تحميل رواية «ضمير ميت» PDF
بقلم دنيا آلشملول
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت تجلس فوق أرجوحتها المرفقة بداخل حديقة الفيلا، تقرأ كتاب "امرأة من طراز خاص". رغم كونها قد قرأته مرارًا وتكرارًا، إلا أنها تعاود قراءته في كل مرة وكأنها المرة الأولى. وبينما هي على حالها حاملة في يدها كوب النسكافيه الذي تفضل ارتشافه أثناء قراءة الكتب، فإذا به يحاوطها من الخلف طابعًا قبلة رقيقة فوق رأسها مستنشقًا عبير خصلاتها. ابتسمت بهدوء وهي تغلق الكتاب وتضع كوب النسكافيه أمامها، واستدارت إليه لتتقابل عسليتيهما. غرام: - أحلى صباح في الدنيا على أحلى فروس في الكون. ضحك فراس بقوة رافعًا رأسه ل...
رواية ضمير ميت الفصل الأول 1 - بقلم دنيا آلشملول
كانت تجلس فوق أرجوحتها المرفقة بداخل حديقة الفيلا، تقرأ كتاب "امرأة من طراز خاص".
رغم كونها قد قرأته مرارًا وتكرارًا، إلا أنها تعاود قراءته في كل مرة وكأنها المرة الأولى.
وبينما هي على حالها حاملة في يدها كوب النسكافيه الذي تفضل ارتشافه أثناء قراءة الكتب، فإذا به يحاوطها من الخلف طابعًا قبلة رقيقة فوق رأسها مستنشقًا عبير خصلاتها.
ابتسمت بهدوء وهي تغلق الكتاب وتضع كوب النسكافيه أمامها، واستدارت إليه لتتقابل عسليتيهما.
غرام:
- أحلى صباح في الدنيا على أحلى فروس في الكون.
ضحك فراس بقوة رافعًا رأسه للأعلى ثم انخفضت تدريجيًا مع انخفاض ضحكته، ثم نظر لها بحب وهو يقرص وجنتها برفق متمتمًا:
- صباح الجمال على آية الجمال، وبطلي فروس دي بقى.
غرام بنظرة جانبية ماكرة:
- الغزالة رايقة يعني، خير اللهم اجعله خير، قولي إنك لقيتها، ها، لقيتها؟
فراس بجانب عينه:
- أنا لسه طالع من عند ماما دلوقتي وقافل معاها نفس الحوار، مش ناقص تستلميني إنتي التانية.
غرام بضحكة خفيفة:
- يا حبيبي ماما عايزة تفرح بيك وتشيل ولادك، وبعدين أنا عايزة مرات أخ عشان أصاحبها وأحكيلها وتحكيلي وناخد وندي بشكل ودي.
فراس عاقدًا حاجبيه:
- نعم!
ضحكت بشدة وهي ترفع رأسها للأعلى وتخفضها تدريجيًا مع انخفاض ضحكتها.
قرصت وجنته بأناملها وهي تتابع:
- يلا اتجدعن وجيبلي صاحبة يا فراس.
فراس زافرًا وهو يستدير حول الأرجوحة ليستقر بجانب توأمه:
- أعمل إيه بس يا غرام، مفيش بنت قدرت تخطف قلبي لحد دلوقتي، مش لاقي، وهو يعني أنا هلاقي وأقول للـ (غمز بعينه لها وهو يتابع) لأ.
غرام وهي تضع يدها على فمها شاهقة:
- آه يا مهزأ، بقى ده كل اللي في دماغك، وأنا اللي قلت عليك مؤدب.
ضحك بهدوء وهو ينظر لها بحب:
- سيبك انتي، قوليلي الواد عمرو عامل إيه معاكي؟
ضربته على كتفه بخفة وهي تتمتم بضيق مصطنع:
- ما تقولش واد، ده راجل وسيد الرجال.
ضحك بهدوء وهو يتابع بمزاح:
- ومين يشهد للعروسة.
نظرت له بطرف عينها ثم أمسكت بذراعه وهي تقول برجاء:
- عشان خاطري يا فراس ما تتأخرش على العشا النهاردة، هو جاي يتعشى معانا.
فراس بهدوء:
- حاضر يا غرام هحاول، وبعدين أنا مش عارف إيه عاجبك في عمرو ده، ده شبه الـ..
قاطعته وهي تضع يدها على فمه بغيظ:
- بطل تقول عليه قرد أحسن لك...
تنهدت بحب وهي تتابع:
- ده قمر...
تنهدت من جديد ثم تابعت بهيام:
- عيونه ولونها الأسود اللي بيلمع، ولا شعره اللي ليه زلحة من الجنبين، ولا صوته، صوته فيه كمية حنية ما شفتهاش في صوت حد قبله، هيييح.
نظر لها فراس بصدمة، ثم وضع يده على جبينها كأنه يقيس درجة حرارتها وهو يقول:
- بت انتي في وعيك؟!
غرام بابتسامة:
- بحبه أوي يا فراس.
كان سيضربها على رأسها بسبب وقاحتها لكنه ابتسم بهدوء وهو يقول بحنان:
- ربنا يخليكم لبعض يا حبيبة قلبي، يلا هروح أنا المستشفى وأسيبك مع كتابك اللي ما بتمليش منه ده، يا بنتي ده الكتاب اشتكى منك.
غرام وهي تضم شفتيها للأمام بعدم رضا:
- بحبه.
فراس بمزاح:
- مين ده؟
غرام ببلاهة:
- الكتاب!
ضحك عليها بشدة وهو يقول من بين ضحكاته:
- فكرت عمرو.
ضربته على كتفه بغيظ، فوقف وهو يقبل جبينها بحب:
- عامل لك مفاجأة الليلة، يا رب تعجبك.
غرام وهي تصفق بمرح طفولي:
- بجد!!
فراس بضحكة خفيفة:
- يا بت اكبري بقى ده انتي داخلة على 26 سنة، اكبري.
غرام بابتسامة هادئة ودلال:
- إيه هي الهدية يا فروس؟
نظر لها بجانب عينه وتحرك من جانبها وهو يتمتم:
- فروس؟ أنا اللي جبته لنفسي والله، غوري بقى مفيش هدايا.
ضحكت عليه بشدة وهي تقول:
- هتجيب لي هتجيب لي، أنا مستنية.
أرسل لها قبلة في الهواء وغادر الفيلا متجهًا إلى المستشفى الخاص به وبوالده.
أخذت قدميها تتحرك بتوتر واضح وهي تمسك بهاتفها وتنظر به بين الحين والآخر.
دالين بضيق:
- يوه بقى يا فاتن، ما تبطلي تحركي رجلك كده، بتوتريني.
فاتن بضيق مماثل:
- أعمل إيه بس، ما أنا ما عرفش عاصم عمل إيه مع بابا، بقى له فوق الثلاث ساعات قافل معايا، يعني المفروض يكلمه ويخلص ويطمني.
دالين:
- ما تكلميه انتي.
فاتن:
- بكلمه ما بيردش، أنا بدأت أقلق، خايفة أوي يكون بابا زعله ولا حاجة.
دالين بهدوء:
- ما تقلقيش كده يا تونا، مستحيل أونكل مراد يزعل عاصم، ده بيعامله زي ابنه، وبعدين ده ابن أخوه الوحيد.
فاتن:
- أوووف بقى... مش عارفة، أنا مش عارفة، طب ما يتصل يطمني، لازم يحرق أعصابي كده.
قاطعها صوته الضاحك من الخلف:
- مين مزعل تونايتي بقى.
فاتن بضيق:
- إيه يا عاصم كل ده؟ وبعدين ليه ما بتردش على تليفونك؟ إيه حصل مع بابا؟
عاصم بضحكة وهو يجلس بجوارها:
- براحة عليا طيب، كل دي أسئلة؟!
فاتن بنفاذ صبر:
- عاااصم بطل تلعب بأعصابي.
عاصم بهدوء:
- طب بس اقعدي يا حبيبتي وأنا أحكي لك كل حاجة.
جلست بتوتر تنتظر حديثه.
نظر لهما بهدوء وهو يقول بابتسامته الساحرة لقلبها الذي ينطق باسمه عشقًا:
- هنعمل خطوبتنا آخر الأسبوع.
فاتن بعدم استيعاب:
- خطوبة مين؟
ضحك كل من عاصم ودالين عليها، لتقول دالين من بين ضحكاتها:
- وهو الحزين ده لابس في حد غيرك؟! البت مصدومة يا عاصم اعذرها.
عاصم ناظرًا إليها وهو يغمز بعينه:
- خطوبتي أنا وانتي يا تونايتي.
وضعت فاتن يديها على فمها بعدم تصديق:
- عاصم بتتكلم جد!!
صاحت بسعادة:
- بجد مش مصدقة نفسي.
عاصم بابتسامة حنونة:
- لا صدقي يا قلبي، آخر الأسبوع هاجي أطلبك من عمي رسمي وتبقى خطيبتي الأمورة.
فاتن:
- لا لا لا، اضربيني يا دالين، اضربيني عشان أصدق.
ضحكت دالين وهي تنظر لعاصم الذي نظر لفاتن بغيظ:
- إيه يا بنت الدايخة هو أنا كنت ماشي معاكي! ما إحنا آخرنا هنتخطب ونتجوز، هو أنا شاقطك!!
فاتن بسعادة:
- فرحانة يا عصومي، فرحانة أوي.
عاصم بحب:
- ربنا يقدرني وأسعدك أكتر وأكتر.
فاتن بهيام:
- ربنا يخليك لقلبي يا كل قلبي.
دالين بحمحمة:
- إيه يا جدعان، أنا مرزية هنا، راعوا سنجلتي شوية.
ضحك كلاهما، وقام عاصم بطلب الغداء لثلاثتهم.
دالين بهدوء:
- ناويين تعملوا الخطوبة فين؟
عاصم:
- مكان ما تونا تحب.
فاتن بسعادة:
- في الفيلا عندنا، إيه رأيك؟
عاصم:
- إشمعنى الفيلا؟
فاتن:
- عشان أنا والبنات نظبطها على كيفنا، ولا إيه يا دالين؟
دالين بتأكيد:
- أيوه يا عاصم، إحنا هنظبط جو في الفيلا.
عاصم:
- ماشي ما عنديش مانع.
هاتفت دالين صديقتهم شدا.
شدا:
- نعم؟
دالين بغيظ:
- يا بنتي الناس بترد تقول ألو أو تقدم السلام، إيه نعم دي؟
شدا بضحكة:
- معلش يا دالي قلبك كبير.
دالين بهدوء:
- طب يلا هاتي زوما وبدور وتعالوا على النادي عشان نتفق ونظبط جو في الفيلا عشان خطوبة فاتن وعاصم.
شدا:
- ياااس، وأخيرًا، مسافة السكة ونكون عندكوا.
دالين:
- أوك، سلامات يا برنسيس.
حل الليل سريعًا.
ألقت نظرة على نفسها بالمرآة لآخر مرة قبل أن تخرج من غرفتها متجهة لحديقة الفيلا تنتظر قدوم عمرو أو فراس أيهما أولًا.
تنهدت بحزن فمن المفترض أن تكون بانتظار والدها الآن، على الأقل الآن، فهو لا يحضر معهم أي مناسبة عائلية ولا يعطي لحضور عمرو أهمية.
لن تنسى أبدًا أنه بعد أن تم كتب كتابها على عمرو ترك الحفل وغادر بحجة العمل.
أغمضت عينيها بحزن.
وما إن فتحتها حتى ابتسمت بسعادة حينما لمحت سيارة فراس تدلف لجراج الفيلا.
وقفت لتستقبله بسعادة وهي تهتف:
- كنت عارفة إنك هتيجي بدري عشاني.
ابتسم لها بحنان وأردف:
- وأنا عندي كام غرام يعني؟!
حاوطته بحب ثم ابتعدت وهي تمد يدها له.
نظر فراس ليدها الممدودة أمامه وضحك بهدوء وهو يقول:
- ما بتنسيش أبدًا؟! .. ما تقلقيش يا ستي .. هديتك في الحفظ والصون.
فركت يديها معًا بحماس بينما تحرك هو وفتح باب السيارة الخلفي وأخرج منه علبة هدايا ملفوفة بعناية بورق ملون بألوان الطيف التي تعشقها للغاية ومعقود من الأعلى بربطة على شكل وردة.
مدت يدها له وحملتها وهي تبتسم بحماس .. ثم قبلت وجنته بسرعة وركضت لأرجوحتها ووضعتها أمامها وبدأت في فك عقدة العلبة بهدوء.
فاجأها كثيرًا حينما وجدت أن العلبة مليئة بالروايات الخاصة بـ "أجاثا كريستي" وكذلك رواية الجريمة والعقاب لـ "فيودور دوستويفسكي" .. والعديد من الكتب والروايات المختلفة .. بالإضافة لوجود قطعة إسفنجية سوداء وموضوع فوقها سلسال بسيط على شكل كتاب مفتوح ومطرز على صفحات الكتاب المتقابلة اسم "غرام".
نظرت لمحتويات العلبة بدموع لم تستطع السيطرة عليها فوقفت واحتضنته بحب .. مما جعله يبتسم بهدوء وهو يربت على ظهرها بحنان بالغ متمتمًا:
- طب بتعيطي ليه؟! .. هي هديتي ما عجبتكيش؟!
غرام بسرعة:
- لا لا أبدًا .. بالعكس .. دي جميلة أوي وعجبتني أوي أوي.
فراس بغيظ:
- ولما هي جميلة أوي وعجبتك أوي أوي بتعيطي ليه!
صفع وجنتها بخفة وهو يتابع:
- ولا انتوا جنس النكد .. تفرحوا تعيطوا، تزعلوا تعيطوا!
قاطعهما صوت من خلف فراس يقول بمزاح:
- سيب مراتي في حالها .. ملكش دعوة بيها.
غرام بفرحة:
- عموري.
قفزت إليه محتضنة إياه بسعادة وهي تتابع:
- وحشتني أوي .. مهماتك اللي بتقعد بالأسبوع دي بتخليك توحشني كتير.
فراس:
- طب أنا واقف حتى ..
جذبها من يد عمرو لخلفه وهو يتابع:
- حيلك يا عم .. انتوا حيالله كاتبين كتاب .. ما تسوقش فيها أوي كده.
عمرو بضحكة:
- أنت برضه مش هتبطل غيرة على البت .. يا جدع دي مراتي.
فراس بغيظ:
- وتوأمي .. لما تبقى في بيتك ابقى احضن براحتك .. ويلا اتفضل ادخل .. بدل ما أخليك تلف من ع الباب.
استدار ليواجه غرام وهو يدحجها بنظرات حانقة:
- اتفضلي أنتِ كمان .. ويارب أشوفك قريبة منه حتى .. هنفخك.
غرام وهي تكتم ضحكتها:
- حاضر حاضر .. هو بس كان واحشني.
فراس بغيظ:
- ادخلي يا غرام ادخلي بدل ما أعمل منك كفتة.
ضحك عمرو وغرام ودلفوا جميعًا لتستقبلهم والدة فراس بترحاب وجلسوا جميعًا إلى سفرة العشاء.
فراس بضيق:
- الوالد الكريم فين؟!
السيدة جومانة بتبرير:
- مشغول يا حبيبي .. هو اتصل واعتذر.
فراس بضحكة جانبية:
- آه ما أنا عارف.
عمرو بحرج وقد أراد أن يهون من حدة الموقف:
- عادي .. ربنا يعينه .. برضه شغله مش هين .. وأنا بعتبر نفسي في بيتي على فكرة.
فراس بهدوء:
- ده فعلًا بيتك يا عمرو.
ابتسم له عمرو بود .. بينما تنهد فراس بضيق من تصرفات والده.
أمسكت غرام بيده التي يضعها فوق فخذه وضغطت عليها بهدوء وهي تتمتم بصوت خافت حتى لا يسمعه غيره:
- أنت أهم عندي .. وجودك أهم .. ما تشغلش بالك بيه يا حبيبي.
ابتسم لها بهدوء وبدأوا جميعًا بتناول الطعام في جو من المرح الذي تضفيه غرام كعادتها على أجواء المنزل .. فهي تنشر الحيوية والبهجة أينما كانت.
كانوا يجلسون جميعًا في جو مليء بالضحك والسعادة .. فهم أصدقاء أقل ما يُقال عنهم عصبة واحدة .. يفرحون معًا، ويحزنون معًا .. دومًا ما يُشكلون مجموعة رائعة.
شدا من بين ضحكاتها:
- فاكرين لما فاتن جت على الفصل بتاعي أنا وحازم أيام الثانوية العامة وجت تقولي والنبي يا شدا عايزة أخرج من المدرسة .. عاصم في المستشفى تعبان ولو ما رحتش دلوقتي هموت؟!
حازم متابعًا:
- أيوه أيوه ويومها شبكتلها بإيدي وقامت نطت من على السور رجليها اتلوت.
فاتن متابعة بضحكة:
- أيوه ويومها عملولي جبيرة على رجلي وشدا فضلت تقول كنتي عايزة تيجي عشان تفضلي جنبه .. أهو جيتيله مجبسة وهو هيطلع بعد شوية ويكون هو اللي جنبك.
ازدادت أصوات ضحكاتهم على ذكرياتهم معًا.
بدور:
- عايزة ألعب سلة .. تيجوا نلعب كلنا؟!
رحب الجميع بالفكرة .. وتقاسموا بحيث تكون دالين وشدا وبدور بفريق بينما عاصم وحازم وفاتن بالفريق الآخر.
بدأوا جميعًا في اللعب بحماس .. ويسود الأجواء جو من البهجة والسعادة.
كان حازم يحاول قدر المستطاع أن يُبقي على الكرة معه حتى تتقدم منه بدور .. كان يحب كثيرًا لحظات اقترابها منه .. وأحيانًا كان يستسلم تاركًا الكرة لها وكأنها استطاعت أخذها بمجهودها الشخصي .. فقط ليرى لمعة عينيها السعيدة باستحواذها على الكرة.
بينما عاصم وفاتن .. فكانا يتغازلان أكثر بكثير من تركيزهما في اللعبة .. فكونهما في فريق واحد يجعلهما مقربين من بعضهما .. تاركين حِمل الفريق بأكمله على حازم الذي نظر لهما بحنق حينما استشعر عدم تركيزهما في اللعب ..
حازم بتهكم:
- إيه يا عم الحنين أنت وهي .. كلها أسبوع وابقوا سبّلوا براحتكوا .. إنما دلوقتي فيه لعب المفروض تركزوا شوية .. ولا أنا هغلب الثلاث بنات لوحدي هنا.
ضحك عاصم غامزًا له وهو يتمتم في أذنه بصوت منخفض:
- الحق عليا إني بسيبلك فرصة تخطف فيها قرب بدور.
حازم بصدمة:
- هو أنا مكشوف أوي كده؟!
عاصم بضحكة:
- لا أنا بس اللي كاشفك ما تخافش.
بدور من الخلف:
- بتتودودوا على إيه ها؟!
عاصم رافعًا يديه باستسلام:
- كل خير يا بدورة .. أنا عن نفسي ماشي.
حازم فاركًا رأسه من الخلف:
- تيجي نعمل حاجة غير اللعب.
جلست بدور أرضًا وهي تنظر له بتساؤل:
- حاجة زي إيه؟!
حازم بمزاح:
- نسبّل مثلًا زي عاصم وفاتن.
ضحكت بدور وهي تقول:
- لا يا عم دول حبهم من الطفولة .. يعني كل ما بيكبروا بيكبر معاهم .. حاجة كده جميلة مالهاش وصف ..
تنهدت وهي تتابع:
- أوقات بحسدها عليه بجد.
حازم بضيق:
- وتحسديها عليه ليه إن شاء الله؟!
بدور باستغراب من لهجته:
- أنا مش قصدي كشخص .. أنا بتكلم بمجمل الحب اللي بينهم .. مش قصدي على عاصم نفسه.
أومأ حازم بضيق فابتسمت بدور بهدوء .. إنها تستشعر الغيرة في نبرته .. حتى لو لم تكن متأكدة من ذلك .. هذا كافٍ جدًا ليرضي قلبها النابض لأجله.
- مسا مسا على أحلى جنات في الدنيا.
قالها لؤي وهو يقترب من والدته التي تجلس في الشرفة ناظرة للسماء بشرود قاطعه صوته الذي يملأ حياتها دفئًا وسعادة.
السيدة جنات بحب:
- حمد الله على سلامتك يا حبيبي .. عما تغير هدومك هكون جهزتلك العشا.
لؤي مقبلًا يدها بهدوء:
- ماشي يا قلب حبيبك.
ذهبت السيدة جنات للمطبخ في محاولة يائسة لأن تكف عن التفكير في نفس الأمر الذي يجعلها تخشى فقدان لؤي .. فهو كل شيء لها في هذه الحياة .. ولن تتحمل أبدًا مرارة فقدانه إن علم بالحقيقة التي أخفتها عنه لسنوات طويلة.
قاطع شرودها محاوطته لها بحب:
- سرحانة في إيه بقى لدرجة إن البيض يتحرق كده؟!
شهقت بخفة حينما وجدت أن البيض حقًا قد احترق.
أغلقت الموقد ثم استدارت ناظرة إليه بحزن استطاع قراءته .. فحاوط وجهها بيديه وهو يسألها بحنان:
- مالك يا أمي؟! .. ليه الحزن اللي شايفه في عينك ده؟!
السيدة جنات:
- ما فيش حاجة يا حبيبي .. أنا بس ببقى قلقانة عليك في كل مرة تخرج فيها وتتأخر بره.
قبل جبينها بعمق وحب وهو يتمتم:
- ما تخافيش عليا يا حبيبتي.
ابتسمت بهدوء .. ثم استدارت لتنهي ما كانت تفعله بصمت .. بينما خرج لؤي إلى غرفة الجلوس وبدأ يتابع أحد البرامج المعروضة على التلفاز حتى عادت والدته بالطعام وبدآ في تناوله بهدوء قاطعته والدته بسؤالها:
- حبيبي مش ناوي تشوف حياتك بقى؟!
لؤي وقد فهم ما ترمي إليه:
- أنتِ زهقتي مني ولا إيه؟!
ابتسمت له بحنان وهي تقول بصدق:
- عمري يا لؤي .. عمري .. بس حبيبي لازم تكون بيتك وعيلتك .. ولا أنت مش عايزني أفرح بيك قبل ما أموت؟!
لؤي وقد زحف الضيق لوجهه:
- إيه بس يا أمي اللي بتقوليه ده؟! .. ليه كده طيب؟! .. بعد الشر عنك يا ست الكل .. وبعدين هو أنا لقيت واحدة شبهك وقلت لأ؟!
ابتسمت بحنان وهي تنظر لعمق عينيه بحزن التمع في عينيها وكأنها تودعه .. فمهما طال الوقت .. سيأتي اليوم الذي يعرف فيه الحقيقة .. لكن ما يقلقها حقًا .. هل سيسامحها؟!
كان يسير في رواق المستشفى متجهًا لغرفته .. يلقي عليه السلام كل من يقابله بينما يكتفي هو بإيماءة خفيفة دون التحدث لأحد .. مما يجعل البعض يظنه مغرورًا والبعض الآخر يظنه مريضًا.
فهو لا يتحدث مع أحد، وإن حدث فيكون بعصبية بسبب خطأ ارتكبه أحدهم أو ما شابه.
حتى الأصدقاء لا يملكهم. جميع الأطباء أصدقاء مع بعضهم البعض عداه هو.
حتى خارج نطاق العمل لا يملك أصدقاء. صديقه الوحيد هي غرام.
دلف لغرفة مكتبه وجلس على مقعده وهو يمسد جبهته بضيق.
ثم طلب قهوته الصباحية وبدأ بفحص التقارير المتروكة على مكتبه منذ أمس.
دلف الساعي إليه ووضع له القهوة بهدوء ثم خرج دون أن يتفوه بكلمة.
قاطع تركيزه صوت هاتفه الذي أعلن عن اتصال.
نظر لشاشة هاتفه ثم ابتسم بحنان وهو يرفعه إلى أذنه.
وقبل أن يتحدث وصل لمسامعه صوت صراخها:
- فراس الحقني يا فراس.. ماما الحقني.
تحرك فراس بسرعة ملتقطًا مفاتيحه وخرج من الغرفة راكضًا وهو يتحدث بلهفة:
- إهدي إهدي يا غرام.. إهدي.. فيه إيه؟.. قوليلي إيه حصل؟.. مالها ماما؟
غرام من بين شهقاتها:
- معرفش أنا جيت أشوفها في أوضتها عشان مخرجتش زي عادتها بدري لقيتها نايمة مبتتنفسش.. أرجوك بسرعة يا فراس.
فراس محاولًا تهدئة ذعرها:
- طب اهدي خلاص أنا جاي أهو على الطريق.. افتحي الأوضة وخلي الهوا يتجدد وأنا على طول أهو جاي.
تركت غرام الهاتف وركضت تجاه الشرفات الخاصة بالغرفة وقامت بإبعاد جميع الستائر وبدأ الهواء يتسرب للغرفة منعشًا إياها.
بقيت تدور وتدور حتى سمعت صوت اصطكاك إطارات سيارة فراس بالأرضية.
فتنفست الصعداء.
دلف بسرعة إلى الغرفة وبدأ بفحص والدته التي وجد نبضها ضعيفًا للغاية.
قام بعمل الإسعافات الأولية ثم حملها بين ذراعيه ونزل بها بسرعة.
لحقت به غرام واستقلوا السيارة بسرعة واتجه بهما إلى المستشفى.
أخذت تسير في الممر بقلق يتفاقم كلما مر الوقت.
انتشلها صوته من دوامة ذعرها:
- غرام.. حبيبتي في إيه؟
ألقت بنفسها بين أحضانه وبدأت في البكاء بقوة.
أخذ يربت على ظهرها بحنان.
ثم أجلسها على أحد المقاعد وجلس جوارها ولا تزال متعلقة بأحضانه.
أخذت يداه تمسد شعرها بحنان حتى بدأت تهدأ شيئًا فشيئًا.
عمرو بحنان:
- متقلقيش يا حبيبتي.. هتبقى بخير.
أومأت بصمت.
تزامنًا مع خروج فراس من الغرفة وهو يمسد جبهته بتعب.
انتفضت غرام وركضت تجاهه وأمسكت بيده وهي تتحدث بلهفة:
- هي كويسة مش كده؟.. قولي إنها كويسة.
أخذ فراس يربت على خصلاتها بحنان وهو يقول بهدوء:
- حبيبتي متقلقيش.. هي كويسة فعلًا.. حتى هتخرج بليل كمان.
غرام:
- طب إيه حصلها؟
فراس بهدوء:
- هبوط في الدورة الدموية.. وكمان واضح إنها مخدتش علاج القلب من فترة.
غرام بحزن:
- أنا السبب.. أنا اللي مباخدش بالي منها.
اقترب منها عمرو محاوطًا كتفيها بحنان:
- لا يا حبيبتي انتي مش السبب.. احمدي ربنا إنها كويسة دلوقتي.. واعتبريها إشارة عشان تكوني جنبها أكتر وتراعيها.
أكد فراس على حديثه وهو يقبل جبينها بهدوء.
أتاه صوت أحد الأطباء الذي جاء إليه مسرعًا:
- دكتور فراس.. جاتلنا حالة طارئة محتاجين تدخل جراحي بسرعة.
رواية ضمير ميت الفصل الثاني 2 - بقلم دنيا آلشملول
ذهب فراس مسرعًا وهو يقول لعمرو:
- خلي بالك منها.
ذهب فراس ليتمم العملية الخاصة بأحد السياسيين المهمين في البلدة. بينما بقي عمرو وغرام أمام غرفة والدة غرام ينتظران الإذن بالدلوف ليطمئنا عليها.
دالين بمرح:
- صباح الحلاوة يا حلويات.
ابتسم كل من والدها ووالدتها لها. بينما اقتربت منهما وطبعت قبلة رقيقة على وجنتيهما ثم جلست بهدوء وهي تقول بسعادة:
- خطوبة عاصم وفاتن بعد يومين. هخرج أنا والشلة عشان نظبط للحفلة.
ثم وجهت حديثها لوالدتها:
- ما تيجي معانا يا مامي، أنت ذوقك حلو جدًا، وهتساعدينا كثير.
وافقت والدتها بهدوء وسعادة لسعادة ابنتها وهي تتمنى داخلها أن تراها عروسًا قريبًا.
ابتسم والدها بهدوء وهو يقول:
- لو احتجتوا حاجة كلموني. أنا هقوم بقى أروح الشغل عشان الشركة محتاجاني اليومين دول.
تركهما وغادر بابتسامة رضا. بينما ذهبت كلتاهما لتبدلا ملابسهما.
انتهيتا وذهبتا للمول التجاري. وهناك تقابلوا مع شدا وبدور ووالدتهما السيدة داليا، وفاتن التي برغم سعادتها إلا أنها تشعر بالنقص حقًا. فوالدات صديقاتها أتين جميعًا ليشاركنها فرحتها، وينتقين معها ما يلزمها. بينما والدتها فقد تشاجرت معها صباحًا حينما طلبت منها أن ترافقها وتحججت بأنها على موعد مع رفيقاتها بإحدى النوادي التي تقضي بها يومها.
أفاقتها من شرودها صوت دالين التي شعرت بها وأرادت أن تلطف الأجواء وتخرجها مما هي فيه:
- تونا، هنبدأ بإيه؟ بصوا يا جماعة. مبدئيًا كده، إيه رأيكوا لو احنا الأربعة لبسنا زي بعض باختلاف الألوان؟ كل واحدة تلبس اللون اللي تحبه؟
نظرت لها شدا بجانب عينها وهي تقول بعدم رضا:
- وطبعًا اللبس اللي هيكون موحد ده هيبقى فساتين، اللي أنا أصلًا ما بلبسهاش. انسي الفكرة يا دالين، عشان مش هلبس فستان أنا.
دالين برجاء:
- بليز يا دودي. دي خطوبة يا شدا، يعني لازم فساتين.
زفرت شدا بسخط وهي تدحجها بنظرات غيظ. بينما ضحكت دالين، ودلفوا جميعًا للمول.
بدأوا في البحث عن فستان مناسب من أجل فاتن أولًا. وقد توصلوا جميعًا لمبتغاهم. فستان موف مكون من طبقتين. السفلى ستان ويعلوها طبقة من التول، مزخرفة من الصدر حتى الخصر بزهور بنفس لون الفستان، ويتخصر بحزام ستان من الموف أيضًا بفيونكة من الجانب، بأكتاف شفافة تحددها نفس زهور الصدر، وينزل من الخصر للأسفل باتساع محبب. نال استحسانهم جميعًا.
بينما انتقت دالين فستانًا من لون الكشمير الفاتح والذي تنسدل حمالتيه العريضتين على ذراعيها ومطرز من الصدر حتى الخصر بزهور من الكشمير والأبيض، وينسدل من الخصر إلى الأسفل باتساع محبب، وهو عبارة عن عدة طبقات شفافة تعلوها طبقة من قماش التول الكشمير الرقيقة.
بينما أعجبت بدور بفستان من اللون الوردي الهادئ والذي يصل إلى ركبتيها بدوران من شريط الستان الوردي اللامع وكذلك الرقبة والخصر يحاوطهما نفس الشريط، مطرز من الصدر بأوراق زهور وردية يتداخل معها زهور بيضاء، وبدون أكمام، وينزل من الخصر إلى الركبة بكشكشة بسيطة أعطت للفستان رونقًا خاصًا من الاتساع والجمال.
أما شدا فقد يئست الفتيات من محاولة جعلها تنتقي فستانًا. فلقد أصرت على أحد البناطيل المتسعة قليلًا من اللون الأسود ويعلوه شميز من اللون العنابي بأكمام تنتهي بإسورة، تتزين رقبتها بفيونكة طويلة من نفس نوع ولون الشميز. بينما تأتي نهاية الشميز بداخل البنطال الذي يتخصر بأحد الأحزمة السوداء اللامعة والتي يزينها توكة من اللون الذهبي. وقد ابتاعت إحدى الحقائب السوداء التي تتزين أطرافها بالذهبي من نفس درجة لون توكة الحزام. وقد شعرت بالرضا تمامًا عما انتقته لنفسها على عكس الفتيات اللاتي كدن يقتلنها بسبب اختلافها دومًا عنهم جميعًا في كل شيء حتى الملابس.
انتهوا جميعًا من جلب كل مستحضراتهم وما يحتاجون إليه. ثم تناولوا الغداء معًا، وعاد كل منهم لمنزله على وعد بأن يتقابلوا في المساء في منزل فاتن ليروا ماذا يمكن أن يفعلوا لأجل تزيين المكان وتجهيزه للخطبة.
استقل فراس سيارته وبجانبه يستقر عمرو وفي الخلف تجلس غرام ممسكة بيد والدتها الجالسة في هدوء.
بينما يعلو وجه فراس الضيق، فوالده لم يكلف نفسه عناء الاطمئنان على زوجته حتى. رغم أن فراس أرسل له أحد الأطباء وأخبره بوجودها في المستشفى، إلا أنه لم يذهب إليها. زفر بضيق فتساءل عمرو بهدوء:
- أنت كويس يا فراس؟
أومأ فراس بصمت فصمت عمرو هو الآخر. فمهما حاول التقرب من فراس لا يجد لذلك سبيلًا. فراس من وجهة نظره شخص منفصل عن العالم الخارجي. لا يمزح، لا يضحك، لا يتفاعل مع أحد، لا يختلط بأحد.
لو لم يره عدة مرات وهو يداعب غرام ويضاحكها لأجزم أنه لا يضحك أبدًا ولأجزم أيضًا بأنه مريض نفسي.
قرر أن يتقرب منه عن طريق غرام فهي الوحيدة القادرة على إخراجه عن صمته.
دلف لؤي لمكتب اللواء أمجد السويدي.
اللواء أمجد:
- أهلًا يا لؤي. تعالى اقعد.
لؤي باحترام:
- إزيك حضرتك يا فندم؟
أمجد بهدوء:
- بخير يا سيادة العميد.
ابتسم لؤي بفهم. فاللواء أمجد حينما يناديه بالعميد فهذا يعني مهمة بحث عن مجرم مجهول. وكالعادة ستستغرق منه أيامًا وليالي كي ينجزها. ولكن خابت ظنونه حينما أخبره اللواء بـ:
- المرة دي مش مهمة بحث جنائي زي ما أنت فاكر. المرة دي حراسة أمنية.
عقد لؤي حاجبيه بعدم فهم. ليبتسم أمجد بهدوء وبدأ بشرح التفاصيل للؤي الذي زادت عقدة حاجبيه بعدم فهم:
- طب أنا مالي بكل ده يا فندم؟ أنا مباحث جنايات حتى.
أمجد بجدية:
- اعتبرها خدمة شخصية يا لؤي.
ارتخت ملامح لؤي وتنهد بهدوء:
- حاضر يا فندم. اتفضل حضرتك كمل.
أمجد بابتسامة:
- شوف يا لؤي. أنا مش هكدب عليك وهكون صريح لأبعد حد. أنا كان معايا العميد رأفت سويلم. وهو كان أكفأ من يقوم بمهمة زي دي. وللأسف لولا ظروفه المرضية الطارئة كان هيكمل فيها. بس الظروف أقوى منه ومني. وطبعًا ما فكرتش غير فيك أول حاجة من بعده.
لؤي بهدوء:
- وده شرف ليا الشغل مع سعادتك أولًا. وبتمنى من ربنا يجعلني تحت حسن ظن حضرتك ثانيًا.
أمجد بابتسامة:
- تمام. الموضوع ده غاية في السرية. يعني مش هيعرف بيه غيرك. فلازم تختار اللي هيكونوا معاك بدقة. الغلطة بفورة يا لؤي.
لؤي:
- تمام يا فندم. تقدر حضرتك تعتمد عليا.
أمجد بتفهم:
- أنا قلتلك اللي عندي. الباقي عليك أنت يا لؤي. ما تخيبش ثقتي فيك.
لؤي بهدوء:
- بأمر الله مش هيحصل يا باشا.
ذهب لؤي لمكتبه وقام بمهاتفة عمرو وطلب منه الحضور لأجل أمر طارئ.
دلف فراس وعمرو وغرام مع السيدة جومانة.
