تحميل رواية «دلال و الشيخ» PDF
بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في منزل عريق من أحياء حي الجمالية، الذي أصبح أيقونة في الجمال، لإنه جمع بين حضارة الماضي وتراثه من الخارج. أما من الداخل فتمتع بلمسات سحرية من العصر الحديث، وقد تميزت نوافذه بالزجاج الملون. هذا بجانب حديقة واسعة ضمت بعضًا من أشجار الفاكهة واصطف بجانبها بإتقان زهرات يانعة من زهرة الريحان التي تنثر عطرها في الأجواء. وأحيط المنزل بأسوار عالية تخللها أسياج حديدية. ومن الداخل يتكون من عدة طوابق، كل طابق مخصص لأبناء الحاج حمدي الجمال. يعيش في هذا المنزل العتيق الأب حمدي الجمال، وهو صعيدي الأصل ولكنه ا...
رواية دلال و الشيخ الفصل الحادي عشر 11 - بقلم شيماء سعيد
دلال والشيخ
الحلقة الحادية عشر
............
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ❤️
الرجل يعتقد إن المرأة تحب الغني وتعجب بالوسيم والمشهور، الحقيقة إنها تحب من يكون لها أخًا وصديقًا وسندًا، ويحترم عقلها وكيانها.
.........
جلست دلال على أحد المقاعد في المواصلات العامة المتجهة لتلك المنطقة التي تقطن بها تلك السيدة المسنة مع ابنها.
وأخذت تدعو الله:
يارب يطلعوا ناس كويسين، أنا مش ناقصة بهدلة يارب.
يااه بس ألف حمد وشكر ليك يارب، أنا كنت فين وبقيت فين.
أنا مش مصدقة أن متولي غار في ستين داهية، وبطلت شغلانة الرقص وقلة القيمة، وأخيرًا بقيت ست محترمة ومحدش يبص لي نظرة من إياها.
ثم شردت في أحمد وابتسمت:
إظاهر يا مولانا إنك لسه فاكرني وبتدعِيلي، وربنا استجاب وخلصت من القرف اللي كنت عايشة فيه وربنا سترها معايا.
وحشتني يا مولانا، ياه لو حتى أشوفك ولو ثانية قلبي بيها يطمن عليك يا غالي.
لتتساءل:
مالك يا بت هتموتي عليه كده ليه، هو أنت يعجبك الأشكال دي برده، اللي محبكنها زيادة عن اللزوم وطول الوقت مكشرين.
ولكنها استطردت:
والله حلو أوي وتكشيرته كانت زي العسل وحاسة إن ورا التكشيرة دي قلب أبيض.
آه منك يا مولانا.
ويشاء القدر أن تمر إحدى المواصلات العامة في اتجاه مخالف عنها، حيث جلس بأحد المقاعد أحمد يذكر الله بلسان رطب حتى يصل إلى عمله، وأخذ يكرر سيد الاستغفار كثيرًا لعل الله يبدل حاله هذا.
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. قال: ومن قالها من النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة.
لتتوقف كلتا السيارتين عند إشارة المرور، وعندما استدارت دلال بوجهها نحو النافذة صُدمت برؤية ذلك الذي تمنت رؤيته لو لحظة وكأن الله استجاب لها، فدق قلبها نبضات سريعة قوية حتى إنها وضعت يدها عليه ليستكين، وأطلقت عينيها قلوبًا ملأت المكان وصاحت بصوت عال وهي تشير من النافذة:
ـ يا مولانا، يا شيخ أحمد.
اخترق صوتها أذنه، فشعر بقشعريرة سرت في جسده لم يعلم سببها، ثم استدار بوجهه إليها فرآها تبتسم له.
كم كانت جميلة حقًا، ببشرتها البيضاء وعينيها اللامعة وجنتيها المتوردة وشفتيها التي تشبه التوت.
ولكن نظرته لم تدم طويلًا فأخفض عينيه سريعًا، وتجمدت ملامحه.
وحدث ذاته:
ـ أتى القدر بكِ مجددًا، ليثور ذلك البركان في قلبي.
ذلك الذي ظننته قد خمد ولكن أشعله نظرة من عينيكِ.
فابتعدي عني أرجوكِ، فأنتِ ناَر مُحرِقة، فتنة طاغية.
لست أهلًا لها، فيكفي ما بي من شروخ وجروح لم تلتئم بعد.
شعرت دلال بالخذلان عندما أخفض بصره عنها، ولكنها لم تيأس وقامت بالنداء مرة أخرى مما أدهشه فقالت:
على فكرة دعائك استجاب يا مولانا.
فرفع بصره إليها مندهشًا، فاستطردت:
ياريت تفضل تدعيلي ديما، أنا محتاجة الدعاء أوي.
كاد أحمد أن يبتسم ولكنه تذكر تلك الصورة التي جمعتها مع المنياوي فعاد لعبوسه وأخفض بصره وأدار وجهه عنها.
مما جعل الدماء تتجمد في أوردتها وتجمعت الدموع في عينيها وجاهدت أن تفيض بها وتساءلت بغصة مريرة:
ـ ليه يا مولانا، أنا عملت إيه لده كله، ده أنا بقولك ادعيلي.
ومصدقت شوفتك، بس خلاص يا مولانا أنا شكلي كنت موهومة وأنت عندك حق، إزاي يعني يحن شيخ لراقصة.
ده مستحيل يحصل، ثم هربت دمعة من عينيها وهي تودعه بعد أن سارت السيارات مرة أخرى.
واستطردت:
بس يا مولانا مفيش مستحيل في الحب، يا ترى ممكن الصدفة تجمعنا تاني وقلبك يحس بيَّ ولا هتفضل حلم من أحلامي اللي عمرها ما تتحقق.
أما هو فأخذ يردد:
لا حول ولا قوة إلا بالله.
دلال أنا كنت بحاول أنساكِ، ألاقيكِ قدامي، ربنا يسامحك ليه عملتي في نفسك كده؟!
إزاي بنت في جمالك تفرط في نفسها بالشكل ده.
ثم أخرج تنهيدة موجعة وهمس:
وإزاي بتخطفِي القلب كده.
ولكن سرعان ما تدارك نفسه وهمس:
لا يستحيل أفكر فيها وهنساها يعني هنساها، عشان قلبي لما يحب يدق، يدق لإنسانة عفيفة بحجاب كامل تخفض البصر تسر القلب.
مش دلال خالص.
.......
انتهى شفيق من فعلته الشنعاء ودنس جسدها الطاهر وأضاع عفتها ليس فقط من أجل الانتقام لأمه فقط ولكن لنفسه الدنيئة التي تعودت على الغوص في الطين.
ثم جلس بجانبها يتأملها بإعجاب قائلًا:
طلعتي حلوة أوي يا سمسمة، صاروخ أرض جو كنتِ غايبة عني فين.
ثم عبث وعقد حاجبيه ووضع يده على رأسه وقال ببعض الخوف:
ـ يا مصيبتي السودة، طيب أعمل إيه دلوقتي لما تفوق أكيد هتصرخ وتفضحنا في الحتة، وأنا سمعتي زي الجنيه الدهب.
وأكيد هتجري تبلغ عمي وأخوها وييجوا يطينوا عيشتي ومش بعيد سفيان يخلص عليه.
طيب والعمل يا شفيق، كان لازم تسمع كلام أمك يعني، دي مهما كان برده بنت عمك مش غريبة.
أنا هنزل أقولها حصل وتقولي هي هنتصرف إزاي في المصيبة اللي هتحل على دماغنا كلنا.
فنزل شفيق وسار إليها وأطل برأسه من باب غرفتها وعندما رأته ابتسمت وسألته بلهفة:
ـ ها يا ابني سبع ولا ضبع؟
شفيق بفخر:
طول عمري سبع يا حاجة، بس يعني شكلي هيكون ضبع لما تفوق الهانم وتعرف اللي حصل وتصرخ وتلم الناس علينا ونتفضح ويجي سفيان يطير رقبتي.
هنعمل إيه دلوقتي، شورِي عليَّ؟
فربتت زينب على كتفه وقالت بخبث:
متقلقش يا شفيق.
أنا عاملة حسابي على كل حاجة، بالعكس هيحطوا لسانهم في بوقهم وهيتكسفوا يتكلموا وممكن يخلصوا عليها هي كمان.
ثم استطردت بسعادة:
ـ آه نفسي أشوف وش ابتهال وبنتها راجعة بالشكل ده ولا قهرة سليمان عليها.
لتهمس:
ياه أخيرًا يا سليمان هقهرك زي ما قهرتني زمان ورفضتني وفضلت عليَّ ابتهال.
فتح شفيق فمه ببلاهة وقال:
ـ بجد يا حاجة، طيب قوليلي بسرعة عشان قلبي هيقع في رجليه.
زينب:
بعد الشر عليك يا حبيبي.
هي مش مراتك زمانها جاية.
فوضع يده على رأسه وارتجف وقال:
ده أنا ناسي الزفتة دي كمان، دي هتولعها نار أكتر.
فضحكت زينب:
هو ده المطلوب.
تعجب شفيق:
إزاي؟
زينب:
هفهمك، يعني تطلع تنام جنبها وتحضنها كمان.
ولما تيجي مراتك هعمل نفسي بعطلها عشان متطلعش وأقولها بلاش تطلعي دلوقتي يا أشجان جوزك نايم.
ومرتاح أوي مع ضحكة كده هتفهم إن فيه حاجة، فهتجري تفتح الباب وتشوفك مع أختها، هترقع بالصوت والبت تفوق.
وهتفكر إن أختها بتخونها معاك.
مش أنت اللي غفلتها، وهتشتكي لأهلها يقوم يربوها والباقي أتخيله أنت بقى.
فتدلى فك شفيق من الصدمة ثم وقف وقال باندهاش:
لا دماغ عالية يا حاجة، عفارم عليك بصحيح.
ثم ضحك وغمزها:
لما أطلع أكمل نوم بقى.
فضحكت زينب:
آه يا شقي.
ليصعد شفيق إلى غرفته، فأخذ يتأمل تلك النائمة وهمّ أن يعيد ما فعله مرة أخرى، ولكن وجدها تتحرك.
فانقبض قلبه وقال بفزع:
_ دي بتفوق ولسه أشجان مرجعتش، والخطة هتبوظ، أعمل إيه دلوقتي؟
ولكن فجأة سمع صوت زينب العالي تحدث أشجان:
كويس إنك جيتي يا مرات ابني عشان جعانة ونفسي هفاني على محشي.
فادخلي يلا همّي أنتِ والمعدولة أختك خلصيه قوام عشان جعانة.
أنا بعت جبت كله، حجته هتلاقيها عندك في المطبخ.
فتدلى فك أشجان ونظرت إلى أنهار التي ضمت شفتيها بغيظ ثم قالت:
_ محشي إيه السعادة يا مرات عمي، إحنا لسه جايين من برا ومهدود حيلنا من المشوار وعايزين نطلع نستريح.
خليه بكرة إن شاء الله، ولو جعانة أوي يعني هطلع أكل امبارح أسخنهولك.
لتُصعق أنهار عندما هوت على وجهها صفعة قوية من يد زينب، جعلتها تصرخ متألمة، فصاحت زينب:
_ أنتِ بتقولي لي أنا آكل إيه ومآكلش إيه يا بت إبتهال؟!
هي دي التربية اللي اتعلمتيها في بيت أبوكِ؟
آه ما هو كان مدلعكم لغاية ما فلت عياركم، لكن متقلقيش أنا هعرف أربيكِ من جديد.
نزلت دموع أنهار من القهر وبكت، وبكت على بكائها طفلتها، فضمتها إليها وقالت بغصة مريرة:
_ أنا مش هرد عليكِ، لكن ليّ راجل هو اللي هيجيب لي حقي.
فضحكت زينب وقالت بتهكم:
آه الدلدول اللي معرفتش أربيه كويس.
آه يا أختي روحي عيطي له وقولي له أمك ضربتني ووريني هيعمل إيه.
فطالعتها أنهار بصدمة لأنها تعلم حقًا ضعف شاهين إمام والدته، لذا انسحبت من أمامها وأسرعت إلى شقتها.
فأخذت زينب تنادي عليها بغل:
_ تعالي يا بت وإلا هطلع أجيبك من شعرك.
أما أشجان فقد كانت تقف متخشبة، لا تفعل شيئًا، فالصدمة أجفلتها وجعلتها كأنها مغيبة عن الوعي.
فطالعتها زينب بمكر وأخرجتها عن شرودها بقولها:
_ مالك يا بت أنتِ كمان متخشبة كده ليه؟
فتراجعت أشجان للوراء خوفًا من بطشها، ثم حاولت الفرار إلى شقتها هي الأخرى، فاستوقفتها زينب قائلة بخبث:
_ استني عندك يا بت رايحة فين، أومال مين هيعمل الأكل.
أشجان بتلعثم:
هطلع بس أحط الحاجة اللي اشتريتها وأنزل تاني حاضر.
زينب بمراوغة:
_ لا خليكِ بعدين حطيهم، عشان متزعجيش شفيق، خليه نايم ومرتاح، مش وقتك دلوقتي.
أشجان بتعجب:
عادي مش هصحيه، هحط الحاجة وأنام العيال بس.
زينب:
قولت لك بلاش عشان متزعليش، بس شكلك مصممة.
براحتك بس متعَيّطيش ساعتها وافتكري إنه راجل يعمل اللي على كيفه بدال اللي معاه راضية.
اتسعت عين أشجان وتلون وجهها من الصدمة وقالت:
معاه!!
هو فيه واحدة فوق مع جوزي.
وضعت زينب يدها على فمها ورددت:
_ قطع لساني اللي متبري مني ده.
فركضت أشجان مسرعة إلى شقتها ودلفت للداخل بخطى سريعة إلى غرفة النوم بقلب يرتجف ووضعت يدها المرتجفة على مقبض الباب لتديره بحذر وتركته لينفتح الباب.
وتجمدت مكانها حين رأت ما لا يمكن أن تتخيله في يوم من الأيام.
أختها مع زوجها في فراشها!!
فصرخت صرخة مدوية مرددة:
أسمااااااء، لااااا مش مصدقة عينيه.
فاعتدل شفيق عندما سمع صوتها واصطنع الخجل قائلاً:
_ أشجان أنتِ جيتي؟!
أشجان بقهر:
أيوه جيت عشان أشوف بعيني نجاستك.
مش مكفيك اللي بتعمله بره، كمان على سريري ومع مين أختي يا خاين يا دون.
شفيق بغضب:
احترمي نفسك يا أشجان وصوتك ميعلاش عليّ، وإلا أنتِ عارفة أعمل فيكِ إيه؟!
فتململت أسماء في الفراش بعد أن أيقظها صوت صراخ أشجان.
فاعتدلت سريعًا لتتسع عينيها وهي ترى أشجان أمامها تصرخ وشفيق بجانبها، فأخذت تدور بعينيها تتساءل أين هي؟!
فصُدمت عندما علمت إنها في غرفة أشجان ونظرت إلى نفسها لتجد إنها شبه عارية فأسرعت لتغطية نفسها بالشرشف.
لتجد أشجان تنقض عليها وحاوطت عنقها بيديها صارخة:
_ هونت عليكِ وهونتِ على نفسك يا بت أبويا تعملي كده وعلى سريري يا فاجرة.
وعشان مين شفيق اللي ميسواش حاجة في سوق الرجالة ومستحملة قرفه عشان خاطر العيال.
تقومي تبيعي نفسك ليه، عشان إيه، مهو مش معقولة بتحبيه.
لأن هو نفسه مبيحبش نفسه، مريض نفسي.
جحظت عين أسماء وفتحت فمها وكادت أن تختنق فقام شفيق سريعًا ودفعها عنها قائلاً:
هتموتيها، لا دي ستك وست الستات كلها وأيوه بحبها وبتحبني.
وأنتِ متلزمينيش بعد كده.
بقى أنا مسواش حاجة ومريض نفسي، أنا هوريكِ النجوم في عز الضهر يا أشجان.
ثم أخذ يضربها بكل قوته ويركلها بقدمه وأخذت تصرخ حتى سقطت في الأرض مغشيًا عليها، فلم يدعها حتى صرخت أسماء باسمها وقامت تلف حول نفسها الشرشف، وتبعده عنها قائلة:
_ ابعد عنها يا حيوان.
ثم أخذت تضرب صدره بكلتا يديها وهي تبكي بمرارة:
_ أنت عملت فيّ إيه، حرام عليك ضيعتني وضيعت مستقبلي وهتموت أختي بحسرتها.
ليه تعمل كده، عملنا فيك إيه؟
ثم أخذت تضرب على رأسها قائلة:
أعمل إيه دلوقتي، وهرجع البيت إزاي وهقولهم إيه؟
ده مش بعيد سفيان يخلص عليّ.
فاقترب منها شفيق وحاول لمسها فصرخت:
_ ابعد عني أوعى تلمسني تاني، منك لله يا شيخ، منك لله.
شعر شفيق بالشفقة عليها فقال بحزن:
متزعليش يا أسماء، أنا فعلًا معرفش عملت كده إزاي.
بس من أول ما شوفتك لما كبرتي كده وادورتي دخلتي دماغي واتعلقت بيكِ ومكنتش ببطل تفكير فيكِ.
وعشان كده كان نفسي تكوني معايا وأهو حصل، وأنا مستعد أصلح غلطتي.
وأتجوزك.
فصرخت أسماء:
تجوزني إزاي وأنت مجوّز أختي.
وإزاي اتجوز واحد زيك أصلًا ما عندوش ضمير ولا قلب.
حرام عليك يا أخي.
حرام.
أثناء مباشرة أحمد عمله في المحل، وجد من يقوم بالنداء عليه بصوت يعلمه جيدًا.
- أبو حميد يا عسل، يا حمادة، أنت يا مولانا.
فابتسم أحمد رغم ما به من هموم، واستدار لرؤية أعز صديق له منذ الطفولة "شيكو".
فرحب به بحبور قائلًا: أهلًا بأخويا وحبيبي.
ثم عانقه بحب وابتعد عنه قائلًا: جئت في وقتك عشان أنت وحشني جدًا.
شيكو: وأنت كمان يا قلبي.
فضحك أحمد: قلبي؟ يا دي الحرمان العاطفي.
اقعد يا ابني عقبال ما أبعت أجيب لك الساقع.
فهتف شيكو بفرحة:
- شربات لو سمحت يا مولانا.
فابتسم أحمد وسأله: إيه خير يا رب.
ياسمين حنت عليك أخيرًا ورضيت.
شيكو بحنق: مين دي اللي تحن يا مولانا؟ دي لوح خشبي أو ثلجي، حاجة كده ما بتحسش.
فضحك أحمد: مصيرها تحن، هي هتلاقي زيك فين يا شيكو.
شيكو بمرح: مترصصين في كل حتة يا مولانا، بس برضه أنا في حتة مميزة.
وهي إن دمي خفيف، بس مش ماشي معاها عشان هي بومة بعيد عنك.
تحس إنها أرملة كده وغاوية نكد.
وكل ما أكلمها تقول لي: إخواتي ومينفعش وشوف حد أحسن مني.
طيب أشوف مين أنكد عليه غيرها.
أحمد بضحك: الله يجازيك يا شيكو، ضحكتني وأنا ماليش نفس.
شيكو: ليه كده يا صاحبي؟ اضحك وانسى الدنيا وقول الحمد لله على اللي راح، وقول يا رب في اللي جاي هيكرمك.
إيه يا مولانا مش ده كلامك اللي كنت بتعلمه لينا ولا نسيته ومحتاج تذكره تاني.
تنهد أحمد بحرارة: عارف وقلبي راضي الحمد لله، بس غصبًا عني العين بتبكي وكمان الحاج وحشني أوي.
شيكو: ربنا يرحمه ويسامحه.
- وكفاية بكاء يا مولانا، ولو بتحب الحاج فرحه في تربته يا أحمد.
طالعه أحمد باندهاش وردد بانكسار:
- إزاي وأنا سبت الكلية اللي كان مستني بفارغ الصبر أتخرج ويعمل لي عيادة ويقولوا عليه أبو الدكتور.
ودلوقتي بشتغل عند عمي.
فحمحم شيكو: لا خلاص قدم استقالتك يا مولانا.
قطب أحمد جبينه: ليه وهلاقي شغل فين تا...؟
هنا كويس عشان أنا صراحة مش بتاع مرمطة.
لمعت عين شيكو وأجابه بثقة: لا اجمد كده يا مولانا عشان إحنا داخلين على شغل ثقيل أوي.
طالعه أحمد بعدم فهم قائلًا: إحنا إزاي؟ أنا مش فاهم حاجة.
فوقف شيكو وقال بفرحة غامرة:
هو أنا ما قلت لكش مش أنا ورثت عمي؟ الله يسامحه بقى يمكن دي الحسنة الوحيدة اللي في حياته، وهدعيله بيها بعد ما كنت بدعي عليه عشان أكل حق أبويا الله يرحمه.
قوم إيه بقى يا سيدي، الحق يرجع لي ثاني وثالث ومتلت.
أحمد: سبحان الله القادر على كل شيء.
شيكو: أرزاق يا صاحبي، بس أنا صراحة دماغي على قدي.
أنت عارف إني ما كملتش تعليمي، وعشان كده جئت لك يا أحمد، عشان عارف إني لو لقيت الدنيا كلها مش هلاقي حد في أمانتك يمسك لي الحسابات.
عشان ناوي أعمل هايبر كبير كده في المدينة الجديدة وربنا يفتحها في وشنا أنا وأنت، ونعمل كمان شركة استيراد وتصدير، وهيبقى كل شيء في الشغل بينا بالنص، أنا بالفلوس وأنت بالمجهود.
ها قلت إيه؟
فدمعت عين أحمد واحتضن شيكو بحب وهمس:
- ما كنتش عارف إن عوض ربنا هيجي بسرعة كده.
اللهم لك الحمد.
ابتعد عنه شيكو وقال بمرح: ما قولنا كفاية دموع يا دلال.
فسرت قشعريرة في جسد أحمد عندما سمع اسمها، رغم إنه يعلم أنه ذكر الاسم صدفة بدافع المرح.
وهمس: معقول مجرد اسمها يحرك قلبي كده؟ لا البنت دي خطر عليّ، ولازم أنساها بأي طريقة.
تعجب شيكو من شروده المفاجئ: مالك يا عم سهمت ليه كده؟
ولو أنا مش عرفك كويس كنت قلت بتحب.
بس أنت الحب هيجيلك منين وأنت قافل الباب والشباك.
بس تصور نفسي يجي اليوم اللي تحب فيه وتجي تشتكي لي وتولول زيي كده.
فابتسم أحمد على مضض، فكيف يقول له إن القلب قد مال.
ولمن؟
- لراقصة تصاحب الرجال.
فشعر بألم في قلبه حتى إنه وضع يده عليه.
وهمس: يا رب لا تسلط عليّ نفسي فتهلكني، ونجيني من قلبي اللي عايز يهلكني.
........
وضعت دلال يدها على جرس الباب بيد مرتعشة وجسد يرتجف خوفًا من مستقبل لا تعلم عنه شيئًا.
أعلن الرنين عن قدوم زائر، فوقف آدم واتجه لفتح الباب، ليجد أمامه فتاة ما زالت في مقتبل العمر.
ملامحها ما زالت طفولية، بشرتها بيضاء، يزين وجهها حمرة طبيعية، عين متسعة يزينها أهداب طويلة زادتها جمالها وأتمت الصورة شعرها الحريري، فكانت أمامه كلوحة جميلة لا يمل من ينظر إليها أبدًا.
ارتبكت دلال من نظرته إليها فحمحمت بحرج:
- أستاذ آدم.
خرج آدم من شروده على صوتها الدافئ فقال:
- أيوة، آنسة دلال.
دلال: آه، يا رب أكون جئت في المعاد وما اتأخرتش كثير.
حمحم آدم: لا أبدًا اتفضلي، وعندما هم ليغلق الباب ارتجفت وقالت:
- معلش أستأذنك تسيب الباب مفتوح، عقبال بس ما أتعرف على الحاجة وحضرتك تروح شغلك بالسلامة.
فطالعها آدم بتمعن وفطن لما ترمي إليه، فاستجاب لطلبها حتى تطمئن وقال ببشاشة وجه: تمام زي ما تحبي.
واتفضلي الحاجة جوه في أوضتها، تعالى لما أعرفك عليها.
ومتأكد إنك هتحبيها أوي لأنها ست طيبة ومش بتعرف تتكلم غير بذكر الله.
فابتسمت دلال وهمست: الله دي زي مولانا يا روحي عليه.
بس لو يفك التكشيرة أموت أنا في حلاوتك يا شيخ.
يا ترى الصدفة هتجمعنا تاني ولا كده خلاص يا أحمد.
آه لو أقدر أطوي الأرض وأكون بين إيديك.
آه لو أتكوّي بنارك بس أشوف عينيك.
آه من قلبي اللي حبك وطمعان يكون ليك.
دلف آدم لغرفة والدته (همت) قائلًا بابتسامة زينت وجهه:
- ست الكل معي آنسة دلال اللي هتاخد بالها منك عقبال ما أرجع من الشغل يا غالية.
فابتسمت همت ودعت له بالتوفيق:
- ربنا يعينك ويوفقك ويكتب لك في كل خطوة سلامة يا ضنايا.
ثم ولجت دلال على استحياء، وعندما رأتها همت أعجبت بها وبجمالها فقالت:
- اللهم صلِّ على النبي، الله أكبر عليكِ يا بنتي زي القمر، ربنا يحفظك.
دلال بخجل: الله يعزك يا حجة.
يا رب أكون ضيفة خفيفة عليكِ، وترتاحي معي.
فلمعت عين همت بالدموع وقالت:
- يا رب أنتِ اللي ترتاحي معي يا بنتي، عشان أنا اللي متعبة وهتتعبي معي، فيا رب ما تزهقيش مني واعتبريني زي والدتك.
فلمعت عين دلال بالدموع عندما تذكرت والدتها التي أمرضها السجن مرة أخرى وأصبحت طريحة الفراش في مستشفى السجن.
فانحنت دلال وقبلت جبهتها بحنو وقالت: لا ما تقوليش كده، أنتِ يا ما تعبتي ومن حقك دلوقتي تتشالي على الرأس.
فتعجب آدم من كلماتها التي اجتاحت قلبه على الفور وأدرك أنها إنسانة جميلة ذات قلب أبيض وطيب، وسيترك لها والدته وهو مطمئن.
لذا قال: طيب أسيبكم دلوقتي تتعرفوا على بعض وأنا أروح الشغل عشان اتأخرت.
ثم أشار إلى دلال: عندك يا آنسة دلال على الكومودينو، علاج ماما وفيه ورقة عندك مكتوب فيها اسم العلاج والمقدار والوقت بتاعه عشان تاخدي بالك.
ده أهم شيء عندي، وثاني حاجة تساعديها على النظافة والوضوء كل صلاة.
غير كده ما تعمليش أي حاجة.
فيه واحدة بتجي تنظف البيت كل أسبوع، وكمان فيه واحدة بتعمل أكل بيتي بتبعت لنا الأكل كل يوم.
عشان تتغدى مع ماما على الساعة خمسة كده بإذن الله.
وأنا فطرتها قبل ما تجي، بس لو حضرتك ما فطرتيش، تقدري تدخلي المطبخ هتلاقي كل حاجة عندك في الثلاجة.
يا ريت تعتبري البيت بيتك من النهاردة وتتصرفي فيه على طبيعتك.
أثلجت كلماته قلب دلال وتنهدت بارتياحية بعد أن اطمأنت لوجودها في ذلك البيت مع أم مريضة وابن صالح على خلق مثل آدم.
أومأت دلال برأسها: تمام حضرتك وما تقلقش أنا هنا عشان أراعي ماما الحجة في كل حاجة تطلبها.
فابتسم آدم وقال: تسلمي، ودلوقتي يلا في أمان الله.
دلال: مع السلامة.
.......
تعالت شهقات أسماء بعد أن أدركت أن كل أحلامها تبخرت في الهواء بعد أن قضى شفيق على عفتها.
فأشفق عليها شفيق وحاول أن يهدئها قليلًا بقوله:
- كفاية يا أسماء قطعتي قلبي يا حبيبتي، قلت لك ما تشيليش هم، وإن كان على أشجان خلاص ما بقتش تلزمني، هطلقها وأتجوزك.
لتنهار أسماء وقالت بهستيرية:
- يعني أنا سبت تميم وأحمد اللي ما فيش زيهم في الدنيا عشان في الآخر أخذك أنت.
لتبكي بمرارة: الظاهر طلع كلام أمي صح لما قالت البطران آخرته قطران.
استمعت أنهار لصوت صراخ أشجان ثم فجأة توقف صوتها فانقبض قلبها وقالت بذعر:
- يا قلب أختك يا أشجان، أنا خايفة يكون عمل فيها حاجة، أعمل إيه وأنا وحدة ست ما أقدرش أعمل حاجة وشاهين مالهوش كلمة عليه.
لا أنا هتصل بسفيان يجي بسرعة يشوف عمل إيه المفترِي ده.
استر يا رب.
فاتصلت أنهار به، ليدب الخوف قلب سفيان على أخته فسارع إلى منزلهم.
لتراه زينب فاستوقفته بقولها:
- أهلًا يا ابن ابتهال.
ثم استطردت بمكر وأخفضت صوتها وقالت باصطناع: بص يا ابني قبل ما تطلع، عايزاك تهدى نفسك وما تتهورش وتعمل حاجة تودي روحك في داهية.
أنا قلبي عليك عشان أنت زي ابني، مش عايزاك تتأذى ولا عايزين فضايح.
تعجب سفيان وانفعل غاضبًا: أهدى إيه يا مرات عمي.
وابنك مش عارف عمل إيه في أختي المرة دي كمان، والله لو حصل لها حاجة هكون قاتله قدام عينيكِ.
فاستطردت بمكر: ليه هو كان ضربها على يديها؟ هي اللي جئت له برجليها يا ابني عشان بتحبه وما همهاش أختها.
ضيق سفيان عينيه وتساءل: أنتِ بتقولي إيه أنا مش فاهم حاجة.
هي مين اللي جئت وما ضربهاش على يدها؟ إيه الكلام ده..!
حركت زينب شفتيها يمينًا ويسارًا بتهكم قائلة:
- يوه أمال أنت جاي عشان إيه؟
لتلقي عليه القنبلة التي لم يتوقعها في يوم من الأيام.
- مش جاي عشان أسماء اللي ضبطتها أشجان في حضن شفيق في أوضة نومها وعلى سريرها.
كادت مقلتي سفيان أن تخرج من عينيه وتيبس جسده وشعر بنار تخرج من رأسه وقال:
- أنتِ بتخرفي تقولي إيه..
هناك من يمد عينيه إلى ما تملك، يتمنى زوال نعمتك، فيا رب قِنا شر خلقك.
أم فاطمة:
روايات شيماء سعيد.
رواية دلال و الشيخ الفصل الثاني عشر 12 - بقلم شيماء سعيد
دلال والشيخ
الحلقة الثانية عشر
........
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله
كم من أناس على مدار التاريخ ظنوا في أنفسهم مقدرة على مجاراة الكون في سننه، أو مصارعته في ثوابته، فصنعوا بذلك أفخاخهم بأفعالهم، وكانت نهايتهم الحتمية هي الدليل الكافي على بلاهتهم وسوء صنيعهم.
......
تلونت زينب تلك الأفعى باللون الأسود مثل قلبها، لتبث سمومها إلى سفيان وأخبرته بصاعقة نزلت على قلبه فأهلكته. وهى أن أخته الصغيرة خانت أختها مع زوجها من أجل الحب.
إنها حقًا مصيبة جعلت مقلتي سفيان أن تخرج من عينيه وتيبس جسده وشعر بنار تخرج من رأسه وقال بعدم تصديق:
أنتِ بتخرفي تقولي إيه يا ولية أنتِ..!
لم يعجبها زينب ما تلفظ به فاستنكرت:
ولية يا ابن إبتهال. ماشي مهو لما العيب لما يطلع من أهل العيب ميتسماش عيب. عشان عارفة إبتهال هتجيب إيه يعني غير ناس أنجاس زيك وزي أختك.
فصاح سفيان بانفعال:
امسكي لسانك عن أمي يا ولية أنتِ وإلا والله أقطعهولك.
تشنجت زينب وحركت يديها في الهواء قائلة:
أنت بتقولي أنا الكلام ده!!
والله لأندمك يا سفيان.
وروح يا شملول لأختك وعرضك اللي فوق، وربنا يكفينا شر الفضايح.
فأسرع سفيان إلى أعلى يدعو الله أن تكون تلك العجوز الشمطاء كاذبة.
فصغيرته أسماء لا يمكن أن تفعل ذلك به وبأختها وتضع رأسهم في الطين.
ولكن كلما اقترب من شقتهم، شعر بالاختناق وكأن الهواء نفد من حوله، حتى وجد أنهار تقف منهارة تبكي على باب شقة أشجان الذي تركته أشجان مفتوح سهوًا منها، عندما استمعت لآخر كلمات شفيق:
_ أنا هصلح غلطتي وأتجوزك يا أسماء وهطلق أشجان بالثلاثة، مبقتش تلزمني.
أنا بحبك أنتِ يا أسماء.
رأى سفيان أخته أنهار على هذا النحو، فتوقف وشعر أن قدميه أصبحت كالهلام لا يستطيع الوقوف عليها من الصدمة.
ولكن صوت أنهار الباكي أخرجه من صدمته عندما قالت بقهر:
_ أسماء يا سفيان كسرت أشجان وكسرتنا كلنا ومش هنقدر نرفع راسنا في وش حد بعد كده.
فصاح سفيان بصوت زلزل أركان المنزل ووصل إلى مسامع أسماء فارتجفت من الذعر وقامت على أثره أشجان تتأوه ألمًا ولكن الألم النفسي أقوى وأشد، زلزل كيانها من الداخل وودت أن لو ماتت قبل أن ترى أختها بين أحضان زوجها.
_ معش على الدنيا اللي يكسرنا يا أنهار لسه.
_ إفردي طولك وارفعي رأسك عشان هغسل عاري بإيدي دلوقتِ وبعد ما أخلص عايزك تزغرطي.
ثم ولج للداخل كالثور الهائج وعينيه تطلق شرار من شأنه يحرق الذي أمامه.
وعندما رأته أسماء ارتجفت وتراجعت للوراء وقالت بذعر:
_ لا يا أخويا صدقني مش أنا اللي أعمل كده، ده هو اللي ضحك عليه، منه لله.
أما شفيق فتراجع بقدميه للخلف خوفًا من بطش سفيان، ثم أسرع بالركض للأسفل يحتمي بوالدته.
التي زينت وجهها بابتسامة النصر عندما رأته فقالت:
_ ها خلص عليها ابن ابتهال ولا لسه عشان أبلغ ويروح في ستين داهية.
ويتقهر سليمان وإبتهال عليهم وأشوف الكسرة والحزن في عينيهم، ياه كنت بتمنى اليوم ده من زمان.
ثم وضعت يدها على كتفه وقالت بامتنان:
_ تعيش يا ابني اللي نولتلي اليوم ده، أنا كده بردت ناري خلاص.
أطلقت عين سفيان نار محرقة وصاح بقسوة:
_ وأنتِ صدقتيه وخونتي نفسك قبل ما تخوني أختك.
