تحميل رواية «دلال و الشيخ» PDF
بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في منزل عريق من أحياء حي الجمالية، الذي أصبح أيقونة في الجمال، لإنه جمع بين حضارة الماضي وتراثه من الخارج. أما من الداخل فتمتع بلمسات سحرية من العصر الحديث، وقد تميزت نوافذه بالزجاج الملون. هذا بجانب حديقة واسعة ضمت بعضًا من أشجار الفاكهة واصطف بجانبها بإتقان زهرات يانعة من زهرة الريحان التي تنثر عطرها في الأجواء. وأحيط المنزل بأسوار عالية تخللها أسياج حديدية. ومن الداخل يتكون من عدة طوابق، كل طابق مخصص لأبناء الحاج حمدي الجمال. يعيش في هذا المنزل العتيق الأب حمدي الجمال، وهو صعيدي الأصل ولكنه ا...
رواية دلال و الشيخ الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم شيماء سعيد
الحلقة الواحدة والأربعون
الأخت هي كنز لا يقدر بثمن، فهي الصديقة الوفية، والسند القوي، والملجأ الآمن في كل الأوقات. هي من تشاركنا أفراحنا وأحزاننا، وتمنحنا الحب والحنان اللامحدود.
الأخت هي جزء من الروح، ورفيقة الدرب، ومرآة تعكس أجمل صفاتنا.
كم كنت أتمنى أن يكون لي أخت، ولكن قدر الله أن أكون وحيدة.
***
كانت دلال في عالم آخر منذ أن رأت أحمد، وشردت في ذكرياتهم الجميلة معًا، وعاتبت نفسها قائلة بغصة مريرة:
_ إزاي يجيلك قلب يا دلال تسيبي أحمد وأنتِ شايفاه من الصدمة مش قادر يوقف على رجله.
_ هيقول عليكِ إيه دلوقتي معدتيش بتحبيه ومش عايزاه.
مهو ميعرفش إنك كنتِ بتتمنى اللحظة اللي تشوفيه فيها وقد إيه هو وحشك والعالم من غيره ملوش معنى وإنك عايشة عشان روحه اللي موجودة في بنتك.
_ وميعرفش إنك هربتي من الخوف عليها وعلى نفسك لو اتهمك بأي كلمة ممكن تجرح إحساسك.
ده غير إنك خايفة من المواجهة أصلاً وإزاي هتجاوبيه على أهم سؤال (ليه مشيت وسبته زمان؟).
ولا لما يسألني على صورتي مع متولي وكانت سبب طلاقي.
ولا لما يعرف إن منايا بنته ويسألني ليه كتبتها باسم المنياوي وليه رضيت أتجوزه.
فهرد عليك أقولك إيه ولا إيه يا أحمد، عشان كده هربت.
أيوه هربت من نفسي قبل ما أهرب منك يا أحمد.
مكنتش أعرف إن اللحظة اللي كنت بتمنى أشوفك فيها، هي اللحظة اللي كنت فيها أضعف من أي وقت تاني وكنت خايفة أوي يا أحمد.
كنت خايفة تشوفني بنظرة تانية، نظرة غير اللي شوفتها منك زمان وحبتني عشانها.
بس صدقني أنا لسه على حبك وأكتر كمان، لأن البعد مش زي ما بيقولوا علمني الجفا، بالعكس أنا كل يوم بحن ليك وأشتقلك أكتر يا حبيبي.
لاحظت منايا شرود دلال طوال الطريق، وامتلأ عقلها بكثير من الأسئلة وأولها:
هي ماما تعرف دكتور أحمد؟
وتعرفه من امتى؟
ويا ترى علاقتهم كان شكلها إيه؟
وليه هو اتصدم لما شافها وحاله اتغير كده؟
وليه هي هربت منه بالشكل ده؟
أنا لازم أعرف الإجابة عن كل الأسئلة دي ضروري؟
عشان قلبي حاسس إن الإجابة هي هتكون تفسير لانجذابي ليه.
يا ترى أنت مين يا أحمد؟
وهكذا حتى وصلوا إلى منزلهم، فسارعت دلال إلى غرفتها هاربة من نظرات منايا لها طوال الطريق، والأسئلة التي في عينيها ويكاد لسانها ينطق بها، ولكنها كانت تنتظر العودة للمنزل.
ولكن وقفت متخشبة عندما استمعت لصوت منايا:
_ مامي متهربيش مني أرجوكِ، أنا لازم أعرف ودلوقتي حالاً حضرتك تعرفي دكتور أحمد، وأرجوكِ متنكريش لأن واضح جداً أن فيه معرفة سابقة بينكم.
لم تدرِ دلال بما تجيبها، فالحقيقة ستكون صعبة على استيعابها وبالأخص ماضيها، فهي راقصة وابنتها طبيبة، فتخشى بالتأكيد وقع تلك الكلمة عليها، فكيف ستتقبلها وكيف ستفسر لها هروبها الأول من أحمد، هذا الهروب الذي كان سبب في هروبها الآن أيضاً.
فهي تكره العودة للماضي حتى وإن كان به أحمد، رغم مرارة البعد عنه وحبها له الذي لم ينضب أبداً.
لذا التفتت وقالت بكذب: أحمد كان جار لينا في مصر وكان معجب بيَّ بس أنا رفضته، والنصيب هو اتجوز وأنت اتجوزت ولما شوفته قولت ملوش لزوم نفتكر الماضي وأبعد عنه أحسن.
ثم استطردت بصرامة مصطنعة:
وياريت أنتِ كمان يا منايا تبعدي عنهم خالص وتفكري في دراستك وبس، أنتِ لسه صغيرة أصلاً عن التفكير في الحب.
فهماني يا منايا؟
طالعتها منايا بشكل وقالت بعدم تصديق: متأكدة يا مامي من اللي بتقوليه ده؟
فانفعلت دلال: قصدك إيه يا بنت..!!
ثم نطقت اسمها بانفعال:
منايا أنا مش عايزة ولا كلمة في الموضوع ده بعد إذنك تاني.
ثم تركتها وولجت لغرفتها وأغلقت الباب لتسمح لنفسها بالانهيار باكية بمرارة مرددة: سامحني يا أغلى الناس، سامحني يا أحمد، سامحني يا مولانا.
لإني حاسة إني الأفضل أكون بعيد عشان لا أذيك ولا تأذيني.
وعشان كمان منايا حياتها اللي اتعودت عليها متتلغبطش بوجودك وتعرف حقيقة أمها.
صعب أوي يا أحمد، تعرف إن أمها كانت راقصة.
إظاهر كان عندك حق لما كنت في الأول خايف تعترف بجوازنا لأن الناس مبترحمش يا أحمد.
اللي بيرحم ربنا وبس.
أما منايا فولجت إلى غرفتها وبداخلها رفض تام لما قالته والدتها وأن الحقيقة غير ذلك تماماً.
حتى وجدت من يتصل بها برقم مجهول، ففتحت الخط وقبل أن تنطق استمعت لصوت قريب إلى قلبها يقول:
_ منايا يا بنتي، أنا محتاج أكلم ماما ضروري أرجوكِ، ياريت ترد عليَّ.
فهمست منايا بارتياح لتلك الكلمة: بنتك!
دق قلب أحمد وأكد: أيوه أنا حاسس إنك بنتي وقلب المؤمن دليله.
منايا: إزاي أنا مش فاهمة حاجة؟
وكمان أنا بنت توفيق المنياوي.
أحمد: لا بنتي أنا ولو مصدقة تقدري تعملي تحليل DNA.
لتستطرد منايا بذهول: بس إزاي؟
هو أنا ممكن تكون بنت حرام وأنت سبت ماما زمان وبابي المنياوي اتجوزها عشان يستر عليها وعشان كده كتَبني باسمه.
فصاح أحمد ونفى: لا يا بنتي متقوليش كده، استغفر الله العظيم.
أنا الحمد لله عشت عمري كله بتقي ربنا.
وأنا كنت متجوز ماما على سنة الله ورسوله من 19 سنة.
منايا: اتجوزتوا طيب ليه سبتوا بعض؟
أنا قربت اتجنن ومش قادرة أفهم ولا استوعب حاجة.
وليه هي بتنكر ده؟
تنهد أحمد بغصة مريرة قبل أن يجيب: ده موضوع قديم يا بنتي، وشرحه يطول.
وقبل ما أحكي ليكي أي حاجة أنا لازم أتكلم مع ماما.
أو تقوليلي عنوانكم وأنا هاجي بنفسي أتفاهم معاها، متتصوريش أنا محتاج أشوفها وأتكلم معاها قد إيه.
وعايز أعرف ليه هي بتهرب مني؟
شعرت منايا بتيه ولم تدرِ بما تجيبه، ولكنها في النهاية قالت: دكتور أحمد، أنا قبل ما أوصلك بماما لازم أتأكد بنفسي الأول بالتحليل إني بنتك بجد وبعدها هقولك احنا فين؟
فأطلق أحمد زفيراً حاراً وقال بشوق: وأنا لسه هستنى يا بنتي، أنا صبرت كتير أوي، ومتعرفيش أنا اتمنيت اليوم ده قد إيه.
منايا: أنا مش قادرة أتخيل مدام حضرتك كنت بتحبها أوي كده، ليه اتفرقتوا السنين دي كلها؟
أحمد: الإجابة عند ماما يا بنتي مش أنا.
***
قدرة الله فوق كل شيء وصدق قوله تعالى:
(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).
كانت هناك أعين تراقب حور عندما غادرت، وأخذت تسير في الطريق متوجهة إلى منزل ويليم الذي صادف أنه لا يبعد كثيراً عن منزلهم.
وتلك الأعين كانت عين المحب سليم الذي تأخر عن الصعود لشقته حيث كان يقف يكلم صديق له من مصر عبر الهاتف.
وإذ بحور تسير من أمامه دون أن تلاحظه، فيراها هو فتعجب قائلاً: رايحة فين لوحدها في الوقت ده؟
فاستطرد سريعاً:
هو أنا لسه هفكر، أنا همشي وراها وأشوف.
وبالفعل سار سليم من ورائها حتى وصلت إلى منزل ويليم، الذي خرج لاستقبالها عندما طرقت الباب.
لتجحظ عين سليم عندما رآه فردد بصدمة: لا مش معقول تكون جاية تقابله في بيته، لا يستحيل أنا واثق من أخلاق حور كويس، أكيد الولد خدعها.
ويليم: مرحباً بكِ حور، اتفضلي الجميع في انتظارك بالداخل.
فابتسمت حور بخجل ثم ولجت للداخل ظناً منها إنها بالفعل ستجدهم في انتظارها، ولكن تفاجئت أنه لا يوجد أحد.
أما ويليم فقبل أن يغلق الباب أخذ ينظر يميناً ويساراً ليتأكد أنه لا يتبعها أحد حتى لا يفسد ما أراده منها.
وعندما رآه سليم هكذا اختبأ حتى لا يراه، ولكنه أكد شكوكه حوله، وعندما أغلق الباب عليهما شعر وكأنه دُعس قلبه بقدميه فتألم وأسرع إليهم.
ليسمع صوتها المرتفع من الخارج تقول: أين أصدقائك ويليم؟
ألم تقل أنهم في انتظاري بالداخل؟
فاقترب منها ويليم وهمس: أنا يا جميلتي الذي كنت في انتظارك وادعيت ذلك لتأتي إليّ.
أنا معجب بكِ كثيراً غاليتي، وأرى في عينيكِ أيضاً ذلك، فلما البعد؟ دعينا نستمتع بوقتنا معاً وأعدك إنني سأكون لطيفاً جداً.
وعندما هم ليقبلها، فزعت وباغتته بصفعة قوية على وجهه قائلة: ابتعد عني يا حقير.
أتظنني فتاة ليل تلهو بها كيف تشاء؟ لا فأنا امرأة مسلمة لا يحل لي علاقة إلا في إطار الزواج.
انفعل ويليم وقال بغضب: زواج!
ممن من امرأة متخلفة مثلك؟ دعكِ من تلك الشعارات ولا تضيعي وقتي الثمين.