ساعدتها غرام على الاستلقاء وتأكدت من نومها ثم نزلت لأخيها وزوجها.
فراس بتساؤل:
- نامت؟
غرام بهدوء:
- أيوه نامت الحمد لله.
عمرو وهو يحاوط وجهها بحنان:
- حبيبتي خلاص فكي وشك كده وخلي ابتسامتك تظهر خلي الدنيا تنور. ماما بخير ومفيش داعي للقلق.
غرام والدموع تترقرق في عينيها:
- كنت خايفة عليها أوي. مش عارفة فراس لو ما لحقهاش كان ممكن يحصل إيه.
اقترب فراس وجذبها لأحضانه وهو يمسد شعرها بحنان.
لا يعلم هل يفعل ذلك لأنه لا يطيق أن يمسسها ذاك الـ عمرو، أم أنه حقًا يواسيها. لكن ما يعلمه جيدًا بأنه لا يريدها أن تتعلق بأحد ربما لن يدوم معها. فهي كل شيء بالنسبة له، ولن يحتمل أن تتأذى أبدًا. وكذلك لا يحب أبدًا قرب عمرو منها بهذا الشكل. فهو يشعر بأنه سيأخذ مكانته لديها وهو لا يريد أبدًا أن يخسر كونه الأب والأخ لها. لا بل كل شيء لها. لن يحتمل فكرة أن تطلب مساعدة غيره ولن يحتمل فكرة أن يواسيها سواه.
وبينما هو على وضعه هذا من الشرود ابتسم عمرو بهدوء فهو يعلم مدى تعلقهما ببعضهما، ويعلم مدى خوف فراس من أن يسرق أحدهم مكانته لدى غرام. لذلك لا يعطي للأمر أهمية كثيرًا ويتقبل تدخل فراس الدائم بينهما بكل صدر رحب، وربما هذا أكثر شيء يجعل غرام تحبه أضعافًا وتتمسك به أضعاف مضاعفة. فهي ماذا ستحتاج أكثر من أخ حنون مجنون بها، وزوج يحبها ويتفهم وضع أخيها.
قاطع شرودهم جميعًا صوت هاتف عمرو الذي أضاءت شاشته باسم (لؤي).
أجاب بغيظ:
- خير يا لؤي؟ أنت لو حد مسلطك عليا مش هتتصل بيا في الأوقات دي.
ضحك لؤي وهو يقول بمكر:
- ليه يا حبيبي، الوقت مش مناسب ولا إيه؟
عمرو بغيظ:
- مستفز. عايز إيه اخلص.
لؤي:
- انجز يا منحنح وتعالى. في مهمة جديدة ومهمة جدًا يعني. ما تتأخرش عشان الموضوع حساس ها.
عمرو:
- حساس آه. طب ما تحس أنت كمان على دمك وتنساني لما تبقى عارف إني عند مراتي.
لؤي باستفزاز:
- أوبس. سوري يا عمور ما كنتش أعرف إنك عندها.
عمرو بغيظ:
- امشي يا لؤي. امشي. ولا أقولك. والله لأقفل.
أغلق عمرو في وجه لؤي الذي انفجر في الضحك على صديقه. فهو لا يزال مراهقًا في نظره. لكنه لا يعلم بأن الحب لا يعرف عمرًا. الحب يأتيك هكذا. دون مقدمات أو استئذان. يقتحمك لمجرد أنك نظرت بقلبك إلى أحدهم فوقع قلبك صريع حبه. ومن أحب بصدق مهما كان عمره يتصرف بكل عفوية وتلقائية.
فمشاعره هي من تحركه.
عاد عمرو لفراس وغرام اللذان جلسا إلى أحد المقاعد، واستأذن ليغادر على وعد بأن يهاتف غرام من حين لآخر ليطمئن على والدتها.
ذهب عمرو وبدأ فراس ينظر لغرام بتردد لاحظته هي.
غرام بهدوء:
- عايز تقول إيه يا حبيبي؟
فراس وكأنه كان ينتظر سؤالها لينفجر بها:
- هو ما ينفعش عمرو يعاملك من بعيد لبعيد؟ ليه كل شوية ياخدك في حضنه وشوية يمسك إيدك وشوية خدك؟ ده ناقص يبوسك وأنا واقف.
غرام وهي تحاول أن تكتم ضحكتها:
- طب وإيه المشكلة بس يا فراس؟ إحنا كاتبين الكتاب، يعني جوزي و...
فراس مقاطعًا إياها بضيق:
- يوووه جوزي جوزي جوزي... غرام يا ريت يعاملك من بعيد لبعيد لحد ما تبقي تروحي بيته، بس صدقيني أنا بمسك نفسي عنه بالعافية لما أشوفه قريب منك، المرة الجاية ما أعرفش ممكن أتصرف إزاي.
ألقى آخر كلماته ثم تحرك من أمامها خارج الڤيلا بأكملها.
نظرت غرام في أثره بابتسامة وحزن. تبتسم لحرص أخيها عليها حتى من أقرب الناس إليها، وحزن لأنها لا تعلم ما نهاية تلك الغيرة التي يمتلكها تجاهها، فهي ستغادره يومًا ما، وسيضطر لرؤيتها مع عمرو كثيرًا في الأيام القادمة. كيف لها أن توفق بينهما؟ هي لا تملك أدنى شك من كون عمرو متقبلًا لأمر كهذا، لكنها واثقة أيضًا من أن هذا لن يدوم كثيرًا، فعمرو لديه صبر أيضًا. تنهدت بتعب ثم صعدت لوالدتها لتطمئن عليها.
🌸 لسه في الأيام كتير.. كله خير 🌸
كانت الفتيات تتنقل من مكان لآخر في حديقة الڤيلا لمعاينة المكان.
بدور بضجر:
- ما نجيب متخصص حفلات وينظمها، انتوا هتوجعوا دماغنا ليه!
نظرت لها دالين بسخط:
- بت أنتِ... مش عايزة تقفي معانا يبقى امشي من هنا، لكن ما تقطِّميش فينا. قال متخصص حفلات قال، وإحنا ناقصنا إيد ولا ناقصنا رجل يا أختي؟!
شدا:
- بقولكوا إيه يا بنات جاتلي فكرة نار.
بدور بسرعة:
- إيه هنولع في عاصم وفاتن ونخلص؟
فاتن من خلفها بغيظ:
- شالله تولعي أنتِ يا بعيدة.
قلبت بدور عينيها بضجر وهي تنظر لهم.
شدا بهدوء:
- من بعد باب الڤيلا الداخلي هنعمل بوابة دخول من الورد الأبيض، وهيبقى على الجنبين قصاري ورد أبيض وأحمر لحد الكوشة، اللي هتكون عبارة عن كوشة من ستاير بيضة متسلط عليها إضاءة ومكان قعدتهم، وحوالين البسين من الجنبين هنرص قعدات الضيوف، وهنعمل في نهاية البسين مكان لرقص سلو. الفكرة بسيطة وتقليدية بس إحنا وجدعنتنا نخليها مختلفة. ها قلتوا إيه؟
كانت الفتيات الثلاث ينظرن لها بانبهار.
رمشت شدا عدة مرات وهي تنظر لهم بتساؤل:
- انتوا مبرّقين كده ليه؟
بدور بتهكم:
- أنتِ طلعتِ ليكي في الجو إيّه وإحنا مش واخدين بالنا؟ أمال عملالنا فيها شبح الحتة طول الوقت ليه؟
شدا وهي تنظر لها باشمئزاز:
- شبح الحتة؟ نقي ألفاظك... نقي ألفاظك الله يسترك.
دالين مقاطعة إياهم:
- بجد أنا عمالة أتخيل المنظر... واااو هيجنن بجد... بصوا كمان هنعمل على بوابة الورد ستارة قلوب صغننة حمرا، هتدي منظر تحفة، وكمان هنملى البسين ورد وبلالين، والكوشة كمان هنملاها بلالين... وإيه تاني إيه تاني...
بدور مقاطعة:
- محدش فكر في التورتة يعني.
فاتن بسرعة:
- لا عاصم قال التورتة هدية منه ليا.
بدور وشدا ودالين بصوت واحد:
- نعم يا أختي؟
ضحكت فاتن عليهم وهي تقول بسرعة:
- هديكوا هديكوا.
بقيت الفتيات الثلاث يرتبن لحفل الخطبة بحماس وسعادة بادية عليهن، دون أن يعلم أي منهم أن تلك الحفل ستكون بداية الصدمات.
🌸 أكيد الصعب في يوم هيهون 🌸
يجلس عاصم إلى مكتبه يراجع بعض الأوراق الخاصة بإحدى الصفقات، قاطع تركيزه طرقات هادئة ومعروفة لدى مسمعه بأنها تخص سكرتيرة والده، والتي يلعن تحت أنفاسه كلما أتت إليه.
شيرين بدلالها المعتاد:
- ممكن أدخل؟
أجاب دون أن ينظر إليها:
- اتفضلي.
دلفت بخطواتها الهادئة والمتهادية بمبالغة، تسبقها رائحة عطرها التي تجعله يشعر بالغثيان رغم روعته.
توقفت بجانبه ومالت إلى مكتبه لتضع الأوراق التي تحملها وهي تتعمد التقرب إليه.
زفر عاصم بضيق وهو ينظر لها ببعض الحدة:
- وهو ما ينفعش الورق ده يوصل لي وأنتِ واقفة قدامي؟
نظرت له بحزن مصطنع وهي تتمتم بخفوت:
- سوري يا مستر عاصم... أنا بس اا...
قاطعها بضيق:
- خلاص يا آنسة شيرين... مش عايز أسمع حاجة.
أمسك بالأوراق بين يديه يتفحصها وهو يقول بهدوء:
- إيه ده؟
شيرين بنبرة دلال:
- دي آخر تقارير تخص إنشاء القرية الخاصة برأفت باشا المنياوي.
أومأ بصمت وهو يتابع قراءة التقارير، ليقاطعه صوت هاتفه الذي التقطه وهو ينظر له بابتسامة، غافلًا عن تلك التي تقف خلفه مباشرة وقد رأت التواء شفتيه بابتسامته لتعلم على الفور هوية المتصل.
عاصم بحب:
- حياتي.
فاتن:
- عصومي وحشتني أوي.
عاصم بهدوء:
- وأنتِ كمان يا قلب عصومك... ها عملتي إيه النهاردة؟
فاتن بفرحة:
- مش هتصدق أنا فرحانة قد إيه... جبت الدراس وكل مستلزمات الخطوبة وكمان حددنا تصميم الديكور... وحاجة آااااخر جمال... ناقص بس وجودك واليوم يبقى خيالي.
ضحك عاصم بهدوء وهو يتمتم بهيام وقد نسي تمامًا وجود شيرين التي تحترق غيظًا بجانبه:
- هانت يا توينتي... يومين بس... وعاملك مفاجأة جامدة يوم الخطوبة.
فاتن بسعادة:
- إيه هي ها ها... إيه ها؟
عاصم:
- لا لا مش هقولك... دي مفاجأة.
قررت شيرين بأن تجعل هناك مفاجأة حقيقية تلهب قلب فاتن الآن، فقالت بنبرة دلال عالية بعض الشيء:
- طيب يا مستر عاصم... واضح إنك مشغول دلوقتي... أجيلك وقت تاني.
أقل ما يمكن أن يقال في تلك اللحظة بأن عاصم ينتوي قتل أحدهم الآن.
وصل صوتها المدلل لمسامع فاتن التي امتقع وجهها وربط لسانها على الفور، وحينما وصل صوت عاصم لمسامعها أغلقت الهاتف على الفور.
عاصم:
- فاتن... ألو... ألو فاتن.
أعاد الاتصال عدة مرات لكن لا إجابة.
كاد يهشم الهاتف في يده، أخذ يسب تلك الـ شيرين بأبشع الألفاظ، ثم عاد بذهن شارد للأوراق أمامه، وهو ينوي الانتهاء منها ثم الذهاب لفاتن لإصلاح هذا الهراء الذي حل على رأسه.
🌸 ما تخافش طول ما ربنا ساندك وضهرك 🌸
عمرو بتساؤل:
- مش فاهم... إحنا من امتى بنشتغل في الحراسة.
نظر له لؤي شزرًا ثم ارتشف ما تبقى من قهوته وانتصب واقفًا وجلس على المقعد المقابل لعمرو بهدوء وهو ينظر لعمق عينيه بترقب.
عمرو باستغراب:
- إيه يا عم أنتَ في إيه؟
لؤي:
- أنتَ متأكد إنك ظابط؟
عمرو:
- بايخ على فكرة.
لؤي باستفزاز:
- حقك تكون دماغك مقفلة... ما أنتَ يا عيني جاي على ملء وشك من عند غرامك... هتركز فيها ولا في شغلك يعني.
تنهد عمرو بضيق مما أثار فضول لؤي:
- مالك يا عمرو في إيه؟
عمرو بضيق:
- فراس.
لؤي:
- فراس مين؟
عمرو:
- توأم غرام.
لؤي بترقب:
- خير... ماله؟
عمرو:
- مش عارف... أنا نفسي مش عارف... هو منطوي وعلى طول ساكت وما بيتكلمش غير في أضيق الحدود... أنا نفسي جوز أخته ما فيش بينا أي كلام أو قرب خالص... تخيل بيغير على غرام مني... لو مسكت إيديها يفضل يتنفخ... لو بوست راسها وشه يحمر من الغضب... الأسبوع اللي غبتُه عنها لما رجعت وخدتها في حضني سحبها من إيدها ورا ضهره... ولولا غرام قلبت الموضوع هزار يمكن كنا شدينا قصاد بعض... عارف اللي هو أصلًا شخصية مش مفهومة.
لؤي بهدوء:
- ما يمكن عقدة!
عمرو:
- عقدة؟... إزاي يعني؟!
لؤي:
- يعني أنتَ قلت لي قبل كده كان ليهم أخ ومات في حادثة... يمكن عقدة عنده... وخايف عليها فبيتصرف بدافع خوفه... بالإضافة إنها توأمه... يعني الاثنين روح واحدة.
عمرو بتفهم:
- ما ده اللي مصبرني يا لؤي... ده اللي مصبرني.
ربت لؤي فوق قدم صديقه وهو ينظر له بابتسامة مطمئنة:
- هانت يا صاحبي... كلها كام شهر وتبقى في بيتك.
عمرو بابتسامة:
- ده أنا هطلع عليها القديم والجديد كله... بس اصبر.
ضحك لؤي ثم تابع:
- طب يلا ركز بقى في المهمة دي.
أخذ لؤي وعمرو يتشاوران في المهمة التي من المفترض أنهم سينجزونها خلال يومين.
🌸 مين قال ربنا خد منك شيء؟ ربنا يا بيدي... يا بيبدل 🌸
دالين بمحايلة:
- بطلي يا بنتي عياط طيب وفهميني إيه اللي حصل... ما أنتِ كنتِ حلوة دلوقتي.
أخذت شهقاتها تعلو أكثر فأكثر حتى صمتت فجأة حينما وصل لمسامعها صوته.
قامت بمحو عبراتها بعنف، ثم هبت واقفة أمامه تنظر له بشر.
عاصم:
- فاتن بلاش غباء... دي مجرد السكرتيرة و...
أمسكت فاتن بالمزهرية القابعة إلى جانبها وألقتها عليه بعنف مقاطعة حديثه وهي تتحدث بانكسار:
- والسكرتيرة صوتها يوصلني وكأنها حاطة التليفون على ودنها هي ليه ها؟
ولا كلامها المتمرقع، ولا هاجيلك تاني، ولا مستر عاصم، ها؟ انطق، سكرتيرة ها.
بمجرد أن فهمت دالين ما حدث حتى انفجرت في الضحك ولم تستطع التوقف، مما أثار حنق فاتن فنظرت لها بضيق وقامت بدفع عاصم من أمامها وصعدت لغرفتها ركضًا.
صمتت دالين بعد وقت قصير ناظرة لعاصم الذي يمسك شعره بضيق.
دالين بهدوء:
- سوري يا عاصم مقدرتش أمسك نفسي، بس لا بجد إيه اللي قالته فاتن ده؟
عاصم وهو يمرر يده على وجهه بعصبية:
- يا دالين دي سكرتيرة بابا الله يحرقها مطرح ما هي متلقحة دلوقتي، جايبالي تقارير مشروع جديد. فاتن اتصلت وبكلمها فالسكرتيرة استأذنت ومشيت. فاتن سمعتها ومعرفش صاحبتك بتفكر إزاي، يعني بعد العمر ده كله أنا وهي مع بعض وتفكر كده.
فاتن من أعلى الدرج:
- ما تقول هي كانت قريبة منك ليه ها؟
عاصم بعصبية:
- قريبة مني فين يا فاتن؟ انتي دخلتي مكتبي وشفتيها قريبة مني؟
فاتن بعصبية مماثلة:
- لا ما ده اللي ناقص، أدخل ألاقيها جنبك في المكتب.
عاصم بحدة:
- فاتن الزمي حدودك، مش هسمحلك تتعدي حدودك بالطريقة دي. أنا مش عيل صغير ها ريل على أي واحدة، ومش أنا اللي تتعدى حدودها معايا مجرد سكرتيرة. قلت إنه كان شغل جابته ولما كلمتيني هي مشيت، إلا إذا لو انتي مش واثقة فيا، ساعتها الموضوع هيبقى ليه مسار تاني، وصدقيني يا فاتن دي أول وآخر مرة هسمحلك تلمحي بحاجة سخيفة زي دي معايا.
ألقى كلماته ثم خرج من الفيلا بضيق.
جلست فاتن أرضًا تبكي فصعدت لها دالين وأخذت تربت على ظهرها بهدوء:
- اهدي يا تونا، عاصم عنده حق، مينفعش تتهميه كده. ثم إن اللي بينكم يا فاتن مش من يوم ولا اثنين، ده اللي بينكم بقاله سنين، وخطوبتكم رسمي بعد يومين، وكلنا نشهد على حب عاصم، لا ده عشقه ليكي. إزاي تفكري كده! وبعدين تعالي هنا، لو السكرتيرة دي غرضها فعلًا كده، يبقى انتي خليتيها تكسب وتفرسك أهو، ما تبقيش غبية يا فاتن واتحكمي بعقلك شوية، ما تخليش حد يبقى سبب زعلكم بسهولة كده، اللي بينكم أكبر من كده يا فاتن.
فاتن بهدوء:
- عندك حق يا دالين، بس... بس أنا لما سمعت صوتها حسيت في نار في دماغي وقلبي، معرفتش أتصرف.
دالين بابتسامة:
- خلاص يا حبيبتي اهدي، موقف وعدى. قومي بقى يا حلوة البسي لبس شيك كده عشان أوصلك لعاصم بيه وأخلع، وانتي وشطارتك بقى، تخليه يعزمك على عشا رومانسي، ياخدك في جولة سريعة، إن شاء الله ياخدك قلمين المهم تكونوا سوا.
ضحكت فاتن وهي تمحي آثار دموعها ثم احتضنت دالين بقوة وهي تتمتم:
- شكرًا أوي يا دالين، شكرًا عشان دايمًا جنبي.
دالين وهي تضربها بخفة على ظهرها:
- شكرًا على إيه يا حيوانة؟ انتي زي أختي، يلا قومي انجزي بدل ما أغير رأيي.
فاتن بسرعة:
- لا لا تغيري إيه، أنا خلاص جهزت أهو.
ركضت من أمامها إلى الغرفة لتنتقي ملابسها للذهاب إلى عاصم وإصلاح ما أفسدته الآن.
بينما هاتفت دالين عاصم الذي أجابها على الفور ظنًا بأن فاتن قد أصابها مكروه.
عاصم:
- دالين؟! فاتن كويسة؟! حصل حاجة؟!
دالين:
- اهدي يا عم الحنين، مفيش حاجة. مالك خفيف كده؟ وبعدين لما انت خايف عليها أوي كده مشيت بزعابيبك ليه؟
عاصم وهو يزفر بضيق:
- انتي ما سمعتيش يا دالين بودانك قالت إيه؟! ده يرضي ربنا ده يعني؟! أنا يا دالين!! بعد كل اللي بينا شايفاني بالطريقة دي؟!
دالين بهدوء:
- اهدي يا عاصم، هي غصب عنها برضه، قلبها اللي مشاها، هي ما تقصدش أبدًا وانت عارف كده.
عاصم بتنهيدة:
- عارف يا دالين عارف.
دالين:
- طب انت فين بقى يا برنس؟
عاصم بتساؤل:
- اشمعنا؟
دالين:
- عشان تونايتك جاية تصالحك، وأنا كلمتك عشان هي مشغولة بتنقية اللبس اللي هتيجي لحضرتك بيه، قال يعني هتحلو أوي.
عاصم باندفاع وتلقائية:
- هي طول عمرها حلوة وبأي وضع حلوة وأصلًا أصلًا هي كل الحلو اللي في حياتي.
ضحكت دالين بقوة فتابع:
- والله انتي سوسة يا دالين.
دالين بضحكة:
- لا لا... انت اللي واقع. المهم، انت فين بقى؟
عاصم:
- أنا في الشركة، ممكن أخرج و...
قاطعته دالين بمكر:
- لا لا تطلع فين، ده هو ده عز الطلب، خليك مكانك واحنا مسافة السكة ونبقى عندك، بس بقولك إيه، لما نيجي تعمل متفاجئ ها.
عاصم بضحكة:
- ماشي يا طفلة.
دالين:
- بقولك إيه يا عاصم، ما تكلم السكرتيرة دي تجيلك تاني.
عاصم بعدم فهم:
- ليه يعني؟
دالين:
- اسمع كلامي مش هتخسر حاجة. لما نوصل الشركة هبعتلك مسدج، بعده على طول اطلب السكرتيرة دي لأي سبب يعني، وعايزاك تتعامل مع فاتن بعفويتك وكده، فاهمني.
عاصم بابتسامة:
- فاهم فاهم، مش بقول سوسة، طب يلا يا ماما طيري.
أغلقت دالين مع عاصم وهي تتوعد لتلك الحقيرة كما أسمتها.
صعدت لفاتن وقد تسمرت مكانها وهي تراها بهيئتها الخاطفة للأنفاس، فقد كانت ترتدي فستانًا أنيقًا من الشيفون الأزرق، يزينه من الخصر حزام أسود أنيق، بنصف أكمام شفافة، وترفع خصلاتها للأعلى بطريقة عشوائية ساحرة، وحذاء أسود ذو كعب، وحقيبة سوداء كذلك، وتحدد عينيها بكحل أسود وملمع شفاه بسيط يكاد يظهر.
أطلقت دالين صفيرًا عاليًا بإعجاب، فالتفتت إليها فاتن وهي تنظر لها بتردد:
- مش حلو مش كده؟
دالين بابتسامة:
- ده مش حلو ده؟! ده قمة في الأناقة والجمال والشياكة يا أبيض يا عرسي انت.
ضحكت فاتن بهدوء ثم أمسكت بيد دالين واتجهوا حيث عاصم.
فاتن:
- طب إحنا هنعرف عاصم فين منين دلوقتي؟
دالين:
- هو جه على ملأ وشه من الشركة يبقى أكيد هيرجع تاني وخصوصًا كمان إننا عارفينه لما بيتضايق بيروح يطلع ضيقه في مكتبه، مش محتاجة فكاكة يعني.
فاتن:
- خلاص يا بنتي، إيه بلاعة واتفتحتِ.
وصلتا إلى مقر الشركة فأخرجت دالين الهاتف وأرسلت رسالة إلى عاصم تخبره بوصولهما.
دلفتا بهدوء، فقام السكرتير الخاص بعاصم ورحب بهما وبروتين معتاد:
- ثواني أدي خبر لعاصم بيه بوجود حضراتكم.
دلف لعاصم، وثوانٍ قليلة وسمح لهما بالدلوف.
دلفت الفتاتان فوجدتا عاصم يجلس على كرسيه ومنشغل بكم الأوراق أمامه.
عضت فاتن على شفتها بضيق، فهو حقًا غاضب ويرهِق نفسه في العمل بسببها الآن.
ابتسمت دالين على عاصم الذي يجيد دوره تمامًا وتحمحمت وهي في طريقها إليه وضربته على مؤخرة رأسه بخفة وهي تقول:
- إحنا هنا ها، يا ريت تطلبلنا حاجة نشربها، ولا أقولك اطلبلنا أكل، أنا جعانة أوي.
عاصم:
- وانتي من امتى بتشبعي؟
لم يستطع أن يمنع نظره عن مليكته أكثر من ذلك فالتفت إليها بعينيه ليجدها تقف بهيئتها الخاطفة لأنفاسه، تسربت الحمرة لوجنتيها وهي تنظر للأرض وكأنها تفحصها بعينيها الهاربة من عينيه.
عاصم منظفًا حلقه:
- تونايتي واقفة عندك عرض أقل.
رواية ضمير ميت الفصل الثالث 3 - بقلم دنيا آلشملول
الحلقة الثالثة:
دلف إلى الفيلا بهدوء وإجهاد، فلقد أُنهِك كثيرًا اليوم. ألقى بجسده على أقرب مقعد وهو يمسد جبينه بتعب.
ابتسم بحنان حينما شعر بها خلفه. تحدث دون أن يلتفت إليها:
- تعالي يا غرام.
جلست إلى جانبه بهدوء:
- حبيبي، أجهز لك أكل؟
فراس:
- لا لا مش جعان. أنا بس تعبان وعايز أنام.
غرام بهدوء:
- طب يلا قوم معايا على أوضتك.
فراس:
- أنا آسف. ما كنتش أقصد أزعق لك.
غرام:
- إيه يا فراس ده؟ آسف إيه بس؟ وبعدين يا حبيبي أنا هنا وقت ما تحب تزعق، تتخانق، تتعصب، تفرغ غضبك. أنا هنا ديما.
جذبها إليه محاوطًا إياها بقوة، محاولًا تهدئة اضطرابه الداخلي من خوفه لفقدانها أو حتى بعدها عنه. لا يتخيل ولا يريد أن يتخيل بأن يدلف يومًا إلى الفيلا ولا يجدها. لا يتخيل أبدًا فراغ أرجوحتها منها كل ليلة. لا يتخيل أن يمر يوم دون أن يضمها إليه بهذه الطريقة. لم ينتبه لكونه يضمها أكثر وأكثر كلما زادت مخاوفه، بينما تماسكت غرام حتى لا تئن بين ذراعيه من ألم ضغطه على جسدها، فهي تعلم جيدًا مدى حبه وتعلقه بها كما تعلم مخاوفه.
بدأت ذراعاه ترتخي حولها بهدوء وهو ينظر لها بتعب:
- أنا هطلع أنام.
غرام:
- ماشي يا حبيبي يلا اطلع.
صعد لغرفته في صمت، بينما تنهدت هي بحزن على حال أخيها.
🌸 مسير كل اللي هده الحزن يتجدد 🌸
أتت الليلة المنتظرة بالنسبة للفتيات جميعًا. الليلة هي حفل خطبة فاتن وعاصم.
دلف عاصم للفيلا وطرق بهدوء على باب غرفة فاتن، والتي تجلس مع الفتيات يضعن لها اللمسات الأخيرة.
وقفت بتوتر حينما سمعت طرقات الباب.
ابتسمت لها دالين بحب، ثم ذهبت وفتحت الباب بهدوء وهي تنظر لعاصم بابتسامة سعيدة.
عاصم:
- فين عروستي؟ وبعدين هنبقى نبتسم أنا وأنتي بعدين.
ضحكت دالين بقوة ثم قامت بفتح الباب على مصراعيه لتتبين له فاتن من بين الفتيات بطلتها الساحرة لعينيه. بفستانها الموف وفورمة شعرها البسيطة وكذلك الميك أب الخفيف على وجهها الملائكي.
اقترب منها وأمسك بيدها وقبلها برقة وهو يتمتم بهدوء:
- قمري.
تسربت الحمرة لوجنتيها وهي تنظر للأرض في محاولة يائسة لأن تخفي عينيها عن عينيه. رفع وجهها بطرف إصبعه لتتلاقى عينيهما بحب.
عاصم:
- مش قلتيلي رأيك في البدلة.
نزلت فاتن بناظريها له وهي تتفحص حلته ذات البنطال الأسود والقميص الأبيض يعلوه جاكت أبيض بياقة سوداء تصل لنهاية صدره، تاركًا بداية أزرار قميصه مفتوحة، وشعره يرفعه للأعلى في تسريحة تعشقها كثيرًا.
تمتمت ببعض الخجل:
- حلوة أوي.
عاصم وهو يمسك بيدها:
- والله أنتي اللي حلوة أوي.
أخذها وخرج بهدوء دالفًا من بوابة الورود التي قامت الفتيات بصنعها وقامت دالين بإحضار ستائر رقيقة من خيوط رفيعة تتعلق بها قلوب حمراء. أزاحها عاصم بيده، ومرَّ بفاتن ليبدأ الحضور بالتصفيق وشدا وبدور ودالين من خلفهما ينثرون الورود حولهما، بينما حازم وبعض أصدقائه يطلقون أصوات صفير عالٍ.
ابتسمت فاتن بدموع وهي ترى هذا الكم من البهجة حولها.
أخذا يسيران في الممر الذي خصصته الفتيات لمرورهما والذي يُفرش بسجاد أبيض طويل يصل حتى مكان جلوسهما ويُحاط من الجانبين بقصاري من الورود الحمراء والبيضاء.
بينما يمتلئ حمام السباحة بالبلالين التي تُحيط شيئًا ما. تبين لها أنه اسمها واسم عاصم بالورود البيضاء وبينهما قلبين متداخلين من الورود الحمراء، وتزينت حواف حمام السباحة نفسه بالشموع الحمراء.
وصلا للمكان المخصص لجلوسهما لتلمح تلك الصور التي تملأ الستائر الخلفية لمكان جلوسهما. كانت عبارة عن العديد والعديد من الصور الخاصة بفاتن وعاصم في مراحل عمرية مختلفة، وجميعها تمتلك ذكرى خاصة لكليهما.
بدأت الدموع تتجمع بمقلتيها في سعادة وهي تنظر لتلك الأضواء الحمراء والزرقاء والخضراء والصفراء المسلطة على الستائر الجانبية لمقعديهما.
جلس كلاهما بهدوء لبعض الوقت قبل أن تبدأ التهنئات والمباركات.
بينما جلست شدا ودالين وبدور إلى إحدى الطاولات وهن ينظرن تجاههما بسعادة.
حازم من خلفهم:
- شوية نجوم قاعدين يا جدعان. إيه ده!!
ابتسمت دالين وهي تتمتم بمرح:
- زوما، إيه ده بجد الكحلي عليك يجنن.
حازم بتلقائية ذهبت عيناه على بدور التي هربت بعينيها فور أن نظر لها لتخفي نظرات الإعجاب التي ظهرت على ملامحها. ابتسم بحزن فهي لا تهتم لأمره، ثم جلس إلى جوار شدا بهدوء.
شدا:
- جبت الكاميرا مش كده؟
حازم:
- طبعًا، ودي حاجة تتنسي بردو! بس إيه؟ العنابي هياكل منك حتة.
شدا بضحكة:
- لا يا شيخ.
ابتسم حازم وهو يشير إلى دالين:
- والكشمير على دالين يجنن بردو. أول مرة أشوفها بفستان مش أزرق.
شدا بترقب:
- وبدور؟
حازم بسرعة وتلقائية:
- لا بدور دي حاجة لوحدها كده ما تتصنفش تبع قائمة الجمال. دي تبع قائمة نجمة الجميلات.
رفعت شدا إحدى حاجبيها:
- لا يا راجل.
انتبه حازم لما تفوه به فضحك بتوتر وهو يتابع بمرح:
- طبعًا عشان أصغر واحدة فيكوا.
شدا بهدوء:
- آه، بحسب يعني.
تحمحم حازم ثم تحدث مجددًا:
- طب إيه، مش هتقوموا تجيبوا فاتن عشان نبدأ تصوير ولا إيه؟
شدا:
- أيوه يلا.
ذهبت شدا ولحقت بها دالين وحينما وقفت بدور وكانت على وشك اللحاق بهما أتاها صوتها الغاضب:
- إيه ده يا بدور؟
بدور بتساؤل:
- إيه؟!!
حازم مغمضًا عينيه بضيق:
- ولا حاجة. روحي للبنات.
ذهبت بدور دون أن تتحدث فهي لا تعلم سبب انزعاجه.
بينما كز حازم على أسنانه بضيق وهو يتمتم:
- يعني مش كفاية من غير دراعات وكمان قصير. لا وأنا اللي بقول نجمة الجميلات على أساس إنه طويل. يا ريتك ما وقفتي. والله لأطلعه عليكي بلا أزرق يا بدور.
ذهبت الفتيات وأخذن فاتن وتركن عاصم مع بعض أصدقائه. وبدأ حازم بالتقاط العديد والعديد من الصور لهم معًا في أوضاع مختلفة، وشاركهم عاصم الصور وكذلك حازم الذي كلَّف أحد الأصدقاء بالتقاط الصور لهم معًا.
🌸 سيب اللي جاي لربنا وما يهمكش 🌸
كان يقف في ذاك المكان المظلم بجانبه صديقه، يزفر بين الحين والآخر بضيق.
عمرو بنفاذ صبر:
- يووه يا لؤي، ما تبطل نفخ يا أخي الله.
لؤي بضيق:
- أنت مش شايف اللي إحنا فيه! أنا إيه اللي خلاني أقبل الزفتة دي.
عمرو بسرعة:
- لؤي، جت الإشارة. يلا اتحرك.
تحرك لؤي وعمرو بسيارة لؤي تجاه هدف الحماية، يليهم سيارة أخرى بداخلها فريق الحماية الذي أسسه لؤي لإتمام مهمة حماية رجل الأعمال الكبير محمد الدالي، فهو يمتلك معلومات مهمة جدًا تدين أحد السياسيين الكبار، وحياته معرضة للخطر، وتمت حمايته برجاله وببعض رجال الشرطة أيضًا حتى يصل سالمًا لمكتب اللواء الذي سيستلم منه تلك المعلومات، وقد طلب اللواء أمجد السويدي من لؤي حمايته من بعيد ومراقبة الوضع، وإن حدثت أي أزمات سيتدخل.
بدا المكان هادئًا، ويبدو أنه هدوء ما قبل العاصفة، هذا ما خمَّنه لؤي. وقبل أن يبوح بما يجول بأفكاره لصديقه فإذا به يتلقى إشارة هجوم على الهدف المراد حمايته.
اقترب لؤي ومن معه من موقع الهجوم وأعطى الأوامر لفريقه كي يتحرك بالدفاع، وبالفعل بدأ الهجوم والدفاع بإطلاق النيران.
تحرك لؤي وعمرو باتجاهين متعاكسين واقتربا من موقع الهجوم، واستطاع لؤي بمهارة أن يتفادى الطلقات النارية حتى استطاع الوصول للسيارة التي يجلس بداخلها هدف الحماية. قام بفتح الباب الخلفي ثم أشار برأسه كي يتبعه، لكن الرجل لم يتحرك، فهو لا يعلم هوية لؤي.
رفع سلاحه أمام وجه لؤي وهو يقول بتوتر:
- أ أنت مين؟ عايز إيه؟
لؤي بنفاذ صبر وهو يخرج شارته:
- أنا العميد لؤي الراوي. اتفضل بسرعة لازم أنقلك من هنا.
تحرك الرجل بعد وقت ليس بطويل، وبدأ عمرو بتأمين ظهر لؤي الذي يحمي الرجل بجسده، فهو يطلق الرصاص على من يراه أمامه بشكل حيوي. بقي هكذا حتى وصل لمكان سيارته وقام بإدخال هدف الحماية إليها وأغلقها بعده، وقد كانت مصفحة ضد الرصاص.
تحرك بعدها ليحضر فريقه وينسحبوا بسرعة، لكن بمجرد أن تحرك خطوتين عن سيارته حتى أتته رصاصة من خلفه لتستقر داخل كتفه، جعلته يئن بصمت، وفي حركة سريعة أشهر سلاحه للخلف ضاربًا به على من أطلق عليه حتى خرَّ صريعًا بسبب اختراق الرصاصة لرأسه مباشرة.
تماسك لؤي وبدأ يتحرك بسرعة وخفة حتى وصل لمكان الهجوم وقد رأى انسحاب المهاجمين، وإصابة بعض من فريقه وكذلك إصابة العديد من المهاجمين.