ثم استطرد بانكسار:
_ ليه كده يا أسماء، ده أنتِ بنتي ومربيكي على إيدي!
بكت أسماء بقهر وحاولت الدفاع عن نفسها:
_ والله ما عملت حاجة، أنا مظلومة، هو اللي...
قاطع حديثها سفيان بانفعال:
_ مش عايز أسمع ولا كلمة.
ثم انقض عليها، وحاوط عنقها بيديه وصاح:
_ مفيش حاجة هتغفر اللي عملتيه ده غير موتك وموته برده على إيدي.
أطبق سفيان يده على عنق أسماء بقوة فتلون وجهها بالزرقة واتسعت عينيها وأخذت تلهث.
لم تتحمل أنهار رؤية أختها تموت أمام عينيها، فصرخت واقتربت منهم لتنقذها من يده وحاولت نزع يده التي تحيط بعنق أسماء وترجته:
_ سيبها يا سفيان، دي أسماء حبيبتك.
سيبها وربنا سبحانه وتعالى هو اللي هيحاسبها لكن أنت حرام تروح بذنبها.
فنهرها سفيان:
_ أقسم بالله لو مبعدتيش إيدك لأكون مخلص عليكِ وراها.
فبكت أنهار وهي ترى أختها تموت أمام أعينها ولا تستطيع فعل لها شيء.
أما أشجان التي كانت شاردة ولا تعي ما حولها من الصدمة استفاقت على صوت صراخ أسماء فأدارت وجهها لترى سفيان على هذا النحو.
فلم تتحمل ووقفت رغم ما بها من ألم وكسرة نفس وأسرعت إليه تترجاه:
_ لا يا أخويا عشان خاطري، يهون عليك أختك تموتها بإيدك وتعيش ندمان العمر كله يا أخويا.
لا سيبها، أرجوكِ دي أسماء بنتك مش أختك وبس.
سيبها وخلي ذنبها بينها وبين ربنا ومأظنش أن فيه عقاب أكبر من إنها تتجوز شفيق عشان يستر عليها.
ربنا معاها ده أنا مشفقة عليها والله، سيبها يا أخويا أبوس إيدك.
فدمعت عين سفيان بالدموع ونظر إلى أشجان بشفقة وقال:
_ أنتِ اللي بتقولي كده يا أشجان، ده أنتِ اللي مفروض تخنقيها بإيدك.
أشجان بغصة مريرة:
_ دي أختي ومهما عملت قلبي ميقساش عليها ويسامحها.
فترك سفيان أسماء تلهث بشدة لتستعيد أنفاسها.
امتلأ قلب زينب بالفرحة لما حدث بعد أن ظنت إنها أخيرًا انتصرت على سليمان وقضت على أعز ما يملك انتقامًا منه.
زينب بتشفٍّ:
_ تعال ورايا يا شفيق نشوف سفيان خلص ولا لسه، عشان نتصل بالبوليس وتبقى الفضيحة على عينك يا تاجر.
شفيق برعب:
_ لا مقدرش أطلع ده، لو شافني هيقتلني زي أسماء.
فصاحت زينب:
_ يقتل مين! ميقدرش حد يمس شعرة منك وأنا موجودة، هي سايبة ولا إيه.
تعال ورايا بقول!
فاستمع شفيق لها رغمًا عنه وخطا بخطى سلحفاة من ورائها وتعالت نبضات قلبه من الخوف.
حتى وصل إلى شقته، فدلفت زينب للداخل وعلى وجهها ابتسامة مشرقة، لتتفاجأ بما لم تتوقعه.
حيث رأت أشجان وأنهار يطوقان أسماء بذراعيهم وعيونهم تشع بالحب والحنو نحوها.
وقد حدثتها أنهار:
_ خدي نفسك يا أسماء واحدة واحدة، وقومي معايا ريحي على السرير.
ورأت سفيان يضع يده على رأسه وعينيه تمتلئ بالدموع.
فتعاظم الحقد في قلبها وصاحت بغل:
_ كويس عملت بنصيحتي يا سفيان ومخلصتش عليها، بس يعني لا مؤاخذة هتمشي موطي رأسك بين الناس، يلا معلش مسير الأيام تعدي والناس تنسى.
ثم استطردت بتهكم:
_ بس ياعيني هتقعد جنب أمها عشان مش هتلاقي حد يجوزها بعد عملتها السودة دي.
فقبض سفيان على يديه بقوة وضرب الحائط وتلونت عينيه ببراكين الغضب ثم استدار إلى زينب وصاح:
_ مهو أنتِ لو عرفتي تربي ابنك مكنش ده حصل.
لأنه مفروض هو راجل وهي بنت عمه يعني دمه وشرفه وهو أكثر واحد مفروض يحافظ عليه.
فهاجمته زينب وقالت بحدة:
_ هو ده اللي قدرت تقوله يا ابن إبتهال، سبت الحمار وبتشطر على البردعة.
ده أنا كنت بحسبك راجل وهتخلص عليها عشان ترفع راسك بين الناس بس إظاهر أخرك كلمتين ملهمش لازمة.
ثم استطردت بجمود:
_ ويلا اتفضلوا من غير مطرود، وخد أختك الخاطية معاك.
وإياك تجيب سيرة ابني على لسانك تاني.
ده راجل يا حبيبي، مهما عمل اسمه راجل، أما العيب فعلى أختك اللي جتله برجليها لما عرفت أن أختها مش موجودة.
فصاحت أسماء بغصة مريرة:
_ كدب كدب، هو اللي اتصل بيه وقال أجي عشان أراضي أشجان ومتسبش بيتها ولما جيت شربني عصير ومدرتش بنفسي ساعتها وفوقت على المصيبة دي.
ثم أخذت تضرب وجهها بيديها وتصرخ بألم، فطالعها سفيان بحزن ولوهلة شعر إنها صادقة فيما تقوله.
فالتفت إلى شفيق وغابت عينيه بقتامة وانقض عليه يمسك بعنقه فصرخت زينب وقالت:
_ سيب ابني يا مجرم واتشطر على أختك.
صاح سفيان به:
_ عملت كده ليه يا شفيق، أنت إيه شيطان، معندكش أي ذرة ضمير.
هان عليك بنت عمك تضيع مستقبلها وهي لسه عيلة.
حاول شفيق إخراج صوته بصعوبة وقال:
_ لحظة شيطان يا سفيان، بس هصلح غلطتي وهطلق أشجان وأتجوزها.
وقعت تلك الكلمات على قلب زينب كالجمر فصاحت بغل:
_ تتجوز مين يا زفت، تتجوز واحدة فرطت في نفسها يا نطع.
يستحيل ده يحصل.
فردد شفيق:
_ لا يا حاجة معلش عشان خاطري دي بنت عمي برده.
صمتت زينب على أسنانها بغيظ:
_ مهي أشجان برده بنت عمك وأم عيالك يا نطع.
شفيق:
_ لا أشجان راحت عليها وهي طالق مني بالثلاثة وهتجوز أسماء.
سرى في جسد أشجان الفرحة وأطلقت زغرودة ابتهاجًا بطلاقها وخلاصها من هذا اللعين.
ولكنها نظرت إلى أسماء بشفقة وهمست:
_ يا عيني عليكِ يا أسماء منه ومن أمه وأنتِ لسه عودك طري يا قلب أختك.
فحدقت أسماء شفيق وزينب بغضب وأقسمت أن تنتقم منهم مما فعلوه بها.
ترك سفيان شفيق ونظر إلى أسماء بحزن قائلًا:
_ مبروك عليكِ شفيق يا أسماء.
ثم نظر إلى أشجان بشفقة قائلًا:
_ لمّي هدومك وهدوم عيالك وهاتي أختك وحصليني على بيت أبوكِ يا أشجان.
ثم غادر سريعًا، لتضم أنهار أشجان إلى صدرها وتبكي، فبكت أشجان حتى تعالت شهقاتها.
أما أسماء فوقفت وانضمت إليهم باكية ثم قالت مشيرة إلى أشجان:
_ وحياة دمعتك الغالية دي يا أشجان، لأخد حقك من شفيق وأمه.
ثم بكت بمرارة وتابعت:
_ أما أنا فربنا يتولاني برحمته ودي جزاتي عشان مكنتش بفكر غير في الوجهة الاجتماعية والجاه، أديني في الآخر هاخد شفيق.
استمعت همت لأذان الظهر فأخذت تردد من ورائه ثم قالت بعد الانتهاء:
_ اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته.
فسألتها دلال:
_ ليه يا حجة بتقولي ورا الآذان كده وإيه الدعاء ده؟
ابتسمت همت وقالت:
_ عشان يا بنتي، سيدنا محمد أمرنا بكده وأنه سبب في دخول الجنة وقال في الحديث: (قال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو).
فرددت دلال:
_ صلى الله عليه وسلم، أنا أول مرة أعرف.
شكلي هتعلم حاجات حلوة كتير من حضرتك.
همت:
_ يا ريت عشان أخد أجر وأحس إني عملت حاجة مفيدة ربنا يغفر بيها ذنبي قبل ما أموت.
دلال:
_ بعد الشر عليكِ.
همت:
_ لكل أجل كتاب يا بنتي وهاتي يلا مية أتوضى وأتوضي أنتِ كمان عشان تصلي بيه جماعة، ويا ريت تسنديني أقعد.
ابتسمت دلال:
_ عيوني.
ثم استطردت بحرج:
_ بس أنا مبعرفش أصلي، متعلمتش للأسف وقليل لما كنت أشوف أمي بتصلي.
فاستغفرت همت:
_ استغفر الله العظيم، ليه كده بس يا بنتي.
على العموم ملحوقة، وأنا هعلمك كل حاجة.
بس هاتي ورقة وقلم هكتب ليكِ الفاتحة وسورة قصيرة، عشان تقرئيها وأنتِ بتصلي لغاية ما تحفظيها.
ولما أتوضى بصي عليَّ بعمل إيه واعملي زيي.
فأومأت دلال لها وذهبت لإحضار الماء، وتوضأت همت ثم فعلت مثلها، وقامت لتصلي وهي تقرأ الفاتحة من الورقة ومع كل كلمة كان ينبض قلبها بشدة، وعند السجود وجدت نفسها تبكي وتدعو لوالدتها بالشفاء وأن يلهمها الله الخير ويغفر لها ولم تنسَ أحمد فدعت الله أن يجمعها به.
انتهت دلال من صلاتها فنظرت إليها همت والابتسامة تزين ثغرها:
_ ما شاء الله بتتعلمي بسرعة ذكية يا بنتي.
وبصي كده على شكلك بالحجاب في المراية زي القمر إزاي.
فذهبت دلال مسرعة إلى المرآة لتنظر إلى نفسها، فابتسمت وقالت:
_ فعلًا شكلي حلو، بس صراحة فكرة إني أغطي شعري دي صعبة عليَّ وحاسة الحجاب بيخنقني.
همت:
_ كل حاجة في البداية صعبة وبنتعود عليها، وأنا مش هغصبك، هسيبك لما تيجي تقولي عايزة أتحجب بنفسك.
لأن الحجاب نعمة وستر للبنت يا دلال ويحفظك من العيون.
أدركت دلال حقيقة ما قالت وأنها بالفعل تعرضت للأذى كثيرًا بسبب ملابسها الكاشفة.
ولكن لم يكن عندها الجرأة لتتخذ هذه الخطوة بعد.
ولجت أشجان بطفليها إلى بيت أبيها والحزن قد أطفأ وجهها وكأنها في الستين من العمر وليست سبعة وعشرين عامًا أي ما زالت في ريعان شبابها.
ومن ورائها أسماء تتخبط في مشيتها وقد تلونت عينيها بالحمرة من كثرة الدموع ولم ترَ أمامها سوى سواد يحيط بكل الاتجاهات.
ويتقدمهم سفيان الذي صاح بقهر:
_ كل واحدة فيكم على أوضتها، ومتخرجش منها والأكل والشرب هيطلع ليكم فوق.
استمع سليمان وإبتهال لما قاله سفيان فخرجا مسرعين.
صاح سليمان:
_ فيه إيه حصل يا سفيان يا ابني وما لهم أخواتك.
وأشجان داخلة بشنطة هدومها ليه؟
إيه مفيش فايدة من شفيق مد إيده عليها تاني؟
لم تتحمل إبتهال صمته فصاحت بذعر:
_ ما تتكلم يا ابني، وأسماء مالها هي كمان؟
فحاول سفيان استنشاق الهواء بعد إحساسه أنه قد شارف على الاختناق فخرجت حروفه بصعوبة:
_ ماما، بابا، شفيق طلق أشجان لأنه بيحب أسماء وعايز يتجوزها وهي موافقة.
تيبس جسد سليمان من المفاجأة ولم يشعر بجسده فهوى به على المقعد الذي من ورائه.
أما إبتهال فصرخت ونفت ذلك قائلة:
_ إيه الجنان اللي بتقوله ده يا سفيان، طلق مين وعايز يتجوز مين، قول كلام يتعقل.
أخفض سفيان رأسه بخزي وردد:
_ هو ده اللي حصل وهيجي بكرة عشان يدي أشجان حقوقها ويتكلم على أسماء.
انفعلت إبتهال:
_ هو لعب عيال يسيب دي وياخد دي.
طيب طلق أشجان في داهية خلصنا منه ومن قرفه.
لكن يتجوز أسماء ويعمل فيها اللي عمله مع أشجان لا ده يستحيل.
وكمان أسماء لسه صغيرة ولسه بتتعلم.
فصاح سفيان بغضب:
_ بس هي موافقة وتقدرِ تسأليها.
ثم استدار سريعًا قبل أن تلاحظ تلك الدمعة التي هربت من جفنيه.
ولكن سليمان رآها وشعر إنها جمرة نار نزلت في قلبه فأحرقت جسده، وفطن لما حدث وأدرك أن زينب قد انتقمت منه في أعز ما يملك.
فوضع يده على وجهه وأخذ يردد:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله.
يا ريتها كانت خدت حقها مني أنا وبناتي لااااااا.
ثم وقف متصلبًا وسار نحو سفيان ووضع يده على كتفه وقال بعين مقهورة تتمنى أن ينفي ما يدور بخلده:
_ حصل اللي بفكر فيه يا سفيان؟
ارتجف سفيان وتوقفت الكلمات في حنجرته ولكن بكى وتعالت شهقاته.
فلم يستطع سليمان التحمل وخطا خطواته للخارج متوجهًا نحو زينب.
في تلك اللحظة كانت زينب في غرفتها تدور حول نفسها وتضع يدها على رأسها في محاولة تخفيف ذلك الألم الذي ينهش بها بعد ارتفاع ضغط الدم عليها جراء عصيان شفيق لها وزواجه من تلك الأفعى الصغيرة التي أهانتها من قبل.
وخسارتها أمام سليمان بزواج شفيق من أسماء بعد أن أرادت لها الموت على يد شقيقها، ثم حبسه وبهكذا تكون انتقمت من سليمان وردت له الصاع صاعين ولكن انهارت كل أحلامها بزواج شفيق من أسماء.
وبينما هي كذلك استمعت لصوت من ورائها تعلمه جيدًا، صوت ما زال يحرك قلبها رغم مرور كل تلك السنوات.
صاح سليمان بصوت حزين مقهور على فلذة كبده التي استحوذ عليها الشيطان شفيق واستحل عرضها وهدم حياتها وأحلامها:
_ ارتحتِ دلوقتِ يا زينب، وهديتِ وانتقمتِ لنفسك.
استدارت زينب له وأخذت تطالع تقاسيم وجهه بحب، فبرغم تلك الخطوط التي نقشت وجهه ببراعة من أثر الزمن لكن ما يزال وسيمًا كما رأته أول مرة.
ابتسمت زينب واقتربت منه كثيرًا حتى أصبح لا شيء يفصل بينهم واختلطت أنفاسهم.
فقالت بنعومة:
_ مفيش حاجة أبدًا هتريحني يا سليمان غير إنك تكون معايا.
ثم حاولت لمس وجهه قائلة بلهفة وشوق:
_ أنا لسه بحبك يا سليمان وعايزك، ودلوقتِ اللي كان بينا راح، وممكن نتجوز ونعوض اللي راح في الباقي من حياتنا.
فدفع سليمان يدها بقوة ألمتها وصاح بغضب:
_ أنتِ اتجننتِ يا زينب، عايزة بعد العمر ده كله أتجوز على ابتهال حب عمري وعشرة السنين ومن مين!
_ من أكثر ست بكرهها في الدنيا.
أنا عمري ما حبيتك بالعكس شايفك أنتِ والشيطان واحد، ومش بس كده يا زينب عشان افتريتِ بزيادة من أول اللي عملتيه في شمس لغاية اللي عملتيه في أحمد ودلوقتِ بنتي.
وحاسس أن قريب أوي ربنا هتشوفي نتيجة أفعالك عشان ربنا سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل.
قال كلماته تلك وتركها غادر وهو يردد (حسبي الله ونعم الوكيل) وأخذ يكررها كثيرًا حتى شعرت زينب بألم ينتاب قلبها وأن قدميها لم تعد تحملها فتراجعت للوراء حتى سقطت على التخت، فالتقطت الهاتف لتتصل لشفيق وهي تلهث:
_ إلحقني يا شفيق بسرعة بدكتور.
شفيق بذعر:
_ مالك يا حاجة فيكِ إيه؟
ولكنها لم تجبه بعد دخولها في إغماءة.
فأسرع شفيق إليها بقلب يرتجف وعندما رآها على هذا النحو، حملها وأسرع بها إلى المستشفى ومنها إلى غرفة العناية المركزة وعندما خرج الطبيب.
أسرع إليه شفيق وشاهين الذي جاء مسرعًا بعد محادثة شفيق له.
شاهين:
_ أمي عاملة إيه يا دكتور دلوقتِ، طمني الله يخليك.
الطبيب:
_ الحاجة عندها للأسف عندها قصور في الشريان التاجي ومحتاجة تدخل جراحي سريع عشان ننقذ حياتها وجيت أخد منكم إقرار بالموافقة.
شفيق:
_ موافقين طبعًا، بس تقوم بالسلامة.
الطبيب:
_ دعواتكم.
شاهين:
_ ربنا كريم.
لتمر ساعتان وخرجت زينب نحو العناية المركزة مرة أخرى.
أقبل شاهين يسأل الطبيب عن حالتها.
الطبيب:
_ هي حاليًا في حالة حرجة، بس بإذن الله مع الوقت هتتعافى.
شفيق:
_ يعني هتقدر تخرج إمتى يا دكتور؟
الطبيب:
_ مش قبل أسبوع إن شاء الله.
وجود شخص واحد في حياتك يحبك بصدق قادر على تخفيف كل ما تعانيه بكلمة واحدة أو لمسة حانية.
ولج سفيان إلى غرفته محملًا بالهموم، مبعثر الهيئة وكأنها أصبح كهلًا في الستين من العمر.
صدمت شهيرة من هيئته، فأسرعت إليه قائلة بلهفة:
_ سفيان مالك فيه إيه؟
سفيان بجمود:
_ مفيش حاجة، أنا محتاج أستريح بس، هاخد حمام وأطلع أنام.
وعندما استدار ليسير نحو المرحاض وجد من تحتضن خصره من الخلف، فأغمض عينيه مستسلمًا لهذه المشاعر الضارية التي افتقدها كثيرًا معها.
همست شهيرة بعشق:
_ لما تكون مضايق مش هتلاقي أحسن من حضني ترمي فيه همومك.
فالتفت لها سفيان يطالعها بحب قائلًا:
_ بجد يا شهيرة!
يعني أقدر أدفن نفسي في حضنك وألاقي الراحة اللي كنت بتمناها من زمان.
فأومأت له شهيرة، فاحتضنها بقوة ثم شعرت بسائل على كتفها، فنظرت فإذا هي دموعه، فدق قلبها بشدة وأخذت تمسح على خصلات شعره بحنو قائلة:
_ إهدى يا حبيبي وكل مشكلة ليها حل بإذن الله.
تنهد سفيان:
_ يا ريت بس خلاص اللي حصل.
ابتعدت عنه قليلًا شهيرة وتساءلت:
_ بس قولي حصل إيه يمكن أقدر أساعدك.
فضمها سفيان سريعًا وقال:
_ هش أنا مش عايزة حاجة دلوقتِ غير حضنك ده أنسى بيه العالم كله.
عاد أحمد إلى منزل عمه في تلك الليلة وعينيه تلمع بالسعادة لأول مرة بعد كل تلك الليالي الذي نام به والدموع تبلل وسادته من الحزن.
فأخيرًا سيكون له شأن بين رجال الأعمال، فما أجمل عوض الله الذي جاء على يد صديقه شيكو.
وعندما دلف للداخل وجد زوجة عمه قد انكمشت ملامحها حزنًا وتضع يدها على إحدى وجنتيها ولسانها ينهج لذكر الله:
_ استغفر الله العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يا رب افرجها على بناتي.
فتعجب أحمد وجلس بجانبها وقال بصوت رجولي أجش به حنو:
_ خير يا مرات عمي، مالك قاعدة زعلانة كده؟
تنهدت ابتهال بغصة مريرة قائلة:
_ أشجان يا ابني أخوك الله يسامحه طلقها عشان ياخد أسماء قال إيه بيحبها.
يا عيني عليكي يا أشجان مش كفاية شافت المرار معاه السنين دي كلها واتحملت الضرب والإهانة عشان خاطر عيالها.
يجي في الآخر يطلقها وكمان يتجوز أختها.
فتدلى فك أحمد بأسى وهو يستمع إليها غير مصدق ما تقول، فكيف يكون شفيق بكل تلك القسوة.
ولكن لا عجب من ذلك فهو ابن من؟ ابن زينب.
زفر أحمد بضيق:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله.
مقدرش أقولك غير الكلمة اللي بتطبطب على النفس وهي (لعله خير) يا مرات عمي.
مش يمكن ربنا حب يرفع عنها البلاء ويعوضها براجل تاني يقدرها.
فأومأت إبتهال برأسها واستطردت:
_ يا ريت يا ابني.
بس تفتكر مين اللي ياخد واحدة مطلقة بعيالها، صعب يا ابني في مجتمعنا ده.
أحمد:
_ مفيش حاجة تصعب على ربنا سبحانه وتعالى ومفيش في إيدينا غير نقول يا رب.
إبتهال:
_ يا رب.
عقد أحمد حاجبيه واستطرد باندهاش:
_ بس إزاي يتجوز أسماء!
أسماء أكيد مش هتوافق وهي عارفة طبعه واللي عمله في أشجان.
حركت إبتهال رأسها باستياء:
_ لا يا ابني موافقة وده اللي هيجنني، معرفش إزاي تقبل على نفسها كده.
تعجب أحمد وهمس:
_ معقول تكون هي كمان بتحبه.
بس إزاي، الموضوع ده فيه إنَّ.
إبتهال:
_ يا ريت يا ابني تدعيلهم وأنت بتصلي ربنا ينور بصيرتهم.
أحمد:
_ حاضر عيوني.
لم تفتر أشجان عن الدموع طوال الليل حتى تعالت شهقاتها متمتمة:
_ يا رب الصبر من عندك، عشان تعبت أوي واتظلمت كتير وضاع عمري من غير ما أحس بيه وخلاص كده انكتب عليَّ العمر كله أعيش ودمعتي على خدي، ووظيفتي أربي عيالي وبس، منك لله يا شفيق.
وبينما هي تبكي، مر أحمد أمام غرفتها ففزع من صوت بكائها، فطرق الباب قائلًا بهمس:
_ أنتِ كويسة يا أشجان، فيكِ حاجة تعبانة، أكلم سفيان ونوديكِ للدكتور؟
تلفظت أشجان اسمه بعذوبة "أحمد" ودبت قشعريرة في جسدها ثم وضعت حجابها بغير إحكام وأسرعت لفتح الباب.
وأخذت تطالعه بحب، فأخفض رأسه حياءً.
دفعة من الأدرينالين المتحمس تدفقت في دمائها لرؤيته فقالت:
_ بقيت كويسة لما شوفتك يا أحمد.
خجل أحمد من كلماتها الجريئة، فهو منذ وقت طويل يشعر في عينيها الكثير نحوه وكلما حاول أن ينهرها عن ذلك فهي زوجة أخيه، تماسك وكتم ذلك مبررًا:
_ كفاية اللي بيعمله فيها شفيق، مش هكمل عليها أنا طول ما هي متخطتش حدودها معايا وربنا يهديها.
ثم حاول أن يلهيها عنه وقال:
_ أشجان أنا عرفت اللي حصل ومش عايزك تزعلي، وفكري في اللي جاي وفي ولادك.
وادعي ربنا يعوضك براجل يستاهلك ويكون حنين على ولادك.
فحدقت أشجان النظر به وهمست:
_ ياااه لو كان العوض هو أنت يا أحمد!
ونعوذ بك من الرياء الخفي، والعمل من أجل الظهور لا من أجلك يا ربي، ونعوذ بك من قلة الإخلاص وفقدان الدليل.
رواية دلال و الشيخ الفصل الثالث عشر 13 - بقلم شيماء سعيد
دلال والشيخ
الحلقة الثالثة عشر
................
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ❤️
"لطالما كنتُ اليد التي تُقدِّم، القلب الذي يمنح، والروح التي تفيض عطاءً... في وقتٍ تمنّيتُ فيه، ولو لمرة واحدة، أن أكون في الجهة الأخرى، أن أعرف كيف يكون شعور التلقي."
..........
حاول أحمد التخفيف من وطأة الطلاق على أشجان، وذكّرها برحمة الله التي من شأنها القدرة على تعويضها بزوج صالح يقدرها ويحسن إليها.
فأطالت أشجان النظر إليه وهمست:
ياااه لو كان العوض هو أنت يا أحمد.
بس أنا عارفة إنه مستحيل.
عشان هو صغير عني، وكمان لسه مدخلش دنيا، وعايز بنت بنوت أكيد، وهو فعلًا يستاهل ست الحسن والجمال، مش واحدة زيي وشها عجز من الحزن، مع إنها لسه في عز شبابها.
استمع أحمد لهمسها ولكن لم يظهر ذلك، واكتفى بقوله:
العوض لما بيجي من ربنا بينسيكي أنتِ كنتِ زعلانة من إيه.
بس نصيحة مني يا أشجان، حاولي تقربي من ربنا أكتر، يعني اسجدي كتير واستغفري واحفظي قرآن، صدقيني القرب من ربنا نجاة وراحة للقلوب.
فهمست أشجان:
أنت راحتي.
ثم استطردت:
أنا فعلًا محتاجة أقرب من ربنا؛ لأنه هو أعلم بحالي، وهو اللي قادر يداوي جراحي، وهو وحده اللي قادر يقرب البعيد.
......
بينما كان سفيان ينثر حبه وشوقه إلى شهيرة التي باتت تعشق أنفاسه بالقرب منها، وهذا ما جعل سفيان يحلق في سماء السعادة.
قطع عشقهم الضاري رنين هاتف شهيرة، وكان اتصالًا من شاهين:
إزيك يا حبيبتي؟
شهيرة:
بخير يا حبيب أختك.
فيه حاجة يا شاهين، صوتك مش عاجبني.
شاهين بصوت حزين:
الصراحة ماما تعبت أوي وجرينا بيها على المستشفى، وقالوا لازم تدخل عمليات عشان قلبها تعبان، فدخلت والحمد لله طلعت بس في العناية المركزة.
ثم بكى واستطرد:
وخوفت يحصل ليها حاجة من غير ما تشوفك وتشوفيها يا شهيرة، فقولت أقولك تيجي.
ففزعت شهيرة وانتفضت قائلة:
حبيبتي يا أمي، أنا جاية حالًا.
استمع سفيان لحوارها مع شاهين، ولم يستطع كبت ابتسامته التي ظهرت على ثغره، مما أغضب شهيرة فقالت:
بتضحك حضرتك؟ شمتان إن أمي تعبانة وبين الحيا والموت؟
فشعر سفيان بالندم، ليس لأجل زينب التي تستحق الهلاك بالفعل، ولكن من أجلها هي، فهي بنت قلبه التي تربت على يده، فهي تشبهه كثيرًا وليست تشبه زينب في شيء.
فردد سفيان باستياء:
أعوذ بالله من الشماتة في المرض، بس يا حبيبتي ما تقوليش إنك بنت زينب.
أنتِ بنتي أنا يا شهيرة، وربيتك على كل حاجة حلوة اتعلمتها من أبويا وأمي، وعشان كده حبيتك واتجوزتك؛ لإنك الحمد لله ماخدتيش حاجة من طبعها.
فبكت شهيرة؛ لأنها تعلم حقًا حقيقة ما يقول، لكنها لا تتحمل سماع ذلك فهو يؤذيها، ولن تتخلى أبدًا عن والدتها مهما فعلت.
فوقفت وقالت بكبرياء:
أنا بنت زينب يا سفيان، مهما حاولت تنسى ده أو تعتقد إنك ممكن تغيره مش هينفع.
وهي أمي في الأول وفي الآخر، تستحق أو ما تستحقش مش موضوعنا، وواجبي إني أكون جنبها في الظروف دي.
عن إذنك أنا هروح ألبس وأروحلها المستشفى.
قالت تلك الكلمات بحنق والتفت لتغادر، فاستوقفها سفيان قائلًا بعتاب:
_ ومين قال إني مش عايزك تكوني جنبها في الظروف دي، بالعكس إحنا اتربينا نقف جنب بعض في الظروف الصعبة وعشان كده يستحيل أسيبك تروحي لوحدك، هوصلك طبعًا.
فابتسمت شهيرة وأسرعت إليه تقبله في وجنتيه قبلة سريعة ثم ركضت نحو المرحاض.
وضع سفيان يده على موضع قبلتها وابتسم: مجنونة بس بموت فيها.
وربنا يهدك يا زينب كمان وكمان، عشان نخلص من شرك ولو إن شهيرة هتزعل بس دي شيطانة ربنا يكفينا شرها.
.......
جلس شفيق شاردًا يفكر في أسماء ولحظاته السعيدة معها وهمس:
_ آه يا سمسمة، شكلي هحبك بجد.
أنا مشوفتش جمال ودلال زيك وكيفتي مزاجي ومش قادر أنساكِ صراحة.
إمتى بقا نجوز وتكوني معايا على طول، أظن معاكِ مش هحتاج أبرطع بره زي الأول، وأنتِ هتكفيني.
صراحة لوز لوز، ووحشتيني أوي.
لما أتصل بيها وأحب زي المراهقين، والله ورجعتيلي شبابي يا أسماء، اللي أدفن من بوز النكد أشجان.
فاتصل بها ومع كل رنة كانت تزداد نبضات قلبه، بينما ارتجفت أسماء عندما علمت إنه هو المتصل.
فأخرجت زفيرًا حارًا مكبلًا بالهموم وشعرت بضيق أنفاسها وقررت أن لا تستجيب له حتى انقطع الرنين.
ولكنه لم ييأس وعاود الاتصال مجددًا فغضبت واستجابت له بانفعال قائلة:
_ عايز مني إيه تاني يا ابن زينب، مش كفاية اللي عملته فيه وضيعت مستقبلي، أنا بكرهك بكرهك.
_ متتصلش بيا تاني، وعندما همت أن تغلق الخط جاءها صوته الرخيم قائلًا باستعطاف:
_ بس أنا حبيتك أوي يا أسماء وطلقت أشجان عشان أتجوزك وساعتها هعمل المستحيل عشان أسعدك.
ولو طلبتي حتى لبن العصفور هجيبهولك، وهعيشك عيشة الملوك بس ترضي عني وتسامحيني يا سمسمة ونبدأ حياتنا بحب وننسى اللي فات وأعيش وأتهنى معاكِ.
تعجبت أسماء من كلماته لإنها تعرفه جيدًا، غليظ القلب لا يتفوه أبدًا بكلمة طيبة بجانب عشقه للنساء، فهو كل يوم مع امرأة.
لذا قالت بجمود: وده من إمتى، أنت تعبان يا شفيق باين عليك.
وعايز تضحك عليا، أمَّال ما كنتش عارفة كنت بتعمل إيه مع أشجان يا راجل.
فصاح شفيق: إيش جاب لجاب يا ست الحسن والجمال، أنتِ حاجة تانية خالص وبكرة تعرفي.
فغلظت أسماء قولها: أيوه خليك عارف إني غير أشجان خالص يا شفيق، يعني اللي هيجي عليا مايلومش إلا نفسه.
ثم أغلقت الخط في وجهه، ليبتسم شفيق قائلًا: أموت في الحمش.
....
"الشيء الوحيد الذي لا نحصل على ما يكفي منه هو الحب، والشيء الوحيد الذي لا نعطيه ما يكفي منه هو الحب."
عاد آدم من عمله وعندما وضع المفتاح في الباب استعدادًا لفتحه وصل إلى مسامعه صوت جميل يرتل القرآن.
ففتح الباب وتفاجأ بوالدته تقرأ القرآن وتردد وراءها دلال بصوت عذب جميل يتغلغل إلى القلب بسلاسة.
فوقف يسمع ويتأمل وجهها البريء ولاحظ إنها ازدادت وزنًا وهذا زادها جمالًا، وكأنها قبل أن تعمل لديهم لم تكن تأكل جيدًا.
ثم حمحم بحرج، فالتفتت دلال إليه فوجدته أمامها فشعرت بالحرج فوقفت سريعًا، تحاول أن تهندم ملابسها.
شعر آدم إنها خجلت لمجيئه المفاجئ فقال بأسف: آسف هو أنا شكلي جيت بدري ولا إيه..؟
ابتسمت دلال: ده بيت حضرتك تيجي أي وقت.
همت بحبور: حمد الله على السلامة يا ابني.
فاقترب آدم منها وقبل يدها قائلًا: الله يسلمك يا أمي.
طمنيني، عاملة إيه دلوقتِ؟
همت: الحمد لله بخير يا ضنايا.
وصراحة أنا بقيت أحسن كتير ما ساعة ما دلال جت.
بتهتم بيا وتراعيني بحب زي ما أكون أمها بجد.
دلال بخجل: عشان حضرتك شخص جميل وحنين وتستاهلي كل ده وأكثر وعوضتيني بجد عن غياب أمي.
طالعها آدم بنظرة إعجاب وشعر بإحساس غريب تلك المرة، تعالت نبضات قلبه وارتجفت يده ولمعت عينيه حتى إنه تساءل:
_ هو فيه إيه مالي كده مش على بعضي ومش قادر أنزل عيني من عليها.
معقول يكون قلبك مال يا آدم، بس أنت ما تعرفش عنها حاجة ولا عارف هي بنت مين وفين أمها اللي بتكلم عنها.
أنا لازم أعرف عنها كل حاجة.
ثم فجأة استمعوا لرنين الباب، وعندما خطت خطوة دلال استعدادًا للذهاب لفتح، وجدت صوت آدم يقول: استني يا دلال، أنا هفتح.
فأسرع لفتح الباب فوجد أمامه إسماعيل ابن خالته وهو شاب مرح ولكنه لعوب فقال بخفوت:
_ أهلًا يا إسماعيل اتفضل.
إسماعيل بدعابة: اتفضل ما اتفضلش ليه.
أنا قلت محدش بيسأل، قلت أسأل أنا وآخد فيكم ثواب.
