن يتم كل شيء على أكمل وجه لينتهوا من كل هذا. والآن بقيت لديها خطوة عليها أن تفعلها، وهذه الخطوة لن يعرف بها أيًا من لؤي أو فراس.
عادت حيث تجلس بدور ثم استقلتا السيارة بهدوء واتجهتا للمستشفى حيث فاتن.
توالت الأيام.
خرجت فاتن من المستشفى وهيأوا لها جوًا مريحًا في المنزل حتى تتعافى تمامًا.
بينما زُرعت بدور داخل مستشفى الصاوي، وبدأت في متابعة كل شيء بدقة وقد كان فراس يساعدها في الخفاء، حتى ظنت أنها حقًا ممرضة بعدما تعلمت كل شيء في وقت قياسي.
بينما صدرت أوامر عليا بإغلاق القضية وتقييدها ضد مجهول وقد نفذ لؤي الأمر.
وتفرغ لعمله الغير معلوم بالنسبة لأحد سوى شدا التي تنقل أخبار لؤي لفراس باستمرار، لكنها تحتفظ ببعض الأشياء لنفسها دون أن تُصرح لأي منهما عنها.
في حين كان عمرو منشغل بقضايا عديدة وقلَّت زياراته لغرام وأصبحا يتحدثان قليلًا أيضًا مما أزعج غرام كثيرًا ولكن فراس لا يُعطيها فرصة لأن تحزن أبدًا.
بينما حاولت دالين أن تشغل أوقات فراغها بكل شيء يمكن أن تفعله بداخل الفيلا، ولم يذهب فراس إليها منذ أن اتفق مع حازم وشدا على ذلك، أصبحت تشعر بالوحدة حقًا.
ولا يزال كل من سمر ومراد منغمسان في قذارتهما معًا، وفاتن لم تتحدث أبدًا عما رأته، لكنها لا تتحدث أبدًا أيضًا مع والدتها وتحاول جاهدة أن تبتعد قدر المستطاع عن أي مكان قد توجد فيه.
في حين انشغل عاصم بترتيبات فيلتهما وهو يحاول التوفيق بينها وبين العمل أيضًا، فوالده قد سافر وترك عبء الشركة بأكملها عليه، وأصبح يرى شيرين أكثر الوقت بسبب طبيعة العمل، لكنها تختلق الحجج لأجل أن تتقرب إليه وهو يلاحظ هذا لكنه لا يُعطي للأمر أهمية.
بينما روح تجلس في منزلها ويتردد عليها شادي بين حين وآخر، وكذلك شريف الذي عرض عليها العمل معه في شركته وقد وافقت بعد إصرار طويل منه حتى تشغل وقتها وقد استحسنت الفكرة بالفعل وبدأت في العمل معه وأصبحا يتقابلان كثيرًا وهذا ما يجعل الروح المعنوية لشريف عالية جدًا.
أما عن رأفت فقد سافر في مؤتمر طبي خارج البلاد لأسبوعين كاملين وقد كانت هذه فرصة فراس لتنفيذ خطته التي أوشكت على الانتهاء.
كانت تنزل الدرج بدندنة عالية وابتسامة واسعة.
جومانه بحب:
كل سنة وأنتِ ضحكة منورة البيت ده كله ومدياه الروح يا حبيبة قلب ماما أنتِ.
قفزت غرام بين أحضانها بسعادة وهي تقول بمرح:
وأنتِ جنبي ومعايا يا قلب بنوتك يا رب.
جومانه:
لابسة ورايحة فين دلوقتي؟!
غرام:
عندي كام حاجة هعملها وأجي عشان أجهز لمفاجأة فراس.
جومانه:
خلي بالك من نفسك يا حبيبتي.
غرام:
حاضر يا جوجو، سلام يا شابة.
ضحكت جومانه على ابنتها التي مهما مر عليها الوقت فهي تحتفظ بمرحها وشغفها للحياة.
أخذت تدعو لها من قلبها أن يحفظها ولا يضرها فيها أو في فراس، وقد تذكرت فارس وأخذت تبكي بصمت كعادتها.
وصلت غرام لوجهتها ودلفت للفيلا وترجلت بسرعة وهي تدندن بمرح.
قابلتها السيدة ابتهال بابتسامة مرحبة:
أهلًا أهلًا بست البنات والحلوين.
غرام بابتسامة:
ربنا يخليكِ يا ست ابتهال، أمال دالين فين؟!
السيدة ابتهال:
هتلاقيها في أوضتها يا بنتي.
صعدت غرام للأعلى ودلفت للغرفة بعدما أذنت لها دالين بالدلوف وقد برقت عينيها ببريق سعادة حقيقية وهي تراها أمامها. احتضنتا بعضهما وكأنهما صديقتين منذ سنوات. ثم جلست غرام إلى طرف الفراش وجلست إلى جانبها دالين.
غرام بحماس:
بصي أنا جاية النهارده عشان ده أهم يوم في حياتي كلها ولازم تساعديني.
دالين:
أكيد لو أقدر عمري ما أتأخر.
غرام:
لا تقدري، بس ركزي معايا.
أخبرتها غرام بما تريدها أن تفعل لتنظر دالين للفراغ بشرود.
غرام بهدوء:
ها، هتساعديني؟!
دالين:
أيوه بس أنا أعمل كده إزاي، لا لا مقدرش يا غرام، حرام بجد.
غرام:
دالييين بقا، يعني هتخافي على أخويا أكتر مني؟! عشان خاطري يا دالي عشان خاطري.
دالين باستسلام:
حاضر يا ستي خلاص.
قفزت غرام بمرح وهي تُحاصر كتفي دالين بذراعيها وقبلتها في وجنتها قبلة طويلة أصدرت صوتًا وهي تبتعد.
ضحكت دالين عليها ثم بدآ في تنفيذ الخطة.
كانت تسير في رواق المستشفى تقرأ تقريرًا ما لإحدى حالات المرضى، وفجأة اصطدمت بشخص ما، فوقع الملف أرضًا. وبينما تميل لتأتي به فإذا بمن صدمها رفعه سريعًا عن الأرض ناظرًا فيه بهدوء قبل أن يقول بنبرة جادة وحادة:
التقرير ده أنا مستنيه بقالي ساعة، تقدري تقوليلي اتأخرتِ ليه؟!
بدور بارتباك نجحت في إخفائه سريعًا:
آسفة يا دكتور، بس بمجرد ما كلموني أنزل أجيبه نزلت فورًا.
وليد بهدوء:
أنتِ خدتِ الموضوع جد ليه كده، أنا كنت بهزر مش أكتر.
نظرت له بدور بضيق، أينقصها هذا المتعجرف الآن، هي تتعامل هنا مع الجميع بخروج الروح، فهي تعد الأيام حتى تخرج من هنا، فقط ستتحمل من أجل دالين.
بدور:
حضرتك خدت التقرير؟!
وليد:
أها.
بدور:
تمام، بعد إذنك بقا.
تركته في ذهوله وذهبت، هل كان ثقيل الدم معها الآن؟ لقد كان يمازحها فقط. غادر هو الآخر متجهًا لمكتبه، بينما ابتسم مهاب الذي كان يراهما من فتحة صغيرة من باب الغرفة التي كانا يقفان أمامها للتو.
مهاب في نفسه:
امممم، شكلك هتقع قريب يا وليد.
ابتسم بخبث ثم دلف مجددًا للغرفة يتابع ما كان يفعله.
كانت تجلس في غرفة ابنتها تبكي كعادتها حيث دلف إليها ماجد وقد بدا الضعف جليًا عليه.
ماجد بتعب:
حياة.
حياة دون أن تلتفت إليه:
ملكش دعوة بيا، أخرج برا.
خرج ماجد باستسلام، فمهما حاول التخفيف عنها لا تستمع إليه، هو من يحتاج لمن يخفف عنه، هو والدها أيضًا، بالإضافة لكونه يعلم أن ابنته كانت ضحية أعماله الغير مشروعة، هو من أضاعها لا غيره.
يستحق أن يشعر بما يشعر به الآن.
الخادمة راجية:
شدا هانم تحت يابيه، عايزة تشوف حياة هانم.
أماء ماجد وهو يقول بهدوء:
حياة في أوضة دالين.
غادر بعد كلماته، فدلفت الخادمة لغرفة دالين بعد عدة طرقات خفيفة وأخبرت حياة بوجود شدا.
خرجت بسرعة وهي تقول بلهفة:
شدا! لقيتي بنتي مش كده؟
اكتسى الحزن وجه شدا على الفور، تشعر بتأنيب الضمير، فوالدة دالين أصبحت شاحبة جدًا وضعيفة تمامًا وقد بدت علامات تقدم العمر تظهر عليها.
شدا بخفوت:
للأسف لا.. بس هنلاقيها صدقيني.
حياة:
يارب يا بنتي يارب.
شدا بارتباك ولا تعلم من أين تبدأ:
آآ.. هو.. آآ.
حياة:
مالك يا شدا؟!! عايزة تقولي إيه؟
شدا:
أبدًا يا طنط بس كنت عايزة أسألك عن حاجة كده.
حياة:
إيه هي.. اسألي.
شدا بهدوء:
حضرتك تعرفي واحد اسمه رأفت الصاوي؟
تبدلت ملامح حياة على الفور للبغض والغل والنفور والضيق، مما أكد لشدا بأن والدة دالين سيكون لديها طرف الخيط الذي ستتسلسل الأحداث منه.
شدا بهدوء:
إيه يا طنط متعرفيهوش صح؟
حياة:
انتي تعرفيه منين يا بنتي؟
شدا:
وصلتني معلومات مش كويسة عنه.. والمفروض أكتب عنه في مقالة جديدة.. وأنا مش واثقة أوي من المصادر اللي جابت لي الكلام ده.. فقلت أسأل حضرتك.
حياة:
وإشمعنى أنا يا شدا اللي جيتي تسأليني؟
شدا بارتباك:
آآ.. أصل أنا شفت عمي ماجد مرة وهو معاه.. فقلت ممكن تكوني عرفاه أو حاجة.
حياة بتأكيد:
أيوه فعلًا أعرفه.. منه لله الظالم المفتري.. ربنا ينتقم منه أشد انتقام.
شدا:
طب.. طب هو عمل إيه يا طنط؟ يعني إيه اللي حضرتك تعرفيه عنه؟!
حياة:
اللي أعرفه إنه راجل ضلالي بايع شرفه وضميره.. ويبيع نفسه عشان الفلوس.
شدا:
ليه بتقولي كده؟
حياة:
عشان هو فعلًا كده.
شدا:
طب ممكن توضحي لي أكثر؟
حياة:
مينفعش يا بنتي أتكلم في الحاجات دي دلوقتي.. دي حاجات عدى عليها سنين.. وكمان عمك ماجد ممكن سمعته تتمس في الموضوع ده.
شدا بتركيز:
عمو ماجد؟؟ يعني إيه؟؟
حياة:
ولا حاجة يا بنتي.. انتي بس خلي بالك من نفسك وبلاش تكتبي عن الراجل ده خالص.. ده قادر ومفتري وممكن يأذيكي.
شدا حينما شعرت بفقدان الأمل، قررت اللعب بآخر كارت متاح لديها فقالت بخفوت:
ولو قلت لك في احتمال إن يكون رأفت الصاوي ليه يد في اختفاء دالين؟
حياة بعدم استيعاب:
ليه لأ.. ما هو بني آدم قذ...
قطعت كلماتها حينما استوعبت ما تفوهت به شدا لتتابع بترقب:
انتي قلتي إيه؟
شدا بهدوء:
دالين اتخطفت من قدام مستشفى الصاوي.. كانت مع بدور وحازم وخرجت لوحدها.. أنا لما شفت الكاميرات بحثت عن نمرة عربية شفتها مشيت بعد عربية دالين على طول كانت تبع الصاوي.. أنا قلت هو مجرد احتمال.. بس ناخده بعين الاعتبار.
حياة وهي تتذكر حينما كانت ذاهبة لماجد غرفة مكتبه وقد سمعت ماجد يتحدث إلى أحدهم ويقول "أنا للمرة الألف بقول لك أنا إيدي بريئة من دم ابنك.. دالين بره حساباتنا.. خرجها بره اللعب ده." وبعدها فقدت الوعي حينما دلفت إليه تصرخ باسم ابنتها.
حياة فجأة:
هو.. هو رأفت هو.. هو رأفت أنا سمعت ماجد.. سمعته بودني.. أيوه سمعته بيقوله أنا إيدي بريئة من دم ابنك وخرج دالين بره حساباتنا.. سمعته.. أيوه سمعته والله سمعته.
شدا بعدم فهم:
دم ابن مين؟؟
حياة بتنهيدة وهي تزدرد ريقها:
فارس.. فارس ابن رأفت.
شدا:
فارس مين؟ هو مش ابن رأفت اسمه فراس؟
حياة:
فراس ده ابنه الصغير.. إنما فارس الكبير.
شدا:
ممكن تحكي لي يا طنط اللي حصل بالضبط عشان أقدر أجمع الخيوط مع بعض وأوصل لدالين.. متقلقيش أبدًا على عمو ماجد.. أنا مش هجيب سيرة أي حاجة حضرتك تقوليها.. أنا بس أوصل لدالين وهقفل المواضيع دي كلها وننساها.
حياة ببريق أمل:
هحكي لك يا بنتي.. هحكي لك.....
*****
كان يجلس إلى مكتبه في الشركة يراجع أوراق إحدى الصفقات.. أوقفه شيء ما غير طبيعي في هذه الأوراق.. فأرسل لشيرين كي تأتيه.
دلفت لمكتبه بغنجها المعتاد متحدثة بدلال اعتاد عليه:
أؤمرني.
عاصم:
مين وافق على صفقة التعاقد دي؟
شيرين وهي تميل للأمام على مكتبه:
وريني كده.
ألقى عاصم الورق أمامها على المكتب بضيق فأمسكت به تطالعه وهي على حالتها دون أن تعتدل:
آه.. ده مراد بيه اللي وافق عليها.
عاصم:
ومراد بيه وافق عليها إزاي من غير ما يعمل اجتماع استشاري؟
شيرين بلامبالاة:
معرفش هو قال دي صفقة مهمة بالنسبة له ولما جات له السفرية دي مفاجأة كده اداني الورق وقال خلي عاصم يمضيه في أسرع وقت.
عاصم:
لا.. الصفقة دي مرفوضة.
شيرين بانفعال لأول مرة يراها به:
يعني إيه مرفوضة.. هو اداهم كلمة.. إزاي تعمل كده!
عاصم بحدة:
والله انتي مش هتعرفي شغلي أكثر مني.. الصفقة دي خسرانة خسرانة.. دي كشركة أمن على وشك الإفلاس.
شيرين بلامبالاة:
دي قرارات مراد بيه.. انت مش هتتأذي في حاجة.
عاصم بضيق:
شيلي الورق ده من قدامي واتقي شري يا شيرين.
شيرين:
أوك أوك ريلاكس هدي أعصابك.. شيلته أهو.. بس خليك فاكر أنا قلت لك مراد بيه قال إيه.
أنهت كلماتها بغمزة من عينيها وخرجت من غرفة المكتب بابتسامة خبيثة وهي تردد في نفسها:
هانت.. هانت أوي يا ابن الراوي.. الضربة الجاية هتكون الناهية.
بينما ألقى عاصم بجسده على كرسيه وهو يمسد بين عينيه بتعب.. أكثر من صفقة غريبة يتفق عليها والده في هذا الأسبوع..
هل هو أسبوع القرارات الفاشلة أم ماذا؟!!
*****
أعلن الهاتف عن اتصال.. فأجاب دون النظر إليه.. فهو كان منغمسًا في أوراق إحدى القضايا الجديدة.
لؤي:
ألو.
شدا بهدوء:
لؤي بيه.. أنا قدرت أوصل لمعلومات تخص رأفت الصاوي توديه ورا الشمس.
لؤي:
انتي فين أنا جايلك.
شدا:
تمام.. قابلني في نفس الكافيه.
بالفعل ذهب لؤي ووجدها بانتظاره.. جلس سريعًا وهو يقول:
ها.. وصلتي لإيه؟ ومن مين؟
شدا بهدوء:
مامة دالين.
لؤي:
مامة دالين؟ وهي تعرفه منين؟ وانتي عرفتي منين بردو إنها تعرفه؟
شدا بنفاذ صبر:
هو اللي يهمك أنا عرفت منين ولا عرفت إيه؟
لؤي:
شدا.. إنجزي.
شدا:
عمو ماجد طبعًا مهندس أدوات طبية.. ورأفت الصاوي دكتور جراح.. عمو ماجد هو اللي كان بيدعم مستشفى الصاوي بالآلات والإلكترونيات اللي بتحتاجها.. عمو ماجد كان بيشتغل مع الصاوي في شغل مش ولا بد.. بس طنط حياة مرضيتش تقولي بالضبط إيه هو.. المهم حصل بينهم تاتش من عشرين سنة ونهوا الشغل مع بعض.. وكان عمو ماجد ليه مبلغ عند رأفت.. ورأفت رفض يدفعه فهدده إنه مش هيسيبه.. تاني يوم على طول فارس ابنه خبطته عربية مات فيها.. رأفت اتهمها في عمو ماجد عشان هو اللي هدده قبلها بيوم.. بس طبعًا مبلغش وقال حقي بإيدي.. طنط حياة عرفت بكل ده وقالت لعمو ماجد إنها خايفة على دالين.. وقتها دالين كانت بنت ثلاث سنين.. فضلوا يراعوها لحد ما كبرت شوية وسفروها بره البلد.. كملت تعليمها كله بره ورجعت من كام سنة بس.. وطنط حياة من فترة كانت رايحة لعمو ماجد مكتبه تسأله لو قدر يوصل لحاجة بخصوص دالين وسمعت عمو ماجد بيقول "أنا بريء من دم ابنك وخرج دالين بره حساباتنا".. هي قالت أنا وقتها مستوعبتش ومفهمتش ومفكرتش عشان أصلًا مكنش فيها دماغ وكمان الموضوع عدى عليه سنين.
لؤي بتنهيدة:
تقريبًا كده بدأت الخيوط تتجمع.. أممم.. رأفت خطف دالين انتقامًا لابنه.. وفراس أنقذها منهم وخباها.. ورجالة أبوه أخدوا جثة كانت خارجة من العمليات ميتة بسبب حرق مية نار وحطوها في العربية بعد ما ولعوا فيها عشان يمدوا فترة التحقيق ويفرعوا القضية لحد ما يوصلوا لدالين قبل الشرطة.. وفراس خبى البنت اللي خطفت دالين عشان هي حكت له كل حاجة.. والراجل التاني فص ملح وداب.. السؤال بقى إيه هو الشغل اللي يوصل ماجد إنه يقتل ابن رأفت عشان فلوسه.
شدا جاحظة عينيها بذهول:
آآا انت بتقول إيه؟!
لؤي وقد انتبه لما تفوه به للتو:
آآا.. بصي يا شدا أنا عرفت كل حاجة حصلت يوم الحادثة.. ومخبتش عليكي قلة ثقة فيكي.. لا.. هو بس عشان يفضل عندك نفس عزيمة وصولك لصحبتك.. فهماني صح؟
شدا بابتسامة جانبية:
أيوه طبعًا يا لؤي بيه فهماك طبعًا.. ودلوقتي أنا قلت لك اللي عندي.. بعد إذنك.
تركته يلعن غبائه وذهبت وهي تشعر بالحزن حقًا.
لما غضبت منه هكذا؟! ألا تفعل مثله؟! ألا تخفي عليه هي الأخرى أنها تعمل مع فراس كذلك؟! ألم تخفي عليه كونها قد علمت بمكان وجود دالين وبأمر الحادث بأكمله؟! لماذا تلومه الآن؟ إنها أسوأ منه إن دخلا في مقارنة معًا.
كان ينهي بعض التقارير أمامه استعدادًا للذهاب. أعلن هاتفه عن اتصال ليقطع تركيزه. أجاب على الفور حينما قرأ اسم المتصل.
فراس بقلق:
ست ابتهال!! في إيه؟!
السيدة ابتهال بتوتر:
اا.. آسفة يا دكتور إني بكلمك دلوقتي.. بس دالين اا..
فراس بنفاذ صبر:
مالها دالين.. قولي!!
السيدة ابتهال:
تعبانة أوي يا دكتور ومش عارفة أعملها إيه.
فراس وهو ينهض حاملًا مفاتيح سيارته وغادر المكتب فورًا:
أنا جاي.. مسافة السكة.
أغلق معها وأخذ سيارته بسرعة مجنونة متجهًا للفيلا.
وصل أخيرًا وخرج من السيارة ركضًا دون حتى أن يغلق بابها.
وما لبث أن دلف من الباب الداخلي حتى أُضيء المكان بألوان مختلفة متداخلة وصوت صفير عالٍ والكثير من البالونات والورود والزينة تسقط على رأسه.
وقف ثوانٍ يحاول استيعاب ما يحدث حوله.
نظر أمامه ليجد غرام ودالين والسيدة ابتهال يقفون يصفقون بمرح على أنغام أغنية عيد الميلاد.. والأضواء لا تُظهر ملامحهم جيدًا.
"Happy birthday to you
انزل يا جميل في الساحة
و اتمختر كدا بالراحة
أنا قد عينيك مع إني
نظرة عينيك دباحة
مالك طالع بالعالي
يا مالي قلبي ليالي
أمرك يا جميل
Happy birthday to you
يا وعدي على الأيام دي
من غير ما نحس تعدي
تاخد أكثر ما بتدي
و أنا ويا الأيام وحدي
يا قمر الليل
يا قمر الليل الوردي
شاور للنجمة تهادي
أمرك يا جميل
يا ربيع الحلم الأخضر
إن كان على الصبر راح أصبر
هات إيديك وافتح قلبك
الدنيا حتسهر جنبك
يا بحر ملوش
يا بحر ملوش نهاية
قلبي ملاّح وحكاية
أمرك يا جميل
Happy birthday to you."
انتهت الأغنية مع تصفيق حار من ثلاثتهم وعادت الأضواء لتقترب غرام منه بسعادة وقفزت بين أحضانه وهي تقول بدموع:
كل سنة وأنت سندي وقوتي وأماني وفرحتي ودنيتي وحياتي وعمري كله.. كل سنة وأنت كمالي وضهري ودراعي وحتة من قلبي.. كل سنة وأنا وأنت واحد ولا يفرقناش أي حاجة أبدًا أبدًا.
ابتسم فراس وخرجت منه تنهيدة ارتياح.
لقد كاد يتوقف قلبه منذ أن سمع ما سمعه من السيدة ابتهال.. والآن كل شيء على ما يرام.. وتلك الغرام ستفقده صوابه يومًا ما بأفعالها تلك.. فهو واثق تمامًا بأنها من فعلت ذلك.
ضمها إليه أكثر وهو يقول بهدوء:
ربنا يديمك ليَّ وما يحرمنيش أبدًا منك ولا من وجودك في حياتي يا كل حياتي.
ابتعدت غرام قليلًا ثم قالت بصوت خافت بحيث لا يسمعه سواه:
جيت على ملء وشك يعني.
فراس ببلاهة:
ها.. لا أنا..
غرام مقاطعة:
أنت دي هنتكلم فيها بعدين.. يلا تعالى.
أمسكت بيده ودلفا للداخل لتتبين له دالين التي ترتدي فستانًا أسود بدون أكتاف أو أكمام.. وقطعة قماش شفافة من التول تزين كتفها الأيسر فقط.. وينزل من الصدر إلى الخصر بضيق وقماشه التول مزينة بعُقدٍ سوداء تشبه عُقدَ تلك القماشة الموجودة على كتفها الأيسر.. ويتخصر الفستان بشريط ستان أسود وينزل من الخصر لما تحت الركبة باتساع.. وترفع شعرها للأعلى بتسريحة تشبه وردة ربما.. أخذ ينظر إليها بانبهار.. تشبه الملاك تلك الفاتنة الغبية.. هل عليها أن تبدو جميلة هكذا الآن.. هل ينقصه هذا.. لقد خطفته بطلتها العادية فماذا الآن.. تحمحم بخجل حينما رأى أنظار غرام والسيدة ابتهال موجهة نحوه.. فلقد أطال النظر إليها.
غرام بسرعة لتغير الموقف برمته:
جاء وقت الهدية بقى.. أشارت بيدها ليدلف أحد الحرس بلوحة كبيرة مغطاة بورق ملون بألوان الطيف.. نظروا جميعًا تجاهها بترقب.
فأشارت غرام للرجل فأزال الورق بهدوء لتظهر صورة فراس المرسومة أمامهم بدقة وهو مبتسم بصفاء.. نظرت دالين تجاه اللوحة بإعجاب شديد.. ليس باللوحة ورسمها فقط..
بل لابتسامته التي تتوق لرؤيتها في الحقيقة بهذا الصفاء.. أدارت وجهها إليه لتتحقق أمنيتها تلك على الفور.. يا إلهي إنه يبتسم..
بحق ربك كفى.. قلبها يضرب طبولًا يكاد يترك قفصها الصدري ويقفز إليه يعانق ابتسامته الساحرة.. لمَ هو وسيم إلى هذا الحد القاتل..
أفاقتها يد السيدة ابتهال وهي تقول بهدوء:
تعالي يلا نقطع التورتة.
انتبهت دالين بسرعة فتحركت معها.. بينما عانق فراس غرام بقوة وأخذ يقبل رأسها بحب.
ثم ابتعد ونظر لها بإعجاب واضح.. اووه.. إيه الفستان ده.. إياكِ عمرو يشوفك بيه.
ضحكت غرام بقوة وهي تقول بمرح وتدور حول نفسها:
ليه مش حلو؟!
فراس:
ده مش حلو.. دا أنا اللي نيلة والله.
ضحكوا جميعًا بسعادة وبدأوا في تناول العشاء أولًا ثم تناولوا التورتة التي صنعتها الفتاتان مع السيدة ابتهال.. فقد كانت هذه فكرة دالين.. أن يقوموا بعمل كل شيء بالمنزل ولا داعي لشراء شيء.. فهكذا سيسعدون أكثر.. وقد كانت محقة تمامًا.
كان فراس ينظر إليها بين الحين والآخر بنظرات خاطفة.. وقد كان يشعر بسعادة حقيقية.. لا يعلم هل لوجودها معه في يوم كهذا أم لأنه يسعد في الأساس من طيفها هنا.
قاطعهم صوت هاتف فراس الذي أعلن عن اتصال ليفيقه من سعادته..
خرج من الفيلا بهدوء وأجاب.
فراس:
شذا!!.. في حاجة حصلت؟!
شذا:
فراس.. لؤي.. لؤي يعرف كل حاجة.
فراس بعدم فهم:
قصدك يعني يعرف إنك بتكلميني وكده؟!
شذا:
لأ.. عارف بتفاصيل حادثة دالين كلها.
فراس وقد تبدلت ملامحه في الحال وتحول للجمود وبدأ يقبض على يده بقوة حتى برزت عروقه.. وأغمض عينيه بقوة يتمنى كون ما تقوله كذب.. يتمنى أن تكون هي الكاذبة.
شذا:
فراس أنت معايا؟!
فراس ببحته المميزة:
أنتِ عرفتي إزاي؟!
شذا:
مش أنت قلت لي أقول له على كل حاجة حصلت بيني وبين طنط حياة؟.. أهو أنا قلت له بقى فهو بدأ يجمع الخيوط مع بعض بس بصوت عالي.. وأنا اتصدمت إنه عارف تفاصيل الحادثة وعارف تفاصيل اللي حصل مع الجثة كمان.
فراس:
تمام.. شكرًا يا شذا.. هكلمك بعدين.
أغلق الهاتف وهو يشعر بأن الدنيا تسود أمام عينيه.. لقد وثق به وأفشى الأمر.. لقد أفشى الأمر.
غرام من خلفه:
فراس.. حبيبي في إيه؟!
فراس:
أنا رايح أقابل عمرو.
غرام:
طب لسه شوية حبيبي.
فراس:
لا.
غرام:
طب خدني معاك.
فراس وهو يحمل أغراضه:
يلا.
بينما جلبت غرام حقيبتها.. وشكرت دالين والسيدة ابتهال وخرجت على الفور واستقلت السيارة بجانب أخيها الذي تغير فجأة للنقيض تمامًا.. آثرت الصمت.. ففي هذه الحالة أي شيء ستقوله سينفجر فيها.. هي لا تخشى على نفسها من هذا.. لكنها لا تحب نظرة الندم في عينيه بعدها.. لذلك لم تتحدث.
وصلا أخيرًا لمنزل عمرو ونزلا بهدوء.. ربما هدوء ما قبل العاصفة.
طرقات متتالية على الباب.. فتحت السيدة حنان بابتسامة:
أهلًا أهلًا بحبايب قلبي.. تعالوا تعالوا اتفضلوا.. عمرو لسه مكلمني وقال على وصول.
دلفا بصمت.. ودلفت حنان لعمل مشروب ما.. بعدها دلف فراس للشرفة كي يجيب على هاتفه تزامنًا مع وصول عمرو الذي دلف ينادي على والدته بمرح لكنه صمت سريعًا وهو يرى غرام تقف أمامه بأجمل ابتسامة يمكن أن تكون.. تحمحم بخشونة وهو ينظر لها بانبهار.. هذا الفستان الكحلي من الصدر إلى الخصر وأبيض من الخصر إلى ما بعد الركبة.. بحمالتين عريضتين.. ويتزين من الصدر والظهر بفصوص بيضاء لامعة.. ومن الخصر إلى الأسفل بفصوص كحلية لامعة منتشرة بعشوائية.. وشعرها الذي ترفعه للأعلى بتسريحة تشبه النجمة في رسمتها وتترك العنان لبعض الخصلات لتتراقص على وجنتيها الوردية بحرية.
عمرو مصفّرًا بإعجاب:
ده يوم سعدي ده ولا إيه.
أجفله صوت فراس الذي قال بحدة:
تقدر تعتبره يوم نهاية العلاقة ما بيننا.
رمشت غرام عدة مرات محاولة استيعاب ما يقوله فراس.
عمرو بعدم فهم:
قصدك إيه؟!
فراس:
أنا جئت لك وأمنتك على سر يخصني.. وأنت خنته.. تفتكر أي رد فعلي!
عمرو:
فراس لو سمحت الموضوع مش زي ما أنت فاهم.. أنا...
فراس بحدة:
أنت من النهارده مالكش دعوة بيَّ أبدًا... سامع.
ثم وجه نظره لغرام الواقفة بينهما والدموع تلمع في عينيها وتحدث بجمود:
ودلوقتي يا غرام.. يا أنا.. يا عمرو.
بعدما أنهت المكالمة مع فراس وضعت الهاتف في جيب بنطالها وقبل أن تتحرك خطوة..
جمدها صوته الذي خرج بغضب وحزن وخذلان.
لؤي:
ليه بتعملي كده؟
ازدردت ريقها بتوتر والتفتت لتواجه خضراوتيه التي تحولت للقتامة الآن.
لؤي:
ليه؟ أنا أذيتك في حاجة؟!
شدا بخفوت:
لـ لؤي.. أرجوك افهمني.. أنا..
لؤي بغضب ونبرة عالية:
أفهم إيه.. انتي.. انتي بتشتغلي معايا وبتقوليلي اللي بيقولهولك فراس؟ بتنفذي اللي بيقوله فراس؟
شدا:
لا والله مش كده... أنا..
لؤي مقاطعًا بصوت مبحوح:
انتي متتكلميش تاني.. انتي صدمتيني فيكي.. ليه يا شدا دا أنا بخالف القانون عشانك.. عشان أشوف فرحة عينك بشوفة صحبتك..
ابتسم بسخرية من نفسه ثم تابع:
صحبتك اللي تقريبًا انتي عارفة مكانها اللي أنا بسعى كل ده عشان أعرفهولك وأنا مستغني عن سمعتي كعميد في قضية تحت إيدي اتقيدت ضد مجهول عشان فشلت.. فشلت لأول مره في حياتي.. وللأسف مش بس في شغلي.. فشلت كمان في اختيار ده.
أشار بيده تجاه قلبه مع نهاية حديثه لتتحرك بنظرها حيث يشير بسبابته لتترك العنان لدموعها في الهطول وأخذ مجراها.
تابع بألم وبحدة في نفس الوقت:
لحد هنا ومبقتش عايز أعرفك تاني يا شدا.
ألقى جملته وغادر على الفور وقد اصطدم كتفه بكتفها لكنه لم يأبه بل أكمل طريقه إلى منزله.
أغمضت عينيها بألم.. هي حقًا خدعته.. كانت تستغله معظم الوقت.. بالتأكيد إن أخبرته بكل شيء لكان الأمر مختلف الآن.. ربما لم يكن ليندم على شعوره نحوها والذي تأكدت الآن بأنها تبادله إياه بسبب الألم الذي تشعر به الآن بعدما أخبرها بأن الطريق بينهما قد انتهى.. يا للسخرية.. لقد انتهى دون حتى أن يبدأ.
*******
خرجت من غرفة الممرضات تستعد للذهاب فإذا بها تراه يقف في الممر مستندًا برأسه وجذعه إلى الحائط ويعقد يديه خلف ظهره.. تحمحمت ليعتدل سريعًا وهو يبتسم لها.
بدور بهدوء:
خير يا دكتور وليد.. حضرتك محتاج حاجة؟
وليد بارتباك:
ااا.. لا.. لا أبدًا.. أنا.. أنا كنت معدي بالصدفة بس.. بعد إذنك.
غادر المكان فورًا.. مما جعلها تعقد حاجبيها بعدم فهم ثم غادرت هي الأخرى.
في حين يجلس مهاب في غرفة استطلاع الكاميرات.. يراقب الموقف بابتسامة متسعة وهو يتمتم في نفسه:
البت حلوه برضه متتقاومش.. بس أنا بقى هستناك تستوي شوية يا وليد قبل ما أدمرك بيها.
*******
دلفت للمنزل بإنهاك فوجدت الأضواء مفتوحة فعلمت على الفور بأن شادي قد عاد.
روح:
شادي.. انت هنا؟
شادي من الداخل:
أيوه يا روح الروح.
دلفت بابتسامة متسعة واحتضنته بحنان وهي تقول بسعادة:
انت اللي روحي وحياتي والله.
جلسا قليلًا فلاحظت بأنه مهموم بعض الشيء.
روح بهدوء:
حبيبي انت كويس؟ في حاجة مضيقاك؟
شادي بتنهيدة:
عملت صفقة مع شركات الراوي واتقبلت من كام يوم وخلاص كانت كل حاجة هتمشي.. بس معرفش إيه اللي حصل واتلغت.
روح بتفكير:
امممم.. مراد مسافر من فترة.. يبقى أكيد عاصم اللي لغاها.. خلاص حبيبي سيبها عليا أنا هتصرف.
شادي بضيق:
لا.. لا خلاص أنا هتصرف متشغليش بالك.
روح:
ليه بس.. عاصم كويس ومش هيرفض لما يعرف إن..
شادي مقاطعًا:
خلاص يا أمي.. أنا قررت.. يلا هطلع أنام أنا.. بعد إذنك.
قبل جبهتها ثم صعد للأعلى لينال قسطًا من الراحة.. أخذ يفكر بعمق في تلك العداوة التي يكنها عاصم له.. أيُعقل أنه يعاديه من أجل والدته؟ لما لا.. حسنًا إن كان كذلك فهو لن يقترب منها كثيرًا.. فهو ابنها على أي حال وهو أحق بحنان والدته منه هو.. بعدما هداه تفكيره إلى هنا أخذ قرارًا لا رجعة فيه أبدًا.. استلقى إلى جانبه وغط في نوم عميق.
