تحميل رواية «دموع العاشقين» PDF
بقلم ندى ممدوح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أمام أحد المساجد، توقفت سيارة سوداء اللون. انفتح بابها لتترجل منها طفلة صغيرة. نظرت يمنًا ويسرًا، ودارت عيناها بحثًا عن أحد. لمع الفرح في عينيها وسطعت بريقهما وهي تهمس بطفولة: "خالتو لمار". وقع بصر لمار عليها لتفرد ذراعيها ببهجة تغمر قلبها. اندفعت ورد مسرعة من السيارة وهي تصيح خلف الطفلة: "يا ديجا استني يا حبيبتي هنا؟" التفتت برأسها لها قائلة: "لا رايحة عند خالتو!" "ديجا يا قلبي تعالي." هتفت بها لمار بفرحة. عانقتها الطفلة بسعادة ومحبة، ولمار كذلك. لتحملها لمار وهي تضمها بعشق أمومي هاتفة: "وحشتين...
رواية دموع العاشقين الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ندى ممدوح
زينت حديقة الفيلا على أكمل وجه. فاليوم ليس كأي يوم، إنه كتب كتاب حذيفة وأسماء، وخطبة ياسين وسمر. يوم حافل بأشياء كثيرة، فهناك من سيجتمع، وهناك من ستبدأ تحطيم حياته.
تلألأت الحديقة بأنوار شتى، وتألقت بأجمل زينة ذات موسيقى هادئة. توافد المدعوون، يستقبلهم يوسف والشباب مرحبين، وهم متألقون ببدل سوداء اللون تزيد من وسامتهم.
تجمعت الفتيات بالأسفل، تتألق كل واحدة منهن بفستان وردي اللون، جعلهم كالحوريات. أما أسماء، فتألقت بفستان ذهبي اللون من الأعلى حتى الخصر، ثم لأسفل قدميها باتساع باللون الأبيض الغامق.
ذات خمار يغطي صدرها، ومكياج خفيف للغاية، وتاج بسيط رقيق فوق حجابها.
استأذنتهم وعد ومضت ناحية طاولة بعيدة منزويه، وبيدها كوب من العصير. فمنذ أن عادت، وهي تفضل الجلوس وحيدة ما أن سنحت لها الفرصة. كئيبة، وحيدة القلب والروح، غائبة عن العالم، موجودة وغير موجودة. ليست وعد السابقة، فإن ابتسامتها إن ظهرت، تكلفها الكثير، ويا ليتها من القلب أيضاً. شاردة بعميق، وأخته، ووالدته، وذكريات ما مضى تلوح أمام عينيها.
رفعت كوب العصير وارتشفت قليلاً، وهمت بوضعه جانباً، فآتاها صوت ياسين قائلاً وهو يجلس بجانبها:
"فيكِ إيه يا وعد؟ أنتِ مش وعد اللي كانت قبل ما تسافري! أنتِ معانا ومش معانا، جسد بس إنما روحك لا."
ظهرت ابتسامة على جانب فمها وقالت دون النظر له:
"وهي روحي هتكون فين يعني؟ غير في مكانها ومسكنها!"
تنهد ياسين وقال بقلب يئن:
"المشكلة يا وعد إني حاسس وعارف فيكِ إيه؟ لأن لو أنا محستش، مين هيحس بيكِ؟ إحنا من طفولتنا سوا، أحزاننا وهمومنا وأحلامنا، كل حاجة. فإزاي تفكري إني مش هحس بيكِ ولا هشاركك جرح قلبك ووجعه؟ أمال أنا أخوكِ إزاي؟"
تبسمت وعد بحب له وقالت:
"أحياناً يا ياسين، بنتحط في طريق رغماً عننا، فيخسرنا كل حاجة."
زفر ياسين متنهداً بحزن، ونظر لها باسماً وقال:
"أكتر حاجة صعبة وملناش حكم عليها هو القلب. يحب وقت ما يطمن ويفرح، من غير أي تفكير إنه هيتعذب. ما هو أصل الحب عذاب، ومش أي عذاب."
تنهدت وعد قائلة:
"يا ريته كان بإيدينا، كنا ننزعنه قبل ما نفكر نحب، لأن الوجع لما بيدخله مبيطلعش أبداً، بيفضل سايب أثره لحد ما يوقف نبضه. وتفضل روحك مفارقاك عند الحبيب من غير ما ترحمك ولا ترق ليك ولا لجرحك. طب ليه الإنسان يحب؟ عشان يبقى قلبه زي ليلة، وعيونه شلال دموع، وروح تتمزق ليه؟"
"يااااه، وقعتي يا وعد. عمري ما كنت أتخيل إنك تحبي في يوم، بس طالما حبيتي، فأنا متأكد إنه يستاهل. لأن مش وعد اللي تحب حد والسلام. أكيد لقيتي فيه اللي مالقيتيهوش في أي حد."
ابتسمت وعد بخفة:
"رجولة، هي دي، لأنها حاجة نادرة. مش في أي حد. ما هو مش كل من كان راجل فهو رجل، فالبعض منهم أبعد ما يكونوا عن صفة الرجال."
تساءل ياسين بترقب وهو يلتفت لها مقرباً المقعد:
"رحيم مش كده؟"
رفعت وعد بصرها به بصدمة، فتابع هو موضحاً:
"فكرتي إني مش هعرف؟ أنا عارف من يوم ما كنتِ في الصعيد أصلاً. نظراته ليكِ ونظرتك، وقلبك اللي بيدق باسمه. بس هو يستاهل بجد. راجل وبيعرف في الأصول، كريم، طيب، شهم وجدع. والدليل على كده ديجا ساعدها وهو ما يعرفش أصلاً هي مين. لو حد غيره كان سابها، هو ماله؟ ولا كان رماها في أي قسم. لكن هو ما عملش كده. كرمه واستقباله لينا، رغم إننا أغراب. رحيم جدع."
أدمعت عيناها وساد الصمت محملاً بالأثقال. فتنحنحت وعد متسائلة:
"بما إنك مش بتحب سمر، ليه هتتجوزها؟ وليه تحكم على قلبك بالموت وتظلم نفسك وتظلمها؟"
صرف ياسين بصره ناحية سمر التي تتحدث مع عائشة وقال:
"تصديقي مش عارف. بس ممكن أحبها. ليه لأ؟ سيبها على الله. ربك هيفرجها. ما خبى قلب أبداً قال يا رب ولجأ له، هتتعدل."
أقترب عثمان وبلال وحذيفة يشاركوهم الجلسة، فاخذهم الحديث بالعمل.
تجلس ريم بجانب حبيبة التي تغلي الدماء بعروقها بسبب يوسف وغيرتها عليه. جاءت ديجا راكضة ناحية ريم، وقفت أمامها وقالت وهي تدور حول ذاتها وهي ترتدي فستان وردي مثل الفتيات:
"حلو يا ماما ريم؟"
لم تنتبه لها ريم، فتمسكت ديجا بملابسها وأخذت تحاول جذب انتباهها وهي تقول:
"ماما يا ماما."
تنبهت لها ريم وهمست بزهول وتعجب:
"ماما؟"
"ورد مش عارفة فين. بس إيه القمر ده؟" أنهت جملتها وهي تنظر بإعجاب لفستانها.
أمسكت ديجا كفيها وبمحبة قالت:
"لا، أنتِ كمان ماما، مش ورد بس."
ترقرق الدمع بعيني ريم، وضمت وجه ديجا بين كفيها وتبسمت ببهجة تسري بعروقها، وتحدثت ببشاشة:
"ماما، أنتِ بتعتبريني ماما يا ديجا؟"
همست ديجا ببراءة وهي تعانقها:
"أيوه يا ماما."
وبهمس تابعت:
"هنام سوا النهاردة، ماشي؟"
أومأت ريم بفرحة، فصاحت ديجا وهي تتحرك ناحية وعد:
"أنا رايحة عند وعد."
جلست أسماء على المقعد بجانب حذيفة، ناكست الرأس. الفرحة لا تسعها، فمنذ أن تم كتب الكتاب بالجامع، وهي كنسمة ريح تحلق بالسماء ببهجة. تنحنح حذيفة قائلاً وهو يقترب أكثر، وأمسك كفها:
"مفيش حرام صح؟ دا حقي."
لاذت بالصمت وأشرق وجهها بابتسامة رائعة. مال قليلاً مطأطأ الرأس ينظر لها وهمس:
"طيب ينفع القمر يداري نوره؟"
رفعت رأسها قليلاً، فصاح بفرحة:
"يا دين النبي! إيه القمر ده؟ القمر ده كله من نصيبي؟ مبروك يا سكني ووطني وجنتي."
لامست كلماته روحها المنطفئة، فإذ هي تتوهج. غمرتها البهجة وسرت بعروقها، ورفعت رأسها ببسمة تزداد رويداً رويداً. وبعد صمت، تحرك فكها أخيراً قائلة بنبرة حنونة رقيقة:
"الله يبارك فيك يابني!!"
عقد حاجبيه بدهشة وهو يقول:
"إيه ده، ابنك بس؟"
"حذيفة."
قالتها بحياء يزداد وهي تتحاشى النظر له.
فقاطعها قائلاً بنبرة عاشقة هائمة:
"عيونه. برضه مقلتش ابنك بس؟"
التفتت له وتقابلت أعينهم، وعم الصمت. قاطعته أسماء قائلة بنبرة هادئة عاشقة:
"ابني وابن عمي وأخويا وجوزي؟"
"بس كدا؟"
"أيوه بس. هو في حاجة تاني؟"
تصنع الحزن وهو يهمس:
"نسيتي أهم حاجة يا زوجتي العزيزة!!"
فكرت قليلاً تحاول أن تعلم عن ماذا يتحدث، فشلت. فعادت تنظر له هامسة:
"نسيت إيه؟ أقول يلا؟"
اتسعت ابتسامته وهو يهمس:
"نسيتي حبيبك!!"
دلت سجى وهي تتأبط زين، وبجانبهم إسراء. لتتسع أعين ديجا مزهولة، وقد اعترتها الصدمة ممزوجة بالتعجب، وهتفت:
"عمو الملبوس هنا؟"
ثم بتفكير تساءلت ذاتها وما زالت لا تبعد عينها عليهما:
"طب عمو الملبوس بيعمل إيه هنا؟ وسوسو كمان هنا."
صفقت ديجا بمحبة كأنها أخيراً تصدق عينيها وحواسها أنهم أمامها حقاً، فركضت تجاههم. في آوان ذلك، قال عثمان وهو وبلال بزهول:
"ملبوس؟"
نظروا لبعضهما البعض، فاختلست نظرة لياسين، وجدوه متسمر ناحية سجى، ينظر لها كالمسحور وما شابه. ولكن بداخله، خفق قلبه.
وضعت وعد كفها على منكب ياسين حينما تنبهت لشروده بهذه الفتاة:
"يا ياسين، دي مش فاطمة، ولا عمرها ما هتكون فاطمة. أنت بس مشدود ليها لأنها عامية زيها، بس دي مش هي. فوق يا ياسين."
هجمت ديجا على سجى وهي تصرخ باسمها. انفجرت أساريرهم جميعاً، وامتزجت بالدهشة وهم لا يصدقون أنها أمامهم، تضم سجى.
لحظات وتنبهت سجى لها، فهبطت لمستواها تضمها أكثر لصدرها ببكاء.
ابتعدت سجى وهي تحاوط وجه ديجا بين كفيها، وهمست من وسط شهقاتها:
"ديجااا، أنتِ كويسة؟ ليه هربتي واختفيتي فجأة؟ كنت هموت عليكِ والله."
عانقتها ديجا مرة أخرى، وقبلت وجنتيها، وأزاحت لها دمعاتها، وقالت:
"معلش، متزعليش مني. أنا بحبك."
بالمثل فعلت سجى، وأزاحت لها دموعها، وبصدق همست:
"أنا مقدرش أزعل منك أبداً أبداً."
ثم استطردت قائلة:
"أنتِ وصلتي لأهلك؟"
أومأت ديجا قائلة:
"آه، هعرفك على ماما وبابا وكلهم دلوقتي. هتحبيهم."
قاطعتها إسراء قائلة:
"من لقي أحبابه، نسى صحابه. وأنا يا ست ديجا، مش هتسلمي عليا؟"
رفعت ديجا رأسها ببسمة، وعانقت إسراء بمحبة.
وعادت ممسكة بكف سجى بحنان وعناية وهي تقول:
"يلا تعالي أعرفك على ماما وبابا وكلوا."
قاطعها زين الذي جلس على ركبتيه أمامها وهو ممسكاً بمرفقيها، وتحدث بفرحة:
"ديجا، أنتِ بخير؟ أنا كنت هتجنن عليكِ والله، بس أنتِ ليه مشيتي كدا؟"
أزاحت ديجا كفيه بزعل، وبتعصب تحدثت:
"أنت مش تكلمني؟"
تهجم وجه زين بعدم فهم وصمت ملياً. بدأ بتفكير وهمس لها بضيق من ذاته:
"مش عايزة تكلميني ليه؟ أنتِ زعلانة مني؟ طب أنا زعلك في إيه؟"
تنبهت سجى لكلماتهم، فهتفت لها بتعجب مصحوب بالدهشة:
"ليه يا ديجا؟ دا زين بيحبك جداً. هو زعلك في إيه؟"
ضم زين وجهها بكفيه، وبعتاب تحدث:
"أنا بردوا زعلك يا ديجا؟"
أزاحت ديجا كفيه بدموع وركضت تجاه ياسين المقبل إليهم، فتلقاها بين ذراعيه حاملاً إياها، وتساءل بغضب:
"ماله دا؟ خايفة منه ليه؟ عملك حاجة؟"
عانقته ديجا، دافنة رأسها بصدره، وهزت رأسها بالرفض.
فتحرك ياسين تجاههم، وهو يحدج زين بنظرات كفيلة بحرقه، ولا يدري سبب ذاك الكره بداخله تجاهه.
صافحه زين بابتسامة مصطنعة، وقال بصوتاً أجش:
"دي تاني مرة نتقابل. بس المرة الأولى متعرفناش كويس. زين القاضي."
صافحه ياسين وهو يضغط على كفه، وهتف:
"ياسين ياسين الشرقاوي."
لمح أدهم سجى، فأقترب منها سريعاً مرحباً بها، وأخذها من يدها وأجلسها وبجانبها إسراء، وانضمت لهما عائشة تعرفهم ببعضهم.
ابتعدت ديجا عن ياسين وذهبت تجاه والدتها على عجل، وسحبتها ناحية سجى.
"استني يا ديجا، ما بالك في إيه؟" قالتها ورد، وتسمرت مكانها أمام سجى، محدقة بها بعدم تصديق، وهمست وعينيها مفعمة بالصدمة:
"فاطمة!"
تجمعت الدموع بمقلتيها. لم ينتبه لها أحد، بينما صاحت ديجا بسجى:
"سجى يا سجى، دي ماما ورد؟ يا ماما يا ماما، ماما سلمي على سجى!"
صرخت بها ديجا في والدتها الواقفة بصدمة، فتنبهت ورد وهي تفوق من صدمتها، وبلعت ريقها وهمست بتغيب:
"عاملة إيه؟"
ابتسمت سجى وهي تنهض تصافحها:
"الحمد لله."
تراجعت ورد بصدمة، واستدارت مغادرة، وهي تكابد على حبس دموعها، حتى دلفت للمنزل بعيداً عن الحشد القائم بالخارج. فما أن وطأت قدميها للداخل، هوت دموعها بغزارة، ووضعت يدها على قلبها، وانفجرت باكية بنحيب. لحظات، ثوانٍ، فدقائق، لا تدري كم مر من الوقت وهي بتلك الحالة. لا تشعر بشيء أو أين هي، ولا بما يدور حولها، فما أن هدأت، حتى أتت بهاتفها على عجل، وأخرجت إحدى الصور، والتي بها تحمل طفلة، لا ترى، وتقبلها بحنان. لامست أصابعها الصور بشوق، وانكبت باكية وهي تضمها.
دوي صوت أدهم وهو يقول بلهفة وقلق:
"ورددد، ماالك؟ أنتِ كويسة؟ بتعيطي ليه بس؟ في إيه؟"
وقف عن كثب منها، فرفعت هي عينيها المكتظة بالدموع، وقالت بصوت أضناه الألم:
"فاطمة، فاطمة."
أدمعت عينيه وهمس وهو يتنهد بثقل:
"الله يرحمها ويجعل مثواها الجنة يا رب. إيه بس فكرك بيها دلوقتي؟"
أشارت ورد بيدها للخارج، وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة:
"بره، هي بره. فاطمة والله بره. قلبي مستحيل يغفل عنها، هي أنا، أنا متأكدة!!"
هوت دموعه وهو يدير رأسه للجهة الأخرى، وسرعان ما كفكفهم، حتى لا يراهم أحد، وهمس وهو يغلق جفونه بألم:
"صلي على النبي. دي سجى اللي بره. أنتِ بس لما شفتيها حنيتي لفاطمة. قومي بس اغسلي وشك وتعالي. يلا، ياسين خلاص هيلبس سمر الشبكة."
هزت ورد رأسها بجنون، وحادثت نفسها بهمس:
"لا، دي فاطمة. إزاي يعني؟ أنا حسيت بيها إنها هي. مستحيل إحساسي يكذبني. إزاي معرفهاش؟ لو مش هي، ما كانش قلبي دق لها كدا."
"بتقولي حاجة؟" تساءل أدهم حينما تناهى لمسامعه همسها.
فهزت رأسها بالرفض، وهي تزيح دموعها، وتنهض قائلة:
"لا أبداً. أنا طالعة دلوقتي."
أومأ أدهم باسماً وخرج، بينما بدت ورد كالمتفكرة بشيء ما تنوي فعله، وخرجت بعد لحظات.
في حين ذلك، كان ياسين يتحدث بالهاتف. إذ أنه استدار، فوقعت عينه على تلك الحورية التي تجذبها ديجا نحوه. فتحرك تجاهها كالمسحور، وقد نسي تماماً أمر المكالمة.
كأن المكان فرغ، فلا يرى غيرها. توقف أمامها هائماً بها، بينما هي تحدثت بتعجب:
"ديجا، أنتِ وخداني فين؟"
همست ديجا ببراءة:
"عند ياسين أهو."
حاولت جذب انتباه ياسين الذي لا تحيد عينه عن سجى، وتحدثت بصدق:
"ياسين، أنت حلو وهتتجوز سجى عشان هي حلوة، وأنا بحبها، وأنت كمان هتحبها، ماشي؟"
ابتسم ياسين لها، بينما فركت سجى أصابعها بتوتر شديد وحياء أشد. فتابعت ديجا هامسة لياسين:
"هتتجوزها صح يا ياسين؟"
نكست سجى رأسها بحياء وتحدثت:
"بس يا ديجا، عيب كدا!!"
"عاملة إيه؟ طمنيني عنك؟" همس بها ياسين مقاطعاً سجى، التي تسمرت محلها على سماع صوته، تحاول تصديق أذنيها وجوارحها أنه هو، ياسين، لا غير.
كابدت لتنظيم ضربات قلبها المنفعلة، وهتفت وهي تتنفس بصعوبة:
"ياسين، أنت صح؟ ياسين؟"
"نعمم. أيوه أنا ياسين."
رفعت ديجا الحائل بينهما، رأسها تقلب نظرها بهم بتعجب، وهي تهمس:
"هما إنتوا إزاي تعرفوا بعض؟ هو أنا قولت اسمهم وأنا ناسيه؟"
هزت كتفيها بعدم فهم، وصاحت:
"أنا رايحة أغلس على أسماء."
ابتعدت ديجا، فارتبكت سجى بخوف وهي تقول:
"استنى يا ديجا، متسبنيش لوحدي. وديني عند إسراء!!"
أمسك ياسين كفها وهو يقترب، وبحب قال:
"أنا هنا، متخافيش."
دق فؤادها بعنف، ولكن شعوراً بالأمان توغل لداخل حناياها، مطمئنة. وراحة استقرت بروحها، فتبسمت ببشاشة مصحوباً بالحياء.
عم الصمت، قاطعه هو قائلاً:
"تعالي نقعد."
أخذها من يدها، أجلسها، وجلس على مقعد بجانبها، وما زال ممسكاً بكفها، كأنه يخشى أن يفقدها أو أن تضيع.
تنحنحت سجى بتوتر، وقالت ببسمة ورقة:
"كنت عايزة أقولك..."
صمتت بتوتر، فقال هو محثها على الحديث، وكل ما به يهفو شوقاً لسماع صوتها المبث لروحه بالبهجة، فإن تحدثت توهجت روحه، والدنيا كلها تتوهج وتشرق:
"إيه؟ اتكلمي!!"
ابتلعت ريقها قائلة:
"كنت بس هشكرك وهعتذرلك، لأني رنيت عليك ومش فاكرة قولت إيه، بس أنا والله كنت مضايقة، فلقيت نفسي بكلمك."
"أنتِ تكلميني في أي وقت وأي لحظة، وهكون موجود دايماً أسمعك." قالها بعفوية ولهفة.
فتابعت قائلة بإبتسامة:
"شكراً ليك بجد، معلش لو كنت ضيقتك أو شغلتك."
بإمتعاض وضيق تكلم بصدق:
"بطلي كلام عبيط بقى. أنتِ تشغليني براحتك، مفيش أي حاجة ممكن تشغلني عنك، كله في داهية إلا أنتِ. ويا ستي مش شغلتيني ولا حاجة، ولو مشغول أفضالك."
تورّدت وجنتاها، وتلألأ النور بعينيها.
"مين دي يا ياسين؟ أول مرة أشوفك بتتكلم مع واحدة بالطريقة دي، ولا بتبتسم حتى. فمين دي؟ دا أنا مش بتعاملني كدا؟" تحدثت بها سمر بعصبية.
فنفخ ياسين بضيق، وثب واقفاً، جذبها من ذراعها نحوه، وهمس بجانب أذنها بحيث لا يستمع صوته لأحد غيرها:
"امشي دلوقتي لحد ما أجي أخلصك."
تكلمت سجى باسمة بهدوء:
"في حاجة يا ياسين؟ مين دي؟"
"أنا خطيبته يا ختي، أقصد خطوبتنا النهاردة، يعني مراته إن شاء الله."
تلاشت الابتسامة من وجهها، وكسا الوجع فؤاده، وطل من عينيها، وغزا الوجع فؤاده، وتحدثت بدموع متحجرة:
"مبروك يا ياسين، ألف مليون مبروك، يتمم لك على خير يارب."
تبسم ياسين بسمة خفيفة، ورد باقتضاب:
"الله يبارك فيكِ، عقبالك يارب!"
تلاشت البسمة، وبحزن همست:
"عقبالي إيه بس؟ هو في حد ياخد واحدة عامية؟"
بتلقائية رد ياسين:
"ليه بتقولي كدا؟ أنا متأكد إن ألف واحد يتمناكِ، مش ألف بس، شباب العالم كله. هيكون محظوظ اللي من نصيبك!"
بخفوت همست بتعجب:
"محظوظ؟ ليه يعني؟ وعلى إيه؟ على واحدة عامية؟"
"محظوظ عشان عنده قلب زي قلبك، أبيض ورقيق ومش بيحمل كره تجاه حد مهما كان. قلب يسع الدنيا بحالها واللي فيها، قلب صافي وطيب ورقيق وبسيط، وروح جميلة هادية جداً ومرهفة الإحساس، وكمان جميلة!!!"
ضحكت بخفة وهي تقول:
"دا من ذوقك والله، جامّل براحتك!"
رد بصدق وهو هائم بها:
"مش بجامل أنا."
ثم غير الحديث قائلاً بتذكر:
"عرفتي مين كان عايز يؤذيكِ؟"
ببساطة ردت:
"لا، الموضوع مش مهم أوي."
"سجى قاعدة ليه هنا؟" قالها زين، قاطعاً حديثهم. فنهضت سجى باسمة، وقالت:
"قاعدة مع ياسين."
أشار زين بإمتعاض:
"طيب تعالي عشان إسراء بتدور عليكِ."
أومأت برأسها وتوجهت معه، بينما ظل ياسين ناظراً بأثرها، وقد سلبت روحه منه.
وقف ياسين بجانب سمر على المنصة، تشع نوراً من تحتهم بألوان متعددة. أمسك كفها وألبسها الخاتم، بينما كان يقف أنس بجانبه زينب، بوجه خالٍ من التعبير، بعيون يغرقها الدمع، والحزن تخلل شغاف قلبه. ضج المكان بالتصفيق، فتبسم ياسين وهو يتصور مع سمر عدة صور، وتوافدت عليهم التهنئة.
حتى جاء دور أنس وزينب.
نظرت لهم سمر بضيق لا تدري سببه بتاتاً. كان الحزن يخيم على ملامحهم جميعاً.
استقر نظر ياسين على سجى، لا يحيد عنها، فهو منشغل الذهن، يصافح بآلية. ثم جلس بجانبها وزفر بضيق، والتفت برأسه لها، وتحدث:
"سمر، أنا لازم أكون صريح معاكِ من البداية، مش عايز علاقتنا تبدأ بكذبة."
تبسمت بحياء وهي تهمس والبهجة تسري بعروقها وأوصالها:
"قول اللي أنت عايزة!"
تنهد ياسين بضيق وصمت ملياً، قبل أن يقول وهو يمعن النظر بها:
"أنا مش هكدب عليكِ وأقول إني أتجوزتك لأني بحبك، لا. أنا وعيت على الدنيا وأنتِ بالنسبالي أخت مسؤولة مني وبس، غير كده لا. فهاخد وقت لما أتقلم، مع إني لاحظت حاجات كتير ما أخدتش بالي منها قبل كده، بس أنا مطمن إن اللي فيه خير هيقدمه ربنا."
عقدت حاجبيها سائلة بدهشة:
"لاحظت إيه؟"
شرد بـ أنس وهمس وهو على حاله:
"مش مهم."
وتوسم بوجهها وقال بضيق بعد لحظات:
"المكياج ده ما أشوفهوش على وشك تاني!!"
أومأت سمر برأسها بطاعة، وأقبل مراد مهنئاً ياسين، وما أن أوشك أن يصافح سمر، صافحه ياسين جاذباً كفه إليه، فتفهم مراد.
اقتربت لمار من ورد الشاردة بـ سجى بتمعن، وتحدثت وهي تضع يدها على كتفها:
"ورد، أنتِ كويسة؟"
هزت ورد رأسها إيجاباً، فهمست لمار قائلة:
"ممكن تروحي الأوضة اللي تحت، هتلاقي فيها التلفون بتاعي، تجيبيهولي معلش."
"حاضر، حاضر من عيوني." همست بها ورد وهي تنهض.
ومضت للغرفة، فما أن دلفت حتى أغلق الباب من خلفها. حاولت فتحه، فلم تستطع.
"إيه؟ بتعملي إيه؟" كست الصدمة وجهها، لا تصدق أذنيها ها هنا، فالتفتت بذهول وهمست:
"عمرو، أنت بتعمل إيه هنا؟"
تحرك خطوتين وهو يعقد ذراعيه:
"أنا اللي سألت الأول. ومع ذلك ديجا قالتلي تعالى عايزك، ودخلتني هنا واختفت. وأنتِ؟"
بدت كالمتفكرة قليلاً قبل أن تهمس بتعجب:
"ديجا! غريبة ليه. أنا لمار قالتلي هاتيلي التلفون، وأول ما دخلت الباب اتقفل، معرفش بقى إيه؟"
تحرك تجاه الباب وهو يشير لها بيده:
"طب اوعي كدا."
تنحت جانباً، فأقترب هو يحاول فتح الباب مراراً وتكراراً، لكنه لا يفتح. دوى صوت وعد بالخارج قائلة بحسم:
"متحاولوش، الباب مش هيفتح، ومش هيفتح غير بكرة الصبح! اتكلموا واتفاهموا عشان الباب دا يتفتح وتطلعوا متصالحين. ورد، أنا شرحتلك كل اللي حصل من شوية، فشوفي بقى اتكلمي معاه."
صاح عمرو وهو يقرع الباب:
"افتحي يا وعد، بلاش الحركات دي، افتحي يا بت يا لمار، حد يفتح."
ما أن يأس، نظر لها بصمت، فبادلته النظرات مفعمة بالصدمة والتوتر.
فساد الصمت، قاطعه تحركه هو تجاه أحد المقاعد وجلس بيأس، وحذت هي حذوه. فتوسم بوجهها، فزادها ارتباكاً.
بالخارج، كان بلال ينظر لهم بأعين تفيض بالدمع، مفعمة بالوجع. أما قلبه، فكان يدعو لها بالسعادة. فابتسامته تلك التي تتوهج من فؤادها تنير قلبه، فلا يجد سوى أن يدعو لها بالبقاء دائماً وأبداً.
تجاوره أنجي أخته، واقفة بضيق شديد ووجهها مكتسي بالحزن. أما زينب، فلاحظت نظرات أنس لسمر. رأت الوجع بعينيه والغيرة، وأحست بألم قلبه، فغلت بداخلها وتذوق فؤادها العذاب، ولاذت بالصمت.
أعطت مكة موافقته على علي، ولكنهم بانتظار مجيء والديه لتتم الخطبة. أقبل علي برفقة أخته وبعد الزملاء ناحية مكة، التي اتجهت لهم مباشرة وعانقت الفتيات مرحبة بهم.
فأقترب علي هامساً بفرحة:
"إيه الجمال ده كله؟ عاملة إيه؟"
كان ينظر لها من رأسها لأخمص قدميها بنظرات لم تدر معناها، فتبسمت قائلة:
"تسلم يارب. الحمد لله."
مد يده ليصافحه، فما أوشكت أن تصافحه، حتى كانت يد عثمان الأسرع، ودفع علي للخلف، وجذبها هي دون كلمة.
حاولت التملص من قبضته تجاهد مراراً وتكراراً بلا فائدة، وهي تصيح بانفعال:
"أوعى يا عثمان كده، في إيه؟ بتجرجرني وراك كدا ليه؟"
دفعها لتقف أمامه بمكان بعيداً عن الحفلة والناس، وصرخ بوجهها:
"إيه اللي بتعمليه دا؟ أنا مش قلت الزفت دا متقفيش معاه؟"
عقدت ذراعيها بعند وثبات، وقالت:
"عملت إيه؟ وبعدين أنت مالك؟ أقف معاه أو لا، دا خطيبي!"
تحولت عيناه بلحظة، واستشاط غيرة بغضب، قبض على مرفقيه وهمس بصوتاً كالفحيح ونبرة لاذعة:
"خطيب مين؟ أنا أدفهنه وأدفنك قبل ما يفكر يقرب، وأبعدي عنه أحسن لك عشان ما أموتوش. أنتِ فاهمة؟"
نزعت يدها بجهد عظيم وبهدوء، قالت:
"لا مش فاهمة. أنت مالك أصلاً؟ يخصك في إيه؟ وليه أصلاً تتحكم فيا كده؟ وبعدين أسلم براحتي، أنت مالك."
كور قبضة يده ولكم الحائط وهو يصرخ بها:
"اسكتي، اسكتييييي."
أمسك مرفقيها، دفعها نحوه لتنصدم بصدره بصدمة، وصرخ بغضب كفيل بإحراقها:
"عشان أنتِ ليا، ليا أنا وبس. وأياكِ إيدك تلامس راجل تاني، قسمًا بالله أقطعهالك. والزفت دا تنسيه، فاهمة؟ ومتنسيش، أنا بحذرك، أي حاجة هتحصله هيكون أنتِ السبب فيها."
دفعها للحائط بقسوة، واستدار مغادراً بغضب وهالة سوداء تحيط عينيه. دفع إحدى الطاولات بغضب، هادراً بطريقه، وتابع سيره ناحية علي، الذي ما أن وقع بصره عليه، ارتجف جسده وابتلع ريقه بخوف، وهرول للخارج.
لحقه عثمان وأمسكه من ياقة جاكته بالخلف، وهو يجز على أسنانه:
"رااايح فين يا جبان أنت؟"
دفعه على السيارة بقسوة، وأمسكه من عنقه هامساً:
"أقسم بالله، إن فكرة تؤذيه، لأكون دفنك مكانك، ومحدش يعرف لك طريق. ابعد عنها تمام."
أنهى جملته وهو يلطمه على خده، فأومأ علي بخوف شديد يسري بعروقه. فأشار عثمان وهو يتركه:
"شاطر، بتسمع الكلام يا حبيبي."
واتجه للداخل، بينما نظر له علي بتوعد.
زلت مكة محلها مصدومة مما حدث، تحاول استيعاب ما سمعته لتوه. تحسست مكان يده بألم وهي تتاوه بخفوت، وهمست بدهشة:
"يا ربي، المجنون دا ماله؟ مكنش كدا وهو صغير. دا عايزله دكتور، أكيد مش طبيعي. آآه يا أمي، إيدي إن شاء الله صاروخ يجي ياخد إيدك."
صمتت ملياً بتفكير، وهمست:
"صاروخ إيه تاني؟ ماهو واحد صاروخ أرض جو، مش أي صاروخ. دا صاروخ غريب عجيب، بس قمر. يخربيتك، خاصةً وهو متعصب."
ثم تبسمت وغادرت مكانها ناحية الحفلة، وتوجهت ناحية ياسين.
أخذ حذيفة أسماء لإحدى الأماكن، وقبل وصوله، وضع قماشه حمراء على عينيها، وترجل من السيارة، وأسرع ناحيتها، وفتح الباب، وأمسك كفها ليعاونها، وهمس بهدوء:
"انزلي على مهلك."
همست وهي تترجل:
"حذيفة، هتوديني فين؟ وإيه لازمة تربط عيني طيب؟ مش شايفة حاجة."
همس بجانب أذنيها:
"أنتِ مش واثقة فيا؟"
بصدق تحدثت:
"هو أنا لو مش واثقة فيك، كنت تجوزتك؟"
تبسم وهو يسير بها للداخل، فما أن دلفوا، فك الربطة، ففتحت عينيها ببطء، سرعان ما هوى عليها ورود حمراء، لتضحك بروح متوهجة، وهي تقف فاتحة كفيها بفرحة، فتأملها بعشق.
شهقت بفرحة ما أن وقعت عينيها على طاولة متزينة بالورود والشموع، ففتحت فاهها وعيناها تجوب المكان بعدم تصديق.
كانت الأنوار هادئة على الشموع فقط، وموسيقى أيضاً، الورود والبالونات بكل مكان.
وقف خلفها هامساً بجانب أذنيها وهو يضع سلسال:
"عجبك المكان؟"
شهقت مرة أخرى وهي تتلمس السلسال، المحتوي على صورتهما على شكل قلب مزخرف، ومكتوب بها "أعشقك"، واسمه واسمها.
أدمعت عينيها من شدة الفرحة، وهمست وهي تستدير له:
"عجبني بس؟ أنا مش مصدقة نفسي، أنا مبسوطة أوي أوي."
قبل رأسها بحنان، ثم ضم وجهها بكفيه، وبهمس همس:
"وطول ما فيا النفس، سعادتك دي مش هتغيب أبداً. أنتِ كنتِ فين من زمان عشان تلوني حياتي كدا وتديها معنى؟"
همست ودموعها تهوى على وجنتيها:
"كنت دايماً جنبك، بس أنت اللي ما كنتش شايفني، كنت دايماً غايب مع دي ودي."
بهمس تكلم بحب وكلمات تنبع من سويداء الفؤاد:
"مين قال كدا؟ أنتِ كنتِ دايماً في روحي، بس كنت غبي. بس خلاص، ننسى اللي فات. من النهارده مفيش حاجة ممكن تفرقنا أبداً. عايزك تثقي فيا يا أسماء، أنا هشيلك جوه عيوني وقلبي، حتى ما تبتعديش أو ترحلي، سأسجنك بداخله ومش هحررك. بس خليكِ دايماً جنبي ومتسبش إيدي، كوني دايماً النور اللي يضئ طريقي، يا قمري، اهديني وخديني من الدنيا للجنة، عايز قرب من ربنا بيكِ."
"مش عايزك تبعدي عني أبداً، حسسيني دايماً إني ابنك، لأني دايماً بحسك أمي، مش حبيبتي وبس. أنتِ كل ما ليا، أنتِ نبض الفؤاد، يا سكينة روحي. خلينا قصاد أي عاصفة نواجهها سوا، متتركيش إيدي وتبعدي، لأن وقتها العاصفة هتهب وضيعنا من بعض. قصاد أي موجة، خليها تيجي بكل ما تحمله، بس هنكون قصادها كالحصن المنيع، أوعديني."
هزت رأسها بدموع لا حصر لها، وقالت:
"أوعدك، وأنت خليك دايماً قد ثقتي، ومتخببش عني أي حاجة، ومتخونيش. ولو حصل وخبيت عني حاجة وعرفتتها من غيرك، أنا هدمر. مش عايزة حد يدخل بينا أبداً، عايزة أنا، أنت وبس. همومنا، مشاكلنا، خناقتنا، تبقى بينا وبس، متطلعش لأقرب قريب."
أومأ برأسه وهمس وهو يأخذ رأسها لصدره:
"أنا بحبك يا سكني، لا، أنا فوقت الحب، أنا بعشقك."
ضمته أسماء باكية، سرعان ما ابتعدت بحياء وصدمة، فانفجر ضاحكاً عليها.
هم أن يقترب، فأبتعدت بفزع، فرفع ذراعيه هامساً بضحك:
"بس بس، مش هقرب. تعالي ناكل، أنا جعان."
لوت فمها ساخرة:
"أنت على طول جعان."
"إيه اللي وعد عرفتهولك؟" قالها عمرو، قاطعاً ذاك الصمت بعد وقت طويل كان مشحوناً بالتوتر والارتباك، ولم يخلو من التفكير.
تبدلت ملامحها كلياً للحزن وعتاب للنفس، ونهضت واقفة خلف النافذة، وأزاحت دمعة فرت هاربة.
"لقد ظلمته، حكمت على علاقتهم بالانتهاء دون أن تدري الحقيقة كاملة." ثم استطردت هامسة بصوتاً مسموع لم يخلو من الحزن: "قالتلي إن البنت اللي كانت معاك لما شفتكم شربتك حاجة، وإنك ما كنتش في وعيك، وإن في حد وزها عليك، بس لسه معرفتش مين."
تألم من نبرتها، ولكنه وارى ذلك خلف ضحكة هازئة، وقام من مجلسه مقترباً منها، ينظر من خلف النافذة، وتحدث:
"ياااه، عرفتي متأخر أوي. يا أما قولتلك اسمعيني، ولكن لا حياة لمن تنادي. حكمتي إني خاين ومستهلكش، وسبتيني. سبتيني في أكتر وقت كنت محتاجك فيه. أنتِ والشركة اللي اتحرقت في نفس اللحظة، كل اللي بنيته في سنين عمري انتهى في لحظة."
أنهى جملته بصوتاً عالٍ، جعلها تنتفض مفزوعة، ورفع قبضته ضارباً الحائط خلفها، لتنفزع وهي تغطي وجهها مجهشة بالبكاء المرير.
ثم بصوتاً عالٍ تابع بنبرة وجع بجرح غائر بسويداء القلب:
"عارفة يعني إيه إنك تخسري كل اللي بنيتيه في لحظة؟ إن أكتر إنسان محتاجاه يمشي، ميسمعيكيش يأمر ويحكم من غير ما يسمع."
أمسك كتفيها وهزها بتغيب، وهو يصيح:
"أنا حبيتك، ما كنتش عايش من غيرك، كنت مجرد جسد بيتحرك، بقيته عندك."
"ضحكتي وفرحتي وبسمتي، قلبي وروحي وعقلي وكياني، كانوا عندك."
"اترجتك تسمعيني ومتسبنيش، اديتك عذرك وقد إيه صعب عليكِ، سبتك ورجعتلك تاني، بس رميتيني من سابع سما، ليه مسمعتنيش؟ إزاي متثقيش فيا، وإحنا قضينا عمرنا كله سوا؟ ازززززززاي."
علا نحيبها وازدادت شهقاتها، وجثث على الأرض بإنهيار، فجلس معها مقابل لها، وتابع:
"كله انتهى في لحظة. أكتر حاجة وجعتني إنك موثقتيش فيا، بس صدقتي عنيكِ. دمرتيني بكل برودة نفس، ونهيتي كل اللي بينا في كلمة. الشركة اتحرقت، كنتِ الوحيدة اللي عايزك جنبي، عايز حضنك يواسيني، بس ولتيلي ضهرك ومشيتي. عارفة انتِ الكسرة دي؟ أنا كنت ميت، مستني القبر يضمني."
بلهفة، ووضعت سبابتها على شفتيه، وهزت رأسها بجنون.
وتقابلت أعينهم، فهمست هي بعد دقائق:
"مقدرتش والله. كان صعب عليا أشوف واحدة تانية في حضنك غيري. كانت في نار جوايه." وضعت كفها على موضع قلبه، "لأن قلبك ودقاته دول ليا أنا بس، اللي يحق لي أسمعه. حضنك ليا لوحدي أنا وبس، أنا بس."
ضم وجهها وهمس:
"من يوم ما وعيت على الدنيا، وهو ليكِ أنتِ وبس. كنت مقدر حالتك ووجعك، بس أنتِ ما ادتنيش فرصة تسمعيني."
قاطعته هي هامسة بقلب يتقطع أرباً ودموعاً لا تهدأ:
"أنا معرفتش يعني إيه فرح من غيرك. كنت عايشة بس مش عايشة. كنت طول الوقت خايفة، ماهو أنت أماني الوحيد. من بعدك ما حستوش نهائي، كنت ليل نهار مفتقدة وجودك جنبي. سلبت مني كل ما فيا، ما كنتش عارفة أعيش من غيرك. ما هو أنا لو كنت أعرف معنى الحياة من غيرك، ما كنتش بقيت كدا، ضايعة وخايفة من كل حاجة، حتى الهموم منتظرة تشاركني كل دا، مستنية وطنك يضمني، وعايزة قلبك يسكن فيه من تاني، ولروحك تحتويني، عشان خايفة. أنا مش زي ما أنا، صدقني، أنا جوابا خوف من كل حاجة في الدنيا، خوف عمره ما ينتهي غير بوجودك."
"الحياة من غيرك قبر مظلم مفيهوش بصيص نور."
"مش عايزة أعيش، هي الدنيا من غيرك إيه؟"
نهض واقفاً، فنهضت، ولاها ظهره، وهمس بوجع وبرود:
"اللي انكسر مبيتصلحش أبداً، واللي انتهى مبيرجعش."
أغمضت عينيها، فتدفقت الدموع أكثر، وكتمت أوجاع وآهات بفؤادها، وبداخلها تتمنى أن تلقي بذاتها بين ذراعيه. أرادت أن تقول: لا تترك يدي، فإن تركتها سأموت حية، فلا أستطيع فراقك بعد اليوم.
أشتاق لحضن عينيك، لن تكفيني ساعات، أحتاج لسنين، فحضن عينيك أمان، لا أريد البعد عنه.
لا تبتعد، فل تضمني واخفيني من ذاك العالم القاسي، وخذني لدنيا ليس بها سواك.
فلنرحل سوياً لعالم آخر، وضمني، اعتصرني بداخلك، وأضئ نور روحي المنطفئة، لتتوهج وتتوهج الدنيا نوراً، وأذقني السعادة ألوان، وانشر ألوان الطيف حولي.
مر الليل، لم يغمض لهم جفن، ولم يرقأ لها دمع، ولم يرق قلبه.
انفتح الباب حينما هلت الشمس تتلألأ وتنشر أشعتها الفضية.
طلت لمار من الباب، وتلاشت ابتسامتها. فنهض عمرو ودفعها بعيداً، وتخطاها وصعد شبه راكضاً للأعلى.
نهضت ورد بثقل، وقد أضناها التعب، كابدت أن تبدو بخير، فوقفت أمامها باسمة بوجع، وهتفت:
"اللي انكسر مبيتصلحش، واللي انتهى مبيرجعش."
ثم استطردت هامسة:
"لمار، أنا آسفة، بس مش هقدر أعيش معاه تحت سقف واحد. أنا هاخد ديجا وأمشي على شقتي، وأوعدك وقت ما تحتاجيها هتكون عندك."
قاطعتها لمار قائلة بهلع:
"لا، مس..."
قاطعتها ورد رافعة كفها وهي تقول:
"معلش يا لمار."
صعد عمرو لشقته، مهموماً ويفكر بما ينوي فعله بعلاقتهم. جلس واضعاً رأسه بين كفيه بغم وكآبة.
"الحياة فيها إيه عشان نضيعه في الحزن والهم والبعد؟"
"ليه منسرقهاش قبل ما تسرقنا؟"
"ونخطف لحظات تجمعنا مع اللي بنعشقهم قبل ما القبر يخطفنا."
"ليه منسامحش ونعاند قلبنا ونيجي عليه وندفنه ونظلم نفسنا؟ ليه؟"
"ما ننسى اللي فات ونعيش الدنيا، مش دايمة، والفرص ما بتتكررش."
رفع عمرو بصره لـ يوسف المقبل نحوه باسم بشوش الوجه.
أقترب يوسف جالساً بجانبه، وتوسم وجهه وقال:
"انتوا الاتنين غلطتوا، متحملهاش الذنب لوحدها. أنت مقدرتش وجعها. أصعب حاجة على الوحدة إن تشوف زوجها حبيبها مع واحدة تانية، واخده مكانها. دي مش أي خيانة، هي شافتها بعينها في حضنك."
"أنت كان لازم تصبر، تفهمها وتحاول تعرف الموضوع، مين دي وليه عملت كدا."
"مش تاخد بعضك وتسافر وتبعد. اللي راح راح وخلاص، عدي. إحنا دلوقتي في الحاضر، ولازم نستغله كويس. إحنا دلوقتي موجودين، يا عالم بكرة هنكون ولا هنكون، خلاص رحنا الدار التانية."
"الحقها قبل ما تمشي، واستغل الفرصة واخطفها من الأيام. يلااااا."
عم الصمت، يحاول التوصل لحل ما. ثم دون كلمة، وثب راكضاً للأسفل، فوجد لمار، فضحكت وهي تشير له للخارج، فهرول خارجاً وعينيه تبحث عنها، فوجدها توشك على الخروج وبيدها ديجا.
فنادى بلهفة:
"ديجا، استني!!"
التفتت ديجا مشرقة الوجه له قائلة:
"بابااااا."
اقترب هامساً وعينيه لا تحيد عن ورد:
"استنوا، قصدي رايحين فين؟"
تحدثت ورد وهي شاردة بالفراغ:
"راجعين الشقة."
صمت، لا يدري ما يقوله أو كيف يبدأ وبماذا يبدأ، فتلجلج قائلاً:
"طب طب، أنا هوصلكم يلا."
أومأت ورد برأسها، فدعته ديجا لحملها، فحملها بين ذراعيه، وفتح الباب لورد، واستقلا السيارة وانطلقا.
مدى الطريق بصمت، حتى ركن سيارته أمام البناية وترجلا.
همت أن تمضي للداخل، فناداها قائلاً:
"ورد، استنى."
وقفت محلها بصمت، وخفق قلبها، فأقترب هامساً بجانب أذنها بنبرة حانية:
"لاحظت إني مش هقدر أعيش من غيركم، من غير خديجة اللي ضحكتها بتنور نهاري، كأنها الشمس هللت أو القمر أنار الليل، ومن غير دعواتك ووجودك. من غيرك ماليش سكن ولا مكان أعيش فيه، كأني وسط الشارع في جو برد ومفيش مكان يأويني، لأنك أنتِ الوحيدة اللي هتأويني. بالاختصار، حياتي من غيركم مش حياة."
"عايزك تهللي في سماء قلبي وتنيري الظلمة اللي سكنته في غيابك."
أدمعت عينيها وهزت رأسها بالرفض، ومدت ناحية العمارة، ارتقيت الدرج بارتباك وتردد، تخشى أن تنظر للخلف.
بينما تملكه الأسى والقهر، وهو يرى حياته تضيع من بين يديه، وهو عاجز، ليس بيده شيء.
فاضت عينيه بالدمع، وهم أن يستدير لسيارته.
فاستدارت هي هامسة بصوتاً مسموع:
"عمرو."
استدار لها بأمل، ووجهه توهج، وعينان تلألأت.
فتابعت قائلة ببكاء:
"هتبعد وتسيبنا تاني؟"
هز رأسه بهلع:
"مقدرش أبعد عن روحي. هو في جسد في الحياة عايش من غير روح؟"
شهقت ببكاء، وتركت يد ديجا وركضت ناحيته. ليفتح ذراعيه متلقفها، وهو يدفنها بداخله أكثر، يكاد أن يضعها بقلبه.
همست من بين دموعها وهي تشدد من ضمها له:
"إياك يا عمرو، تسبنا تاني. دا أنا أموت والله، ما تبعد أبداً، متحرميش من أمانك."
لم يتحدث، وإنما اعتصرها بداخله.
لتصفق ديجا بفرحة.
رواية دموع العاشقين الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ندى ممدوح
رواية دموع العاشقين الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ندى ممدوح
منذ أن استيقظت "ورد" وحالة "ديجا" الصحية تسوء، تزداد حرارتها حتى أن أسماء منذ قليل أعطتها أدوية ومع ذلك فدرجة الحرارة تزداد. جلست بجانبها وهي ممدة بجوارها تفعل لها "كمادات" باردة، حيث تضع القماشة بالماء البارد وتعيدها على جبين خديجة، ودموعها لا تتوقف عن السيلان. ترعاها بقلبها الملهوف قبل يداها. تقبل جبينها كل لحظة، لا سيما ما زالت تعاني من أثر غيابها وقتما تم اختطافها، تخشى بشدة فكرة غيابها أو فراقها.
لا ريب أن حياتها لا تكمن بدونها. ظلت تدعو له بقلب أم متضرع خاشع مناجٍ باكٍ ملهوف وجل.
تناهى لها صوت فتح الباب وأغلقه معلناً عن قدوم "عمرو" من عمله، وتناهى لها صوته منادياً بوهن مما بذله من مجهود:
"ورددد يا ديجا انتوا فين."
وضع هاتفه جانباً باحثاً بعينه بتعجب عن رفيقة روحه التي ما أن كان يفتح الباب حتى يطالعه وجهها الدري مستقبلاً إياه.
جاءه همسها لقلبه وهي تقول من وراءه:
"حبيبي جيت، حمد لله على السلامة."
ثم اقتربت مسرعة تعانقه بحب وهي تهمس "وحشتني".
فبادلها العناق مشدداً عليها بشوق ولهفة وتمتم بعشق:
"أنتِ اللي وحشتيني، الكم ساعة دول بحس حياتي واقفة فيهم."
كان لا يبدو عليها أثر البكاء أو حزن وغم وقلق، وإنما متوارياً بفؤادها، لا غرو فـ وجهها باسم ضحوك وعينيها لامعة.
همس متسائلاً وهو يبتعد:
"أمال فين ديجا؟ هالة قالتلي أنها هنا!"
تبسمت هامسة باطمئنان:
"دي نايمة شوية... قعد استريح لحد ما أجهزلك الغداء."
قبل جبينها بحب ولهفة ثم جلس بإرهاق، وتوجهت هي لتجهيز الغداء. لم تريد أن تقلقه، فإن علم ما بخديجة لمه أراح جسده أو حتى أكل شيئاً، وهي لن تسمح بذلك، فليسترح أولاً ولا تقلقه، فسيمر كل شيء بخير بأمر الله.
جهزت الطعام والقلق مستحوذ على فؤادها، متسلل بمهجتها حتى فرغت من إعداده. وجلس هو يأكل بعدما انتهى من تناول طعامه.
هتف متسائلاً بقلق:
"مالك يا ورد فيكِ أيه؟ حاسة إنك زعلانة، ديجا كويسة؟"
تبسمت بتكلف وهي تنظر له ثم أردفت:
"أنت هتنام ولا إيه؟"
هز رأسه نفياً وقال:
"لااا مش عاوز أنام دلوقتي... فين ديجا؟"
استقامت ورد بوقفتها قائلة وهي تشير على الغرفة:
"ديجا كويسة الحمد لله، هي جوه بس تعبانة شوية؟!"
وثب واقفاً بفزع وهو يتقدم للغرفة بلهفة:
"تعبانة مالها وإزاي متقوليش؟!"
تعقبته هامسة:
"شوية سخونة بس وأسماء أدتها علاج، هتبقى بخير متقلقش."
جلس بجوار ديجا مائلاً بجذعه ناحيتها يتحسس جبينها وهو يقبلها بحنان وقلق في آن واحد، كأنه يؤكد فؤاده المرتجف أنها بجانبه.
استدار برأسه لورد متسائلاً:
"إزاي يا ورد مقولتليش؟"
تنهدت ورد بصوتاً مسموع ثم قالت باسمة:
"لو كنت قلتلك مكنتش هتأكل... هي هتبقى كويسة دلوقتي متقلقش."
تبسم بحنان ووضع جبينه على جبين ابنته داعياً الله لها.
أخذت سمر الطرق ذهاباً ومجيئاً بقلق لا يرقأ لها دمع، لقد ظنت أن تلك الأيام قد ولت منذ أن أغلقت هاتفها وبقى ذاك الشاب لا يهددها، ولكن بلحظة وعلى حين غرة أرسل ظرفاً به تلك الصور لتستلمه أسماء، لا تدرى أمن حسن حظها أم لتعاسته.
كيف تطمئن على أسماء التي ذهبت بمفردها؟ لا يستطيع أنس أنقذها، فقد حادثته وأخبرته بكل شيء، لن يحادثها مرة أخرى، سيكرهها حتماً بعد كل ما قصته عليه. ماذا عليها أن تفعل الآن؟
وما الذي سيحصل لأسماء؟
دعا قلبها أن تكون بخير ويردها سالمة.
أخفت بنفسها ذاك القلق وهي تضع المصلاة لتصلي.
وتسجد باكية لرب العالمين تدعوه أن ينجيهم وينقذهم.
على حين غرة جذبها للداخل وهم بالاعتداء عليها... ولكنها ظلت تقاومه بكل ما أوتيت من قوة... وظلت تدفعه وهي تصرخ مستغيثة... كل محاولاتها باءت بالفشل بسبيل إبعاده. فدفعته بعزم ما بها وهي تنهض بعجل راكضة لأحدى الغرف مغلقة الباب خلفها.. لكنه لم يعطيها الفرصة وسرعان ما وقف أمام الباب يدفعه بقوة وهي تدفعه بكل قوتها ودموعها لا تتوقف لوهلة. شعرت أنها النهاية، فهمست مستنجدة ببكاء:
"ياررررررب."
علا نحيبها وازدادت شهقاتها وهي تدفع الباب بذراعيها، ولكنه دفعه للقوة للخلف لتقع هي أرضاً ويولج هو، ناظراً بنظرة شهوة مفعمة بالانتقام والحقد والإكراه.
أسودت السبل بوجهها، ظنت أن دقات فؤادها قد توقفت، وأن روحها قد غادرتها. تجرعت مرارة الذل وهي تتسول إليه وترجوه أن يتركها قائلة ببكاء يفطر القلب:
"سيبني حرام عليك أرجوك سبني، خاف ربنا يمكن أجلك قريب هتموت بأكبر ذنب، بلاش تضيع أخرتك، ترضى لأختك يحصلها كدا."
اتسعت عينيه وهو ينقض ممسكاً بحجابها بقوة وخصلات شعرها من أسفله. فتأوهت بألم وتحدث بنبرة جنونية:
"أختي فين أختي دي؟ بقيت جثة أختي بسبب جوزك، بقيت مكتئبة بين الحياة والموت في المستشفى، ليه يرسم عليها الحب ويتسلى؟ مفكرش في مرة أنها ممكن تحبه بجد؟ أختي حاولت تنتحر، أختي متعرفش يعني إيه شباب ولا بتتكلم معاهم لحد ما أخوكِ لف وراها لحد ما وصل لقلبها وفضل وراها لحد ما بقيت تكلمة ليييه؟"
صدمة حلت عليها جعلتها تتسمر كلياً، حتى دموعها لحظة، وكان الباب يكسر ويولج أنس متلهفاً منادياً باسم "سمر" بقلق ومعه قوة من الشرطة وحذيفة الذي لا يدرك شيئاً.
أخفض أنس سلاحه متمتماً بزهول:
"أسماااااء."
ركض حذيفة تجاه الشاب وظل يضربه بقوة حتى فصل بينهما أنس وهو يكبلة دافعه للخارج.
ركض حذيفة تجاه أسماء المرتعشة وهي تضم جسدها بذراعيها، ما زالت بصدمتها لم تعِ لضم حذيفة لها ولا حديثه المتسائل عن وجودها هنا.
ثم نهض بفزع صارخاً بها بغضب:
"إيه اللي جابك هنا؟ بتعملي إيه مع شاب لوحدك وجاية تقابليه كمان؟ ليييييه انطقي..."
جذبه أنس من قبضة يده يديره نحوه وهو يجز على أسنانه قائلاً:
"قول لأختك مين دا واشكر مراتك إنها جت مكانها وفوق بقا فووووق وخد بالك من أختك اللي بتدفع تمن أخطائك وانتبه ليها وللبسها وللشباب اللي كل يوم مع واحد."
اتسعت أعين حذيفة بصدمة وهز رأسه بعدم تصديق:
"انت كدااااب."
دفعه انس من أمامه متحركاً تجاه أسماء:
"أوعى بقا وفوووق قبل فوات الأوان وتخسر أختك."
جثى بجانب اسماء متسائلاً بقلق:
"اسماء أنتِ كويسة؟ عملك حاجة طمنيني بس لو أذاكِ والله هيكون موته على إيدي، أنتِ بخير اتكلمي طيب."
رفعت بصرها الزائغ به بتيهة وتطلعت له لثوانٍ ثم قلبت بصرها ناحية حذيفة وأعادته مرة أخرى لـ أنس وتمتمت:
"خدني من هنا."