وحشني يا ابن خالتي، لدرجة بطني بتصوصو، فقلت لو ما اتغديتوش أجي أتغدى معاكم زي بعضه وأفتح نفسكم على الأكل.
ابتسم آدم وقال بتهكم: قول كده إنك عايز اللي يأكلك.
أنت لسه يا ابني عايش عالة ومش عايز تسترجل وتشوف شغلانة وتعتمد على نفسك.
عارضه إسماعيل: أنا راجل غصب عنك وعادي أشتغل بس مستني الوظيفة اللي تليق بيا.
فضحك آدم: يبقى مش هتلاقي، على العموم ادخل نتغدى سوا.
فولج إسماعيل للداخل فوقع بصره على دلال فاتسعت عيناه بإعجاب وقام بالتصفير قائلًا:
_ صلاة النبي أحسن، ده أنا مش هتغدى بس، ده أنا هحلي كمان يا ست حلويات.
فتجهم وجه آدم وشعر بالغيرة من نظرات إسماعيل إليها، فحدثها بحدة:
_ تقدري تتفضلي دلوقتِ يا آنسة دلال، أنا خلاص موجود.
ابتلعت دلال تلك الغصة التي في حلقها، بعد أن شعرت بالإحراج، فهي كانت ستغادر من تلقاء نفسها دون الحاجة لأمره.
فرفعت حاجبيها قائلة: أنا كنت ماشية قبل ما حضرتك تقول، ثم أخذت حقيبتها واتجهت لتغادر.
فاستوقفها إسماعيل: استني أوصلك يا قمر، بس نتعرف باسم الجميل.
ولكن تفاجأ بصوت آدم الغاضب يقول بحدة:
_ إسماعيل لو سمحت التزم حدودك وانتظرني جوه لو سمحت.
صك إسماعيل على أسنانه بغيظ قائلًا:
_ وأنت شايفني اتخطيت الحدود وروحت ليبيا، ما أنا قدامك أهو في أحلى حتة في مصر وأجمل بنت في مصر.
لتغادر دلال بعد ذلك بين نظرات آدم الحارقة وهمست:
هو ماله ده؟
بس صراحة الواد إسماعيل ده دمه خفيف مش زيه دمه يلطش، فكرني بالحتة الجوانية، مولانا الشيخ أحمد.
ثم تنهدت بشوق وحب ملأ كيانها رغم علمها إنه عشق مستحيل:
_ وحشتني أوي أوي يا أحمد.
يا ريت القدر يجمعنا تاني وأشوفك ولو لحظة.
إسماعيل مشيرًا إلى همت: هي مين البنت دي يا خالتو؟
همت: دي زي ممرضة وبتراعيني يا ابني طول ما آدم في الشغل.
رفع إسماعيل حاجبيه وقال بنعومة: يا سلام يا بختك يا خالتو، نفسي أنا كمان في وجه حسن كده تراعيني.
فضحكت همت: ربنا يسعدك يا ابني ويرزقك بنت الحلال اللي تسعدك.
تحامل آدم على نفسه طوال زيارة إسماعيل الذي لم ينصرف سوى بعد ساعتين تناول بها كل ما هو متوفر في المنزل دون استحياء.
وعندما غادر، تنفس آدم الصعداء ولاحظت ذلك همت فقالت:
_ مالك يا ابني بتنفخ ليه كده، وكمان يا ابني اللي عملته مع البت الغلبانة دلال ده ما يصحش خالص، ده أنت زي ما تكون طردتها والبنت كانت نازلة عينيها بتلمع بالدموع.
فصاح آدم بغضب: ما هي اللي اضطرتني لده، واقفة مبسوطة أوي وسَي إسماعيل مش مبطل معاكسة فيها.
فأدركت همت ما يدور بداخله فابتسمت قائلة: آدم أنت بتغير على دلال..!
فتوتر آدم ونفى ذلك: لا أغير إيه، أنا بكلم عن الأدب والاحترام.
هي شافت راجل غريب تمشي على طول.
همت بمكر: بس كده.
آدم بحرج: آه أمال هيكون فيه إيه؟
غمزته همت واستطردت: يعني حاسه إنك معجب بدلال يا ابني وهي صراحة تستاهل، بنت جميلة وقلبها طيب وأخلاقها فوق الممتاز، يعني يا بخته اللي هتكون من نصيبه.
وياريت تكون نصيبك يا آدم مش هتلاقي أحلى وأطيب منها.
فابتسم آدم وتلون وجهه خجلًا وتابع: بس يا أمي الأمور ما تنفعش بالإعجاب بس، الجواز لازم يتبني على أساس متين.
والبنت ما نعرفش حاجة عنها ولا أهلها ولا تعليمها.
ابتسمت همت: بس كده أول ما تيجي بكرة إن شاء الله هسألها.
........
تقبل الأشياء التي يربطك بها القدر، وأحب الأشخاص الذين يجمعك بهم القدر، ولكن افعل ذلك من كل قلبك.
لأول ليلة منذ وقت طويل نام أحمد قرير بعدما صلى لله القيام وقرأ ورده القرآني.
فجاءته رؤيا غريبة حيث شاهد نفسه يمشي في الطريق ويتمسك بكل يده طفل، فتعجب وحاول التطلع إليهم ليعلم هويتهم ليتفاجأ أنهم أطفال أشجان.
ثم ظهرت أمامه طفلة صغيرة جميلة تركض وتضحك ثم استدارت لتأتي إليه قائلة: بابا شيلني يا حبيبي.
فابتسم وقال لها: خلي ماما أشجان تشيلك عشان أنا ماسك أخواتك مش هعرف.
فتذمرت وقالت بنبرة طفولية:
_ سيبهم هما وشيلني أنا، عشان أنت بابي واسمي حور أحمد لكن هما اسمهم سيف وسلمى شفيق.
أحمد: عيب تكلمي كده عن أخواتك.
ليستيقظ أحمد وهو يردد: حور، أشجان.
وعندما استفاق من نومه حمد الله إنه كان حلم وليس حقيقة، فكيف له أن يتزوج من أشجان..!!
ثم جاء على مخيلته دلال فابتسم للحظات ولكنه عاود العبوس مجددًا وهمس: أنا هلاقيها من أشجان ولا من دلال.
لااا أنا حلمي واحدة تانية خالص، واحدة تاخد بإيدي للجنة مش تجعلني أنتكس.
فما تنفعش معايا أشجان خالص ولا تناسبني، ثم أخرج زفيرًا حارًا وتمتم: حتى دلال مع إن القلب دق ليها لأول مرة في حياتي لكن ده غلط غلط ما تنفعنيش حتى لو روحي فيها وربنا يربط على قلبي.
......
استيقظت دلال من نومها على رنين الهاتف فاستجابت ليأتيها صوت المتحدث:
_ إحنا إدارة مستشفى السجن، والدتك طالبة تشوفك حالًا، أرجوكِ ما نتأخرش.
فارتجف قلب دلال وقالت بلهفة: أنا جاية حالًا.
ثم ألقت الهاتف وارتدت ملابسها وأسرعت نحو المستشفى ولسانها لا يفتر عن ذكر الله وأن يحفظ لها والدتها فليس لديها أحد غيرها.
وعندما وصلت إليها، انحنت إليها تقبلها بشوق ولهفة وقالت: أمي حبيبتي مالك؟
ففتحت والدتها عينيها بتثاقل وقالت بخفوت:
_ دلال حبيبتي يا بنتي، الحمد لله إني شوفتك قبل ما أموت، كنت خايفة أوي أموت من غير ما أشوفك.
طالعتها دلال بصدمة وبكت: ما تقوليش كده يا أمي، أنتِ هتخفي وتعيشي عشاني، أنا ماليش غيرك، أرجوكِ ما تسيبنيش لوحدي.
والدتها: ربنا أذن يا بنتي، خلي بالك من نفسك يا دلال.
ثم أغلقت عينيها فصاحت دلال بفزع: أمي أمي.
ثم تماسكت قليلًا من أجل أن تلقنها الشهادة.
فقالت: قولي يا أمي أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
ففتحت والدتها عينيها ثم فتحت فمها ولكنها لم تستطع أن تنطق ولكنها رفعت إبهامها وكأنها تردد الشهادة.
ليتوقف النبض وتذهب روحها إلى خالقها.
فصرخت دلال: لاااااا يا أمي ما تسيبنيش، أرجوكِ، هعمل إيه في الدنيا لوحدي، أنا كنت عايشة ليكِ، هعيش ليه دلوقتِ.
مين هيكون قلبه عليا قدك، محدش هيحبني زيك ولا يخاف عليا من الهوا زيك، كل حب بعدك وقتي لكن أنتِ حبك عمره ما ينتهي أبدًا.
ثم وضعت رأسها على صدرها وهمست بنحيب: حبيبتي يا أمي، بعدك ما فيش فرح في حياتي، أخذتي معاكِ روحي.
يا ريتني كنت مت قبلك، عشان ما أحسش بالقهرة اللي في قلبي دي.
فجاء الطبيب المشرف على حالتها وقال بمواساة:
_ البقاء لله يا بنتي، وادعيلها بالرحمة عشان ما تتعذبش بصريخك ده.
دلال بقلب ممزق: ربنا يرحمها بس مين يرحمني أنا بعدها.
الطبيب: ربنا أرحم وأحن من الكل يا بنتي وعليكِ بالدعاء دايمًا ربنا يقرب منك الناس الطيبة ويبعد عنك الشر.
دلال: يا رب يا رب.
ليتم مراسم الغسل والدفن في مقابر الصدقة نظرًا لحالة دلال التي لا تمتلك أي شيء.
ثم عادت إلى منزلها في وقت متأخر، لتلقي بنفسها على التخت تبكي حتى جف الدمع ونامت من الإرهاق دون أن تشعر أو تدرك إنها لم تذهب في موعدها إلى بيت آدم أو حتى أبلغتهم بما حدث واعتذرت عن ذلك اليوم.
......
أخذ آدم ينظر إلى ساعته مرة وإلى والدته مرة ثم وقف وأخذ يخطو ذهابًا وإيابًا في الغرفة، يفرك بيديه بتوتر.
ووالدته تنظر إليه بحزن قائلة: يا ابني ما توترش نفسك كده وأكيد الغايب حجته معاه.
آدم بغضب: دي إنسانة مهملة عديمة المسؤولية، لو عايزة تتأخر كانت قالت لكن تسيبنا ننتظر كده يعني مش في دماغها.
همت: الله أعلم بظروفها يا ابني ما تظلمهاش.
واتفضل روح أنت على شغلك، اتأخرت كتير يا ابني والمدير بتاعك صعب أنا عارفة، بس معلش احكيله اللي حصل وهيعذرك.
زفر آدم بضيق: هسيبك إزاي لوحدك يا أمي ما ينفعش طبعًا، أنا هتصل أعتذر ويخصموه عادي من مرتبي.
فبكت همت وقالت بحزن: إمتى ربنا ياخدني عنده عشان أريحك مني ومن شلتي الصعبة شوية.
فتمزق قلب آدم واقترب منها يقبل يدها ويزيل دموعها بيده قائلًا:
_ لو عايزاني أزعل منك قولي الكلام ده تاني يا أمي.
أنتِ أمي حبيبتي وبدعي ربنا يطول في عمرك لأن من غيرك ما أعرفش أعيش وياما أنتِ اتحملتي وسهرتي وتعبتي من غير ما تشتكي فسبيني أحاول أرد ولو جزء بسيط من اللي قدمتيه لينا.
فلهج لسان همت بالدعاء: حبيبي يا آدم، ربنا يرضى عنك دنيا وآخرة.
بس أتصور أنا قلبي متوغوش على البنت دي وبقول حصل حاجة.
ما تتصل يا ابني بيها وتشوف فيه إيه.
آدم بتكبر: لا مش هتصل لأن لو فيه حاجة برضه كانت اعتذرت مش تسيبنا كده، ولو ما تجيش بكرة هشوف واحدة غيرها.
عقدت همت حاجبيها وعاتبته: ليه يا ابني قلبك قسى كده، أنت ما كنتش كده.
وكنت لسه بتقول معجب بيها وعايزها بس مستني تعرف عنها كل حاجة، فجأة تقلب عليها كده عشان اتأخرت.
آدم بغلظة: أنتِ عرفاني يا أمي بحب الالتزام في كل شيء ومش بغفر الغلط بسهولة، وهي غلطت لما ما اتصلتش واعتذرت.
همت: قلتلك يا ابني، يا عالم بظروفها.
تهكم آدم: خلاص خليها بظروفها لغاية بكرة لما نشوف هنعمل إيه.
....
تحسنت صحة زينب بعض الشيء وأذن لها الطبيب بالخروج مع المراعاة الطبية الشديدة في المنزل.
وعدم تعرضها للضغط العصبي.
وكان بجانبها في ذلك الوقت شاهين وشهيرة، فسألت زينب بخفوت: أمال فين شفيق؟
فنظر شاهين إلى شهيرة وابتلع غصة مريرة في حلقه وكأنه يقول لها: أقولها إيه دلوقتِ..؟
إن الدلوعة بتاعك اللي فضلتيه على الكل بيخطب وفرحان دلوقتِ ومش على باله، إنك مرمية في المستشفى ومش وقته الكلام ده خالص ومش صابر لما تقومي بالسلامة.
شوفتي آخر تربيتك ليه عمل إيه..!!
بس ما قدرش أقولها حاجة إحنا مصدقنا شدت حيلها شوية والدكتور بيقول مش عايز ضغط نفسي وخبر زي ده ممكن تروح فيها خالص.
فحمحمت شهيرة لكي تخرج من هذا الموقف بعدما أدركت خوف شاهين فقالت:
_ هو مش عارف يا أمي إنك هتخرجي النهاردة، وهو وراه مشاغل كتير أوي، حتى قال لشاهين، خلي بالك من الحجة عقبال ما أخلص مصالحي وأجيلها.
وإحنا أهو معاكِ، وهترجعي تنوري بيتك تاني.
تبدلت معالم زينب للحزن واستطردت:
_ آه أكيد مشغول، أنا عارفة شفيق ما يبعدوش عني إلا الشديد القوي.
وأنا مش هخرج غير لما يجي ياخدني.
وأنتِ يلا على بيتك وخلي بالك من ابن إبتهال كويس وفتحي عينيكِ عليه وما تذوقيهوش عرق حنية وخليكِ شديدة زي أمك ما تبقيش طيبة وهبلة عشان ما يجيش عليكِ ويعملك ألف حساب.
فابتسمت شهيرة ابتسامة صفراء وهمست:
_ شديدة!!
وأنتِ عملتي إيه بشدتك مع بابا الله يرحمه، خليتيه يتجوز عليكِ لما لقى صدر حنين اللي اتحرم منه بسببك.
ده أنا ندمانة على كل لحظة كنت بعيدة عنه فيها وضيعت على نفسي إحساس السعادة اللي بعيشه دلوقتِ معاه.
أنا لو لفيت الدنيا عمري ما هلاقي زيه، ده عوض ربنا ليا.
وأنا فعلًا عايزة أروح عشان وحشني ووحشني حضنه أوي.
عارضها شاهين: وليه نستنى يا حجة؟
دي الساعة في المستشفى بيوم، يلا بينا ترتاحي على سريرك أفضل.
وأنا هبلغه إنك روحتي وأول ما يخلص أكيد هيجي يطمن عليكِ.
فغلظت له زينب القول: آه مستعجل تروح عشان مش قادر تبعد عن ست الحسن والجمال.
مش عارفة إمتى هتسترجل يا شاهين، وتمشيها على العجين ما تغلطوش عشان ما تشوفش نفسها عليك بت إبتهال.
فهمس شاهين: لا حول ولا قوة إلا بالله، ما فيش فايدة حتى وأنتِ عيانة قلبك قاسي، وما اتعظتيش من اللي حصلك، ربنا يهديكِ يا حجة.
ثم استطرد: سيبك أنتِ من أي أحد دلوقتِ يا حاجة، المهم صحتك ويلا نروح بالسلامة.
فقامت معه على مضض، فقد كانت تريد شفيق هو من يأخذها ولكنه كان في ذلك الوقت في بيت أسماء يتحدث مع سليمان في تفاصيل الزواج.
شفيق: إيه رأيك يا عمي نعمل كتب كتاب ودخلة مع بعض الأسبوع الجاي.
أطبق سليمان على شفتيه بغيظ وكاد أن ينفجر من الغيظ وود لو أن يفتك به ويتخلص منه.
لكنه تماسك وصاح بقوله: ما أنت لو عندك دين يا ابن زينب ما كنتش تقول كده، بس أقول إيه حسبي الله ونعم الوكيل فيك.
لأن ما ينفعش تجوزها غير بعد ما عدة أشجان تخلص، لأن حرام تجمع بين الأختين.
ولو إن الحرام ركبك من ساسك لراسك، ومش هقول غير ربنا كفيل بيك.
لم يهتم شفيق بما قاله سوى طول فترة العدة.
فزفر بضيق قائلًا: لسه هستنى كل ده.
وعندما احتدت نظرات سليمان، تراجع خوفًا وقال: ولو إني كنت عايز النهاردة قبل بكرة، بس ماشي أصبر لأجل عيونها.
أطبق سليمان على شفتيه بغصة مريرة وهمس:
_ مش كان الأولى بالحب ده أم عيالك، وأسماء كان ليها اللي يناسبها، بس اللي حصل هدم كل ده، ربنا ينتقم منك يا زينب.
ثم وقف شفيق ليغادر قائلًا: طيب أشوف وشك بخير دلوقتِ يا عمي، مضطر أمشي عشان ورايا أشغال.
بس هاجي بكرة إن شاء الله آخد بعد إذنك أسماء تجيب شبكتها.
آه من حقها تفرح برده زي كل البنات.
فزفر سليمان وضغط على يده بغضب:
_ بنات!!
ربنا يسامحك يا شفيق، ضيعت البنت وضيعت معاها أشجان، والمظلوم في الموضوع عيالك اللي من أول ما جيت ما فكرتش تسأل عليهم ولا تقول عايز أشوفهم وحشوني.
فحمحم شفيق بحرج: آه صح معلش، الكلام أخدني، هما فين؟
زفر سليمان بضيق: تحت رحمة ربنا يا ابني وفي رعايتي.
بس خلاص خليها مرة تانية، اتفضل شوف مصالحك.
عودة لوقت سابق قبل الاتفاق.
حين حدث شفيق أسماء عبر الهاتف مرة أخرى وأغرقها بسيل من المشاعر المتدفقة العذبة وأكد لها حبه مرارًا وتكرارًا.
فتقبلت أسماء ذلك على مضض وراوغته بقولها:
_ يعني أنت بتحبني بجد يا شفيق ومستعد تعملي كل حاجة عشان تسعدني.
فأكد شفيق: أعمل أي حاجة، المهم أنول رضاكِ يا سمسمسة.
وأنا هاجي النهاردة أتفق مع عمي في كل التفاصيل، ياه أنا نفسي تكوني ليا النهاردة قبل بكرة وأتصبح بوشك القمر ده.
أسماء بتهكم: وأمك ساعتها هتسيبني في حالي ولا هتقرفني في عيشتي زي ما عملت مع أشجان وإنهار.
شفيق: لا مش هسمحلها تضايقك أبدًا يا أسماء، ده كله إلا أنتِ.
فابتسمت أسماء وهمست: كده طمنتني يا شفيق، عشان ما تعترضش على اللي هعمله فيها أنا واخدة حق أخواتي تالت ومتلت.
يا ويلك مني يا زينب، أنتِ والمحروس ابنك ديك البرابر.
رواية دلال و الشيخ الفصل الرابع عشر 14 - بقلم شيماء سعيد
تترقب زينب مجيء شفيق لترى وجهه وتطمئن عليه، ولتقر عينها برؤيته، فهو المفضل لديها لأنه ورث عنها طباع القسوة والشر.
ولكنه لم يأتِ وطال انتظارها له، فامتلىء قلبها بالقلق عليه. وكلما حاولت الاتصال به، وجدت هاتفه مغلقاً.
فسارعت بالاتصال على شاهين لتطمئن، علّ الله يعلم شيئاً عنه فيريح قلبها. فأخبرها شاهين أنه بخير، وربما هاتفه قد نفذ شحنه.
فاطمأنت قليلاً وأخذت تنتظره مرة أخرى حتى غفت رغماً عنها.
أما شفيق، فقد عاد في وقت متأخر من الليل إلى المنزل. وعلم من شاهين أن والدته قد عادت إلى البيت، فلم يعر ذلك انتباهاً. وصعد إلى شقته على الفور، ولم يهتم بالذهاب إليها للاطمئنان عليها، بل همس:
"أنا صراحة جاي مبسوط الليلة دي، ولو دخلتلها هسمع منها كلمتين يعكننوا عليا. فعلى إيه، خليني أنام مبسوط أحسن، يمكن أحلم بسمسمة مهجة القلب والصبح ابقى أعدي عليها."
غفت دلال وآثار دموعها قد شقت وجنتيها. فداهمها أحمد في أحلامها يزيل بيديه دموعها قائلاً:
"دموعك دي غالية أوي يا دلال. عارف إن مفيش بعد الأم، رغم إني محسيتش الإحساس ده عشان أمي الحقيقية طلعت مريضة. بس أنا أهو موجود جنبك وعمري ما هسيبك وهكون في ضهرك ديما، وفي حضني هتنسي الدنيا كلها."
ليضمها إلى صدره الذي كان كمخدر هدىء من روعها.
فهمست دلال بعشق:
"ياه يا أحمد، متعرفش أنا كنت مستنية اللحظة دي قد إيه. أنا بحبك يا أحمد من ساعة ما عيني شافتك، معرفش إزاي بس حبيتك واتمنيتك، رغم إنك بالنسبالي كنت عامل زي النجمة اللي في السما ويستحيل أطولها."
أحمد:
"وأنا كمان حبيتك يا دلال، بس كنت بقاوم الحب ده، لأني أنا كان حلمي في اللي أحبها حاجة تانية خالص. بس الحب سلطان على القلوب مش بإيدينا."
ثم شعرت دلال فجأة ببرودة تجتاح أوصالها عندما ابتعد أحمد عنها، فصاحت:
"أحمد بعدت عني ليه؟ خليني في حضنك أنا محتاجك أوي يا أحمد."
"أحمد، أحمد..."
لتستيقظ دلال تردد اسمه. وعندما أدركت أنها كانت تحلم، بكت وهمست:
"ياااه، كان حضنك جميل أوي يا مولانا. يا ترى ممكن الحلم يكون حقيقة في يوم من الأيام."
ثم فجأة تذكرت الحاجة همت، فشُهقت ووضعت يدها على فمها مرددة:
"لا حول ولا قوة إلا بالله. أنا نسيت الحاجة خالص، يا ترى عملت إيه من غيري، بس غصب عني."
لتبكي مرة أخرى على فراق والدتها:
"هتوحشيني يا أمي، الدنيا وحشة أوي من غيرك. هترمى في حضن مين دلوقتي وأعيط ويطبطب عليا ويهون عليا، آه يا حبيبتي يا أمي."
ثم حاولت التماسك قليلاً لتتصل بآدم لتعتذر له.
رأى آدم اسمها ينير الشاشة فابتسم بتهكم قائلاً:
"لسه فاكرة."
ثم رد باقتضاب قائلاً:
"أيوه."
دلال بحرج:
"أنا آسفة جداً يا أستاذ آدم."
ليقاطعها آدم بحدة:
"وحضرتك جاية تتأسفي دلوقتي بعد ما اليوم خلص وأخدت خصم من شغلي لغيابي المفاجئ. انتِ إنسانة غير ملتزمة وللأسف مش هتكملي شغل معانا وتقدرى تيجي تاخدي حسابك."
ففتحت دلال فمها بصدمة لغلظته الشديدة معها، وكأنها ليست إنسانة بل أمة لديه. فلم تجد سوى البكاء. حتى سمع شهقاتها، فتمزق قلبه لأجلها، ولكن الكبر منعه أن يعتذر لها.
ولكن وجد والدته تعنفه بقولها:
"حرام عليك يا آدم، ليه يا ابني تكلم البنت بالشكل ده وهي بتتصل تعتذر، حتى مستنتش تقولك إيه عذرها. هات نولني التليفون أنا أكلمها."
فناولها الهاتف وهو يعنف نفسه على قسوته معها. فكيف استطاع أن يتخلى عنها سريعاً هكذا، وهو الذي كان يدور حول نفسه طوال النهار ينتظر مجيئها في أي لحظة. ولعل سر غضبه هو أنه لم يراها ويشبع عينيه منها.
"آه كم وحشتيني دلال. وما قسوتي إلا عتاب. من محب تلوى بنيران الحب. فسامحيني فأنا من حبك مصاب."
استمعت همت لشهقات دلال فحزنت من أجلها وقالت:
"بس يا حبيبتي متزعليش، آدم مش قصده. هو بس من زعله عليا لإني اتعلقت بيكي ومقدرش استغنى عنك يا بنتي."
دلال بحزن:
"سامحيني يا حجة والله بس لو تعرفي أنا فيه إيه هتعذريني والله."
همت بقلق:
"مالك يا بنتي، حصل إيه؟"
فانفجرت دلال باكية:
"أنا أمي ماتت النهاردة ومبقاش ليا حد تاني في الدنيا."
فاسترجعت همت:
"إنا لله وإنا إليه راجعون. ربنا يرحمها يا بنتي ويصبر قلبك. ومتقوليش كده، أنا أمك يا حبيبتي، متتصوريش والله غلاوتك بقت من غلاوة آدم بالظبط."
ظهرت الصدمة على معالم آدم الذي استمع لشهقاتها بعد قولها إن والدتها توفت، فجلد ذاته:
"إزاي أقولها كده وهي في الحالة دي...! آه لو كنت جنبك دلوقتي كنت خدتك في حضني قولتلك أنا جنبك وعمري ما هسيبك أبداً."
حاولت همت تهدئتها:
"بس كفاية عياط يا بنتي وجعتي قلبي، عشان كمان متأذيهاش وقولي بس ربنا يرحمها وهستناكي بكرة في معادنا يا بنتي."
دلال:
"الله يرحمها وباذن الله يا حجة هاجي في الميعاد."
لتغلق همت الخط، ثم طالعت آدم بنظرة حزينة وقالت بعتاب:
"شوفت مش قولتلك الغايب حجته معاه، ومش أي حجة دي أمها يا ابني، يعني أعز الناس. ربنا يصبرها وشكلها وحيدة ملهاش حد."
تعجب آدم:
"ليه فين أهل أبوها، أهل أمها؟"
همت:
"معرفش، بس خلينا إحنا أهلها يا ابني دلوقتي ولازم نقف جنبها. وأنا عارفة إن العصبية دي كلها عشان مشوفتهاش. أنت حبتها يا آدم بس مكابر تعترف."
فتلعثم آدم وقال:
"لا حب إيه، ممكن تقولي إعجاب. هو الحب بالساهل كده؟ على العموم بكرة لازم تعرفي منها كل حاجة، ولو طلعت الأمور تمام ساعتها هتقدم ليها. بس المشكلة هتقدم لمين؟ هو ده السؤال اللي محيرني!!"
عندما خرجت ياسمين من منزلها لتتجه نحو عملها في مشغل الخياطة، وجدت شيكو في انتظارها.
فضربت بيدها على صدرها وقالت بفزع:
"بسم الله الرحمن الرحيم. بيطلعوا إمتى دول."
فضحك شيكو، ثم عبس وقال بمداعبة:
"إيه ده اللي بيطلعوا إمتى؟ ليه فكراني جني؟ ده انتِ اللي مجننانى يا ياسو وحبيبة قلبي."
توردت وجنتا ياسمين من الخجل، ولكن سرعان ما تجمدت ملامحها وقالت بجمود:
"بقولك إيه، أنا ميخلاش عليا الكلام ده. شوف وحدة تانية هبلة تصدقك."
شيكو:
"ما انتِ هبلة أهو ومش مصدقة. حرام عليكي يا ياسمين، هتعذبيني لأمتى بس. طيب أحلفلك بإيه إن بحبك انتِ ولو أطول أكتب عليكي دلوقتي عشان تصدقي أعملها."
دقت قلب ياسمين بشدة وارتجفت يدها، ولكنها حاولت السيطرة على نفسها وتابعت بجمود:
"قولتلك إني مش بتاعة جواز ومضيعش وقتك معايا وشوف غيري."
طالعها شيكو بمكر واستطرد:
"ماشي. طيب تعالي معايا اخطبلي أكمني يعني وحداني ومليش حد يجي معايا."
فصكت ياسمين على أسنانها بغيظ ودبت الأرض بقدميها وقالت وألسنة النار تخرج من عينيها:
"بقى كده، آه مصدقت. عشان تعرف إنك كداب وبتاع نسوان وتلاقيك الكلمتين دول بتقولهم لكل وحدة بتقابلها. ويلا روح يا شاطر وريني عرض كتافك، مش فضيالك، ولا فضية لشغل الخطبة بتاعك."
ثم لمعت عينيها بالدموع، فهي تحبه رغم كل محاولاتها المستميتة لكي يبتعد عنها، لأن الزواج سيعطلها عن مراعاة إخوتها الصغار.
ابتسم شيكو بمكر وتابع:
"والله بتحبيني زي ما بحبك يا بت بس بتكابري. وعينيك بتطلع قلوب كمان. وأنا كمان بموت فيكِ ويستحيل أتجوز غيرك."
ياسمين:
"يبقى مش هتجوز يا شيكو."
شيكو:
"ليه يا بنت الناس، ده أنا حتى جاي النهاردة عشان أقولك ربنا فرجها عليا من وسع وورثت. يعني أقدر أعيشك ملكة أنتِ وإخواتك اللي شايلة همهم دول."
ياسمين:
"أولاً مبروك يا سيدي. بس أنا أحق بمصاريف إخواتي ومقبلش حد يمن عليهم بحاجة وممكن في أي وقت يمنعها. آه ما أنا عارفة الناس اللي تتمسكن لغاية ما تتمكن."
فصاح شيكو بغيظ:
"لا أنتِ صراحة أوفر غتاتة وبوز نحس، أنا مش عارف حبيت فيكِ إيه. ده انتِ ولية نكدية وهم بصراحة."
ثم أنهى حديثه بقوله:
"بقولك إيه أنا ماشي وفكري أبوس إيديك في موضوع الجواز ومش أنا اللي أمنع رزق ربنا على حد، لا أنا ابن أصول وأعجبك أوي."
ثم التفت ليغادر بين صدمتها، ولكنه التفت برأسه مرة أخرى ليبتسم قائلاً:
"برميل نكد بس بحبك."
ثم أسرع للمغادرة من أجل ميعاده مع أحمد. لتبتسم ياسمين وتهمس:
"مش قد حبي ليك يا شيكو وعارفة إنك راجل وراجل أوي كمان، بس إخواتي محدش هيكون أحن عليهم قدّي."
وقف شيكو مع أحمد أمام أحد المولات المشهورة في المدينة الجديدة ينظرون إليها بفرحة عارمة، فأخيراً حقق الله مرادهم وأصبح لديهم عمل خاص مربح ونواة لحلم أكبر أن يصبحوا أحد رجال الأعمال الذين لهم اسم مسموع ووزن في السوق.
طالع شيكو أحمد بحب وقال بحبور:
"يلا يا وش السعد نسمي الله وندخل ملكنا ونشوف الشغل ونقص الشريط."
واستطرد بدعابة:
"معاك المهم دفترك وقلمك يا سي فهيم أفندي."
فضحك أحمد وأشار إلى حقيبته:
"متقلقش معايا كل عقود الملكية، وبكرة هنسجلها في الشهر العقاري إن شاء الله. وبعد ساعة من دلوقتي هييجي الناس اللي هيأجروا المحلات في المول نتفق ونمضي العقد."
شيكو طالعه بإمتنان قائلاً:
"مش عارف من غيرك كنت عملت إيه يا صاحبي، متحرمش منك وتفضل في ضهري طول العمر. وأول عقد هنكتبه إنك ليك نص الأرباح بالتساوي."
ابتسم أحمد وقال بحرج:
"مينفعش يا شيكو، ده المال مالك وانت اعتبرني مدير أعمالك بس وحط لي أجر يناسبني وبس."
شيكو:
"أنت فعلاً مدير أعمالي اللي مقدرش أعمل حاجة من غيره. بس الاتفاق اتفاق وأنا قولتلك من ساعة ما ربنا كرمني إنك هتكون شريكي مش شغال عندي. فمتزعلنيش منك واسمع اللي بقوله، ده أنت المال في إيدك بيكتر يا مولانا. وعايزك كمان كل أول شهر تراعي الناس المحتاجة بمبلغ كده، زي ما ربنا رعانا وفتح علينا."
ابتهج قلب أحمد وشكر الله على نعمته، فخر ساجداً لله ثم قام وقال:
"ده أكيد يا شيكو ربنا يزيدك من فضله ومش عارف أقولك إيه على ثقتك فيه كده غير إني هحاول باذن الله أكون قدها وأعمل كل اللي في وسعي عشان اسمك يعلى في السوق."
شيكو:
"ياه أخيراً هكون بيج بوس مان، بس سايق عليك النبي يا مولانا تعلمني كلمتين إنجليزي أتنظر بيهم قدام الناس عشان يحسوا إني حاجة كده جامدة ومتعلم بره كمان."
فضحك أحمد:
"بس كده عيوني حاضر."
ثم مضى اليوم ليعود أحمد إلى مخدعه ليرتاح من عناء اليوم. وعندما هم أن يستسلم للنوم وجد من يطرق عليه الباب.
ليجد صوت أشجان:
"افتح يا أحمد."
فتأفف أحمد وضم شفتيه ثم قال:
"عايزة إيه مني دي في نص الليل؟ دي مجنونة مش خايفة حد يشوفها وهي بتخبط في الوقت ده يقولوا إيه؟ أنا صراحة مش هينفع أكمل في البيت ده، ولازم أتصرف وأجيب شقة قريب وأبعد عن أشجان خالص."
ليقوم بتثاقل ويخطو نحو الباب ثم فتح ليجدها أمامه تخفض بصرها لأول مرة، لأنها دائماً كان يجدها تحدق به فيتحاشى النظر إليها ويغضب من نظراتها الجريئة تلك. ووجدها تحمل في يدها صينية طعام، لتقول بخجل:
"أنا قولت أكيد راجع تعبان من الشغل وممكن تكون نسيت تأكل، فقولت أجيب لك لقمة تاكلها. ولما تخلص حط الصينية على جنب وأنا بكرة لما تخرج شغلك هدخل آخدها."
وعندما هم أحمد أن يعترض لأنه لا يريد أن تهتم به وتأتي إليه مجدداً هكذا في منتصف الليل فتثير الشكوك حوله، وجدها قد التفتت لتغادر سريعاً وكأنها تهرب من ردة فعله. فشعر بالحرج من نفسه قليلاً وقال:
"للدرجاتي بتخاف من كلامي لدرجة إنها تجري كده. تعبتيني يا أشجان، وحاسس بقلبك والله بس إزاي ده انتِ كنتِ مرات أخويا وكمان أنا قلبي..."
ثم صمت للحظة وشرد في دلال فابتسم رغماً عنه وقال:
"يا ترى عاملة إيه؟ وحالك اتصلح ولا لسه زي ما أنتِ."