رواية ضمير ميت الفصل الثاني عشر 12 - بقلم دنيا آلشملول
كان يشعر أن الدنيا تضيق به .. لا يعلم إلى أين يذهب .. يشعر بالبرودة رغم حرارة الجو .. لكن البرودة بداخله .. أخذ شهيق&;ا طويل&;ا أخرجه ببطء .. وقد مر أمامه شريط ذكرياته معها في هذه الأيام المعدودة أمام ناظريه وكأن الأحداث تتوالى عليه الآن .
أخذ يتذكر أول مرة رآها فيها .. كيف تحدثت له برجاء وهي تسأله عن هوية الجثة الموجودة بداخل السيارة .. وكيف تحدثت بحده حينما أخبرها أنها تستخدم أساليب الصحفيين المراوغة .. تذكر كيف لحقت به إلى المستشفى وكيف عادت للرجاء من جديد كي تعلم هوية الجثة ذاتها أيض&;ا .. وكيف ارتخت ملامحها المشدودة بمجرد أن علمت بأنها جثة رجل وليست فتاة .. يتذكر تلك اللحظة جيد&;ا .. لقد غادرت راكضة على الفور دون أن تنبث ببنت شفه .. تذكر المرة الثالثة حينما أتته إلى القسم مع أحدهم .. وكيف دلفت إلى المكتب بهمجية حينما رفض مقابلتها .. يتذكر تعجرفها وسلاطة لسانها في هذا الوقت .. تذكر كيف تحدته وهي تنظر داخل عينيه بثبات وجمود حينما أخبرته بأنه ي&;عيد نفس الأسئلة وبأنه ربما يكون غير كفء لتحمل قضية كتلك .. تذكر كيف هاتفته ليساعدها .. وكيف تحدثت لأول مرة بلطافة .. وما لبثت أن عادت لشراستها وعجرفتها مجدد&;ا .. تذكر كيف فارت الدماء في عروقه وهو يرى يد حازم ت&;ربت على يدها دون وجه حق .. تذكر كيف أوصلته لطرف الخيط حينما اعتمدت على ذكائها وقوة ملاحظتها لتكشف عن أي دليل يوصلها لدالين .
بدأ يشعر بالدوار .. فهو لم يأكل أو ينم جيد&;ا منذ ثلاثة أيام تقريب&;ا .. والضغوط تتزايد عليه .
عاد لشروده بها وكيف خدعته ببساطة .. كيف خ&;دع في كونها أتته معتذرة على تدخلها في عمله وتطاولها عليه .. لقد .. لقد دق قلبه لها عشق&;ا في تلك اللحظات .. حق&;ا عشقها .. إنها المتمردة خاصته .. المتعجرفة .. الغبية .. الشعنونة .
ابتسامة حنين ارتسمت على ثغره لتتحول لابتسامه ساخرة .. هل يفكر في حبه لها الآن بعد ما فعلته &;!! ألا يزال يفكر بها &;!! .. يا له من ساذج .
ومن منا ياسادة إن أحب بصدق استطاع النسيان &;!!.. أحيان&;ا يصبح الحب ألم&;ا ياصديقي .. ألم&;ا يكويك بناره .
ظل يسير على غير هدى&; حتى وصل إلى منزله في نهاية المطاف .. ترجل من السيارة بهدوء متعب .. دلف إلى منزله ليجد الهدوء مسيطر&;ا على المنزل بأكمله .. تسر&;&;ب القلق إلى قلبه .. فوالدته لا تنام أبد&;ا قبل عودته .
بحث عنها في غرفة الجلوس فلم يجدها .. فصعد لغرفتها وطرق عدة طرقات خفيفة .. وحينما لم يأت&;ه صوتها دلف ليجدها ملقاة أرض&;ا بجانب الفراش بلا حراك .
تحرك بسرعة تجاهها وهو يتمتم باسمها في خوف .. اقترب يرى النبض فوجده ضعيف&;ا جد&;ا .. فحملها سريع&;ا واتجه بها إلى المستشفى .
&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;
كانت تقف بينهما والدموع ت&;غرق وجنتها في صمت .
فراس :
غرام .. يا أنا يا عمرو .
ألقى جملته وترك المكان م&;غادر&;ا في صمت .
نظرت غرام تجاه عمرو الذي اجتمعت الدموع في عينيه فأشار برأسه إليها كي تذهب ..
خرجت شهقتها لتكتمها بيدها وهي تركض خلف فراس واستقلت بجانبه السيارة في صمت لا يقطعه سوى شهقاتها الضعيفة .
بينما ترك عمرو العنان لعبراته كي تنهمر في صمت .
اقتربت منه والدته وأخذته بين ذراعيها كطفل صغير بينما علت شهقاته وهو يتمتم باختناق :
أنا خنت ثقته فيا .. بس لو مكنتش اتكلمت كنت هخون ثقة لؤي فيا برضو .. أنا مش عارف .. بس مقدرتش أشوف لؤي تايه ومموت نفسه بالشكل ده وأنا عارف كل حاجة وساكت .. معرفتش أتصرف غير كده .
أخذت تربت على ظهره بحنان وتبكي معه في صمت وهي مغمضة العينين .. هي لم تفهم أي شئ مما قاله .. لكن ما فهمته أنه إختار صديقه .. فاختارت غرام أخيها .. وغرام ليست مخطئه أبد&;ا .. فمهما حدث يبقى أخيها .. الأخ لا يمكن تعويضه أبد&;ا .. لكن الحب يمكن تعويضه بآخر .
تنهدت بألم حتى شعرت بأنفاس عمرو تنتظم فعلمت أنه قد غط في النوم .. تحركت بهدوء وأغلقت الأضواء وصعدت هي الأخرى لغرفتها تصلي وتدعو الله أن ي&;خرج ابنها من محنته هذه وأن يرشده لطريق الصواب .
بينما وصل فراس وغرام للڤيلا .. فترجلت غرام من السيارة بسرعة وأخذت تركض إلى غرفتها دون أن تنبث ببنت شفه .. بينما بقي فراس مكانه ينظر إلى أثرها في حزن عميق .. لا يعلم كيف استطاع أن ي&;خيرها بين خيارين كهذين .. هو يعلم يقين&;ا أنها ستختاره مهما حدث .. لما فعل هذا .. لما ترك غضبه يتحكم به هكذا .. ضاقت به الدنيا .. فأدار محرك سيارته مجدد&;ا وانطلق بها .
&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;
كانت تجلس إلى فراشها تنظر لصورة فراس الموضوعه أمامها بابتسامة ..
أجفلها صوت سيارة في الأسفل .. غرام وفراس لن يعودا في وقت متأخر كهذا .. نظرت من الشرفة لتجد فراس يترجل من السيارة ويستند إليها رافع&;ا رأسه للسماء ويبدو عليه التعب ..
أخذتها قدماها للخارج على الفور .. اقتربت منه بعض الشئ وكانت ستعود مجدد&;ا لشعورها أنها أخطأت بخروجها من غرفتها .. لكن أوقفها صوته المتألم :
مبقتش عارف أعمل إيه .
دالين بخفوت :
اا إنت كويس&;
تحرك فراس حتى وصل لمنتصف الحديقة وجلس أرض&;ا .. فلحقت به وجلست مقابله .
أخذ شهيق&;ا طويلا&; زفره ببطء مع كلماته :
كنا بنجري زي كل يوم نعمل رياضة .. هو قالي بلاش ننزل النهاردة وأنا أصريت عليه .. كأنه .. كأنه كان حاسس باللي هيحصله .. نزلنا جرينا .. كان معدي الطريق عشان ينقذ قطة .. كانت بتاعة ست كبيره نزلت من إيدها ومشيت ناحية الطريق ..
ابتسم بألم وهو يتابع :
أنقذها .. أنقذها بس راح هو فيها .. كنت واقف وشايف الناس بتجري ناحيته بس أنا !!!
أنا مقدرتش .. رجلي مساعدتنيش .. مات قصاد عيني .. دمه كان في كل مكان .. فضلت أشوفه في كل أحلامي .. كأن بيعاتبني كتير على معاملتي لغرام لأني أهملتها كتير في وجوده وديم&;ا كنت أشاكلها .
من بعدها وغرام حرفي&;ا أنا .. مفيش فرق بيني وبينها .. توأم أه بس روحنا واحدة .. كل حاجة معاها بتكون مختلفة .. كل حاجة في حياتي ليها وعشانها .. هي قبل مني .. بكل الطرق بحاول أسعدها وافرحها .. بس .. بس النهارده كسرتها .. كسرتها أوي يادالين .. كسرتها ومعرفش إذا كنت هقدر أرجعلها ضحكتها تاني ولا لأ .. كسرتها ومعرفش إذا كنت هقدر أنسيها واعوضها ولا لأ .. أنا فكرت في نفسي وبس .. مهتمتش غير بنفسي .
دالين بهدوء :
غرام اللي أنا أعرفها عمرها ما بتزعل من فراس اللي أنا أعرفه بردو عمره ما هيفكر يزعل غرام .. ولو حصلت مره بسبب ضغوط عليك فهي أكتر واحدة هتحس بيك وتقف جنبك لحد ما تقف على رجليك .
فراس بإنكسار :
بس أنا خيرتها بيني وبين عمرو جوزها .. وأنا عارف إن مهما حصل هتختارني .. بس أنا أناني .. أناني عشان كسرته بيها بسبب خيانته لثقتي فيه بس كسرتها هي كمان .. لكن مكنتش أقصد والله .. مكنتش أقصد .
دالين :
كل حاجه هتتصلح .. انت محتاج وقت تقعد فيه مع نفسك وترتب أمورك .. وهي محتاجة وقت عشان تقدر ترتب حياتها .. وعمرو كمان محتاج وقت عشان يعرف غلطته ويحس بخسارته ويعافر عشانها تاني وتالت وعاشر .. وده اللي هيثبتلها ويثبتلك هو شاريها وندمان على اللي عمله ولا لأ .. بصلها من الناحية الإيجابية يافراس .
عم الصمت بينهما وبقيا هكذا لفترة ليست بالقصيرة .. ومن دون أي كلمة إضافية استقل سيارته وذهب .. بينما بقيت هي في مكانها تنظر في أثره بألم .. بسعادة .. بحزن .. بأمل .. مشاعرها متضاربة وأفكارها كذلك .. تنهدت أخير&;ا ودلفت لغرفتها بهدوء واستلقت إلى فراشها بتعب وأغمضت عينيها وذهبت في سبات عميق .
&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;
أخذ يقطع الممر ذهاب&;ا وإياب&;ا بقلق يتفاقم كلما مر الوقت عليه في انتظار أن يخرج أحدهم من الداخل ويطمئنه على والدته .. خرج الطبيب أخير&;ا فركض لؤي تجاهه بلهفه :
خير يادكتور .. طمني .. أمي مالها &;
الطبيب :
الست الوالده تقريب&;ا دخلت في أزمه قلبيه يالؤي بيه .
لؤي :
أزمه قلبيه &;&;!!.. ازاي !!
الطبيب :
من الواضح إنها تعبانة من فترة .. ودلوقتي إحنا هنعملها رسم قلب كهربي وإن شاء الله ميحصلش غير كل خير .. ادعيلها يا لؤي بيه .. وألف سلامه عليها .. بعد إذنك .
غادر الطبيب تارك&;ا لؤي في وضع لا ي&;حسد عليه ..
&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;
دلفت لمكتبها بضيق وطلبت قهوتها الصباحية .. لم يمر الكثير من الوقت حتى صدح صوته المرح في المكان وهو يقول بمزاح :
اكييييد وحشتكوا كلكوا .
بدأت المزاحات تنتقل بينهم جميع&;ا حتى نظر حازم تجاه شدا فوجدها تنظر له بابتسامة خفيفة .. عقد حاجبيه باستغراب .. شدا التي يعرفها لا تعرف الهدوء أبدا .. من تكون هذه !
اقترب بهدوء وجلس فوق المكتب ناظر&;ا إليها بتفحص .
شدا :
انزل يابني من ع المكتب .
حازم :
مش قبل ما أعرف ست البنات مالها .
شدا بتنهيدة :
مفيش حاجه .. انزل .
حازم بعند :
نو نو مش هنزل .. يلا يلا قولي يا أستاذة شدا .. حضرتك مالك بقا .
شدا بضيق :
حازم .
حازم بعند أكبر :
والله لو للصبح .. أقولك .. أنا واقع م الجوع .. مسافر بقالي يومين أهو بسبب الزفت المقابلة الصحفية دي ومكنتش باكل بما يرضي الله .. تعالي نخطف أي لقمه من أي مطعم من المطاعم اللي تحت دي .
شدا بضحكة :
طب قوم ياخفيف قوم .
نزل من فوق المكتب وهو يفرك يديه مع&;ا بمرح :
أيوه بقا .. حبيب قلبي اللي مبيخليش في نفسي حاجه ده .
ضحكت بخفة ثم ذهبا لإحدى المطاعم وطلبا وجبة الإفطار .
حازم بهدوء :
مالك ياشدا &;.. أي اللي حصل &;
شدا بحزن :
لؤي .
حازم بترقب :
حبتيه مش كده &;
نظرت له شدا بارتباك .. فتابع بهدوء :
شدا إحنا اخوات .. ويمكن أكتر كمان .. مدرسة وجامعة وحتى شغل .. فرح وزعل .. تقريب&;ا إحنا اللي بيشوفنا بيقول اخوات أصلا .. فأكيد هحس بيكي وباللي بيحصل معاكي وأكيد ههتم .. قوليلي بقا أي اللي حصل .
تنهدت شدا بقوة قبل أن تقص عليه ما حدث .
حازم بهدوء :
شدا .. لؤي لو بجد بيحبك هيسامحك وهينسى .. وانتي مينفعش أبد&;ا تكوني بالحالة دي .. انتي قوية ولازم تفضلي كده .. لؤي حب شدا القوية الجريئة أم لسانين ونص .
ضحكت شدا بخفة فابتسم حازم بسعادة وتابع بهدوء :
ولازم بقا شدا تفضل زي ما هيا .. إحنا نخلص من موضوع دالين ده كله ونشوف حوارات رأفت وماجد عشان نفوق للؤي .. وأنا ياستي أوعدك إني أخليه يلف حوالين نفسه وهو بيقول شدا شدا شدا .
شدا بابتسامه :
نفوق .
حازم بصوت عالي :
الحساب يامتر .
ضحكت شدا بقوة وضحك معها حازم هو الآخر .
&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;
استيقظت من نومها وهي تشعر بألم شديد في عنقها .. أخذت تمسده بتعب وبينما تعتدل فإذا بها تراه يجلس إلى طرف الفراش مبتسم&;ا لها بحنان .
غرام بهدوء :
فراس !.. حبيبي انت كويس&;
اقتربت منه واضعه يدها على وجنته بقلق وهي تتابع :
مال عينك حمره ليه كده .
فراس بهدوء :
أبدا .. اا .. ممكن بس عشان منمتش .
أماءت غرام بصمت فتحدث فراس بعد بعض الوقت :
غرام أنا ..
قاطعته غرام :
انت مش غلطان يافراس .. أنا واثقة إن اللي دفعك تعمل حاجة زي كده كبير .. كل حاجة هتتحل ياحبيبي .. أنا عارفة قد أي انت مضغوط .. فمفيش داعي للكلام .. يلا قوم خد شاور كده وظبط نفسك عشان ترتاح شويه .. دالين مش هتبقى فرحانة وهي شايفة العيون العسلي دي حمره كده .
فراس بجانب عينه :
وأي اللي جاب سيرة دالين دلوقتي !
غرام :
ليه انت شايفني هفأ يابني .. أنا أفهمها وهي طايرة .
فراس ضاحك&;ا :
انتي مصيبة .
دلفت السيدة جومانه وهي تنظر لهما بشك :
مين دالين بقا يا بيه انت وهي &;
غرام :
مين قال دالين .. انت قلت دالين يافراس&;.. أي دالين دا يامامي .. دوا سخونيه &;
جومانه :
وحياة أمك .
فراس :
طب أستأذن أنا بقا عشان واضح كده إن فيه تحقيق من نوع خاص هيتفتح وأنا بصراحة منمتش من زمااان وعايز أنام .
خرج مسرع&;ا من الغرفة فجلست جومانه بجانب ابنتها وهي تمسك يدها بابتسامة واسعة :
ها .. احكيلي .. مين دالين ها .. حلوه &;.. دكتورة ولا مهندسة ولا لسا في التعليم &;.. شافها فين ها &;.. وانتي شفتيها &;
غرام وهي ترمش عدة مرات :
أي ياماما داااااه .
جومانه بعدم فهم :
في إيه &;
غرام وهي تركض إلى دورة المياه :
عندي مقابلة مستعجلة عشان أعرض لوحي في المعرض الجدييييد والوقت هيسرقني .
جومانه وهي تضرب الفراش :
هتروحوا مني فين ياجزم انتوا الاتنين .. هعرفها يعني هعرفها .
بينما وقفت غرام خلف الباب تنظر للمرآه أمامها بحزن وقد تركت العنان لعبراتها الحبيسة الآن .
&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;
خرجت روح من المطبخ على صوت طرقات الباب .. فتحته بهدوء لتجد عاصم أمامها :
أهلا حبيب ماما .. تعالى ياقلبي أدخل .. أنا بجهز فطار أهو .. ثواني بس وناكل مع بعض .
أماء عاصم بصمت ودلف لغرفة الجلوس ليجد شادي جالس&;ا على إحدى المقاعد واضع&;ا قدميه فوق الطاولة وفي أذنه سماعات الأذن ومغمض العينين .. ويبدو أنه كان يركض منذ قليل فهو لا يزال بالترينج الخاص بالرياضة .
زفر بضيق ثم دلف وجلس مقابله ليفتح شادي عينيه حينما شعر بحركة في المكان .. وحينما وجد عاصم أمامه اعتدل في جلسته ونظر له بابتسامة قبل أن يتمم بترحيب :
مراحب يابشمهندس .. عامل إيه &;
عاصم ببرود :
بخير .
ثم تابع قاصد&;ا إحراجه :
انت بتعمل أي هنا &;
شادي بهدوء خارجي فقط :
أنا هنا من امبارح ومسافر بعد تلت ساعات كده .
عاصم بتهكم :
وليه سفر .. ما انت كويس هنا .
شادي مستشعر&;ا نبرته المتهكمه :
والله ياعاصم أنا نفسي أفضل ديما هنا .. بس ظروف شغلي للأسف .. ثم إني مقرر حتى أصفي شغلي في انجلترا وأكبره هنا وافضل هنا على طول .
عاصم بضيق :
وانت ليك أي هنا تقعد عشانه &;
شادي باستفزاز :
روح .
عاصم ضارب&;ا الطاولة بقبضته :
هي روح دي بتلعب معاك .. ما تحترم نفسك .
شادي ببرود :
والله ياعاصم انت تقريبا جاي متعصب من بره ومعرفش أي السبب ومش مهتم بصراحة بس روح أنا بناديها كده من أول مرة عرفتها فيها .. أو .. لا لا للدقه بقولها ياروح شادي .. وأوقات في الأزمات الشديدة بقولها يا أمي .. وده عشان أحسسها إن ليها ضهر واقف جنبها وفي ضهرها وبيقويها ويسندها ومش سايبها وحيدة في الدنيا .. وأنا كمان بعوض نفسي عن أمي بيها .
عاصم بغل :
انت ملكش مكان وسطينا .. زي ما دخلت تخرج .. سامع .
أتاهم صوت روح الباكي :
عاصم .
لكن شادي لم يستمع لأي كلمة بل غادر المنزل على الفور .
عاصم بضيق :
أنا هنا اللي إبنك مش هو .. هو ملوش مكان هنا .. ده مش إبنك .
روح ببكاء :
شادي ابني اللي مخلفتوش ياعاصم .. شادي ابني اللي ربيته سبع سنين بحالهم .. هو اللي وقف جنبي في موت أيهم رغم كسرته على أبوه بس فضل يقويني .. هو اللي أنقذ فاتن من الحادثة بعد ما خرجت من الشقة ونقلها المستشفى واتبرعلها بدمه .. هو أكتر حد وقف جنبي يابني .
عاصم بصدمة :
فـ فاتن &;!! .. انتي مقلتليش ليه حاجه زي كده &;
روح بصوت مبحوح :
هو رفض عشان خاف متقبلش بيه .. زي ما انت واقف كده بالظبط .
عاصم بحده :
أنا وهو مش هنتجمع جنب أم واحدة .
ألقى جملته وغادر على الفور متجها لمنزل فاتن وغضب الدنيا على ملامحه ... وصل وصف سيارته وخرج كالعاصفة ...
دلف للمنزل وصرخ بصوته :
فاااتن .
خرجت سمر على صوته وهي تقول بخضة :
في إيه ياعاصم ... إيه الهمجية دي !!
صعد عاصم الدرج ودلف لغرفة فاتن التي استيقظت على صوته وكانت تحاول الوقوف على قدميها لتخرج له .. أجفلها صفقة الباب خلفه واقترابه منها بشكل مخيف .
فاتن بخوف :
عـ عـ عاصم في إيه &;
عاصم بغضب :
انتي كنتي فين يوم الحادثه &;
فاتن بدموع :
مـ مـ مش عايزه أتكلم في الموضوع ده ياعاصم من فضلك .
عاصم بحده :
طبعاااا مش عايزه تتكلمي .. عشان كنتي مع البيه بترحبي بيه مش كده &;
فاتن بعدم فهم :
بيه مين &;.. و
&;
رواية ضمير ميت الفصل الثالث عشر 13 - بقلم دنيا آلشملول
كانا يقفان متواجهين ونظرهما معلق ببعضهما.
الطبيب بهدوء: اا .. ده .. ده لؤي بيه ابن المريضة .. وده يالؤي بيه دكتور فراس .. الدكتور اللي هيعمل العملية لوالدتك.
فراس قاطعًا الصمت بينهما: أهلا بحضرتك .. وألف سلامه على الست الوالدة.
لؤي ببعض التردد: خلي بالك منها لو سمحت.
فراس بهدوء: متقلقش خالص .. دي عملية بسيطة وإن شاء الله تقوم بخير .. بعد إذنك.
دلف فراس لغرفة العمليات .. بينما جلس لؤي على أحد المقاعد مغمضًا عينيه بقوة.
لا يعلم سببًا واضحًا لهذا الشعور بداخله الآن.
فراس ليس سيئًا .. لما لم يفكر في مواجهته؟
يبدو لديه بأنه ليس بالسئ حقًا.
تنهد بضيق وقلق على والدته.
لا يهم .. فلتخرج والدته أولا وبعدها سيحاول إصلاح كل شئ قدر المستطاع.
***
عاد حازم حيث ترك شدا وسمر أمام غرفة فاتن.
حازم بهدوء: ها .. حد خرج؟
شدا: أيوه الدكتور قال إن دي حالة عصبية .. وجالها نزيف بسبب هياج عصبي وضغط نفسي شديد وكمان هي لسه خارجة من حادثة فكل حاجة فوق بعضها.
يا ربي أنا مش عارفة أي اللي بيحصلنا ده؟
وعاصم ده كمان اتجنن مثلا ولا أي اللي بيحصل بالظبط.
حازم بهدوء: نتطمن بس على فاتن وبعدها نروح نشوف عاصم وحكايته.
اا .. لؤي كمان هنا.
شدا بسرعة: هـ هنا فين؟
ماله في أي؟
حازم بهدوء: اهدي بس .. هو كويس مفهوش حاجة .. بس والدته تعبانة.
شدا: هو فين؟
حازم: شفته عند غرف العمليات.
شدا: طيب خليك مع طنط هنا لحد ما ينقلوا فاتن غرفة عادية وأنا هشوفه على طول وأجي.
حازم ممسكا بذراعها: شدا .. هو فعلا تعبان عشان والدته .. فـ لو ..
قاطعته شدا: لو أي ياحازم!!
ماتقلقش أنا رايحة اتطمن عليه وأقف جنبه.
أماء حازم بصمت فغادرت على الفور متجهة حيث غرف العمليات.
رأته يجلس على أحد المقاعد مستنداً بظهره إليه ورأسه مرفوع إلى الحائط ومغمض العينين بإرهاق بادٍ على ملامحه المجهدة.
جلست إلى جانبه ووضعت يدها على كتفه بهدوء ففتح عينيه سريعًا ونظر إليها مطولاً.
وبقيت أعينهما معلقة ببعضهما لوقت لا يعلمانه حتى فُتح باب غرفة العمليات وخرج فراس بهدوء.
فنهض لؤي سريعًا متجهًا إليه.
فراس بهدوء واضعًا يده على كتف لؤي: متقلقش .. هي كويسة دلوقتي .. حتى نقدر ننقلها غرفة عادية كمان شوية.
علاجها هكتبه وأجبهولك وحاول على قد ما تقدر تخليها تنتظم عليه.
وأي تعب بسيط تبلغني بيه عشان كل حاجة دلوقتي مهمة في تحديد حالتها الصحية.
حمد الله على سلامتها.
تحرك فراس ليتنهد لؤي بارتياح أخيرًا.
مرَّ فراس بجانب شدا الواقفة مكانها وتحدث بصوت خفيض دون أن يسمعه سواها ودون أن يتوقف: خليكي جنبه متسبهوش.
نظرت لظهر فراس الذي تخطاها بذهول.
ثم عادت للؤي وهي تقول بهدوء: حمد الله علي سلامتها .. إن شاء الله تكون كويسة.
لؤي ببرود: شكرا.
شدا بحزن: لؤي أنا ...
قاطعها لؤي: لا الوقت ولا المكان مناسب لأي كلام.
شدا بهدوء: تمام .. اا .. أنا هشوف فاتن وهاجي تاني عشان اتطمن عليها.
لؤي: براحتك.
أماءت شدا بابتسامة حزينة ثم غادرت في صمت.
لينظر لؤي لظهرها الذي توليه له بنظرة حزينة.
رغم ما حدث ... آلمته ابتسامتها الحزينة تلك.
رغم كل شئ يحبها .. لا بل يعشقها تلك المتعجرفة.
ابتسم بخفة حينما تذكر هذا اللقب الذي أسماها به " المتعجرفة ".
ولا يعلم كونها قد أسمته بنفس المسمى ذات يوم.
***
جلسا يحتسيان الشاي بصمت قطعته دالين بسؤالها: انتي كويسة ياغرام؟
في حاجة حصلت؟
غرام بتنهيدة: هكون كويسة قريب أكيد.
أنا بس حبيت أشوفك عشان مشينا بسرعة امبارح أنا وفراس.
دالين بهدوء: اي اللي حصل خلى فراس في الحالة دي؟
غرام بعدم فهم: حالة أي؟
هو جه تاني؟
دالين بارتباك: اا .. هو... هو كان ناسي محفظته هنا ورجع خدها وكان باين عليه التعب وحالته مكنتش كويسة بس.
غرام بتنهيدة: حصل بينه وبين عمرو مشكلة كبيرة شوية.
معرفش تفاصيل بس .. بس هو خيرني بينه وبين عمرو.
شهقت دالين بخفة ووضعت يدها على فمها بذهول: فراس عمل كده؟
طب .. طب ليه بس؟
غرام بهدوء: صدقيني مش عارفة.
بس هحاول معاهم يمكن ربنا يجعلني سبب في الصلح بينهم.
دالين: في حاجة أقدر أعملها.
غرام بعدما طال صمتها: فراس.
دالين بعدم فهم: ماله؟
غرام بهدوء: تكلمي فراس وتحاولي معاه.
دالين: اا .. أيوه بس .. بس فراس يعني هيسمعلي أو ..
غرام مقاطعة: مجرد محاولة يا دالين.
من فضلك.
دالين باستسلام: حاضر.
غرام بهدوء: شكرًا.
أنا لازم أمشي بقا .. في عندي معرض وتنظيم.
دالين: أوك يا حبيبتي خلي بالك من نفسك.
احتضنتها غرام بود وابتسامة ثم غادرت بهدوء.
وهي تتمني أن ينصلح الحال للجميع.
***
كان يدور في مكتبه كالأسد الجريح.
الدنيا تدور به.
عقله يكاد ينفجر من التفكير.
من يكون شادي ذاك ليكون قريب من والدته إلى هذا الحد؟
إنه مجرد ابن لزوجها.
وهذا لا يعطيه الحق كي يبيت معها في نفس المنزل أو حتى يتواجد في مكان هي فيه.
وما علاقته بفاتن كي يتبرع لها بدمائه ويطلب ألا يعرفه أحد؟
ما الذي كان يقصده بفعلته هذه؟
وكيف علم بمكانها حينما حدثت تلك الحادثة؟
وأي شقة تلك التي تحدثت والدته عنها؟
يكاد يفقد صوابه.
طرقات على باب المكتب ثم دلوف شيرين التي تعلو ثغرها ابتسامة تشفِّي.
عاصم: عايزة إيه؟
شيرين: مراد بيه وصل.
وطالبك في مكتبه.
ألقت كلماتها ثم خرجت على الفور حتى لا تنال من بطشه هي الأخرى ما نالته فاتن.
أغمض عينيه بضيق وقد قرر المواجهه.
خرج من الغرفة متجها لغرفة مكتب والده.
دلف دون أن يطرق الباب حتى.
فـ أشار بيده لشيرين التي خرجت في صمت.
مراد وهو يشبك يديه معًا أمام المكتب: حضرتك إزاي ترفض صفقة أنا عملتها ووافقت عليها؟
عاصم: والله أنا اللي متحكم فيا عقلي مش مشاعري يامراد بيه.
مراد: لا والله.
أمال رفضتها ليه بقا يا بشمهندس لما عرفت إنها تخص شادي ابن أيهم.
عاصم بغضب: أنا رفضتها عشان شركته هتعلن إفلاسها قريب.
والصفقة اللي بتقول عليها صفقة دي رابحة ليه هو وخسارة علينا.
انت هتقومله شركته وبس.
وإن كان ع الأمن فشركات الأمن مالية البلد منتاش محتاج واحد هيفلس.
مراد ببرود: والله ياعاصم اللي أعرفه أحسن من اللي معرفوش.
غير إن شادي بيصفي شغل إنجلترا وهيدخل بيه هنا ويقوم شركته اللي شايف إنها هتعلن إفلاسها.
روح كلمتني وأنا وافقت.
وبعدها جالي شادي وخلاص إتفقنا.
انت كده بتصغرني سواء قدام روح أو شادي.
وأنا مبتنزليش كلمة في شركتي ياعاصم بيه.
عاصم بترقب: يعني إيه؟
مراد: يعني أنا كلمت شادي ودلوقتي على وصول عشان نمضي العقد.
وياريت ياعاصم تتكرم وتقعد بهدوء بصفتك مالك مستقبلي للشركة دي.
فـ لما أموت ابقى خد قرارات من دماغك.
عاصم بغل: وماله.
تمام تمام.
طرقات على الباب دلفت بعدها شيرين وهي تقول بهدوء: شادي الأيهم بره يامراد بيه.
مراد: خليه يتفضل ياشيرين.
جلس عاصم بهدوء كأنه لم يدخل في نوبة عصبية منذ الأمس أبدًا.
ربما هو هدوء ما قبل العاصفة.
فما قرره في تفكيره لن يحيد عنه أبدًا.
دلف شادي بهدوء وهو يقول بابتسامة: إزيك يا بشمهندس مراد؟
مراد بابتسامة مرحبة: أهلا أهلا ياشادي اتفضل.
تحول نظر شادي لعاصم الجالس فوق مقعده ببرود وتابع بابتسامة وعينيه تنظر له بتحدي: إزيك يابشمهندس عاصم؟
عاصم ببرود وقد بادله نفس نظرة التحدي: أنا فل أوي.
متشغلش بالك.
نورت الشركة يا .. يا ابن الأيهم.
استشعر شادي نبرة التذكير له من يكون في صوت عاصم فأكد برأسه بإماءة خفيفة ثم جلس مقابل عاصم وبدأ يتفق مع مراد على كل شئ.
في حين كان عاصم صامتًا تمامًا وهو ينظر لهما بضيق.
وما إن انتهوا حتى استأذن عاصم وخرج من المكتب ومن الشركة بأكملها.
***
دلفت لغرفة فاتن بهدوء لتجدها تنظر للشرفة بشرود ويجلس حازم بجوار الباب بينما تجلس سمر في نهاية الفراش والصمت مطبق على الغرفة بأكملها.
شدا بمزاح: إيه بقا ياست فاتن.
هو كل شويه توقعي قلوبنا يعني.
ولا انتي معرفتيش غلاوتك في المرة الأولى ولا أي حكايتك.
نظرت لها فاتن بأعين دامعة وما إن اقتربت شدا منها حتى تشبثت بها وانفجرت في البكاء.
أخذت شدا تمسد ظهرها بحنان في محاولة يائسه كي تهدئ من بكائها واهتزازها بهذا الشكل.
حازم بهدوء: أنا خارج شويه وجاي على طول.
خرج حازم من الغرفة وقام بمهاتفة عاصم وهو يقسم بداخله أنه سيهشم رأسه بسبب تلك الحالة التي وصلت لها فاتن.
عاود الإتصال عدة مرات بلا فائدة.
فأغلق الهاتف بضجر وهي يمسح على وجهه ورأسه بضيق.
فراس من خلفه: خير ولا إيه؟
التفت حازم سريعًا وهو ينظر له بملامح متجهمه.
فراس: أي يابني في أي؟
وانت بتعمل إيه هنا؟
حازم: فاتن صحبتي أنا وشدا.
كانت خارجة من حادثة قريب وحصل موقف معاها خلاها تنزف كتير وفقدت الوعي وحالتها وحشة فجبتها هنا.
فراس: تعالى معايا.
قولي هي فين.
حازم ببلاهة: ليه؟
فراس: هخطبها!
هيكون ليه يابني آدم.
هشوفها وافهم فيها أي.
أماء حازم سريعًا ثم صعدا معًا إلى غرفة فاتن.
***
طرق على الباب بهدوء لتفتح روح بابتسامة باهتة: تعالى ياحبيبي.
شادي: خدي خدي هنا.
إيه هو ده إن شاء الله.
في ورد هنا ياماما جاي لناس مخصوص.
ثم أخرج يده من خلف ظهره ورفعها أمام وجهها لتتبين لها تلك الباقة البنفسجية والتي تعشق لونها كثيرًا منتقاه بعناية وملفوفة بورق أبيض مزين بشريط بنفسجي لامع.
وتعل هذه الباقه لفافة شوكولاته كبيرة من النوع المفضل لديها أيضًا.
نظرت له بسعادة وهي تلتقطها من بين يديه ناظرة في عينيه بدموع: مش عارفة أقولك اي ياشادي يا بني والله.
ربنا يخليك ليا.
قبل جبينها بهدوء وهو يتمتم: ويخليكي ليا ياروح شادي.
مشوفش زعلك تاني لو سمحتي بقا.
وأنا وعاصم هنقدر نتفاهم بعدين.
الموضوع هياخد وقت عشان يقدر يتقبلني لكن مش هيأس.
أنا خلاص هفض شغلي في انجلترا وهكمل هنا.
وإن شاء الله هنكون أنا وعاصم اخوات وأكتر.
روح بتمني: يارب ياشادي يارب.
أعلن هاتفها عن اتصال ليقطع حديثهما.
أخرجته بهدوء لتجده شريف فأجابت بهدوء: ألو.
شريف بصوت مبحوح: روح.
روح بخضة: شريف!!!
في أي مالك؟
فاتن حصلها حاجه؟
شريف: فـ فاتن في المستشفي.
معرفش حصلها أي.
أرجوكي خليكي جنبها لحد ما أجي.
أنا في اجتماع بره البلد وراجع على طول.
روح: مسافة السكة هروحلها.