أؤمأ أنس رأسه بتفهم، فأستقام واقفاً وهي معه، ضائعة لا تصدق أنها لتوها قد كانت لتخسر أعز ما تملك.
توجهت معه منصرفة من هذا المكان.
بينما وقف حذيفة مصدوماً يحاول استيعاب ما سمعه لتوه، ثم غادر من المكان مستقلاً سيارته منطلقاً بسرعة فائقة بدون وجهة، وكلمات أنس اللاذعة تتردد على مسامعه مراراً وتكراراً دون هوادة، فشتت انتباهه. لذا وبدون سبب إنذار لم يدر ما يدور حوله ولم يستشعر بشيء سوى بنور قوي اخترق عينيه ليغمض عينه بعنف وهو يغط وجهه بذراعه متراجعاً بوجهه، وكان عاملاً حادث وتجمع حشد هائل من الناس حوله بالطريق مسرعين بإنقاذ حياته.
في أوان ذلك وصل أنس لتترجل أسماء بضياع تحدق بالفراغ بصمت. أسرعت سمر للخارج بوهن وتمسكت بذراع أسماء التي كانت شبه متغيبة وغمغمت:
"أسماء طمنيني أنتِ كويسة فيكِ حاجة حصلك حاجة؟"
أبعدت أسماء كفيها ودون النظر إليها ابتعدت للداخل لتقابلها هالة مبتسمة وهي تقول:
"أسماء مالك يا حبيبتي فيكِ حاجة؟"
لم تجب وأنما ارتقت الدرج دون حرف متوجهة لغرفتها بصمت، فهزت ريم رأسها بقلق:
"مال أسماء؟ حاسة إنها مش كويسة، يارب تكون بخير."
تمتمت تالا بزهول:
"هي مالها بجد؟ ليكون فيها حاجة ولا حصلت حاجة؟"
بالخارج نظر أنس بأثر أسماء بحزن وهو يترجل، فالتفتت له سمر متسائلة وهي تشير على طيف أسماء:
"هي مالهااا؟ إيه اللي حصل طمني."
صرخ بوجهها بغضب:
"بتسألي ليه، يهمك يعني؟ بنت عمك الزفت كان هيعتدي عليها لولا وصولي في الوقت المناسب، وكله بسببك، فوقي بقا يا شيخة أنتِ إيه؟ اللي بتعمليه دا غلط وهتتعاقبي عليه دنيا وآخرة، فووووقي عشان متخسريش حد، أقسم بالله أنا بحمد ربنا ليل نهار."
هم أن يقول لأنك لست من نصيبي، ويا ليتني لم أحبك، فاستدرك متراجعاً وهو يرمقها بغضب وتابع بنبرة حنونة ما أن رأى دموعها:
"فوقي يا أسماء، ليكون أجلك قريب وتموتي وتخسري أخرتك، استغفري ربك وقربي منه، تعلمي من ورد، من أسماء، وعد، من ديجا الصغيرة، بلاش تخسري أخرتك عشان حاجة عمرها ما هتدوم. استغلي أيامك واسعي لجنتك، خاطبي ربك في سجدة بجوف الليل وتضرعي واسأليه مغفرة لكل ذنوبك، فووووقي قبل ما يضمك القبر، فوقي متخليش القطار يمضي ويفوتك، دا بيعدي بأقصى سرعة، ألحقيه."
بكت بنشيج وهي تتمتم:
"أنس أنااااا."
رفع كفه لتصمت ثم استدار مغلقاً جفونه بألم واستقل سيارته مغادراً.
ظلت واقفة محلها بصدمة لبعض الوقت ثم كفكفت دموعها وصعدت لغرفتها.
لم تمض إلا دقائق قليلة وكانت تولج وعد بغضب كفيل الأخضر واليابس وهي تأخذ شهيق وزفير وعينيها متسعة مكورة قبضتي يدها.
بتوجس ابتلعت سمر ريقها الجاف وهي تنهض هامسة:
"وعددددد."
بلمح البصر كانت تتلقى صفعة تليها الأخرى بلا هوادة حتى سقطت أرضاً.
أمسكتها وعد بغضب من ملابسها:
"إزاي تعملي كدا؟ هي دي التربية اللي تربيتيها؟ افترض أسماء كان حصلها حاجة انتي عايزة تربية من جديد؟ المسترجلة اللي مكنتش تعجبك وبتعيبي عليها في الطالعة والنازلة هتربيكِ."
أنهت وعد جملتها وهي تصفعها، وسمر لا تبدي شيئاً سوى البكاء، فهي تستحق ذلك. نزفرت وسال دماءها.
همت وعد بضربها مرة أخرى فتسمرت كفها على صوت بكاء ديجا آتي من الخلف.
ديجا التي ما أن تحسنت قليلاً توجهت للسمر تقرأ لها قرآن، ما أن رأتها تبكي.
تسمرت وعد لدقائق ثم التفتت ناحية خديجة ونهضت متوجهة إليها، فما أن همت بالاقتراب ابتعدت ديجا بخوف لتهمس وعد:
"أنتِ خايفة مني يا خديجة؟"
بكت ديجا بصوتاً عالٍ ونهضت راكضة تجاه سمر تعانقها.
فجثت وعد على قدميها واضعة رأسها بين كفيها بدموع وتمتمت:
"ليييه يا سمر تعملي كدا ليييه؟ لو أسماء حصلها حاجة كان إيه هيحصل طيب؟"
أجهشت الفتيات بالبكاء. لحظة ونهضت ديجا باكية ناحية وعد تبعد يديها عن وجهها وتضمها وتبكي، فعانقتها وعد باكية.
بعد دقائق نهضت ديجا مبتعدة تجذبها من ذراعها تجاه سمر، فضمتها وعد بحنان ونحيج.
همست سمر وهي تتمسك بوعد بقوة كطفل صغير أوشك على الغرق وها هي يدين تنقذه وتجذبه خارج البحر:
"متسبنيش يا وعد، محدش غيرك هيقدر يهديني، خليكِ جنبي."
جفت دموعها وهدأت من هيجانها وهي تضم وجهها بين كفيها بحنان وتمتمت بوعيد وأعين يغلفها الغضب:
"احكيلي يا سمر اللي حصل ومين عمل كدا؟ مين غير تفكيرك وحياتك كدا؟"
لم ترقأ دموع فؤادها أو عينيها وهي تقص لها مذ أن تقابلت بأصدقاء جدد، أخذا رويداً رويداً بتغيير تفكيرها من حيث ملابسها الواسعة وخمارها وكيف أنها ترتدي تلك الملابس.
وأخذت هي بالانصياع لهم، فما أوهنها وهي تراهم يرتدون تلك الملابس البغيضة لتتدبل حياتها، ثم يولج ذاك الشاب حياتها، ليس هو فقط بل إن تلك الفتيات قلبن بالها وجعلنها تحادث الشباب.
لقد استطاع الشيطان بنزغ فؤادها وتغييرها كلياً.
والآن كيف تطهر فؤادها، كيف تنجو من شيطان نفسها؟
والتحرر من كبريائها الذي يكبلها؟
تركتها وعد وهي ترحل، ثم ضمت ديجا رأس سمر لصدرها، لا تدري ولا تفهم ما يدور حولها، ولكنها تبكي لبكائهم لأخواتها التي ما أن وعيت الدنيا كانوا هم أول هم بحياتها. استشعرت أن هناك شيئاً لكنها لم تدر مكنونه، لذا همهمت بصدق كما علمتها والدتها وهي تزيح دموع سمر بكفيها الصغيران:
"متبكيش يا سمر يا حبيبتي عشان خاطري." قالتها بشهقة. "ماما بتقول إن الشخص لما بيضايق يستغفر ويصلي على النبي ﷺ ويسبح ويحمد ربنا ويهلل."
تمتمت سمر وهي تبكي بحرقة لكلمات ديجا:
"ربنا هيتقبل مني، أنا عملت ذنب كبير أوي يا خديجة."
انفتح الباب ودلفت ورد وهي تقول ببسمة:
"بيقبل يا حبيبتي، بس طهري قلبك واستغفريه كتيرر أوي، اسجدي وخطبيه وبثي له شجون قلبك بسجدة طويلة، اتكلمي وقولي كل اللي حاسة بيه، هيقبل توبتك طالما قلبك أطهر من كل دول."
أقبلت ورد من سمر تنصحها، وهي لا تدري ما يحدث، ولكن تحدثت بما شعرت أنها بحاجة إليه.
طرقت وعد باب المكتب بهدوء وهي متيقنة أن عمها بالداخل، فآتاها صوتاً يقول "ادخل". دلفت للداخل بإبتسامة ليبتسم يوسف ببهجة وهو يدعوها للجلوس، متأكداً أن هناك خطباً ما فعيناها بثث له ذلك، فترقب حديثها، فما أن جلست تلجلجت قائلة:
"كنت عاوزة أكلمك عن حذيفة!"
تنبه لها بكل حواسه ظناً منه أن حذيفة قد فعل شيئاً ما، فمال بجذعه هامساً باهتمام جلي:
"قولي يا وعد في إيه؟ حذيفة عمل حاجة؟"
صمتت ملياً تستجمع كلماتها وتنحنحت قائلة بارتباك:
"حذيفة أنت لازم تشد عليها، لازم يكون قد المسؤولية، هو للآن مش بيشتغل ومش عارفة إذا تغير أو لا."
ابتسم لها بمحبة من اهتمامها بالجميع وهمس بنبرة حانية:
"حبيبتي حذيفة فعلاً ابتدأ يدور على شغل ومتقلقيش، أنا متابع أول بأول، هو اتغير فعلاً، محتاج قرصة ودن بس عشان يرجع يصلي ودي على ياسين وعثمان وربنا يهديه..."
قطع حديثه رنين الهاتف، فصرف بصره ناحيته وهو يجيب، فآتاه صوتاً غريباً يخبره بأن حذيفة افتعل حادث وهو بالمستشفى.
اتسعت عينيه بقلق تسلل مستحوذ ثنايا فراده، فنهض بصدمة، سرعان ما استجمع شتات أمره متنبهاً وهو يسير للخارج، فلحقت به وعد بقلق متسائلة:
"عموو في إيه؟ قولي."
أجاب بإختصار وهو يسير شبه راكضاً:
"حذيفة في المستشفى عمل حادثة."
ضربت هالة على قلبها بصدمة وحالة من الهرج والمرج دوت وضج المكان بالبكاء، فاسرعوا للمستشفى جميعهم ما أن تناهى لهم الخبر.
ما عدا أسماء التي أبت الذهاب معهم، ونزل الخبر على قلبها نزول الصاعقة ليشطره نصفين أو لعله انتزع منها، وظلت تبكي وهي تدعو له.
مر بعد الوقت والجميع بالانتظار يلتهمهم القلق، تأخذ لمار الطرق ذهاباً ومجيئاً بقلق، وهالة تبكي خوفاً، والفتيات حولها يحاولون مواساتها. لم يمض طويلاً وخرج الطبيب مطمئناً إياهم على حالته يبث لهم الأمان ويهدأ روعهم. دقائق وتجمع الجميع حول حذيفة ما عدا سمر التي تبقت بالخارج منحرجة من أن تريه وجهها. أحاطوه الجميع يسألونه عن حاله، لكنه ليس معهم، فعينيه زائغة بعيداً تبحث بالوجوه عنها، حتى فؤاده أيضاً انصرف فكره وخاطره به.
انتظارها بفارغ الصبر لعلها ستدلف الآن، ظل بصره معلقاً على الباب بشغف، لكن لم تقر عينه وطال الوقت، فقلب بصره بهم هامساً:
"هي أسماء فين؟ مجتش؟"
صمت الجميع، بينما تنهد يوسف قائلاً:
"لا مجتش، أنا كلمتها وكانت تعبانة شوية فمقدرتش تيجي."
هل بصدق؟ القليل من التعب قد يمنع مجيئها وهي التي كانت أول الملبين إذا حصل له أمراً.
أحقاً لم تأت لرؤيته والاطمئنان عليه، هو لا يصدق ذلك، قد يكون هناك أمر آخر لا يدري به، لكن لماذا قلبه يؤلمه يخبره بمغادرته لمها؟
فاق متنبهاً على صوت حبيبته تتحدث بالهاتف: "ايوة يا أسماء..." فاق، حبيبتي كويس أهو اطمني متبكيش هو تمام......"
تجرع مرارة الأسى والخوف من فقدانه، وأشغل ذاته متوجهاً لهم بجسده دون قلبه وروحه.
ودارت الأيام وتحسن حذيفة، لاسيما أنه لم ينصب بجروح بالغة، فتم شفاءه سريعاً، وإذا بـ أسماء فجأة تريد مقابلته، لا يصدق أنه سيراها، يا الله كم اشتاقها وحن إليها، لا يدرك ما تلك القسوة والجفاء الذي صدر منها، لم يرها منذ الحدث أو تطمئن عنه، وها هي الآن تطلب مقابلته مع والدها.
طرق على الباب فآتاه الإذن بالدخول، فدلف بأعين تبحث عن موطنها ومسكنها، وها هو يسكن بها وتقر عينه برؤيتها، ولكنها لم ترفع عينيها به ليعتصره الألم.
جالس مقابل لها وساد الصمت، لا تحيد عينيه عنها، قطع الصمت يوسف حينما طال متأففاً:
"في إيه يا أسماء؟ اتكلمي، قلتي عايزكم في موضوع وطلبتي حذيفة، جه أهو."
ها هي ترفع عينيها الدامعة لتسحق فؤاده، فانتفض بموضعه هامساً بلهفة:
"أنتِ كويسة يا اسماء؟ اتكلمي!"
أغلقت جفونها بألم وصرفت بصرها لوالدها، وفاضت عينيها بالدمع الذي هوى بمرارة وهي تبتلع ريقها الجاف وهمهمت قائلة:
"بابا أنا عايزة أطلق لو سمحت، مش عايزة."
عم الهدوء صدمة سكنت وجه حذيفة وهو يتطلع لها بالألم.
ثم صاح يوسف وهو يضرب على الحائط، نزع نظاراتهم، المعاتبهم دون كلام لبعضهما:
"إيه الكلام ده؟ هو لعب عيال؟ إيه اللي عايزة تطلقي ده؟ أنتوا كاتبين كتاب بس، ليه وافقتي من البداية؟"
نظرت له باكية، فصمت يحاول تهدئة قلبه الهائج وتمتم وهو يخطي بخطوات سريعة للخارج:
"حلووا مشاكلكم مع نفسكم، بلاش لعب عيال، انتوا كبرتوا بقا."
عبئ الصمت الآفاق بعد صوت إغلاق الباب، ينظر لها بدموع تأبى النزول، ويا ليت دموع قلبه تتوقف وتسمد، يا ويلاه ما ذاك الألم الذي غرس بقلبه دون رحمة، فاق لواقعه وهو ينهض مستقيماً وجذبها لتقف أمامه وهو يقول:
"إيه اللي بتقوليه ده؟ طلاق إيه؟"
دفعت كفيه بحدة، لأول مرة، وهمهمت ببكاء:
"أنا مش عايزك، افهم بقا، أنت مستحيل تتغير."
ابتسم بضحكة هازئة:
"مستحيل إيه؟ اتغير!! وهو أنا متغيرتش بالنسبالك؟ أنا بسببك اتغيرت وبقيت أحسن من الأول وبعمل أي حاجة ترضيكِ."
ولته ظهرها وهي تحاول مداراة عذاب فؤادها وعقد ذراعيها مغمغمة:
"طلقني يا حذيفة لو سمحت، إحنا مش لبعض!!"
طلقني، كان يستمع إليها طيلة حديثهم، ولكنها كانت تنبع بمرح ومزحة، الآن ما تلك اللهجة التي لم تختر بباله قط؟
أهذه هي حبيبته؟ كيف لقد أهداها كل ثقته ليحلق معها خلف الغيوم والسعادة تحيطه، ثم تلقيه دون أدنى اكتراث؟
ويحها من ألم قلبه وكلماتها اللاذعة؟ نحن ليس لبعض، أظن لمن؟
ودق قلبه يدق باسمها وعشقها، هي تلك النسمة التي تنعشه، فترد به الحياة.
لكنه لن يتخلى عنها، هي له وستظل له.
أدارها نحوه قائلاً بإستماتة:
"مش هطلقك، مستحيل أنسى!"
همت أن تتحدث ولكنه تركها مستديراً مغادراً من المكتب وهو يغلق الباب خلفه بعنف.
بكت أسماء بقهر وحزن، فكيف لها أن تحيي بدونه، وكيف معه ستظل باقية حياتها تعاني؟ لقد كانت أن تضيع بسببه، كيف لها أن تسامح بتلك البساطة والتناسي؟ ما من خيار إلا النسيان والبعد.
أحزم حذيفة ملابسه وهو متوجهاً للمغادرة، فهبط للأسفل لتقف هالة مقتربة بفزع وأعين مترقبة بقلق:
"حذيفة رايح فين؟ وأيه الشنطة دي؟"
بنفاذ صبر تحدث، فهو لا يريد البقاء معها طالما لا تود رؤيته، سيرحل، ولعله يرحل للأبد:
"مفيش يا أمي."
خرجت هي من المكتب بأعينها الزابلة الباكية، فنظر لها بألم نظرة يغلفها الوداع والعتاب، وأمسك حقيبته وغادر دون كلمة، كأنه لا يستمع لنداء والدته.
قابله عثمان بطريقه، فأمسكه من ذراعه متسائلاً:
"أنت رايح فين؟ إيه الشنطة دي؟ انطق."
أزاح حذيفة ذراعه متنهداً بضيق وتمتم:
"هشوف مكان أقدر أقعد فيه، لازم أبعد."
رأى الحزن يسكن عينيه والغموم تملكته، فهمهم دون سؤال وهو يربت على كتفه بتفهم:
"وكنت هتروح فين؟ هتبات في الشارع يعني؟ امشي معايا يلا على الشقة."
هم أن يرفض، فجذبه عثمان من يده وهو يقول بحسم وحزم:
"امشي يا بني بقولك، مفيش كلام، إحنا واحد."
بخطوات وئيدة حذرة هبطت "سجى" الدرج تنوي فزع "زين" بمكتبه، وهي تتلمس الدربزين ك مرفق لطريقها، والأبتسامة تزين ثغره بنظرة أنارت وجهها الطفولي.
خطت بحذر لباب المكتب وهمت بمد كفها للمقبض، ولكنها تسمرت مكانها حينما تناهى لها صوت زين الصارخ:
"أنت خلاص رصيدك معايا نفذ، نهايتك أنا اللي هحطها، أنت انتهيت أصلاً، أنا صدقتك كتير بس خلاص."
قلب كفيه ذات اليمين وذات الشمال، وهاج قائلاً بنبرة حادة جافة:
"أنت انتهيت، هدمرك."
جاءها صوت عمهما يقول:
"هتبعيني عشان مين؟ عشان واحدة جاية من الشارع وعشان ااااايه؟ شغلي ده شغل، افهم بقا."
هنا لوى زين فمه ساخراً وبنبرة سخرية تحدث:
"شغلك؟ إنك تتجر بحياة البشر داااا شغل؟ اااازاي؟ دا أنت ناقص تقولي أشتغل معايا."
هتف عمه بثبات:
"دا المفروض لو انت بتفهم!!!"
صفق زين بسخط وزأر قائلاً:
"بررررافو، اشتغل معاك بتجارة البشر؟ أنت مجنون؟ اطلع بره؟"
أنهى جملته وهو يشير للخارج، فتمتم عمه بزهول:
"اطلع بره؟ أنت بتطردني؟ والله عااال اللي جاية من الشارع مالكة البيت وعمك طرده."
بغضب صاح ياسين بصوتاً ك الفحيح وهو يطرق على المكتب:
"مسمهاش جاية من الشارع، سجى أختي وهتفضل لآخر يوم في عمري ااااااختي، وكل دا ليها هي وبس."
شهقت سجى بصدمة وهي لا تعي ما يحدث حولها، كأنها أصبحت بعالم غير العالم. اعتراها الوجع والوحدة، لم تشعر إلا بيده تجذبها بعنف لتتنبه لذاتها وهي تستند على الجدار وتناهى لها همهمة زين: "سجى."
ثم تلجلج وهو يتسائل:
"أنتِ هنا من أمتى؟"
سالت دموعها بغزارة وهي تدنو منه بحذر ثم تلمسته وهمست بتيهة:
"صحيح اللي أنا سمعته؟" ثم أشارت لذاتها بتلعثم. "أ أ أ، ن، ا أنا مش اختكم ولا انتوا اخواتي."
أغلق جفنيه يكابد أن يواري ألمه وتمتم بهدوء وهو يقترب منها بحنان:
"حبيبتي إيه بس اللي بتقوليه دا؟ م...." قاطعته وهي تهز رأسها تصيح بهيجان:
"متكدبش عليا أكتر من كدا، أنا دلوقتي فهمت ليه عمو سليم مبيحبنيش."
ثم شهقت ببكاء وصمتت إلا من تدفق دموع عينيها وفؤادها بدا كالمتفكرة، ثم علا نحيبها وهي تقول:
"انتوا مش أهلي... أنا مش أنا.. ولا دا اسمي ولا دا مكاني، أنا مين وانتوا مين؟"
أدمعت عينيه لأول مرة مذ نشأته وغمغم بعذاب:
"أنتِ سجى حبيبتي وأختي وبنتي وكل ما ليا في الدنيا دي، أنت أغلى وأحلى وأعز حاجة عندي، أنتِ حياتي اللي من غيرها أنا ميت، أنت أنا يا سجى."
غطت وجهها بكفيها ولم تحملها الأرض، فجثت ببكاءه رج المنزل رجاً ومزق قلبه ألماً وجاءت عليه إسراء ركضاً.
هوت دموعه بقهر، فقد شطرته دموعها فؤاده، دموعها التي تتقاذف كالجمر بفؤاده دون رحمة، فكيف السبيل للنجاة منها؟
جثى بجوارها قائلاً وهو يمسك بكتفيها:
"سجى افهمي، اللي سمعتيه كله غلط، أنتِ أختي وأمي وحبيبتي وبنتي وهتفضلي كدا دايماً."
تدفقت دموعه رويداً رويداً بتذكر:
"فاكرة لما كنت بتعب وبتهتمي بيا كأنك أمي وأكتر؟ ولا طفولتك؟ طب أفكرك بـ إيه ولا إيه؟ ولو فضلت عمري كله أحكي مش هخلص."
ضمتها إسراء باكية وقد تيقنت أنها علمت بجل شيء.
صرخة سجى من ألم فؤادها وهي تغمغم:
"أنا عايزة أعرف كل حاجة، متخبيش عني حاجة، عشان خاطري، أنا مين وفين أهلي؟ كله."
تلجلج زين في بادئ الأمر ثم شرع بقص لها بكل شيء.
جذبة مكه عثمان للحديقة وهو غير معارض لذلك، كان مسالماً للغاية، فوقفت أمامه بوجهها غاضباً عبوس وعقدة ذراعيها بسخط، فابتسم ابتسامة سريعة سرعان ما توارت خلف قناع البرود وهو يتمتم:
"افهم بقا في إيه؟ بتجريني ليه كدا؟"
اتسعت عينيها وتجلى بهما الغيظ وهي تدفعه قائلة:
"هو أنت مبتحسش نهائي؟ والله لو هنفضل كدا صدقني هتخسرني، أنا تعبت بقا."
رق قلبه ولان وتاقت روحه لضمها بين ذراعيه وهو يرى دموعها العالقة بمقلتيها، فتحدث بحنان ونبرة حانية هادئة:
"أنا عملت إيه زعلك؟"
زفرت بضيق وغمغمت وهي تتحاشى النظر له:
"قول أنا معملتش إيه؟ اعملوا... متخرجيش، متطلعيش، متسلميش، لما أرن خير بترني ليه؟ قولي آخر مرة رنيت تسأل وتطمئن عني إمتى؟ وقتك كله شغل شغل وأنا فين من حياتك؟"
بصدق تحدث وهو يضع كفيه بجانبيه:
"مكه أنتِ عارفة شغلي، معنديش وقت حتى إني أرد، فلما بقولك كدا بيبقى معايا حد فبختصر."
ثم نفخ بضيق:
"أيوه مش عايزك تطلعي لوحدك لأني بخاف عليكِ، أجرمت كدا يا ستي، اخرجي براحتك."
هزت رأسها بيأس، لن يفهمها، لن يدري بما تود قوله وأنها تريده لا غير.
رفعت نظرها به بنظرات عاتبة، فتألم لها، فما أن أوشكت على أن تتخطاها وتدلف حتى مسك ذراعها قائلاً ببسمة:
"قوليلي طيب أعمل إيه عشان أصالحك بس متفضليش زعلانة كدا."
توهج وجهها وأشرق وانشرح صدرها ولمعة عينيها وانفجرت أساريرها وهي تعيد أدراجها واقفة أمامه وقالت بحماس كأنها تناست تماماً ما تم بينهما مذ ثواني، لم تك تحمل بقلبها شيئاً، وأبسط الأشياء تسعدها:
"نخرج نتعشى بره ونتمشى، صالحني يعني بخروجة حلوة كلها أكل."
ضحك ببهجة وهو ينظر للسماء:
"الجو مش مناسب أنهاردة للخروج وشكلها كدا هتمطر، وافترض قامت عاصفة، بلاش أنهاردة، يوم تاني إن شاء الله."
لوت فمها بضيق وهي تجتنب النظر له وتمتمت:
"كنت عارفة إنك هترفض، مش عايزة أخرج."
تنهد بنفاذ صبر قائلاً:
"يا ستي ولا تزعلي، يلا نخرج، روحي اجهزي الأول."
تمايلت روحها فرحاً وهي تصفق وتقفز بسعادة وأسرعت ركضاً للداخل.
لم يرقأ لهم دمع خوفاً من فقدانها أو أن تصر على الهجرة أو أن تتبدل نحوهم. أما هي كانت تبكي حالها بلحظة، هي ليست هي وما عاشته مجرد كذبة، كيف تجتاز تلك المحنة؟ ضج المكان ببكائهم العالي الذي يفطر من يسمعه، تحاول استيعاب ما اعتراها من صدمة، فكل شيء سلب منها، أنها جثة ليس لها اسم تتحرك فقط.
ك ريشة تتقاذفها الرياح، نهضت بتثاقل، هي فقط بحاجة لمن ترتاح له، للشخص الوحيد الذي بحياتها، فهو ليس كذبة مثلهن.
انتفض قلبه لمرآها تنهض مغادرة، فنهض بفزع وتمتم كاسف البال أضناه الوجع:
"سجى رايحة فين؟"
أشارت بتيهة وضياع:
"هادور على نفسي، يمكن ألاقيها، أنا خارجة محدش يلحقني."
انقبض قلبه واختنقت روحه، ثم استدركت هي هامسة ببسمة:
"أنا راجعة متقلقوش، بس محتاجة أفضل لوحدي شوية."
اتصلت بياسين ولا شيء سوى بكاءها، لعل فؤادها يرتاح أو يطمئن. ولكن كيف يطمئن قلبه هو دون أن تقر عينه برؤيتها، فبكاءها مرارة صعب الابتلاع.
سألها عن مكانها وأخبرته أنها قريبة من منزلهم، كانت تنزوي بركن بعيد تبكي حالها، ظل معها على الهاتف وهو يقود سيارته، بينما فؤاده موقداً بنيران العذاب، نيران كيف يخمدها؟ حياته أظلمت فجأة، أعدت كاحلة السواد.
أخذت السماء تبرق وترعد وزخات المطر تهوي هوياً.
ها هو يتجلى من السيارة بلهفة يسبقه قلبه قبل جسده، وجالت عينيه بحثاً عنه، إلا أن وقع بصره عليها بقلب أنتزع من محله، فنادى باسمها بفزع من منظرها الباكي ذاك الذي أدمى قلبه.
ما أن تناهى لها سماع اسمه حتى شهقت بوجيعة ونهضت تحاول استدراك مصدر الصوت للتتبعه سيراً بخطى سريعة، وحذا هو حذوها سيراً شبه راكضاً، بلحظة ألقت ذاتها بحضنه تضمه باكية، تسند رأسها على صدره، ليعتصرها بداخله مغلق جفنيه، كأنه يطمئن قلبه أنها بخير، وشهد البرق والرعد والمطر تلاحم أرواحهما وتلاقيه، أخذ نحيبها يعلو وهي تقص عليه ما سمعته وعلمت به، ثم رددت بجنون:
"أنا مش سجى يا ياسين، أنا مش عارفة اسمي حتى، أنا مين؟ أنا خايفة، أنا وحيدة، وحيدة اوي، مليش حد، حاسة إن الوحدة وخايفة، خبيني."
ضمها أكثر دون كلمة وهو يشدد من قيد ذراعيه حولها، ثم بتغييب همهم:
"تتجوزيني يا سجى؟"
هل سجى هتوافق أو لا؟
هل يستطيع حذيفة اكتساب ثقة أسماء؟
"تتجوزيني يا سجى؟"
كلمة همهم بها دون وعي وتفكير... فارتعدت أوصالها وجف حلقها من هول الصدمة، وأبعدت رأسها عن صدره متسائلة بزهول جلي:
"أنت بتقول إيه؟"
ثم تنهدت وهي تفرك ذراعيها من شدة البرد وملابسها المبللة، وبضحكة ساخرة أردفت:
"شفقة، شفقت عليا عشان كدا عاوز تتجوزني صح."
صمتت شاهقة ببكاء مصحوباً بماء المطر الهاطل عليهن:
"أنا مش بحكيلك عشان تشفق عليا... ولكني بحكيلك عشان أنت الوحيد اللي أعرفه في الدنيا من بعد زين وإسراء."
همت أن توليه ظهرها فأمسك معصمها مانعها عن السير وتمتم:
"استنى يا سجى."
ثم خطى بثبات واقفاً أمامها ودنا منها أكثر، ثم ضم وجهها بين كفيه بعشق جارف وبهجة تسري بعروقه وفرحة تغمده كلياً، فقال بأعين تفيض بالدمع:
"ليه فهمتيني غلط؟ مفيش حد في الدنيا هيتجوز شفقة أبداً... أنا خايف تضيعي مني بعد ما لقيتك خلاص، سنين وأنا بدور وبعد ما لقيتك مستحيل أسيبك تضيعي مني تاني، افهميني... أنا حبيتك من أول مرة شفتك فيها، من يوم ما أنقذتك وأنت ملكتي قلبي وكياني وكلي، فمش هسمح تصيغي مني؟"
تسارعت أنفاسها ودق قلبها بعنف وذابت روحها من ملامسة كفيه على وجنتيها، فرفعت كفها تتلمس كفيه وأناملها تسير بحركات دائرية على كفه الخشنة الغليظة، وفتحت فاهها تود أن تقول أنها أيضاً أحبته، لم تكن تدر ما معنى الحب وها هو يتسلل رويداً رويداً بداخلها.
لقد وجدت موطنها التي لطالما بحثت عنه، عن أمان واحتواء وسكينة، وظل يحميها من عواصف القدر ورياح الزمان ليكون سداً منيعاً لها.
أماااان، وهل ترجو غير ذلك؟
أن تكون مطمئنة دائماً بحضوره وغيابه، ما دام روحه تحوطها.
ولكنه لا يستحقها، هي لا تصلح زوجة، هي عمياء لا ترى.
فأغلقت جفونها بالم على صوته وهو يقول بتساؤل:
"مالك يا سجى؟ بتفكري في إيه؟"
دفعت كفيه بإمتعاض... فتعجب لا يدرك ما أصابها فجأة... فغمغمت هي وهي تتراجع خطوتين:
"ياسين فوووق، أنت خاطب وأنا مش ليك أبداً، أنا عمياء أنت فاهم."
تبسم ما أن فهم وأدرك ما يدور بذهن تلك البلهاء، لم تدر للآن أنه يهيم عشقاً بها، ربما لم تدر بعد، ولكنها حتماً ستدرك أنه قد يضحي بحياته بسبيل ضحكتها وحياتها.
اخترق صوت الرعد أذنيها فأرتجفت ووثب قلبها فزعاً، ثم ألقت بذاتها بين يديه محتمية متوارية، فاطمئنت، فتبسم هو قائلاً حينما ازدادت زخات المطر:
"تعالي نقعد في العربية بدل ما تأخدي برد."
ما كاد ينهي جملته حتى ابتعدت عنه وهي "تعطس" بوجهه، فمال بجذعه على بغته وحملها دون حرفاً، فانتفضت صارخة:
"أنت هتعمل إيه؟ إزاي تشلني كدا؟ مين سمحلك؟"
لم ينبس، ثم فتح باب السيارة وأجلسها وركض هو الناحية الأخرى وصعد بجواره وهو يشعر بالأحياء، ازدادت الجو برودة، فأنتفضت وهي تضم ذاتها لتستمد الدفء من نفسها، فزفر بضيق وهو لا يستطع فعل شيء.
تحير فكرها بأمرها وتردد بآخبارها، ثم همس بترقب وهو يستدير لها:
"سجى أنتِ هترجعي لمنزل زين تاني؟"
شردت بتفكير ودموعها تهوى هوياً وجحافل من الذكريات اخترقت ذهنها، لا تصدق أنها ليست منهم، أنهم ليسوا لها، ليس بأخواتها، ما يوجعها كذبهم عليها، لا تصدق للآن أنها ليست أخت لهم.
فتلعثمت بأعين مفعمة بالحسرة والوجع:
"لا، أنا مش هقدر أعيش معاهم، هما استحملوني كتيررر فلازم أريحهم مني؟"
أغلق جفنيه بألم من كونه لن يستطع أخذ وجعها، فهمس بصدق:
"لا يا سجى، هتفضلي أختهم، هما بيحبوكِ جداً وزين عمره ما فرق بينك وبين إسراء، بلى على العكس، أنتِ هتفضلي أختهم، محدش يقدر يغير دا يا سجى، عمر العلاقات والرابط كانت بالدم، فكام من علاقات دم كانت منها الأذى للإنسان، في علاقات بالقلب، القلوب لما بتتجمع عمرها ما بتفارق أبداً ودي أفضل العلاقات صدقيني واصدقهم لأن الروح والقلب بيبقوا واحد."
ثم استدرك بغيرة:
"بس مينفعش تقعدي مع زين في مكان واحد، حتى ولو هو معتبرك أخته بس مينفعش!"
هشت وبشت وهي تقول:
"فعلاً معاك حق، هما هيفضلوا أخواتي وهيفضل زين الأب والأخ والسند والابن، هيفضل دنيتي وإسراء بردوا، أنا من غيرهم ولا حياة.
ومعاك حق بردوا، مش هينفع أرجع أعيش معاهم، ولكن زين مش هيقبل."
تبسم ياسين وأوشك على الحديث، فرأى جرحاً برأسها، فبقلق وهو يكور قبضة يده هتف:
"إيه الجرح دا؟ من آآيه؟"
فزعت من صوته العال وتحسست جرحها وهي تتذكر، ثم استطردت هامسة:
"أصل النهاردة في ناس حاولت تخطفني من البيت، بس زين قدر يساعدني فتخبط وأنا بقاومهم بس؟"
اتسعت عينيه وأقسم أن يقتل ما كان سبب جرحها، ثم غمغم بنبرة غليظة:
"مين اللي عايز يقتلك؟"
هزت رأسها نفياً وهي تهز منكبيها:
"معرفش مين!"
فتبسم هو بفكرة خطرت على باله:
"أنتِ كدا مش أمان في بيت زين لحد ما نعرف مين عايز يقتلك؟"
هزت رأسها إيجاباً، فتبسم هو بسمة ماكرة وما لبث أن عاد لصمته بشرود وتفكير.
ضرب عثمان على عجلة القيادة بغضب حينما توقفت السيارة معلنة عن عطل بها، فارتفعت ضحكات مكه، فنظر لها بغضب سرعان ما تلاشى وهو يتأملها ويروي فؤاده الظمأن الجاف.
وراحت عينيه تمتلئ من النظر لها بلمعة العشق، ثم تنبه لذاته حينما نظرت له بتعجب وقد هدأت نوبة ضحكها، فتنحنح قائلاً بغضب:
"بتضحكي ليه؟ دا وقت ضحك ده."
ثم جال بعينه من نافذة السيارة للطريق الخالي وزخات المطر الذي يزداد بضيق من تلك الليلة الكئودة، وود لو تنتهي بخير، ثم عاد بصره لها قائلاً بغلاظة:
"هنعرف إيه دلوقتي؟ شكلنا مش هنعرف نرجع البيت."
لم يأتيه رد، فقد كانت تنظر للطريق والمطر من خلف النافذة، لم تستمع إليه حتى فهم أن يهزها، فعلى حين بغتة فتحت باب السيارة وترجلت راكضة وهي باسطة ذراعيها تقفز وتصفق، وضحكاتها صاخبة...
فاتسعت عينيه بصدمة وتمتم وهو يترجل بدوره:
"المجنونة دي بتعمل إيه."
وجز على أسنانه يحاول كبح غضبه.
ظلت تدور حول ذاتها، بينما كان يحاول هو بشتى الطرق التحامي من المطر الذي يزداد ك السيل الجارف، وغمغم بغيظ:
"مش هتهدي غير لو حصلت مصيبة انهاردة."
وصل عن كثب منها فجذب ذراعه، فالتفت بسهولة لدورانها الذي لا يهدأ، ثم تمسكت به قائلة ببهجة أضأت روحه المنطفئة لتتوهج:
"يا بني المطرة حلوة، سيب الجاكت دا."
ثم جذبة الجاكت وألقته دون اكتراث وعادت لوهلتها تحت المطر، وراح هو يتأملها كأنها طفلة صغيرة، وهو والدها، سعيد لسعادتها ويضحك لضحكتها، وراحت عينيه ترتوي منها وتتشبع، وعينيه تشع بريق خاص بعشقها، كأن حبها يتسلل من جديد بحناياه ليمكث به، فما لبث أن ظل يضحك معها، لأول مرة من بعد وفاة والدته، من سويداء قلبه تنبع.
اشتد البرق والرعد لتصرخ بفزع وهي ترتعش، ثم تمسكت بكفت يده، فهمهم قائلاً بإستمتاع:
"أحسن خافي كدا عشان تتهدي... وكفاية تنطيط، دا أنا بكرة هينقلونا المستشفى."
زمت شفتيها قائلة وهي تفرك ذراعها:
"أنا برداااانة."
جذبها من ذراعها قائلاً:
"يلا يا يختي ركبي العربية."
جلسا بجانب بعضهما، فهمهمت هي:
"هو إحنا مش هنمشي؟"
أسند رأسه للخلف وأغلق جفنيه وهو يتمتم:
"لو هتقدري تمشي، امشي."
مدت كفيها تمثل خنقة، ففتح جفنيه لترتد للخلف، وهي تتصنع النوم، فتبسم وأغلق جفنيه.
فتحت جفنيها متأوه من تلك الرقده وهي تعتدل على المقعد تدلك رقبتها، تمنعت النظر بجانبها فلم تبصره، فجالت بعينيها من النافذة فلم يتبين له طيف، ففزعت من كونه قد تركها وحيدة، فترجلت وهي تتلفت حولها، فجأها صوته من وراءها قائلاً:
"إيه مالك؟ بدوري على إيه؟"
ضربته على صدره بسخط وهي تصيح:
"كنت فين؟ ازاي تسبني كدا لوحدي؟"
قلب كفيه ذات اليمين وذات الشمال قائلاً بتأفف:
"يا بنتي كنت بشوف أي نيلة أمشي، خلينا نرجع، ما هو دا آخر اللي يتبعك ويخرج معاكِ."
فتح لها باب سيارة الأجرة وهو يتمتم:
"يلا يا يختي خليني أوصل وأشوف شغلي."
فتح ياسين باب شقته وهو يتنحى جانباً:
"أدخلي يا سجى، اتفضلي."
دلفت بوئيدة وجل للداخل، فأجلسها هو برفق وغمغم:
"الشقة اعتبريها بتاعتك وخذي راحتك ووقت ما تحسي إنك تمام وارتحتي قوليلي، أنا بس عندي مشوار هعمله وأجي، تحبي أدخلك جوه؟"
هزت رأسها نفياً، فتبسم هو قائلاً:
"ترني على أخواتك تطمنيهم عشان ميقلقوش." أومأت إيجاباً، فناولها هاتفه لترن هي على زين الذي رد متلهفاً لتخبره أنها بخير وستعود قريباً، وأغلقت بعد ذلك. تركها ياسين متجهاً لـ زين وقضى معه وقتاً لا بأس به، ثم عاد للدار ولج للداخل مسرعاً وطلب رؤية سمر، فجاءت على الفور وخرجا سوياً جالسون بالحديقة بمقعدين متقابلين، تنهد ياسين بصوتاً عالٍ وابتلع ريقه بنظرة مفعمة بالهموم:
"سمر أنا عايز أتكلم معاكي وياريت متفهمنيش غلط."
أحست من نبرته أن هناك شيئاً ما، فتنبهت بكل حواسها باهتمام جلي، وقالت:
"قول يا ياسين، سمعاك!!"
أطرقت بعينيها عليه تدقق بالنظر له عسى أن تكتشف شيئاً، فقال ياسين بنبرة امتزجت بالحزن والصدق:
"سمر إحنا مش هينفع نكون لبعض... أنا مش هقدر أسعدك، حاولت صدقيني، اتخيل حياتي إزاي هتكون معاكِ، بس مش شايفك غير أخت ليا."
أطرقت بعينيها تحاول أن تخفي دموعها وتحدثت بمرارة لم تستطع إخفائها:
"بتحب البت اللي شوفتها معاك يوم الحفلة صح؟ أنا شفت نظرتك اللي كانت بتشع نوراً وكنت فرحان ومبسوط، هي مش كدا؟"
برغم أن صوتها كان هادئاً، ولكن لم يخفى عليه تلك المرارة ودموعها المتوارية، فهز رأسه قائلاً:
"أيوه، هي... سمر أعذريني بس صدقيني لو كملت هظلمك وأظلم نفسي، وإلا الظلم... أنا مقدر حبك ليا، ولو مكنتش حبيت سجى كنت هحبك أكيد، بس للأسفل من يوم عيني ما وقعت عليها وهي مش شايفة غيرها... استقرت بقلبي وقفلته بعدها، فمش هقدر أحب."
تنفس الصعداء كأن حملاً قد أنزاح عن عاتقه.
فأطرقت بعينيها وهي تتحاشى النظر له، تحاول على كبت دموعها الكئودة، ثم رفعت بصرها به باسمة:
"ربنا يسعدك."
قالتها وهي تنزع الدبلة تناوله لها، فتناوله منها قائلاً:
"أتأكدي بأني هفضل سندك وأمانك واحتوائك وأخوكِ اللي مستعد يهد الدنيا كلها عشانك، مفيش حاجة هتتغير بينا."
تبسمت له بأعين تفيض بالدمع وبادرت قائلة:
"وأنا متأكدة من دا."
ثم نهضت متوجهة لحجرتها، لماذا لم تشعر بالحزن؟ لماذا ما زالت كلمات أنس تتردد بأذنها مراراً وتكراراً فتقطع قلبها لأشلاء؟
بعد دقائق دلف ياسين براحة لم يعتادها من قبل، داعياً الجميع بأمر هم، فحضر الجميع ما عدا لمار وأدهم وعمرو الذين لم يأتوا بعد.
وصب يوسف نظره عليه وتحدث بجدية وحسم:
"في إيه يا ياسين؟ ليه طلبتنا؟ خير؟!"
جال بصره بينهما ثم صرف بصره لوالده وغمغم:
"بابا أنا وسمر انفصلنا، إحنا مش مناسبين لبعض!!"
احتج يوسف وهاج واتسعت عينيه على آخرهما ووثب صارخاً:
"هو إيه اللي هتنفصلوا ده؟"
ثم نظر لأسماء:
"في اااايه؟ كل يوم واحد فيكم يجي يقولي هننفصل؟ خلااااص أنا متُ بالنسبة لكم."
نظر ياسين لـ أسماء بعدم فهم، ثم استدرك أن هناك مشكلة بينها وهي وحذيفة، فرد بلهفة على والده:
"بعد الشر عنك يا بابا متقولش كدا."
شوح له يوسف بغضب وأستدار ينوي المغادرة، فأوقفه صوت ياسين الذي علا:
"بابا متزعلش بالله عليك، بس الجوازة دي لو تمت أنا كدا هظلمها وأظلم نفسي، صدقني لأني مش هقدر أديها الحب اللي عايزاه واللي أنا متأكدة إنه ملهوش مكان في قلبي من الأساس."
استدار يوسف قائلاً بأسى:
"أعملوا اللي عايزينه براحتكم... اللي يريحكم اعملوا."
ثم بنبرة ساخرة:
"وياريت متتعبوش نفسكم وتبلغوني... بما إنكم بتاخدوا قراراتكم من نفسكم، إيه لزمة تقولولي بيها؟"
تغاضى ياسين عن نبرته الساخرة وأقبل نحوه ممسكاً بكفه يقبله بود واحترام وهمهم بصدق:
"أبداً يا بابا، وأنت عارف أنت مش بس أب ليا، أنت صديق كمان، بس صدقني لو كملنا هظلمها، أنا هتجوز سجى."
حدجه يوسف بنظرة ذات معنى بعدم فهم، فأستدرك ياسين قائلاً وهو ينظر للجميع:
"دي مهمة خاصة متكلف بيها، وإني أتجوز سجى فـ دا لحمايتها وكمان عشان أعرف مين عايز يقتلها."
تمتم يوسف بشرود:
"يقتلها؟؟؟ ليه دا بنت وعمياء ملهاش أعداء يعني؟"
# مش عارف بقا، قالها ياسين ناظراً له. فردد يوسف:
"تمام؟"
دقق يوسف النظر بـ أبنه:
"متأكد إنك هتتجوزها بس عشان تحميها؟"
زاغ بصره ناحية ورد التي أشرق وجهها فجأة.
شيئاً ما بداخله وجل عليها حقاً، حتى ولو اتضح أنها ليست فاطمة، فأنه أحبها ويخشى عليها من أي شيء قد يؤذيها. غادر يوسف متنهداً بثقل، بينما نظر ياسين لورد نظرة أدركت معناها وخرج وتعقبته بصمت، فوقفا بعيداً بالحديقة، وألتفت لها ياسين قائلاً:
"سجى مش أختهم فعلاً."
ابتسمت ورد متمتمة بشرود وهي تتذكر يوم الحفلة حيث ما أن خرج أدهم وتبعته، توجهت لياسين تخبره بما شعرت به ليؤكد هو أيضاً ذات الشعور لديه:
"مش قولتلك هي دي فاطمة، هي صدقني!"
زفر ياسين بتوجس:
"خايف في الآخر تطلع مش هي ويكون مجرد أمل وراح."
هزت ورد رأسها بإصرار:
"أبداً مستحيل، إحساسي يكون خايب، هي أنا متأكدة، بس مش عايزين نعرف حد أبداً دلوقتي لحد ما نتأكد، بذات لمار."
# إيه اللي سمعته دا؟
قالها عثمان بصدمة وهو واقفاً خلفهم، حيث كان والجاً للداخل فلمح طيفهم فتوجه لهم وسمع ما سمع.
اتسعت أعينهم بصدمة وهم يتناقلون النظرات فيما بينهم بصمت، وطفقا يقصان عليه جل شيء من بداية رؤية ياسين لها وأنقاذه لوقتهم ذاك، فنفى عثمان تلك الهواجس قائلاً: إن فاطمة قد توفت، وكيف للميت أن يعود بالحياة؟
جلست مكه مع سمر تحاول معرفة منها أي شيء، ولكنها أبت ذلك، حتى أسماء أبت أن تخبرها، فرن هاتفها لتزم شفتيها قائلة بغيظ:
"عنكم ما تحكوا، أنا غلطانة أصلاً إني حاولت أعرف حاجة!!"
ثم خرجت من الحجرة وهي تجيب على الهاتف الذي أعلن عن اتصال من صديقتها التي بالخارج:
"الوو يا توتو."
صمتت حينما تناهى لها صوت علي وهو يقول بعجل:
"أريد مقابلتك الآن، أنا بالأسفل واقفاً عند الباب الخلفي!!"
ردت مكه بزهول وخوف من أن يعلم عثمان بالأمر:
"علي؟ أنت هنا لماذا؟ حسناً سآتي حالاً."
أطمئنت من أن عثمان بغرفته وهبطت مسرعة بخطى سريعة للخارج متوجهة لرؤيته، فما أن وصلت للباب الخلفي أشار لها على الذي لمحته يقف جانباً، فأسرعت مقبلة نحوه وغمغمت وهي تتلفت يمنى ويسرى:
"ماذا أنت فاعل هنا... إلا تخف إن رآك عثمان!"
هز رأسه نفياً وهو يقاطعها قائلاً:
"انصتي لي حبيبتي، أنا لن أتركك لذاك الشاب المجنون، سأفعل أي شيء لنكون سوياً."
طرفت بعينيها بصدمة وفركت يدها بتوتر شديد وتلجلج صدرها في بادئ الأمر، ثم أردفت:
"ولكني سأتزوج عثمان قريباً جداً، وأنا أحبه وأريده...."
قاطعها قائلاً بفزع وعدم تصديق:
"ماذا تقولين؟ تحبينه؟ متى وكيف؟ لماذا وافقتي إذاً؟"
إلا أنها أحست بالوجع بنبرته، فتحاشت ذلك وتمتمت سريعاً:
"أنا لم أحبك، فقط وافقت عليك لأني ظننت أنه لا يحبني، أني أعتذر لذلك علي حقاً من كل قلبي أعتذر لك، أرجو أن تسامحني ونظل أصدقاء، سأحاول بكل جهدي أن أحسن علاقتك بـ عثمان، أنا متيقنة أنكم ستحبون بعضكم كثيراً."
صمتت ملياً تدقق النظر بملامحه التي امتزجت بالضيق والغموض والكره في آن واحد، ثم اردفت بنبرة هادئة:
"علي أرجوك لا تفهمني خطأ، لم أقصد جرح قلبك، وكنت أنوي أخبارك بكل شيء، سأغادر الآن، حسناً."
استدارت لتغادر، فتوقفت على صوته قائلاً:
"متى العرس؟"
ألتفتت برأسها هامسة:
"بالكثير أسبوعين، سأخبرك متى بالتحديد."
ثم لوحت بيدها وقالت باسمة:
"سلام."
همت بالدخول للمنزل، فأرتدت للخلف مصعوقة من اصطدامها بعثمان، ليلحق بها ممسكاً بكفها، لتنظر له وتبتلع ريقها بصعوبة وهي ترى عينيه تحيطها هالة مخيفة جداً، وتمتم بلهجة أرعبتها:
"كنتِ فين؟"
ترددت كثيراً بإخباره عن علي، ولكنها خشت غضبه وأن يفعل شيئاً ما به، فتحير فكرها وهي تبتسم تارة بوجهه وتتهجم ملامحها تارة، فغمغم هو بحسم:
"اتكلمي ومتكدبيش؟"
لم تريد أن تكذب عليه وأن تبدأ معه بكذبة، فتمتمت:
"أبداً مش بعمل حاجة، كنت بتكلم في التلفون بس."
أؤمأ برأسه موافقاً وأشار للأعلى بحزم:
"اطلعي أوضتك طيب."
أومأت برأسها وسارت خطوتين وهو توجه للخارج، ولكنها نادت تستوقفه:
"عثمان استنى."
وقف مستديراً لها، فأقتربت أمامه متوترة وهي تطرف بعينيها بتردد وهمست:
"كنت عاوزة أقولك حاجة بس من غير ما تتعصب ممكن؟"
تبسم بهدوء ابتسامة خفيفة وقال:
"قولي سامعك اتكلمي."
تحيرت بأخبره وبذات الوقت لا تريد أن تخبئ عنه شيئاً، هو ليس بحبيبها فقط، هو روحها، ثم تبسمت بتوجس من تلك الهواجس التي استقرت فؤادها، فهمهمت وهي تهز رأسها ببسمة تيهة:
"لا لا خلاص مفيش حاجة!"
رفع حاجبه مشيراً لها بعدم تصديق:
"متأكدة؟"
أؤمأت برأسها بتوتر وأشارت له:
"أيوه لو في هقولك."
# مخبية إيه اتكلمي ومتخافيش؟
غمغم بها عثمان وهو متيقن أنها تخفي شيئاً ما، استطاع إدراكه بسهولة.
فنفت ذلك قائلة وهي تتحاشى النظر له:
"مفيش حاجة يعني هخبي عنك إيه بس؟"
دقق النظر بها، فأرتعشت وهي تغير مجرى الحديث:
"أنت رايح الشغل."
# أه، آخرتيني سلام.
قالها وهو ينظر لساعة معصمه وغادر.
زهدت من الحياة بعدم وجوده بجانبها، لم يرقأ لدمع قلبها دمع، وصورته قابعة أمام عينيها تراها في كل الوجوه... وصوته يتردد كأنه يحادثها تماماً... جحافل من الذكريات اخترقت ذهنها وفؤادها... كيف لليل أن يمر؟ كيف لتلك الليالي الكالحة أن تولي وهو ليس بها؟ كيف لعيناها أن تغفى ولم تكن تطمئن سوا على صوته؟
مسكت هاتفها متصلة به، فلم يمض طويلاً وجاءها صوته قائلاً:
"السلام عليكم، أيوه يا أسماء!"
جاءه نشيجها الذي شطر قلبه لأشلاء كأنه حمم بركانية تصهره، ظلت تبكي لوقت طويل وهو ينصت لبكاءها بدموع عالقة بمقلتيه ويتنهد بألم من الحين للآخر.
هدأ نحيبها إلا من دموعها التي تهوى هوياً وقالت بنبرة باكية:
"أنا بكرهك، بكرهك أوي يا حذيفة، ياريتني ما حبتك، أنا مش هقدر أقعد في البيت وأنت مش موجود، مش حاسة بالأمان فيه من غير صوتك."
زفر بألم وهو يميل بجذعه للأمام مستنداً على الطاولة بصمت، فعادت متمتمة:
"متبعدش عني يا حذيفة، مش هقدر أكرهك، صدقني مفيش أم تكره ابنها مهما عمل، مش قادرة أنام من غير ما أسمع صوتك زي كل يوم، ليه تعلقت بيك كدا؟ ليه؟ أنا بحبك أوي."
تمتم هو بتوهان ودون تفكير:
"وأنا بعشقك يا قلب حذيفة."
عادت لصمتها مرة أخرى مصحوباً بالبكاء الحاد، ثم سرعان ما استمع لصوت غطيطها كأنها اطمئنت.
وها قد ولى الليل وبسطت الشمس بالسماء متلألئة، فاقت أسماء بصداع حاد يفتك رأسها، واعتدلت مسندة ظهرها للخلف ودموعها الذابلة ما زال أثر البكاء يحيطها، كانت تفتح عينيها على رنين هاتفها معلناً عن اتصالاً منه، يخبرها أن يومه لا يبدأ سوا بسماع صوتها، تحن إليه، وسرعان ما يعود الجفاء لقلبها فتتذكر ما كان سيحصل لها بسببه، فتفيض عينيها بالدمع ويشهق فؤادها وجعاً.
دوى رنين هاتفها ليقشعر فؤادها وهي تنتفض بلهفة لتجد اسمه مضيئاً، لتتذكر اتصالها به ليلاً وكلامها وما قالته، فردت قائلة بإقتضاب عكس فؤادها المشتاق المتعطش لرؤياه:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته... رانن ليه؟ معلش إني رنيت وازعجتك بالليل."
تبسم وهو متوجهاً لمكتبه بشركة عمرو الذي عرض عليه الشغل كأي موظف، فوافق بإمتنان:
"إزعاج؟ إزعاج إيه ده؟ أنا أصلاً قفلت على طول، كان عندي ميعاد."
كان يدرك تماماً أنه يطرق على أبواب الغيرة بقلبها، فكتم ضحكته بأعجوبة حينما صاحت وهي تنهض بفزع:
"ميعاد؟ ميعاد إيه ده ومع مين؟ بنت صح؟ أنت أنت أنت معندكش دم."
جلس خلف مكتبه مستمتعاً وهو يقول بمرح:
"أنت أنت أنت هي أنت واحدة كفاية ليه تلاتة."
استشاطت غضباً وهي ترزع الغرفة ذهاباً ومجيئاً وقلبها يدق دكاً بالغيرة:
"أنت هتشلني؟ كنننننت فين؟ موعد إيه ده؟"
أبعد الهاتف وهو كاتماً فاهه حتى لا تستمع لصوت ضحكته وتمتم بنبرة اعتيادية:
"كنت سهران يعني وكدا، بنوتة بقا قمر."
# طلقني طلقني طلقني طلقني يا حذيفة دلوقتي أنت فاهم... وروح ياخويا للقمر.
صرخت بها بغيرة واضحة، فهمهم هو مازحاً:
"طيب غيرانة ليه طيب؟ وبعدين مش قولت هطلقك بعد ما اتجوزك."
صمتت باسمة ثم صاحت بتذكر وجدية:
"أنا مش بهزر زي كل مرة وبجد مش عاوزة أكمل معك."
جاءها صوتاً معلناً عن إغلاقه للهاتف، فتمتمت وهي تنظر بالهاتف بزهول مصحوباً بصدمة:
"دااا قفل في وشي؟ ااه والله قفل في وشي، عاااااااا هموته بقا يقفل في وشي."
جلست على الفراش غاضبة.
أوصل ياسين سجى لمنزل زين الذي كان بانتظارها بشغف، ولكنها حادثته بنبرة مختصرة حزينة بعد الشيء، ثم جلسا جميعاً سوياً، وتحدث زين مخاطباً سجى:
"سجى، أنتِ حياتك خطر هنا في البيت... أنا امبارح وصلت في الوقت المناسب... ممكن يرجعوا يعملولك حاجة ومش هلحق أنقذك."