ولكن سرعان ما عاتب نفسه:
"إيه يا شيخ أحمد، فوق لنفسك مش كده! إزاي تفكر في واحدة زي دلال متاحة للكل. اصحى كده وركز على حلمك إنك تجوز إنسانة ملتزمة تاخد بإيدك للجنة مش تخليك تنتكس. أنا لازم أهرب من هنا عشان أشجان واهرب من قلبي اللي دق لإنسانة يستحيل تكون ليه."
ثم التفت متجاهلاً الطعام وقرر أنه لن يأكل ليواصل لها رسالة أن لا تفعل ذلك مجدداً. ولكن ما أن افترش التخت، حتى شعر بالجوع يفترس بطنه ورائحة الطعام الشهي تتغلغل إلى أنفه. فأخذ ينظر إليه بإشتهاء ثم أدار بصره عنه، ولكنه استسلم في النهاية قائلاً:
"أنا هاكل المرة دي بس لكن مش هتتكرر تاني."
وعندما انتهى من طعامه حمد الله ثم توجه للمرحاض فتوضأ وصلى القيام وعاد إلى التخت وأخذ يستغفر الله حتى خلد إلى النوم ليرى مرة أخرى تلك الرؤية بتفاصيلها. بل زاد عليها إنه عندما عاد للمنزل وقد أُذن لصلاة العشاء، صلى بأولاد أشجان وابنته منها وهي في جماعة.
ليستيقظ في الصباح متعجباً من الحلم:
"معقول ده!! طب إزاي دي كمان أكبر مني في السن ييجي خمس ست سنين!...."
"ربنا يتحول الحلم إلى حقيقة، فربك رب المعجزات."
دلفت إبتهال إلى غرفة أشجان في الصباح وعلى وجهها علامات الغضب. فدب القلق في قلب أشجان، حتى وجدت ابنتها تقف أمامها ثم وجدت يدها تسقط على وجهها بصفعة قوية ألمتها، فصاحت أشجان ببكاء:
"ليه كده أنا عملت إيه؟ حرام عليكي مش كفاية اللي أنا فيه؟"
ابتهال بحدة:
"اخرسي أنتِ ليكي عين تتكلمي، بعد اللي شوفته بعيني امبارح وأنتِ شايلة الأكل وبتخبطي على ابن عمك في نص الليالي. ولولا إني عارفة أحمد أكتر من نفسي وعارفة إنه لا يمكن يمس شعرة منك ولو اطنطنتي قدامه. كان زماني جبتك من شعرك وسويت بيكِ الأرض وهو طردته من هنا. بس قولت يا بت بلاش فضايح بدل ما اتأكدت من أخلاق أحمد اللي كنت بتمنه لأختك بس نصيبها المقندل."
فبكت أشجان حتى سمعت إبتهال صوت شهقاتها المؤلم، فضعفت أمام بكاؤها وتحرك قلب الأم. فجلست بجانبها ومسحت على شعرها وقالت:
"ليه يا بنتي ترخصي نفسك كده؟ يقول عليكي إيه ابن عمك وأنتِ بتخبطي عليه في نص الليل. ولا عشان بقيتي مطلقة يبقى عيارك فلت. لا يا بتي أنتِ بنت الحاج سليمان يعني غالية أوي. فعززي نفسك يا بنتي لغاية ما يجي عوض ربنا ليكي."
فقالت دون شعور:
"ياه لو كان العوض أحمد، ده أنا هكون خدمته طول العمر."
فصاحت إبتهال بضيق:
"أنتِ اتجننتي يا أشجان! إزاي تفكري في أحمد وأنتِ مش بس مطلقة وهو لسه مدخلش دنيا، ده كمان أصغر منك يا بنتي. يعني مينفعش خالص، ده عايز وحدة من سنه وبنت بنوت."
تنهدت أشجان بمرارة وتابعت:
"عارفة، بس للأسف مش قادرة أمنع نفسي."
حركت إبتهال رأسها:
"لا كده وجود أحمد خطر هنا يا بنتي ولازم أبوكِ يشوف صرفة ويبعده عن هنا."
فتوسلت لها أشجان:
"لا يا ماما عشان خاطري. ده وجوده هنا وإني أشوفه كل يوم مهون عليا الهم اللي أنا فيه."
ابتهال بسخط:
"يعني إيه أسيب البنزين جنب النار وأسكت، لا لازم أشوف صرفة."
ثم وقفت واتجهت للخارج، فاتبعتها أشجان، تمسك يدها وانحنت إليها تقبلها قائلة:
"بالله عليكي متخليهوش يمشي وأنا أوعدك مش هروحله تاني ولو عايزاني كمان مكلمهوش مش هكلمه."
خفق قلب إبتهال وغلب قلب الأم أيضاً، بل دعت لها قائلة:
"طيب يا بنتي ربنا يريح بالك. بس الأهم من كل حاجة، إنك تاخدي بالك من ولادك لأن مالهمش ذنب وإياكِ تاخديهم بذنب أبوهم."
ابتسمت أشجان بوهن:
"لا طبعاً دول حتة مني وهما عكازي لما أكبر. وربنا يديني العمر عشان أقدر أربيهم أحسن تربية."
فأومأت لها والدتها ثم خرجت تحدث نفسها لتأتي على خاطرها فكرة، ستحاول تنفيذها ولتكن النتيجة على الله سبحانه.
حيث توجهت إلى غرفة أحمد، ووقفت على الباب تحاول التقاط أنفاسها والسيطرة على دقات قلبها الهادرة من القلق من ردة فعله. ولكنها توكلت على الله ودقت على الباب قائلة:
"أنا مرات عمك يا ابني، ممكن أدخل؟"
فأسرع أحمد لفتح الباب وابتسم وقال ببشاشة وجه:
"أهلاً يا مرات عمي، اتفضلي ارتاحي."
فولجت إبتهال لداخل الغرفة وجلست على أقرب مقعد وأخذت تفرك في أصابعها وأحمد ينظر إليها منتظراً أن تحدثه فيما جاءت له.
حتى قالت وعلى وجهها ابتسامة لم تتعدى ثغرها:
"ما شاء الله عليك يا ابني اليومين دول ربنا فاتح عليك من وسع وبيعوضك عن اللي فات عشان انت ابن حلال وتستاهل كل خير. ومتتصورش أنا فرحنالك قد إيه."
طالعها أحمد بإمتنان قائلاً:
"عارف أكيد يا مرات عمي. ده أنتِ أمي التانية وطول عمري بحس منك بحنية عمري ما حسيتها من الست اللي كنت بفتكرها أمي."
ابتهال بحزن:
"ربنا يسامحها بقى يا ابني. ثم استطردت: المهم ربنا عوضك يا حبيبي ومبقاش ناقصلك غير العروسة."
تغيرت ملامح أحمد عند سماعه لتلك الكلمة وعلم أن من ورائها شيء.
أحمد:
"حاسس إن لسه شوية على الموضوع ده يا مرات عمي."
حمحت إبتهال بحرج:
"ولا بدري ولا حاجة يا ابني، أنت ألف مين يتمناك والجواز في السن ده معناه إنك تجيب إخوات ليك مش ولاد بس ينفعوك في الكبر. وسيدنا النبي اتجوز السيدة خديجة وهو قريب من سنك كده وكمان إيه كانت أكبر منه في السن وأرملة ومعاها ولاد وحبها حب محبهوش لغيرها سبحان الله."
ففطن أحمد لما ترمي إليه وأغمض عينيه وهمس:
"أشجان. إظاهر أن الرؤية حق يا أحمد، ومش هتقدر ترفض عشان ترد الجميل."
لذا لم يشأ أحمد أن يشعرها بالحرج أكثر من ذلك خصوصاً عندما رآها تتعرق رغم برودة الجو، فبادر بقوله:
"تصوري فعلاً يا مرات عمي أنا فكرت كتير إني أتزوج زي سيدنا النبي عشان أتبع سنته وإن الناس تعرف أن المطلقة والأرملة مش عبء على المجتمع وأنها إنسانة زينا زيها."
فتهلل وجه إبتهال وصاحت بفرحة:
"الله ينور عليك يا أحمد."
فاسترسل أحمد بوجه بشوش رغم النار التي تأكله من الداخل:
"وعشان كده تفتكري يا مرات عمي، إن ممكن عمي يوافق إني أتزوج أشجان بعد ما تخلص عدتها."
فكاد قلب إبتهال أن يسقط من شدة الفرح حتى أنها قالت بعدم تصديق:
"أنت يا ابني عايز تتجوز أشجان بتي أنا."
فابتسم أحمد ابتسامة صفراء لم تتعدى ثغره، فهو لم يتخيل ولو للحظة واحدة أنه سيتزوج من أشجان في يوم من الأيام، ولكن هذا قدر الله وعليه أن يتقبله حتى ولو أن قلبه لا يريد ذلك.
أحمد:
"آه بس مينفعش نفتح الموضوع ده دلوقتي غير لما تخلص عدتها. وخليه سر بيني وبينك يا مرات عمي."
فوقفت إبتهال والفرحة تقفز من عينيها قائلة:
"آه طبعاً سر أمال إيه ربنا يفرحك يا ابني ويسترها معاك دنيا وآخرة. عن إذنك بقى عشان تشوف حالك وتروح شغلك."
ثم غادرت مسرعة نحو غرفة أشجان، ففتحت الباب على مصراعيه، فخافت أشجان أن تضربها مرة أخرى فتراجعت للوراء. ولكن تفاجأت بها تبتسم وتقترب منها وتعانقها بحب قائلة:
"مكنتش أعرف إن عوض ربنا هيجيلك بسرعة كده يا أشجان."
أشجان بعدم فهم:
"تقصدي إيه يا ماما؟"
ابتهال:
"عريس يا بنتي أول ما تخلصي عدتك هيتقدم."
فعقدت أشجان حاجبيها ورفضت:
"لا أنا مش عايزة أتجوز تاني، أنا هقعد أربي ولادي."
ابتهال بمكر:
"بجد يا أشجان عليه الكلام ده، حتى لو قولتلك إن العريس هو أحمد ابن عمك."
فشعرت أشجان أن الأرض تتهاوى من أسفلها وكاد أن يغشى عليها من الفرحة وتسقط في الأرض، ولكن تلقفتها يد إبتهال وهي تضحك:
"أنتِ هيغم عليكي من دلوقتي، امال لما يكتب عليكي هتعملي إيه."
اتصلت زينب على شفيق عدة مرات في اليوم التالي بعد أن بلغ بها القلق مبلغه، وفي النهاية استجاب إليها على مضض قائلاً:
"أيوه يا حجة، عاملة إيه دلوقتي!"
زينب بعتاب حزين:
"مش كويسة طول ما أنا مش شايفة يا ضنايا، كده برضه متسألش عليا ولا تيجي تطل عليا يا شفيق. ده أنت روحي يا ابني ومكنتش بتفارقني أبداً."
نفخ شفيق بضيق:
"معلش يا حجة، انشغلت بس، بس أنا نازلك حالا أطمن عليكي."
ثم أغلق الخط وتساءل بحيرة في أمره:
"هعمل إيه دلوقتي؟ أكيد هتسألني عن أسماء ولما أقولها إني خطبتها وهتجوزها هتزعل وتسمعني كلمتين مالهمش لازمة. بس ماشي هسمع من هنا وأعدي من هنا، مهو كله إلا أسماء دي الحب. وشها بريء أوي بيفكرني بالبت بتاعة النايت كليب اللي معرفتش أتهنى بيها. كانت قمر صراحة بس خلاص أسماء غطت على الكل وهتكون ست الكل مهما أمي عملت."
ثم أنهى ملابسه واتجه إليها، فلمعت عينيها من اللهفة لرؤيته قائلة:
"حبيبي يا ابني، تعال في حضن أمك، وحشتني أوي."
فاقترب منها شفيق واحتضنها بجفاء ثم ابتعد عنها:
"ها عاملة إيه دلوقتي يا حجة؟"
زينب:
"بقيت كويسة لما شوفتك يا ضنايا. وانت عامل إيه؟"
شفيق:
"بخير يا حاجة."
لتستطرد زينب:
"بقولك يا شفيق، أنت هتسيب البت أشجان تبرطع في بيت أبوها ولا إيه؟ ردها وخليها ترجع البيت تخدمني أنا بقيت محتاجها عن الأول أكتر وعشان تساعد الزفتة أختها أنهار."
تمعض وجه شفيق:
"أرد مين يا حاجة، ردت المية في زورها. ده أنا مصدقت خلصت منها ومن وشها النكدي اللي يغم النفس، افتكرلنا حاجة عدلة على الصبح."
زينب:
"معلش يا ابني عشان عيالك برضه وعشان أنا بنت إبتهال مش لازم تخرج عن طوعي أبداً. لازم ترجعها."
أكد شفيق:
"قولت لأ، لإني خلاص هتجوز."
زينب بشك وترقب من أن يكون سيفعل ما نهته عنه:
"هتجوز مين يا شفيق؟"
شفيق بنبرة حادة:
"أسماء يمه عشان أصلح غلطتي وأنا خلاص اتفقت على كل حجة مع أبوها والنهاردة هجيب الشبكة وبعد ما تخلص عدة أشجان هتجوزها على طول."
اتسعت عين زينب بصدمة:
"إيه أسماء..! عايز تجوز البت اللي مدت إيديها على أمك يا شفيق؟"
شفيق مبرراً:
"معلش كانت لحظة غضب وعدت يا حجة."
زينب:
"ولو قولتلك إني مش راضية عن الجوازة دي."
شفيق:
"ويستحيل تحصل. وأظن مش هتعارضي أمك."
رواية دلال و الشيخ الفصل الخامس عشر 15 - بقلم شيماء سعيد
ظهرت الصدمة على وجه زينب بعد تأكيد شفيق وتصميمه على الزواج بأسماء.
زينب بصدمة: إيه أسماء..!! عايز تجوز البت اللي مدت إيديها على أمك يا شفيق.
جعد شفيق وجهه قائلاً: معلش كانت لحظة غضب وعدت يا حجة.
حركت زينب رأسها بنفي واسترسلت بغضب: ولو قولتلك إني مش راضية الجوازة دي!!
فصمم شفيق وأكد: هترضي يا حجة عشان عارف إنك بتحبيني ولو يحب حد يحب يشوفه مبسوط. وأنا مبسوط أوي يا ست الكل ويلا شدي حيلك عشان دخلتي عليها بعد ما تخلص أشجان العدة. وأدعيلى ربنا يديني الصبر لغاية ما تخلص.
ثم طالعها بنظرة مطولة وهي تفتح فمها بصدمة ولكنه لم يعبأ وقال: أسيبك بقى عشان ورايا أشغال. ثم التفت وغادر وهو يغني باسمها.
أسماء أسمسم أسمسمة سماسيمو، قلبي يا ناس.
فضربت زينب يدها كفاً بكف ورددت: الواد شكله اتجنن. والبت دي شكلها كده عملاله عمل، تنشك في مصرينها بت إبتهال. لا بس أنا مش هقعد ساكتة كده لغاية ما يجوز البت دي وتيجي تقعد على قلبي، لا لازم أتصرف.
لتلتقط الهاتف سريعاً وتتصل بإحدى صديقاتها.
زينب: إزيك يا حسنات يا حبيبتي؟
حسنات: أهلاً أم شفيق، ازيك انتِ وازي صحتك؟
زينب بغصة مريرة: مش بخير يا اختي، الواد شفيق هيجنني. تصوري طلق مراته وعايز يتجوز اختها، سحراله أكيد.
حسنات: لا حول ولا قوة إلا بالله، ليه بس كده والعيال ذنبهم إيه.
زينب: مهو العيال اللي صعابنين عليّ، عشان كده بكلمك. لسه الست اللي تعرفيها دي، اسمها إيه.. أه كوثر بتفك السحر.
حسنات: أه موجودة ربنا يجعل كلامنا خفيف عليها.
زينب: طيب ياريت تبعتهالي، عشان تشوفلي حل وتخلي شفيق يرجع لمراته ويكره البت مقصوفة الرقبة دي.
حسنات: طيب يا حبيبتي، من عينيه الاتنين.
اتصل سفيان من مصنع والده على شهيرة، فاستجابت له قائلة: حبيبي.
فدق قلب سفيان وهمس: لا مقدرش على كده، وحدة وحدة عليّ، وإلا أضيع منك.
ابتسمت شهيرة: بعد الشر عليك يا حبيبي.
سفيان: تعرفي إني كنت خلاص فقدت الأمل إني أحس بحبك ليه، وقولت خلاص كفاية عليك يا سفيان إنها جنبك ودي نعمة كبيرة في حد ذاتها.
تنهدت شهيرة: ياه قد كده أنت حلو أوي كده. وأنا اللي كنت وحشة أوي كده، مش حاسة بالنعمة اللي أنا فيها.
نفى سفيان: لا متقوليش على حبيبتي كده وإلا أزعل.
فضحكت شهيرة، فصاح سفيان: آه من ضحكتك اللي بتطير دماغي دي، أعمل فيكي إيه دلوقتي، أقولك أخطفك. أنا فعلاً عايز أعملها بجد، أخطفك كده ليلة في فندق، بعيد عن الدنيا كلها وساعتها هعلمك الحب من أول وجديد يا قلب سفيان.
تورّدت وجنتا شهيرة من الخجل فقالت بخجل: وبعدين معاك.
سفيان: بحبك.
شهيرة: وأنا كمان يا سوفي بحبك أوي.
فصاح سفيان بعشق: لا كده أنا جاي حالا بدل فيها سوفي. بقولك البسي وظبطي نفسي وأنا جاي في السكة حالا هاخدك ونروح الفندق.
ثم أغلق معها الخط فتنهدت بحرارة قائلة: خسارة اللي ضاع من عمري من غير ما أحس إني بحبك يا سفيان.
ثم ذهبت مسرعة لارتداء ملابسها والفرحة تقفز من عينيها، وقد رسمت في مخيلتها كل أنواع الدلال والحب اللي هتصبه عليه صبا صبا لتعوضه عن كل الليالي اللي كانت بعيدة عنه بقلبها.
جاءت كوثر تلك الدجالة إلى زينب.
رحبت زينب بها وقالت: نورتيني يا كوثر، وياريت تقدري ترجعي شفيق لمراته ينوبك ثواب عشان العيال، ويكره البت السهتانة أختها اللي خطفته منها.
كوثر: متقلقيش يا ست زينب من عينيه الاتنين، واللّيلة هيكون في حضن مراته ويشوف البت دي عفريت في عينيه.
ابتسمت زينب بمكر وهمست: ده يوم المنى.
لتخرج كوثر زجاجة صغيرة من صدرها وتقدمها إلى زينب قائلة: نقطة وحدة من دي على كوباية عصير ولا شاي وهتشوفي عجب العجاب، هيرجع يحب مراته ويكره التانية.
فأخذتها زينب بلهفة وقالت: ياريت وهتبقى ليكي حلاوة كبيرة يا كوثر. ثم أخرجت وضعت يدها تحت الوسادة وأخذت مبلغ ألف جنيه وناولتها لها قائلة: ده عربون محبة ولما يحصل ليكي زيهم.
كوثر: من يد ما نعدمها يا ست الستات، وهيحصل إن شاء الله.
ثم غادرت كوثر، لتتصل سريعاً زينب بشفيق فرد بتأفف: نعم يا حجة؟
زينب: أنت فين يا ضنايا؟
شفيق: في المحل تحت بتابع الشغل.
زينب: يا حبيبي ربنا يقويك، طيب تعال اشرب معايا فنجان قهوة يعمر دماغك عشان تعرف تشتغل كويس.
شفيق: والله فعلاً يا حجة، دماغي هتنفجر، ماشي ظبطيه عقبال ما أخلص الورق اللي في إيدي وجاي.
زينب: مستنياك يا عين أمك.
لتسرع بعد ذلك إلى عمل فنجان قهوة وضعت به هذا السائل الذي أعطته لها كوثر.
ثم ابتسمت بمكر وقالت: لما نشوف بقى الست هانم أسماء هتاخدك إزاي مني، لا هترجع تاني أشجان وهحط رجلي تاني فوق رقبتها.
ليأتي شفيق بعد مرور بعض الوقت.
شفيق: أنا جيت يا يا ست الكل، ناوليني فنجان القهوة عشان دماغي هتتفرتك.
زينب: إن شاء الله اللي يكرهك يا روح أمك. خد يا ضنايا بالهنا.
تناولها شفيق من يدها وعندما هم أن يرفعها إلى فمه، رن هاتفه من أحد العمال لديه.
حميدو: معلم شفيق محتاجينك ضروري في المحل، وكمان المعلم سفيان مستنيك.
شفيق: طيب أنا جاي حالا.
زينب: هو أنت لحقت يا ابني، طيب حتى أقعد أشرب قهوتك هي الدنيا طارت.
شفيق: معلش يا حاجة ضروري أنزل وهاخد القهوة معايا متقلقيش، مش هقدر أسيبها.
زينب: طيب يا ابني، ربنا يقويك ومتنساش تعدي عليّ لما تخلص شغل.
شفيق: حاضر يا حجة، سلام.
ثم همست: المهم يشربها ويجيلي آخر الليل يبشرني إنه رجع أشجان.
وجد شفيق سفيان في انتظاره، فرحب به: أهلا يا أبو نسب.
سفيان: أهلا.
شفيق: مالك يا مقفلها كده يا سفيان، فكها يا راجل وخد خد القهوة دي أشربها تعمر دماغك.
سفيان: لولا إني فعلاً عايز أفوق مكنتش خدت منك حاجة. فتناولها سفيان ثم بدأ يرتشف منها بعض قطرات.
وتابع: بص يا شفيق، أنا مش عارف صراحة هنقول للناس إيه بعد عملتك السودة دي. إزاي هنقولهم أخدت أخت مراتك؟
شفيق: متكبرش الموضوع والناس عمرها مهتبطل كلام. وهو النصيب كده وأنا بحب أسماء وشاريها وأشجان ربنا يعوضها بالأحسن.
استكمل سفيان شربه القهوة ثم ابتسم بتهكم قائلاً: فعلاً ربنا استجاب منك يا شفيق، شوف سبحان الله. وربنا عوضها بالأحسن بمراحل.
تعجب شفيق واهتز بؤبؤ عينيه وسأل بفضول يصحبه كبرياء: هو مين ده إن شاء الله، ومستعجلة أوي كده ليه ست أشجان. وتجوز ليه أصلاً ماتقعد تربي عيالها.
سفيان: ليه هو حلال ليك وحرام ليها، ده من حقها أكتر منك لأنها ياما شافت منك يا أخي، ربنا يسامحك.
انفعل شفيق: ما خلاص بقى بس مين هو اللي هياخدها؟
سفيان ببرود: وده يهمك في إيه؟
شفيق: آه يهمني عشان عيالي اللي ست هانم رضيت تدخل عليهم راجل غريب، وأكيد راجل كبير عشان يرضى ياخد واحدة مطلقة.
فضحك سفيان: راجل كبير إيه!! بالعكس ده أصغر منها ولسه مدخلش دنيا وهيربي عيالك تربية مشفتهاش أنت. عارف مين؟
نفذ صبر شفيق وقال بصوت غاضب: هي فزورة ولا إيه! ما تخلص يا سفيان وتقول مين.
طالعه سفيان بمكر وقال بتشفّي: أخوك اللي طردته من بيته وكلت ورثه. سبحان الله يا أخي، ياخد مراتك ويربي عيالك وايه كمان بسم الله ماشاء الله عليه دلوقتي ربنا يزيده من نعيم الله ده قرب يكتسح السوق كله والفلوس في إيده متتعدش.
فانتفض شفيق ووقف كأنه لدغته حية حين علم إنه أحمد أكثر إنسان يكرهه لأنه ويحقد عليه منذ صغره لأنه جميل الوجه وذكي بالفطرة وكان مدلل عند والده وكل من يراه يحبه.
ثم أمسك سفيان من تلابيب ملابسه وصاح بغضب: أحمد! لا، ده على جثتي الجوازة دي. إزاي ست أشجان هانم تجوز أخويا، ده لسه حتة عيل ومش الفلوس اللي هتعمله بني آدم يغور بيها.
أبعد سفيان يده عنه وابتسم بتهكم وقال: مهو أظن حضرتك برضه هتجوز أختها ولا إيه!
شفيق: أنا راجل وأعمل ما بدالي لكن هي ترضى تجوز أخويا دي يبقى فيها إنّ.
ثم صمت للحظات زاد بها غضبه وأوشك على الانفجار وتوجه نحو بيت عمه وهو يصيح: والله لأفضحها يعني إيه عايزة تجوز أخويا يعني كانت عينيها منه ولا هو اللي عامل نفسه بتاع ربنا كانت عينيها منه.
ضرب سفيان يداً بيد قائلاً: ده أكيد اتجنن ولازم أوقفه عند حده، قبل ما يفضحنا في المنطقة.
وفي تلك اللحظة كانت شهيرة تقف على باب المنزل في انتظار سفيان كما أخبرها منذ لحظات قبل أن يتحدث مع شفيق. وعندما رأته من على بعد ابتسمت وشعرت بقلبها وكأنه طائر يحلق في السماء يود أن يذهب إليه سريعاً ليحتضنه.
أما هو فقد لمح وقوفها أمام المنزل بهيئة غير التي يراها عليها، فكانت في نظره أقبح امرأة على وجه الأرض بعد أن كانت أحب الناس إليه. فتجمدت ملامحه وسار إليها هي أيضاً ليعنفها مع شفيق.
وجدت شهيرة شفيق في مقابلتها يهتف بكلام غاضب غير مفهوم. فسألته: مالك يا شفيق، عينيك بتطلع شرار كده ليه؟
شفيق: اسألي أخوكي أحمد باشا اللي عامل نفسه بتاع ربنا. وهو فاجر هو والست هانم أشجان ومربطين مع بعض يجوزوا.
استنكرت شهيرة: إيه الكلام الفارغ اللي بتقوله ده يا شفيق. أنت عارف ومتأكد إن أحمد لا يمكن يفكر في كده ولو هيعملها عشان بس ياخد ثواب في إنسانة موجوعة مطلقة.
شفيق: لا والله كتر خيره، بس أنا لا يمكن أبداً أرضى بالجوازة دي.
ثم جاء سفيان فطالع شهيرة بنفور وصاح بها بغضب: إيه موقفك كده وصوتك طالع يا هانم مش فيه بيوت نكلم فيها. ادخلي قدامي يلا وانت يا شفيق لو عندك كلمة، أدخل أقولها الحاج جوه.
فلمعت عين شهيرة بالدموع فتلك المرة الأولى التي ينهره فيها سفيان بذلك الشكل فارتجف جسدها وقالت: على فكرة أنت اللي قولتلي انزلي تحت عشان نخرج للفندق مش أنا اللي نزلت بمزاجي.
سفيان بتهكم: نخرج وفندق، إيه أحلام اليقظة دي. أطلعي على شقتك وأخفي من قدامي مش عايز أشوف خلقتك قدامي.
لم تتحمل شهيرة كلماته الجارحة المهينة فصاحت بغصة مريرة: أنت يستحيل تكون سفيان، أنت مين؟ سفيان عمره ما قال كلمة تزعلني ولا جرحني بالشكل ده.
فانفعل سفيان وأمسك ذراعها بقوة وهدر: هو شكلي كنت فعلاً مدلعك زيادة عن اللزوم، فادخلي يا شهيرة واكفي الشر تحسن لك بوشك العكر ده ويومك اللي مش فايت. عشان عايز أدخل أشوف سي زفت شفيق هيعمل إيه مع أبويا. بدل ما أخلص عليكم انتم الاتنين وأخلص من النسب اللي يعر ده.
فانهارت الدموع من عينيها كالشلال وصرخت: إحنا نسبنا يعر يا سفيان، كده طيب على إيه.. إحنا لسه فيها، وكل واحد يروح لحاله. وأنا هطلع ألم هدومي وهروح بيت أبويا يا سفيان وتشكر يا ابن عمي.
ثم أسرعت من أمامه نحو شقتها، فزفر سفيان بضيق وهمس: حلو أهي كملت لما أدخل أخنق شفيق كمان عشان تكون خلصت.
فولج للداخل واستمع لصوت شفيق وهو يصيح بعلو صوته أمام والده: لا يمكن تجوز أشجان أحمد يا عمي، خليها تقعد تربي عيالها وأنا ملزوم بمصاريفها لكن أحمد لأ. يستحيل تجوز العيل ده، ولو اتجوزوا يبقى أكيد كانت عينيهم من بعض وكانوا بيستغفلوني وساعتها هدبحها قصادك يا عمي.
كان سليمان يستمع إليه وعينيه تطلق شرار ويقبض على يديه بقوة استعداداً للفتك بك نتيجة تهوره وخوضه في عرض ابنته. ولكن وجد من يقف له بالمرصاد ويكاد لا يصدق أن هذا هو أحمد البريء الذي بقلب طفل.
حيث وقف وهدر في وجهه قائلاً بقوة لم يعلم أحد كيف أتت بها: ألزم حدودك يا شفيق واعرف كويس أنت بتكلم عن مين. أشجان دلوقتي مش تحت حكمك عشان تقول تجوز مين ومتجوزش مين. وهي إنسانة طاهرة عفيفة وربنا سبحانه وتعالى نجدها منك وهتكون تحت رعايتي هعوضها عن ظلمك ليها وهربي عيالك بما يرضي الله.
كانت تستمع أشجان من وراء الباب إلى حديث شفيق وقلبها ينتفض من الخوف وتود أن تذهب إليه وتقضي عليه حتى لا يحرمها من الحلم الذي طالما تمنته وأوشك أن يكون حقيقة. فكيف يأتي هو الآن ويهدم سعادتها، ألا يكفي ما فعله هو بها. ولكن نبض قلبها من جديد عندما استمعت إلى أحمد غير مصدقة إنه يدافع عنها بذلك الشكل وتساءلت هل يمكن أن تعني له شيئاً في يوماً من الأيام، أم ستكون له مجرد زوجة من أجل الشفقة لا أكثر.
ضحك شفيق وقال بتهكم: لا براحة على نفسك يا أحمد مش كده ألا يتقطع لك عرق، ولا بقى لك صوت وبتتكلم زي الرجالة.
فلم يتحمل أحمد تلك الإهانة وقال بصوت غاضب: أنا راجل غصب عنك. الدور والباقي عليك أنت، اللي رميت أم عيالك وطمعت في أختها وقبلها قبلت على نفسك حقي في ورث أبويا وطردتني من بيته.
شفيق بغل وغيرة: وحصل إيه بعد كل ده، بقيت أغنى مني كمان وعايز تاخد مراتي بعيالها وتكوش على كل حاجة. مش عارف حظك كده ليه ديما في العلالي، أنت أحسن مني في إيه؟
فاستغفر أحمد ربه وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ده رزق يسوقه الله لمن يشاء يا شفيق، ربنا يهديلك نفسك الأمارة بالسوء.
فثارت الدماء في جسد شفيق وأكد: كله إلا أشجان يا أحمد ولو على رقبتي.
وعندما أراد أحمد الرد، جاءه صوت أسماء الذي أسرعت وحالت بينه وبين أحمد وقالت بجدية يشوبها مرارة لا أحد يشعر بها غيرها: وأنا كمان مش موافقة على جوازي منك يا شفيق وبدال مش عايز أحمد ياخد أشجان، يبقى أنت أحق بيها عشان عيالك.
فشعرت أشجان بارتجاف في جسدها من الخوف أن يضيع حلمها في الزواج من أحمد وتعود للعذاب مرة أخرى مع شفيق. ولكنها وجدت شفيق قد استكان وضعف أمام أسماء وخفض صوته وقال: أنتِ بتقولي إيه يا أسماء. ده يستحيل يحصل وأنتِ عارفة أنا بحبك قد إيه ومقدرش تبعدي عني.
أسماء: خلاص يبقى ملكش دعوة بأشجان وسبها تجوز أحمد، لو عايز جوازنا دي تكمل.
فنظر شفيق إلى أحمد بغل ثم نظر إلى أسماء بحب وقال: اللي تشوفيه يا حبيبتي، المهم إحنا. فطالعته باحتقار مع ابتسامة صفراء لم تتجاوز ثغرها وهربت من أمامه تلعنه في نفسها: والله لأوريك أيام سودة على دماغك أنت وأمك يا شفيق. ويا بختك يا أشجان بأحمد، صحيح محدش بيحس بالنعمة غير لما تروح منه.
ثم أسرعت إلى غرفتها تبكي على ما آل به حالها بعد أن خسرت كل شيء في لحظة واحدة.
أما أشجان فقد كانت كمن ردت إليها الروح مرة أخرى وجلست على فراشها واحتضنت وسادتها وسبحت في عالم الأحلام عالم يجمعها بحبيب العمر والروح أحمد وتمنت لو تنقضي الأيام على عجلة سريعاً لكي يجمعها القدر تحت سقف واحد.
نظر شفيق إلى عمه سليمان بحرج ثم استأذن للخروج. ولكن عندما وصل إلى عتبة الباب، وجد من تنادي عليه بصوت منتحب من كثرة البكاء قائلة بخفوت: استنى يا شفيق يا أخويا خدني معاك.
فالتفت شفيق إلى أخته شهيرة فوجد عينيها يشوبها الاحمرار وتحمل في إحدى يديها حقيبتها واليد الأخرى ابنها الصغير.
فزفر شفيق بضيق وقال: مالك انتِ كمان يا ست شهيرة؟ واخدة شنطتك وعلى فين العزم؟
شهيرة بحزن: على بيت أبويا يا شفيق ولا كمان هتعمل معايا زي أحمد.
شفيق: لا يا أختي مش مش كده، بس عشان ابنك الصغير.
شهيرة: ما أنت رميت عيالك برضه، لكن أنا ابني مش هسيبه. وأنا خلاص مبقاش ليا عيشة في البيت ده خلاص.
استمع سليمان لحديث شهيرة واقترب منها وقال بحنو: ليه يا بنتي الكلام ده؟ هو حد فينا دس لك على طرف. أنا طول عمري بعاملك زي بناتي وأحسن كمان.
شهيرة: فعلاً يا عمي، بس الموضوع بعيد عنك خالص أنت ومرات عمي. أنا اللي عيشتي اتقطعت مع سفيان خلاص.
فجاءت ابتهال مسرعة: يا بنتي مش عشان كلمتين قالهم سفيان في غضب هتمشي وتسيبى بيتك. ياما بيحصل في البيوت يا بنتي والست الشاطرة هي اللي تحافظ على بيتها ومتخليش الشيطان يضحك عليها كده. هدي نفسك واخزي الشيطان.
شهيرة ببكاء: لا يا مرات عمي، يستحيل أقعد مع سفيان بعد اللي قالوا.
ابتهال: معلش يا بنتي، لحظة غضب وأنا هناديه من جوه، أنا عارفة سفيان بيحبك قد إيه ويستحيل يسيبك تمشي أبداً، ده روحه فيكِ يا بنتي.
ثم أسرعت له بالداخل فوجدته متسطحاً على تخت أبيه.
فقالت له: أنت مريح هنا على سرير أبوك ولا حاسس باللي بيجرى بره. مراتك عايزة تسيب البيت وتروح مع شفيق، من اللي عملته فيها. أنا مش عارفة جرالك إيه يا ابني، ده أنت مكنتش بطيق عليها نسمة الهوا حتى، ليه أهنتها كده. قوم تلحقها بره قبل ما تمشي.