أغلقت معه وركضت للداخل جلبت حقيبتها وخرجت مع شادي بعدما أخبرته بما قاله شريف.
فانطلق بها سريعًا حيث المستشفى.
***
كانت لا تزال تبكي بين ذراعي شدا حينما دلف فراس وحازم.
سمر بتساؤل: مين حضرتك.
حازم بهدوء: ده دكتور فراس.
صديقي.
هيشوف فاتن وحالتها.
فراس: شدا قومي شويه بعد إذنك.
أماءت شدا بأعين دامعة وتحركت من جانب فاتن التي ما إن تحركت شدا حتى سقطت فاقدة للوعي.
صرخت شدا بذعر واقترب فراس منها ليجد الفراش ملئ بالدماء.
خرج سريعًا وطلب احتياجاته الطبية وبدأ بفحصها بهدوء.
بينما هاتفت سمر شريف الذي بدوره حادث روح.
فهو يعلم بأن سمر لن تكون مسئولة جيدة عن ابنته في هذه الحاله.
وفاتن تصرفاتها مؤخرًا مع والدتها يوحي بالنفور بينهما.
تحدث فراس بهدوء: هننقلها لغرفة تانية.
وبالفعل تم نقلها لغرفة أخرى وبدأ فراس وبعض الأطباء في متابعة حالتها.
كان الجميع في الخارج يقفون في حالة خوف وترقب.
حتى وصلت روح وشادي.
روح بخوف: فـ فاتن حصلها أي؟
هي كويسة؟
اقتربت منها سمر بغل: كله بسبب إبنك.
كله بسبب إبنك.
هو اللي وصل بنتي للمرحلة دي.
أقسم بالله لو حصلها حاجة هقتله.
سمعاني ياروح.
هقتلهولك.
كان حازم يمسك بسمر حتى لا تتهور وتهجم على روح الواقفة بازبهلال وعدم فهم.
شعرت بالدوار فأسندها شادي وأجلسها إلى إحدى المقاعد ووقف بهدوء مع شدا التي كانت تقف مستندة إلى الحائط.
وقد تذكرها.
إنها نفسها الفتاة التي رآها اول مرة حينما أنقذ فاتن من الحادث.
شادي بهدوء: ممكن أعرف مالها؟
هي كويسة؟
وأي اللي حصل؟
شدا: معرفش اللي حصل.
بس هي بتنزف جامد.
وفقدت الوعي كذا مرة.
وحالتها كل مدى كل ما بتسوء.
مش عارفة في إيه!!
أنهت جملتها ودموعها تسقط بضعف على وجنتها.
وقف شادي لا يعلم ماذا يفعل.
فأخذ يربت على كتفها بهدوء: طـ طب اهدي لو سمحتي.
هي هتكون كويسة.
هتكون كويسة والله اهدي.
لم يكن يدري بوجود ذاك الواقف بنهاية الممر ويشعر بنيران تتصاعد في رأسه بسبب قرب شادي منها هكذا.
ولم يدري هو بقدميه التي تحركت لا إراديًا تجاههما وهو ينوي قتل أحدهم.
لكنه توقف متجمدًا وهو يراها تبكي.
هل حقًا تبكي؟!!!
وصل حيث يقفان ونادى ببحته المميزة والمطربة لأذنيها: شدا!
شدا بسرعة: لـ لؤي؟
اقترب لؤي منهما فابتعد شادي خطوتين للخلف.
لؤي بهدوء: في أي؟
شدا: فاتن تعبانة أوي.
مش عارفة إيه اللي بيحصلنا ده.
كل المصايب جاية ورا بعض.
أنا خايفة م اللي جاي بعد كده.
أخذت تبكي بقوه ولم يشعر بنفسه سوى وهو يمسك بيدها يطمئنها فنظرت له بعينيها المتورمة ليبتسم بهدوء وهو يضغط على عينيه.
فبدأت تهدأ شيئًا فـ شيئًا.
ولم يمر الكثير من الوقت حتى خرج فراس وهو يقول مسرعًا: دم.
محتاجين دم.
خرج شادي من بينهم: أنا نفس فصيلتها.
خد منـ ...
قطع كلماته وهو ينظر لفراس الناظر له بعدم فهم هو الآخر.
ما الذي يفعله شادي هنا؟!!
***
دلف للڤيلا بهدوء لتقابله جومانه بسعادة: رأفت.
رأفت باستفهام: خير؟
جومانه: فراس.
فراس أخيرا أخيرا أخيرا قلبه اختار.
رأفت بلامبالاه: آه واختار مين بقى.
جومانه: معرفش بالظبط مين هي.
بس أنا بقى سمعته هو وغرام بيتكلموا مع بعض.
والبنت إسمها دالين.
شحب وجهه على الفور وهو يسألها متمنيًا أن يكون ما سمعه غير صحيح: إسمها أي؟
جومانه بابتسامة: داليييين.
إسمها دالين.
كز رأفت على أسنانه بغضب ثم خرج من الڤيلا سريعًا وهو يلعن تحت أنفاسه.
استقل سيارته بسرعة وأخرج هاتفه وأجرى اتصالًا ما.
ثم وضع الهاتف بجانبه وهو يقول بضيق: لو اللي في دماغي صح.
هتبقى جبته لنفسك يافراس.
***
دلت غرام للمعرض الكبير الذي ستُعرض فيه لوحات لفنانين كبار.
كانت تسير بثقة ورشاقة.
من يراها يُقسم أنها لم ترى حزنًا في حياتها قط من تلك الإبتسامة الجذابة التي ترسمها على محياها دومًا.
تقابلت مع مدير المعرض فرحب بها بحرارة وهو يُقدمها لبعض الفنانين الذين سيعرضون رسوماتهم أيضًا في المعرض.
غرام بهدوء بعد أن تبادلت معهم جميعًا السلام: تشرفت بحضراتكم.
الجميع: الشرف لينا طبعًا.
المدير: اتفضلي معايا عشان تشوفي بنفسك المكان.
غرام بابتسامة: شكرًا جدًا.
لم تكن تنتبه إلى ذاك الواقف عند باب المعرض يراقب تحركها برشاقة بين لوحة وأخرى وابتسامتها.
و آه من ابتسامتها وما تفعله به.
كان يتمنى فقط لو استطاع الدلوف معها محاوطًا كتفيها.
ويريان معًا جميع الرسومات هنا.
لكن أليس لكل شئ حكمة؟
يكفي رؤيتها وهي سعيدة بتحقيق حلمها.
حتى لو لم يشاركها إياه.
فسعادتها فقط تكفيه.
تنهد بابتسامة وهو يراها تضحك بخفة مع إحدى العاملات بكل تواضع.
واتسعت ابتسامته وهو يراها تُداعب طفلة صغيرة تحملها والدتها.
تنهد براحة ثم غادر بهدوء كما أتى بهدوء.
***
أنهت بعض الأعمال لديها وقررت الدلوف لمكتب رأفت خلسة.
أخرجت تلك الفلاشة من جيبها تتأكد من وجودها ثم وضعتها مجددًا.
وبالفعل استطاعت الدلوف للمكتب.
وضعت الفلاشة داخل جهاز اللاب توب الخاص برأفت ووضعت إحدي البرامج داخل الجهاز ثم سحبتها بهدوء وخرجت وكأن شيئًا لم يحدث.
وبينما تركض في الممر متجهة للأسفل فإذا بها تصطدم بصدر خشن قوي فترنحت للخلف وكادت تسقط لو لم تستعد توازنها سريعًا.
جحظت عينيها بخوف حينما رأته أمامها.
فتتمتم بخفوت: د .. دكتور رأفت!!!
رواية ضمير ميت الفصل الرابع عشر 14 - بقلم دنيا آلشملول
كانت تنظر تجاهه بأعين زائغة. ألف سؤال وسؤال يدور داخل رأسها. هل علم بما فعلته؟ لما عاد بهذه السرعة؟ لما يبدو غاضبًا هكذا؟
رأفت بحدة: هتفضلي واقفة متنحة كده كتير؟
بدور وقد انتبهت سريعًا واعتدلت بهدوء محاولة استجماع شجاعتها: اا حضرتك، أنا... أنا جيت لحضرتك المكتب أستأذن بس في أجازة يومين. وملقتش حضرتك في المكتب وكنت راجعة أشوف دكتور فراس.
رأفت بضيق: انتي هتحكيلي قصة حياتك! شوف شغلك، مفيش أجازات الفترة دي خالص، خصوصًا اليومين دول.
بدور بتلقائية: ليه؟
رأفت مضيقًا عينيه: انتي قلتي حاجة؟
بدور بسرعة: لا لا أبدا. اللي حضرتك تشوفه يادكتور طبعًا.
غادر من أمامها وهو ينظر لها شزرًا. وما إن سمعت صوت إغلاق غرفة المكتب حتى تنهدت براحة واستعادت توازنها من جديد.
نزلت للأسفل لتباشر بعض الأعمال، لكنها تقابلت مع وليد في الممر.
وليد بهدوء: آنسه بدور.
بدور: هممم.. نعم.
وليد بابتسامة: اا أنا عارف إنه لا مكانه ولا وقته أبدًا.. بس.. بس أنا يعني كنت عايز اا..
بدور مقاطعة: فيه إيه يادكتور؟ حضرتك مش مجمع ليه؟
وليد بسرعة: عايز معاد من والدك.
بدور ببلاهة: معاد إيه؟
وليد: معاد أقابل والدك فيه وآجي أتقدملك.
بدور وقد اتسعت عينيها وجف حلقها: نـ نعم؟
وليد: اا أنا آسف فعلا.. عارف الأمور دي مبتتقالش هنا بس أنا..
بدور: دكتور وليد.. ياريت حضرتك تكون فاكر بس إحنا هنا بنعمل أي؟ فلو سمحت متتخطاش حدودك معايا.
وليد بهدوء: وفين تخطي الحدود دلوقتي؟ أنا بقولك عايز معاد.
قاطعته بدور: آسفه بجد.. أكيد ربنا هيعوضك بالبنت اللي تستاهلك. حضرتك دكتور ناجح وكبير وألف من تتمناك.. لكن أنا للأسف ده مشغول.. ومقدرش.
أشارت بيدها تجاه قلبها قبل أن تغادر المكان، تاركة خلفها وليد الذي عض على شفتيه بحسرة قبل أن يتمتم بهدوء: وأنا أتمنالك السعادة أينما كانت.
ثم غادر هو الآخر غافلاً تمامًا عن ذاك الذي يُراقب الكاميرات بضحكة عالية: والله وطلعت حبيب كمان ومُضحي وشهم يا وليد.
***
كان يقف ناظرًا لشادي الواقف أمامه بعدم فهم. لكنه تخطى الموقف سريعًا وهو يقول: انت متأكد؟
شادي: أيوه متأكد.. أنا اتبرعتلها من فترة قريبة.
فراس: تمام.. هتروح مع الممرضة حالا عشان تجهز.
وبالفعل تم تجهيزه ودلف لغرفة فاتن واستلقى إلى فراش بجانبها وبدأ فراس بعمل اللازم لنقل الدم من شادي إلى فاتن.
بينما يقف الجميع في الخارج وحالة من التوتر تسيطر عليهم جميعًا.
انتبه لؤي ليده التي تمسك بيد شدا فسحبها سريعًا وهو يقول بهدوء: أنا هشوف ماما وشو وهبقى آجي تاني.
شدا بنفي: لا لا.. خليك مع والدتك.. وأنا لما تتحسن فاتن هطلع أطمن عليها وعليك.
أماء لؤي بهدوء وغادر المكان.
بينما حازم كان لا يزال يحاول مهاتفة عاصم الذي أجاب أخيرًا.
حازم بضيق: انت فين يابني آدم انت؟
عاصم: عايز أي ياحازم أنا مش فايقلك.
حازم بسخرية: طبعًا مش فايقلي.. فايق بس تروح تتشطر على مراتك وتسيبها سايحة في دمها وتمشي.
عاصم بخوف: فـ فاتن؟!!! مالها فاتن؟ أي اللي بتقوله ده؟ حصلها إيه ياحازم انطق.
حازم بسخرية: لا متخفش.. نزيف وضغط عصبي وفي العمليات جوه بينقلولها دم كمان.. متقلقش حاجة بسيطة يا أخي.
أغلق عاصم في وجهه وقاد سيارته بسرعة جنونية متجهًا إلى المستشفى. وما إن وصل حتى دلفها على عجلة من أمره دون حتى أن يهتم لغلق باب السيارة. وصل حيث يقف الجميع في الانتظار. فاقترب بترقب، وما إن رأته سمر حتى هجمت عليه. لكن يد حازم كانت الأسرع حينما حاوطها بقوة وهو يقول بترجي: أرجوكي ياطنط مش هنا ولا دلوقتي.. حالة فاتن متسمحش.. أرجوكي.
سمر بضيق وعصبية: يمشي من هنا وهسكت.. يخرج من هنا وهسكت.. سيبني ياحازم سيبني.
لم يُعِرها عاصم اهتمام بل أكمل طريقه إلى غرفة فاتن. وما إن رآها من الدائرة الزجاجية المطلة على الغرفة نائمة في هدوء هكذا حتى دق قلبه بعنف وألم لما آلت إليه حالتها بسببه. لكن سرعان ما تحول هذا الألم إلى غضب وهو يرى شادي الممدد إلى الفراش المجاور لها وتُنقل منه دماءًا إليها. تحول وجهه للأحمر وفارت عروقه بغضب وقبض على يديه بقوة تزامنًا مع خروج فراس من الغرفة. فاندفع عاصم بدون وعي إلى الداخل كي يقضي على شادي. وقبل أن تصل يده إليه.. أحكمته قبضة قوية لم يستطع الفرار منها أو الاقتراب من شادي. فأخذ يصرخ بهستريا: سيبني هموته.. هموته سيبني.. هموتك.. أقسملك بالله هموتك ياكلللب.
جذبه فراس بعنف ودفعه خارج الغرفة. وكاد أن يسقط إثر دفعة فراس لكنه استعاد توازنه سريعًا.
فراس بحده: أي اللي انت بتعمله ده؟ انت متخلف!!
عاصم بعصبيه: خرَّج الكلب ده من عندها وأنا هتبرعلها بالدم اللي تحتاجه.
فراس بحده: والله إحنا مش هنوقف نقل دم من متبرع لمريضة عشان خاطر سيادتك عايز كده. إحنا لقينا المتبرع واتبرع وخلاص انتهي الأمر. وتاني مره هتدخل الغرفة بدون إذن هخلي الأمن يخرجك بره. إحنا في مستشفى مش ع القهوة.
عاصم وقد هربت منه كل موازين العقل. اقترب من فراس وهجم عليه. ولكن فراس كان الأسرع حينما تفادى ضربة عاصم ثم أمسك بيده سريعًا وأداره للخلف وأمسكه بقوة وأخذ يتحدث بحده: أقسم بالله هنسى إني دكتور وهتعامل معاك معاملة شوارعية. إحترم نفسك وبالزوق إطلع بره.
اقترب حازم ليبعدهما عن بعضهما وهو يقول بهدوء: لو سمحت ياعاصم بلاش مشاكل. ده لا الوقت ولا المكان المناسب. وفاتن حالتها صعبة. أرجوك اتمالك أعصابك بس واللي انت عايزه هنعمله.
عاصم بعصبيه: أنا مش عايز الكلب ده يقرب من مراتي تاني.
قاطعهم صوته البارد: الكلب مقربش من مراتك أولاني عشان يقربلها تاني. ثم إني حتى شكلها معرفوش. تخيل! بس عارف ياعاصم.. بعد اللي عملته ده.. أوعدك إني أخليك تتحسر عليها.. خصوصًا إنك السبب في اللي هي فيه.
دفع عاصم فراس واقترب من شادي الذي خرج من الغرفة للتو وبدأوا في الاشتباك حتى أتى الامن بأمر من فراس وجذبوا عاصم للخارج عنوة. تحت صياحه وتهديداته لشادي وسبابه اللاذع.
ترنح شادي قليلا فاقترب منه فراس وأسنده إلى مكتبه ووصى على وجبة سريعة وبعض العصائر كي يستعيد توازنه من جديد.
بينما بقيت روح تبكي في مكانها على ابنها وما آل حاله إليه. وشدا تحاوطها بهدوء.
***
خرجت من المعرض وهي تتنهد بهدوء. ثم دلفت لسيارتها متجهة للمنزل. وما إن وصلت حتى دلفت بهدوء لتقابلها والدتها بحماس: تعالي بقا عشان مش هسيبك النهارده غير لما تقوليلي كل حاجة عن دالين وإلا والله هعرف من بره وساعتها هزعل أوي.
غرام بتنهيدة: ياماما ياحبيبتي يعني يرضيكي أقولك سر فراس قالهولي عشان ميبقاش يقولي أسرار تاني!
جومانه بحزن مصطنع: إخص عليكي ياغرام.. وأنا يعني هقول لمين يعني.. أنا بس عايزة أعرف هي مين.. وبنت مين.. وعلاقتهم وصلت لفين.. وهو ناوي على إيه معاها.. عايزة أتطمن عليه بس.. تقومي تقولي معدش يحكيلك؟!! لا.. إخص عليكي ياغرام ملكيش حق.. لا.
غرام باستسلام: حاضر ياماما هقولك.. بصي ياستي.. دالين دي بنت كان فراس هيخبطها بالعربية بس ربنا سترها. بس البنت من الخوف وقعت مغمى عليها. فراس عملها الاسعافات الأولية في العربية لحد ما فاقت. بعدين بقا هي زقته لما لقيته قريب منها وكانت هتصوت بس هو قالها إنه دكتور وكان بيسعفها فسكتت. هو بقا من اليوم ده ومشاعره متحركه تجاهها. شافها مرة تانية مع صحابها في النادي تقريبًا وبردو حبها أكتر. بس ياستي دي كل الخلاصة. بس هو مقليش هي بنت مين ولا كده.. هو قال إسمها بس.
جومانه بغمزة: طب مـ تتعرفي عليها وتقربي منها.
غرام: حاضر ياماما.. في الخطة ده متقلقيش.
جومانه بسعادة: ياااااه.. وأخيرًا يافراس.
غرام: إيه ياماما حيلك بس.. هو فراس عنده مية سنه؟ دول ستة وعشرين سنه.. محسساني إنه عجز ليه كده!
جومانه بتذمر: وهو مين بس في سنه ده ومحبش.. دا انتي حتى متجوزة. آه صح ياغرام.. عمرو بقالوا كام يوم مجاش ليه؟ ولا بشوفك تكلميه ولا يكلمك؟ هو فـ مهمة ولا حاجة؟
شهقت بخفة واضعة يدها على فمها وهي تتابع: اوعوا تكونوا متخانقين!
غرام بتنهيدة: لا ياماما هو في مهمة فعلا.
جومانه بعدم تصديق: غرام.
غرام: خلاص بقا ياماما.. أنا تعبانة ومحتاجة أرتاح شوية. وبعدين عندي معرض آخر الشهر وفي حاجات كتير عايزة أعملها. فأرجوكي بقا.
تحركت بخفه من جانب والدتها صاعدة لغرفتها. لكنها سرعان ما بدلت ثيابها وخرجت من الڨيلا إلى حيث دالين.
بينما بقيت جومانه في مكانها تنظر لظهر ابنتها بعدم تصديق. بالتأكيد هناك شئ ما.
***
بعدما استعاد شادي توازنه بالكامل تحدث له فراس بهدوء: ها.. انت كويس دلوقتي؟
أماء شادي بصمت فتابع فراس: طب ممكن أفهم إيه اللي بيحصل ده؟ وانت هنا بتعمل إيه؟ وليه الهمجي ده هجم عليك كده؟
أخذ شادي زفيرًا طويلاً ثم أخرجه ببطء مع كلماته: انت عارف طبيعة شغلي. وعارف إني بوفق بين شغلي هنا وفي انجلترا. أنا طبعا قبل وفاة بابا مكنتش بسيب مصر غير فين وفين. بس طبعًا بموت بابا ووجود روح هناك فضلت جنبها فترة. وفي يوم جه لروح إميل من جوزها القديم بيقولها إنهم حددوا فرح عاصم إبنها وفاتن بنت عمه. فطبعًا روح قالت هننزل عشان نحضر الفرح. ولازم ننزل قبله بفترة عشان تكون جنب إبنها. وفي نفس الليلة اللي وصلنا فيها مصر. وصلت ماسيدج لروح ونصها كان "مرات إبنك في شقة عنوانها ( ... ) .. ياتلحقيها يامتلحقيهاش."
طبعًا رسالة زي دي مكنش فيه عقل أصلا عشان نفكر. فطلعت فورًا على العنوان اللي في الرسالة. وبمجرد ما وصلت شفت بنت بتجري وباين عليها بتعيط جامد وكمان مدروخه زي ما يكون هتقع. واخدت عربيتها وساقت بسرعة جنونية لدرجة إنها كسرت مراية عربية واحد كان راكن قدامها. روح قالت أنا هنزل أشوف في إيه فوق. وانت الحقها دي فاتن مرات عاصم. وفعلا نزلت هي وأنا جريت ورا فاتن. لحد ما وقفت في مكان الكل متجمع فيه ولمحت عربيتها مولعة من قدام. نزلت جري وخدتها من العربية وكانوا الناس طلبوا الإسعاف وأسعفناها. ولما رحت معاها المستشفي طلبوا دم واتبرعتلها. واصحابها لما جم أنا مشيت ووصيت في الاستقبال إن محدش يقول إسمي. وده مكنش ليه أي سبب غير إني مش عايز أدخل في التحقيق بتاع الشرطة لا أكتر ولا أقل. بعدها أنا كنت مقدم على صفقة مع شركات الراوي عشان شركة الأمن بتاعتي هنا علي وشك الافلاس. ولحد ما أصفي في إنجلترا. وبعد مفاوضات بيني وبين مراد أبو عاصم وافق. بس بعدها بيومين سافر وجه عاصم إبنه شاف الصفقه ورفضها. بعدها اتقابلنا في شقة والدته. وهو اتعصب جامد وعفاريته طلعت وأنا سبته ومشيت. بعدها رجع مراد الراوي كلمني واعتذر على إلغاء الصفقة وقال هيرجعها تاني. وفعلا روحتله واتفقت معاه في وجود عاصم. بعدها رحت لروح عشان أراضيها بعد ما شديت أنا وعاصم قدامها. فجالها تليفون من أبو فاتن عشان تروح لفاتن المستشفى. ولما رحنا عرفت إن عاصم اللي وصلها للحالة دي. بس معرفش عمل إيه بالظبط. والباقي إنت عارفه.
فراس بتنهيده: إيه الزفت ده؟
شادي: والله ما أنا عارف أي اللي بيحصل بالظبط. ألا قولي أي حصل معاك بخصوص البنت اللي أنقذتها دي. والبت اللي كانت خاطفاها؟ وصلت لحاجه ولا إيه الدنيا؟
فراس: دالين لسه معايا. والبت سفرتها واديتها مطلق الحرية في التصرف بعد ما ادتها مبلغ تقدر تفتح منه مشروع كويس عشان مترجعش للشغل ده تاني. أما أسباب خطف دالين لسه موصلتش لحاجه أكيده.
شادي: ياااه يافراس.. ده الموضوع عدى عليه وقت طويل يابني. طب الشرطة عملوا إيه؟
فراس بلامبالاه: اتُقيدت القضية بتاعة الجثة ضد مجهول.
شادي: معقولة!! طب ودالين اللي المفروض لسه مخطوفة؟
فراس: عمرو جوز أختي وصاحبه كانوا ماسكين القضية وخلصوها. أنا كنت معرف عمرو كل حاجة. وكان في واحدة بتساعدني أعرف خطوات الظابط التاني. وقدرت أسبقه بخطوة كل مره وأبعده عن طريق وجود دالين. وكل ده عشان أكسب وقت بس وأعرف سبب خطفها.
شادي: وانت مهتم ليه كده؟
فراس: سيبك انت. المهم انت هتستقر هنا بقا ولا إيه؟
شادي: اه.. شهر ولا اتنين بالكتير وهكون صفيت شغلي هناك وهستقر هنا.
فراس بهدوء: تنور ياباشا.
ابتسم شادي بهدوء ثم استأذن للذهاب.
***
جلس لؤي بجانب والدته وأخذ يقبل يدها بحب: ألف ألف ألف حمد الله على سلامتك ياست الكل. كده تخضيني عليكي وكنتي هتوقفي قلبي.
جنات وهي تربت على وجنته بحنان: بعد الشر عنك ياحبيبي.. بعد الشر.
طرقات على الباب قاطعتهما فأذن لؤي للطارق بالدلوف. دلف فراس بهدوء وابتسامة هادئة على غير العادة ترتسم على محياه ليقول ببحة خفيفه: حمد الله على سلامتك يا ست الكل.
نظرت له جنات قليلا بشئ من التَّفَحُّص. ثم قالت بخفوت: الله يسلمك.
فراس بهدوء: أنا دكتور فراس.. المشرف على العمليه بتاعة حضرتك.
أماءت جنات عدة مرات ثم لازمت الصمت بعدها. فحصها فراس سريعًا ثم ابتسم بهدوء وهو يدون بعض الملاحظات وتحدث موجهًا حديثه للؤي: حمد الله على سلامتها. إن شاء الله يومين بالكتير وتقدر تخرج بيها. ودي كل الأدوية اللي هتحتاجها. وطبعا مش هوصيك تاني.. الأدوية ضرورية وأي حاجة تحصل أعرفها أول بـ أول عشان ده مهم جدًا في تحديد حالتها الصحية. أستأذن أنا.
ثم نظر تجاه السيدة جنات التي تنظر له في حزن دفين وتحدث بهدوء: حمد الله على سلامتك مرة تانية ياست الكل.
غادر المكان بهدوء تاركًا لؤي الجالس في حيرة من أمره بسبب تصرف فراس معه. من المفترض أن يتجنبه أو يتجنب النظر إليه. لكن لما يقف أمامه بهذه الثقه وهذا الهدوء. ما الذي يخفيه فراس عن الجميع؟
بينما كانت السيدة جنات سابحة في شرودها الذي أصبح لا متناهي في الفترة الأخيرة. فهي دائما تفكر في نفس الموضوع. هل سيسامحها لؤي حينما يعرف بالحقيقة أم ماذا؟
***
دلفت لغرفة الممرضات بهدوء وقامت بالإتصال على رقم ما. حتى أتاها الرد.
شدا: ها يا بدور عملتي إيه؟
بدور: كله تمام وفل الفل. البرنامج في الجهاز دلوقتي و نشط كمان.
شدا: براڤو. إوعي يكون حد شافك.
بدور: لا لا خالص. بس في حاجة.. لما خرجت من المكتب قابلني دكتور رأفت. فعشان أتحجج قلتله إني جيت أطلب أجازه فقالي اليومين دول بالذات مينفعش أبدا. وكان واضح إنه بيتكلم بجدية زيادة كده وعصبية.
شدا: امممم.. أنا لازم أقول لفراس. خلاص يابدور أوك. خلي بالك من نفسك ها.
بدور: متقلقيش.
أغلقت بدور مع شدا وتنفست الصعداء. ثم عدلت ملابسها وخرجت من الغرفه.
***
شدا بهدوء: حازم اللاب توب فين؟
حازم: في العربية.
شدا: طب تعالى معايا.
خرجا معًا بهدوء وجلسا داخل السيارة. وبدأت شدا في فتح الجهاز وبعدها قامت بمتابعة جهاز رأفت الصاوي الذي أصبح متصلًا بجهازها الآن عن طريق برنامج الاختراق الذي وضعته بدور داخل جهاز رأفت.
حازم: ها.. وصلتي لحاجة؟
شدا بسرعة: لازم نطلع لفراس. هو اللي هيفهم كل ده.
صعدا معًا وجلسا أمام فراس بهدوء بعدما أخذ منهم الجهاز وبدأ في تفحص الجهاز بأعين ثاقبة.
شدا: ها.. لقيت إيه؟
فراس: أنا لازم أروح المستشفى فورًا.
تحرك سريعًا من أمامهم. ولم يمنح لأي منهما فرصة سؤاله عن أي شئ. فما رآه الآن كفاية لأن ينقلب حاله إلى النقيض تمامًا.
***
وصل للمستشفى وترجل من السيارة سريعًا. كانت بدور على وشك الخروج من البوابة قبل أن تصطدم به. ترنحت للخلف لكنها استعادت توازنها سريعًا.
فراس بهدوء: ماشية؟
بدور: آه.. محتاج حاجة؟
فراس: خليكي نص ساعة بس. إحتمال أحتاجك. خليكي في غرفة الممرضات.
تحرك سريعًا بعد جملته تلك دون أن ينتظر ردًا منها. وكان على وشك الدلوف لمكتب والده ولكن أوقفه صوت والده الصارخ من الداخل. فهربت الدماء من وجهه وجف حلقه وانتفض قلبه بعدما سمع ما تفوه به والده.
ركض للخارج مجددًا وهاتف شادي الذي أجاب بهدوء: فراس؟
فراس: شادي بسرعة بنفسك تطلع على العنوان اللي هبعتهولك في ماسيدج وخد شدا معاك من المستشفى. وطلعوا دالين من الڤيلا فورًا.
شادي بسرعة: تمام.
أغلق فراس وهو يتنفس بسرعة. وأرسل العنوان في رسالة نصية. والآن لن يواجه والده. لطالما علم والده بوجود دالين مع فراس فمن الآن سيلعب لعبته البديلة.
***
أنهى رأفت المكالمة المهمة بالنسبة إليه ثم جلس إلى مكتبه بضيق مغمض العينين بقوة.
طرقات على الباب دلف بعدها مهاب الذي تحدث بفتور: أي حصل تاني يارأفت؟
رأفت بضيق: دالين بنت الربيعي.. اللي خطفها هو فراس ابني.
مهاب بتوجس: فراس! وده عمل ليه كده؟ معقولة عرف حاجة؟
رأفت: معرفش. بس لازم نكون حريصين وإحنا بنتعامل معاه. فراس مبيبينش اللي جواه بالساهل.
مهاب: والله يا رأفت ده ابنك. والمفروض إنه يبقى تحت دراعك. أنا مش عارف انت سايبه ليه كده!
رأفت: انت عارف فراس وحوار المبادئ والأخلاق. فراس تربية جومانه مش رأفت. عرفت ليه مش تحت دراعي.
مهاب زافرًا بضيق: والله فراس لو كان تحت إيدك كان نفعنا في حاجات كتير أوي يا اخي. المهم.. انطلبت مننا شُحنة جديدة. بس خد بالك شُحنة المرادي تقيله شويتين.
رأفت: إيه التفاصيل.
مهاب: استنى هجيب جهازي واجيلك.
خرج مهاب واحضر جهاز اللاب توب ودلف لرأفت مجددًا وقام بتوصيل الجهازين ببعضهما وبدآ في قراءة تفاصيل الشحنة المطلوبة.
رأفت: الموضوع صعب شويه. بس مش علينا أكيد.
مهاب بضحكة خبيثة: عيب يا رأفت. والضحية تحت إيدي.
رأفت بضحكة عالية: دا انت متفوتكش فايتة أبدا.
مهاب بضحكة: عيب عليييك.
رأفت: وبنت الربيعي كمان.. هتبقى فوق البيعة.
مهاب بغمزة: وماله.. فوق فوق البيعة كمان.
ضحكا معًا بصوت عالي وبدآ في التحدث عن الشحنة وما سيفعلانه بها.
***
كانت في طريقها لغرفة والدة لؤي ولكن قبل أن تطرق الباب أتاها صوت شادي: شدا.. شداا.
التفتت شدا لمصدر الصوت فوجدته شادي قادمًا إليها ركضًا.
شدا بخوف: في إيه؟؟؟ فاتن حصلها حاجه؟
شادي بسرعة: لا.. دالين... يلا بسرعة هنطلع دالين من الڤيلا.
شدا برعب: د دالين مالها حصل أي؟
شادي: يلا بسرعه مفيش وقت.
كانا على وشك الذهاب لكن قاطعهما صوت لؤي: أي اللي بيحصل هنا؟
شادي بارتباك: اا أنا جاي اخد شدا تشوف فاتن بس.
نظر لؤي لشدا وهو يقول بهدوء: دالين مالها؟
ازدردت شدا ريقها بتوتر ثم قالت سريعًا: تقريبا دالين في مشكلة. بعدين هكلمك.
لؤي سريعًا: خليكي هنا جنب أمي وأنا هروح معاه.
لم يعطها فرصة للرد فجذب شادي وركضا من المكان سريعًا.
شادي لم يعرف ماذا عليه أن يفعل. فأرسل لفراس رسالة أخبره فيها بما حدث بإيجاز.
فرد فراس برسالة هو الآخر بأن لا مشكلة وهذا أفضل.
وصلا حيث العنوان فترجل شادي ولؤي من السيارة ودلفا للڤيلا بعدما أفسحوا رجال الأمن الطريق لهما. فهم يعرفون شادي معرفة جيدة. فهو من وظفهم لدى فراس من الأساس. ولأن فراس هاتفهم أيضًا وأخبرهم باللازم.
شادي موجها حديثه لرجال الأمن: مجرد ما نخرج من هنا تمحو أي أثر لوجود أي حد هنا وتستنوني في الشركة.
أماء الحراس بهدوء. فدلف لؤي أولا وأول من رآته كانت السيده ابتهال. ولم تستعجب وجوده. فقد هاتفها فراس وأخبرها بأنها ستنتقل هي ودالين من المكان.
لؤي بهدوء: فين دالين؟
قاطعه صوتها وهي تنزل الدرج: أنا هنا.
لؤي بهدوء: نمشي؟
أماءت دالين عدة مرات فتحرك لؤي تجاهها وحمل حقيبتها ظنًا انها ثقيلة أو شئ من هذا القبيل. ودلف شادي وحمل حقيبة السيدة ابتهال. وخرجوا جميعًا من الڤيلا. كان شادي هو من يقود السيارة. فسأل لؤي بهدوء: فراس مقالش هنروح فين.. هنعمل إيه؟
لؤي بتفكير: اطلع على البيت عندي.
شادي بعدم فهم: البيت عندك إزاي يعني؟
لؤي: عندي محدش هيوصلها. انجز دلوقتي.
كانت دالين تجلس في الخلف وتستمع لهما ببعض الخوف. وكانت السيدة ابتهال تمسك بيدها وتُربت عليها بهدوء لتطمئنها ولو قليلا.
وصلوا أخيرًا حيث منزل لؤي. فدلف لؤي أولا وأفسح لهم مجالا للدخول. ثم أخبر كل من دالين والسيدة ابتهال بأن يعتبراه منزلهم. ثم تحرك هو وشادي من المكان.
***
بدأت تفتح عينيها تدريجيًا حتى اتضحت لها الرؤية تماماً. فأخذت تنادي بوهن: عـ عاصم.. عاصم.
اقتربت روح منها سريعًا وأمسكت بيدها وأخذت تقبل جبينها بحب وهي تتمتم: حمد الله على سلامتك ياحبيبتي.. ألف حمد الله على سلامتك.. ربنا ما يعودها أبدا أبدا يارب.
فاتن بوهن: أنا.. أنا فين؟.. عـ عاصم.. عاصم فين؟
روح بهدوء: عاصم جاي ياحبيبتي.. جاي على طول متقلقيش.. وانتي في المستشفى.
أماءت فاتن بهدوء قبل أن تنفجر باكية وهي تقول بصوت مبحوح: عاصم ضربني.. أنا معرفش إيه اللي حصل.. هو.. هو أي اللي حصل ياطنط؟.. عاصم ماله؟.. وليه ضربني؟
روح بتنهيدة محاولة أن تكون هادئة قدر المستطاع: اهدي يا فاتن.. مينفعش كده.. قوميلنا بالسلامة بس وبعدها كل حاجة هتتحل.