أنصتت له جيداً ووجهها ممزوجاً بالصدمة، ثم غمغمت بأعين دامعة:
"أنت عايزني أمشي؟"
هز زين رأسه نافياً ذلك كأنها تراه وقال بنبرة صادقة:
"لا والله، دا بيتك يا سجى وهيفضل بيتك دايماً، مفيش حاجة هتتغير، ولكن ياسين عاوز يعرف مين كل همه يأذيكِ، وعشان يساعدنا أنت لازم تسكني معاه، هتبقي في أمان."
شرد زين متألماً
رواية دموع العاشقين الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ندى ممدوح
مرت أيام وقد توصل حذيفة لقرار أخير راسخ في ذهنه، وهو أن يطلقها ويعطيها حريتها. سيفعل ما تريده ما دامت سعادتها تكمن في ذلك. لم يتلاقيا مذ ترك البيت، ولكنه عندما اتصل للاطمئنان عليها، حادثته بنبرة باردة طالبة الطلاق، وقذفت بفؤاده بكلمات لاذعة.
لكنه تغير، أخيراً اتضح وتيقن أنه تغير، ليس لأجلها، وأنما لربه ولآخرته. فجميعنا محتاجون أن نطهر أفئدتنا، وأن نظل نستغفر في كل حين ووقت، متضرعين للرحمن بقبول التوبة ومستجيباً لدعائنا. أحذر كل الحذر من الغفلة، وسارع بالمغفرة والتوبة.
لكنه لم يتغير من تلقاء نفسه، وأنما ياسين وعثمان وعمرو انتشلوه معهم من طريق الضلال، فكانوا معه خطوة بخطوة.
توقف الشباب أمام الجامع يتحدثون. بينما ترجلت البنات من سيارة أخرى، ودلفن الفتيات، ما عدا أسماء التي اقترب منها بلال باسماً وهو يقول:
- ازيك يا أسماء، عاملة إيه؟
تبسمت له ببسمة مجاملة:
- الحمد لله تمام.
ردد عينيه على حذيفة، الذي لم يرفع عينه من عليها قط، وراح يتأملها ويروي روحه القاحلة ويدوي ندوب قلبه.
همس بلال ونظره لا يحيد عن حذيفة:
- بيحبك والله وتغير خالص، بقى شخص تاني، شخص كل همه ميفوتش صلاة ولا صيام ولا قرآن.
ازدادت دقات قلبها وهي تدير عينيها على ما ينظر بلال، فوقع بصرها عليه، فاصطدمت من وجوده. طرفت بعينيها تحاول أن تصدق ما ترى، هل هذا حقاً حذيفة هنا؟ هذه أول مرة تراه بها بالجامع ليصلي؟ حقاً هو يصلي؟ أتغير أم أنها تتخيل؟
وكم يبدو متغيراً، ذقنه النامية، وبذلته، وجاكته المثني على ذراعه، زادت وسامته وجاذبيته. وراحت تروي عطشها منه وتبرد ذلك الغليان بمهجتها. دهشت حينما تحاشى النظر لها ببرود، كأنه لا يراها.
تبسم بلال بنظرة مفعمة بالحزن والوجع وتمتم:
- أنتِ بتحبيه وهو بيحبك، يبقى ليه البعد ده؟
هزت منكبيها بضياع، ثم استأذنت منه ودخلت المسجد، وتعقبها الشباب والجون من باب آخر. حقاً حذيفة قد ولد من جديد، فكان بكل سجدة أنهاراً من الدموع، متضرعة مخاطبة رب العالمين أن يغفر له ويعفو عنه. وما أمسنا الآن من سجدة طويلة نبث بها شجون القلب لرب العالمين، نتضرع أن يغفر لنا، كم نفتقر لذلك؟
نفتقر لطلب الرحمة والمغفرة، ونتضرع بالتوبة، سائلين الله الجنة. نحن بحاجة أن نظهر لأفئدتنا من الحين للآخر ونطهرها، وأن نردد دائماً الباقيات الصالحات والصلاة على الحبيب بورد يومي يطهر أفئدتنا وينير أرواحنا، أن نعتكف حتى ولو ساعة، متضرعين للرحمن.
بعدما فرغا من صلاة الجمعة وانهى الشيخ خطبته، تجمعت الفتيات حول ورد. وتساءلت ديجا بهمس رقيق بإذن والدتها:
- هتحكي لنا عن حمزة بن عبد المطلب صح؟
أومأت ورد مؤكدة، فصفقت ديجا بحماس وشغف، واتجهت جالسة بحضن لمار التي ضمتها بمحبة وهي تقبل وجنتها.
رددت ورد عيناها بين الجميع، باسمه بوجه مشرق وفؤاد منشرح، وقالت بصوت عال ليسمع الجميع:
- حمزة بن عبد المطلب، أسد الله وسيد الشهداء، البطل الضرغام، عم الرسول ﷺ وأخوه من الرضاعة. ولعلنا نتساءل كيف أسلم حمزة؟
نظرت الوجوه بشوق لورد، وتنبه واهتمام جلي مفعم بالأعين. فتبسمت متابعة:
- ذات يوم خرج حمزة من داره، ليمارس هوايته المحببة وهي الصيد، وكان صاحب مهارة فائقة. وقضى هناك وقتاً، ولما عاد، ذهب كعادته كلما رجع من صيده للكعبة ليطوف بها قبل أن يرجع لداره. وقريباً من الكعبة، لقيته خادمة لعبد الله بن جدعان. ولم تكد تبصره حتى قالت له: "يا أبا عمارة.. لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفاً، من أبي الحكم بن هشام.. وجده جالساً هناك، فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره".
ومضت تشرح له ما صنع أبو جهل برسول الله. واستمع حمزة لقولها، وأخذ قوسه وثبته فوق كتفه، وانطلق بخطى سريعة حازمة صوب الكعبة. ولكنه لا يكاد يبلغ الكعبة، حتى يبصر أبا جهل في فنائها يتوسط نفراً من سادة قريش.
وفي هدوء رهيب، تقدم حمزة من أبي جهل، ثم استل قوسه وهوى به على رأس أبي جهل فشجه وأدماه. وقبل أن يفيق الجالسون من الدهشة، صاح حمزة في أبي جهل: "أتشتمني محمداً، وأنا على دينه أقول ما يقول؟.. ألا فرد ذلك عليّ إن استطعت".
ونزل قوله عليهم نزول الصاعقة. فأشد فتيان مكة وأعزهم يسلم؟ وسيكون قوة لمحمد ﷺ.
قال حمزة إنه أسلم، ولكنه لم يكن قد أسلم بعد. وعاد لداره وظل يفكر. لقد أساءه ما أساء لابن أخيه، فأنفعل وأخذته الحمية فأعلن إسلامه. وكيف ترك دينه ودين آبائه وأجداده، ثم يستقبل ديناً لا يعلم عنه شيئاً؟ إنه لا يشك في صدق محمد ﷺ، فهو يعلم جيداً صدق ابن أخيه، بلى وأخوه أيضاً. وأخذ يفكر لأيام لا يهدأ له بال أو خاطر.
ولنضع إليه وهو يروي بقية النبأ فيقول: ".. ثم أدركني الندم على فراق دين آبائي وقومي.. وبت من الشك في أمر عظيم، لا أكتحل بنوم.. ثم أتيت الكعبة، وتضرعت إلى الله أن يشرح صدري للحق، ويذهب عني الريب.. فاستجاب الله لي وملأ قلبي يقيناً.. وغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما كان من أمري، فدعا الله أن يثبت قلبي على دينه..".
وهكذا أسلم حمزة إسلام اليقين.. وأعز الله الإسلام بحمزة، فكان يذود عن رسول الله والمستضعفين من أصحابه، حتى لقبه الرسول ﷺ بـ "أسد الله، وأسد رسوله". وأول راية عقدها رسول الله ﷺ كانت لحمزة.
وجاءت غزوة أحد، حيث زعماء قريش يهدفون بالمعركة قتل رسول الله ﷺ وحمزة رضي الله عنه وأرضاه. وكان كل هم القرشيين موت حمزة، فوضعوا خطة واختاروا رجلاً لقتله وهو "وحشي"، كان ذا مهارة خارقة في قذف الحربة. وكانت خطتهم أن يتصيد حمزة ولا يغفل عنه، ووعدوه بثمن غال وهو حريته، فقد كان وحشي عبداً لجبير بن مطعم.
وبالمعركة، التقى الجيشان، وأخذ حمزة يصول ويجول بصفوف أعدائه، وقارب المسلمون النصر لولا أن ترك الرماة مكانهم فوق الجبل، ونزلوا إلى أرض المعركة ليجمعوا غنائم العدو المهزوم. لولا تركهم مكانهم وفتحوا الثغرة الواسعة لفرسان قريش، لكانت غزوة أحد مقبرة لقريش كلها رجالها ونسائها، بل وخيلها وابلها!!
ورأى حمزة ما حدث، فضاعف قوته وأخذ يضرب عن يمينه وعن شماله. ووحشي يراقبه يتحين اللحظة المناسبة لقتله.
أدمعت عين ورد وكأنها تتخيل مقتله، وتنهدت بعمق وتابعت وهي تغض بصرها:
- ولندع وحشي يصف لنا المشهد بكلماته: [.. وكنت رجلاً حبشياً، أقذف بالحربة قذف لحبشة، فقلما أخطئ بها شيئاً.. فلما التقى الانس خرجت أنظر حمزة وأتبصره حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق.. يهد الناس بسيفه هدّاً، ما يقف أمامه شيء.. فوالله إني لأتهيأ له أريده، وأستتر منه بشجرة لأقتحمه أو ليدنو مني، إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى.. فلما رآه حمزة صاح به: هلم إليّ يا بن مقطعة البظور.. ثم ضربه ضربة فما أخطأ رأسه.. عندئذ هززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه.. ونهض نحوي فغلب على أمره ثم مات.. وأتيته فأخذت حربتي، ثم رجعت إلى المعسكر فقعدت فيه، إذ لم يكن لي فيه حاجة، فقد قتلته لأعتق..]
ثم رددت بصرها بالجميع بأعين مستدمعة وقالت وعن وحشي أيضاً:
- فلما قدمت مكة أعتق، ثم أقمت بها حتى دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فهربت إلى الطائف.. فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم، تعيّت عليّ المذاهب، وقلت: الحق بالشام أو اليمن أو سواها.. فوالله إني لفي ذلك من همي، إذ قال لي رجل: ويحك..! إن رسول الله، والله لا يقتل أحد من الناس يدخل دينه.. فخرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فلم يرني إلا قائماً أمامه أشهد شهادة الحق، فلما رآني قال: أوحشي أنتَ؟.. قلت: نعم يا رسول الله.. قال: فحدثني كيف قتلت حمزة، فحدثته.. فلما فرغت من حديثي قال: ويحك.. غيّب عني وجهك.. فكنت أتنكب طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان، لئلا يراني حتى قبضه الله إليه.. فلما خرج المسلمون إلى مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة، خرجت معهم، وأخذت حربتي التي قتلت بها حمزة.. فلما التقى الناس رأيت مسيلمة الكذاب قائماً، في يده السيف، فتهيأت له، وهززت حربتي، حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت فيه.. فان كنت قد قتلت بحربتي هذه خير الناس وهو حمزة.. فإني لأرجو أن يغفر الله لي إذ قتلت بها شر الناس مسيلمة..".
وتوفى حمزة رضي الله عنه، وقال عنه الرسول ﷺ: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله". وفي رواية: "سيد الشهداء عند الله يوم القيامة حمزة بن عبد المطلب".
لقد جاهد حمزة في سبيل الله تعالى جهاداً شديداً، وكان بلاؤه ليس بلاء رجل واحد، ولكنه كان يبلي بلاء جماعة من الناس. ولو أن ما أصابه في سبيل الله تعالى وزع على الجماعة من الناس لأوسعهم ألماً.
ثم صمتت ملياً وتابعت قائلة ونظرها يتردد بين الجميع:
- ولقد أمرت هند بنت عتبة، زوجة أبي سفيان، وحشي أن يأتيه بكبد حمزة. وانصاع وحشي وجيء لها بالكبد، وأخذ منها قرطها وقلائدها، مكافأة له على إنجاز مهمته. ومضغته هند، ولكنه استعصى عليها فلم تستطع أكله. أخذته لتشفي غليلها وحقدها على موت زوجها ووالدها. وحزن الرسول حزناً شديداً على موت حمزة، الذي لم يكن عنه فقط، بل أخ وصديق وتربيا سوياً. وإذ يستمع الرسول ﷺ بكاء النساء على الشهداء فيقول: "لكن حمزة لا بواكي له".
وحينما فرغا من جلوسهم، خرجت الفتيات من المسجد ينوين المغادرة. فإذا بأسماء يقع بصرها على حذيفة المنتظر. فما أن لمح طيفها أسرع إليها قبل أن تصعد بجوارهم بالسيارة، وقال وهو يغلق الباب:
- استنى عايزك... ارجعوا انتوا، أنا هبقى أرجعها إن شاء الله.
أومأت له لمار موافقة وغادرا هم، بينما التفتت له أسماء قائلة بتساؤل:
- مالك، ليه قولت لهم يمشوا؟
تجاهلها تماماً وهو يتقدم ليوقف سيارة أجرة. فاقتربت منه متسائلة بضيق من تجاهله الذي لأول مرة تعتاده:
- أنت مبتردش ليه؟ بكلم نفسي أنا؟! هتخدني فين؟
زفر بضيق وهو يستدير لها واضعاً يديه بجذعه، وتحدث بنبرة خالية من أي مشاعر بكل هدوء:
- هعمل اللي يرضيكِ ويريحك، واللي ليكِ كم يوم بتزني بيه ورايده. هطلقك وأريحك مني، ومش هتشوفي وشي تاني. مبسوطة كده؟
"هطلقك!!!"
أهو قذف جمراً مقيداً بفؤادها دون أن يرف له جفن؟ ما تلك النار المقيدة بفؤادها؟ كيف تخمد؟ أروحها تنسحب الآن أم ماذا؟ لما تشعر بالاختناق فجأة؟ لماذا وجعتها؟ شعرت بأنها طفلة قد فقدت أبويها، الأمان، الحنان والاحتواء. فقدت ماذا؟ كل ما بها لم يتبق بها شيء على ما يرام. تلك النغزة بسويداء القلب تميتها فوراً، مصدومة.
ألم تطلب هي ذلك؟ فلماذا تظن ذاك الوجع؟ لا غرو فإن فكرة البعد عنه عذاب، وهي التي ذاقته في ليالي بعده وتجرعته، فكان قاسياً مؤلماً لم تستحمله. فالنفس توّاقة مشتاقة لقربه، لضم عينيه لها، لأمانه. فاضت عينيها بالدمع المفعم بالزهول والصدمة، وأطرفت عينيها عدة مرات عليه، تنبهت لصوته وهو يقول بحسم:
- اركبي.
رددت بصرها نحوه ونحو السيارة، فصعدت وأغلق الباب وجلس بجانب السائق. كان يسترق النظر لها من المرآة، دموعها تحرقه حرقاً ويتجرعه مراراً كالحنظل، بينما هي لم تحيد بصرها عنه. رن هاتفه، فأنشغل بالهاتف، بينما خفضت هي رأسها وسمحت لدموعها العالقة بالسيلان، فأنسكبت عسى أن تهدأ من نيران فؤادها، ولكن كيف؟
كفكفت دموعها وهي تتنهد بضيق وشعرت بالدوار فجأة، ولكنها تنبهت لصوته الهامس:
- هروح الشركة بس همضي على ورق مهم، وبعد كدا نطلع على المأذون، تمام يا بنت عمي.
هزت رأسها دون حرف. وطرفت عينيه بألم، منذ متى يناديها بابنة عمه؟
وصلا للشركة ودلفت معه لداخلها، ومضيا للمكتب وأشار لها بالجلوس، وهم بإمساك الهاتف لكِ تأتي السكرتيرة، حتى استمعا طرقاً على باب المكتب ودخول السكرتيرة. فغض حذيفة بصره للأسفل وهو يقول:
- جيتي في وقتك، كنت هطلبك.
تبسمت السكرتيرة وهي تمد بيدها الملف:
- دا الملف اللي عاوز إمضاء حضرتك.
رمقتها أسماء بغيرة شديدة، ولكن صدمة حينما رأت حذيفة يغض بصره وهو يتناول منها الملف ويقول بحزم:
- تمام، اتفضلي أنتِ على مكتبك.
لكنها تبسمت لأسماء وهي تتساءل:
- دي مراتك؟
في ذات الوقت، رفعا بصرهما لتتلاقى الأعين بصمت، ثم أغلق حفنيه متحاشياً النظر لعيناها المهلكة وقال بنبرة نمت عن وجع دفين:
- لا، دي بنت عمي.
تبسمت "آية" بسمة رآتها أسماء، ثم صاحت:
- يعني أنت طلقت؟
طَرَقت أسماء بيدها على المكتب بعنف وصاحت وهي تحدق بها:
- لا يا حبيبتي، مطلقتش. مراتّي وهفضل مراتي... ليه وليا وبس. ومش هنبعد عن بعض.
لم يستطع أن يخفي ابتسامته، فتبسم رغماً عنه، وقد أشرقت روحه، ثم قال بهدوء:
- اتفضلي دلوقتي، قولت.
أومأت السكرتيرة وهي تخرج، ترسل رسالة لـ مكة بأن الأمر قد تم.
ألتفتت أسماء برأسها ناحيته، فتقابلت أعينهم التواقة، كأنها لها سنين لم تلتقي. فأخذ يتفرس في ملامحها الذي اشتاقها وهمهم وهو يتنهد بضيق وينهض:
- يلا نروح للمأذون عشان عندي شغل.
خطى بخطوات وئيدة، حتى وقف على صوتها الباكي يقول بهمس شديد:
- إزاي هتقدر تبعد عني؟ هان عليك تقولها؟ لدرجة دي أنا بالنسبالك ولا حاجة؟ أمال أنا كنت ليك إيه؟
بعصبية، استدار عائداً أدراجه ناحيتها وأمسك منكبيها يهزها بعنف وجنون:
- أنتِ عايزة إيه بالظبط فهميني؟ ملقيش كلمة غير طلقني ومش عايزك، هجبرك مثلاً تفضلي معايا؟
تحدثت دموعها تسبق كلماتها وهي تهز رأسها:
- أيوه، أجبرني واتمسك بيا أكتر. عرفني إنك اتغيرت ومتسيبش إيدي، بس أنت بعدت وسبت البيت، سبتني وحيدة. ودلوقتي تقولي هطلقك بسهولة كدا؟ هو اللي بينا كان إيه؟
لم يجيب، وأنما جذب يدها واضعاً كفها على موضع قلبه، وتحدث وهو ينظر بعينيها:
- اسأليه أنتِ بالنسباله إيه، وهو هيقولك إنك كل حاجة بمعني كل حاجة، وإنه من غيرك ضايع ملهوش مأوى ولا حضن يدفيه، وإن كل دقة بدقة باسمك وليكِ، وإن بعدك عنه يعني توقف نبضه، وإني ميت من غيرك، وما أصعبها الحياة وأنا عايش فيها ميت جوه قبر. دا أنتِ الروح والقلب.
رفع يده خلف رأسها وسند جبينه على جبينها وهو يزيح دموعها برقة، وتحدث:
- مكنتش مستحمل بعدك عني، ولا مرة تخيلت إننا نوصل للمرحلة دي ونبعد البعد ده، وإنك تطلبي الطلاق بجد.
تحدثت بتغيب:
- وأنا مخطرش على بالي أبداً إن يجي يوم وتقولي هطلقك.
هز رأسه نفياً:
- كنت هعمل كدا عشان سعادتك صدقيني، وكنت...
قاطعته قائلة ببكاءه مزق قلبه أشلاء:
- وهو يعني إيه سعادة وأنت مش سببها؟ ومش معايا ومش ليا؟
قبل جبينها قائلاً بصدق:
- حقك عليا يا بنتي، حقك عليا بكل دمعة نزلت من عيونك، كنت أنا سببها، وحقك عليا بكل اللي حصلك بسببي.
ثم رفع يده أسفل ذقنها ورفع رأسها إليه، وقال بمرح:
- مش يلا عشان نطلق؟
ضربته بخفة على منكبه عدة مرات وهي تقول بضحكة:
- يا خاااين، عايز ترميني أنا وعيالك في... أب يرمي عياله؟
اتسعت عينيه وهو يقول:
- عيالي؟ هما فين دول؟
ولته ظهرها بحياء وهي تقول بمرح:
- أنكر وجودهم، أنكر.
أمسك ذراعها يديرها إليه وضم وجهها بين كفيه بحنان، وتحدث بنبرة صادقة وأعين تتوهج:
- خلينا ننسى اللي فات ونبدأ من جديد، عايزك تثقي فيا بس ومتبعديش عني أبداً، لأن بعدك بيحسسني إني غريب في بلد الغربة، مش عارف فيها حاجة ولا أروح فين ولا ليا مأوى ولا حد.
تبسمت له وهي تهز رأسها، فأتى جاذباً جاكته مثنياً على ذراعه وألتقط هاتفه، ومد يده لها، فناولته كفها ليضم عليه بقوة، كأنه يخشى أن تتوه منه وسط الازدحام. وقال بنبرة محببة أنارت فؤادها المنطفئ:
- تعالي نخرج النهارده نقضي اليوم كله سوا، نعوض أيام بعدنا، مع إن يوم واحد مش هيكفي، بس يلا تصبيرة لحد يوم فرحنا.
تبسمت باستحياء، بينما اتصل هو بـ يوسف ليستأذنه، وخرجا.
السعادة تعم الدار بأكمله. مرت أيام ذات سهد وأرق، بسبيل ما بذلوا من مجهود عظيم بمساعدة بعضهم البعض لتجهيز شقة كل منهم. حتى انتهوا من كل شيء ليرتاحوا أخيراً. وتم كتب كتاب كل من (ياسين وسجى، عثمان ومكة، زين وعائشة، حذيفة وأسماء).
آبت سجى حفل زفاف، بما أن الزواج فقط حتى يقضي مهمته، فما الداعي لذلك، وخضع هو لقرارها. لم يرها مذ أن كتب كتابه عليها، أصبحت زوجته له وحده. لا يصدق للآن ذلك، حلماً ظن أنه حلم فقط، ولكنه أضحى حقيقة وواقع جميل قد ظن أنه مستحيلاً.
- ممنوع تدخل، يلا بقا بره؟
نطقت بها لمار بوجه ياسين بحسم، فتمتم هو بضيق:
- بره؟ ليه بقا إن شاء الله! دا حتى النهارده خطبة وكده هاا.
هم بالدخول، فرفعت لمار كفها تدفعه للخلف، وبجدية تحدثت:
- محدش هيشوف مراته غير يوم الفرح، إيه مش هتصبروا لبكرة يعني؟ شوفولكم مكان أقعدوا فيه، وودعوا عزوبيتكم كدا، وسيبونا لوحدنا، يلا بقا هوّيينا.
أشار بأصبع متوسلاً:
- طب نظرة؟
دفعته لمار للخلف بقسوة:
- يلاااااا يا بابا من هنا، وبلغ الباقيين محدش يجي.
أغلقت لمار الباب بوجهه وانضمت للفتيات. كانت سجى تجلس وحيدة بمكان منعزل عنهم، تشعر بالغربة، خاصة معاملتهم لها الجافة. ومعهم حق، فقد كانت سبباً في انتهاء خطبة ياسين وسمر.
وضعت الفتيات الحناء، وصدح صوت الأغاني، وعلت الزغاريد. ووقفت الفتيات "يتراقصن" وضحكات صاخبة تغمر المكان.
وقفت ديجا والضحكة لا تفارق وجهها وهي باسطة كفيها وصاحت قائلة بوجوههم:
- أنا رسمتي أحلى منكم.
ثم أخرجت لسانها بمكر، فضحك الفتيات لقولها، بينما تبسمت ورد بمحبة. ولمحت سجى ودموعها التي تحاول تخفيها، فأشارت لـ ديجا أن تأتي بها، فأومأت ديجا موافقة وهي تستدير راكضة ناحية سجى. ودنت منها وهي تنادي باسمها، فتنبهت لها سجى باسمه وهي تقول برقة وهدوء:
- نعم يا ديجا يا حبيبتي.
قبلتها ديجا من وجنتها وهمست بجانب أذنها:
- أنا فرحانة أوي عشان أنتِ اتجوزتي ياسين وهتكوني معايا على طول.
أجابت ودموع عينيها تسابق كلماتها:
- يا ريتك لو تعرفي إيه سبب الجوازة دي.
أزاحت ديجا بحزن لها دموعها وبنبرة حزينة تحدثت:
- يعني إيه؟ أنتِ مش فرحانة؟
طرفَت بعينيها وهي تردف:
- مفيش حاجة تفرح، ولا بقينا نفرح يا ديجا. يا ريتني فضلت صغيرة عشان أكون تلقائية زيك كدا، معرفش إيه في قلوب الناس من حقد وكره وأنانية، وأفضل متوهمة أنهم بيحبوني وطيبين...
صمتت حينما جذبتها ديجا وهي تقول:
- قومي عشان تحطي حنة.
فتحدثت بضيق مخافة أن وجودها يضيق أحدًا:
- لا يا ديجا يا حبيبتي، أنا مش هحط.
همست ديجا بحسم:
- لا، هتحطي.
أخذتها ورد من يدها وأجلستها لتشاركهم البهجة، ولكنها كانت بعيدة رغم قربها منهم.
هل الليل سريعاً وهدأت الضوضاء؟ جلس الفتيات بجانب بعضهم البعض، وتمتمت حبيبة قائلة بغيرة للمار:
- أموت وأعرف ليه يا أختي بعتيهم لوحدهم وحفلة عزوبية قال. اعمل فيكِ إيه طيب؟ حرام عليكِ دول أكيد دلوقتي جايبين بنات، ياربي.
كتمت لمار ضحكتها بصعوبة وجحدتها بنظرة أسكتتها.
بينما رن هاتف أسماء معلناً عن اتصال من حذيفة، فنهضت تتحرك ناحية النافذة وتطلعت من خلفها مستندة بكتفها على الجدار، وردت بحياء:
- الو، السلام عليكم.
رد حذيفة السلام بحب، وساد الصمت بينها، وتوترت كثيراً حينما همهم قائلاً:
- بتعملي إيه؟
تبسمت بأعين لامعة متلألئة وهي تقول:
- مفيش، يلا مخلصين كل حاجة وتعشينا وكنا بنتفرج بس كدا.
ليقول هو بمحبة وهدوء:
- مش مصدق إن خلاص بكرة هتكوني من نصيبي، يا أحلى نصيب جالي. ومعايا لبقية العمر.
تنهد بصوتاً عالٍ وتحدث بسعادة:
- لحد الآن مش مصدق بجد، ربنا يديمك ليا.
علا الاستحياء وجهها وخفق قلبها وهي تقول ببسمة:
- ويديمك ليا يا رب.
تناهى لها أصوات صاخبة وغناء، فتمتمت قائلة بغيرة واضحة:
- حذيفة، عايزة أسألك سؤال؟
تنهد قائلاً بسعادة تغمره:
- قلب حذيفة، أنتِ تسألي براحتك من غير استئذان.
ترددت كثيراً وتحير فكرها، ثم نطقت بتلعثم:
- هو أنتوا جايبين بنااات؟
ضحك رغماً عنه وهو يؤكد قائلاً:
- أمال إيه يا حبيبتي، مش آخر ليلة وكدا يبقى نعمل اللي عايزينه.
ثم تبسم بمكر متسائلاً:
- أنتِ بتغيري عليا؟
بتلقائية ردت بتعصب وهي تضرب الأرض بقدمها:
- مش جوزززز!
بِثَخَط قالت:
- وهغير عليكِ ليه أصلاً؟ اعمل اللي أنت عايزه وأخرج مع ألف بنت، أنا مالي أنا. بتقولي ليه تخرج تقابل تكلم تتجوز حتى البنات كلها وأنا مالي أنا!
فما أن أنهت جملتها المرتجفة حتى أغلقت الهاتف وهي تتنفس بصعوبة، وتتمتم.
ضحك حذيفة كما لم يضحك قبلاً، ثم اتجه جالساً بجانب الشباب الممدودين بإرهاق جلي من كثرة ما بذلوا من مجهود الأيام الماضية.
رن هاتف يوسف، ففصل متأففاً، فأنعاد الاتصال مراراً وتكراراً. فبنفاذ صبر تحدث وهو يلكم أدهم بسخط:
- منك لله يا شيخ، يعني لازم تقولهم هنجيب بنات، بلا خيبة. يارتكم كنتوا جبتم، وأهو جه فوق راسي أنا. منك لله، كل ثانية بترن صدعتني.
ضحك الشباب، بينما أشار لهم يوسف بالصمت، ورد قائلاً بتأفف:
- يا بنتي حرام عليكِ، 50 رنة في دقيقة، ليه يا ماما ليه..
- ببببتبعملوا إيه يا يووووسف، قووول؟
صرخت بها حبيبة بغيرة على الجانب الآخر.
فتحدث حذيفة بصوت أنوثي بجانب الهاتف:
- ما تخلص بقا يا يوسف، الله. اقفل التلفون دا بقا وتعالى جنبي يا حبيبي.
انفجر الشباب ضحكاً، بينما أسرع يوسف بغلق الهاتف وهو يركض خلف حذيفة.
وإذ بـ ياسين ليس معهم، هو في دنيا غير الدنيا، حيث حبيبته فقط. هنالك، لا سيما أن صورتها لم تفارق مخيلته بتاتاً.
غمزة عثمان قائلاً بمرح:
- متسرحش كتيرررر يا عم العاشق.
جذب ياسين الوسادة وقذفها به، فتلقاها عثمان مسنداً عليها بذراعه وهو يغمز له:
- إيه يا باشا، عقلك رايح فين؟
تنفس ياسين بضيق وتحدث بضحك:
- ياااخي كدا تطلعني من حلمي الجميل.
_ أغلقت حبيبة الهاتف بعينين تطلق شراراً وتحدثت وهي تجز على أسنانها:
- جيبين بنات؟ سمعت صوتها بودني بتقولوا يلا يا يوسف بقا، يا نهار مش معدي. نظرت للمار قائلة: "أخوكِ الخاين الغشاش بيخوني بعد العشرة دي كلها".
ضحكت لمار بخفة:
- بس يا مجنونة، اهدي. بنات إيه بس اللي يجبوها.
وقفت حبيبة محتجة بسخط وترزع المكان ذهاباً وإياباً:
- بقولك بيخوني، مبتفهميش؟ بيخوني، سمعتها بودني والله.
حدقت مكة مزهولة وهي تنهض مقتربة منها:
- بجد والله؟ سمعتي صوت بنت، يعني عثمان بيخوني دلوقتي؟
تحدثت ريم بزهول:
- يا نهار أسوح! بيخوني؟!!!
بينما ضحكت ورد قائلة بمناغشة:
- خليهم يا جماعة براحتهم، مالكم بس؟ يغيروا شوية، زهقوا مننا.
جذبت مكة هاتفها صاعدة لغرفتها وهي تتصل بـ عثمان، الذي رد قائلاً وهو يجاهد على السيطرة بضحكاته:
- كنت عارف والله إنك هترني.
تحدثت بنبرة غاضبة وهي على وشك البكاء:
- بتخوني يا عثمان، ماشييى؟ ابقى شوف مين هيتجوزك يا خاااين. دا إحنا لسه متجوزنٰش عشان تخوني؟ طلقني يلاااا، وخليك مع اللي بتخوني معاااها....
صمتت حينما علا صوته صارخاً:
- اسكتييييي، أنتِ ما بتصدقي تتفتحي، اهدي.
صرخت بصوتاً عالٍ وهي تبكي:
- وكمان بتزعقلي بدل ما تصالحني؟
أنهت جملتها وهي تغلق الهاتف، لينظر عثمان بالهاتف بصدمة ممزوجة بالزهول وهو يغمغم:
- يا بت المجنونة، والله لأربيكِ.
صمم البنات على الذهاب، فتوجهوا بغضب جميعهم ناحية الشقة التي كانت قريبة جداً منهن.
جلس الشباب مندمجين بفلم رعب، متنبهين بكل حواسهم له. وعلى حين بغتة انطفأ الضوء، فتمتم فيكتور قائلاً وهو يتشبث بـ ياسين بجانبه:
- النور قطع صح؟ يعني يعني هو هي هتطلعلنا صح....
توقفت شفتيه عن التحرك حينما رأى ظل فتاة تتقدم، تتطاير خصلاتها بالهواء، ووجهها يخيف من يراه. فوقفا الشباب جميعاً مزهولين بدهشة، وتحسسوا طريقهم ليلتصقوا ببعضهم وأخذا بالارتجاف. تسلل عثمان من جانبهم.
في هذا الأوان، كان الفتيات يضحكون بهمس واستمتاع لظنهم بنجاح خطتهم وإخافتهم. كانت حبيبة تضيء كشاف الهاتف بلحظة، وقع منها وهي تبتلع ريقها الجاف بصعوبة، وارتعدت جسدها. تسمر البنات مكانهن مزهولات، عكس لمار التي نظرت للظل بكل حدة وهدوء.
ارتعدت حبيبة وهي ترتجف، وسرى الخوف بعروقها واستحوذ الرعب ثنايا فؤادها، وتلعثمت قائلة وهي تهز رأسها وتتراجع لاصقة بالفتيات خلفها:
- أنا مش مش أنا، والله هما أجبروني، أنا أنا أنا معملتش حاجة، صدقني.
ظل يقترب منها حتى كادت بالبكاء، وصرخت صرخة مدوية هي والفتيات وهم يركضون هنا وهناك ويصطدمون ببعضهم بعضاً. جاء النور قوياً، ووقفا الشباب عاقدي ذراعيهم. فتوقف الفتيات يهدئون من أنفاسهم اللاهثة وضربات قلوبهم. وإذ بـ عثمان يخلع ما كان يرتديه وهو يقهقه. أشار يوسف بجدية ونبرة مخيفة:
- بتعملوا إيه هنا؟ وازاي تطلعوا كدا؟
حاد بصره لـ حبيبة التي رمقته بدموع. فرق قلبه وتخلى عن تصنعه الجدية والغضب، وخطى بخطى سريعة تجاهها. هم بإمساك كفيها وهو يقول:
- حبيبتي....
أبعدت كفيها وهي تتراجع للخلف وتواري دموعها كي لا تنحدر بجهد عظيم. فبدون حرف تقدم مختطفاً إياها بين ذراعيه، فكانت تغطي وجهها بكفيها وهي مسندة على صدره، مجهشة بالبكاء. فتحدث بحنان:
- بس يا حبيبتي، أنا آسف، متزعليش، مكنش قصدي أخوفك كدا، صدقيني...
همت حبيبة بالتحدث، فصمتت حينما شرع عثمان قد تكلم متسائلاً وبصره يجول بالمكان بقلق جلي:
- امال فين مكة؟
وخزات بفؤاده طيلة اليوم نبأته أن هناك شيئاً سيحدث، وها هو يتأكد شكوكه وإحساس فؤاده النابض بعشقها. شعر بمناداتها واستغاثتها. صمتت همهمات الجميع وهم يتناقلون النظر فيما بينهم.
بينما ازدادت دقات قلبه وخزاً وألماً، وهو يركض للمنزل.
_ أنهت مكة المكالمة بغضب وغيرة، فما أن همت بالخروج من الغرفة حتى كان أحداً ما يكمم فمها على حين غرة وهو يسحبها للخلف مرة أخرى ويغلق الباب. حاولت بكل جهد نزع كفه ودفعه للخلف، ونجحت بذلك لتستدير قائلة بصدمة:
- علي؟! ماذا تفعل هنا؟ ما هذا التصرف؟ كيف تجرؤ؟
همت بالمغادرة، فجذبها من ذراعها بقسوة وهو يدفعها بقوة للخلف لتسقط أرضاً مزهولة، وتحدث وهو يفترس النظر بجسدها:
- لم أكن أنوي فعل ذلك، وكنت أود أن أتزوجك، ولكنك خدعتني، لذلك أنا مضطر لذلك. منذ أن رأيتك وأنتِ تعجبيني. "أنهى جملته وهو ينظر بنظرات شهوانية لجسدها".
فاتسعت أعينها وتجلى فيهما نظرة صدمة ممزوجة بعدم التصديق، وهي تضم جسدها بذراعيها من عينيه المفترسة بها، كأنها عارية رغم ما ترتديه من ملابس محتشمة. وهمست متوسلة:
- لا، أرجوك، ماذا تقول؟ أنا بمقام أختك.
أنقض عليها كالأسد الجائع يحاول نزع ملابسها وتقبيلها. ظلت تصرخ بصرخات تشق القلب، وصراخ قلبها كان يعلو، ولكن لم يستمع أحد. حاولت دفعه، فسرعان ما تذكرت بعد الحركات التي دربها لها، لتضربه بجبينها أعلى أنفه وهي تدفعه بقدمها وذراعيها، ونهضت وهي متجهة ناحية الباب وحاولت فتحه، لكنه أبى ذلك، فظلت تقرع عليه وهي تبكي ودموعها كالسيل على وجنتيها، منادية باسم حارسها معشوق فؤادها.
على بغتة، جذبها عليّ من قدمها ليوقعها تحته، وقبض على خصرها بقوة مقيداً ذراعيها، فحررت يدها وهي تحاول دفعه بكل قوتها، وبلحظة كان يكسر الباب بغضب جامح، مصدراً صوتاً عالياً، ليلتفت علي بصدمة محدقاً بعينيه بـ عثمان الذي برزت عروقه من شدة غضبه وجحيم من النيران تكونت بعينيه، وهرع إليه كالثور الهائج وجذبه من ياقة قميصه ليطرحه ضرباً مبرحاً.
فانعدلت مكة مطمئنة وانزوت بركن بعيد تبكي بحرقة وهي تضم قدميها لبعضهما محاوطة إياهما بذراعيها، منكبة عليهما مجهشة بالبكاء.
تجمع الفتيات حولها، بينما بلحظة هجموا الشباب على علي بكل قسوة، ليتمنى الموت أرحم من براثنهن.
ابتعد عثمان عنه مقترباً من مكة ليتنحى الفتيات جانباً مفسحين له الطريق، وأخذت الدموع مجراها لمرآهم مكة بتلك الحالة، وأكثرهم شعوراً بها أسماء.
جثى على ركبتيه ودون حرف أو همس، جذبها محتضناً إياها بحضنه كأنها طفلة صغيرة، فعلا نحيبها أكثر ويداها تحوط عنقه بقوة وخوف. فهمس هو بألم:
- خلاص بالله عليكِ، متبكيش، دموعك بتوجعني، أنا هنا جنبك، مفيش حاجة.
شددت من احتضانه، فاعتصرها بداخله وتمتم بنبرة متحشرجة:
- شفت حصلي إيه لما بعدت عني، متبعدش عني تاني.
شدد من ضمها بصمت، ثم قال بقلب أضناه الوجع:
- عرفتي دلوقتي ليه كنت بضايق لما بشوفه قريب منك، وسجنتك عشان تسيبيه.
علا نحيبها وشهقاتها وهي تدفن رأسها بصدره، فقال حذيفة مازحاً:
- يا نهارررر أسوح، منييييل يا بنتي، كفاية، أنتِ ما صدقتي، اقالولك عيطي، غرقتي البيت، الله يحرقك، كفاية يا ماما، كفاية.
ثم تساءل بنبرة مازحة:
- بقا ياربي، واد فرفوش زيي يعيش مع العيلة النكد دي ليه يعني؟ ذنب دا بس ولا إيه.
ثم نظر لها قائلاً:
- كفااايه ياااختي، ولا قولتي فرصة تضمي الواد عثمان.
نظر عثمان حوله باحثاً بعينيه عن شيء يلقيه عليه، فلم يجد، فبدون وعي أمسك الهاتف قاذفاً به بوجهه، فتلقاه حذيفة مشيراً له وهو يرفع حاجبيه:
- ليه كدا يا ضنايا؟ التلفون خسارة، دافع فيه فلوس. أما أنا عادي، ممكن ترميني على حد.
- برررررره، اطلع بره.
صرخ بها عثمان بنفاذ صبر، ليهرول حذيفة خارجاً وهو يضحك.
لم تكد تبرح لمار مكانها حتى جذبت علي الذى أغدى كالجثة من ملابسه وغمغمت له:
- أنت عامل إيه في حياتك عشان تقع في طريقي؟ شكل أمك داعية لك.
ثم ضغطت على عنقه بحدة وجذبته للخارج وهي تقول بحسم مشيرة لياسين:
- ورررايا.
ضحك ياسين بخفة قائلاً:
- خلاص يا لمار، الواد هيموت، كفاه.
حدقته بنظرة غاضبة لا تقبل النقاش، فلحق بها فوراً.
وقع بصره على "سجى" الجالسة منزويه بركن على الدرج، فأنفزع قلبه وهو يهبط الدرج بسرعة فائقة، وتحدث وهو يجثو أمامها:
- سجى، ماااالك؟ في إيه؟ بتبكي ليه؟ حد عملك حاجة؟
قالها وهو يضع كفيه على وجنتها، فشاهقت هي قائلة بصوتاً متحشرج من أثر البكاء:
- أ أ أنا يا يا ياسين، سمعت مكة بس معرفتش هي فين ولا أساعدها، كنت موجودة وسامعها بتصرخ وأنا مش عارفة أعمل إيه؟
صمتت وعلا نشيجها أكثر، فأدمعت عينيه وهو يقول بنبرة حانية:
- لا، أنتِ مش ذنبك حاجة، متبكيش.
وقع بصره على قدمها النازفة، فضيق عينيه بهلع وهو يجذب قدمها قائلاً بلهفة:
- إيه الجرح دا؟ اتعورتي في إيه؟
بتلعثم قالت وهي تشهق:
- مش عارفة، بس دلوقتي وأنا بحاول أوصل لمكة.
أمسك ياسين ذراعها يساندها على الوقوف وهو يتمتم بحنو:
- طب تعالي، أقعد أعمل لك الجرح دا.
نهضت معه وهي تتمسك بذراعه، فكادت أن تخطئ، فزلت قدمها متأوهة، ليحملها بين ذراعيه بخفة وهدوء، كأنه يخشى عليه أن يؤذيها. هبط بها للأسفل وأنزلها برفق ورقة على الأريكة، وصرخ بـ عائشة أن تأتي، بعدت الإسعافات الأولية، فلبت على الفور.
جلس ياسين واضعاً قدمها على قدميه وشرع بتضميد جرحها رغم اعتراضها.
ثم تجمع الشباب بغرفة واحدة، والفتيات كذلك، إلا أن غلبهم النعاس ليذهبوا في سبات عميق.
تجمع الشباب بإحدى غرف الفندق المقام به الحفل، يتألقون ببدل سوداء اللون زادت من وسامتهم. كان يوماً حافلاً بالعمل الشاق، فمنذ أن فتحا أعينهما لم يستريحا ولو قليلاً. وقف حذيفة بمرحه المعتاد أمام المرآة يحاول بجهد تعديل كرفت البدلة، لكن كل مرة تأتي بالفشل، فأحتج وهو يقول بتأفف طفولي نوعاً ما:
- مش راضية تتربط ليه دي كمان؟ هو محدش هنا مهتم بيه ليه؟
حدجه عثمان باللامبالاة وهو يصفف شعره بجانبه وينثر عطره المميز ذو رائحة جذابة.
فزم حذيفة شفتيه بضيق وطفق يحاول عقدها مرة أخرى بتذمر. فجأة، جذبه ياسين واقفاً أمامه دون حرف، وأبعد كفيه وعقدها له، ليقول حذيفة بكل غبطة:
- تسلم لي إيدك يا غااالي، والله كنت حاسس إن مفيش غيرك يا حبيبي هتعملهالي.
تبسم ياسين رابتًا على منكبه بود:
- لو أنا معملتهاش مين كان هيسأل فيك يا زفت؟
ثم استطرد قائلاً بحنو وهو يسند كفيه على منكبيه:
- ألف مبروووك يا حبيبي، يتمم لك على خير يارب ويسعدك.
ضمه حذيفة بتأثر أثر كلماته وهمس بدمع:
- الله يبارك فيكِ، أوقات بحسد نفسي على نعمة ربنا ليا رزقني بأخوات مكنتش أحلم بيهم، ويمكن لو عندي أخوات مكنش هيكون بينا الرابط القوي دا، أنتوا مش بس قرايب.
أقترب عثمان رابتًا على منكبيهم وقال بحنو:
- إحنا واحد، مفيش غير كدا.
ضما بعضهما بحضن أخوي، وكأنهم يتعهدون على أن تكون سعادتهما واحد وأحزانهما أيضاً في السراء والضراء، ضحك ودمع.
بعنف ابتعد ياسين وهو يشير إليه بنبرة محذرة:
- بس إياك تفكر تزعل أختي ولا تنزل دمعة من دموعها، ولا تيجي في يوم تشتكي، وقتها هوريك وشي التاني، أنت فاهم؟ متفكرش إني اسكت، أبيعك في ثانية.
ضحك عثمان ساخراً وهو يقول:
- هيبيعك أهووو، قولتلك يا بني دا ملوش أمااان.
رمقه ياسين بنظرة هازئة وقال بتحذير وحزم:
- الكلام ليك أنت كمان، مش هو بس. أمال مكة وأسماء إيه يعني؟ الاتنين أخواتي.
نظر حذيفة وعثمان لبعضهما البعض بسخط ورمقوه بنظرة مغتاظة، وشرع كل واحد بتجهيز نفسه.
انفتح الباب وطل منه يوسف يتبعه فيكتور وأدهم وأحمد وزيد وفهد. توجه الشباب مصافحين فهد بعناق طويل وهمس ياسين متسائلاً:
- إيه يا عم فهد، بطلنا نشوفك ليييه؟
تبسم فهد بسمة خفيفة سرعان ما تلاشت بالتدرج وصمت ملياً متذكراً "رعد"، ثم همهم:
- على أساس بتسأل أوي يعني.
قالها بضحكة، لكنه لم يستطع إخفاء مرارة الفراق بها، فروحه هنالك عالقة مع من ضمه القمر دون معاد وتركه بلا روح وقلب، فقط دموع لا نهاية وجسد بالاسم حيّ، وهو ليس بذلك.
طوقه يوسف من كتفه وهو يقول بمرح ليخرجه من دوامته التي لها سنوات، لكنها لم تنتهِ، وكيف بالله تنتهي؟ وهو مجرد جسد متفقد لروحه.
# يا عم سيبك من الواد اللي ملوش نفع دا.
رفع ياسين حاجبه بدهشة، فتحدث يوسف بحسم:
- كل دا بتجهزوا ليه يعني؟ اخلص منك ليه يلا..
دنا فيكتور من عثمان قائلاً بنبرة مبهجة:
- عايزك تخلي بالك من مكة وحبها، حبها كأنها أنت، وعاملها كـ بنتك اللي لو غلطت مش تعاقبها، لااا، فهمها واحتويها ومتزعلهاش، وإلا.
ضيق عثمان حاجبيه قائلاً:
- وإلا إيه يعني؟ هتعمل إيه؟
أمسكه يوسف من ياقة قميصه بالخلف وهو يهتف:
- هعمل كدا. وهعلقك وهعمل اللي محدش ممكن يتصوره.
أبعد عثمان يده وهو يقول:
- لااا يا عم، عليها بـ.. إيه؟ مش مستغني عن نفسي أنا.
ثم نظر لـ فيكتور بحنو وربت على منكبه بود وتحدث:
- أنا ومكة مرتبطين ببعض من يوم ولادتنا، دي جزء مني وحتة من قلبي. لو زعلتها يبقى بجني على نفسي بالموت. أطمن، أنا أعمل أي حاجة بس تكون هي بخير.
دَلَفَت ديجا بصحبة عمرو فجأة بحماس وعفوية، متألقة بفستان أبيض مطرز باللون السكري وحجاب أبيض زاد من جمالها جمالاً آخر. فصفر حذيفة بإنبهار، لتبتسم هي بحياء وهي تغطي وجهها تواريه منهم. فدنا حذيفة ممسكاً بكفها وهو يديرها وقال بزهو:
- واووو، إيه القمر دا يا بت يا ديجا، لو كنتِ كبيرة كنت تجوزتك.
خطفها عثمان بين يديه قائلاً بشغف:
- وحشتينييي يا بت يا ديجا، الكام ساعة دول؟ إيه يابت القمر دا؟ مرررراتي، مرررراتي.
هوى ياسين على عنقه بقبضته قائلاً وهو ينتشل ديجا منه:
- بس يا بابا، دي مراتي أنا.
ثم قبلها من وجنتها على حين بغتة، فوارت وجهها بكفها ودفنت رأسها بكتفه، فصاح بضحكة:
- يااا ناااس، على القمر المكسوف ده، بس. مقولتيش إيه رأيك في عريسك انهارده؟
رفعت ديجا بصره بها وهي تقول بصدق:
- الله طالع حلو أوي يا ياسين، بس أنت اتجوزت سجى.
قالتها بزعلاّ مصطنع وهي تعقد ذراعيها، فهز ياسين رأسه:
- تؤ تؤ، أنتِ اللي مراتي، هاااتي بوسة يلا.
قبلت ديجا وجنته بحياء، ثم دعت يوسف لحملها، فأخذها وهو يقذفها للأعلى ويتلقاها بين ذراعيه، فضحك عمرو بشدة عليهن.
تنبه لطرق على الباب ودلف عثمان ليخطو الشباب تجاهه بسعادة صادقة وعانقوه بمحبة. وظلت توسيات الشباب لوقت دام لدقائق دون ملل.
ثم خرجا متجهين للأسفل، واقفين قرب الدرج بانتظار الفتيات.
وقفا يتحدثون والسرور بادٍ على وجوههم، وكلماتهم وأعينهم لامعة. انضم معهم أنس وبلال وزين أيضاً.
بلحظة شعروا بصمت رهيب وسكون تملكهم، فألتفتوا للخلف وجحظت أعينهم بإنبهار وزهول وهم يروا الفتيات يرتدون النقاب. خفقت قلوبهم كالطبل، وكالمسحورون. تقدموا حتى وقفا الفتيات بجانب بعضهم البعض. نظرا الشباب لبعضهم بتوهان، لا يدرك أي منهم زوجته.
بينما الفتيات واقفون بإستمتاع، مطأطئين الرؤوس، البسمة لا تفارق وجوههم المشرقة وأعينهم اللامعة بضحكة، وأرواحهم المتوهجة، وقرع أفئدتهم المضطربة.
تألقت لمار بفستان جعلها كالحورية، ووقفت أمامها بثبات رهيب وجدية، تحدثت:
- يلا بقا وروني، هتعرفوهم إزاي؟ واللي مش هيعرف مراته يبقى ينسى الجواز.
تنحت جانباً بحسم وحزم، فدنا عثمان أولاً، ناظراً بتدقق للبنات الذين يخفون وجوههم حتى أعينهم، وأستدار متصنع عدم معرفته بـ مكة وهو يهز رأسه بـ أسف، فأدمعت مكة حزناً. وبلحظة جذبها عثمان من يدها لترفع بصرها به، الذي شع نوراً وبهجة.
فأخذها بركن منعزل وضم وجهها بين كفيه وهمس بعدم تصديق:
- إيه دا؟ اتنقبتي؟ مش مصدق؟
ضاقت ملامحها باقتضاب وهي تهمس بتوجس:
- أنت اتضايقت إني اتنقبت؟
بخفة ضربها على رأسها قائلاً:
- يا عبيطة، أنا مبسوط أوي. "ثم بصوتاً منخفض تابع" كدا محدش هيشوفك غير عيوني أنا بس، لأنك ليا أنا لوحدي، وكنت ناوي أنقبك بعد الجواز فعلاً.
نظرت له بتمعن وتلاقت أعينهم بلقاء غريب ساحر، وأدمعت عينيها وهي تقول بسعادة تسري بأوردتها:
- بصراحة، كانت فكرة ورد، ربنا يخليها. أنا رفضت في الأول، بس فكرت في الأمر لقيت إن دا أفضل حاجة وطريقي للجنه، لأني خوفت أكون من الكاسيات العاريات، وبعد كدا قولت بإنِ ليك أنت وبس، وحدك ليك الحق يشوفني ومحدش غيرك، فـ عشان كدا، لأني ملكك لوحدك.
قبل جبينها بقبلة عميقة بثّ فيها سعادة نفسه وراحة قلبه، وهم برفع النقاب، فدفعت كفيه صائحة:
- أنت هتعمل إيه؟ مينفعش، مين سمحلك تشيله أصلاً؟ استأذنتني يعني.
كتم فمها بكفه قائلاً:
- هشششش، يخرب بيت صوتك يا شيخة، امشي قدامي.
تعالت ضحكاتها، فرمقها بنظرة محذرة.
دنا حذيفة بمرح وخطوات عشوائية، ثم على حين غرة ضم أسماء قائلاً بضحك:
- وربناااا، هي دي عروستي، اه والله، با نااااس.
تعالت ضحكات الجميع عالياً، فأبعده إيهاب عنها قائلاً:
- تعالي هنا يا هببببل.
كشر حذيفة قائلاً:
- أهبل؟ في أب في الدنيا يقول لابنه العريس يا أهبل.
ثم دفع كفه واقترب من أسماء هامساً بصوتاً منخفض بجانب أذنها:
- وحشتيني وعايز أخطفك دلوقتي وأطلع بيكِ على مكان بعيد مفيهوش حد يزعجنا.
أزداد ارتباكها بحياء واضطراب. وأثناء ذلك، قطع ياسين همسه وهو يقبل جبين أسماء بمحبة قائلاً:
- ألف مبروك يا أختي وبنتي وصحبتي. فرحااان جداً لفرحك، وهدعيلك من كل قلبي إنها تفضل دايماً.
ثم ضمها لصدره بحنان جم. وأبتعد باحثاً بعينه عن سجى، فوقع عينه عليها وهي تهبط الدرج بفستان وردي اللون فقط، آبت أن ترتدي فستان أبيض وحفل تماماً، مطأطئة ذراع أدهم، مكياجها هادئ بسيط، وعقصت شعرها بتسريحة رائعة ذات خصلات متدالة على جبينها بحرية، وأشتد مسحوراً ناحيتها وتحدث دون وعي وهو يمسكها من أدهم الذي ابتعد:
- إيه القمر دا؟ بسم الله ما شاء الله.
تبسمت بحياء وضغطت على كفه بصمت، حتى دلف بها لداخل القاعة، وأسراء ترافقهم، وتعقبهم الجميع، حتى الشباب ما عدا الفتيات.
هدأ الضجيج بالقاعة وعم الهدوء، إلا من أغنية هادئة رومانسية علت وانطفت الأنوار، ما عدا أنوار خافتة للغاية. كانت القاعة مزينة بطريقة تخطف الأبصار، وهل ضوء أبيض فجأة مسلط على رواق بالأعلى مضيئاً على مكة، ليقفا جميع الحاضرين، وتعلق الأعين بها، وأحاطتها فجأة شباب وبنات يدقون الطبل ويتراقصون من حولها، حتى هبطت الدرج درجة تلو الأخرى، وظهر عثمان منتظراً إياها أسفل الدرج، فأمسك يدها بحنان وبسمة، وهم يسيرون ناحية المسرح. وعن قرب منهم يقف ياسين، حتى لو احتاجوا شيئاً، يمسك بكف سجى بكل رقة يصف لها كل ما حولها، حتى ظنت أنها ترى حقاً.
وقفا مكانهما حينما تدرجت الأرضية للأسفل، فجحظت أعين مكة هامسة بتعجب:
- إيه دا؟ هو في إيه؟
امتزجت تعابير الحضور بالدهشة، وصمت عثمان باسماً وهو ينظر لها للأسفل، فظهر وجه حذيفة وأسماء وهم يرتفعون للأعلى، فما أن استقروا، ضجت القاعة بالتصفيق والصياح.
نصب الضوء على مقعد ذهبي يشبه مقعد الملكات بزخرفته المميزة، جالسة عائشة عليها، وهل زين دالفا من الباب واقفاً وهو يغمز لها. تجلى المقعد للأسفل، فحمل زين عائشة برفق وارتفع المقعد مرة أخرى، ثم حملها ودار بها مرات عدة، لتضج القاعة بالتصفيق.
تبدلت الأغنية ودوت أغنية "أوعديني"، فجذب الشباب كلاً منهم زوجته إليه وهم يتراقصون على الأغنية، وأعين كل منهم لا تحيد عن بعضها البعض. انتشر الدخان حولهم والنار تشع من الجوانب تحفهم.
# أوعديني لو زعلتي في مرة مني تعرفيني.
همس بها بكل رقة عثمان وهو منصب عينيه بأعين مكة مطوقة بذراعيه، مشدداً من ضمها. خفق فؤادها وهي ترمقه بنظرة عاشقة ووجه مسرور مشرق، وروح أحست أنها امتزجت بروحه بجسده. ضم جبينه على جبينها لتحيط هي عنقه بتملك أكثر وهمس: لو جرحتك غصب عني تحسسيني، متشليش جواكِ حاجة، تحكي ليا كل حاجة.
ثم غمز لها هامساً بجانب أذنها:
- موعدتيش؟ اوعديني.
ضحكت بخفوت وغبطة وهي تقول:
- اوعدك، وأنت اوعدني متزعلنيش أبداً، ولو جرحتني تداويني، ومتسبش بينا فراق، عشان أنا مش هستحمله ولا قد بعدك.