أتاه عمرو راكضًا حينما رآه ينزف:
- لؤي!! لؤي أنت بتنزف!!
لؤي محاولًا التماسك:
- أنا كويس ما تقلقش. يلا اسحب القوة بسرعة. الراجل معايا.
تحرك عمرو وقام بنقل المصابين مع من نجوا من الهجوم، ثم استقل سيارة لؤي وقادها بسرعة حتى يُسلموا الرجل للواء ثم الذهاب للمستشفى لمعالجة جرح لؤي.
🌸 نسيب لربنا كل صعب يسهله 🌸
كانت تجلس وهي تعض أظافرها بتوتر واضح، فمن المفترض أن يأتي عمرو الآن، وهاتفه مغلق. أخبرها بأنه سيخرج في مهمة لن تستغرق منه الكثير وسيعود منها إليها مباشرة.
تحول التوتر لقلق حينما هاتفت فِراس لعدة مرات لكنه لا يُجيب.
السيدة نجوان بهدوء:
يا حبيبتي ليه القلق بس؟!
غرام وهي على وشك البكاء:
يا ماما المفروض عمرو انتهى من مهمته دلوقتي، هو قالي مش هيتأخر، وفِراس كمان اتأخر أوي ومبيردش على تليفونه.
أنهت عبارتها تزامناً مع صوت وصول إحدى السيارات، لتندفع من فورها إلى الخارج وهي تركض تجاه عمرو الذي فتح ذراعيه لها لتلقي بنفسها بين أحضانه، ثم خرجت تنهيدة طويلة تنم عن ارتياحها الآن برؤيته.
ضحك بهدوء وهو يربت على ظهرها بحنان:
حبيبتي أنا آسف إني قلقتك كده، بس لؤي صاحبي اتصاب ووديته المستشفى ورجعت روحته، ده اللي أخرني.
شهقت غرام بخوف وهي تتفحصه:
وإنت؟! إنت حصلك حاجة؟!
ابتسم بهدوء وهو يطبع قبلة رقيقة على جبينها:
لا يا حبيبتي أنا كويس قدامك أهو.
تابع ليضحكها:
وبعدين ابعدي عني شوية كده وخلي بينا فاصل مش أقل من اتنين متر، عشان مش عاوز فِراس يتعصب.
ضحكت بخفة ثم أمسكت بذراعه ودلفا للفيلا حيث استقبلته والدتها بالترحاب.
🌸 جايز حياتك تُجبر بعدين 🌸
كانت الفتيات يحضرن الطعام من البوفيه الخاص بالحفل وهما في قمة السعادة.
أتى لهن حازم الذي نظر لبدور شزراً مما جعلها تعقد حاجبيها بعدم فهم، فهو غاضب منها لسبب لا تعلمه.
حازم بهدوء:
عاصم عايز فاتن، في مفاجأة مستنياها.
فاتن بسرعة:
إيه هيا؟!
حازم بضحكة:
لا أنا مش عايز أتعلق، تعالي اعرفي بنفسك.
ابتسمت الفتيات فيما بينهم فهم يعرفون المفاجأة، لكن ما لا يعلمونه هو رد فعل فاتن عليها، ربما تسقط بينهم فاقدة للوعي من فرط السعادة، تحركن أربعتهن حيث عاصم والبقية.
فاتن وهي ترى أحد الشيوخ يجلس على مقعد وبجانبه والدها ووالد عاصم، لم تستطع أن تستعمل عقلها في تلك اللحظة لتخمن ما يحدث، لكنها شهقت بقوة حينما اقترب عاصم من أذنها وهو يقول بهدوء:
النهارده هتبقي مراتي رسمي.
فاتن وهي تضع يدها على فمها بعدم استيعاب:
عـ عـ عاصم، إ إنت هتكتب كتابنا النهارده؟!
عاصم بمزاح:
لا يا حياتي، مش أنا اللي هكتبه، المأذون هو اللي هيكتبه.
اقتربت دالين بسرعة وحاوطتها حينما شعرت بأنها ستفقد توازنها في أية لحظة.
دالين بسخط:
مفاجأتك هتجبلها سكتة قلبية.
عاصم وهو يمسك بيد فاتن التي تنظر لعمق عينيه بدموع وعدم تصديق:
حبيبتي تعالي يلا، المأذون هنا من بدري.
ذهبت معه وهي تحاول استيعاب ما يحدث.
تم كتب الكتاب وبدأت التهاني من جديد.
قبلتها والدتها بروتينية وكأنها ليست ابنتها، على عكس والدات صديقاتها اللاتي صافحنها وقمن باحتضانها وهنأنها بسعادة بدت جلية في مباركاتهن.
اقتربت الفتيات الثلاث وهن ينظرن لها بمشاكسة:
وبقيتي مدام عاصم يا توناااا.
فاتن بضحكة ولا تزال تحت تأثير الدهشة وعدم الاستيعاب:
آه، الكل بيقول كده.
ضحكت الفتيات وحازم وعاصم عليها.
بدأت رقصة السلو، مد عاصم يده لفاتن بحب:
تسمحيلي؟
فاتن بابتسامة وهي تمد يدها ليده:
طبعاً.
بدآ الرقصة بانسجام رائع.
عاصم بهدوء:
بحبك.
فاتن بخجل:
وأنا كمان، بحبك، بحبك أوي يا عاصم، بحبك وعمري ما حبيت قبلك ولا هحب بعدك، قلبي مليان بِحبِك، روحي متشبعه بتفاصيلك، حياتي مركزها فيك، عقلي وتفكيره تايهين في لون عينيك، بحبك ومعاك بس قلبي عرف معنى كلمة حب.
ابتسم لها عاصم بهدوء وهو يتمتم بمزاح:
كل ده شيلاه في قلبك وساكتة!
ابتسمت بخجل وهي تتمتم:
ما خلاص بقى بقيت مراتك ولازم أقولك كل مشاعري وأفتحلك ورقي.
ضحك بهدوء وهو يضمها إليه أكثر قائلاً بهدوء:
أنا بقى بشوفك بنتي قبل حبيبتي، فاكر كل ذكرياتنا وإحنا صغيرين، فاكر لما كنت أقولك ده صح وده غلط، فاكر لما قلتلك لأول مرة يا تونايتي، وقتها اتأكدت من مشاعري ناحيتك وعزمت إني أخليكي ملكي، وبدأت ملكيتي ليكي باسمك، تونايتي.
حبيت فيكي براءتك وسذاجتك، طيبتك وهبلك، هدوئك وجنانك، حبيت تفاصيلك صغيرة وكبيرة، عشقت عيوبك قبل مميزاتك، حتى غباوتك في بعض الأحيان.
ضربته بخفة على صدره:
أنا غبية؟!
عاصم بضحكة:
أجمل غبية في الكون كله.
في جانب آخر من نفس المكان.
تقف السيدة سمر والدة فاتن مع أحدهم يتبادلون أطراف الحديث.
الشخص:
الليلة ليا يا سمر.
سمر:
مش هينفع، لازم على الأقل فاتن تشوفني جنبها الليلا دي، ما أنت عارف.
الشخص:
مليش فيه، أصلاً فاتن وعاصم في عالم تاني، وهو مش هيسيبها النهار ده، أكيد لازم هيخرجوا، أقولك، يلا بينا.
سمر:
يلا فين؟!
الشخص:
يلا هنقضي ليلة بره وهرجعك آخر الليل لبنتك وتباتي في حضنها.
أنهى جملته بغمزة من عينه، لتبتسم هي وهي تقول بدلال:
متكسفنيش.
ضحك الشخص بقوة قبل أن يتحركا متسللين من الحفل إلى حيث تجمعهم ملذاتهم المحرمة، وقد نسيا تماماً بأن هناك رقيب على أفعالهما وسيحاسبهما في الدنيا قبل الآخرة.
بينما لدى الفتيات، فقد جلسوا جميعاً يتناولون الطعام وهم ينظرون تجاه الثنائي الخاص بهذه الليلة المميزة.
تحركت بدور تجاه البوفيه حينما لمحت حازم هناك بحجة أنها ستأتي بمشروب ما، وفي الواقع هي تريد معرفة سبب غضبه منها.
توقفت تطلب عصيراً بارداً ليأتيها صوته من الخلف:
الفستان حلو أوي ولونه يجنن.
ابتسمت بهدوء وآثرت الصمت، فتابع وقد بدا الضيق في لهجته:
بس قصير بطريقة مبالغ فيها، ليه مجبتيش زي دالين وفاتن، شكلهم حلو أوي بيه.
لم يكن يعلم بأنه أشعل غيرتها الآن بذكره لأخريات، حتى وإن كُنَّ صديقاتها، التفتت إليه ودحجته بنظرات حارقة ثم تحركت من أمامه بغضب دون أن تتفوه بأي حرف، وقد دلفت لداخل الفيلا بعيداً عن أجواء الحفل، وقد لاحظت دالين ما حدث بينهما دون أن تعلم تفاصيله، نظرت لحازم بهدوء لتطمئنه بأنها ستراها، ثم نظرت لشدا المنشغلة بهاتفها:
شدا أنا هدخل جوه دقيقة وآجي.
أومأت شدا بصمت فتحركت دالين للداخل لترى ما حدث مع بدور.
دلفت إليها لتجدها قد خرجت من دورة المياه الخاصة بغرفة فاتن.
دالين بهدوء:
بدور في إيه؟ إيه اللي حصل؟
بدور بجمود:
مفيش حاجة.
دالين بإصرار:
بدور إنتِ مش صحبتي بس، إنتِ كمان أختي الصغيرة، وإنتِ عارفة إننا كلنا أخوات هنا، ليه بقى الفوارق دي؟ وبعدين لو مفضفضتيش معانا هتفضفضي لمين؟ ها بقى، الواد حازم مزعلك في إيه، وأنا أنزل أروقهولك.
ابتسمت باصطناع وهي تتمتم:
مفيش حاجة يا دالين، أنا بطني وجعتني بس وجيت الحمام، وخلاص هننزل سوا أهو.
لم تُرِد دالين أن تضغط عليها أكثر فابتسمت بمناغشة:
طب يلا بينا يا حلو يا أبيض يا مسكر إنتِ.
ضحكت بدور على لهجتها ثم تحركت خلفها، ولكن قبل أن تنزل أولى خطوات الدرج فإذا بحذائها قد التوى أسفلها لتفقد السيطرة على نفسها وأخذت الدرج بأكمله دحرجة حتى وصلت آخره وهي جالسة تئن بألم وهي تمسك بكاحلها.
شهقت دالين وهي تراها تتدحرج هكذا فنزلت مسرعة إليها، ثم ركضت للخارج وهي تنادي حازم الذي أتى سريعاً وتحرك تجاهها بلهفة حينما رآها تبكي بألم:
مالك؟ إي بيوجعك؟
بدور بضعف:
رجلي، رجلي مش قادرة.
حازم بدون أي مقدمات قام بحملها بين ذراعيه وهو يوجه حديثه لدالين:
دالين بسرعة أنا هطلع من الباب الخلفي عشان منلفتش الأنظار وإنتِ اخرجي من هنا وهاتي عربيتي وقابليني، لازم نروح المستشفى بسرعة.
وقبل أن يسمع ردها كان قد ذهب من أمامها فتحركت هي الأخرى وفعلت ما طلب.
أخذها كلاهما واتجها للمستشفى سريعاً وقام الطبيب بطمأنتهما فقد كان مجرد التواء بسيط، يحتاج للراحة ودهان فقط.
تنهدت دالين بارتياح وحازم كذلك، ثم دلفا إليها.
نظرت لهما وبمجرد أن وقعت عينيها على حازم أدارت وجهها سريعاً، لا تعلم أهو خجلاً منه بسبب حمله لها، أم ضيقاً لكونه قد تحدث عن جمال ما ترتديه صديقاتها، لكن ما تعلمه أنها لا تريد رؤيته في هذا الوقت تحديداً.
دالين وقد لاحظت التوتر بينهما، فقررت أن تترك لهما مساحة ليتحدثا، فربما هناك سوء فهم حدث بينهما.
دالين بهدوء:
هعمل تليفون ضروري بره وآجي أوك؟
أومأ حازم بصمت فتحركت هي للخارج ثم أخذتها قدماها مباشرة لخارج المستشفى، ولا تعلم لما خرجت من الأساس، ربما خرجت لقدرها الذي كُتب لها.
🌸 ابتسم للدنيا، جايز تمشي زي ما كنت إنت عايز 🌸
خرج من غرفة العمليات وقام بإخبار عائلة المريض بأنهم قد فقدوه، قدم تعزيته لهم وغادر.
دلف لغرفته بإنهاك ثم تفحص هاتفه ليجد محاولات عديدة من غرام في الاتصال به، تذكر بأنها أخبرته بقدوم عمرو الليلة، زفر بضيق، ثم قام بغسل يديه ووجهه، واستعد للذهاب، لكنه لا يعلم بأن القدر سيلعب لعبته الآن في حياته التي ستتغير مجراها تماماً مع مرور تلك الليلة.
🌸 نسيب لربنا كل صعب يسهله 🌸
انتهى الحفل وذهب الجميع وبقيت فاتن وعاصم معاً.
تناولوا العشاء، ثم ذهب عاصم على وعد بأن يمر عليها في الصباح قبل ذهابه للشركة.
قامت بتبديل ملابسها لأخرى بيتية مريحة، واستعدت للنوم، لكن صدح صوت هاتفها يعلن عن اتصال عاجل. نظرت إليه لتجدها بدور.
فاتن بنعاس:
هممم.
بدور:
فاتن، مش لاقيين دالين.
اعتدلت فاتن وهي تقول بعدم فهم:
يعني إيه مش لاقيين دالين؟
بدور:
معرفش، مش لاقيينها.
فاتن بقلق:
انتوا فين؟
بدور:
في بيت دالين.
فاتن:
أنا جاية حالًا.
أغلقت الهاتف ثم نهضت بسرعة وارتدت أول شيء طالته يداها، ثم خرجت بسرعة متجهة لمنزل دالين.
بعد أن رحبت به السيدة جومانه، استأذن بالجلوس في الحديقة مع غرام لبعض الوقت.
خرج كلاهما وبدآ يتحدثان في العديد من الأمور، حتى صدح صوت والدتها تخبرهما بأن العشاء جاهز. دلف كلاهما، وبين كل برهة وأخرى تلقي غرام نظرة على البوابة الخارجية، فربما يأتي فراس في أية لحظة ليزيح عن صدرها هذا القلق، لكن تعود عيناها خائبة فيزداد حزنها.
عمرو وهو يمسك يدها:
مالكِ؟ إيه مزعلكِ؟
غرام بابتسامة مغتصبة:
أبدًا يا حبيبي، مش زعلانة.
صدح صوت فراس لينتشلها من حزنها فتتبدل ملامحها بالكامل للسعادة والبهجة.
فراس:
اوعوا تكونوا كلتوا من غيري.
ذهبت غرام إليه وتعلقت بعنقه بسعادة وهي تتمتم في أذنه:
شكرًا أوي إنك جيت، بجد شكرًا.
حاوطها مقبلًا خصلاتها متمتمًا:
أنتِ بتشكريني على إيه يا غرام، أنتِ أختي وبنتي، ما سمعكيش تقولي كده تاني.
قبلته في وجنته ودلفا ليتبادل كل من فراس وعمرو السلام، ثم جلس فراس بجانب والدته بينما غرام بجانب عمرو، وبدأوا جميعًا في تناول طعامهم في صمت قاطعه صوت غرام:
فراس!
نظر لها بتساؤل، فأشارت برأسها إلى إصبع بنصرة وهي تتابع:
فين الخاتم بتاعك؟
فراس وقد تجهم وجهه:
مش عارف، جايز وقع أو نسيته في المكتب أو الأوضة.
غرام:
ولا يهمك يا حبيبي، أنا هجيبلك غيره لو ما لقيناهوش.
قاطعهما صوت هاتف عمرو الذي أضاءت شاشته باسم "لؤي".
عمرو بهدوء:
لؤي، أنا ما صدقت أشوف مراتـ...
ابتلع باقي جملته وهو يقوم بسرعة حاملًا مفاتيحه بعدما قاطعه لؤي بقوله:
في حادثة على طريق مصر إسكندرية الصحراوي، وعماد هناك وقالي إنها مش مجرد حادثة دي جريمة.
عمرو:
أنا جاي حالًا.
نظر لهم باعتذار:
أنا بجد آسف، بس لازم أمشي دلوقتي.
غرام وهي تمسك بيده:
فيه إيه يا عمرو؟ حصل حاجة؟
عمرو وهو يقبل جبينها بهدوء:
حبيبتي ما تقلقيش، حادثة على الطريق بس، هنحقق فيها وهطمنك أول ما أخلص.
غرام بسرعة:
طمني ها، مش هنام، هستنى تليفونك.
أومأ برأسه ثم غادر سريعًا، تاركًا خلفه غرام القلقة، وفراس المترقب لما سيحدث.
أصوات سيارات الشرطة التي تعاين موقع الحادث، وسيارة الإسعاف تتحرك باتجاه المشرحة لفحص الجثة وإثبات هويتها، وصوت تلك الكاميرا التي تلتقط الصور بواسطة ذاك الخبير المختص والذي يحاول جمع كل المستمسكات الخاصة بالحادث لمعاينتها والتحقق منها.
ومن بينهم جميعًا يأتي صوته الذي تميزه تلك البحة الخفيفة وهو يعطي الأوامر كي ينتهوا من معاينة مكان الحادث بتدقيق.
أتاه صوت من الخلف ليخبره بأنهم سيفقدون السيطرة على الصحفيين، فذهب تجاههم بغضب ومن ثم عاد بإرهاق وهو يمسد بين عينيه بتعب ناظرًا لعمرو الذي حضر للتو:
ما تبصليش كده، أنا مالي، شغلنا اللي ابن كلب ما بيرحمش.
عمرو بضيق:
وهو خلاص اللي جاي يتهبب يعمل جريمة زي دي ما استناش يوم ولا اتنين نشم نفسنا ليه؟
كاد يتحدث لؤي ولكن اقترب منه أحد أفراد المعمل الجنائي وهو يقدم له ذاك الخاتم الفضي وهو يعرب عن كونه يحمل حرفي F و G.
لؤي:
تمام، حطه مع باقي الأدلة للفحص.
عمرو مضيقًا عينيه وهو ينظر للخاتم بتدقيق وقلب مضطرب متذكرًا سؤال غرام لفراس عن خاتمه وإخباره إياها بأنه ربما أضاعه أو نسيه في مكان ما، وكذلك كونه يحمل حرفي اسمي غرام وفراس، إضافة لكونه هو من اختار ذاك الخاتم مع غرام لتهديه لأخيها يوم عيد مولدهما السابق، أخذ يتساءل في نفسه:
معقول هو نفسه بتاع فراس؟
قاطع شروده صوت لؤي:
خليك متابع هنا، وأنا هروح أشوف إيه اللي تم في المشرحة.
عمرو:
لو احتجت حاجة كلمني.
لؤي وهو يغادر:
تمام، وأنت برضه.
استقل سيارته متجهًا لوجهته وهو يسند رأسه على ظهر كرسيه بتعب، فهو لم يذق طعم الراحة منذ يومين بسبب انشغاله بإحدى القضايا، والتي ما لبث أن انتهى منها لتأتي هذه القضية هي الأخرى لتقضي على المتبقي لديه من قدرة على المواصلة. زفر بضيق وهو يغلق باب السيارة بعد وصوله زافرًا بقوة محاولًا تهدئة أنفاسه المختنقة.
كانت تجلس وهي تنظر أمامها بأعين شاردة خائفة، وبجانبها صديقات ابنتها ولا تختلف حالتهم عن حالتها كثيرًا.
قطع صمتهم صوت هاتف شدا الذي أعلن عن اتصال من مرافقها الصحفي.
رواية ضمير ميت الفصل الرابع 4 - بقلم دنيا آلشملول
الحلقة الرابعة:
تحرك من مقعده حينما دلف صديقه طبيب المشرحة.
لؤي:
رامي.. خلصلي كل إجراءات الجثة اللي جاتلك دي.. قبل أي حاجة.
رامي بهدوء:
من غير ما تقول يا لؤي.. هي حاليًا في المشرحة من وقت ما وصلت.. شوية وقت بس عشان أقدر أقولك اللي يفيدك.
لؤي بتعب:
الموضوع هيطول؟
رامي:
لا مش هيطول ولا حاجة.. الجثة جاية متفحمة بالكامل يا لؤي.. وعشان نقدر نحدد نسبها هتبقى DNA مش بالتعرف على ملامحها.. لأن ما لهاش ملامح أصلًا.. وفي الحالة دي ما أعرفش إمتى هنعمل التحليل ده.. أما التحاليل التانية فعشان نعرف إذا اتقتل وبعدين اتحرق.. أو ناخد أي عينات من ع الجثة تفيدك في التحقيق.
لؤي:
المهم خلصلي الليلة دي.. أنا رايح القسم.
رامي:
تمام.. وأنا أي جديد هكلمك على طول.
أماء لؤي بصمت ثم غادر الغرفة.. لكن أوقفه صوتها المترجي:
أنا مش عايزة منك غير تطمني.. أرجوك.
استدار ليواجه زيتونيتيها التي تتلألأ الدموع بها.
لؤي:
أنتِ مين يا آنسة؟.. وبعدين مهتمة قوي ليه كده؟
شدا محاولة السيطرة على هدوئها:
حضرتك أنا.. أنا اسمي شدا.. وصاحبتي كانت معانا في حفلة خطوبة صاحبتنا.. وبعدين راحت المستشفى عشان أختي رجليها اتلوت.. وخرجت على أساس هتعمل تليفون.. ولما اتأخرت صديقي اتصل بيها وقالت له إنها روحت.. بس الصوت ما كانش صوتها فهو لما شك اتصل تاني بس لقى فونها مقفول وكلمني ولما رحت لها البيت.. طنط قالت لي إنها ما رجعتش أبدًا.. ومن وقتها اختفت.. تليفونها مقفول وما لهاش أثر.. وأنا صحفية وجئت مكان الحادثة بحكم شغلي.. بس.. بس العربية.. العربية تشبه عربية دالين.
هنا وانفجرت في البكاء.. بينما وقف هو لا يدري ماذا يفعل..
لؤي بهدوء:
اهدي لو سمحتِ.. ما بلغتش عن اختفائها ليه طيب؟
نظرت له بتهكم ثم احتد صوتها فجأة وهي تقول:
هو أنت متأكد إنك ظابط شرطة؟
عقد لؤي حاجبيه ناظرًا لها بعدم فهم.. فنظرت له بضيق وهي تتابع:
ما حدش هيساعدنا قبل ٢٤ ساعة ولا أنت مش عارف!
استطاع أن يدرك سخافة سؤاله..
لكنه انتبه لشيء ما:
أنتِ بتقولي إنها عربية تشبه عربية صاحبتك؟!
شدا بسرعة:
أيوه أيوه.
لؤي:
بس الجثة اللي كانت في العربية جثة راجل.
شدا وقد تراخت تعابيرها وأخذت تنظر له بضياع:
يـ يعني إيه؟.. أنت بتتكلم جد!
لؤي:
أمال ههزر معاكِ.
شدا من فرط سعادتها تركته وذهبت راكضة مما جعله ينظر في أثرها رافعًا حاجبيه بدهشة وهو يتمتم:
يا بنت المجانين.
أخذت ترمش عدة مرات وهي تجاهد لفتح عينيها المرهقتين.. بدت الرؤية مشوشة بعض الشيء.. وشيئًا فشيئًا اتضح لها سقف الغرفة ذو اللون الأبيض والذي يتوسطه نجفة من حبات اللؤلؤ ذات الطبقات ومن حولها مصابيح إضاءة من اللونين الأخضر والأزرق.. أخذت عينيها تتجول داخل الغرفة التي تمتلئ بالأجهزة وكأنها غرفة مستشفى.. لكن مظهرها لا يوحي بذلك.. فقط الأجهزة هي التي تشعرك بأجواء المستشفيات.
تحركت رأسها لليسار لتجده يوليها ظهره وينظر من الشرفة بهدوء.. فزعت واعتدلت فجأة فتأوهت بضعف نتيجة حركتها السريعة.
استدار ببرود لتتواجه عيناه العسليتان الحادتان مع عينيها الزرقاوين المهتزة بخوف.
أخذت تنظر له بترقب وهي تحاول تذكر ما حدث معها.. ولكن لا شيء.. آخر شيء تتذكره أنها تركت بدور وحازم في غرفة المستشفى لإعطائهما مساحة للحديث معًا وقد خرجت لتستنشق بعض الهواء ولكن فجأة وبدون سابق إنذار كممها أحدهم من الخلف لتذهب فورًا إلى اللاوعي حيث الظلام.. وفقط الظلام.
أفاقها صوته المبحوح من شرودها:
هتفضلي متنحة كده كتير؟
دالين بضعف:
أنا.. أنا.. أنا فين؟.. و.. و وأنت مين؟
ضحك بقوة أفزعتها وهو يرفع رأسه للأعلى ثم أخذت ضحكته في الانخفاض شيئًا فشيئًا مع تحرك رأسه للأسفل كلما انخفضت ضحكته.. وكأن تلك الحركة مرتبطة بضحكته.. حتى زالت وعاد وجهه للحدة والجمود مجددًا وكأنه لم يضحك من الأساس.
دالين بخوف:
أنت أنت مين.. أنا فين.. أنت عايز مني إيه؟.. حرام عليك أنا ما عملت لكش حاجة؟.. عايز مني إيه؟
اقترب منها بخطوات بطيئة وكأنه يتعمد أن يدب الخوف في قلبها.. وقد نجح في ذلك بالفعل.. عادت هي للخلف برجفة كرد فعل.. فوقف على مقربة من فراشها ومال عليها قليلًا ناظرًا في عينيها بقوة كأنه يحاول أن يستشف شيء ما بهما.. فرأى اهتزاز زرقاويتيها بفزع وارتجافها بخوف.. ابتسم بجانبية ثم اعتدل وهو ينظر لها بطرف عينيه قائلًا بجمود:
أنا اللي أنقذتك من اللي كانوا عايزين يموتوكِ.
وضعت دالين يدها على فمها بشهقة وهي تقول بخوف:
يـ يموتوني؟.. ليه؟.. م مين.. مين عايز يموتني؟
نظر لها ببرود ثم عاد للشرفة من جديد وأخذ يتحدث ببرود دون أن يلتفت إليها:
أنا اللي المفروض أسألك.. مين عايز يقتلك؟.. وليه حاول يقتلك؟
دالين وهي تهز رأسها للجانبين بعدم تصديق:
لا لا لا.. أنت.. أنت كذاب.. ما فيش الكلام ده.. أنا..
ابتلعت آخر كلماتها حينما رأت تلك النظرة الغاضبة والتي جعلت عيناه تزداد قتامة وهو ينظر لها بحدة..
أنزلت عينيها بخوف واستسلمت للإغماء من جديد.
زفر بضيق ثم خرج وأرسل الممرضة إليها لتهتم بشئونها بينما غادر هو الفيلا بأكملها متجهًا لإحدى الأماكن.. فهناك عدة أسئلة تدور في رأسه يجب أن يجد لها إجابة.
ألقى الهاتف بغضب وهو يلعن بصوت عالي:
شوية بهايم.. باعت شوية بهايم.
مهاب المساعد الخاص برأفت الصاوي وصديق عمره كذلك:
العمل إيه دلوقتي يا رأفت؟
رأفت بغضب:
أنا بس لو أعرف الحيوان اللي عمل كده.
مهاب:
هنعرف.. هنعرف أكيد.
رأفت:
اعرف لي التحقيقات وصلت لفين.
قبل أن يتحدث مهاب.. دلف آخر شخص ينتظر رأفت رؤيته.
مهاب بهدوء:
طب هقوم أنا وهجيلك وقت تاني يا رأفت.
تحرك مهاب تجاه الباب وقبل خروجه تمتم بابتسامة:
إزيك يا فراس يا ابني؟
فراس دون أن يحيد بنظره عن والده:
كويس.
ربت مهاب على كتف فراس ثم غادر الغرفة بهدوء.
رأفت وهو يقف مقابل فراس عاقدًا ذراعيه أمام صدره:
خير.
فراس محاولًا أن تبدو نبرته طبيعية:
إجازة.. عايز إجازة.
رأفت بنبرة ساخرة:
وده من إمتى إن شاء الله.
فراس:
من دلوقتي.. اعمل لي إجازة.. لأني لازم أتفرغ لغرام الفترة دي زي ما أنت عارف.
رأفت بتهكم:
ليه ست غرام أول ولا آخر واحدة هتتجوز؟.. وبعدين ناقصها إيه عشان تاخد إجازة قبل فرحها بشهر كامل؟
فراس:
أنت.. للأسف ناقصها أبوها.. وبما إن أبوها مش متفرغ لها أصلًا... فأنا هضطر أوفر لها أكبر وقت ممكن عشان ما تحسش بالنقص ولا تحس بفراغ وجودك.
ضحك رأفت بسخرية:
ماشي يا حنين.. على العموم اعمل اللي تحبه سعادتك.. بس وقت ما المستشفى تحتاجك يا ريت تركن عواطفك ناحية أختك على جنب وتؤدي واجبك كطبيب.
ابتسم فراس ابتسامة ساخرة وهو يتمتم:
طبعًا يا.. يا دكتور رأفت.
أنهى جملته وخرج من الغرفة دون أي إضافة وهو يود قتل أحدهم من فرط غضبه.
استقل سيارته واتجه بها إلى الشاطئ.. فربما يستطيع أن يهدئ من ثوران عقله الذي يعمل بطريقة تكاد تفقده صوابه.
وصل للشاطئ ونزل من سيارته وقام بالاتكاء على مقدمتها ناظرًا لأمواج البحر التي تتلاطم مع بعضها البعض.. يحاول التفكير فيما يحدث من حوله.. وما ستؤول إليه الأمور في نهاية المطاف.
قطع شروده صوت هاتفه الذي أعلن عن اتصال.. فأجاب بهدوء:
عمرو؟!
عمرو بجدية:
فراس لازم نتقابل.
فراس بتعجب:
حصل حاجة؟
عمرو:
لما نتقابل.
فراس:
تمام.. نصف ساعة في كافيه ( ... )
عمرو:
اتفقنا.. سلام.
أغلق فراس معه زافرًا بهدوء قبل أن يستقل سيارته متجهًا إلى الكافيه.
- يعني إيه يا ماجد.. بنتي فيييين؟
هذا ما تحدثت به حياة زوجة ماجد ووالدة دالين قبل أن يتحدث ماجد بحدة:
ما تهدي بقى يا حياة.. هي بنتك لوحدك؟.. ما هي بنتي أنا كمان.. الله.
حياة بتهديد:
أقسم بالله يا ماجد لو بنتي حصل لها حاجة هوديك وراء الشمس.
وقف ماجد بغضب فوقفت فاتن بينهما وهي تقول بخوف:
اهدى يا أنكل.. اهدى الله يكرمك.. معلش يا طنط والله كلنا أعصابنا تعبانة.. هترجع إن شاء الله.
قاطعهم صوت شدا التي يبدو وكأنها كانت تركض:
عمو ماجد.. لقينا عربية دالين.
ماجد بسرعة:
قصدك إيه بعربية دالين؟.. ودالين فين؟
شدا:
الخبر اللي نزل عن عربية عاملة حادثة ومشكوك في كونها بفعل فاعل.
كانت عربية دالين.
شهقت حياة وكذلك فاتن وبدور لتتابع شدا:
بس دالين مش فيها.
ألقت حياة بجسدها على المقعد خلفها وأغمضت عينيها براحة لم تدم حينما تابعت شدا:
بس كان فيها واحد ومات واتأخد ع المشرحة.. بس دالين مش عارفين مكانها.
تحرك ماجد من أمامهم جميعًا، وأخرج هاتفه وقام بعمل أكثر من اتصال.
بينما خرجت شدا مسرعة وأخذت سيارتها واتجهت لقسم الشرطة.
تحرك عاصم بسرعة حينما سمع بما حدث من فاتن وقام بمهاتفة شدا التي أخبرته أنها في طريقها لقسم الشرطة. أغلق معها على اتفاق بأن يتقابلا هناك، وهذا ما حدث بالفعل.
شدا:
كويس إنك جيت.
عاصم:
ليه مكلمتونيش من وقتها؟
شدا:
محدش كان فيه دماغ يا عاصم. المهم دلوقتي لازم نقابل اللي ماسك القضية دي. لازم نكون معاه خطوة بخطوة.
عاصم بهدوء:
تعالي معايا.
دلفا للقسم وسألا عن مكتب لؤي الأديب بعدما علمت شدا من حازم بأن من يمسك بتلك القضية هو لؤي الأديب.
طرق الباب فسمح لؤي للطارق بالدلوف.
أدى العسكري التحية وأخبره بأن المهندس عاصم الراوي والصحفية شدا المهندس يودان رؤيته.
لؤي بحدة:
أنت مش شايفني مشغول يا بني آدم أنت؟ صحافة إيه اللي بتتكلم عنها؟ غور قولهم مش فاضي.
قاطعه دلوف شدا التي يبدو من وجهها الغضب وكأن أحدهم قام بسبها الآن:
أنت من واجبك تقابل أي حد يجي مكتبك حتى لو القضايا فوق دماغك متلتلة. مش تقول مش فاضي. ثم إن إحنا هنا عشان القضية اللي سعادتك شغال فيها مش جايين نلعب.
ضرب لؤي المكتب أمامه بقبضته وهو يهدر:
أنتِ اتجننتي يا بت أنتِ؟! إزاي تدخلي مكتبي بالطريقة دي؟
شدا بتهكم:
والله أنت ما سبتليش طريقة تانية.
لؤي:
اطلعي بره.
دلف عاصم وأمسك بشدا من كتفها كي يهدئ من حدة الموقف، فهو يعلم بأن لؤي لن يكون في حالته الطبيعية أمام لسان شدا الغاضبة، وسيتحول المكان لكتلة من النيران التي ستخرج من أذن كليهما الآن.
عاصم بهدوء:
إحنا آسفين جدًا يا لؤي باشا. بس الموضوع يخص القضية اللي حضرتك شغال عليها.
هدأ لؤي بعض الشيء ثم أمر العسكري بالذهاب، وجلس عاصم وشدا أمامه في جو مشحون.
لؤي بترقب:
إيه اللي عندكوا يخص القضية؟
شدا بانفعال:
لا إحنا ما عندناش. أنت اللي عندك وهتقولنا دلوقتي.
أغمض لؤي عينيه بانفعال كز على أسنانه بغضب وهو يوجه حديثه لها بتهديد:
قسمًا بالله كلمة تانية منك وهحطك في الحجز بتهمة التعدي على شرطي بالسب.
جحظت عينيها بانفعال وكادت تتحدث وتعنفه إلا أن سبقها عاصم حينما أمسك بيدها وضغط عليها بقوة وأمسك هو بدفة الحوار:
أنا آسف مرة تانية يا فندم. حضرتك إحنا عرفنا بإن العربية اللي تعرضت للحادثة على طريق مصر إسكندرية الصحراوي هي نفسها عربية دالين الربيعي اللي اختفت إمبارح تمامًا. وعرفنا كمان إن الجثة اللي كانت في العربية جثة راجل مش بنت. فمن فضلك ساعدنا نعرف فين دالين وإيه حصلها.
لؤي بسخط موجهًا نظره لشدا التي تنظر أمامها بغضب مكبوت:
ما شاء الله الصحافة ما بتصدق.
نظرت له بعصبية وقبل أن تتحدث قاطعها عاصم مجددًا:
أرجوك يا لؤي باشا. دالين صديقتنا وأختنا ولازم نعرف إيه اللي حصل. أنا عارف حضرتك بتعمل اللي عليك وزيادة وربنا يكون في العون. بس إحنا اللي يهمنا دالين نتطمن عليها ونعرف هي فين.
لؤي بتنهيدة:
بما إنكوا اتعرفتوا على عربيتها وأجزمتوا كمان إنها ليها وده طبعًا قبل أصلًا ما التحقيقات تخلص. فأنا هحول مسار التحقيق بحيث ياخد دفتين. واحدة في البحث عن دالين دي والتانية تحقيق الحادثة. ودلوقتي عايز أعرف كل حاجة عنها.