فاتن من بين دموعها: هو قال لماما بنتك طلعالك.. هو قصده أي؟ ليه بيقولي أنا شبهها.. أنا مش كده والله.
روح وقد ذُهلت مما سمعته للتو: عاصم قال كده؟
أماءت فاتن بتعب وهي لا تزال تبكي.
ربتت روح على شعرها بحنان وهي تقول بهدوء: اهدي يابنتي اهدي عشان خاطري.. هو في سوء تفاهم.. في حاجة غلط.. وعاصم هييجي عشان يصلح غلطه ده متقلقيش.. هيجيلك والله يابنتي.
أماءت فاتن بهدوء وبدأت تغفو من جديد.
تنهدت روح بتعب وهي تتمني أن ينصلح الحال قريبًا. بينما كانت سمر تجلس في نهاية الغرفة تنظر تجاه ابنتها بأعين زائغة. لماذا تألمت ابنتها من جملة عاصم بأنها تشبه والدتها؟.. هل تعلم شيئًا؟!!. وهل يعلم عاصم هو الآخر شيئًا؟!!. وماذا عن روح !! .. هل الجميع يعرف خيانتها هنا؟ ألهذا تُعاملها فاتن بجفاء منذ الحادث؟
تحركت من الغرفة بهدوء وخرجت للممر وجلست إلى أحد المقاعد وأخرجت هاتفها لتتحدث إلى مراد ليشاركها ما تفكر به. لكن هل حقًا سيشاركها شئ كهذا.. أم سيلقيها كأي شئ لا أهمية له؟!.. كشئ إكتفى منه؟!!
أتاها الرد بعد عدة محاولات.
سمر: مراد.. في خبر مش كويس.
مراد بلامبالاه: خير.
سمر: مراد إيه البرود اللي انت فيه ده؟.. بقولك في خبر مش كويس.
مراد: هيكون في إيه ياسمر.. ما تنجزي أنا مش فاضي.
سمر: طب يا للي مش فاضي احتمال تبقى فاتن وعاصم عارفين بعلاقتنا. أنا شاكه إنهم عارفين.
مراد: بقى بزمتك متصلة بيا كل ده عشان تقوليلي احتمال وشاكه! سمر أنا مش فاضي للعب العيال ده. خلي بالك من بنتك شوية واخلعيني من دماغك دلوقتي.
أنهى جملته مع غلقه للهاتف في وجهها مما أصابها بالذهول. أخذت تنظر للهاتف بعدم تصديق. هل حقًا قال ما قال وفعل ما فعل؟
كزت علي أسنانها بغل وهي تتوعده في داخلها شر وعيد.
رواية ضمير ميت الفصل الخامس عشر 15 - بقلم دنيا آلشملول
أمسكت بهاتفها وقد عزمت على أن تعرف كل شيء.
ضغطت زر الاتصال حتى أتاها صوت الطرف الآخر بهدوء:
"الو يا جومانا.. إزيك؟"
جومانا بترقب:
"إزيك يا حنان عاملة إيه؟"
حنان باختصار:
"الحمد لله كويسة."
جومانا بتردد:
"ااا.. أنا اتصلت أقولك يعني تشرفينا انتي وعمرو على العشا."
حنان بعدم فهم:
"عشا؟.. عشا إيه يا جومانا؟"
جومانا بهدوء:
"هيكون عشا إيه بس يا حنان؟.. بصي أنا حاسة إن عمرو وغرام متخانقين أو حاجة.. بس غرام بنتي مش كويسة أبداً وإحنا لازم نتصرف ونعملهم حاجة."
حنان:
"يعني انتي متعرفيش اللي حصل أصلاً؟"
جومانا بترقب:
"لا.. إيه اللي حصل؟"
حنان بتنهيدة:
"معرفش يا جومانا حقيقي بس المشكلة بين فراس وعمرو مش غرام وعمرو."
جومانا:
"طب وإيه دخل غرام؟!"
حنان بتنهيدة:
"فراس خيرها بينه وبين عمرو وهي اختارت أخوها.. وده شيء لا يمكن ألومها عليه أبداً."
جومانا بشهقة:
"والله أنا معرفش أي حاجة عن الكلام ده أبداً.. طب بصي عشان خاطري اسمعي مني.. مش هينفع نقف متكتفين كده.. هنتعشى مع بعض الليلة دي.. ونحاول نصلح بينهم وربك كريم."
حنان:
"أنا مكرهش أبداً يا أم فارس.. بس.. فراس.. يعني اا.."
جومانا وقد فهمت ما ترمي إليه:
"متقلقيش يا حنان.. فراس مش هيتكلم.. أنا اللي عازماكم."
حنان بهدوء:
"خلاص يا جومانا حاضر.. هقول لعمرو وهأكد عليكي."
جومانا:
"تمام في انتظار تليفونك."
أغلقت جومانا مع حنان وهي تتمتم في نفسها:
"ياترى إيه اللي بيحصل معاك يا فراس يابني؟"
***
"إيه اللي انت بتقوله ده يا متخلف انت؟.. يعني إيه مفيش أثر لأي حد في الفيلا؟!!!"
هذا ما صرخ به رأفت الذي يتحدث إلى أحدهم في الهاتف.
الطرف الآخر:
"والله يا فندم المكان متقفل ومفيهوش أثر أبداً لوجود أي حد خالص."
رأفت بعصبية هادرة:
"اقلب لي الدنيا عليها.. مش حتة بت مفعوصة زي دي اللي هتتوهنا بالشكل ده.. اقلب مصر عليها وجبهالي من تحت الأرض.. سامع؟.. قدامكم اتنين وسبعين ساعة وإلا قسمًا بالله هعتبركم كلكم مرفودين."
أنهى حديثه وأغلق الهاتف بعنف وألقاه إلى مكتبه.. لكنه تجمد مكانه حينما رأى فراس يقف أمامه.
رأفت:
"انت هنا من امته؟ وبتعمل إيه؟"
فراس ببرود:
"أنا هنا من وقت ما كنت بتقول "قدامكم اتنين وسبعين ساعة وإلا قسمًا بالله هعتبركم كلكم مرفودين".. أما بعمل إيه فـ أنا جايبلك ده."
قدَّم فراس ظرفاً ما لوالده الذي أخذه بتوجس.. وما إن فتحه حتى تنهد براحة وهو يقول:
"اه اه.. ده مؤتمر طبي."
فراس بهدوء:
"امته؟"
رأفت:
"بكرة.."
ثم تابع:
"هو انت مش واخد إجازة؟"
فراس بابتسامة جانبية:
"لا حضرتك مسمحتليش بصراحة.. وقلت وقت ما المستشفى تطلبك تكون موجود."
أماء رأفت ثم تحدث بخفوت:
"طيب اهتم انت بغرام الفترة دي عشان أمور جوازها.. خلاص مفضلش كتير على جوازهم.. وأنا هخلي مهاب ياخد باله من المستشفى لحد ما أرجع."
فراس بهدوء:
"تمام.. وماله.. بعد إذنك."
خرج فراس وعلى شفتيه ابتسامة خبيثة ماكرة ومترقبة لما هو آتٍ.. بينما جلس رأفت إلى مقعده بضيق وأغمض عينيه بإرهاق.. وأخذ يتمتم:
"الشحنة دي تخلص بس وأفضالك يا بنت الربيعي."
***
دلف إلى غرفة والدته بعدما سمحوا له بالدخول.
لؤي بابتسامة:
"عاملة إيه يا جنات هانم؟"
جنات بابتسامة:
"كويسة الحمد لله.. وشدا ماشاء الله عليها قعدتها ميتزهقش منها أبداً."
لؤي بتذمر:
"اااه.. مبقاش ليا لازمة يعني."
جنات وهي تقرب يدها من وجنته بهدوء:
"لا طبعاً ياقلبي من جوه.. انت الروح."
ابتسم بهدوء وقبل يدها بحب ثم نظر لشدا التي تنظر لهم بابتسامة وتحدث بهدوء:
"إزيك يا آنسة شدا؟"
لا تعلم لما أزعجها مناداته لها باللقب هكذا.. لكنها ابتسمت باصفرار وهي تقول:
"بخير.. عملتوا إيه؟.. وإيه حصل؟"
لؤي بتنهيدة فقد استشعر الضيق في نبرتها:
"معرفش أي السبب اللي خلى فراس يعمل كده بس إحنا طلعنا دالين من مكانها."
شدا بسرعة:
"يعني هي فين دلوقتي؟"
لؤي بهدوء:
"في بيتي."
شدا بعدم فهم:
"بيتك؟.. بيتك إزاي يعني؟"
لؤي:
"ده أأمن مكان تفضل فيه الفترة دي.. أصلاً الموضوع مش هيطول ومن بكرة هتبدأ إجراءات جديدة لإن المهزلة دي لازم تخلص في أسرع وقت.. الموضوع خد وقت أكتر من اللازم."
شدا بحده:
"يعني إيه يعني.. ها.. انت خدت دالين عندك عشان تلوي دراعنا مش كده؟.. لا يا لؤي بيه.. أحب أطمنك.. دالين مش هتخرج للشارع قبل ما حقها يرجع.. وقبل ما اللي عايزين يخلصوا منها نخلص إحنا منهم.. دالين خط أحمر يا لؤي بيه ومش هسمحلك أبداً تعملها كارت في لعبتك."
لؤي ببرود:
"خلصتي؟.. لو آه.. فأكيد صحبتك محتاجاكي جنبها دلوقتي.. خصوصاً إنها خارجة من عملية.. وشكراً على وقفتك جنب والدتي."
شدا وقد احمر وجهها من الغضب:
"صدقني هتندم لو دالين اتمس منها شعرة واحدة."
ألقت جملتها وغادرت الغرفة بعصبية..
جنات بحزن:
"ليه بتتعامل معاها كده يابني؟.. ليه اللي عملته ده؟"
لؤي بتنهيدة:
"متشغليش بالك ياست الكل.. كل حاجة هتتحل."
جنات بهدوء:
"يارب ييسر حالك ويسهل طريقك يابني."
قبل جبينها بحب وهو يتمتم:
"آمين ياحبيبتي.. شوفي بقا.. البيت عندنا فيه ضيفتين.. دالين ودي بنوتة في سن شدا كده تقريباً وصحبة شدا.. ودي ليها قضية بتخلص.. ولازم نأمن عليها عشان فيه ناس عايزين يخطفوها.. والتانية مساعدة ليها بتفضل معاها على طول تمام."
جنات بحزن:
"يامرحب بيهم يابني وأشيلهم في عيني.. وربنا يفك ضيقة البنت دي يارب."
لؤي بهدوء:
"يارب ياحبيبتي.. إن شاء الله الموضوع ميطولش.. يعني في خلال أسبوع كده هكون خلصت كل حاجة ودالين هترجع لأهلها تاني."
جنات:
"وماله ياحبيبي."
قبلها لؤي مجددًا قبل أن يُعدِّل لها نومتها كي تنام براحة.
***
دلف لغرفة فاتن بهدوء ليجدها تولي نظرها للشرفة بشرود.. بينما روح قد غفيت بجانبها على الفراش.. وسمر ليست موجودة ولا أحد آخر في المكان.
تحمحم بهدوء فانتبهت له فاتن.. نظرت له بتساؤل فابتسم بهدوء قبل أن يتحدث:
"حمد الله على سلامتك يا آنسة فاتن.. يارب تكوني بخير."
فاتن بخفوت:
"شكراً.. مين حضرتك؟"
شادي بابتسامة:
"طب ممكن أقعد ولا أقول وأنا واقف كده وبعدها أنطرد؟"
ابتسمت بهدوء ثم أماءت ليحمل مقعداً ويجلس إلى جانب فراشها بهدوء:
"أنا ياستي إسمي شادي.. شادي الأيهم.. سبعة تمنية تسعة وعشرين سنة كده."
ضحكت فاتن بهدوء وهي تقول:
"هو إيه ده يعني.. إيه سبعة تمنية تسعة دي.. ما هو يا سبعة يا تمنية يا تسعة."
شادي رافعاً كتفيه بحركة درامية:
"عادي أنا قلت كده عشان تفكي تكشيرة وشك وأهي اتفكت أهي."
زَمَّت فاتن شفتيها وهي تنظر له فقال سريعاً:
"لا وحياة أبوكي.. أنا عندي سبعة وعشرين سنة وتمن شهور وسبوه ونص."
نظر لساعته ثم تابع:
"وأربع ساعات."
ابتسمت بهدوء ثم نظرت له رافعة إحدى حاجبيها:
"وأنا مالي.. أنا بسأل حضرتك مين وبتعمل إيه هنا؟"
شادي بمزاح:
"يوه!!.. مش انتي اللي قطعتيني يا اسمك إيه؟!"
ابتسمت فاتن مجددًا ليتابع هو:
"المهم بقا إيه ياستي.. أنا صاحب شركة أمن هنا وفي انجلترا.. بس طبعاً هصفي شغل انجلترا عشان استقر هنا.. ها عايزة تعرفي إيه تاني؟"
فاتن بنفاذ صبر:
"أنا كده معرفتش انت مين ولا عايز إيه ولا بتعمل إيه هنا على فكرة."
شادي بمزاح:
"ااااه فهمتك.. مش تقولي كده ياشيخة.. ثم مد يده في جيبه وأخرج محفظة.. وأخرج منها بطاقته الشخصية وهو يقول بهدوء: اتفضلي ياستي."
فاتن بعدم فهم:
"إيه ده؟!.. أعمل بيها إيه دي؟!"
شادي ببراءة مصطنعة:
"الرقم القومي واسمي وصورتي الشخصية وكل ده في بطاقة واحدة بس.. وتاريخ ميلادي على فكرة.. أنا بحتفل بيه كل سنة مع الست اللي نايمة دي.. بس واضح إني هحتفل بيه معاها ومع القمر كمان."
فاتن رافعة إحدى حاجبيها:
"ااه.. دا انت بتستظرف بقا."
شادي بتنهيدة:
"انتي تقولي للنكد قوم وأنا أحل محلك.. ياشيخة ابتسمي ياشيخة.. عارف إني دمي مش خفيف ولا بعمل أفيهات بس اجبري بخاطري ياشيخة.. ياشيخة حرام عليكي ياشيخة."
كان يتحدث وهو يضم بين جفنيه ويمثل البكاء بحركات درامية جعلت فاتن تنفجر ضاحكة من مظهره وهي تقول من بين ضحكاتها:
"أنا دلوقتي عرفت إنت مين؟"
شادي مستنداً بذراعيه على فخذيه ثم وضع يديه على وجنتيه وهو يقول بابتسامة:
"ها.. مين؟"
فاتن ببراءة:
"المهرج الهربان من السيرك."
زالت ابتسامة شادي ورفع إحدى حاجبيه ونظر لها بتوجس وهو يقول من بين أسنانه:
"لا بتعرفي تستظرفي فعلاً.. عارفة.. الغلط مش عندك.. الغلط عندي أنا عشان قاعد أستظرف مع واحدة ظريفة زيك.. أنا شادي الأيهم.. ابن أيهم جوز روح الله يرحمه.. عرفتي أنا مين؟.. وهاتي البطاقة دي."
فاتن وقد شعرت بأنها تمادت معه فنظرت له بأسف وهي تقول بهدوء:
"أنا.. أنا آسفة مكنتش أقصد أضايقك أو أزعلك.. أنا.. أنا كنت بهزر بس.. معرفش إنك قفوش كده."
نظر لها شادي بتعجب:
"قفـ إيه ياختي؟!.. ثم أشار بيده أمام وجهها بدرامية وهو يقول: بس يافاتن بس اسكتي الله يكرمك."
ضحكت فاتن بهدوء وهي تقول:
"أنا فكرتك زعلت."
شادي بابتسامة هادئة:
"لا ياستي.. مزعلتش.. لسه في أسئلة أخرى نقدم إجاباتها لسيادتكم؟"
فاتن:
"لا خلاص.. رُفعت الجلسة."
ضحكا معاً.. واستيقظت روح على صوت ضحكاتهما.. فنظرت تجاه فاتن بسعادة وهي تقول لشادي:
"قدرت تعمل اللي مقدرتش أعمله ياشادي."
شادي بابتسامة:
"اه اه عارف.. ما أنا عشان أعمل اللي مقدرتيش انتي تعمليه ده اتقال عليا مُهرج هربان من سيرك."
ضحكت روح ومعها فاتن على تذمره وطريقته في الحديث.. وظلوا هكذا لبعض الوقت.. ولم ينتبهوا لذاك الواقف أمام باب الغرفة ويراهم من تلك الفتحة البسيطة في شق الباب ووجهه يتملكه الغضب والضيق معاً ويضم قبضتيه بعنف أبرز عروقه.. ثم ذهب من المكان وهو ينوي الشر.
***
قامت جومانا بتحضير كل شيء يخص العشاء.. وقبل وصول عمرو ووالدته بدقائق صعدت لغرفة غرام التي تسبح بين لوحاتها وفرش التلوين الخاصة بها.
جومانا بهدوء:
"غرام.. عمرو ومامته زمانهم جايين."
وقعت الفرشاة من يدها أرضاً وهي تنظر لوالدتها بعدم فهم:
"جايين فين؟.. وليه؟"
جومانا بلامبالاة:
"أنا عزمتهم على العشا.. عندك مانع؟.. ياريت تجهزي بسرعة عشان هما على وصول."
ألقت كلماتها وخرجت من الغرفة دون أن تستمع لحرف من ابنتها التي كادت تقتلع خصلاتها من الغيظ.. ماذا ستفعل الآن؟.. وماذا سيفعل فراس إن أتى ووجدها هنا؟.. أغمضت عينيها بقوة وهي تتنهد باستسلام.
وصل عمرو ووالدته إلى الفيلا ورحبت بهم جومانا..
دلفوا لغرفة الجلوس.. وكانت على وشك الذهاب لمناداة غرام.. لكنها وجدت نفسها تدلف إلى الغرفة بهدوء وهي ترتدي فستاناً أبيض بحمالتين عريضتين يصل إلى ما بعد الركبة بقليل.. ويزينه من الخصر حزام من اللون الأزرق الهادئ وترتدي قلادة زرقاء من نفس درجة لون الحزام وكذلك قرطين صغيرين من نفس اللون.. ابتسمت غرام بهدوء واقتربت من حنان وقبلتها بود وهي ترحب بها.. وقامت بمد يدها لعمرو الذي مد يده هو الآخر ممسكاً بيدها مما أثار الرعشة في أطرافها.. كم اشتاقت إليه وإلى ضمته التي تحتويها بأكملها وكأنها طفلة صغيرة بين أحضان والدها.. اشتاقت لاسمها من بين شفتيه.. اشتاقت لنظرة الحنان من عينيه السوداوين التي تعشق لمعة الحب بهما.
بقيا هكذا لوقت لا يعلمانه.. فقط ينظران لبعضهما والعيون هي التي تتحدث.. بينما الصمت هو السائد.. انتبهت غرام أخيراً وتحمحمت بهدوء وهي تسحب يدها بسرعة قبل أن تقول والدتها بهدوء:
"اتفضلوا.. العشا جاهز."
دلفوا لغرفة الطعام بهدوء وجلست غرام بجانب والدتها بينما جلس عمرو بجانب والدته هو الآخر.. وبدأوا في تناول الطعام بصمت.. قطعه دخول فراس المفاجئ.
تعلقت جميع الأعين به.. عينا حنان تنظر له بخوف من أن يكسر بخاطرها مجدداً.. فهي تحبه ولا تريده أن يخسر ولو قليلاً فقط من مكانته بقلبها.. وعينا والدته تنظر له بترقب لما يمكن أن يفعله فراس.. فهو لا يفعل سوى ما لا يخطر على البال.. جميع أفعاله غير متوقعة.
بينما عينا عمرو تتهرب منه.. وينظر لكل شيء عدا عينا فراس.
في حين تنظر له غرام بأسف واعتذار وقلة حيلة.. منتظرة رد فعله.
ألن ترى فراس مجددًا ؟.. ماذا يحدث في الخارج ؟.. هل والدتها بخير ؟.. وماذا عن شدا وحازم لما لم يقوموا بزيارتها منذ آخر مرة ؟.. بدأت الدموع تتجمع داخل مقلتيها في صمت .. حتى سمعت صوت جرس المنزل .. فهبت واقفة بخوف .. اقتربت السيدة ابتهال من الباب ونظرت من العين السحرية لترى شدا ..أماءت لدالين بهدوء كي تطمئنها فنظرت دالين تجاه الباب بترقب .وما إن فُتح الباب حتى ركضت دالين تجاه شدا واحتضنتها بقوة وأخذت تبكي بقهر .شدا بصدمة :دالين ؟!!.. مالك فيكي إيه ؟.. أي اللي حصل ؟دالين من بين شهقاتها :تعبت من العيشة دي وعايزة أخرج بقا من هنا .ربتت شدا على ظهرها بحنان وهي تتنهد براحة ثم قالت بهدوء :خلاص ياحبيبتي .. هانت .. حاجات بسيطة وكل حاجة ترجع لطبيعتها .ابتعدت دالين بهدوء وتحدثت وهي تمحي عبراتها بهدوء :بجد يا شدا ؟شدا بابتسامة :طبعًا ياعيون شدا .أماءت دالين بابتسامة فدلفت شدا بهدوء ودلفت السيده ابتهال لتحضر مشروبًا ما من أجلهم .°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°أرسل رأفت لمهاب الذي أتي على الفور .مهاب :في إيه يا رأفت ؟رأفت :مش عارف يا مهاب .. أنا عايز متخصص كمبيوتر حالا .. الجهاز في حاجة مش مظبوطة وبطئ بشكل غريب .مهاب :استني هتصل بجابر ييجي حالا .وبالفعل اتصل مهاب بجابر الذي أتى بعد وقت لم يتعدى النصف ساعة .. جلس بهدوء أمام الشاشة وبدأ بفحص الجهاز حتى نظر لرأفت ومهاب اللذان ينظران له بترقب .جابر بهدوء : اممم .. الجهاز عليه برنامج اختراق .رأفت :يعني إيه ؟جابر ببساطة :يعني متراقب .ازدرد رأفت ريقه وهو ينظر لمهاب الذي ينظر له بعدم تصديق ..°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°أطبق الصمت على غرفة الجلوس تمامًا .. وكأن على رؤوسهم الطير .. تقابلت عينا فراس وعمرو أخيرًا .. وقد رأى فراس ندمًا وأسفًا واعتذارًا في عينا عمرو التي لأول مرة يراها منطفئه هكذا ..نظر تجاه غرام التي تنظر له بأعين دامعة معتذرة .. علام تعتذر تلك الغبية ؟!!.. ابتسم بداخله فهي تجلس بعيدًا عن عمرو ولا تلتصق به كالعادة .. لكن آلمت قلبه بنظرتها تلك .. فهي على أتم الاستعداد لأن تبيع الدنيا وما فيها لأجله .. ولأجله فقط .. يتذكر ذاك اليوم الذي خيَّرها فيه بينه وبين زوجها وركضت خلفه دون تردد .. يراها حزينة منطفئة وذابلة .. رغم ما تحاول أن تُظهره للجميع .. إلا أنه يراها من الداخل .. ويشعر بها .. ما ذنبها هي في كل ذلك ؟.. لقد حطم شئ ما بداخلها دون أن يلتفت إليها .. هي لا تستحق ذلك أبدًا .أخيرًا تنهد فراس بهدوء قبل أن يذهب تجاه والدته ويقبل رأسها بهدوء وهو يتمتم :عامله إيه ؟جومانه بخفوت :كويسه .أماء فراس بابتسامة ثم تحرك تجاه والدة عمرو وصافحها بابتسامة هادئه صافية مما جعل السيدة حنان تبتسم باتساع وهي تضغط عينيها معًا في تعبير عن الشكر ..ثم انتقل بخفه تجاه غرام التي لم تستطع كبح عبراتها فتركت لها العنان .. اقترب منها بهدوء وهي مُخفضه الرأس وتُمسك بيديها معًا تقلبهما ببعضهما من تحت سفرة الطعام وكأنها فتاة مذنبة وتنتظر العقاب .. ابتسم بداخله أكثر وهو يراها تلك الطفلة التي لم تكبر بعد .. وبحركة مفاجئة قام بإحناء ظهره ومد يده تحت فخذيها والأخرى خلف ظهرها ثم قام برفعها بخفة مما جعلها تتعلق بعنقه سريعًا كردة فعل ثم خرجت من بين شفتيها شهقة خافتة وهي ترمش عدة مرات في محاولة لاستيعاب ما يحدث ..نظر فراس تجاه عمرو وقال بهدوء :منور .ثم تابع :بعد اذنكوا في تصفية حسابات مع توأمي هنهيها واجي نشرب الشاي سوا .أنهى جملته وهو يتحرك بها إلى الأعلي مما جعل عمرو يبتسم بأمل .. وجومانه وحنان تنهدتا ببعض الإرتياح .بينما صعد فراس لغرفة غرام وقام بإلقائها فوق الفراش مما جعلها تشهق بخفوت وهي تقول بتوتر :فـ فـ فراس أنا .. أنا والله مكنتش أعرف .. مكنتش أعرف إنهم جايين .. أنا ماما طلعت قالتلي إنهم جايين على العشا من شويه بس .. ومفيش نص ساعة وكانوا هنا .. أنا .. أنا بجد مكنتش أعرف .فراس وهو يضيق عينيه معًا ناظرًا لها بتفحص مما زاد توترها وهي تقول بخفوت :أنا آسفه .. بس ... ا ا أنا اا ..فراس مقاطعًا :من امته بتقعدي بعيد عن جوزك يا مدام عمرو .غرام بدون انتباه :انا محبتش اختلط بيه أبدا عشان انت و ...قطعت كلامها حينما انتبهت لما تفوه به ورفعت عينيها إليه سريعا وهي تقول :انت قلت إيه ؟وجدت ابتسامة ماكرة ترتسم على ثغره مما جعلها تكز على أسنانها بغضب كطفلة صغيرة تعرضت للإغاظة من أحدهم للتو .. فتحركت من مكانها وهي تحمل إحدى وسائد الفراش وأخذت تضربه بها وهي تتذمر :لازم توقع قلبي .. متبقاش فراس لو مغظتنيش .. لازم تضحك عليا وتخليني أستوتَّر منك .فراس وهو يرفع يديه ليحمي رأسه ووجهه من ضرباتها ثم أخذ يضحك بقوه وهو يمسك بالوسادة أخيرًا :بخليكي إيه ؟!غرام ببراءة :أستوتَّر منك .فراس بضحكة :تستتوتري مني !!.. يخربيت اللي ربط الجاموسة وسابك .. إسمها أستوتَّر ؟غرام وهي تراجع كلماتها ثم هتفت ببلاهه :لا أنا أقصد أتوتر منك .فراس بضحكة :لا لا أستوتر أحلى .غرام وهي تجذب الوسادة من جديد وتضربه مجددًا :بطل تضحك عليا وتخرج أسوء ما فيا .فراس من بين ضحكاته :هو ده أسوء ما فيكي !!غرام بتنهيدة :وقعت قلبي بجد .اقترب فراس وأخذها بين ذراعيه وأخذ يربت على شعرها وظهرها بحنان :أنا آسف .غرام :إوعى تتأسف أبدًا .. أنا مش زعلانة منك خالص وعمري ما أزعل منك .فراس :بس أنا ظلمتك .. مكنش ينفع أخيرك بينا .. انتي ملكيش دعوة باللي بيني وبينه .. وملكيش ذنب عشان تدفعي تمن حاجه معملتيهاش .غرام بتنهيدة :لا غلطان .. أنا وانت واحد .. واللي يزعلك يزعلني وأكتر .. فمتعتذرش أبدًا .. أنا معاك وجنبك على طول .. وعلى فكرة كمان مش هرجع لعموري دلوقتي .فراس بحاجب مرفوع :عموري .. ومش هرجع ؟.. ودي تركب ازاي دي !غرام بتأكيد :بجد مش هرجع دلوقتي .فراس :ليه طيب ؟غرام :بعدين أقولك .. المهم تعالى ننزلهم دلوقتي ونتعامل عادي وكأنه خطيبي مش جوزي . اوك ؟فراس :يعينك ربنا ياعمرو .. أنا مش عارف أصلا هو مستحمل إزاي .. دا انتي لو مش أختي كنت خطفتك .غرام بضحكة :طب يلا يا بابا قدامي .فراس بابتسامة :حاضر يابنتي قدامك .ضحكا بهدوء ثم نزلا للأسفل حيث يجلس عمرو ووالدته وجومانه في الحديقة الخارجية يحتسون القهوه بهدوء .نظر عمرو تجاه فراس وغرام .. لكنه لم يستطع تبين أي شئ من أعينهما .جلس فراس وغرام متجاورين .. ونادت غرام على إحدى العاملات بالمنزل وطلبت منها كوبين من النسكافية لأجلها وفراس .. وبدأت جومانه وحنان يتبادلون الحديث معًا .. بينما عمرو أتاه اتصال فاضطر للمغادرة .غرام بتذمر :ملحقتش أغيظه .ضحك فراس بخفه وهو يقول :ولا تزعلي الأيام جايه كتير ولو محتاجه مساعده رقبتي سداده .غرام بابتسامة :طبعاااا .قاطعهما هاتف فراس الذي أجاب على الفور :ها ياشادي .شادي :كله تمام يا فراس .. البيت متأمن كويس .فراس :تمام .. شكرا أوي يا شادي .شادي :على إيه بس يا جدع .. بس ابقي طُل على دالين ها .فراس وقد فهم ما يرمي إليه :تمام تمام .. غور بقا .ضحك شادي بهدوء قبل أن يغلق فراس الخط وهو يتنهد ببعض الراحه .غرام :دالين كويسة دلوقتي ؟فراس بتنهيدة :اه .. كويسه .غرام :أنا آسفة إني عرضتها الخطر إمبارح .. مكنتش أعرف إن فيه حد مراقبني .فراس :حصل خير يا حبيبتي .غرام بهدوء :حبيتها يا فراس ؟فراس وهو يرمش عدة مرات :اا إيه اللي بتقوليه ده .. لا طبعا .. أنا ..غرام مقاطعة :انت حبيتها يافراس .. ومتكدبش على قلبك .. دالين بنت كويسة أوي وكيوت وبتحبك كمان .فراس بذهول :مين قالك كده ؟غرام :أنا عرفت .فراس وهو يعتدل :هي قالتلك؟غرام بابتسامة :لا .. بس مفيش معنى تاني لواحدة حاطة صورتك في أوضتها يعني .فراس :صـ صورتي أنا ؟غرام :شوف ازاي !فراس بابتسامة :بتتكلمي جد ؟غرام :أي يا شبح الابتسامة دي .. ما كنت مبتحبهاش دلوقتي .فراس بجانب عينه :بايخه أوي .غرام :عارفة عارفة .. من بعض ما عندكم .فراس :أنا بايخ ! .. طب تعالي .وأخذا يركضان خلف بعضهما بمرح .°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°جلست الفتاتان معًا وأخذت شدا تربت على يد دالين بهدوء .شدا بحده مصطنعه :ما خلاص بقا يا بت .. الله .دالين :بسيت ياختي .. قوليلي ماما عامله إيه وبابا ؟شدا :يعني .. تعبانين بسبب اختفاءك أكيد .. عمو ماجد مش ساكت وبيدور في كل مكان .. وطنط حياه تعبت فتره بس الحمد لله حالتها اتحسنت دلوقتي .دالين :أي المانع لو نطمنهم على الأقل .شدا بضيق فدالين لا تعلم بأن وجودها هنا ليس إلا بسبب والدها :هانت يا دالين ... هانت .دالين بحزن :يارب .. طب فاتن وعاصم عاملين إيه ؟ وحشوني أوي ووحشتني نحنحتهم .شدا بابتسامة مغتصبه :هترجعي وسطينا قريب ياختي وتشوفي النحنحه على اصولها .ضحكت دالين بخفة وهي تقول : لسه متغيروش يعني .شدا مُغيره الحوار :انتي مرتاحه هنا ؟دالين :أكيد مش هعرف أرتاح وأنا بعيدة عن أهلي واصحابي كده .شدا وهي تربت على يد صديقتها :هانت ياحبيبتي خلاص .. فراس قرب يوصلهم وكل حاجه هتنتهي قريب .دالين بتمني :يارب يا شدي يارب .ثم تابعت بتردد :هو .. هو فراس كويس ولا فيه حاجه ؟شدا بتلقائية :كويس و ..قطعت حديثها وهي تنظر لدالين بتفحص :بتسألي عليه ليه ؟دالين بسرعة :عادي يعني مفيش حاجه .شدا بمكر :عيني في عينك كده .ضربتها دالين على كتفها بخفة وهي تتمتم :بس بقا .دلفت السيدة ابتهال بابتسامة وقدمت لهما عصير طازج وجلست معهما وبدأوا يتبادلون الحديث معًا .. حتى قاطعهم صوت طرقات على الباب .دالين بخوف :مـ مين هييجي دلوقتي هنا ؟شدا بهدوء :بس اهدي .. هشوف مين .اقتربت شدا من العين السحرية ونظرت منها لتجده فراس .. تنهدت بارتياح ثم فتحت الباب بهدوء .فراس :إزيك يا شدا ؟شدا :تمام الحمد لله .. أدخل تعالى .دلف فراس وأول من وقعت عينيه عليها كانت دالين التي تفرك يديها معا بارتباك واضح .. ابتسم فراس على هيئتها الطفولية بعض الشئ .. شعرها مشعث قليلاً .. ووجه خالي تمامًا من مساحيق التجميل .. وترتدي بنطال أسود طويل وينزل باتساع من الركبة للأسفل .. وفوقه بضي أبيض بنصف أكمام ويعلوه بليزر جينز قصير بأكتاف عريضة .. ويتخصر البنطال بحزام جينز خامة البليزر .. تذكر حينما رأى هذا الطقم على المانيكان بشكله هذا وقد تخيلها بداخله .. وابتاعه على الفور بعدها وهو يتمنى رؤيتها به .. وها هي أمامه ترتديه .. والآن من سيجرؤ على معاتبته إن اقترب وجذبها بين ذراعيه ليذيل عن عينيها نظرة الحزن هذه ؟.. ماذا إن فعلها .. هل سترفض ؟قطع شروده بها صوت شدي :دكتور فراس انت كويس ؟فراس بانتباه :اه اه كويس .. اا .. إزيك يا ست ابتهال ؟.. عامله إيه ؟السيدة ابتهال بابتسامة : كويسه يا دكتور الله يخليك .فراس بهدوء :ازيك يا دالين ؟دالين بصوت خافت :كـ كويسه الحمد لله .فراس :الحمد لله .السيدة ابتهال :اتفضل يابني .. هعملك حاجه تشربها .فراس :لا لا أنا ماشي على طول .. بس جيت اتطمن عليكم ..ثم وجه حديثه لدالين :إن شاء الله كام يوم بس وكل حاجه تنتهي وترجعي بيتك .أماءت دالين دون أن تنبث ببنت شفه .. فتابع فراس :ودلوقتي استأذن بقا ... هتفضلوا هنا فترة بسيطة بس .. وده أأمن مكان حاليًا .ثم وجه حديثه لشدا :عايزك شويه .. ممكن ؟شدا :أيوه أكيد .. أنا كنت ماشيه دلوقتي .. يلا هنمشي .ثم اقتربت من دالين واحتضنتها بحب وهي تتمتم :متخافيش ابدا .. كلنا جنبك .ابتسمت دالين بهدوء ثم غادر فراس وشدي ..فراس بهدوء :معاكي عربيتك ولا إيه ؟شدا :لا جيت في تاكسي .فراس :خلاص يلا .. هوصلك وأقولك محتاج إيه .شدا :تمام .°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°كانا ينظران لبعضهما بشئ من الصدمة وليس بوسع أحدهما النطق بشئ ..رأفت بغل :تقدر تعرفلي مين اللي اخترق البيانات ؟جابر :اه .. بس هحتاج وقت .مهاب :إبدأ يا جابر .أماء جابر بصمت بينما تحدث رأفت بخفوت :أنا هروح البيت أجهز شنطتي للسفر .. وأي جديد كلمني يامهاب .. هاجي على هنا تاني .. وأسافر من هنا .مهاب بهدوء :تمام .خرج رأفت من المستشفى وهو يشعر بأن الدنيا تضيق به .. هل فراس أيضًا من يتجسس على جهازه ؟.. هل يشك فراس في أعماله ؟.. كيف علم فراس بأمر دالين ؟.. وأين تلك الفتاة التي أرسلها مع زميلها لخطف دالين .