ثم انقض عليها كما ينقض الأسد على فريسته، فصرخت حور وحاولت منعه بكل قوتها.
ولكن ويليم استطاع أن يسيطر عليها بالكلية، فتوسلت باكية: ابتعد عني أرجوك.
ويليم: لا سأقتص منك جزاء تلك الصفعة.
لتستمع حور في تلك اللحظة صوت سليم الصارخ: سأقتلك أيها الحقير لو لمست منها شعرة واحدة.
ثم أخذ يطرق الباب بكل قوته، فهمست حور بألم: سليم.
فانفعل ويليم: أهذا الحقير مجدداً؟ لن ينجو بفعلته مرة أخرى وسأبلغ عنه الشرطة وسأقول أنه يريد التهجم على منزلي وسيرحلونه إلى بلده مقيداً.
ولكن سأجعله ينتظر حتى أفرغ منك أيتها الحسناء.
ليحاول تمزيق ثيابها، فأخذت حور تطلق صرخات مؤلمة، لم يتحملها سليم، فأخذ يركل الباب بكل قوته حتى انكسر.
وولج كالطور الهائج إلى الداخل، فجذب ويليم من على حور وأخذ يسدد له ضربات متتالية والأخير يهدده بالانتقام.
وحور ليس لديها سوى البكاء، حتى خارت قوة ويليم وسقط مغشياً عليه من قوة ضربات سليم.
فصرخت حور: قتلته يا سليم!!
سليم بانفعال: زعلانة عليه يا أختي؟ ما يروح في ستين داهية.
ولا آه معلش كنتي بتحبيه وعشان كده جيتي له برجليكِ.
فبكت حور قائلة: لا يا سليم متظلمنيش أرجوك، أنا آه غلطت لما جيت لوحدي وصدقته بس أنا كنت جاية وفاكرة هقابل مجموعة أدعوهم للإسلام.
سليم بسخرية: وادي النتيجة يا هانم هو اللي كان هيدعيكِ لجهنم لولا أن ربنا لسه بيحبك وبعتني ليكِ على آخر لحظة.
يا عالم لو كنت اتأخرت شوية كان حصل إيه.
فحمدت الله حور وابتسمت له بامتنان، فهدأ سليم قليلاً عند رؤية ابتسامتها التي سحرت قلبه.
فشكرته حور: أنا مش عارفة أقولك إيه يا سليم، وهفضل مديونة لكِ العمر كله على معروفك ده.
سليم بغضب: وأنا مش عايز منك حاجة حور، واتفضلي قدامي وإياكِ تكرري الموضوع ده تاني ولا أشوفك بره البيت غير لكليتك وبس وربنا يعديها على خير.
حور ببراءة: طيب والجثة دي هنعمل فيها إيه؟
سليم بسخرية: هنقطعها ونعملها بانيه.
فضحكت حور مجدداً، ليضحك سليم وهو يطالعها بعشق متيم.
ليهمس: مجنونة بس أعمل إيه بحبها.
فوجدها تطالعه لأول مرة بنظرة غير النظرة التي اعتاد عليها، فدق قلبه وهمس: معقول لا مش معقول.
مش معقول ليه مهو أنا أتحب برده.
همست حور: مش عارفة حاسه زي ما يكون أول مرة أشوف سليم، ملامحه حلوة وضحكته تجنن غير أنه طلع راجل بجد وفعلاً بيحبني بجد مش لعب عيال.
أبقى غلطانة لو ضيعت راجل زيه من إيدي، بس يا خسارة ده ممكن يتعدم عشان الزفت ويليم ولا ممكن ياخد تأبيدة.
يلا مش مشكلة استناه عقبال ما أكون خلصت الكلية والماجستير والدكتوراه واتشهرت.
فاستطرد سليم: مش بقولكم مجنونة، أهي بتكلم نفسها كمان، بس أحلى مجنونة، ليخرجها من شرودها بقوله: إيه هتفضلي واقفة كتير كده، ولا مستنية يا هانم لما يفوق ويكمل وصلة الحب.
فانفعلت حور وقالت بصراخ: اخرس، أنت عارف ومتأكد إني شريفة، وبعدين هو فيه ميت بيفوق.
فضحك سليم: مش عارف مين اللي دخلك كلية الطب بس، أهو مش عارفة تفرقي بين الميت والمغمى عليه.
فصكت حور على أسنانها بغيظ: سليم حد قلك قبل كده إنك أوفر غتاتة.
فابتسم سليم ورفع أنفه وقال بلا مبالاة: أيوه كتير عادي.
ويلا بينا يا ست الدكتورة.
فابتسمت حور ورددت: ماشي يا باشمهندس، الاحترام حلو برده.
وبالفعل غادروا، ولكن ظلت حور طوال الطريق شاردة والدموع في عينيها وهي تتذكر ما حدث لها مع ويليم، وما حدث أيضاً من والدها التي جاءت من تشاركها في دلاله، بل استحوذت على قلبه بالكلية فهي ابنة حبيبة عمره، أما هي بنت من أشجان الذي تزوجها رأفة بها وبقلبها وليس حباً.
تمزق قلب المحب سليم وهو يراها هكذا، لذا حاول التخفيف عنها قليلاً بقوله: إيه يا نكدوا هانم، مش كفاية كده بقى، ده بدل ما تحمدي ربنا أنك طلعتي منها صاح سليم.
حور: الحمد لله.
ثم طالعته بامتنان قائلة: سليم هو ممكن أتكلم معاك في موضوع بابا شوية يمكن تقدر تخفف عليَّ النار اللي جوايا شوية.
سليم: آه طبعاً، ده أنا بفكر أسيب الهندسة وأروح اشتغل في المطافي.
فضحكت حور فطالعها بعشق وابتسم قائلاً: أيوه كده اضحكي، مفيش حاجة تستاهل دموعك.
حور: قبل ما أتكلم يا سليم أنا عايزة أعتذرلك بجد عن أي كلمة قولتها ضايقتك أو تصرف معجبكش وسبحان الله فعلاً الإنسان مواقف.
فندق قلب سليم بشدة وقال بانتعاش: لا كده البت خلاص شكلها وقعت، هنيالك يا واد يا سولي، ولا أمك رضيت عليك ودعتلك بضمير.
ثم تظاهر بالبكاء وقال مداعباً: بس بس قطعتي قلبي يا بنتي، كل ده عشان ضربت الواد ويليم، أمال لو شوفتيني وأنا بغسل السجاد لأمي والله أعجبك أوي.
فقهقهت حور وقالت بخفوت: لا مش قادرة حرام كفاية.
ثم استطردت: نكلم جد بقى شوية.
سليم: كلي آذان صاغية يا قمر، يوووه قصدي يا حور.
أخرجت حور تنهيدة مريرة وقالت: منايا على قد ما هي بنت لذيذة وحبتها بجد من قلبي، لكن صعبان عليَّ نفسي وأنا هشوفها هتاخد كل اهتمام وحب بابا هي ومامتها عشان يعوضهم عن كل السنين اللي فاتت، يعني أنا خلاص كده بح.
فأدرك سليم بعين المحب أنها تعيش حالة من الغيرة على مكانتها في قلب والدها ولا تدرك أن الأب حتى وإن كان له عشرة من الأبناء فقلبه لهم جميعاً.
سليم بتهكم ممزوج بعقلية متفهمة: إيه بح دي..!!
هو لاقيكِ في الشارع يا بنتي، بالعكس أظن أنتِ حبك هيكون أكبر في قلبه لأن عينه شفتك أنتِ الأول ورباكِ هو بنفسه وعلمك كل حاجة وبقيتي تشبهيه حتى في تصرفاته وطريقة كلامه فيستحيل حد تاني ياخد مكانك.
وأنتِ عندك حق أكيد هيهتم بمنايا ودي متزعلش، بالعكس أنتِ كمان لازم تهتمي بيها وتفرحي إنك عندك أختك من نفس سنك واهتماماتكم واحدة ونفس الكلية يعني هتكونوا روح واحدة زي التوؤم.
ومتنسيش إنها اتحرمت من حنان الأب وكانت وحيدة سنين طويلة، وعشان كده هتكون فرحانة جداً إنك أختها.
حور: بس هي متحرمتش من حنان الأب، لأن إمها اتجوزت وسمتها كمان على اسم جوزها لأنه كان كويس جداً.
سليم: لكن مات ولسه هي في عمر صغير والبنت بتحتاج أب حتى لو سنها كبر واتجوزت وخلفت لأنه حبيبها الأول وسندها في الدنيا.
فطأطأت حور رأسها ورددت: أيوه صح، ربنا يحفظلي بابا ويبارك في عمره.
واستطردت بندم:
أنا فعلاً غلطانة بس غصب عني، وكلمت بابا بأسلوب مش حلو كمان واتهمته مع أن اللي عمله كان غصب عنه والقلب وما يريد.
وأنا عارفة إنه كان بيعامل ماما كويس جداً، وربى اخواتي أحسن تربية، ومن حقه فعلاً يعيش حياته وميكونش جزائه مني إني أكون عقبة في طريقه، بالعكس أتمناله الخير على قد حبي ليه.
فوقف سليم ثم انحنى أمامها قائلاً بإعجاب: أرفع لكِ القبعة سيدتي.
أيوه كده هي دي حور اللي أنا حبتها.
ثم أدرك ما قاله بزلّة لسان لم يقصدها، ولكن غلبه العشق.
فطأطأ رأسه وقال: أنا آسف يا حور، مكنتش أقصد.
فتبدلت تعابير حور من الفرحة إلى القتامة وقالت بانفعال: يعني إيه يا باشمهندس مكنتش تقصد؟ بطلت تحبني.
_ آه ما هو يعني زي ما بيقولوا ده أكيد حب مراهقة مش حب ناضج عاقل ممكن يستمر.
_ مشاعر وقتية وأنا غبية جداً عشان في اليوم اللي حسيت إنها ممكن يعني إني... أتفاجئ إنه كان فيه وخلص يا باشمهندس.
لتنهمر دموعها مجدداً على وجنتيها التي تحولت للون الأحمر القاني كثمرة فاكهة جميلة تغري من يأكلها.
فتأملها سليم طويلاً وهمس: حتى وهي بتبكي قمر.
بس إيه صح اللي كانت بتقوله ده!!
إنها كان ممكن!
لا مش معقول، لا معقول طبعاً أنا قولت هتحب يعني هتحب.
بس خليني أتقل حبتين لغاية ما تستوي على الآخر عشان أكلها بنت الجمال زي ما سوَتني وعذبتني.
ليجدها قد تقدمت بخطوات واسعة إلى منزلها، وهو يحاول هو أن يسرع ليلحق بها، ولكن كانت هي أسرع منه وولجت للداخل وأغلقت في وجهه الباب وسمع صوتها القائل بعصبية:
_ كل الرجالة كده بتوع لحظة، وأنا العبيطة اللي كنت هرفع الراية وأبتدي أحبه.
فضحك سليم وهمس: جميل أوي شغل الهرمونات بتاع الصنف الحلو ده، هيخليني أدوس براحتي يا جميل.
***
أما آسر فكان في غرفته يحدث نفسه: هي فعلاً دلال دي الست اللي شوفتها زمان مع بابا أو عمي أحمد وروحت قولت لماما أنه اتجوز وهي قعدت تعيط كتير ومكنتش فاهم حاجة ساعتها لإني كنت طفل صغير.
بس دلوقتي فهمت وعرفت أن عمي أحمد محبش ماما وحب الست دي، بس أمي الله يرحمها كانت بتحبه وعشان كده رضيت تجوزه رغم أنها عارفة أنه بيحب غيرها واتجوزها كمان.
ياااه للدرجاتي يا أمي ضحيتي بنفسك عشان مجرد تعيشي مع الإنسان اللي حبتيه وهو مش بيحبك.
ويمكن لو كنت مجربتش لسه معنى الحب كنت قولت ليه عملتي كده في نفسك وفين كرامتك زي ما كنت بقول برده على سمر.
لكن لما حبيت منايا عرفت أن الحياة من غير الإنسان اللي بتحبه ملهاش أي معنى.
