تحميل رواية «دكتور نسا» PDF
بقلم فريدة الحلواني
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جلس داخل مكتبه يراجع بعض الحسابات الخاصة بأعمال العائلة و يرافقه حمزه ابن عمّه و زوج أخته. بعد أن راجع بعض الأوراق باستغراب نظر له و قال: مين سحب عشرين مليون ....الحساب ناقص من شهرين يا حمزه. حمزه: أنا اتفاجأت بيهم يا عثمان ...و لما سألت جالولي فهد الي سحبهم. عثمان: كيف دي....يعمل بيهم إيه....كان محتاجهم في شغل يعني ولا إيه....وليه محدش خبرني. حمزه: لااه ...مدخلوش في شغل ...و أني فكرتك خابر. أني سألته وجتها و جالي محتاجهم و لما لحيت عليه...زعج و جالي مالكش صالح دي فلوسي أني و أخوي و أحنا حرين وي...
رواية دكتور نسا الفصل الحادي عشر 11 - بقلم فريدة الحلواني
صباحك بيضحك يا قلبي.
خايفة صح؟ من فشل، من كلام الناس، من بكرة، من... من...
الخوف صنم خلقناه جوانا، وهو سبب فشلنا وتعبنا. في كل حاجة، ومن كل حاجة.
اكسري صنم الخوف، عشان تقدري تعيشي وتنجحي.
وطول ما انتي بتقولي يا رب، مفيش حاجة أبداً هتقدر عليكي.
اتوكلي عليه حق التوكل، اعملي اللي عليكي وسيبى الباقي عليه. صدقيني، هبهرك بعطائه. أنا واثقة. وبحبك.
الخبيث مهما كان واعياً وحريصاً، يجب أن يخطئ في شيء ما.
والخائن... يحيا دائماً وبداخله خوف يجعله لا يشعر بلذة الحياة، مهما أظهر عكس ذلك.
سحر... تلك الخبيثة الخائنة، خانت أهلها، ودمرت حياة طفلة ليس لها ذنب إلا غيرتها العمياء منها.
كانت تعيش وسط أهلها ناقمة عليهم، ورغم أنهم من الأثرياء إلا أنها كانت طموحة حد الطمع.
حلمت دائماً أن تخرج من تلك القرية، تعيش تحت سماء المدينة وأضوائها المبهجة.
ولن تجد أحداً يحقق لها تلك الأحلام غير فهد السوهاجي، الذي كان معروفاً عنه عشقه للنساء.
لا يفرق بين قريب ولا بعيد، ولم يكن واضعاً لنفسه ضوابط تحكم تلك العلاقات.
بحثت عنه، علمت كل ما تحتاجه كي تتقرب منه، برغم الثأر القائم بين العائلتين.
لم يهمها كثيراً، بل كانت من الأساس تخطط للهروب معه.
حصلت على رقمه الخاص، بدأت في مراسلته دون أن تفصح عن هويتها.
ولأن كل ما هو خفي يصبح مثيراً، جعله فضولها وأسلوبها الشيق أن يستمر معها على أمل معرفة هويتها.
ظلت على هذا الحال بضعة أشهر، إلى أن تأكدت من تعلقه بها.
أفصحت أخيراً عن هويتها، أقنعته بعشقها له منذ الصغر، وأنها لا ترى رجلاً غيره، لهذا ترفض كل من يتقدم لها.
ظلا على هذا الحال عامين، إلى أن بدأ الحديث عن الصلح والنسب بين العائلتين لإتمامه.
كانت فرحتها عارمة، ظناً منها أنه سيتقدم لها هي.
ولكن كانت المفاجأة لهما معاً، حينما طلب عثمان يد ابنه الكبير للعائلة لأخيه.
هنا جن جنونها وعمى قلبها، مات ضميرها حينما دبرت وخططت للهروب معه، بل وأقنعته بذلك.