لقد قام بإخراج الرجل خارج البلاد ليختفي عن أعين الشرطة بعدما لم يستطع معرفة شيء منه يخص شخصية من اقتطع طريقهم وأخذ من بينهم دالين.
يذكر عبارة الرجل جيدًا: "عمري ما شفته.. كإنه حارس شخصي ليها بسبب عضلاته وجسمه.. أول مرة أشوفه".
لقد خدعه ذاك الأبله لأنه يعرف فراس جيدًا. لن يرحمه، يقسم.
كونه أرسل من يتتبع غرام تلك الليلة لعلمه أن فراس لا يخفى عنها شيئًا، ومن ثم إرسال من يهجم على الڨيلا وهو يحذر من المساس بابنته وفقط عليهم الإتيان بابنة ماجد.
ومن ثم مهاتفتهم له وإخباره أن لا أحد هناك، ولا حتى ابنته التي دلفت إلى الڨيلا أمام أعين من راقبوها بعناية.
كما أتى على اكتشافه لبعض التقارير المزورة لبعض المرضى وإصراره على معاينتها بنفسه. هل كانت زوجته تقصد دالين أخرى ربما؟
لماذا يحاول تكذيب جميع الأدلة التي تثبت كون فراس يعلم جيدًا مكان دالين؟ لا لا، بل إنه هو من يحميها.
إضافة لآخر اكتشافاته لبرنامج الاختراق ذلك. من يمتلك جرأة الدلوف إلى مكتبه سوى فراس؟
العديد والعديد من الأسئلة تدور برأسه ولا يجد أي إجابة لها.
***
أنهى الطبيب فحص فاتن ونظر لروح بابتسامة:
"تقدر تخرج بكرة.. بس تلتزم بالعلاج بتاعها وتبعد عن الضغوط النفسية شوية.. وهيبقى كويس جدًا لصحتها لو غيرتولها جو."
شادي باستفهام:
"يعني إيه نغيرلها جو؟"
الطبيب:
"يعني تسافر يومين.. كده يعني."
أومأ شادي بابتسامة. فتابع الطبيب:
"حمد الله على سلامتها.. بعد إذنكم."
خرج الطبيب لتقترب روح من فاتن بابتسامة:
"بقولك إيه بقا.. إحنا نسافر يومين نغير جو زي ما الدكتور قال."
فاتن:
"نغير جو ودالين مظهرتش لحد دلوقتي إزاي؟"
روح وهي تغمض عينيها بأسف:
"آسفة يابنتي والله.. آسفة نسيت."
فاتن بهدوء:
"ولا يهمك.. هما شدا وحازم بيختفوا يروحوا فين كده؟"
قاطعهم صوته المرح:
"شبيك لبيك.. زوما بين إيديك.. مين جايب في سيرتي هنا."
ابتسمت فاتن بهدوء وهي تتمتم:
"طول عمرك بتيجي ع السيرة يا حازم."
حازم بغرور مصطنع:
"أومال إيه يابنتي.. دا أنا جنتل مان أوي."
شادي وهو يضربه بخفة على كتفه:
"طب يلا يا جِركن مان قدامي عشان نجيب عشا."
رفع حازم كتفيه وأنزل رأسه بينهم بحركة درامية:
"أنا هيبتي اتدهورت يابشريه."
ضحكوا جميعًا على فعلته تلك ثم ذهب الشابان لإحضار العشاء. بينما بقيت روح وفاتن يتبادلون أطراف الحديث معًا حتى عودتهم.
***
كان يجلس في شرفة الغرفة يدخن بشراهة، وهو يتوعد شادي بداخله. يشعر أن الدنيا ضيقة جدًا. هي بالفعل ضيقة لأبعد حد، ولا يمكنها أن تسع لشخصين كعاصم وشادي معًا. يجب أن ينتهي أحدهما ليبقى الآخر.
ابتسم بسخرية وهو يتمتم في نفسه:
"والبقاء للأقوى.. وأنا الأقوى ياشادي."
رواية ضمير ميت الفصل السادس عشر 16 - بقلم دنيا آلشملول
تحرك فراس وشدا بالسيارة.
فراس بهدوء:
فيه معلومات هتاخديها تنشريها في الجريدة بتاعتك..
ومعلومات هتسلميها للؤي..
والباقي عليا أنا.
شدا:
خلاص كده..
كل حاجة هتبقى على المكشوف؟
فراس بتأكيد:
مظبوط.
شدا:
تمام..
خلي طريقنا المستشفى بقى عشان اللاب توب في العربية وحازم هيروحني من هناك.
أما فراس بصمت وتابع قيادته حتى وصل للمستشفى وترجل هو وشدا من السيارة بهدوء وركبا سيارة شدا.
بدأت في فتح الجهاز ثم أعطته لفراس الذي بدأ بدوره في تصنيف تلك البيانات لمجموعة ستُنشر بعد الغد..
ومجموعة ستستلمها الشرطة ومجموعة أخرى سيحتفظ هو بها.
انتهى مما يفعل ثم شرح كل شيء لشدا بالتفصيل وأخبرها بأنه سيُرسل لها رسالة توضيحية عن كل حالة من هذه الحالات المعروضة أمامهم لتكتب عنها بطريقتها ثم توثقها بهذه البيانات.
شدا بهدوء:
تمام أوي..
كده فهمت.
فراس:
بالتوفيق.
كان على وشك الخروج من السيارة والذهاب..
إلى أن نادته شدا سريعًا:
دكتور فراس.
فراس بانتباه:
نعم!
شدا بابتسامة:
شكرًا.
فراس:
على إيه؟
شدا بهدوء:
على كل حاجة..
كل حاجة يا فراس.
فراس بابتسامة:
ده واجبي يا شدا..
واللي بيغلط لازم يتحمل نتيجة غلطه.
ابتسمت شدا بهدوء فبادلها ابتسامتها ثم خرج..
وقبل أن يذهب عاد ونظر لها من زجاج السيارة وهو يقول بتردد:
اا..
آنسة شدا ممكن سؤال؟
شدا:
أكيد.
فراس:
اا..
هي..
هي دالين بتحب لون أي؟
شدا بابتسامة واسعة:
الأزرق والأسمر.
فراس بابتسامة:
شكرًا.
ذهب فراس لتتنهد شدا بارتياح وهي تتمتم:
ربنا يخلصنا من كل ده على خير ويكتبلنا نفرح بقى يا رب.
وصل رأفت للمستشفى مجددًا ودلف لغرفة مكتبه حيث ترك جابر ومهاب.
رأفت:
ها..
إيه اللي تم؟
جابر:
خلاص يا دكتور..
هانت.
أنهى عبارته وهو يضغط على زر الفتح ليظهر أمامه معلومات كاملة تخص الجهاز الذي يتصل بجهاز رأفت الصاوي.
جابر:
شدا سعد المهندس..
صحفية في جريدة..
ستة وعشرين سنة.
مهاب بتفكير..
فهو قد سمع باسم مشابه لهذا الاسم من قبل.
هتف مهاب فجأة:
بدور !!!!
التفت رأفت إليه بتساؤل:
مين بدور دي؟
مهاب:
الممرضة الشقرة.
رأفت وقد تذكر حينما عاد لمكتبه وقد اصطدمت به وكادت تسقط..
وقد أخبرته أنها أتت لتطلب إجازة.
كز على أسنانه بغل وهو يقول بتوعد:
بنت الكلب..
هقتلها.
مهاب بابتسامة خبيثة:
لا يا رأفت..
دي بتاعتي أنا بقى..
أختها دسَّتها في المستشفى عشان توصلها المعلومات اللي تلزمها..
وأنا هرجعلها أختها متنفعش لأي حاجة.
ابتسم رأفت بخبث قبل أن يقول:
ليلة بكرة كل حاجة تنتهي.
مهاب بتأكيد:
ليلة بكرة كل حاجة تنتهي يا صاحبي.
أنهى شادي إجراءات خروج فاتن وصعد إليهم.
كانت روح وسمر وشريف وحازم معها..
انتهوا أخيرًا وتحركوا للذهاب..
ولكن آهة خفيفة أطلقتها فاتن جعلتهم ينظرون لها بتفحص.
فاتن بهدوء:
متقلقوش أنا كويسة.
قلب شادي عينيه وأعطى الحقيبة التي يحملها لحازم ثم استأذن من شريف وقام بإسناد فاتن إلى كرسي متحرك.
فاتن متمتمة بخفوت:
اا انـ انت بتعمل إيه؟..
أنا هقدر أمشي.
دفع شادي المقعد دون أن ينظر لها متمتمًا بعبث:
والله انتي اللي قاعدة ع الكرسي مش مكتفك أنا.
فاتن بغيظ:
ما إنت ماشي بيه هنط يعني..
وقف لو سمحت.
شادي:
اللي عاوز يعمل حاجة يعملها بنفسه.
فاتن بغيظ قامت بالاستعداد لتنزل قدميها وتوقف المقعد عن الحركة ليباغتها شادي وهو يدفع الكرسي للأمام أسرع مما جعلها تتشبث بذراع الكرسي بقوة مغمضة العينين.
فضحك عليها بخفة وهو يقول:
شوفتي بقى..
انتي اللي متبتة في الكرسي أهو.
فاتن بغيظ:
انت مستفز أوي على فكرة.
شادي:
من بعض ما عندكم.
نفخت فاتن بغيظ فتحدث شادي:
هتطيريني.
فاتن:
ليه؟ ريشة حضرتك؟
شادي بابتسامة:
وأنا لو ريشة هقدر أزقك وإنتي بالحجم ده.
فاتن بتذمر واعتراض:
على فكرة أنا تمنين وستين كيلو بس..
وده طبعًا قبل ما دمي يتصفى.
شادي بمجاراة:
يتصفى إيه يا حجة انتي..
دا انتي دم جسمك كله مني..
أنا اللي اتصفيت والله.
فاتن بعدم فهم:
يعني إيه؟
شادي بابتسامة جانبية:
هو انتي متعرفيش إن يوم الحادثة أنا اللي اتبرعتلك بدمي..
ولما تعبتي تاني ودمك اتصفي..
قاموا صفوني أنا عشان يعوضوكي انتي ولا إيه؟
فاتن بدهشة:
انت بتتكلم جد..
يعني اللي ماشي في عروقي ده دمك انت؟!!!!
شادي:
أيوه..
مسكر وخفيف صح؟
فاتن:
وأنا اللي عماله أقول جلدي كرمش ليه..
أتاري دمك بيجري تحته.
رمش شادي عدة مرات ثم توقف فجأة واستدار مواجهًا لها وهو يناظرها بتوعد مما جعلها تنكمش حيث تجلس متمتمة بتوتر:
بـ بـ بـ بهزر.
انفجر شادي في الضحك من شكلها ولم يستطع كبح ضحكاته مما جعلها تضحك هي الأخرى ونظر الجميع تجاههم وضحكوا على مظهرهم.
فهم يبدوان كأخوين مشاغبين..
وكأنهم قرعوا جرس أحد أبواب الجيران وفروا هاربين قبل أن يمسك بهم صاحب المنزل.
وقف أمامهم والشرر يتطاير من عينيه المعلقة على فاتن التي تضحك مع شادي.
نظر حازم تجاه عاصم وأغمض عينيه بقوة مترقبًا لما هو آتٍ.
نظر الجميع تجاهه أيضًا..
وفاتن هي الأخرى نظرت حيث ينظرون جميعًا لتجف الدماء من عروقها ويشحب وجهها ويجف حلقها خوفًا مما سيحدث الآن.
بينما طالت نظرة التحدي بأعين شادي ونظرة الغضب والكره والتوعد بأعين عاصم.
قطع التواصل البصري هذا صوت شريف الذي تحدث إلى عاصم بجدية:
خير يا عاصم يا بني؟
نظر عاصم تجاه عمه بسخرية وهو يقول:
وهييجي منين الخير يا عمي وهي مبسوطة وبتضحك مع راجل غريب عنها أهو..
راجل بيضحكها ويقولها كلام حلو فتمثل الإحراج والخجل..
هتحتاج إيه تاني بنت سمر هانم.
صفعة دوت في المكان شهقت على إثرها فاتن وهي تنظر لعاصم الذي التف وجهه للجهة الأخرى بعدما صفعه عمه.
شريف بتحذير:
ده تمن الكلام اللي قلته دلوقتي..
أما تمن ضربك لبنتي وإنك اتسببتلها في الحالة اللي وصلتلها فـ ده غالي أوي يا عاصم.
يظهر إني كنت غلطان لما سلمتك بنتي..
وكنت غلطان في نظرتي ليك كراجل ملو هدومه ويُعتمد عليه..
للأسف كنت غلطان يا عاصم.
أنهى كلماته ثم نظر تجاه شادي وهو يقول بأمر:
اتفضل قدامي.
تحرك شادي وهو يدفع مقعد فاتن ومرَّ من جانب عاصم الذي تشتعل عينيه غضبًا وقد تحولت للقتامة.
وبحركة سريعة جذبه عاصم من رقبته وهو يقول بغضب:
وحياة أمي ما هسيبك.
وقام بلكمه مما جعل شادي يترنح وكادت فاتن أن تسقط للأمام بسبب ترنح شادي إلى مقعدها من الخلف.
لكنه شدد على كتفيها يثبتها حيث هي.
وقبل أن يصل عاصم لشادي مجددًا كان حازم قد أمسك به وبدأ يدفعه للأمام وهو يقول بضيق:
إمشي معايا..
إمشي معايا يا عاصم يلا.
أخذت روح تبكي وكذلك فاتن التي دفنت وجهها بين يديها وأخذت تشهق بقوة.
شدد شادي من قبضته على ماسكي المقعد ثم ذهب تجاه السيارة وأدخلها برفق في المقعد الخلفي وجلست إلى جوارها والدة عاصم التي أخذتها بين أحضانها واستقل شريف المقعد الأمامي بجانب شادي.
في حين اختفت سمر من المكان بأكمله..
حيث أنها في صدد مواجهة خيانتها قريبًا إن لم تتحدث إلى مراد لينتشلها من بطش شريف إن علم بخيانتها له.
أيقظه صوت هاتفه الذي أعلن عن اتصال.
أجاب بخمول:
إيه يا مهاب..
أنا لسه واصل من ساعة ومحتاج أنام عشان أفـ..
ابتلع باقي حروفه حينما أتاه صوت مهاب الصارخ:
ابنك اتجنن يا رأفت..
ابنك اتجنن..
ابنك طرد كل دكاترنا وطردني.
اعتدل رأفت سريعًا وهو يقول بغضب:
انت بتقول إيه يا مهاب!!
مهاب:
اللي سمعته يا رأفت..
إرجع فورًا وإلا قسمًا عظمًا ههد المستشفى فوق دماغه.
رأفت:
فراس كده اتعدى كل حدوده..
اهدى يا مهاب واعتبره يوم إجازة..
مش انت هتنفذ الليلة؟..
أهو معاك اليوم كله خطط بهدوء وشوف دنيتك..
وأنا النهاردة وبكرة بالكتير وهنزل.
مهاب:
ماشي يا رأفت..
بس خليها في دماغك..
فراس هيدفع تمن اللي عمله ده..
مش أنا اللي يقف وليد يبصلي من فوق بانتصار..
وليد ده يتداس بالجزمة..
مش كفاية بينخور في كل شغلنا وراشق في كل عملية جراحة!
رأفت:
متقلقش يا مهاب.
أغلق رأفت الهاتف وهو يلعن فراس وغباءه..
ما الذي يفعله؟..
ولمَ فعل ذلك؟
ضغط زر الاتصال وانتظر بفارغ الصبر حتى أتاه صوت فراس:
أهلا يا دكتور رأفت..
عامل إيه في إنجلترا؟
رأفت:
فراااس..
إيه اللي انت بتعمله ده؟..
انت إزاي تعمل كده؟
فراس ببرود:
إيه يا والدي..
غلطت في إيه؟..
دكاتره سرقوا المستشفى وهيشوهوا سمعتها وكمان بيعملوا حاجات غير مشروعة وبيسرقوا أعضاء المرضى..
المفروض أعملهم مكافأة ولا إيه؟!
رأفت بارتباك:
انت إيه اللي بتقوله ده؟..
انت اتجننت؟..
إزاي تشك في أكبر دكاترة البلد و..
فراس بعصبية:
قصدك أوسخ وأقذر دكاترة البلد..
وللأسف أبويا الرئيس.
رأفت وقد تبين له كل شيء..
فراس يعلم بكل شيء..
ولم يكن صمته دلالة على لامبالاته أو غباءه..
لقد كان صمت ما قبل تفجير المفاجأة.
رأفت في محاولة أخيرة لهدّ ثقة فراس في معلوماته:
كلها يومين وراجعلك يا فراس..
وصدقني وقتها هندمك على الكلام اللي قلته ده.
فراس بضحكة ساخرة:
وليه يومين؟!!..
في إيدك تنزل النهاردة..
أصل مفيش مؤتمرات عندك ولا حاجة..
الحوار كله من اختراعي يعني..
زي بالظبط اللي كنت بتبعتني ليهم شرم ويطلعوا فشنك.
أغلق رأفت الهاتف فلم يعد باستطاعته سماع أي شيء آخر..
منذ متى وفراس يعرف بكل أعماله؟..
وماذا يعرف أيضًا؟..
هل لعب فراس معه نفس اللعبة التي لعبها معه مرارًا؟
تحرك بعصبية مرتديًا ملابسه ثم اتصل بالمطار لحجز أول طائرة.
صدح صوتها في المكان..
لينظر تجاهها الجميع.
شدا بصوت عالي:
صباح كل حاجة حلوة على أحلى صحفيين في أحلى جريدة يا جدعان.
أحد زملائها بضحكة:
أي يا شدا انتي شاربة عصير قصب ولا إيه!
شدا بغمزة:
لا يا برنس جايبة خبر هيرفع الجريدة دي لفوق..
فووووق أوي كمان.
حازم وقد دلف للتو:
اشجيني يا بطل.
شدا بابتسامة:
اتوحشتك يا حازم جوي جوي.
حازم بضحكة صاخبة:
واني عاد يا بت عمي..
يلا يلا قولي إيه الخبر وارفعينا لفوووق جوي جوي.
ضحك الجميع على لهجتهما معًا.
فقالت شدا وهي تضرب يديها معًا كإعلان عن مفاجأة:
تجارة أعضاء في مستشفى كبيرة في البلد وفيها أعظم الدكاترة كمان.
حازم بترقب:
إوعي تقولي إن فراس هيضرب القاضية.
شدا بغمزة:
انضربت وحياتك.
حازم:
ااااخ..
فاتني كتير أنا.
شدا:
شوفوا يا جماعة..
أنا معايا مستندات وتقارير من قلب مكتب صاحب المستشفى ذات نفسه...
لا ده من قلب جهازه الخاص كمان..
فاجهزوا كده عشان على آخر اليوم في شغل جامد..
وأنا جيالكم دلوقتي بعد ما خدت إذن رئيس التحرير.
ثم نظرت لحازم وقالت بهدوء:
تعالى معايا.
حازم وهو يسير خلفها:
على فين؟
شدا:
لؤي..
فيه ورق لازم يستلمه.
حازم:
والله شكلها هتولع يا فخري.
ذهب كلاهما للمستشفى ووجدوا لؤي ينهي إجراءات خروج والدته.
شدا بهدوء:
لؤي..
فيه مستندات مهمة لازم تشوفها.
لؤي:
هوصل ماما البيت واطلع ع القسم.
شدا:
بلاش القسم دلوقتي..
إحنا هنروح معاك نتكلم وتشوف المستندات دي وبعدين نخطط للي هنعمله.
أما لؤي بهدوء قبل أن يصعد ليحضر والدته التي قابلت شدا بترحاب حار وأخذتها بين أحضانها وكأنها تعرفها منذ زمن.
جنات بابتسامة:
عالمة إيه يا بنتي؟
شدا بابتسامة:
كويسة أوي يا طنط الحمد لله..
حمد الله على سلامتك يا ست الكل.
ربتت جنات على يدها بخفة وهي تبتسم لها بحب.
ثم دلفوا لسياراتهم واتجهوا لمنزل لؤي.
طرقات على باب المكتب ثم دلفت بعدها شيرين وهي تتغنج كعادتها:
عاصم بيه فيه اجتماع الساعة ١١ مهم للإدارة..
ومراد بيه جاله سفر مفاجئ..
فحضرتك مضطر تحضره.
نظر لها عاصم لبعض الوقت قبل أن يقول بخفوت:
تتجوزيني؟
جحظت عينيها وشعرت بأن الدنيا تدور بها..
الهواء قل كثيرًا في المكان..
هل ما سمعته حقيقي؟..
هل حقًا عرض عليها الزواج الآن؟
عاصم بضيق:
سكوتك ده أعتبره رفض؟
شيرين سريعًا:
لا لا أنا..
أنا بس مذهولة من العرض و..
عاصم بحدة:
لا متسوقيش فيها كده..
أنتي متعرفيش أنا عايز إيه بالظبط.
شيرين بعدم فهم:
"قصدك إيه؟"
عاصم بابتسامة خبيثة وهو ينظر لها بوقاحة:
"هقولك قصدي إيه..."
كانت تجلس على أرجوحتها تقرأ في إحدى كتب "أجاثا كريستي" وهي ترتشف كوب النسكافيه الخاص بها كل صباح.
ابتسمت بسعادة وهي تستشعر تلك اليد التي وُضعت على عينيها تحجب عنها الرؤية.
غرام بابتسامة:
"فراس!!"
ثم أخذت تتحسس اليد جيدًا.. لكن هذه ليست يد فراس.. وبحركية تلقائية وضعت إصبعها في جانب يده اليسري تبحث عن تلك الوحمة التي تزينها لكنها لم تجدها.. وهذا أكَّد لها كونه ليس فراس.
فتحدثت بهدوء:
"عمرو."
أزال يديه عن عينيها وبدأ في تحريك الأرجوحة بها قليلاً وهو يقول بابتسامة:
"مش كنت فراس من شوية؟.. عرفتي منين إني عمرو؟"
غرام ببساطة:
"فراس عنده وحمة بارزة هنا."
أشارت بيدها إلى جانب اليد اليسرى مما جعل عمرو يزم شفتيه للأمام بحركة طفولية جعلته تبتسم.
عمرو بهدوء وصوت بالكاد يُسمع:
"وحشتيني."
غرام وقد تذكرت أنها أخبرت فراس بأنهما لن يعودا الآن... فتمتمت بهدوء وهي تقول:
"متشكرة."
عمرو:
"غرام أنا.."
قاطعته غرام بقولها:
"عمرو لو سمحت."
عمرو بهدوء:
"أنا مستعد أصلح غلطي.. أنا استويت من بعدك عني."
غرام:
"أنا لحد دلوقتي معرفش إيه اللي حصل بينك وبين فراس.. بس يا عمرو أنا مش هقدر أكون معاك وأنت وأخويا بينكم مشاحنات وعدم ثقة.. معنديش استعداد اتحط في اختيار بينكم تاني.. أنا مقدرش أبعد عن فراس ولا أستغني عنه.. فراس ده الروح اللي عايشة بيها."
عمرو بألم:
"وأنا يا غرام؟!!"
غرام:
"أنت!! .. أنت الدنيا.. أنت القلب.. الحب.. الحياة بكل جمالها.. أنا مش بس حبيتك يا عمرو.. أنا عشقتك.. بس يوم ما أي حاجة في الدنيا هتتحط في مقارنة مع فراس.. فـ أنا هختار فراس."
عمرو:
"وأنا راضي يا غرام.. راضي والله.. أنا راضي حتى لو حبك ليا مكنش ربع حبي ليكي.. راضي يا غرام بس من غير بعد.. أنا مقدرش من غيرك."
غرام بدموع:
"لو قدرتوا ترجعوا أنت وفراس.. ساعتها نرجع أنا وأنت.. لإني زي ما قلتلك مش هقدر اتحط في اختيار تاني بينكم أبدا."
عمرو بتنهيدة:
"وأنا أوعدك إن ده ميتكررش تاني أبدا أبدا."
ابتسمت غرام بهدوء فتابع عمرو:
"همشي أنا عشان عندي شوية شغل وعلى بليل هكلم فراس."
أومأت غرام بابتسامة ليتحرك عمرو خطوتين قبل أن يصل لمسامعه صوتها تناديه بهدوء.. فاستدار ينظر لها لتتمتم بخجل:
"أنت كمان وحشني أوي.. متتأخرش عليا."
ابتسم باتساع وقبل أن يذهب أرسل لها قبلة في الهواء مما جعل وجنتيها تتدرج بالحمرة وهي تقول لنفسها:
"أنت كل الحياة والله.. بس سامحني.. ده أخويا."
طرقت عدة طرقات على غرفة المكتب قبل أن تدلف بهدوء وهي تقول بابتسامة واسعة:
"خلاص كده مهمتي خلصت وأقدر أمشي؟"
فراس:
"أنتي كنتي مسجونة ولا إيه؟"
بدور:
"لا والله بس يعني أصل أنا كنت خايفة طول الوقت اتقفش ولا حاجة."
فراس بضحكة:
"اتقفش؟.. أنتي بتسرقي يا بنتي!"
بدور:
"متركزش عشان متفصلش."
فراس رافعًا حاجبيه معًا:
"أنتي بتجيبي الكلام ده منين.. دا أنا الراجل مبقولش كده."
بدور بتلقائية:
"حد قالك متقولش."
فراس:
"امشي يا بدور امشي."
بدور بابتسامة:
"أنت جدع أوي يا دكتور.. آه والله.. وتستاهل كل خير.. مبقاش فيه زيك الأيام دي.. ربنا يسعدك."
فراس بابتسامة:
"ويسعدك يا بدور.. وأنتي كمان جدعة أوي."
بدور بغرور مصطنع:
"عارفة عارفة."
ضحكا بخفة ثم استأذنت بهدوء وخرجت من الغرفة وهي...
رواية ضمير ميت الفصل السابع عشر 17 - بقلم دنيا آلشملول
ظل حيث هو ينظر لظهرها الذي ولته إياه وغادرت.. أخذ يودعها بقلبه ويتمنى لها السعادة.. وبدون سابق إنذار وقفت سيارة أمامها وفي ثوانٍ فقط اختفت داخلها.
كان يحاول استيعاب ما حدث.. ركض للخارج وهو ينادي بصراخ:
بدور.. بدور.
وجد هاتفها قد سقط أرضًا فانتشله وصعد لغرفة المكتب الخاصة بفراس على الفور.
دلف دون أن يطرق الباب مما أجفل فراس الذي كان ينظم بعض الأوراق والتقارير.
فراس بقلق:
في إيه يا وليد؟
وليد وهو على وشك البكاء:
بدور.. بدور اتخطفت من قدام المستشفى.
فراس وقد ضرب المكتب أمامه بيديه معًا:
إنت بتقول إيه؟؟!!
وقبل أن يُجيب وليد سمعا صرخة باسم بدور أتت من الهاتف الذي يحمله وليد.
انتشله فراس وعرف على الفور بأن الصرخة كانت لشدا التي كانت تتحدث إلى بدور قبل أن يتم اختطافها.
فراس:
شدا.. ألو.. ألو.. شدا ردي عليا.. شدا.
أتاه صوت دالين المرتعش:
بدور في إيه؟
فراس:
دالين.. دالين أنا فراس.. شدا.. خلي بالك من شدا.. قولي لها متخافش.
دالين ببكاء:
بدور فين؟
فراس بغصة:
متعيطيش.. اهدي اهدي.. ثقي فيا.. هرجعها.. والله هرجعها.. هكلمك تاني أطمن على شدا.
أغلق معها فراس وأخذ يدور في الغرفة ذهابًا وإيابًا.. يشعر بالاختناق.. لن يسامح نفسه أبدًا إن حدث لها أي شيء.. فوجودها هنا من البداية فكرته هو.. أيعقل بأن والده من اختطفها.. ولكنه يعرف بأن والده حتى هذه اللحظة لا يعلم بأن بدور ليست ممرضة من الأساس.
"مهاب!!!!"
نطق بها وليد الواقف بلا حول ولا قوة.. تائه ضائع.
ضرب الاسم وصاحبه في عقل فراس كناقوس الخطر.. فنظر لوليد باستفهام ليتابع وليد:
أنا.. أنا بحب بدور واعترفت لها بالحب ده وهي رفضته.. وفي يوم كنت في مكتبي وجالنا حالة طارئة.. ولما جيت أخرج قابلني مهاب ووقف في طريقي.
تذكر وليد ذاك اليوم الذي كان على وشك الذهاب لرؤية الحالة الطارئة التي دلفت للتو.. لكن أوقفه مهاب الذي وقف أمامه بجسده وهو يقول بطريقته المستفزة:
ياترى بدور رفضت قلبك ليه يا دكتور وليد؟.. معقولة تكون بتحب واحد تاني!!
لم يجب وليد وتحرك ليذهب لكن مهاب جمده بقوله:
متزعلش أوي كده.. دي لو حبتك هيبقى الألم اللي هتعيشه مضاعف.. أما دلوقتي هي هتتألم بسيط شويتين.. عشان مختارتكش.
نظر له وليد بعدم فهم وهو يتمتم:
قصدك إيه يا مهاب؟
مهاب بابتسامة واسعة:
قريب هتفهم قصدي يا غالي على قلبي.. سلام دلوقتي شكلك مستعجل.
غادر مهاب تاركًا وليد يتخبط في أفكاره عما يقصده وعن مغزى كلماته.. لكنه استجمع شجاعته وقواه سريعًا وتحرك لغرفة الطوارئ.
عاد من ذكريات هذا اليوم وهو يتمتم بقلق:
أنا مكنتش أعرف إن ده قصده.. أنا السبب في اللي حصلها واللي لسه هيحصلها.. أنا السبب.
اقترب فراس وربت على كتفه بهدوء وهو يتمتم:
لا انت مش السبب.. ولو حد السبب فهو أنا.. عشان أنا اللي جبتها من البداية.. روح انت دلوقتي يا وليد.
أخرج فراس هاتفه وقام بمهاتفة السيدة ابتهال ليعرف إن كانت شدا لا تزال لديهم.. وقد أخبرته بأنهم متجهين بها للمستشفى.. فهي فاقدة للوعي.
أغلق معها وهاتف حازم الذي أخبره أنهم قادمون إليه.. فجلس في انتظارهم بتوتر.
***
وصل لؤي لمستشفى الصاوي.. وخرج وجذب شدا بين ذراعيه وصعد بها.. فاستقبله فراس.
اقترب أحد الأطباء وأشار إلى إحدى الغرف التي ذهب إليها لؤي ووضع شدا بها ليفحصها الطبيب... بينما وقف لؤي وفراس ودالين في الخارج.
فراس موجهًا حديثه لدالين بحده:
إنتي إزاي تطلعي كده؟
دالين بحده مماثلة:
أنا مش هسيب أصحابي وأستخبى.. بدور اتخطفت بسببي.. وشدا جوه بسببي.. وكل المصايب اللي بتحصل بسببي.
فراس بعصبية:
مفيش حاجة بسببك.. وجيتك هنا غلط.. ليه بتعملي كده.. هتهدي كل اللي بنسعى له.
دالين بعصبية:
مش هسيب أصحابي.. سامع.. مش هسيبهم.
لؤي بحده:
مش وقته اللي بتتكلموا فيه ده.. دلوقتي لازم نعرف بدور فين.
فراس بضيق:
أنا إلى حد ما أعرف مين اللي خطفها.
لؤي بسرعة:
مين؟
فراس:
دكتور مهاب الصياد.
لؤي:
ليه هو؟
حكى فراس له ما أخبره به وليد.
فقال لؤي ببعض الشك:
مظنش إن مهاب يعمل كده من باب الانتقام من وليد.. ثم إنك بتقول طردتهم النهارده.. يعني هيفكر في إيه ولا إيه.. يا إما في سبب تاني.. يا إما في فاعل تاني.
قال آخر جملة وهو ينظر بأعين فراس الذي فهم ما يرمي إليه لؤي.
فراس:
مش مستبعدها.. بس حتى الآن معرفش إذا عرف حاجة عن بدور ولا..
توقف عن الحديث حينما تذكر جابر.. هم يعتمدون هنا عليه بالكامل حينما يتعلق الأمر بأجهزة الكمبيوتر.. من خلال جابر يمكن التأكد إن كان والده علم بشيء عن برنامج الاختراق أم لا.
أخرج فراس هاتفه سريعًا وأجرى مكالمة مع جابر الذي أتى في أقل من نصف ساعة.
جابر:
خير يا دكتور فراس.
فراس:
عم جابر.. بابا طلبك من مدة قريبة أو حاجة.
جابر:
أيوه.. إمبارح.
فراس:
ليه؟
جابر بعدم فهم:
كان فيه برنامج اختراق على جهازه الخاص وطلب ألغيه وأنقل بياناته وأعرف البيانات الشخصية للي اخترق الجهاز.
لؤي:
وإنت عملت إيه؟
جابر بتلقائية:
عملت زي ما طلب مني.
فراس:
مين كان بيتجسس عليه؟
جابر بتذكر:
آه.. مش فاكر بالظبط بس كانت واحدة مش عارف اسمها ندى باين.
لؤي:
شدا!
جابر سريعًا:
أيوه أيوه شدا.. حتى دكتور مهاب قاله إن ليها أخت هنا في المستشفى تقريبًا.
ضربت نواقيس الخطر في رأس حازم الذي كان يقف على بعد منهم يستمع لكل ما يقال بعقل شارد وقلب ممزق ووجه شاحب خالي من الحياة.
لقد اتضحت الرؤية الآن.. رأفت ومهاب هما من فعلاها.. لكن ترى هل سينقذونها أم ستسقط بين يدي أنياب الذئاب وتنتهي؟
دلف لؤي لغرفة شدا التي استعادت وعيها ولكنها لا تتحدث وتنظر للفراغ بأعين خالية من الحياة.. وقف أمامها وأخذ يهزها بقوة وهو يقول بانفعال:
مينفعش تضعفي دلوقتي.. مينفعش أبدًا تضعفي دلوقتي.. فوقي يا شدا.. بدور محتاجاكي.. لازم تتحركي.
بكت شدا بقوة.. بكت كأنها لم تبكِ من قبل.. بكت كطفلة ضائعة تائهة.. كانت تتظاهر بالقوة طوال الفترة السابقة.. لكن الآن لم تعد تستطيع.. لقد فقدت جميع حصونها.. لقد أمسكوها من نقطة الضعف بحياتها.. بكت بقوة وأخذت شهقاتها تعلو بضعف.