بس يا ترى يا منايا أنتِ بتحبيني ولا هعيش متعذب زي أمي الله يرحمها وزي سمر.
يا ترى أنتِ عاملة إيه يا سمر؟
لما أدخل كده على صفحة الفيس بتعتها أشوف لسه بتنزل منشورات حزينة زي ما كانت بتعمل عشاني.
ليتفاجئ آسر بنشرها صورة قراءة الفاتحة هي وسعد والفرحة تظهر على وجهها فكانت كالقمر في ليلة تمامه.
ففرك آسر عينيه عدة مرات غير مصدق ما يراه ثم أخيراً تنهد بارتياح وقال وهو يحمد الله:
_ الحمد لله ربنا عوضها وإن شاء الله يكون أحسن مني ليها، وكده الحمد لله ارتحت من الذنب اللي كنت شايله بسبب رفضي ليها.
ربنا يسعدك يا سمورة.
***
استفاق ويليم بعد ما تعرض له من إغماء مؤقت، ولكنه شعر بصداع يفتك برأسه، فوضع يده على رأسه وقال بانفعال: سأنتقم منك أيها اللعين وسترحل إلى بلدك قريباً.
وعندما أمسك بهاتفه وجد رسالة من سليم ووجد بها فيديو لحور من بداية دخولها إلى منزله ثم صوت استغاثتها وصراخها منه، وصوته وهو يراودها عن نفسها وترفض.
ثم فيديو آخر لسليم وهو يحاول ينقذ حور.
وآخر ذلك رسالة من سليم قال لها:
أيها المعتوه لو حاولت أن تبلغ الشرطة عني، سأعطيهم تلك الأدلة إنك حاولت الاعتداء على حور وستقضي أنت أيامك في السجن بدلاً عن الطب.
فاختار بنفسك الستر عليك وعليها أم الفضيحة والسجن.
سلام يا حيلتها ولو عارف إن دي مش هتفهمها لإنك طور.
فغضب ويليم: لم أكن أعلم أن ذلك العربي بكل ذلك الدهاء.
والأفضل من أجل مستقبلي أن أتجنبهم بالفعل.
***
ولجت حور إلى المنزل فاستمعت إلى قول والدها محدثاً منايا: صدقيني يا بنتي أنا متأكد من غير التحليل إنك بنتي.
فأسرعت حور إليه فارتبك أحمد خوفاً من تلك الغيرة التي أصابتها، ولكن وجدها تبتسم وتومئ له برأسها لتطمئنه قائلة: هات أنا أكلمها يا بابا لو سمحت وأقنعها إنها أختي.
فابتسم أحمد وتنهد بارتياح وناولها الهاتف لتقول حور:
ازيك يا ست الدكتورة؟
ابتسمت منايا وأجابت بحبور: الحمد لله يا حوري وأنتِ عاملة إيه؟
حور: عاملة كشك، بقولك يا موني بما إننا طلعنا أخوات ودي يمكن أحلى حاجة حصلتلي في حياتي أن يكون ليَّ أخت في نفس سني كأننا توؤم وشبه بعض كمان ونفس الكلية والاهتمامات وشكلنا هنرغي طول الليل مع بعض لغاية ما ننام على نفسنا.
المهم بقولك من دلوقتي عشان نكون على نور.
أنتِ ........ووووو
نكمل في الحلقة الأخيرة بإذن الله.
رواية دلال و الشيخ الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم شيماء سعيد
الحلقة الثانية والأربعون والأخيرة
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ❤️
إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وآخر الله تسعًا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة.
حدثت حور بخفة ولطف شقيقتها منايا:
_ أيوه يا أختي يا حبيبتي لازم نتفق إننا نقسم شغل البيت على بعض، أنا مصدقت إني أخت بنت عشان الواد آسر ده بروطة مش بيعمل حاجة.
يعني أنا أطبخ أنت تعملي المواعين، أنا أغسل أنت تنشري.
فهماني يا موني عشان نبقى على نور من أولها يا حبيبتي.
فقهقهت منايا وأجابت:
_ بس كده عيوني يا حور وأنا مبسوطة جدًا إني لقيت بعد العمر ده كله أخت بعد ما كنت وحيدة بس مش عايزة أستعجل عشان متعشمش ولازم أتأكد بالتحليل الأول وعندي كمان أسئلة كتير أوي لازم يكون ليها إجابة.
أولها إزاي لو كنت بنته صح ميعرفش وإيه سبب الانفصال وسبب هروب ماما منه دلوقتي؟
حاجات كتير محيراني لازم يكون لها إجابة عشان أقدر أتكيف مع الوضع الجديد.
وكمان لو فعلًا دكتور أحمد بابا ده مش معناه أبدًا إني أنسى الراجل اللي رباني وعاملني كأنه بنته بالظبط وعمري ما شكيت للحظة إنه مش بابا متصوريش قد إيه كان كويس وحنين معايا ومع مامي لدرجة إنها سمتني على اسمه الله يرحمه.
حور:
_ الله يرحمه شكله كان راجل طيب ووالدتك كانت بتحبه عشان كده سمتك على اسمه.
استمع أحمد لتلك الكلمات التي أصابت قلبه في مقتل من فرط الغيرة وازداد وجهه قتامة وقبض على يده بغضب وهمس بغضب:
_ معقول يا دلال بعد كل اللي كان بينا تحبي راجل تاني غيري وتجوزيه وتكتبي كمان بنتي على اسمه.
أنا مش مصدق، لا كده حرام وقلبي مش متحمل القسوة دي منك وخايف فعلًا تكوني هربتي مني لما شوفتيني عشان حضرتك عايشة على ذكرى حبك ليه وأنا خلاص مبقاش ليا في قلبك مكان.
أنا اللي عشت عمري كله ليكي حتى لو مش معايا وعمري ما نسيتك لحظة.
جاءت صورة منايا على مخيلة آسر فشعر بالحنين والاشتياق إليها رغم أنه رآها مبكرًا في الجامعة ولكن ما حدث جعله لا يستطيع الحديث معها.
فأمسك بهاتفه واتصل بها، فتعجبت منايا من ذلك الرقم الغريب الذي يتصل بها ففتحت على الفور لتعلم من.
فجاءها صوت آسر الشجن:
_ عاملة إيه؟ هتصدقيني لو قلتلك إنك وحشتيني.
اهتزت أوتار قلب منايا من هذا الغزو الصريح بالحب وهي لا تنكر أن هناك شيء يجذبها إليه وإحساس من نوع فريد أول مرة تشعر بها نحوه ولكنها الآن ليست مستعدة لخوض التجربة في ظل الظروف الحالية لذا أجابت بفتور:
_ آسر من فضلك أظن إننا كبار شوية إننا ننساق لمشاعرنا بالسرعة دي، لأن ده ممكن يكون مجرد إعجاب وقتي وينتهي.
استنكر آسر ما تقول واستطرد بتأكيد:
_ أظن إني كبير كفاية يا موني عشان أقدر أحدد ده مجرد إعجاب ولا بداية حب حقيقي، لو ادتيني فرصة هقدر أثبتلك ده.
وكمان أنا عايز أدخل البيت من بابه، يعني حالًا هروح أكلم بابا اللي هو باباك الحقيقي أحمد الجمال.
متصوريش أنا فرحان قد إيه عشان طلعتي جزء مننا وخصوصًا إنك بنت أعظم راجل قابلته في حياتي.
عمي أحمد أو بابا أحمد اللي رباني من وأنا لسه طفل وعمري ما حسيت للحظة إنه مش بابا الحقيقي لإنه مكنش بيفرق بيني وبين حور أبدًا.
وغرس فينا الدين والأخلاق كويس جدًا، فجزاه الله خيرًا عنا.
ورحم الله أمي رحمة واسعة وربنا يعوض شبابها في الجنة، ويعوض بابا أحمد بالإنسانة اللي حبها واتحرم منها سنين طويلة لأن اللي يحب بيعرف قد إيه إحساس البعد مميت.
ده أنا مش قادر أهو ويدوبك لمحت طيفك من ساعتين.
داعب آسر مشاعرها وشعرت أن الهواء اقترب أن ينفذ من رئتيها فإحساس الحب لذيذ ولكنه في آن الوقت مصحوب بخوف الفقد أو الخذلان.
منايا بحرج:
_ أنا مقدرة مشاعرك يا آسر، بس يا ريت تدوني فرصة زي ما قولت لحور إني أتأكد إن دكتور أحمد بابا فعلًا وبعدين نتكلم.
فأكد لها آسر:
_ سواء كان بابا أو لا، فأنا حبي ليكي يا موني مش هيتغير وأنت مكتوبة لقلبي.
فأغلقت منايا الخط من توترها، فضحك آسر وردد:
_ بتحبني أوي شكلها.
أما دلال فكانت في عالم آخر بين الحنين والاشتياق لأحمد وبين الخوف من الماضي وبين ابنتها التي تشعر أنها لا تصدق ما قالت وتشك بها.
ثم من بين متاهتها تلك تذكرت حور فقتلتها الغيرة كما شعر أحمد وقالت بغيظ:
_ يعني أنا كنت بعاني هنا مع متولي الزفت الله يرحمه مطرح ما راح وحضرته عايش حياته مع أشجان بيربي ولادها وخلف منها كمان.
ماشي يا أحمد، بس يعني هو كتر خيره أنا سبته فجأة بدون أي سبب من خوفي عليه وهي برضه كانت مراته على سنة الله ورسوله وكفاية إنها استحملت وجع حبه لي وحبه لي، يلا ربنا يرحمها، وصعبانة عليه حور لأنها اتحرمت من حنية الأم في أكتر وقت محتاجة ليها فيه.
غير إني حبيتها عشان شبه منايا وفيها مني كتير وكأنها بنتي وهي ملهاش ذنب إنها بنت ضرتي.
مش عارفة أعمل إيه أنا احترت فعلًا؟
إزاي يكون أحمد معايا في نفس البلد ومكنش جنبه ويا ترى بعدي عنه هيفيد ولا هفضل أتألم لمدة أنا وهو لغاية آخر العمر ومنايا كمان صعبانة عليه هي لسه صغيرة ومحتاجة فعلًا أب يحميها ويحتويها ويكون سند ليها بعد ربنا وحرام أحرمها منه.
ولو عرفت برضه حاسة إني هدفع من دمي تمن إني خبيت عليها وممكن تبعد عني.
لا يا منايا ده إلا أنت عشان أنت مش بنتي وبس، أنت كل حياتي وعمري كله وعشت في الدنيا دي رغم كل اللي شوفتها عشانك يا بنتي.
يارب لما يجي اليوم اللي تعرفي فيه الحقيقة تسامحيني لإني مكنش في حاجة في حياتي حصلتلي إلا واتغصبت عليها ومكنتش بخاطري، وإن الحاجة الحلوة الوحيدة اللي عشتها هي حبي لأحمد وإنك منه يا عيوني.
توجهت منايا بالفعل في اليوم التالي لعمل تحليل إثبات النسب، مع إنها في قرارة نفسها تشعر إنها بنت هذا الرجل فعلًا الذي خطف قلبها من أول يوم رأته به، فكان حبه مختلف رأت به الأب الذي حرمت منه وفي عينيه رأت الحنو الذي تحتاجه.
وخلال تلك الأيام التي انتظرت لها منايا نتيجة التحليل تجنبت منايا الحديث مع دلال وكان بينهم حوار صامت من أعينهم فقط وكل منهما على لسانها كلام كثير ولكن تخشى النطق به.
كما اقتربت منايا من حور أكثر وأكثر وأصبحتا كروحين في جسد واحد.
أما آسر فأصبح لها كنسيم بارد يطرب النفس في يوم شديد الحرارة، رؤيته وحدها تسعدها فما بال القرب منه.
ولكنها مازالت تضع بينها وبينه حدود حتى تطمئن لنتيجة التحليل رغم تأكيده لها أنه لا يعنيه سواها هي فقط.
أما حور فكانت تبحث بعينيها دومًا عن سليم فإن وقعت عينيها عليه طابت نفسها واطمئن قلبها رغم صمته العقابي لها لرفضها له من قبل ولكن من داخله أشبه ببركان ثائر يريد أن ينفجر صائحًا:
_ بحبك يا حور، يا مراتي مستقبلًا إن شاء الله.