شدا بعصبية:
أنت بني آدم بـ..
لم تكمل جملتها بسبب ضغط عاصم على يدها بقوة آلمتها فحولت حديثها لعاصم بغضب:
إيدي يا بني آدم.
عاصم بضيق:
شدا من فضلك ما تتكلميش غير لما تهدي. هو هيساعدنا.
زفرت شدا بضيق وتابعت حديثهم بصمت.
جلس على أحد المقاعد في انتظار عمرو حتى لمحه يدلف للمطعم باحثًا عنه فأشار بيده له حتى رآه وذهب تجاهه. جلس بهدوء وطلب قهوته. ثم نظر لفراس وكأنه يتحقق من شيء ما داخل عينيه، لكنه لم يجد سوى الثبات والجمود.
فراس بنفاذ صبر:
أنت جايبني عشان تبصلي؟
أخرج عمرو خاتم فضي من جيبه ووضعه أمام فراس على الطاولة دون أن يتحدث مراقبًا فراس الذي لم يتحرك ساكنًا ولم تتغير تعابير وجهه كذلك.
فراس:
إيه ده؟
عمرو:
مش ده خاتمك اللي سألتك عليه غرام إمبارح؟
مال فراس بجذعه إلى الطاولة وهو يقول بصوت خافت:
أنت بتحقق معايا؟
عمرو:
أنا ما بحققش معاك يا فراس. وأنا واثق إن في حاجة غلط. ولو مش واثق من ده ما كنتش أخدته من المعمل الجنائي وعرضت نفسي للخطر وجبتهولك عشان أسألك بنفسي وكنت هسيبها لحد ما هما اللي يجيبوك. وأظن كده أنت مديونلي بشرح تفصيلي للي يحصل ده.
زفر فراس بضيق ثم ارتشف قهوته بصمت طال.
عمرو:
فراس. أنا واثق فيك ومنك. بس أتمنى أنت كمان تثق فيا وتحكيلي اللي حصل قبل ما يحصل حاجة ويفلت الموضوع من إيدينا وساعتها مش هقدر أعملك حاجة.
فراس بضيق:
وأنا مش محتاج مساعدتك في حاجة.
عمرو:
فراس أنا ما بعرضش عليك مساعدة. بالعكس أنا جاي وطالب منك أنت تساعدني.
قطب فراس حاجبيه بعدم فهم فتابع عمرو:
القضية مش بتاعتي يا فراس بس أنا هساعد فيها. بلاش تحطني في موقف صعب مع غرام. لإن لو حصلك حاجة هي مش هتسامحني مهما حصل وهتشوفني مذنب. أنت فاهم قصدي صح؟
فراس بتنهيدة:
طيب يا عمرو. هحكيلك.
قص فراس ما حدث بالتفصيل لعمرو الذي ازدرد ريقه بتيه:
يعني إيه؟ أنا. أنا مش فاهم حاجة.
فراس:
اسمع يا عمرو. أنا قلتلك اللي حصل ده وعايزك تحط إيدك في إيدي لحد ما أوصل للحقيقة كاملة. مش عايز حقايق من الشرطة. عايز أوصلها بنفسي.
عمرو:
بس يا فراس اللي أنت قلته ده يدين أبوك. وكمان اللي بتتكلم فيه ده هيوصله للسجن.
فراس بتأكيد:
وصدقني لو حقيقي أنا بنفسي هسلمه.
لم ينكر عمرو إعجابه بشخصية فراس الآن. فمد يده لفراس وقال بهدوء:
اتفقنا. إيد واحدة؟
نظر فراس ليده الممدودة ثم مد يده هو الآخر وتمتم:
اتفقنا.
رمشت عدة مرات قبل أن تتضح لها الرؤية. بدأت دموعها في الهطول. فتقدمت الممرضة الأربعينية منها ووضعت يدها على كتفها مما أفزع دالين وتحركت للخلف بسرعة.
السيدة ابتهال:
اهدي يا بنتي. ما تقلقيش.
دالين بخوف:
أا أنتِ مين؟
ابتهال بابتسامة حنونة:
أنا اسمي ابتهال يا بنتي. ممرضة بس كبيرة زي ما أنتِ شايفة.
دالين:
طب. طب أنا فين؟
الممرضة ابتهال بهدوء:
أنتِ في أمان يا حبيبتي ما تخافيش.
دالين:
أنا. أنا عايزة أروح. أرجوكِ اعتبريني بنتك وخليني أروح.
ابتهال وقد حزنت لأجلها:
اهدي يا بنتي. صدقيني والله فراس بيه دكتور طيب وخلوق.
دالين:
فراس مين؟
ابتهال:
دكتور فراس ده اللي إحنا قاعدين دلوقتي في فيلته. هو دكتور جراح شاطر أوي وابن حلال ومحترم وفي حاله. هو اللي جابك هنا وبعت جابني عشان آخد بالي منك.
دالين:
طب. طب هو جابني هنا ليه؟
ابتهال:
ما أعرفش يا بنتي. هو اتصل بيا من شوية وزمانه على وصول.
قاطعهما صوته:
لا أنا وصلت فعلًا يا ست ابتهال.
وقفت ابتهال ونظرت له بابتسامة:
أهلًا يا دكتور. اتفضل حضرتك.
فراس:
شكرًا يا ست ابتهال. أنا جبت أكل تحت. إذا سمحتي بس افرديه وتعالي ساعديها عشان تنزل ونتغدى.
ابتهال بسرعة:
حاضر من عينيا.
ذهبت ابتهال للأسفل. بينما نظر فراس لدالين التي تكومت على نفسها وهي تنظر له بخوف مما أثار ضيقه:
هو أنا عملتلك حاجة لخوفك ده؟
دالين:
لـ لأ. بس. بس أنت مين وليه جايبني هنا. وإيه معنى كلامك الصبح إنك أنقذتني من ناس خطفوني؟
تنهد فراس ثم نظر لها بهدوء:
نتغدى وأقولك.
أومأت بهدوء. وبالفعل أتت ابتهال وساعدت دالين على الوقوف. فقاطعهما فراس بتقديمه حقيبة صغيرة لابتهال وهو يقول ناظرًا لدالين:
دي هدوم تقدري تلبسيها دلوقتي عشان تاخدي راحتك شوية.
نظرت له بامتنان فهي حقًا تشعر بالضيق من هذا الفستان ولكنها عقدت حاجبيها وهي تنظر له ببعض الخوف:
هو أنا هطول هنا؟
فراس متجاهلًا سؤالها:
ساعديها يا ست ابتهال وأنا هستناكوا تحت.
خرج بهدوء من الغرفة لتتنهد بضيق ثم دلفت لدورة المياه الملحقة بالغرفة وقامت بالاستحمام ثم ارتدت ما جلبه لها وكان عبارة عن بنطال أسود واسع يتزين من الجانب الأيسر بثلاث نجمات فضية وتيشرت أحمر بنصف أكمام تزينه من الأمام كلمة كتبت بالإنجليزيه باللون الأسود وتتزين أطراف الكلمة.
رواية ضمير ميت الفصل الخامس 5 - بقلم دنيا آلشملول
كان يقطع مكتبه في فيلته ذهابًا وإيابًا، يكاد القلق يقتلع قلبه. انتفض بسرعة حينما أتاه صوت هاتفه يعلن عن اتصال انتظره منذ وقت طويل.
رأفت:
يارب تكون عرفت دلوقتي إني مبيتلويش دراعي يا ماجد. ودي حاجة بسيطة جدًا قصاد اللي لسه هعمله. وده حق ابني اللي خدته زمان.
ماجد بسرعة:
رأفت أنا للمرة الألف بقولك أنا إيدي بريئة من دم ابنك. دالين بره حساباتنا. خرّجها بره اللعب ده.
أتته ضحكات رأفت الرنانة تنذره بما يمكن أن يكون قد حدث.
ماجد بصوت ضعيف:
بـ بنتي فين؟
رأفت بتشفٍ قبل أن يغلق الخط في وجهه:
قول عليها يا رحمن يا رحيم.
لم يستطع ماجد أن يتفوه بكلمة أخرى، فسقط إلى مقعده خائر القوى مغمض العينين بضعف.
دلفت إليه حياة، والتي من الواضح أنها كانت تسترق السمع منذ مدة، وقد تبيّنت لها رؤية ما حدث لابنتها بوضوح.
دلفت وعيناها تضخان شر الكون. عيناها منتفخة ومتورمة أثر البكاء. عروقها بارزة نتيجة قبضتها التي تكاد تهشم بها أحدهم الآن. أجل، فهي امرأة مذبوحة، مسلوبة الإرادة. انتُشلت ابنتها من بين أحضانها عنوة، وفي النهاية تكتشف أن ذلك بسبب أعمال زوجها.
زوجها! أي زوج هذا؟! لقد اعتزلته منذ سنوات.
منذ أن اكتشفت دناءة قلبه وأعماله. لم تُرد إفشاء الأمر فقط حِفاظًا على ابنتها ومشاعرها فهي تحب والدها كثيرًا. بل أنها درست الهندسة كي تكون إلى جانبه في عمله.
لكن أين هي الآن؟ أين هي لتُبعدها عن حياة والدها تمامًا؟ ظنت أنها تحميها بقربها منه. لم تكن تدري بأنها كانت تُجهزها للموت. موت! موت من؟!
حينما وصل بها التفكير إلى هذه النقطة، لم تدرِ بنفسها إلا وهي تهجم عليه كقطة جريحة وأخذت تصرخ به بهستيريا:
بنتي فييييين؟! بنتي فين يا ماجد؟! أقسم بالله هقتلك. هقتلك لو بنتي مرجعتش لحضني. هقتلك وأشرب من دمك يا ماااجد.
كانت تصرخ بكلماتها وهي تجذبه من ياقة قميصه بعنف، بينما هو مستسلم لها تمامًا. لن يلومها أبدًا وإن قتلته الآن.
تراخت قبضتها وبُحَّ صوتها وبدأت تغيب الرؤية عن ناظريها حتى سقطت بين يديه فاقدة للوعي، وربما الحياة، فهي أضعف بكثير من أن تتحمل كل ذلك الألم.
هرع بها حاملًا إياها بين ذراعيه متجهًا بها لأقرب مستشفى.
أعلن هاتفها عن اتصال. نهضت بصعوبة فقدمها لا تزال تؤلمها. أجابت بخفوت ليأتيها صوته:
بدور، عاملة إيه؟ رجلك كويسة؟
بدور:
آه تمام. وصلتوا لحاجة؟
حازم بأسف:
للأسف لأ. حتى العربية خدناها بالشبه لكن لسه متصرحش بأي حاجة تخص الموضوع. شدا وعاصم في القسم دلوقتي مع الظابط اللي ماسك القضية وربنا يسهل ويوصلوا لحاجة.
تنهدت بتعب وهي تتمتم:
ربنا يستر.
حازم بهدوء:
يارب. لو احتجتي حاجة كلميني في أي وقت.
أومأت بدور وكأنه يراها ثم أغلقت الهاتف وتمددت إلى فراشها مجددًا بتعب.
بينما جلس هو يمسد جبينه بإرهاق حتى دلفت شدا وألقت بحقيبتها إلى المكتب بعنف وجلست وكأن شياطين الدنيا أمامها.
وقف بسرعة واتجه إليها:
شدا في إيه؟! إيه اللي حصل؟!
شدا بغضب وصوت عالٍ جذب الأنظار إليهما:
المتخلف اللي ماسك قضية حادثة امبارح. أقسم بالله متخلف. متخلف. متخلف.
كان ليضحك عليها إن كان الوضع مختلف ولو قليلًا، لكنه جلس لجانبها بهدوء وطلب من أحدهم أن يُحضر لها كوبًا من الليمون.
حازم بهدوء:
اهدي يا شدا. قوليلي إيه اللي حصل؟ ماله الظابط؟
قصّت له شدا ما حدث وهي تكز على أسنانها بضيق.
تنهد حازم ثم عاد بظهره للخلف واضعًا يده على ذقنه كعلامة التفكير:
شدا. أنا بس اللي اتعرفت على العربية. جايز مش هي.
شدا بضيق:
أنا بتمنى يا حازم. بتمنى من كل قلبي متكونش هي. وواقفة على رجلي لحد دلوقتي على أمل إنها متكونش هي. وحتى لو هي فالظابط ده قالي إن اللي كان فيها راجل واحد بس ومكنش في حد تاني. وده معناه إنه..
ابتلعت باقي حروفها وهي تنظر لحازم الذي عقد حاجبيه بعدم فهم:
إنه إيه؟
شدا:
تعالى معايا بسرعة.
حازم وهو يحمل متعلقاته ويلحق بها:
استنيني. اهدي شوية... رايحة فين؟
شدا:
هتعرف بعدين.
كانت ترتدي ذاك البنطال الأبيض الذي يتخطى ركبتيها بقليل، به جيوب من الجانبين، ترتكز على فخذيها بحبال طويلة تصدر نهايتهما النحاسية صوتًا حينما تتحرك، ويعلوه تيشيرت من اللون البرتقالي يصل حتى كمر بنطالها الذي يزينه حزام متداخل مع البنطال من اللون الأسود. وكذلك تلك الكلمة الإنجليزية التي كتبت على التيشيرت باللون الأسود. وترفع خصلاتها السوداء المائلة للاحمرار عند تعرضها للشمس بشكل عشوائي بإحدى فرشاة التلوين خاصتها. وفي يدها فرشاة أخرى تضع نهايتها بين صفي أسنانها اللؤلؤية وهي تنظر لتلك اللوحة أمامها لترى ما آلت إليه رسمتها بعد أن وضعت لمساتها الأخيرة عليها.
ابتسمت بسعادة وهي تنظر لملامحه الرجولية النادرة بالنسبة إليها. كم هو جميل!
بالطبع جميل. بل إنه آية في الجمال. بعينيه العسلية التي تشبه خاصتها، وأنفه المدبب الصغير والذي يندر كثيرًا في الرجال، وفمه المرسوم بدقة، وشعره الذي يرفعه للأعلى بتسريحة لا يُغيرها منذ أن كان صغيرًا. تلك الابتسامة التي لا تخرج بصفائها سوى لها. ولها فقط.
شهقت حينما شعرت بمن يحاوط خصرها ولكن سرعان ما استندت برأسها على كتفه. وهو لا يزال محاوطًا إياها، لتقول بهدوء:
خضتني يا عموري.
عمرو مقبلًا رأسها من الخلف:
سوري يا قلب عمورك بس شفتك مندمجة. حتى محستيش بيا وأنا جاي.
غرام بابتسامة ومرح:
هاا. قولي إيه رأيك في اللوحة؟ هتعجب فراس مش كده؟
عمرو وهو يزيح خصلاتها المتمردة عن عينيها بعدما استدارت لتواجهه:
طبعًا هتعجبه. مش أنتي اللي رسماها.
قبلت وجنته قبلة سريعة ثم تحركت لتلملم أشيائها وتغطي اللوحة كي تقدمها لفراس في عيد ميلادهما السادس والعشرين والذي سيكون بعد أسبوعين من هذا اليوم.
جلس إلى الأرجوحة وهو يراقب خفتها وتحركها بحرية ومرح. ابتسم رغمًا عنه فهي بريئة. بريئة لدرجة تكاد تفقده صوابه. يعشقها بكل تفاصيلها. يكاد يجزم بأن لا حياة لمن لا تكون هي في حياته. فهي الماء والهواء بالنسبة إليه. هما غير مقربين بالدرجة الكافية لكنها تحتله بالكامل. تُرى إلى متى سيصبر حتى تكون ملكًا له؟
قاطع شروده جلوسها إلى جانبه وهي تقدم له كوبًا من النسكافيه ليشاركها خاصتها. أخذ يحرك الأرجوحة بهما بهدوء وهو ينظر إليها بهيام مما أخجلها وجعل الحمرة تتسرب إلى وجنتيها سريعًا.
عمرو بحب:
تعرفي إنك أجمل لوحة ممكن تترسم في الدنيا؟
غرام:
عموري. متبدأش وصلة الغزل لحسن فراس يطب علينا وأنت عارف هيعمل فيك إيه.
ضحك بقوة وهو يقول:
والله عندك حق. أنا خايف أصلًا يوم الفرح يمشيني من غيرك.
ضحكت بهدوء ثم أخذت تتمتم ببعض التوتر:
عمرو. مش عايزاك تزعل من فراس. أنا عارفة إن تحكماته تعصب أي حد بس هو والله بيحبك. هو بس خايف من فكرة إني مكنش موجودة جنبه أو إني انشغل عنه. كمان أنت عارف اللي مرينا بيه وهو بالذات. لما فارس اتخبط قدامه بالعربية وكان سايح في دمه. الموضوع مكنش سهل عليه أبدًا.
وضع عمرو كوب النسكافيه إلى جانبه وأخذ ينظر لها بحب قبل أن يمسك بيدها ليطبع قبلة رقيقة عليها وهو يتمتم بهدوء:
وأنا عمري ما هفرق بينكم أبدًا. وبعدين بالعكس أنا فرحان جدًا لقربكم من بعض بالشكل ده. وده شيء بيطمني عليكي أكتر.
ابتسمت بحب وهي تضع يدها على وجنته وتتمتم:
ربنا يخليك ليا وميحرمنيش من وجودك في حياتي أبدًا.
قبل راحة يدها الموضوعة على وجنته برقة وهو يجيب بهدوء:
ولا يحرمني أبدًا من نورك في حياتي.
ابتسمت بحب ثم مالت إلى كتفه واضعة رأسها عليه ليبدأ هو بلف ذراعه حول رأسها تاركًا الحرية لأصابعه كي تعبث داخل خصلاتها الحريرية، بينما تنهدت هي بارتياح متمنية من الله أن يديم عليهم تلك السعادة والراحة.
كان ثلاثتهم يتناولون الطعام في صمت حتى انتهى فراس وتحرك إلى دورة المياه ليغتسل ثم خرج من غرفة الطعام إلى حديقة الفيلا. وجلس إلى أحد المقاعد مستندًا بظهره إليه ناظرًا للسماء بشرود.
انتهت دالين كذلك ثم نظرت تجاه السيدة ابتهال التي حثتها على الذهاب خلفه إن أرادت ذلك.
تحركت بتردد، ولكنها حسمت أمرها. يجب أن تعلم سبب مجيئها إلى هنا ولما لم يبلغ الشرطة حينما تم اختطافها وماذا حدث بمن اختطفوها. يجب أن تجد إجابات لجميع أسئلتها التي تدور في رأسها.
جلست مقابلة وهي تفرك يديها بتوتر، بينما لم يتحرك ساكنًا وظل ينظر للسماء بشرود.
قاطع هذا الصمت صوته العميق ببحته المميزة:
عايزة تعرفي إيه؟
دالين بتوتر:
اا.. كـ كل حاجة؟ أنا هنا ليه؟ ومين عايز يخطفني؟ وأنت.. اا.. أقصد حضرتك يعني أنقذتني إزاي؟ وهما فين دلوقتي؟ وليه مبلغتش؟
نظر لها فراس لبعض الوقت فارتبكت أكثر وهي تراه يسلط أنظاره عليها بهذا الشكل، بينما ذهب هو إلى عالم آخر داخل زرقاويتيها التي يبدو أنها منطفئة كثيرًا. ملامحها الهادئة. شعرها الأشقر أو الأبيض. أو ما لونه هذا؟! إنه يكاد يكون أشقرًا. ويكاد يميل للبياض. وتتداخل به تلك الخصلات السوداء. ما هذا؟! حسنًا، هل هذه طبيعته؟ أم أنها قامت بصبغه بإحدى الصبغات التي تفعلها الفتيات هذه الأيام؟ لما ترفعه بتلك العشوائية الساحرة؟ ذكرَّته بغرام عندما تندمج في الرسم. فهي ترفعه هكذا أيضًا وتشبكه من نهايته بإحدى فرش التلوين خاصتها.
انتقلت عيناه لتلك الملابس التي أخذها من غرفة غرام دون أن تنتبه له. كأنها فُصلت خصيصًا لأجلها هي. أنفها الصغير. شفتيها الـ..
إلى هنا وهز رأسه بعنف تطايرت على أثرها خصلاته. أخذ يعنف نفسه داخليًا.
ما هذا الحجم من الغباء الذي سيطر عليه فجأة؟ تحمحم بخشونة ثم أردف بهدوء ببحته التي سلبت شيئًا ما من داخلها لا تعرف ما هو، لكنها سلبته:
إنتِ كنتي في المستشفى عندي إمبارح وأنا كنت خارج ولمحت واحدة كممتك، وواحد جه بعدها ساعدها وحطوكي في عربية ومشوا. وقتها مشيت وراهم وكلمت ناس من الأمن عندي وقابلوني على الطريق وحاوطنا العربية وقدرت أخرجك وأجيبك على هنا. وبالنسبة للبلاغ فأنا استنيت لما تفوقي إنتِ بنفسك وتقرري.
نظرت له بعدم تصديق:
بعد ما أفوق أقرر إيه حضرتك؟ أروح أقولهم معلش اتخطفت إمبارح وربنا بعتلي واحد ابن حلال شهم أنقذني وخدني على فيلته قضيت فيها الليل بطوله ونهار تاني يوم وجيت دلوقتي عشان أبلغ عن اللي خطفوني؟!
تحولت نظراته للقتامة والغضب وهو ينظر لسخريتها منه. مال من على كرسيه للأمام ناظرًا لعمق عينيها مما أعادها لارتباكها من جديد. لكنها نظرت له في ذهول حينما سمعت قوله:
عربيتك لقوها على طريق مصر إسكندرية الصحراوي، وفيها جثة متفحمة نتيجة الانفجار اللي حصل للعربية.
دالين بذهول:
أه.. أنت بتقول إيه؟! يعني إيه؟!
فراس:
يعني اللي سمعتيه. اللي خطفك مش خطفك مساومة عشان فلوس ولا حاجة. اللي خطفك خطفك عشان ياخد حياتك. القضية دلوقتي شغالة وبمجرد ما يعرفوا الجثة لمين والعربية لمين هيبدأ البحث عنك وعن أي شيء يخص الجثة. وطول ما أنتي هنا محدش هيقدر يوصلك.
وقفت دالين بغضب وهي تقول بحدة:
ومين قالك إني هفضل هنا؟ أنا همشي دلوقتي حالًا.
وقف هو الآخر وأمسك بمعصمها بغضب وقوة جعلتها تئن بألم:
المرة الجاية اللي هتعلي صوتك فيها مضمنش إنك تطلعي من هنا على رجليكي. سامعة؟
قال آخر كلماته وهو يلقي يدها من يده بعنف.
نظرت له بعيون تتلألأ بها الدموع، فلان قلبه ولكنه عاد لجموده سريعًا وهو يقول:
خروجك من هنا فيه خطر على حياتك، على الأقل دلوقتي، لازم تخافي على نفسك.
دالين:
وأنت.. أنت ليه بتساعدني؟
نظر لها مطولًا. ماذا سيقول لها؟ لما يشعر بأن هناك دافعًا لحمايتها أكبر من الدافع الرئيسي؟
نفض رأسه من تلك الأفكار السخيفة، فأي دافع هذا وهو لم يرها سوى بالأمس فقط؟
تقدم خطوتين قبل أن يقول بهدوء:
اسمي فِراس.
بعدها ذهب من المكان بأكمله مستقلاً سيارته وخرج أمام عينيها التي تنظر في أثره بشيء من التيه.
أفاقتها يد السيدة ابتهال التي وُضعت على كتفها بهدوء:
تعالي يا بنتي، ادخلي ارتاحي جوه.
دلفت معها باستسلام، وهي تجهل تمامًا ماذا ينتظرها فيما بعد!
حاول عاصم مرارًا أن يهاتف شدا لكنها أغلقت هاتفها منذ أن خرجت من مكتب ذاك العميد. اتصل بحازم فبالتأكيد ستكون معه الآن، ولكن أتاه نفس الجواب:
الهاتف الذي طلبته غير متاح الآن، من فضلك حاول الاتصال في وقت لاحق.
ألقى بالهاتف إلى المقعد المجاور وهو يزفر بضيق. ماذا سيفعل الآن؟
وجد نفسه يقف أمام منزل فاتن. ترجل بهدوء ودلف إليها لتقابله ضحكة رنانة في الحديقة. عقد على أثرها حاجبيه حينما رأى سمر والدة فاتن أمامه توليه ظهرها وتتحدث بدلال غريب إلى أحدهم وكأنها مراهقة تتحدث لحبيبها وتمسك بطرف خصلاتها وتلفها حول إصبعها.
تحمحم لتنتفض هي على صوت حمحمته حتى كاد الهاتف يسقط من يدها. نظر لردة فعلها المبالغ بها وزاد تعجبه وهو يرى توترها وهي تتحدث:
عـ عـ عاصم؟! أنت.. أنت هنا من بدري؟!
عقد عاصم حاجبيه قبل أن يجيب:
لا أبدًا، لسه واصل. فاتن فوق؟
أجابت بسرعة:
أيوه فوق في أوضتها.
أماء بصمت واستأذنها في الدلوف ودلف بهدوء. بينما أعادت هي الهاتف لأذنها وهي تقول بضيق:
كنا هنروح بلاش يا مراد. عاصم ابنك جه فجأة وخضني.
صمتت قليلاً تستمع للطرف الآخر ثم تابعت:
أنت اتجننت يا مراد. نسافر فين دلوقتي؟ أنت مش شايف الدنيا مقلوبة على دالين إزاي! أجلها شوية، بس ده ميمنعش إننا نقضي ليلة يعني.
صمتت قليلاً ثم ودعته بضحكة وهي تتمتم:
سلام يا قلب سمورة.
أغلقت الهاتف ثم خرجت من الفيلا إلى حيث لا يعلم عاصم الذي كان يقف خلف شجرة الورد الضخمة والتي تآكلته خلفها فلم يظهر أمامها. وقد استمع لكل ما قالت. كان يقف في صدمة وذهول. والدة فاتن ووالده معًا.
أتخون عمه مع والده؟ ووالده يخون أخاه!
كان يقف كمن سُكب فوق رأسه دلوًا من الماء البارد. ألجمته الصدمة وشُلّت حركته تمامًا.
لم يفق من دوامته سوى على صوت فاتن التي تناديه من البلكون الخاص بغرفتها والذي يطل على الحديقة. حاول التماسك، فتحمحم وتحرك للداخل. قابلته هي على الباب وهي تأتي إليه ركضًا:
ها.. عملتوا إيه أنت وشدا؟ وصلتوا لحاجة؟ لقيتوا دالين؟
كانت تتحدث ودموعها تنزل على وجنتيها بقلق. أخذها بين أحضانه وأخذ يربت على ظهرها بحنو وهو يقول بهدوء:
هتلاقيها، متخافيش هتلاقيها.
كانت تقود السيارة بسرعة وبجانبها حازم الذي ينظر لها بعدم فهم:
إحنا رايحين فين؟
شدا:
هنروح القسم تاني، لازمنا مساعدة الظابط.
حازم:
هو مش كان متخلف من شوية؟
شدا بضيق:
ومغيرتش رأيي فيه، بس كله يهون لحد ما نوصل لدالين. مضطرة أتعامل معاه. المهم احكيلي تاني اللي حصل من وقت ما بدور وقعت.
أخذ حازم شهيقًا طويلاً أخرجه بهدوء مع حروفه:
بدور وقعت من على السلم ودالين جت ندهتلي قلتلها تجيب عربيتي وتجيلي على الباب الخلفي بحيث منلفتش الأنظار، بس هي جابت عربيتها هي لإن أصلًا مفاتيح عربيتي معايا. وخدناها ورحنا المستشفى. بعدها قالت هعمل تليفون وأجي. غابت أكتر من نص ساعة ووقتها أنا نزلت عملت خروج لبدور وكلمتها، بس صوت اللي ردت عليا كان غريب. قالت أنا روحت وقفلت على طول، فاتصلت تاني لقيت التليفون مقفول. وحاولت كتير بعدها لحد ما كلمتك وقلتلك.
أماءت شدا ثم سألته:
كنتوا في مستشفى إيه؟
حازم:
الصاوي الخاصة.
أماءت شدا مجددًا قبل أن تنزل من السيارة يتبعها حازم بعدما وصلا لوجهتهما.
دلفت وأخبرت العسكري أنها تريد مقابلة لؤي فأخبرها أنه قد ذهب. زفرت بضيق ثم هاتفت عاصم وطلبت منه أن يحاول الوصول لرقم هاتف ذاك المتعجرف كما أسمته وبالفعل استطاع الوصول إليه وأرسله لها في رسالة.
أخذت شهيقًا طويلاً قبل أن تضغط زر الاتصال. أتاها صوته ببحته التي جعلتها تلين بغباء ثم تمتمت:
عايزة أشوفك.
لؤي بتعجب:
نعم؟!
شدا بانتباه وقد عادت حدتها إليها:
إيه مبتسمعش؟ قلت عايزة أشوفك.
لؤي وقد أزاح الهاتف عن أذنه ونظر في الرقم الغير مسجل أمامه ثم أعاده إلى أذنه وهو يقول بضيق:
أنتي مين يا غبية أنتي؟
شدا بضيق مماثل:
ياريت تحفظ لسانك عشان أنا لساني متبري مني، فمتوصلنيش لمرحلة فقدان السيطرة عليه.
استطاع فورًا تحديد هوية المتصلة أو فلنقل استطاع معرفة من يهاتفه شكليًا على الأقل، فهو حتى الآن لم يعرف اسمها ولم ينتبه حتى لعاصم حينما ناداها باسمها أمامه بسبب غضبه، فتمتم:
عايزة إيه؟
شدا:
اسمع.. أنت ظابط شرطة وأنا لازم استغل ده عشان أوصل لصحبتي.
لؤي:
نعم يا أختي؟
شدا:
لو سمحت، خلينا نتعامل زي الناس المتحضرة. ممكن تقولي مكانك فين وأجيلك ونتفاهم؟
زفر بابتسامة خرجت منه لا إراديًا. يا إلهي كم هي رقيقة ولطيفة عندما تتحدث بهدوء واحترام. لم تدم ابتسامته حينما ارتفع صوتها بحدتها التي اعتادها عليها:
ما تخلص يا بني آدم... أنت فين؟
يا إلهي لقد كاد ينسى كونها سليطة لسان وغليظة منذ قليل تلك المتبجحة والمتعجرفة.
لؤي صارًا على أسنانه بغيظ:
في مشرحة الـ (...).
شدا:
مسافة السكة وأكون عندك.
استقلت سيارتها وبجانبها حازم الذي يخفي ضحكته احترامًا للموقف الذي هم فيه، لكنه لا يعلم إن كان سيتحكم في نفسه إن رآهما يتعاركان هكذا أمامه مجددًا أم لا.
جلس في ممرات المستشفى واضعًا رأسه بين يديه. رغم كل السوء الذي يحاوطه إلا أنه لا يستطيع تحمل فكرة ترك ابنته أو زوجته له في يوم من الأيام. رغم كون زوجته هجرته منذ زمن إلا أنه لا يمكنه تخيل المنزل دونها، فهي الهواء الذي يتنفسه بمجرد دلوفه إليه حتى وإن كانت بعيدة عنه.
أما ابنته فهي كل ما يملك من الدنيا. أرسلها للدراسة في الخارج ليس إلا حماية لها وخوفًا عليها من عواقب عمله الوخيمة. أبقاها بعيدة كل البعد عنه حتى لا يصيبها ما أصابها الآن. لكن ترى ماذا أصابها؟ لقد هاتفوه ظهيرة اليوم وأخبروه بأن السيارة التي وُجدت على طريق مصر إسكندرية الصحراوي ما هي إلا سيارة ابنته بالفعل كما أخبرته شدا صباحًا، لكن لا أثر لابنته فيها أو في أي مكان قريب. ليس هناك سوى طريقة واحدة وهي التوسُّل. أجل سيتوسّل لرأفت الصاوي من أجل عودة ابنته.
خرج الطبيب في هذه اللحظة فوقف ماجد سريعًا وأخذ ينظر له بقلق وتوتر.
الطبيب بهدوء:
متقلقش حضرتك. دي أزمة عصبية اتعرضتلها بسبب ضغط نفسي شديد. إن شاء الله هتتحسن مع الوقت والعلاج، بس لازم تبعد عن أي ضغوطات. حمد الله على سلامتها.
غادر الطبيب، فتنهد ماجد بعمق ثم دلف لزوجته ليطمئن عليها.
كان ينظر لها ببرود أغضبها.
شدا بضيق:
أنت بتبصلي كده ليه؟ ما تنجز.
لؤي ولا يزال على وضعيته:
عارفة إيه مشكلتك؟ إنك مفكرة نفسك الذكية الوحيدة هنا.
هو أنتي فاكرة إننا مفرغناش الكاميرات وشفناها بس موصلناش لحاجة منها؟ خصوصًا إنهم لعبوها بخباثة لإنهم خدوها في عربيتها هي مش عربية تبعهم!!
مالت شدا في جلستها موجهة زيتونيتيها مباشرة لخضراوتيه وهي تقول بصوت أشبه بمن يكتم غيظًا وسينفجر في أية لحظة:
أنا عارفة إن سعادتك عميد في مباحث الجنايات وأول حاجة هتخطر على بالك في التحقيق إنك تفرغ الكاميرات من بداية ما قلنالك عن هوية صاحبة العربية ومكان وجودها قبل الخطف.. فده مبيتصنفش من بنود الذكاء لإن ده وارد في تحقيقات سعادتك.. لكن أنا عايزة أشوف حاجة تانية وياريت من سكات تساعدني عشان أنا هنا مش صحفية.. أنا هنا بدور على صحبتي.. فياريت متضطرنيش أتعامل كصحفية وساعتها الوضع مش هيعجبك أبدًا.
لؤي وقد فارت خضراوتيه غضبًا.. لكنه قرر مواجهتها ببرود كما تتعامل معه.. فمال للأمام هو الآخر مسندًا ذراعيه على فخذيه وقام بتشبيك أصابعه أمامه ثم تحدث ببرود:
ده تهديد؟!
ابتسامة جانبية اعتلت ثغرها قبل أن تضيف:
زي ما تشوف يا لؤي بيه.. أنا طالبة مساعدتك لا أكتر ولا أقل.
لؤي:
وهتستغلي شغلك وتكتبي في سمعتي إذا ما ساعدتكيش.. مش ده قصدك!!
أدرك حازم بأن الوضع سيتأزم لو لم يتدخل الآن.. فهما يبدوان كعدوين لدودين ومنذ زمن..
قرر مقاطعة الحوار فقال بهدوء:
لؤي بيه.. حضرتك غني عن التعريف بسبب سمعة حضرتك الحسنة والمعروفة في المباحث.. أنا وشدا هنا عشمًا في حضرتك تساعدنا.. دالين صحبتنا واختفت.. شدا أعصابها تعبانة وزعلها على دالين هو اللي بيتحكم في كلامها حاليًا.. فـ أرجوك لازم تساعدنا.. إحنا مش هنعطل التحقيقات ومبنشكش أبدًا في كفاءة سعادتك.. بس وجودنا هيفيد حضرتك.. فـ ليه منساعدش بعض عشان نوصلها أسرع!
كانت شدا ستجيب وتعنف حازم لكن قول لؤي جعلها تصمت:
وأنا موافق.. بس بشرط.
شدا بتهكم:
إحنا هنلعب؟! هو إيه اللي بشرط!
أمسك حازم يدها وضغط عليها لتصمت وهذا أغضب لؤي ولا يعلم السبب.. فتحدث كازًا على أسنانه:
ده اللي عندي إذا كان عاجبك.
حازم بسرعة:
إيه هو.. اتفضل.
أخذ لؤي شهيقًا طويلًا أخرجه ببطء مع كلماته:
أعرف كل حاجة في خطواتكم واللي بتفكروا فيه.. باختصار يعني.. هنعمل زي فريق.. بس ده بينا إحنا التلاتة وواحد صاحبي وبس.
ابتسمت شدا بتهكم..
حازم بسرعة:
موافقين... صح يا شدا؟!
ضغط على يدها أكثر بعد جملته الأخيرة فوافقت بإيماءة.. فسحب حازم يده بعدما لاحظ نظرة لؤي الغاضبة ليده.. فعقد حاجبيه بعدم فهم لكنه لم يتحدث.