اتسعت ابتسامته تدريجياً وحملها يدير بها وهو يصيح "بحبببك"، ثم أنزلها برفق وقال لاهثاً وهو يميل على أذنيها:
- بعشقككك، ووعد نفضل طول العمر سو، وأديكِ واكون كـ ظلك، وهعتبرك بنتي، حتة مني، عشان لو حصل بينا أي حاجة، بس فكريني إنك بنتي، هتلاقيني بـ لاين في ثانية.
أسندت رأسها على صدره بأمان جلي بمقلتيها.
لو خدتني الدنيا منك رجعيني.
همس بها حذيفة بنظرات تعبر عن ما بداخله، كأنه يخبرها أنها منفاه الوحيد، ابنها، فلا تتخلى عنه مهما حصل، ولتتحد كل العواصف معه حتى لا يتفرقا.
مال برأسه على أذنها هامساً بصدق:
- أوعي تسبيني. "نظر لعيناها ملياً ومال على أذنها مرة أخرى متابعاً" أنتِ قلبي وأنتِ روحي وأنتِ عيني، حد عايز أعيش معاه لآخر سنيني. أنتِ بالنسبالي مش حب في حياتي، أنتِ كل حياتي فعلاً، افهميني.
وكأنها الآن كـ فراشة تحلق بسماء قلبه الواسعة، وترفرف على أوتار قلبه، لامست كلماته روحها لتغدقها سعادة وبهجة. فأدمعت عينيها حينما همهم قائلاً وهو يتأمل عينيها:
- الأغنية قالت كل كلمة عايز أقولها، فـ افهميها كويس.
ثم ابتسم بمرح قائلاً:
- أنا مش قادر أصبر، عايز أشوفك ياما، ارفعي النقاب دا.
ضحكت بخفوت هامسة بحياء:
- اسكت بقا.
تأمل عينيها هائماً بهما وهمس:
- بحبككك، لا، أنا غرقان في عشقك.
كنسمة هبت فجأة، فإذا بروحها تتوهج والدنيا حولها تتوهج، فلمعت عينيها بسرور.
كان زين بصره زائغاً، إلا إذا تلاقت عينيه مع عينيها، تبسم لها فتبادله الابتسام، وبادرت هي متسائلة بتعجب حينما لاح لها ذاك الضيق بوجهه:
- مااالك يا زين؟ أنت كويس؟
أكتفى بهز رأسه مشيراً بعينيه مطمئناً، فهامت هي بملامحه وهي تهمس بأعين يفيض بها الدمع من الفرحة:
- مش مصدقة نفسي إن خلاص بقيت ليك وبقينا مع بعض.
ضمه لصدره بصمت. وفي حين ذلك انضم عمرو وورد وياسين برفقة سجى لساحة الرقص.
هوت دموع لمار بفرحة، فربت أدهم على منكبها قائلاً:
- ليه يا حبيبتي الدموع دي بس؟
تبسمت له وهي تنظر بسعادة تطل من شرفة عينيها للشباب:
- مش مصدقة إني فرحت بيهم، مش عارفة كبروا بالسرعة دي إزاي.
ضمها أدهم لصدره بمناغشة وقال:
- يا حبيبتي، انسي بقا خلاص اتجوزوا، إحنا النهارده نجدد جوازنا، وغمز لها بمكر.
لتضحك لمار وهي تضربه بخفة على منكبه.
وقف بلال بعيداً بجانب أنس، تمتلئ عينيه بالدمع مفعمة بالوجع وآهات جمة بفؤاده، لا يدرك كيف يعبر عنها، وصراخ حاد لا يستطع تحمله، تحول فؤاده لشظايا متناثرة على شاطئ الأوجاع.
بينما سمر جالسة بجانب وعد وديجا العاقدة ذراعيها، وتمتم:
- كلهم بيرقصوا ونسيوني كدا، والله لأوريهم.
كانت تسترق من اللحظة والأخرى نظرة تشمله وتشمل زوجته بضيق شديد واشتياق أشد، وروحاً تهفو للقاءه، وقلباً متعطشاً لكلمة واحدة تبرد ناره.
أما وعد فبدت شارده بعيدة، رغم وجودها. لا بد أنه تزوج، وقد يكون أيضاً نساءها، وأصبحت في بند النسيان، كأنها لحظة وولّت ولم تكن.
لحظات وأندمجت بالحفل حينما جلسوا الفتيات وانضم الشباب لبعضهم يتراقصون سوياً.
عاد الشباب جالسون، كل منهم بجانب زوجته، فأقتربت ديجا ناحية عثمان بسخط وهي تعقد ذراعيها بغضب وتحدثت:
- أنا بكرهك على فكرة عشان رقصت مع مكة وأنا لا.
وأشاحت بوجهه الجهة الأخرى.
وعلى حين بغتة، دفعها ماجد لتعنفه راقية وهي تهنئهم بسعادة وتجادل ماجد وديجا.
بعدما قل توافد الناس المهنئين لهم، ولمار تجلس مع من هم بالداخلية يتسامرون، انطفئ النور فجأة، وعم الهدوء، وعلا همس الحضور بغرابة. وفجأة ظهر الشباب ممسك كل واحد منهم بميكروفون، وبدأ ياسين: "إحنا بقينا لبعض حقيقي".
تشارك الشباب بغنائها، وذهب ياسين لسجى مقترباً منها وهو يسحبها بخفة لتتحرك معه كنسيم خفيف وفراشة رقيقة. فما أن أنهى الشباب أغنيتهم، غناء الفتيات وهما ما زالا واقفان أغنية "يا بخت اللي إحنا من بخته".
مرت ساعات وفرغ الفرح، وودع الجميع عائشة ببكاء اعصر أفئدتهم ألماً وفرحاً في آن واحد.
وصعد الشباب، كل منهم سيارة، وتسابقا مع صرخات الفتيات وصحكاتهم، بينما شاركهم ياسين وبلال وأنس السباق بالدراجات النارية، وطفقا بحركات خطرة. جحظت أعين مكة حيناً مالت السيارة فجأة، وفعل بالمثل حذيفة وصاحت أسماء بالمثل، بينما تصنع ياسين الاصطدام بهم، وباخر لحظة ارتفعت الدراجة.
وصلا للمنزل وتجمهر الجميع لأسفل، وتعالى الهمس، بينما ديجا كانت تبكي على عائشة وتحاول لمار تهدئتها بشتى الطرق.
صعدا كلا العرسان لشقتهم. فتح ياسين باب الشقة وأشار لها بالدخول:
- اتفضلي يا قلبي، ادخلي بيتك ومطرحك ومسكنك؟
هزت رأسها رفضاً وهي تلتفت واقفة أمامه، فهم برفع الحجاب، فأبعدت كفه قائلة:
- لا، مش هشيله دلوقتي.
فتأفف قائلاً:
- ادخلي.
وقفت قبالته قائلة:
- لحظة بس عشان أنت غلطان في حاجة. "تنبه لها بكل حواسه فأردفت" دا مش بيتي ولا مسكني.
قطب حاجبيه بعدم فهم، فأوضحت هي قائلة:
- قلبك، واحدة بيتي ومسكني ومأويا وأماني.
وقعت كلماتها على قلبه كما تقع قطرات الماء على أرض يابسة متلهفة للسقيا، فهام بها بعشق جلي وتمتم:
حملها دون كلمة، فشاهقت بفزع، دخل بها صافقاً الباب خلفه، وصاحت لينزلها، فأنزلها وهو يقيد حركتها، ثم نظر لعيناها مباشرة وبلهفة وشغف، رفع النقاب عن وجهها، فأشرق وجهه مبهوراً من جمالها، وضم وجهها بين كفيه، تورّدت وجنتيها وهي تغض الطرف، ودفعته بعيداً وهي تقول بارتباك:
- هروح أغير أنا بقا.
استدارت راجعة بظهرها بتوتر شديد واضطراب، فهمت أن تستدير، فاصطدمت بقوة بالحائط، فتأوهت بصوتاً عالٍ وهي تتحسس جبينها، واستدارت ضاحكة له كأن شيئاً لم يكن، ولوحت له بكفها، ودون وعي استدارت فانصدمت مرة أخرى بالجدار، فامسكت جبينها بالألم.
فضحك هو ضحكة صاخبة وهو يغمض جفنيه، فلويت فمها قائلة:
- أنت بتضحك على إيه؟ لم الحيطة بتاعتك دي شكلها بتعاكسني كل شوية نيجي قادمي.
أومأ برأسه قائلاً:
- حيطة قليلة أدب، هربيها لكِ يا حبيبتي من عيني.
هزت رأسها برضى ودلفت للغرفة، جلس على المقعد بإهمال بانتظار انتهائها، فمرت ساعة دون أدنى حركة أو همسة أو ظهور لها، فتملكه القلق ودنا ببطء وقد استحوذ القلق ثنايا الفؤاد، وطرق على الباب هامساً:
- مكة، أنتِ كويسة؟ في حاجة ولا إيه؟
لم يأتيه رد، فأزداد القلق متمكناً منه، وقرع الباب قائلاً:
- مكة، ردي وإلا هكسر الباب.
تسمرت قبضته حينما طالعه وجهها وهي تفتح الباب، وأنسدلت دموعها بصمت، فمسح دمعها المتساقط قائلاً بلهفة تسللت ثنايا روحه:
- مالك يا مكة؟ بتعيطي ليه؟ فيكِ حاجة؟ خايفة؟ متخافيش، أنا عمري ما أذيكِ.
هزت رأسها نفياً، فتسائل بوجل:
- طب ليه العياط بس؟
علا نحيبها وهي تهمس بتحشرج:
- مش عارفة، افتح سستة الفستان.
تسمر كتمثال لوحي يحاول استيعاب ما لفظته لتوها، تفعمت عينيه بالصدمة وهمس بزهول ودهشة:
- أنتِ قولتي إيه؟ العياط دا والقلق اللي صابني عشان إيه؟
صمت عن بكائه ناظراً له بقلق، فحرّك هو يده على وجهه مهداً من غضبه وقال:
- عملت إيه أنا يا رب عشان تبتليني بالمصيبة دي.
احتجت قائلة بغيظ:
- أنا مصيبة يا عثمان؟! يارب أموت ومتلاقنيش جنبك أبداً وتستريح مني...
رواية دموع العاشقين الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ندى ممدوح
دلفت عائشة الغرفة برفقة زين، الذي لم يتخل عن صمته. جلست تنتظر أن يأتي ويرفع النقاب، لكن انتظارها طال.
فجأة، رفعت هي النقاب وقالت وهي تنظر له بتعجب من وقفته صامتًا أمامها:
- زين، مالك؟ إنت غريب ليه كدا النهارده؟
دون كلمة، جذبها من خصلات شعرها إليه. شهقت بتأوه شديد من قبضته، مصدومة كليًا من فعلته، وهمست بتألم:
- اااه زين، شعري! إيه مالك؟
جحظت عيناه وتبدلت ملامحه لتصبح مخيفة للغاية، وانقلبت عيناه فجأة محمرة، وتحدث بصوت كالفحيح:
- ولا حاجة، انتِ مفكرة إيه؟ إني متجوزك عشان سواد عيونك؟ ولا دايب فيكِ مثلاً؟
همست بتوهان والدمع يفيض بعينيها:
- انت بتقول إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة! زين، مالك؟ انت متغير ليه؟ أنا عائشة حبيبتك!
قهقه بصوت عالٍ ساخرًا:
- حبيبتي مين! انتِ أكتر حد بكره في حياتي.
أمسكها من عنقها بحدة، بينما هي لم تستوعب بعد. كأنها داخل كابوس تريد أن تفيق منه بأي ثمن. تحدث بصوت منخفض حاد:
- تعرفي اتجوزتك ليه؟ عشان أنتقم وأحرق قلب أمك اللي حرقت قلبي على أبويا، وكمان أفرق شمل عيلتك الحلوة.
طرق بأصابعه بوجهها:
- اتفرجي وشوفي الروابط والحب اللي بينكم إزاي هنسفه في ثانية، ومحدش هيقدر يمنعني.
ضرب على مكان قلبه:
- النار اللي هنا من سنين محدش هيقدر يخمدها أبدًا، غير لما أفرق عيلتك كلها وأدمركم واحد واحد.
أطرحها على الفراش بغضب وهو يتحدث بصوت كهذيم الرعد:
- انتِ هنا مجرد خدامة، فاهمة؟ خادمة ليا ولبيتي، مش أكتر. أخد اللي عايزه وتعملي اللي أنا عايزه من غير نفس. انتِ هنا مسجونة وفي سجن مفيش خروج منه غير بإذني. سجن أمك اللي بتسجن فيه المتهمين هيكون أرحم من هنا، وهخليكِ تتمني الموت على اليوم اللي اتولدتي فيه.
تدفقت دموعها بذهول، تحاول تصديق عينيها وأذنيها بتيه وضياع. نظرت بها أوجاع لا متناهية. فك أزرار قميصه بنظرة ماكرة خبيثة. فنظرت له كأنها جثة فقط، ترتجف رعبًا، وفؤادها غير مصدق أن هذا هو من عشقته حد الجنون ورسمت حياة وردية وهو فقط بها.
لم تتخيل أن يحصل ذلك بأسوأ كوابيسها، يا ليت ذاك الكابوس المرعب يولي بلا رجعة. يا ليتها تفيق من نومها لتجد كل شيء لم يحصل.
بلحظة، لم تشعر سوى حينما انقض عليها كوُحشٍ جائع وأسد كان يتصيد لفريسته ليهجم عليها. فشق فستانها وهي تحاول إبعاده كأنها ليست زوجته، وأفقدها روحها دون رحمة.
يا ويلاه، ذاك الفستان الذي كانت تتمنى ارتداءه وحلمها الجميل تحول لكابوس مخيف للغاية، يا ليتها ما ارتدته أو حلمت يومًا به. لقد ظنت أن حياتها ستصبح وردية، ها هي تذبح على يد من ظنت به الرحمة. وها هي دموعها تذرف بلا هوادة على يد من كانت تظن سيهديها السعادة أضعافًا ويرسم بسمتها وضحكتها لكلا تفارقها.
ها هو يهديها أنهارًا من الدموع وأغمسها بأحزان وندوب ذات أثر مستمر لمدى الحياة.
***
دلف ياسين للغرفة بتردد وحيرة، فتنبهت سجى لفتح الباب وهتفت متسائلة:
- مين؟
رد وهو يخلع جاكته ومن ثم ساعته واضعهم جانبًا:
- أنا، متقلقيش.
اضطرب قلبها وازداد توترها، وحادثت نفسها وهي تتذكر أدهم وقتما كان برفقتها ليخبرها أنه كان لديه ابنة عمياء وياسين عشقها عشقًا غريبًا من نوعه لم يره بالوجود. ألهذا السبب بذاك اليوم قال لها "بحبك"؟ أكان يتخيل معشوقة قلبه أم ماذا؟ لم يحبها، أحب التقارب بينها وبين من رحلت وتركته يتعذب ببعدها. أدمعت عينيها وأضناها الألم. لعلها تستطيع يومًا التسلل بشغاف فؤاده تستحوذ على سويداءه؟
- مالك بتفكري في إيه؟
نطق بها ياسين بعدما بدل ملابسه وهو يجلس على طرف الفراش من الجهة الأخرى. شعرت بقربه حينما دق فؤادها بقوة بطريقة لم تعتدها قبلاً، فابتعدت بوجل قليلاً وهي تبتلع ريقها. فتبسم بألم حينما لاحظ خوفها وارتباكها:
- انتِ خايفة مني؟
هزت رأسها رفضًا بصدق وهي تتمتم بوجع:
- أول ما تعرف مين عاوز يقتلني، هتطلقني صح؟
ضاق صدره من تلك الكلمة التي وخزت روحه وهمهم:
- إن شاء الله.
صمت لدقيقة ثم رفع رأسه يتأملها بهيام شديد، فكأنها كوكب دري أنار فؤاده حالك السواد. تنبه لذاته فهمهم بتفكير:
- بس أهلي ميعرفوش حاجة بخصوص علاقتنا، تمام كدا؟
بعجب مصحوبًا بدهشة تساءلت:
- ليه مقولتش الحقيقة؟
نفخ بضيق من كذبته ثم غمغم:
- عشان أقدر أكتشف مين. ما هو مينفعش أقول قدام حد، فهمتي؟
هزت رأسها دون حرف. فتساءل باهتمام جلي:
- أكلتي ولا أجيبلك؟
أيهتم به حقًا؟ لماذا دق قلبها لدرجة أنها أحست قد ينتزع من بين أضلعها لشدة دقه؟ فهزت رأسها بسرور:
- أيوه، الحمد لله.
نهض ياسين قائلاً:
- انتِ نامي على السرير وأنا هنام في أي مكان هنا.
شعرت بالحرج الشديد من فكرة نومه بعيدًا عن فراشه. لا تتدري أن نومها كأنه هو من نائم مرتاحًا، فهي راحته ألم تدرك؟ مضى بعد ذلك للشرفة جالسًا على أقرب مقعد قابله ووضع كفيه خلف رأسه مستندًا للخلف وشردت عينيه بالسماء والنجوم.
استمع لصوت سجى مناديًا وهي تقبل ناحيته، فالتفت لها وهب مسرعًا إليها وجذبها من ذراعها. فهمست هي متسائلة بإحراج:
- ممكن أقعد معاك؟
فأجاب بمحبة وهم يقف مقابلها:
- أكيد، هو دا سؤال؟
ساد الصمت لتستند بساعديها على حافة الشرفة وراحت عينيه ترتوي منها وخفق قلبه بجنون. نسمة باردة هبت فجأة، فأغلقت جفنيها مستمتعة باطمئنان لم تجربه قبلاً.
رفعت كفها تتحسس وجوده ثم التفتت ناحيته وهي تقول بعفوية مطلقة:
- تعرف بتمنى إيه؟
تنبه بكل حواسه وهو يُمعن النظر بملامحها وهمس:
- إيه؟
فتابعت ببسمة:
- أمنيتي إني أفتح وأشوفك، حتى لو هموت بعدها.
اتسعت عيناه وهو يقول بزعر:
- بس متقوليش كدا، أنا إلا أنتِ!
انصدمت من جملته وتسمرت مكانها، وعلت دقات فؤادها. فأمسك هو كفيها بحنان وقربهم من وجهه هامسًا وهو يدنو منها:
- أنا أهو، شفيني.
بأنملها سارت بكل خفة على ملامحه، تحفرهم بداخلها ببسمة لا تفارق ثغرها. مجرد بسمة كفيلة بأن تروي قلبه الظمآن. بأعين دامعة مفعمة بالحزن والوجع همست بصوت شجي مطرب للآذان:
- برضه مش هقدر أشوفك، أنا عمياء.
أبعدت كفيها عن وجهها ملتفتة بوجهها للجهة الأخرى وهمهمت بصوت مفعم بالوحدة:
- تعرف أنا كنت كل ما بروح كلام أسمع الجملة دي "دي واحدة عمياء". أنا عمياء، مش يشوف بس راضية والله ومبسوطة.
ثم بكت بنحيب وصوت عالٍ ودموعها تهوى هوياً:
- نفسي أعرف مين أهلي، نفسي أحضن ماما لو كانت عايشة، نفسي أترمى في حضنها وأبكي وبس. نفسي أعرف يعني إيه حضن أم وحنانها. لما أتعب تكون جنبي وتسهر معايا. لما أزعل، لما أسمع حد بيقولي يا عمياء، أترمى في حضنها وأبكي. نفسي أحضن بابا وأستخبى من العالم كله وأحس بالأمان ومخافش. يا ترى هما عايشين؟ نسوني ولا فاكرني؟
بلحظة، كانت يده تجذبها بعنف داخل حضنه يعتصرها بداخله وهو بهمس بنبرة متألمة:
- هشششش، لما تبكي أبكي هنا بس في حضني. أنا أهو أبوكِ، أحضنيني وقت ما تخافي واطمني لأني أحميكِ من العالم كله. أنتِ بنتي، حناني كله ليكِ، إنك أمانك وسندك واحتواكِ. كل حاجة، وعيونك اللي هتشوفي بيها من النهارده.
عند تلك النقطة، علت شهقاتها وارتفع صوت نحيبها ودموعها غرقت "تشيرت" وهو تتشبث به بيديها وهمست بصوت متحشرج متلعثم:
- بس أنت هيجي يوم وهتسبني، وهرجع لخوفي تاني. أنت متخيل إني ببقى خايفة حد يخطفني أو يأذيني. بخاف أنام، بخاف أقعد لوحدي. بس لما أحس بوجودك بطمن، وأنت هتبعد.
ربت على ظهرها بحنان وهو يقول:
- هتلاقي أهلك، ومفيش خوف تاني.
أرخت رأسها على صدره وأحاط بذراعيها حول ظهره، ولم تتفوه بحرف بعدها.
***
خرج زين من المرحاض عاري الصدر بابتسامة تشفي لغليل قلبه. بينما هي كانت دموعها لا تتوقف على وسادتها. نظر لها ببادئ الأمر بنظرة ألم، ثم عاد لجموده وهو يرجع بذاكرته للخلف، حينما جاءه اتصال من والده ثم لم يأتيه رد وأغلق الهاتف. فتتبع موقعه، وما كاد أن يصل حتى لمح والده ممدًا على الأرض غارقًا بدماءه، ولمار تقف ممسكة بسكين حاد ملطخ بالدماء. فأغرورقت عيناه بالدموع. لم يكن يدري من هي تلك الفتاة لحين أخبره عمه بكل شيء يخصها. لم يتلاقى ولم يستطع أن يرى والده بتلك الحالة، ولكنه نظر له نظرة يوعده بها على الانتقام له مهما كلفه الأمر، ونظر بنظرة توعد للمار الواقفة بعيدًا.
فاق لواقعه بأعين تتأجج بالنيران مدمعة وصاح وهو يجذبها بحدّة من ذراعها الداكن من أثر قبضته:
- قومي، غوري أعملي لي حاجة آكلها. الأكل دا مش عاجبني.
دفعها بعيدًا حتى كادت أن تسقط، فتساندت على ذاتها وهي تستدير له بنظرة تحدٍ وقالت:
- هتندم. هيجي يوم وتندم، وقتها هيكون فات الأوان. وعمري ما هسمحلك تأذي حد من أهلي. ولو هعمل أي حاجة هتقولي عليها، فمش عشان خايفة منك، لا أبدًا. عشان أنت جوزي، ودا واجبي مش أكتر. وربنا موجود، هياخد لي حقي منك.
بعنف أمسك ذراعها بحدة، يضغط على كل جرح سببه لها بيده الأخرى، وتحدث بفحيح:
- مش خايفة؟ معايا هخليكِ تحسي ودوقي الخوف بجد. وأهلك هدمرهم وأدمرك وهتتفرجي وبس. غوري من وشي.
قالها وهو يدفعها بحدة، وغفل قلبه عن قواها الخائرة وعيناها التي طرفت بوهن تحاول الصمود. شعر بجسد صلب يقع مصدرًا صوت قوي، فالتفت فرآها مغشي عليها. فهرع إليها بقلب متلهف وحملها برفق ووضعها على الفراش، وتجمعت الدموع بمقلتيه من كم الأذى الذي سببه لها. ولكنه لم يلبث أن عاد لجموده وقسوة قلبه. هم أن يقترب ليحملها للمرحاض، ولكنها صرخت بوجل وهي تهذي وتلوح بيدها كأن ما حدث دقائق يحصل مرة أخرى:
- أبعد عني، أبعد. متقربش، لااا، لا حرام عليك.
لان قلبه وعنفه معاتبًا، كيف تجرؤ على أن يغتصبها؟ مهما يكن هي زوجته، ولكن نار الانتقام غشت عينيه فتناسى جل ما حوله.
***
بفزع فتحت لمار عينيها وهي تهب معتدلة بجلستها وتتصبب عرقًا. صدرها يعلو ويهبط، ودق قلبها ك الطبل بلا هوادة، وتعالت بتسارع أنفاسها تتصبب عرقًا. فاق أدهم على صوت أنفاسها العالية ونهض معتدلاً وقال وهو يربت على ظهرها:
- مالك يا حبيبتي؟ فيكِ حاجة؟
التفتت له ورمقته بضياع كأنها تحاول استيعاب ما بهِ، وتلجلجت قائلة بتوتر:
- مفيش حاجة، حلم وحش بس.
وضعت يدها على قلبها مغلقة جفنيها وتمتمت بنفسها:
- ليه قلبي مش مطمن وحاسة بحد محتاجني؟
ربت أدهم على ذراعها قائلاً وهو يناولها كوبًا من الماء:
- استعيذي بالله وسمي، وخذي شربي شوية مياه عشان تهدي. مفيش حاجة يا قلبي، أنا جنبك أهو.
أومأت برأسها موافقة ببسمة وتجرعت بعضًا من الماء ثم وضعته جانبًا وأشارت له بهدوء وهي تربت على كتفه:
- معلش قلقتك، نام يا حبيبي، أنا تمام.
تبسم لها وهو يطوق كتفها وقال بمرح:
- قلقيني براحتك يا ستي، كله فداكِ.
مالت برأسها على كتفه ببسمة رائعة رفرفت ثغرها. ثم نهضت لتتوضأ وفردت المصلى وشرعت في صلاتها بسجدة طويلة بقلب مخاطب الرحمن يبث له شكواه وشجونه، تناديه أن يمحو خطاياه أن جاء أجله وتسأله الجنة وتستجير من نار جهنم. ما أمسها الآن لتوبة من سويداء القلب تمحو الذنوب. بأن تلهج بالاستغفار لعله يطهر فؤادها. أن تضرع له بقلب خاشعًا باكيًا مناجيًا بكل الجوارح أن يستجيب لدعائها. فكم هي تفتقر لتوبة تمحو كل ما يؤلم فؤادها وأرقها.
لم يمض طويلًا وأحست بأدهم يشاركها الصلاة.
***
تململت متقلبة بكسل في مضجعها. وانبلجت بسمة متسعة على ثغرها، عيناها لامعة بها ضياء منير. قلبه مشرق وروحها مطمئنة مستكينة. ونظرت يمينًا ويسارًا لم تجده. فنهضت وهي تعدل من شعرها المشعث وعقصته على شكل "كعكة". وجابت عيناها الغرفة بحثًا عنه، فدلف بمرحه المعتاد وهو بحمل صنية عليها الإفطار وقال بحب وهو يقترب:
- يا صباح الجمال والفل والياسمين على أجمل عروسة في الدنيا.
قبل وجنتها وهو يجلس مقابلها وغمز لها قائلاً:
- صبحيه مباركة يا عروستي.
طرفَت عيناها بحياء شديد وهي تغض بصرها واعتلت الحمرة وجنتيها. فتبسم متفهمًا خجله وأبدل دفة الحديث قائلاً:
- حضرت لك الأكل أهو بنفسي وكمان هاكلك بأيدي.
رفع يده بلقمة لفمها فأبعدت يده ببسمة نفيًا وهي تقول:
- هاكل قبل ما أصلي يعني؟ قوم نصلي الأول، ولا صليت؟
هز رأسه بأسف. فتوضأ وصلى خلفه. ثم جذبت المصحف مقتربة منه وقرأ سويًا سورة الفاتحة وبعضًا من سورة البقرة. ثم نظرت له قائلة ببهجة:
- نتفق من دلوقتي بعد كل صلاة نقرأ صفحتين أو تلاتة أو خمسة غير وردنا اليومي، اتفقنا؟
هز رأسه موافقًا بشغف. فهمهمت:
- وكمان نطلع صدقة كل فترة. وأمسكت بكفه بحب وهي تنظر لعينيه. وكمان نقرب من ربنا سوا عشان تبقي من نصيبي في جنة الرحمن.
قبل كفت يدها بعشق وهو لا يستطيع أن يحيد ببصره عنها. ثم نهضا وجاء بصنية الإفطار وظل يأكلها بنفسه.
وقع بصرها على حقائب بجانب الباب. فردت بصرها بينه وبينهم متمتمة:
- إيه الشنط دي؟
تبسم بمناغشة:
- احذري كدا؟
نكزته بخفة وهي تقول بتذمر:
- حذيفة، قولي إيه الشنط دي يلاااا!
ضحك ببطء وهو يشير لها قائلاً:
- إحنا مش اتجوزنا؟
رمقته دون فهم.
- يبقى لازم نطلع شهر عسل.
نظرت له بصمت تام، مفكرة وخطرت ببالها فكرة. فشرعت بتنفيذها وهي تعقد ذراعيها قائلة:
- طلقني يا حذيفة دلوقتي.
- حاضر يا قلبي، هطلقك أول ما نرجع إن شاء الله، متقلقيش!
لوت فمها ساخرة:
- شمعنى لما نرجع يعني؟
ضرب جبينه بيأس وصاح بها:
- روحي يا حبيبتي ربنا يهديكِ، غيري لحد يجي.
***
لم يمض طويلًا وخرجت بخصلاتها المبللة واقفة أمام المرآة تمشط خصلاتها. فوقع عينيه وهو يتقدم نحوها ببطء. وعلى حين بغتة، طوقها بذراعيه ومال بوجنته على وجنتها وهمس بصدق ونبرة حب:
- مش ناوي تريحي قلبي وتقوليها؟ فـ الأول كان مينفعش لأني مش حلالك، طب ودلوقتي؟
نظرت بعينيه وقد حلقت روحها فرحًا واتسعت بسمة رائعة على وجنتها. ثم التفتت له مؤيدة وأحاطت عنقه وهمست بكل رقة:
- أنا بحبك يا حبيبي.
امتلأت عينيها بالدموع فجأة. فقبض حاجبيه متسائلاً بلهفة:
- أسماء، مالك؟ ليه الدموع دي؟
وضع كفه على وجنتها فهوت دموعها وهي تغلق جفنيها وهمهمت بشهقات وهي تضمه بقوة:
- خايفة نفترق تاني، وبعد الفرحة دي يجي حزن. خايفة تبعد عني ومصحاش على صوتك.
رفع ذقنها إليه وبحب تحدث:
- مش هتبعد تاني، مش هسمح لأي حاجة تفرقنا. تعرفي إن النهارده أول مرة أحس بالفرحة أول ما أفتح عيني. ضم وجهها بكفيه وهمس وهو يُمعن النظر بهِ. النهارده لما صحيت وأول حاجة شفتها وشك الجميل اللي بيبهج روحي، حسيت إني اتولدت من جديد. فمش هسمح لحاجة تفرقنا أبداً.
ضمه بقوة فاستكانت فجأة. دفعته للخلف بفزع وهي تصيح بنفضة:
- يالهوووي! نسيت إزاي؟ نسيت إزاي؟
أحس بشيءٍ ما. فبقلق تسأل:
- نسيتي إيه؟ في إيه؟
- عيد الأم! مجبتش هدايا لسه.
جحظت عيناه بذهول ثم ضرب جبينه بنفاذ صبر وتمتم وهو يصر على أسنانه:
- يعني دفعتيني الدفعة السودة دي عشان افتكرتي عيد الأم؟
أنهى جملته وتحرك تجاهه بنظرة ماكرة وخطوات بطيئة. فترجعت للخلف باضطراب وهي تبتسم بخفة:
- ااه، أصل خوفت لـ أنسى؟
- خوفتيييييي إيه! قطعتيلي الخلف يا ختي!
ما كاد ينهي جملته حتى ركض خلفها وهي تركض بضحكات رنانة.
***
ظلت عائشة ليلها باكية، تبكي حالها ووجع فؤاده ممن ظنت به خيرًا ولم يخطر بباله قط أن يجرحها يومًا بحرف. ها هو اختار يومًا تتمناه أي فتاة ليكسرها ويحطمها ويهشم فؤاده. كم هي قاسية تلك الحياة، فقد يتقلب القدر بلحظة فيقلب حياتنا وأفئدتنا رأسًا على عقب. حسمت أمرها على تحديه، ولكنها أصبحت تخشاه للغاية من أن يعيد ما فعله ليلاً مجددًا. صدح صوت أذان الفجر، فجرت قدميها جرًا لتتوضأ وشرعت بصلاتها وأدامت سجودها وركوعها تبث شكواها وشجونها للرحمن، تخرج جل ما بجعبتها برضى وقد استأصلت ذرة التسخط من فؤاده.
لم تدر كم مر من الوقت وهي على مصلاها تناجي مولاها حتى تسللت أشعة من نور الصبح من بين أخْشَب النافذة لتضيء الغرفة وترفها النسمات العطرة. دلف "زين" دافعًا الباب بقوة، أرجفتها وانتفض لها فؤادها، فارتعش جسدها وهي تنهض تبتلع ريقها الجاف. تحدث بنبرة ساخرة قائلاً:
- هي العروسة مفكرة أنها عروسة ولا إيه؟
ثم صاح بصوت عالٍ وبطرف عين كان يلوي ذراعها خلف ظهرها:
- أول ما أفتح عيني ألاقي قهوتي موجودة وفطاري جاهز، ونومك وقعدك هيكون تحت في غرف الخدم من هنا ورايح، أنتِ فاهمة؟
تلوت بين يديه تحاول نزع يدها وتساقطت دمعاتها بحرقة من شدة الألم الذي فاق تحملها وهمهمت:
- أيددددي! أنتِ مبتحسش.
رق قلبه لدموعها فأرخى قبضة يده وهو يدفعها بعيدًا. والتفتت له قائلة بنظرة وجلة وصوت حاد:
- أنت مفكر لما تمد إيدك عليا هاخاف منك ولا مفكر نفسك راجل كدا؟
جرحت تلك الكلمة كرامته، فهوى على وجنتها بصفعة قوية صائحًا:
- أنا راجل غصب عنك.
ثم جذبها من حجابها هامسًا بفحيح:
- لسانك دا هقطعهولك قريب، غوري اعملي اللي قولتلك عليه. لما نشوف بنت الشرقاوي لما تيجي وتشوفك كدا هتعمل إيه؟
ابتعدت بخوف عنه، توارت بفؤادها وتمتمت بتحدٍ:
- ربنا يهديك وينور بصيرتك وتفوق من أوهامك.
هم بتحريك شفاهه إلا أنها ابتعدت تاركة إياه. لم يمر طويلًا وجاءت إليه بفنجان قهوة. كان جالسًا وحاسوبه على قدميه يحادث أسراء التي ذهبت لدي أحدى صديقاتها. فقدمت إليه القهوة، فأشار لها أن تضعها جانبًا. فوضعتها وما كادت أن تخرج حتى صاح هو وهو يثب واقفًا ما أن لمست القهوة شفتيه. وقذف الكوب تحت قدميها وصاح:
- إيه ده؟ دي قهوة دي؟ حتى دي مش عارفة تعمليهاااااا؟
انتفضت راجعة للخلف فدفعها بحدة وهو يغادر قائلاً:
- لمي القرف دا ونزلي أهلك جايين.
تنهدت بوجع وانكفأت تجمع بقايا الكوب المتناثرة، فأنجرح إصبعها وهي تفكر به. وصل الجميع لدار زين الذي استقبلهم بوجوم وهو يرحب بهم. فدلفوا لبهو الفيلا وجلسوا جميعهن وتساءلوا عن عائشة. حد بعث لطلبها وهو يجلس معهم وذهنه منشغل، ولم تبرح عينه عن لمار يبغي أن يرى وجهها ما أن تقع عينيها على ابنتها بتلك الحالة المزرية.
جلس ياسين محدقًا النظر به بدقة، فلاحظ زين نظراته وتساءل قائلاً:
- سجى مجتش ليه معاك؟ هي كويسة؟
بنظرة غامضة أجابه:
- آه كويسة الحمد لله، عروسة بقى وسبتها نايمة.
كور زين قبضته حتى شعر ببسمة لمار وهي تنظر ناحية الدرج. فخمن أنها عائشة، لكن ما أثار لهفته ما سبب تلك البسمة؟ خاب كل توقعه وسقط كل ما خطط له هباءً. ظن أنها ما أن ترى أبويها ستلوذ بهما، منه ستبكي وتشتكي وحتمًا ستبتعد. لكن ما الذي يرى؟ ترتدي عباءة بيضاء اللون ونقابها يغطي وجهها، لكن عينها مبتسمة كأنها أسعد فتاة على الأرض. فزهل وهو يتمتم بنفسه:
- بتتحديني؟ ماشي.
رمقته عائشة بنظرة تحدٍ وجلست معهم تتحدث وضحكاتها رنانة تضج بالمكان، عكس صراخ فؤادها وأنين روحها. دقق "ياسين" النظر به ثم أشار لها وهو ينهض:
- عائشة، لحظة عايزك في كلمة.
ابتلعت ريقها بوجل من أن قد يكون أحس بشيء ونهضت معه. ووعد خلفهم. وقفا بركن بعيدًا عنهم وتساءل قائلاً:
- فيه إيه الزفت دا؟ أزاكِ اتكلمي، مالك؟
جذبتها وعد من ذراعها لها وتحدثت بغضب:
- عمل إيه؟ اتكلمي، متخبيش.
قاطعتهم عائشة قائلة بهدوء:
- مفيش حاجة، ليه بتقولوا كدا؟ ومتنسوش زين جوزي، مستحيل يأذيني.
نطق ياسين بغضب:
- كدابة! فيه حاجة، أنا متأكد. أنتِ مش مبسوطة هنا، وقولتلك بلاش تتجوزيه.
نظرت له عائشة بحنان وتحدثت:
- متقلقش يا ياسين، مفيش حاجة صدقني. تعالى نقعد معاهم عشان طولنا كدا.
همت أن تغادر. فوقف أمامها قائلاً:
- أنا موجود وقت ما تحتاجي أي حاجة، تمام.
أومأت برأسها ببهجة وذهبا للجلوس معهم حتى غادروا جميعًا. فما أن خلا المكان حتى جذبها زين من ذراعها قائلاً:
- لييييه مقولتيش قدامهم عن حقيقتي واللي عملته فيكِ؟ لييييه؟
أزاحت ذراعه بهدوء وتحدثت ببسمة:
- مينفعش حد تاني يعرف أسراري أنا وجوزي واللي بيحصل في بيتنا!
ضحك ساخرًا وهمهم:
- جوزك إيه؟ أنا هعيشك في جحيم.
تبسمت بنظرة راضية أدهشته وأردفت:
- أنت جوزي واعمل اللي عايزة براحتك خالص.
وتركته مغادرة للأعلى. ووقف هو حائرًا ولكنه تبسم بمكر وهو يقول:
- مااااشي، اشربي بقى اللي هيحصلك ووريني هتتحملي قد إيه.
دلفت للغرفة بجسد مرهق محطم لأشلاء متفقد الحياة وجلست على مكتب صغير موضوع جانبًا ووضعت يدها أسفل ذقنها وتمتمت بدموع متساقطة:
- برضه بحبك يا زين ومش قادرة أكرهككك أبداً، يارررررب.
بكت بحرقة ثم جذبت دفترًا صغيرًا وقلمًا وأخذت تدون به ما بجعبتها:
"يا متبلد المشاعر والأحساس، كيف بربك أصبحت هكذا وتجردت من جل طيبة ورقة قلبك وأحساسك؟ أهن عليك جعل حياتي مشقة وطريقي شوكًا جارحًا؟ أهان عليك طعنك لي بسهام مسمومة بسويداء القلب لتترك لي جرحًا غائرًا؟ فكيف بربك ذلك؟ أغدقتني من الحنين ما يكفي لجعلك تملك قلبي يا حبيب القلب ونبض الحياة وتوهج الروح، كيف استطعت أخماد كل ذلك وتركتني مجرد بقية متبقية من شظايا متهشمة. أحببتك فوق المحبين حبًا آخر، أحببتك كما لم يحبك أحد قبلاً، وها أنت ذا أبدلت حبك ليصبح خوفًا، كيف بربك أصبحت متبلد القلب؟ لعل تلك الأيام الكئودة تولي أم أنها لن تمر؟"
ثم تمتمت بصوت متحشرج:
- أييبه يا زين، أنا وثقت فيك إزاي؟ قدرت تكسرني كدا وتحطمني وهديت كل أحلامي في ثانية؟ دخلتني دنيا ما تمنيت أدخلها في حياتي، الله يسامحك.
أجهشت بالبكاء بنحيب حتى جاء هو وجذبه من ذراعها للأسفل لأحد الغرف التابعة للخدم وصرخ بسيدة كبيرة بالعمر:
- اطلعي فوق جهزي شنطتها ونزليها، وكله ليه إجازة من النهارده، مشوفش حد فيكم هنا.
نظرت المرأة نظرات حائرة زائغة بينهما ثم ذهبت لتنفذ ما طلبه. وجذبها مرة أخرى للمطبخ وهي مسالمة كرمتها هادرة كروحها وفؤادها. أطرحها بأرضية المطبخ ثم صاح بوعيد:
- دا مكانك من النهارده، أنتِ فاااهمه؟ نامي، كلي هنا، هنا وبس؟
ثم غمز لها بتشفٍ ورحل. انعقد لسانها ودموعها تهوى وهي تجوب بعينيها بالمكان بصدمة.
***
جلست مكة تتأجج النيران من مقلتيها، تغلي مهجتها بأوردتها، تأخذ زفيرًا وشهيقًا لـ تخمد نيرانها، وحادثتها نفسها بغيظًا قائلة:
- كيف استطاع تركك طيلة الليل وحيدة وذهب لعمله؟ ألتلك الدرجة عمله أهم منكِ أم ماذا؟ من أنتِ بالنسبة له؟ كيف هان عليك بأول يوم لكما سويًا تركك؟
وتذكرت وقتما أبدل ملابسه. لم يمض طويلًا وجاء اتصال، فما كاد ينهيه حتى أبدل ملابسه ورحل سريعًا دون كلمة. تناهى لها فتح الباب وإغلاقه مرة أخرى. فحدقت بالفراغ بدموع على وشك السقوط. وقع عينيه عليه، فحرك أنامله على ذقنه بحيرة وتفكير كيف يراضيها. ثم دنا مقبلًا جبهتها وهمس بأسف:
- حقك عليا، متزعليش.
دفعته بعيدًا من صدرها وهي تهب واقفة وصاحت بأعين باكية:
- بالسهولة كدا مزعلش؟ أنت متخيل يعني إيه تمشي وتسبني كدا؟ من غير كلمة ولا تقولي رايح فين وتسبني صاحية طول الليل قلقانة؟
أشار لها بكفيه بوهن:
- طب اسمعيني بس، والله غصب عني كان عندي شغل.
نظرت له بنظرة ألمت قلبه وأهلكت روحه وهي تقول ساخرة:
- شغلك؟ آه طبعًا طبعًا شغلك أهم أكيد، أنا مين يعني؟
تغاضى عن سخريتها واقترب محاولًا إمساكها إلا أنها ابتعدت وهي تتحاشى النظر له وتحدث بضيق:
- معلش، متزعليش، حقك عليا.
نظرت له بغضب صائحة:
- على أساس يهمك زعلي؟ أنت كل حاجة، شغلك بس. أنت حتى رفضت تطلب إجازة ورفضت نسافر...
قاطعها صارخًا بوجهها:
- يوووه بقا! أنا راجع تعبان مش ناقص وجع دماغ، مش من أول يوم كدا. بقولك غصب عني، أنتِ مببتفهميش.
حدقت به بوجع، فزفر بضيق من نفسه وهمست بتيه:
- مش بفهم؟؟ متخيل أنت إنك تمشي كدا من غير ما تقولي؟ في إيه؟ أني مش هقلق؟ أنا فضلت طول الليل قاعدة قلقانة وعقلي بيجي ويروح في أفكار سودة.
شهقت ببكاء حاد:
- كنت خايفة يحصلك حاجة، أنت عيشتني في رعب وفي الآخر مش بفهم.
طوقها من خصرها رغماً عنها وضمها بقوة. فحاولت الابتعاد لكنه أحكم قبضته عليها، فاستكانت باكية. رفع ذقنها إليه وتحدث وانفاسه تلفح وجهها:
- غصب عني والله، مكنتش هسيبك بس دا شغل يا مكة، مقدرش اتخلى عنه ولا أتأخر. دي حياة ناس.
سرح بملامحها الباكية فبأناملها أزاح دمعاتها وهم بتقبيلها. فاستمعا طرقًا على الباب. غمغم بغيظ. فضحكت ببهجة. فتح الباب فوجد ديجا أمامه تتخصر وهتفت بسخط:
- على فكرة كدا مينفعش، أنت قولتلي هتجوزك أنتِ.
ضحك عثمان بخفوت ثم تنحى لها جانبًا مشيرًا للداخل:
- اتفضلي بيتك يا زوجتي العزيزة، يلا.
رفعت ديجا قدمها تهوي بها على قدمه ونزلت ركضًا للداخل وهي تصيح:
- حذذذذذيفه قلي روحي خبطي عليه.
غمغم عثمان بوعيد وسخط.
***
رن جرس المنزل فمضت سمر التي كانت تهبط لتوها لفتحه، فتراءى لها أنس. لم تر عيناها غيره. لم تدر سر مكنون تلك البهجة التي غزت قلبها وجعلتها تتمايل فرحًا. وإذ بعينيها تتوهج، شرد بها مزهولاً ولم يستطع أن يحيد عينيه عنها. حجابها سدالها، تغيرها الجليّ، وجهها المتوهج. أدمعت عينا زينب سريعًا ما تمسكت بتملك بيد زين الذي تنبه لذاته وأبتسم لسمر وهو يغض بصره معنفًا ذاته وغمغم:
- آه ياسين وكل إل موجود؟
تنحت سمر جانبًا وهي تشير بيده:
- أيوه، اتفضلوا.
خرج يوسف مرحبًا بهم وحضر الشباب وتجمعا جميعًا بالأسفل. كانت يجلس بينهم غائبًا رغم ذلك، باحثًا بعينه وروحه عنها. يحتاج أن يروي ظمأه من النظر لها ليتشبع. أخذا الفتيات عائشة وأسماء للأعلى، بينما تبقت سجى مع ورد. نهض ياسين متحدثًا بالهاتف، وكذلك عثمان وقف محادثًا فيكتور من بعيد. وجاءت سمر بصنية عصائر فقدمت لـ أنس الذي نظر لعمق عينيها لتتلاقى الأعين وتحدث بهمس وهو يتناول كوبًا:
- شكراً، أنتِ متغيرة جدًا.
ازدادت دقات قلبها وهي تضع الصنية على الطاولة وتمتمت:
- العفو على إيه، آه الحمد لله اتغيرت أوي عن سمر الأولى.
حدق بها وهو يهمس:
- كانت أمنيتي دائمًا أنك تتغيري وتبقي أحسن، وكنت دائمًا عايز أقولك بس كنت برجع في كلامي.
تذكرت شيئًا فألتفتت له مهللة وهي تقول:
- أنا نويت أتنقب كمان، بس مش دلوقتي، لما آخد على اللبس الشرعي الأول.
أشرق قلبه وأستنار وببشاشة هتف:
- بجد والله، فرحتيني جدًا. ألف مبروك وربنا يثبتك.
تبسمت بحياء شديد ثم لوحت له باستحياء وهرولت بعيدًا خجلة، فتبسم ببهجة.
لم يمر طويلًا وتجمع الشباب برفقته جالسون معه ويتسامرون حتى استدعتهم لمار بالمكتب فمضوا خلفها ولحقت بهم وعد وبلال. جلسا على مقاعد متجاورة. دققت لمار النظر بهما جميعًا وأردفت بجدية وحدة مبسطة:
- عندنا مهمة جديدة وهمة وهتكون سرية طبعًا.
تعلقَت الأعين بها باهتمام جليّ وتنبه شديد. ثم نهضت لمار تدور حول المقاعد الجالسون عليهم وشرعت قائلة:
- خديجة لما اتخُطفت مكنتش لوحدها وكان ممكن مترجعش، بس رجعت الحمد لله. فيه بنات كتير مش بترجع، ودي مهمتنا.
صب نظر ياسين عليها وغمغم بجدية:
- إننا نعرف البنات دي بيسفروها فين.. ومين في البلد اللي بيقوم بتدريجهم وبيعهم.. وننقذ البنات صح؟
ربتت لمار على كتفه وهي تستدير جالسة بمقعدها وشرعت بقص وشرح الخطة على مسامعهم وهم ينصتون بكل اهتمام وتنبه. حتى انتهت وتملكهم الحمية بسبيل ذلك وشحذت همتهم.
***
عاد أنس من بيت الشرقاوي. مر الطريق بصمت تام بينه وبين زينب. عقله مشغول الفكر بمن أسرت. يبتسم ما أن لاح له صورتها فتستقر بخلده، وابتسامتها تستحوذ فؤاده. دلفا سويًا للمنزل فما أن كاد بالجلوس حتى صاحت زينب بنبرة وجع:
- لامتتى هتفضل راميني على الحرف كدا؟ لدرجة دي بتحبها؟ حتى متشوفش عينك حد غيرها؟
نفخ بضيق واعتدل بوقفته ملتفتًا لها وبنفاذ صبر تحدث:
- وبعدين بقا؟ فيه إيه؟ أنتِ غاوية نكد دلوقتي؟
هوت دموعها بوجع:
- لا يا أنس، أنا مش غاوية أنكد عليك، بس أنا مش هقدر أعيش معاك وأنت أصلًا ليها. عملت كل اللي أقدر عليها بس لأمك. قفلت بيبان قلبك، مقدرتش لا أكسره ولا أفتحه عشان أدخل.
شهقت وهي تغطي وجهها بكفيها مجهشة بالبكاء. ثم رفعت رأسها بعد دقيقة قائلة:
- هي فيها إيه أزيد مني ولا أحسن مني؟
حرك كفه بعشوائية على شعره. ثم بنبرة ضائعة همس:
- ياريت لينا القدرة نتحكم بقلوبنا، ياررريت. لو كنت قبلتك قبلها كنت هحبك. أنا عن نفسي مش عارف ليه بحبها كدا.
أقترب منها وضم وجهها بكفيه وبحنو قال:
- أنتِ مراتي يا زينب، مسؤلة مني. هي مش أحلى منك ولا حاجة، أنتِ جميلة كأنتِ بصفاتك وسماتك، لكن القلب دا الحاجة الوحيدة اللي مقدرش أتحكم فيها. صدقيني.
- أنا حاااامل!
قالتها بوجع. فحدق بها بدوره لا يدري ما اعتراه. حتى تحدثت هي لتخرجه من صدمته:
- دي غلطة ابني. هيجي لأب مبيحبش أمه، بيكرهه ويمكن يكره.
هزها بعنف قائلاً:
- أنتِ أتجنيتي! بتقولي إيه؟ هكره ابني؟ أنتِ مبقاش فيكِ عقل خلاص. ومين قال إن أنا بكرهك بس؟
علا نحيبها هامسة بتلعثم:
- أمال إيه؟ لو مش بتكرهني.
ضمه لصدره بحنان يهدأها ويكاد يحلق عاليًا فرحًا من وقع الخبر على قلبه ليوهجه أكثر. فكيف يمحو ذكراه وحبها من فؤاده وهو المحب العاشق؟ واه من الحنين حينما يشتاق.
***
ضمت وعد لمار وهي تقبل وجنتها قائلة:
- كل سنة وأنتِ طيبة يا أمي. ربنا يديمك ليا يا ست الكل وميحرمنيش منك ولا منكم أبداً.
قالتها وهي تردد عينيها بين ريم وهالة وحبيبة وتالا. فأبهج محياهم ببسمة هادئة. عادت ناظرة لوالدته وتابعت هامسة:
- أنا عارفة إنكم مش بتحبوا الهدايا، فـ عشان كدا...
قاطعتها أسماء وهي تضع يديها على منكبيها من الخلف مسندة ذقنها ونظرت للمار وهي تقول:
- عشان كدا جمعنا سوا وروحنا اتبرعنا بالمستشفيات.
غمز له ياسين قائلاً:
- كل عيد وأنتِ قرفانة يارب.
بزهول أشارت لمار لذاتها:
- أنا قرفاك يا ياسين؟
هز رأسه نفيًا:
- لا وربنا به...
صمت حينما وقع بصره على سجى وهي تهبط الدرج برفقة ورد. فنهض على الفور ركضًا ممسكًا بكفها وأجلسها بجانبه بكل حب وهو شارد بها. صاحت ديجا وهي تقفز مهللة:
- وأنا كمان عملت زيهم.
حملتها لمار بخفة وغمغمت بسعادة:
- عملتي إيه؟
- فضلت أحوش كتيررر وروحت تبرعت معاهم صدقة.
قالتها ديجا بكل فرحة وهي تبسط ذراعيها. ثم تساءلت:
- ربنا هيحبني صح؟
أومأت لمار برأسها وهي تقبلها بعمق وروحها تحلق عاليًا من شدة الفرحة. من ذا الذي قال أن الفرحة بهدية لا نفع لها بتلك الحياة؟ وهل هناك أسعد من صدقة جارية تنير قبرك وتظلك بظل الرحمن عز وجل؟ ربّاه، هل هناك أفضل من رضاك؟ القلب المخموم هو من يسعد فقط. الفؤاد المخموم هو من تهفو الأفئدة إليه بكل لهفة وشغف. تبسم يوسف متنهدًا وهو يردد بصره بالجميع وبجانبه إسماعيل الذي جاء لتوه. فلم تفارقه ديجا مذ أن جاء كظل له. وعم المرح إلا من سجى لم يصيبها، فقد كانت تشعر بالوحدة حتى صعدت لغرفتها جالسة بها بصمت.
حتى جاء حذيفة فجأة وهو يقول بكاهة ويقبل وجنة لمار:
- كل سنة وأنتِ طيبة يا مامتي.
ثم فعل المثل مع هالة وتالا وحبيبة وهو يدندن. فضج المنزل بالضحك.
***
دلف ياسين غرفته تبحث عيناه عن مسكنهما حتى وجدها تجلس بصمت غريب وهي تضم قدميها. فمضى ناحيتها وجلس على الفراش وتحدث برفق:
- مالك يا سجى؟ ليه قاعدة لوحدك؟ تعالي انزلي اقعدي معانا.
رأى دمعات عالقة تحاول إخفاءها وهي تهز رأسها رفضًا بصوت به مرارة الوحدة:
- لا، أنا قاعدة هنا، هنام شوية. انزل أنت اقعد معاهم.
هز رأسه نفيًا وهو يقول:
- لا، مش هنزل، هقعد معاكِ هنا. تيجي نقف في الهوا شوية.
هزت منكبيها قائلة بمرح:
- لو مش يضايقك، اااه.
نهض ممسكًا بكفها وأخذه ليجلسا على المقاعد ونسمات الهواء تلفح وجوههم. ساد الصمت إلا من نظراته التي لم تحيد عنها هدوءها، رقتها، بساطتها، كل شيء بها يسحره. مالت بجذعها مستندة بذقنها على كفها وتمتمت:
- ياسين.
دَق قلبه بعنف لوهلة، ارتبك وأُعقد لسانه من نبرتها الناعمة. جعلته يعشق حروف اسمه حرفًا حرفًا. ثم تمتم بهدوء:
- نعم.
غمغم وهي تكتم دموعها:
- سامحني إنك مضطر تستحملني لحد ما تكشف مين عاوز يقتلني. وسامحني لأني تعبانك معايا وقضيت أغلب اليوم هنا بسببي. أنا آسفة.
ألم تفقه تلك البلهاء إن سعادته تكمن بسعادتها، راحتها، بسمتها. أنه لا شيء بدونها. ربما لم تدرك بعد أنها وتينه الذي لا يحيا بدونه. انْفَعَل وهو يقول متنرفزًا:
- إيه الكلام العبيط دا؟ متقوليش كدا تاني، ممكن؟
تجنبت الحديث معه من نبرته الغاضبة واكتفت بهزة خفيفة. فتنبه لذاته وهدأ من نفسه وجذب كفها بين كفيه بحنو، فأرتجف فؤادها وأنتفضت بتوتر وهمس هو بصدق:
- أنتِ عندي بالدنيا وما فيها.. ومستعد أسبب الدنيا كلها وأفضل جنبك بس.. أنتِ ناسيه إننا أصحاب ولا إيه؟
تبسمت بحب ثم قالت بتذكر:
- ممكن أكلم أسراء وزين؟
أومأ برأسه مؤكدًا وجاء بهاتفه متصلاً لها على إسراء أولاً ثم زين. وعادا لصمتهم مرة أخرى.
فجأة ولجت ديجا منادية عليه بموجة من الغضب. فتنبه لها ياسين. وقفت أمامه عاقدة ذراعيها تتحدث بغضب:
- شوف، محدش راضي يخليني أتنقب، وكلهم اتنقبوا.
جذبها ياسين وأجلسها على قدميه قائلاً بهدوء:
- حبيبتي، اكبري بس كم سنة وأنا بنفسي هجبهولك تشتريه.
ظهر الوجوم بوجهها بعدم اقتناع وضيق. فتمتمت سجى متسائلة ببسمة:
- أنتِ لسه صغيرة يا ديجا عن النقاب.
ابتعدت ديجا عن ياسين جالسة على قدم سجى وهمست لها بصوت منخفض:
- أنا مش صغيرة، أنا كبيرة. ولا أنتِ مش عاوزة ني أدخل الجنة.
مسحت سجى على شعرها قائلة:
- عاوزاكِ طبعًا.
نظرت ديجا لياسين بأعين بريئة براقة وهي تهمس:
- ياااااسين، مش هتساعدني؟
تمتم ياسين متنهدًا:
- والله يا ديجا، أنا مبسوط جدًا برأيك بس لما تكبري شوية عشان...
قاطعته ديجا قائلة بغضب:
- بقا كدا؟ أنا مخصماك ومش هكلمك تاني غير بحاجة واحدة؟
قالتها وهي تشير له بإصبعها. فرمقها بحب قائلاً:
- إيه هي؟
حدقته بنظرة مبتهجة وهي تصيح:
- تاخدني أكل آيس كريم.