اقتربت دالين وأخذتها بين أحضانها وهي تربت على ظهرها بحنان وتتمتم بهدوء:
مش هيحصلها حاجة.. هترجع لنا سالمة.. مش هيحصل حاجة.. لؤي بيه معاه حق.. مينفعش تضعفي دلوقتي.. نقطة ضعفك في إيديهم فلازم تبقي قوية.. لازم تبقي قوية وتنهشي لحم أي حد يقرب من أختك.. لازم تقفي على رجليكي عشان ترجعيها.
هدأت شدا قليلًا وبدأت تستعيد قوتها شيئًا فشيئًا.. حتى وقفت فجأة ووجهت حديثها للؤي وفراس:
تعرفوا إيه عن الموضوع؟
قص فراس كل شيء على مسامعها وبدأت هي بتفهم الوضع.
ولكن السؤال الآن.. من أين سيبدأون؟
***
كانت على وشك الذهاب بتاكسي ولكن أوقفها رؤية سيارة شادي القادمة.
ترجل من السيارة بهدوء واقترب منها بابتسامة وهو يتمتم:
عاملة إيه يا ست الكل؟
روح:
بخير يا حبيبي الحمد لله.
شادي:
رايحة لفاتن؟
روح:
أيوه يا حبيبي.. لازم أفضل جنبها الفترة دي على الأقل.. شريف قالي إن سمر مرجعتش البيت وبيكلمها تليفونها مقفول وهو قاعد مع فاتن وحاجات كتير في الشركة واقفة على وجوده.
شادي:
طب يلا هوصلك.
روح بتردد:
شادي.. عايزة أتكلم معاك في موضوع.
شادي:
موضوع إيه؟
روح:
يلا وديني لفاتن وفي الطريق نتكلم.
أومأ شادي بهدوء ثم ركبا السيارة واتجه بها لمنزل فاتن.
شادي:
ها يا روح.. إيه الموضوع؟
روح بتردد:
آه.. شادي إنت.. إنت شايف فاتن إزاي؟
شادي وقد فهم ما ترمي إليه:
اممم.. شايفها بنت طيبة وقلبها أبيض ونقي ومتستحقش أبدًا اللي هي عايشاه حاليًا ده.
روح:
شادي.. إنت فاهم قصدي.
شادي بهدوء:
فاهم يا روح.. ومش عايزك تقلقي أبدًا.. أنا عمري ما هبص لمرات أخويا.
ابتسمت روح باتساع وهي تنظر إليه برضا تام.
فتابع شادي:
بس ابنك لازم يتربي.
روح بتأكيد:
أنا معرفش إيه حصله فجأة كده.
شادي:
أنا تقريبًا عارف اللي حصله.. بس سؤال.
روح:
إيه؟
شادي بهدوء:
يوم ما شدينا أنا وهو بالكلام في البيت.. لما مشيت إنتي قلتي له إيه؟
روح بتذكر:
قلت له على اللي حصل بالضبط يوم الحادثة.
شادي بابتسامة ساخرة:
ومدام سمر لما رحنالها المستشفى قالت لك الهمجي ابنك اتهجم على فاتن وضربها وقال لها كنتي معاه ليلة الحادثة.. يعني الهمجي كان فاكر إن فاتن كانت معايا.. يعني باختصار كده.. الليلة كلها عاصم فاهمها غلط واتصرف غلط بناءً على فهمه الغلط.. ومدفعش تمن ده كله غير المسكينة اللي اتصدمت في أمها وعمها.. ودلوقتي في جوزها اللي بيتهمها بالخيانة.. أعذريني يا روح بس أنا مش هسمح إن عاصم يعرف الحقيقة دي كلها غير لما يتأدب.
روح بحزن:
إزاي؟
شادي:
لما يحس إن فاتن بتضيع منه.
روح:
بس دول روحهم في بعض.
شادي بهدوء:
بس ابنك شكاك.. والشك سِم قاتل.. بيقتل كل حاجة حلوة.. ولو مفاقش من شكه ده.. يبقى ميستاهلهاش.. وهيخسرها.
روح:
عندك حق.. بس هنعمل إيه؟
شادي:
ولا أي حاجة.. في الوقت المناسب اللي هنحس فيه إنه فعلا عِقِل وعايز يفهم اللي حصل ساعتها يستاهل يعرف.. غير كده لا.
***
كانوا يجلسون جميعًا في إحدى غرف المستشفى يفكرون فيما يمكن فعله.. وقد اتفقوا على ألا تتدخل الشرطة في هذا الأمر.
طرقات على الباب دلفت بعدها إحدى الممرضات وهي تتحدث باحترام إلى فراس:
دكتور فراس.. عمرو بيه بيدور على حضرتك.
فراس بهدوء:
خليه ييجي هنا يا آنسة دعاء.
أومأت دعاء بهدوء ثم ذهبت.. ولم يمر الكثير من الوقت حتى دلف عمرو إلى الغرفة.. وقد توقف مكانه حينما رأى لؤي الذي تعلق نظره بصديق حياته.
تذكر ذاك اليوم الذي أخبر لؤي فيه بكل شيء يخص القضية.. حينها أخبره لؤي بكل قسوة أنه لن يهتم لأحد وسيفعل ما يمليه عليه أمانته لعمله وضميره المهني.. ثم ترك المكان وغادر.
كانت نظرات عمرو تنم على العتاب والحزن والألم.. بينما نظرات لؤي تمتلئ بالندم والأسف.. فعمر حاول مرارًا وتكرارًا الوصول للؤي ولؤي كان يصده في كل مرة.
تحمحم عمرو أخيرًا ودلف بهدوء وصافح الجميع.. وحينما وصل للؤي ومد يده إليه.. تجاهل لؤي يد عمرو الممدودة وقام باحتضانه بقوة.
تعجب عمرو في بادئ الأمر.. لكنه بادل صديقه الاحتضان وشدد عليه كثيرًا.. ثم ابتعدا دون أن يتفوه أحدهما بشيء.
عمرو بهدوء:
في إيه؟.. إيه اللي بيحصل؟
تنهد فراس قبل أن يقول بهدوء:
اقعد وهتفهم كل حاجة.. دلوقتي يا جماعة مفيش غير حل واحد.
لؤي:
إيه هو؟
فراس:
نوصل لمهاب بأي ثمن.
نظر لؤي تجاه شدا فوجدها تقبض يديها بعنف ووجهها أحمر من الغضب.. ومن دون سابق إنذار قامت بإلقاء عمود تعليق المغذي نحو النافذة بعنف لتتهشم النافذة تمامًا.
اقتربت منها دالين بحذر.. فصرخت شدا في وجهها وهي تقول بحده:
متقربيش.. قسما بدين الله بدور لو مكنتش في حضني الليلة دي هقلب حياة مهاب لجحيم وهـ...
لم تستطع إكمال حديثها بسبب تلك الإبرة التي أعطاها فراس لها.. فسقطت فوق الفراش.
لؤي بخوف:
إنت عملت إيه؟.. إيه اللي إنت ادتهولها ده؟؟
فراس بهدوء:
اهدي شوية.. دي إبرة مهدئ بس مفعولها عالي شوية.. شدا مش لازم أبدًا تكون موجودة وإحنا بنحاول نرجع بدور.. مشاعرها هتغلب عليها.. واللي أنا واثق منه إن لو مهاب اللي خطف بدور هيساوم عليها.. وشدا هتسلم اللي معاها.. وده مستحيل أسمح به.
دالين بحده:
إنت أكيد اتجننت.. إيه اللي بتقوله ده.
فراس وهو يضغط على أسنانه بغضب:
لسانك يا دالين عشان معرفش المرة الجاية هعمل إيه.
دالين بحده:
إنت بتهددني.
لؤي بغضب:
اخرسوا انتوا الاتنين.. ده مش وقت خناق... ده بدل ما نكون إيد واحدة.
فراس وقد لاحظ عدم وجود حازم بينهم:
هو حازم فين؟
دالين وكأنها استوعبت ذلك الآن:
ده.. ده كان هنا من شوية.
فراس بسرعة:
لؤي.. لو مهاب خطف بدور فعلًا عشان التقارير اللي وصلتك واللي هتتنشر بكرة.. فهيتصل بشدا عشان يساومها.. وفي الحالة دي إحنا لازم نلعبها بعقل.
لؤي وكأنه وجد الحلقة المفقودة الآن:
إزاي مفكرناش كده.. طيب فين تليفون شدا؟
أخذت دالين تفتش جيوب شدا لكنها لم تجده.
لؤي وهو يتحرك:
أنا هنزل أشوفه في العربية ممكن وقع منها.. وإنت اتصل عليه بردو يا فراس.
قاطعه فراس بصوته:
لؤي.. أنا بتصل فعلًا بس المكالمة قيد الانتظار.
نظروا جميعًا إلى بعضهم البعض وفي صوت واحد:
حازم!!!!!!
لؤي:
عمرو افضل جنب شدا ودالين هنا وابعت أمِّن المكان.. فراس يلا فورًا.. لازم نلاقي حازم.
***
نزل من بينهم بهدوء دون أن يشعر أحد منهم به.. جلس في السيارة بألم وبدأت دموعه تتجمع داخل مقلتيه.. لم يخبرها بأنه يحبها.. لم يحيي معها الحب كما يجب.. لقد كان ينوي فعل ذلك ويتقدم لخطبتها بمجرد عودة دالين.. لما يحدث كل هذا معهم؟
وبينما هو غارق في حزنه وآلامه فإذا بهاتف شدا الذي وضعه على المقعد المجاور بعد أن جلبه من منزل لؤي يصدح صوته برقم غريب.. نظر تجاهه وكان على وشك تجاهله.. لكن شيئًا ما بداخله دفعه للرد سريعًا.
أتاه صوت الطرف الآخر بمجرد أن ضغط زر الإجابة:
مفكرة نفسك صحفية ذكية ومفيش منك.. وإنك لما تمشي ورا فراس وتحشري بينا الحشرة أختك عشان تزرعلنا برنامج اختراق وتسرقي المعلومات اللي على أجهزتنا.. وفي الآخر تفكري إننا هنعديها بالساهل.. تبقي غلطانة يا قطة.. المعلومات اللي معاكي قصاد رقبة أختك.
حازم وقد أغمض عينيه بقوة:
أنا حازم خطيب بدور وزميل شدا في الشغل.. والمعلومات والبيانات اللي إنت عايزها معايا كلها وأقدر أجبهالك في الوقت والمكان اللي تعوزه.. بس متلمسش شعرة من بدور.. قولي الوقت والمكان.
أتاه الصوت الآخر:
تعجبني.. هستناك الساعة ٦ في ( ... ) ولوحدك.. ولو لعبت بديلك.. أنا كده كده رايح.. فالقطة بتاعتك هتروح فيها.
حازم:
أنا لوحدي وهاجي لوحدي ومعايا كل اللي طلبته.
الطرف الآخر:
سلام.
أغلق حازم معه بعدما رأى المكالمة الفائتة من فراس.. فتنهد بهدوء ثم أرسل المكالمة التي سجلها للتو برقم الهاتف للؤي.. وقاد سيارته متجهًا للجريدة.
في نفس الوقت خرج فراس ولؤي من المستشفى وشاهدوا الغبار الذي خلفته سيارة حازم.. فأخرج لؤي الهاتف حينما أتاه صوت إشعار لإحدى الرسائل.. وقام بتشغيل المسجل.. ثم نظر هو وفراس لبعضهما بقلق.
فراس:
تفتكر هيسلمهم الورق؟
لؤي:
متستبعدش.. بس طالما بعت التسجيل يبقى عايزنا نتصرف ونلحقه.
فراس:
إحنا قلنا مفيش شرطة.
لؤي:
من غير شرطة يا فراس.. إحنا محتاجين عمرو.. بس البنات..
فراس:
محلولة.
أخرج فراس هاتفه وقام بالاتصال على شادي الذي أجاب على الفور:
فراس!!
فراس سريعًا:
شادي.. عايز رجالة أمن يقفوا على غرفة في المستشفى عندي وعايزك شخصيًا معايا في مهمة ضرورية.
شادي:
مسافة السكة وأكون عندك في المستشفى.
أغلق فراس معه وبقي هو ولؤي في انتظاره.. لا يزال لديهم الوقت الكافي للسيطرة على الأمر.
***
بينما لدى شادي.. فكان قد وصل لمنزل فاتن للتو حينما أتاه اتصال فراس.
شادي بهدوء:
أمي أنا عندي شغل.. فهروح أنجزه أنا... وانتي خليكي هنا ولما أخلص هعدي آخدك.. تمام؟
روح:
تمام يا حبيبي.. خلي بالك من نفسك.
قبل جبينها بحب ثم خرج من باب الڤيلا مجددًا ولم ينتبه لذاك الذي وصل للتو.. وحينما رأى شادي يغادر.. ظن بأنه كان في الداخل وخرج الآن فقط.. فكز على أسنانه بغضب.. ونزل من السيارة وهو ينوي ارتكاب جريمة اليوم.
دلف إلى الڤيلا وأول من قابلته كانت روح التي دلفت للتو هي الأخرى.
روح بهدوء:
عاصم!.. تعالي يا حبيبي.
عاصم وهو يحاول أن يكتم غضبه:
سؤال وجاوبيني بصراحة.
روح بهدوء:
طب تعالي نقعد في الجنينة بره عشان فاتن متصحاش على صوتنا.
عاصم بعدم فهم:
هي فاتن نايمة؟
روح بتأكيد:
أيوه.. بتاخد علاج بينيمها فترة طويلة ولسه موصلني شادي عشان آخد بالي منها على ما شريف يشوف شركته ويرجع.. لإن في شغل كتير متراكم عليه وواقف على وجوده.. وسمر هانم معرفش هي فين من وقت ما خرجنا من المستشفى.
لقد تعمدت روح بأن تتحدث بالتفصيل في هذا الأمر لأنها متأكدة من رؤية عاصم لشادي حينما خرج الآن.. ففضلت أن توضح له كونه لم يدلف إلى هنا ولم يرى فاتن كذلك.
عاصم وقد بدأ يهدأ قليلًا:
طيب يلا.
خرجا إلى الحديقة.. وأتت الخادمة بفنجانين من القهوة لهما.. وطلبت منها روح بأن تناديها حينما تستيقظ فاتن.
روح بهدوء:
قول يا عاصم يابني.. إيه اللي عايز تسألني فيه؟
نظر لها عاصم لبعض الوقت ثم أغمض عينيه بتعب.. فمدت روح يدها إليه وأمسكتها بين راحتي يدها وأخذت تربت عليها بحنان قبل أن تقول بهدوء:
هحكيلك كل حاجة يا عاصم.
نظر لها عاصم بترقب.. وبدأت روح تقص عليه كل ما حدث منذ أن أرسل لها مراد رسالة يخبرها فيها بأنهم قد حددوا موعد الزفاف إلى أن أخبرها شادي بأنه لن ينظر أبدًا لمرات أخيه.. لكنه تعمد مضايقته كي يستفيق من وهم شكوكه وعدم ثقته بزوجته.
عاصم وقد أغمض عينيه بألم.. كيف سيواجه فاتن الآن بعدما فعل ما فعله بها؟.. كيف ستسامحه؟.. لقد آلمها في أكثر أوقاتها احتياجًا له.. لقد شهدت خيانة والدتها وعمها.. وهذا ليس بالسهل عليها.. ثم مرت بذاك الحادث والذي نجت منه بفضل شادي.. ليأتي هو ويضربها ويتهمها بالخيانة وتنجو للمرة الثانية بفضل شادي.. ليعود من جديد ويتهمها بالخيانة.. وآخر ما فعله هو طلبه للزواج من أخرى.. يا إلهي.. ماذا فعل!!.. هل يعقل أنه خسرها الآن؟.. هل حقًا سيخسرها؟
شعرت روح بتخبطه فأرادت أن تهون عليه قليلًا:
اسمعني يا عاصم يابني.. الواحدة منا ياحبيبي لما بتحب من قلبها بتسامح.. بس فاتن هتحتاج شوية وقت.. لازم تديها وقت تستعيد فيه نفسها وروحها.. متبعدش عنها ومهما طلبت منك إنك تبعد بتّت فيها.. أفضل عافر عشان تكسبها تاني.. اللي هي مرت بيه في الفترة الأخيرة من أول يوم دالين اتخطفت فيه لحد اللحظة دي مهواش سهل.. فلازم تتحمل أي رد فعل هيصدر عنها.. واتأكد إن القلب هينتصر في النهاية.. انتوا حبكوا كبر معاكم من وانتوا صغيرين.. فصعب يتهد بسهولة.. بس إنت بدأت تهده بأفعالك في الفترة الأخيرة.. لكن لسه في فرصة تبنيه تاني وتقويه المرادي ومتسمحش للنسمة تعدي منه.. فاهمني ياحبيبي؟
أومأ عاصم بهدوء كطفل يتم شرح أحد الدروس له.
فتابعت روح بهدوء:
وشادي يا عاصم.. شادي لما قلت له إنت شايف فاتن إزاي.. قالي أنا مش هبص لمرات أخويا يا روح.. رغم كل اللي حصل شايفك أخ.. وعايزك أخ يا عاصم.. شادي طول عمره لوحده.. عايش بين شغله ورجالته.. لا ليه أخ ولا ليه صاحب.. ولما جه مصر وقرر يستقر قال هيقعد بين أم وأخ بيتمناه.. شادي إنسان كويس أوي يا عاصم يابني.. كويس بجد.
عاصم بهدوء:
مين اللي بعت الرسالة ليكي؟
روح بتنهيدة:
معرفش يابني.. حتى شادي كان قال إنه هيدور ورا الرقم بس أديك شايف مبيقعدش أبدًا.. ده حتى مش قادر يسافر انجلترا عشان يصفي شغله هناك.
عاصم بهدوء:
أنا عايز الرقم يا أمي.
أخرجته روح له بابتسامة وأعطته إياه.
عاصم بهدوء:
همشي أنا دلوقتي.
كان على وشك الذهاب لكن أتاه صوت والدته:
مش عايز تشوف مراتك وتطمن عليها الأول؟
عاصم بألم:
مظنش إنها هتحب تشوفني دلوقتي أبدًا.
روح بهدوء:
مش لازم تشوفك.. على الأقل تحس بوجودك.. يلا تعالي شوفها وامشي.
صعد معها للأعلى بهدوء ودلف لغرفة فاتن.. وجدها نائمة بكل هدوء.. وخصلاتها تنتشر بحرية على وسادتها.. ووجنتيها حمراوتين كعادتهما دائمًا.. أخذ يتأملها بشوق وحنين وألم.. كيف استطاع أن يفعل بها هذا؟.. أين كان عقله؟ لقد كان متهورًا بما يكفي لجعلها تكرهه.. أغمض عينيه بألم حينما وصل تفكيره إلى هنا.. هل كرهته حقًا أم ستسامحه كما قالت والدته؟
***
وصل شادي ومعه رجاله حيث المستشفى.. صعد ثلاث رجال لغرفة شدا ودالين.. ونزل عمرو وتحرك أربعتهم ومعهم ثلاثة أشخاص آخرين أحضرهم شادي.
***
وصل حازم حيث العنوان الذي أخبره به المتصل.. ونزل بهدوء وبيده الفلاشة الخاصة ببيانات المستشفى.
كان المكان مظلم بعض الشيء.. اقترب منه أحد الرجال ضخام البنية وفتشه.. ثم دلف به إلى الداخل.. قابله مهاب عند الباب وهو يبتسم باتساع:
شاطر.. بحب الرجالة المتفاهمة أوي.. أنا فعلًا فخور بيك.
حازم:
بدور فين؟
مهاب:
البيانات.
حازم:
بدور.. أشوف بدور وأستلم بياناتك.
ابتسم مهاب وهو يحك ذقنه ناظرًا للأرض ثم رفع رأسه وأشار بها إلى الرجل الواقف بجانب حازم.. فضربه الرجل في معدته بقوة جعلت حازم يترنح قليلا وتحول وجهه للأحمر بسبب الألم الذي شعر به.
مهاب:
البيانات.
حازم بإصرار:
بدور.
ضربه الرجل مجددًا.. فبصق دماءًا هذه المرة.. وكان سيفقد الوعي من شدة الألم لكن لا.. يجب أن يتماسك.. ليس الآن أبدًا.
مهاب:
البيانات.
حازم:
انت بتتعب نفسك وبتضيع في وقتك على الفاضي.. خليني أشوف بدور وخد اللي إنت عايزه.
مهاب بضحكة صاخبة:
أنا فعلًا لسه مخلصتش اللي أنا عايزه من بدور.. إنت جيت في وقت مهم جدًا.. فاللي أنا عايزه هاخده وبعدها هتاخدها.. لإنها بعدها متلزمنيش.
حازم وهو يحاول ألا يفكر فيما قاله مهاب.. فما يقصده مهاب بحديثه ليس بالنية الحسنة أبدًا.
حازم:
انت قلت لي البيانات هي اللي تلزمك.. وأنا قلت لك تاخدها وأخد بدور.. فين كلمتك كراجل؟.. ده كان اتفاقنا.
مهاب بتفكير:
الاتفاق انتهت صلاحيته.. امممم.. بس تصدق أقنعتني.. إنت صح فعلًا.. بس أنا مش عايزك تنهار لما تشوفها.. إتفقنا؟
نظر حازم تجاهه بوجه شاحب.. ما الذي يقصده ذلك اللعين؟.. ماذا فعل بها؟
رواية ضمير ميت الفصل الثامن عشر 18 - بقلم دنيا آلشملول
أشار مهاب للواقف خلف حازم فقام بجذبه من ذراعه ودلف به لداخل المنزل الصغير.
كان حازم يغمض عينيه بين الثانية والأخري في محاولة يائسة لأن يكون كل ما هو فيه الآن مجرد كابوس، كابوس وينتهي. لكنه للأسف وكل الأسف حقيقة، حقيقة مُرَّه.
قام مهاب بفتح باب الغرفة على مصراعيه لتتبين بدور بهيئتها المبعثرة والشبه عاريه أمام أعين حازم التي تحول لونها للأخضر القاتم ووجهه أصبح بلون الدماء، وبرزت عروق وجهه وعنقه بشكل مخيف. بدأت الدماء تشتعل داخل رأسه وهو يستمع لقول مهاب الذي ينزل على مسامعه كالسوط يجلده بلا رحمة:
"بصراحة انت قطعت خلوتنا بجيتك.. بس هعوضها.. وحالا لو تحب."
نظر حازم تجاهه بعينيه وهو يقول بتوعد:
"أقسم لك باللي خلقك هتشوف أيام أسود من قرن الخروب."
رد مهاب بضحكة صاخبة:
"انت مش شايف الموقف اللي انت فيه ولا إيه؟.. ولا تكونشي بتحب بدور؟"
تصنع التذكر وهو يتابع:
"أووو أووو سوري سوري.. نسيت.. انت قلت لي إنها خطيبتك مش كده؟.. أوو بجد سوري.. مش هتتهني بيها يوم فرحكم.. لأنها للأسف.. هتكون مستعملة."
قال حازم بصوت هادر:
"هقتلك وديني لاقتلك يا كلب."
في هذا الوقت تحديدًا بدأت بدور تستعيد وعيها شيئًا فشيئًا، وأول ما التقطته أذناها هي عبارة حازم.
أخذت تئن بضعف وهي تتمتم بوهن:
"حـ حـ حازم.. حـازم اااه."
قال حازم وكاد يبكي من الخارج لرؤيتها بهذا الشكل وهذا الضعف والوهن:
"متخافيش.. متخافيش أنا هنا."
حاولت بدور التحرك لكنها وجدت نفسها مكبلة اليدين والقدمين في سرير يشبه أحد أسرة المستشفيات. بدأت تستوعب حالتها. أدارت رأسها للجانب لتقع عينيها على حازم الذي يمسك به رجل ضخم البنية وهو يحاول التملص من بين يديه هادرًا بكلمات لم تستطع تبين معناها وهو يصرخ في ذاك الواقف مستندًا إلى الحائط بجذعه ينفخ دخان سيجارته ويبتسم ابتسامة شيطانية.
تقابلت عينيها بعيني حازم في تساؤل منها وألم واعتذار منه.
دلف مهاب للغرفة فارتعدت أوصالها وشحب وجهها وهي تراه يقترب منها بهذا الشكل المخيف، بينما يهدر حازم من الخارج بعنف:
"إبعد عنها.. هموتك.. والله هموتك.. إبعد عنها."
أخذت بدور تصرخ بقوة حينما شعرت بأصابعه تسير فوق ذراعها الأيمن ببطء. أخذت تتحرك بعنف شاعرة بتلك الوخزات في جسدها والتي لا تعلم سببها، لكن هذا ليس وقت الاستفسارات.
صرخ حازم هو الآخر:
"إبعد عنهاااا."
صوت طلقات نارية جعلت الصمت هو السائد في المكان للحظات. توقفت بدور عن الصراخ، وحازم نظر تجاه الباب بأعين يملؤها الأمل بقدوم فراس ولؤي.
تحرك مهاب من جانب بدور وهو يمسك بسلاحه وقام بأخذ حازم من بين يدي الرجل الممسك به وقال بهدوء:
"شوف الجو بره بسرعة."
وقبل أن يتحرك الرجل إنشًا واحدًا اخترقت رصاصتين ركبتيه على التوالي فخر على الأرض صارخًا. نظر مهاب إليه ثم إلى الباب الذي ظهر منه فراس والشرر يتطاير من عينيه.
أشهر مهاب السلاح على رأس حازم وهو يقول بتهديد:
"لو قربت أكتر هخلص عليه."
وقف فراس في مكانه ولم يتحرك. بينما ظن مهاب أنه قد نجح في تثبيت فراس، وبدأ يستعمل عقله كي يفكر سريعًا في طريقة للهروب من هنا. وقبل أن يهديه فكره لأي شئ شعر بتلك الضربة التي أتته من الخلف أفقدته الوعي مباشرة، والتي كان مصدرها نهاية سلاح شادي.
ركض حازم تجاه الغرفة وقام بفك قيود بدور ثم خلع قميصه الذي يرتديه ووضعه على جسدها من الأعلى وقام بلف خصرها سريعًا بإحدى المناشف التي لمحها على الطاولة. ثم حملها بين يديه وخرج من المكان ركضًا.
استقل سيارته وغادر بها مسرعًا إلى المستشفى. ولحق به فراس بسيارته.
بينما قام شادي ولؤي بحمل مهاب إلى سيارة لؤي. وقام عمرو بنقل جميع الرجال الذين أصابوهم في أقدامهم فقط دون أن يتعرض أحد منهم للموت. ووضعهم في الغرفة. وقام بتبليغ الشرطة على الفور.
بقي معهم حتى تأتي الشرطة بينما لحق لؤي وشادي بفراس.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
دلف إلى مكتبه وهو يشعر بالإختناق، يكاد ينفجر من الغضب. هل وصلت بها الجرأة لأن تفعل هذا؟ لكن لماذا فعلت ذلك؟
لم يدم تفكيره طويلًا حيث وصل لمسامعه طرقاتها المتتالية على باب المكتب ثم دلوفها بابتسامتها الواسعة. اقتربت منه بدلال وحاوطت عنقه وهي تقول بابتسامة:
"وحشتني."
نظر لعينيها بجمود لترتخي يديها عن عنقه بعض الشئ وهي تتمتم بتساؤل:
"إيه اللي مضايقك أوي كده؟"
قال عاصم بترقب:
"من امته وانتي تعرفي بعلاقة مراد وسمر؟"
رمشت عدة مرات قبل أن تبعد يديها عن رقبته سريعًا ثم نظرت للأسفل بحزن مصطنع وهي تتمتم بخفوت:
"من زمان.. بس.. بس أنا خفت أقولك ياعاصم والله.. خفت أقولك حاجة زي كده تفهمني غلط.. أنا مش من حقي أتدخل في خصوصيات رئيس شغلي.. وخفت تكدبني وتطردني."
تابع عاصم:
"ليه بعتي رسالة لأمي في نفس الليلة اللي رجعت فيها من السفر وبتعرفيها بوجود فاتن في شقة مراد وسمر؟"
شحب وجهها وهي تنظر له بخوف ظهر جليًا على ملامحها، ثم نفت سريعًا وهي تقول بتلعثم:
"اا.. إيه اللي انت بتقوله ده؟.. اا.. أنا.. أنا مش فاهمة بتتكلم عن إيه!"
اقترب عاصم منها تلك الخطوة التي ابتعدتها ومال إليها ناظرًا لعينيها بعمق قبل أن يقرب يده من شعرها بهدوء وتروّي. ومن دون سابق إنذار قام بجذبه للخلف مما جعلها تصرخ من قوة قبضته على خصلاتها.
قالت شيرين بألم:
"اا.. اااه.. سـ سيب شعري.. اااه.. انت بتوجعني.. سيبني."
قال عاصم بزمجرة:
"ليه بعتيلهم الرسايل اللي بعتيها.. انطقي."
قالت شيرين وهي على وشك البكاء بسبب الألم:
"بـ بعتها لفاتن عشان.. عشان أكسر قلبها.. وعشان قلت إنها هتسيبك لإنها مش هتكمل معاك وأمها بتخون أبوها مع أبوك."
قال عاصم بضحكة عصبية:
"وأمي؟!!"
قالت شيرين وقد نزلت دموعها بالفعل:
"عـ عشان أضمن إن بشمهندس شريف يعرف باللي بتعمله مراته و.."
قال عاصم بغضب:
"وإييه.. كملي."
قالت شيرين بألم:
"وتبعد عن مراد بيه لإنه مش شايف غيرها ولا عارف يشوفني."
قال عاصم بضحكة عصبية:
"انتي بتقولي إيه؟!!! انتي عملتي كده عشان يفضالك الجو مع مين فينا؟.. أنا ولا هو؟"
قالت شيرين:
"مش هتفرق مين فيكم..."
تابع عاصم عنها:
"المهم واحد فينا.. وقلتي تضربي عصفورين بحجر واحد واللي يصيب منهم يبقى من نصيبك."
أنهى جملته وهو يلقيها بعنف إلى الأريكة فوقعت عليها بعنف مرتطمة قدمها بالطاولة الموضوعة أمام الأريكة فصرخت بألم حينما رأت الدماء تقطر من أسفل ركبتها بسبب احتكاكها بحافة الطاولة الزجاجي.
قال عاصم بغضب هادر:
"انتي إيه؟!!.. شيطانه؟.. شيطااااانه؟!!!"
ظلت تبكي وتشهق بقوة بينما قام هو بجذبها من يدها بعنف وقام بإلقائها خارج غرفة مكتبه وهو يقول بغضب:
"وديني وما أعبد إن شفتك تاني هخليكي متنفعيش بنكلة واحدة."
أنهى جملته تزامنًا مع صفعه لباب المكتب بعنف مما جعلها تشهق بقوة. اقتربت منها داليا سكرتيرة مكتب عاصم الجديدة وساعدتها على الوقوف وقالت بهدوء:
"تعالي معايا أعقملك الجرح قبل ما يلتهب."
ذهبت معها شيرين باستسلام. وبالفعل قامت داليا بتعقيم الجرح ثم ساعدت شيرين على الوقوف وحثتها على التقدم لتنظيف وجهها الذي أصبح عبارة عن لوحة ألوان متعددة بسبب بكائها.
قامت بتنظيف وجهها ثم أخذت حقيبتها وكانت على وشك الذهاب. ولكن أوقفها أمن الشر. وطلب منها تفتيش الحقيبة. شعرت بالإهانة كثيرًا وقد تحدثت في وجهه بحده وهي تجذب الحقيبة من يده بعنف وهي تقول بغضب:
"إنت اتجننت!"
قال حارس الأمن:
"دي أوامر حضرتك.. لازم تتفتشي."
ثم جذب الحقيبة من يدها وقام بإخراج مبلغ كبير من المال. نظر تجاهها حارس الأمن بريبة لتنظر له هي الأخرى بفزع وهي تهز رأسها للجانبين بسرعة لتتطاير على إثرها خصلاتها لتغطي وجهها بأكمله وهي تتمتم بخوف:
"لا لا مستحيل.. أنا.. أنا مسرقتهمش."
قال حارس الأمن:
"الكلام ده تقوليه في القسم ياهانم مش هنا.. اتفضلي حضرتك معانا."
قالت شيرين بغضب:
"إبعد إيدك عني.. قسم إيه اللي هروحه.. انت أكيد اتجننت."
أتاها صوت عاصم من الخلف:
"واحدة سارقة مبلغ زي ده طبيعي تروح القسم.. أومال مستنيه تروحي فين؟.. الملاهي مثلا؟!"
قالت شيرين برجاء:
"عاصم.. عاصم أرجوك أنا مسرقتهمش.. قول حاجة."
قال عاصم بضحكة:
"خدها يابني وافتح محضر سرقة."
صرخت شيرين:
"انت اللي عملتها.. انت اللي حطتهملي عشان تنتقم مني.. بس مش هسكت.. والله مش هسكت."
كان يضحك بقوة وهو ينظر لها حتى اختفت عن وقع أنظاره فاختفت ضحكته هي الأخرى وكأنها لم تكن.
التفت وشكر داليا لأنها وضعتهم في حقيبتها بناءً على أمر منه دون علمها.
والآن من أين سيبدأ ليعيد بناء ما تم هدمه.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
وصل بها للمستشفى ودلف سريعًا وهو يحملها بين ذراعيه ويصرخ بأن يأتيه أحدهم.
أتاه طبيب واثنين من الممرضين بالترولي. حملاها لإحدى الغرف وبقي هو في الممر يستند برأسه إلى الحائط. وصل فراس ودلف مع الطبيب لفحص بدور. لم يمر الكثير من الوقت وخرج فراس من الغرفة بوجه ممتقع.
تحرك حازم سريعًا تجاهه ناظرًا له بخوف وضياع. ينتظر ما سيقوله فراس.
خرج الطبيب الآخر فانتقلت عينا حازم إليه ليقول الطبيب بهدوء موجهًا حديثه لفراس:
"إحنا لازم نبلغ يادكتور فراس."
قال حازم وقد خرج عن صمته:
"فيها إيه؟.. حد يتكلم."
قال الطبيب بهدوء:
"دي يافندم محاولة إغتصاب.. واتعرضت للتعنيف.. وأثار التعنيف منتشره على جسمها.. وإحنا لازم نبلغ."
ترنح حازم للخلف فاقترب فراس سريعًا وأسنده وهو يقول للطبيب:
"هندخله غرفه وحضر مهدئ بسرعه."
سار حازم مع فراس باستسلام تام، حتى أعطاه فراس المهدئ وتركه يرتاح قليلًا وخرج من الغرفة بهدوء.
قام بمهاتفة عمرو الذي أخبره بأن الشرطة قد وصلت للمكان وأخذوا الرجال وتم فتح التحقيق. وهم الآن في طريقهم للمستشفى.
أغلق فراس معه واتصل بلؤي الذي أخبره بأنه في الخارج وثوانٍ قليلة وكان لؤي وشادي أمام فراس.
قال لؤي:
"كل حاجه تمام؟"
رد فراس بهدوء:
"في الطريق عشان يكملوا التحقيق.. بس لا بدور ولا حازم في حالة تسمحلهم يتكلموا أو يقولوا أي حاجة."
قال لؤي:
"متقلقش أنا هتصرف.. شفت البنات؟"
رد فراس بهدوء:
"لا.. بس وليد طمني عليهم."
قال لؤي:
"تمام.. أنا هطلع أشوفهم."
تحرك لؤي تجاه غرفة الفتاتان. بينما وقف شادي مع فراس وأخذ يربت على كتفه بتشجيع:
"عاش ياباشا.. انت اللي يشوفك ميقولش عليك دكتور أبدًا.. دا انت لؤي محصلش ربعك يا أخي."