شدا:
هنمشي أمتى؟!
لؤي:
هشوف الدكتور خلص تقارير الطب الشرعي ولا لسه.. ولو لسه هنروح وأبقى أرجع تاني.
تحرك في نهاية كلماته متجهًا لمكتب رامي الذي بمجرد أن فتحه لؤي قال رامي سريعًا:
لسه حالًا كنت جايلك.
لؤي بسرعة:
التقرير طلع؟!
أومأ رامي ليدلف لؤي بسرعة فتحدث رامي وهو يفتح التقارير أمامه.. ثم نظر للؤي نظرة لم يفهم معناها.. ليتحدث لؤي بنفاذ صبر:
فيه إيه؟!
رامي:
صاحب الجثة ميت قبل الانفجار بتاع العربية بوقت مش أقل من ساعة.
لؤي بعدم فهم:
نعم؟! اللي هو إزاي يعني؟!
رامي هازًا كتفيه بعدم معرفة:
معرفش ده اللي في التقرير.. ضيف كمان إن الجثة جاية والحرق في النص اللي فوق بس والوش.. يعني ده بيأكد إن الجثة مكنتش في العربية قبل الانفجار وكمان داخلة العربية وهي جثة.. ضيف كمان إن الحرق مش حرق نار.. ده.. حرق مية نار.
رواية ضمير ميت الفصل السادس 6 - بقلم دنيا آلشملول
دلف للجراج الڤيلا بسيارته فلمح سيارة عمرو، خرج بهدوء ووصل للحديقة ليجده يستعد للذهاب.
فراس: إزيك يا عمرو؟
عمرو بابتسامة: ماشي الحال الحمد لله، وأنت إيه أخبار الدنيا معاك؟
فراس: ماشية.
غرام مقاطعة: إيه هو ده؟ حيطة أنا مثلًا! يعني.
فراس بمزاح: لا يا روحي إزاز شفاف.
غرام: بقى كده، طب تعالي.
أخذت تركض خلفه ويضحكان بمرح، فابتسم عمرو على طفوليتها التي تحتفظ بها وابتسم لفراس الذي يجعلها في أفضل حالاتها بوجوده. توقف فراس ثم حملها وألقاها على كتفه وأمسكها بذراع واحدة فأخذت تلوح في الهواء بقدمها وهي تضحك حتى وصل فراس لعمرو وهو يحملها ونظر له بابتسامة بادله عمرو إياها ثم استأذن للذهاب وغادر.
غرام بعد أن أنزلها فراس: فراس.
فراس: هممم.
غرام: أنت كويس حبيبي؟
نظر لها بابتسامة حانية فهي أكثر شخص يشعر به حتى وإن كان يضحك، تعلم جيدًا متى تكون ضحكته صافية نابعة من قلبه ومتى تكون مجاملة لموقف ما، تشعر به وهذا كافٍ لأن تكون هي الروح بالنسبة إليه. أفاقته قرصتها لوجنته من شروده: شكلك بتحب يا نصه.
نظر لها فراس شزرًا: أحب إيه يا بنتي، أنتِ عبيطة!
غرام وهي تلاعب حاجبيها: سرحانك ده أسمّيه إيه ها؟ يلا اعترف.
فراس: بس يا ماما اسكتي يا حبيبتي بس.
غرام: لا مش هبس، يلا اعترف، مالك بقى ها؟
فراس بتنهيدة: تعب شغل يا حبيبتي مش أكتر.
غرام بعدم اقتناع: شوف، أنا هسكت أهو وهقفل بوقي وكأني مصدقاك، بس طبعًا ده ما يعنيش أبدًا إني مصدقة حجتك الفارغة دي، فبالتالي أنا هسكت وهستناك لحد ما تيجي وتقولي إيه اللي بيحصل معاك.
قبلها فراس على جبينها قبلة طويلة أشعرتها بمدى ضخامة الأثقال التي يحملها فوق كتفيه، لكنها لن تضغط عليه الآن، فهو حينما يشعر بأنه يود الحديث لن يكون هناك سواها، فهي بنك أسراره وحاملة همومه والأذن المصغية خاصته والقلب الدافئ بالنسبة إليه.
فراس: يلا هروح المستشفى أنا، في كام تقرير كده لازم أخلصه عشان ناوي على إجازة.
غرام: إجازة؟ طب ليه؟!
فراس: عشان أتفرغ لحبيبة قلبي ونخرج سوا ونجيب كل حاجة ناقصاها.
ابتسمت غرام بحب ثم قبلت وجنته قبل ذهابه. تنهدت بعمق وهي تنظر في أثره: ربنا يحمي لي قلبك ويكفيك شر كل من أراد لك السوء ويكرمك باللي تملي قلبك وحياتك يا قلب أختك أنت.
***
كان يراجع بعض الأوراق أمامه لينتهي سريعًا كي يبتعد قليلًا عن الشركة ضامنًا ألا يهاتفه والده ويعنفه بسبب تركه لأعمال متراكمة خلفه، فهو يريد أن يتفرغ قليلًا للبحث عن دالين ومعرفة ما أصابها، وكذلك يريد أن يعرف طبيعة علاقة والده بزوجة عمه سمر، فهو إلى الآن يحاول إقناع نفسه بأن ما سمعه ليس حقيقي، وأنهما ربما صديقان مقربان لا أكثر.
طرقات يكره صاحبتها كثيرًا أتته قبل أن تفتح شيرين الباب وتدلف بغنجها المعتاد ودلالها الزائد عن حده.
عاصم ببرود: خير؟
شيرين بضيق: إيه خير دي؟
رفع عاصم ناظريه عن الأوراق أمامه وهو ينظر لها بضيق: نعم يا آنسة شيرين اتفضلي حضرتك عايزة إيه؟
شيرين بعدم رضا: اتفضل دي أوراق المشروع الجديد، مراد بيه قال حضرتك هتمسكه عشان هو مسافر.
عاصم: سيبي الملف وأنا رايح له.
شيرين: أوك، اا، كنت عايزة أقول لك مبروك.
عاصم ببرود: متشكر.
شيرين: بس، ليه كتبت كتاب بسرعة كده؟
عاصم بنفاذ صبر: مين قال إنه بسرعة؟ بالعكس ده متأخر أوي.
شيرين: متأخر!!
عاصم: أيوه متأخر، لإني أنا وفاتن بنحب بعض من وإحنا صغيرين أوي، بس أهو بقى، تم في نهاية المطاف وبقت مراتي، فيه أسئلة تانية؟
شيرين: لا، بعد إذنك.
خرجت من المكتب وهي تتوعد لعاصم ولفاتن كذلك. ابتسمت حينما تذكرت خبر اختطاف دالين الربيعي، لقد كانت تنوي الانتقام منها ومن سخريتها بها ولكن ها هو أتاها الانتقام دون أن تكلف نفسها عناءً، الآن سترى ماذا ستفعل لتفرق بين عصفوري الحب عاصم وفاتن. ابتسمت بخبث ثم غادرت المكان.
***
وصل الثلاثة للمستشفى ودلف لؤي أولًا وطلب تفريغ الكاميرات مجددًا، وبينما يقوم العمال بفك الكاميرات وصل عمرو الذي نظر للؤي بتساؤل.
لؤي: تعالى يا عمرو، دي آنسة شدا وده حازم، صحفيين، وأصدقاء مقربين لدالين اللي شغالين على قضية اختطافها.
عمرو بهدوء: أهلًا وسهلًا، بس مش فاهم ليه بتفرغ الكاميرات تاني؟
نظر لؤي لشدا التي أجابت هي بدلًا منه: أنا طلبت كده يا سيادة العميد، دالين صحبتي، واحتمال نقدر نوصل لأي حاجة بسرعة لو اتعاونا مع بعض.
عمرو: نتعاون مفيش مشكلة، بس برضه ده إيه علاقته بالكاميرات؟
نظرت له شدا بعدم فهم: وأنت إيه مضايق حضرتك أوي كده؟ أنا صحفية وليا نظرة معينة في الأمور دي زي ما حضرتك ليك نظرة برضه، يمكن نقدر نكمل بعض.
عمرو بضيق: ده اسمه تضييع وقت.
شدا بحده: والله حضرتك تقدر تتفضل وما تضيعش وقتك الثمين.
عمرو بعصبية: ما تتكلمي بأسلوب كويس يا آنسة أنتِ.
شدا ببرود: شدا، اسمي شدا يا فندم.
عمرو بضيق: حصل لنا الشرف والله.
وتحدث بصوت خفيض: أقصد القرف.
لم يسمعه سوى لؤي الذي لم يستطع أن يكتم ضحكته فانفجر ضاحكًا مما أثار حنق شدا.
شدا بضيق: إيه المضحك دلوقتي؟
لؤي: هو حرام الواحد يضحك؟ خليكِ في حالك.
قاطعهم العامل قبل أن ترد شدا على لؤي: الكاميرات جاهزة يا فندم.
تقدم لؤي وعمرو وشدا وحازم تجاه الجهاز، وأخذوا ينظرون للشاشة بتركيز حتى ظهرت دالين، ضيقت شدا عينيها وهي ترى أحدهم يكمم دالين من الخلف، وبعدها أتى شاب وحملاها ووضعاها في السيارة ثم انطلقا بها.
شدا بسرعة: رجعه تاني من فضلك.
لؤي: في إيه؟
لم تجبه شدا مما أثار ضيقه وحنقه منها. أعاد المتخصص المشهد من جديد، فطلبت منه شدا أن يبطئ من الحركة وقد فعل، اقتربت من الشاشة وهي تنظر لها بتركيز، ثم طلبت أن يقوم بتكبير الشاشة قليلًا ويركز على من كمم دالين، وقد فعل أيضًا.
شدا بتعجب: بنت؟!!!
لؤي: بنت إيه؟
شدا وهي تشير للشاشة: اللي كممت دالين بنت، واللي جه بعد كده شالها راجل.
لؤي: وده إيه فايدته يعني!
شدا بحنق: أنا بدأت أشك في خبراتك كظابط على فكرة.
ثم وجهت حديثها للمتخصص: آسفة لتعبك بس عيده تاني.
أعاده المتخصص مجددًا وبدأت شدا تركز أكثر في كل صغيرة وكبيرة، حتى استطاعت رؤية السيارة التي كانت تقف إلى جانب الطريق وغير مصطفة، وتحركت بعد سيارة دالين مباشرة. لكن لا أحد يمكنه ملاحظة شيء كهذا بسهولة فمن سيراه سيعلم بأنها سيارة عابرة للطريق لا أكثر.
شدا بهدوء: لو سمحت رجع لي قبل خطف دالين بعشر دقايق.
فعل ما طلبت، كانت سيارات تذهب وتأتي ولا أثر لأي حركة مريبة، وكانت شدا تصب جميع تركيزها على الشاشة تنتظر رؤية تلك السيارة، لتتأكد لها ظنونها، وأخيرًا رأتها.
تحدثت بحماس مفاجئ: العربية دي، حاول تطلع لنا نمرها لو سمحت.
لؤي بعدم فهم: إشمعنا؟
شدا بهدوء: العربية دي كانت ماشية وغالبًا من باركين المستشفى لإنه خارجة من طريق الذهاب، وقفت في نفس اللحظة اللي دالين اتكممت فيها، ولما عربية دالين اتحركت، اتحركت هي كمان معاكس.
نظر لها لؤي بإعجاب واضح، فهي حقًا محققة بارعة. تحرك الجميع من المكان بعدما حصل لؤي على رقم السيارة ثم قام بالاتصال بأحدهم وأعطاه الرقم وطلب منه معرفة صاحبها في أسرع وقت ممكن.
خرجوا جميعًا من المكان، فسأل عمرو لؤي بهدوء: تقرير الطب الشرعي لسه ما ظهرش؟
لؤي: لا ظهر، وللصدمة بقى، الجثة اللي كانت في العربية محروقة بمية نار مش بفعل ولعة العربية، بالإضافة كمان إن صاحب الجثة ميت قبل الانفجار ده بوقت مش قليل.
صمت عمرو ولم يبدُ عليه آثار اندهاش أو ما شابه مما جعل لؤي ينظر له بعدم فهم قبل أن يقول: عمرو.
إنت سمعتني قلت إيه؟
عمرو:
أيوه سمعتك.. طب إيه هيتم بعد كده؟
تعجب لؤي من رد فعل صديقه لكنه تحدث بهدوء:
أكيد هنعرف.. كل حاجة مسيرها تتكشف.. مفيش جريمة كاملة.. ولا إيه؟
أماء عمرو بهدوء، فتدخلت شدا بعد سماعها لما قاله لؤي:
هو مفيش أي دليل على المجرم من ناحية المستمسكات اللي طلعت من مكان الحادثة.
نفى لؤي بأسف:
للأسف لأ.. كلها متعلقات بصاحبتك وآثار الإزاز و...
قطع حديثه حينما تذكر أمرًا هامًا.
عمرو بتساؤل:
فيه إيه يا لؤي؟
لؤي عاقدًا حاجبيه بتفكير:
عمرو.. ضمن المستمسكات اللي كانت موجودة خاتم فُشَّ عليه حروف كان جابه واحد من الباحثين الجنائيين.. فاكره؟ إنت كنت واقف معايا وقتها.
توترت ملامح عمرو قليلًا قبل أن يسيطر على تعبيرات وجهه سريعًا وهو يتصنع التفكير:
لـ لا مش فاكر.. أنا هفتكر إيه ولا إيه يا لؤي.. ده كان يوم كله زفت من أوله.
ظهر فراس الذي ترجل من سيارته أمام المستشفى وقد رأت عيناه عمرو أول شيء ثم تحول نظره للثلاثة الذين يقفون معه ومن ثم عاد بنظره إلى عمرو في تساؤل.
ابتسم عمرو باصطناع وهو يلوح لفراس:
إزيك يا فراس؟
صعد فراس درجات السلم الفاصلة بينه وبينهم ثم وقف بهدوء أمامهم جميعًا وطالت النظرة بينه وبين لؤي بشكل مريب.
عمرو:
ده لؤي صاحبي يا فراس.. وده فراس أخو غرام يا لؤي.
تصافح الاثنان قبل أن يتابع عمرو:
دي آنسة شدا وحازم.. صحفيين.
صافحهما بفتور ثم نظر لعمرو الذي تابع:
كنا بنفرغ الكاميرات اللي هنا بناءً على طلب الآنسة شدا.. هي صديقة مقربة لدالين.
عقدت شدا حاجبيها وهي تنظر لعمرو بتحقق:
وهو يعرف دالين؟
عمرو بسرعة:
أمال لو مش صحفية يا آنسة شدا.. الخبر بقى منتشر.. وأكيد سمع عنها.
أماءت شدا بصمت ولكن بشك أيضًا.. وفي الواقع لم تكن الوحيدة التي شعرت بالريبة تجاه عمرو.
تحدث فراس أخيرًا:
تشرفت بيكم جميعًا.. بعد إذنكم.
تحرك فراس.. فنظر لؤي لظهره الذي يوليه له.. ثم نظر لعمرو بهدوء:
هو تعبان ولا حاجة؟
عمرو:
لا.. ما أنا قلتلك يا لؤي إن البرود طبعه.. أهو ده بقى فراس يا سيدي.
لؤي بتوضيح:
لا مش قصدي.. أنا قصدي عشان جاي المستشفى يعني.
عمرو:
يا ابني ما دي مستشفى الصاوي بتاعته هو وأبوه.
عقد لؤي حاجبيه وهو يقول بهدوء:
فهمت.
قاطعهم صوت هاتف لؤي الذي أجاب على الفور:
ها.. وصلت لحاجة؟
المتصل: .......
لؤي بصدمة:
نعم؟!!
***********
أخذت تتابع التلفاز ببعض الملل.. تشعر بالضيق والضجر أيضًا.. لما هي هنا من الأساس؟ ولما كل تلك الحراسة على الڤيلا؟ من هو ذاك الـ فراس؟ وماذا يريد منها كي يُبقي عليها هنا؟
قاطع شرودها جلوس السيدة ابتهال إلى جانبها وهي تعطيها كوبًا من اللاتيه الذي تحبه دالين كثيرًا.
دالين بابتسامة:
شكرًا.
السيدة ابتهال:
الشكر لله يا حبيبتي.. ها كنتي بتفكري في إيه بقى وسرحانة كده؟
دالين بتنهيدة:
عايزة أرجع لبيتي وأصحابي.. زهقت أوي.. وبعدين فراس ده ليه حابسني هنا.. وهو مين؟ ومين اللي حاولوا يخطفوني.. وأنا هنا فين أصلاً؟ أنا حتى معرفش أنا في القاهرة ولا لأ.
ربتت السيدة ابتهال على كتف دالين ثم تحدثت بهدوء:
هجاوبك على اللي أقدر عليه يا بنتي.. اللي هو مين فراس.
لا تعلم دالين سبب حماسها هذا لمعرفة من يكون.. لكنها نظرت لها بتركيز.
السيدة ابتهال بهدوء:
فراس ده يا بنتي مثال للراجل المحترم والخلوق.. عايش في حاله.. لا له دعوة بـ فلان ولا بـ علان.. وكمان مالوش في الشمال ولا شغل اللوع بتاع الشباب.. دكتور جراح كبير وشغال في مستشفى والده رأفت الصاوي.. أو خلينا نقول المستشفى بتاعته هو.. لإن دكتور رأفت ما بيظهرش قد كده وديما فراس اللي شايل مسئوليتها.. زي ما إنتي شفتيه كده.. هادي وما بيتكلمش كتير.. بس إذا غضب.. آه من غضبه يا بنتي ربنا ما يوريكي أبدًا.. هو بينطبق عليه المثل بتاع "اتقي شر الحليم إذا غضب".. مالوش ضهر لإن أبوه يعني مش ولا بد معاه.. هو ضهر نفسه وأخته وأمه.. عنده غرام دي الهوا والميه والروح والحياة.. ما بيحبش في حياته قدها.. هي أصلاً توأمه.. حتة سكرة كده تتحط على الجرح يطيب.
دالين:
طب هو ليه بيسرح كتير وما بيتكلمش كتير وديما تحسيه غامض كده؟
ابتسمت السيدة ابتهال وهي تقول بمكر:
إنتي لحقتي تحفظي؟
دالين بإحراج:
لـ لا طبعًا.. هو.. هو بس اا
قاطعها السيدة ابتهال:
بهزر يا حبيبتي.. هقولك يا ستي.. فراس كان ليه أخ ثالث أكبر منه بسنتين.. اسمه فارس.. كانوا يا حبايبي بيلعبوا مع بعض الصبح زي عوايدهم الاتنين على الطريق.. كانوا بيخرجوا يجروا ويلعبوا على الطريق.. لحد ما جه اليوم المشئوم إياه واللي راح فيه فارس بسبب حادثة عربية.. مات قصاد أخوه.. فراس وقتها ما قدرش يتحرك ودخل في حالة نفسية فقد فيها صوته لمدة سنتين وربنا كرمه بعد كده وخف.. بس فضل على حالته دي من وقتها يا حبيبي.. من بعدها وهو وغرام روح واحدة.. ما يستحملوش الهوا الطاير على بعضهم.. تحسيهم كدا شخص واحد.
دالين بألم:
ياااه.. صعبة أوي بجد.. ربنا يقويه.
صوت اصطكاك إطارات سيارة في الخارج أجفلهم.. فتحركت السيدة ابتهال لتستقبل فراس.. فلا أحد سيأتي سواه.
***********
دلف لمكتب والده بهدوء على عكس ما يضمره بداخله من ضيق.
عاصم:
بابا أنا مش هينفع أشتغل على المشروع ده في الوقت الحالي أبدًا.
مراد ببرود:
وليه بقى إن شاء الله؟ السنيورة هتاخد كل وقتك من دلوقتي؟
أراد عاصم أن يوقع والده في الحديث فأجاب بهدوء:
أنا أصلاً ما بشوفهاش.
مراد بتهكم:
أمال مين اللي كان عندها الصبح؟ أنا!
عاصم بتساؤل مصطنع:
وحضرتك عرفت منين إني كنت عندها الصبح؟
مراد:
عادي يعني.. عرفت من مكان ما عرفت.. يهمك أوي!
عاصم:
لا عادي.. بس فكرت للحظة إنك عامل عليا مراقبة ولا حاجة.
مراد:
وأعمل عليك مراقبة ليه يعني.. المهم.. مش هتشتغل على المشروع ليه؟
عاصم:
لإن بكل بساطة دالين مختفية وأنا المفروض أدور عليها.
مراد بتهكم:
وهي ست دالين تتسرمح وإنت تلف وراها يعني ولا إيه؟
عاصم بضيق:
بابا لو سمحت.. دالين مش كده وإنت عارف كويس أوي إنها مش من النوع ده.. ثم إنك ما تحاولش تقنعني إنك ما سمعتش الأخبار.. وإن دالين مخطوفة وعربيتها لقوها على الطريق مولعة وجواها واحد متفحم.
مراد بلامبالاة:
أديك قلتها.. واحد متفحم.. يعني أكيد كانت خارجة معاه وطلع عليها حد خطفها وولعوا في العربية بيه.
صُدم عاصم من تحليل والده لكنه لن يدخل معه في نقاش بخصوص أصدقائه.
عاصم بهدوء:
شوف حضرتك هتعمل إيه عشان أنا فعلًا مش هقدر خالص على الأقل الشهر ده.
مراد بعصبية:
شهر إيه وزفت إيه.. ليه شهر إن شاء الله.. بقولك إيه يا عاصم أنا شغل العيال ده ما ينفعش معايا.. الشركة تشيلها في وجودي قبل غيابي.. وما فيش حاجة تشغلك عن شغلك.. بلا دالين بلا فاتن بلا زفت.
عاصم بضيق:
بابا.. أنا لسه بأوضب في ڤيلتي.. لو حضرتك ناسي بأفكرك يعني.. ثم إن حضرتك عارف علاقتي بدالين وشدا وحازم وبدور عاملة إزاي.. فيا ريت بلاش نتناقش في أي أمور تخصهم.
مراد:
اللي إنت عايز تعمله إعمله يا عاصم.. بس صدقني يوم ما هيفيض بيا هاطردك من الشركة زي أي موظف عادي وأقل من العادي كمان.
ألجمت كلماته لسان عاصم الذي وقف ينظر له بذهول.. ثم وضع الملفات أمام والده على المكتب وخرج بصمت دون أن يضيف أي كلمة.
***********
فاتن:
إزاي يا ماما؟ دالين مش عارفين عنها حاجة وطنط حياة في الظروف دي وحضرتك عايزة تسافري؟
سمر بحدة:
وأنا مالي بدالين ولا حياة.. حياة خرجتني من قايمة الصداقة بتاعتها من زمان.. ومش هاجي أنا دلوقتي وأمثل دور الصديقة اللي خايفة على صاحبتها وزعلانة عشانها.. لا.
أنا مش كده ومش هاكون كده.. اللي يبعد بمزاجه ما يرجعش غير بمزاجي أنا.
فاتن بذهول:
بس يا ماما الصديق وقت الضيق.. وطنط حياة في أحوج ما يكون لمين يقف جنبها في الوقت ده.. حطي نفسك مكانها وأنا مخطوفة ولا ما تعرفيش أصلاً فين لإن لحد الآن ما نعرفش إذا مخطوفة ولا مقتولة ولا حصلها إيه بالظبط.. حطي نفسك مكانها يا ماما.. ما ينفعش تتخلي عنها في وقت زي ده أبدًا.
سمر بحدة:
بأقولك إيه.. قفلي على الموضوع ده.. ومروّح لحياة أنا مش رايحة.. ريحي دماغك.. وكمان هأسافر..
أنا مش هعطل شغلي عشان خاطر الست حياة، بنتها ضايعة ولا الله أعلم راحت فين أصلاً.
فاتن بعدم تصديق:
لا لا.. إنتي لا يمكن تكوني بالشكل ده أبدًا!.. بعد إذنك.
تركتها وصعدت لغرفتها وبدأت وصلة جديدة من البكاء على صديقتها المقربة ومن والدتها التي لا تعرف رحمة ولا شفقة ولا إنسانية.
وقفت مكانها تنظر من ذاك الزجاج الفاصل بين غرفة الجلوس والحديقة التي يدلف من خلالها فراس متجهاً للداخل.
نظرت له ببعض التوتر فتحدث بهدوء:
إنتوا كويسين؟
السيدة ابتهال:
كويسين يا دكتور فراس.. ادخل يا ابني هاعملك حاجة تاكلها.
أومأ فراس بهدوء ثم دلف مواجهًا لدالين التي تنظر له بترقب:
في حاجة؟
دالين:
أه.. أنا.. أنا همشي إمتى؟
فراس:
لو طلبتي أروّحك دلوقتي ما عنديش مانع.. بس ما أنصحكيش يا دالين.
ازدردت ريقها بتوتر من نطقه لاسمها هكذا.. لكنها حاولت استجماع شجاعتها فتحدثت بهدوء:
ليه حضرتك بتقول كده؟.. طب أنا عايزة أفهم.. يعني مين دول اللي خطفوني وحضرتك عرفت إزاي وإزاي وصلتلي وجبتني هنا.. طب أنا هأفضل هنا لإمتى وليه هأفضل؟.. وكمان أهلي عاملين إيه دلوقتي؟
تنهد فراس بتعب ثم جلس إلى الأريكة المجاورة له ونظر لها فجلست هي الأخرى مقابله ليتحدث بهدوء:
الأول عايز أطلب منك حاجة.
أومأت دالين عدة إيماءات متتالية فتابع بهدوء:
عايزك تثقي فيا.
ازدردت ريقها بتوتر فتابع:
أنا مش هأذيكي ومش هأستفاد حاجة لما أنقذك منهم أو أخبيكي في بيتي.. فأنتي لازم تثقي فيا.
أومأت بهدوء فتابع هو:
تمام.. أنا ما وصلتش لأي حاجة عن اللي باعتين الناس دول يخطفوكي.. بس أوعدك إني أوصلهم.. تاني حاجة أهلك حالهم حال أي أهل بنتهم اختفت فجأة.. أنا ممكن أرجعك بس ساعتها مش هنوصل للناس دي والقضية هتتقفل وتتعين ضد مجهول.. وبالتالي اللي حاول يخطفك مرة هيحاول تاني طالما فشل المرة دي وما أظنش إن المرة الجاية هيكون فيه فراس تاني عشان ينقذك.. إنتي اخترتي تثقي فيا.. فأنا مش محتاج أكتر من وقت.. وقت بس عشان أقدر أوصلهم.. بثقتك هتساعديني.
دالين:
طب ما ينفعش نطمن ماما وبابا وأصحابي على الأقل.. مش شرط يعرفوا مكاني بس يتطمنوا عليا.
فراس:
ردود أفعالهم هتفضحهم يا دالين.
أومأت دالين بتفهم ثم تحدثت بهدوء:
شذى.. شذى صحفية وتقدر تساعدك كتير.
عقد حاجبيه بتساؤل:
مين شذى؟
دالين:
صاحبتي.. شذى بنت قوية وجريئة وذكية جدًا.
فراس متذكرًا تلك الفتاة التي رآها أمام المستشفى فتمتم بهدوء:
أوك يا دالين.. ممكن تديني تليفونها أو أي حاجة أوصلها بيها؟
دالين:
طبعًا.. سجل تليفونها أنا حافظاه.
قام فراس بتسجيل الرقم لديه تزامنًا مع دلوف السيدة ابتهال بالطعام إليهما:
يلا يا ابني تعالى.
ابتسم لها فراس فخفق قلب دالين بقوة.. يا إلهي كم هو وسيم بابتسامته تلك.. على عكس تلك النظرة التي رأتها منه في أول لقاء بينهما.. وقتها ارتعبت منه كثيرًا.. لكنه الآن مختلف.. حقًا هو وسيم وذو طباع جيدة بالنسبة لها.. عنّفت نفسها على تفكيرها الأحمق وتقدمت ليتناول ثلاثتهم العشاء معًا في جو يسوده الصمت.. لكن تُرى إلى متى سيبقى الصمت هو سيد الموقف؟
رواية ضمير ميت الفصل السابع 7 - بقلم دنيا آلشملول
كان يجلس في مكتبه مستندًا بظهره إلى مقعده ناظرًا في سقف الغرفة بشرود، أفكاره مشوشة تمامًا. تقرير الطب الشرعي وتحليلات شدا الخاصة بالسيارة التي تبعت سيارة دالين حينما تم اختطافها، وعلمه من المكالمة التي أتته بأن رقم تلك السيارة ما هو إلا رقم سيارة فراس رأفت الصاوي.
إن كان تحليل شدا صحيحًا فهذا يعني أن فراس له يد بهذا الموضوع، لكن ماذا يمكن أن يكون؟
قرر أخيرًا أن يشاركه عمرو أفكاره، لكن أولًا سيتصل بالمعمل الجنائي ليسأل عن ذاك الخاتم، فـ اسمه لم يُذكر في التقرير الخاص بالمستمسكات الجنائية.
لؤي بهدوء:
ألو... مازن.
مازن:
لؤي بيه اتفضل.
لؤي:
بقولك يامازن، في القضية الخاصة بخطف دالين الربيعي وحرق عربيتها، المستمسكات اللي وصلت المعمل المفروض فيهم خاتم فضة عليه حروف إنجليزي، ورهالي واحد من الباحثين وقلتله يضيفها تبع المستمسكات... بس التقرير اللي وصلني مظهرش فيه أي حاجة تخصها.
مازن بتفكير:
اممم... مش عارف يا لؤي بيه بس إحنا فعلًا عملنا فحص كامل حتى على إزاز العربية اللي اتوجد في المكان وتبين إنه يخص نفس العربية اللي اتحرقت ومفيش أثر لأي إزاز لعربية تانية حتى، يعني أقل حاجة وصلتلنا فحصناها... أما خاتم فضة ده فمظنش... بس حاضر هشوف تاني حضرتك وهرد عليك.
أماء لؤي كأنه يراه ثم أغلق هاتفه بصمت وهو ينظر للسقف مجددًا. لقد رأى ذاك الخاتم حقًا، فكيف له ألا يكون موجودًا؟!
زفر بضيق ثم هاتف صديقه الذي أجابه بصوت ناعس:
خييير يالؤي، فيه إيه تاني؟
لؤي:
إنت نايم وسايبني في الدوامة دي لوحدي... تصدق اللي اختشوا ماتوا بصحيح.
ضحك عمرو بقوة ثم اعتدل وتحدث بهدوء:
قوم تعالى يا لؤي.
لؤي:
طيب جاي... بس بقولك إيه، خلي الحجة أم عمرو تجهزلي عشا معتبر كده، محتاج أتغذى أنا.
ضحك عمرو مجددًا قبل أن يغلق مع لؤي ثم تحرك ليرى والدته، فوجدها جالسة في غرفة الجلوس تشاهد أحد البرامج بتركيز. جلس إلى جانبها ثم قبل يدها بهدوء فربتت على خصلاته بحنان:
صحيت ليه؟... إنت لسه طالع أوضتك من مفيش.
عمرو:
وهو اللي يعرف واحد زي لؤي يشوف الراحة إزاي بس؟
ضحكت السيدة حنان بهدوء وهي تقول بحب:
ربنا ميحرمكوش من بعض يا حبيبي.
عمرو:
يا رب يا ست الكل... طب بالمناسبة بقى، هو جاي وداخل على طمع... عايز يطفح.
ضربته بخفة على كتفه وهي تقول باعتراض:
متقولش كده تاني... هقوم أجهزلكوا لقمة سريعة عما ييجي.
ابتسم عمرو بهدوء فتحركت بدورها متجهة للمطبخ وهي تدعو لكليهما، فهي تحب لؤي أيضًا وتشفق عليه أحيانًا فما خُفي عنه سيدمره يومًا ما إن حدث واكتشفه.
لم يمر الكثير من الوقت حتى تحرك عمرو ليفتح باب المنزل الذي سيكسر على يد لؤي اللعين، إنها عادة تلازمه منذ صغره، لما لا يكف عن الطرق المستمر على الباب ولا يرفع إصبعه عن الجرس كذلك؟ يا إلهي سيقتله يومًا ما بسبب تلك العادة التي تُفقده أعصابه.
عمرو:
شيل إيدك داك قطع إيدك يا بعيد.
لؤي بضحكة:
بتدعي عليا يا مقروض... طب والله ما أنا رادد عليك... فين ماما حنة عشان اشتكيلها منك.
خرجت السيدة حنان من المطبخ بابتسامتها الحنون على صوت طرقاته التي تعرفها جيدًا واعتادت عليها كذلك.
ضربت عمرو بخفة على كتفه وهي تقول:
متدعيش عليه كده تاني.
عمرو بتهكم:
يا أمي ده بيطبل ع الباب مبيخبطش... ده بيعزف... الله.
نظر لؤي لعمرو بانتصار قبل أن يقترب ويقبل جبين السيدة حنان وهو يقول بود:
أخبارك يا ست الكل... عاملة إيه؟
حنان بحب وهي تربت على خصلاته:
أنا كويسة يا حبيبي... تعالى أقعد مع عمرو وأنا دقايق وهحصلكم بالعشا.
لؤي:
تسلملي إيدك يا رب... بس بسرعة والنبي أنا واقع م الجوع.
حنان بحنو:
على طول يا حبيبي... ربنا يا بني يتوب عليكوا م الشغلانة المتعبة دي.
دلفت للمطبخ فجلس لؤي وعمرو معًا وقد بدا وجه لؤي مهمومًا.
عمرو بهدوء:
إيه مالك؟
اعتدل لؤي في جلسته ونظر لعمق عينيه بترقب:
عمرو... هو لو فراس طلع ليه يد في القضية اللي شغالين عليها دي... هتعمل إيه؟
ارتبك عمرو قليلًا ولم يستطع إخفاء ذلك.
لؤي بهدوء:
هتعمل إيه يا عمرو؟
عمرو:
ليه يد إزاي يعني؟
لؤي بهدوء:
عارف العربية اللي شدا طلبت نمرتها؟
عمرو وقد بدا على وجهه الضيق:
مالها؟
لاحظ لؤي الضيق الذي ارتسم جليًا على وجه صديقه لكنه لم يعلق فتابع:
النمرة بتاعة عربية فراس.
عمرو:
وإيه المشكلة يعني... ما إنت عارف إن فراس شغله في المستشفى دي... وبعدين هي شدا دي إيه يعني عايز أفهم... هي مالها أصلًا تتدخل في قضية زي دي... وإنت عادي سامحلها بكده... هو فيه إيه بالظبط؟
صمت لؤي تمامًا ولم يتحدث... هناك خطب ما في صديقه لا يعلم ما هو... حسنًا شدا مستفزة وتتمتع ببرود غريب وكذلك سليطة لسان... لكن لم يحدث بينها وبين عمرو أي حوار ليتحدث بهذا التهكم عنها.
لؤي:
أنا آسف.
عمرو زافرًا بضيق:
لؤي ما قصدتش... أنا اللي آسف.
تحرك لؤي بهدوء:
مفيش حاجة يا صاحبي... أنا هروح دلوقتي وأشوفك الصبح.
تزامن خروجه من غرفة الجلوس مع دلوف السيدة حنان:
إنت رايح فين يا لؤي... العشا يا بني.
قبل لؤي جبينها بحنو وهو يتمتم:
تسلم إيدك يا غالية بس مضطر أمشي دلوقتي... بعد إذنك.
خرج بهدوء فألقى عمرو بالمطفأة تجاه الحائط لتتهشم بالكامل.
تحركت السيدة حنان تجاهه بقلق:
فيه إيه يا حبيبي... مالك متضايق ليه؟ وليه لؤي مشي كده؟
عمرو بضيق:
مفيش حاجة... بعد إذنك هطلع أرتاح شوية.
تحرك بضيق من الغرفة لتتنهد السيدة حنان بحزن... وأخذت تدعو لهما من قلبها.
كان يتناول كوب الشاي مع السيدة ابتهال ودالين في صمت تام قاطعه صوت هاتفه الذي أعلن عن اتصال.
أجاب بهدوء:
ألو يا عمرو.
عمرو:
فراس إنت فين؟... في مشكلة لازم تتحل في أسرع وقت.