خطر بباله فكرة فوجه حديثه مخاطبًا سجى:
- بتحبي الآيس كريم يا سجى؟
هزت رأسها بحياء. فتابع هو:
- طيب يلا نخرج إحنا التلاتة.
هزت سجى رأسها بالرفض:
- لا، اطلعوا انتوا، أنا مش عايزة.
بنبرة ماكرة بريئة همست ديجا:
- لو مش هتيجي معانا مش هروح. هتيجي صح ولا تزعليني؟
وافقت سجى بعد جدال بينها وبين ديجا وخرجت ديجا لتستأذن والديها. بينما همست سجى متسائلة بحياء:
- ياسين، أوصف لي أنت عايز زوجتك إزاي؟
صمت وطال صمته حتى ظنت أنها تدخلت فيما لا يعنيها. فتأسفت بحرج قائلة:
- أنا آسفة لو...
قاطعها قائلاً وهو يسند رأسه للخلف متأملًا النجوم والقمر، منعشًا بنسمات الهواء الباردة، أسيرًا بدنيا الأحلام وهي أميرته:
- عايزها هاااادية جدًا، طيبة وروحها حلوة، عفوية ولطيفة. بتخجل من أقل كلمة بسيطة، متواضعة ورقيقة. بتحب الخير للجميع وبتساعد أي حد محتاج مساعدة. بتصلي وقريبة من ربنا وبتتنقب لأني بغير من أي راجل ممكن يلمح طيفها. ومش كدا وبس، عشان تكون من أهل الجنة. عايزة نصلي سوا ونصوم سوا ونقرأ قرآن سوا ونعمل الخير سوا. بالمختصر، عايز شريكتي في كل حاجة، حتى في جنتي. عايزة تأخدني من إيدي للجنة ولو لقيتني بتعوج من الطريق تهديني ونطهر قلوبنا سوا من كل الذنوب. بالأحرى، عايزها كاملة مكملة بأخلاقها وجمال روحها وصفاء قلبها. عايززززها زيك يا سجى؟؟؟!!!
كانت كلماته تقع بقلبها مباشرةً فتتخيل ذاتها هي. ثم تساءلت بدهشة:
- زيي إزاي؟ أنا معنديش كل المواصفات دي!
تمعن النظر لها بمحبة وتحدث:
- لاااا، فيكِ المهم ياستي. وعايز أصنع دنيا ليا وليها لوحدنا ونبعد عن العالم شوية لمكان أقدر أعبر لها فيه عن حبي صدقًا.
- كلمني عن النقاب. ممكن؟
همست لها بترقب وتردد. فرحب جدًا وشرع قائلاً ببسمة ساحرة:
- النقاب يا سجى تطهير للقلوب، والنقاب ستر من الفتن ومن كل عين تبصلك. أما تلبسي النقاب هتكوني زي وردة متفتحة ومزدهرة ومتألقة ما بين ألف وردة دبلانة. فهل العين الحلوة اللي بتحب الجمال هتقع على وردة دبلانة؟ لا وألف لا. والنقاب بيحميكِ من إنك تكوني من الكاسيات العاريات، والجنه أهم بكتير من دنيتنا لأنها دايمة. أما إحنا على أرض فانية مجرد حاجة عابرة وهننتهي ومحدش هيفتكرنا. فتعمل لدنيتنا اللي مش دايمة وهنسيبها ولا لآخرتنا؟ النقاب هيحسسك إنك جوهرة غالية محدش ياخده إلا من يستحقها. هو عفة وستر وهيصونك من أعين الناظرين والفتن.
أشرق وجهها بضياء غريب، لأول مرة ينتابها سكينة فـ راحة فـ اطمئنان. فتبسمت خجلة من ذاتها وهي تقول بهدوء:
- عندك مشكلة لو أنت خدتني عشان أقرب من ربنا لحد ما نطلق وتعلمني أكتر وتحفظني قرآن وتساعدني أتنقب؟ بس لو مش هتكون فاضي خلاص مفيش مشكلة، مش عايزة أتعبك.
حلقت روحه عاليًا فرحًا من قرارها وصاح معنفًا إياها:
- إيه تتعبيني دي؟ أنا تحت أمرك.
علا صوت خديجة فجأة قائلاً وقد يبدو أنها استمعت لحديثهم دون أن يتنبهوا لها وهو غارق بها:
- وأنا كمان هساعدك.
ابتسمت سجى بفرحة. ولم يمض طويلًا وأخذهم ياسين لإحدى محلات الآيس كريم. جلسوا على أحد الطاولات وظلت ديجا وسجى يلهوان سويًا بالآيس كريم. صاحت سجى بهدوء ونبرة طفولية:
- بس بقا يا ديجا، يا ررربي وشي كدا.
شعرت بمنديل يجفف وجهها ويزيل تناثرات الآيس كريم عليه. فهمست وهي تتلمس تلك الكف:
- شكراً يا ياسين.
تبسم قائلاً وهو يتأمل ضحكاتها النابعة من فؤاده:
- العفو. وبهمس لا يسمعه غيره تابع: يا قلب وروح ياسين.
تساءلت سجى بتعجب:
- أنت مبتحبش الآيس كريم إزاي بس؟
بسط ذراعه على ظهر مقعدها وهو يقول بهدوء:
- عادي، يعني مش محبة ولا حاجة.
تتبعت حيث مصدر صوته ومدت يدها ببراءة قائلة:
- طب خد دوق كدا.
أبعد رأسه للخلف وهو يقول:
- لا لا، مش عايز، مش بحبه يا سجى.
هتفت بترجٍ وأعين لطيفة:
- عشان خاطري با ياسين، كدا تكسفني.
ثم مدت يدها مرة أخرى. فجذب يدها لفمه ملتقطًا حطة صغيرة وهو مبتسمًا ببهجة تستحوذ فؤاده لاول مرة. وراحت عينيه تدور بالمكان يتأكد أن لم يره أحد ولم تفارق البسمة محياه.
***
شق سكون الليل قرعًا عنيفًا على الباب ليستيقظ لأثره من بالدار نيام. فتحت وعد عينيها متقلبة بنعاس في مضجعها، وشهقت منتفضة بفزع جليّ من ذاك القرع العالي الذي جعل روحها تنتزع خوفًا وقلقًا من أن يكن أحد قد أصابه شيء. فتحت الباب بلهفة ودقات قلب متسارعًا. فطالعها وجه ورد الشاحب وهي تقول:
- وعد، انزلي بسرعة، فيه حد عايزك تحت.
ضيقت عينيها قائلة بدهشة:
- حد عايزني أنا؟ مين طيب؟ عثمان وباسين تحت؟
هزت ورد رأسها بتيه:
- لا، عثمان مش موجود، وياسين مش عارفة. بس يوسف وكلنا تحت، انزلي بسرعة.
هزت رأسها قلقًا والتقطت حجابًا سريعًا وضعته بعشوائية وهرولت ركضًا للأسفل. قبلها حتى وقفت جاحدة عينها بصدمة. فتحدثت لمار متسائلة:
- فيه إيه يا وعد؟
ردت عينيها بتيه بين الحضور. رأيكم؟ من ذا الذي جاء بذاك الوقت ولما وعد بالتحديد؟ هل انتهت علاقة أنس وسمر؟ وما رأيكم بذلك؟ هل يتوصل زين لقاتل والده أم سيكون فات الأوان بشخص لا ذنب له؟
رواية دموع العاشقين الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ندى ممدوح
البارت 26
دموع العاشقين.
بسم الله ، الحمد لله ، الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ.
تجمدت وعد عينيها بصدمة ، عن كثب وقفت الحاجه صفيه بوجهاً تغرقه الدموع وتحدثت بنبره نمت عن وجعاً دفين :
- بنتي يا وعد غادة هتروح مني.
جحظت أعين وعد بصدمه وعدم أستيعاب ثم تمتمت بنبره تائهه :
- غادة ، مالها هي هي فين هتروح منك ازاي؟
أطرفت الحجه صفية بأعياء و وهن ، تلك المرأه التى لطالما رآتها صلبة لا يقهرها شئ تقف سداً منيعاً أمام وجه أحد فمذ وفاة زوجها فقدت قواها وشجاعتها... ترنحت بدوار شديد يعصف رأسها ، فتمسكت بها وعد بقوة وساندتها على الجلوس.
جاءت هاله ركضاً بكوباً من الماء ، ودفعته لوعد التى تناولته منها بلهفه وقلباً يقرع بالقلق وعاونت الحجه صفية على الأرتشاف منه.
اسئلة حائرة تقافزت بذهنها ، بادرت "لمار" متسائلة بقلق وهي تربت على ذراع الحجه "صفية" بإطمئنان :-
متقلقيش ان شاء الله هترجع بس فهميني أيه اللي حصل بالتحديد.
شحذة الحجه "صفية" لمار ببصيص أمل وروت على مسامعهم ما حدث وكيف خرجت دون أن تعود مجدّاً.
أنهت جملتها مجهشه بالبكاء بأنين أدمى الفؤاد.
ترامي على مسامع "وعد" ما حدث فأخترقت الكلمات فؤادها گ أسهم تتقاذف بلى هوادة وأستحوذ الخوف والقلق فؤادها ثم تنبهت لذاتها لتتساءل بحيرة :
- رحيم فين ؟
غمغمت الحجه "صفية" بشهقه :
- معرفش يا بتي طلع يدور عليها ما عدش تاني ولا سمعتله خبر ولادي الاتنين راحوا مني يا وعد.
نهضت بتثقال ممسكه بكفيها بتوسل ورجاء :
- عاملتك وحش بآخر فترة بس صدجيني كان من زعلى منيكِ عشان خبيتي عني ساعديني ارجع بتي مفيش غيرك هينجذها أنا شاكه في فرج والد عمها !
نظرت لـ وعد لوالدتها بنظرات ذات مغزى ثم ربتت على كف الحجه صفيه وهي تقبل جبهتها وبصدق همست :
- أياكِ تفكري إني ممكن أتاخر عن غادة دي أختي اللي مش من أمي أنا مستعدة اضحى بروحي بس هي ترجع بخير واوعدك أنها هترجع بخير دي أختي.
أطمئنت الحجه صفية وطلبت لمار من وعد أن تأخذها لتستريح.
ثم أجمعت الشباب حولها وهي تقص عليهم خطة ما..
وأعطت كل واحداً منهم مهمه.
🍁"رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ"🍁
أصطحب ياسين سجى لاحدى المولات وجلب كل ما تحتاجه للبس الشرعي وبرفقتهم ورد وديجا.
أنتظر ياسين بالخارج ، أمام أحدى المحلات جانباً ، متحدثاً بالهاتف مع أنس وتحدث بلهفه مهللاً :
- بجد والله يا أنس أخيراً هبقي عمه الف مليون مبروك يا حبيبي.
بنبره فرحه أجاب أنس :
- ويبارك فيك يا غالي وعقبال ما تبقى أب.
ساد الصمت من جهة ياسين بدا گ المتفكر فتساءل أنس حينما طال صمته :
- أيه يا بني مالك روحت فين؟
هز ياسين رأسه منفضاً أفكاراً مؤلمة تسللت ذهنه خوفاً وتمتم :
- معاك طبعاً ، أنا هكلم لمار تعفيك من المهمه دي قلبي مش مطمن!
قطب انس حاجبيه بدهشه وقال بتعجب :-
تعفيني ليه مش فاهم ؟
مرر ياسين يده على وجهها بحيرة وهمس :-
المهمه مش سهله يا أنس أنت عارف وأنت هتبقى أب ابنك محتجلك.
تبسم أنس قائلاً بكل هدوء :
- قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ، ليه قلقك دا ملهوش داعي ، ولنفرض حصلي حاجه ما أنا هسيب معاه عم عم ايه أنت هتكون ابوه التاني يا حبيبي سيبها على الله كله خير.
تنهد ياسين بعمق ، ثم أيد حديثه بتأكيد واستمع لصوت سجى هامساً من خلفه :-
يا سين أنت فين ؟
أغلق سريعاً مع أنس ، وتحرك ناحيتها مسرعاً بلهفه وصاح بها :
- نعم يا بنتي أنا هنا ، في حاجه ولا ايه؟
تمسكت بيديه بلهفه وبأعين دامعه تحدثت :-
كنت فين.
ضمته بلهفه وهي تخفى وجهها بصدره مجهشه بالبكاء ، أستحوذ القلق ثنايا فؤادة وتمتم بهمس وهو يربت على ظهرها وعيناه تجوب المارة الناظرون إليهم :-
مالك بس يا سجى بتبكِ ليه ؟ قوليلي أنا جنبك أهوو.
لم تجيبه فشدد من ضمها إليه غير عابئ بهمهمات المرء حوله .
خرجت ورد بعصبيه وهي تتمتم بغيظ ، أشار لها ياسين بعينه على سجى فنظرت له بأسف ولم تجيب.
أبتعدت سجى عنه ببطئ وهمهمت :-
يلا نمشي.
أزاح دمعاتها برقه وهمس :-
احكيلي بس الاول بتبكِ ليه ؟
أبتسمت وهي تغض الطرف وتلعثمت مجيبه:-
مفيش حاجه...
هزت ديجا رأسها بصدق وتحدثت بسخط وبراءة لياسين :
- لا في البت اللي جوه بتقول هو المز دا يتجوز وحده عامية ازاي طيب أتجوزها ليه دي وهتنفعه بـ ايه ولا هتشوف تعمل ايه.
برزت عروقه من شدة عصبيته وجحظت عينيه بعنف وتوقدة عينيه بالنيران وتحدث وهو يخطو لداخل المحل :-
وربنا لن.....
قاطعته سجى التى تمسكت بقبضة يده هامسه برجاء :-
خلاص يا ياسين عشان خاطري.
تحدثت ورد حتى لا يتسبب بمشاكل :-
خلاص ياياسين حصل خير أنا هزأتها.
فكر سريعاً بصمت ثم بدون كلمه سحبها من معصمها برفق فغمغمت سجي بتعجب :- ياسين احنا رايحين فين ؟
ضيقت ورد عينيها بعدم فهم ثم أخذت بيد ديجا ولحقت بهما.
ظل ممسكاً بكفها وعينيه تبحث عن شي ما ثم جذب درس فضفاض وقاسه عليها وتحدث بنبره رقيقه :
- الله عجبني دا عليكِ جداً هيكون فيكِ قمر أنتِ اللي هتحليه.
ثم أشار لـ ديجا بعينه عن الفتاة التي ضايقت أبنته حبيبة قلبه فغمزة له ديجا على أحداهما ، فألتفت لها ياسين بحدة وتحدث بنبره قوية :-
جيبلي أفضل فساتين عندك لمراتي.
تمتمت الفتاة بضيق وشرعت بتنفيذ طلبه وهو يفعل لها بنفسه كل شئ حتى الحذاء أنكفأ ليضعه بقدمها مما جعل جل من بالمكان ينظروا له بزهول تام بعضهم بالدهش والبعض بالغيرة والحسد ذاك الشاب عريض المنكبين ذو بشرة جذابه مائله للسواد عيون حاده گ الصقر له هيبة و وقار وأطلاله مميزة شخصية قوية حادة متهجم الملامح ذي ذقنً نامية ، علا الحياء وجهها فهمست بتوسل :
- ياسين بتعمل ايه بس عشان خاطري كفايه.
لم يجيبها وأنما ألتفت مخاطباً ورد بود :-
ورد ممكن تسعديها في لبس الفستان دا.
أؤمأت ورد برأسها بكل رحابة صدر ، ثم ضيقت سجى عينيها بضيق :- أنا عايزة أمشي.
بدون حرف أمسك كفها بحنو لتنعدل واقفه وأخذتها ورد فنظر ياسين حوله مرة آخرى وأنتقا بعد الفساتين بمعاونة ديجا ، تقدمت ذات الفتاة تود التقرب منه وتعمدت التدلل وهي تريه بعض الفساتين فنظر لها ياسين بجمود وقال بنبرة حادة :-
العاميه اللي مش عجباكِ دي أحسن بنت في الدنيا هعديها المره دي وعشانها بس واحمدي ربنا أنها أخمدت غضبي عنك مش مرات ياسين الشرقاوي اللي حد يضايقها حتى لو بالغلط.
كانت نظره واحده كفيله بإن تسري الخوف بإوصالها فإبتلعت ريقها وأبتعدت عنه دون كلمة.
لم يشعر إلا وقد تراءت له ، فـ هام بها يتأملها وأقبل مقبلاً جبينها أمام الجميع لتتورد وجنتيها حياءً ، كأنه أراد أن يثبت للجميع أنه يحيّ لأجلها ، وأن ليس له غيرها كأنها أميرة وهو أحدى رعياها.
جهز ياسين هدية بسيطه لـ أنس وبالرغم من ذلك لم ينسى أحد قط وجلب للكل هدايه حتى ديجا ، كرر الذهاب لـ أنس ليبارك له فـ رفضت ورد الذهاب من أجل عملها ، فوصلهما ياسين هي وديجا وذهب برفقة سجى بعد أن أقنعها ؛ ركن ياسين جانباً وألتفت لها بغيرة وتحدث بنبره جعلها هادئه لطيفه :-
أيه رأيك تلبسي حجابك دلوقتي ؟
أستحت أخباره أنها لا تدر كيف ترتديه فغضت بصرها قليلاً ثم تمتمت :-
خليها لما نرجع أفضل.
هز رأسه بعنف و أخرج حجاباً بلون الدريس وأدار رأسها إليه ثم وضعه كما أستطاع فتأملها باسماً :-
الله بسم الله ماشاء الله مكنتش أعرف أن جمالك هيذيد جمال بيه.
تلامست حجابها المغطى خصلاتها بأكمله حتى صدرها ، هشت وبشت وهي تقول ببشاشه :-
بجد جميل فيا .
أخذت نفسً عميق وهي تتحدث بإريحية مستكينه :-
تصدق يا ياسين حاسه براحة غرريبه أول مرة أستشعرها.
وأمان غريب وسكينه ورضى حاسه أن قلبي متغير خالص ورجع لحياته اللي مفتقدها ، وكأنه كان غايب وعاد وأتمحت كل همومه وأحزانه وكسرته ، حاسه مطمئن ، حاسه بطعم وحلاوة الإيمان شكراً يا ياسين لأنك عيشتني الشعور دا بشكرك من كل قلبي .
ضاقت ملامحه لشكرها له فأدار وجهه بجمود وأندفع مسرعاً.
همست بتردد وحيرة :- أنت زعلت مني ؟
# ممكن متشكرنيش تاني على أي حاجه بعملها ممكن تمحى كلمة شكر دي للغرب أنما أنا لا لو عدتيها هزعل.
أدمعت بنظره محبة وقالت بهدوءها الخاطف لقلبه :-
حاضر مش هقولك شكراً تاني.
وصلا لمنزل أنس فترجل ياسين وتوجهه بخطى سريعه ليعاونها وارتقيا الدرج ثم لشقة أنس ففتح أنس وأتسعت عينيه فرحاً وهو يعانقه بمحبة ورحب به بشدة ومضيا للداخل بالصالون وجلسا بمقاعد متقابله ، ولم يترك كفها بتاتاً فـ أجلسها بجانبه ، فما زال هناك شيءٍ بقلبة وجلاً من بعدها مره آخرى ويعود لحياته الناقصه سحقاً أحياته فقط كانت ناقصة إذاً ماذا عنه ؟ فهو لم يكن هو.
خرجت زينب مرحبه بهم ومدت يدها لـ سجى التى لم تلاحظها ؛ ولم تكد تفقه بعد أنها لا ترى فضيقت حاجبيها هامسه بزهول :
- أنتِ مبتشوفيش اي ده ياسين أتجوزتها ازاي طب دي عاميه مبتشفش ازاي بس يعني اتجوزتها مش فاهمه لا هتعرف تطبخ ولا تغسل ولا تساعدك في اي حاجه بالعكس دي هتكون حمل عليييك.....
قطع جملتها حينما صرخ أنس بحده :-
ززززززينب.
نظرت له برعب فبأعين متسعه تطلق شرار جذبها من يدها مبتعداً بها .
وقعت الكلمات على نفس سجى وقوع الصاعقه وأغروقت عيناها بالدموع ، بريئه رقيقه گالفراشة هي ، هشه للغاية ، تألم قلبه وهو يرى فراشته دامعة العين مطأطأت الرأس فعاتب نفسه لجلبها معه هي آبت لكنه أصر.
خرج أنس متأسفاً وخلفه زينب قد أعتذرت حينما عنفها بعتاب غاضب ، فما لبث أن أستأذن ياسين وأخذها ورحل ومر. الطريق بصمت ، حتى دلفوا لغرفتهن ، فجلست على طرف الفراش بصمت ودموعها تهوى هوياً بحرقة أدمت قلبه ثم فكر بشيءٍ سريعاً وصاح مهللاً :-
تيجي أعلمك الوضوء والصلاة عشان نبدأ نصلي سوا ؟
واحفظك قرآن.
توقف دمعها وهي ترفع بصرها مهلله فتبسم لمرآه بسمتها التى تضيئ قلبه وشرع يعلمها الوضوء والصلاة بكل محبة وتأنى.
🍂"رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"🍂
أرتقت "وعد" الدرج ثم توجهت للغرفة القابعه بها الحجه صفية فتحت الباب بهدوء حتى لا تزعجها إذا كانت غافيه فوجدتها جالسة بهماً ودموعاً لا تتوقف فدنت وعد عن كثب وجلست قبالتها قائلة :-
بلاش عياط يا ست الكل بما إني وعدتك أنها هترجع أتأكدي هترجع ومتخافيش طالما أنا موجوده.
أزاحت لها دموعها برفق وهي تقول بجدية:-
فين الحجه صفيه اللي الكل بيعملها الف حساب لو عمي كان هنا وشافك بالحالة الضعيفه دي كان زعل اوي يرضيكِ يزعل كوني قوية زي ما أنتِ.
قالت الحجه صفية بآسف :-
معدش في قوة خلاص أتحمل اللي كان بيجويني راح.
ربتت وعد على منكبها برفق :-
هو لسه في قلبك مماتش زكرياته هتقويكِ أنتِ قد أي عاصفه هتهب مهما كانت.
ظلت وعد تثبتها وتقوي عزيمتها وتشحذ همتها .
تساءلت وعد بنبره مرحه غير معتادة منها :-
إلا صح مقولتليش قدرتي توصليلي ازاي ، أنتِ مخاويه جن ولا ايه ؟
ضحكت "صفية" بخفوت وهي تجيب :-
لا مش مخاوية لا جن ولا عفريت.
وأستطردت بجدية :- رقية قالتلي عنوانك.
أؤمأت وعد بتفهم ثم كررت الحجه صفية العودة ، فرفض الجميع عودتها بتلك السرعة فـ ألحت الحجه صفية بضرورة عودتها فوافقوا بإمتعاض على وعد أن تأتي لزيارتهم.
🍃"رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"🍃
دلف عثمان للمنزل فتخشب محله وهو يرآها تتسامر مع ياسين وحذيفة تملكته الغيرة فخطى تجاههم سريعاً ورمقها بنظره غاضبه كانت كفيله لترجف فؤادها وتلوذ بالصمت.
تحدث ياسين بنبرة ماكرة :-
مالك يا عثمان عينك بطق شرار ليه؟
# مفيييش.
قالها بإقتضاب وحده وعيناه تكاد تحرقها.
فتحدث أيهاب متسائلاً :-
يا ابني ارحم نفسك كنت خدت أجازه مش شغل شغل طول الوقت أهلك فين من كل دا هما ليهم حق عليك وخاصةً مراتك دي اللي مبتلحقش تشوفك.
رمقته مكه بنظره عاتبه متألمة ، فبادلها بنظره غاضبة وتحدثت ريم مخاطبه عثمان :-
يا ابني هي الدنيا فيها أيه ؟ مستني أيه ؟ بلاش تفضل تقول الأيام جاية وهعوضهم ممكن مفيش بكره.
تنهد عثمان بعمق وهو يدلك رقبته وقال :-
دا شغل يا عالم اعمل ايه يعني ، ياسين دا واحد فاشل اعمله أيه ؟
رفع ياسين حاجبه له وحدجه بغضب فقال عثمان مغيراً كلامه :- أقصد ياسين دا واد ميه ميه ومحدش زيه.
تبسم له ياسين كأنه يقول له "ايوة كدا أتعدل" ، وبجدية قال :-
عثمان أنا اول ما بيطلبوني مبتأخرش وكل يوم بروح ورجع مش اربعه وعشرين ساعه هناك ويوم ما بيكون في مهمه في دي بغيب فيها بشهور غصب عني بس مش زيك كدا.
زفر عثمان بملل ونفاذ صبر فهز ياسين رأسه بـ آسف، ثم أستاءذن عثمان صاعداً شقته ولحقت به مكه فما كادت بغلق الباب حد جذبها من ذراعها بحده وتمتم بنبره مخيفه :-
ايه اللي شفته تحت دا ؟
نظرت له دون فهم وهي تردد بزهول وتحاول نزع ذراعها :-
ايه اللي شفته مش فاهمه ؟ في ايه ؟
ضغط على كفها بقوة وهو يغمغم :-
أيدك متلمسشى راجل غيري فاهمه لا ياسين ولا حذيفة ولا حتى أبوكِ متسلميش على حد.
شهقت بصدمة وهي تردد :-
أسلمش على حد ؟ طب الغربه ماشي هقول إني مش بسلم ولأني فعلآ مش بسلم بس كدا كتير وربنا دي أقولها ازاي لأخواتي وأبويا ؟
لكم الحائط بقبضته وهو يصرخ بغضب يفور أكثر :-
مليش فيه محدش يلمس أيدك فااااااهمه؟
هزت رأسها سريعاً بوجل ، فزفر بضيق وهو يمرّ يده على شعره وتحدث بهدوء حينما رآى دموعها العالقه بمقلتيها :-
معلش أتنرفزت عليكِ بس أنا بغير محدش غيري يلمس أيدك ولا يكلمك.
هربت بعينيها وهي تفلت نقابها متوجهه لاحدى الغرف بصمت ثم جلست على الفراش بكل هدوء.
دلف عثمان للداخل بصمت ، وقف أمامها قائلاً وهو يخلع جاكته :-
خلاص بقا يا مكه متزعليش.
أبتلعت غصه بحلقها قائله بمرارة :-
تقدر تقولي أتجوزتني ليه ؟
ضيق حاجبيه بعدم فهم وهو يضع يده بجيب بنطاله :-
مش فاهم ايه السؤال الغريب ده ؟
رمقته بوجع وهي تهمس :-
تقدر تقولي أنا بشوفك أمتى ؟ دا إذا شفتك يعني أنا فين من حياتك وشغلك.
مرّ يده على وجهه بعصبيه وهم بتحريك شفتيه ليرن هاتفه ويجيب ، فما أن أنهى الأتصال حتى قبلها من جبهتها سريعاً وهو يقول :-
معلش لازم أمشي دلوقتي وعد هحاول أجيلك بدري ؟
بوجوم أؤمأت برأسها فرحل هو على عجاله.
ظلت تفكر كيف تستدرجه حتى يوفر لها وقتاً خاصً بيها وأنشغل ذهنها لمدة طويلة حتى تقافزت لخاطرها فكرها فهللت بفرحه وهي تلتقط هاتفها وأجرت أتصال عليه فأجاب بعجاله :-
ايه يا مكه في ايه أنا يلا سايبك ؟
زمت شفتيها بإقتضاب من نبرته ثم قالت باسمه :-
أكيد هتيجي بدري صح ؟
رد بلطف قائلاً :- ايوة يا بنتي خلاص هاجي بدري.
أغلقت معه سريعاً ثم نهضت متوجهه للمطبخ وارتدت المريول وشرعت بأعداد اكلاته المفضله.
🌹"رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ"🌹
_أنسدل الليل سريعاً وغطى سكونه المكانه بنسماته الباردة التى تنعش الافئدة بدفء معين لقلوب العاشقين.
زينت "مكه" طاولة بشموعً ملونه و ورصت الطعام بشكل رائع وزينت غرفة النوم بالورود وقد بدلت لملابسها لفستان باللون الأحمر مع مكياج بسيط برز جمال ملامحها أكثر وحذاء أبيض اللون ذو كعبً عال وأسدلت خصلات شعرها بحرية لتتمايل على كتفها.
وجلست على طرف الفراش تهز قدميها بتوتر.
وعيناها تجوب الغرفه لئلا يكون قد نقص شئ.
حينما طال ولم يأتي أمسكت الهاتف متصله به ، جاءها صوته قائلاً :- ايوه يا مكه ؟
توردت وجنتيها بحياء كأنه يرآها ثم همست بتلعثم وهي تغلق جفنيها بإرتباك وتحاول تهدأت قلبها المضطرب :-
ااا أنت قـ قربت تيجي ؟
رد ببسمه :- اه خلاص قربت اهوو
وبعجاله تحدث :- سلام دلوقتى.
أغلقت معه ببسمة رائعة على ثغرها تنتظره بلهفه وشوق.
🥀"رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ"🥀
جلست أمام البحر تتأمله وهي تشاهد غروب الشمس الساحر بلمعه مبهجه بين يديها احدى الروايات المطويه تطرف بعينيها إذ طل وجهه فجأة محاصرها ، وعلى بغته استشعرت بشيء بجوار أذنيها فنظرت برعب منتفضه فلم تجد أحد فأدارت وجهها أمامها مرة آخرى ثم دوى صوت "حذيفه" الصارخ بإذنها جعلها تصرخ بوجل فضحك بملأ صوته وهو يقول :
"أتخضيتي ليه كدا؟!"
استشاطت غيظاً فـ القت الكتاب من يدها وهبت واقفه وهي تضربه بقبضتها بعشوائيه صائحه :
" أنت غبي يا حذيفه ازاي تخضني بالطريقه دي قلبي كان هيقف"
تراجع للخلف وهو يهمس بنبرة عاشقة :
"سلامة قلبك يا قلبي"
" والله يا حذيفه ما هسيبك"
أنهت جملتها وركضت خلفه فركض أمامها وهو يلتفت من الحين للآخر فجأة تناهى له تأوهها فـ أستدار بلهفه وهو يرآها تجلس ممسكه قدمها بألم ، فهرع لها بقلق وهو يتسائل :
" أسماء مالك ؟ أنا أسف وريني رجلك".
هم بأمسك قدمها ، فتلقى وابل من اللكمات من كفيها الناعمان ، فسقط أرضاً من فرط الضحك ، فشاركته الضحك لمرآه ضحكته التى أسرتها بسياج الدفء.
هدأ من نوبة الضحك التى أنتابته فأنعدل بجلسته غامزاً لها :
" سبتني وطلعتي لوحدك ليه؟ "
زمت أسماء شفتيها وهي تقول بتذمر طفولي نوعاً ما:
" ما أنت من اول ما وصلنا نايم وأنا زهقت فـ طلعت "
طوق كتفها وهو يجذبها نحوه وهمس بحنان :
" ومصحتنيش ليه؟ عشان نخرج سوا "
بتسرع ردت بتلقائية :
" مهنش عليا أصحيك "
شاكسها من وجنتها قائلاً :
" حبيبي يا نااس "
ثم نهضا سائرين لمكان جلوسها الاول ، وألتقت الكتاب قبلها وهو يجلس وتسائل :
" بتقرري رواية ؟ تعالي نقراها سوا "
ظل مطوقها بذراعه بتملك وناولها الكتاب قائلاً :
" خدي ياستي كتابك وأقري وسمعيني "
أخذته أسماء بخجل وهي تقص عليه ما قرأته ثم شرعت تقرأ له مذ توقفت وتمدد هو واضعاً رأسه على قدميها ، فتسللت أناملها بين خصلاته وشردت عينيها تتأمله وأغلق هو جفنيه متمتعاً بصوتها حتى سقط الكتاب على وجهها ففتح عينه بفزع وهو يلتقطه قائلاً :
" يا بنتي سرحانه في أيه؟ "
هزت رأسها بإرتباك وهي تتحاشى النظر له ، وأبدلت الحديث قائلة ببسمة :
" أنا جعانه يلا نروح نأكل "
أكتفى ببسمة بسيطه وهو يهب واقفاً.
🌷"رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ"🌷
ساعه تليها أخرى ، وطال أنتظارها ، ولم يأتي بعد ، فتارة كانت تضع حجابها ناظره من خلف النافذة لعلها تراه ، وتارة تجري الأتصال عليه ليأتيها مغلق ، نظرت بحزنً جم على الطاولة التى زينتها وبكت بحرقه وهي تهب لتلقى جل ما عليها ثم جثت أرضاً باكية حتى غفت.
فتح "عثمان" الباب ، باحثاً بعينه عنها ، ثم دلف غالقاً الباب خلفه ببطئ حتى لا يوقظها ، وسار بخطى وئيدة بحذر حتى وقف على اسكفت الغرفه فاغر فاهه بصدمه ، تردّ بصرة بالأشياء المتناثرة حوله بزهول ، وأطرق جفنيه بألم ألهذا السبب كانت تلح على رجوعه ولكنه خذلها ، حطم سعادتها ، وكسر بنفسها ، وقع بصره عليها فخطى بعجاله وأنكفأ حامله بين ذراعية ببسمة تزين ثغره وهو يتأملها عن قرب ، برفق وحنان وضعها على الفراش وسحب الغطاء مدثرها كما دثرها بين ثنايا الفؤاد .
ومرر يده على خصلاتها هامساً بآسف :
" أنا أسف يا حبيبتي على كل دمعة نزلت بسببي"
أنهى جملته وأنامله تتلامس وجنتيها على أثر دموعها ثم مال مقبل عينيها گ المعتذر .
وتنهد بضيق من نفسه ونزع ساعته واضعها على منضدة بجانب الفراش ونظر لها نظره أخيرة ونهض.
🌺"رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ"🌺
على أحدى الطاولات جلست أسماء أمامها حذيفة يتناولون عشاءهم ، وأذ بفتاة تأتي مقبله وهي تصيح :
" حذيفة أنت هنا بتعمل ايه ؟ ايه الصدفه الحلوة دي"
حملق بها بصدمة وهب واقفاً وهو ينظر بقلق لـ أسماء ، همت الفتاة أن تعانقه فأستدرك نفسه وهو يرجع للخلف قائلاً :
" اه اهلاً يا اميرة عاملة ايه؟ "
أشار بكفه على أسماء :
" أسماء مراتي "
نظرت الفتاة بصدمة وهتفت بإمتعاض :
" أنت اتجوزت ؟ امتى دا؟ "
لم يعيرها أنتباهه وخطى بجانب أسماء طوقاً كتفها وقال :
" دي أميرة صديقه قدديمة"
تصافحا باقتضاب وغيرة ثم همست أميرة لـ حذيفة بصوتاً منخفض :
" هنتقابل أكيد مش كدا؟ "
فرمقها بنظره غاضبة ونظر لأسماءبتمعن وتحدث بإبتسامة :
" مفيش في حياتي غير أسماء ومش شايف غيرها أتفضلي بقا"
ذهبت الفتاة وهي تتمتم ، ثم جلست اسماء بعصبية ، فسحب حذيفه المقعد جالساً بجانبها وتحدث بصدق :
" والله العظيم قطعت كل علاقتي قبلك من يوم ما اتغيرت ومفيش غيرك في حياتي وقلبي وأني اشفها انهارده والله صدفه مكنتش أعرف والله ما بكلم ولا بنت صدقيني"
وضعت سبابتها على فمه وهي تقول باسمة:
" يا بني اهدأ أنا عارفه والله بس غيرت شوية مش أكتر"
نكز كتفه بكتفها وهو يقول بمرح :
" بتغيري يعني طب استنى اجيبها تاني حسسيني بحبك "
ثم نهض وهو يسحبها لتقول بتعجب :
" ايه مالك بتشدني ليه"
" تعالي نرقص "
قالها وهو يجذبها خلفه ، ثم تحرك بخطوات بطيئه وهي بين يديه وتبسم وهو يلقى على مسامعها كلمات غزل مختطفه بين ذراعيه من العالم اجمع.
💐"رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ"💐
دلف ياسين لغرفته بعد يوم شاق بالعمل حتى أستطاعوا الوصول هو وعد على امكان اعداءهم ، خطى بوئيدة قرب الفراش واقفاً على رأس سجى الممدة بسباتً عميق ، شرد بوجهها بمحبة ثم مال مقبلاً جبينها بقبلة عميقه ليبث لها اشتياقه وجلس بجانبها وتحدث بقلبً متلهف وهو يضم كفها براحتيه :
" متتخيليش أنا بحبك قد أيه؟ من يوم ما دخلتي حياتي أدتيني سبب عشان أعيش ، أنا مكنتش مكتمل قبل ما تدخلي حياتي بس لما قبلتك أنا أكتملت وحياتي ؛ مرر يده على خصلاتها بحنان وأقترب بوجهه هامساً : بحسك حطه من قلبي ومن روحي وجسمي لو سبتك بضيع وببقى تايه وناقصني حاجات كتير مش بكون مكتمل بس بكمل بيكِ ، بحسك بنتي اللي لو بعدت عن عيني بقلق اوي وبخاف عليها من اي حاجه ممكن تأزيها وأنا مش جنبها ، بحسك وتيني اللي لو نقطع هموت ومهجتي اللي لو تسربت من اوردتي هموت بردوا يومي مش بيكمل غير لما أشوفك واطمن أنك بخير يا قرة عيني يا مسكني وأماني وراحتي وسكني وظلي وسماءي وكوكبي أنا من دونك أيه ؟ ولا أي حاجة مجرد جثه منتظره الموت .لما اروح المهمه الجديده مش عارف هقضي أيامي ازاي من غيرك ومن غير ما أطمن عنك أنت بقيتي أنا يا سجى ازاي أبقى في مكان من غير روحي وقلبي اللي بيدق ، ولو مرجعتش خلي بالك من نفسك واتذكري إني دايماً حواليكِ كظلك وسندك وأمانك من الدنيا كلها واوعي تنسيني "
نظر الجهه الاخرى وأخذ نفسً عميقً من أعماقه ونهض من جوارها فهوت دموعها بحرقة فلم تكن نائمه ، وكيف يأتيها النوم وهو لم يأتي ، بعودته يعود الأمان والسلام والأطمئنان لقلبها ، خفق قلبها بوجل من فكرة فراقه ، سرعان ما حادثتها نفسها معنفه :
" لما ذاك الحزن يعتم قلبك ويسوده ؟ هو لا يقصدك بذاك الكلام ، هو يراكِ فتاة آخرى ، أنتِ أبعد ما يكون عن قلبه ، لا تغرقي به أكثر أقذفي حبه من فؤادك فسيتركك حتماً ، ولن يبقى لكِ سوا الأوجاع والخوف من الحياة ومن جل شئ تناسيه الآن قبل فوات الأوان تناسي ذاك الحب الذي قبع بفؤادك ، ثمة آخرى بفؤاده يعشقها حد الجنون أنتِ مجرد بديل يطيب قلبه ويداوية "
ظلت تتقلب في مضجعها حزينه وحيدة، يتلوى قلبها ألمً لم تدر كم مر من الوقت ولكن لا بد أنه قد مر الكثير ، نهضت للمرحاض وسارت تتهادي تلتمس طريقها ببطئ ، وعلى حين بغته تعثرت بجسدً صلب لم يكن إلا لـ ياسين الذي لم يزوره النوم أيضًا ، فسقطت هاوية فوقه فمسك بها بتملك وهو يضع كفه على جبينها حتى لا تنصدم بشئ ، تاه بهِ وهو يتأملها بقلب يرقص ببهحه ، وأزاح خصلاتها خلف أذنها ، ويده الاخري تطوق خصرها بتملك ، وغاب تائهً في بحر عينيها ذي اللون العسلي ، وبصره يطوف بشوق على ملامحها فـ تنحنحت هي كي يتركها ، لكنه لم يكن على ارض الواقع ، فجذب رأسها يريحها على صدره وهو يهمس بخفوت :
" نامي جنبي أنهاردة ومتبعديش يمكن يكون آخر يوم ليا معاكِ"
طوق ظهرها بذراعيه يعتصرها بداخله ولو الامر بيده حقاً لأدخلها بين أضلعه حتى لا تفارقه أو تغيب ، فـ بسكينه اسندت رأسه على صدرة بكل أمان لأول مرة مذ خلقت ينتابها ، وأراحت كفها وهي تتشبث بتشيرته ، لم يمر طويلاً وذهابا في ثباتً عميق حتى صدح صوت غطيطهما ، بلا قلق أو خوف ، وهل ثمة خوف وهي بين يدي آمينه تخشى عليها من ذاتها فأطمئنت وستكانت وهو كذلك لأول مرة يغفو مرتاح القلب دون لوعه.
_ فقا بفزع على صوت قرعً على الباب ، اتسعت أعين ياسين وهو يتمتم :
" ماشي يا ديجااا يا انا يا أنتِ في البيت "
ثم نظر بحنان لـ سجى التى تحاول بجهد الإبتعاد عنه ولكنه محكم قيده ، ثم همست بحياء :
" ياسين لو سمحت اوعى أيدك "
تنهد براحه وأخذ نفساً عميق وهو يهمس بحنان :
" لا مش عايز ؟! تصدقي كانت أفضل ليله أأقضيها في حياتي "
أحمرت وجنتيها وتبسمت مشرقة المحيا وغمغمت بخفوت :
" ديجا عايزززاك"
تمتم بغيظ ثم هب واقفاً بسخط وفتح لها قائلاً :
" عايزة ايه يا بت "
عقدة ديجا ذراعيها ولوت فمها ساخرة :
" بتتت؟! أنا بت "
نظرت له متصنعه الحزن فتبسم ضاحكاً لقولها ومال ليحملها ودلف للداخل وهو يقول :
" واحلى بنوته في الدنيا"
أنفجرت اسريرها وبسطت راحتها سائلة بتذمر :
" فين الشوكولا بتاعتي أنت نسيت تجبلي ؟! "
قبلها من وجنتها وهو يقول :
" أنا أقدر برضوا، أنساكِ ؟، خدي يا ستي احلى شوكولاته لاحلى ديجا "
انهى جملته وهو يضعها بيدها فـ برقت لمعة عينيها ببهجه ثم غمعم هو بمرح :
" أنتِ يا بت انا خلفتك ونسيتك ولا ايه "
أشارة له ديجا ليتركها ، ثم توجهت لسجى وهي تهمس :
" يعني هننكر مش أنت بابا حبيبي"
قبلت سجى بحب ثم تساءلت بمكر طفولي :
" انت بتخلى سجى تنام على الارض أنا هقول للمار عشان تشدك من ودنك وتعلمك الأدب "
حملق بها مزهولاً وهو يغمغم بصدمه :
" قليل الادب ؟ انا يا ديجا ؟! "
اؤمات برأسها مؤكدة ، فقالت سجى مؤيده كلامها :
" ايوة يا ديجا شفتي سجى حبيبتك القاسى ده بينومها على الارض ازاي"
تصنعت البكاء فربتت ديجا على منكبها قائلة بخفه :
" خلاص يا سجى متبكيش انا هجبلك حقك منه متخافيش ، هموتهولك "
نظر لهم ياسين نظره ساخرة :
" خلاص اتفقتوا عليا انتوا الاتنيين"
بأمر اشارة له ديجا:
" ايوووه وعشان نسامح روح هاتلنا شوكولاته كتيرر ومش هقول للمار ولو مجبتش هروح أقولها أنك بتعذب المسكينه دي"
انفجرت سجى ضاحكه بينما رفع ياسين حاجبه بزهول :
" دا امر دا؟ "
أقترب بمكر مغيظاً ديجا واخرج شوكولاته وهو يقول بحنو :
"هو انا اقدر انسى بنتي الاولى خدي يا ستي شكولاتك ايه"
هشت وبشت وأشرقة عينيها وهي تقول :
" ليا انا شكراً جداً "
تناولته منه بحياء وبهجه ، فتأملها هو بعشقً ، أخرجته من شروده ديجا وهي تقول :
" يلا بقا أنا ماشية لو عملك حاجه يا سجى قوليلي "
قبض ياسين على ذراعها قائلا بمرح :
" انتِ بتهربي ؟ فين البوسه يا ديجا حق الشوكولاته"
ركلت الأرض بتذمر ، وخضعت لطلبه حينما مال بوجنته امام وجهها فطبعت قبله بسيطه ثم استدارت ناحية سجى مشيرة تجاهه :
" وسجى كمان لازم تدفع حقها مش انا بس "
همس ياسين مؤكداً :
" المفروض "
نهضت سجى مفزوعه وهمست بإستحياء وتلعثم :
" هو ايه لا طبعاً بتهزروا صح مستحيل "
نفت ديجا بأمر :
" لا مليش دعوه أنا "
ثم اقتربت منها هامسه :
" انا دفعت وأنتِ كمان تدفعي"
هزت سجى رأسها بثبات ، وعلى حين غرة لم تشعر إلا حينما طبع ياسين قبله خاطفه على وجنتها وذهب مسرعاً من امامها ، فضحكت ديجا وهي تصفق ، بينما تسمرت سجى بزهول وهي متسعت العينين فاغرة الفاه ، واضعه اناملها على وجنتها.
_ بعد وقتً كان ياسين جهز حقيبته سريعاً ، تغللت رائحة عطرة التى تثير الأمان بفؤادها فعلمت أنه سيذهب فتساءلت بترقب :
" أنت خارج ؟! "
نظر لها ياسين بصمت ثم أغلق حقيبته و وضعها جانباً بجوار الباب واقترب جالساً بجانبها وزفر بضيق قائلاً :
" ايوة ؟! طالع مهمه من أهم المهمات اللي طلعتها ، عايزك تخلي بالك من نفسك ، أوعديني لأنك لو انتبهتي لنفسك كأنك بتنتبهي لنفسي أنا لحد مرجع خليكِ في البيت إذا رجعت طبعاً "
شهقت باكية وبأعين أغروقت بالدموع غمغمت ببكاء :
" لاااااا انتِ هترجعلي صح ؟! مش هتسبني مش هتسيب بنتك تاني وحيدة وخايفه انا مش بطمن غير بوجودك هترجعلي صح "
رفع يده مزيحاً دموعها الساقطه وبحنان همس :
" لو ربنا خد امانته مفيش أعتراض الحمد لله بس خلي بالك من نفسك عشاني و ورد هتفضل معاكِ "
قبل جبينها ونهض بلمح البصر متهيأً للرحيل وهو يقول :
" سلام "
هوت دموعها بحرقه ونهضت مناديه باسمه "ياسين" فتوقف على الباب مستديراً ناحيتها :
" نعم "
لم يشعر إلا وهجومها عليه تعانقه بكل قوة ، كانت تعلم الخطوات للباب دون ان تخطأ ، فبلحظه ركضت تضمه بكل قوه باكية ، ليترك فوراً الحقيبه ورفع يده محاوطها بقوة ، مر وقت على حالهم لا يدرون كم ؟!
حتى ربت ياسين على ظهرها بألم وهو لا يود الإبتعاد لكن أنه امراً محتوم وهمس ببسمة خافته :
- متبكيش تاني دموعك غالية اوي عليا أياكِ ينزلوا.
ضم وجهها الغارق بالدموع وأزاحهم بحنو وتمعن النظر بملامحها يحفرهم بداخله وداخل روحه حتى يستحضرهم متى اراد بالغربه ومال مقبلاً جبينها وهمس بخفوت :
- خلي بالك مني ؟
اؤمأت برأسها هامسه :
" هترجعلي مش كدا "
تبسم وهو يهمس :
" اكيد. ، ثم مستدركاً ، انا اتاخرت لازم أمشي "
أؤمات برأسها وهي تغمغم :
" هنزل معاك "
شبك انامله بأناملها بتملك حتى الأسفل كان بلال وانس بإنتظاره بالخارج فودع الجميع وحادث لمار قليلاً هي و وعد وعثمان " فقد قرروا تشتيت خصمهم وهو أن يذهبا للتخيم والتدريب بينما يتجه عثمان و وعد ومراد للسفر لـ روسيا وأتمام المهمه "
وأبتعد ناحية الباب بسجى التي ما زالت ممسكه بكفه ، فرفع يده معدلاً من حجابها وهو يقول :
" ادخلي وان شاء الله اول ما أوصل هرن عليكِ "
اؤمأت برأسها ولم يهن عليه ترك كفها ، فشعر وهو يسحب يده ، كأن روحه تغادرة ثم غادرا مسرعاً مع الشباب
🌸"رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ"🌸
مرت عدة أسابيع سافرت وعد وعثمان مقنعون أستطاعوا بكل مهارة تجميع ادلة ضدد هؤلاء الوحوش الذين هم ابعد ما يكون عن صفة البشر ، ما زالت معاناة عائشة كما هي ما بين أهانه وضرب والاسواء من جل ذلك أنه صرح لها بحبه لفتاة آخرى فلا تدرى أهي من الأموات ام الأحياء .
وإذ بيوم قلب الدنيا رأسً على عقب ولج عثمان گ الثور الهائج وهو يصيح :
- ازززاي كله يختفى يا وعد أنتِ مبتقدريش تعملي حاجه أبداً ؟ يعني ايه اختفى ؟!
هاجت منفعله وهي تقف امامه :
- عثمااااان متتكلمش معايا بالأسلوب دا ، الميكروفيلم كان في مكان محدش يعرفه غيري ازاي وصل لايدهم معرفش ؟!
ثم أستطردت قائلة بمكر وهي تحدجه بنظرات غاضبة :
- ولا متكنش الفلوس زغللت عنيك وانت عندهم وبعتنا وبقيت معاهم وانت اللي سرقته.
رفع يدها يود صفعها فأمسكت بيده قبل ان تتلامس وجنتها وهمست بفحيح :
" أياك تفكر تاني مرة ترفع ايدك عليا ؟!
أبعد يده وهو يصح بأعين تتأجج بالنار :
- أنا غلطان اني بعرض نفسي للموت وسطهم وأنتِ تيجي في الاخر وضيعي كل المجهود ده ؟
رفع اصبعه محذراً :
" هكشفك يا وعد وهعرف نواياكِ "
تبسمت ساخرة :
" هنشوف مين فينا الخاين "
غادر عثمان ثائراً ، بينما جلست وعد بأعين غاضبه وهي تهز قدميها بعنف لا تدر كيف تلك الادلة اختفت فجأة.
فقد كان عثمان مغيراً من نفسه ليتخفى بينهما ويوقع بهم بينما هي تساعده عن بعض إذ اضطر لتداخلها.
_ عند الشباب كان الوقت ليلاً وهم جالسون سوياً يتسامرون ابتعد ياسين متصلاً بـ سجى لعل صوتها يسكن ضجيج قلبه ، ويخمد نيران قلقه تبسم بصعوبه حينما اتاه صوتها الرقيق فتساءل بحب :
" عامله ايه طمنيني عنك ؟ "
غمغمت بحياء وصوته الدفء يحفها :
" الحمد لله ، أنت عامل ايه ؟
تنهد بحب وهو يجلس على احد الصخور :
" بخير أدامك بخير "
صمت قليلاً بتوتر وغمغم بصدق :
"وحشتيني"
لم يأتيه سوا صوت انفاسها المضطربه فتفهم خجلها ولاذ بالصمت حتى أتاه صوت منادياً فنهض على عجاله وهو يقول :
" هقفل ، خلي بالك من نفسك تمام ؟ وافتكريني دايما"
أغلق دون ان يأتيه صوت ، وهم بالسير فرن هاتفه معلناً عن رقم لمار فرد بعجاله ، فقالت لمار بحب وهي تجلس بمكتبها :
" ياسين يا حبيبي طمني عنك وعن الجميع كله تمام في اي مشاكل"
صوت أنفجارررر شطر قلبها نصفين هو ما أخترق اذنها فوقع الهاتف من يدها من هول الصوت المفاجئ ونهضت بفزع وضياع وصدرها يعلو ويهبط وانفاسها متسارعه وقلبها يخفق بجنون وصرخة بـ اسم ياسين بهلع.
وانكفات جاذبه الهاتف وهي تخرج من المكتب وصرخت بملأ صوتها بنبره مفعمه بالخوف بأعين زائغه :
" ياسين ردددد عليا ياسيننننننن"
أنقطع الأتصال في تلك اللحظه فـ كمن اصابه الجنون دارت حول ذاتها بضياع وهي تصيح بالجميع..
ما يؤلم فؤادي هو اني سأختصر الأحداث سريعاً رغماً عني ، وساحاول أن انهيها قبل رمضان ولكن ستكون الأحداث سريعه 😔.
عوض ربنا حلو أوي ، هيعوضك عن كل تعب تعبتيه وموصلتيش للي عايزاه وحاسه إن حلمك بيبعد عنك
" إن الله لايضيع أجر من أحسن عملاً " 💙
هيعوضك عن كل مرة حسيتي فيها إنك وحيده ومحدش جنبك "ونحن أقرب إليك من حبل الوريد" 💙
هيعوضك عن الضيقة والحزن اللي سيطر عليكي
" إن بعد العسر يسر " 💙
كل ماتحسي إن الدنيا ضاقت بيكي إعرفي إن في فرج جاي ، وربنا هيديكي شخص ، حلم ، هيحققلك هدف المهم هيعوضك عن كل الحزن اللي عشتيه 💙
هيعوضك بس إنتِ خليكي واثقة فيه ، إعملي واتعبي وكافحي ، وجاهدي وقولي استودعتك حلمي يالله فأعطني أفضله ، عمرك ما تيأسي ولا تحسي إنه هيبعدك عن حاجه بتحبيها ولا مش هيحققلك اللي عايزاه ، إدعي وربنا مُستجيب وهيستجيب لدعاكِ إن شاء الله 💙🌸
*الرساله دي ليكي:')*🌸💙
رواية دموع العاشقين الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ندى ممدوح
البارت 27
الجزء الاول
دموع العاشقين.
بسم الله ، الحمد لله ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين.
يا ليته يعلم أن رحيله سيترك أثرً بالفؤاد ندبه لا يمكن التائمها فكيف للقلب أن ينسى روحاً قد هواها أستوطنه ، كيف يزول حبه وزكرياته وصورته المحفورة على الجدران بسياج عظيم لا يمكن كسره كيف ننسى ونتحرر من لعنة الفراق و وجعه ؟
يذهبون ولا يدرون أنهم يأخذون منا أرواحاً وكل ما هو جميل بنا ، ويتركونا مجرد اجساد ذات نفس منتظره الأنقطاع .
يتركونا مجرد باقية لأجساد ميته فلا ندرى أنحن من الأموات أم الأحياء.
يرحلون بعدما يسرقوا منا بسمتنا وضحكتنا ومهجتنا وقلوبنا ، ويتركون داخل قبر حالك السواد ننتظر ليهلوا لينتشلونا من الظلام وخوفنا ويرجعون لنا أفئدتنا..
يا ليتهم لا يرحلون او يرحلون بسلام دون تناثر أفئدتنا لشظايا لا يمكن أصلاحها.
وقع الهاتف من يد ياسين بغته حينما دوى صوت الأنفجار عن قرب فجحظت عينيه بزهولاً تام وصدمه ، لا يصدق ما ترى عيناه ، بلحظه ركض بقلبً متلهف للبناية الماكثون بها ، وتسلق احدى الأعمدة بعجاله وهوى بذاته من احدى النوافذ أطمئن قلبه ما أن راى أنس أمامه ، وأسرع واخذاً مكاناً خلف النافذة متوارياً خلفها ، وتم تبادل اطلاق النار بشراسه وأنقلب المكان رأسً على عقب يضج بصوت الرصاص ، فـ اصبح المكان بركه من الدماء ، استشعر ياسين بالخطر وليس هناك وقت لا يفكر ما عليه فعله فـ اتجه للأسفل متخفياً وأنس يحمي ظهره حتى استطاع الخروج وتغلل بين الرجال الذين كان عددهم يذداد رويداً رويداً يطلق على كل من يقابله دون رحمه ،
دارت معركه ساحقه والشباب يصدون برسوخ وشموخ واقفون كالجبل ، لم يمض طويلاً وداهمت لمار ومن معها المكان ، تسلل ياسين للخلف وعلى حين غرة أنقذف للخلف بقوة من أثر الأنفجار فحملق بصدمة ويكاد قلبه بالتوقف ونهض بشغفً ركضاً باحثاً عن الشباب ، وقع بصره على بلال الذي أصاب بجروحاً بالغه من الحريق التى صهرت جسده ، أدمعت عين ياسين وهو يقترب منه ، فـ اشرق وجه بلال ببسمه على ثغره وصاح باسم ياسين وبلحظه كان يدفعه ليتلقى رصاصه اخترقت بجسده مباشرةً ، هم بالسقوط فتلقاه ياسين بين يديه وهو يهم بالوقوف اثر دفعه له ، لأول مرة مذ أن وعي على هذه الحياة تدمع عينه بدموعاً تأبى النزول عكس دموع قلبه التى هوت دمً ، مد أنامله متحسسً وجه بلال القابع بين يديه ذات أنفاسً ثقيله للغايه يكاد يأخذها بمجهود عظيم ، هم بلال بالحديث ، ولكنه ظل يتنفس بصعوبة ثم غمغم بصوتاً بطيء متألم بخفوت :
" هنا هقولك الوداع ، هتنتهي صداقتنا في اللحظه دي أقصد رابط الأخوه بينا ، مش هتسّتسلم صح هننتصر والمهمه هتنجح ، زاغ بصره وهو يبتسم له بخفوت يلتقط أنفاسه وتحدث ببسمة ؛ أنت مش بس صديق يا ياسين كنت دايماً سند واخ فعلاً ولمار دي دي أمي أنا بحبكممم أوي ، أمي أمي يا ياسين متسبهمش هي وأختي أنا عارف انك هتنتبه ليهم وهسيبهم لحد يحافظ عليهم اكتر مني ، قولها متزعلش ولا تبكِ ، قولها تفرح لأن أبنها شهيد في الجنه ، قولها أنها هتوحشني اوووي وكلكم كلكم هتوحشوني.