وبما أنه وقع فريسة داخل شباك عشقها الكاذب، انصاع لها ونفذ كل ما طلبته منها.
أقنعته أن تلك رغد هي سبب عذابهم ويجب الانتقام منها.
وقد كان... ذاقت على يدها الأمرّين.
فعلت كل ما يحلو لها، وهي على يقين تام أنها لن تشي بها خوفاً على عائلتها.
ولأن طموحها كان جامحاً، لن ترضى بتلك الحياة.
ظلت تأخذ وتطلب منه كل ما تطاله يدها، وهي تخطط لتركه، إلى أن فعلتها بعد أن حصلت منه على مبالغ مالية ضخمة، غير المجوهرات الثمينة، حتى التي تمتلكها تلك المسكينة، طمعت بها أيضاً.
لم تهتز لها شعرة حينما علمت بوفاته.
قررت السفر بعيداً إلى أن تهدأ الأمور وتطمئن أن الجميع قد نسيها، والأهم أن رغد لم تتفوه بحرف.
كانت تجلس داخل بيتها المستأجر شارده في كل ذلك.
وبعد أن فاقت من شرودها، قالت: كده أقدر أرجع وأعيش حياتي، دام الزفتة دي اكتملت ومحكتش لحد حاجة. هههه طول عمرها هبلة، أكيد خافت إن الثأر يتفتح تاني.
تطلعت للأمام بطمع، ثم أكملت بتفكير: الأهم دلوقتي... إزاي آخد ورثي ورث ابني من عثمان؟ مانا مش هسيب الملايين دي كلها. أكيد هو كمان هيخاف على اسم عيلته وسمعة أخوه. لازم أفكر وأرتبها كويس عشان آخد اللي عايزاه من غير ما حد يقدر يوصلي.
يصدح هاتفها باسم حاتم.
زفرت بحنق، ثم ردت عليه بفرحة كاذبة: حبيبي، عامل إيه؟ زعلانة منك.
حاتم: ليه بس يا قمر؟ مقدرش على زعلك.
سحر: بقالك يومين مسألتش فيا.
أكملت بمغزى: هو انت مش عارف إني اتعودت عليك.
ضحك بفخر وقال: أجيلك حالا، وأنا عندي كام سوسو يعني. بس المهم... عملتي إيه مع جوزك؟ كلمتيه؟
سحر: كلمته، بس رفض يطلقني. هنزل مصر كمان يومين عشان أتصرف معاه. كلام الفون مش هيحل حاجة.
حاتم بطمع: والمشروع؟ هتسبيهولها؟
سحر بكذب: لا طبعاً، المشروع ده حلم حياتي. وبعدين أنا صاحبة الفكرة وأنا اللي تعبت لحد ما أقنعت المستثمرين الأجانب إنهم يدخلوا فيه.
حاتم: خلاص يا حبيبتي، يبقى نعمل زي ما اتفقنا. أنا هدخل مكانه وهخليكي شريكة معايا بنسبة كويسة.
ها قد وصلت لمبتغاها. ابتسمت باتساع ثم قالت: تمام، هتنزل مصر معايا ولا لسه عندك شغل هنا؟
حاتم: لا طبعاً معاكي، هو أنا أقدر أسيبك يا جميل.
صرخت شادية بغيظ عبر الهاتف بسبب تلك الغبية التي ستصيبها بالجنون.
قالت بغيظ شديد: أقول بووووه يا ولاد، وألم الخلج علي. صدق اللي قال عليكي بجرة.
رغد بغضب: واااه، انتي كماني؟ هو إني عملت إيه طيب؟
تمالكت شادية حالها قليلاً، ثم قالت بحكمة: يابتي افهمي، دي جوزك حلالك. وخلاص إنكشفتي عليه، يبقى ملوش عازة الكسوف. البسي يا ضنايا واتهني بحاجتك اللي لساتها بكياسها مجتيش يمه.