ضحك فراس رغمًا عنه وهو يضرب شادي على كتفه بخفة متمتمًا:
"من غيرك ما كنتش هعرف أعمل حاجة.. انت صاحب جدع أوي."
قال شادي زامًا شفتيه للأمام:
"انت بتقول عني أنا صاحب؟!!.. ما انت مكنتش بتعترف بالصداقة."
قال فراس بابتسامة:
"ولما عرفتك ووقفت جنبي ومتخلتش عني رغم إن كل اللي أنا فيه ده انت ملكش تتدخل فيه وكان ممكن تريح دماغك وترفض.. بس فضلت جنبي.. من يوم ما اتخطفت دالين وانت جنبي.. ومن وقتها وأنا اقتنعت بوجود حاجة اسمها صداقة حقيقية.. وانت أولهم."
ابتسم شادي بمزاح وهو يقول:
"بس بقا يافراس متكسفنيش.. الله."
ضحك فراس بقوة رافعًا رأسه للأعلي وبدأت تنخفض تدريجيًا مع انخفاض ضحكته. فابتسم شادي باتساع. فتلك هي المرة الأولى التي يرى فراس يضحك بها. أين ذاك الوجه الخشبي؟!!
قال فراس بحمحمه:
"وصلت لحد فين؟"
قال شادي بعبث:
"لحد دالين كده."
تهجمت ملامح فراس على الفور واختفي أي أثر لأي ابتسامة مما جعل شادي ينفجر في الضحك وهو يقول:
"لا لا دماغك متروحش بعيد.. أنا لسه صاحب جدع والله."
ثم ضرب كتفه بكتف فراس وهو يقول بعبث وغمزة من عينه:
"ومش هفكر في مرات صاحبي."
عقد فراس حاجبيه وهو ينظر له شزرًا. فابتسم شادي بهدوء وهو يتابع:
"متفضلش ساكت كتير ياصحبي.. اللي حاسس بيه قوله.. عيش حياتك مع اللي بتحبها.. وعوض نفسك وعوضها عن اللي شفتوه الفترة دي.. أكيد هي تستاهل.. وانت كمان تستاهل ياصحبي."
ابتسم فراس بهدوء فقاطعهما دلوف المحقق وعمرو.
قال فراس بهدوء:
"بدور وحازم مش فايقين خالص دلوقتي."
قال عمرو بهدوء:
"ياسيادة المحقق أنا قلت لحضرتك.. يعني البنت لسه راجعه من عملية خطف والولد اللي جابها واتعرض للضرب.. يعني صعب أوي تاخد أقوالهم دلوقتي."
قال المحقق بهدوء:
"أنا بقوم بشغلي ياسيادة العميد مش أكتر."
قال عمرو بهدوء:
"بكره كلهم هيبقوا في القسم عشان التحقيق.. وده على مسئوليتي الشخصية."
قال المحقق:
"بس.."
قال عمرو وهو يضع يده على كتفه بهدوء:
"على مسئوليتي بقا."
استسلم المحقق لرغبته ثم غادر بهدوء بعدما أكد على ضرورة حضورهم جميعًا في الغد. نظر عمرو وفراس لبعضهما مطولًا. ليقطع الصمت بينهما عمرو حينما تحدث بهدوء:
"بعتذر يافراس.. أنا مخنتش ثقتك فيا أبدا.. أنا بس مهانش عليا صاحب عمري يبقا في التوهه دي.. وأنا عارف كل حاجة وساكت.. لؤي مكنش بينام ولا بياكل.. وصحبي وعارفه مبيرتحش غير لما القضية اللي يمسكها يخلصها.. وكنت ضامنه برقبتي وواثق فيه.. وانت بنفسك شفت.. أنا بجد مقصدتش أبدا يافراس.. بس كمان لؤي خبراته أعلي مني وكان هيساعدنا كتير."
لم يتحدث فراس فصاح عمرو بنفاذ صبر:
"يوووه يافراس بقا.. قول حاجة خليني أروح أشوف البت اللي خللت دي ياجدع."
قال فراس بضحكة خفيفة:
"أها قول كده بقا.. انت بتسعى عشانها مش عشان غلطت في حقي."
تمتم عمرو بصوت خفيض:
"انت اولع ياعم المهم هي."
قال فراس مضيقًا عينيه:
"انت قلت إيه؟"
قال عمرو سريعًا:
"مقلتش... أنا بقول يعني خلاص سامحتني؟"
قال فراس بتفكير مصطنع:
"اممممم.. لو شفت غرام فرحانة وسعيدة معاك هسامحك."
اقترب عمرو واحتضن فراس بفرحة وهو يقول بابتسامة:
"مش هتندم أبدا يابو نسب."
قال فراس:
"عارف لو غرام مكنتش دراعك اللي بيوجعك.. كنت كسرتلك دراعك."
قال عمرو:
"لا وعلي إيه.. غرام مش الدراع اللي بيوجعني بس.. دي كل حاجة في حياتي."
قال فراس بضيق:
"طب اخفي ياعمرو من قدامي يلا."
قال عمرو بضحكة:
"والله وحشتني غيرتك عليها."
تدخل شادي:
"معلش ياجماعة أعذروني.. بس من كلامكوا ده أنا فهمت إن غرام دي تبقى أخت فراس.. وحضرتك خطيبها باين.. فراس يغير على أخته من سعادتك ليه بقا؟"
قال فراس رافعًا إحدى حاجبيه:
"الأول كده قولي إنت مين سمحلك تنطق إسم أختي أصلا؟!!"
تحمحم عمرو وهو ينظر لشادي مؤشرًا برأسه إلى فراس بمعني " يلا رد ".
قال شادي بحمحمه:
"اا.. أنا أنا سمعت عمرو بيقول غرام فقولت زيه مش أكتر."
قال فراس:
"وانت أي حاجة هتسمعها هتقولها؟"
قال شادي بابتسامة:
"انت شكلك قلبت بجد ولا إيه؟.. إيه ياعمور.. ما تحضرنا ياحبيبي."
قال عمرو رافعًا يديه باستسلام:
"إنساني.. دي مراتي ومبعرفش أمسك إيدها في وجوده.. أساعدك في إيه بقا؟"
قال فراس وهو يحول نظره لعمرو:
"مبتمسكش إيدها في وجودي وبتمسكها في غيابي مش كده؟!!"
ضحك شادي بقوة وهو ينظر لعمرو الذي اختفت ابتسامته وهو يبتلع ريقه أمام فراس. ومن دون سابق إنذار ركض عمرو وهو يقول بصياح:
"أنا رايح أشوف مراتي.. يمكن مقدرش أشوفها بعد كده ولا حاجه."
ضحك شادي عليه ثم نظر لفراس وهو يضع يده على كتفه قائلا بهدوء:
"هطير أنا.. وانت لو احتجت حاجه كلمني.. وبكره هنتقابل عشان نشوف موضوع القسم بقا."
ابتسم له فراس بود ثم صافحه وغادر شادي المستشفى. بينما تنهد فراس براحة ومن ثم صعد ليرى دالين بعدما أوصي الممرضات بأن يهتموا بحازم وبدور. وأن يرسلوا له إن استعاد أحدهما وعيه.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
صعد لؤي لغرفة شدا ودالين. طرق على الباب عدة طرقات ثم دلف ليجد الغرفة رأسًا على عقب. وكأن هناك مشاحنة حدثت بها. وما إن دلف حتى وجد الوسادة تُلقي في وجهه بعنف. نظر للوسادة التي وقعت أرضًا أمام قدميه ثم رفع وجهه ليجد الأخرى ترتطم بوجهه فترنح للخلف وما إن رفع رأسه حتى مد يده سريعًا أمسك بعبوة المحلول التي ألقتها شدا تجاهه.
قال لؤي بحده:
"انتي بتهببي إيه يامتخلفه انتي."
قالت شدا بعصبية:
"أنا متخلفه يا غبي؟.. أنا متخلفه يا اللي معندكش دم؟.. انت إزاي تعمل كده؟.. أختي بين ايدين مجرمين وانت موقفلي رجالتك على الباب عشان مطلعش!!.. انت أي نوعك من بين البشر؟"
نظر لها لؤي بوجه محتقن من الغضب ولم يتحدث لكنه نظر تجاه دالين التي تقف في نهاية الغرفه تقضم أظافرها بتوتر. وتحدث بهدوء موجهًا حديثه لها:
"من الليلادي مبقاش في أي داعي إنك تستخبي.. تقدري ترجعي لحياتك الطبيعية من غير أي خوف.. ومحدش هيتعرضلك تاني."
ثم وجه نظره لشدا التي صمتت تستمع لقوله وتابع بنفس الهدوء:
"وبدور تحت في غرفة م المستشفى هنا.. بس عشان الخوف اللي كانت فيه وكده نايمة بعد ما ادوها مهدئ.. لكن هي كويسة ولحقناها الحمد لله.. وقبضنا على رأفت في المطار ومهاب اللي كان خاطف بدور بردو ورجالتهم.."
تنهد بقوة قبل أن يتابع:
"الفلاشه زي ما هيا مع رئيس التحرير وتقدري تنشري الحادثة من أولها اللي بتبدأ من عند خطف دالين من بكره.. وفراس مش هيتعرض لأي أذى وده بعد ما أكد اللواء أمجد إن موقفه هيتحسن في القضية.."
"مهمتي لحد هنا انتهت.. بس محتاج خدمة منكم.. في تحقيق اتفتح وهنحتاج أقوالكم عن الحادثه بالكامل.. الموضوع أقل من ساعة بس.. وبعدها كل حاجة هتتقفل وتقدروا ترجعوا تمارسوا حياتكوا الطبيعية."
تنهد قليلا ثم تابع وهو ينظر بأعين شدا التائهة:
"مبروك مقدمًا على عدد بكره اللي هيكسر الدنيا يا آنسه شدا.. بعد إذنكم."
خرج لؤي من الغرفة بقلب يحمل حزنًا كبيرًا. هي لم تثق به يومًا، وكذلك لا تنظر له سوى كونه ظابط شرطة يمسك بقضية تخص صديقتها لا أكثر. لما علَّق قلبه بها هكذا. ما هذه السذاجة التي أصبح عليها مؤخرًا. لما شعر معها بما لم يشعر به طوال حياته؟ لما احتلته إلى هذا الحد؟
أفاقه من شروده يد فراس التي وُضعت على كتفه. نظرا لبعضهما مطولًا. ولا يعلم أيٌ منهما سبب هذا الإنجذاب القوي الذي يحدث بينهما ما إن تتقابل أعينهما.
قال فراس بهدوء:
"انت كويس؟"
قال لؤي بابتسامة باهته:
"هحاول أبقى كويس."
قال فراس:
"آسف على عدم ثقتي فيك من البداية.. بس.. انت أكيد فاهمني صح؟"
قال لؤي بابتسامة صادقة هذه المرة كشفت عن غمازتيه الواضحة:
"صدقني لما أقولك إني عمري ما فهمت حد في حياتي قد ما فهمتك."
ابتسم فراس هو الآخر لتتبين غمازتيه التي تخفيها لحيته الخفيفة. نظر لؤي إلى وجنتي فراس وهو يقول بضحكة:
"والدتك مبتمسكش خدودك تقرصهم بسبب غمازاتك دي؟"
ضحك فراس بقوة رافعًا رأسه للأعلي وهي تنخفض تدريجيًا مع انخفاض ضحكته وهو يقول ممسدًا بين عينيه:
"لا لا دي غرام أختي هي اللي بتعمل كده.. طول الوقت تمسكني منهم وبتقعد تبرطم بكلام غريب كده."
قال لؤي بضحكة:
"ياتي كوتي ياتي كميله ياناس."
ضحكا معًا بقوة ثم تصافحا بود. واستأذن لؤي كي يطمئن على والدته.
غادر لؤي فتنهد فراس ببعض الراحة وطرق بهدوء على غرفة الفتاتان ودلف بعدها ليجد شدا تجلس إلى الفراش وتبكي ودالين تضمها إليها وتربت على ظهرها بهدوء. بنظرة سريعة للمكان استطاع فراس تخمين ما حدث.
وقفت دالين عن الفراش تنظر تجاه فراس بترقب. بينما لم ينظر هو تجاهها أبدًا واقترب من شدا وقال بابتسامة هادئة:
"شوفي يا آنسه شدا.. أنا عندي غرام أختي تزعل تعيط تفرح تعيط.. حاجة كده أستغفر الله العظيم يعني.. فلو انتي من النوع ده قوليلي واجبهالك واقعدوا اندبوا سوا."
ضحكت شدا رغمًا عنها وهي تقول بهدوء:
"يشرفني إني أتعرف عليها طبعًا."
قال فراس بهدوء:
"الشرف لينا طبعًا.. اا.. أنا بعتذر نيابة عن الجميع عشان فكرة إنك متحضريش معانا.. بس صدقيني ده كان لمصلحتك.. وجودك كان هيشكل خطر عليكي وكنتي احتمال تتاخدي من وسطنا كمان.. وساعتها كنا هنتلبخ في اتنين بدل واحدة.. الفكرة كانت فكرتي مش فكرة لؤي.. حتى لؤي زعق معايا لما اديتك المهدئ.. ومقتنعش بإن ده الصح غير لما رحنا هناك وشفنا كم الرجاله اللي في المكان.. فأي حركة غدر كنتي ممكن تروحي مننا.. ودلوقتي هو وفى بوعده لنفسه بإنه يرجع أختك لحضنك الليلادي.. وكمان اتكلم مع اللوا بتاعه عشان يحسن موقفي في القضيه.. غير إنه فكر بشكل سريع جدًا وقدر يبلغ عن رأفت واتجاب من المطار.. يعني حقيقي لؤي كان شايل الليلة كلها على كتفه واحنا كنا رهن إشارته مش أكتر."
قالت شدا وهي تمسح دموعها بأطراف أصابعها:
"إنت ليه بتقولي الكلام ده؟"
قال فراس بتنهيدة:
"عشان أنا واثق إنك بتلومي عليه.. خصوصًا إنه أول ما وصل المستشفى سأل على شدا وطلع جري يتطمن عليها.. بس خرج من عند شدا مكسور الخاطر والقلب."
قالت شدا بتلعثم:
"اا.. أنا.. أنا مش فاهمه قصدك."
قال فراس بهدوء:
"خلاص خليكي مش فهماه.. بس مترجعيش تندمي بعدين."
غيرت شدا مجرى الحوار:
"أقدر أشوف بدور؟"
قال فراس بهدوء:
"أكيد.. هبعت دكتور يطمني عليكي الأول.. وبعدين تعالي شوفي بدور."
أماءت شدا بصمت. فغادر فراس الغرفة دون أن ينظر لدالين التي انسابت عبراتها فور خروجه. لتتحرك شدا وتضمها إليها بقوة وهي تتمتم:
"بس اهدي.. كل حاجه بالهداوه هتتحل.. اهدي."
قالت دالين:
"أنا زعقت في وشه وشتمته.. مش هيسامحني."
قالت شدا بهدوء:
"لو بيحبك هيسامحك.. كلنا أعصابنا كانت تالفه.. وهو أكيد مقدر ده.. اهدي انتي وخليكي قويه كده عشان مينفعش تضعفي أبدا."
أماءت دالين بهدوء وهي تمسح دموعها بأطراف أصابعها لتبتسم لها شدا بهدوء وتقول بحب:
"وحشتيني اووووي يابت."
احتضنتا بعضهما بقوة قبل أن يدلف الطبيب بابتسامة وهو يقول بمرح:
"لاااه.. مريضتنا الحلوة اتحسنت وبقت بتحضن كمان."
قالت شدا بابتسامة:
"متشكره أوي لحضرتك."
قال الطبيب بهدوء:
"على إيه بس.. يلا اتفضلي عشان نتطمن عليكي."
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
وصل عمرو للڤيلا بابتسامة واسعة وفي يده علب عرض أقل.
رواية ضمير ميت الفصل التاسع عشر 19 - بقلم دنيا آلشملول
وصل لؤي لمنزله وقام بصف سيارته.
ودلف إلى المنزل بهدوء.
تذكر وجود السيدة ابتهال، فعاد أدراجه مجددًا ووقف عند الباب وطرق عدة طرقات، خرجت على أثرها السيدة ابتهال من غرفة الجلوس.
لؤي بهدوء: إزيك يا ست ابتهال؟
السيدة ابتهال بقلق: أنا كويسة يابني. قولي عملتوا إيه؟ قلبي واكلني عليكوا.
لؤي بابتسامة: متقلقيش يا ست الكل. كل حاجة تمام. بدور أنقذناها وشدا كويسة دلوقتي الحمد لله ودالين بخير.
السيدة ابتهال بتنهيدة ارتياح: ربنا يريح قلبك يابني. طب أستأذن أنا بقى. والست الوالدة الحمد لله زي العسل. ربنا يحميهالك يارب.
لؤي بابتسامة: متشكر أوي يا ست ابتهال على تعبك.
السيدة ابتهال بهدوء: عيب الكلام ده. تعب إيه بس. يلا بقى أنا هروح المستشفى أطمن عليهم وأملي عيني بيهم وأروح.
لؤي: تعالي هوصلك.
السيدة ابتهال باعتراض: أبدًا والله ما يحصل. أنا هاخد تاكسي من تحت. وانت خليك جنب الوالدة متسبهاش.
لؤي بابتسامة: تمام يا ست ابتهال. شكرا مرة تانية.
السيدة ابتهال بهدوء: ربنا يكرمك يا بني.
خرجت السيدة ابتهال وصعد لؤي لغرفة والدته ليطمئن عليها. طرق عدة طرقات فأتاه صوتها يأذن له بالدخول.
لؤي بابتسامة: الحلو بتاعي صاحي ليه لحد دلوقتي؟
جنات بحب: مستنياك ياحبيبي.
لؤي: آسف ياحبيبتي اتأخرت عليكي.
جنات: ولا يهمك يابني. ها، كل حاجة تمام؟
لؤي باستغراب: إزاي يعني مش فاهم؟
جنات بطرف عينها: مش فاهم ولا بتستعبط؟
لؤي: لا بجد مش فاهم.
جنات وهي تضع يدها على وجنته بحنان: شدا عاملة إيه؟
لؤي بتوتر وقد زالت ابتسامته: كويسة.
جنات بترقب: وماتقولها كده؟
لؤي بتنهيدة: اللي بتفكري فيه يا أمي مش مظبوط. شدا مجرد صحفية صحبتها اتخطفت واتعمل قضية وهي ساعدتني. ودلوقتي القضية على وشك تتقفل وكل واحد مننا في حاله.
جنات بحزن: بس أنا احساس قلبي مبيكذبش يا لؤي. انت بتحبها.
لؤي بابتسامة حزينة: ولو بحبها يا أمي هيفيد بـ إيه الحب ده وهي مبتثقش فيا؟ هيفيدني بـ إيه وإحنا أصلا كل مرة بنتقابل فيها بنتخانق خناق ملوش آخر. وعلى أسباب واهية. مفيش أسباب أصلا. المهم إننا نمسك في شَكَل بعض وخلاص.
جنات بهدوء: اسمعني ياحبيبي. إحنا بشر يا لؤي. بنغلط ومش معصومين من الخطأ. كل واحد في الحياة دي ليه شخصيته. فيه ناس معندهاش شخصية. ودول أي حد يدخل حياتهم يشكلوهم زي ما هما عايزين. فبيعيشوا في الحياة بمبدأ نعم وحاضر وبس. ومع مرور الوقت بتمل منهم لإن ده طبع البشر. وفيه ناس ليهم شخصية مستقلة. شخصية قوية. جريئة. خليني مثلا أتكلم عن شدا بس دلوقتي. شدا قوية. وجريئة وعنيفة. راجل في نفسها أوي. مبتخفش. بس ضعيفة أوي من جواها وهشة. جواها حنية تكفي بلد بحالها. لإنها ببساطة فاهمة المجتمع اللي هي عايشة فيه وبتتعامل معاه بالشخصية اللي تخليها مرفوعة الراس. مش غرور. لكن قوة. اللي زي شدا يابني تحطها بين مليون راجل وهتطلع من بينهم زي ما سبتها. تتعامل رسمي وخشن مع الكل. لكن مع الراجل اللي بتحبه هتظهر أنوثتها وجمالها الفتّان اللي بتداريه بخشونتها الظاهرية. هي عارفه إمته ومع مين تبقى راجل وإمته ومع مين تبقي ست. واللي زي شدا لما توريك جانب أنوثتها هتخليك غرقان فيها. لإن كل ما فيها لشخص واحد بس. فاهمني يا لؤي؟
لؤي وهو يزدرد ريقه: أيوه يا أمي بس. بس مش أنا الراجل اللي هتحبه شدا.
جنات: ليه حكمت على قلبها يابني؟
لؤي: عشان هي مبتثقش فيا يا أمي. أول مرة وقلت ماشي متعرفنيش ومتعاملتش معايا. لكن بعد الفتره دي كلها وبرضو مبتثقش فيا. يبقى أكيد مش هتحبني.
جنات بابتسامة: مين قال إنها مبتثقش فيك؟ وهي لو مش واثقه فيك كانت دخلت بيتك وسابت صحبتها في بيتك؟ بلاش. كانت فضلت واقفه قدامك وقت ما رفعت شعرها عن وشها ولا كانت لطشتك بالقلم؟
لؤي باستغراب قرأته جنات جيدًا في عينيه فأشارت برأسها إلى المرآة التي تُزين الحائط خلفه. وتُظهر من يقف عند باب الغرفة.
تحمحم لؤي بابتسامة متوترة وحرجة بعض الشئ. فتابعت جنات بهدوء: راجع نفسك يابني وادي نفسك واديها فرصة. انتوا محتاجين فرصة. انتوا حتى اتعرفتوا على بعض في ظروف صعبة.
اقترب لؤي من والدته وحاوطها بحب وهو يتمتم: ربنا ما يحرمني منك أبدا يا ست الكل.
جنات بدموع: لؤي.
ابتعد لؤي وهو يتمتم بخوف وقلق: مالك يا أمي. في حاجة بتوجعك؟ نروح المستشفى؟
جنات بهدوء: لا ياحبيبي انا كويسة. بس. بس كنت عايزه أسألك سؤال.
لؤي: أكيد ياحبيبتي اتفضلي.
جنات ببكاء: انت ممكن تزعل مني أو تسيبني في يوم؟
لؤي باستغراب وقلق: أي الكلام ده يا أمي. لا طبعًا مقدرش أعمل كده أبدًا.
جنات: سامحني يابني. واوعي تزعل مني.
لؤي بعدم فهم: في إيه يا أمي؟ قلقتيني. طب اهدي طيب متعيطيش.
اقترب لؤي وأخذها بين أحضانه وظلت تبكي حتى ذهبت في سبات عميق.
***
خرجت شدا ودالين من الغرفة متجهين لغرفة بدور. قابلهم فراس وهو يخرج من غرفة حازم المقابلة لغرفة بدور.
شدا بهدوء: عايزة أشوف بدور.
فراس بترقب: تعالي معايا.
دلفوا جميعًا بهدوء. كانت بدور لا تزال نائمة. لكن هناك آثار خدوش عند عنقها وفي جانب وجهها الأيمن. وتظهر بعض الكدمات الطفيفة على ذراعيها. لكنها تنام في سلام وهدوء.
شدا بشهقة وهي تركض تجاه أختها: هما عملوا فيها إيه؟ أي اللي في جسمها ده؟
فراس بهدوء: هي اتعرضت لمحاولة اغتصاب بس من الواضح إنها كانت بتدافع فده سبب الخدوش اللي على رقبتها ووشها. والكدمات دي ضغطة إيد.
شدا بعدم فهم وهي تنظر لدالين: د. د. دالين هـ هو بيقول إيه؟ يعني إيه اغتصاب؟ اا أنا. أنا أختي.
فراس مقاطعًا: أختك كويسة ياشدا متقلقيش. هي كانت مجرد محاولة بس تقريبًا منجحتش بسبب وصول حازم في الوقت المناسب أو إحتمال وجود سبب تاني مش معلوم لسهر.
تركت شدا العنان لقدماها كي تسقط بجانب فراش أختها. اقتربت دالين بسرعة وحاوطت شدا وهي تتمتم: الحمد لله محصلهاش حاجة. الحمد لله هي كويسة. اهدي اهدي. بس.
فراس بهدوء: شدا. بدور هتفوق بعد دقايق. أرجوكي كوني قوية عشانها. لازم تكوني قوية عشان تقويها معاكي. لازم تطمنيها. هي محتاجاكي.
دالين: فراس عنده حق. يلا قومي معايا. لازم تغسلي وشك وتفوقي.
تحركت شدا مع دالين إلى أن خرجا من الغرفة. ودلهم فراس على دورة المياه.
دلت شدا وقامت بغسل وجهها جيدًا وأخذت تنظر لانعكاسها في المرآة قبل أن تنفجر باكية. لقد انتهى هذا الكابوس. فلتبكي إذًا وتُخرج كل طاقتها السلبية. عليها أن تنظف عينيها وقلبها مما كانت تكنه من حزن وكتمان طوال تلك الفترة كي تَقوي وتستطيع أن تُقوي بدور معها.
بينما بقيت دالين خارج دورة المياه وقد سمعت بكاء شدا لكنها لم تتدخل. تركتها تفرغ ما بقلبها حتى تهدأ. فهي تعرف صديقتها جيدًا. إنها قوية. قوية جدًا. ولا تنهار بسهولة.
أتاها صوت السيدة ابتهال من بعيد: دالين. دالين يابنتي إزيك.
اقتربت دالين منها واحتضنتها وهي تتمتم: بخير يا ست ابتهال الحمد لله. أنا مش عارفة أشكرك إزاي على كل اللي عملتيه عشاني.
السيدة ابتهال بحزن: اخص عليكي. أنا مش زي الست الوالدة ولا مشرفش؟
دالين بسرعة: أبدًا والله. أي اللي بتقوليه ده بس. وكمان عايزة أعرفك على ماما. أنا واثقه هتحبوا بعض أوي.
السيدة ابتهال بهدوء: وأنا يشرفني يا ست البنات. بقولك إيه.
دالين بانتباه: إيه؟
السيدة ابتهال: دكتور فراس قلبه ميّال. وأنا حسيتك كمان ميّاله. فلو يابنتي قلبك شاور عليه. امشي ورا قلبك. هستأذن أنا بقى عشان أرجع بيتي لحسن الواد احمد ابني راجع بكرة من السفر ووحشني أوي. وآه صح ياحبيبتي شنطة هدومك في أوضة الممرضات اللي في أول الطرقة دي.
دالين بابتسامة: شكرا أوي يا ست ابتهال. مش عارفة أقولك إيه بجد.
السيدة ابتهال وهي تربت على كتفها بود: متقوليش يا بنتي. ربنا ينور طريقك ويفرح قلبك. متنسينيش بقا.
احتضنتها دالين بحب وهي تتمتم: عمري ما أنساكي يا غالية.
فراس من خلفهم: ماليش من الحب جانب يا ست ابتهال ولا إيه؟
السيدة ابتهال وهي تنظر له بود: ربنا يعلم معزتك وحبك في قلبي قد إيه يادكتور فراس. ربنا يابني يسعدك في حياتك ويفرح قلبك باللي يرضيه.
نظر فراس تجاه دالين ووقعت عسليتاه داخل زرقاوتيها في نظرة سريعة قبل أن يقول للسيدة ابتهال: ربنا يخليكي يا ست الكل.
السيدة ابتهال بابتسامة: أستأذن أنا.
غادرت السيدة ابتهال تاركة فراس ودالين يقفان ببعض التوتر.
فراس بهدوء: اا. شدا فين يا آنسة دالين؟
دالين بضيق من هذه الـ "آنسة" التي سبقت اسمها: مفيش داعي للألقاب. وشدا لسه جوه.
فراس بابتسامة باهتة: لا ميصحش. المهم حمد الله على سلامتك. وبلغي شدا إن بدور هتفوق في أقل من خمس دقايق.
قطع حديثه خروج شدا من دورة المياه وهي تقول بهدوء: أنا جاهزة.
فراس: تمام. أنا هكون في مكتبي لو احتجتوا حاجة. وفي دكتور هيتابع حالة بدور مجرد ما تفوق ويطمنكم عليها. وحازم دلوقتي معاها فوق.
شدا سريعًا: حازم! حازم كان فين الوقت ده كله؟
فراس: هو اتعرض للضرب لما كان بيجيب بدور من المكان اللي كانت فيه ولما جه هنا واتطمن عليها استسلم للإغماء. فعملنا معاه اللازم وكان نايم ولسه فايق من حاجات بسيطة ودخل لبدور على طول. هو كمان حالته هتتحسن قريب إن شاء الله.
إماءت شدا بهدوء فغادر فراس لمكتبه بينما صعدت شدا ودالين لغرفة بدور.
طرقت شدا الباب بهدوء قبل أن تدلف.
وجدت حازم يجلس بجانب الفراش ممسكًا بيد بدور وتركها حينما دلفت الفتيات.
ابتسم حازم لهما بهدوء فاقتربت شدا واحتضنت يده بشده وربتت عليها ليتمتم بهدوء: متخافيش هي كويسة.
شدا بهدوء: الحمد لله إنها كويسة. شكرا ياحازم. شكرا على كل حاجة بجد.
حازم بمزاح: لا شكرا إيه. أنا واخد ضربتين في بطني فجرولي الأمعاء الدقيقة جوه. أنا عاوز اتجوز البت. وده الشكر بتاعي.
شهقت دالين بفرحة وهي تنظر له بسعادة: حازم بتتكلم بجد.
حازم: اللي قلته في الأول عن الأمعاء الدقيقة كان هزار. أما الضرب كان جد.
لكزته دالين في كتفه بخفة: يبايخ.
حازم بضحكة: اياكو حد يجيبلها سيرة عن الموضوع هنفخكوا.
شدا: لا متخافش مش هنقولها إنك انضربت.
حازم: بت انتي وهي اتل.
قاطعه صوت بدور الخافت: حـ حازم.
ازدرد ريقه بتوتر وهو ينظر لها خوفًا من ردة فعلها. فهو لا يعلم كيف ستكون حالتها حينما تفيق.
اقتربت شدا منها سريعًا وأمسكت بيدها وهي تقول بهدوء وسعادة: ألف حمد الله على سلامتك ياحبيبة قلب أختك انتي.
رمشت بدور عدة مرات حتى استطاعت أن تميز أخيرًا كونها في غرفة مستشفى وبجانبها شدا.
بدور ببكاء: شدا. شدا أنا. أنا.
شدا بابتسامة مطمئنة: انتي كويسة ياحبيبة شدا. انتي كويسة مفيش أي حاجة تخافي منها. أنا جنبك ودالين وحازم كمان.
انتبهت بدور على اسم حازم فـ أدارت وجهها سريعًا لتقابلها عينيه الدامعة وهو يرسم أجمل ابتسامة فوق ثغره.
ازدردت بدور ريقها بخفوت وحلق جاف وهي تتذكر ما مرت به قبل أن تراه. آخر شئ تذكره بعد خروجها من المستشفى أنها رمشت عدة مرات لتتبين الرؤية أمامها. محجوزة في غرفة صغيرة ومقيدة اليدين والقدمين. جالسة على مقعد خشبي.
أخذت تغمض عينيها بقوة كي تُذهب هذا الألم الذي يحتل رأسها. لكن من دون فائدة. أخذت تصرخ بقوة حتى دلف مهاب إليها بابتسامة خبيثة.
بدور بخوف: اا انت عايز مني إيه؟
مهاب: أنا؟ كل خير. أصل انتي للأسف خطفتي قلب ألد أعدائي. وكمان اتحشرتي زي الحشرة بالظبط في المستشفى عشان تتدخلي في حاجات أكبر منك. ضيفي عليهم بقا إنك عجبتيني.
بدور بخوف: اا انت. انت.
مهاب بضحكة: أنا عسل عارف عارف.
بدور بضعف: انت حيوان.
صفعها مهاب بغضب وهو يكز على أسنانه: لسانك يوم ما يطول هقصهولك يا قطة. ودلوقتي للأسف مضطر أسيبك عشان بس أكلم أختك الغبية اللي مفكرة نفسها حاجة عشان تيجي تنقذك. بس هتاخدك بعد ما تكوني بح.
بدور بخوف حقيقي: قـ قصدك ا ا إيه؟
مهاب بضحكة: متستعجليش ياقمر. متستعجليش.
خرج مهاب من الغرفة وأمر أحدهم بأن يضع قطعة قماش بين فكيها كي لا تصرخ مجددًا. وقد فعل هذا تحت مقاومتها بعنف لكنه أمسك بفكها بخشونة ضاغطًا عليه بأظافره حتى شعرت بأن فكها قد كُسر من قبضته. تركها وغادر هو الآخر.
بقيت على حالها لفترة لا تعلم كم مر عليها. دلف بعدها مهاب وهو يبتسم ابتسامة خلعت قلبها من مكانه. وهي ترى عينيه تتجول على جسدها بوقاحه. أرادت أن تصرخ. تبكي. لكنها كانت جامدة. ولا تعلم كيف حدث هذا. لقد تجمدت في مكانها تمامًا. حتى عندما اقترب وفك قيودها بقيت كما هي جامدة. وما إن تحررت حتى دفعته بقوه فارتطم جسده بالحائط المجاور له وكان يبرز منه أحد المسامير المستخدمة في تعليق المنشفة فجرحه في رأسه جرحًا مؤلمًا.
ركضت من أمامه لكنها لم تستطع الركض لأكثر من خطوتين. فهو جذبها بقوة لدرجة أن الفستان الذي كانت ترتديه تمزق في يده. ضربها في الحائط واقترب منها ضاغطًا على عنقها بيده وهو يهدر: هاخد اللي عاوزه منك وزيادة. وهقطع قلب وليد وأختك عليكي. ومش هيمنعني عنك حاجة يا.
نظر لجسدها قبل أن يقول من بين أسنانه: يا بدور.
بدأت تصرخ حينما قام بتمزيق المتبقي من فستانها وأخذت هي تتملص من بين يديه وهي تصرخ بقوه قبل أن تغيب عن الوعي. لتستيقظ بعدها لتجد حازم أمام باب الغرفة ويمسك به رجل ضخم البنية. نظرت لنفسها لتجد أنها لا تزال بفستانها الممزق. لتصرخ بعدها بقوة حينما شعرت بيد مهاب على ذراعها لتذهب بعدها إلى اللاوعي مجددًا هروبًا من واقع مؤلم. بعدما سمعت صوت طلقات نارية من الخارج.
لم تكن تدري بدور أن أفكارها خرجت بصوت عالي ليسمعه ثلاثتهم بينما هي تتحدث ودموعها تُغرق وجنتها. اقتربت شدا منها واحتضنتها بقوه وهي تقول: متخافيش. متخافيش. انتي كويسة وكلنا دلوقتي كويسين. هو اتقبض عليه هو ورجالته. وإحنا معاكي هنا. متخافيش.
بدور من بين شهقاتها: أنا كويسة بجد؟ بجد ياشدا كويسة؟
تحدث حازم هذه المرة بمزاح ليقضي على توتر الأجواء: ما قالتلك كويسة إحنا هنغنيها ولا إيه؟ ولا انتي عجبك الاهتمام والأحضان بتاعة شدا من كتر ما انتي متعوده على ضرب القفا.
ابتعدت شدا عن بدور وحملت الوسادة وألقتها بوجهه وهي تقول: القفا ده انت بس اللي بتاخده.
ضحكت بدور من بين دموعها وهي تقول: قصف جبهة سخن مولع.
حازم بغيظ: اضحكي اضحكي. والله لتتربي. وأنا افديكي الساعة لما أربيكي بنفسي يابدوره. صبرك عليا بس.