فزفر سفيان بضيق وقال: خليها تمشي واستريح أنا من وشها اللي يسد النفس ده. دي عيشة تقصر العمر، خليها تغور في ستين داهية وأنا هشوفلي عروسة حلوة وصغيرة تدلعني.
فغضبت ابتهال وامسكته من تلابيب قميصه قائلة: لا يستحيل تكون أنت ابني سفيان اللي أعرفه اللي بيموت في مراته وبيتمنالها الرضا ترضى. أكيد حد منه لله بص لكم يا ابني، آه دي عين أكيد. لا حول ولا قوة إلا بالله. قوم يا ابني واستعين بالله من الشيطان الرجيم وروحلها واعتذر لها وخليها تطلع ببيتها.
فقام سفيان ووقف على باب الحجرة وقال بصوت عالٍ غاضب: خليها تغور في ستين داهية، أنا خلاص كرهتها.
استمعت شهيرة إلى حديثه المهين فشعرت أن قدميها تحولت لهلام ولا تستطيع الوقوف عليها وكادت أن تسقط من الصدمة لولا يد أحمد التي أمسكت بها.
أحمد بذعر: مالك يا حبيبتي، اقعدي شوية وهروح أجيب لك دكتور.
شهيرة ببكاء: لا أنا عايزة أطلع من هنا، حاسة إني مخنوقة. ساندني بس لغاية بره وشفيق يكمل ويوديني عند ماما.
فحدث نفسه شفيق: يا دي الليلة اللي مش فايتة وأمي هتشوفها كده داخلة بشنطة هدومها فهتكره أسماء أكتر وتوقف في الجوازة اللي مش عايزة تمشي دي.
في بيت آدم ووالدته المسنة.
أم آدم: بقولك إيه يا ابني، أنا هفاتح دلال في موضوع الجواز. الموضوع طول وأنت كل يوم متردد، خليني أفرح بيك يا ابني وأشيل عوضك قبل ما أموت وصدقني البنت كويسة أوي.
آدم: هي فعلاً كويسة يا أمي وأنا منكرش إني ميال ليها بس بعد ما عرفت إن أمها ماتت في السجن. الموضوع ده مخليني أتردد شوية، إزاي أتجوز واحدة أمها رد سجون وماتت فيه كمان.
أم آدم: يا ابني حرام عليك، متقولش كده. هي أمها لا سمح الله دخلت السجن عشان كانت بتسرق ولا استغفر الله العظيم حاجة وحشة، دي كانت بتدافع عن عرض بنتها، فحاجة نفتخر بيها مش نزعل منها يا آدم.
آدم بتروي: اللي تشوفيه يا ست الكل ويريحك.
أم آدم: ربنا يريح قلبك يا ضنايا والنهاردة هتكون قراية فتحتك عليها بإذن الله.
لتأتي دلال بعد مضي فترة من الوقت في معادها اليومي المعتاد قبل خروج آدم إلى العمل.
ففتح لها آدم ورحب بها بتودد زائد وقال بعيون تقطر حباً لم يعد بإمكانه أن يخفيه أكثر من ذلك: وحشتيني.
توترت دلال وشعرت بتجمد أطرافها لوهلة وفتحت فمها بصدمة وقالت: أستاذ آدم حضرتك بتكلمني أنا؟
فابتسم آدم وقال بخفوت: آه بكلمك إنتِ يا حرمنا المصون المستقبلية بإذن الله.
طالعته دلال بصدمة وتعالت نبضات قلبها بشدة وكادت أن تهلك وهي تراه قد جثا على ركبتيه أمامها وأخرج علبة بها خاتم كان قد ابتاعه منذ فترة من أجل تلك اللحظة. وقال: تجوزيني يا دلال.
رواية دلال و الشيخ الفصل السادس عشر 16 - بقلم شيماء سعيد
لم تصدق دلال ما يفعله آدم معها، وتساءلت: لماذا؟ فهو شاب شديد الطباع وصارم نوعًا ما معها، فكيف تبدل حاله هكذا فجأة؟ وما سر تلك النظرات التي في عينيه ولم تعهدها عليه من قبل؟ هل أحبها حقًا؟ ولكن متى؟ وما عساها أن تفعل الآن؟ هل توافق، ويضيع عليها حلم الارتباط بمن تمنته في أحلامها؟ أم ترفض نعمة أكرمها الله بها من أجل حلم تعلم جيدًا أنه بعيد المنال؟
فتأوهت بصمت: "آه يا مولانا لو بس أضمن ولو واحد في المية إني شغلت عقلك وقلبك زي ما أنت شاغل عقلي وقلبي، كنت أستناك ولو لآخر العمر. لكن أنا عارفة كويس إنه لا يمكن أكون على بالك، أنت فين وأنا فين بس. أنت عايز ملاك زيك وأنا..."
ليخرجها من شرودها آدم بصوته الرجولي الخشن:
"ها، قولتي إيه يا دلال؟"
فحاولت دلال ترطيب جوفها الذي جف من الصدمة والتحدث، ولكن باغتتها كلمة والدة آدم:
"متكسفهاش بقى يا آدم، ما أنت عارف السكوت علامة الرضا."
ثم أطلقت زغرودة وقالت:
"تعالى في حضني يا مرات ابني الغالية."
فتأثرت دلال، وقد تزايدت نبضات قلبها، ومع كل خطوة كانت تتخيل أحمد أمامها يطالعها ويبتسم لها، فابتسمت دلال لا إراديًا. ففرح آدم وظن أنها تبادله نفس الشعور وفرحت بعرض الزواج.
أحمد: "دلال يا فرحة أيامي الجاية ويا عمري اللي ابتدى من يوم ما شوفتك. بحبك يا دلال."
فابتسمت دلال وأخذت تهمس: "وأنا بحبك يا مولانا. أحمد، أحمد. أنت فين بس يا أحمد."
ثم وجدت أم آدم تحتضنها بحب قائلة:
"ألف مبروك يا بنتي، ربنا يسعدكم ويتمم بخير."
ثم ابتعدت قليلا عنها واستطردت:
"حبيبتي يا دلال، متتصوريش أنا فرحانة قد إيه بيكي. وحسيت النهاردة إن ربنا مش بس رزقني آدم، لأ رزقني بنت كمان حلوة اسمها دلال. وبتمنى اليوم اللي أشيل فيه ولادكم."
"وإن شاء الله مش هيطول، هو شهر واحد بس نجدد بيه الشقة وتشترى اللي يعجبك ونجوز."
فجحظت عين دلال مرددة:
"شهر؟!"
فطالعها آدم بعشق وقال:
"كتير صح؟ أنا أصلا رأيي، أروح أجيب المأذون دلوقتي ونتجوز ونبقى نجدد على مهلنا."
فاخفضت دلال رأسها وهمست:
"الحقني يا مولانا. أنا بضيع منك، يا كل عمري، وكل كُلي، وفرحة أيامي."
وفي تلك اللحظة، في مكان آخر، عند أحمد عندما كان في طريقه للخروج لمباشرة أعماله، شعر بنغصة تجتاح قلبه. حتى أنه وضع يده على قلبه وأغمض عينيه وهمس دون شعور:
"دلال يا ترى فين أراضيكِ وعاملة إيه؟ مش عارف ليه قلبي وجعني، يمكن عشان عارف إنك مجرد حلم مكنش ينفع إني أحلمه أو أفكر فيه. واديني في النهاية هاخد أشجان اللي كانت آخر واحدة ممكن أفكر فيها. لكن في النهاية كل قضاء ربنا رحمة حتى لو مش شيفنها. بس أتمنى يا دلال إنك تكوني في حال غير الحال اللي شوفتك عليه، وصدقيني أنا على العهد وبدعيلك ديما."
شهقت زينب عندما وجدت شهيرة تدخل عليها وبيدها حقيبة ملابسها وعيناها قد تلونت بالحمرة من كثرة البكاء. وبجانبها شفيق يزفر من الضيق.
فقالت باستفهام:
"مالك يا بت، وإيه الشنطة دي؟"
ثم همست:
"يكونش جوزها عرف أن شفيق خلاص مش عايز أخته، قلب عليها اللي ما يتسمى وقال وحدة بوحدة. بس ماشي مش مشكلة، المهم إنه حصل وساب البت القرشانة دي. وأنا هعرف إزاي أجيبه على وشه ابن ابتهال تاني."
فزفر شفيق بضيق قائلا:
"بتك عندك أهي يا حجة، عقليها عشان ترجع لجوزها."
فصرخت شهيرة:
"انت بتقول إيه يا شفيق؟ عايزني أرجع ليه إزاي بعد ما سمعت بودانك أنه مش عايزني؟ وسابني أمشي ولا كأنه يعرفني."
امتعض شفيق قائلا:
"لحظة شيطان يا شهيرة، متكبريش المواضيع، وأكيد هيراجع نفسه. أهه خصوصًا إني مش عايز مشاكل مع أبو نسب عشان تكمل جوازتي من أسماء الحب يا بت."
احتقنت الدماء في جسد شهيرة فصاحت:
"آه أنت كل همك ست الحسن والجمال وأنا أختك من لحمك ودمك مهمكش في حاجة."
وهنا ضربت زينب على صدرها بقوة وقالت:
"جوزتك؟ تاني يا شفيق عايز تجوز الحرباية دي؟"
شفيق بتصميم:
"أيوة بحبها وهتجوزها ومحدش ليه عندي حاجة."
تجمدت الدماء في أوصال زينب وأزرق وجهها وهمست:
"إزاي لسه؟ يعني العمل معملش حاجة. آه يا حرقة الدم وديني لآخد فلوسي من حباب عينيكِ يا ثريا."
ثم أشار شفيق لشهيرة بقوله:
"بقولك إيه يا شهيرة، روّقي كده وانسى وأنا عارف سفيان طيب وابن حلال وهييجي يرجعك بنفسه."
ثم أمسك شفيق برأسه وقال:
"مش عارف إيه الصداع اللي مسكني من الصبح ده. ما تدخلي يا شهيرة تعمليلي فنجان قهوة بدل اللي شربته مني جوزك."
وهنا جحظت عين زينب ووضعت يدها على رأسها عندما أيقنت أن ما فعله سفيان كانت نتيجة شرب القهوة الذي وضعت به النقاط.
فهمست:
"يا ميلة بختك يا زينب، العمل جه من نصيب بتك وهتقعد في أربيزك وكمان هتيجي بت ابتهال تكمل عليه. أعمل إيه دلوقتي؟ هي دي آخرتها مهو الطيب كده في الزمن ده. بس لازم أكلم الست تشوفلي صرفة تبطل العمل المهبب ده، والبت ترجع لجوزها، أنا مش ناقصة خوتة. المهم عندي شفيق وبس."
تفاقم الغضب في قلب سليمان مما فعله سفيان مع زوجته وابنة عمه، فولج إليه، فوجده على فراشه يتألم وممسك ببطنه ويتصبب عرقًا. ففزع واقترب منه ووضع يده على كتفه وقال بحنو:
"إيه يا ابني مالك، حاسس بإيه؟"
سفيان بألم:
"مش عارف يا حاج، من بدري عندي مغص وبيزيد لغاية ما حاسس بطني بتتقطع من جوه."
سليمان:
"سلامتك يا ابني، ألف سلامة. هخلي أمك تغليلك شوية كمون يريحوك على طول. بس أنا زعلان منك أوي يا سفيان على اللي عملته في بنت عمك، وخرجتها من بيتها قلبها مكسور كده."
عقد سفيان حاجبيه وقال بضيق:
"بس يا حاج، متجبليش سيرتها، أنا مش طايقها، ويمكن وشها العكر ده هو اللي جايبلي المغص."
فضرب سليمان كفًا بكف وحوقل:
"لا حول ولا قوة إلا بالله. أنت فيك إيه يا ابني؟ قلبي حاسس إنك مش طبيعي، لإني عارف إنك بتعشق بنت عمك وعمرك ما زعلتها أبدًا، تقوم فجأة كده تقول مش عايزها وكرهتها. لا ده أمر ميسكتش عليه أبدًا. قوللي يا ابني أنت شربت ولا أكلت إيه النهاردة ومن إيد مين؟"
سفيان:
"أنا ما أكلتش حاجة من الصبح، هو بس فنجان قهوة عزمني بيه شفيق عليه، وكان بتاعه أصلًا جاي بيه من بيتهم."
فاتسعت عين سليمان وحرك شفتيه باسم زينب.
"كده فهمت كان قصدها إيه."
فظهر على وجهه الألم وقال:
"مفيش فايدة فيكِ يا زينب، عمرك ما هتتغيري أبدًا والشر ماليكِ من ساسك لراسِك. وسبحان الله كنت عايزة تصيبى ابنك عشان يكره أسماء أكيد، أه عشان عارفة إنها مش طيبة وهبلة زي أشجان وأنهار وطالعة قوية تشبهك. جت في سفيان وكره بنتك يعني سبحان الله (ويمكرون ويمكر الله وهو خير الماكرين). بس أنا صعبان عليا شهيرة غلبانة زي أشجان بالظبط، ومتستاهلش كده. عشان كده لازم أتصرف وأكلم الشيخ مسعود، هو بيفهم في الحاجات دي."
رن جرس الباب لدى آدم، فزفر بضيق قائلا:
"مين اللي جاي السعادي بس، ده أنا مصدقت خلاص أخيرًا خطبتها ومحتاج أقرب منها وأتكلم معاها شوية."
والدة آدم:
"شوف مين يا آدم على الباب، ولو إني حاسة إنه إبراهيم هو اللي بيحط إيده على الجرس كده زي العيال الصغيرة ميشيلهوش."
آدم بنفور:
"إبراهيم ده إنسان غتت أوي، مش عارف خالتي مستحملاه إزاي."
والدة آدم:
"عيب يا ابني تقول على ابن خالتك كده، وأسرع يلا افتح الباب."
فتسارعت دلال بقولها:
"هقوم أنا أفتحه يا ماما الحجة."
وعندما همت للوقوف، استوقفها آدم بغضب:
"خليكِ عندك، رايحة فين؟ أنا مش عايزك تتعاملي خالص مع الإنسان السفيه ده ولا تكلميه، أنتِ فاهمة؟"
فتجمدت دلال في مكانها وأومأت برأسها وقالت:
"فاهمة يا آدم بيه."
فامتعض آدم وأحس بالذنب لأنه فزعت منه وعمل ذلك حاجز بينهم لدرجة أنها تناديه بـ "آدم بيه"، وهو الذي كان يريد أن يقترب منها أكثر. فسخط على إبراهيم وذهب ليفتح الباب ليرى ابتسامته السمجة فقال:
"أهلاً."
إبراهيم بمرح:
"أهلاً بيه طبعًا في أي وقت مش كده ولا إيه يا باشمهندس؟"
آدم:
"آه طبعًا اتفضل."
إبراهيم:
"أنا قولت أجي أونسكم شوية وأسلم على خالتي وبالمرة أفطر معاكم."
أطبق آدم على شفتيه بغيظ ليستمع إلى صوت والدته:
"تعالى يا إبراهيم، ده أنت جيت في وقتك."
فولج إليها إبراهيم ولكن عيناه كانت على دلال، فأخذ يحدق بها من أول رأسها حتى أخمص قدميها بإعجاب وهمس:
"يخربيت جمالك، مفكيش غلطة وكأنك خدتي الجمال لوحدك. وصراحة هموت عليكِ، بس إزاي أوصلك وأنتِ مكتفة كده بين خالتي وآدم، بس لازم أتصرف. يستحيل الجمال ده يكون لغيري، لازم تكوني لي في أقرب وقت."
ثم توجه إلى خالته وقبل يدها قائلا:
"حبيبتي يا خالتو، والله أنتِ الوحيدة اللي مقدراني عشان كده بحب أجي أقعد معاكي."
والدة آدم:
"وأنا بحبك يا ابني، ويلا بارك لأخوك آدم وأختك دلال على الخطوبة."
فاتسعت عين إبراهيم وقال بجمود:
"خطوبة بالسرعة دي؟"
آدم:
"آه، عند حضرتك مانع؟"
إبراهيم:
"لا، ألف مبروك ربنا يتمم بخير."
والدة آدم:
"عقبالك يا حبيبي."
إبراهيم:
"يارب، بس لازم تكون حاجة حلوة كده زي دلال."
فصاح آدم بغضب:
"إبراهيم، ألزم حدودك."
فاصطنع إبراهيم البرود رغم أنه من الداخل يتآكل وهمس:
"عايز تكوش على كل حاجة يا آدم، الناس بتحبك وشغال وظيفة محترمة وأم بتقدرك مش زي حالاتي، ديما تكدر فيه وتستهزء بيه وكمان عايز تجوز حتة الجاتوه دي، لا أنا لازم آخدها منك الأول وأقهرك عليها ولو عايزها مستعملة بعد كده مفيش مانع."
ثم ابتسم وقال بمداعبة:
"أنا ملتزم أهو بالحتة الواقف فيها، متحركتش يا هندسة بره حدودي زي ما بتقول، بس لو ممكن أتزحزح شوية وأقعد على الكنبة وأريح يبقى كتر خيرك. وإيه مش هتفطرونا ولا إيه؟"
والدة آدم:
"حالا يا ابني."
ثم أشارت إلى دلال وقالت بحنو:
"ادخلي يا حبيبتي حضري فطار من ايديكِ الحلوة دي."
فاومأت دلال برأسها واتجهت مسرعة نحو المطبخ وتركت آدم الذي تحول إلى جمرة نار مشتعلة تكاد تحرق كل ما حولها من فرط الغيرة. ولكنه لم يتوقف على هذا وتبعها إلى المطبخ واقترب منها حتى شعرت بأنفاسه الحارة تلفح عنقها.
فالتفتت تناظره بجمود وهي تبتعد عنه بقدر الإمكان:
"فيه حاجة يا باشمهندس؟ محتاج حاجة معينة؟"
حدقها آدم بنظرات عشق وقال بخفوت:
"محتاجك أنتِ يا دلال. ومش عايزك تزعلي مني بسبب أسلوبي الحاد شوية، بس غصب عني مش طايق حد يبصلك أو يكلم معاكِ، فاستحمليني. ويا ريت متطلعيش طول ما البني آدم ده هنا. أنتِ مش شايفة بيبصلك إزاي؟"
حاولت دلال اصطناع الهدوء رغم النار التي بداخلها، فهي تريد الصراخ بأعلى صوتها لتقول:
"أنا مش شايفة أصلا ولا شايفة حد، أنا مش عايزة غير أحمد، أنت فين بس يا مولانا؟ أرجوك أظهر وانجدني منهم، أنا مش عايزة غيرك من الدنيا."
ولكنها استطردت بهدوء:
"ماشي يا باشمهندس، زي ما تحب."
ثم التفتت لتكمل إعداد طعام الإفطار قائلة:
"ثواني وهيكون الأكل جاهز، تقدر حضرتك تاخده وتخرج بيه."
امتعض آدم من جديتها في الحديث معه، فوجد نفسه يجذبها من يدها لتصطدم بصدره العريض قائلا بخفوت:
"أنا آدم بس يا دلال، من غير حضرتك أو باشمهندس."
خجلت دلال وافترشت بنظرها الأرض وابتعدت عنه مرددة:
"أرجوك ميصحش اللي بتعمله ده وقربك مني بالشكل ده غلط. من فضلك اخرج بره دلوقتي خليني أحضر الفطار ولما أخلص هنادي عليك."
جعد آدم حاجبيه وقال بصوت رجولي خشن:
"تنادي إيه؟ مش عايز اسمع صوته كمان. اتفضلي قدامي خلصي وأنا هستنى هنا هاخده منك."
فهمست دلال:
"لا ده شكله مجنون رسمي وهيتعبني، أنت فين بس يا مولانا."
لمع اسم أحمد في السوق وكون علاقات متينة من جهات مختلفة وأصبح الكثير يتمنى التعامل معه لما سمعوا عنه من دماثة خلقه ونجاحه. واستطاع امتلاك فيلا حديثة الطراز في مدينة الشيخ زايد وبجانبها فيلا صديقه شيكو.
الذي وضع يديه على كتفه قائلا:
"وبعدين يا مولانا، كل حاجة بقت وربنا وسع علينا من كلنا، لكن لسه البال محتار وبأسأل نفسي الفيلا الطويلة العريضة دي إمتى الجماعة هينوروها ويملوها عيال وأكون بقى أبو العيال. وأنت يا عيني عليك هتاخد واحدة مش على هواك وجاهزة بالعيال كمان. يعني هتربي في غير ولدك، ده مرار طافح يا خويا. إمتى هنفرح من قلبنا."
أطلق أحمد زفيرًا حارًا وأخذ يتمتم:
"كل أمر ربنا خير يا شيكو. واللي شايفه مش على هوانا ده أكيد خير بس إحنا مش شايفينه دلوقتي وأكيد ربنا ليه حكمة في كده وهنعرفها مع الوقت."
شيكو:
"عارف يا صاحبي بس القلب نعمل فيه إيه؟"
فوضع أحمد يده على قلبه الذي نبض باسم دلال وابتسم لتذكره مشاكساتها ونظراتها الجريئة له. وقال:
"الحمد لله إن اللي في القلب محدش شايفه ولا حاسس بيه غيرنا، وإلا كنا اتفضحنا. فخليه في القلب لربنا وهو وحده قادر يداويه."
شيكو:
"مش قادر يا أحمد، وأنا كل يوم بشوفها قصادي ومش طايلها قلبي بيتعذب، وهي طور بعيد عنك ولا همها. مع إني دلوقتي أقدر أتزوج بدل الوحدة أربعة وأقهر قلبها، بس مش قادر أو مش شايف غيرها."
ابتسم أحمد واستطرد:
"كل شيء بآوانه، ومعلش اعذرها في رقبتها مسؤولية متقدرش تتخلى عنها."
شيكو:
"ما قولتلها أشيل عنك بس هي راسها والف سيف إنها تشيل شيلتها لوحدها."
أحمد:
"والله البنت دي بمية راجل وجدعة وتستاهل إنك تصبر عشانها."
امتعض شيكو وقال بمرح كعادته:
"هصبر لحد إمتى ده أنا خلاص ريحتي طلعت، والقلب داب."
فضحك أحمد:
"لا ده أنت حالتك صعبة أوي يا صاحبي."
شيكو:
"أوي أوي، منك لله ياللي تنشك."
أحضر سليمان الشيخ إلى سفيان الذي أدرك أنه تعرض لسحر مأكول. فقرأ عليه بعض الآيات على كوب من الماء ثم شربه سفيان ليشعر بغثيان أدى إلى تقيؤ ما في بطنه، فمكث في المرحاض بضعًا من الوقت. ثم خرج يعلو وجهه ابتسامة قائلا:
"الحمد لله، ده أنا كنت حاسس إني هموت وفيه حاجة طبقة على صدري و بطني بتغلي."
فابتسم الشيخ وحمد الله أنه كان سببًا في شفائه.
سفيان:
"طيب بعد إذنكم يا جماعة، أنا طالع لمراتي وهنزل الولد لماما عشان خارجين أنا وهي مشوار ساعتين زمن."
فابتسم سليمان وقال بمكر:
"فين المشوار ده يا سفيان؟"
سفيان بخجل:
"هو أنا لازم أجاوب يا حاج؟"
فضحك سليمان:
"لا، مش لازم، بس مراتك مش فوق يا سفيان."
سفيان بتعجب ممزوج بالغضب:
"راحت فين من غير ما تقول لي؟"
اندهشت ابتهال من سؤاله:
"أنت يا ابني مش حاسس عملت إيه؟ معقول تكون نسيت بالسرعة دي؟"
فاستطرد الشيخ بإيضاح:
"اعذريه يا ست أم سفيان، هو مكنش مدرك بيعمل إيه ودلوقتي فاق. فكلموه بهدوء كده عشان يعرف هيعمل إيه معاها وربنا يهدي سرهم ويسعدهم."
واستأذن أنا، يلا السلام عليكم.
فردد الجميع:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
طالعهم سفيان بدهشة قائلا:
"هو فيه إيه؟ أنا مش فاهم حاجة."
ابتهال:
"اقعد يا سفيان عشان أقولك اللي عملته في المسكينة مراتك وشوف هتصلحها إزاي."
فجلس سفيان متوتر يضع يده على قلبه، وأخذت تقص عليه ابتهال ما حدث. فانفعل سفيان ووقف وقال بعدم تصديق:
"أنا قولت كده لشهيرة؟ إزاي؟ دي حياتي كلها وقلبي اللي عايش بيه. لا يستحيل لساني يقول حاجة تزعلها، ده أنا عمري ما عملتها."
ابتهال:
"ما أنت يا ضنايا مكنتش في وعيك، والمقصود بالسحر ده شفيق عشان يكره أسماء، بس النصيب جت فيك."
فردد سفيان:
"لا حول ولا قوة إلا بالله. طيب أقولها إيه دلوقتي؟ منك لله يا مرات عمي. ده أنا مهما أقول مش هقدر أداوي كسرة قلبها وهي ماشية دموعها على خدها مني."
فقامت ابتهال ووضعت يدها على كتفه قائلة:
"متحملش نفسك ذنب يا ابني، أنت كنت مش في وعيك، وبكلمتين حلوين هتلين قلبها وأنا واثقة إنها هتسامح عشان قلبها طيب وبتحبك."
سفيان:
"ياريت يا أمي. أنا رايح ليها دلوقتي."
ابتهال:
"وأنا مستنية الغالي ابن الغالي، وأنت خدها مشواركم انبسطوا براحتكم."
فرفع سفيان يد والدته وقبلها وقال بامتنان:
"مش عارف من غيرك يا أمي كنت عملت إيه، ربنا يخليكي يا غالية."
ثم تركها وذهب مسرعًا لحبيبة قلبه شهيرة.
وكانت في ذلك الوقت شهيرة قد انتهت من طعام الغداء مع أنهار التي حاولت بكل الطرق أن تخفف عنها حزنها فقالت:
"أنا مش مصدقة إن أخويا سفيان يعمل كده يا شهيرة، ده بيحبك أوي وبيتمنالك الرضا."
شهيرة والدموع في عينيها:
"اظهر الحب عنده خلص يا أنهار، ولا ممكن يكون كان تمثيل ورجع لطبيعته؟ أنا عمري مهسامحه أبدًا."
أنهار:
"لا متقوليش كده يا حبيبتي، وسبيلى أنا الموضوع ده، أنا هكلمه."
شهيرة:
"لا يا أنهار، لو بتحبيني بجد وأنا فعلاً عندك زي أسماء وأشجان، متكلميهوش. أنا مش هشحت منه الحب والحنية."
أنهار:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يهديك يا أخويا ويرجعلك عقلك."
شهيرة بحزن:
"اقفلي على الموضوع ده يا أنهار، ودلوقتي أنا خلصت الأكل هاخده لأمي وأنتِ اغرفي لجوزك وبنتك."
ثم ذهبت به إلى والدتها. وعندما اقتربت من الباب سمعتها تتحدث عبر الهاتف:
"يعني إيه يا ولية؟ أنتِ متعرفيش تفكي السحر، أمال تعرفي تعمليه بس. بقولك جه في البت مش في ابني والبت دي هيتخرب بيتها وهتقعد جنبي."
فاتسعت عينيها بصدمة وارتجفت يدها فوقعت صينية الطعام منها، فصاحت زينب بفزع:
"إيه اللي وقع بره يا معدولة؟ من أولها كده، لا أنا مش هستحمل. فعاد البت الهبلة دي هنا."
لتنهمر دموع شهيرة على وجنتيها من القهر ثم انحنت تلملم الطعام، ليعلن صوت رنين الباب عن مجيء زائر. فأسرعت لتفتح لتجده سفيان أمامها.
سفيان بنظرة عشق:
"شهيرة حبيبة القلب وضى العين، سامحيني يا حبيبتي، وصدقيني اللي حصل كان..."
ولم يتم كلمته وتفاجأت بها تلقي بنفسها بين أحضانه وتبكي قائلة بنحيب:
"أنا عرفت كل حاجة يا سفيان. عشان سمعتها بتتكلم مع الست اللي عملت السحر في التليفون، ربنا يسامحها."
فشدد سفيان من احتضانها وهمس:
"اهدّي يا حبيبتي."
شهيرة من بين شهقاتها:
"خدني من هنا يا سفيان، أرجوك أنا مخنوقة أوي. أنا هنا عمري ما حسيت إنه بيتي، بيتي وحياتي كلها معاك."
سفيان:
"وأنا حياتي متنفعش من غيرك. بس ثواني عقبال ما تحضري حاجتك وتجيبي الولد، هدخل للست أمك."
فأمسكت شهيرة بذراعه قائلة:
"بلاش يا سفيان، الكلام ملهوش أي فايدة معاها، مفيش في إيديا غير الدعاء لإنها مهما كان أمي."
سفيان:
"على الأقل تعرف إن السحر ربنا شاله ورجعت أخدك."
فاومأت شهيرة برأسها.
فولج للداخل وقال بصوت عالٍ أمام غرفتها:
"دستور يا مرات عمي."
فزفرت زينب بضيق وصاحت:
"جاي ليه يا ابن ابتهال، مش كفايك اللي عملته في البت، ده آخرتها آه ما العرق دساس وأنت ابن..."
فاقتحم سفيان عليها الغرفة وقال وعيناه تطلق شرارًا:
"لو كملتي مش همشي غير وأنا واخد روحك بإيدي. لكن أنا عشان ابن أصول صابر عليكِ لغاية ما ربنا يسترد أمانته وهو هيحاسبك على ماضيكِ الو... سخ، يا شيخة اتقي ربنا شوية ده أنتِ رجلك والقبر ومفيش فايدة فيكِ جبروت."
رفعت زينب حاجبيها بدهشة من جرأته عليها وقالت بإنفعال:
"هي حصلت بتهددني يا ابن ابتهال؟ وديني لأخلي شفيق يعلمك الأدب والبت تطلقها ومش عايزة أشوف وشك هنا تاني."
سفيان:
"لا يمكن أسيب مراتي وأنا جاي عشان آخدها. آه صح نسيت أقولك، ما هو السحر اللي كنتِ قاصدة بيه شفيق جه فيه بس ربنا كبير واتفك عشان عالم بحالي. وعايز كمان أقولك انسى من النهاردة إن عندك بنت اسمها شهيرة خالص، مش هخليها تعتب باب بيتك تاني عشان متستاهليهاش. بس هجبلك بدالها أسماء."
ثم ضحك بانتصار وغادر.
لتصبح زينب بغيظ وخوف:
"لااا البت دي لااا. أعمل إيه فيك يا شفيق عشان تسيب البت دي."
انتظر شفيق مرور الشهر بفارغ الصبر، ومع كل يوم يمر تزداد فرحته بأنه على وشك امتلاك صغيرته التي بدلت حاله وأصبح عاشقًا متيمًا لها، ينفذ كل ما تأمره به دون نقاش.
أما أسماء فامتلك الحزن قلبها، شفيق ليس فتى أحلامها الذي كانت تحلم به، فهي لا تحبه بل تكرهه وتشعر كلما دنا موعد زفافها عليه أنها قد اقتربت من الموت. نعم سيدفن قلبها في ذلك اليوم، لذا أقسمت أن تجعله يندم على ما فعله بها لكي يجبرها على الزواج منه.
وليس حال زينب بأحسن منها بل أشد حزنًا بعد أن شعرت أن هيبتها ومكانتها قد اهتزت في قلب شفيق وستسيطر عليه تلك الشيطانة الصغيرة. فما عساها أن تفعل بها؟
رواية دلال و الشيخ الفصل السابع عشر 17 - بقلم شيماء سعيد
أبلغ ما قيل في الظلم هو ما قاله سعيد بن جبير للحجاج حين قتله: "تُفسد عليَّ دنياي وأُفسد عليك آخرتك".
جلست عفاف والدة تميم تحدث نفسها بصوت مسموع، فولج إليها تميم وسمعها تهمس، فأقبل إليها ثم قبل جبينها قائلًا بحنو:
"ايه مالك يا ست الكل بتكلمي نفسك ليه كده؟ فيه حاجة مزعلاكي، الست شمس تعبتك النهاردة؟"
خرجت عفاف من شرودها وأجابت:
"يا ريت كل التعب في خدمة الناس اللي على الله دول يا ابني، ده أنا حاسة لو ربنا كرمني بالجنة هيكون عشان خاطرها، وربنا يديني العمر والصحة عشان أقدر أخدمها لغاية ما تقابل وجه كريم."
فابتسم تميم واستطرد:
"أمال مالك يا حبيبتي؟"
حمحمت عفاف بحرج وقالت:
"مش قادرة أستوعب اللي سمعته من الست أم إحسان يا ابني."
قطّب تميم جبينه قائلًا:
"مالها قالت إيه؟ ما أنا عارفها الست دي مش بتسيب حد في حاله أبدًا."
عفاف بسخط:
"أيوه عندك حق، بس المرة دي صراحة كانت بتتكلم وهي زعلانة من اللي حصل."
عقد تميم حاجبيه وقال بتوتر:
"قلقتيني يا أمي، قالت إيه الست دي؟"
نظفت عفاف حنجرتها وقالت بحرج:
"بتقول يا ابني، إن شفيق ابن خالك هيكتب على أسماء الليلة بعد ما خلصت عدة أشجان إمبارح. وكمان إيه مش هتصدق، أحمد كمان هيتجوز أشجان بس ما قلتش إمتى بالضبط."
نزل الخبر على تميم كالصاعقة، حتى إنه لم يتحمل الوقوف وعاد بظهره حتى وصل إلى المقعد وألقى بجسده عليه. ووضع يده على رأسه وقال بألم يفتك بجوارحه:
"شفيق!! ليه وإزاي يا أسماء؟ أنا فكرت ممكن يكون أحمد وقولت القلب وما يريد، لكن شفيق ليه؟ ليه؟ أنا مش مصدق اللي سمعته ده، يستحيل."
حزنت عفاف من أجل فلذة كبدها وولدها الوحيد، فحاولت أن تخفف عنه بقولها:
"شفيق ولا غيره يا ابني، هي حرة، ولا أنت لسه بتفكر فيها؟ مش كنا نهينا الموضوع ده؟"
لم يستمع تميم إلى كلمات والدته وأسرع إلى غرفته وأخرج هاتفه واتصل بها.
استمعت أسماء إلى رنين هاتفها وظنت في البداية إنه شفيق فزفرت بضيق، ولكن عندما رأت اسم تميم يضيء الشاشة فدق قلبها بشدة وتنهدت بغصة مريرة وقالت بندم:
"خسرتك يا تميم، يا ريتني كنت رضيت بيك، أحسن من الهم اللي أنا فيه ده. ودلوقتي أرد عليه ولا مالهوش لزوم وخلاص النصيب غلّاب؟ ولا أقولك أرد عليه وأسمع صوته ولو لآخر مرة."
فاستجابت قائلة:
"تميم إزيك؟"
تصدعت كل حصون تميم عند سماع صوتها، فأجهش بحزن:
"قولي لي إنه مش حقيقي يا أسماء، أرجوكي. قولي إنك مش هتتجوزي شفيق، أنا مش مصدق."
حدثت أسماء نفسها بمرارة ودموعها تنهمر على وجنتيها كالشلال:
"أنا ذات نفسي مش مصدقة يا تميم."
ثم جاهدت لتخرج صوتها المكلوم:
"كل واحد بياخد نصيبه يا تميم، وده قدري. وعشان كده بقولك إنساني خلاص وهدعيلك ربنا يكرمك باللي أحسن مني."