رغد بخجل: مجدرش والله. كل ما أجي ألبس حاجة، أتكشف وأقول: هيجول علي إيه دلوقتي.
شادية: بجاله سبوعين داخل عليكي، وحتى لو مجولتيش اللي حصل بيناتكم، بس أنا متأكدة إن الدكتور مقلعك على الآخر. يبقى ليه تستحي منه؟ يا بت افهمي، الراجل يحب المرة اللي تهتم بحالها وتحسسه إنه هارون الرشيد.
ضحكت رغد بصخب على هذا التشبيه، ثم قالت: هارون الرشيد مرة واحدة. وماله، مانقصش غير أجيب بدلة رقص كمان.
ردت عليها شادية بجدية: دي المفروض على فكرة. كل حاجة بين الراجل ومراته ربنا حللها، يبقى إحنا نحرمها ليه؟ يابتي افهمي، إني بوعيكي لجل ما تسعدي جوزك وتهنيه كيف ما هو بيعمل وياكي.
رغد: عارفة. أولت امبارح كان سهران وياي و...
قاطعتها شادية سريعاً: مريضة، مريضة، مريضة، مريضة، مريضة، مريضة.
رغد بحيرة: ليه طيب؟ ماني اتعودت أقولك كل حاجة.
شادية بتعقل: كل حاجة تخصك أو تخص موضوع محتارة فيه. أما جولتلك جبل سابج اللي بيحصل بين الراجل ومراته، حرام حد يعرفه. أمك الله يرحمها جالتهالي: الراجل ومراته كهيئ الجبر وأفعاله. إني أنصحك، وإنتي تحكيلي أي حاجة، إلا اللي بيحصل في فرشتكم يا بتي. أوعاكي يطلع لحدي واصل.
رغد: حاضر، حاضر يا حبيبة جلب بتك انتي. طب جوليلي، أعمل إيه؟ وأني هسمع حديك طول.
شادية بغيظ: متأكدة؟
رغد بمزاح: مش قوي. بس هحاول.
عاد السرايا في وقت متأخر من الليل، لقيامه بإجراء عدة عمليات ولادة قيصرية.
كان حقاً مرهقاً، وحمد ربه أن الجميع قد خلد إلى النوم.
لكن... هل تلك الجنية ذات الشعر الذي يضاهي سواد الليل غفت هي الأخرى؟
قلبه وكل ما فيه اشتاقها. حسناً، لا بأس، فلتغفو بسلام مادامت بين ذراعيه.
وبما أن طبيبنا قنوع، مراعي، فقد كافأه الله على هذا.
حينما دلف بهدوء إلى جناحه، ظناً منه أنها غافية.
تصنم مكانه حينما وجد أجمل منظر رآه يوماً. بل جحظت عيناه بعدما رأى تلك الفتنة أمامه.
كان منذ قليل يتغزل في سواد شعرها الحريري، أما الآن... وبعد أن ارتدت قميصاً شفافاً سواده يتحدى بياض جسدها المغوي، لم يجد كلمات يتفوه بها وهو يقترب بتمهل. عيناه تفترس كل شبر فيها.
أما هي... أخجلتها نظراته. لعنت بداخلها غباءها المزعوم، إذ لم يكن يجب عليها أن تستمع لنصائح أختها.
وقبل أن تفكر في التحرك لتستر حالها بأي شيء، كان هو الأسرع إليها حينما حاوط خصرها وألصقها به.
تطلع إليها بنظرات ولهة، ويده تسير ببطء على وجهها نزولاً إلى جيدها ثم أسفله. وكأنه توا يستكشف كل تلك الفتنة التي بين يديه.
نطق بصوتاً متحشرج: كنت جاي تعبان وحاسس إني بقالي يومين مدوختش طعم النوم. دلوقتي حاسس إني بقالي شهر نعسان، وصحيت على نور الشمس لما ضرب جوه عينيا.