سعل بوهن وتابع وهو يلتقط أنفاسه ويجاهد كي يفتح عينيه :
" ياسين متسمحش لحد يبكِ عليا لأني شه......
أطرف بعينيه عدت مرات ثم أطبق جفنيه بثقلً عظيم.
هرعت لمار برجفه قويه عصفت بفؤادها وارتمت عليه تلطم برفق على وجنته وهي تصيح بإسمه بجنون ، صمت ياسين محدقاً به بصمت ، أقترب أحمد وأدهم بصدمة وجاءت سيارة الاسعاف لتنقل بلال وأنس الذي انصاب أيضًا .
_ بالمشفى كل القلوب تنبض بالوجع تهدد بالتوقف ، العيون لا يرقأ لها دمع ، الأرواح تكاد تغادر الأجساد ، القلق بلغ منتهاه ، خرجت د / ميار من غرفة العمليات وأشارت لـ ياسين وهي تبتلع ريقها بوهنً :
" ياسين بلال طالب يشوفك"
رفع ياسين عيناه الغائرة بالدمع وبلهفه تحدث :
" بلال هو هو كويس صح؟ "
أخفضت ميار رأسها فركض ياسين للداخل على الفور ، تقدمت لمار واضعه كفها على كتف ميار وبنبره وجله همست :
" هيبقىٰ كويس صح هيقوم ويرجع معايا ؟ "
لم تنبس وأنما نظرت لها بأسف ثم قلبت بصره بالجميع :
" أسماء فين ؟ "
"أنا اهووو!!"
همست بها أسماء المقبله ببكاء إليهن فأشارت لها ميار أن تدلف للداخل.
أقترب يوسف المقبل بهلع وخلفه الفتيات وفيكتور وزيد وزين وعائشه قد وصلوا للتو.
اقترب من لمار ممسكاً بذراعيها وهزها بعنف :
" ابني فيين يا لمار جرالوا ايه ؟ بعتي بنتك وادتيها اسهل مهمه ورميتي ابني في النار "
حدقت به لمار بصدمة وطرفت بعيناها تستوعب كلماته.
دفعت يديه بأعين ذائعه واشارت لذاتها بزهول :
" أنا أنا يا يوسف "
هوت دموعها بصمت، فأندفع بكره قائلاً :
" ايووه أنتِ "
ابتسم زين بمكر وهو يتذكر كيف تلاعب بعقل يوسف بكل دقه.
أقترب أدهم ودفع يوسف للخلف بأعين تلمع بالغضب :
" في ااايه مااالك ابنك كويس جووووه".
بخطوات ثقيله تكاد تحملانها دلفت أسماء للداخل بوئيدة ، عيونها غائرة بالدمع ، وقع بصرها على أخاها الذي مائل على فم حذيفه يبدوا أنه يهمس له بشئ ، نظرت لحروق وجهه فشهقت بصوتاً عال ، ودموعها تسيل گ السيل الجارف.
شهقه جذبت أنظاره العاشقه لها فتوهج وجهه وفترت شفتيه ببسمة مشرقه نظر لها بعمق ثم أجفل عينيه بوهن وحرك شفتيه دون صوت لكنها أستطاعت قراءتها "بحبك" مهلاً أيها القدر أهذه نظرت وداع أم ماذا ، أنها نظرت عاشق يودع محبوبته التى لم يستطع الحصول عليها ، ولكنه ها هو يصل لها عشقه بآخر أنفاسٍ له.
أنها نظرت وداع لرحيله يتشبع منها ويروي ظمأ قلبه ، لو يقف الزمن قليلاً ؟ ليغدها عشقهًا ، ليخبرها بحبه يخبره فقط انه لم يحب غيرها قط ، قاسية أنتِ أيتها الحياة قاسيه للغايه.
ثقلت رأسه فحرك شفتيه هامساً الشهادة بوجهاً منيراً وعينيه المطرفه لا تحيد عن عيناها حتى ارتخت جسده وسبلت جفونه.
فصرخت وهي تجثى ارضٍ صرخه رجت الارض رجاً ؛ وثب يوسف يردد عينيه بينهما وهو يردد بصدمه:-
أسماء دا صوتها.
وقعت الصرخه على انفسهم كالصاعقه الكهربائية أرتجف فؤاد لمار وركضت للداخل توجهت فوراً لـ بلال تهزه بجنون حتى جاءت الممرضه أبعدتها وغطت وجه بلال.
ضم حذيفه أسماء التى أهلكها منظره وتلك النظره التى ادمت فؤادها وبكِ لموت من كان له أخاً وليس صديق.
اغشى على والدته التى لم تصدق رحيل أبنها.
نهض ياسين بتوهان وسار للخارج بضياع وارتمي على اقرب مقعد قابله ، أقبلت ديجا برفقة سجى وأسرعت راكضه إليه وعانقته وهي تبكِ بحرقه وتغمغم :
" بلال مات يا ياسين أنا مش هشوفه تاني مش هلعب معاه ومش هنضرب بعض هو راح خلاص "
علا نحيبها بضياع ، فدنت سجى رابته على كتفه وتهوى دموعها بحرقه فنهض وضمها بشدة كأنه يريد الأطمئنان ودفن رأسه بكتفها مخبئاً دموعه التى هوت ، فبوجع ضمته سجى وهي تخفى رأسه.
🍃نسأل الله جلَّ في علاه أن يُصلحنا ويجعلنا من عبــاده الصالحين ..
اللهمَّ ارزقنا حُسن الخـــاتمة ولا تتوفنا إلا وأنت راضٍ عنا،،🍃
باحدى أماكن الملهي الليلي الذي يضج بالموسيقى الصاخبه ويعم بما حرم الله تسوده الفتيات الذين لا بالاسم فقط هم مرتدون ملابس تكشف أكثر ما تخفى تحيطهم الرجال السكرىٰ من كل جانب ، وقف عثمان مع عدت شباب أجانب مشتت الفكر بكل ما يدور حوله ، أشار له الرجل قائلاً "الحوار مترجم" :
" هل آتيت معي قليلاً سيد أدورد؟! "
أؤمأ عثمان برأسه ، فأشار له الرجل بالسير وتقدم أمامه ، فمضى وراءه حتى ارتقىٰ الدرج ثم لاحدى الغرف ، فما ان دلف للداخل حتىٰ أغلق الباب خلفه فنظر عثمان وجد رجالاً يرتدون بدل سوداء ذو عضلات قوية من رجال الحراسه فجحظهم بترقب وفجأة مد الرجل الاجنبىٰ يده ونزع عن وجهه النظارة والقناع ، فـ علم الآن أنهم أكتشفوا حقيقته ولا بد ان هناك شخصً أوقع به ، بلحظه أشار الرجل للشباب أن يقيدوه ، فهم ان يبطش بهم ولكن قيدوا حركته وذراعيه وهجموا عليه بالضرب المبرح ثم عقدوا ذراعيه ، و كتموا فمه ، سعل عثمان بألم وهو ينزف ، فجذبه ذاك الرجل بعينين تتوهج بالنيران وتحدث بغضب :
" خائن كيف استطعت خيانتي الآن ستدفع ثمن خيانتك لي ، ولن تعود لبلدك سوا جثه ، أنتم من أعلنتم الحرب عليّ والان ستدفعون ثمن ذلك حقيرررررر "
دفع برأسه بعيداً ، فنظر له عثمان بنظره ساخرة ، ثم وضع قدمه بطريقه فسقط أرضٍ وأذداد غضبه وهو يحدجه بنظره تتأجج بالنيران ظل يتمتم بكلمات عده ثم اشار لرجاله صارخاً بهن:
" علىٰ ماذا تنظرون يا أغبياء إلا ترون ما فعله هيا أريدكم ان تعلموه درسً لا ينساه ، ليعلم ان خداعي ليس بهين "
أنهى جملته وغادر من الغرفه فهجم الشباب على عثمان بلكماتً مبرحه.
🌻اللهم إنا نبرأ من حولنا وقوتنا ونلجأ إلى حولك وقوتك،
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسريــن،،🌻
دلف ياسين لغرفة أنس بعدما علم من الأطباء فقد احدى قدميه وبترها ، عينيه زائغه ، أهلكهما الحزن وغمر فؤاده الحالك ، تبسم أنس بوهن ما ان رآه مقبل عليه ومد بصره للباب بترقب فدنا ياسين بجانبه مباشرةً وتبسم بسمة خفيفه لم تدم وهو يهمس بقلب أضناه الوجع :
" عامل ايه دلوقتي أحسن حاسس بحاجه ؟ "
أبتسم أنس له مجيباً :
" الحمد لله يا حبيبي بخير "
صمت ياسين هارباً بعينيه من بصره المصوب نحوه ، همس انس متسائلاً بدهش :
" ياسين مااالك ياسين أنت بتبكِ؟ "
دار ياسين ببصره بالغرفه :
" لا طبعاً هبكِ ليه انت عمرك شفتني ببكِ؟ "
رمى أنس بصره ناحية الباب بترقب وتساؤل بضحكه :
" الواد لهبل بلال فين ، اول مرة ميدخلش اول واحد بمرحه فين الواد دا وحشني؟!"
فاضت عيني ياسين بالدمع ، فأستشعر فؤاد أنس بخطبً ما فتساءل بجدية :
" فين بلال يا ياسين رد عليا"
جلس ياسين بجواره ممسكاً بكفه وأنعقد لسانه حاول مراراً وتكراراً تجميع واستحضار الكلمات لكنها تولى هاربه فزفر بضيق ولاذ بالصمت ، فأمسك انس بوجهه مديراً ناحيته ونظر بعمق لعينيه وتحدث بترقب وهو يتفحص ملامحه :
" بقولك فين بلال ، أنت مااالك فيك أيه مش انت ياسين اللي أعرفه "
أدمعت عينيه حزنً ، لوهله توقف قلبه عن الخفقان وتحدث وهو يتحاشى النظر له :
" ربنا قال في كتابه : " وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ".
تلجلجت الكلمات بصدرة وازاح سريعاً دمعه فرت هاربه وهمس :
" بلال تعيش أنت شهيد في الجنه "
أغلق جفنيه بعنف وبرح مكانه مبتعداً ناحية النافذة واضعاً يديه بجيب بنطاله هارباً من كل شيءٍ بوجعه الملازم لروحه ، جاثماً بقلبه.
تسمر أنس حتى عينيه يقلب ما قاله بذهنه ، وقع الخبر على نفسه وقوع الصاعقه هم أن يقف ولكنه كاد أن يسقط ، فأستشعر ياسين حركته وهرع يسانده فصاح أنس بضياع :
" في ايه مااالي أنا ليه مش حاسس برجلي ولا قادر اتحرك حصل ايه؟"
عدل له ياسين الوسادة خلفه وغمغم :
" لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ".
ربت على كتفه بأعين تفيض بالدمع وحرك شفتيه ولكنه لم يستطع النطق ، في حين ذلك دلفت ممرضة ، لم يستطع ياسين أن يظل اكثر من ذلك فخرج مسرعاً كأنه لم يستمع لمنادته ، أخبرت الممرضه أنس بفقد قدميه ، فشعر بالتوقف الحياة حوله ولكن لهج قلبه بـ الحمد والرضى ، وتفعمت روحه حزنً عميق لا نهاية له ، حزنً ذات أثر غائراً بالفؤاد لن يمحى أبداً شعوراً غريب بالعجز والكسر توغل وتمكن منه.
وما حطمه كلياً وأطرحه ارضٍ هو رحيل صديقه الغالي.
وقف ياسين على جسمان "بلال" يؤّدي تحية الوداع الأخيرة ، يحفظ ملامحه وصورته بأعماق روحه وسويداء قلبه ، ويحفر لحظاتهما سوياً بين شغاف الفؤاد ، في وسط تلك الأحداث المتوالية رن بفؤاده صوت بلال ضاحكاً يا الله كم اشتاق لصوته ويحن لصورته ويتلهف لمرآه واقفاً امامه وليس جثه ، أغلق جفنيه متذكراً البارحه وقتما سارا سوياً يتسامرون وإذ بـ "بلال" يقف بغته ، فتنبه ياسين للذلك وألتفت له متسائلاً :
" مالك يا ابني وقفت ليه ؟"
بأعين غائرة بالدمع همس بلال وهو ينظر للفراغ أمامه :
" مش عارف ليه حاسس إني مش راجع "لم يمهل لـ ياسين الحديث واسترسل وهو يضع يديه بجيب بنطاله متنهداً" عارف يا ياسين أنتوا كلكم عمركم ما كنتم بالنسبالي أغراب أو أشخاص والدتي بتشتغل عندهم كلكم كنتوا عيلتي وأغلى ما ليا في الدنيا ، لمار دي أعز ما ليا في الدنيا بحسها سندي اللي ممكن يحميني من كل حاجه تصدق يا عم لو قولتلك أن بوجودها بحس أمان ، متستغربش مش عشان انا راجل مش هخاف بالعكس بخاف اوي اني اصحى في يوم واكون فقدت حد ويروح مني عشان كدا بدعي دايماً يومي يكون قبلكم "
ربت ياسين على كتفه بمحبه وسهم كلماته عصفت بقلبه :
" بلال أحنا فعلاً عيله أنت أخونا ، ولمار بتحبك وبتحبك اكتر ممنا كمان ، ومتدعيش على نفسك كدا يا عم ربنا يطول في عمرك ويديمك لينا "
# بتقولوا ااايه ؟
صرخ بها أنس المقبل نحوهم من الخلف ودفعهم بقوة ليستدركوا انفسهم قبل السقوط ولحقوا به راكضون خلفه.
استغرقته هذه الأفكار ، ولم يشعر إلا وقد حمل النعش على كتفه بجانبه عمرو وأحمد و يوسف ، ضج المكان بالبكاء والعويل ، وجحافل من المراء حولهما ، نظرت لمار لهم وهم يحملونه ، و سقط فؤادها بين يديها متناثراً ، وغامت عينيها بغيمة حزينه جاءت بغته لتستقر بالقلب لأبد الضهر.
تخشبت قدميها و ومضات له لاحت أمام عينيها ، فهزت رأسها يمنه ويسر وهي تتراجع للخلف بعدم تصديق ، لا تصدق وكيف تصدق من كان مذ ساعاتً يحادثها ويضحاكها كيف رحل هكذا ؟ ألن ترآه يا حسرتاه على الحياة التى ذهدت منها لماذا لم تريحها قبل ذلك ، لماذا تطرحها بالأوجاع من حينً للآخر.
سقطت جاثية على ركبتيها وهي تمد يدها حينما قبعت صورته أمامها بوجهاً بشوش يتألق ثغره ببسمة رائعه فصرخت ببكاء مزق الأفئدة :
" بلال لا يا حبيبي متغبش متسبنيشششششش لااااااا سيبوه يا ابنييييييي بلاااااااااااال "
بكت كم لم تبكى قبلاً ، لم يكن مجرد غريب ، ترعرع بين راحتيها ، كان ابناً من صلبها.
رجت الأرض رجاً بجنازه حافله بالاحزان.
بجزع خرج أنس معهم للدفن جالساً على مقعد متحرك يجره فيكتور بحزنً عميق وهو يحبس دموعه لئلا تنحدر .
🌷((اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك))🌷
ولت عدت أيام يشرق النهار ولكنه يظل معتم حالك السواد عليهم ، أفئدتهم لا تنبض بالحياه ، وأنما تحيا بالأوجاع ، وسط تلك الأحزان المتواليه ، والأوجاع إللامتناهية ما زال هنالك بصيص أمل متوارياً بسويداء الفؤاد ، منهم من يبتلع وجعه دون ان يدري أحد ويرسم البسمه على وجهه ، عمت الكآبه الدار بغيمة عتمه مفعمه بوابل من الأحزان تمطرها بلا هوادة.
خرج ياسين من المرحاض وهو يجفف شعره بمنشفه وعيناه تجوب بحثاً عن نجمة فؤاده المضيئه بسماء قلبه الكاحله.
برقت بسمه متوهجه على ثغره ، ما أن وقعت عيناه عليها ، جالسه على الفراش تمشط خصلاتها ، ألقى من يده المنشفه على ذراع احدي المقاعد ، ودنا جالساً خلفها وأخذ من يدها الفرشاه قائلاً:
"هااتي اسرحلك أنا"
قطبت حاجبيه بتعجب وبدهش رددت :
" تسرحلي ؟ أنت بتهزر صح ؟! "
أنتشله من بين أناملها وهو يقول :
" اممم لا مش بهزر !"
مشط خصلاتها كأنها أبنته الصغيرة ومدللت قلبه ، ثم همس بحب :
" شكراً لوقفك جنبي في أصعب وقت مر عليا ، مش عارف لو مكنتيش موجوده كنت عملت ايه ؟ ولا حالتي كانت ازاي ، بس اللي متأكد مني إني مكنتش هخرج خالص من الحاله النفسيه اللي سيطرة عليا "
رددت بنبره متألمه من شكره :
" العفو "
أنهى تمشيط خصلاته ثم نهض واقفاً وهو يقول :
" خلصنا يا ستي ، اي خدمة "
ثم أسطرد وهو يخرج من الباب :
" نازززل وجي تمام "
اكتفت بإيماءة من رأسها ، دقائق وكان يصدح رنين هاتفه عالياً ، فتلامست بيدها على الكومود بحثاً عنه فـ ألتقتطه مجيبه فآتاها صوت فتاة رقيق يردد أسم ياسين.
تخشبت كلياًّ بإفكار متعددة ليس لها نهاية والغيره قد بلغت منتهاها ، على حين بغته كان ياسين يجذب الهاتف من يدها بعنف وهو يصيح بصوتاً عال ونبره حادة مهتاجه :
" مين سمحلك تمسكِ تلفوني ،أياكِ تقرريها وتلمسيه فاهمه "
سيطرة الصدمه عليها لا تصدق أذنيها أهذا حقاً ياسين الدائم يعاملها بحنان وهدوء ورقه ، ما تلك اللهجه أنتفضت مكانها راجعه للخلف حينما صرخ بوجهها :
" فهمتي قولت أيه جاوبينيييي "
أنسدلت دموعها بحرقه واؤمأت برأسها بتلقائية ، شعر بأن الألم يعصر قلبه فنظر لها بآسى وهم برفع يديه ولكنه تردد وخرج مغادراً وتركها وهو يجري اتصال ثم قال وهو يصعد سيارته :
" أنا جيلك اهوو في حاجه ولا ايه أنتِ بخير؟"
البارت 27 ج2# دموع العاشقين. بسم الله ، الحمد لله ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين. بـ جسداً فقد روحه جلست "سجى" علىٰ طرف الفراش بصدمه وهوت دموعها بوجع وحادثتها نفسها : "لماذا تبكين ؟ ما يبكيكِ هو لا يحبگ كما تتوقعين كفىٰ غباءً أنه ذهب ليقابل آخرى ، أنتِ مجرد عاله علىٰ فؤاده وهو بإنتظار أن تزول ، وأن ينتهي منكِ فـ أنتِ عائق بطريق حبه" استحضرت لحظاته معه كيف كان متغيراً متقلب الذهن ، شارد موجود وليس بموجود ، لا يرقا لعينه نوم فما أصابه؟ " 🌻اللهم ردنا إليك مردًا جميلاً🌻_ دلفت وعد إلىٰ الملهىٰ الليلي ، مغيره من شكلها ومن ذاتها وجلست علىٰ طاولة قريبه من احدىٰ الرجال عن عمد وترقب. عيناها تجوب بتفحص شديد المكان حولها ، حتىٰ نهض ذاك الشاب مقترباً منها بأعجاب شديد وبسمه غامضه وتساءل ما أن أقترب : " أتسمحين لي بالجلوس معك يا جميلتي" أشارت له وعد ببسمه مزيفه : " بالطبع ، لما لا ؟ تفضل "جلس الشاب الأجنبي بمقعد مقابل لها ، ولم تمحو البسمه من علىٰ شفتيهِ، حتىٰ بادر هو متسائلاً بدهش : " أأول مره لكِ هنا ؟ فلم أراكِ قبلاً؟ "أؤمأت برأسها مؤكده : " أجل هذه أول مره لي هنا ، "دارت عيناها بالمكان وهي تتابع" ولكن لن تكون الأخيرة فـ المكان هنا جميلاً جداً و وجدت راحتي به"تبسم لها وأشار على حانة الرقص قائلاً :" اترقصين برفقتي؟ ثم مد كفه لها مصافحاً؛ أنا جااك وأنتِ ""أيرين" قالتها ببسمه وهي تصافحه ثم تابعت بنبره حزينه عن عمد : " لا ، لا اود الرقص "وبتصنع الهم وضعت كفها اسفل ذقنها بغمٍ فتساءل هو بتعجب: " أيرين ما بكِ لما أنتِ حزينه يمكنك مشاركتي بذلك فقد أصبحنا أصدقاء"بإحتجاج نهضت منفعله وهي تضرب الطاوله بغضب : " اصدقاء ؟ ماذا تريد مني ؟! أنا لست صديقتك ولا تفكر بذلك "أمسك معصمها مانعها من المرور وهو يقول : " أنتظري لنتحدث لا ترحلين هكذا فلتسمعيني "بغضب جامح دفعت كفه بحده وهي تشير له محذرة : " ولماذا اتحدث معك انا لا أعرفك فما الذي يجعلني اثق بك وأنا لا ادري عنك شيء "نهض جاك بثبات واقفاً أمامها وبصره يتفحص جسدها وغمغم : " ولكننا تعرفنا للتو أنتِ أيرين بالمناسبة اسمك جميل جداً ، لن تثقي بي سريعاً معكِ حق ولكن لماذا لا تعطيني فرصه ونصبح أصدقاء ؟ " تصنعت التفكير وهي ترهف النظر له من ثم همست : " حسناً موافقه ولكن عليك اكتساب ثقتي جيداً "اؤمأ برأسه ببسمة واشار لها بالجلوس وتمتم : " من أين أنتِ ؟ "أعتدلت بجلستها وأشارة له بتهكم : " ما يعنيك في ذلك ؟ "دس يده في جيبه مخرجاً شيئاً وهو يقول : " فقط وددت لو أعرف بمناسبة صداقتنا ! . أشار لها بعيداً وهو يهمس : " أنظري هنالك إلي هذا الرجل. نظرت وعد لما يشير فوضع هو شيئاً بكوب عصيرها بمكرٍ وتوعد. لم يمض طويلاً حينما تجرعت كوبها ، وفجأه باغتها دوار شديد ، فنهضت تود الرحيل فكادت بالسقوط فتمسك هو بذراعيها بخبثً شديد فتحدثت وعد بتوهان وهي تحاول نزع يديهِ : " ما الذي حصل لي لماذا ينتابني دوارً شديد ، أتركنن... لم تكمل جملتها وغابت عن نفسها فـ حملها جاك وهو يغمغم بحقد : " الآن جئتي لجحر الشيطان بنفسك فيما كنتِ تفكرين يا ترى أتقبضين عليّ كم أنتِ بلهاء يا فتاه ولكنك جميله لذلك سأتمتع بكِ وحينها ستعملين معي ستكونِ كنزً ثمين لي وسيستمتع بكِ هؤلاء الرجال "أنهى جملته وهو يرتقىٰ الدرج من ثم لاحدى الغرف وأوثق أغلاق الباب جيداً و وضعها على الفراش ونظر لجسدها بنظرات دنيئه ، ثم هم أن يعتليها ويشق ثيابها وعلى حين بغته دفعته بقدمها اليمنى ليرتد للخلف وهبطت وهي تجذب "سكينً" ، ثم بلمح البصر كانت تشل حركته وهي تصدد السكين لعنقه وتحدثت بفحيح : " أين الفتيات ، ستأخذني الآن آليهم بنفسك وإلا "ضغطت بالسكين فأنجرح عنقه وأؤمأ سريعاً : " حسناً حسناً ساأخذك "خطوا الدرج حتى خرجوا من الملهى الليلي ومنه لطريق أزق و وصل بها لبابً آخر بجانب الملهىٰ ، وقرع الباب وجلاً ففتحت فتاة لا ترتدي إلي فستانً قصير للغايه وشعرها مسترسلاً ذات لونً صارخ ومكياج جم شهقت بفزع وهي تنتفض للخلف مرعوبة فأشارت لها وعد بأعين تهيج بالنيران : " لا أريد أن أسمع صوووتك أفهمتي "عيناها جابت المكان فشددت على عنقه بالسكين وهي تصيح : " أين الفتيات ، ثم نظرت للفتاة بحده وبصوتاً أجش صاحت : " هيا خذيني إليهم وإلا لا تلوميني علىٰ موته "هزت الفتاة رأسها سريعاً وركضت إلىٰ حيث غرفه جانبيه وفتحت بابها ، فطالعها فتيات كثيره من يبكون ومن يظهر عليهم أثار التعذيب وفتيات آخريات مثل الفتاة التى فتحت الباب ، دارت عيناها بالوجوه حتىٰ دوى صوت خافت من غادة وهي تهب واقفه بعدم تصديق ، أتسعت أعين وعد بفرحه وانبلج ثغرها ببسمة رائعة ثم تركت جاك والسكين دون وعي وضمت غادة بشوق تطمئن فؤادها أنها بخير. وعلىٰ حين غرة وهي تطمئن على حالها واتتها ضربه قويه علىٰ رأسها فترنحت بوقفتها ، وأستدارت تود البطش بـ جاك وعم الصراخ المكان ثم صمت مطبق حينما قيدوا عدة شباب وعد وابرحوها ضربً حاولت غادة بشتى الطرق أن تحيلهم عنها ولكنهم اطرحوها أرضٍ.🌼فاللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك،ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك🌼دلف ياسين الغرفه غالقاً الباب خلفه بتنهيدة عميق ، وآلتقت عينيه بمن غلبه الشوق إليها فكانت ممدة بفراشها بصمت تام ، عاتب نفسه لما بدر منه مذ قليل ولكنه حصل رغماً عنه يخشى أن تفارقه فدنا منها بصمتً وجلس علىٰ طرف الفراش بجوارها وهم أن يلامس كتفها فـ أبتعدت منتفضه ، فمرر يده على وجهه بضيق وتنهد قائلاً : " سجى متزعليش حقك عليا مش عارف والله أنا كلمتك كدا ازاي؟! "نهضت جالسه بمقعدها ما أن جففت دموعها وهمست بلوعه : " أبداً محصلش حاجه ، دا حق أنا اللي غلطانه إني مسكت تلفونك بس بس كان بيرن لكن مش هتتكرر تاني ان شاء الله واكيد مش هتّقرّ احنا هنطلق قريب"وثب مهتاجاً وهو يصيح : " مين قلك إني هطلقك اصلاً ؟ "تجلت بعينيهِ نظره مفعمه بالإحزان ولم تنبس فكظم غيظه واقترب جالساً أمامها ومد كفه مزيحاً دموعها الساقطه بصفعاتً مؤلمة على فؤادة وغمغم بحزن أكل شغاف فؤادة : " سجى أنا بحبك ومش هسيبك أبداً ولا هطلقك ولا هبعدك عني ، أعرفي ان مفيش غيرك في حياتي وقلبي ، ومحبتش غيرك ، وأعرفي أن غصب عني . لاذ بالصمت لا يدر ماذا يخبرهِ. فصاحت هي بدموع : " فاطمه أنت بتحب فاطمه مش أنا ، أنا سجى مش هي ومستحيل أكون هي "ضاقت عينيه بضيق يا ليتهِ تعلم أنها كوكبه الدري بهذه الحياة الحالكه حوله ، وهي نجمة فؤاده المضيئه التى يتمنى دائماً أن تظل ، وحبيبته الاولى والأخيرة بل أنها أبنته من صلبه ودمه ونفسه وفؤاده ، وهل يوجد احد قد يخشى عليها مثله ؟ وهل احبها قلباً كقلبه يوماً ؟ انه يعشق جل شيءٍ بهِ فؤادهِ روحهِ بساطتها رقته وعفويتها ومرحها هدوءهِ ، ضحكتها التى تسرق فؤاده ، وبسمتهِ التى توهج روحه وتوهج الحياة حوله ، لا يعطى بالاً لعينيها فهو سيكون بصرها التى ترى به سيرعاهه كأنه يرعى نفسه واكثر فهي نفسه بالفعل هي هو لا غير ذلك يا ليتها تشعر.، وكيف لها أن تشعر وهي تشعر بالنبذ من الجميع عاله عليهم بجل امورهِ. تنهد بضيق و وقف قائلاً بحنان : " تعالي ننزل نقعد تحت ؟ "أؤمأت برأسها موافقه فأخذها برفق للأسفل حيث هاله وريم وتالا جالسون. _ جلست أسماء بحزن جم تأكل شغاف فؤادهِ لا يبرح من ذهنهِ صورة بلال التى دلت علىٰ حبه العميق لهِ ، تعاتب نفسهِ كيف لم تستشعر بحبه يوماً ، وكيف كانت دائماً تصرح بحبها لـ حذيفة أمامه دون أن تفقه شيء كانت تجرحه وتؤلم فؤاده وهو لا يبدي شيءٍ. فاقت من شرودها علىٰ يد حذيفة على منكبها وتساءل بنبره حانية : " مش كفايه حزن يا أسماء بلال ممتش دا عايش جوه قلوبنا أنتِ كدا بتعذيبي ، قومي لبسي وتعالي نزوره؟ " كفكفت دموعها وهي تؤمأ برأسها ثم ارتمت بحضنه باكية فطوقها بذراعيه هامساً بمرح : " يااا ادي النيله يا بنتي حرام عليكِ هنغرق كدا مش كدا يا ماما ، لو فضلتِ كدا هطلقك واتجوز غيرك "أبتعدت عنه بإحتجاج وهي تصيح : " تعمل ياخويا ايه سمعني "بكبرياء أجاب وهو يضع قدم فوق الاخرى : " هطلقك يا حبيبي واتجوز غيرك"اتسعت حدقتيها بزهول وعلىٰ بغته جذبت سكين كان قابعاً علىٰ طبق الفاكهه ورفعته بوجهه فأرتد للخلف رافعاً ذراعيه فنهضت بدورها قائله بغيظ: " كنت بتقول ايه يا حبيبي سمعني"ضحك بمرح متصنع الخوف وهو يتمتم : " أنا أقدر أقول حاجه يا قلبي ، ثم جذبها إليه وهمس أمام وجهها : " تعالي هنا وحشني "جلست ديجا على قدم سجى هامسه بحب وهي تعانقها : - وحشتيني يا بت يا سجى "تساءلت سجى بدهش : " بنت "ايون همست ديجا بمحبه وهي تقبلها ثم مالت بوجنتها لوجنت سجى وهي تهمس : " بحبك قد الدنيا "فتدخل ياسين بمرح : " بتحبيها قد الدنيا وانا ايه ؟ "ثم رفع ذراعه محاوطاً كتف سجى وتساءل بمحبه : " يارب تكونِ بتحبيني اكتر من ديجا قصدي سجى"جاءه اتصال فـ ابتعد قليلاً ثم عاد مقبلاً جبين سجى وهو يقول: " سجى عندي شغل خلي بالك من نفسك لحد ما ارجع تمام مش عاوزه حاجه؟ "هزت رأسها رفضت فهتفت ديجا : " مش هتعوز حاجه ياخوويا وانا جنبها"القى لها ياسين قبله في الهواء وهو يرحل لتلتفت ديجا لـ سجى قائله : " انا زهقانه، تعالى نروح عند مكه "صعدت سجى عند مكه وجلسا سوياً بمرح وإذ فجأة تنظر مكه لها بتمعن وتهمس : " أنا ليه حاسه أنك حد مننا مش مجرد وحده غريبه"أكتفت سجى ببسمة بسيطه. لم يمض طويلاً وانضمت لهم سمر الذى غلبها الحزن على حال انس تود لو تك معه تشاركه ألمه. ما أن دلفت قالت بمرح : " سجوج عامله ايه يا بنتي معدتش بشوفك كأننا مش في بيت واحد "نبرتها المرحبه السمحه جعلتها تجيبها بود : " الحمد لله ، موجوده أنتِ اللي مش باينه"ثم استاذنت منصرفه بحرج شديد من جلوسها معهم ظنن منها انها غير مرحب بهِ او وجودهِ يضايقهم. احتجت ديجا بحزن من رحيلها ولكنها اثرت النزول ؛ فما كدت بنهى الدرج حتى زلت قدمها فتمسكت بالدربذين ولكن لم يسعفها الحظ فـ بلحظه كانت سمر تتلقفها بسرعه وهي تلهث وقالت بزعر : " أنتِ كويسه يا سجى ؟ على مهلك طيب تعالي "تبسمت لها سجى بإهتمام ، فـ أخذتها سمر من يدهِ برفق حتى دلفا للغرفه وأجلستها فهمست سجى بنبره خالية : " شكراً يا سمر من غيرك كان زمانِ وقعت"لا ارادياً همست سمر بتلقائيه : " مفيش شكر بين الأخؤات "أمسكت سجى بكفها قائله بود : " اقعدي ، جلست سمر بجانبها فأستطردت سجى قائله بأسف : " انا عارفه إني سبب كسر قلبك وخدت ياسين منك بس صدقيني دالوقتي وهنطلق"هزت سمر رأسها وهي تمسك بكفيها بين راحتي يدها : " لا يا قلبي أنا بشكر ربنا أن جوازي بيه متمتش لأنِ أصلاً اكتشفت إني كنت في وهم وفوقت منه ولو كنت تجوزته كانت هندم ندم عمري بس الحمد لله ، وايه هتطلقوا مستحيل ياسين يسيبك ولا يبعد عنك أنتِ بزواجك من ياسين رجعتِ لينا روح ياسين اللي كانت غايبه ياسين كان جسد متحرك بس لكن انتِ ردتي فيه الحياة هو. بيحبك مش مجرد حب عادي ولكن حب مفيش زيه في العالم دا ومهما كان في محبين عمرهم ما هيكنونوا زي ياسين ولا في عشقه ليكِ ، وانا أبداً مشزعلانه منك بالعكس تماماً أنتِ أختي يا سجى بحسك قريبه مننا مش حد غريب دخل بنا أنتِ كملتي عيلتنا " أشرق وجههِ وبرق ثغرها ببسمه مسرورة ولمعة عينيهِ بدموع الفرح ثم تعانقا بمحبه. # ايه الغش دا بتحضنوا بعض من غيري ؟ تعلقت الأبصار بديجا التى بلحظه كانت تهجم عليهن بحضن عميق ثم تبعتهم مكه وجلسا سوياً يتسامرون بمرح. 🌱جعلنا الله وإيـــاكم من عبـــاده الصابريـــن،،🌱عند أنس أصبح ليله گ نهاره لا يغيره شئ ماكثاً بغرفتة طيلة اليوم لا يبرح فراشه وهو الذى لم يكن يدخل الشقه إلا كل حين قليل ، دلفت زينب متهجمت الوجه بكوباً من الشاي و وضعته جانباً بعنف وهي تصيح بتهكم : - الشاي اهوو ما هو دا اللي نقصني كمان إني اخدمك واشيلك رغم حملي وتعبي ؟ استشاط غضبً من حديثها الاذع الذي جرح كرمته ولكن ما باليد حيلة وهو عاجز قابع بالفراش جاثماً به . نظرت له مشيرة بسخط وهي ترتدي العباءه : - أنا رايحه قعد شوية عند اهلي عشان زهقت ايه يا ربي البلوه دي اللي بلتني بيهِ. طرق طارق علىٰ الباب وتواصل الطرق حتى صاحت بصوتاً عال : - جااايه دقيقه ، ثم نظرت له هامسه بإمتعاض وهي تنفخ بضيق : - أمك جتلك ايه تشيل شويه مش كله عليا اتجوز واحد مبيحبنيش وفي الاخر يتشل ويقعدلي ولا شغله ولا مشغله وخدمه ليل نهار. جز على أسنانه بسخط ويود لو يطلقها ولكنه يردع ذاته بسبب ابنه الذي فى احشاءها فيلوذ بالصمت والتضرع لرب العالمين بالرحمه. انفجرت أساريرة حينما طلت والدته مقبله عليه بتلهف دامعة الأعين مغمومة الفؤاد لحال ابنها وقبلت جبينه وهي تجلس بجانبه هامسه بجزع : - طمني عنك يا حبيبي عامل ايه انهارده معلش اتاخرت عليك؟ أغلق جفنية كاتماً ألمه بفؤادة وهز رأسه قائلاً : - بخير يا ست الكل الحمد لله. جلست دامعه تحبس دموعه بجهد عظيم من نكبة فؤادها فربت أنس على منكبها بمحبه وقال : - ايه بس يا امي بتعيطي ليه ؟ ربتت على كفه بمحبه ثم أمسكتها بين راحتيها وهي تقول ببكاء : - يا رتني كنت مكانك يا حبيبي ولا شفتك كدا أبداً ؟ أعتدل أنس بجلسته ثم جذبها لحضنه مربتاً على ظهرها : • متقوليش كدا يا حبيبتي بعد الشر عنك من كل سوء انا أضحى بروحي عشانك ولا يأزيني فيكِ أبداً ، دا قضاء ربنا والحمد لله لعله خير. طرقات أخرى على الباب كان يعرف مكنونها فهمس بضحكه : - ياسين لهبل جه ؟ ضحكة والدته وهي تفتح الباب فطالعها وجه لمار الذى كسى عليه الألم هي لم تكن هي فبداخلها هنالك زكريات موجعه تاكل الوجع شغافه فأصبح معتم بشدة كئيباً لم تزوره الضحكه مذ وفاة بلال لا سيما تركها ميته لا محاله. عانقتها والدة انس بترحاب ودخلوا تباعاً للداخل ياسين ، عمرو ، يوسف ، فيكتور ، زيد. جلسا جميعاً حتى خرج أنس من غرفته متوكئًا على عصاه فوقف ياسين فوراً بتلهف ببسمه مشرقه وأخذه من يده حتى جلس. أخذهم الحديث بالإطمئنان على حاله ، ثم نهض يوسف جاذباً قدم أصطناعية ومال علىٰ قدم انس وهو يقول : - وريني يا عم رجلك. أبى أنس فى بادئ الأمر إلا ان صاحت لمار بصوتاً لا يقبل النقاش : - أنس مش عايزه اسمع صوتك واسمع الكلام فاااهم. اؤمأ برأسه بكل احترام وموده بينما شرع يوسف بوضعها بقدمه المبتوره ، وحينما فرغ وثب معتدلاً وهو يقول : - تعالى كدا اتمشي شويه هتلاقي الم بس معلش فتره وتعدي وهتتعود عليهِا. أنحرج أنس ولم يريد اظهار ضعفه لأحد أو ان احد يشفق عليه ، فتفهم ياسين ذلك وجذب والده قائلاً : - قعد يا بابا أنت انا هساعد أنس اخويا. ضغط على حروف أخر كلمه ليثبت له أنه أخاً له وليست بين الأخؤات حرج ، فتبسم انس له وهو يدري ما يدور بذهن رفيق دربه ، فسانده ياسين بخفه ، تأوه أنس بخفوت وهو يجز على اسنانه من شدة الألم وضغط بقوة علىٰ ذراع ياسين فتألم فؤاده ولكنه شجعه . ( قطعت رجلك ، رجلي اتكسرت تخليص حق خلص براحتك)فسار أنس وهو يكتم تأوه الذى بلغ الحد حتى أجلسه ياسين قائلاً : - كفياك كدا ان شاء الله بكرا هاجي ونخرج شويه لحد بس ما تتعوض عليها. برفض همس أنس بحزن :- لا يا بني متتعبش نفسك ... أنا هبقى امشي في الشقه لحد ما تعوض. رمقه ياسين بعتاب وهو يقول :- متعبش نفسي ؟ أنت غبى يا أنس لو متعبتش عشانك هتعب عشان مين. ثم بمرح ضربه على كتفه برفق قائلاً : - كله بحسبه يا باشا متقلقش مش ببلاش. # قول بقا كدا انك داخل على طمع! قالها انس بضحكه فشاركه الجميع إلا لمار التى كانت زائغت البصر ، وأخذتهم ذكرى للفقيد الغالي "بلال" فـ أدمعت الأعين وحنت القلوب وأشتاقت الأرواح ، وهاجت الزكريات مفعمه بالأحزان ليعم المكان صمت تبكِ له الأفئده.حرك زيد شفتيه مقاطعاً ذاك الصمت الذى ساد بغرابه وقال بنبره جادة :- أول ما تتعود على الرجل الاصنطاعية شغلك مستنيك "ثم بمرح تابع" بس بقولك الأيام دي مخصومه من راتبك هااا.ضيق أنس عينيه لا يرد شغل ماذا بحالته تلك ونظر له بإستفهام فقال زيد موضحاً :-شوف يا عم أنا كبرت وعجزت ومش قد الشغل ، أنت بقا ظابط وظابط بكفاءه كمان هتقدر بكل سهوله تدير الشركه وتدرب الشباب وتعلمهم الشغل كويس للحراسه.أبتسم أنس له بخفوت وهو يرفض بلطف :- لا طبعاً مش هينفع شكر...لم يستطع أكمال جملته حتى قاطعه زيد صائحاً :- طب قولها كدا و والله ولا تكلمني ولا اكلمك تاني فال شكراً قال غريب اصلي أنا.ضحك ياسين غامزاً له :" ما تسمع الكلام بسكوت دايماً جايب التهزيق لروحك "رمقه أنس بسخط ، فقالت لمار بحدة وحزم :" أنت مش سمعت زيد قال ايه مش هيعيد كلامه تاني لأنك هتنفذه بأمر مني ، ثم نظرت لوالدته باسمه التى انفجرت اساريرة وقالت بضحكه وعيناها تتردّ بينهما :" ايه البخل دا مفيش عشاء ولا ايه"ضحك أنس لحركتها المسرحية وهو يغمعم :" انا عارف وربنا انكم جايين تفلسوني "🌱نسأل الله أن يمنّ علينا بحفظ كتابه، وقراءته آناء الليل وأطراف النهار؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه،،🌱هم ياسين بالدلوف لداخل حجرته فتسمر مكانه على أسكفة الباب ، غمرة الفرحه فؤادة ، وكأنه يحلق عالياً خلف الغيوم من شدة البهجه التى غمدت جوانبه ، فسند بجانبه على الجدار وهو يتأمل ضحكتها التى نعشت فؤاده ، واااه من ضحكتها تلك القادره أن تنسيه أي همً وحزنً قابعاً بين ثناياه ؛ وانبلجت بسمه مشرقه بلمعة عينيه التى برقت . قالت مكه التى لاحظت وجوده للتو : " ياسين جيييت أمتى؟ " أرتبكت لمعرفتها بوجودة وخفق فؤادها المضطرب وتورد. وجهها فنكزتها سمر قائله بمرح : " يا سيدي على الحب ، بت أنتِ لسه بتتكسفى منه دا جوزك"بحرج هزت سجى رأسها ولم تنبس ، وعلى حين بغته تقدم ياسين مقبلاً جبينها وهو يقول بشوق : " وحشتيني "اذدردت ريقها خجله ولاذت بالصمت فتنحنحت مكه وهي تهمس بمرح : " نحن هنا يا عم رميو العاشق "ثم وقفت مستنده بمرفقها على كتفه وهي تتساءل : " من امتى الرومانسيه والهدوء دا ؟ لولا أن احنا عايشين مع بعض وشايفك بعيني مش هصدق أنك ياسين "أبعد مرفقها بمرح وهو يقول : " وأنتِ مالك وبلاش قر ويلا ورونا عرض اكتفكم "قالت سمر وهي تقف بجانبه باعين متسعه : - ايه دا بقا احنا بنطرد ولا ايه ؟ رفع حاجبه وهو يقول ساخراً : " ااااه بتطردوا أنتِ لسه وصللك الكلمه يلا بقا من هنا "ركلت مكه بطفولة الأرض بقدمها وغمغمت : " ايه دا انت بتطردني بجد يلا يا سمر نمشي من هنا "" أكيد أنت مش تقصدني ... وتقصد البنات الوحشين دول صح يا ياسين يا حبيبي "نطقت بها ديجا بكل براءة لينخدع هو لعطفها ولكنها لم تنجح بإستمالته وقال بإستهزاءً مرح : " وأنتِ اولهم يا قلب وروح ياسين يلا بقا اطلعي وراهم"رمقته ديجا بسخط ، ثم رفعت ذراعيها الصغيران لتضم سجى بتملك وهي تقول : " أنا قاعدة مع سجى حبيبتي ... امشي أنت "أرتفعت ضحكات سجى لتفقده ثباته الذى كان يتحل به ، ثم أقترب جاذباً ديجا من تلابيب ملابسها ، فصرخت مستغيثه بـ لمار و والدها ، تركها أرضاً أمام الغرفه ، فوقفت تعدل من ملابسها وهي تتخصر بغيظ وتمتمت : " مينفعش على فكره كدا ... هرفع عليك قضية ... ثم عقدة ذراعيها أمام صدرها ؛ عشان تاني مره متتحرش بطفله هاديه وقمورة زيي كدا "فغر فاه ياسين بسخريه ودهش وغمغم : " نعمممم يااختي اتحرش بمين مين دي القمر "تخصرت باحدى كفيها وباليد الاخرى اشارت له محذرة : " يعني أنا مش قمر، هتشوف دلوقتي هعمل فيك ايه ، هسجنك اصبر عليا"وعلى غفله منه كانت تهوى على قدمه بضربه قويه وهرولت من أمامه بلمح البصر ، هم أن يلحق بها ولكنه ضحك ببهجه وعاد ادراجه لداخل غرفته ، لتتوقف سجى عن الضحك وأعتلاها الحياء وغطت وجهها بكفيها سريعاً كأنها تستشعر تحديقه به ، أبعد كفيها وهو يقول بعدما جلس بجانبها : - أنتِ بتحبيني يا سجى وعايزه تكملي معايا؟ جحظت عينيها من هول الصدمة لم تتوقع ذاك السؤال بتاتاً فأدمعت عينيها وبدت گالمتردّه ، أجل تحبه وأنما حبها فاق الوصف ، الوحيد بهذه الحياة التى علمت معه معنى الأمان والاطمئنان والسكينة ، أصبحت تنام مستكينه بأحتواء يحفها من كل جانب ، علمت معنى الحياة حينما وجدته فأصبح هو كل ما لها ، ولكنها عمياء لن تستطع أسعادة يستحق فتاة آخرى ، أجل هو يستحق ذلك حقاً فكيف سيظل معها وستكون عاله عليه ولست راحة له. رفعت عينيها الغائرة بالدمع وبجفاف قالت: " لا أنا مش بحبكك ". مال على أذنها هامساً بنبره ناعمه أذابت فؤادها : " متتاكده "لاذت بالصمت ثم تذكر هو شيءٍ لينفخ بضيقً وغم وتحدث بنبره نمت عن ألماً وعشق دفين : " سجى أعرفي إني بحبكك ... واي حاجه هتحصل سامحيني لأنها غصب عني ... وأنتِ الوحيدة اللي مراااتي أنتِ وبس . أنتِ وبس حبيبتي وقلبي معرفش غيرك . زفر بضيق وقلبه اعتصر ألماً ثم نهض ونظر عبر النافذة بشرود شاغل الذهن. لم يدر ما مر من الوقت وهو غارق في أفكره ومشكلاته أختلس نظره إليها فوجدها ذهبت بسباتً عميق فتوجه ودثرها جيداً وقبل جبينها بقبله عميقه ولم يأتيه نوم فظل مستيقظً. أغلق الاضواء حوله وجلس بظلام دامس يضيق صدره بين أضلعه ويختنق ولا يدرك كيف النجاة أنه هلاك لا محاله ولا يرد كيف الخلاص🌲اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم أنقني من خطاياي كالثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني بالثلج والماء والبرد🌲دلفت ديجا للغرفه ثم أعتلت الفراش لتضيق ورد عينيها قائله بتساءل : " ديجاا لسه منمتيش مالك يا حبيبتي؟ "هزت ديجا رأسها نفياً ثم استلقت بجانبها مسندة رأسها بحضنها التى ضمتها بحنان وغمغمت : - هتوديني بكرا نزور بلال ؟ "اؤمأت ورد بأعين دامعه وهي تقبل رأسها ثم تلو الفاتحه له . فتحدثت ديجا ببكاء : " أنا مش هشوف بلال تاني يا ماما ، هو وحشني اوووي "أجهشت بالبكاء بنحيب فهوت دموع ورد بتأثر وألم لمن رحل دون وداع او سابق انذار ! وهل للموت أنذار أو ميعاد فـ الوقت الموعود يأتي بغته يا حظ من يرحل وهو منشغل الذهن بالله عز وجل وليس بشئ غيره يا ليت!!! بنحيب قالت ديجا يشهقات : " انا عايزه أشوف بلال يا ماما ويغلس عليا على طول ومش هزعل منه ولا اضيقه عايزه يلعب معايا زي ما كنا بنلعب واصحى هو وحشني اوي هو وعمو عبد الله. خرج عمرو من المرحاض عاري الصدر وهو يجفف شعره فوقع بصره على طفلته وزوجته الباكيتان فتحرك تجاههم وهو يتساءل بزعر : " مالكم في أي "سرعان ما رن بفؤاده ذكريات وموت بلال الأليئمه فتنهد بألم وأقترب مستلقياً بجانبهم وضمهم بحنان. وتمتم بألم وهو يربت على ظهر ديجا : - خلاص بقا يا ديجا متعيطيش بلال كدا هيزعل منك. ذاد نحيب ديجا فنهض وهو يقول :" خلاص بقا مسبتوليش حل تاني"انهى جملته وهو يشرع بدغدغتها هي و ورد فتعالت ضحكتهم عالياً وهم يحاولوا تفادي دغدغته.فأمسكت ورد الوسادة وتوالت عليه بالضرب بها.وحذت ديجا وعمرو حذوها وأخذ بالضرب بالوسائد بضحكات مرتفعه تملأ الشقه بالحياة.جلسا بجانب بعضهما يلهثون وأخذت ضحكاتهم بالهدوء رويداً رويداً ثم غمغمت ديجا مخاطبه ورد :" ماما احكيلي عن القبر "أخذت ورد نفساً عميقً ، ثم جذب عمرو ديجا على قدميه وعانق كتف ورد مقربها إليه وتجلى في عينيه نظرت أهتمام ونظروا لها بترقب فـ أردفت هي قائلة :" القبر يا بنتي بتختلف فيه أحوال البشر وكل شخص بما قدم في دنيته ففى المطيع لربه وده اللي بينير قبره وبيوسع ليه وفي العاصي وده اللي بيتعذب في قبره أشد عذاب فـ عن أبي هريرة : عن رسول الله قال "إن المؤمن في قبره لفي روضة خضراء، فيرحب له قبره سبعون ذراعًا وينور له كالقمر ليلة البدر .. أتدرون فيما أنزلت هذه الآية؟ .. {.. فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124] .. قال "أتدرون ما المعيشة الضنك؟"، قالوا: الله ورسوله أعلم .. قال "عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده إنه يسلط عليه تسعة وتسعون تنينًا. أتدرون ما التنين؟ .. سبعون حية، لكل حية سبع رؤوس يلسعونه ويخدشونه إلى يوم القيامة"أسئل الله لي ولكم أن ينجينا من عذاب القبر ويرزقنا حسن الخاتمهأدمعت أعين ورد متوجسه خفية ثم أردفت هامسه وأنسابت دموعها : " الميت يا بنتي بيدخل القبر يأتي له ملكاً بأسئلة محددة وتختلف كل أجابة لكل ميت وحاله في القبر لكل ميت حسب أعماله التى كان يعملها في الدنيا فلن يدخل معه القبر إلا عمله ، لا مال ولا بيت ولا عيال ولا بما شغل به في دنيا سوا عمله الصالح. فـ عن أبي هريرة : عن النبي قال "إن الميت إذا وضع في قبره إنه يسمع خفق نعالهم حين يولوا مدبرين، فإن كان مؤمنًا كانت الصلاة عند رأسه وكان الصيام عن يمينه وكانت الزكاة عن شماله وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلاة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه. فيؤتى من قبل رأسه، فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل .. ثم يؤتى عن يمينه، فيقول الصيام: ما قبلي مدخل .. ثم يؤتى عن يساره، فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل .. ثم يؤتى من قبل رجليه، فيقول فعل الخيرات من الصدقة والمعروف والإحسان إلى الناس: ما قبلي مدخل. فيقال له: اجلس، فيجلس قد مثلت له الشمس وقد دنت للغروب، فيقال له: أرأيتك هذا الذي كان قبلكم ما تقول فيه؟ وماذا تشهد عليه؟، فيقول: دعوني حتى أصلي، فيقولون: إنك ستفعل، أخبرنا عما نسألك عنه، أرأيتك هذا الرجل الذي كان قبلكم ماذا تقول فيه؟ وماذا تشهد عليه؟، قال: فيقول: محمد أشهد أنه رسول الله وأنه جاء بالحق من عند الله، فيقال له: على ذلك حييت وعلى ذلك مت وعلى ذلك تبعث إن شاء الله. ثم يُفتح له باب من أبواب الجنة، فيقال له: هذا مقعدك منها وما أعد الله لك فيها، فيزداد غبطةً وسرورًا. ثم يفتح له باب من أبواب النار، فيقال له: هذا مقعدك وما أعد الله لك فيها لو عصيته، فيزداد غبطةً وسرورًا. ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا وينور له فيه، ويعاد لك الجسد كما بدأ منه فتجعل نسمته في النسيم الطيب وهي طير تعلق في شجر الجنة .. فذلك قوله {يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27] وإن الكافر إذا أتي من قبل رأسه، لم يوجد شيء .. ثم أتي عن يمينه، فلا يوجد شيء .. ثم أتي عن شماله، فلا يوجد شيء .. ثم أتي من قبل رجليه، فلا يوجد شيء. فيقال له: اجلس، فيجلس مرعوبًا خائفًا .. فيقال: أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم؟ ماذا تقول فيه وماذا تشهد عليه؟، فيقول: أي رجل؟!، ولا يهتدي لاسمه .. فيقال له: محمد، فيقول: لا أدري، سمعت الناس قالوا قولاً فقلت كما قال الناس .. فيقال له: على ذلك حييت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله، ثم يُفتح له باب من أبواب النار، فيقال له: هذا مقعدك من النار وما أعد الله لك فيها فيزداد حسرة وثبورًا .. ثم يُفتح له باب من أبواب الجنة، ويقال له: هذا مقعدك منها وما أعد الله لك فيها لو أطعته، فيزداد حسرةً وثبورًا .. ثم يضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، فتلك المعيشة الضنكة التي قال الله {.. فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124]" [رواه الطبراني في الأوسط وابن حبان في صحيحه وحسنه الألباني فـ المؤمن الصالح يا ديجا بينجى من عذاب القبر بأعماله الصالحه من صلاة وصدقه وأعمال بر فهذه الاعمال تحيط به في القبر وتدفع عنه العذاب ، والأعمال الصالحه بتثبت المراء عند السؤال. واصبحنا في موت الفجأة من علامة الساعة موت لا نستعد له يأتى بغته واخبرنا عنه الرسول ﷺ "موت الفجأة أخذة أسف" [رواه أبو داوود وصححه الألباني. قال تعالى {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185]. بكت ديجا بنحيب وهوت دموع عمرو بصمت فأخذت ورد ببكاء ذا نشيج ثم تابعت قائله بصوتاً متحشرج بقشعريره تسرى ببدنها : " وبلال ماااات شهيد شهيد ليه فضل كبير فـ عبد الله بن حرام مات شهيداً وأخبر الرسول ﷺ ابنه جابر بما لاقى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فيما بعد نبأ عظيم، يصوّر شغفه بالشهادة ..قال عليه السلام لولده جابر يوما : " يا جابر .. ما كلم الله أحدا قط الا من وراء حجاب .. ولقد كلّم أباك كفاحا _أي مواجهة _ فقال له : يا عبدي، سلني أعطك ..فقال : يا رب، أسألك أن تردّني الى الدنيا، لأقتل في سبيلك ثانية ..قال له الله : انه قد سبق القول مني : أنهم اليها لا يرجعون ..قال : يا رب فأبلغ من ورائي بما أعطيتنا من نعمة ..فأنزل الله تعالى : " وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ " .بكت ديجا وهي تستحضر زكريات بلال فذاد نحيبها وهي تقول:" أنا مش زعلانه عشان انت روحت عند ربنا وبقيت في الجنه يا بلال بس أنا زعلانه عشان مش هشوفك تاني"ضمتها ورد ونهض عمرو قائلاً بخفه :" وربنا انزل اجيبلكم الواد حذيفه يضحكم قومي ياختي كفايه عياط منك ليها عشان نصلي "ضحكت ورد وديجا بخفه ونهضوا ليؤدوا صلاتهم ، فما أن فرغوا بعد عدة ساعات تلو وردهم اليومي ، ثم ناما سوياً حيث ضمهم عمرو بمحبه وديجا بالمنتصف." إلي كل مؤمن ومؤمنه ، ماذا تنتظر أحتى يأتيك الموت بغته، لما لا تبادر بتطهير قلبك من كل آفاته وذنوبه وخطايه ومعاصيه ، ولا تجعل للشيطان سطوة على فؤادك ، بادر بالمغفره ، وتوجه إلى الله وبث له شكواك وتوب إليه فلا تدري متى أجلك ، ولا تأجل عمل اليوم إلي الغد . أختي إلا تخشى الموت أثناء محادثتك لأحدى الشباب. او الموت وأنتِ نائمة غافله عن الصلاه. أو الموت أثناء استماعك للأغاني. أخلى فؤادك من هذة الحياةً الفانية ، وأمحي تلك الرواسب العالقه به ، وأقبل على الله وجنته فلا تدري نفساً متى الأجل لعله قريب؟ تفكر بالقبر ، بالحساب ، والنار. أفيقوا من غفلتكم وتأهبوا للأخره. فالموت سنلاقيه جميعنا لا محاله ويجب أن نطهر أفئدتنا من كل الشوائب ونبادر بالأعمال الصالحه والقرب من رب العباد فمن يريد الجنه ؟؟؟ عليه بالإسراع قبل فوات الاوان ، وكن من السائرين إلي الرحمن لأكتساب عفوه ورحمته ورضاه ومغفرته فبادروا إلي الجنة إلى الله ولا تنسوا أنها لدنيا فانيه. 🌳كان عامر بن عبد قيس إذا أصبح يقول:اللهم إن هؤلاء يغدون ويروحون ولكلٍّ حاجة،وإن حاجة عامر أن تغفر له" فـ اللهم اغفر لنا ذنوبنا 🌳هم بالأقتراب من أصدقاءه ، وإذ به يطير عالياً ثم ينطرح أرضاً على حين بغته كل شئ مر بلحظاتً معدودة وغير متوقعه ، لا يدر بشئ سوا صوت ذاك الأنفجار الذى صم أذنيه ، أتسعت عينيه لتلك النيران ونهض بفزع يدور بصره بحثاً عن رفقاءة بقلب مترقب متعطش للقاء ، وإذ بـه يبصر بلال متشوه الوجه لا بد أن تلك النيران لم تتركه سليماً قط ، أبتسم بوجهاً مشرق فبادله بلال البسمة بوجهاً أنار وأشرق وبرق فجأة ، فما أن أوشك بضمه حتى دفعه بلال أرضاً ، وأستقرت رصاصه مخترقه جسدة على الفور ، رفع ياسين بصره غير مستوعب هم بالاعتدال ولكنه تلقف بلال الذى سقط بين يديه ، فصاح بملأ فمه : " حقكككككك راجع يا حبييي هرجعلك حقك وحياة كل دمعه وكل نقطه دم نزلت منك لهدفعهم التمن نااام مستريح "باغته فجأة صوت بلال هامساً : " قول لـ امي متعيطيش وأن ابنها شهيد في الجنة ، قول للمار تفضل قويه ومتتكسرش وانها كانت اكتر من ام ليا وأشكرها ليا على كل اللي عملته.، قول لـ ديجا أنها هتوحشني اوووي وضحكتها وهزارها ولعبها ، وقول لوعد أنها كانت الأخت والصديقه الوحيدة ليا وأنها كانت سند وامان مش أنا اللي سندها قولها كان نفسي أشوفها قبل ما اروح ، قول لـ عثمان كفااايه شغل شغل واهتم بعيلتك شويه الدنيا مش دايمه سلملي عليه وقوله أنه هيوحشني اوووي وهاجي ازوره قولوا سامح صاحبك لو في يوم زعلك ، قول لـ ورد انها شمعت العيله لو اطفت كلنا هنضيع ونتخبط في بعض ، قول لـ انس أن برودي وهزاري معه دا عشان بحبه وميزعلش مني وقولوا إني مستنيه في الجنه.، قول لـ يوسف شكراً اشكره عشان كان أب ليا قولوا ابنك كان نفسه يشوفك قبل ما يغادر ويقولك شكراً ، وأقول لأسماء تفضل فرحاانه على طول لأن لو هي فرحانه انا فرحاااان.، وأنت يا ياسين اكتر انسان بثق فيه بحسك نفسي خلي بالك من نفسك ومتنسنيش وابقى زورني ، أختي أمااانه في رقبتك يا ياسين أتجوزها اوعدني ، أنا ماشي "بلال لا بلال ببببببببببلال صرخ بها ياسين وهو ينهض مزعوراً من نومه تتصبب حبيبات العرق عن جبينه بغزاره ، يلهث كأنه خرج من سباق لتوه. # ياسيييين أنت كويس ؟ همست بها سجى بقلق وهي تتلامس طريقها ناحيته حتى أمسك هو ذراعها وأجلسها بهدوء ثم وضع رأسه بين راحتيه بهم. مدت يدها ثم أبعدت كفيه عن وجهه وضمت رأسه إلى صدرها وغمغمت ببكاء : " بلال في الجنة يا ياسين أنت كدا بتعذبه أقراله الفاتحه هو في مكان احسن من هنا بكتير ربنا رحمه وخد أمانته "# ونعمه بالله بس مش قادر أمحى صورته ولا كلامه. نطق بها ياسين وهو يشدد من ضمها ، فربتت هي علىٰ كتفه بحزن لحاله. لحظات وأبتعد عنها متأسفًا لأفاقتها : " معلش يا بنتي صحتك من النوم "# بنتك ؟همست بها سجى ببسمة عذبه تزين ثغرها ، فضم كتفها إلي صدرة هامساً : " عندك شك أنك قطعه مني فعلاً "توردت وجنتيها لتخفى وجهها بصدره ، فمل مقبلاً رأسها وأسند رأسه على رأسها وشدد من ضمها ، لو أمكن له لتخبئته بين أضلعه لفعلها في الحال دون تردّ وتأنى ، أجفل عينيه متمتعاً بعبيرها الأسر وهو يقول بعشق ملأ روحه : " ربنا يديمك ليا يا كل ما ليا ، دومتي نجمه مضيئه بسماء قلبي الكاحله ، دومتي لي كوكبً دري ينير لي أيامي المظلمة ، دومتي لي حتى لا أعود لوحدتي وأحزاني وهموم قلبي التى لم تنجلى إلا مذ رأيتك ، دومتي لي حتى يمحو كل الظلام الذى كام يحاصرني لتضيئ أيامي ، يا من وجدت روحي بكِ ، بكِ أنتِ فقط يا فراشة الفؤاد "كالنسمة الساكنه استكانت بدفء أحضانه ومنبع حنانه كريشه استقرت فجأة من تقاذفت العواصف ، بعدما تخللت كلماته روحها فاضت عينيها بالدمع وهي تردد :" كل الكلام الحلو دا ليا ، بس أنا مش عايزه أعيش نفسي أموت "أستغفر فوراً وهو يبعدها بعنف وصاح مهتاج :" ايه اللي بتقوليه ده ؟ كفايه بقا حرام عليكِ أنا ما صدقت لقيتك...ثورة من الدموع لم تستطع أخمادة فهوت هوياً على وجنتيها قالت بعدما عادة لحضنه مرة آخرى تحيط بذراعيها ظهره :" أنا تعبت بجد مش عايزة أكون عاله على حد ، أو أن حد يضايق بوجودي ، مش عايزة حد يخدمني ويشفق عليا لأني عاميه ، أنا مبشوفش النور معرفش أصلاً يعني أيه نور ، انا مش شايفة غير ظلام وبس غير كدا لااااا.، انا بخاف انام لوحدي بالليل بتخيل حاجات كتير ممكن تحصلي ، بخاف أمشي بخاف اخكى خطوه وحده حتى بخاف اعمل اي حاجه أنا مش عايشه يا ياسين ، نفسي اصحى في يوم وانا شايفه النور وشايفه الحياه حوليا وشيفاك وبشوف الكل.، أنا معرفتش يعني أيه امان غير هنا "أنهت جملتها وهي تضع يدها على صدرة فضمها أكثر وخفق قلبه متوجعاً.ساد الصمت إلا من نحيبها ، حتى رفع هو ذقنها إليه مزيحاً دمعاتها وبنبراتً عاشقه همس بصوتاً گ النديّ :" لعل أنا عيناكِ التى ترين بهما من اليوم ، اااه لو تعلمين قبلك كيف كانت حياتي لو كنتِ بهِ لضخ قلبي من السعادةً الوان لم يكن ليعرف ما معنى كلمة حزنً او وحده ، أنا سكنك ومأواكِ وعيناكِ يا من عيناكِ ونسي "أنفاسه الساخنه كانت تلفح وجهها بشدة إلا أنها تمتمت بهمسً رقيق :- "ليه أنا "أقترب من وجهها بوجهه وهو يهمس:" وهل يوجد كلماتً تصفك ؟ أو تصف هوايا الذى وقع بكِ منذ الوهله الأولى ، عيناكِ كفيله بإسعاد نفسي وراحة قلبي ، وحضنك يأويني إذ لا مأؤي لي سواه ، من أنا إذ لم تكونِ أنتِ "فتر ثغرها بابتسامه كضوء الفجر وتحسست وجهه بأناملها ثم رفعتهم لتحيط عنقه فجذبها لحضنه حتى أستكانت رأسها على صدره ثم ذهبت بسباتً عميق لأول مرة بجل ذاك الأمان الذى حاصرها. بصباح يومًا جديد فتح ياسين عينيه براحه تجتاحه لم تنتابه قبلاً ، فلم يستطع التحرك بسبب رأسها القابعه بين يديه ، فتخللت أصابعه بخصلاتها ، ففاقت منزعجه على أثر أنامله التى تسير بخفوت على وجنتها فتصنع النوم وهو فاتحاً عينيه يترقبها.،رفعت رأسها مناديه باسمه فلم يجيب فتبسمت وهي تقترب مقبله وجنته فأجفل عينيه سريعاً ثم همست برقه :" أناا بحبك أوي يا ياسين بحس إني قطعه منك فعلاً وبفرح اوي لما تناديني يا بنتِ ومش بخاف أبداً بما انك جنبي يا أماني "# وأنا بعشقك يا قلب ياسين.قالها وهو يخطف قبله سريعه من وجنتها ، وأعتدل جالساً على الأريكه التى احتوتهم ليلاً وهمس بحب وهو يحتوى كفها بين راحتيه :" أنتِ فعلاً بنتي وقطعه منى ومن كياني و وتيني اللي عايش بيه وشغاف قلبي "جذبت كفها لتغطى وجهها بكفيها بحياء فرن هاتفه فـ ابتعد ليجيب ثم عاد لها قائلاً وهو يأخذها من يدها :- تعالي نصلى سوا قبل ما نزل عشان اطمن ان يومي هيكون حلو "تؤضا وادوا فرضهم وتلا ياسين بعضاً من آيات القرآن الكريم وحينما فرغ بدل ملابسه ليغادر ، قبل جبينها بحب وهمس :" همشي مش عاوزه حاجه "# ايوه عايزك تجيلي بالسلامه.قبل وجنتها سريعاً وهو يقول :" هتوحشيني "أبتسمت له تلك البسمة المطمئنه لفؤاده ثم غادر سريعاً ، فتمتمت هي ببهجه :" هو دا الحب بجد ، لو مكنش بيحبني مكنش هيشاركني صلاته ولا نصلوا سوا ولا يعاملني كدا، الحمدلله يارب الحمدلله على النعمه والرزق الكبير دا "لم يمض طويلاً عن غيابه حتى رن هاتفها فأجابت ليأتيها صوته هامساً ببسمه :" طب تصدقي لو قولتلك وحشتيني "ضحكت بخفوت ثم قالت هاربه :" أنت طلعت من غير ما تفطر ؟"همس بمرح :" اهررربي اهررربي ، اه عادي مش متعود أفطر "بجديه تحدثت :" لا عشان خاطري أفطر "تبسم قائلاً بمحبه تغمدة :" حاضر يا بنتي "طرقات خافته على الباب جعلتها تغلق سريعاً معه ودلفت سمر قائله بمرح :" يا عيني يا عيني على العشق يا ولاد اوعدني يارررب.، الاستاذ اللي اسمه ياسين قبل ما يمشى وصاني اجبلك الفطار وأفطرك كمان "" لو مكنش زي ياسين الشرقاوي وحنان ياسين الشرقاوي وعشقه واهتمامه متتجوزيش،😹 ، يلا اضمن محدش هيتجوز ، جوزوني ياسين يا جماعه اهووو دا الحب والوفاء دا اللي يخاف عليكِ حتى من نفسه ويكون ابوكِ واخوكِ وسندك وأمانك ونفسك يفهمك من غير كلام دا الحب الحب الحلال وكفى "دورك من الماء البارد قذف بوجهها بعنف ، فأنتفضت بفرغ متسعت العينين وهي تلهث من فرط الألم والضرب المبرح ، فجحظت عينيها بنظره غاضبه لذاك جاك الواقف بثبات أمامها ودنا منها متلامساً وجهها فنفضت رأسها يمنه ويسر باذراء تحدث جاك بنظره خبيثه : " يا لكِ من فتاة شرسه.، وأنا أحب ذاك النوع عزيزتي. ثم گ المتذكر قال :- بالمنسبه نسيت أخبرك عثمان الذى كان برفقتك انه بحوذتنا الآن. حركت جسدها تود البطش به لولا قيد يدها بذاك المقعد وجسدها ، صدرت ضحكه من جاك بصخب وهو يتحرك ناحية غادة ببسمه ماكره وجذبها من حجابها فندت منها تأوه وبكاء حاد ، أقترب من وعد قائلاً بإستمتاع لمرآها عاجزه وقد أدرك تماماً أن تلك الفتاه تعني لها الكثير :- الآن ارى بعينيكِ كيف أختك ستكن بحضن إحداهما وأنتِ عاجزه ها هنا لن تستيطعي فعل شيء.حدجته بنظرات قاتله تود الفتك به ، ضحك جاك وهو يجذب غادة التى تشبثت بـ وعد باكية بقوة ، فجذبها هو بعنف وحده وخرج بها لتغيب عن أنظارهما.أغلق الباب فور خروجه ففحصت الغرفه بثبات فوجدتها خالية إلا منها ، ظلت تحرك بكفيها حتى أنفك القيد بسهوله ففركت ذراعيها وحلت رباط قدميها ثم نهضت بترقب وحاولت فتح الباب إلا أن وجدته مغلقًا ، فلم تيأس ، وحاولت مرة آخرى ثم أخرجت شيئاً من جيبها وفتحت به مقبض الباب ليطالعها شبان ذو بنيه قويه فلم يمض ثوان وكانت قد قضت عليهم ثم تحركت حيث الغرفه التى كانت بها قبلاً بهدوء فتحت الباب لتأخذ الفتيات وتحركت أمامهم وعلى حين بغته ظهر عدد فائق أمامها من الرجال وجاك وغادة يمسك بها احدً منهم.بسطت وعد ذراعيه أمام الفتيات شاخصة العينين بترقب حتى تخطو خطواتها دون خسائر ، بلحظه كانوا عدة شباب يهجمون عليها ، فقابلتهم هي بشموخ ، كاد أحد بإمسك حديده ويباغته من الخلف لكنها على حين غرة انحنت للأمام ثم جذبته لتوى قدمه فيقع أرضاً ، وسلت منه السلاح ، بأعين ثاقبه كانت تطلق على الجميع بكل قوة وهي تشير للفتيات للخروج ، تسمرت مكانها على بكاء غادة الذى شطر فؤادها وآتاها صوت جاك قائلاً وهو يصك على أسنانه :- لم أتخيلك بتلك الشجاعه والجراءة أيتها الفتاة خسرتيني كثيراً "ثم وهو يقلب بصره برجاله الملاقاه أرضاً" لم اتوقع قط أنك قد تغلبيهن والان أتركي ما بيدك وإلا.صوب السلاح تجاة غادة ، فألتفتت وعد بزهول وهي تلاقى السلاح من يدها ، فصاخ جاك بتشفى :- امسكوا بها جيداً لا تجعلوها تفلت من ايديكم.أمسكوها عنوه وقيدو ذراعيها خلف ظهرها ، دفع جاك غادة بعيداً وأمسك سكين تناوله من احد رجاله وهو يقترب وقال بمقت :- غلطي الأولى إنى قد تركتك على قيد الحياة ، لن أغلط هذه المرة ، وسأخلص عليكِ بنفسى أيتها الشجاعه.حاولت أن تفلت منهم فـ بات محاولاتهم بالفشل وقف أمامها ودفع يده للخلف ثم لمعدتها ، لولا يداً من فولاذ قبضة على معصمه ، رفع جاك عينيه وهم يتمتم لتقابله نظرات رحيم التى أوشكت بحرقه بمكانه ، فتحت وعد عينيها لتتقابل بأعين رحيم للحظاتً ثم هجم عثمان بعدد من قوات الشرطه الأجنبية........