وعندما داهم أحمد الهم لم يجد سوى أحن الناس إليه والدته شمس لتهون عليه ذلك الثقل على صدره الذي يصيبه بالاختناق.
فاتصل بها فاستجابت سريعًا بفرحة عارمة:
_ أحمد حبيبي.
فاستطرد أحمد:
_ حبيبتي يا أمي وحشاني أوي، متصوريش أنا محتاجك قد إيه ومحتاج حضنك عشان أرمي عليه كل اللي تعبني.
شمس بكلمات بسيطة:
_ الله أحمد، كلم ربنا.
وأنا بدعي ليك أحمد ونفسي أشوفك أحمد.
أحمد:
_ ونعم بالله يا حبيبتي، صدقتي يا غالية.
وأنا كمان نفسي أشوفك وإن شاء الله في إجازة نصف السنة هنزل عشان أشوفك وأطمن عليكي.
ثم حدث أحمد عمته واطمئن على بقية العائلة وفرح بخطوبة سمر كثيرًا ودعى لها بالسعادة.
وعندما أغلق الخط تذكر كلمة والدته:
_ كلم ربنا.
فذهب مسرعًا المرحاض وتوضأ وافترش سجادة الصلاة وصلى ركعتين بنية قضاء الحاجة وحاجته هي "دلال".
ثم بدأ في الدعاء أن يلين الله قلبها نحوه وأن تعود إليه مجددًا وأخذ يلح في الدعاء وهو ساجد حتى فاضت عينيه وعندما انتهى افترش سجادة الصلاة ونام عليها.
فجاءه طفلان في المنام أمسك كل منهما بيده وكل منهما يساعده على النهوض قائلًا:
_ بابا اصحى، تعال العب معايا.
أحمد:
_ بابا مين، أنت مين يا حبيبي؟
أحد الطفلين:
_ أنا موسى يا بابا وده أخويا هارون.
أنت دايمًا كده بتنسى أسامينا عشان توأم، لكن ماما دلال بتعرفنا دايمًا.
قوم يا بابا، قوم يا مولانا.
فاستيقظ أحمد عند إحساسه بالفعل أنه هناك من يجذب يده وعندما فتح عينيه وجدها يد حور وقالت بحنو:
_ إيه اللي منيمك في الأرض كده يا حبيبي، ضهرك يوجعك يا مولانا.
قوم قوم، نام على السرير يلا.
ابتسم أحمد لها وأومأ برأسه وقام بالفعل وافترش التخت، فقبلته حور من جبهته قائلة:
_ تصبح على دلال ومنايا وحور زي بعضه فوق البيعة يا مولانا.
فأصاب جسد أحمد رعشة قوية، ما كل تلك البشارات من الله عز وجل وصدق سبحانه وتعالى حين قال "ادعوني أستجب لكم".
ثم ذهبت حور لتغفو هي الأخرى وهمست قبل النوم:
_ ربنا يهديك عليه يا واد يا سليم إيه جبلة مبتحسش.
أنا بحبك يا حمار، بحبك يا طور.
غفى أحمد لعدة ساعات ليستيقظ على صوت هاتفه فاستجاب وهو يتثاءب:
_ السلام عليكم.
ولكنه لم يجد صوتًا ولكنه استمع إلى نحيب ناتج عن بكاء اتبعه شهقات، ففزع واعتدل قائلًا:
_ فيه إيه؟
لتحدثه دلال بخفوت:
_ وحشتني أوي يا أحمد، وحشتني أوي يا مولانا.
سامحني إني مشيت للمرة الثانية وسبتك بس غصب عني يا حبيب الروح وضي عيوني.
أنا بحبك أوي يا أحمد وعمري ما نسيتك ولو لحظة واحدة.
فصاح أحمد باسمها من داخل قلبه قبل لسانه الذي شُل للحظات من المفاجأة:
_ دلااااااال.
فاستطردت دلال بشوق يزن الدنيا ومن عليها:
_ أيوه دلال يا مولانا.
دلال اللي عمرها ما حبت ولا عرفت غيرك، أنا بقالي فترة مش بعرف أنام من ساعة ما شوفتك ومشيت.
قصدي هربت، أيوه هربت من نفسي قبل ما أهرب منك يا أحمد.
هربت من خوفي منك وعلى منايا بنتك يا أحمد.
كنت خايفة تتهميني إني ست مش كويسة عشان الصورة اللي بعتها جوز أمي منه لله ولا تتهميني إني خلفت من حرام والعياذ بالله ولا تقول اتجوزتي وحبيتي جوزك لدرجة كتبتي البنت باسمه ونسيتيني.
وكل ده ما حصلش يا أحمد.
اعتصر أحمد بألم عند ذكرها كل تلك الأشياء التي تؤلمه ولكنه تجاوز عن ذلك كله من أجل حبه لها فقال:
_ اتكلمي أنا سمعك وهصدق كل كلمة هتقوليها متخافيش.
فاستطردت دلال باطمئنان ولكن صاحب ذلك غصة مريرة:
_ أنا جيت البلد دي مخطوفة من جوز أمي واللي أنقذني المنياوي باشا ربنا يرحمه وعشان يحميني اتجوزتي على ورق بس لكن عمره ما لمسني لإنه لا مؤاخذة ملهوش في الجواز أصلًا وأنا وفقت عشان كده.
لإني عمري ما كنت هسمح أبدًا أي راجل يلمسني غيرك يا مولانا.
ولما خلفت سميت البنت على اسمه عشان جميله عليه إنه سترني ومبخلش علي ولا على بنتنا بحاجة.
ولو هتسألني مرجعتش ليه هقولك مكنتش عايزة حياتك تنهد بسببي والناس تعايرك إني كنت راقصة.
حتى دي مكنش لي يد فيها، يعني مكنتش عايزة أشتغل راقصة بكيفي أنا اتغصبت بسبب جوز أمي ربنا يجحمه في جهنم.
ودلوقتي خايفة كمان على منايا لما تعرف حقيقة أمها وهي هتبقى دكتورة قد الدنيا يا أحمد.
أعمل إيه يا أحمد؟
وفي تلك اللحظة التي تعترف بها دلال لأحمد، كانت منايا قد ولجت إلى المنزل بعد أن أتت بنتيجة التحليل الذي أثبت بالفعل أنها ابنة أحمد وكانت مشاعرها متضاربة بين الفرح والحزن.
الفرح لأنها ابنة رجل ذو خلق ودين وما عادت يتيمة.
والحزن من الخوف من السبب الذي أخفت عليها والدتها الحقيقة.
ولكنها عندما استمعت لمعاناة والدتها من أجلها، فتحت الباب.
للتفاجئ دلال بها فأغلقت الخط مع أحمد سريعًا.
فصاحت منايا:
_ مامي أنا سمعت كل حاجة يا حبيبتي، وبالعكس أنا فخورة بيكي جدًا وعمري أبدًا ما هفكر في اللي حصل زمان مدام كان ضد رغبتك.
كفاية اللي شوفته معاكي وربتيني عليه والكل يشهد بأخلاقي ده كله بفضل تربيتك لي يا أحسن أم في العالم.
فبكت دلال واحتضنتها بحب وقالت:
_ يا حبيبتي يا بنتي.
توتر أحمد عندما أغلقت الخط وهمس:
_ حصل إيه تاني، لا حرام ده أنا مصدقت إن ربنا سبحانه وتعالى استجاب دعائي وكلمتني.
فاتصل بها سريعًا لتجيبه منايا بأفضل الألقاب إلى قلبه:
_ بابا.
فأصاب قلب أحمد رجفة قوية وهمس:
_ قولتي إيه يا حبيبة بابا.
ابتسمت منايا واستطردت:
_ والله أنت اللي حبيب قلبي يا بابا، ممكن تيجي عشان محتاجة أوي أرمي نفسي في حضنك عشان تعوضني عن سنين الحرمان دي كلها اللي اتحرمت فيها منك.
فأخرج أحمد تنهيدة مطمئنة بعد كل تلك سنوات العجاف وقال باشتاق:
_ حالًا يا حبيبة بابا وأنا كمان محتاج ده أكتر منك يا بنتي، وبإذن الله هعوضك عن كل دقيقة كنتي بعيدة عني فيها.
فلمعت عين منايا بالبكاء لتستطرد بحب:
_ حبيبي يا بابي، والست دي أمي برضه محتاجة حضن دافي من نوع خاص.
فلكزتها دلال بخجل قائلة:
_ منايا وبعدين معاكي.
وبعدين بابا الشيخ أحمد معندوش الكلام ده طول ما أنا مش على ذمته.
فصاح أحمد بعد أن سمع حديثها:
_ أنا جاي ومعايا المأذون لإني فعلًا مش هتحمل أشوف ماما من غير ما أخدها في حضني.
يااااه متصوريش وحشتني قد إيه.
منايا:
_ حبيبي يا مولانا على رأي مامي.
وبدال فيها مأذون بقى يعني حلويات وكده، هات معاك حور.
ويعني لو تجيب.. ثم صمتت للحظة.
ليبتسم أحمد على خجلها لإنه يدرك منذ اللحظة الأولى إعجاب آسر بها، وكم هي فرحته أن يزوج ابنه الذي رباه على يده لابنته من حبيبة القلب والروح دلال.
لذا استطرد:
_ أنا هجيب الشلة كلها، آسر وحور وشيكو وابنه وكمان ياسمين دي هتفرح أوي لما تشوف ماما.
منايا بفرحة عارمة:
_ يا ريت أنا من زمان وأنا بحب لمة العيلة عشان مكنش حواليا غير مامي وبس.
أحمد:
_ كلنا هنكون جنبك يا حبيبتي.
يلا استعدي أنت وماما وأنا هجمعهم واجي.
ليغلق معها الخط ويتصل بشيكو قائلًا بصوت مذبذب من الفرحة:
_ حبيب أخوك افرحلي أخيرًا، كلمتني وهروح أكتب عليها دلوقتي تصور!!
أنا مش مصدق نفسي.
أخيرًا لقيتها ومش بس هي مع حتة من قلبي منايا بنتي.
شيكو بسعادة:
_ هنيالك يا صاحبي، فرحتلك أوي.
أنت تستاهل كل خير، وأخيرًا ربنا سبحانه وتعالى عوض صبرك خير.
فسمع سليم حديث أحمد مع والده فخطف من والده الهاتف قائلًا بتهور:
_ عمي أحمد أنا سمعت من بابا إن حضرتك اتجوزت الست دلال وهو وعمي تميم في يوم واحد صح؟
فضحك أحمد حيث استشعر أن اليوم يكرر نفسه فقال:
_ أيوه يا سليم.
سليم بحرج:
_ طيب أنا طالب من حضرتك إيد حور.
وبالنيابة عن آسر عشان محرج: طالب من حضرتك إيد منايا.
فصاح أحمد مداعبًا:
_ إيه عايزين تاخدوا مني بناتي في يوم واحد كده.
لا مينفعش.
فاستطرد سليم:
_ عديها بقى يا عمو، وهو يعني كتب كتاب يعني يا بخت حضرتك أنت البريمو هتكتب وتحب غيرنا.
فصك أحمد على أسنانه بغيظ وقال:
_ أنت بتنؤ فيها يا ابن شيكو، مش كفاية اللي ضاع من عمري.
طيب مفيش كتب كتاب وهو قراية فاتحة وبس.
يا بلاها الموضوع كله أحسن.
فترجاه سليم:
_ لا أبوس إيدك يا عمو، ده أنا قتيلك النهاردة.
وأنا عايز أكتب عشان لا مؤاخذة بنتك منشفاها أوي علي من زمان.
فيمكن تتطرى بكتب الكتاب.
أحمد:
_ نعم يا أخويا، بتقول إيه؟
سليم بعدما استشعر خطأه:
_ لا يا عمي متفهمنيش صح.
أنا قاصد بس عشان يعني حضرتك شيخ وعارف إننا نكون في السليم وكده.
أحمد بضحك:
_ آه تمام.
خلاص هكلم مع البنات ولو وافقوا نتكل على الله ونكتب الكتاب.