ترك فراس كوب الشاي من يده يترقب ما سيخبره به عمرو... فـ تابع عمرو بهدوء:
لؤي افتكر إن كان فيه خاتم ضمن الحاجات اللي اتاخدت للمعمل الجنائي... وكمان في صحفية غبية راحتله ولما رحنا فرغنا الكاميرات معرفش إزاي لمحت العربية بتاعتك واخدت رقمها ادته للؤي يبحث عنه... ولؤي اكتشف إنها بتاعتك ودلوقتي تقريبًا كده بما إن لؤي صاحبي وعارف دماغه فـ أنا واثق إنه هيحط عليك مراقبة.
فراس بهدوء:
كنت متوقع حاجة زي كده... بس مين الصحفية دي؟ وليه أصلًا مهتمة؟
عمرو بلامبالاة:
اللي عرفته إنها صحبة دالين... بس بصراحة ذكاءها خارق ولماحة وعليها لسان تلاتة متر ونص.
فراس بترقب:
اسمها إيه؟
عمرو:
أنا فاكر يا فراس... هعمل إيه باسم واحدة لسانها متبري منها!... هي نفسها اللي كانت متلقحة ع السلم معانا وقت ما جيت هي وصاحبها دي.
فراس بهدوء:
تمام يا عمرو... هشوف هعمل إيه وأكلمك.
عمرو بهدوء:
بلاش تعمل حاجة من غيري يا فراس... خلينا خطوة خطوة مع بعض لو سمحت.
فراس بهدوء:
حاضر... متقلقش... سلام.
أغلق فراس معه وهو ينظر للفراغ بتشوش.
دالين بهدوء:
آآ... معلش ممكن أسألك سؤال؟
فراس دون أن ينظر لها:
عارف سؤالك... صاحبتك الصحفية بتشتغل مع الظابط اللي ماسك القضية.
دالين:
دكتور فراس والله إنت لو كلمتها وفهمتها كل حاجة هتقف معاك... حتى... حتى كمان ممكن تفضل مع الظابط ده بحيث تجيبلك كل تحركاته وأفكاره وكده.
نظر لها فراس مطولًا مما أصابها بالتوتر:
هـ هو أنا قلت حاجة غلط؟... آآ آسفة أنا كنت بس آآ...
فراس مقاطعًا:
واضح إنك إنتي وصاحبتك بتتمتعوا بنفس الذكاء.
أنهى جملته ووقف بهدوء:
أستأذن أنا... وبالمناسبة... لو وجودي هنا بيعمل إزعاج أو حاجة قوليلي... أنا بس...
قاطعته دالين بسرعة وتهور:
لا لا أبدًا بالعكس... أنا بستنى الوقت اللي تيجي فيه أصلًا.
نظر لها فراس فتوترت بسبب غبائها... لكنها أرادت أن تبرر ما قالته الآن فتابعت بسرعة:
يعني عشان أعرف الأخبار وكده وأعرف همشي إمتى بس.
حسنًا يمكن القول الآن بأنها زادت الطين بلة.
ابتسم فراس بهدوء ثم تحرك من المكان... وقبل أن يخرج تمتم بهدوء:
ست ابتهال لو سمحتي معايا شنطة في العربية ممكن تيجي تاخديها؟
السيدة ابتهال بسرعة:
طبعًا يا دكتور.
فراس بهدوء موجهًا حديثه لدالين:
أنا معرفش ذوقك إيه في اللبس أو كده فـ أنا جبتلك زي غرام... بس إن شاء الله الوضع ميطولش ومتحتاجيش منهم حاجة.
ألقى بجملته الأخيرة وذهب تاركًا إياها تلعن غباءها وتسرعها... ما هذا الذي تفوهت به؟!
يا لها من حمقاء ثرثارة.
فراس بهدوء:
ست ابتهال.. أنا عايز أطمنك على أحمد ابنك.. هو كويس جدًا وأنا بعت له مرتب حضرتك وفهمته إنك سافرتي مع دكتورة نسا بره البلد كام يوم عشان تباشروا في علاج مستشفيات عمومية بره.
السيدة ابتهال سريعًا:
ربنا يخليك يا دكتور فراس والله مش عارفة أقولك إيه.
فراس بابتسامة:
ادعيلي بس.. أنا بحب أسمع دعواتك.
السيدة ابتهال بابتسامة:
روح يا ابني يا رب يكرمك في حياتك ويسهل لك كل صعب وييسر لك كل أمورك وكل عسير في طريق حياتك ويكرمك باللي تملأ قلبك وحياتك يا رب.
نظر لها فراس بضحكة عالية:
عيدي كده آخر دعوه.. قلتي إيه؟
السيدة ابتهال:
قلت يكرمك باللي تملأ قلبك وحياتك.
فراس:
أنتِ وغرام بتغشوا الدعوات من بعض؟! غرام باسمعها تدعيلي الدعوة دي كتير.
ابتسمت السيدة ابتهال بحب وهي تتابع:
ربنا يتقبلها يا ابني ويفرح قلبك ويجبر بخاطرك.
ابتسم فراس لها بهدوء ثم ناولها حقيبة الملابس وغادر.
ابتسمت السيدة ابتهال وهي تنظر في أثره قائلة بتمنٍ:
ربنا يا ابني ينور لك طريقك ويلاقي قلبك بقلب دالين.
دلفت للداخل وناولت دالين الحقيبة والتي فتحتها بحماس. أخذت تنظر للملابس بإعجاب حقيقي، فهو لديه ذوق رائع وراقٍ حقًا. وتلك الغرام أيضًا، إن كانت ملابسها كتلك فهي ذات ذوق رفيع. تمنت للحظة بأن ترى غرام الفراس تلك كما أسمتها بينها وبين نفسها من كثرة حديث السيدة ابتهال عن حبهما وتعلقهما ببعضهما البعض. شردت قليلًا وهي تتذكر كيف عانت من وحدتها بلا أخ أو رفيق، فهي لم تُكوِّن صداقة مع فاتن وشدا وبدور وعاصم وحازم سوى من عدة سنوات فقط. أما حياتها كلها قضتها خارج البلاد، وحتى أصدقائها انقطعت عنهم منذ أن عادت. كم تمنت أن ترى فراس وغرام معًا لترى كيف يتعاملان ويكملان بعضهما بهذا الشكل الذي تخيلته جميل، لا بل قمة الجمال. تنهدت بهدوء قبل أن تنتبه لوجود السيدة ابتهال والتي تنظر لها بابتسامة حنونة.
دالين بحمحمة وحرج:
آآ إيه فيه إيه؟
السيدة ابتهال:
أبدًا يا حبيبتي.. شكلك حلو أوي وأنتِ سرحانة.
ابتسمت دالين لها بهدوء ثم استأذنت وصعدت لغرفتها كي تنال قسطًا من الراحة.
وصلًا للمنزل فترجلت من السيارة دون أن تتحدث إليه ودلفت للمنزل بهدوء وصعدت لغرفتها وأغلقت بابها وتمددت إلى فراشها وأخذت تبكي مجددًا على ما آلت إليه حياة ابنتها. ترى أين هي الآن؟ وماذا حدث لها؟
بينما تحرك هو مجددًا بسيارته قاصدًا مستشفى الصاوي ليتحدث إلى رأفت، فربما يُجدي هذا نفعًا.
وصل إليه وترجل من سيارته وسار حتى وصل لمكتبه. دلف ليجده يضع نظارته الطبية وينظر للتقارير أمامه بتركيز. تنهد بقلق ثم دلف وأغلق الباب خلفه.
ماجد:
رأفت.
رفع رأفت عينيه عن التقارير وتعلو شفتيه ابتسامة ساخرة:
اتأخرت ليه كده؟ ده أنا مستني زيارتك دي من زمان.
ماجد:
رأفت.. أنا هنا قدامك.. اعمل ما بدالك بس بلاش دالين.. بنتي بره شغلنا.
رأفت بقهقهة عالية:
مش باقولك اتأخرت يا ماجد.
ماجد بنفاذ صبر وعصبية مفرطة وصوت عالٍ:
اسمع يا رأفت.. أنا ما عنديش في حياتي اللي أخاف عليه غير بنتي.. وصدقني لو حصلها حاجة أقسم لك بالله هوَّديك ورا الشمس.. وأنت عارف ماجد الربيعي يقدر يعمل إيه.
ألجم كليهما صوت فتح الباب وظهور آخر شخص يود رأفت رؤيته الآن تحديدًا.
كانت تجلس إلى أحد المقاعد مع حازم في ذاك الكافيه الذي أخبرهم به أحد أصدقائهم القدامى لينتظرونه هناك.
حازم بهدوء:
شدا أنتِ متأكدة من الخطوة دي؟
شدا بهدوء:
ما فيش حل تاني.. المتخلف اللي ماسك القضية ده مش هيوصلنا لحاجة وإحنا لازم نستغله من غير ما يعرف.
تنهد حازم بهدوء.. ولم يمر سوى دقائق فقط ووصل إليهما صديقهما المنتظر.
رحيم بابتسامة:
عمري ما شفت حد فيكوا من غير الثاني.. ما ترتبطوا بقى يا جدعان.
ضحكت شدا بهدوء وهي تصافحه بود:
لسه زي ما أنت بخفة دمك ما اتغيرتش.
رحيم:
وأنتِ لسه بلسانك اللي عايز يتقص ما اتغيرتيش.
ضحك ثلاثتهم وجلس رحيم معهما بهدوء.
شدا:
اسمع يا رحيم.. أنا ليَّ صديقة مقربة جدًا اتخطفت وفي تحقيق وقضية شغالة.. أكيد سمعت عن دالين الربيعي.
رحيم:
ومين لسه ما سمعش!
شدا بهدوء:
المهم.. اللي ماسك القضية دي عميد حاساه مش كفاءة بصراحة.. فـ أنا عايزاك تساعدني.. إحنا اتفقنا معاه نرافقه خطوة بخطوة في القضية.. وبدأنا أول خطوة بتفريغ الكاميرات اللي في المكان اللي اتخطفت منه دالين.
رحيم بتركيز:
جميل.. وبعدين.
شدا بتنهيدة:
في نمرة عربية أنا حفظتها وعايزاك في أسرع وقت ممكن تعرفلي بتاعت مين.
رحيم:
طب وليه ما قلتيش للظابط ده.. ده حتى يقدر يوصلها أسرع.
شدا:
ده اللي حصل فعلًا.. بس مكالمة التليفون اللي جات له أنا واثقة إنها تخص نمرة العربية.. بس هو بيكذب وأنا متأكدة من كده لأنه وقتها قال ده تليفون يخص قضية تانية وقال إن موضوع النمر ده هياخد وقت.
رحيم:
فهمتك.. طب إيه هي النمرة دي.
أملته شدا رقم السيارة.. وأخبرها بأنه سيهتم بالأمر بنفسه وسيحاول أن يأتيها بمرادها في أسرع وقت.
فراس ببرود:
مساء الخير.
رأفت بتوتر:
فراس؟! خير؟
فراس بنفس البرود:
أبدًا.. كنت هنا بأخلص كام حاجة وجيت أستشير حضرتك في حاجة.
تحول نظره لماجد الذي يقف أمام المكتب ويبدو عليه الانفعال والحزن والغضب والحسرة معًا.. ثم تابع:
بس واضح إنك مشغول.. هاجيلك وقت تاني.
قاطع ذهابه ماجد بقوله:
ما فيش داعي أنا كده كده ماشي.
ثم وجه نظره لرأفت وتابع:
بس لسه ما خلصناش يا رأفت.
غادر ماجد الغرفة تاركًا جوًا مشحونًا في غرفة المكتب الخاصة برأفت والذي يبدو التوتر والارتباك جليًا على ملامحه.
تقدم فراس وجلس إلى المقعد المقابل لمكتب والده ووضع أحد التقارير عليه وهو يقول ببروده المعتاد:
شوف التقرير ده وقولي رأيك.
جلس رأفت محاولًا إخفاء ارتباكه أمام ابنه.. ثم أمسك بالملف أمامه ليتفحصه.. وما لبث أن ازداد ارتباكه أمام أعين فراس المراقبة لكل حركة تصدر عن والده.
رأفت:
أنت وصلت للتقارير دي إزاي؟
فراس:
أفندم؟!
رأفت بسرعة:
آآ.. قصدي ده مستحيل.. دي تقارير مش سليمة وبعدين مين وليد ده؟ أنا ما عنديش دكتور في المستشفى اسمه وليد الدالي.
فراس:
وليد ده أنا عيّنته طبيب جراحة من إمبارح.. وما تقلقش منه.. هو شخص أمين ودكتور كويس وسمعته سبقاه.. وأنا مش هأدخل أي حد المستشفى.. ولا أنت إيه رأيك؟
رأفت بانفعال:
ولما هو كويس وسمعته سبقاه.. جايلنا إحنا عشان يدمر سمعتنا ولا إيه الزفت ده.. التقارير دي مش مظبوطة.. فورًا تعمل تقارير غيرها وواحد من دكاترتنا إحنا اللي يعملها.
فراس بنظرة ثاقبة:
دكاترتنا إحنا؟ هو إحنا لينا دكاترة خاصة ولا إيه؟
رأفت:
فراس.. فورًا تطلّعلي تقارير تانية وخلي مهاب يطلعهم.. أنا ما عنديش استعداد أخسر سمعة المستشفى على إيد دكتور مبتدئ زي وليد بتاعك اللي أول ما شطح نطح ده.
فراس:
ومين قالك إن وليد مبتدئ؟ على كل حال ما عنديش مانع أطلع التقارير دي بنفسي.. وأوعدك مش هسيب المستشفى قبل ما أخلصهم.. بعد إذنك.
ألقى آخر كلماته وهم واقفًا وخرج من المكتب على الفور.
أخذ رأفت يدور في غرفة مكتبه ذهابًا وإيابًا.. لا يدري ماذا سيفعل.. لقد ازداد الأمر سوءًا.. وسيزداد للأسوأ إن فعلها فراس حقًا وباشر تلك التقارير بنفسه.. قام بعمل مكالمة عاجلة وطلب فيها جميع أطبائه وجلس ينتظرهم بفارغ الصبر.
كانت تجلس إلى فراشها تنظر للصور التي جمعت بينها وبين صديقتها ويتآكلها الحزن على ما آلت إليه الأمور.. ترى أين هي الآن وكيف حالها؟
قاطع الصمت المطبق حولها صوت هاتفها الذي أعلن عن وصول رسالة ستغير حياتها للنقيض تمامًا.
نظرت للشاشة المضاءة أمامها لترى إشعار رسالة من هذا الرقم غير المسجل.. كانت ستتغافل عنه لكنها فكرت قليلًا في احتمال أن تكون دالين.. وبمجرد أن وصلت لهذه النقطة من التفكير.. ضغطت على مشاهدتها لترى تلك الكلمات التي نزلت عليها كالصاعقة جمدت جميع حواسها وأطرافها.
تحركت بدون وعي منها حاملة في يدها هاتفها ومفاتيح السيارة خاصتها وغادرت الفيلا على الفور.
ووجهتها هي ذاك العنوان الذي كُتب في نص الرسالة.
كانت تقود بسرعة عمياء ودموعها تسبقها وتشوش عليها الرؤية. كانت ستفتعل أكثر من حادث، ولكن لا، لن يحدث هذا قبل أن تصل أولًا. وصلت أخيرًا حيث العنوان، صعدت للطابق الثالث من هذه العمارة، وقفت أمام باب الشقة لا تعلم ماذا تفعل، أتُكمل خطواتها للداخل أم تعود أدراجها إلى حيثما أتت؟ لكن لا، لن تعود قبل أن تتأكد مما قرأته.
تقدمت وقامت برفع سجادة صغيرة موضوعة أمام الباب لتجد أسفلها مفتاحًا يخص باب هذه الشقة كما وجدت في نص الرسالة تمامًا. فقامت من مكانها وفي يدها المفتاح ووضعته في مكانه المخصص وقامت بفتح الباب ودلفت تقدم قدمًا وتؤخر الأخرى، حتى وصلت للغرفة المفتوحة على مصراعيها أمامها لترى آخر شيء قد يمكن أن تستوعب يومًا رؤيته.
لم تبقَ أكثر فأخذت تركض للخارج بسرعة واستقلت سيارتها وعادت لقيادتها المجنونة مجددًا وهي تتخيل ألف مشهد وسيناريو أمام عينيها.
وفجأة وبدون سابق إنذار اختلت سرعة السيارة وفقدت السيطرة عليها لتصطدم بقوة في الرصيف الجانبي للطريق لتذهب هي إلى عالم الظلام قبل أن يتجمع حشد كبير من الناس حول السيارة التي ستنفجر في أية لحظة بسبب تسرب البنزين منها وكذلك بسبب تلك النيران التي نشبت في مقدمتها.
اقترب أحد الشباب الموجودين ركضًا تجاه السيارة متجاهلًا تمامًا لنداءات جميع من حوله بـ ألا يقترب من السيارة فقد تنفجر في أية لحظة. لكنه قام بضرب باب السيارة عدة ضربات متتالية حتى استطاع فتحه وقام بجذبها من الداخل بحذر وحملها بين ذراعيه وتحرك بسرعة بعيدًا عن السيارة. وصلت سيارة الإسعاف وتم نقلها لأقرب مستشفى وقد دلف معها للسيارة نفس الشاب الذي أخرجها للتو.
******
كانت على وشك الذهاب لمنزلها، لكن قاطعها صوت هاتفها الذي علمت من خلال تلك المكالمة بوجود حادث على الطريق. فحملت مفاتيح سيارتها وهاتفت حازم الذي أخبرها بأنه سيسبقها إلى هناك وبالفعل حدث، لكنه وقف لثوانٍ ينظر للسيارة بشحوب وحلق جاف ودماء متجمدة هربت تمامًا من جميع أطرافه.
وصلت شدا لتجده يقف على هذا الحال فاقتربت منه بسرعة وهي تنظر له بفزع:
حازم.. حازم في إيه؟
حازم بصوت بالكاد خرج:
فـ فـ فاتن.
شدا بعدم فهم:
فاتن؟ مالها فاتن؟
أشار حازم حيث السيارة لتنظر لها هي الأخرى قبل أن تفقد الوعي تمامًا فهرع إليها حازم وحملها بسرعة إلى سيارته وانطلق بها لأقرب مستشفى.
كان يسير في الممر ذهابًا وإيابًا يشعر بأن الدنيا تضيق به. ما هذا الذي يحدث معهم جميعًا؟ دالين أولًا والآن فاتن وتليها شدا. يا إلهي ماذا يحدث.
خرج الطبيب بعد وقت قصير فهرول إليه بقلق.
الطبيب:
ما تقلقش، هي شكلها تعرضت لصدمة سببت لها هبوط في الدم، إن شاء الله تتحسن مع العلاج، وتبعد شوية عن الضغط. ألف سلامة عليها.
تحرك الطبيب فدلف حازم بسرعة إليها ليجدها تنظر للسقف بجمود وفي يدها إبرة المغذي.
حازم بهدوء:
شدا أنتي كويسة؟
شدا:
أيوه.
ثم اعتدلت وبدأت في تحرير الإبرة من يدها.
حازم وهو يقترب ليمنعها:
بتعملي إيه؟ لا سيبيـ..
قاطعته شدا:
أنا مش هقعد هنا ولا دقيقة ريح نفسك، وفورًا خلص لي خروج من هنا عشان لازم نشوف فاتن.
تحرك حازم ودفع الأموال الخاصة بالمستشفى وكان على وشك الصعود مجددًا لغرفة شدا، لكن أوقفه حديث إحدى الممرضات وهي تقول لزميلتها:
الحالة اللي جات لنا من شوية مش عارفينها مين ومحتاجين لها دم كتير، والله ربنا يستر عليها البنت دي، لو نجت من الموت دي تبقى معجزة.
تحرك حازم تجاهها سريعًا وهو يقول بتساؤل:
لو سمحتي، الحالة اللي عملت حادثة بالعربية من شوية، هي دي اللي بتتكلموا عليها؟
أومأت الممرضة فتابع حازم سريعًا:
هي فين؟
الممرضة:
في العمليات الدور الثاني.
كاد يتحرك لكن أتاه صوت شدا المتسائل:
في إيه؟
حازم:
فاتن فوق.
صعدا درجات السلم ركضًا حتى وصلا لغرفة العمليات. شعرت شدا ببعض الدوار فجلست إلى أقرب مقعد، وأخذ حازم يتحرك في الممر بقلق، حتى خرج الطبيب أخيرًا، فهرولا إليه.
الطبيب:
حضراتكم قرايبها؟
حازم مزدردًا ريقه:
أا أيوه، إحنا أصحابها، ممكن تقول لنا إيه حالتها؟
الطبيب بهدوء:
الحادثة كانت جامدة جدًا، وتأثيرها أغلبه في الدماغ للأسف، إحنا قدرنا نسيطر على النزيف الحمد لله، لكن لسه ما عدتش مرحلة الخطر، وكانت محتاجة دم، وكتر خيره الأستاذ ما قصرش واتبرع بكل الدم المطلوب لها.
كان يقول كلماته الأخيرة وهو يشير لذاك الشاب الواقف أمام إحدى الغرف مستندًا إلى الباب.
ثم تابع:
ودلوقتي ندعي لها ربنا يقومها بالسلامة، ولو فاقت خلال 24 ساعة هتبقى عدت مرحلة الخطر، وألف سلامة عليها.
تركهم الطبيب وغادر لتلقي شدا بجسدها إلى المقعد بإنهاك وكذلك حازم الذي أغمض عينيه بتعب، لكنه سرعان ما أخرج هاتفه ليخبر عاصم بما حدث، وعندما علم عاصم أغلق الهاتف دون أن يستمع لباقي الحديث وهرول حيث هي.
******
كان يجلس على كرسيه الخشبي أمام شرفة غرفته ناظرًا للسماء بشرود، يتذكر تلك الساذجة المتعجرفة، تمتلك ملامح هادئة وطفولية جدًا، عينيها الزيتونية اللامعة وأنفها الصغير، شعرها البني المنسدل بحرية حتى نهاية كتفيها، ملابسها الغريبة، فهي تبدو كالرجال في ثيابها، في المرات الثلاث التي رآها بهم كانت ترتدي بنطالًا من الجينز مع كنزات متعددة الألوان وجميعها تدخلها من الأمام في البنطال وتتركها من الخلف، ودائمًا ما تربط ذراعي قميص ما إما في رقبتها ليتدلى على كتفها وظهرها أو تضعه حول خصرها.
لا تضع مساحيق تجميل، فهي ليست بحاجة إليهم من الأساس، هي تمتلك من الجمال ما يغنيها عن أي من مساحيق التجميل.
تلك المتعجرفة لو فقط تحفظ لسانها اللاذع هذا لكانت ملاكًا يسير على الأرض، ولكن أليست ملاكًا؟
حسنًا فليعترف بأن جرأتها تعجبه وبرودها في بعض الأحيان يعجبه، ذكاؤها، أضف لذلك طريقتها الكتابية، أجل لقد قرأ لها عدة مقالات وأعجبه كثيرًا أسلوبها المنمق وسردها المتناسق للأحداث، إنها، إنها مهلكة حقًا.
فاق من شروده على يد والدته التي تضعها على كتفه بحنان وابتسامة عابثة تزين ثغرها. اعتدل لؤي في جلسته وأمسك بيدها مقبلًا إياها بحب.
السيدة جنات:
اللي واخذة عقلك.
لؤي ببلاهة:
هاا!
السيدة جنات:
أنا واقفة من بدري لعلمك، ده غير إني خبطت على الباب أكثر من مرة ولما ما ردتش دخلت، وضيف كمان إنك جاي من بره فاصل تمامًا يعني ودلوقتي عاشق ولهان.
لؤي بضحكة:
عاشق ولهان مرة واحدة؟!
السيدة جنات:
يلا احكي لي.
لؤي بابتسامة:
احكي لك إيه بس، دي بنت عليها لسان أجارك الله، تقوليش سحبوها من لسانها وهي بتتولد!
ضحكت السيدة جنات بقوة وهي تنظر له بعيون دامعة من كثرة الضحك:
عملت فيك إيه؟ ومين دي؟
لؤي:
قضية شغال عليها، ولسوء حظي هي صديقة صاحبة القضية دي، لزقة لي بقى في كل خطوة، بس أي يا ماما ذكية أوي ولماحة ولسانها عايز قصة، بس لو لسانها يتقص، ياااه.
السيدة جنات بابتسامة:
طب ليه من سوء حظك، ما يمكن من حسن حظك، وبعدين لسانها طويل عمال على بطال ولا في مواقف معينة بتحتم عليها تكون كده.
صمت لؤي لتتابع السيدة جنات بحنان:
حبيبي أنت عارف سهوكة البنات ودلعهم اليومين دول، وإنك تلاقي بنت واقفة راجل وقت اللزوم وقوية، صدقني هتديك كل الحب والحنان والرقة لما تكون معاك.
لازم البنت اللي تشيل اسمك تكون قوية يا لؤي، هتبقى واثق ومتأكد من إنها معاك في قمة الرقة والدلع والضعف وتحسسك برجولتك، لكن مع غيرك راجل.
لؤي بابتسامة:
شدا فعلًا قوية وجريئة وما بتستسلمش بسهولة، لكن جانب الرقة ده ما أظنش إنه فيها، يا شيخة دي بتلبس لبس رجالي.
ضحكت السيدة جنات وهي تقول بخبث:
دي مجنناك بقى.
تنهد لؤي بهدوء وهو يتابع:
مش عارف يا ماما، أكيد خير صح؟
السيدة جنات بهدوء:
خير يا حبيبي، ما تضغطش على نفسك، اللي من نصيبك هيصيبك، سيب الأيام تبين لك الجوانب الحلوة اللي فيها، سيبها للوقت يا حبيبي.
لؤي بابتسامة:
إن شاء الله.
تحركت السيدة جنات بعدما طلبت منه أن يرتاح قليلًا فبالتأكيد ينتظره يوم طويل غدًا.
******
تثاءبت بكسل وهي ترمش عدة مرات لترى الضوء الذي ملأ الغرفة، لتقوم بنشاط تتجه لدورة المياه فتأخذ حمامًا سريعًا ثم ترتدي ملابسها المكونة من بنطال أبيض من القماش الضيق من الأعلى ويتسع من بعد الركبة قليلًا ويعلوه تيشيرت سماوي بنصف أكمام وترفع شعرها في تسريحتها المفضلة والتي تعتبر ذيل حصان كما يخبرها فراس دائمًا وتترك العنان لبعض الخصلات لتتطاير على وجهها بحرية، ثم أخذت مفاتيح سيارتها وهاتفها وحقيبتها البيضاء ونزلت درجات السلم تدندن بمرح.
فهي اليوم ستذهب لتقوم بالتوصية على التورتة الخاصة بحفلة عيد الميلاد، والتي ستحرص على أن تكون مزينة من الأعلى بصورتهما معًا. وستحاول أيضًا أن تتعرف إلى بعض المفاجآت التي يمكن أن تفاجئ فراس بها. بالإضافة لكونها ستقيم حفلة خاصة بهما معًا ككل عام في مكان بعيد عن الجميع، حيث يجلسون سويًا تحت السماء ينظران للنجوم ويحاولان رسم أشكال عديدة منها، وكذلك يمارسون السباحة ويلعبون العديد والعديد من الألعاب، ويدربها فراس على ألعابه الرياضية.
خرجت بمرحها المعتاد وذهبت للحديقة، وقبلت رأس والدتها أولًا، ثم استقلت سيارتها وذهبت حيث وجهتها.
هاتفت عمرو ليكون معها، لكنه أخبرها كونه مشغولًا جدًا في الوقت الحالي. فقررت الذهاب بمفردها.
***
عاصم بهدوء:
شدا، روحي انتي ارتاحي شوية وحازم يجيبك تاني.
شدا بنفي:
لا، مش هتحرك قبل ما فاتن تفوق.
قاطعهما صوت بدور التي تأتي ركضًا في الممر، لتقف أمام شدا وهي تسألها بلهاث عما حدث. حاوط حازم كتفيها وأجلسها إلى مقعد مجاور لشدا كي تهدأ قليلًا، فيبدو أنها تبكي منذ أن علمت بأمر فاتن وهذا ما يبدو على ملامحها.
بدور ببكاء:
ليه بيحصل معانا كده؟ دالين وبعدها فاتن. لسه الدور على مين بس؟ ليه كده؟
أخذ يربت على كتفها بحنان محاولًا أن يهدئ من انفعالها.
خرجت الممرضة وهي تنادي على طبيب ما بصوت يكاد يكون صراخًا:
المريضة فاقت يا دكتور.
أتى الطبيب على الفور، ليجلس عاصم على المقعد المجاور له وهو يتنهد براحة. فشوط كبير جدًا قد انتهى الآن. أخذ يحمد ربه كثيرًا لكونها نجت من ذاك الحادث.
خرج الطبيب وطمأنهم جميعًا بأنها تعدت مرحلة الخطر، لكنه سينتظر قليلًا حتى يعلم تأثير الحادث على دماغها، وما الآثار الجانبية له.
***
رواية ضمير ميت الفصل الثامن 8 - بقلم دنيا آلشملول
انتهى من جمع التقارير اللازمة له وخرج من مكتبه ويبدو عليه الإرهاق التام، فهو يعمل على هذه التقارير منذ ليلة أمس. دلف لغرفة مكتب والده فلم يجده، ابتسم بتهكم قبل أن يتحرك من المستشفى بأكملها ومعه تقاريره التي قرر أخيرًا أن يواجه والده بها. هو منذ زمن يشك بأشياء عدة تحدث داخل المستشفى لكنه لم يُعطِ للأمر أهمية أبدًا، لكن الوضع يختلف الآن، فهناك الكثير والكثير يحدث هنا وعليه أن يعلم كل شيء. وقد بدأ في أول شيء ليلة أمس حينما استطاع كشف تزوير بعض التقارير الخاصة ببعض المرضى لديهم. هو يثق تمامًا الآن بأن والده يعلم بهذا، لكن يجب أن يعترف والده بنفسه. وبالتأكيد لن ينسى ما دار بين والده وماجد الربيعي بالأمس، فهو قد سمع ما دار بينهما قبل دلوفه. والآن سيحاول كشف العلاقة بين والده وبين ماجد الربيعي، وما هو الشيء الذي يستدعي أن يختطف والده ابنة ماجد.
أجل فوالده هو من فعل ذلك.
عاد بذاكرته لذاك اليوم حينما خرج من غرفة العمليات وقام بإخبار عائلة المريض أنهم قد فقدوه، قدم تعزيته لهم وغادر.
دلف لغرفته بإنهاك ثم تفحص هاتفه ليجد محاولات عديدة من غرام في الاتصال به، تذكر بأنها أخبرته بقدوم عمرو الليلة. زفر بضيق، ثم قام بغسل يديه ووجهه، واستعد للذهاب.
دلف لجراج المستشفى وتحرك بسيارته متجهًا للمنزل، ولكن أوقفته حركة غريبة في المكان، فتاة يحملها شخصان يرتديان ملابس سوداء مريبة، وضعوها داخل سيارة أمام باب المستشفى الرئيسي ودلفا سريعًا بعدها.
لم يُعطِ لنفسه فرصة التفكير، بل لحق بهما على الفور ودون أي تردد قام بالاتصال بأحد الأرقام.
شادي: دكتور فراس إزيك؟
فراس: شادي أنت في مصر؟
شادي بتعجب: أيوه، في حاجة؟
فراس: محتاج خمس رجالة أمن يقابلوني على طريق (....) وفورًا.
شادي بسرعة: عيني.
أغلق هاتفه ولم يمر سوى خمس دقائق وهاتفه شادي من جديد:
شادي: فراس إحنا على الطريق.
فراس: في عربية نمرتها **** عطلها وخلي بالك مش عاوز حد يتعرض للأذى.
أغلق هاتفه وظل يسير كما هو خلف السيارة التي تسبقه بقليل دون أن يلفت الانتباه لكونه يتبعها. وفجأة ظهرت شاحنة كبيرة قطعت الطريق أمام السيارة التي تسبق فراس، ومن ثم ظهرت سيارة بداخلها شادي والخمس رجال الذين طلبهم فراس، وأشهروا السلاح على السيارة المَعنية.
اقترب أحد الرجال وأنزل السائق والآخر أنزل الفتاة التي تستقل جانبه. نزل فراس في هذه اللحظة من سيارته، أدخل جسده من الباب الخلفي ليرى نبض تلك الفتاة، ثم خرج وشكر شادي وطلب منه أن يتحقق من تلك السيارة ومن مالكها. وفي أقل من نصف ساعة استطاع شادي أن يعلم كل شيء يخص السيارة، وأنها تعود لدالين الربيعي. أمر فراس أحد الرجال بأخذ دالين لعنوان فيلته التي لا يعلم أحد عنها شيء، وطلب من آخر الذهاب للمستشفى الخاصة بوالده وإحضار الممرضة ابتهال الشافعي ليأخذها ويلحق بصديقه إلى عنوان فيلته، وأخبره بأن يجعلها تقوم باللازم من أجلها ولكن عليها ألا تسمح لها بأن تفيق حتى يحضر فراس بنفسه.
نفذ الاثنان ما طُلِب منهما، بينما نظر فراس للرجل والفتاة اللذان اختطفاها، ووجه حديثه للرجل:
فراس: ليه عملت كده؟
لم يجب الرجل فأشار فراس لأحد الرجال فقام بلكم الرجل في معدته حتى بصق الرجل دماءً.
اقترب شادي من فراس متمتمًا بصوت خفيض:
شادي: فراس إحنا على طريق و...
ابتلع باقي كلماته وهو يلمح تلك السيارة التي تقف على بعد منهم جميعًا وتصطف في صمت تام دون أن تظهر إلى النور، ليتابع:
شادي: فراس المكان فيه غيرنا، لازم نتحرك من هنا، الظاهر معاهم ناس تانية.
نظر فراس لذاك المسجى أرضًا وحينما تأكد بأنه لن يتحدث ذهب لسيارته واستخدم أحد العقاقير التي يضعها في حقيبته الطبية، فغاب الرجل عن الوعي.
طلب من أحد الرجال بأن يأخذ الفتاة لمكان آمن حتى يأتيها، ومن ثم طلب من قائد الشاحنة أن يصدم سيارة دالين من الأمام.
أمر شادي أحد الرجال بأن يعقد سيارة دالين بالشاحنة ويتحرك بها لطريق بعيد ومن ثم يتركها ويغادر.
شادي: هنعمل إيه في الراجل ده؟
فراس: هنسيبهولهم.
شادي: تسيبه!!
فراس: يلا يا شادي.
ركب فراس سيارته واتجه بها لمنزله تاركًا ذاك المسجى أرضًا في مكانه، وانفض الجميع من حوله.
أفاق من شروده على عبثه في إصبع بنصره يتحسس خاتمه الذي أتى به عمرو، وتساءل في نفسه:
فراس: الخاتم وقع مني لما كنت بدي الراجل إياه الحقنة لإنه كان في إيدي مش صباعي، ولما ولعوا في العربية بالجثة حطوا الخاتم هناك عشان أنا ألبس الليلة كلها، معقول بابا يعرف بكل ده!
وصل للفيلا وقام بتبديل ملابسه وخرج يبحث عن غرامه، لكن لا أثر لها في المنزل. ذهب لغرفة والدته ولكن قبل أن يطرق الباب سمع الحوار الذي تحول لشجار حاد بينهما وكانت وقع كلمات ذلك الحوار كالسوط على جسده، يجلده دون رحمة، ماذا يحدث بحق الله؟! ما هذا الذي يتحدثون عنه؟!
******************************************************************
أنهت كل شيء تنوي فعله ثم دلفت للسيارة ووضعت الحقائب التي جلبتها في الخلف وجلست أمام المقود وقادت حيث وجهتها الأخيرة.
وصلت أخيرًا، ولكنها وجدت شيئًا غريبًا يحدث، لما كل تلك الحراسة على الفيلا؟
وصلت للبوابة الكبيرة ففتح لها الحارس الذي يعرفها جيدًا لتدلف بالسيارة وتقوم بصفها بهدوء قبل أن تنظر إلى باب الفيلا الداخلي لتجد امرأة يبدو عليها الكبر قليلًا تخرج منها مبتسمة وتتجه نحوها، لتعقد حاجبيها بعدم فهم وهي تدرك ملامحها التي ظهرت جلية أمامها، أجل إنها السيدة ابتهال.