تميم بقهر:
"شفيق يا أسماء؟ ده أنا كان ممكن أسامحك في أي حد غيره، لكن هو مش ممكن أسامحك أبدًا أبدًا."
ثم أغلق في وجهها الخط، لتجهش في البكاء ندمًا على حب طفولتها.
وظلت هكذا لبضع دقائق، استمعت إلى صوت رسالة من شفيق يقول بها:
"أنا جاي لك في الطريق يا سمسمة قلبي، بحبك يا قمري ومشتاق أشوفك في فستان الفرح."
فزفرت أسماء بضيق وقالت:
"إلهي تتعمي يا شيخ."
ثم اتجهت إلى المرحاض لغسل وجهها من أثر البكاء، واستعدت أسماء لتُزف إلى شفيق دون فرح كما اشترط عليه والدها على رغبة منها في ذلك، فكيف تفرح وقلبها قد مات في تلك الليلة؟ بل والأدهى إنها قد تجهزت بفستان أسود اللون حدادًا على روحها.
ولكن عندما رأتها والدتها على هذا النحو ضربت صدرها وقالت بصراخ:
"إيه اللي أنتي لابساه ده يا أسماء؟! دي ليلة فرحك يا بنتي تلبسي أسود؟ فين فستانك اللي جابهولك شفيق؟"
فلمعت عين أسماء بالدموع وجاهدت لإخراج صوتها المتقطع:
"ده أنا هلبسه في في خرجته إن شاء الله. لكن في دخلته دلوقتي ما يليقش عليه غير الأسود."
فبكت والدتها وتقدمت منها واحتضنتها بحب قائلة:
"يا عيني عليكِ يا بنتي، قلبي بيتقطع عليكي، بس أعمل إيه نصيبك كده. بس كل اللي أقدر أقوله إنك تعيشي وخلاص واعرفي كويس أن قليل يا بنتي اللي عايش في الدنيا دي مبسوط، والغالب أن الناس عايشة متكدرة بس صابرة عشان العوض في الجنة."
ثم ابتعدت عنها واستطردت بحزن:
"أنا عارفة إن شفيق ظالم وقاسي وفيه كل العبر، بس رغم ده كله بيحبك يا بنتي وأنتِ ممكن تستغلي الحب ده فيه إنك تغيريه، وقادر ربنا يتغير ويكون إنسان كويس وساعتها يمكن تحبيه وتعيشي سعيدة يا بنتي، بس حاولي أنتِ وافتحي صفحة جديدة معاه وانسى اللي فات."
لم تعر أسماء كلمات والدتها اهتمامًا وأخرجت زفيرًا حارًا مليئًا بالهموم مرددة:
"أنسى!! أنسى إزاي كسرة نفسي وأحلامي اللي ضاعت نتيجة لحظة غدر منه؟ ده مش سرق شرفي وبس، ده سرق عمري كله. بس وجلال الله لأخليه يندم برضه العمر كله، وحتى لو اتغير يا أمي يستحيل أنسى اللي عمله فيه. أنا بكرهه، بكرهه."
ابتهال:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يفرجها من عنده يا بنتي. بس أرجوكي بلاش الفستان ده وإلبسي فستانك الأبيض، عشان لو أبوكِ شافك كده ممكن يحصله حاجة، ده هو مقهور لوحده. وشفيق كمان ممكن لسانه يطول وأخوكِ مش هيقدر يمسك نفسه وهيتعاركوا يا بنتي، فعلى إيه نقصر الشر أحسن. غيري يا بنتي ربنا يصلح حالك ويراضي قلبك."
فاستجابت أسماء على مضض وبدلت الفستان الأسود إلى الأبيض.
*****
وقف أحمد وسفيان أمام الغرفة ينتظران خروج أسماء لمباركة الزواج ولكي يسلمها سفيان إلى زوجها. وكانت من ورائهم أشجان وأنهار وشهيرة وقد ظهر على وجوههم الحزن وكأنهم سيشيعونها إلى مثواها الأخير. ولكن لم تخلو تعبيرات أشجان من بعض الفرح لرؤية حبيب الروح ومنية القلب أحمد، ولا تصدق إن زواجها منه قد اقترب هي الأخرى وتنتظر ذلك اليوم بفارغ الصبر.
لكي تستطيع النظر إليه متى شاءت، ولكن في ذات اللحظة عاد إليها شجونها وغزى الخوف قلبها أن لا يتقبلها كزوجة وأن يتمم زواجها فقط على الورق، فلا تستطيع أن تُلقي نفسها على صدره وتبوح بما أخفته نحوه من مشاعر دون حرج.
فهمست بمرارة:
"معقول يا أحمد نتجوز ونكون بعيد عن بعض؟ ما أقدرش ألمسك أو تاخدني في حضنك وأقولك قد إيه أنا بحبك واتمنيتك. مش قادرة أتخيل ده يحصل وإني ممكن أتعذب تاني حتى وهو حلالي ويكون بعيد عني. أنا على قد ما بتمنى اللحظة اللي أكون فيها على اسمه خايفة منه يحتقرني بنظرة أو يقرف مني. لا الإحساس ده هيكون بشع مش هقدر أتحمله. ده أنت حب عمري يا أحمد، وحلم اتمنيته سنين لغاية ما ربنا حققهولي عشان كان عالم بحالي وعالم قد إيه اتظلمت مع شفيق. وكتمت حبك في قلبي سنين لغاية ما آن الأوان أنه يظهر النور."
خرجت أشجان من شرودها على صوت شفيق العالي وقد ارتسمت الفرحة على معالم وجهه.
"ها يا جماعة عروستي جهزت ولا لسه؟"
فطالعه سفيان بجمود ولم يحدثه، ثم استأذن ودلف إلى غرفة العروس.
ابتسم سفيان لرؤية أسماء وحاول إخفاء الحزن الذي ينهش قلبه نحوها فقال:
"زي القمر يا سمسمة."
ثم اقترب منها واحتضنها بحب قائلًا:
"ربنا يسعدك يا حبيبتي."
فلم تتحمل أسماء وأجهشت بالبكاء الذي فتت قلب سفيان، فابتعد قائلًا:
"وبعدين مينفعش عروسة تعيط كده وتبوظ شكلها والعريس مستنيكي بره."
أسماء:
"مش قادرة يا أخويا غصب عني، سامحوني كلكم."
سفيان:
"المسامح ربنا يا حبيبتي، وده نصيبك فارضي بيه وهو صراحة بيحبك وده اللي مصبرني عليه وأكيد هيحاول يسعدك. يلا اضحكي كده، أوعى تبيني دموعك قدامه أو تحسسيه إنك ضعيفة عشان ما يجيش عليكي زي أشجان."
فابتسمت أسماء ابتسامة شيطانية لتردد:
"يبقى كتب بإيده شهادة موته. وعندك حق هضحك وهرمي الدنيا كلها ورا ضهري، لأن الحزن والدموع ما بقاش ليهم فايدة خلاص. يلا لقدر الله يا سفيان."
فخرج بها سفيان وعندما رآها شفيق حدق بها بفرحة قائلًا:
"الله أكبر إيه الحلاوة دي يا سمسمة؟ ده أنا الليلة أسعد إنسان في الدنيا."
فابتسمت له بشر وهي تتوعده بداخلها، ثم ألقت نظرة على أحمد سريعًا الذي همس بصوت خافت:
"مبارك يا أسماء."
فسارعت بطأطأة رأسها سريعًا خجلًا وهمست:
"الله يبارك في عمرك."
لتحدث نفسها:
"ده جزاتي إني اتبطرت على النعمة سواء أنت أو تميم. آه يا تميم، ده أنا طلعت نعمة كبيرة أوي وأنا ما حسيتش بها غير لما راحت مني. بتمنى لك السعادة العمر كله أما أنا فربنا يتولاني برحمته."
لتنزل دمعة ساخنة فرت من عينيها، ثم اتجهت مع شفيق نحو منزلهم.
*****
أخذت تدور زينب في منزلها يمينًا ويسارًا وحول نفسها لا تصدق أن تلك الحية الصغيرة ستكون زوجة ابنها المفضل لديها الذي كان كالرحى تقلبه كيف تشاء. أما الآن فلن تستطيع التأثير عليه بعد أن استحوذت عليه تلك الشيطانة الصغيرة. ولكن لا، لن تدعها تفعل ذلك وسينالها ما نال أختيها أشجان وأنهار بل أكثر. نعم ستكسر شوكتها ولن تدعها تناطحها ندًا بند.
لذا أردفت قائلة بصوت يشبه فحيح الأفعى:
"يا أنا يا أنتِ يا بت ابتهال وهنشوف مين اللي هيكسب في الآخر."
ثم أخذت تناظرهم من الشرفة حتى لمحت مجيئهم، فأسرعت وفتحت الباب وقامت بمد ذراعها على الباب. وعندما أقبلوا إليها وقفت أسماء تطالعها بجمود، أما شفيق فحاول كتم غيظه وقال:
"إيه الدنيا يا حاجة؟ أكيد واقفة كده عشان تباركي لنا صح؟ فيكي الخير والله، بس ادخلي يلا ريحي جثتك عشان ما تتعبيش."
زينب بسخرية:
"طبعًا هريح يا ابن بطني بس قولت أطمن عليكم الأول وعلى السنيورة."
ثم تابعت بخبث:
"بس يعني صح هأطمن على إيه وأنا عارفة اللي فيها وأنت أصلًا متجوزها عشان تسترها. كتر خيرك يا ابني والله. لو واحد غيرك كان شاف واحدة تانية بنت بنوت ما بعتش نفسها."
فثارت الدماء في جسد أسماء وأطلقت عينيها براكين النار وكادت أن تنفجر بها، لأن ابنها هو الجاني وهي المجني عليها ولولا ما حدث ما كانت تفكر به ولو كان هو الرجل الوحيد في العالم ولكنها كتمت غيظها، فليس هذا الوقت المناسب للانتقام بعد.
ثم سددت زينب نظرات نارية كادت أن تحرق شفيق خوفًا من بطشها أو أن تعكر ليلته التي انتظرها منذ طويلًا.
فرفعت أسماء أحد حاجبيها وقالت دون مبالاة:
"إيه يا حماتي ما سمعتيش شفيق وهو بيقولك ادخلي استريحي. مالك كده واقفة لنا زي العمل الرديء؟ ما تدخلي يا ولية. خلينا ندخل نستريح احنا كمان."
ثم تمسكت بذراع شفيق ووضعت رأسها على كتفه لتغيظ زينب وقالت:
"ولا أنا غلطانة يا شيفو؟"
راق إلى شفيق اسمه بالتدليل وقال بسعادة:
"أحلى شيفو منك يا قمر، وأنتِ عمرك ما تغلطي أبدًا."
فتملك الغضب من زينب وصاحت:
"أنت بتقول إيه يا شفيق؟ سامعها بودانك بترد عليه بلسانها اللي عايز يتقص ده وتقولها لا ما بتغلطيش؟ لا غلطانة ونص ولازم تتعلم الأدب من أولها. مش هسيبك يا بت ابتهال."
ثم قبضت بيد فولاذية على شعرها، لتصرخ أسماء بألم.
ليصعق شفيق عندما رأى ذلك، فجذب يد أمه سريعًا قائلًا بغضب:
"إرفعي إيدك عن مراتي يا حاجة وإلا هيكون ده آخر يوم بيني وبينك وهخدها وهروح مطرح تاني ما تعرفيهوش."
فارتجفت يد زينب وأصاب قلبها القهر من كلمات شفيق ابنها المدلل التي حاربت به الجميع وظنت أنه سيكون سندًا وسدًا منيعًا أمام أعدائها ولكن السد انهار أمام طوفان أسماء.
فقالت بصوت مهزوز:
"هتهجر أمك يا شفيق عشان بت ابتهال اللي ما تسواش ثلاثة تعريفة؟"
شفيق بتأكيد:
"وههجر الناس كلها يا حاجة، دي الحب كله."
فنظرت لها أسماء بتشفٍّ، لتطأطأ زينب رأسها وتتحامل بالكاد على قدميها التي أحست إنها تحولت لهلام لا تستطيع السيطرة عليه.
فهمست أسماء:
"العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم يا زينب ولسه دي أول جولة ولسه بنسمي ونقول يا هادي."
ثم أشار شفيق إلى أسماء:
"أخيرًا زاحت عن طريقنا، مش يلا بينا بقى يا حبيبتي."
رمقته أسماء بحدة وعضت على شفتيها بغيظ وهمست:
"مستعجل أوي، ما تستعجلش على رزقك يا شفشق."
*****
لم تتخيل دلال أنها بعد أيام قليلة ستزف إلى آدم بعد أن ماطلت كثيرًا في تحديد يوم الزفاف. فهي لا تنكر أن به صفات كثيرة تتمناها أي بنت ولكن القلب وما يهوى. والقلب معلق بالشيخ أحمد الذي ملأ كيانها وعشقته بكل جوارحها، بل أدمنته حتى إنها ترى صورته أمام عينيها في كل مكان، تتخيله أمامها يحدثها وتحدثه. وتهمس باسمه كثيرًا كأنه معها.
"آه من حب شيخ دخل القلب فعذبه. مالي وشيخ مضيء كالقمر وأنا صحراء قاحلة فهل من سبيل إليك أيها الشيخ لتهدي قلبي وتعانقه؟"
لاحظت أم آدم شرودها فقالت:
"مالك يا بنتي؟ فيه حاجة مضايقاكي؟ آدم زعلك ولا حاجة؟ قولي لي بس وأنا أتفاهم معاه."
نفت دلال ذلك بقولها:
"لا أبدًا يا ماما، ما فيش حاجة، تحبي أحضر ليكي العشاء؟"
أم آدم:
"لا يا بنتي أنا هستنى آدم لما يرجع."
ثم رن هاتف دلال من رقم غريب ففتحت الخط وقالت:
"ألو."
فجاء صوت المتصل:
"أنا فاعل خير، وعشان عارف إنك إنسانة كويسة من جوه ما يخلصنيش تتجوزي واحد زي آدم، عامل قصادكم ملاك وهو من جواه شيطان. وبيخونك كل يوم مع واحدة، ولو مش مصدقاني. تعالي حالًا شوفيه في شارع كذا عمارة كذا شقة رقم كذا في الدور كذا."
فشهقت دلال:
"إيه؟ لا يستحيل آدم يعمل كده، ده إنسان محترم."
فضحك المتصل ساخرًا:
"آه أوي، على العموم أنا نبهتك ولو مش مصدقة ومش عايزة تيجي براحتك، سلام يا قمر."
ثم أغلق الخط في وجهها.
فاحتارت دلال وتساءلت:
"معقول آدم يعمل كده؟ طب إزاي وهو كل يوم بيأكد إنه بيحبني؟ هتعملي إيه يا دلال دلوقتي؟ افرضي كلام الراجل ده صح؟ إزاي هتتجوزي واحد كل يوم مع واحدة؟ يعني مش كفاية مش بحبه، كمان يكون خاين؟ لا صعب. أنا هروح ولو فعلًا طلع خاين هتكون فرصة إني أسيبه، يمكن ربنا يكرمني وأقابل أحمد تاني. وساعتها أنا اللي هطلب منه يتجوزني، آه أمال ما أنا مش هسيبك يا مولانا أبدًا، بس أقابلك يا عمري."
ثم أسرعت لأخذ حقيبتها واستأذنت من والدة آدم بحجة إنها تريد شراء شيء خاص لها وستأتي على الفور حتى لا تفجعها في آدم، وتوجهت نحو العنوان الذي أملاه لها هذا المتصل.
*****
في تلك الشقة كان إبراهيم مع أصدقائه من الشباب ومع كل شاب فتاة من فتيات الليل ينعم بها في الحرام. أما إبراهيم فكان ينتظر دلال ولا يريد غيرها في تلك الليلة.
فلاحظ شروده صديقه حسام فقال:
"إيه يا صاحبي عملت اللي في دماغك برضه واتصلت على البت اللي شاغلة دماغك. صراحة مش عارف ليه دي بالذات وعندك البنات أهو قدامك على كل شكل ولون وعيش براحتك بدل ما البت دي تعمل ليك مشكلة أنت مش قدها."
إبراهيم:
"مش قادر يا حسام، من ساعة ما شفتها وأنا هموت عليها ومش هستريح غير لما أخدها لي ولو حتى لليلة واحدة، وأشوف القهرة في عين آدم لما يعرف إني أخدت منه حبيبته ونولتها قبله."
حسام:
"قد كده بتكرهه."
إبراهيم:
"أنا مش بكرهه بس، أنا بتمنى أشوفه يموت قصاد عيني كل يوم وما يطلوش."
حسام:
"يا ساتر يا رب، ده أنت قلبك أسود يا عم. بس متأكد أن البت دي هتيجي ولا هتضيع الليلة على الفاضي."
إبراهيم:
"قلبي حاسس إنها هتيجي، ظبط بس أنت الدنيا وخد الجماعة وادخل جوه، عشان ما تصدمش من أول لحظة كده. خليها واحدة واحدة."
فضحك حسام وسخر قائلًا:
"آه يا حنين. ماشي يا أبو الصحاب."
ثم أشار إلى أصدقائه قائلًا:
"يلا بينا جوه يا شباب نفتح ميوزيك وزيزي ترقص لنا ونهيص ونودع الأحزان."
فضحكت زيزي:
"بس كده عيوني."
فاشتغلت الموسيقى بصوت عالي حتى وصلت إلى الجيران.
فاشتكى أحدهم:
"هو الزفت اللي اسمه حسام ده ما فيش فايدة فيه، كل يوم والتاني عامل الشقة كباريه واستغفر الله العظيم بنات طالعة وبنات نازلة وقلة أدب ومش مراعي الناس اللي في البيت."
فرددت زوجته:
"آه والله عندك حق، ربنا يستر على بناتنا."
حسن:
"بس أنا خلاص جبت آخري ومش هأسكت تاني وهأتصل بالبوليس يجيبه من قفاه ويشرف في البورش عشان يعرف إن الله حق ويبطل."
زوجته:
"بس يعني ده لسه شاب يا حسن وحرام يتبهدل."
حسن:
"ومش حرام اللي بيعمله ده؟ أنا حذرته مرة واتنين وتلاتة وهو ما فيش فايدة، فخلاص جبت آخري وهأطلب البوليس."
ليمسك بالفعل هاتفه ويتصل ليبلغ عن شقة يمارسون فيها الرذيلة.
*****
اتصل شيكو على أحمد فردد أحمد:
"خير يا ابني لحقت أوحشك مش لسه كنا مع بعض؟ عايز إيه مني؟"
فضحك شيكو:
"آه طبعًا يا مولانا، هو فيه حد يشبع منك ولا من كلامك الحلو؟ ومعلش يعني لو ما فيهاش إساءة أدب، لو تيجي تبات معايا الليلة لأن الشيطان بيزن في دماغي وهاين أروح أخطف البت ياسمين وأتجوزها غصب. وقولت ما فيش غيرك يصبرني ويهون علي يا صاحبي."
فضحك أحمد وقال مداعبًا:
"يا عيني على الحلو لما تبهدله الأيام. ماشي يا عم الحبيب، أنا جاي افتح الباب."
ابتسم شيكو وتمتم:
"مش عارف من غيرك كنت عملت إيه يا صاحبي؟ أظن لو عندي أخو ما كانش هيعمل اللي أنت بتعمله ده."
أحمد:
"أنت أخويا وصاحبي وحبيبي يا شيكو وصاحب فضل علي كمان وكل الخير اللي أنا فيه ده من فضل ربنا ثم أنت."
شيكو:
"ما تقولش كده، أنا ربنا جعلني سبب بس لكن أنت تستحق الخير كله. ويلا بقى أنا فتحت الباب من بدري وأنت لسه ما جيتش أهو وهأستهوى."
فضحك أحمد:
"لا ما يخلصنيش تستهوى، جاي أهو على طول."
فنزل أحمد وتوجه بسيارته نحو شيكو.
*****
وصلت دلال إلى تلك الشقة التي وصفها لها إبراهيم وأخذت تطرق الباب، ابتسم إبراهيم عندما شعر إنها هي وأسرع لفتح الباب فجحظت عين دلال لرؤيته قائلة:
"أنت."
إبراهيم:
"أيوه أنا يا دولي، ما هو أنا اللي معلم المزاج. ادخلي ادخلي شوفيه بنفسك جوه."
ترددت دلال قليلًا قبل أن تدخل لخوفها من إبراهيم ولكن حاولت الثبات حتى تواجه آدم بحقيقته وتفسخ خطوبتها منه.
فولجت للداخل بخطى بطيئة وتساءلت بتلعثم:
"هو فين؟"
إبراهيم:
"جوه في الأوضة بيمارس طقوس السعادة. تعالي شوفيه بنفسك."
فولجت تلك المغيبة للداخل ثم فتح إبراهيم باب الغرفة، لتتفاجأ دلال إنها فارغة.
فاحتدت ملامحها وتراجعت للوراء قائلة:
"أنت بتضحك علي؟ والأوضة فاضية ما فيهاش حد."
فقبض إبراهيم على معصمها بقوة آلمتها قائلًا:
"أيوه فاضية بس أنتِ معايا فيها أهو يا دولي وآدم مش هنا."
فصرخت دلال:
"أنت كداب وحقير غشيتني وأنا صدقتك. سيب إيدي أنا لازم أمشي حالًا."
فضحك:
"بالسهل كده؟ هو دخول الحمام زي خروجه."
ارتجفت دلال وقالت بذعر:
"أنت عايز مني إيه؟"
إبراهيم برغبة:
"عايزك من أول يوم شفتك فيه."
دلال بانفعال:
"أنت اتجننت؟ ده أنا خطيبة ابن خالتك وأيام وهأكون مراته."
إبراهيم وهو يقترب منها:
"تؤ تؤ أنتِ هتكوني لي أنا، وهأفكر لما أشبع منك ممكن ساعتها ترجعي له."
فصرخت دلال:
"إبعد عني حرام عليك، أبوس إيدك خليني أخرج من هنا وصدقني لو خرجتني مش هأقول لآدم اللي حصل."
إبراهيم:
"لا أنا عايزه يعرف، عشان يتقهر وأنبسط أنا لما أشوفه مقهور."
دلال:
"لا ده أنت شكلك مريض نفسي."
لتقوم بالصراخ بعلو صوتها:
"إلحقوني يا ناس، إلحقوني."
فكتم إبراهيم صوتها بإحدى يديه واليد الأخرى تحاول تمزيق ثيابها، حتى رأى بياض جسدها.
إبراهيم تملؤه الرغبة:
"أنتِ حلوة أوي يا دلال."
ثم ألقى بها على الفراش لينقض عليها كالأسد على فريسته، ودلال تبكي وتصرخ وتستغيث وترجوه أن يتركها.
ولكن فجأة سمع صوت طرق شديد على الباب، فارتجف. ووجد باب الغرفة يفتح ليجد الخوف على وجه حسام وهو يقول:
"بوليس يا إبراهيم، روحنا في داهية وسمعتنا هتكون على كل لسان."
إبراهيم بخوف:
"ما فيش أي باب خلفي نهرب بسرعة؟"
حسام:
"لا ما فيش للأسف."
ليسمعوا صوت ارتطام الباب بالأرض بعد أن كسره أحد أفراد الشرطة، لينتشروا في الشقة ويقتحموا الغرف ليقبضوا على أفرادها متلبسين بالرذيلة.
كما اقتحموا غرفة إبراهيم وقبضوا عليه فقالت دلال بعفوية:
"الحمد لله أنكم جئتم في الوقت المناسب ده كان عايز يعتدي علي، وده في ستين داهية."
فقال الضابط ساخرًا:
"لا والله. يعني أنتِ مش منهم يا بت؟ بتشتغليني؟ جاية هنا برجليكي وتقولي كان عايز يعتدي علي؟ يعني مش عارفة أنتِ جاية هنا ليه؟"
دافعت دلال عن نفسها:
"لا يا باشا ما تفهمنيش غلط، ده هو اللي..."
ليقطع كلامها الضابط:
"أنتِ هتحكي لي قصة حياتك؟ ابقي قولي الكلمتين دول قدام النيابة، يلا قدامي يا روح أمك."
فأمسك بها العسكري، فأخذت تبكي على حالها بمرارة ورفعت بصرها للسماء تناجي ربها:
"يا رب أنت عالم إني مظلومة وعالم إني طول عمري بحافظ على شرفي. فنجيني من اللي أنا فيه ده يا رب."
ثم رمقت إبراهيم بنظرة حادة قائلة:
"منك لله يا أخي ربنا ينتقم منك."
ثم نزلوا جميعًا وبدأ العساكر في الزج بهم إلى عربة الترحيلات.
وأثناء ذلك وقعت الصدفة التي كان يتمناها أحمد وهو أن يراها ولكن شاء القدر أن يراها في موقف تجمدت له أطرافه وكاد قلبه أن يتوقف.
عندما توقف بسيارته ليمر شيخ كبير في السن الطريق، ليجد دلال بملابس ممزقة يزج بها العسكري وهو يتلفظ بألفاظ نابية إلى سيارة الشرطة.
فاتسعت عين أحمد وارتجفت شفتاه وهو يردد:
"لا يستحيل. يستحيل تكون دي دلال، معقول وصل بيها الحال للدرجاتي؟"
ثم أخذ يضرب بعنف على مقبض السيارة لينفث عن غضبه ويصرخ:
"ليه ليه؟ آه يا قلبي إزاي تحب واحدة زي دي؟ إزاي يا شيخ أحمد؟"
يا ترى هيحصل إيه بعد كده؟
رواية دلال و الشيخ الفصل الثامن عشر 18 - بقلم شيماء سعيد
كسر القلوب لا يصدر صوت لكنه يترك صرخات من الألم والوجع بداخلنا. كل شعور تكتمه يأخذ من عافيتك فصرخات القلوب لا يشعر بها إلا من يتألم بها. أحذر من كسر الخواطر، أحذر من كسر القلوب، أحذر من كسر النفس.
لم يتحمل أحمد صدمته في دلال بعد أن رآها قد قُبض عليها في شقة منافية للآداب. فأخذ يلوم في نفسه ويعاتبها: "إزاي شيخ يحب فتاة ليل."
ثم أخذ يستغفر كثيرًا: "استغفر الله، استغفر الله."
ثم شاهد سيارة الشرطة قد بدأت في التحرك أمامه. فشعر أن قلبه قد تحرك معها. وبدون إرادة منه وجد نفسه يتبعها وكأن قلبه الذي يسيره وليس هو.
أما دلال فكانت تبكي بقهر لإحساسها بالظلم الواقع عليها. ولا تدري كيف ستخرج من هذه الأزمة التي وقعت بها.
ثم تذكرت المنياوي، ذلك الرجل الذي كان لطيفًا معها وأوصاها بالاتصال به إذا واجهت أي مشكلة. فابتسمت على مضض وقالت: "أيوه مفيش غيره الباشا هو اللي هيخرجني من الأزمة دي."
فبادرت بالاتصال به ولكن للأسف كان هاتفه مغلقًا. فأعادت الاتصال به كثيرًا ولكن في كل مرة تجده مغلقًا. وهكذا حتى يئست واستسلمت للأمر الواقع.
عاد آدم إلى منزله كعادته في موعده. فقبل يد والدته وسألها عن يومها وصحتها. ثم سأل عن دلال.
فتجهم وجه والدته وقالت بقلق: "قلبي يا ابني موكلني عليها. قالت من ساعة إنها نازلة تجيب شوية حاجات ونزلت ومرجعتش للآن. وخايفة يكون حصلها حاجة. اتصل بيها يا ابني وطمني. أنت عارف إني مش بعرف أتصل على حد."
فدب القلق قلب آدم وقام على الفور والتقط هاتفه واتصل عليها. ليأتيه صوتها الباكي قائلة:
"آدم ألحقني يا آدم."
آدم بفزع: "مالك يا حبيبتي؟ حصل إيه؟"
دلال: "إبراهيم." ثم بكت وتابعت بصوت شجن: "مش قادرة أشرحلك في التليفون. لو سمحت انزل دلوقتي وتعال بسرعة قسم مدينة نصر بسرعة يا آدم أرجوك."
اندهش آدم وقال: "قسم؟!! أنتِ عملتي إيه عشان ياخدوكي القسم يا هانم؟"
دلال: "والله ما عملت حاجة. تعال بس وأنا أشرحلك الموضوع."
آدم بغضب: "طيب جاي."
ثم أغلق الخط وهتف بنفور: "على آخر الزمن أنا أدخل أقسام."
والدة آدم: "فيه إيه يا ابني طمني؟"
آدم بدهشة: "مش عارف يا أمي. الهانم بتقول إنها في القسم وجابت سيرة إبراهيم. مش عارف إيه جمعهم." ثم فجأة صاح بغضب: "يعني إيه؟ معقول كانت بتضحك عليكِ وهي نازلة تقابله. آه الخاينة. كويس إني كشفتها على حقيقتها قبل ما أتدبس فيها."
عقدت والدته حاجبيها وقالت بسخط: "مش كده يا آدم. حرام عليك. متظلمهاش من قبل ما تسمع منها وتتأكد بنفسك. لا يستحيل دلال تعمل كده. يستحيل."
آدم بإنفعال: "أنتِ لسه بتدافعي عنها. الأمر واضح زي الشمس. ومش بعيد كمان يكونوا اتقفشوا مع بعض وعشان كده اتمسكوا."
فرددت والدته: "استغفر الله العظيم يارب. يا ابني متقولش كده. من غير بينة حرام."
آدم: "طيب أنا هروح بنفسي القسم وأمري لله وهثبتلك إني اللي بقوله صح. ماهي واحدة جاية من الشارع وأمها ماتت في السجن، عايزاها تكون إيه يعني!!"
ثم خرج آدم غاضبًا. فأخذت تردد: "لا حول ولا قوة إلا بالله. ربنا يهديلك نفسك يا ابني. على قد ما أنت فيك صفات خلوة كتير لكن عصبي ومتسرع."
كان قلب شفيق يتراقص من السعادة كلما تقدم من غرفة نومه بصحبة أسماء. حيث كان يحلم بتلك الليلة معها منذ فترة. ولكن أسماء كلما تقدمت من تلك الغرفة ارتجف جسدها وتخشبت قدماها وأعلن قلبها من شدة نبضاته الطوارئ. وكأنها أصبحت على مشارف الموت. فتلك الغرفة كانت شهيدة على الجرم الذي قام به شفيق نحوها واستباح به جسدها دون وعي منها. ومن ثم على أثره ضاعت كل أحلامها وأصبحت زوجة له وهي التي كانت لا تطيق حتى ذكر اسمه أمامها.
فولجت معه إلى الغرفة رغما عنها وقد تسارعت أنفاسها وتجمد جسدها خوفًا. حتى أنه لاحظ ارتجاف وبرودة يدها. فرفعها إلى فمه وقبلها بحب. ثم وقف أمامها وقال:
"مالك يا حبيبتي؟ إيدك ساقعة ليه كده؟ أنتِ خايفة مني ولا إيه؟ متخفيش لإني أكتر واحد في الدنيا دي بيحبك وعمري ما هقدر أذيكِ. وكمان هكون حنين عليكِ جدًا متقلقيش خالص."
فابتسمت أسماء وقالت ساخرة: "أنت لسه هتأذيني يا شفيق. أنت خلاص أذيتني والسرير ده يشهد على اللي عملته فيه. وبسببه قبلت إني أتزوجك."
تلون وجه شفيق بالحرج وحاول إخراج صوته المكتوم وقال مازحًا: "ميبقاش قلبك أسود يا سمسمة. أنا عايزك تنسي اللي فات وخلينا في النهاردة ومش عايزك تفتكري غير إني بحبك وبس ومستعد أعمل أي حاجة أنتِ عايزها المهم ترضي عن العاشق الولهان شفيق."
ثم غمزها وتابع: "وتراضيني أنا كمان عشان مشتقلك أوى أوى يا قلب شفيق."
فهمت أسماء ما يرمي إليه. فعلمت أن هذا الأمر سيكون بداية انتقامها منه ولن يطول منها شعرة واحدة. لذا ابتعدت عنه وقالت:
"بقولك إيه يا شفيق، أنا تعبانة وعايزة أنام، سبني الليلة دي والأيام جاية كتير."
فكاد أن يخرج بؤبؤ عين شفيق من الصدمة وازرق وجهه وردد كلماتها: "تعبانة وعايزة تنامي في يوم زي ده؟ لا مش ممكن."
أسماء بجمود: "لا ممكن وممكن كمان تشوفلك أوضة تانية تنام فيها عشان مبعرفش أنام جمب حد."
فصاح شفيق بغضب: "أنتِ واعية بتقولي إيه يا أسماء؟ ده اليوم اللي كنت بحلم بيه من فترة كبيرة إزاي تقولي كده؟"
أسماء ببرود: "عادي مفيش مشكلة لما نأجل الحلم ليوم كمان، هي الدنيا هتطير. يلا يا حبيبي خد هدومك وروح نام في أوضة العيال."
شفيق بعصبية: "لا شكلي حد باصصلي في الجوازة دي. آه أكيد أمي هي عشان مش راضية عن الجوازة. ربنا يسامحك يا حجة."
ثم أخذ ملابس نومه بإنفعال وذهب لغرفة الأطفال. وهنا ابتسمت أسماء وقالت بتشفّي: "إحنا لسه في أولها يا شفشف، خلي بالك طويل أمال."
أما زينب فكانت تدور حول نفسها، بأنفاس متصارعة، تحمل في صدرها قنابل مشتعلة من الغضب قد تنفجر في أي لحظة. لا تصدق أن ابنها المدلل قد انقلب عليها بسبب ابنة ألد أعدائها. وأخذت تفكر كيف ستتخلص منها سريعًا قبل أن تسيطر عليه بالكلية وتفقد مكانتها التي حافظت عليها سنين عدة.
وصلت دلال إلى قسم الشرطة وزج بها العساكر هي ومن معها إلى الداخل بعنف مع وابل من الألفاظ البذيئة. فانفجرت في البكاء وأصبحت دموعها كشلال ماء لا يتوقف. وأحمد يراقبها ومع كل دمعة تسقط منها كانت تسقط على قلبه فتمزقه. وأخذ يردد: "ليه تعملي في نفسك كده وتهونيها بعد ما ربنا سبحانه وتعالى كرمك، تقوم أنتِ تعملي كده في نفسك. ليه يا بنت الناس، حرام عليكِ نفسك وحرام عليكِ أنا. أيوه يا دلال، تصوري أن الشيخ أحمد اللي بقول قال الله وقال الرسول أحب واحدة زيك. اااه مش قادر حاسس إني هموت من الحسرة والقهر."
ثم ترجل من سيارته وولج من خلفها ولكن من على بعد حتى لا تراه. ليعلم كيف سيؤول بها الحال. فوجدها تقف ترتجف، تحاول الثبات ولكنها تفشل. فتميل يمينًا تارة ويسارًا تارة حتى فقدت توازنها وسقطت لتجلس على أرضية القسم. فطالعها بحزن شديد ولمعت الدموع في عينيه. وود لو ذهب إليها وانتشلها من الأرض وأجلسه في قلبه لتطمئن بوجوده.