سليم:
_ أحلى عمو في الدنيا، والله هدعيلك يا شيخ ربنا يفرحك مع خالتو دلال وتعيش يا مولانا وتعوض.
وأفرجها علينا يارب.
أصبحت دلال كالفراشة هي وصغيرتها تطير في أرجاء المنزل هنا وهنالك لتستعد لزيارة أحمد وعائلته وتعلق الزينة والبلالين ببهجة وفرحة وضحكة رنانة وتشاركها منايا وتقبلها بين الحين والآخر بحب وتهمس في أذنها:
_ يا خوفي يا ست الكل بابا يجي وتنسي العبدة الضعيفة منايا وهو ياخد الحب كله بقى.
فنفت دلال:
_ ده لا يمكن يحصل بالعكس، حبك في قلبي هيزيد لأن كده قلبي اطمن بعد سنين القلق يا بنتي اللي عشتها وهفرح إنك أخيرًا عرفتي بابا اللي هيكون ليكي السند والإيد اللي تحميكي العمر كله.
احتضنتها منايا وقالت بحب:
_ ربنا يحفظك أنت وبابا يا أجمل حاجة في حياتي.
ويلا يا ست الكل كفاية كده وادخلي خدي شاور ثم غمزتها وتابعت: وألبسي الحتة اللي على الحبل عشان العريس زمانه جاي وأنا هتصل بالدليفري يبعت لينا حاجة حلوة كده يا قمر.
دلال بخجل:
_ وبعدين معاكي يا بنت.
منايا بضحك:
_ أنت مكسوفة يا سكر.
ثم وجدت اتصال من أحمد فتوردت وجنتاها وقالت:
_ بابا يا حبيبتي بيتصل لما أشوف أقرب يجي ولا عايز يقول حاجة.
فغمزتها منايا وقالت بحب:
_ خدي راحتك يا قمر، دي الليلة ليلتك يا جميل.
فاستجابت دلال لأحمد لتجده يقول:
_ دايمًا الفرحة لما بتيجي بتجر وراها فرحة يا فرحة قلبي أنت.
ويا ستي بنتنا جالها عريس وعايز ومصمم يكتب كتابه معايا.
فخدي رأيها يا ضي عيوني.
ابتسمت دلال وسارت الدماء في أوصالها وكأنه عاد لها الحياة مرة أخرى وقالت بدلال:
_ بنتنا.
ياااه يا أحمد متتصورش كان نفسي أسمعها قد إيه.
بس على طول كده كتب كتاب مش يتعرفوا على بعض الأول، ده غير إنها لسه صغيرة يا أحمد والمشوار قدامها طويل وخايفة يعطلها عن دراستها.
أحمد:
_ هو عارف كده كويس ومتقلقيش بالعكس هيشجعها ومفيش جواز غير لما تخلص بإذن الله.
اسأليها بس موافقة على آسر ومتقفليش أنا هستنى الرد دلوقتي.
دبت الغيرة في قلب دلال عند ذكر اسم آسر ابن ابنة عمه التي تزوجها.
رغم علمها أنه لم يكن يحبها ولكنها تغار عليه حتى من نسمة هواء تداعب خصلات شعره.
لذا صاحت بغيرة:
_ عايز تجوز بنتي لابن ضرتي يا أحمد اللي كنت وعدتني إنك متلمسهاش وزي ما يكون مصدقت اختفيت من حياتك وعشت حياتك معاها عادي وخلفت بنتك حور.
ابتسم أحمد عندما شعر بغيرة دلال وهذا دليل إنها بالفعل مازالت تعشقه كما كانت.
ولكن سرعان ما ضم حاجبيه واستطرد بحزن:
_ حبيبتي لاحظي إنك بتكلمي على إنسانة بين إيدين ربنا دلوقتي يعني ميجوزش عليها غير الرحمة.
وعشت حياتي إيه بس، أقسم لك بالله إن حور جت بقدر الله ويمكن ربنا أراد كده عشان تلف الأيام وتدخل كلية الطب هنا في ألمانيا وتكون سبب إني أشوفك بعد كل السنين دي.
دلال بغيرة قاتلة:
_ يعني إيه جت باللاسلكي يا شيخ؟
أحمد بضحك:
_ لا جت من دلال، لأن حضرتك لما سبتيني تعبت وكنت شبه عندي انهيار يا دلال ومكنتش حاسس بنفسي، ده غير السخونة اللي صابتني وكانت الله يرحمها جنبي وأنا مكنتش بردد غير اسمك ومش شايف غيرك لدرجة إني اعتقدت إنها أنت، ودي كانت المرة الأولى والأخيرة يا حبيبة القلب والروح.
وهجرتها بعد كده رغم إحساسي إني ظلمتها وهي معترضتش ولا طلبت مني أقرب لأنها عارفة ومتأكدة إني ليكي أنت وبس.
تنهدت دلال بارتياح واستطردت:
_ وأنا هقبل ده ومش هكلم فيه تاني لمجرد إن البنت فعلًا ملهاش ذنب وأنا حبيتها عشان روحها الحلوة وكمان فيها شبه كبير مني ومن منايا لكن آسر مش عارفة صراحة اتقبله.
أحمد:
_ عشان لسه مش عرفاه لكن مع الوقت هتعرفي قد إيه هو إنسان كويس وراجل بجد ويستاهل منايا.
ومتنسيش إن منايا مائلة ليه وتقدري تسأليها.
فقامت دلال بالنداء عليها فأسرعت إليها وقالت ببشاشة وجه:
_ نعمين يا ست الكل؟
ابتسمت دلال وأخبرتها أن آسر يريدها، فتوردت وجنتا منايا خجلًا وسرى في جسدها رعشة جميلة وقالت وهي تتجه للخارج مسرعة:
_ اللي تشوفيه يا دولي.
فحركت دلال شفتيها يمينًا ويسارًا واستطردت:
_ شوفي البت، يعني حضرتها فعلًا بتحبه.
هقول إيه أنا بعد كده.
ماشي يا أحمد عشان خاطر البنت، واللي فيه الخير يقدمه ربنا.
أغلق معها أحمد الخط، ليتجه إلى غرفة حور، فوجدها تحدث نفسها:
_ كل الحبايب اتنين اتنين وأنت يا قلبي حبيبك فين.
فضحك أحمد وصاح بقوله:
_ موجود ومستني منك الإشارة يا حوري.
انتبهت حور لصوت والدها فتوترت وتعرقت حرجًا وقالت بتلعثم:
_ بااابا أنا كنت بغني بس وبسلي نفسي.
حضرتك فهمت إيه بس وموجود إيه، أنا أصلًا زي ما قولت لحضرتك رافضة فكرة الارتباط خالص دي لغاية ما أخد الدكتوراة بإذن الله.
طالعها أحمد بمكر واستطرد:
_ طيب خالص براحتك يا عيون بابا.
أنا هكلم الباشمهندس سليم وأقوله: طلبك مرفوض يا باشمهندس وتقدر تشوف عروسة تانية.
فصاحت حور:
_ لا عروسة تانية إيه بس، استنى يا مولانا ده أنا بهزر معاك.
دكتوراة إيه بس، أنا مع مبدأ إن الست ملهاش غير جوزها وبيتها.
فقهقه أحمد وقال:
_ بقى كده يا ست حور.
يعني حضرتك موافقة إن سليم يكتب عليكي اليوم في حفل كتب الكتاب الجماعي أنا ودلال وآسر ومنايا.
فقامت حور بإطلاق زغرودة ثم كبرت:
_ الله أكبر في اللي هيشوفنا وميصليش على النبي.
توكل على الله يا مولانا وأهو يا بخت من وفق راسين في الحلال.
ضحك أحمد وأكد بسعادة:
_ آه طبعًا طبعًا.
وسبحان مغير الأحوال ده أنت مكنتيش بطيقه ولا تطيقي سيرته.
حور بخجل:
_ أشفقت على قلبه المحب يا مولانا.
أحمد:
_ بقى كده ماشي يا ست حور.
يلا اجهزي حالًا، عشان هنروح دلوقتي عند دلال ومنايا.
حور:
_ حالًا يا مولانا.
ثم اتجه إلى غرفة آسر وسمعه يحدث سليم عبر الهاتف:
_ ما تنطق يا رذل وقول بابا أحمد وافق على خطوبتي لمنايا ولا إيه؟
ليبتسم أحمد بمكر وصاح:
_ لا مش موافق يا عم آسر.
فوقف آسر مصدومًا بعد أن أغلق الخط في وجه سليم وقال:
_ بابا بس أناااااا.
نكمل بإذن الله في الخاتمة السعيدة لأبطالنا.
رواية دلال و الشيخ الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم شيماء سعيد
رجعت لي بعد البعاد يا أغلى أماني
رجعت تنور لي دروبي وتداوي جراحي
سنين وأنا أستناك بين الشوق والحنين
وأقول يمكن يوم ترجع وتكون الحنين
حضنك رجّع للروح معنى الحياة
ومسح دموع الشوق وأحلى الآه
إيدك في إيدي خلاص، والبعد انتهى
والقلب من فرحته نسى كل الجفا
خواطر أحمد الجمال
........
راوغ أحمد آسر فقال بمكر:
"لا مش موافق يا عم آسر."
فوقف آسر مصدوما بعد أن أغلق الخط في وجه سليم وقال:
"بابا بس أناااااا"
فقاطعه أحمد:
"بتحبها؟!"
فأخفض آسر رأسه خجلاً وأكد:
"أيوه يا بابا أوي."
فأقترب منه أحمد ووضع كلتا يديه على كتفي آسر وقال بحنو:
"أنا موافق بشرط."
آسر:
"وأنا موافق على أي شرط تقوله حضرتك."
أحمد برجاء أب محب:
"إنك تكرمها يا آسر، وتحطها في عينيك الاثنين وتكون راجل ليها مش عليها، فهمني. ولو زعلت منها تيجي تقول لي وأنا أفهمها غلطها، لكن متزعلهاش ولو زعلتها متلومش إلا نفسك."
فطمئنه آسر:
"حد يزعل نفسه برده يا بابا؟ دي مُنايا هي النفس اللي بتنفسه. حضرتك متقلقش وروح أقول الكلام ده لسليم عشان ميزعلش حور."
فضحك أحمد واستطرد:
"لا مش هقوله عشان عارف حور هتعرف تجيب حقها لو زعلها."
فضحك آسر:
"أيوه أوزعة بس جبارة. ربنا يسعدها وأنا مش هستنى تجيب حقها منه، أنا اللي هجيبه من زمارة رقبته، دي أختي وأغلى الناس عندي."
فابتسم أحمد واطمئن على أبنائه. وقال:
"طيب يلا يا بطل عشان العرايس مستنية."
آسر بلهفة:
"أنا جاهز."
فطالعه أحمد بضحك وقال:
"هتروح بالفنلة يا آسر؟ طيب حتى استر نفسك الأول."
فنظر آسر إلى نفسه بخجل.
تابع أحمد:
"يلا يا باشمهندس البس بسرعة وحصلني بره عقبال ما أشوف أختك جهزت ولا لسه هي كمان."
فخرج أحمد فوجدها تحدث سليم بانفعال:
"يعني إيه مش عايز تلبس البنطلون الأوف وايت والقميص البلو زي ما اتفقنا نلبس زي بعض؟"
سليم:
"عشان ماما ملقتش قميص بلو يا حور، وقالت أنا هلبس جرين، وقالت لازم ألبس زيها وإلا مش هتروح معايا."
فصاحت حور بانفعال:
"أه يا حبيب أمك يا سلوى. ما أنا عارفة إني غلطانة عشان أتجوز واحد وحيد أمه، ده الجيش نفسه سابهولها، فأنا أروح بنفسي وأتجوزه."
ثم أغلقت الخط في وجهه ورددت:
"الست دي شكلها هتحطني في دماغها من أولها، بس لااا ده أنا حور الجمال مش أي حد."
سمع أحمد كلماتها فهمس:
"طالعة جامدة شوية زي خالتها أسماء ودي حاجة مش وحشة طالما في حدود الأدب بس متتخطاش حدودها بس لازم برده أفهمها."