رواية دموع العاشقين الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ندى ممدوح
عاد الشباب من مهمتهم بعد أيام. لم يدر أي حديث يجمع بين رحيم ووعد. تظن وعد أن رحيم تزوج، لذا كانت تتجنب مقابلته، تود نسيانه. لكن هل للروح أن تنسي وطنها ومأواها؟
في إحدى الغرف، كانت تجلس غادة برفقة وعد فور وصولهما. تحدثت غادة ببسمة وهي تجلس على طرف الفراش بإحراج:
"مش مصدقة نفسي إني رجعت. فكرت إني مش هرجع تاني."
أدمعت عينيها وهي تتابع:
"قلت إنّي مش هشوف ماما تاني. مكنتش مصدقة نفسي أول ما شفتك."
ارتمت بحضنها باكية وهي تقول بصوت متحشرج:
"شكراً لأنك جيتي ساعدتيني."
ربتت وعد بمحبة على كتفها وبهدوء تحدثت:
"متقوليش كده. أنتِ أختي يا غادة. مفيش بينا شكر، وكنت مستعدة أعمل أي حاجة عشان ترجعي."
أبتعدت غادة بنحيب وهي تقول بشهقات قوية:
"مش مصدقة إن أخويا، ابن عمي اللي المفروض يكون أخ ليا ويحافظ على سمعته، باعني كدا بسهولة. وكله عشان رفضته. وأنتِ يا وعد ساعدتيني."
ضمت وعد رأسها لصدرها وهي تقول:
"رحيم مش هيسيبه. أنا متأكدة. واحمدي ربنا إنك بخير."
أبتعدت غادة وهي تكفف دموعها وهمست:
"أنا فعلاً بحمده وبشكره إن حصل كدا عشان قابلتك تاني. كنت فقدت الأمل إني أرجع أشوفك والله."
ثم نهضت دون أن تعطي فرصة الحديث لوعد وهي تقول:
"ودلوقتي همشي. بس متأكدة إني هرجع أشوفك وكتير كمان."
أبتسمت وعد بحزن من فكرة رحيلها ونهضت واقفة أمامها وقالت بألم:
"إحنا يلا راجعين. خليكم كام يوم، ليه الاستعجال ده؟"
هزت غادة كتفيها باستهانة وهي تهمس:
"رحيم مصر ومعاه حق عشان ماما."
همت وعد أن تجيب فمنعتها طرقات خفيفة على الباب ودخول أسماء طالبة منهم النزول.
تحدثت لمار موجهة حديثها لرحيم بكل جدية:
"أنا عرفت بكل اللي عملته، وبجد شكراً لحضرتك على مساعدتك لينا. من غيرك المهمة مكنتش هتم."
بادلها رحيم الابتسام وهو يهمس برزانة:
"أنا عملت واجبي. ليه الشكر؟ دي بلدي برضوا."
ضرب ياسين على كتفه برفق وهو يقول:
"أنا مش عارف بصراحة أنت إزاي مش ظابط معانا."
أمسكت ديجا، الجالسة على قدم رحيم، بكفه ودفعتها بعيداً ووضعت كفها هي. فقرص ياسين وجنتها مغيظاً إياها.
تحدث رحيم مجيباً ياسين بهدوء:
"نصيب بقا. هنعمل إيه؟"
ثم قبل رأس ديجا وهو يقول بمحبة:
"عاملة إيه يا خديجة كويسة؟"
أومأت ديجا بحياء وهي تبسل عينيها. ثم خطرت ببالها فكرة، فرفعت ذراعيها معانقة رحيم وتحدثت وهي تنظر مغيظة ياسين:
"مش أنت يا عمو رحيم عاوز تتجوزني صح؟"
صوت أقدام نَبَأ عن نزول أحدهم، فرفع رحيم عينيه مشدوهاً بوعد التي هي برفقة أخته تخطو بضحكات وهمسات بينهما. تابع بعشق جارف يتولد بقلبه من جديد بعدما ظن أنه النهاية، وأن ذاك الحب سيدفن. لطالما لم تغب عن باله قط، لاسيما كانت وما زالت حبيبته الأولى والأخيرة. وما عكر صفو ذهنه هو ذاك اليوم حينما عرف بخداعها له. لا يصدق أحقاً خدعته؟ تنهد بصوتاً مسموع. تابعت ديجا نظراته لتجده محدقاً بوعد فتمتمت بنفسها:
"هو عمو رحيم بيحب البت وعد باين كدا؟"
صفقت بحماس فجأة، فتعلقّت الأنظار بها حتى رحيم. فاق لذاته. فهمست لمار بتعجب:
"إيه يا ديجا مالك؟"
نظرت ديجا لرحيم مشرقة الوجه وهي تقول:
"أصل عمو رحيم بيحب."
التفتت لوعد غير المنتبهة. فأستدرك رحيم الموقف متنبئاً عما تود قوله، فكتم فمها بكفه متحدثاً بضحكة خافتة:
"عمو رحيم قصدي. قصدها تقول عمو رحيم بيحب البلد وعايز يمشي، مش صح يا خديجة؟"
قالها وهو ينظر إليها، فعبست ديجا بوجهها بضيق وابعدت كفيه بسخط:
"لأ، مكنتش هقول كدا."
تحدث رحيم بهمس تام لديجا:
"يخرب بيتك هتوديني في داهية. أنتِ طفلة أنتِ."
نفخت ديجا بضيق ثم ابعدت كفيه وتجلت من على قدميه.
فعقدت لمار حاجبيها بعدم فهم، فتبسم لها رحيم قائلاً:
"طفلة."
تبسمت لمار بتعجب ولاذت بالصمت. بينما أخذ رحيم بالحديث مع ياسين وعثمان.
توقفت الفتيات عند الدرج وتساءلت وعد بترقب وابتسامة مصطنعة:
"أكيد رحيم مستعجل عشان يرجع بسرعة. أكيد عريس؟ اتجوز هو وبنت عمك؟"
انبلجت بسمة ماكرة على ثغرها وهي تقول:
"لأ، الحكاية مش كدا. دا راجع عشان مينفعش يغيب عن البلد كدا."
بتساؤل، أنهت جملتها بغمزة. فأردفت وعد قائلة بتوضيح:
"أبداً بسأل عادي. هما لسه متجوزوش ولا إيه؟"
هزت غادة رأسها نفياً وهي تقول:
"لأ لأ، اتجوزوا بس..."
قاطعتها وعد قائلة بجزع:
"آه ربنا يسعده... تعالي نقعد معاهم."
لم تلهمها فرصة للأكمل، أو تسمع ما تقوله. وكيف لقلبها أن يسمع للمزيد وهو الذي يفيض عشقاً لا يمكن النجاة من لعنته.
في ذات الوقت، دلف زيد معانقاً وعد بشغف واشتياق. ثم ابنه، وصافح رحيم بمودة وجلس بجانبهم يتسامرون.
ثم نهض رحيم وهو يقول ببسمة امتنان:
"شكراً ليكم يا جماعة على استقبالكم اللي فوق رأسي ده. وهستأذنكم لازم نمشي."
انتفض فؤادها ورفعت بصرها به لا إرادياً، كأنها ترجوه أن يبقى ويظل معها. إذ أنها لم تشبع منه بعد. ولم تروِ فؤادها. أسترق نظرة لها وألتقَت أعينهم بنظرة طويلة مفعمة بحديث العتاب والشوق والحنين.
حاولت لمار والشباب أن يثنوه عن رأيه بالذهاب، ولكن كيف لهم بإرداع رأس صعيدي؟
قالت لمار بعتاب:
"والله ما ينفع كدا يا رحيم وبتزعلنا منك."
باعتذار رد رحيم باحترام شديد وهو يغض بصره:
"معلش والله، مرة تانية إن شاء الله. بس لازم نمشي."
تحدث ياسين وهو يضع يده على كتفه:
"طيب على الأقل خليك معانا شوية؟"
أيدت لمار حديثه قائلة:
"أيوه خليك معانا شوية، ولا عايزني أزعل منك؟"
باستسلام أخيراً، عاد رحيم لجلوسه مجدداً.
تحدث زيد بضحكة:
"إيه يا بني الرأس الناشفة دي؟"
ثم بفضول تحدث:
"إلا صحيح، أنت اسمك رحيم مين؟"
تبسم له رحيم. فبادر أحمد قائلاً:
"يا بني، هما الصعايدة دماغهم ناشفة، بس وقت الشدة تلّقيهم جنبك جدعنة وطيبة وشهامة وكرم."
تبسم له رحيم شاكراً، فقال أحمد:
"رحيم حسن لقناوي، مش كدا؟"
أومأ رحيم له ببسمة مؤكداً، فتابع أحمد وهو غافل تماماً عن الصدمة التي احتلت زيد كلياً واتسعت عينيه بقلق بالغ:
"رحيم باباه من أكبر رجال الصعيد، ومن بعده رحيم. والبلد حرفياً كدا. مفيش حاجة بتم من غير مشورته ورأيه."
صمت أحمد قاطباً حاجبيه بدهشة حينما وقف زيد مردداً:
"قولت اسمه إيه؟ رحيم حسن لقناوي؟"
تعلقّت كل الأبصار به، بينما أكد رحيم قائلاً:
"أيوه، رحيم حسن لقناوي."
ثم أمْعَن النظر به قائلاً:
"أنت تعرفني؟"
زيد ناظراً له بتوهان. غريبة هي الأقدار والصدف، وقتما تضع بطريقنا أشخاصاً ظننا أن لن نلقاهم بتاتاً، حتى بأحلامنا. ليضعهم القدر فجأة بطريقنا. أهذه نهاية الطريق أم بدايته؟
بعصبية مفرطة، حرك كفه على وجهه يحاول بشتى الطرق كبح غضبه، ثم قال بنبرة حاول جعلها هادئة:
"هي دي صدفة، ولا انتوا راجعين بعد السنين دي كلها؟ عايزين مننا إيه؟"
"منكم إيه؟ مش فاهم قصدك. تقصد انتوا اللي هو مين بالظبط؟ وأنا هعرفكم منين؟ دي أول مرة أقابلكم؟"
قالها رحيم بتعجب شديد وهو ينهض. لا يدري ما يقصد بكلماته. حقاً لا يفقه شيئاً.
ابتسم زيد ساخراً وتحدث من بين أسنانه:
"عايز إيييييه من أمي يا رحيم؟ انتوا لسه بتفكروا تنتقموا؟"
وقف الجميع مزهولاً ينظر فيما بينهم بتعجب شديد.
بدى له كل شيء واضحاً. بدأت الخيوط تلتئم ليردد بلهفة:
"عمتي؟ يعني عمتي منى هي أمك؟"
أنهى جملته بثقل عظيم وهو يرددها ببطء خوفاً أن يكون حلماً لا أكثر. أحتد الغضب بزيد فأكمل بهيجاً:
"أيوه أمي. أنت بقا بعد السنين دي كلهااا راجع عايز إيه؟"
كانت تدري لمار بكل شيء. هروب والدة زيد مع والده هارون خوفاً من عائلتها، هرباً من بطشهم. ولكن نظرة رحيم المتلهفة صدمته وحيرته أكدت لها أن كل شيء صدفة. فمهما افترق المرء عن سكنه، لا بد له بنهاية المطاف أن يعود. لا بد له أن يلتقوا، وأن يجمعهما القدر، مهما تقلب بالفراق تارة والأوجاع تارة أخرى.
اضمحلت قواه، لا يصدق. أبعد كل تلك السنين يجدها. بعد بحث قصّ من عمره، يجدها دون عناء. يا روعة الصدف والأقدار حينما تفاجئنا بما نحب.
قالت غادة وعباراتها على وجنتيها تسيل:
"أنت بتتكلم جد يعني؟ يعني عمتي عايشة وأنت ابن عمتي؟ أنا مش مصدقة."
أقتربت من رحيم تهزه بعدم تصديق، ترجوه أن يؤكد ما استمعته حواسها:
"رحيم، سمعت قال إيه؟ عمتو لقيناها!"
دنت من وعد ماسكة بكفيه وبدموع غزيرة تابعت:
"عمتي لقيناها يا وعد. أنتِ سمعتيه."
ثم صمتت لثوانٍ وتابعت بألم:
"بعد ما بابا مات لقيناها."
ضمتها وعد مواسية وهي تحاول استيعاب ما سمعته للتو.
بغضب، هم زيد أن يهجم على رحيم الساكن بسرور وقرة أعين. فوقفت لمار حائل بينهما وتحدثت بتفهم شديد:
"أهدأ يا زيد، دي مجرد صدفة. مأظنش إن رحيم مخطط لكل دا، ولا راجع يأذي مامتك."
تحدث زيد ثائراً وهو يحاول الوصول لرحيم:
"اوعى يا لمار. أنتِ متعرفيش حاجة. دول مبينسوش أبداً. أكيد دي خطة من أبوه."
أخيراً خرج رحيم عن صمته قائلاً وهو يدنو منه بعدم تصديق:
"هي فين عمتي؟ فين؟"
نظر له زيد بنظرات حارقة وأمسكه من تلابيب قميصه وهو يقول بسخط:
"أنت عايز إيه منها؟ إياك تفكر تأذيها. أنا أدَفنك هنا؟"
نزع رحيم يده عن قميصه بكل هدوء وهو يردف:
"اتكلم بعقل. أنا مخطط لكل دا إزاي؟ ما هو أنا لو أعرف مكانها كنت جتلها هي. هاجي هنا ليه؟ مفيش حد عايز يأذي عمته."
"وأبويا تعيش أنت. ولعلمك مكنش أبداً هيأذيها. ولآخر لحظة كان بيوصيني عليها."
هدر زيد بانفعال:
"والمفروض أصدقك أنا صح؟"
أبعد الشباب زيد للخلف حينما صرخت لمار تطلب منهم الهدوء وأخذت نفساً عميقاً وأشارت لهم بالجلوس.
صمتوا قليلاً متفكرين، ثم تحدثت لمار مشيرة بسبابتها لزيد:
"مسمعش صوتك أنت فاااهم. خلينا نسمعه هيقول إيه الأول."
ثم وجهت كلامها لرحيم:
"اتكلم يا رحيم. إحنا سامعينك."
حرك رحيم يده بفتور على وجهه وبدأ في توضيح لهم جل ما حصل:
"يوم ما جدي قرر يجوز عمتي لرجال أكبر منها بكتير ومتجوز كمان، بابا حاول قد ما يقدر يمنعه بس منجحش. بعدها عمتي هربت مع بباك هارون."
(قالها مشيراً لزيد وتابع بتنهيدة)
"جدي توفى بعدها بأيام. وفضل بابا يبحث عن عمتي عشان يرجعها ويطمنها ويجوزها بنفسه للي هيصونها، بس للأسف مقدرش يوصلها. وفضل لاخر لحظة لحد ما توفى وهو نفسه يشوفها وشايل ذنب كبير إنه مقدرش يحميها."
رشق كلماته بصدورهم، ثم رنا ببصره لزيد متحدثاً:
"بابا مكنش هيقتل ولا الكلام الهبل دا. بابا كان معرف الكل إنها اتجوزت بوجوده ورضاه. ومكنش بينام الليل وهو قلقان عليها. ورغم ذلك فضل لاخر لحظة عنده يقين إنها هترجع."
عم الصمت والهدوء بعد ذلك، أطرق زيد رأسه مفكراً بكلامه.
"فكر كويس في كلامي. لو لقيت إنّي جاي وناوي شر يا بن عمتي، فـ أنا قدامك. اعمل اللي عايزة بكل رحابة صدر. لو صدقتني، يبقى وديني لـ عمتي عشان ترجع بيتها ولأرضها."
قالها رحيم وهو يتوجه للخارج. فتابعته وعد بصمت.
"كله هيبقى تمام ويعدي. متقلقش."
أنهت وعد جملتها واقفة أمامه، ففترت شفتيه ببسمة محببة لمرآها أمامه وتحدث بهدوء:
"الحمد لله على كل حال. عمري ما تخيلت إنك تكوني صلة الوصل بيني وبين عمتي. لو مكناش اتقابلنا وحصل كل دا، مكنتش هقابلها. سبحان الله على الصدف، وتقلبات الزمن. بعد السنين دي كلها نتقابل."
"لعله خير. متى أراد الله جمعكم لحكمة يعلمها هو."
شارد متأملاً بملامحها، عيناها العميقتان التي تسحره.
فركت وعد أناملها بارتباك وهي تهرب من عينيه المصوبة تجاهها وتحدثت بنبرة مرتبكة مرتجفة:
"شكراً لأنك أنقذتني. لو مكنتش وصلت بالوقت المناسب كان زماني ميتة."
"بعد الشر عنك."
نطق رحيم بتلقائية وهو يتحاشى النظر لها. ما إن استدرك لهفته. ساد الصمت مشحون بالتوتر والإرتباك والكثير من الأحاسيس. بدأ رحيم كالمتفكر، تتقلب قسمات وجهه، ثم زفر بضيق وتنهد بصوتاً مسموع وهتف بوجع:
"عمري ما تخيلت يا وعد إنك تكوني بتلعبي بيا كدا!"
ابتلعت ريقاً جافاً وهي تتحدث باستنكار شديد:
"أنا ملعبتش بيك يا رحيم. أنت اللي مسمعتش باقي كلامي ولا اديتني فرصة أتكلم وأوضحلك."
بنبرة ساخرة متألمة تحدث:
"توضحيلي إيه؟"
بعتاب أوضحت وهي ترفع بصرها بعينيه:
"رحيم، دا كان شغل وكان لازم أخبي عليك اسمي ومهنتي."
(أبعدت نظرها قائلة بصدق)
"لكن غير كدا، أنا كنت صادقة في كل حاجة وأهمهم مشاعري."
رفعت عينها الغائرة بالدمع وتابعت مرددة بألم:
"مبروك على جوزك. يتمم لك على خير."
أنهت جملتها وهي تتوجه للداخل شبه راكضة بخطوات ثابتة متزنة عكس عاصفة فؤادها.
هم رحيم بالحديث ولكنها غادرت بسرعة. صعدت وعد غرفتها مغلقة الباب خلفها وأسندت عليه مجهشة بالبكاء.
خرج زيد مقتنعاً تماماً بصدق رحيم ودون حرف عانقه بصدق خالص. ظل يتحدثان لبعض الوقت حتى خرج عثمان برفقة غادة. واقترب منهما. وتحدث عثمان مخاطباً رحيم بمزاح:
"وأنا أقول لما دخلت تنقذني الواد ده جايب الشجاعة والحنقة دي منين؟ اتاري العيلة كلها كدا."
ضحك له رحيم ثم قال بغموض:
"أنا لقيتك صدفه. مكنتش متوقع لها. وعرفتك فوراً. بس خلي بالك في خاين بينكم. خاين مش سهل كمان."
ضيق عثمان عينيه بتساؤل:
"تقصد إيه؟ مين الخاين؟ أنت تعرفه؟"
ربت رحيم على كتفه قائلاً:
"للأسف لأ. معرفوش ومقدرتش أتعرف عليه. أنا سمعت صوته بس كان مصري. خلي بالك."
أومأ عثمان برأسه مفكراً. ثم أخذ زيد رحيم وغادة لوالدته. ودلف عثمان للداخل مشتاقاً لمن هواها يسكن بالأعماق. لثرثرتها وعفويتها، طفولتها المفرطة.
"رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ"
دلف عثمان للداخل ببسمة مشتاقة وعينين تتوق لضمها. باحثاً عنها، وجدها بالمطبخ تعد كل ما يحبه. فتوقف لدقائق متأملاً بهيام دون صوت. إلا أنها همست دون أن تلتفت له:
"مالك واقف كدا ليه من غير صوت ولا همسة؟"
غبي هو إن ظن أنها لن تشعر به. فكيف للروح أن لا تعرف سكنها؟
"وعرفتي إزاي إني واقف؟"
قالها وهو يضمها بالخلف ويقبل وجنتها. فأبعدت وجهها بإستحياء شديد وتمتمت بتلعثم:
"أكيد يعني هعرفك. قلبي مش هيحس بيك إزاي؟"
مال بوجنته على وجنتها مشدداً من ضمها وهو يقول:
"وحشتيني."
بصوت شجي قالت ببسمة ساخرة:
"واضح فعلاً."
تتألم هي، تود لو تكن أهم شيء له، لو يعطي لها بعض الوقت. ولكن على ما يبدو أنها آخر اهتماماته.
تحدثت بنبرة نمت عن وجع دفين بفؤادها وهي تبتعد ترص الأطباق على المائدة:
"إن شاء الله هيجي يوم ومتلاقنيش جنبك، وهريحك مني خالص. وقتها هتندم وهتتمنى لو أكون موجودة وهتشتاق لكلامي وليا. بس مش هتلاقيني."
"الأكل جاهز. كل قبل ما يبرد."
قالتها وهي تطفئ الشعله. أعترته الصدمة واستولت عليه.
"أنتِ ليه بتقولي كدا؟ أنا عارف إن من يوم جوزنا مقعدناش مع بعض حتى ساعة. بس غصب عني. متزعليش."
يا ليت الجروح تداوي من كلمة. لما ظلت تلك الندبات تؤلم أفئدتنا ولا نستطيع البوح بها. أو كيف نصف ما نشعر به.
تبسمت رغماً عنها بهم شديد، وجلست بجواره بصمت. فأمسك كفيها بين راحتيه قائلاً بهمس:
"طيب ممكن متزعليش لو ليا خاطر عندك؟ أنا مش هستحمل زعلك."
نبرته الرقيقة أذابت فؤادها المتجمد تجاهه. فجالت بعينيها بالسقف ثم رفعت عينيها به أخيراً مذ أن عاد. وشهقت واقفة بصدمة وهي تقول بلهفة:
"إيه دا يا عثمان؟ مالك؟ مين عمل فيك كدا؟"
قالتها وهي تحتضن وجهه براحتيها دامعة الأعين من تلك الجروح بوجهه. لا غرو أن تلك الجروح التأمت، لم تعد كقبل. لا سيما أن فؤادها لم يسعفها على فكرة تحمله ألماً ولو بسيطاً للغاية.
هطلت دموعها وهي تقول بصوتاً مرتجف:
"بتوجعك صح؟"
أمسك كفيها وأجلسها برفق. وبتعجب تساءل:
"يا بنتي أنتِ زعلانة مني؟ وبتَبكي عليا؟"
شهقت بنحيب وهي تقول:
"مش جوزي."
فترت شفتيه ببسمة مشرقة مسرور وهو يجذبها لحضنه مهدئها وقبل رأسها وهو يقول:
"خلاص يا مكتي. متبكيش."
كفكفت دموعها وهي تبتعد متسائلة ببهجة تسري بإوردتها:
"مكتي؟"
طفلته، مكتيه. تبكي وتضحك في آن واحد. عفوية هي وبريئة. تجعل حبها يتضخم بفؤاده لئلا تجعل مكان لأحد به غيرها. قادرة هي أن تنسيه أي ألم مهما كان حجمه وقوته. قادرة لتحيي فؤاده الميت وتلينه من قسوة الحياة وتطيب بخاطره.
قارصها من وجنتها بمناغشة وهو يهتف:
"طبعاً مكتي أنا. أمّال مين؟"
رفع حاجبه متسائلاً:
"أنتِ مش هتأكليني ولا إيه؟"
هزت رأسها وبنفي إجابة:
"هأكلك. أمّال أنا عاملة الأكل لمين..."
"كل يلا."
قطب حاجبيه بضيق متسائلاً:
"إيه كل دي؟ هو انتِ مش هتأكليني ابنك يعني وكدا؟"
تبسمت بحياء وهي تلتقط الخبز وتطعمه بمحبة. حتى رن هاتفه، فأسرع بتقبيل جبينها على عجل وهو يغادر بلمح البصر.
فتنهدت بضيق وأنسابت دموعها كالسيل الجارف. تشتاقه هي ولا يمكنها أن تراه أو تروي فؤادها منه.
"اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم."
اقتربا أسماء وحذيفة من سجى الجالسة برفقة ديجا. فتحدثت أسماء وهي تعانقها بعفوية:
"سوسو عاملة إيه؟ وحشني. مش بشوفك ليه؟ ولا الواد ياسين حبسك فوق."
ضحكة سجى بخفة وهي تقول:
"لأ لأ مش حبسني. أنتِ اللي دايماً في المستشفى."
رفعت أسماء سبابتها على ذقنها وند منها صوتاً وبدت كالمتفكرة وهي تقول:
"اممم حجة مقبولة. ماشي."
كادت سجى بالحديث إلا أن قاطعها حذيفة قائلاً بمرح:
"إيه دا؟ هو القمر دا كله لياسين؟ متسيبك من ياسين وتتجوزي."
"بتقول إيه يا بغل أنت؟"
همس بها ياسين وهو يجذب حذيفة من تلابيب قميصه. ثم بغيرة تحدث وهو يضغط على عنقه:
"تتجوز مين يا جزمة أنت؟ إياك أسمعك بقولها يا قمر تاني، فاهم."
بخوف مصطنع صاح حذيفة:
"يا ماماااا! يا بابا! ابعدوا الغول ده عني! ياااختي هيموتني، هيعملني كفتة."
كاد عثمان أن يهبط الدرج، فهاله منظر ياسين وهو معلق حذيفة رافعه أرضاً. فسقط أرضاً من فرط الضحك.
فصاح حذيفة بغيظ:
"بتضحك على إيه يا باف أنت؟ ده بدل ما تيجي تنقذني. منك لله."
ثم وجه كلامه لياسين:
"ياسين حبيبي يا غالي. سبني أنا لسه في عز شبابي."
انفجرا الفتيات ضحكاً. فلم يستمع ياسين إليه هو أصلاً. بعالم آخر، متنبه فقط لضحكتها. حتى صاح بغيره حينما تنبه للشباب:
"اسكتي يا سجى. مسمعش صوتك."
وضعت كفها مانعة ضحكتها. حتى صاح حذيفة:
"أسماء يا غالية. نادمي لحد ينقذني. يلا يا ماما."
بغيظ وتشفى جلست أسماء بارتياح بجانب سجى.
تحدث ياسين بمكر:
"بقا يا جزمة أنت بتعاكس مراتي."
هز حذيفة رأسه وهو يقول مستنكراً:
"أبداً بقا. بذمتك أنا بردوا أعاكس مرات أخويا؟ اخص عليك يا أسو. ده عثمان."
"يا شيخ دا أنا هديك علقة دلوقتي تقول حقي برقبتي؟"
"وأنا اللي كنت جاي أبعده عنك. بس تصدق تستاهل اللي هيعملوا فيك. موته يا ياسين."
قالها عثمان رافعاً حاجبه بغيظ لحذيفة.
فصاح حذيفة دون أن يشعر:
"يا سجى ابعدي جوزك عشان مشرحهوش ليكي. يا ررربي فينك يا بلال؟ أنت الوحيد اللي بتحوش عني."
تركه ياسين. ثم ساد الصمت والهدوء واستكنوا جميعاً بصمت. فقال عثمان بتعجب وهو يقلب بصره بهما:
"إيه دا يا بني؟ سيبته ليه؟ ده عاكس مراتك. يلا بقا ويبدو كدا بلال مش موجود. يعني هتموت يا عسل."
قطب حاجبيه متسائلاً بقلق:
"انتوا مالكم متجمدين كدا ليه؟"
نطقت ديجا ببكاء وهي تغطي وجهها بين كفيها:
"علشان بلال مااات."
صمت بل طال صمته يحاول بشتى الطرق. تحليل تلك الجملة ومعناها. ظناً منه أنها صغيرة لا تفقه شيئاً. هكذا طمأن نفسه، فابتسم بألم وهو يقول:
"ديجا بتقول إيه؟ فين بلال؟"
ربت ياسين على كتفه وهو يقول بألم:
"بلال تعيش أنت. إحنا خلصنا المهمة دي خاسرين بلال للأبد!"
تجمد عثمان مكانه. نزلت الكلمات على قلبه كوقوع الصاعقة فسحقته تماماً.
"أنت اتجننت يا ياسين؟ إيه اللي بتقوله دا."
نطقت بها وعد وهي تخرج من المنزل منادية على بلال. ودلفت مرة أخرى قائلة:
"إيه دا في إيه؟ فين بلال ومامته وإنجي فين؟"
دنت منها أسماء مربتة على كتفها بدموع لا حصى لها:
"اقريله الفاتحة يا وعد."
خيم على المكان بكاء وعويل وصدمة. كابوس يتمنون أن يفيقوا منه. ذكريات ما مضى تضيء أمام أعين الجميع. بلال، صورته، صوته، كل ما به. أوجعتهم، أماتت أفئدتهم.
بسويداء القلب نبت حنين شديد وشوق للقائه. لكن كيف تخمد نيران الاشتياق لشخص لن نراه مجدداً؟
"رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا"
"طيب ممكن أعرف بنتي حبيبة أبوها زعلانة منه ليه؟"
همس بها ياسين لسجى العاقدة ذراعيها بضيق وتتجنب الحديث معه. ثم ضم وجهها براحتيه وقبل جبهتها بقبلة عميقة وتساءل:
"طب أنا زعلتك في إيه؟ حقك عليا واللي عايزة هعمله بس متفضليش زعلانة كدا وحرماني من ضحكتك. دي الحاجة الوحيدة اللي بتنور قلبي."
تمعن النظر بها باحثاً بكل شوق عن نوره، ضحكتها التي تحاول تخبئتها وهي تغطي وجهها بكفيها بطفولة. ثم تسأل بحنان:
"هااا حبيبي زعلان ليه بقا؟"
أبعدت كفيه عن ذراعيها بضيق مصطنع وجلست على الفراش بعبوس وهي تقول بلوم:
"مش إحنا اتفقنا إنك هتقربني من ربنا وهتأخد بأيدي للجنة..."
قاطعها ياسين وهو يجلس:
"حصل يا بنتي وأنا عند كلمتي طبعاً. بس إيه اللي مزعلك؟"
ضم كتفها لصدره متسائلاً:
"بنتي زعلانة ليه من بابا؟ متوجعيش قلبه."
عبست بضيق حقيقي وهي تقول بعتاب واضح بنبرتها:
"بس بابا مش عند كلمته وصام انهارده من غيري."
صمت ياسين معاتباً نفسه. لم يدر ماذا يقول، فلاذ بالصمت. لم يجد مبرراً لنفسه. فتحدثت هي دامعة:
"أنت مش عايزني أبقى نصيبك في الجنة إن شاء الله؟"
بلهفة تحدث وهو يضغط على كفيها بين راحتيه:
"عايزك طبعاً ومفيش غيرك في دنيتي وجنتي إن شاء الله."
همت بالحديث لكنه قبل جبينها قائلاً بأسف:
"حقك على بابا يا قلب بابا. مش هتتكرر تاني. سماح بقا المرة دي، ماشي؟ ولو اتكررت اعملي اللي عايزة."
"ماشي هااا ماشي؟ فين ضحكتك بقا؟"
ضحكت بخفوت وهي تخبئ رأسها بصدره. فتنهد بأمان واطمئنان وشدد من ضمها براحة وسكينة. ثم تسأل:
"إيه رأيك نخرج؟"
أبتعدت عنه بوجهها المنير وهي تقول مهللة:
"واختار أنا نروح فين؟"
وضع كفه على وجنتها وهو يقول:
"اختاري وأنا تحت أمرك!"
ابتسمت متسائلة بترقب:
"نروح الحسين وناخد البنات معانا."
قالتها وهي تميل برأسها. فقبض حاجبيه بضيق قائلاً:
"لأ نروح لوحدنا؟"
زمت شفتيه بعبوس:
"لأ نروح كلنا."
وافق ياسين وطلب منهن تجهيز نفسهن. بعد وقت ليس بالطويل استقلا السيارات.
حذيفة وأسماء، ومكة ووعد وسمر وسجى وياسين وعمرو وورد وديجا.
"لحظة بس عشان مستني أنس."
قالها ياسين وهما يقفان جانباً، معانقاً كف سجى بكفه بتملك. بينما سمر تقشعر بدنها. أخذت تتنفس مراراً وتكراراً نتيجة خفقان قلبها الراكض. رأته فجأة مقبلاً عليهم مستنداً على عصاه، فارتُبكت وهي تغض بصرها وتحاول تهدئة ضربات فؤادها ولكنها كلما حاولت زادت.
اقترب أنس ملقياً السلام، ثم تقابلت عيناه بآعين سمر لدقيقة، فابتسم بمحبة. ثم أخذت ورد سجى وخطوا داخل الحسين.
"فاللهم لا تردنا عن بابك مطرودين ولا صفراً خائبين وارض عنا أجمعين."
عادا جميعاً قبيل العشاء بعدما قضوا وقتاً ممتعاً عكس مكة التي لم تراودها السعادة وهو ليس معها.
"سجى حبيبي عاملة إيه؟"
همس بها زين وهو خارج من المكتب يتعقبه يوسف. انبلجت بسمة مشرقة على وجه سجى وهي تصيح بفرحة:
"زين أنت هنا! عامل إيه؟"
"الحمد لله يا حبيبتي. أنتِ أخبارك إيه؟ طمنيني عنك كويسة؟"
أومأت سجى ببسمة. من ثم استأذن زين مغادراً ليصيح يوسف بنبرة حادة:
"ياسين تعالى عايزك."
أومأ ياسين برأسه وترك كف سجى هامساً بإذنها:
"لحظة وأجيلك. ماشي؟"
"عمو يوسف شوف الحنة بتاعتي. أحلى من البنات دول صح؟"
همست بها ديجا ببراءة وهي تبسط ذراعيها أمام يوسف ببريق لامع بعينيها. سرعان ما انطفئ، حينما صاح يوسف وهو يدفع ذراعيها بغضب هادراً:
"امشي بقا غوري من وشي السعادي. بلا حنة بلا قرف."
صدمة لجمت الجميع. قطعه بكاء ديجا الحاد ليتنبّه لها. صاحت لمار وهي تدفعه من صدره وقتما وصل لها صراخه بديجا التي لاذت بها:
"فيه إيه؟ أنت اتجننت يا يوسف؟ مالك طايح في الكل ليه؟ أنت مين لاعب في عقلك كدا؟"
دفعها يوسف بحدة وهو يولج مكتبه ويقول:
"تعالى يا ياسين عايزك."
شدت سجى بدموع على كف ياسين ليربت على كفها مطمئناً:
"مش هغيب. متخافيش."
تتبع ياسين والده وتجمع الفتيات حول ديجا التي ضمت سجى باكية. بينما جلست لمار بهن تشعر بأن عائلتها تنهار وتتشتت وهي عاجزة تماماً عن فعل أي شيء. جلست سجى ضامة ديجا لصدرها تحاول تهدئتها. بينما خرج عمرو بعصبية مفرطة من المنزل. وجلست ورد تواسي لمار. تحدث حذيفة متنهداً بضيق:
"هو في إيه بس لكل دا؟ من إمتي عمي يوسف عصبي وبيزعق؟ ولمين؟ لـ ديج..."
قاطع استرسال حديثه صراخ ياسين بصوت عالٍ دون قصد منه:
"مش عاميّة أنا! مراتي مش عاميّة!"
أغروقت عيناها بدموع لا حصى وتعلقت كل الأنظار بها بألم. ببراءة مفرطة مسحت ديجا لها دموعها الساقطة. ثم أبعدتها سجى مقتربة وهي تتبع صوت ياسين بثقل.
"لأاااا عامية وهتطلقها يا ياسين. أنت فااااهم؟ يا أما هبقى غضبان عليك. البنت دي متبقاش مرّات ابني دي هتجيب لك عيال إزاي؟ ولا تربيهم؟ طلقها يا ياسين."
ضرب ياسين على المكتب بغضب. هذه أول مرة يحادث أباه بتلك اللهجة. ولكن حينما يتعلق الأمر بذاته، ماذا عليه أن يفعل؟ مجرد التفكير بغيابها يقتله حياً:
"مش مطلق ومستحيل أطلقهااااا. لو آخر نفس فيا..."
شهقة حااادة صدرت من سجى جعلته يصمت بألم لاهثاً. ألتفت لها وألمته دموعها التي كانت تكوي قلبه دون رحمة.
حرك وجهه بعصبية على وجهه ونظر لوالده بآسف وهو يحرك رأسه يمنى ويسرى. وتحدث:
"ياريييت محدش ليه دعوة بينا."
تود الهرب لو فقط يمكنها الابتعاد عن البشر حتى لا تستمع لكلامهم الجارح الذي يجعل فؤادها ينزف وروحها تود الموت والرحيل من هذا العالم. أرتطم رأسها بقوة بالباب خلفها.
فضحك يوسف بملء فمه لتتحول الأنظار إليه بغرابة وتحدث ساخراً:
"طيب بذمتك في واحد يتجوز عامية؟ ده دي عايزة حد يرفق ليها في كل خطوة. إيه؟ هتقعد في البيت عشانها؟"
ركضت سجى للخارج ولكن تعثر خطاها فهمت بالسقوط أرضاً. ليتلقفها ياسين بحضنه. ومن غير حضنه يتلقفها حاملاً عنها أوجاع الحياة مهما كان حجمها. وأين تذهب إذ لم يكن لحضنه؟ أين تهرب؟ أينما ذهبت ستجد حضنه يتلقفها من مقلبات الحياة مهما كانت.
هوت دموع الجميع وأولهم لمار التي أتقبض فؤادها بوجع لم تعتاده قبلاً، كمن ينسحب منه روحه ببطء شديد. ضم حذيفة أسماء الباكية متأثراً بحالة سجى التي ضمت ياسين بقوة وتبكي بحرقة. لو يستطع ياسين أدخلها بين ثنايا فؤاده لفعلها دون تردد. اقتربت لمار بنظرات مفعمة بالوجع وجذبت سجى عنوة عن ياسين لحضنها. فدفنت سجى وجهها بحضنها وهي تبكي.
"إيه دا في إيه؟ مال سجى؟"
قالها أدهم الذي وصل لتوه مع أحمد. تدور عيناه بالجميع لكنهم لا يفقهون شيئاً.
ربت أدهم على كتف سجى قائلاً بقلق:
"مالك يا سجى بتبكي ليه كدا؟ وإيه الجرح اللي في راسك دا؟"
ابتعدت سجى عن لمار رامية بذاتها بحضن أدهم الذي تلقفها بلهفة. لتهمس هي بصوتاً متحشرج من البكاء:
"باباااا أنت كنت فين؟"
ربت أدهم على كتفها بأعين يغشاها الدمع. بكت ديجا وهي تقترب من سجى قائلة بحزن:
"بس يا سجى متزعليش يا حبيبتي."
حملت سمر ديجا تحاول تهدئتها بحزن عميق غمر فؤادها.
تقدم ياسين بحدة وغضب وهدوء مخيف من والده وتحدث وهو يجز على أسنانه:
"مش مسامحك، بس غصب عني هسامحك. أنا سيبلك البيت وماشي. ويا ريت متدخلش بينا بعد كدا. أنا حر في حياتي يا بابا."
رمقه بنظرة متألمة ثم اتجه ناحية سجى جاذبها دون كلمة من أدهم وضمها بحنان قائلاً بهمس لا يسمعه غيرها:
"بس يا حبيبتي حقك عليا أنا السبب. أحنا هنمشي من هنا."
نظر له يوسف بأعين تتأرجح بها النيران وهدر به:
"بالسلامة. وإياك ترجع تااااني؟"
ثم التفت لداخل المكتب غالقاً الباب خلفه بقوة كبيرة.
أبتعدت سجى بلهفة واستنكار عن ياسين قائلة:
"هتمشي إيه؟ أنت هتسيب أهلك بسببي؟ لأ مينفعش. هما أهم مني. متغضبش بباك منك. أنا أنا همشي."
همت أن تستدير فأمسك ياسين بذراعها قائلاً بحده:
"اسمها هنمشى. امشي يلا."
وقفت حبيبة بوجهه باسطة كفيها بطريقة قائلة بأعين تنبثق منها الدموع:
"لأ يا بني مش هتبعد عني. إيه بس اللي حصل بينكم؟ من إمتى وأنتم كدا؟ فيه إيه بس؟ مش هتمشي يا ياسين."
علا نحيب سجى بقوة وهي تحاول نزع كفها من يد ياسين الذي يحاول إبعاد حبيبة عن طريقه.
"مش كدا يا ياسين. اهدأ ولما عمي يهدأ نعرف فيه إيه. بس متُمشيش. خليك عاقل."
همس بها حذيفة يحاول ثنيه عن قراره.
بكت أسماء وهي تقول:
"أنت مش هتبعد يا ياسين. خليك."
جذبته وعد بحدة من ذراعه. ففي حين ذلك ترك كف سجى. صرخت وعد بوجهه:
"هو إيه؟ هتمشي وتسيب البيت؟ ده بدل ما تحتوي الموقف وتعرف والدك ماله."
تبسم ياسين بسخرية:
"عايز يبعدني عن مراتي. أنتِ متخيلة؟ مفكر إني أسيبها؟ ميعرفش أنها رووحي اللي مقدرش أعيش من غيرها."
اشتد الحديث والنزاع وعلت الأصوات. فجأة وعلى حين بغتة خيم صمت تام وسكون على صرخة ديجا باسم سجى تبعها ارتطام حاد. انتزع فؤاده وهلع ثم هرع لها فوراً.
"اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلبي"
رجع زين للمنزل توجهه للداخل وهم بارتقاء أول درجة فأوقفه قول عائشة التي صاحت به غاضبة:
"أنت السبب في موت بلال، مش كدا؟ كان قصدك ياسين بس الضحية كانت بلال، مش كدا؟"
توجهت إليه وبعنف أدارته نحوها فلم يمانع ولكن نظر لها ببرود تام ووضع يديه بجيب بنطاله. بعصبية تحدثت عائشة ببكاء:
"إيه ذنبهم طيب؟ موتني أنا أهو وسيبهم بقا. أنت قاتل. متخيل يعني إيه؟"
علا نحيبها ببكاء ممزق للفؤاد وهي تردد فقط "قاتل". رفع ذقنها إليه وتحدث بهدوء:
"أنا مش قاتل، ومليش دخل في أي حاجة حصلت. عايزة تصدقي صدقي، مش عايزة براحتك. أنا لو عايز أقتل كنت قتلت أمك من زمان."