وما هي لحظات حتى لاحظ شاب يدخل القسم وتعابير وجهه قاسية يتمتم بكلمات غير مفهومة ولكن الواضح أنها غاضبة. ثم توقف ليسأل أحد العساكر، فسمعه يذكر اسمها. فنبض قلبه بشدة وتعلق بصره به، وازدادت حيرته وتساءل: "من هو ما يقرب لها؟"
ثم وجده يقترب منها. فاقترب أيضًا أحمد ليستمع إلى حوارهم معًا. وكانت دلال مازالت تجلس في الأرض وتضم قدميها إلى صدرها، منكّسة الرأس حزينة.
ثم استمع إلى هذا الشخص وهو ينطق باسمها بحدة: "دلال."
فرفعت رأسها وابتسمت ابتسامة لم تتعد ثغرها، ابتسامة واهية مصحوبة باستغاثة. فوقفت على الفور وقالت بلهفة:
"آدم الحمد لله إنك جيت. أرجوك يا آدم فهمهم إني مظلومة وإن ابن خالتك هو اللي وقعني في المصيبة دي. خليهم يمشوني يا آدم مش متحملة أقعد هنا ولو ثانية واحدة كمان."
آدم بعيون تطلق شرارًا دون ذرة رحمة: "مظلومة؟!! طيب ممكن تفهميني إيه جمعك عليه يا مظلومة؟"
وعندما فتحت فمها لتتحدث وجد ابن خالته من ورائه يقول: "هقولك أنا يا ابن خالتي."
فالتفت آدم يطالعه بغضب وصاح: "وصلت بيك الحقارة إنك تكلم خطيبتي من ورايا؟ ويا ترى حصل إيه خلاكم تشرفوا هنا؟"
استمع أحمد إلى كلمة "خطيبتي"، فتألم قلبه حتى أنه وضع يده عليه، وأغمض عينيه بقهر وتساءل: "خطيبته؟ يعني إيه؟ يعني حبيته وحبها؟ يعني أنت كنت عايش في وهم يا أحمد وهي مش على بالها أنت خالص ونسيتك؟ وعاشت حياتها واتخطبت وهتجوز؟ كده أظن خلاص ماليش مكان وأظن أمشي وكفاية وجع وقهر لغاية كده، ولازم أفوق لنفسي وأعرف إن فعلاً إحنا متنفعش لبعض."
وعندما هم ليغادر استمع إلى سخرية إبراهيم، فشده الفضول لمعرفة الحقيقة. ابتسم إبراهيم ابتسامة ساخرة واستطرد: "كل خير يا ابن خالتي. وصراحة يعني إن البت اتخطبت ليك غصب وهي عينيها مني من أول شافتني وهي صراحة كانت عجباني أوي. وعشان كده أول بس ما لمحت ليها وقولتلها نتقابل، سابت كل حاجة وجتلي في الشقة، معلش هو الحب كده نار."
لم تتحمل قدم أحمد ما استمع إليه، فتهاوت قدمه واضطر إلى الاستناد سريعًا على الجدار الذي بجانبه حتى لا يسقط. وكان ما سمعه كان كسكيناً يمزق في جسده بلا رحمة. وقال: "معقول يا دلال، أنتِ إنسانة بشعة للدرجات دي وخاينة."
وهنا التفت آدم إلى دلال وصرخ في وجهها وقال ساخرًا: "وبتقولي مظلومة وعايزة تخرجي؟ لا يا هانم. ده أنا لو أطول يحكموا عليكِ بالإعدام."
فصرخت دلال بهيستيريا: "أنت بتقول إيه يا آدم؟ أوعى تكون صدقته، ده كذاب وحقير." ثم بكت بقهر واستطردت: "والله مظلومة، حرام كفاية ظلم، لامتى الدنيا هتظلمني، أنا تعبت تعبت."
فسخر آدم: "قالوا للحرامي أحلف قال جالك الفرج." ثم تابع بقسوة: "بصي يا بنت الناس، هي كده خلصت سواء كنتي مظلومة ولا مش مظلومة، معدتش تهميني. وكفاية إني على آخر الزمن دخلت قسم بوليس اللي أنا كنت بس أتحمل أشوفه من بره. فأنا صراحة ميشرفنيش إني أتزوج واحدة زيك ولا تربيلي ولادي. لأن هيكون شكلهم إيه بين الناس لما يعرفوا أن أمهم استغفر الله العظيم، اتمسكت في قضية..."
ثم خلع دبلته وألقاها في وجهها والتفت إلى إبراهيم وقال بحدة: "إبراهيم انسى من النهاردة إن ليك ابن خالة ولو شوفتك تعتب باب البيت عندنا تاني، مش هيحصلك طيب."
ثم أسرع للمغادرة. لتجلس دلال مرة أخرى على الأرض تبكي بهيستيريا حتى فقدت الوعي. فغضب العسكري وصاح بها: "قومي فزي يا بت وبلاش تمثيل. عاملة فيها إنسانة وبتحسي أوي، مكنتيش عملتي اللي عملتيه. هتقومي ولا هجيب جردل المية اللي بنضف بيه وأدلقه عليكِ عشان تفوقي."
وهنا لم يتحمل أحمد أكثر من ذلك رؤيتها بهذا الشكل بعد أن فقدت وعيها. فهو لا يتخيل مهما حدث منها أن يفقدها ولو للحظة واحدة. فأسرع إليها وأقترب منها وانحنى قائلاً والدموع تتلألأ في عينيه: "دلال، دلال."
استمعت دلال لصوته وظنت أنها تحلم فلم تفتح عينيها ولكنها همست بصوت خافت: "أنت فين يا مولانا؟ ألحقني يا أحمد. أنا محتاجك أوي."
فابتسم أحمد لذكرها اسمه ولكنه عاد سريعًا لعبوسه عندما تذكر خطيبها. فامتلك قلبه بالغيرة وقال بحدة: "فوقي يا دلال. فوقي."
ففتحت عينيها دلال لتجده أمامها. فأخذت تفرك في عينيها غير مصدقة إنه أمامها فقالت: "أنت بجد قدامي يا مولانا ولا أنا بحلم؟"
أحمد بحزن: "لا يا ستي مش بتحلمي، أنا قدامك." ثم رمقها بنظرة معاتبة قائلاً: "ايه اللي رماكِ الرمية دي يا دلال؟ ليه عملتي في نفسك كده؟"
فبكت وقالت: "أنت كمان مصدق يا أحمد؟ أحلفلك بإيه إني مظلومة عشان تصدقني. بس أنت إزاي قدامي بجد وعرفت إني هنا إزاي؟" لتجيب نفسها مستطردة بعشق: "أكيد قلبك حس بيا وعرف إني في ضيقة، آه ما أنت شيخ مكشوف عنك الحجاب صح."
وبينما تتحدث خرج الضابط من مكتبه قائلاً بغلظة: "إيه الصوت العالي ده، فاكرين نفسكم فين؟" ثم نظر إلى العسكري وقال آمرًا: "دخلي ولاد ستين في سبعين دول عشان نخلص من المحضر وندخلهم التخشيبة ونخلص من زنهم."
فصاح العسكري فيهم: "مش سمعتوا يا ولاد؟ يلا ادخلوا مكتب الباشا، دخل عليكم عزرائيل يارب عشان نخلص من أشكالهم." ثم بدأ هو والعساكر الزج بهم واحدًا تلو الآخر. وآخرهم كانت دلال التي كانت تستغيث بعينيها بأحمد أن ينجدها.
وعندما هم أحمد أن يدخل من ورائه، استوقفه العسكري قائلاً بغلظة: "رايح فين يا أخينا هي وكالة من غير بواب ولا إيه؟ ولا تكونش عايز تتروق معاهم، مع أن شكلك مش بتاع كده. ولا تكونش آه شيخ صيني، عشان شايفك بتكلم مع واحدة من إياهم."
فاستغفر أحمد: "استغفر الله العظيم. أنا مش هرد عليك ولكن الباشا اللي جوه هو اللي هيعمل الواجب." ثم أخرج له كارت به اسم لواء تعامل معه من قبل وأعجب بأخلاق أحمد وأعطاه كارت خاص به أن واجهته أي مشكلة في الأمن يخرجه المسؤول واسمه كفيل بإنهاء المشكلة على الفور.
فطالع العسكري الكرت وقرأ اسم اللواء سعيد مدكور فهمس بخوف: "الباشا الكبير مرة واحدة. لا حالًا هبلغ الباشا جوه واتفضل سيادتك."
فولج العسكري سريعا عندما ناول الكرت إلى الضابط وقف وقال سريعا: "دخله فورًا."
فاستدعى العسكري أحمد، فرحب به الضابط ببشاشة وقال: "أهلاً بحضرتك شرفتنا. ممكن أتعرف بيك؟"
أحمد: "أحمد الجمال."
طالعه الضابط بدهشة قائلاً: "معقول حضرتك أحمد الجمال صاحب سلسلة مول الشيخ وشركة الشيخ عندنا بنفسه. اتفضل اتفضل حضرتك استريح وكل اللي تؤمر بيه أنا تحت أمرك."
أحس أحمد بالحرج ولكن عندما طالع انكسار دلال لم يتحمل ونطق سريعًا: "الأمر لله. هو طلب واحد مفيش غيره وهكون ممنون لحضرتك. وهو أن دلال." ثم أشار إليها، "تخرج معايا دلوقتي، لأن الآنسة قريبتي والأمر هيكون شائك جدًا بالنسبة لي لو الأمر وصل للصحافة."
زفر الضابط بضيق ولكن لم يكن بوسعه سوى القبول لمكانته ومن أجل اللواء منصور لذا قال: "هو طبعًا من المفروض أن القانون ياخد مجراه مع الأشكال دي عشان لما يتمرمطوا جوه السجن لعل وعسى يتوبوا. لكن أنا وعدتك أنا هنفذ أي حاجة تطلبها. بس غريبة إن واحد محترم زي حضرتك يكون ليه قريبة زي دي. يا ريت حضرتك تعلمها الحلال والحرام وتشوف ليها مصدر رزق بالحلال بدل ما بتبيع نفسها."
وهنا لم تتحمل دلال كلمات الضابط المؤلمة فصاحت بمرارة مؤلمة: "أنا مش شمال، أنا مظلومة، أقسم بالله ولو مش مصدقني اكشفوا عليّ وهتأكد ليكم الدكتورة إني بنت بنوت وعمري ما أفرط في شرفي أبدًا. ده أنا معملتهاش لما كنت رقاصة، هعملها دلوقتي."
اتسعت عين أحمد بذهول وهمس: "رقاصة؟ يا خبيثك القوية يا شيخ أحمد، بتحب رقاصة..!! وكمان بتقوليها على الملأ كده..خسئتي يا دلال. هو أنا آه بحبك يا دلال، لكن أنتِ محتاجة إعادة مصنع من أول وجديد، وهربيكِ على إيدي. بس يارب أقدر ومضعفش، لأن سحر عينيكِ بيدمر أي إنسان يقرب منك، عشان كده لازم أحصن نفسي كويس. بذكر الله وغض البصر والاستعانة والثقة في الله."
ثم خرج من شروده على صوت الضابط يقول: "تقدر حضرتك تاخدها وتمشي. بس ممكن قبل ما تمشي أقترح على حضرتك حاجة، وأظن هتوافق لإني زي ما بسمع بتحب الخير."
ابتسم أحمد ولمعت عيناه بالفضول وأكد: "أكيد أمرني."
الضابط: "الأمر لله."
الضابط: "طبعًا ضميري مش هيسمح لي أخرج واحدة وأسيب الباقي. أما الرجالة فللأسف القانون كده بيخرجهم بدون عقوبة لكن عقوبتهم عند الله أشد والساقطات للأسف هي بس اللي بتتعاقب بالسجن."
أحمد: "للأسف مع إن الاثنين واحد في الذنب."
الضابط: "آه بس يمكن عشان الراجل لو ملقاش اللي تجر رجله مكنش عمل الذنب ده، عشان كده القانون والمجتمع بيحمل الست الذنب الأكبر."
أحمد: "ممكن بس لازم يتغير القانون وهو كمان يتحبس لعل وعسى ميرجعش الذنب تاني."
الضابط: "ياريت ودلوقتي بما أن حضرتك ربنا فتحها عليك، ياريت تشوف شغلانة تناسب البنات دي، يمكن لما يدوقوا حلاوة القرش الحلال، ينسوا الحرام. ويا ريت كمان مكان يجمعهم ويباتوا فيه، لأن لو سبت كل واحدة لوحدها ممكن الشيطان يوزها ترجع تاني، لكن كده يسندوا بعض."
ابتسم أحمد وأومأ برأسه: "غالي والطلب رخيص، اعتبره حصل يا باشا."
ثواني بس أعمل مكالمة، ليقوم بالاتصال بشيكو.
شيكو: "إيه يا صاحبي كل ده مجتش، اتأخرت ليه؟"
أحمد: "لما أجي هحكيلك عن كل حاجة. بس دلوقتي جايبلك فرصة حلوة وحجة تكلم الحب. هي ياسمين عندها مشغل صح ومأجرة شقة للبنات اللي بتشتغل يناموا فيها؟"
شيكو: "أيوة."
أحمد: "طيب تمام، أنا دلوقتي قدامي تلاتة بنات."
فضحك شيكو: "يا جامد تلاتة مرة واحدة، يا شيخ أحمد. وهتقدر عليهم لوحدك ولا عايز مساعدة من صاحبك وحبيبك شيكو؟"
فحوقل أحمد: "لا حول ولا قوة إلا بالله، أنت فهمت إيه؟ هو أنا بتاع الحاجات دي برضه. بقولك عايزهم يشتغلوا ويباتوا مع البنات، وأنا اللي هدفع مرتبهم وأجرة الشقة."
فضحك شيكو: "النية عندي في ذمة الله وماشي يا مولانا علم وينفذ يا مولانا. هكلمها وربنا يستر متسمعنيش كلمتين في جنابي."
أحمد: "لا كلمها وقولها من طرفي وأنا نص ساعة هكون قدام المشغل، تستلمهم."
شيكو: "ماشي يا مولانا."
أتصل شيكو على محبوبته ياسمين.
فأجابت بجمود: "نعمين، متصل ليه في الوقت المتأخر ده؟ شكلك فاضي، آه ما أنت بقيت رجل أعمال وناس زي الرز بتعملك اللي أنت عايزه. وفكرني أنا وحدة منهم توديها وتجبها بفلوسك. لا يا حبيبي فوق لنفسك، الغنى غنى النفوس ودور على حد غيري."
أبعد شيكو عنه السماعة وهو يطبق على شفتيه بغيظ. فهو يكاد يحفظ تلك الكلمات التي تمليها على مسامعه كل فترة. ويتمنى لو عاد فقيرًا مرة أخرى لينعم بكلماتها الحنونة مرة أخرى.
وعندما انتهت ياسمين من كلماتها المعتادة قالت: "ساكت يعني وده معناه إن عندي حق صح؟"
فصاح شيكو: "لا مش صح يا ست ياسمين ومش أنا اللي طالب منك خدمة ده الشيخ أحمد، عايز يشغل بنات عندك في المشغل."
فابتسمت ياسمين واستطردت: "طيب مش تقول. يأمر الشيخ أحمد وأنا أنفذ."
فشعر شيكو بالغيرة تأكل قلبه، فقال: "والله يعني الشيخ أحمد يأمر براحته وأنا إيه يا ست ياسمين شوال درة!! كتر خيرك، وبقولك قبل ما أقفل عشان عايز أتخمد. زمانه جاي دلوقتي عندك ومعاه البنات. يلا سلام."
فشعرت ياسمين بالندم وعاتبت نفسها: "ليه ديما كده وقفاله على الوحدة وبتصديه وأنتِ عارفة إنه بيحبك ومنتظرك من سنين وأنتِ كمان بتحبيه. حرام عليكي العذاب ده ليه ولنفسك. أعمل إيه ما أنا ورايا كوم لحم ولو اتجوزته، ممكن يبعدني عنهم. بس هو وعدك إنه عمره ما هيعمل كده. وأنا إيش ضمني؟ يعلم زي ما بيقولوا يتمسكن لغاية ما يتمكن. طيب على الأقل، راضيه بأي كلمة."
لذا قالت: "استنى يا جدع، هو إيه اللي تقفل ده على طول، مش بكلمك."
شيكو: "عايزة تقولي إيه أكتر من اللي بتقوليه وتنكدّي عليه يا ياسمين، حرام عليكي والله. مستنيكي بقالي سنين عشان بحبك وعشان متأكدة إني بحبك عمالة تدوسي عليه براحتك وفكراني هستحمل لا يا بنت الناس أنا جبت أخرى خلاص وبقولهالك أهو لو موفقتيش نتجوز. أنا هشوف وحدة بنت حلال اتجوزها عشان ألحق أجيب حتة عيل بدل ما أموت من الهم."
فصعقت ياسمين من حديثه وخافت أن يكون صادقًا تلك المرة فقالت بغضب: "طيب أعملها كده يا شيكو وأنا هخليك أرمل في يوميها بعون الله. قال تتجوز قال، شوفت بقا إن عينيك فارغة."
قال شيكو بعد أن استشعر غيرتها عليه: "مش هتنيل على عيني يا ستي بس وافقي."
مني بتردد: "بس وأخواتي."
شيكو: "قولتلك ألف مرة أنا اللي هكون مسؤول عنهم وهنخدهم كمان يا ستي يعيشوا معانا ومش هيخرجوا منها إلا على الجواز. ولو تحبي أبصم على كلامي ده أنا موافق."
فضحكت ياسمين، فقال شيكو: "بدل ضحكت يبقى قلبها مال. الله ينصر دينك يا شيخ أحمد."
ثم استمعت ياسمين لصوت عربية أحمد تقف أمام الباب.
ياسمين: "طيب أقفل دلوقتي، الشيخ وصل."
شيكو: "مش هقفل غير لما أسمع كلمة موافقة."
ياسمين: "يووه وبعدين."
شيكو: "قوليها وريحي قلبي."
فقالت ياسمين بخجل: "موافقة." ثم أغلقت الخط في وجهه.
فأخذ شيكو للحظات شارداً غير مستوعب ما قالته. ثم فجأة قفز من الفرحة قائلاً: "وهتجوز، وهتجوز."
نزلت فتاة تلو الأخرى من السيارة وعندما همت دلال بالنزول من ورائهم استوقفها أحمد بقوله:
..."يتبع"
رواية دلال و الشيخ الفصل التاسع عشر 19 - بقلم شيماء سعيد
نفذت أسماء انتقامها من شفيق الذي قتل روحها عندما اغتال براءتها، فأقسمت ألا تعطيه نفسها وتجعله يذوق مرارة الحرمان ويتعذب بنار الشوق.
عندما طردته من غرفته منكسرًا إلى غرفة الأطفال، ألقى بنفسه على التخت يزفر بضيق وكأنه على وشك الاختناق.
فقال بمرارة:
"لا أنا لو فضلت صاحي كده هيجرالي حاجة، أنا هحاول أنام أحسن."
ولكنه لم يستطع النوم ولم يغمض له جفن، وأخذ يتقلب على فراشه كثيرًا كأنه ينام على جمرات من النار.
فقال بسخط:
"لا أنا كده هتجنن بجد، إزاي بعد ما اتجوزها تحرمني منها وأنا اللي كنت بحلم باليوم ده. وكمان تحكم عليا أنام في أوضة تانية أنا شفيق الجمال، اللي كلمتي بتمشي على أكبر شنب فيك يا بلد. ماشي يا أسماء بس أتمكن منك وبعدين همشيكِ على العجين متلغبطوش."
أما زينب فكانت الأخرى تتلوى كالحية على فراشها حتى قفزت من التخت فجأة.
وقالت:
"لا مش قادرة أنام وبنت إبتهال تاخد مني ابني أنا لازم أعمل حاجة أكسر فيها فرحتها الليلة."
ثم ابتسمت بمكر وأخرجت مفتاح شقة شفيق وقررت أن تصعد إليهم وتفاجئها بوجودها في غرفة نومها.
وبالفعل صعدت للشقة ووضعت المفتاح في الباب، فاستمعت أسماء لصوت المفتاح حيث كانت في طريقها للمرحاض. فدق قلبها سريعًا من الخوف وأسرعت للباب لترى من هذا الذي يفتح عليهم الباب في تلك الساعة، فرأت زينب من العين السحرية.
فأطبقت على شفتيها بغل وهمست:
"بقى كده يا حماتي. عايزة تفهميني إنك الكل في الكل وممكن تدخلي عليا أوي وقت براحتك، طيب ماشي."
فأسرعت إلى غرفة شفيق. وعندما رآها تهلل وجهه بفرحة.
وقال:
"كنت عارف إني مش ههون عليكِ."
تقدمت منه أسماء وقالت بدلال وهي تجلس بجواره وتمسح على شعره بحنو:
"آه طبعًا يا حبيبي مقدرتش أبعد عنك."
فحاوطها شفيق بذراعيه واستسلمت له للحظات.
حتى تفاجأ شفيق بوالدته فوق رأسه.
تقول:
"مش كفاية مسخرة يا بت إبتهال وتتخمدي وتسيبى شفيق يستريح عشان يشوف أشغاله الصبح."
ابتعدت أسماء عن شفيق سريعًا.
وقالت بتغنج:
"رد يا شفيق على الحجة أمك اللي دخلت علينا أوضة نومنا في يوم دخلتنا. أنا مشوفتش قلة حيا للدرجاتي. بس العيب مش عليها عليك يا شفيق عشان سايب ليها المفتاح."
فاعتدل شفيق من نومته وأطلقت عينيه جمرات من نار.
وصاح في زينب:
"إيه جابك يا حجة، يصح كده برده. أنا غلطان اللي ديتك المفتاح."
نزلت فتاة تلو الأخرى من سيارة أحمد. وعندما همت دلال بالنزول من ورائهم استوقفها أحمد.
بقوله:
"استني عندك رايحة فين؟"
دلال بحرج:
"هنزل مع البنات، مش قولت هنشتغل وهنلاقي مكان نبات فيه. مفيش أحلى من كده، وتشكر يا مولانا."
فزفر أحمد بضيق.
وقال بتهكم:
"تشكر!"
ثم استطرد:
"دلال أنتِ مش هتنزلِ معاهم، أنتِ هتيجي معايا الفيلا بتاعي."
رفعت دلال حاجبيها.
وقالت بصدمة:
"لا إلا أنت يا مولانا، أجي معاك أعمل إيه؟ أوعى تكون لسه مصدق إني كنت ببيع نفسي."
لتجهش بالدموع واستطردت بقهر:
"أقسم لك بالله ما حصل وأنا انخدعت والله."
نزلت دموع دلال على قلب أحمد كجمرات حارقة لم يحتملها. ويعلم أن قلبه يصدقها، ولكن ما سمعه ورآه منها يكاد يصيب عقله بالجنون. وما يثير غيرته هو خطوبتها لذلك الجاحد، كيف كانت وما كانت تقوله له ويقوله لها، هل أحبته؟ لاااا قلبي المتيم بها لا يستطيع تحمل هذا، فهي لي حتى وإن ظاهري وعقلي يرفض هذا، ولكن ليس على القلب سلطان إلا الهوى.
فهتف أحمد بألم يشق صدره لبكائها.
وقال بصوت حاد يخالف ما يشعر به:
"أصدقك ولا مصدقكيش مش هتفرق. كل الحكاية أن ليكي دين في رقبتي عشان أنقذتيني يوم الحادثة. وعايزة أردّه مش أكتر."
فطالعته دلال بعتاب تطل من عينيها بكسرة.
وقالت:
"أنت شايف كده يا مولانا، كل اللي ليه عندك دين عايز ترده، لكن مفيش يعني حاجة كده ولا كده مستخبية هنا ولا هنا."
نبض قلب أحمد وجاهد حتى يخفي بسمته. فكيف يقول لها أنه متيم بها وهو الشيخ وهي راقصة. كيف تجتمع السماء والأرض وبينهما كل تلك المسافة. لذا اكفهر وجهه.
وقال:
"حاجة إيه أنا مش فاهم، أنا قولتلك دين وهسدده، ومتخفيش الفيلا أنا مش لوحدي فيها. فيها عمتي وأمي. بس لازم تعرفي حاجة عن أمي إنها ست كبيرة وللأسف مش طبيعية، يعني عقلها زي الأطفال."
همست دلال:
"شوف أنا بكلمه في إيه ويقول إيه. هيفهم إزاي ده إني بحبه، ده البعيد لوح. وقال بيقول أمه عقلها عقل عيال، عشان كده طالع زيها مش بيفهم. بس ماشي هروح معاه، أعمل إيه بحبه وبموت فيه، يكش يفهم بالتدريج. يختي جماله حلو، بحبك يا مولانا."
ليقطع حديثها الخافت أحمد بحدة.
قائلاً:
"هتفضلي تبرطمى كتير كده؟ ها قولتي إيه هتيجي معايا؟"
فأطلقت دلال عينيها تتأمل تفاصيله بحب حتى شعر أحمد بالحرج وأخفض رأسه واستغفر.
"استغفر الله العظيم. طلعتلي منين دي، أعمل إيه فيها دلوقتي؟ هتجنني ومش قادر أنا كمان أبصلها واحفظ ملامحها."
لتقطع شروده دلال:
"هو أنا أقدر أقولك لأ يا عم الشيخ، توكل على الله يلا، وأنا معاك."
فابتسم أحمد ثم انطلق بها نحو الفيلا. وعندما وصل وولج للداخل وجد عمته تمشط شعر والدته.
فألقى السلام:
"السلام عليكم ورحمه الله وبركاته."
فالتفت عمته عفاف.
وقالت:
"وعليكم السلام يا ابني. أخيرا جيت، دي أمك طول النهار مش على لسانها غيرك. ليه بتطول كده يا ابني، وامتى هتيجي تعيش معانا وتسيب بيت عمك، مش كفاية كده؟"
فحمحم أحمد بخجل واقترب من والدته وقبل رأسها، فأخذت تحركها كثيرًا وتضحك فرحًا برؤيته.
ثم قبل رأس عمته.
وقال:
"معلش الظروف يا عمتي."
ودلال تراه من بعيد فلم يأذن لها بالدخول بعد.
فهمست:
"ما أنت حبوب وحنين أهو يا مولانا، امال منشفها عليا ليه كده؟"
عفاف بإستغراب:
"ظروف إيه يا ابني اللي مقعداك ضيف هناك وسايب ملكك هنا، ده أنا سبت بيتي عشانك وعشان الغالية أمك وحتى تميم رأسه ناشفة زيك ومرضاش يجي يعيش معايا هنا."
أحمد بصوت خافت:
"يا عمتي خايف أمشي، يقولوا ما صدق هرب من جوازة أشجان."
ثم صمت للحظات وتبدلت ملامحه للحزن.
واستطرد:
"وده مينفعش، أنا لازم أوفي بوعدي عشان عمي ومراته اللي بتعاملني زي ابنها وأكتر. لازم أرد الجميل."
فصاحت عفاف بغضب:
"يعني هو لازم رد الجميل إنك تجوز واحد مطلقة يا ابني وأكبر منك."
وهنا سمعت دلال كلمة زواج أحمد. فضربت على صدرها.
وقالت:
"يا مصيبتي يجوز، يعني بعد ما لقيته يجوز ويضيع مني. لاااا مقدرش على كده."
فأسرعت إليه ووقفت أمامه وهدرت بصوت حزين:
"الكلام اللي سمعته ده صح؟ أنت هتجوز يا مولانا؟"
ابتلع أحمد غصة مريرة في حلقه وهي تتوسل إليه بعينيها أن ينفي ذلك. فقد رأى بعينيها شيئًا يجهله، هل هو حبًا حقًا أم مجرد إعجاب؟ فإن كان حبًا فلما ارتبطت بشخصًا غيره؟
فأغمض عينيه بألم.
وهمس:
"تعبني حبك أوي يا دلال. ولا عارف أعيشه ولا عارف أنساه.. وآخرتها إيه يا بنت الناس، إحنا فعلاً منفعتش لبعض حتى لو مفيش في قلبي غيرك.. وعشان كده."
وجد نفسه يقول:
"أيوه هتجوز بنت عمي يا دلال. مفيش مبروووك."
فارتعشت شفتيها بمرارة ودمعت عينيها.
وقالت:
"مبروك. ودلوقتي أستأذن أنا يا مولانا ومتشكرين لغاية كده. واعتبر الدين اللي في رقبتك اتحل خلاص."
لتلتفت سريعًا قبل أن تسمع رده، وتخطو خطواتها للخارج.
فصاح بها ليستوقفها:
"استنى عندك."
فتوقفت متخشبة في مكانها، وقد شحب وجهها ودموعها لا تتوقف.
فأسرع إليها ووقف أمامها وجزع عندما رآها على هذا النحو. وود أن لو اعترف بعشقها وضمها لصدره ليطمئنها أن ليس في قلبه سواها ولا يرغب بأحد سواها. ولكن كما لديها دين في رقبته، فدين عمه أقوى وأولى بالسداد. وعليه أن يوفي كلمته وعهده، فالمسلمون على ما هادوا. وليس هو من يقطع عهده ولو على رقبته.
دلال بحدة:
"نعمين؟ عايز مني إيه تاني يا سيدنا الشيخ، ما خلاص فضناها وقولت حليتك من الدين اللي في رقبتك ليه. فخليني أرجع لحياتي وبيتي."
فغضب أحمد.
وقال ساخرًا:
"حياتك وبيتك. إيه حنيتي للرقص والمجون اللي كنتِ عايشة فيه تاني."
فعقدت دلال حاجبيها.
وهدرت قائلة:
"لا أنت المجنون، بقولك إيه متشتمش عيب عليك يا مولانا."
فابتسم أحمد رغم عنه.
فحدقت به دلال.
وهمست:
"بقى الضحكة الحلوة مليش نصيب فيها وهتروح لغيري، يبختها."
"ملكش فيه يا مولانا أرقص أغني، دي حياتي وأنا حرة. وسبني في حالي وروح اتحكم في المحروسة اللي هتجوزها."
احمد بصرامة:
"قولتلك مش هتمشي من هنا، هتقعدي مع أمي وعمتي وهجبلك كل طلباتك عايزة إيه تاني."
فهمست دلال:
"عايزاك أنت يا مولانا. أنا بحبك بس أنت مبتفهمش."
دلال:
"لا مش عايزة تغور اللقمة اللي بتيجي بكسرة النفس. أنا ماشية."
وعندما حاولت المغادرة مرة أخرى، اضطر أن يمسك بمعصمها بقوة. ثم دفعها من ورائها. وأخذت دلال تصرخ وعمته تصيح.
قائلة:
"فيه إيه يا أحمد ومين دي؟ وليه يا ابني بتكلمها كده وبتجرها وراك ليه؟"
أحمد:
"هفهمك كل حاجة يا عمتي بس مش دلوقتي."
ثم صعد لأحد الغرف وفتحها ودفعها بها.
قائلاً:
"أنتِ مش بتسمعي الكلام، وعشان كده هحبسك أنا لغاية ما تتعلمي الأدب يا دلال. وعلى فكرة الأوضة دي فيها حمام، وعمتي هتطلع ليكي الأكل. وهجبلك لبس على ذوقي."
فصرخت دلال:
"أنت بأي حق تعمل معايا كده؟ أنت تعرفني ولا حد قريبي يا جدع! أنا هبلغ عنك البوليس وأقول خطفني."
فضحك أحمد:
"البوليس اللي لسه جايبك منه. اسكتي يا دلال واقصري الشر عشان غضبي وحش. ويلا هسيبك ترتاحي وتنامي وهيكون ليا معاكِ كلام تاني."
ولم يدع لها الفرصة للرد وقام بأغلاق الباب بالمفتاح وهبط على السلم.
فاستقبلته عمته وعلى وجهها معالم الغضب:
"أنا مش مصدقة اللي بتعمله ده يا شيخ أحمد، وإيه كمان جايب بنت في إيدك. هو فيه إيه بينك وبينها يا شيخ أحمد؟"
فلمعت عين أحمد بالدموع وهو يجاهد أن يبوح بما تجوبه نفسه.
فقال:
"الشيخ أحمد يا عمتي فُتن للأسف ووقع في الحب. وحب مين البنت اللي شفتيها دي وتعرفي كانت بتشتغل إيه؟"
فاتسعت عين عمته بفضول.
ليلقی على مسامعنا القنبلة:
"كانت رقاصة."
فضربت عمته على صدرها.
قائلة:
"يا مصيبتي. أنت اتجننت يا أحمد، حصلك إيه بس. لا دي عين وصابتك يا ابني. رقاصة إيه وبتاع إيه، فوق لنفسك يا ابني وارجع لربك واستغفر. ده أنا قولت هتاخد بنت شيخ المسجد المنقبة وحافظة القرآن."
فبكى أحمد حتى فاضت عيناه.
فأشفقت عليه عمته.
وقالت بحزن:
"لا حول ولا قوة إلا بالله. قد كده بتحبها يا ابني."
احمد:
"آه للأسف، ومش عارف أعمل إيه؟"
عفاف بثقة:
"تعمل إيه، تجوزها طبعًا على طول يا ابني، عشان اللي بتعمله ده حرام وغلط، تكلمها وتكلمك من غير صفة، ودي بداية خطوات الشيطان، هوب من غير ما تحس تلاقي نفسك واقع في كبيرة من الكبائر والعياذ بالله."
اتسعت عين أحمد.
وقال بذهول:
"اتزوجها؟ إزاي بقولك كانت رقاصة ولسه استغفر الله العظيم جايبها من.. لا مش قادر أكمل عشان قلبي بيقول مظلومة. ده غير إني خاطب بنت عمي. أتزوجها إزاي قولي لي؟"
عفاف:
"عادي يا مولانا، ما أنت أكتر واحد عارف الشرع وإن ربنا محلل أربعة. وانت هتجوز أشجان عشان عمك مش حب، فحق قلبك عليك تراضيه هو كمان وتجوز اللي بتحبها. أما عن ماضيها يا ابني، فأنت برده عارف إن ربنا غفور رحيم. المهم هي تكون بتحبك وتسمع كلامك وتتوب لربنا وتكون إنسانة تانية زي ما كنت بتمنى."
فتنهد أحمد بحرارة وأمسك برأسه وحركها كثيرًا.
ثم قال بتأني:
"مش عارف بجد أعمل إيه، أنا محتار وخايف لو عملتها أظلم أشجان لإني قلبي مع دلال."
عفاف:
"يا حبيبي القلب مش عليه سلطان وعشان كده حبيبنا النبي قال لربنا 'هذا قسمي فيما أملك فسامحني فيما لا أملك'. يعني كان بيعدل بينهم في المبيت والكلام الحلو والمعاملة الطيبة لأن ده حق، لكن كان بيميل للسيدة عائشة وبيحبها. فكل اللي عليك إنك تراضي أشجان لأن البنت اتظلمت كتير يا حبة عيني من شفيق ومستنية منك عوض ربنا. أما الغلبانة اللي فوق فمن عصبيتها ودموعها لما سمعت إنك هتجوز فهي بتحبك أوي وأكيد هتغير بس بعقلك وحكمتك هتقدر تمتص الغيرة دي وتتحملها بقدر الإمكان."
فابتسم أحمد وقبل جبينها.