لذا قال بحنو:
"الجميل بيكلم نفسه ولا إيه!! بس إيه الجمال ده كله بس، أقول يا بختك يا سليم هتاخد القمر المنور ده لوحدك واحنا نعيش في الضلمة."
ابتسمت حور بخجل مرددة:
"الله على كلامك يا مولانا بس أنا خايفة شوية إن القمر يطفي بسبب خالتي ياسمين، وتعكنن عليه كل شوية بسبب غيرتها على سليم."
أحمد:
"معلش يا حوري، وبكرة إن شاء الله لما تخلفي ولد حلو شبهك كده هتغيري عليه برده وتحسي إحساس ياسمين."
حور:
"أنا لا يا بابا دي سنة الحياة."
أحمد:
"فاهم يا بنتي بس مش كل الناس في عقل حور وأنا عايزك تستخدمي العقل مش المكر مع ياسمين فاهمة يا بنتي عشان تشوف فيكِ حسن التربية والدين وتحبك وده لو حست إنك مش داخلة منافسة معاها في قلب سليم لا أنتِ جاية تزودي الحب ده. يعني معاملة لطيفة مع احتساب النية مع تغافل حبتين الدنيا هتمشي. ومش معنى ده إنك تفضلي الطرف اللي ييجي على نفسه كتير، لا طبعًا ديما خدي حقك بس بلطف ولين فاهمة."
أومأت حور برأسها وأكدت:
"طبعًا طول ما أنا بنت الشيخ أحمد."
فقبلها أحمد من بين عينيها ودعا لها البركة والسعادة ثم اصطحبها مع آسر إلى منزل دلال وتبعهم بالسيارة شيكو وسليم وياسمين التي كانت متأففة طوال الطريق وقالت بعصبية:
"أنا مش عارفة إيه لزمته سلق البيض ده..!! ليه كتب كتاب مكان كفاية قراية فاتحة، ده أنتم لسه عيال يا ابني."
فقاطع حديثها شيكو:
"خلي العيال تفرح يا ياسو ومتنكديش علينا الله يكرمك."
أطلقت ياسمين زفيرًا حارقًا وتابعت:
"أيوه ما هو ما شابه أباه فما ظلم، أنت برده ضحكت عليه وكتبت عليه وأنا نايمة."
ابتلع شيكو غضبه بالكاد ولكنه حاول أن يلين القول معها حتى لا تفسد فرحة سليم فاستطرد بحب:
"ده كان أحلى يوم في حياتي، يوم امتلكت الدنيا كلها وحسيت إني أسعد واحد في الدنيا بعد ما اتجوزت حب حياتي."
توردت وجنتا ياسمين فرحًا ورددت:
"بجد يا حبيبي؟"
شيكو:
"جد الجد يا روحي."
ياسمين:
"إلهي تنستر دنيا وآخرة."
ثم ربتت على كتف سليم بحنو قائلة:
"اكتب يا حبيبي عشان تفرح وتتهنى زي أبوك."
فغمز شيكو سليم، فضحك وهمس في أذن أبيه:
"تترد لك يا معلم."
حتى جاءت اللحظة الحاسمة التي وقف بها أحمد أمام الباب ولم يكن يحتاج أن يضغط على الجرس أو يطرق الباب حيث كانت ضربات قلبه العالية كفيلة أن تسمعها دلال من الداخل فهمست بقلب نابض كفتاة ما زالت في ريعان شبابها:
"أحمد، مولانا حبيب قلبي وصل."
فأسرعت مُنايا لفتح الباب وكانت دلال من ورائها لا تستطيع أن تسبقها من التوتر الذي جعل قدميها كالهلام لا تستطيع السيطرة عليها ولا التقدم بسرعة.
فتحت مُنايا الباب بلهفة قائلة:
"باباااا."
أما أحمد فلم ينطق بعد أن سبقته دموعه في مشهد يبكي الحجر اختلطت به مشاعر الأبوة والحنين واللهفة بعد حرمان طويل، فأفرد لها ذراعيه لتغوص منايا في بحر الأمان والحنو الذي حرمت منه طويلًا.
حتى استطاع أحمد أخيرًا أن يرفع عينيه ليرى مُتيمة قلبه وروحه تقف أمامه كما رآها أول مرة، وكأن الزمن لم يمر عليها. وهي كما هي بجمالها الآخاذ الذي خطف قلبه من أول لقاء.
وقف أحمد قدامها بعد سنين طويلة، قلبه بيدق بسرعة، عينيه مش مصدقة إنها واقفة قصاده تاني. جواه شعور بالفرحة الغامرة إنها قدامه وفي نفس الوقت غصة وجع من السنين اللي ضاعت بعيد عنها.
ودلال كمان ملامحها مش قادرة تخبي ارتباكها، بين دمعة عايزة تنزل من الشوق، وابتسامة مترددة كأنها مش عارفة تعاتبه ولا ترتمي في حضنه. المسافة بينهم صغيرة جدًا، لكن مليانة ذكريات وحنين وكلمات ما اتقالتش. عشان اللحظة دي كلها نبض، صمت ثقيل، عيون بتتكلم أكتر من أي كلام.
وأحمد كان حاسس لما شافها إن الزمن رجّع له قلبه المرهق تاني. سنين طويلة مرت، تغير فيهم كل شيء إلا صورتها اللي محفورة جواه. لما التقت عيونه بعينيها، حس إن الدنيا كلها وقفت؛ الأصوات اختفت، المكان اتلاشى، وما بقى غير هو وهي.
ارتجفت أصابع دلال وهي بتحاول تخفي دمعة نزلت منها من غير استئذان. حاولت تبتسم، لكن الابتسامة طلعت مرتبكة، مترددة ما بين شوق ووجع. وأحمد حاول يقرب منها من غير ما يفكر، كأن كل المسافة اللي بينهم اتلغت فجأة. ووقف قدامها، يتأمل ملامحها وعينيها اللي أسرته زمان، ولسه بتسحره النهارده. الجو كان مليان ثِقَل، لكن جواه كان في سلام غريب، زي اللي بيرجع لبيته بعد غياب طويل.
وأخيرًا بعد كل الصمت ده وعيونهم بس اللي كانت بتتكلم، قدر أحمد يقول بصوت مبحوح:
"مش مصدق إني واقف قدامك دلوقتي…"
دلال بابتسامة حزينة:
"وأنا كمان… سنين كتير راحت مننا."
أحمد:
"ولا يوم مر عليَّ من غير ما أفتكرك."
دلال ساحت بنظرها للحظة:
"وأنا… كنت بفتكرك أكتر ما بتتخيل، بس الوجع كان أقوى مني."
أحمد اتنهد:
"يمكن اتأخرنا، بس قلبي لسه زي ما هو. لسه ليكي."
دلال دموعها نزلت:
"وأنا عمري ما نسيتك… يمكن كنت بعيدة لكن عمري ما عشت بجد إلا دلوقتي."
.........
ثم قطع لحظة اللقاء الساخن بعد كل تلك سنوات العجاف صوت صديقه شيكو الذي قال بمرح:
"إيه يا عم الشيخ هو احنا جايين عشانك بس ولا إيه!! مش فيه ناس وراك عايزة تاخد دورها هي كمان."
ليجيبه سليم:
"أيوه يا بابا فكرها بالله عليك عشان ده نسانا خالص وأنا خلاص معنديش صبر."
ليقاطعه آسر:
"هو أنت لوحدك يا أخويا، مهو أنا واقف أهو مستني الفرج من عند ربنا، بس الظاهر الشيخ أحمد عايز ياخد الليلة لوحده."
ليتحدث المأذون بطلاقة:
"وأنا أيضًا لقد تأخرت كثيرًا ولدي مواعيد أخرى."
ليستطرد شيكو:
"أنجز يا مولانا عشان الشيخ وراه مواعيد."
ليتلعثم أحمد وعينيه لا تبرح مُتيمته:
"آه ماشي ماشي."
لتتحدث دلال بحرج:
"اتفضلوا يا جماعة، نورتونا والله."
فجلس الجميع، ليبدأ المأذون في كتابة عقد زواج أحمد ودلال في بادئ الأمر.
لتطلق ياسمين زغرودة عالية من الفرحة، أما شيكو فصاح بمرح:
"ألف مبروك يا مولانا، عيش وافرح بقى."
ابتسم أحمد على خجل واقترب خطوة من دلال ثم خطوة أخرى. ولكن دلال من التوتر تراجعت نصف خطوة للخلف، مش خوف، لكن ارتباك من شدّة اللحظة. قلبها كان بيخبط جوّا صدرها، وكأن كل ثانية بتصرخ فيها "اتقدم أكتر".
مدّ أحمد إيده ببطء، كأنه بيستأذن قبل ما يلمسها. ما قدرتش تقاوم أكتر، دموعها سبقت كلماتها وانهمرت على خدّها. في اللحظة دي، انكسرت كل الحواجز، واتلغت السنين اللي فرّقت بينهم.
احتواها بين ذراعيه بعناق طويل، عناق فيه وجع الفقدان وفرحة اللقاء. هي خبت وشها في صدره، تسمع دقات قلبه اللي بقت مزيج من الراحة والدموع. أما هو، فغمض عينيه كأنه أخيرًا لقى الأمان اللي كان تايه عنه.
دلال بصوت مرتعش:
"وحشني حضنك…"
أحمد بابتسامة وسط دموعه:
"وأنا… عمري ما كنت حي من غيرك."
دلال:
"خليني في حضنك متبعدنيش."
أحمد بثبات:
"مش هبعد… لا دلوقتي ولا بعد كده."
وسابوا نفسهم للحظة اللي طول عمرهم كانوا مستنيينها.
وبعد ما استقرّوا في حضن بعض، سيطر صمت دافئ على المكان. لا في صوت ولا حركات، غير أنفاسهم المتلاحمة. كأن الزمن نفسه وقف احترامًا لرجوعهم. رفعت دلال راسها بخجل من صدره، ودموعها لسه معلّقة في رموشها. وابتسمت ابتسامة صغيرة، هشة، لكنها صادقة.
وقالت:
"أنا حاسّة إني بحلم…"
أحمد مسح دمعتها:
"ولو حلم… مش عايز أصحى منه أبدًا."
ومسك وشها بين إيديه، يتأمل تفاصيلها كأنه بيشوفها لأول مرة، وفي نفس الوقت كأنه حافظها من جوّه من غير ما ينساها ولا لحظة.
دلال اتنهدت:
"ضيّعنا كتير…"
أحمد بهدوء:
"ولسه قدامنا عمر نرجّع فيه كل اللي ضاع."
ابتسمت ابتسامة صافية، واستندت براسها على كتفه. لحظة أمان مطلقة، مفيهاش خوف، مفيهاش كلام ناقص. مجرد وجودهم سوا كان كافي. وبين أنفاسهم الهادية، اتولد إحساس جديد… حب أنضج، أعمق، حب عدى بالغياب والدموع ورجع أقوى من الأول.
بعد لحظات الصمت اللي غرقوا فيها، رفعت راسها من على كتفه وبصّت في عينيه بترقب.
ملامحها كلها بتقول إنها مستنية حاجة، كلمة تكمل اللحظة.
هو شدها ناحيته أكتر، وصوته خرج هادي لكنه مليان صدق:
بحبك... يمكن الكلمة صغيرة قدام اللي جوايا، بس هي الحقيقة الوحيدة اللي عشت بيها طول السنين.
دموعها زادت، بس المرة دي دموع فرحة. حطت إيديها على وشه وقالت بنبرة مرتعشة:
وأنا كمان بحبك... عمري ما بطلت أحبك، حتى وإحنا بعيد.
ضحكته كانت غريبة... مزيج بين راحة ودموع. قرب منها أكتر، وختم كلامه:
خلاص، لا في بعد تاني... ولا في فراق تاني. من النهاردة... إحنا مع بعض، زي ما كنا لازم نكون من زمان.
هي ابتسمت من قلبها، ووقعت في حضنه من جديد. اللحظة دي كانت أصدق من أي وعد، وأجمل من أي بداية.