وقفت السيدة ابتهال فجأة ولم تتحرك حينما لمحت غرام وهي تنزل من السيارة وليس فراس، ابتلعت ريقها بتوتر قبل أن تصل لها غرام وتصافحها بود متسائلة:
غرام: إيه ده هو فراس سبقني وظبط الفيلا ولا إيه؟
عقدت السيدة ابتهال حاجبيها بعدم فهم، لتتابع غرام:
غرام: في إيه؟ هو فراس مش هنا؟
نفت السيدة ابتهال برأسها وهي تنظر لها بتوتر.
فتابعت غرام:
غرام: طب خلاص، تعالي لو سمحتي شيلي معايا الشنط دي ندخلها جوه، كويس إنك موجودة عشان حاجات كتير أوي عايزة أعملها وكنت محتارة بجد هعملها لوحدي إزاي، بس ربنا رزقني بوجودك.
أنهت كلماتها وهي تعطيها بعض الحقائب وتحمل هي البعض الآخر وتهرول للداخل بمرح بحذائها الرياضي السماوي المتناسق مع ملابسها تمامًا.
لكن اختفت ابتسامتها وهي ترى فتاة تقف أسفل الدرج بتوتر ووجه شاحب.
******************************************************************
بعدما نُقلت فاتن لغرفة عادية دلف إليها عاصم أولًا.
جلس إلى مقعد مجاور لفراشها ثم أمسك بيدها وقبلها بقوة، حركت أصابعها وهي تفتح عينيها ببطء تتمتم بضعف:
فاتن: عـ عاصم.
عاصم وهو يضغط على يدها:
عاصم: أنا جنبك، جنبك يا كل حياة عاصم وعمره كله.
ابتسمت بتعب ثم أغمضت عينيها مجددًا.
تسربت دمعة خفية جاهد لحبسها من بين جفنيه، لكنها خرجت الآن فقط لتنُمَّ عن حمل ثقيل قد سقط للتو. يا إلهي لقد كاد يفقدها، كيف له أن يحيا دونها، كيف بعد كل تلك السنوات وكل هذا الحب أن ينتشلها الموت فجأة منه، لن يحتمل مجرد الفكرة، لن يحتمل أبدًا. أفاقته تلك اليد التي تربت على كتفه بحنان ليلتفت بسرعة إليها فيجدها والدته، يا إلهي كم اشتاق إليها، وقف بسرعة وألقى بنفسه بين أحضانها كطفل ضائع وجد مأمنه أخيرًا.
أخذ يشهق بقوة بين يديها يشكيها كل آلامه وأثقاله، أخذت تربت على ظهره بحنان وهي تتمتم:
الأم: متقلقش حبيبي، الحمد لله هي بقت كويسة، فاتن قوية وهتقوم بالسلامة، هي كمان متقدرش تسيبك في العذاب ده أبدًا. بدأ يهدأ شيئًا فشيئًا، فجلس كلاهما بهدوء ليتحدث عاصم قاطعًا الصمت بينهما:
عاصم: عرفتي إزاي؟
السيدة روح بارتباك:
روح: مش مهم دلوقتي حبيبي، المهم نتطمن على فاتن.
أومأ عاصم بصمت، وبعد وقت ليس بطويل دلفت شدا وحازم إلى الغرفة بعد طرقات خفيفة على الباب.
شدا: طنط روح؟!!
روح: شدا حبيبتي، ياااه سنين مشفتكيش، اتغيرتي أوي.
ابتسمت شدا بهدوء ثم اقتربت من روح لتعانقها بود وحب، لطالما كانت أم ثانية لها ولبدور مع والدتها التي هي بمثابة صديقة مقربة منها، ولكن لم يدم وجودها بينهم لوقت طويل، فلقد انفصلت عن مراد والد عاصم منذ ما يقارب السبع أعوام وسافرت لإنجلترا، وكانت تتردد الزيارات من عاصم إليها أو يتحدثان في الهاتف أو عبر مواقع التواصل وهذا بعدما استقرت وتزوجت أيضًا هناك.
حازم بابتسامة ومزاح:
حازم: إوعي تكوني مش فكراني، أزعل والله.
ضحكت روح بهدوء وهي تقرص وجنته بأصابعها بخفة:
روح: أنسى الدم الخفيف والضحكة الحلوة والعيون القمر دي إزاي بس!
حازم وهو يعدل ياقة تيشيرته بغرور مصطنع:
حازم: أنا قلت كده بردو.
ضحكت بخفة على حركته ثم نظرت لعاصم الذي ينظر لفاتن بترقب، فحولت نظرها إليها لتجدها ترمش بهدوء فاقتربت منها وأمسكت بكفها بحنان وهي تقول بصوت بالكاد يُسمع:
روح: حبيبتي ألف حمد الله على سلامتك، كده قلقتينا عليكي.
استطاعت فتح عينيها أخيرًا لترى كل شيء بوضوح، حولت نظرها لليمين لتجد والدة عاصم تجلس القرفصاء ممسكة بيدها وتبتسم لها بحنان وبجانبها عاصم يجلس إلى طرف الفراش وعينيه حمراوان ولا تعلم سببًا لذلك.
حولت نظرها لنهاية الفراش لتجد شدا وحازم يقفان مقابلها يبتسمان لها بهدوء.
دلفت بدور في هذه اللحظة وحاولت التحدث ببعض المرح:
إيه ده لحقتي تفوقي؟ وأنا اللي قلت هقعدلي عشرتاشر ساعة أعيط.
ضربتها شدا بخفة على كتفها وهي تتمتم:
نقي كلامك.
ابتسمت فاتن بهدوء ولكن سرعان ما اختفت ابتسامتها وهي ترى والدتها تدلف للغرفة بفزع:
فاتن.. بنتي.. إيه اللي حصل؟ فيه إيه؟ حد ينط....
ابتلعت باقي حروفها وهي تلمح روح الجالسة إلى جانب ابنتها وتمسك بيدها فتحولت نظراتها للقتامة والغل:
انتي بتعملي إيه هنا!
روح ببرود:
شوفة عينك.. مرات ابني عملت حادثة وأول طيارة جبتني عشان أتطمن عليها وأكون جنبها.
كانت تتحدث وهي تضغط على حروفها بطريقة ملحوظة.
لتتحدث سمر بانفعال:
وأنا آخر من يعلم؟ اللي في إنجلترا بلغتوها باللي حصل لبنتي وجت قبل مني.. وأنا آخر من يعلم.
شدا بتهكم:
وحضرتك كنتي فين لما بنتك خرجت في نص الليل بعربيتها عشان يحصل اللي حصل؟ معقولة مسمعتيش صوت العربية وهي خارجة من الفيلا!
سمر بحده:
إلزمي حدودك يا شدا.
روح بهدوء لإنهاء الحوار:
شدا لو سمحتي يلا كلنا لازم نخرج.. فاتن المفروض ترتاح شوية.
ضغطت فاتن على يدها حتى لا تذهب.
نظرت لها روح وتفاجأت بتلك الدموع المترقرقة في عينيها وهي تجاهد ألا تسقط.
تنهدت بحيرة.
فوجودها لن يجدي نفعًا لفاتن سوى الانفعال، لأن سمر لن تصمت، وهذا سينتهي في نهاية المطاف بمشادة كلامية حادة ولاذعة، فكلتاهما لم يتفاهما يومًا.
تحدثت بهدوء أخيرًا وابتسامة مطمئنة تزين ثغرها:
حبيبتي ارتاحي شوية وأنا موجودة مش هسافر قبل فرحك انتي وعاصم.. بس شدي حيلك وقوميلنا بالسلامة.
فاتن بضعف:
خليكي جنبي متخرجيش.
سمر بضيق:
أنا هفضل جنبك.
نظرت لها فاتن بحده وكانت ستتحدث لكن يد روح التي ضغطت على يدها منعتها من ذلك، فأشاحت بوجهها بعيدًا.
بدور بتساؤل وهي توزع نظرها بين شدا وحازم:
أمال مين اللي اتبرع لفاتن بالدم وفضل جنبها لحد ما انتوا وصلتوا؟
حازم متذكرًا:
أيوه الممرضة تحت قالتلي في واحد جه معاها واتبرعلها بكل الدم اللي محتاجاه.. ولما خرج الدكتور شاورلنا عليه بس عما الدكتور خلص كلامه واتحرك بصيت ناحيته ملقتوش.. لدرجة شكيت إنه مكنش موجود أصلًا.
شدا عاقدة حاجبيها:
أنا ما خدتش بالي من وجوده خالص ولا شفته.
عاصم:
أنا هخرج أشوف الدكتور يطمنا على فاتن وهسأل عنه.. لازم نشكره.
روح بتوتر:
ااا.. أكيد طالما اختفى حبيبي فهو فاعل خير وحب يساعد من غير ما يعرف نفسه.
عاصم بهدوء:
ولوه يا أمي لازم نشكره على الأقل.. يلا أنا طالع شوية وجاي.
خرج عاصم وبقيت الفتيات بجانب فاتن وكذلك حازم وروح وسمر اللتان تنظران لبعضهما كل فنية وأخرى.
قطع هاتف شدا الصمت السائد في الغرفة.
فتحركت بهدوء بعد أن استأذنت بالخروج قليلًا فلحق بها حازم على الفور.
شدا:
ها يا رحيم إيه اللي تم؟ وصلت لحاجة؟
رحيم بهدوء:
أيوه.. نمرة العربية لواحد اسمه فراس رأفت الصاوي.. وده طبيب جراح كبير.. ابن رأفت الصاوي صاحب مستشفى الصاوي الخاصة.
شدا بصدمة:
فـ فراس؟!
نظرت لحازم وهي تقول بهدوء:
مش فراس ده اللي قابلناه على باب المستشفى إمبارح والظابط اللي كان مع لؤي قال إنه يعرفه؟
أومأ حازم مؤكدًا على حديثها فتابعت شدا:
تمام يا رحيم.. تعبتك معايا معلش.. شكرًا أوي.. بس احتمال أحتاجك تاني.
رحيم:
عيب يا شدا الكلام ده.. أي حاجة في أي وقت كلميني على طول.
شدا:
شكرًا يا رحيم.. مع السلامة.
أغلقت الهاتف وهي تنظر للفراغ بشرود.
حازم:
هنعمل إيه؟
شدا:
أنا واثقة إن التليفون اللي جه للؤي وإحنا قدام المستشفى ماكنش زي ما قال قضية تانية.. هو عرف وقتها إن العربية دي لفراس.. وإحنا كالعادة لازم نسبق الظابط ده بخطوة.. وبما إن لؤي وصاحبه شغالين في القضية دي وفراس ده معرفة صاحب لؤي فأكيد في حاجة في الموضوع ده ولازم نعرفها.
حازم:
أنا بقول بس نفصل بين طنط سمر وطنط روح وبعدين نمشي.. لإن الوضع هنا بيهدد بالانفجار في أي لحظة.
شدا:
فعلاً.. بس عاصم يقدر يحل الموضوع ده.. هنمشي حالًا.. يلا.
*****
جلس عاصم أمام الطبيب بهدوء.
الطبيب:
اتفضل يا باشمهندس.
عاصم:
أنا بس عاوز أسأل حضرتك عن حالة فاتن.
الطبيب:
لاااه دي الآنسة فاتن الحمد لله كويسة جدًا دلوقتي.. بفضل الله الأشعة كويسة.. وكمان هي وصلتنا في وقت قياسي جدًا.. وقدرنا نسيطر على النزيف اللي حصل وكمان ننقلها الدم المطلوب.. فـ الحمد لله.
عاصم:
طب أنا عاوز أعرف مين اللي اتبرع بالدم ده ومين اللي جابها هنا؟
الطبيب:
اممم.. أنا معنديش فكرة عن اسمه أو هو مين بالنسبالها أو كده.. اللي عرفته إنه جابها واتبرعلها.. فحضرتك تقدر تسأل في الاستعلامات تحت وهما يبلغوك باسمه.
أومأ عاصم ثم تحرك وشكره.. وغادر الغرفة بصمت متجهًا للاستعلامات.. لكنه صدم عندما أخبروه أن المتبرع رفض تمامًا أن يعلم أحد بهويته.
صعد عاصم لغرفة فاتن وعقله مشتت تمامًا.. من يكون؟ ولما فعل ذلك؟
*****
كان يجلس في مكتبه يراجع بعض الأوراق الخاصة بالقضية نفسها قبل أن يقاطعه دلوف عمرو المفاجئ:
سيادتك ما بتتهببش ترد على تليفونك ليه؟
لؤي:
تليفوني نسيته في البيت.
عمرو:
لا فالح.. طب قوم يلا خلينا ناكل حاجة أنا واقع من الجوع.
لؤي:
لا سبقتك.
عمرو:
لؤي إنت لسه متضايق من اللي حصل إمبارح؟ أنا بجد ما قصدتش.
لؤي:
من إمته بزعل منك يا صاحبي؟
عمرو:
خلاص يبقى تقوم تاكل معايا عشان أستأكد.
لؤي بضحكة:
تستأكد!!
عمرو:
أيوه بالظبط كده.
طلب عمرو طعامًا لهما وجلسا يأكلان بهدوء.
عمرو:
ما قلتليش يا لؤي.. ليه قلتلي إن فراس ممكن يكون ليه يد في القضية دي؟
لؤي:
زي ما قلتلك موضوع العربية.
عمرو:
بس مينفعش نجزم بحاجة زي دي قبل ما نتأكد.. يعني جايز مجرد صدفة.
لؤي:
أنا ما جزمتش يا عمرو.. أنا قلت احتمال.. وطالما احتمال يبقى لازم يدخل ضمن التحقيقات.. ودالين اللي فص ملح ودابت دي.. وكمان موضوع الجثة اللي هتجنني أصلًا.. وكمان الخاتم اللي اختفى.. في حاجة غلط يا عمرو.
عمرو بتنهيدة:
لؤي أنا هقولك كل حاجة.
عقد لؤي حاجبيه بعدم فهم فتابع عمرو بهدوء:
أنا عارف كل اللي حصل.. بس عايزك توعدني إن حتى لو القضية وصلت للتقييد ضد مجهول ما تتصرفش أي تصرف يندمني إني قلتلك الحقيقة دي.
لؤي:
إيه الكلام ده يا عمرو؟ فيه إيه؟
أخذ عمرو شهيقًا طويلًا وبدأ يقص كل شيء على لؤي الذي فغر فاهه بذهول ولم ينطق بأي حرف من هول ما سمعه للتو.
عمرو بهدوء:
أنا ما قدرتش أشوفك في التوهة دي كتير يا لؤي وقلتلك كل اللي حصل.. بس.
رواية ضمير ميت الفصل التاسع 9 - بقلم دنيا آلشملول
الحلقة التاسعة:
أخذت تنظر للفتاة الواقفة أسفل الدرج بعدم فهم وتساؤل، وأخيرًا تحدثت السيدة ابتهال:
"آه دي غرام أخت دكتور فراس يا دالين، ودي يا غرام يا بنتي دالين."
غرام بتساؤل:
"دالين مين؟"
ابتهال:
"والله يا بنتي أنا مش هقدر أقول لك حاجة غير لما ييجي دكتور فراس الأول، أعذريني يا بنتي."
غرام بهدوء:
"ولا يهمك يا ست ابتهال، آه، طب هو فراس هييجي على هنا ولا إيه؟"
ابتهال:
"والله ما عارفة يا بنتي."
غرام:
"طيب أنا هكلمه مفيش مشكلة، اتشرفت بمعرفتك يا دالي."
ابتسمت دالين بهدوء على نطقها لاسم دالي، والذي لا يناديها به سوى أصدقائها المقربين فقط، واستبشرت بأن غرام ستكون مقربة إليها هي الأخرى.
خرجت غرام من الفيلا إلى الحديقة وجلست إلى أحد المقاعد وأخرجت هاتفها وقامت بمهاتفة فراس عدة مرات لكنه لا يجيب.
زفرت بضيق ثم تحركت لتذهب لكنها وجدته يدلف بسيارته، فتوقف بمجرد أن لمحها، خرج بهدوء فاقتربت منه وفي عينيها ألف سؤال وسؤال.
قبل فراس رأسها بحنان ثم حاوط كتفيها وجلس معها بهدوء وصمت.
غرام:
"مش عايز تقول حاجة يا فراس؟"
فراس:
"أقول لك إيه يا غرام؟ أقول لك دالين دي واحدة أنقذتها من ناس كانوا هيخطفوها؟"
غرام:
"طب ماشي ليه ما بلغت عنهم؟ وإزاي تخبيها هنا؟ دي مهما كان بنت يا فراس."
فراس:
"مش عارف، هي جت كده يا غرام، هي جت كده."
غرام بهدوء:
"طب حبيبي، ما فكرتش في أهلها؟ حالهم إيه دلوقتي؟ وأنت يا فراس؟ لو حد اكتشف وجودها هنا هيحصل فيك إيه؟"
فراس:
"محدش هيعرف حاجة عن وجودها هنا، ولحد ما أوصل للي كانوا عايزين يخطفوها وأعرف السبب، دالين هتفضل هنا."
غرام بمزاح محاولة تهدئة الأجواء قليلًا:
"آه، قول كده بقى، دالين ها."
نظر لها فراس بعدم فهم لتغمز بعينها وهي تحرك رأسها جهة اليمين عدة مرات بعبث.
فراس بضحكة:
"بطلي جنانك ده، الموضوع مش كده."
غرام وهي تلكزه في كتفه:
"مش كده ها؟ طب عيني في عينك كده."
فراس:
"اسكتي يا بت، همد إيدي عليكي."
غرام بشهقة:
"لا عاش ولا كان اللي يمد إيده عليا، ده أنا عندي أخ بنظرة يرد اللي يضربني قتيل في لحظتها يا حبيبي، اتكلم على قدك يا بابا."
فراس ضاحكًا وهو يتحرك من أمامها:
"مجنونة والله."
قفزت غرام عليه من الخلف وأخذت تعض أذنه بمزاح بينما أمسكها من رقبتها ولف ذراعه الآخر ليمسك بها جيدًا من ظهرها حتى لا تسقط، فاستقرت على ظهره وقدميها معلقتين في الهواء، فاستدار بها لتصرخ بخوف:
"لا لا لا يا فراس لا بلاش بلاش تدوخني، توبة والله، والله توبة مش هعمل كده تاااني، عااااا."
أنزلها أرضًا وهو ينفض أذنه من صراخها الذي شعر أنه أصمه، لكنه فجأة ضحك بقوة على مظهرها وهي تترنح أمامه بسبب الدوار الذي داهمها.
نظرت له بغيظ وحاولت الركض خلفه مجددًا لكنها تراه يتحرك بعشوائية رغم كونه يقف مكانه ولا يتحرك، اقترب منها وحاوط كتفها بذراعه ثم وضع قدمه خلف قدميها والأخرى أمامها وبحركة سريعة حرك قدمه الخلفية فأسقطها أرضًا وسقط إلى جانبها وهما يضحكان، وقد نسيا تمامًا كل شيء حولهما، ولم ينتبها أيضًا لتلك التي تقف أمام الزجاج الفاصل بين غرفة الجلوس والحديقة تراقبهما بابتسامة حزينة، اقتربت منها السيدة ابتهال وهي تضع يدها على كتفها بحنان:
"فراس وغرام، توأم آه بس روح واحدة في جسمين."
دالين بهدوء:
"شكلهم حلو قوي، وفراس ضحكته جميلة وهو معاها."
ابتسمت السيدة ابتهال وهي تقول بهدوء:
"ربنا يكرم قلبك اللي بيتمناه."
دالين بدون وعي:
"يااارب."
ابتسمت السيدة ابتهال بهدوء على براءتها وتلقائيتها، ولكن قاطعهما دلوف فراس وغرام.
ارتبكت دالين قليلًا فاقتربت منها غرام وقامت باحتضانها بقوة وكأنهما يعرفان بعضهما منذ زمن، تفاجأت دالين من فعلتها لكنها بادلتها إياه بود، ابتعدت غرام بهدوء وهي تقول:
"أهلًا بيكي، وبتمنى نكون أصحاب مقربين، أنا مليش صديقات، كل اللي معايا زملاء وبس."
دالين بابتسامة:
"يشرفني أكيد."
ابتسمت غرام ثم تحدثت مجددًا موجهة حديثها لفراس:
"فروس، أنا جعانة قوي."
السيدة ابتهال سريعًا:
"دقايق وأحط الأكل وناكل كلنا."
ابتسمت غرام وجذبت دالين من يدها ولحقت بالسيدة ابتهال لينهيا الطعام معها.
أعجبت دالين بغرام وبساطتها كثيرًا وتمنت حقًا أن يكونا صديقتين، وستعرفها على أصدقائها كذلك بمجرد عودتها إليهم، حينما وصلت بتفكيرها إلى هنا اكتسى الحزن ملامحها، وقد لاحظت غرام ذلك فأرادت مشاكستها قليلًا لتبعدها عن التفكير بشيء محزن:
"اللي واخد عقلك يتهني."
ابتسمت دالين:
"لا لا متروحيش بعيد."
غرام بغمزة:
"احلفي وأصدقك."
ضحكت دالين وهي تتابع:
"أنت عسولة قوي."
غرام وهي تنفض الغبار الوهمي عن كتفها بمزاح:
"ثانكيو ثانكيو أخجلتم تواضعنا والله."
ضحكت دالين على حركتها وكلماتها ولم تنتبه لذاك الذي يستند إلى باب المطبخ يراقب ضحكتها الرنانة بابتسامة زينت ثغره وقد تحرك تجاهها شيء ما بداخله أو ربما سلبت هي شيء ما من داخله لا يعلم ماهيته، لكن سماع ضحكتها الآن أودى به في بئر لم يتخيل يومًا السقوط فيه، إنه بئر الحب.
لكن ترى هل سيسقط واقفًا على قدميه أم سيعاني الويلات إثر سقطته التي ستؤلم ظهره كثيرًا؟
أفاقه من شروده صوت غرام:
"فراااااس."
فراس بانتباه:
"إيه يا بت ده بتصوتي كده ليه؟"
غرام:
"بنادي عليك من ساعة، أدخل يلا هناكل."
نظر فراس حوله ليجد ثلاثتهم يجلسون إلى السفرة الخاصة بالمطبخ، يا إلهي، هل شرد لتلك الدرجة التي لم يلحظ بأنهم قد انتهوا من تحضير الطعام وجلوسهم أيضًا؟!
حازم مقاطعًا الصمت المطبق في السيارة:
"وآخرة الوقفة دي إيه؟"
شدا:
"هنستناه لما يطلع."
حازم:
"آه، وهنستفاد إيه بقى؟"
شدا:
"يوووه يا حازم، أنت بتتكلم كتير ليه؟ لو مش عايز تكمل معايا أنا هكمل لوحدي."
حازم بضيق:
"لا يا شدا، أنا بس حبيت أعرف بتفكري في إيه يمكن وجودي يبقى له فايدة جنبك مش أكتر."
قال آخر كلماته ثم نظر من النافذة بصمت، مما جعل شدا تعض على شفتيها بندم.
شدا بهدوء:
"آسفة."
لم يرد فتابعت:
"حازم بقى خلاص، آسفة بجد ما كنتش أقصد اللي قلته، أنا بس متوترة وقلقانة وخايفة وحاسة إني شايلة حمل كبير قوي، دالين وفاتن ولؤي وصاحبه وفراس ولسه ما عرفش إيه تاني مستنينا، كل حاجة ملخبطة، آسفة بجد."
استدار حازم ليواجهها:
"طب وهي دالين ولا فاتن صحابك لوحدك يا شدا؟ خايفة عليهم لوحدك؟ بلاش يا ستي، أنا لازمتي إيه دلوقتي معاكي؟ دوري إيه في كل ده؟ أنت تقولي يلا فهو يلا، عايزة تعملي ده فهو ده، طب وأنا يا شدا، يا شدا دالين مش صحبتك لوحدك، دالين صحبتي وأختي أنا كمان وأمرها يهمني، وفاتن نفس الحوار، وأنت يا شدا كمان، أنا مش قادر أشوفك بتلفي حوالين نفسك كده وأنا واقف أتفرج، أنا كمان عايز أساعدك، قولي لي بتفكري في إيه وخلينا نفكر مع بعض، أكيد هتحتاجيني وأكيد هنكمل أفكار بعض."
شدا:
"آسفة بجد، أنا ما فكرتش بالطريقة دي."
حازم بمشاكسة:
"ولا يهمك، أنا أصلًا لو ما استحملتكيش هجيب مين يستحملك، يلا ربنا يعوضني خير بس."
شدا رافعة إحدى حاجبيها:
"نعم يا أخويا!"
حازم بضحكة:
"خلاص يا شبح بهزر."
تحمحم وتابع بجدية:
"تفتكري الحراسة اللي ع الفيلا دي، طبيعي؟"
شدا:
"ما ظنش، وزي ما أنا جوايا إحساس بغموض ناحية فراس، فأنا متأكدة إنه له علاقة باللي حصل لدالين، والفيلا دي مش فيلا الصاوي، وعليها حراسة، الموضوع..."
قاطع حديثها صوت هاتفها الذي أعلن عن اتصال من آخر شخص قد يخطر ببالها أن يهاتفها يومًا.
نظرت لحازم الذي نظر لها بتساؤل فتحدثت بهدوء:
"الظابط."
حازم:
"طب ردي بسرعة مستنية إيه؟"
أجابت شدا بهدوء:
"ألو."
هل جميع الفتيات المتعجرفات يقولون الألو بهذه الرقة!!
شدا بحدة عندما لم يصلها ردًا منه:
"هو حضرتك بتجرب الرقم مثلًا ولا دي عادة ملزماك فبتتصل ع الناس وتسكت؟"
قاطع شروده هذا حدتها فتحمحم بضيق وهو يغمض عينيه بقوة، لماذا هاتفها من الأساس؟
لؤي بهدوء:
"ممكن تتكلمي بأدب لو مرة واحدة في حياتك؟"
شدا:
"نعم؟ أنت متصل تديني درس في الأخلاق مثلًا!"
لؤي:
"لا أخلاق ولا مأخلاقش يا ستي،"
انتي متلقحة فين دلوقتي؟
توسعت عينيها وهي تتمتم بذهول:
متلقحة؟!!!
هنا وانفجر حازم في الضحك وهو يضع يده على فمه كي يكتم صوته فنظرت له شدا بضيق فأدار وجهه للنافذة بسرعة ولا يزال على حالته.
لؤي:
سوري يا شدا هانم .. حضرتك مشرفة أي مكان بوجود سعادتك.
شدا:
وحضرتك بتسأل ليه إن شاء الله؟
انتبه لؤي لسؤاله .. حقًا لما يسألها؟!!!!
تحمحم مجددًا وهو يقول بهدوء:
ممكن نتقابل؟.. في كذا حاجة عايز أسألك عنها بخصوص دالين.
شدا بسرعة:
انت وصلت لحاجة؟
لؤي:
ااا .. مش أوي .. أشوفك بعد ساعة في كافتريا (....).
أغلق الخط قبل أن يستمع لردها .. لتلقي بالهاتف على تابلوه السيارة وهي تلعنه تحت أنفاسها ذاك المتعجرف.
حازم بعدما استطاع السيطرة على ضحكاته:
ها .. قالك إيه؟
شدا:
عايز يقابلنا عشان يسألنا على كذا حاجة تخص دالين.
حازم بهدوء:
طب ومستنيه إيه؟
شدا وهي تنظر لبوابة الفيلا:
ولا حاجة .. هنروحله.
تزامنت آخر كلماتها مع تشغيلها للسيارة ثم انطلقت من أمام الفيلا التي دلفها فراس منذ قليل.
*******
انتهوا جميعًا من تناول الطعام وقامت غرام بمساعدة السيدة ابتهال في أمور المطبخ .. بينما خرج فراس لغرفة الجلوس وتبعته دالين.
أخذ ينظر إليها وإلى يديها التي تفركهما دومًا حينما تكون متوترة وعينيها التي لا تتمركز أبدًا في اتجاه واحد حينما تود قول شيء ما ولا تعلم من أين تبدأ .. ابتسم حينما لاحظ حركتها الملازمة لفرك يديها والتي تتمثل في رفع أصابع الوسطى والسبابة والإبهام معًا لإزالة خصلات وهمية على وجنتها.
فراس بهدوء:
لسه مكلمتهاش.
نظرت له دالين بسرعة وتفاجؤ .. كيف علم بما تريد سؤاله عنه؟ أمفضوح أمرها لهذا الحد!!
أومأت بصمت وكانت على وشك الذهاب من أمامه لكن أتاها صوته مجددًا:
دالين أنا مش ساكت .. أنا بحاول .. عارف إنك تعبتي وزهقتي ومليتي .. عارف إنك حاسة بالوحدة .. وعارف إن العالم بره واحشك وأصحابك وأهلك .. بس أنا بجد ما بعملش كده غير عشانك .. وأنا سبق وقلتلك لو عايزة ترجعي ما عنديش مانع.
دالين بسرعة:
لا لا أنا زي ما قلتلك قبل كده .. أنا واثقة فيك.
ابتسم لتلقائيتها بينما لعنت هي تسرعها للمرة الألف أمامه.
فراس بهدوء:
إن شاء الله أكون قد الثقة دي.
أومأت بصمت قطعه صوت غرام المرح وهي تقفز من فوق المقعد لتستقر بجانب فراس:
بتقولوا إيه من ورايا.
فراس صافعًا جبهتها بخفة:
اكبري بقى .. انتي كام يوم وتبقي ٢٦ سنة.
غرام ضاحكة:
أنا كل يوم أسمع الموشح ده .. يا جماعة .. يا جماعة أنا ما بكبرش أبدًا .. هفضل كده صغنونة مهما عدا الزمن .. سأصمد رغم أنف الحاقدين الحاسدين الناظرين إليّ على أنني شخص بالغ عاقل راشد وأنا في الواقع مجنونة شعنونة.
ضحكوا جميعًا على ما تفوهت به غرام وكانت ضحكاتهم جميعًا صافية .. وكأن الدنيا خلت من الهموم في تلك اللحظة .. ما المانع!! ما المانع أن نخطف لحظات من داخل همومنا ونجعلها لحظات مخلدة في الذاكرة من جمالها وروعتها! .. ما المانع في أن نحيا كل لحظة بمشاعرها ونترك الأيام تأتينا بما كتبه القدر لنا؟.. بما سيفيد الحزن؟.. لا شيء .. لا شيء أبدًا .. فلنختلق نحن السعادة بأنفسنا ونحياها.
فراس بهدوء:
يلا يا غرام عشان ورانا كذا حاجة.
غرام:
طب روح أنت حبيبي وأنا ساعة كده وهروح .. عايزة أتعرف على دالين أكتر .. بليز فراس.
فراس بابتسامة:
أوك .. بس ما تتأخريش .. وكمان ااا .. يعني ..
غرام مقاطعة:
فاهمة حبيبي .. ما تقلقش .. محدش هيعرف حاجة وأنا مجرد ما أخرج من هنا هنسى أصلاً إني جيت.
قبل فراس جبينها ثم ذهب كي ينهي ما بدأه .. بينما جلست غرام ودالين معًا يتحدثون في كل شيء وفي اللاشيء .. وقد اقتربتا كثيرًا من بعضهما البعض.
*******
رأفت بحدة:
أنت بتقول إيه؟.. يعني إيه مالهمش أثر .. أنا عايز أعرف في أسرع وقت بنت ماجد فييين.
المتصل:
يا رأفت بيه والله البنتين كأنهم فص ملح وداب .. مالهمش أي أثر خالص .. حتى الناس اللي كانوا بعربيات وأخدوهم .. رغم إنهم ما شافوناش بس قدروا يهربوا من الناس اللي كانت معانا.
رأفت بتهديد:
تقلب جن أزرق وتجيبها لي من تحت تقاطيع الأرض وإلا هنسفكوا كلكوا سامع.
قال آخر كلماته بصوت مرتفع أفزع الطرف الآخر .. وما لبث أن أغلق الهاتف حتى ألقاه بكل قوته إلى الحائط فتهشم .. وتزامن ذلك مع دلوف فراس للغرفة ناظرًا للهاتف المهشم بجانب الباب ثم رفع نظره لوالده الذي بدا الارتباك يزحف إليه مجددًا.
فراس ببرود:
أنت متعصب بقالك فترة .. لو في حاجة أقدر أساعدك فيها.
رأفت بسخرية:
على آخر الزمن هستنى عيل يساعدني.
فراس ببرود ساخر:
على رأيك .. المهم .. أنا خلصت التقارير اللي قلتلك عليها بنفسي وسبتلك نسخة في مكتبك .. وبما إن حضرتك هتسافر بعد بكرة المؤتمر الطبي في أمريكا .. فـ أنا هتولى الأمر بنفسي وأحاول أحل المشاكل دي.
رأفت:
هه .. اعمل اللي تعمله يا فراس.
عقد فراس حاجبيه بتفكير .. لم هذه الثقة التي تحدث بها للتو؟.. لا يهم سيتبين كل شيء في الوقت المناسب.
*******
دلفت لذاك الكافيه الذي أعطاها عنوانه وبجانبها حازم والذي بدأ يختنق لؤي من وجوده الدائم معها .. لم يرافقها في كل خطوة كظلها؟.. ولم يحق له أن يمسك بيدها حتى وإن كان من أجل أن يهدئ من عجرفتها الغبية؟.. لم يجب أن يراهما معًا وكأنهما شخص واحد لا يفترقان؟
أفاق من شروده الأحمق على صوت مفاتيح السيارة التي وضعت على الطاولة بواسطتها للتو .. نظر لها بضيق .. فتحدث حازم حينما رأى تشاحن الجو:
إزيك حضرتك يا لؤي بيه؟
لؤي ببرود:
تمام.
ثم وجه نظره لشدا التي تنظر له بتساؤل تنتظر أن يتحدث عما جعله يحادثها لتأتيه الآن.
تذكر لؤي حينما أغلق معها الهاتف بعدما طلب منها الحضور وهو لا يعلم لم اتصل بها ولم طلب منها المجيء .. وبينما هو غارق في أفكاره حينها أتته تلك المكالمة التي أخبره فيها أحدهم بأن هناك من استفسر عن رقم السيارة الخاصة بفراس الصاوي .. وكان هذا بناءً على تعليمات مشددة من لؤي بأن يخبروه إن حدث وبحث أحدهم عن هوية صاحب السيارة.
وبعدها ابتسم بهدوء فهو الآن يمتلك الحجة التي سيجعلها سببًا واهيًا لحضورها إليه .. بينما السبب الأساسي هو .. هو .. هو ماذا؟
أفاقه من شروده صوتها الذي يبدو من نبرته نفاد الصبر:
هو حضرتك هتفضل باصصلي كده كتير؟
لؤي بانتباه:
ومين قال إني كنت باصص لك أساسًا!
شدا بتحدي:
والله اللي ورايا مباشرة عمود .. فبالتالي الجهة اللي حضرتك باصص فيها ما فيهاش غيري.
لؤي بتنهيدة:
إحنا كان بينا اتفاق .. مش كده؟
أومأ كلاهما ليتابع:
ومع ذلك خالفتوه لما رحتوا سألتوا عن نمرة العربية .. صح؟
شدا بضحكة تهكم:
سوري يا لؤي بيه .. بس يا ريت تفتكر المكالمة اللي جاءت لك وإحنا قدام باب المستشفى واللي كانت بتعرف سعادتك إن صاحب العربية دي هو نفسه فراس الصاوي .. لكن حضرتك كذبت علينا وقلت إنها بخصوص قضية تانية .. أظن كده حضرتك خالفت الاتفاق الأول .. والبادي أظلم.
لؤي ضاربًا الطاولة بقبضة يده وهو يتحدث بحدة:
أنت ما لكيش أصلاً تعرفي أي معلومات تجيني ولا ليكي تعرفي أي حاجة تخص القضية من أساسه .. يا ريت تلزمي حدودك .. أنا مش كوبري تعدي من عليه عشان توصلي لصاحبتك .. أنا اللي ماسك القضية وأنا اللي بحقق فيها وأنا الظابط هنا مش أنتي.
تعجبت شدا من حدته لكنها لا يجب أن تضعف الآن ...