رفعت عينيها مزهولة وقد توقف سيل الدموع. رمقها بضيق ثم ربت على كتفه وهو يهمس:
"مش قاااتل يا عائشة."
تركها وأرتقى الدّرج ثم وقف بمنتصفه وتحدث دون أن يلتفت:
"أنا عايز أنتقم بس وأفرقكم. غير كدا لأ. انتوا حرمتوني من أهلي وأنا هحرمكم من بعض. لو تحبي تشوفي أهلك بكرة روحي."
أنهى جملته وأكمل طريقه للأعلى. فجثت بإنهيار لا تدر ما عليها فعله. هي على يقين تام أن والدتها يستحيل أن تسفك دم إنسان بريء. كيف تجعله يفقه كل ذلك وما عليها فعله للحفاظ على عائلتها؟ وكيف تلين قلب المتبلد؟ ما أسخف هذه الحياة حينما تضعنا بكابوس لا نستطيع عليه صبراً، ينهش بكل جزء منا بلا هوادة، ثم يتركنا مجرد شظايا متناثرة لا نستطيع تجميع بقايانا المتهالكة. نتمنى أن نفيق من ذاك الكابوس ولكن متى ينتهي وكيف ينتهي وتلك الأقدار تتقلب بما يحلو لها.
في غرفة بأحد الفنادق، مد ياسين بجوار سجى التي ما زالت غائبة عن نفسها. قست عليها هذه الحياة، فذهبت لعالم آخر لعلها تجد به ما فقدته بهذه الحياة. فك ياسين حجابها وأخذ يمسد على خصلاتها بمحبة وهو يهمس بصوتاً شجي:
"حقك عليا يا حبيبتي."
نظر للمحاليل المعلقة بذراعها، فلاحظ فراغها. نهض بهدوء وخلع الإبرة الطبية من كف يدها ثم قبلها بحنان وبأعين دامعة غمغم:
"يارتني كنت موت قبل ما أشوف وجعك كدا. حاسس بنار في قلبي قايدة."
بوهن وهزل هزت سجى رأسها وقشعت الغشاوه من عينيها بوئيدة. تنبه ياسين لأفاقتها فاعتدل بجلسته متحسساً وجهها وهو يقول:
"سجى أنتِ كويسة؟ فيكِ حاجة؟ حاسة بـ إيه؟"
هطلت دموعها بغزارة وهي تهمس:
"ياسين أنت هتسبني؟"
لم ينبس بحرفاً حتى، ثم جذبها لحضنه بقوة مطمئناً فؤاده ليطمئن ويسكن هيجانه. كأنه يستقبل حبيبًا طال انتظاره وزاد شوقه إليه. ثم غمغم وما زال مغمض العينين:
"ياسين من غير سجى ولا حاجة."
تشبثت به بقوة، فأخذ هو يربت على ظهرها بحنان جم.
بالمنزل، الجميع جالس بحالة لا يرثى لها. الجو معبأ بالهموم والأثقال، كسى عليهم الحزن والغم وطغى أفئدتهم. وثبت حبيبه تجاه المكتب وفتحت الباب بقوة، وجدت ياسين يجلس بصمت تام على مكتبه. تقدمت نحوه وجذبته من ملابسه تهزه وهي تصيح:
"عملت إيه ابني؟ ساب البيت ليه كدا؟ ليه تبعدوا عني ليه؟"
أسدلت ذراعيها وقالت بنبرة منخفضة وهنة:
"ليه يا يوسف؟ من إمتى وأنت كدا؟ ده ابنك هان عليك تبعدوا عنك."
رفعت عينيها بعينيه، فهاله دموعها التي غزت قلبه كالسهم المسموم. هم بتحريك شفتيه، ولكن بادرت هي قائلة:
"طيب إزاي هان عليك تجرح سجى الملاك ده؟ قدرت إزاي؟ فهمني أنت ليه كسرتها كدا."
ضمه يوسف دون حرف، بينما بالخارج جلست لمار بأعين تقدح شرار كلما جالت أمام عينيها صورة سجى الباكية.
"أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر."
صباح يومٍ جديد، خرج يوسف من المنزل مبكراً دون أن يحادث أحد. فأستيقظت حبيبه أو بالأحرى هي لم تنم، أو يرقأ لها جفن ولم يجف لها دمع. ريثما يعود ابنها. لا تدر كيف مر ليلته، أهانئة أم شاقة. أنام مرتاح أم لم ينم. تود لو تطمئن فقط أن يأمن قلبها. فخرجت من الغرفة تبتغي أحد الشباب، فأخبرتها هالة عن ذهابهم للعمل. فكرة قليلاً من تسأل فتوجهت للأعلى مرة أخرى لتنصدم بـ سمر التي كانت للتو تهبط الدرج.
"مالك يا مرات عمي؟ تعالي اقعدي متقلقيش. أكيد ياسين كويس."
كأنها وجدت ذروة للنجاة من أوج أحزانها. تمسكت بساعديها قائلة بلهفة تطل من عينيها:
"سمرر أنتِ روحي لعمك زيد اسأليه عن ياسين. لو قعد في شقة عثمان يبقى عارف وهيطمنك. هتروحي صح؟"
بدت كالمتفكرة قليلاً ثم أومأت برأسها ببسمة:
"أيوه هروح وهرجع أطمنك وأن شاء الله هجيب لك أخبار حلوة."
توقفت سيارة الأجرة أمام شركة زيد. ترجلت وعينيها تجوب المكان. شيء ما يشدها للداخل. دفعت الأجرة وتقدمت لداخل الشركة. لم يمنعها أحد أو الحرس، فل طالما كانوا يعلموا من هي. توجهت للمكتب مباشرةً وهمت برفع يدها لتطرق على الباب ولكنها تسمرت حينما انفرج وطل أنس من وراءه. فأتسعت عينيها بصدمة لم تتوقع ملاقته. تساءل وهو يقطب حاجبيه بضيق وعينيه تجوب بالمكان:
"أنتِ بتعملي إيه هنا؟ ولا تقابلي مين؟"
نبرته الشرسه أرْجَفَتْها، لذا قالت سريعاً وهي تطرف عيناها:
"عايزة أشوف عمي زيد. هو هنا؟"
فتح أنس الباب متنحياً جانباً وهو يشير لها للداخل:
"ادخلي الأول."
دلفت بوئيدة وارتباك وترك الباب مفتوحاً ودلف جالساً خلف مكتبه، وبادر قائلاً:
"زيد سافر الصعيد. في حاجة ولا إيه؟ كلكم كويسين؟"
رفعت بصرها بصدمة وهي تردد:
"سافر؟ لأ مفيش حاجة. كلنا تمام بس؟"
قاطعها قائلاً بلهفة:
"بس إيه؟"
تنهدت بضيق وقالت بقلق:
"امبارح عمي يوسف شد مع ياسين فساب البيت ومرات عمي قلقانة. عشان كدا جيت أسأل عمو."
وثب واقفاً وهو يستند على عصاه متخذاً إياها مرفقاً بطريقة وقال ثائراً:
"إيه الكلام دا؟ إزاي ياسين يعمل كده!"
ثم ألتقط هاتفه مجرياً مكالمة هاتفية برقمه، فرد عليه ياسين، وأملاه مكانه.
أستدار لسمر قائلاً:
"تعالي، عرفت مكانه. هنروح نشوفه."
أكتفت بهز رأسها وتبعته بصمت للخارج، حتى استقلت بالمقعد الخلفي وأدار هو عجلة القيادة منطلقاً.
يسترق من الحين للآخر نظرة مترددة نحوها. قربها مهلك، أهلك فؤاده المضطرب، لا سيما وأناره أيضاً. بجانبه ولماذا هو مشتاق إذاً؟ يود لو يريح فؤاده النازف بكلمة. أما زالت تحب ياسين؟
ألتفت لها في حين ألتفاتها فتلاقت عيناهما لثوانٍ قبل أن تسبل عينيه ويعيد هو نظره للطريق.
هدأت قليلاً من موجة قلبها الراكض وتساؤلت وهي تبتلع ريقاً جافاً:
"أنت كويس؟"
اختلس نظرة سريعة ثم صمت لدقيقة يحاول الثبات وردد:
"اه الحمد لله. سمر أنتِ قصدي عايز أسألك سؤال؟"
رفعت بصرها به قائلة:
"إيه هو؟ قول مالك سكت ليه؟"
باستنكار قال:
"لأ لأ مفيش خلاص. أنسى."
غضت بصرها وهي تقول:
"لأ قول. كنت هتسأل علىٰ إيه؟"
تأفف بضيق وهو يردد:
"أنت لسه بتحبي ياسين؟"
قالها وهو يصف سيارته بإشارة المرور ويتحاشى النظر لها منشغل الذهن يترقب إجابتها.
"لأ مش بحبه، ولا حبيته. مشاعري أنا كنت فاهمها غلط. ياسين دايماً كان أخ مش أكتر. بس أنا اللي كنت غبية وافتكرت مشاعري حب. بس هي مستحيل تكون كدا أبداً."
لا يدر ما أصابه، كأن قلبه وروحه غادر محلقون بالسماء عالياً. توهج وجهه وسطع بريق عينيه وفترت شفتيه ببسمة ميئة. غافلاً عن تلك الأعين التي تنظر لهما بشرار وتوعد.
دقائق وكانوا جلسوا على أحد الطاولات في كافتيريا الفندق. عاتب أنس ياسين لفعلته، وأخبرته سمر بقلق حبيبه ليهاتفها فوراً مطمئناً. وذهب أنس لعمله بعدما وعده باللقاء بعد نهاية يومه.
بعد ذهاب أنس تحدثت سجى بإنقباض بصدرها لم تدر مصدره:
"ياسين أنا عايزة أشوف زين دلوقتي وعائشة. ممكن توديني؟ هما أكيد في الشركة دلوقتي."
زفر بضيق من فكرة تواجدها مع ذاك الشاب الذي لا يرتاح له، وأغمض عينيه مستدعياً هدوئه قليلاً. هم بالرفض لكن هيهات أن يطفئ تلك النظرة التي تنير فؤاده الحالك، فتمتم وهو يقف:
"ماشي يا سجى تعالي نروح... يلا يا سمر تعالي معانا نطمن على عائشة."
قالها وهو يجذب جاكته من ظهر المقعد ثم اثنى ذراعه مسنداً عليه. امسكت سمر بكف سجى وتبعاه للخارج...
بمنزل زين، خيم الصمت والهدوء الدار بغرابة. تجلس عائشة بغرفة صغيرة مخصصة للخدم بحزن عميق طغى على ملامحها، حتى بدت أنها بكهولتها وليس فتاة في مقتبل العمر. تناهى لها صوت عالٍ لأول مرة تسمعه. فنهضت وسارت متهادية للخارج وذاك الصوت يعلو منادياً باسم زين. كان الدار خالياً من أي أحد إلا منها. لذالك خشت قليلاً من تلك النبرة التي تنبؤ بالشر. فتسللت بهدوء للخارج وجدت رجلاً يرتدي بذلة ولكنه كبيراً بالعمر. تعمقت النظر إليه فلم تسعفها ذاكرتها على تذكره... توارت خلف الجدار حينما جال ببصره ناحيته ولكن لم يبصرها. ثم خطى للخارج فتبعته بصمت دون إصدار أي صوت. رآه يستل هاتفه من جيبه مجرياً مكالمة فأسترقت السمع بفضول وهي تقترب مختبئة خلف الجدار.
تحدث سليم بنبرة جافة يعتليها الحقد والكره:
"زي ما توقعت زين لسه مرجعش. أول ما تشوفه طالع خلص عليه. خليني أرتاح من قرفه. هو اللي جابه لنفسه لما مبعدش من سكتي. ويعرف مين هو سليم. خلص عليه وبعدين على البت اللي معتبرها أخته وهيدمر عمه عشانها عشان واحدة من الشارع."
وضعت كفها على فمها تكتم شهقتها. متسعت العينين متجلية بهما نظرة صدمة وخوف. هزت رأسها بدموع لا حصى لها ورددت:
"زين! لاء مش هيحصل له حاجة. لاء."
ركضت للداخل كالمتغيبة عن العالم وأجرت عدة اتصالات به لكنه يغلق بوجهها. ذاك الأبله لو يدرك حالتها الآن أنها تكاد تموت رعباً. حقاً لقد توقفت نبضات قلبها عن الخفقان. هناك من يخنق بها بلا رحمة. أظلمت كل السبل بوجهها فدون تفكير ركضت موقفه تاكسي ومنطلقة لشركته وكل ثانية تطلب من السائق الإسراع. ودموعها لا تهدأ تدعو مولاها أن يحفظه لها.
كأن الزمن متوقف حولها، وأخيراً توقفت السيارة وترجلت بسرعة. فوقع بصرها عليه خارجاً من شركته لتوه متوجهاً ناحية السيارة. رأت من بعيد دراجة عليها شاب ملثم. فخيل لها كل شيء. نادت باسمه بملء فمها فوقف مندهشاً وهو يغلق باب سيارته مرة أخرى. هاله منظرها بتلك الحالة فتقدم حتى وصلت إليه. فضمته دون صوت لتستقر الرصاصة بظهرها. كان السلاح كاتم للصوت لذالك لم يدرك ما أصابه. لكنه باستماذ:
"رفع يديه ينوي دفعها. حتى هاله منظر عيناها التي كساها الاحمرار والوهن وتنظر له بنظرة غريبة لن ينساها مهما طال به الزمن. أطرقت بعينيها لثوانٍ وأنفاسه تكاد تتلاشى وهي تقول بصوتاً منخفض للغاية:
"سليم."
"سليم؟!! مال سليم؟ انطقي."
بنظرة عاشقة وقلب مزدهر لتلك النظرة الحانية من عينيه تبسمت بسمة كأنها شمعة أضاءت فجأة. ورفعت كفيه تضم وجهه وبخفوت أجابت:
"أنا بحبك أوي يا زين."
ثم ارتخت رأسها على كتفه. لم يدر ما يدور لم يستوعب للان. فرفع كفيه محاوطاً ظهرها، لتتلامس أنامله شيء سائل. فنظر بيده وبصدمة نظر لها وهو يردد اسمها:
"عاااااائشة."
صرخ بها ياسين الراكض تجاههم.
"رأيكم وتوقعاتكم."
"ما الذي سيحصل لـ عائشة؟"
"لماذا يوسف تعامل هكذا؟ هل هناك شيء ما يخبئه؟"
(طيب بصراحة كدا أنا والله العظيم بكتب رغم تعبي، ورمضان قرب ومش هقدر يا جماعة أخلصها. دي رواية غالية على قلبي والله ليا سنة بكتب. ما في رواية تعلقت بيها كدا واتمنيت تخلص. بالعكس كنت بستنى بفارغ الصبر تخلص. في منكم بيقول إني ماشية بالبطيء فيها والأحداث طويلة. كيف هي رواية إزاي لو هخلصها في كام بارت والسلام؟ ما إن ممكن أخلصها فسرد بس من غير مشاهد ولا وصف. ثانياً لو تلاحظوا يعني في أكتر من شخصية في الرواية مش مجرد بطل وبطلة بس؟ أنا مش شايفة بصراحة أن في ملل. طبعاً ده من وجهة نظري. اللي شايف فيها ملل ده مش ذنبي مع إن في روايات كتير مجرد شخصيتين والرواية بتفضل أكتر من 30 فصل؟ فـ أنا بردوا هسيب لكم الاختيار وهشوف الآراء الأكثر. انتوا ملتوا وعايزني أنهيها وألخصها؟ مع العلم أنا هكتب لحد رمضان وهحاول ألخص عن ما مخطط لها. لو دخل رمضان ومنتهتش يبقى نكمل بعد العيد وهحاول بردوا أخلصها.)
"قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم"
- نعم يا رب ها أنا ذا من أسرفتُ على نفسي أسمعُ نداءك، أخشى عذابك، أرجو رحمتك إلهي وسيدي نعم مولاي.
"لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ"
- كل الذنوب التي فعلتها ما نسيت منها وما لازلتُ أتذكرها يارب؟ كل الذنوب ستغفرها لي إن رجعت وتبت وندمت وأصلحت؟!
"وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ"
•
رواية دموع العاشقين الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ندى ممدوح
رواية دموع العاشقين الفصل الثلاثون 30 - بقلم ندى ممدوح
الرعب ملأ قلوب الجميع. توقف الزمن بصمتٍ كئيب، ثقيلٌ طلى صدأه على القلوب.
نهض عثمان بصمت، وبلمح البصر كان يختفي من أمام الجميع، مستقلاً سيارته إلى حيث وجهته. يركض قلبه قبله بهلع، على من صورتها لا تفارق ذهنه. ذرفت عيناه الدمع قلقاً، وقلبه ينسحب ببطء، بطريقة مخيفة. كان يقود بطريقة مرعبة، كأنه يتسابق مع الهواء أو ما شابه.
وقفت السيارة أمام مخزن ذي باب خشبي، مصدره صوتاً عالٍ مصحوباً بغبار بصورة ضبابية. جذب سلاحه بأعين تتطاير منها الشرار. تخضب وجهه بحمرة الغضب، يكاد يحرق العالم بأجمعه. ترجل من السيارة، ثم دفع الباب بقدمه للخلف، فانكسر مصدراً صوتاً عالٍ للغاية. عيناه جالت بالمكان، لكن ما زاد شكه أنه لم يرَ أحداً بالمكان ألبته. لم يخرج أحدٌ ليُهاجمه. ليس هناك أي همس أو حركة تدل على وجود أحد.
لكنه لم ييأس، ولج إلى إحدى الغرف التي وجدها مفتوحة، فتسمر مكانه حينما وجدها مجسّية أرضاً، متغيّبة عن الوعي. ركض قلبه بهلع إليها، وقد سبقته عبارته على وجنتيها. هرع لها وحمل وجهها الذي استقبل دموعه بحرقة، ولطم على وجهها برعب وهو يقول بصوتٍ مبحوح:
"مكة، مكة، مكة قومي. عملوا فيكِ إيه؟ قومي يا حبيبتي، متسبنيش بالله عليكِ. متوجعيش قلبي، أنا مش حمل فراق. أنا أخسر الجميع إلا أنتِ. حياتي هتقف لو سبتني. قومي يا مكة."
صدح صوت تصفيقٍ آتٍ من الخلف، مصحوباً بضحكةٍ رجولية بسيطة وجذابة، فالتفت عثمان نصف التفاته، عاقداً حاجبيه وهو يردد بتعجب:
"أنت واقف بتضحك؟ تعالى شوف مكة؟"
تهكم ياسين وهو يقول ببساطة:
"متقلقش، هتصحى دلوقتي وهتبقى تمام. متشلش هم. المهم أنك عرفت قيمتها وتعرف أن الموت ملهوش انذار ولا موعد."
صدمة احتلت سويداء قلبه، وهو يربط الأحداث ببعضها، فوثب واقفاً بزهول وتقدم ناحيته قائلاً:
"فهمني قصدك إيه. كل دا مقلب؟"
أومأ ياسين ببرود:
"أيوه مقلب."
وقف عثمان تائهاً، وادمعت عيناه حينما شعر أن بإستطاعته الحديث، فأنفعل قائلاً بوجعٍ أضناه:
"أنت غبي يا ياسين. أنا كان قلبي هيقف، دي مقلب دي يا أخي. حرام عليك بقا. أنت إيه؟ مبتحسش؟"
أشار ناحية مكة التي لم تزل لم تفق، وقال من بين أسنانه:
"وطبعاً هي مشاركاك المقلب البايخ دا، مش كدا؟"
نفى ياسين ذلك قائلاً بصدق:
"لا، مكة متعرفش أي حاجة. هي دلوقتي تحت تأثير منوم مش أكتر."
ولّى عثمان ظهره وهو يقول بجفاء:
"دا آخر كلام بيني وبينك؟"
حمل مكة وغادر بها عائداً للمنزل، ولحق به ياسين مفكراً. هل ما فعله صحيحٌ أم أنه أخطأ؟ وألمه حقاً؟ بلحظة وضع نفسه مكانه، وقتها فقط، تلك الفكرة أتت فؤاده وسرت الرهبة به؟ ولكن كان قصده خير، فقط لم يكن ينوي إيذاء قلبه بهذه البشاعة؟
حيرةٌ وتوتر... قلقٌ وتردد... وخوفٌ ورعب... كل شيءٍ غزى فؤاده بثقلٍ عظيم. دخل عثمان بمكة، وجد الجميع يضحك، فرمقهم بألمٍ جليّ، ودون كلمة صعد لشقته. فوقف الجميع عقب صعوده مصدومون من ردة فعله.
تنقل النظر فيما بينهم بغرابة، حتى ولج ياسين وأخبرهم بما حصل، فتنهد بضيق وقال:
"شكلنا كدا زودنها أوي عليه؟"
بضيق هتفت وعد على مضض:
"ما أنا قولتلك غلط يا ياسين... أنت وجعته كدا. شعور وحش ما توصفش. مكنش لازم تعمل كده."
وقفت لمار قائلة بحسم:
"طيب تعالوا نطلع كلنا نكلمه."
وافقها الجميع، وذهبوا تباعاً للأعلى، وقرعوا الباب حتى فتح لهم عثمان بهدوء، وبوجهٍ باهت كأن كل ما حصل حقيقي، وهو حقاً خسر مكة. أولاهم ظهره ودلف للداخل، وجلس كأنه جسدٌ فاقدٌ للحياة. فولج الجميع بصمت، وجلس ياسين بقربه، ودفعه من كتفه بكتفه وهو يقول:
"ميبقاش قلبك أسود بقا يا عم. نيتي كانت خير والله، وكنت عايزك تقلل شغلك شوية. مش بقول متروحش، دا بلدك والعمل بتاعنا مش بأيدينا، بس كمان أهلك ليهم عليك حق. وبعدين متنكرش المقلب اتعمل بجدية، حتى أنك مشكتش صح."
حدجه عثمان بطرف عينيه، فارتبك ياسين وهو يستشف منه على ما ينوي. بلحظة كان منكفئاً ملتقطاً حذاءه، لتتسع أعين ياسين وركض بهلع، وعثمان خلفه يصيح:
"بذمتك دا مقلب؟ والله لأوريك... يا كلب قلبي كان هيقف. يا بوز القرد أنت."
وقف ياسين خلف أيهاب متسائلاً من خلف كتفه بغيظ:
"بوز القرد يا معفن يا بيئة."
"أنا هوريك البيئة دي هتعمل فيك إيه."
ظل يركضون خلف بعضهم البعض، يطوفون بالشقة بأكملها. في آوان ذلك، هز يوسف رأسه بعبوس وهو يجلس، يليه فيكتور وأحمد ولمار. ردد يوسف مفكراً بتعجب وحيرة:
"هو دا ياسين ابني ولا حد تاني؟ هو الواحد يتجوز عشان يعقل ولا عشان يتهبل؟ أفهم بس. الواد قبل الجواز كان راسي وعاقل وشخصية كدا الكل بيخاف منه، مكنش بنسمع صوتك. أمّال مين لهبل دا؟"
"الله يخليك يا بابا، شكراً يا غالي، ربنا يديمك ليا."
قالها ياسين بضحكة وهو يضع يده على صدره بتحية، ويقف خلف أحد الأرائك. وعلى حين غفلة، انقض عليه عثمان، أوقعه أرضاً وهو يعتليه، وتم نزاع بينهما. وإذ بضحكات ديجا تعلو تملأ المكان، لينظروا لها الشباب وما زالوا على حالهم، وجدوها تلتقط لهم بعض الصور، وقالت بمناغشة:
"هيييح، هفضحكم."
حدق الشباب ناظرين لبعضهم، وبلحظة كان يختلف الحال، ويركضوا خلف ديجا يحاول أخذ الهاتف، حتى أخذته لمار، غامزة لها وهي تقول:
"أيوه كدا يابت يا ديجا عشان نربيهم."
أومأت لها ديجا بفخر. فحاول الشباب أخذ الهاتف من لمار، لم ينجحوا. قاطعهم قول مكة وهي تخرج من الغرفة تتثاءب:
"هو في إيه؟"
نظر لها عثمان بعشق، وقلب يقرع بقوة مشتاقة لأخذها بين أضلعه، وحقاً أسرع نحوها وضَمَّها مطمئناً ذاته. ابتعدت عنه بحياء وهي تضبط نقابها، محمرّة الوجنتين، ثم جلست بصمتٍ تام بجانب الجميع، وظلوا يتسامرون.
"يا عثمان قولي بس واخدني فين؟ أنا مش شايفة حاجة. شيل الرابطة دي."
همست بها مكة وهي معصومة الأعين، يتمسك بها عثمان دون علمها أين يتجهون. أحست أنها تخطو درجات، لكن إلى أين؟
"خلاص وصلنا أهوو. اهدي بقا وانزلي على مهلك!"
فك رابطة عينيها، وهو يقف خلفها، وضمها من الخلف بتملك، وهو يضع رأسه على كتفها هامساً ببسمة:
"افتحي عينك... هاا أيه رأيك؟"
اتسعت عيناها بزهول، وفغرت فاه بصدمة، وبإنبهار وإعجاب شديد هتفت بزهول:
"إيه دا؟ أنا فين؟ أيه المكان ده؟ أنا في الجنة ولا إيه بس؟"
دارت حول نفسها تتطلع لتلك الخضرة التي تحيطها من كل جانب، والأشجار الراسخة، والأزهار المزدهرة. البحر الأزرق وسكونه الذي خطف عينيها مذ الوهلة الأولى. خيمة صغيرة معلق بها أنوار مزينة بورود حمراء اللون، يليها قلب بالورود وبداخله اسمها. كانت مشدوهة من كل ما يدور حولها. حتى انتشلها من شرودها صوت طائرة تقلع. الآن فقط تنبهت أنها آتت بها، شهقت بفزع وهي ترى المكان خالياً والطيارة تقلع، فظلت تقفز برعبٍ شديد وهي تصيح:
"رايحة فين؟ ده وقفوه، ده هيسبنا."
كبت عثمان ضحكته بصعوبة، وهو يقول مهدئاً:
"اهدي يا مكة، هو هيمشي وهيبقى يرجع."
تخصرت وهي تقول بغيظ:
"وهنقعد هنا لوحدنا في المكان المخيف دا. افتراض أشباح طلعت لنا، ولا اللي بيمصوا الدم دول."
ضحك بملء فمه وهو يحاوط كتفها هامساً:
"لو يا حبيبتي ظهرت حاجة زي كدا، همشي وأسيبك، وهنقذ روحي."
لوت فمها بسخط، وهي تلكزه بقوة قائلة:
"يا بارد! إن شاء الله عفريت يطلع لك!"
ثم دفعته بعيداً وركضت تجاه البحر، ورفعت دريسها قليلاً، فما أن همت بملامسة الماء حتى انتفضت ناظرة حولها، لئلا يكون أحد يراها. فجاءها صوته قائلاً:
"مفيش حد غيرنا هنا... يعني خدي راحتك، بس مش راحتك أوي."
زمت شفتيها بتذمر، وجلست وهي تدلي قدميها، وتدفع الماء بضحكاتٍ عالية، بلحظة كان يجلس بجانبها يفعل المثل، وهو يطوق كتفها. ثوانٍ وكان يغترف بكفيه الماء يقذفه بوجهها، وهي تبعد وجهها بغضب. حتى حذت حذوه، ووقفا يلهون بالماء بضحكاتٍ عالية رنانة، تتراقص على أنغامها أفئدتهم. دفعته بقوة ليقع بالماء على ظهره، وانتفض بفزع راكضة وهي تصرخ. وهو خلفها...... جذبها من ذراعها، فمن شدة الهجوم وقعت أرضاً وهي فوقه، لا تكف عن الضحك. ضحكتها التي أسرت فؤاده. ظل يتابع ضحكتها التي تهدأ شيئاً فشيئاً. توردت وجنتيها وهي تهرب من نظراته هامسة بحياء:
"مالك بتبصلي كدا ليه؟"
رفع ذقنها إليه متسائلاً بتعجب:
"ارفعي راسك وأنتِ بتكلميني... أنتِ لسه بتتكسفي مني؟ أنا جوزك على فكرة، مش حد غريب."
نظرت له بصمت، ولم تحيد عيناها عن عيناه. فتمدد وهو يضع ذراعه خلف رأسه، يراقب ضحكتها التي تحولت لبسمة سحرت فؤاده، وصبغة الحمرة التي زادته حباً فوق حبه. إنها لحظات ومواقف بسيطة، ولكن تبقى ذا أثر بسويداء القلب كسراجٍ منير يوهج الأفئدة. كأن تلك اللحظة قد محت جل ما عانته قبلاً، وأزالت رواسب الحياة جميعها. كأنها لم تعش قبلاً، وها هي تحيا. ليتولد فؤادها من جديد ببدر ساطع بدروب حياتها الكاحلة، فتبدد كل الظلام الذي كان قبلاً. بهجة وسرور، حبٌ سرمدي لن يزول. قلبٌ أصبح كبستانٍ ليس به سوا ورودٌ وأزهارٌ، وزقزقت العصافير وألحان الحب والعشق. لحظات بسيطة قد تحيي الأفئدة بأملٍ جديد يبقى أمد الدهر.
ولج ياسين لغرفته صائحاً بلهفة على سجى، وشغفاً يتخلل سويداءه. بحث بالغرفة فلم يجدها! لذلك خرج متسائلاً عنها، حتى وجدها جالسة مع ورد وديجا. فتنفس الصعداء واتجه بوجهٍ مشرق وعينين تتلألأ من وجهها الضاحك البشوش. ألقى السلام، ثم قبل جبهتها قائلاً على عجل:
"قومي عشان عندنا مشوار ضروري!"
ضيقت عينيها قائلة بتعجب:
"مشوار إيه دا؟"
مال على أذنها هامساً:
"هخطفك يوم واحد!"
ضحكةٌ برقة وهي تهمس:
"أنت عايز تخطفني؟ هقول لماما."
ابتعدت ورد عنهن براحة وهي ترى بهجة سجى. بينما دفعت ديجا ياسين بحدة وهي تقول بغضب:
"أبعد عن سجى حبيبتي ومتقربش منها."
أنهت جملتها تزامناً وهي تضم سجى بتملك. حرك ياسين كفه بغيظ على وجهها، وهو يكظم غيظه بشتى الطرق. بلحظة كان يمسك بديجا من ملابسها، رافعها للأعلى وهو يقول محذراً:
"بت أنتِ... أنتِ في حد مسلطك عليا ولا إيه النظام؟"
صاحت ديجا وهي تهوي بقدميها بالهواء:
"يا سجى الحقيني."
نهضت سجى قائلة وهي تحملها:
"سيبها يا ياسين، ملكش دعوة بيها تاني وإلا هزعل منك ومش هكلمك تاني!"
أمسك ياسين دون كلمة ذراعها هامساً بحسم:
"تعالي طيب بما إن الذوق مش نافع معاكِ."
ولج للغرفة وأغلق الباب، فتساءلت بغرابة وتعجب من فعلته:
"ياسين في إيه؟ قلقتني."
برقة وحنان أمسكها من يديها وهو يقول ببسمة ظهرت جليّة بصوته:
"بصي يا حبيبي عايزك تجهزي عشان رايحين مشوار."
ضيقت حاجبيها متسائلة:
"مشوار إيه وليه؟"
بنفاذ صبر تحدث من بين أسنانه:
"في واحدة يا بنتي تقول لجوزها عايز نطلع ليه؟ البسي يلا قدامك ربع ساعة يلاااااا يا بنتي اتحركِ."
نفخت بضيق وهي تشير له للخارج:
"طيب اطلع الأول."
تساءل بدهشة:
"اطلع ليه؟ افتراض احتجتي مساعدة."
بتذمر صاحت بطفولة:
"ياااسين اطلع وإلا مش هروح معاك."
بإستسلام تحدث وهو يتحرك للباب:
"طيب ماشي اهو، بس متتأخريش، ربع ساعة وبس وإلا هطلع."
أكتفت بإيماءة بسيطة، فخرج مغلقاً الباب خلفه. تنهدت بحبور وهمت أن تستدير، فجأة انفتح الباب وطل برأسه متسائلاً بضحكة:
"متأكدة يا بنتي مش عاوزة مساعدة؟"
ضحكةٌ مرغمة وهي تقول بغيظ:
"ياسين اطلع بره."
زم شفتيه قائلاً وهو يغلق الباب مرة أخرى:
"غلطان، جاي أقولك إن اللبس عندك على السرير."
أغلق الباب مرة أخرى، أخذت الملابس وهمت بالدلوف لدورة المياه، لينفتح الباب مرة أخرى ويطل ياسين برأسه قائلاً بضحكته الرجولية التي تسلبها فؤادها:
"يا بنتي متأكدة أنك مش عاوزة مساعدة كدا ولا كدا؟"
ضحكة سجى ضحكة رنانة وهي تلقي عليه ما بيدها من ملابس، فأغلق الباب فوراً وهو يقول بصوتاً عالٍ بضحكة:
"على العموم مستنيكِ تحت في العربية، متتأخريش يا بنتي."
ارتدت سجى دريس باللون الزهري، ولكنها لم تنجح بلف الحجاب، فجلست حزينة، وأغرورقت عيناها بالدمع. طرقات خافتة تناهت لها، فأذنت للطارق بالدخول، لتفتح ورد الباب قائلة ببسمة:
"جايه أشوف القمر ليكون عاوز حاجة؟"
أشرق وجه سجى وتلألأ وهي تقول بغبطة وحبور:
"ورد كويس إنك جيتي... تعالي ساعديني في لف الحجاب."
بفرحة تقدمت ورد وشرعت بلفه على رأسها، مغطياً جزءها العلوي. فلامسته سجى بمحبة وهي تقول بشكر وامتنان:
"الله... تسلم إيدك يا وردتي.... معلش تعبتك معايا."
ضربتها ورد بخفة وهي تقول بعبوس:
"إيه تعبتك دي؟ اتعبيني براحتي. يلا هطلع أنا وأنتِ انزلي لياسين."
أومأت سجى بفرحة، ثم توجهت للخارج، فما كادت بالاقتراب من الدرج حتى ارتطمت بأحد، لتتأوه وهو يمسكها كي لا تقع. لتعتذر سجى قائلة بأسف:
"آسفة مش قصدي، بس أنتِ مين؟"
همست أنجي بخفوت، ولكن صوتها تناهى لسجى وهي تقول:
"ما أنا عارفة إن مش قصدك، ما أنتِ عامية."
ثم تنحنحت بصوتاً عالٍ وهي تقول بنظرة حادة:
"أنا أنجي أخت بلال وأبقى زوجة..."
صمتت حينما بغتها ياسين بضغطة قوية على ذراعها وهو يقول بهدوء مصطنع:
"يلا يا سجى."
همت سجى بالأعتراض، إلا أنه جذبها من معصمها بحنان دون حديث. أجلسها بالسيارة وجلس بجوارها، ومال على أذنها هامساً بنبرة جادة:
"بلاش طيبة قلبك دي مع الناس كلهااا تمام؟"
صمت قليلاً تستوعب ما يعنيه، فتساءلت بعدم فهم:
"تقصد إيه؟"
وضع كفه على وجنتها هامساً بمحبة:
"يعني يا بنتي بلاش قلبك الطيب دا مع الكل... مش كله زيك... ولا عنده نفس طيبتك... مش كله بيحب الخير لبعضه... أنتِ مفيش زيك قلبك فاهمه.. وعشان كدا مش كل الناس كويسة ونصدقهم... ومش كل اللي يبتسم ويكلمنا حلو يبقى كويس... إحنا في دنيا مصالح وأغلب الناس معانا عشان مصالحهم... فمش نثق أوي في الناس ثقة عمياء... ومش كل المظاهر تبقى حلو، أوقات كتير تكون القلوب وحشة."
فهمتيني يا حبيبتي.
هزت رأسها سريعاً، ليدير هو عجلة القيادة، ثم جذب رأسها يريحها على كتفه بحبور.
صوت ضجيج عالٍ آتٍ من مكتب الاستجواب. نهضت وعد ضاربة بقبضتها الطاولة وهي تصيح بوجه مراد، ثم توالت عليه باللكمات دون هوادة. ضحك هو ضحكة ساخرة وهو يقول والدماء تسيل من فمه، أو بالأحرى من وجهه جميعه:
"تعرفي أنا كنت السبب في كل اللي حصل في الصعيد؟ لما أسروكِ على الجبل كنت أنا السبب. ولما كنتِ هتقعي كنت أنا مخطط لده، بس للأسف جه رحيم وأنقذك."
دفعته وعد من تلاليب ملابسه وأطرحته أرضاً، وانقضت عليه. ظلت تضربه حتى تعبت. ثم بصقت بوجهه وهي تلهث، ورمقته بنظرة حارقة، وخرجت من المكتب وهي تجفف وجهها بكفيها. جلست على أقرب مقعد وهي تتجرع المياه. ثم دوى رنين هاتفها برقم مجهول، فنفخت بضيق وهي تضعه على أذنيها قائلة برزانة:
"السلام عليكم، مين معايا؟"
لم يأتها رد أو همس حتى، ولكن مهلاً، قد خفق فؤادها خفقات شديدة حتى أحست أن فؤادها يكاد يخرج من محله. فأجفلت بإرتباك وهي تبتلع ريقها وهمست بصوتاً خافت:
"رحيم."
عند هذه الكلمة وأغلق الطرف الآخر. ووابل من الأسئلة اقتحمت ذهنها. هل هو؟ وأن كان هو، لماذا يعاملها هكذا؟ لماذا لم يجيب؟ لماذا يفكر بها وهو متزوج الآن؟ شردت بالفراغ وعيناها تتوهج بالأشتياق والحنين له. لكنه صعب، صعبٌ للغاية أن تشتاق لأحد وأنت تعلم علم اليقين أنك لن تراه، ولن تخمد نيران شوقك. بلى، على العكس تماماً، ستظل توقد وتشتغل بلا هوادة، لتكوي الفؤاد وتتعذب الروح ويحترق الجسد.
"ياسين أنت واخدني فين عااااااا."
همست بها سجى مصحوبة بصرخة قوية وهي تتشبث بياسين الذي ضمها ضاحكاً وهو يقول:
"يا بنتي اهدي، دي طيارة يا ماما، متقلقيش، مش هموتك."
أغلقت جفنيها برعب وهي ترتجف، بينما ظل هو معانقها بقوة ويهدأ من روعها. ثم نهض فجأة وأوقفها، وانفتح باب الطائرة، فهمس بمرح:
"مستعدة تطيري في الهواء."
تشبثت بيديه وجلة وهي تقول بخوف شديد:
"ياسين أنت هتعمل إيه؟ أنا خايفة."
جذبها من خصرها مقترباً من الباب وهو يهمس:
"أياكِ تخافي وأنا معاكِ."
قالها وهو ينظر من خلال باب الطائرة المفتوح، لسحب فوقه والأرض التي بدت صغيرة حجماً. ثم جري فحصاً سريعاً للمظلة، وبلحظة كان يضم سجى لصدره ويقفز بها من الطيارة، لتصرخ بملء صوتها. سرعان ما تبددت صرخاتها لضحكاتٍ عالية وهي تطير في الجو وسط الهواء ونسماته، بينما ظل ياسين ممسك بها بإحكام، وهو يروي لها ما حولهم، كأنها ترى وأكثر، حتى استقروا على الأرض.
ظلت سجى تضحك بزهو، أنه شيء كان فقط بحلمها، وها هو أصبح حقيقة مع من دق له الفؤاد ونبض. صفاء وجهها وابتسامتها الرائعة من سويداء الفؤاد جعلتها تشعر أنها تملك سعادة لا تضاهيها أي سعادة أخرى. لا ريب، فسائر السعادة الآن بفؤادها فقط. ضمها ياسين لصدره ضاحكاً وهو يقول بهمس:
"مبسوطة."
أومأت سريعاً وهي تقول على عجل:
"اوي اوي اوي. أول مرة أفرح كدا... حاسة إني في حلم مش مصدقة."
جذبها من يدها لتقف، وهو يقول:
"مش مصدقة؟ طب تعالي نجرب تاني بقا."
على مرأى من النجوم الساهرة، حيث الكواكب تتلألأ على صفحات السماء، بسكون الدجى، وهدوء الليل الذي ينعش الأفئدة بنسماته العطرة. جلس عثمان، وأخذ مكة بحضنه، مستنداً على إحدى الشجيرات ببسمة لم تفارق وجهه، ولعلها لا تفارقه من الآن، ما دامت صاحبة تلك البسمة وسر مكنونها بجانبه قرة عينه وقرة قلبه. تبتسمت مكة وهي تداعب كفه بأصابعها وهمست وهي ترفع رأسها به:
"عايزة أعرف عملت إمتى كل ده؟"
أغلق جفنيه متحدثاً ببسمة:
"أنتِ لسه شفتي حاجة؟"
ابتعدت عنه متطلعة به بزهو:
"هو لسه في حاجة تاني؟"
انعدل وهو يقبل كفيها:
"اومال يا بنتي."
أشار بعينه ناحية السماء، فالتفتت بدورها لتجد أنواراً كثيرة واسمها مشعاً باللون الذهبي، وثبت شاهقة بحبور وعدم تصديق لما ترى عيناها وتسمع أذنيها، كأنها ما زالت لم تستيقظ بعد ولا تود. سحبها عثمان وسارا لبعض الوقت، حتى اتسعت عينيها وهي ترى طاولة عليها جل الأنواع التي تفضلها. المكان مضاء فقط بالشموع، الورود تغطي المكان، مسدلة الستائر حول تلك الطاولة. سارت ناحية المكان مشدوهة، ثم أخذت تصفق وتقفز ببهجة تسري بعروقها. أخذت تتطلع لكل شيء حولها بانبهار، حتى ضمته بقوة وهي تقول:
"أنت عملت كل ده إمتى؟"
شاكسها من وجنتها كأنها طفلة وقال بضحكة:
"فاكرة يوم لما جهزتي أنتِ وأنا اتأخرت، وقتها قررت أعوضك عن اليوم ده. والمكان دا لما بحب أختلي بنفسي باجي فيه، وهيبقى لينا أنا وأنتِ وبس، ووقت ما نزهق من الدنيا والناس نيجي."
اقترب رمضان، الجميع يجهز له بهمّة ونشاط. تمتلئ الأفئدة بالهمة العالية لذاك الشهر الكريم. بهجة وحبور يملأ أرجاء المنزل. السعادة تستوطن الوجوه، البسمة لا تفارق الثغر، والحب يرفرف في الآفاق. الجميع منشغل يجهز "كراتين رمضان" بكل ما لذ وطاب. تركض ديجا وهي تساعدهم بفرحة، تناول هذا وتأخذ من ذاك. وقالت مخاطبة والدها ببسمة تشع من مقلتيها:
"مش أنت يا بابا هتجبلي فانوس رمضان؟"
حملها عمرو ببسمة وقبل وجنتها بسعادة وهو يدور بها:
"هجبلك يا قلب بابا أحلى فانوس."
ثم أنزلها برفق وتحدث بهدوء:
"يلا تعالي ساعديني نخلص وبعدين نوزعهم سوا."
شحذة همة خديجة ببهجة وهي تنتقل هنا وهناك، تساعدهم بكل محبة، تستقبل كل شيء بصدر رحب. تعلم هي أن ذاك الشهر الكريم به حسنات لا تحصى ولن تضيعها أو تتقاعس بها. أنهوا الكراتين ونقلوها الشباب بالسيارات. ثم ذهب عمرو وديجا لتوزعهم، وياسين وسجى، ومكة وعثمان، وحذيفة برفقة وعد. وتبقت أسماء من أجل تعبها.
ولج زين للمنزل بعد يوم عمل شاقٍ بالعمل. مشتاق قلبه لعائشته التي لونت حياته الكاحلة وروت ظمأ روحه. وجدها تقبل عليه وبيدها بعد الشنط "أكياس"، وتحدثت ببسمة وهي تقدمهم له:
"امسك بقا وساعدني."
ارتد للخلف مصعوقاً، ثم تحدث بتوتر وهو يتذكر حينما كان ينام بالمطبخ، وإذ وجد فئران تحيطه من كل جانب:
"لا لا لا، فيها إيه الكياس دي؟ أكيد فيران صح؟ ابعدي."
انفجرت عائشة ضاحكة وأخذت تهدأ آنًا فآن وهي تقول:
"يا بني أبداً مش فيران، والله متخافش، دي شنط رمضان."
قطب حاجبيه بدون فهم وهو يتساءل:
"يعني إيه؟ هتعملي إيه بردوا؟"
عائشة بغيظ وهي تدفع له الأكياس:
"امسك بس كدا، يلا امشي قدامي."
قالتها وهي تدفعه، فتمتم هو ببعض الكلمات.
تجمع الجميع مرة أخرى بالمنزل بعد الانتهاء من توزيع الكراتين. الفرحة تغمرهم كلياً، ليس مجرد فرحة بسيطة، إنها سعادة لا تضاهيها أي سعادة أخرى. لقد رسموا البسمة على الوجوه وأسعدوا أفئدة الناس.
ركضت ديجا تجاه لمار التي تلقفتها سريعاً ببهجة لتقول ديجا بفرحة وهي تقبل وجنتها:
"أنا عملت كله لوحدي، وكمان خلصت كل الرسائل."
قبلتها لمار وهي تقول ببهجة:
"خلصتي كله كله."
هزت ديجا رأسها سريعاً وهي تتمتم:
"أيوه، روحت المستشفى وأديت للأطفال رسائل تفاؤل وهدايا وخلصت كله."
تبسمت سجى وهي تضم كف ياسين قائلة:
"أول مرة أحس بفرحة رمضان."
رفع ذراعه مطوقاً كتفها بحب وهو يقبل رأسها وغمغم:
"وإن شاء الله هتفضلي حاسة بالفرحة دايماً طول ما أنا عايش."
تبسمت بحياء شديد، لتنظر لمار لها بفرحة وأمان.
وقف عثمان صائحاً بلهفة:
"إمتى هنعلق الزينة دي؟"
دفعته مكة بإحدى الوسائد وهي تقول بغيظ:
"أنت عيل يا بني، اقعد."
رفع حاجبه لها بغيظ، فقالت لمار ببسمة هادئة:
"شوية وعلقوا براحتكم."
جلست "زينب" باكية وهي تستمع لإحدى المحاضرات التي أرسلتها "ورد" بالجروب الديني التي صنعته خصيصاً بينها وبين الفتيات للتشاور بين الحلال والحرام والاستماع لمحاضرات علم ومعلومات دينية وهكذا. وحقاً قد فدتها كثيراً جداً، تغيرت بنسبة كبيرة، أصبحت ذي قلبٍ سليم خالي من كل آفة. لا تترك فرضاً بعدما كان الكسل يردعها عن التفكر بأداء فرضها حتى! غدت هادئة، تفعل كل شيءٍ برضى. دموعها لا تجف ولا يرقأ لها دمع من شدة الخوف والوجل من الموت. تقيم ليلها باكية ساجدة تتضرع وتبتهل للرحمن أن يغفر لها ويعفو عنها ويهديها ويثبت فؤادها على الإيمان... أصبح يومها عبارة عن صلاة وأذكار وصيام وفعل كل خير وما يوجب فعله... طردت الحياة الدنيا من فؤادها وذهنها وكيانها وتبقى شيء واحد: التقرب من خالقها وطلب عفوه ورضاه وترجو الجنة. تناهى لها صوت إغلاق الباب، لتكفكف دموعها سريعاً ونهضت مقبلة من أنس ببسمة لم تعد تفارق وجهها. فتحدث هو بهدوء ملقياً السلام:
"السلام عليكم."
قبل جبهتها بهدوء ثم جلس بوهن على الأريكة. فردت هي السلام، وهمست بذات الهدوء:
"أحضرلك الأكل؟"
نظر لها لثوانٍ يستشف ما يعتمل صدرها وما ذاك التغير الذي انتابها بغتة، ولكنه يسعده ويريح فؤاده ويرضيه. فامسك ذراعها قائلاً بحسم:
"اقعدي يا زينب عايزك."
جلست بصمت بجانبه وما زالت البسمة على ثغرها مشرقة المحيا، ناظرة له بأعين محبة. همهم أنس قائلاً بزهو:
"مالك يا زينب؟ فيكِ إيه؟ حاسك مخبية عني حاجة. بحسك عايزة تتكلمي ومش عايزة!"
نكست رأسها بحزن جلي، وأغرورقت مقلتاها بالدموع، فزاد قلقه، ضم كتفها مقربها إليه وتساءل:
"أنتِ لسه مفكرة إنى بفكر في سمر؟"
لم يأتيه رد، فقط دموعها هوت بصمت بحرج شديد بتوتر. شعر بخوف يتملكها، فتابع هو مردفاً:
"زينب أنا مش هقولك نسيتها، هبقى كذاب... بس اعرفي إنك دلوقتي وابني أهم من أي حاجة عندي... وأنا متأكد إن هيجي يوم وهنساها خالص... بس اديني فرصة."
رفعت عينيها بعينيه. فردد بضيق:
"بتعطي ليه طيب؟"
أزاح دموعها بأنامله برفق، وهم بإن يتحدث، لكنها قالت بنحيب ونشيج:
"سمر كويسة، هي كويسة جداً كمان... هي تستاهلك أكتر مني... أنا مستاهلكش!!"
ردد بدهشة وأعين زائغة:
"بتقولي إيه......"
قاطعته قائلة وهي تغطي وجهها بكفيها وتذرف الدمع:
"متقطعنيش... أيوه أنا وحشة وكنت مخططة أقتل سمر بسبب غيرتي منها... كنت هدخل النار. بس لما ورد ضفتني في الجروب وسمر وكلهم بيعاملوني حلو ومش بيبخلوا عني بعلومة وأنا تغيرت... أنا بقيت بصلي ولبسي تغير وطريقتي وطريقي كل ما فيا تغير... أنا وحشة أووووف..."
صدمت حينما ضمها أنس لصدره مهدئها وهو يغمغم بابتسامة:
"يا حبيبتي أنا عارف كل دا... ومش مهم، المهم إنك تعلمتي من الغلط... وعرفتي غلطك وذنبك وتوبتي منه... دا ربنا بيحبك عشان كدا رَدّك لية... فـ احمديه واشكريه ومتفكريش في الماضي تاني خالص، راح... وقولي الحمد لله إن ربنا نجا سمر ومحصلهاش حاجة... وأنتِ عرفتي غلطك وتوبتي ورجعتي لربك، دا أهم حاجة."
ابتعدت عنه بزهول تود لو تنشق الأرض وتبتلعها كي لا يراها الآن، وغمغمت وهي تبتلع ريقاً جافاً:
"أنت كنت عارف؟"
أومأ برأسه مؤكداً، ثم قرر تغيير الحديث بلحظة، فقال مبتسماً:
"قومي يلا خلينا نخرج سوا."
أنهى جملته وهو يجذبها من يدها بحنو.
خرج ياسين من دورة المياه بمنطال قطني من لون الكحلي، ومنشفة حول عنقه. وقف أمام المرأة لثوانٍ ثم توجه للشرفة، غير منتبه لـ "أنجي" الواقفة بالخارج بصمت تراقب الدرج باهتمام شديد، حتى تنبهت لـ "سجى" تصعد، فتوجهت للداخل مسرعة. ثم على حين بغته كانت تضم ياسين من ظهره الذي كان منشغل الفكر كلياً. فانتفض مبتعداً وهو يلتفت لها. سرعان ما طمس الهدوء من وجهه وتأججت النيران بمقلتيه، وقال وهو في أوج غضبه:
"أنتِ مجنونة؟ بتعملي إيه أنت؟ أنتِ إزاي تعملي كدا؟"
بكت بدموع زائفة وصوتاً عالٍ وهي تقول:
"لا مش مجنونة، بس أنت جوزي ودا حقي؟"
الآن هو لا يرى أحد أمامه، سواه يود لو يخنقها حتى تطلع روحها. أمسك ذراعها بكل قسوة، زاجراً بغضب هاج به:
"حق إاااايه؟ قولتلك مليون مرة ملكيش حق عندي. اطلعي برة، اطلعي؟"
زادت حدة بكائها حينما دفعها بقوة وهي تقول بمكر يشع من عينيها:
"أنت كدا بتظلمني أنا كمان مراتك زي سجى بالظبط."
جذبها من حجابها قائلاً بوعيد:
"اسمها! اسمها ميجيش على لسانك تاني، وعمرك ما هتكوني زيها."
ثم قال بصوتاً عالٍ ساخط وهو يجرها للخارج:
"أنتِ مش مراتي...."
ابتلع باقي حروفه حينما وجد سجى أمامه واقفة لا حول لها ولا قوة، جاحظة العينين بصدمة لا مثيل لها. نظر لها بتوهان، ثم بدون وعي ترك أنجي التي تبسمت بفرحة لنجاح خطتها. تقدم ياسين منها متحدثاً وهو يضم وجهها:
"سجى اسمعيني، اللي سمعتيه دا دا دا."
"دا إيه؟ اتكلم.. أنت متجوز؟"
نطقت بها سجى وعيناها تفيض بالدمع بنظرة تائهة. ثم أمسكت كفه راجية وهي تقول ببكاء مزق فؤاده:
"ياسين قولي إن اللي سمعته دا كله وهم.. قولي إني سمعت غلط.. قولي إني مش بسمع، طيب قول أي حاجة بس إياك تقول إنها مراتي."
أغلق ياسين عينيه بعنف. حضر الجميع على أثر أصواتهم العالية. الصمت يخيم الأرجاء ما عدا بكاء سجى الحارق. تمسكت بذراع ياسين مرة أخرى متمتمة من وسط دموعها بصوتاً متقطع:
"ياسين جاوبني، أنت مش متجوز صح؟ ياسين ليه مش بترد عليا؟ كلمني بقولك بقا؟ أنت متجوزها؟"
"أيوه يا سجى!"
همس بها ياسين وهو يغلق عينيه بعنف، متحاشياً النظر لها. كالصاعقة قذفت الكلمة بفؤادها، كأنها تستمع للتو لتلك الكلمة الآن، فقط استوعبها عقلها، فردت بضياع وهي تمسك بذراعه:
"إمتى؟ إمتى اتجوزتها وليه مخبي عليا؟"
ثم صرخت ببكاء حاد:
"أنت اتجوزتها ليه واتجوزتني ليه؟ أنا عارفة إني عامية... بس ليه تعمل فيا كدا ليه.. أنا عامية مبشوفش آه بس بس حبيتك، فـ ليه تجرحني كدا.. كنت عرفتني إنك هتتجوز، مكنتش هرفض. أنت من حقك تتجوز واحدة كويسة مش عامية زيي."
صمتت عندما هزها ياسين بعنف، مزمجراً دون وعي:
"اسكتي بقا، كفاية. أنتِ عايزة إيه؟ عايزني أطلقك؟"
هدأ بكاؤها وكف، وصدم هو من ذاته، لم يدرك كيف نطق بها. دفعت لمار ياسين بعيداً عن سجى بغضب وهي تهدر به:
"ياسين أنا بنتي مش لعبة في إيدك.. طلقهاااا دلوقتي دلوقتي طلقها أنت فاهم."
ضمت سجى لحضنها وهي تربت على ظهرها بحنو، بينما هي تشهق ببكاء حاد. ببرود قال ياسين وهو يوليهم ظهره:
"لا مش هطلق."
دفعه أدهم بحدة، مغمغماً بضيق:
"لو بنتي عايزة تطلق منك هتطلق."
"وأنا قولت مش هطلق مراتي وأنا محدش ليه دخل بينا؟"
قالها وهو يحاول أخذ سجى من لمار، فلم يستطع، فصرخ بحده:
"اووووعى يا لمار بقولك من قدامي دلوقتي."
أمسكت لمار كفه ضاغطة عليه:
"ابعد ياسين ايدك عن بنتي؟"
"- وإن مبعدتش هتعملي إيه يعني؟ سيبي مراتي."
دفع كفها بقسوة، وبكفه الآخر جذب سجى لحضنه، متمتماً بحنو:
"قولتلك مليون مرة دموعك دي متنزلش غير في حضني، وقولتلك برضوا مش عايز أشوفهم أبداً."
نظر الجميع لهم بزهول. سرعان ما تحولت لنيران الكرة التي شعّت بأعين أنجي، ثم جذتها يد والدتها للخارج، ثم زجتها لداخل الغرفة، وتوالت عليها بالصفعات المتتالية، وهي تصرخ بها بغضب بين الصفعة والأخرى:
"ليييه عملتي كدا؟ عايزة تفرقيهم ليه؟ قولتلك مبيحبكش ولا هيحبك في يوم، فسيبيه وكفااايه ورضي بنصيبك."
بالأعلى ما زالت سجى متشبثة بياسين الذي يعتصرها بداخله بصمت تام، ودموعها كخنجر مسموم ينغرس بفؤاده بحدة. ثم كالمتذكرة، انتفضت مبتعدة عنه وهي تتمتم:
"أنا بكرهك يا ياسين."
ضم وجهها بين كفيه رغماً عنها وقال بهدوء:
"وأنا بعشقك يا قلب وروح ياسين."
دفعت كفيه بحزن، متمتمة:
"لو بتحبني بجد طلقني!"
بسط راحته، ثم قبضها بغضب، فتدخلت لمار قائلة بغيظ وهي تشير له:
"بنتي هتفضل عندي لحد ما أطلقها يا ياسين، ياما تشوف حل."
رمقته بغيظ قبل أن يذهبوا جميعاً تباعاً، ما عدا عثمان وحذيفة وعمرو. تنهد ياسين مناجياً مولاه ويحرك يده على خصلاته بغضب.