"بعد سنين من الفقد، اختصروا العمر كله في كلمة بحبك، وحضن واحد رجع لهم الحياة من جديد."
وأمام كل تلك المشاعر المتدفقة دمعت عيون كل الحاضرين تأثرًا بهم، ونظر سليم إلى حور وكأنه يقول: كلها ثواني وهتكوني جوه حضني كده يا حوري بس الله يسامحه أبوكِ واكل الجو لوحده وأنا مش قادر أتكلم عشان هو الكبير برده.
وكذلك طالع آسر منايا بنظرة واحدة كفيلة بشرح كل ما في قلبه واختصرت كل معاني الحب، وبادلته هي نفس النظرة ليسبحا العاشقين في نهر الحب.
حتى صاح شيكو: يا كبير وبعدين معاك، خلي العيال تفرح بقى زيك واقعد يا عم نكتب كتابهم عشان قربوا يفقسوا خلاص.
أخرجت كلمات شيكو أحمد عن شروده في مُتيمته ليتنحنح بحرج: آه طبعًا طبعًا.
ها هنبدأ بمين سليم ولا آسر؟
فقال الاثنان في لحظة واحدة: أناااا، أنااا.
فضحك الجميع.
ولكن شيكو حزم الأمر قائلًا: إحنا نمشيها من الكبير للصغير.
يعني بعد مولانا آسر وبعدين أنت يا سولي.
فرمقه سليم بغيظ، فضحك شيكو وهمس: معلش يا حبيب أبوك ما فرقتش دقيقتين مش هتولع فيهم يعني.
ليبدأ عقد قران آسر ومُنايا التي كانت تطالعها دلال بصدمة لا تصدق أن صغيرتها أصبحت عروس فجأة.
وآه من سرعة الأيام.
ولما الشيخ قال كلمة "بارك الله لكما" وانتهى من عقد آسر ومُنايا، طالع آسر مُنايا بعين كلها امتنان وفرحة، كأنه مش مصدق إن الحلم بقى حقيقة.
وهي قلبها كان بيرقص من الفرحة، متلخبطة بين الخجل والفرحة والدموع اللي عايزة تنزل غصب عنها.
وقرب آسر منها ببطء، وإيده رجفت شوية من رهبة الموقف، وعانقها بشوق ولهفة، وكان الحضن طويل، مليان أمان ودفا.
وحس إن صدره بيتقل من الدموع اللي عايزة تنزل، وكأنه بيتنفس لأول مرة صح، كأنه لقى مكانه.
ثم همس بحب وصف لهفته:
أخيرًا بقيتي ليّا... مش مصدق.
مُنايا بابتسامة باكية:
وأنا كمان... كنت حاسة إن اللحظة دي بعيدة.
آسر بوعد مؤكد:
وعد... هحافظ عليكي طول العمر.
مُنايا بخجل:
وأنا عمري ما هسيبك... كفاية إنك جنبي.
وهنا لم يتحمل سليم كل تلك المشاعر الهوجاء التي أمامه، وتمنى من كل أعماقه أن يعيشها فهتف:
إيه يا جماعة مش كفاية حرام عليكم، ده أنا قربت أتشل يا ناس، حسوا بي وبقلبي أنا كمان عايز أكتب وأحضن مش كده.
فقرصته ياسمين بغل وهمست: ماشي يا سليم، بينلها إنك مدلوق أكتر وأكتر عليها عشان تركبك بنت أشجان وتبقى خرونج.
آه يا خسارة تربيتي فيك يا ابن شيكو.
صك شيكو على أسنانه بغيظ ورفع يدها على فمها وقبلها بحنو وقال: أبوس إيدك يا ياسو بلاش تبوظي على الواد فرحته وخليه ينبسط زي أي شاب في الليلة دي.
هدأت ياسمين قليلًا بعد فعلته تلك وطالعت سليم بحنو واستطردت: افرح يا حبيبي براحتك.
فقام سليم وتوجه نحو المأذون وجلس بجانب أحمد ليتم العقد على حبيبته حور.
وبعد الانتهاء قفز ليأخذها في عناق طويل، سكنت به جوارحهم ولم تعلو سلطة في تلك اللحظة سوى سلطة الحب الحلال.
ثم همس سليم بعشق:
مش مصدق إنك بقيتي مراتي دلوقتي... لسه من شوية كنت بحلم باللحظة دي.
حور تخفض عينيها بخجل:
وأنا برضه... قلبي بيرجف من الفرح والخوف في نفس الوقت.
سليم:
ليه خوف؟ ما أنا جنبك، وهفضل سندك طول العمر.
حور:
عارفة... بس إحساس جديد عليا. كل حاجة اتغيرت بلحظة.
سليم:
اتغيرت للأحسن... دلوقتي بقينا واحد. أحلامنا هتتجمع، وبيتنا هيبقى مليان حب.
حور تبتسم ودمعة فرح تلمع في عينها:
أنا بدعي ربنا يكون بيتنا مليان رضا وسكينة.
سليم يمسك إيدها بخفة:
وهنكتب مع بعض أجمل قصة... من النهارده مفيش أنا وإنتِ، فينا إحنا.
حور بخجل ودفء:
يا رب... يفضل الحضن ده شاهد علينا طول العمر.
وهكذا غمرت قلوب أبطالنا السعادة والفرح من جديد ليصدق قوله تعالى "وبشر الصابرين" وإن بعد العسر يسر.
ومع انتهاء تلك اللحظات التي سُجلت في تاريخ سعادتهم.
غمزت تلك الماكرة الصغيرة حور أختها مُنايا وقالت بمكر: بقولك إيه يا موني يا حبيبة أختك، ما تيجي الليلة عندنا عشان عايزة أرغي معاكِ طول الليل وبالمرة ننم على آسر وسليم.
فأطلقت مُنايا ضحكة رنانة وغمزتها بعد أن فهمت ما ترمي إليه وهي أن تترك المنزل لوالدها ووالدتها في تلك الليلة المميزة لتفسح لهم المجال أن يعبر كل واحد منهم عن اشتياقه الآخر دون خجل.
لذا استطردت: وهو كذلك يا أختي العزيزة، يلا بينا جميعًا.
فانتاب جسد دلال رعشة قوية من الخجل رغم أنها ليست المرة الأولى بينها وبين أحمد، وحاولت أن تستوقف مُنايا حتى لا تكون بمفردها.
ولكن وجدت يد أحمد تطمئنها بعد أن شعر بما يراودها، فابتسم وهمس لها: أنا أحن عليكي من نفسك يا دلال، ومن النهاردة مفيش خوف وكل اللي جاي هيكون خير وبس وده مش تدخل في علم الغيب لكن هو ثقة في الله عشان عالم بحالي وعالم قد أنا إيه صبرت لغاية ما جت اللحظة دي.
ابتسمت دلال بخجل ورددت: ونعم بالله يا مولانا.
وشعرت دلال بعد لمسة أحمد ليها أنه كسر كل الحواجز بينهم والقلق داب قصاد كل الحب اللي في عينيه ليها.
لتتفاجأ به يحملها على يديه كالأطفال فأخذت تضرب بقدميها في الهواء وقالت بضحك: لااااا نزلني يا أحمد، نزلني.
غمزها أحمد وهمس بعشق: هنزّلك طبعًا في قلبي يا روح قلبي. ليسرع بها إلى غرفة النوم ثم أنزلها برفق على طرف التخت وقال بشوق: مع إني مش قادر أبعد عنك ولو لحظة بس لازم تصلي ركعتين مع بعض نشكر فيها ربنا أنه جمعنا من تاني.
أومأت دلال برأسها بعد أن لمعت عينيها بالدموع وأشارت إلى المرحاض: الحمام قصادك أهو ادخل اتوضا وأنا هجيب الإسدال وأجي اتوضا بعدك.
وبالفعل صلى أحمد إمام بدلال وسكب العبرات فرحًا بعودتها إليه وسأل الله أن يدوم محبتهم ولا يفترقا إلا بالموت وأن يرزقه منها الولد الصالح الذي يتمناه.
وبعد الصلاة بث لها اشتياقه:
أحمد بصوت دافئ وهو ماسك إيديها: عارفة يا حبيبتي؟ كنت خايف العمر كله يضيع من غير ما أقابلك تاني.
دلال بابتسامة مرتبكة:
وأنا كمان... كنت بفتكر إن اللي بينا انتهى. بس الحقيقة إن قلبي عمره ما نساك ولو لحظة... يمكن كنا بعيد، بس أنا طول الوقت كنت بدعيلك.
أحمد قرب منها ولمس خدها برفق:
أنا اللي قصرت زمان... بس الوعد دلوقتي إني مش هسيبك ولا ثانية. الليالي اللي ضاعت مننا، هنعوضها مع بعض واحدة واحدة.
دلال عينها دمعت وابتسمت:
النهارده مش بس ليلة دخلة... النهارده بداية عمر جديد، كأننا بنتجوز للمرة الأولى، بس المرة دي بوعي أكتر، وحب أعمق.
أحمد حط راسه على كتفها وهو مبتسم:
أنا مش عايز حاجة من الدنيا غيرك... ونفسي كل يوم تصحي جنبي وأشوفك أول حد في عيني.
دلال ابتسمت بخجل:
وهفضل أقولك كل يوم إني بحبك... زي ما قلبي قالها من أول لحظة قابلتك فيها.
أحمد بص في عينيها بلهفة:
يبقى نبتدي من النهاردة من غير خوف...
وقرب منها أحمد جدًّا، ولمس خدها وهمس:
"وأنا عمري كله عطشان لحضنك... الليلة دي مش هسيب فيكي ذرة شك إني ملكك."
دلال اتنهدت وغمضت عينيها:
"ولأول مرة حاسة إني ملكة... بين إيديك."
لمس أحمد شعرها وغمرها بقبلاته لحد ما همس بعشق:
"كل نفس منك هو عمري... كل لمسة منك بترجع لي روحي ثاني، خلينا ننسى الدنيا ونعيش لبعض."
دلال بابتسامة مرتعشة وصوت خافت:
"أنا بين إيديك... أعمل بيّا اللي نفسك فيه، بس أوعى تسيبني ثاني."
ضمها أحمد بقوة وهمس:
"مستحيل... الليلة دي بداية عمر، وإنتي عمري كله."
لتختلط القلوب قبل الأجساد، لتعيش تلك الليلة المميزة في ذاكرتهم إلى الأبد.
وظلوا عدة أيام في سعادة متناهية لا حد لها، ولم يخرجهم منها إلا صوت شيكو عبر الهاتف:
"إيه يا عريس، بقالك أسبوع لا حس ولا خبر، وسايبني تايه في الدنيا لوحدي، لا صديق ولا حبيب، يعني أنت هايص وأخوك لايص."
فضحك أحمد واستطرد:
"من نفسي يا أخي شوية."
شيكو:
"حقك يا دكاترة، بس كده أنت هتسقط يا أخويا عشان مش بتروح الكلية، وكمان الشغل متلتل ومش قادر عليه لوحدي."
أحمد بمرح:
"هو يعني أنا لازم أكمل تعليمي؟ أنا بفكر أسيب الكلية."
شيكو:
"آه يا فاشل، لا يا حبيب أخوك، لازم تكمل عشان تحقق أمنية أبوك الله يرحمه."
أحمد:
"الله يرحمك يا بابا، كنت أحن الناس علي."
"وكمان إيه الشغل لوحدك دي؟ أمال فين الباشمهندس آسر."
شيكو بضحك:
"بيحب في بنتك مُنايا طول النهار في التليفون."
"حتى ابني المفعوص كده برضه، وياريت حتى بنتك حور معبراه، إلا دايمًا تقوله استرجل يا سليم، عيب يا سولي."
"والواد قرب يتشل، عجبك كده؟!"
فضحك أحمد وأكد:
"آه عجبني."
"جدعة حور من يومها، أما مُنايا هوصي دلال تخليها تتقل شوية مش كده."
فضحك شيكو:
"توصي مين يا جدع، دي يا دوبك كانت حونينة على آسر أول يوم، وبعدين حور ملت دماغها راحت قالبة على آسر، وخلته بيكلم نفسه طول النهار وبيستعطفها تحن عليه ولو بكلمة."