وقال:
"ربنا يكرمك يا عمتو، مش عارف من غيرك كنت عملت إيه. هونتي فعلاً عليا الموضوع بس لازم أصلي صلاة استخارة الأول. ودلوقتي هروح أشتري شوية لبس لـ دلال وعايز من حضرتك تطلعي ليها الأكل. ويا ريت تحاولي تكلمي معاها وتفهميها وحدة وحدة الأصول اللي تربينا عليها والدين."
فابتسمت عفاف:
"حاضر يا ابني من عينيه."
ثم غادر أحمد وتوجه بسيارته نحو أحد المحلات القريبة واشترى لها ما يلزمها من ملابس بيتية وخروج ولم ينسى إسدالاً للصلاة. ثم عاد بأدرجه إلى الفيلا وناول ما اشتراه إلى عمته.
وقال:
"أنا هبات عند شيكو الليلة، يعني هكون قريب لو حصل أي حاجة كلميني يا عمتو، هيجيلك فورًا."
عفاف:
"حاضر يا ابني متقلقش، روح واطمن وإن شاء الله خير."
ليغادر أحمد ولكن تلك المرة بقلب غير القلب، حيث غزى قلبه الفرح لأول مرة عندما أدرك أنه على وشك الوصول إلى مبتغاه وستكون حلاله في أقرب وقت، وتقر عينيه برؤيتها عن قرب دون خجل. ولكن سرعان من قطب جبينه.
وهمس:
"بس مش هقدر آخدها في حضني، لأ لسه بدري حتى لو مشتاق ليها أوي. مش هينفع تكون مراتي بالفعل غير لما أتأكد إنها اتغيرت ونست كل الماضي عشان نقدر نفتح صفحة جديدة."
أعدت عفاف بعضًا من الطعام من أجل دلال وحملت ما ابتاعه لها أحمد ثم صعدت به إليها. وعندما اقتربت من غرفتها سمعت بكاؤها وشهاقتها التي لا تتوقف.
فرددت:
"لا حول ولا قوة إلا بالله. البت دي صعبانة عليا أوي."
ثم سمعتها تهمس بغصة مريرة:
"كده يا أحمد يعني يوم ما أشوفك تضيع مني وتقول هتجوز. دي آخرتها يا مولانا وأنا اللي كنت بحلم باليوم ده وبتمناك في كل لحظة. حرام والله حرام، بعد الحب ده كله. وكمان هان عليك تحبسني، ليه فكرني إيه. أنا لازم أتصرف وأهرب من هنا، بس إزاي.. ولو حتى هربت بجسمي، أعمل إيه في قلبي اللي هيفضل معاك يا مولانا."
وبينما تبكي سمعت طرق على الباب.
فهتفت بحدة:
"أهو رجع أكيد مهونتش عليه، وهيرجع في كلامه ويقول إنه بيحبني ومش هيجوز غيري. طيب أعمل إيه أول ما يقول كده، أقوله أنا كمان بحبك وأحضنه العسل ده ولا أتقل شوية برده عشان ميقولش عليه مدلوقة. بس أتقل إيه، ده أنا بموت فيك يا مولانا."
ثم أسرعت إلى الباب.
وهتفت:
"أحمد أنت رجعتلي صح، افتح يا أحمد. أنا عارفة إني مهونتش عليك، افتح يا مولانا."
ثم سمعت صوت المفتاح يتحرك فنبض قلبها بشدة وارتسم على ثغرها ابتسامة، لتبدل الابتسامة إلى شهقة عندما وجدت عمته.
التي بادرت بقولها:
"هتفضلي متنحة كده كتير، خدي يلا الأكل من إيدي، عشان أعرف أجيب كيس اللبس اللي جبهولك أحمد."
ابتسمت دلال لذكر أحمد، ولاحظت ذلك عفاف.
وهمست:
"بتحبه أنا متأكدة."
ثم أحضرت الكيس ووضعته على التخت.
وأشارت إليها:
"أهو يا بنتي الحاجة، كلي الأول وبعدين شوفيهم وإلبسي اللي يريحك."
فصاحت دلال:
"أنا مش عايزة أكل ولا ألبس أنا عايزة أمشي من هنا."
عفاف:
"ليه يا بنتي هو فيه حد منا ضيقك وحتى لو أحمد يعني شد عليكِ شوية فهو لمصلحتك، عايزلك الخير وعايز تعيشي حياة كريمة وفي أمان وهيوفرلك كل اللي تطلبيه. فتعوزي إيه تاني؟"
فلمعت عين دلال.
وقالت بقهر:
"مش هيكون ليها الحاجات دي كلها طعم من غيره. أعمل إيه بيها وهو بعيد عني وهيروح لغيري، ده أنا كده هتعذب أكتر. وعشان كده لازم أمشي يمكن لما أبعد أقدر أنساه."
ثم نظرت إلى الباب المفتوح وإلى عفاف. التي فهمت من نظرتها إنها تريد الهرب ولكنها اصطنعت عدم الفهم.
ثم وجدتها تسرع نحو الباب.
لتلقي عليها ما جعلها تتجمد في مكانها.
"هتهربي وتسبيه وهو هيجيب المأذون بكرة ويكتب عليكِ."
هذا ما قالته عفاف. لتتجمد دلال في مكانها غير مستوعبة ما تقوله وتتساءل:
"أحمد عايز يتجوزني. مولانا عايز يتجوزني؟ معقولة دي، طب إزاي؟"
ثم التفتت إلى عفاف.
وقالت:
"اللي سمعته ده صحيح، الشيخ أحمد عايز يتجوزني، بجد ولا بتضحكي عليه عشان ممشيش."
عفاف:
"استغفر الله العظيم وأنا هكدب ليه يا بنتي. أيوه هيتجوزك."
دلال بفرحة:
"مش مصدقة، طب اقرصيني كده عشان أحس إني مش بحلم. معقولة يعني بيحبني زي ما بحبه. وصرف نظر عن بنت عمه وهيتجوزني أنا."
لتطلق زغرودة مطولة لن يقطعها إلا قول عفاف:
"مصرفش نظر عن بنت عمه مينفعش طبعاً ده وعد ولازم يوفيه."
جحظت عين دلال.
لتشهق بشدة ثم تحاول السيطرة على نفسها.
لتقول بصدمة:
"إيه؟ يعني إيه الكلام ده؟ هو هيجوز بنت عمه، امال عايز يتجوزني ليه؟ يكونش عايز ياخدني فوق البيعة."
ثم اخفضت صوتها.
وقالت بمرارة:
"إظاهر لسه فاكرني رخيصة. لا يا مولانا أنا مش رخيصة وغالية في نظر نفسي أوي. أنا ماشية وقليله ألف مبروك على بنت عمك وينسى إنه عرفني في يوم من الأيام."
ولج أحمد إلى شيكو الذي كان في انتظاره. فرحب به ببشاشة. تعجب أحمد من ببشاشة وجهه.
فسأله:
"شكله مبسوط أوي، مش معقول عشان شوفتني يعني عشان أنا معاك كل يوم وبوزك بيبقى شبرين."
شيكو:
"أنا برده، ده أنا اللي مستحمل تكشيرتك اللي تسد النفس وبقول زي بعضه يا واد يا شيكو إتحمل مكنش أنت تتحمل صاحبك مين هيتحمله."
فضحك أحمد:
"لا جدع يا صاحبي. بس قولي إيه مالك بجد؟"
شيكو:
"خلاص فرجت ووفقت نتجوز وكانت شغلانة البنات اللي بعتها دي وش السعد عليه. ياريتك كنت عملتها من زمان."
فرح أحمد لفرح شيكو واحتضنه بحب.
قائلاً:
"الف مبروك يا صاحبي، ربنا يتمم بخير."
شيكو:
"عقبالك يا شيخنا، بس أنت يعني مصمم تجوز بنت عمك؟ هو أنا عارف إن المطلقة إنسانة زينا وليها حق تجوز تاني وتعيش حياتها مقولناش حاجة بس أنا حاسس بيك يا صاحبي أنها مش داخلة دماغك ولا بتحبها عشان كده ديمًا مهموم."
فاطلق أحمد زفيراً حاراً.
وقال:
"ده مكتوب يا شيكو والمكتوب مفيش منه هروب."
شيكو:
"بس القلب برده يا أحمد، كان نفسي تجوز وحدة تحبها عشان تسعدك."
وفي تلك اللحظة وجد عمته تتصل عليه.
ففتح سريعًا.
فوجدها تقول:
"ألحق يا ابني دلال لسه نازلة حالا."
احمد بتوتر:
"طيب أنا هشوفها."
فقام أحمد مسرعًا.
ليوقفه شيكو:
"هي مين دي يا أحمد."
فالتفت أحمد برأسه وابتسم.
وقال بعشق:
"دي القلب اللي لسه كنت بتكلم عنه."
فاتسعت عين شيكو.
ثم ضحك بهيسترية:
"يا لعبك يا مولانا. أيوه كده، ربنا معاك يا صاحبي. بس لما ترجع تحكي لي بالتفصيل ماشي."
احمد وهو يتخطى البوابة بخطى مسرعة وبصوت عالٍ:
"إن شاء الله."
ثم عبر الطريق إلى الفيلا التي يقطن بها واختبأ وراء جدار حتى يراها وهي تخرج. وما هي إلا لحظات حتى وجدها تخرج من البوابة، تدور عينيها حولها بارتباك. وما أن خطت خطوات خارجها حتى تجمدت مكانها عندما استمعت لصوته الرجولي الخشن.
"على فين العزم يا دلال هانم."
رواية دلال و الشيخ الفصل العشرون 20 - بقلم شيماء سعيد
رايحة فين يا دلال؟
ارتجفت دلال للحظات وتحول وجهها للزُرقة من الخوف ولكنها تماسكت وأظهرت الجمود وقالت بعناد: أروح مطرح ما أروح يا مولانا، ملكش فيه.
صك أحمد على أسنانه بغيظ وتمتم بهدر: لا ليه فيه يا دلال، ودلوقتى اتحركى قدامى ندخل جوه.
نفخت دلال بضيق: مش داخلة يا مولانا. وايه اللى ليك فيه ده، أنت مين عشان تدخل فى حياتى بالشكل ده. أنا ولا أمك ولا أختك ولا مراتك. فابعد عن طريقى يا مولانا، عشان أنا عارفة ومتأكدة أن طريق كل واحد فينا غير التانى.
تنهد أحمد بغصة مريرة وهمس: فعلا انا مكنتش أتخيل فى يوم من الأيام أن قلبي يميل لوحدة زى دلال، كنت بتمنى إنسانة ملتزمة منتقبة حافظة كتاب الله وماشية على سنة الحبيب المصطفى عشان تربى ولادى تربية صالحة. لكن للأسف ربنا ابتلاني بحبها وكل قدر الله خير مش يمكن تكون زى ما كنت عايز واكتر.
صاحت دلال: سكت يعنى يا مولانا، يعنى صح كلامى ودلوقتى ممكن تسبني أشوف طريقي وانت تعيش حياتك زى ما انت عايز.
ثم صممت للحظات لمعت عينيها بالدموع واستطردت بحزن: وتجوز بنت عمك يا مولانا، يلا ربنا يسعدك. معطلكش بقا أنا ماشية.
وعندما همت لتخطوا خطواتها مرة أخرى استوقفها بقوله: يستحيل أسيبك ترجعى للطريق اللى كنتِ ماشية فيه تاني يا دلال.
فصاحت دلال وقالت بدموع حارقة: أي حاجة هتكون أهون أن أشوفك مع وحدة غيري يا أحمد. صدقني مقدرش، مقدرش والموت هيكون عندي أهون. لإني بحبك يا أحمد.
فجحظت عين أحمد لتصريحها المفاجيء. وارتجف للحظات ثم أطبق على شفتيه يمنعهما من قول: وأنا بعشقك يا دلال، مش بحبك بس. معرفش إزاي بس الشيخ أحمد فعلا وقع في الحب وحبك يا دلال.
تابعت دلال: مالك سهمت كده يا مولانا، أيوه بحبك. الحب أظن مش حرام ولا عيب لأنه بيجي غصبا عن الواحد فينا. وعارفة برده في نفس الوقت اني منفعكش ويستحيل تحبني وانك عايز تجوزني شفقة عشان مرجعش للشارع. بس لا يا مولانا أنا أي مكان هكون فيه هيكون أرحم من وجودي جنبك وانت بعيد عني بقلبك. فارجوك يا ابن الناس سبني أمشي ومتقلقش أنا اللي هتحمل ذنوبي مش انت.
جاهد أحمد كل تلك العواصف التي تعصف بقلبه أمامها، فهي لا تدرك إن كل كلمة تخرج من بين شفتيها تقع كالجمر على قلبه. وكيف تظن أن زواجها منه شفقة، بل هي من ستشفق على قلبه الملتاع بنيران حبها الذي ابتلاه الله به. ويجاهد بقدر الإمكان حتى لا يعترف به. نعم فهو إن ابتلي بحبها رغما عنه ولكنه قادر على عدم الاعتراف بذلك الحب الضاري الذي بين ينهش قلبه، حتى يحين الوقت لذلك.
لم يستطع أحمد أن يتفوه بكل ما يجش في صدره ولم يستطع سوى قول: قولت مش هتمشي يا دلال واتفضلي ادخلي بالذوق.
وهنا إنفعلت دلال وصاحت بصوت عالٍ: ده إيه حكم قرقوش ده يا جدع، لا شوف لما أقولك أنت ملكش حكم عليه.
ابتسم أحمد بمكر ثم ذكرها بما قالته في المستشفى عندما أنقذت حياته.
إزاي مليش حكم عليكِ أنتِ نسيتي إنك مراتي وده اللي قولتيه بلسانك للممرضة في المستشفى.
تلون وجه دلال بحمرة الخجل واخفضت رأسها، فابتسم أحمد وهمس: إيه ده دي طلعت بتكسف زي البنات بجد.
دلال: وأنت مصدقت ولا إيه، دي كانت كلمة كده عشان الممرضة اللي يندب في عينيها رصاصة، مكنتش عايزة تشيل عينيها من عليك. فقولت أقول كده عشان تلم نفسها. وخلاص خلصنا يا مولانا، ممكن أمشي بقا إلهي تنستر.
فحرك أحمد رأسه بالنفي وأشار لها بالعودة للفيلا.
إنفعلت دلال وقالت بغيظ: لا كده كتير وأنا أصلا باخد إذنك ليه، أنا ماشية ولي عندك اعمله.
وعندما التفتت لتغادر، استوقفها أحمد هذه المرة بكلمة جعلت جسدها يرتجف: تجوزيني يا دلال.
تخشبت دلال مكانها ثم استدارت برأسها تطالعه بتيه مع ارتجاف شفتيها ثم حاولت بالكاد أن تخرج الكلمات العالقة في جوفها قائلة بتلعثم: انت بتكلم جد يا مولانا؟
أومأ أحمد برأسه وقال: أيوه بكرة ان شاء الله هكتب عليكِ.
اتسعت ابتسامة دلال ورفرف قلبها بسعادة ثم سئلته السؤال الذي يتهرب منه.
يعني أفهم من كده يا أحمد، انك بتحبني ومصدق فعلا إني إنسانة كويسة لدرجة أنك تجوزني.
ابتلع أحمد تلك الغصة في حلقه ولم يتحدث واكتفى بالصمت ولم بجيبها بالرغم النار التي تتأجج بداخله وتكاد تعلن العصيان عليها وكاد أن ينفجر قائلا بعشق: ااااه بحبك يا قلب أحمد. بعشق حتى طيفك وروحك وصوتك وعنادك وكل حاجة فيكِ.
ولكنه لم يستطيع البوح بذلك، فترجته دلال بصوت مزق قلبه: أرجوك يا أحمد قولها ولو مرة واحدة بس. قول إنك بتحبني، وهتلاقيني دخلت معاك بكل إرادتي وهنفذ كل اللي تقول عليه يا أحمد. المهم تريح قلبي يا أحمد وتقولها.
فزفر أحمد بحرارة وقال بجمود يخالف ما يشعر به وأبى الاستسلام لإنه ضعف باللنسبة له: أنا مليش في الكلام ده يا دلال. وأنا هتجوزك من أجل الستر مش اكتر. وطبعا هيكون فيه إشهار بس بحدود عشان مش عايز يوصل الخبر لعمي دلوقتي لإني مش عايز أجرح إحساسه هو وأشجان.
قذف أحمد كلماته الباردة تلك في وجه دلال فتساقطت عليها كدلو ماءًا بارد أصاب جسدها بالإرتجاف فصاحت دلال بغضب: يعني إيه الكلام ده!
يعني كل هم حضرتك إنك خايف على إحساس الهانم بنت عمك. وأنا إيه يا أحمد مش بني آدمة زيها، معنديش إحساس. آه ما صح أنت بتقول هتتجوزني عشان تُستر عليه بس. بس لا يا أحمد، أنا مستهلش منك أبدا مهما عملت في حياتي. وبقولهالك أهو يا أحمد أنا مش موافقة أتجوزك حتى لو بحبك وبموت فيك. وخلي بنت عمك تنفعك. ثم رفعت يديها وأشارت قائلة: سلام يا مولانا.
جحظت عين أحمد من ذلك السيل المفاجيء من الكلمات القوية رغم الضعف الذي بها فتألم من أجلها لإنها على حق ولكن ما بيده وقد وعد عمه بالزواج من أشجان الذي يعلم جيدا إنها تحبه منذ سنوات طويلة فلن يستطيع أن يخذلها ولو على حساب نفسه.
استدارت دلال وسمحت لدموعها التي كانت حبيسة عينيها بالنزول بغزارة وقهر وأخذت تهمس: ربنا يسامحك يا مولانا مكنش العشم. بس ماله كده سكت ومكلمش بعد ما قولت مش عايزة اتجوزه وهمشي. هو مصدق ولا إيه. أنا بحسبه برده هيقولي استنى ومتمشيش. ما انا غلطانة برده مكنش لازم أحبهكا اوى، هو حد يطول يتجوز مولانا برده. ده انا بعشق أمه بس البعيد لوح.
وانا عارفة إنه مش بيحب بنت عمه وأنه هيجوزها عشان ميكسرش بخاطر عمه. بس مش ده اللي تعبني. اللي تعبني إني مش عارفة بجد هو بيحبني ولا زي ما بيقول عايز يتجوزني عشان الستر بس. وبعدين أعمل إيه دلوقتي وأنا مصدقت لقيته، معقول سبته كده يضيع مني تاني بسهولة وهرجع أتمرمط في الدنيا لوحدي.
لتنهمر دموعها بغزارة واستسلمت لذلك الطريق المجهول الذي بدئت أول خطواته بنفسها.
عندما انتهى تميم من عمله في الورشة واتجه إلى شقته التي أصر أن يعيش بها رغم انتقال والدته وشمس إلى الفيلا. لأنه عفيف النفس لا يريد أن يعيش في مكان لا ينتمي إليه أو يعيش عالة على أحد، وراضي بما قسمه الله له.
وعندما وضع تميم مفتاح الشقة في الباب استمع إلى صراخ جارتهم أم تقي. فارتجف ودب الذعر في قلبه وتوجه لهم سريعا وطرق الباب.
ففتحت له أم تقى وعلى وجهها علامات الذعر والقلق وقالت بتخوف: جيت في وقتك يا ابني. تقي يا ابني وقعت من طولها فجأة وحولت أفوق فيها مش راضية تفوق. ياريت تساعدني يا ابني ناخدها المستشفى نلحقها.
ثم تعالى بكاؤها وشهقاتها مرددة: أنا خايفة يكون جرالها حاجة وتروح مني. يارب خلهالي دي بتي الحيلة يارب.
أشفق تميم عليها فقال: ان شاء الله مفيش حاجة يا خالتي وأكيد شوية ضعف بس اللي خلوها تقع من طولها بتحصل عادي. وادخلي حطي حاجة عليها واستريها وأنا هساعدك نروح بيها المستشفى.
ثم دعا الله عز وجل أن تكون مجرد إغماءة ولا تكون فاضت روحها إلى خالقها فجأة كما حدث مع كثيرين. فاللهم نعوذ بك من موت الفجأة ولا تمتنا إلا وأنت راضٍ عنا.
فأسرعت ام تقى الى ابنتها وسترتها وألبستها الحجاب وقامت بالنداء إلى تميم فولج إليها.
وعندما رآها على حالتها تلك تمزق قلبه حزنا عليها وتسائل: معقول دي تقي اللي كانت زي الوردة المفتحة، إيه اللي حصلها ووشها بقى أصفر ليه كده. معقول كل ده من الحزن على رفضي ليها، بس ده كان غصب عني كنت خايف أظلمها معايا لإني مش بحبها وحبيت إنسانة جاحدة أنانية وأديها خدت جزائها اللي تستاهله. إنسان شبهها قاسي وجاحد، يارب تكون مبسوطة معاه دلوقتي. ربنا يسامحك يا أسماء.
ثم أسرع لحمل تقى واتجه بها إلى أقرب مستشفى مع والدتها.
وبالكشف عليها شعر الطبيب أن الأمر ليس بالهين وطلب عدة تحاليل على وجه السرعة خصوصا عندما وجد بعض من الكدمات والبقع الحمراء على جلدها.
ثم وجه السؤال إلى والدتها: هي دي أول مرة يغمى عليها؟
الأم: لا مش أول مرة بس كنت بلحقها وتفوق، لكن المرة دي حولت معرفتش. هي بنتي فيها إيه يا دكتور؟
الطبيب: خير ان شاء الله.
الأم: طيب هتفوق امتى؟
الطبيب: في خلال ساعة بإذن الله عقبال ما جسمها يستجيب للمحاليل.
ثم نظر الطبيب إلى تميم وقال: حضرتك جوزها؟
تحرج تميم من كلمته ولكنه لم يستطيع أن ينفي فليس هذا بالوقت المناسب فقال: اااه.
الطبيب: طيب ممكن تتفضل معايا ندردش شوية.
فذهب معه تميم على تخوف وطلب منه الطبيب الجلوس ليستريح.
فقال تميم: خير يا دكتور، أنا شايف أن حضرتك شاكك في حاجة.
الطبيب: للأسف الأعراض اللي شايفها كلها بتدل انها لوكيميا أو سرطان الدم والتحليل هو اللي يصدق ده أو يكذبه.
فوضع تميم يده على وجهها وحوقل: لا حول ولا قوة إلا بالله. معقول ده!! دي لسه عز شبابها يا دكتور.
الطبيب: للأسف المرض ده لعين وبيصيب أي سن. ادعي بس لو موجود يكون في مراحله الأولى عشان نقدر نسيطر عليه.
تميم: يعني فيه أمل تخف يا دكتور.
الطبيب: للأسف المرض ده مش بيخف نهائي والمريض بيعيش على نقل الدم وعلاج كيماوي عشان ميطورش لمرحلة أصعب.
ثم ولج إليهم الممرضة تحمل في يديها نتيجة التحاليل، فتناولها الطبيب سريعا ليرى نتيجة توقعه.
فقال بحزن: للأسف اللي توقعته كان صح.
فتجهم وجه تميم واستغفر: استغفر الله العظيم يارب. أعمل إيه دلوقتي وهبلغهم إزاي بالموضوع؟ دي أمها ممكن تروح فيها، دي بنتها الوحيدة.
الطبيب: للأسف لازم يعرفوا عشان يعرفوا يتعاملوا مع طبيعة المرض ويتقبلوا العلاج لأنه هيكون قاسي ومؤلم.
حوقل تميم: لا حول ولا قوة إلا بالله. ربنا يشفيها ويخفف عنها.
الطبيب: ودلوقتي اول خطوات العلاج إنها تنقل دم بأستمرار عشان تقدر تعيش لأن المرض ده بيكسر كرات الدم الحمرا وبسبب أعياء والجسم بينزل.
فأومأ تميم بحزن وردد: الله المستعان.
الطبيب: ودلوقتي هي فصيلة دمها A، عشان تشوف لها متبرع أو تشتري من بنك الدم.
ابتسم تميم بوهن: نفس فصيلتي، كده أنا المتبرع بإذن الله وجاهز دلوقتي.
الطبيب: تمام، يلا بينا نبتدي، بس أهم شيء عشان تقاوم المرض النفسية تكون كويسة، يعني تشوف ديما هي بتحب إيه وتعمله وياريت محدش يزعلها.
فشرد تميم للحظات وهمس: آه فعلا هعمل اللي بتحبه، وهتجوزها على سنة الله ورسوله، لأن يستحيل أسيب قلب حبني في الظروف دي ولازم أراضي قلبها اللي اتعذب بسببى.
ولج تميم مع الطبيب إلى الغرفة فوجد تقى قد استفاقت وبجانبها والدتها.
وعندما رأته تحول وجهها المتعب الذي باللون الصفار إلى وردي من الخجل الممزوج بالحب ولمعت عينيها بالفرحة.
فهمس تميم بألم: ياه للدرجاتي أنا كنت غبي وسايب الحب ده يضيع مني.
والدة تقى: يعني وشك نور دلوقتي يا تقى، الحمد والشكر ليك يارب.
اقترب تميم منها قائلا: حمد لله على سلامتك يا تقى.
تقى بخجل: الله يسلمك، وشكرا على اللي عملته تعبتك معايا.
تميم: متقوليش كده تعبك راحة يا ست البنات.
ثم صمت للحظات قبل أن يستطرد: أنا مش عارف أقولك إيه يا تقى بس أنا عارف إنك مؤمنة بقضاء الله وبنت جدعة وقدها وقدود.
لمعت عين تقى بالدموع واستطردت بصوت منخفض حتى لا تسمعها والدتها: أنا عارفة اللي عايز تقوله يا تميم من فترة بس أرجوك متوضحش قدام أمي عشان متقلقش عليها، عشان لو عرفت ممكن تموت بحسرتها عليه.
تميم بصدمة: يعني أنتِ عارفة وساكتة ومتحملة الألم ده كله لوحدك.
ابتلعت تقى تلك الغصة العالقة في حلقها واستطردت بألم: ما أنا أتحملت الألم اللي أشد منه يا تميم وسكت. عارف إيه الألم ده!
أغمض تميم عينيه بحزن لإنه يدرك ما تقصد.
لتستطرد تقى بحزن: ألم رفضك ليه، كان أصعب وأشد وحسيت روحي راحت ساعتها وماتت واندفنت خالص، ومبقاش فاضل غير الجسد اللي قدامك وانت شايفه بقى عامل إزاي وعارفة إنه خلاص قرب يرحل الروح.
لمعت عين تميم بدموع الندم وقال بغصة مريرة: أنا آسف يا تقى. آسف بجد على كل ألم سببته ليكِ بدون قصد، وصدقيني أنا دلوقتي عرفت قيمة حبك ده وبطلب ايدك للجواز ها قولتي إيه؟ أقول مبروك.
جحظت عين تقى ولمعت عينيها بالفرحة غير مصدقة أن حبيب العمر طلب يدها للزواج ولكن سرعان ما انطفئ بريق عينيها وقالت بحزن: أنا كنت بدعي ربنا كل يوم إنك تكون ليا بس للأسف أنت عايز تجوزني شفقة مش حب. فمينفعش يا تميم صعب عليا، وكمان ذنبك إيه تاخد وحدة مريضة مش هتقدر تكون زوجة بالمعنى المطلوب ولا هتقدر تخلف بسبب المرض.
تأوه تميم حزنا عليها ولكنه تمسك بها وقال: مين قالك شفقة. لا ده أنا أمي دعيالي والله إني آخد بنوتة قمر زيك في طيبتك وحنانك وحبك يا تقى. وإن كان على العيال أنا مش عايز، طول عمري بزهق من زنهم واللماضة بتاعتهم وكفاية عليا أنتِ.
فابتسمت تقى وهمست: يعني مش هتندم يا تميم.
حرك تميم رأسه بنفي: أنا فعلا ندمان على كل الأيام اللي ضاعت وأنا مش مقدر الجوهرة اللي قدامي دلوقتي بس ملحوقة بإذن الله، شدي حيلك كده واجمدي وأنا عارف إنك قدها وقدود والخميس الجاي هيكون كتب كتاب ودخلة.
صاحت تقى: كده على طول، مينفعش أنا مش مجهزة حالي.
تميم: وأنا مش عايز غير تقى وبس وأنا هجبلك على قد إمكانياتي اللي تحتاجيه. أنا مش عايز أضيع لحظة واحدة تانية وأنتِ مش معايا. ودلوقتي كمان دمي هيسري في دمك وهنكون شخص واحد يا تقى.
ابتسمت تقى واغمضت عينيها وشعرت كأنها في حلم جميل لا تريد أن تستيقظ منه.
قام شفيق ليواجه والدته التي تلون وجهها بحمرة الغيظ والغضب من أسماء التي تفسد دائما ما تخطط له وترد الصاع صاعين في الحال.
شفيق بغضب: يصح كده يا حجة تدخلي علينا أوضة نومنا واحنا عرسان. انزلي يا حجة بيتك، الله يكرمك وبلاش فضايح وهاتي المفتاح.
قامت أسماء ووضعت يدها على كتف شفيق بدلال وطالعتها بنظرة انتصار وشماتة. مما جعل الدماء تفور في راس زينب وصاحت بغل وانكسار: بقا كده يا شفيق بتطرد أمك عشان بت متساوي تلاتة تعريفة. أمك يا شفيق اللي ربتك وخليتك راجل وضيعت عمرها عشانك.
انكمش شفيق قليلا وتأثر بكلمات والدته للحظات، ولكن أسماء بادرت بما يثير أعصابه واقتربت منه أكثر تلاعب خصلات شعره وتهمس في أذنه: إيه أمك هتفضل واقفة كتير كده، أنا عايزة أنام يا شفشق.
فطالعها شفيق بعشق وقال بحب: عيونه. ثم رمق زينب بحدة قائلا: يووه بقا، مش كل شوية تقوليلي الاسطوانة دي يا حجة، مهو كل الأمهات بتعمل كده. بس مش بينكدوا على عيالهم زيك كده. انزلي يا حجة وسبيني اتهنى مع عروستي والصلح هنزلك بإذن الله.
لم تتحمل زينب الإهانة أكثر من ذلك فرمقته بنظرة حزينة وقالت: أنا نازلة يا شفيق بس حط في دماغك أن اللي مفهوش خير في أمه ملهوش خير في حد. وحرص يا ابني من الحية اللي اتجوزتها من غير رضاي. دي أشجان كانت برقبتها.
صكت أسماء على أسنانها بغيظ ولكنها اصطنعت الجمود وهمست إلى شفيق: شوف يا شفيق يا حبيبي بتقول اسم أشجان قدامي وأنا لسه عروسة وبغير عليك يا روحي. يعني ينفع كده.
فحرك رأسه شفيق بنفي وقال: لا مينفعش وهي أشجان تقارن بيكِ أصلا يا قمر انت. ثم انفعل على زينب وحدثها بغضب: متجبليش سيرتها الزفتة دي قدام مراتي تاني وتجرحي إحساسها. ويكون في علمك يا حجة أن كرامة مراتى من كرامتي. وأنا بحظرك اهو يا حجة لو اتكرر الموضوع تاني مش هدخلك بيت.
فعلت الصدمة وجه زينب وتغير لونها وتوقفت الكلمات في عنقها ولم تستطع النطق وانسحبت بهدوء وهي تلعن في نفسها أسماء وتتوعد لها أن ترد الصاع صاعين ولن تسمح لها أن تأخذ شفيق منها وإن اضطرت لقتلها.
أغلق شفيق الباب سريعا من وراء زينب ثم وقف للحظات أمام المرآة يهندم من ملابسه و يمشط شعره ثم وضع بعضا من العطر وابتسم قائلا: واخيرا يا سمسمة رضيتي عني وهتنوليني المراد، بعد ما كنت نايم دمى محروق وهتشل منك. لما أدخل بقا أغرق معاها في بحر الحب.
ليخطو بخطى سريعة نحو غرفة النوم وعندما اقترب من الباب، وجد أسماء تغلقه بقوة في وجهه قائلة: روح بقا يا بيبى كمل نوم في أوضة العيال. عشان أنا أعصابي تعبت من أمك وعايزة أنام لوحدي وأرتاح. بس متنساش تتغطى يا روحي أنا.
ووقف شفيق مصدوما للحظات قبل أن يطرق الباب برأسه من صدمته وصاح بإنفعال: تنامي!! ده كلام برده يا أسماء. امال كلامك وحركاتك من شوية كانت ليه. كنتِ بتضحكي عليه وتشوقيني بس وأنتِ قاصدة تحرميني منك. ليه تعملي فيا كده يا أسماء. وأنتِ عارفة اني بحبك وهموت عليكِ، افتحي يا أسماء وبردي ناري، حرام عليكِ ده أنا بحبك يا بت ومستعد أعمل كل اللي أنتِ عايزاه بس تفتحي وتراضيني.
ثم أخذ يطرق الباب بشدة وأسماء من خلفه تبتسم بإنتصار مرددة: ولسه يا شفيق هذلك ذل الكلاب أنت وأمك لغاية ما تموتوا بحسرتكم على اللي عملته فيا أنا وأختي.
حقق سفيان وعده إلى شهيرة والتحقت بالجامعة، فعادت لها روحها الضائعة مرة أخرى وزاد حبها لسفيان وباتت تعشقه أكثر مما يعشقها هو ولما لا والإهتمام والتقدير هما أساس الحب.
وأصر سفيان على توصيلها يوميا للجامعة ثم يذهب إلى مقر عمله قليلا ثم يعاود مرة أخرى لينتظرها حتى تخرج.
لم تختلط شهيرة بأحد من زملائها في الجامعة وكانت ترد بإقتضاب على أي حد يريد أن يتعرف عليها. وهذا ما لفت زميل لها "كريم" متقدم في العمر مثلها بسبب الرسوب مرات عدة.
فحدث كريم أحد أصدقائه "عمر"_ مش شايف إن البنت اللي اسمها شهيرة دي متعنتظة أوي وحاطة منخيرها في الهوا ومش بتكلم ولا تعبر حد وكأنها بنت بارم ديله.
فضحك عمر واجابه متهكما: آه شايف يا صاحبي بس يعني انت شايف انها مش صغيرة في السن زي باقي بنات الشلة، فممكن تكون كبرت وعقلت يعني ملهاش في جو الشلة والصحوبية ده.
حرك كريم رأسه وقال بتصميم: على نفسها بقى العقل ده مش على كريم الحسيني. ثم أشار إلى ذقنه وأكد: ودقني دي هي آخرها معايا أسبوع وهدخلها مع حريم كريم الحسيني وبكرة تشوف.
عمر: بس البت دي مش حكاية سن بس هي شكلها فعلا ملهاش في الهلس يا كرملة، مش شايف لابسة حجاب كامل ومش بتحط ميكب زي باقي البنات.
كريم: وهو ده اللي عجبني فيها أكتر ومزود تصميمي عليها لأني مجربتش الصنف النضيف ده قبل كده وحاسس إنه بيدخل المزاج أكتر.
فضحك عمر: يخربيت شيطانك يا أخي، مفيش فايدة فيك عايز تكوش على كل البنات حتى الحتة الخضرا الطيبة.
كريم: ده اعتبره قر ولا إيه. ومتخافش يا عمورة أنا مبحبش آكل لوحدي وهعزمك معايا عليها.
عمر: لو كده تبقى قشطة يا عم. بس هتجبها إزاي دي، عشان شكلها صعب أوي؟
كريم: مفيش حاجة تصعب على كريم أبدا وبكرة تشوف.