شدا ببرود:
والله حضرتك لو شايف إنك كوبري فـ سوري مش ده اللي عملته لإن أنا وصلت لحضرتك نقطة ممكن تفيدك في القضية وللأسف أنت استغليتها وضفتها لأعمالك المجيدة ومشيت لوحدك .. فما تلومنيش لما ما كنتش واثقة فيك.
لم آلمه سماع آخر جملة قالتها هكذا؟
لؤي بانفعال:
اطلعي بره الموضوع ده يا شدا.
توترت شدا قليلاً .. ليس من حدته بل من نطقه لاسمها .. منذ متى واسمها يحمل هذه النبرة المميزة؟
قاطعهما حازم:
هو أنتوا ما ينفعش تتقابلوا غير بخناق؟ .. يا لؤي بيه إحنا بس ممكن نتفاهم .. يعني نوصل لحل وسط مع بعض.
لؤي وهو يهم بالذهاب:
ما بقاش في كلام .. هي قالتها ما هياش واثقة فيا .. فالموضوع لحد هنا واتفض .. وصدقوني بعد كده تدخلكم في أي حاجة ما لكوش فيها هتتحاسبوا عليها بالقانون.
ألقى آخر جملة لديه وحمل مفاتيح سيارته وغادر الكافيه بأكمله تاركًا خلفه شدا التي لم تفق من شرودها بعد.
لما شعرت بأن نبرته متألمة وهو يعيد عليها عبارتها بأنها لا تثق به!
أفاقها حازم من شرودها وهو يقول بهدوء:
شدا.. الظابط عنده حق.. مينفعش نتهور.. كان لازم نثق فيه.
شدا بحده:
وثقنا فيه وأول ما عرف العربية لمين خبى علينا وكذب.. إسمع يا حازم أنا هكمل.. وأنا واثقه إن فراس ده وراه حاجة.. واللي عايز يعمله لؤي يعمله.. مبقتش تفرق.. عدى أربع أيام ودالين مفيش أي جديد عنها.. لحد إمتى ها.
قاطع حديثها صوت هاتفها الذي أعلن عن اتصال مجهول.. كانت ستتغاضى عن الرد لكن شيئًا ما بداخلها دفعها للإجابة.
شدا:
ألو.. مين؟
فراس:
آنسة شدا؟
شدا:
آه.. مين.. وخير!
فراس:
مين.. فـ معاكي فراس الصاوي.. خير.. فهو خير إن شاء الله.. أنا بتصل بيكي بخصوص موضوع يهمنا إحنا الاتنين.
شدا بسرعة:
أكيد.. إنت فين؟
فراس متعجبًا اندفاعها وكأنها تعرفه أو تنتظر تلك المكالمة:
اا.. ممكن نتقابل في كافيه ( .. ).. يعني نص ساعة وهكون هناك.
شدا:
أنا فيه فعلا.. في انتظارك.
فراس مستغربًا نبرتها الواثقة وكأنها تعرفه جيدًا.. لكنه نفض تلك الأفكار وذهب إلى حيث الكافيه.
رواية ضمير ميت الفصل العاشر 10 - بقلم دنيا آلشملول
الحلقة العاشرة:
كان الصمت سائدًا في الغرفة إلا من صوت ارتطام الملعقة بطبق الطعام الذي يحمله عاصم في يده ليطعم فاتن التي تتذمر كل ثانيتين.
فاتن:
خلاص يا عاصم مبقتش قادرة.
عاصم باستسلام:
خلاص أوك.. المرة دي وبس.. لكن المرة الجاية أنا اللي هقول إمتى يكون بس.
ابتسمت بتعب فساعدها على الاستلقاء مجددًا، وجلس إلى جانبها يداعب أصابعها بيده.
فاتن بهدوء:
عايز تقول إيه؟
عقد حاجبيه فأشارت بعينيها إلى يده التي تعبث بأصابعها قائلة:
لما بتلعب في صوابعي كده بتبقى عاوز تقول حاجة ومش عارف تتكلم.. ها بقا.. إيه؟
ابتسم بهدوء قبل أن يتمتم بتساؤل:
عايز أعرف إيه اللي حصل وليه خرجتي من البيت في الوقت ده؟
أغمضت فاتن عينيها بتعب.. ماذا تخبره؟.. وكيف ستخبره بأنها رأت والدتها تخون والده.. ومع من!!.. مع أخيه!!.. يا إلهي.
عاصم:
خلاص يا حبيبتي.. ارتاحي دلوقتي.
ابتسمت له بامتنان.
ليقاطعهما دلوف شريف والد فاتن كالصاعقة:
فاتن.. بنتي.. إيه اللي حصل؟؟
احتضنها بقوة آلمتها فتمتم معتذرًا:
آسف.. آسف.. بس.. بس أنا خفت وقلقت.. ما صدقتش لما سمر قالتلي الصبح وجيت على أول طيارة.. إيه اللي حصل يا حبيبتي؟
أخذت فاتن تبكي بقوة فاقترب منها عاصم وضمها إليه وهو يربت على شعرها بهدوء:
بس يا حبيبتي بس.. خلاص ارتاحي.
شريف:
بنتي مالها يا عاصم؟
نظر له عاصم ببعض الرجاء.. فتنهد شريف بتعب ثم جلس إلى المقعد المجاور للفراش يراقب صغيرته وهي تستغرق في النوم سريعًا.
تركها عاصم بعدما تأكد من كونها قد نامت حينما انتظمت أنفاسها.. ثم أخذ شريف معه وخرجا من الغرفة بهدوء.
شريف:
انطق يا عاصم.. بنتي حصلها إيه؟
عاصم:
صدقني يا عمي لحد دلوقتي أنا معرفش.. ويدوب قبل حضرتك ما تدخل على طول كنت بسألها نفس السؤال ولما حسيتها هتعيط غيرت الموضوع على طول.. الدكتور قال لازم نبعدها عن أي ضغط وأنا مش حابب أضغط عليها دلوقتي.. فبأمر الله لحد ما تخرج بالسلامة وبعد كده نشوف إيه اللي حصل معاها.
شريف بتنهيدة:
يارب هو إيه اللي بيحصل ده بس.. دالين من كام يوم ودلوقتي فاتن.. هو في إيه! إيه اللي بيحصل ده!!
عاصم:
الحمد لله يا عمي.. ربنا ستر.
شريف بحزن:
الحمد لله يا ابني.. هنقول إيه غير كده.. الحمد لله على كل حال.
روح من بعيد:
عاش من شافك يا شريف.
شريف بابتسامة وعيون لامعة من السعادة:
روح؟!!!
روح بابتسامة:
أيوة روح.. إزيك يا شريف؟
شريف بهدوء وابتسامة لم تفارق محياه:
أنا.. أنا كويس الحمد لله.. أنتِ هنا من إمتى؟
روح:
من قبل منك.
شريف:
نورتي مصر كلها يا روح.
روح بابتسامة:
شكرًا يا شريف.. ربنا يخليك.
ثم حولت نظرها لعاصم وهي تتساءل:
فاتن عاملة إيه دلوقتي؟
عاصم:
كويسة الحمد لله.. أفضل كتير.
روح:
طيب حبيبي هدخل أتطمن عليها.
عاصم:
ماما.. لما تفوق بلاش تسأليها عن اللي حصل معاها.
أومأت روح بتفهم ثم دلفت للغرفة بهدوء.
***
هاتفته عدة مرات حتى أجابها أخيرًا.
غرام باندفاع:
إيه يا عمرو.. فينك كل ده؟؟.. قلقتني عليك.
عمرو بهدوء:
آسف يا حبيبتي كنت مشغول شوية.
غرام:
ولا يهمك حبيبي.. المهم اتطمنت عليك.. وطالما بخير فـ خلاص يا روحي سماح بقا.
عمرو ضاحكًا بهدوء:
ربنا ما يحرمني منك أبدًا يا قلبي.. ها عملتي إيه في يومك؟
غرام بمرح:
كل كل كل حاجة.. وضبت كل حاجة.. واشتريت الهدية كمان.
عمرو:
هدية؟.. أنتِ مش قولتي الصورة اللي رسمتيها هي هديته؟
غرام:
أيوة يا سيدي.. بس بردو عجبني حاجة تانية وجبتها.
عمرو:
ربنا يخليكم لبعض يا حبيبتي.. وكل سنة وأنتِ جنبي ومعايا.
غرام:
كل سنة وإحنا جنب بعض ياااارب.. يلا حبيبي مش هعطلك.. خلي بالك من نفسك.
عمرو:
وأنتِ كمان.
أغلقت غرام الخط ثم نظرت لوالدتها التي تنظر لها بحنان.
غرام:
ها يا ست مامي.. مالك بقا؟.. ومن غير ما تقولي ولا حاجة.. أنا بحس بيكي.. فلو سمحتِ قولي في إيه.
جومانه بابتسامة حزينة:
أنا كويسة يا حبيبتي.. هو بس شدينا أنا وبابا الصبح شوية.
غرام:
اممم.. مين الغلطان؟
جومانه:
هو.
غرام:
خلاص يا ستي سيبي الدنيا دي عليا.. أنا هشبرقهالك.
جومانه بضحكة:
إيه يا بت اللي بتقوليه ده.. يا بت اكبري بقا.. أنتِ أقل من شهر وهتبقي ست بيت.
غرام بمزاح:
ياااه.. وأخيرًا حد غير الجملة المعتادة.
جومانه بعدم فهم:
جملة إيه؟
غرام:
أصل فراس وعمرو ديما يقولولي "يا بت اعقلي بقا.. ده أنتِ كام يوم وهيبقي عندك ستة وعشرين سنة"..
ضحكتا معًا.. ثم ربتت جومانه على كتفها وهي تدعو لهم جميعًا بالسعادة وراحة البال.
***
جلس في غرفة مكتبه مستندًا بظهره لظهر مقعده رافعًا رأسه للأعلى بتفكير عميق.. تفكير يكاد يفتك برأسه.. ماذا عليه أن يفعل الآن؟.. من أين سيبدأ؟.. لقد أخبره عمرو بكل شيء.. فلماذا يشعر أنه مقيد هكذا؟.. لما لا ينهي القضية الآن بكل المعلومات التي عرفها عما فعله فراس؟.. لكن إن فعل ماذا سيحدث بعمرو؟
قاطع تفكيره صوت هاتفه الذي أعلن عن اتصال ما.. نظر لاسم المتصل مطولًا قبل أن يضغط زر الإجابة.
لؤي بهدوء:
ألو يا فندم.
اللواء أمجد:
إيه يا لؤي.. داخلين على أسبوع وحتة قضية ما اتقدمتش فيها خطوة واحدة.. في إيه يا سيادة العميد؟
لؤي وهو يغمض عينيه بقوة وقد حسم أمره:
سيادة اللواء.. أنا.....
***
وصل فراس حيث الكافيه فرآهما يجلسان على إحدى الطاولات البعيدة قليلًا.. أشارت له شدا فتحرك نحوهما بهدوء.
فراس:
مساء الخير.
شدا وحازم:
مساء النور.
شدا بمراوغة:
خير يا دكتور فراس!
فراس بابتسامة متهكمة:
لو هنبدأها بلف ودوران من أولها أنا لسه ما طلبتش حاجة أشربها.. فممكن بسهولة أشد خيط.
شدا بسرعة:
لا لا.. مش فكرة لف ودوران.. أنا بسأل بجد.
فراس بهدوء:
إيه اللي تعرفيه يا شدا؟
شدا:
وأنا أضمن منين إنك لما تعرف اللي عندي ما تزورش في باقي الحقايق؟
فراس بضحكة عالية بعض الشيء:
أزور مرة واحدة.. طب يا ستي اضمنيني من دالين نفسها.
شدا:
دالين؟؟!!
فراس:
أها.. دالين.. هي اللي قالتلي كلم شدا.. صحفية وذكية وقوية وجريئة وهتساعدك كتير من ناحية الظابط.
شدا بعدم فهم:
ظابط مين؟
فراس:
لؤي الأديب.
شدا مزدردة ريقها بتوتر:
لـ لؤي؟
حازم مقاطعًا:
هه.. الكلام ده كان قبل ما شدا تشد قصاده وقبل ما ينتهي الحوار بعصبيته وقلبته للترابيزة كلها علينا.
فراس:
يعني إيه؟
حازم بلامبالاة:
يعني شدا عصبته وقالها ملهاش دعوة بالقضية تاني ولو فكرت تتدخل هيحبسها.
فراس:
اعتذري.
شدا بحدة:
أفندم؟ أ إيه؟
فراس:
اعتذري.. اعتذار مش هيودي كرامتك ورا الشمس يعني.. أنا عاوز أعرف كل خطواته يا شدا.. لازم أسبقه بخطوة ديما.
شدا:
وأنا أضمن منين إن دالين هتبقى بخير.. وبعدين أصلاً ليه خطفتها؟
فراس بتهكم:
خطفتها!.. أنا أنقذتها مـ اللي خطفوها يا شدا..
ودلوقتي هي في أمان تام بعيد عن أي عين.
شدا:
لازم أشوفها بنفسي.
فراس:
وأضمن منين إن لؤي ده مش باعت وراكي اللي يراقبك؟
شدا:
نفس الضمان اللي مخليك تروحلها وأنت مأمن نفسك.
فراس بعدم فهم:
قصدك إيه؟
شدا بابتسامة انتصار:
يعني أنا عارفة دالين فين، وعارفة كمان إنك كنت عندها النهار ده من تقريبًا ثلاث ساعات.
فراس:
أنتِ بتراقبيني؟
شدا بلامبالاة:
الظروف اضطرتني لكده يا دكتور، وطبعًا اللي ما يعرفك يجهلك.
فراس بضيق:
الساعة ثمانية بالليل هنتقابل هنا وهنروحلها من هنا، بس بعدها هتساعديني أوصل لكل خطوات الظابط.
شدا:
وأنا كمان عايزة أفهم اللي بيحصل.
فراس وهو يهم بالوقوف:
كل حاجة في وقتها كويسة، فرصة سعيدة.
غادر فراس تاركًا شدا وحازم في تضارب أفكارهم.
حازم بهدوء:
بتفكري في إيه؟
شدا بابتسامة ماكرة:
كل خير يا زوما، كل خير.
***
حل الليل سريعًا وكانت شدا وحازم في انتظار فراس كما اتفقوا، تجاوزت الثامنة والنصف ولم يأتهم فراس.
حازم بقلق:
تفتكري كان بيضحك علينا؟ يعني معقول مثلًا كان عاوز يجرجرنا في الكلام ويأخذ معلومات عن الظابط ده وأما ما لقاش مننا فايدة فلسع؟
شدا:
فلسع؟ أنت صحفي يا حازم متأكد؟
حازم بضيق:
مش وقته يا شدا هزارك ده، إيه الحل دلوقتي؟
شدا وهي تشير إلى باب الكافيه:
الحل جاء هناك أهو.
نظر حازم حيث تشير فوجد فراس يدلف للكافيه فابتسم بمكر وهو يقول بمزاح:
بسبب تأخيرك ده يا دكتور، بقى لي ساعة بأحاول أقنع شدا إن حضرتك إنسان نبيل ولا يمكن تكون بتضحك علينا.
نظرت له شدا باستنكار بينما تابع هو:
والدليل إن حضرتك هنا أهو.
ابتسم فراس وهو يلمح نظرة الاستنكار في أعين شدا فتحدث بهدوء:
أنت متأكد إنك ما بدّلتش الأدوار؟
حازم بتهكم:
هو أنا ليه ما حدش بيصدقني في البلد دي؟ هو أنا مكتوب على قورتي تافه ومزوّر أحاديث ولا إيه؟
شدا بضحكة خفيفة:
يلا يا دكتور، حازم لو فتح في الهزار مش هيقفل.
حازم بتهكم:
ده حتى الهزار أحيانًا بينمي مهاراتنا العقلية.
فراس وهو ينظر له بتفحص:
أنت درست طب؟
حازم:
لا، ليه؟
فراس:
أبدًا، أصل... ولا بلاش.
تركه وغادر وتبعته شدا التي نظرت لحازم بابتسامة خفيفة.
ضم شفتيه للأمام بعدم رضا مصطنع ولحق بهما على الفور.
وصل فراس بسيارته للفيلا ودلف إليها، كانت دالين تقف في الحديقة وتقوم بري الورود، ألقت بالإبريق حينما لمحت حازم وشدا وهي تنظر تجاه السيارة، ترجلت شدا من السيارة وهي تنظر حولها وما إن وقع نظرها على دالين الواقفة بارتباك ودموع تملأ عينيها حتى ركضت إليها وهي تنادي ببحة خفيفة ظهرت في صوتها بسبب حبسها لدموعها داخل جفنيها:
دالي!
ألقت دالين بنفسها بين ذراعي صديقتها والتي تمثل لها الأخت الكبرى والصديقة العاقلة الموجهة.
لم تستطع شدا السيطرة على عبراتها أكثر وهي تستمع لشهقات دالين المتتالية وهي بين ذراعيها فأخذت تربت على ظهرها وهي تشدد من ضمها إليها مرددة بخفوت:
الحمد لله يا رب، الحمد لله يا رب.
ابتعدت دالين بعد وقت ليس بقصير، وما لبثت أن جذبها حازم من يدها إلى أحضانه.
دهش الجميع من فعلته، لكن بادلته دالين إياه بصدر رحب، فهما صديقان مقربان وهي لا تمتلك أخًا، ويمثل حازم وعاصم بالنسبة إليها الأخوين في حياتها، وقد نست تمامًا أن كلمة أخ التي نقولها على هذا وذاك ما هي إلا تأليفات واقع نقنع بها أنفسنا، لكن في الحقيقة والدين لا أخ لك سوى ما ولدته أمك أو كان أخيك في الرضاعة.
فارت الدماء في عروق فراس التي برزت نتيجة قبضته التي يضمها أكثر وأكثر وهو يرى هذا الوضع، هما صديقان ومهما كانت درجة قرابتهما لا يحق له أن يضمها إليه هكذا، لو فقط يحق له، لذهب وانتزعها من بين ذراعيه وهشم رأسه في الحال.
ابتعدت دالين أخيرًا وهي تجفف عبراتها ناظرة إليهما بسعادة حقيقية.
دالين:
ما تتخيلوش مدى سعادتي إني شفتكم ثاني.
شدا:
إيه اللي حصل يا دالين؟
نظرت دالين تجاه فراس فوجدته على حالته من الغضب ولم تستطع معرفة سبب ذلك لكنه دحجها بنظرة غاضبة جعلت أطرافها ترتعش وهي تتذكر فراس الذي رأته لأول مرة في الغرفة حينما استعادت الوعي بعد تلك الحادثة، لقد كان مخيفًا حقًا في ذاك الوقت، لكنها نسيت تمامًا ذاك الفراس حينما رأت الجانب الآخر منه والذي يتمثل في هدوئه والذي يفسره البعض بأنه برود، وكذلك طيبته وغموضه في بعض الأحيان، ولم تنسَ الجانب الثالث من فراس والذي يتعلق بغرام وحدها، فهو يتحول لشخصية مختلفة تمامًا عن فراس نفسه حينما يتعلق الأمر بغرام.
فاقت من شرودها على يدي شدا التي تهز يدها بخفة فوجدت مكان فراس خاليًا تمامًا فنظرت تجاه الفيلا فوجدته يدلف إليها:
دالين أنتِ كويسة؟
أومأت دالين بإيماءات سريعة قبل أن تقول بهدوء:
تعالوا ندخل جوه.
دلف ثلاثتهم فاستقبلتهم السيدة ابتهال بابتسامة جميلة ارتسمت على محياها وهي ترحب بهما.
جلسوا جميعًا في غرفة الجلوس بينما ذهبت السيدة ابتهال لعمل مشروب ما لهم جميعًا.
شدا بهدوء:
دالين أنتِ كويسة؟
دالين بابتسامة:
آه، كـ كويسة أوي، بدور عاملة إيه وفاتن وعاصم.
شدا بتوتر:
آآ... كويسين.
حازم مقاطعًا:
إيه اللي حصل، وعايز أفهم أنتِ هنا بتعملي إيه! وليه ما رجعتيش البيت، طنط حياة هتموت من القلق والخوف عليكي.
أدمعت عينا دالين وهي تنظر لفراس الذي لانت ملامحه وهو يراها على وشك الانفجار في البكاء، فتحدث بهدوء:
أنا منعتها.
شدا بتهكم:
يعني إيه منعتها؟
فراس:
ده عشانها يا آنسة شدا، اللي خطفها دلوقتي قالب الدنيا عليها، وبمجرد ما هيعرف عنها حاجة هيكرر عملته ثاني، لإن واضح إن اللي خطفها ليه تار قديم مع بشمهندس ماجد.
قالها وهو ينظر لدالين يرى وقع كلماته عليها، وكانت كما توقع، تنظر له بعدم فهم، بذهول، باستنكار، لو لم يُثبت هذا الشيء لنظرت له بكره في المرة القادمة.
شهقت شدا مما سمعت ثم تحدثت بعدم فهم:
قصدك إيه؟ تار إيه؟ ومين دول أصلًا؟
فراس بهدوء موجهًا حديثه لدالين متجاهلًا أسئلة شدا:
دالين، أنتِ وثقتي فيا وأنا على قد الثقة دي بأحاول أوصل للحقيقة، أنتِ مستعدة تعرفي الحقيقة دي ولا لأ؟ هتفضلي شايفاني زي ما أنا ولا نظرتك ليا هتتغير؟ أيًا كانت الحقيقة، والدك ليه دخل باللي حصلك، لو مش عاوزاني أكمل هأقف، وللمرة المائة لو عاوزة ترجعي ما عنديش أي مانع.
دالين بتخبط:
آآ... أنا... أنا مش عارفة حاجة.
شدا برزانة:
دالين هتفضل هنا، ولحد ما نوصل لحقيقة كل اللي بيحصل ده لا أنا ولا حازم ولا حضرتك يا دكتور هنشوفها.
نظر لها فراس بعدم فهم فتابعت:
الظابط لؤي مش ساكت، وكمان متهور، إحنا لازم نبعد دالين تمامًا عن الأنظار حتى إحنا، لأن لؤي هيشك في صوابع إيده دلوقتي، خصوصًا إن قضية الجثة لو طولت من غير ما يوصل لحاجة فيها هتتقيد ضد مجهول، أنا هدخله من الناحية دي، إحنا عايزين القضية فعلًا تطول عشان هو يتحرك أسرع، وكل ما اتحرك أسرع كل ما قدر يوتر اللي بيدور على دالين، المهم دلوقتي إيه اللي هنحطه في طريقه عشان يجري وراه بحيث يكمل في القضية.
فراس:
حقيقة الجثة اللي كانت في العربية.
شدا:
يعني إيه؟ أنا لسه بأقول لك إن...
فراس:
عارف قلت إيه، بس الصح إننا نخليه يقفل قضية الجثة عشان حركته تكون أسرع ناحية دالين نفسها.
حازم بسرعة:
حقيقي، إيه حقيقة الجثة دي؟
فراس بتذكر:
بعدما طلب من أحد الرجال أن يقود السيارة إلى طريق بعيد، ركب سيارته واتجه بها لمنزله وكأن شيئًا لم يحدث.
لكنه لم ينس توصية أحد الرجال بالتخفي وإخبارهم بما سيحدث في الدقائق القادمة.
هاتفه شادي بعدها بقليل فقط وأخبره أن الرجال قاموا بإحراق السيارة، ولكن جثة ما وضعت محله، والمريب حقًا أنهم قاموا بالإبلاغ عن الأمر وانتظروا قدوم الشرطة والإسعاف.
علم حينها أن الخاطف يلعب بحيلة ذكية، إنه بطريقة أو بأخرى يود إظهار ما حدث على أنه مجرد حادث، لكنه لن يفلح بذلك ففراس قد سبقه خطوة.
مرت الليلة وذهب في الصباح حيث ترقد دالين، وبعد وقت لا بأس به غادر حيث الفتاة التي ساعدت في اختطاف دالين، وما لبث أن سألها حتى تمتمت برجاء:
أنا... أنا هأقول لك كل حاجة بس تضمن لي حياتي.
فراس:
أنا ما بأضمنش حياة أحد، لكن أضمن لك تخرجي من تحت إيدي على رجلك.
أومأت وهي تزدرد ريقها بتوتر ثم تمتمت بخفوت:
ده كان أمر من والد حضرتك إننا نخطفها.
سألها بشحوب:
أنتِ تعرفيني؟
الفتاة:
أيوه، من فترة كان عندك اجتماع مع أطباء كبار في شرم الشيخ.
ورأفت بيه طلب مني ومن كذا واحد معايا إننا نراقبك، عشان كان قلقان من تصرفك خصوصًا لو اكتشفت إن الاجتماع ده فيشنك لا مؤاخذة، بس اتعمل حلاوة روح عشان يشغلك عن كذا حاجة بتتعمل جوه المستشفى في الوقت ده.
فراس:
والبنت خطفتوها ليه؟
الفتاة:
شغلنا مفهوش أسئلة يا دكتور فراس، إحنا جالنا أمر نخطفها وقت خروجها من الحفلة اللي كانت فيها، ولما ما قدرناش بسبب إنها ديما مع كذا حد ومبيتفارقوش خالص جتلنا الفرصة لما خرجت لوحدها من المستشفى، واخدناها في عربيتها هي عشان ما حدش يعرف رقم عربيتنا من الكاميرات اللي قدام المستشفى، وواحد راح خد العربية الخاصة بينا ومشي، بعدها اتصل بيها واحد مسجلاه "زوما"، رديت عليه وقلتله إنها روحت بس على أساس إن أنا هي، وبعدها قفلت وكسرت الشريحة ورميتها وسبت الفون في العربية.
خرج فراس دون أن يستمع لأي حرف آخر، فهو لم يفهم شيئًا من الأساس، وتفكيره مشتت بالكامل، لكن ما يعلمه جيدًا أنه سيفعل كل شيء ليعلم الحقيقة كاملة، وستكون دالين هي طرف الخيط الذي سيبدأ منه.
الأيام القادمة لن تكون سهلة أبدًا عليه.
عاد إلى واقعه وهو ينظر لشدا التي تمتمت بذهول:
يا ربي، أنا مش مصدقة اللي بيحصل ده.
حازم مضيقًا عينيه:
طب والجثة بتاعة مين؟
فراس بنفاذ صبر:
انتوا عرفتوا اللي لازم تعرفوه، غير كده ده تصرفي أنا وبس، ودلوقتي هتساعدوني ولا لأ، وللمعلومة أنا مساعدة مش محتاج، لكن عشان دالين وتقدر تخرج أسرع لا أكثر ولا أقل.
شدا باستسلام:
معاك.
حازم:
وأنا كمان معاك.
بدأ فراس في شرح كل شيء لكليهما وما سيفعلانه لمعرفة ما يدور في رأس لؤي وخطواته.
***
طرقات على الباب قطعت الصمت السائد في الغرفة.
شريف بهدوء:
اتفضل.
دلف شاب عشريني يمتلك لحية خفيفة تزين بشرته المخملية بعينين خضراوين وجسد رياضي وشعر طويل يغطي أذنيه.
نظر شريف وعاصم تجاهه بعدم فهم حينما أذنت له روح بالدلوف:
تعالى يا شادي.
عاصم:
مين ده يا ماما؟
روح بهدوء:
ده شادي ابن أيهم الله يرحمه.
شريف:
أيهم مات؟
روح بحزن:
آه من سنتين.
عاصم:
وأنا ما عرفش ليه؟
روح:
حبيبي ما كانش فيه داعي أشغلك بمشاكلي، وكمان شادي ما سابنيش فضل جنبي ومعايا وبيتردد بين مصر وإنجلترا.
عاصم بضيق:
تمام، ربنا يخليهولك.
ألقى جملته وغادر الغرفة بضيق، نظرت روح في أثره بحزن، لا تعلم لماذا كلما اقتربت منه خطوة يتراجعون خطوتين.
شريف بهدوء:
ما تزعليش يا روح، هو متضايق عشان فاتن ومشاعره متلخبطة، اعذريه.
روح بهدوء:
عذراه يا شريف.
نظر شريف تجاه شادي وهو يقول بترحيب:
اتفضل يا ابني أهلًا بيك.
شادي بابتسامة:
شكرًا لحضرتك، آسف لو عملت أي ربكة، أمي أنا مضطر أسافر يومين لشغل بره.
روح وهي تتقدم منه وتضمه إليها وكأنه ابنها، بالفعل هو كذلك، فهو بقي معها لسبع سنوات كاملة، كان لا يزال وقتها شابًا في مقتبل العشرين، اقتربت منه كثيرًا وقد عوضته عن فقدانه لوالدته، وبقيت تسانده حتى أنهى دراسته وقام بفتح شركة أمن كبيرة معروفة في إنجلترا ومصر كذلك.
روح:
خلي بالك من نفسك حبيبي وما تتأخرش عليا.
شادي بحنان:
إن شاء الله يا ست الكل، تشرفت بمعرفتك يا باشمهندس شريف وحمد لله على سلامة الآنسة فاتن.
أومأ شريف بابتسامة فغادر شادي بهدوء.
ساد الصمت مجددًا في الغرفة، فاتن نائمة وروح تقرأ في إحدى الكتب وشريف ينظر لها بحزن دفين منذ سنوات وسنوات، لقد كانت حب حياته منذ أن رآها لأول مرة في الجامعة، كان يراقبها من بعيد كحال أي شاب وقع في غرام أميرته، لكنها لم تكن أي أميرة، لقد كانت أميرته الشرسة، صدم ذات يوم بأخيه الأكبر مراد حينما أتى بها وقدمها إليه على أنها مخطوبته، وقد كانت السعادة بادية جدًا على محياها، والحب كذلك، سلم أمره لله وبارك لهما، سافر بعدها لعدة سنوات وحينما عاد، لم يكن وحده، بل كان هو وسمر وفاتن التي لم يتجاوز عمرها في هذا الوقت سنة واحدة، وكانت روح قد استقرت مع مراد وأنجبا عاصم الذي لم يتجاوز عمره الثلاث سنوات.
بقي حبه دفين قلبه لم يصرح به أبدًا حتى انفصلت روح عن مراد وسافرت لإنجلترا.
بحث عنها كثيرًا حتى علم بأمر زواجها من أيهم، فعاد مجددًا مغلوبًا على أمره دافنًا حبه أكثر وأكثر بداخله.
والآن هي حرة، هل.. لا ليس هناك مجال لـ "هل" أبدًا، فهناك سمر زوجته، كيف ستتقبل روح.. آه يا إلهي.
فاق من شروده على صوت فاتن التي تنادي عاصم.
وقف بسرعة متجهًا إليها بهدوء:
حبيبتي، عاصم نزل يخلص كام حاجة في الشغل وجاي على طول.
ابتسمت بهدوء وأومأت بصمت، فاقتربت روح منها وأخذت تربت على شعرها ووجنتها بحنان وهي تتمتم:
ربنا ما يعود اللي حصل ده أبدًا ولا يضرني أنا ولا عاصم ولا أبوكي فيكي أبدًا.
ابتسمت فاتن بهدوء، ثم تحدثت بخفوت:
هما شدا وبدور وحازم فين؟
روح:
مشوا الصبح وقالوا هيرجعوا آخر اليوم يا حبيبتي.
أومأت بحزن وهي تتابع:
لسه ما فيش أخبار عن دالين.
روح بتنهيدة:
آه يا دالين، إن شاء الله يجيلنا الأخبار الكويسة عنها، ما تقلقيش يا حبيبتي، ارتاحي أنتِ.
***
طرقات على باب مكتبه أفاقته من غفوته.
لؤي بضيق:
ادخل.
دلف العسكري مؤديًا تحيته:
تمام يا فندم، شدا المهندس بره وعايزة تدخل لحضرتك.
لؤي بتعجب:
شدا؟ دخلها.
خرج العسكري ودلفت شدا وهي تنظر تجاه لؤي بضيق حاولت جاهدة ألا يبدو على ملامحها، لماذا عليها أن تعتذر من متعجرف مثله، هو من بدأ.
تحمحمت بخفوت قبل أن تتحدث:
آه، أنا آسفة.
لؤي بذهول:
نعم!
شدا وهي تحاول كبت غيظها منه:
آسفة عشان تطاولت عليك في الكلام وعشان تدخلت في شغلك بدون علمك.
لؤي ولا يكاد يصدق أذنيه، شدا أمامه تعتذر منه الآن؟ هل حقًا تفعل؟ تمنى لو باستطاعته لمس جبهتها ليتأكد من كون حرارتها منتظمة وليست مرتفعة وتقف أمامه تهلوس.
صمت أطبق على المكان قاطعه صوت شدا الذي خرج بنفاذ صبر:
وآخرة سكوتك ده إيه يعني؟
لؤي بضحكة عالية رافعًا رأسه للأعلى وتنخفض تدريجيًا مع انخفاض ضحكته:
أنا للحظة شكيت إن اللي قدامي مش شدا اللي أعرفها، ولو ما كنتيش رميتي دبش دلوقتي كنت هصدق.
لم تكن شدا تستمع لأي شيء مما يقوله، فهي كانت في عالم ضحكته التي خفق قلبها بشدة على إثرها، هل يضحك؟؟ وهل ضحكته بهذا الجمال أيضًا!!!
لؤي وهو يلاحظ شرودها، فخشي أن يكون قد تمادى، فتحمحم وهتف بهدوء:
ما فيش حاجة يا شدا، أنا نسيت الموضوع خلاص.
هل ينقصها الآن أن تستمع لاسمها منه وهو ينطقه بتلك النغمة الجميلة، منذ متى واسمها جميل لهذا الحد؟!
لؤي بقلق:
شدا.. شداااا.
صرخ باسمها مما أفزعها وهي تنظر له بغضب:
أنت بتنادي على واحدة في بلد تانية!
لؤي:
آه فعلًا، لإني بقالي ساعة بكلمك وأنادي عليكي وأنتي ولا هنا.
شدا بهدوء:
آسفة، سرحت شوية بس.
هل اعتذرت مجددًا؟ وبرقة وهدوء أيضًا؟! هل هذا يوم سعده أم ماذا؟
لؤي بهدوء:
خلاص ما فيش مشكلة.
شدا:
لؤي أنا بجد قلقانة على دالين، بجد ما بقتش قادرة أستحمل أكثر من كده، داخلين على أسبوع وما لهاش أثر، أنا فعلًا هتجنن.
لؤي محاولًا استيعاب كونها نطقت باسمه مجردًا هكذا، هل أصبحا صديقين الآن أم ماذا!
أخذ شهيقًا طويلًا أخرجه ببطء وهو يقول بهدوء:
اللواء كلمني النهاردة وفي احتمال تتقيد قضية الجثة وحرق العربية ضد مجهول، لكن خطف دالين هتفضل شغالة.
شدا بعدم فهم:
يعني إيه؟
لؤي:
شدا، أنا هختار إني أثق فيكي تمام.
شدا بترقب:
أنت وصلت لحاجة مش كده؟
لؤي:
مش بالضبط، في حاجات لسه غامضة.
شدا:
طب إيه اللي هيتم دلوقتي؟
لؤي:
كان نفسي أنتِ تقومي بالموضوع ده لإنك أكثر حد واثق فيه دلوقتي، لكن للأسف أنتِ صحفية معروفة.
شدا:
إيه هو الموضوع يمكن أقدر أساعدك.
لؤي بتنهيدة:
محتاج واحدة ذكية تدخل بين ممرضات مستشفى الصاوي.
شدا وهي ترمش عدة مرات:
قصدك عشان تراقب فراس؟
لؤي بغموض:
لا، أبو فراس.
شدا باستغراب:
أبو فراس؟!!!
لؤي:
أيوه.
شدا:
طب ممكن يعني.. آه.. يعني ينفع أفهم ليه؟
وإيه دخله بدالين؟
لؤي بهدوء:
شدا، أنتِ مش عاوزة توصلي لصاحبتك؟
شدا:
أكيد.
لؤي:
خلاص ثقي فيا، زي ما أنا واثق فيكِ دلوقتي.
ابتسمت بهدوء ثم تحدثت فجأة:
أنا أعرف لكِ واحدة تقدر تكون ممرضة وتمثل الدور ده كويس أوي... وتقدر تثق فيها وتعتمد عليها زيي وأكثر مني كمان.
لؤي بسرعة:
مين؟