فقهقه أحمد وردد:
"لا كده أنا فعلًا خلفت، ربنا يحفظ بناتي حبايبي."
شيكو بغيظ:
"كده طيب يا دكتور، اعتبر إجازتك انتهت، ومن بُكرة تروح كليتك، وبعد العصر تكون عندي في الشركة، وبالليل تقعد مع بناتك حبايبي تذاكر."
أحمد بصدمة:
"نعم، أمال فين دلال من ده كله؟"
شيكو بمرح:
"ما هي يا حبة عيني هتعملكوا الساندويتشات وأنتم بتذاكروا، وزي بعضه ابقى اخطفلك بوسة كده ولا كده تشجيع."
أحمد بغيظ:
"شيكو وبعدين... ما يصحش."
شيكو:
"يعني حلو ليك ووحش العيال."
أحمد:
"أنتم متفقين عليّا بقى."
شيكو بضحك:
"صراحة آه، وكنت لسه عاملين اجتماع احنا التلاتة بننقر عليك."
أحمد بغل:
"كده؟!"
"طيب بالعند فيكم أنا هاخد كمان إجازة أسبوع، وكمان هقفل تليفوني خالص عشان محدش فيكم يعرف يكلمني، واحتمال كمان آخدها ونطلع أي مكان عشان مش بعيد ألاقيكم فوق راسي يا كلاب."
ثم أغلق الخط في وجهه، فوقف شيكو مصدومًا وهمس:
"لا وكتاب الله المجيد ده مش الشيخ أحمد، ده بقى باد بوي."
ثم ضحك واستطرد:
"بس صراحة حقه ونص، ده قعد عمره كله محروم من الهشتكة، مش خسارة فيه أسبوع كمان زي بعضه."
"المهم دلوقتي هروح أصبر المناحيس آسر وسليم اللي كانوا فاكرين الحياة هتكون وردي ويغرقوا من العسل بعد كتب الكتاب، واتفاجئوا أنه عسل أسود."
...
لتمر الأيام سريعة ويستيقظ أحمد على صوت دلال تتأوه ألمًا في المرحاض، فقام وأسرع إليها بخوف فوجدها تخرج كل ما في جوفها وظهر عليها الإعياء الشديد.
فقال بتخوف:
"مالك يا حبيبتي، حصلك إيه؟"
دلال:
"مش قادرة يا أحمد، أسندني أرجع السرير."
فساعدها أحمد بعد أن قام بغسل وجهها بيديه الحنونة حتى وصلت إلى الفراش ودثرها جيدًا وطبع قبلة حنونة على جبينها.
ثم استطرد:
"لا أنا لازم أجيبلك دكتور حالًا، مش هينفع أشوفك تعبانة جدًا يا نبض قلبي."
فابتسمت دلال وتابعت بخجل:
"يخليك ليَّ يا كل عمري."
"ومالوش لزمة الدكتور يا قلبي، أنا عارفة فيه إيه، بس مكسوفة أقول."
طالعها أحمد بحيرة وغزت تعبيرات وجهه علامات استفهام كثيرة.
فابتسمت دلال وقالت بهمس:
"أنا حاااااااامل يا أحمد."
"مش عارفة إزاي حامل في السن ده وبنتي عروسة وعلى وش جواز، الناس هيقولوا عليَّ إيه بس؟!"
جحظت عين أحمد من المفاجأة ثم خر ساجدًا لله شاكرًا وانهمرت دموعه من الفرحة ثم قام وضمها إليه بحب قائلًا:
"ألف مبروك يا حبيبتي، ألف ألف مبروك علينا موسى وهارون."
"ومكسوفة من إيه بس وسن إيه، أنتِ لسه صغننة يا قلبي، واللي يشوف مُنايا يقول أختك مش بنتك أبدًا."
ظهرت السعادة على وجه دلال، كأي أنثى يثنى عليها إنها لا يظهر عليها العمر وأنها ما زالت صغيرة.
ثم صاحت:
"موسى وهارون دول إيه؟"
فضحك أحمد:
"ولادنا التوأم يا روحي."
دلال بصدمة:
"هو أنت مكشوف عنك الحجاب يا مولانا؟"
"قوام عرفت إنهم ولاد وتوأم كمان."
أحمد:
"عشان دي كانت رؤية من ربنا سبحانه وتعالى في المنام يا قلبي، وأنا متأكد أن ربنا كريم وهيعطينا بس ما تقوليش برضه لحد لغاية ما الدكتور يقول."
دلال:
"لا ولا حتى لما الدكتور يقول يا مولانا، ده أنا خفت عليهم من دلوقتي، عيالي حبايبي الله أكبر عليهم."
أحمد:
"لا مش للدرجة، الله هو الحافظ، أنتِ بس عليكِ الاستيداع، يعني تقولي: اللهم إني استودعتك أولادي، والله سبحانه عليه الحفظ، وربنا يرزق كل محروم."
ثم أخذ يضحك كثيرًا فتعجبت دلال وقالت:
"إيه بيضحكك كده أوي يا روحي."
أحمد:
"لأني أول مرة هشوف عروسة بفستان الفرح حاااامل وبطنها هتكون قدامها قدام الناس..."
دلال بصدمة:
"ده إزاي يعني؟"
خطف أحمد قبلة سريعة منها ثم استطرد:
"يعني يا حبي أنا كنت ناوي بأمر الله لما نرجع مصر في نص السنة أعملك أكبر فرح فيكِ يا دنيا حصل في أفخم قاعة وأقول الناس كلها إني بحب مراتي حبيبتي عشان أعوضك عن اللي حصل زمان."
"لكن للأسف نص السنة هتكون لسه في الشهر الرابع ويكون السفر غلط عليكِ، فهننتظر لآخر السنة هتكوني في أواخر الحمل."
فأخذت تضحك دلال ضحك هستيري حتى دمعت عينيها وقالت بتلعثم من الضحك:
"لا أنت أكيد بتهزر يا أحمد."
"ده لا يمكن يحصل، أنا مجرد التخيل بيخليني أفطس من الضحك، يعني هضحك الناس عليَّ."
"لاااااا لاااا أقولك لما أولد."
أحمد:
"وهنشيل العيال واحنا في الكوشة يا حبيبتي، لا وأنتِ حامل أحسن."
دلال:
"دي هتبقى مسخرة أقسم بالله ومش بعيد نطلع تريند أنا وأنت يا مولانا."
أمسك أحمد يديها وقبلها بحب وأكد:
"وماله تريند تريند، يا ريت عشان العالم كله يعرف إنك مراتي وحبيبة العمر كله."
ثم تنهد بغصة مريرة واستطرد:
"وياريت كان ده حصل من الأول يا قلبي يمكن ما كانش حصل اللي حصل."
"وياريت قلبك ما يكونش لسه شايل مني."
فوضعت دلال يدها على فمه وقالت بعشق:
"ما تقولش كده يا أحمد، هو أنا برضه هفهمك أنه كله قدر ومكتوب، ويمكن المحنة اللي عدت في حياتنا خلتنا دلوقتي أقرب لبعض، روح واحدة في جسدين."
"بالعكس كمان كان فيه ثمرة حلوة جت هدية من ربنا لبنتي مُنايا وهي حور عشان أنا طول عمري وحيدة وكنت بتمنى يكون ليَّ أخت نتسند على بعض."
فضمها أحمد بكل قوته إلى صدره، فهمست دلال:
"براحة عشان عيالك اللي جوه يا مولانا."
لتمر الأيام ثقيلة على دلال بسبب ثقل الحمل لديها، وانتهت السنة الدراسية بتفوق أحمد وحور ومُنايا، وجاءت اللحظة الحاسمة المنتظرة وهي العودة إلى الوطن.
حيث سجد أحمد في المطار حمدًا لله أنه عاد لمصر الحبيبة.
واستقبلته عمته ووالدته بالقبلات والأحضان وكذلك دلال ومُنايا، حيث كان على تواصل معهم كل الفترة السابقة فاشتاقوا لرؤيتها.
ونفذ أحمد ما نوى عليه رغم اعتراض دلال لتعب الحمل، ولكنه أصر وصممت لها صاحبة أكبر مجموعة للأزياء في مصر فستان زفاف يناسب الحمل.
ولكنها كما توقعت في الفرح همسات وضحكات من الجميع، فهمس لها أحمد:
"ولا تاخدي في بالك، المهم أنا وأنتِ والعمر اللي جاي لينا ولولادنا."
وصورت الكاميرات من كل المواقع الإخبارية الدكتور ورجل الأعمال الناجح زفاف أحمد الجمال مرة أخرى على زوجته دلال.
لينتشر الخبر في لحظات معدودة وبالفعل أصبح تريند.
...
تفاجأ تميم في الفرح ابن أسماء من الصغيرة سيلينا التي أصبح عمرها عشر سنوات تقترب منه وتهمس:
"وأنت امتى تيجي تطلبني من بابا يا تميم؟"
تميم بصدمة:
"بتقولي إيه يا أوزعة؟!"
سيلينا:
"بقول إني بحبك وهتجوزك."
فضحك تميم:
"يخربيت دماغك، دي آخرتها أتجوز طفلة!"
فأخرجت له لسانها وأكدت:
"لو ما تجوزتنيش هخطفك."
لتكون لهم حكاية جميلة في المستقبل ولنسميها صغيرة تميم.
...
وفجأة أثناء الحفل ورقص مُنايا مع آسر على أنشودة هادئة رومانسية بث لها فيها شوقه وحبه وكذلك فعل سليم مع حور، إذ بدلال تصرخ صرخة مدوية:
"ااااااه إلحقني شكلي هولد يا مولانا."
حاول أحمد يظهر المرح عكس ما في داخله من قلق:
"طيب استني لما يخلص الفرح الأول يا دولي."
دلال بصراخ:
"هو بكيفي، دول عيالك مصممين يحضروا الفرح معانا."
فضحك أحمد:
"وماله، يلا بينا على المستشفى ويطلعوا بالسلامة وتيجي نكمل الفرح."
فصرخت دلال:
"أنت هتجنني يا أحمد، هو ده وقته."
أحمد بمكر:
"وماله ما أنتِ ياما زمان كنتِ هتطيري المخ اللي فاضل من نفوخي."
فضحكت دلال ثم صرخت مجددًا:
"طيب ألحق عشان العيال شكلهم بيضربوا بعض جوه."
فأسرع بها إلى المستشفى.
فجحظت عين الطبيب عندما رآها في حالة وضع وهي بفستان الزفاف فنظر إلى أحمد باندهاش قائلًا:
"إيه يا عم الشيخ هو أنت واخد عروسة حامل جاهزة وبتولد كمان؟"
"شكلك مش عايز تتعب نفسك."
فكاد أحمد أن يبطش به لولا تدخل شيكو ومنعه ثم أشار إلى الطبيب:
"أنت يا عم وظيفتك تولد ولا تتدخل في اللي مالكش فيه."
"وعلى العموم دول كانوا بيعيدوا ذكرى جوازهم يعني عيالووووا."
فشعر الطبيب بالحرج وقال:
"آسف."
ثم ضحك واستطرد:
"معلش والله غصب عني مش قادر أمسك نفسي."
فانفعل أحمد وهم ليضربه ولكن أمسك شيكو بيده وقال بغيظ:
"استنى بس لما تولد الأول وبعدين أنا هضربه معاك."
وما هي إلا لحظات وخرجت الممرضة تحمل موسى وهارون.
فحمل أحمد طفل ووالدته حملت طفل وضمته إلى صدرها مرددة:
"حمدي، حمدي."
فطالع أحمد طفله ووجده بالفعل يشبه أباه رحمة الله عليه.
شيكو:
"سبحان الله حتى اللي شيله يا أحمد شبه عمك سليمان."
فشكر الله أحمد أن جعل صورة أحب اثنين إلى قلبه والده وعمه في ولديه موسى وهارون.
وفي الختام ندعو الله عز وجل أن يرزق كل محروم الذرية الصالحة ويرزقنا جميعًا من خير ما سُئل به رسولنا الكريم ونستعيذ بكل ما استعاذ به.