شدا وهي تتخصر: هتعمل إيه ياحيلتها.
حازم رافعًا يديه باستسلام: هجيبلها شوكالاته م اللي بتحبها. هعمل إيه يعني.
ضحكوا جميعًا على أسلوبه. بينما ضحك هو بهدوء لجعل بدور تضحك هكذا لتنسى ولو قليلاً ما حدث معها. وقد أقسم بداخله بأنه لن يتخلي عنها أبدًا مهما حدث. وسيبذل قصارى جهده كي يعوضها عما عاشته في هذا اليوم المشئوم.
دلف الطبيب للغرفة كي يفحص بدور. وعندما رآها مبتسمة ابتسم هو الآخر تلقائيًا وهو يتمتم بهدوء: لااااه ده أنا أحسدك بقا على أصحابك يا آنسة بدور.
نظرت له بدور بابتسامة: إزيك يادكتور شاكر.
شاكر بابتسامة: في أفضل حال يابنتي. ها عامله إيه دلوقتي؟
بدور بهدوء: بيقولوا كويسة.
شاكر بابتسامة مطمئنة: عشان انتي فعلا كويسة. انتي ربنا نجاكي يابنتي عشان انتي قلبك كويس ومن جواكي كويسة. فلازم تفوقي لنفسك ولحياتك. حادثة بسيطة وراحت لحالها والحمد لله معشناهاش غير فترة قصيرة. عايزين بقا نشوف الباقي. بس نعيشه بفرحة مع الناس اللي بيحبونا. وأنا شايف أصحابك ماشاء الله عليهم مش سابوكي غير بتضحكي.
ابتسمت بدور بدموع تترقرق في عينيها وهي تتمتم: ربنا يخليهم ليا.
***
كانت فاتن تبتسم بحنين لصديقتها التي كانت لها خير عون وسند. لم تكن لتتركها أبدًا في كل هذا. كانت لتوقف عاصم عما فعله بها. كانت لتحرقه حيًا قبل أن يرفع يده في وجهها حتى. اختفت ابتسامتها مع صوته الذي أتى خافتًا للغاية وبالكاد يُسمع: مساء الخير.
وقفت روح عن مقعدها وهي تنظر تجاهه بترقب في حين نظر له شادي شزرًا وهو يقول ببرود: أهلا.
عاصم: فاتن. في مجال نتكلم شوية.
لم يصدر عنها أي رد فعل. فقط تنظر أمامها في صمت ودموعها تأخذ مجراها على وجنتها دون توقف.
اقتربت منها روح وضمتها إليها وهي تقول بحنان: متعيطيش. عاصم كان فاهم كل حاجة غلط. وعرف غلطه. لو مش عايزة تتكلمي معاه همشيه. بس اهدي ومتعيطيش.
فاتن بخفوت: خليه يمشي.
نظرت روح تجاه عاصم وهي تقول بهدوء: عاصم امشي دلوقتي بعد إذنك.
خرج عاصم بهدوء دون أن يُضيف أي حرف. ماذا كان يتوقع منها؟ هل توقع أنها ستقابله بابتسامة ولهفة بعد كل ما حدث معها وكل ما فعله بها؟ إنها على حق تمامًا بـ ألا ترغب في رؤيته أو التحدث إليه. لن يلومها أبدًا مهما فعلت. لكنه سيحاول مرة وأخرى وثالثة ولن ييأس حتى تعود له. مهما كلفه الأمر. فهو من أضاعها وهو من عليه إعادتها له مجددًا.
بينما لدى فاتن فقد قامت بمحو عبراتها بعنف قبل أن تتحرك من المكان وهي تتمتم: أنا محتاجة أرتاح شوية. بعد إذنكم.
صعدت فاتن للأعلى بينما نظرت روح تجاه شادي بقلق وهي تقول بخوف: تفتكر هيرجعوا لبعض؟
شادي بهدوء: حبهم هيغلب يا روح. السؤال دلوقتي. هل عاصم هيتحمل ويعافر لحد ما يرجعها ولا لأ.
روح بسرعة: هيستحمل. وهيعافر. لإنه بيحبها.
شادي بهدوء: ربنا يهديهم لبعض. انتي كده هتفضلي مع فاتن مش كده؟
روح: أيوه. وقت ما شريف ييجي هكلمك تيجي تاخدني. نفسي أعرف سمر اختفت راحت فين. مستحيل دي تكون أم أبدا مستحيل.
شادي بهدوء: متشغليش بالك. هروح أنا أغير كده واظبط حالي ووقت ما تحبي ترجعي كلميني.
روح بابتسامة: حاضر ياحبيبي. ربنا يرضي عنك يارب.
***
وقف عمرو ينظر تجاه الدرج بفزع. تحول لطمأنينة وهو يرى السيدة جومانه تخرج من المطبخ ضاحكة.
عمرو وهو يزفر بأعصاب تالفة: اتأكدي يا طنط لو أنا وبنتك مخلفناش فـ العيب هيكون مني. لإني بعد الخضة دي أنا قطعت الخلف خلاص.
هبطت غرام الدرج ركضًا وهي تحمل العلبة بين يديها تنظر تجاه عمرو بحب.
عمرو بهدوء: دي آخر مرة هعمل حاجة زي كده يا غرام. وأصلا دي آخر مرة هزعلك عشان مضطرش أروح أجيبلك حاجة زي كده.
وضعت غرام العلبة إلى السفرة وهي تنظر له بضيق: ليه هو انت مش هتجبلي هدايا وتفاجئني غير لما تزعلني؟
عمرو بابتسامة: بنتَك بتضعفني يا طنط. خليكي شاهدة.
جومانه بابتسامة: ربنا يخليكم لبعض ياحبايبي وميحرمكوش من بعض أبدًا.
دلت السيدة جومانه للمطبخ مجددًا بينما اقترب عمرو من غرام وقبل جبهتها بحنان وهو يتمتم: عجبتك الهدية؟
غرام بسعادة: أوي أوي.
عمرو: ربنا يقدرني واسعدك ديما. يلا بقي إنجزي غيري هدومك عشان نتعشى بره. أنا ما صدقت فراس اداني تصريح وخايف يسحبه مني.
ضحكت غرام قبل أن تقبله قبلة خاطفة من وجنته وتركض للأعلى كي تبدل ملابسها.
***
دلف ماجد للمنزل وهو يصيح باسم حياة التي خرجت من غرفة دالين سريعًا وهي تقول بفزع: إيه في أي ياماجد؟
ماجد: دالين يا حياة. دالين.
حياة بسعادة بالغة وعدم تصديق: بنتي. بنتي فين؟ جت يا ماجد؟ فين دالين؟
ماجد وهو يحتضنها بسعادة: حازم جايبها في الطريق وجاي يا حياة. دالين رجعت وحازم قالي إنها بخير وسمعت صوتها يا حياة.
حياة بسعادة متناسية تمامًا كونها بين ذراعيه. بل وبادلته الاحتضان كذلك: الحمد لله الحمد لله يارب الحمد لله.
انتبهت حياة لكونها بين أحضانه فتحمحمت بخفوت وهي تبتعد عنه لكنه شدد من احتضانه لها وهو يقول برجاء: خليكي يا حياة. ارجوكي خليكي.
حياة بألم: اا ابعد يا ماجد.
ابتعد ماجد على مضض وهو يبتسم لها بهدوء. فتحمحمت هي بحرج. نعم هو زوجها. لكن ليس بالأمر الهيّن أن تكون بعيدة عنه لسنوات. وكل منهما يحيى مع الآخر وكأنهما إخوة في منزل واحد.
تنهد ماجد قبل أن يتمتم بهدوء: أنا آسف لو ضايقتك يا حياة. بس. بس فعلا أنا اتغيرت من زمان. من زمان أوي يا حياة. واستويت. وكمان موضوع دالين كسرني. كسرني أوي. قلبك مش هيحن بقا؟ أنا مش محتاج من الدنيا غيركوا. يمكن مفهمتش كده غير متأخر. بس فهمت. فهمت وندمت ومحتاجك جنبي. كلنا بنغلط. وأنا بعترف إن غلطي كان كبير وممكن يبقى كبير لدرجة عدم الغفران بس. بس أنا طمعان في كرم ربنا وعفوه وفي قلبك.
حياة ببكاء: بعد إيه بتقول الكلام ده يا ماجد؟ بعد سنين؟ سنين واحنا بعيد عن بعض. مفكرتش تقولي الكلام ده غير دلوقتي؟ أنا. أنا حتى لو هسامحك يا ماجد فهحتاج وقت. وقت طويل أوي عشان أقدر اتأقلم مع ماجد النضيف اللي حبيته. مش ماجد اللي اتعودت عليه إيده فيها دم ناس تانية. ومنهم ابن رأفت الصاوي. فاكر فارس يا ماجد؟ فارس اللي بعتت ناس يخلصوا عليه بدم بارد؟
أجفلهم صوت شهقتها التي أتت كصدمة لكليهما مما جعلها متيبسان أرضًا.
رواية ضمير ميت الفصل العشرون 20 - بقلم دنيا آلشملول
موسيقى هادئة .. أضواء خافته .. وطاولة مستديرة صغيرة يتوسطها بعض زهور الياسمين المرسومة بعناية كقلبين متداخلين.
يجلس على جانب منها غرام التي ترتدي فستان طويل من اللون الأحمر الداكن بسبب تلك الورود المنتشرة به والتي تقع على خلفية سوداء.
يتخصر بحزام أسود متوسط بفيونكة من الأمام.
وينزل الفستان باتساع معقول من الخصر لنهاية قدميها.
بكتف واحد .. والآخر تغطيه بقماش شفاف من اللون الأسود المطرز ببعض الفصوص الحمراء.
بينما ترفع شعرها للأعلى في تسريحة أنيقة.
مرتدية ذاك الطقم الفضي الأسود من طوق عنق وسوار وخاتم وقرط والذي جلبهم عمرو لها ضمن هداياه.
بينما تتكحل عينيها بكحل أسود يُبرز عسليتيها بعناية.
واكتفت بذلك.
فهي لا تحتاج للمزيد.
كما أن عمرو وفراس دائما ما يخبرانها كونها تبدو كطفلة قابلة للأكل حينما تكون على سجيتها بدون مساحيق تجميل.
وهي تحب كونها طفلة.
بينما يجلس عمرو مقابلها بحلته الكحليه والتي لم ينسَ إحضارها من منزله ووضعها في السيارة حتى يأذن له فراس أولا بأن يأخذ غرامه للعشاء.
وبعدها يرتديها عندهم.
فـ فراس إن رآه بالحله سيقول بأنه آتٍ ليأخذ غرام بالفعل ويخبره من باب العلم وسيعند ويمنعها من الخروج كما فعل في العديد من المرات سابقًا.
كان ينظر تجاه غرام بهدوء وحب وهيام وعشق.
بينما تنظر هي لطبق طعامها وتتصنع الأكل حتى تهرب من عينيه التي ما إن ترفع وجهها حتى تتقابل عينيها مع عينيه لتعود عينيها مباشرة لطبقها بعدما تتدرج وجنتها بحمرة الخجل.
"عجبك المكان؟"
"حلو أوي .. يسلم ذوقك."
"عنيكي اللي حلوة .. عشان كده شايفة كل حاجه حلوة."
"متكسفنيش."
بعد فترة صمت لم تدم سوى ثوانٍ معدودة.
"غرام."
"ها."
"بحبك."
"وأنا كمان."
"وانتي كمان أي؟"
"بحبك."
ضحك عمرو بمرح فاغتاظت منه وهي تتمتم.
"بطل توقعني في الكلام."
"وعشان قلتيلي بحبك يبقى وقعتك بالكلام .. مينفعش تطلع لوحدها."
"ما هي هتطلع لوحدها أكيد بس عايزة شوية جراءه كده."
"طب يا ست البنات وبنت قلبي وكل عمري .. تسمحيلي."
قال آخر جملته وهو يقترب منها مادًا يده إليها كي تشاركه تلك الرقصه.
"أكيد."
أخذها عمرو لساحة الرقص ووقفا متقابلين.
أمسكت بيده ثم وضعت الأخرى على كتفه ليبادر هو بوضع يده على خصرها وقربها إليه.
بدآ في السير والتمايل على أنغام الموسيقى الهادئة وغرام تبتسم بسعادة وعمرو ينظر لها بعشق بيِّن.
"فاكره أول يوم اتقابلنا فيه؟"
"وده يوم يتنسي .. ده كان أجمل يوم في عمري .. تقريبًا ده اليوم اللي ابتدت من عنده سعادتي اللي بجد."
"فاكره إيه اللي حصل؟"
"كنت نازله البحر الصبح بدري ومشفتكش وانت قاعد ع الشط .. ولما دخلت البحر والموج علي جالي شد عضل ومقدرتش أتحرك .. وقتها انت طلعتني من الميه .. بس يومها خدت حتة بوكس من فراس."
أنهت جملتها وهي تضحك مما أغاظه وهو يتمتم.
"طول عمره إيده طرشه."
"بس حنين أوي."
"كلامنا عني أنا وانتي .. اخلعي فراس م الليله .. مش ناقصه يطلعلي دلوقتي."
"والله بيحبك يا عموري."
"وأنا بعشقك انتي."
"متكسفنيش بقا."
قربها عمرو إليه حتى أصبحت بين أحضانه وتشبث بها بقوه جعلتها ترتخي بين يداه.
ففي النهاية هو أمانها من الحياه.
نظر ماجد وحياه تجاه دالين التي خرجت شهقتها في توقيت قاتل بالنسبة لكليهما.
لكن ماجد زفر براحة حينما رأى حازم يساندها كي تقف بتوازن.
فعلمًا بأن شهقتها كانت بسبب تعثرها في السير.
ركضت حياه تجاه ابنتها وانتشلتها بين ذراعيها وأخذت تقبلها بحب وراحة وسعادة أم فقدت ابنتها وها قد عادت.
بينما أدمعت عينا دالين وهي تتمتم.
"وحشتيني أوي يا ماما."
"وانتي يا حبيبة قلب ماما وحشتيني أوي أوي."
ابتعدت وهي تمسكها من كتفيها متمتمة بتساؤل.
"انتي كويسة ؟.. فيكي حاجة ياحبيبتي ؟"
نفت دالين بخفه قبل أن تقفز إلى والدها محتضنه إياه بقوه متمتمه بشوق.
"وحشتني أوي ياعمري انت."
ابتسم ماجد بألم وهو يحاوطها بشوق ولهفه وخوف وألم.
لقد كادت تذهب من بينهم في لحظة.
وهو السبب في ذلك.
لقد كاد يفقدها للأبد.
وطمعه وجشعه هما السبب في ذلك.
الآن فقط علم كم كان أعمى القلب والبصيرة.
ماذا سيحتاج أكثر من زوجته وابنته.
لما فعل كل هذا وذهب في ذاك الطريق الوعر.
شدد على احتضان ابنته وأخذ يشهق بدموع مما أجفل دالين التي حاولت الابتعاد عنه كي تعرف ما أصابه.
لكنه لم يسمح لها بالابتعاد.
فبقي متشبثًا بها وهو يبكي في موقف مؤثر جدًا على قلوبهم جميعًا.
"بابا حبيبي أنا كويسه متخافش عليا."
هدأ ماجد أخيرًا.
وابتعدت دالين وهي تمسح دموعه بأطرافها وهي تتمتم بحب.
"ياروحي انت أنا كويسه والله .. حتى شوف."
قالت عبارتها وهي تدور حول نفسها بابتسامة.
اقتربت حياه واحتضنتها بقوه وهي تصيح بسعادة.
"ألف حمد الله علي سلامتك ياحته من قلبي .. تعالي معايا غيري هدومك وخدي شاور وهكون عملتلك أكل .. وبعدين تحكيلي كل حاجه."
"لا لا لا .. أحكي أي وأكل أي .. أنا لازم أروح لفاتن الأول اتطمن عليها .. دا غير إنها مجتش المستشفى .. لازم أعرف مالها."
"مستشفى أي ؟.. انتي كنتي في المستشفى ليه ؟"
"متخافيش يا ماما ده مش أنا .. دي بدور تعبانة شوية بس."
"طب يا بنتي ارتاحي والصبح روحيلها."
"لا لا .. دلوقتي .. عشان الصبح هروح لبدور وشدا."
نظرت تجاه الباب فلم تجد حازم.
"البيه انسحب .. هضطر أسوق بقا."
"تعالي يا حبيبتي أنا هوصلك."
"لا لا مش عايزه أتعبك يا بابا أنا هسوق."
"لا .. يلا هوديكي."
قبلت دالين وجنة والدتها بحب وهي تقول بمرح.
"وحشتني خدودك والله."
لكزتها حياه في كتفها بخفه ثم احتضنتها بقوه وهي تتمتم.
"ربنا يحميكي وما يعود اللي حصل تاني أبدا."
ابتسمت دالين بهدوء ثم غادرت مع والدها متجهة لمنزل فاتن.
خرج من غرفة والدته ووقف في شرفة غرفته يستنشق الهواء بهدوء ناظرا إلى اللاشئ أمامه.
يعيد التفكير فيما قالته والدته.
هل يمكن حقًا أن تحبه شدا؟
لما يقف مكتوف الأيدي هكذا؟
لما لا يسألها وينتهي الأمر!
لكن السؤال الآن.
كيف سيفعل؟
أخرجه من تفكيره صوت هاتفه الذي أعلن عن اتصال من فراس.
"ألو."
"إزيك يا سيادة العميد."
"تمام يا دكتور."
"والست الوالدة؟"
"تمام الحمد لله."
"أنا كنت متصل أستفسر منك عن كام حاجة."
"أكيد اتفضل."
"مينفعش نتقابل أفضل؟"
"أوك .. أنا جايلك المستشفى .. بس ابعتلي ممرضه تكون موثوق فيها تفضل مع ماما اليومين دول .. عشان أنا هنشغل بكره في القضية ومينفعش أسيبها لوحدها."
"تمام .. لو انت في البيت خليك وأنا هاجي ومعايا ممرضة."
"خلاص تمام مستنيك."
أغلق لؤي مع فراس وانتظر قليلاً حتى طُرق باب المنزل.
رحّب بفراس والممرضة وأعلمها بمكان مكوثها.
دلف مع فراس إلى الشرفة وجلسا بهدوء.
"هو كده القضيه هتنتهي على إيه؟"
"احنا معانا كل الأدله اللي تدين رأفت ومهاب .. سواء عن اللي كان بيحصل جوه المستشفى أو عن خطف دالين أو بدور .. الحاجه اللي موقفاني بس هي إثباتات سفرك اللي بتيجي تقريبا في نفس معاد أي عملية بتحصل جوه المستشفى .. وده عشان سلامتك."
"وماجد؟"
"ماجد مفيش أي إثباتات ضده .. كل الأوراق اللي تخصه .. هو شغله اللي بيتمثل في استيراد الآلات والأجهزة وتسليمها لرأفت .. وإرسال مهندسيين للتعيين والحاجات دي .. وكل شغله في السليم."
"تمام."
"انت متأكد إنك جاي عشان تسأل عن كده بس؟"
"مش متأكد .. بس .. مش عارف."
"مالك يا فراس."
نظر له فراس بعدم فهم.
فتابع لؤي بهدوء حتى يفسح المجال لفراس كي يتحدث معه.
"ممكن أستشيرك في حاجه؟"
"أكيد طبعا .. اتفضل."
"هو حوار بس هشرحه وقولي تفسيره .. يعني مثلا .. تقابل شخص في حياتك .. هو ظهر فجأه كده من غير أي مقدمات ولا حاجه .. فجأه ظهر في طريقك .. وبدأت تتعود عليه في حياتك .. يعني تتحجج عشان تشوفه أو تسمع صوته .. تتخنق وتتضايق وتضيق بيك الدنيا لمجرد إنك مش عارف تساعده .. تزعل وتتنرفز وتتعب نفسيا لو حسيته مش واثق فيك .. يعني .. مش عارف أفسرهالك إزاي .. بس هو باختصار يعني اتعلقت بيها ومش عارف إزاي وامته .. أول مره ركزت في عينيها شفت ضعفها وتوترها رغم إنها .. رغم إنها قوية أوي وناشفه في تعاملها .. بس وقت ما شفت عينيها حسيت قد إيه هي رقيقة وهشه وضعيفه بس بتستقوى من بره .. أول مره حسيتها مش واثقه فيا قررت أبعد .. وقتها مكنتش عارف أنا ليه مخنوق أصلا .. بس يمكن عشان مكنتش عارف أنجح في القضية أو مش عارف أوصل لثغراتها .. واقنعت نفسي بإن ده السبب .. بس تاني مره حسيتها مش واثقه فيا وجعتني .. وجعتني أوي لدرجة .. لدرجة لو كنت وقفت ثواني بس كانت ممكن توصل إني أمد إيدي عليها .. ودلوقتي لما اتجاهلتها حاسس إنها متضايقة .. بس معرفتش هل ده ندم على إنها موثقتش فيا ولا زعل عشان اتجاهلتها .. معرفتش أفسره بالظبط .. بس .. بس اللي عارفه إنها وجعتني أوي وقتها .. ودلوقتي مش عارف .. اوووف .. انت فاهم حاجه ؟!"
"بقا شدا اللي مشقلبه حالك أوي كده."
"ده على أساس إن دالين مش مبهدلاك انت كمان؟"
"والله يا لؤي أنا نفسي مش عارف حقيقة اللي حاسس بيه .. يعني لما بشوفها ببقى فرحان .. لما رحت أجيبلها لبس كنت فرحان .. ولما شفتها بيه كنت عايز آخدها في حضني من الفرحه .. يوم عيد ميلادي لما اتفقت هي وغرام يعملوا عيد ميلادي كانت .. كانت ملاك .. مكنتش عارف أسيطر على ضربات قلبي من قوتها .. وكنت بشغل نفسي عنها بالعافية عشان مبصش ناحيتها .. كنت رافض تماما المشاعر دي .. بس هي مسبتليش فرصة .. كل يوم بتخليني أنشغل بيها واتعلق بيها أكتر من اليوم اللي قبله .. ودلوقتي أنا تايه .. مش عارف أعمل إيه .. دلوقتي هي رجعت لأهلها وكل حاجة انتهت والمفروض أبدأ أنساها بس مش عارف."
"يظهر إن طريقنا واحد ياشيخ فراس."
ضحك فراس على أسلوبه ثم تنهد بهدوء ونظر له قاطبًا حاجبيه باستغراب.
"عارف عايز تقول إيه عارف .. أنا كمان عايز أقول نفس الشئ .. ياسيدي أدينا فضفضنا وطلعنا في الهوى سوا."
"وشكلنا هنتخزوق سوى بردو."
ضحك لؤي وفراس معًا ثم استأذن فراس كي يذهب.
وصلت دالين لمنزل فاتن.
وترجلت بهدوء وهي تقول لوالدها.
"هبات معاها يابابا والصبح هطلع أنا وهي على المستشفي اتطمن على بدور وأرجع."
"بس .."
"متقلقش عليا ياحبيب قلبي .. أنا خلاص في أمان بجد .. واللي خطفني أي نعم معرفش مين بس مش مهتمه أعرف .. ودلوقتي هو مسجون .. فراس أكدلي كده."
ماجد قاطبًا حاجبيه باستفهام.
"لما أرجع البيت حبيبي هحكيلك كل حاجه."
أماء ماجد بهدوء قبل أن يتحرك.
دلفت دالين للڤيلا بخطوات شبه راكضه.
طرقت عدة طرقات ففتحت لها روح التي ابتسمت باتساع وهي تحتضنها بحب.
"ألف ألف حمد الله على سلامتك يادالين يابنتي .. وحشتيني أوي أوي."
"وانتي كمان ياطنط وحشتيني أوي."
دلفت دالين بعد السلام والترحاب.
"أومال فاتن فين يا طنط؟"
"فـ فوق يابنتي .. في أوضتها."
"هو في إيه ؟.. فاتن فيها حاجة ياطنط؟"
"لا ياحبيبتي ليه بتقولي كده .. هي بس تعبت شويه وقالت هطلع أرتاح."
"طب ياحبيبتي أنا هطلعلها .. أوك ؟"
أماءت روح بهدوء فصعدت دالين لغرفة فاتن وطرقت عدة طرقات هادئه.
وحينما لم تجد ردًا فتحت الباب بهدوء ودلفت للداخل.
وجدتها تنام على معدتها وتضع الوساده فوق رأسها.
وهذه الحركة تصاحب فاتن دائمًا حينما تحزن أو يُصيبها اكتئاب.
اقتربت دالين من الفراش ثم خلعت حذائها وجلست بجانب فاتن التي شعرت بحركة الفراش فرفعت الوسادة لترى من بالغرفة.
شهقت بقوه وهي ترى دالين أمامها ولم تدري بنفسها إلا وهي تلقي برأسها بين أحضان دالين التي ضمتها إليها بقوه وحب.
لكن ما أجفلها حقًا سماع شهقات فاتن التي بدأت تعلُ شيئًا فـ شيئًا.
"فـ فاتن حبيبتي مالك ؟.. فاتن اهدي .. في إيه .. اي حصل لكل ده ؟"
بدأت فاتن تهدأ شيئًا فـ شيئًا.
ثم نظرت لدالين بعيون منتفخة من البكاء.
مما جعل دالين تحتضن وجنتيها بين راحتي يدها وهي تقول بهدوء.
"مالك ياصحبة عمري ؟"
بدأت فاتن في سرد ما حدث معها دون مقدمات وقد بدأت الدموع تهطل مجددًا مُغرقه وجنتيها مما جعل وجهها بأكمله يتورم من كثرة البكاء.
أخذتها دالين بين أحضانها وكأنها ابنتها وبدأت تمسد جبينها وشعرها وظهرها بهدوء وهي تتمتم كل حين وآخر.
"كل حاجه وليها حل .. أنا رجعت .. أنا جنبك .. مش هسيبك أبدًا."
بدأت تشعر بأنفاس فاتن المنتظمه.
فرفعت نفسها بهدوء عن الفراش وجعلت فاتن تستلقي لفراشها بهدوء وأخذت مفاتيح سيارة فاتن من الكومود.
ثم أغلقت الأضواء وخرجت وعيناها لا تُبشر بالخير أبدًا.
أخذت السيارة وانطلقت بها لمقر شركات الراوي.
وما إن وصلت حتى ترجلت من السيارة وصعدت لمكتب عاصم على الفور.
كانت الشركة بأجمعها هادئة تمامًا.
فالساعة تجاوزت منتصف الليل بكثير.
لكنها تعلم جيدًا كون عاصم لا يلجأ سوى لمكتبه فقط في هذه الحالات.
دلفت دون أن تطرق الباب فوجدته نائمًا على الأريكة الطويلة الموجودة بجانب من جوانب الغرفة ويرفع قدم فوق ظهر المقعد والقدم الأخرى ممددة.
ويد فوق عينيه والأخرى تسقط بإهمال حتى وصلت للأرض.
أغلقت دالين الباب بقوة مما أجفل عاصم الذي انتفض من مكانه علي الفور.
ولم يصدق كونه يرى دالين أمامه.
قام سريعًا وبلهفة.
وكأنه وجد منقذه من الغرق.
"دالين .. دالين أخيرا."
"إيه .. إوعى تكون نسيتني ياعاصم .. والله أزعل."
"أبدا إيه اللي بتقوليه ده .. دالين أنا .."
قاطعته دالين وهي تقترب منه بشر.
"انت أقذر بني آدم شفته في حياتي .. وصدقني ياعاصم بعد اللي عملته في فاتن ده .. أنا بنفسي اللي هسعى عشان أخليها تتطلق منك."
"انـ انتي بتقولي إيه ؟!!!!.. د دالين أرجوكي اسمعيني .. أنا .. أنا .."
"انت إيه ياعاصم ها .. انت إييييه ؟"
"أنا غلطت في حقها .. غلطت ومعترف بغلطي .. بس والله كان غصب عني .. حطي نفسك مكاني."
"فاتن ياعاصم ! فاتن اللي مستعده تقيدلك صوابعها العشرة شمع .. فاتن اللي قبل ما تتنفس تقولك هتنفس ياعاصم ! فاتن اللي كانت تتسئل مين أول حد في حياتك فـ تقول عاصم من غير ما تفكر ! فاتن اللي هربت من المدرسة واتكسرت فيها عشان تيجي تتطمن عليك لما عرفت إنك في المستشفى ! فاتن اللي كانت هتتجنن لما اتأخرت عليها شوية وانت بتطلب إيدها من باباها وكل ثانيتين تشوف الساعة كام ! فاتن اللي كانت هتموت من الغيرة بسبب إنها سمعت صوت واحدة قريب منك ! فاتن اللي كانت هتقع من طولها من فرحتها وقت كتب الكتاب ! فاتن اللي بتعملك ألف حساب في كل كبيرة وصغيرة !هي دي فاتن اللي شكيت فيها وضربتها ؟ ولا انت بتتكلم عن فاتن تانية ؟.. إنطق ."
نطقت بآخر كلماتها بعصبيه ولم تكن تدري على دموعها التي أغرقت وجنتيها.
"اا .. أنا مكنتش أقصد .. أنا كنت تعبان .. تعبان وكاتم في نفسي وفاكر إني شايل حمل خيانة أبويا ومرات عمي لوحدي .. مكنتش أقصد .. كنت مضغوط وتعبان."
"اشرب من الكاس اللي صنعته يا عاصم."
ألقت جملتها وخرجت من المكتب بعنف صافقة الباب خلفها مما جعل عاصم يرمي بجسده على الأريكة تاركًا العنان لدموعه وهو يتمتم بألم.
"والله بحبها .. مقصدتش .. والله بحبها."
انقضى الليل وأسدلت الشمس أشعتها ليبدأ يوم جديد بأحداث جديدة.
استيقظت شدا من نومها ونظرت تجاه بدور فوجدتها تُقلب في هاتفها والابتسامة تعلُ شفتيها.
اقتربت منها بحذر ثم قامت بجذب الهاتف سريعًا مما أجفل بدور فشهقت وهي تضع يدها تجاه قلبها بخوف.
"خضتيني ياشدا."
"اااه .. خضيتك ها .. بتعملي إيه على تليفوني يابدوره ؟"
"اا .. ولا حاجة أنا .. أنا بس كنت بتفرج على صورنا القديمة."
"وعامله زوم علي صورة حازم ليه يابدوره ؟"
"عـ عادي يعني."
"عادي برضو .. ها .. عادي تعملي زوم على صورة حازم ها."
"لا لا سيبيني سيبيني .. ابعدي ااااه .. هقولك بس ابعدي."
توقفت شدا حينما رأت حازم يطل برأسه من الباب ويبتسم بخفه.
مما جعل بدور تتحمحم بخفوت قبل أن تعتدل في الفراش وهي تنظر في الاتجاه الآخر مما جعل شدا تبتسم على تلقائيتها وهي تقول لحازم.
"تعالى يا زوما."
"أنا خبطت مرتين تلاته على فكره .. وانتوا من كتر الزغزغه والضحك مسمعتوش .. فمحدش يلومني."
"ياعم ادخل على طول .. دا انت داخل على اخواتك يعني."
"اتكلمي عن نفسك لو سمحتي."
"خلصانه يا شعلشه."
"بس بس متتكلميش تاني."
ثم وجه نظره لبدور التي تبتسم بهدوء وتحدث بابتسامة.
"يا صباح الحلويات كلها."
كشرت بدور عن وجهها وهي تنظر له بعدم تصديق.
هل جُنّ ام ماذا؟
"إيه الحلويات وحشه ؟.. خلاص ياصباح الموالح كلها."
ضحكت بدور وهي تنظر له مما جعله يتحمحم منظفًا حلقه قبل أن يتحدث بهدوء.
"دلوقتي بقا أنا جبتلكوا معايا فطار وهدوم عشان نفطر وتغيروا ونطلع على القسم .. لؤي بيه عايز يشتغل في القضية وينهيها .. وأقوالنا كلنا مطلوبة."
"لـ ليه كلنا ؟"
"متخافيش ياحبي .. دي روتينيات وشكليات بس هنخلص في ساعه بالكتير ونروح."
أماءت بدور وهي في عالم آخر تمامًا.
هل قال حبي؟
هل حقًا هي حبه؟
أم أنها خرجت منه عفويه؟
استفاقت من شرودها حينما وضع حازم الطعام أمامها وأتت شدا وبدأوا يأكلون بهدوء وصمت قاطعه دلوف فراس مبتسمًا.
"ممرضتنا الحلوة عاملة إيه ؟"
"حلوة."
"طبعًا لازم تكون حلوة .. دا انتي حتى إسمك بدور."
وضع حازم الطعام من يده وهو يتحدث إلى فراس بضيق.
"هو حضرتك جاي عشان تعاكسها ؟"
ابتسم فراس بهدوء لما استشعره من نبرة حازم تلك فقال باستفزاز.
"ومين يشوف بدور ويعرفها وميعاكسهاش .. دي حتي عيبه في حق نَظَرُه."
حازم بضيق حينما رأى ابتسامة بدور.
"أنا بره .. خلصوا وكلموني عشان لؤي مستنينا."
نظر فراس تجاه شدا التي تبتسم ببريق سعادة يلمع في عينيها فابتسم هو الآخر بهدوء قبل أن يتحدث.
"أنا خلصت كل اجراءات خروجك يابدور .. فهنطلع كلنا سوا من هنا ونروح القسم نخلص بس كل الإجراءات اللازمة عشان نقفل الصفحه دي من حياتنا ونبدأ نفوق بقا ونعيش لنفسنا .. تمام ؟"
أماءت بدور بهدوء فاستأذن فراس وخرج من الغرفة.
تقابل مع حازم في الممر فأراد مشاكسته قليلًا.
فوقف أمامه وأخذ ينظر له بابتسامة مما أغضب حازم الذي تحدث بضيق.
"نعم ؟"
"حقك تغير عليها .. بس مش مني .. عشان أنا مش هبصلها أكتر من أخت صغيرة ليا .. لإن قلبي مشغول."
حازم وهو يرمش عدة مرات مستوعبًا ما تحدث به فراس.
ولكن فراس غادر المكان بهدوء تاركًا حازم يلعن غباؤه الذي يتحكم به أحيانًا.
استيقظ في الصباح وذهب لغرفة والدته ليطمئن عليها قبل خروجه.
فوجدها تصلي.
انتظر حتى انتهت ثم قبل جبينها بحب وهو يقول بهدوء.
"تقبل الله ياحبيبتي."
"مني ومنك ياحبيبي."
"أنا عندي شوية شغل ضروري هخلصهم وارجع على طول .. ودينا الممرضة هتفضل معاكي هنا .. اي حاجة تحتاجيها هتساعدك."
"روح ياحبيبي ربنا ييسر طريقك."
قبلها مجددًا في جبينها ثم غادر بهدوء متجهًا لقسم الشرطه لينهي هذا الموضوع.
فقد طال أكثر من اللازم.
وصل للقسم وقام بصف سيارته وصعد لمكتبه بهدوء.
جلس إلى مقعده وطلب قهوته.
وما إن أتت القهوة حتى دلف بعدها العسكري يخبر لؤي بحضور شدا وبدور وفراس وحازم.
أذن بدخولهم وهو يترقب دلوف شدا حتى دلفت ببنطالها الزيتي والذي يعلوه شميز زيتي ولكن بدرجة أهدأ قليلًا من درجة البنطال.
هذا اللون الذي جعلها غاية في السحر والجمال.
وشعرها ينسدل بنعومة على كتفيها.
تصافح مع فراس وبعدها حازم ثم بدور.
وما إن لامست يده يد شدي ووقعت عينيهما في عيني بعضهما حتي ....