رفعها كي تصل لطوله وأكمل بعشق: معقول كل الجمال دي بين إيدي؟ ملكي لحالي؟ جلبي هيوجف من كتر الدجردت.
عليها بسرعة متناسبة خجلها: بعيد الشر عنيك، إن شاء الله عدوينك.
ابتسم بفرحه حينما استشعر صدق خوفها عليه.
سألها بهدوء راجياً: خايفة علي يا رغد؟
نظرت له بعيون تلمع عشقاً، وقالت: مليش غيرك أخاف عليه، انت جوزي وراجلي و...
صمتت بخجل. فقال برجاء: كملي، لجل خاطري كملي وأروي جلبي العطشان، أرويه بكلمة منك.
تباً للخجل، بل تباً لي ولأي شيء يجعلني أرفض رجاءه.
كوبت وجه ثم ملسته عليه بإغواء لم تقصده، وقالت: وحبيبي... حبيبي اللي عشجته ولا جادرة أبعد عنه. ولو أطول أحطك جوه عيني وأجفل عليك برموشي لجل ما حد يطلع عليك غيري هعملها. أموت عشقاك يا عثمان. جلبي جابلك ما كنتش حاسة بيه جوه ضلوعي، دلوقتي حاسيت بيه عم بيدج. نفسي أسعدك، نفسي أعمل وياك وليك حاجات كتير، بس مخبراش إيه هي ولا كيف أعملها. كل اللي أريده أسعدك وبس.
هل يجد حروفا تستطيع الرد عليها؟ لا والله.
فليترك شفتاه التي تريد التهامها تعبر عما يجش بداخله.
لأول مرة يقبلها بتلك الطريقة. كانت جامحة، ملتهبة، ولكن ما كان أكثر التهاباً هو جسدها الذي استباحته يده بعدها. تحرك بها تجاه الفراش كي ينعم أكثر بكل هذا النعيم الذي بين يديه.
لن تخجل منه اليوم. إذا كان تفنن في إظهار عشقه، ستريه هي كيف يكون عشقها.
اهتزت كل خلية في جسده بجنون حينما تجرأت عليه. بل فعلت ما لم يتخيله يوماً، رغم تمنيه لهما تلك اللذة.
أهذا هو العشق؟ ما يحدث الآن بعيد كل البعد عن الشهوة، حتى لو كانت حلالاً.
ما يحدث الآن... عبارة عن إرادة قوية داخل كل منهما، أن يكونا جسداً واحداً، مثلما توحدت الأرض.
وطبيب وجد حاله أكثر فجوراً وجموحاً، وضع توقيعه على كل شبر بها.
"أشعلتني أيها الصغيرة. فلتتحملي نار... نار عشقي، رغبتي، طمعي، فالمزيد... فهل لشهدك القدرة على أن يطفئها؟"
"سنري."
بينما كان يحاول الوصول لأعمق نقطة يمكنه الولوج إليها، نظر لها بعينين ملتهبتين وقال: أريدك... أريدك يا حظي من الدنيا، نعيمي اللي ربنا رضاني بيه. لو كنت أقدر أشق صدري لجل ما تشوفي عشقك عامل في إيه جواتي، كنت عملتها. يا جلبي وعجلي اللي طار بعد ما عشجتك يا رغد.
يا ليت اللحظات الحلوة تظل معنا دائماً. ولكن تلك هي الحياة.
بعد مرور أسبوعاً، عادت تلك الحية إلى أرض الوطن، وقد قررت استغلال رغد مرة أخرى كي تأخذ كل ما تستطيع الحصول عليه. وكلها يقين أنها لن تشي بها.
بينما كانت تبدل ثيابها، وجدت هاتفها يصدح برقم غريب.
ردت بهدوء: السلام عليكم.
ابتسمت سحر باستخزاء ثم قالت: لساتك عايشة دور الشيخة يا رغد؟
ارتعشت يدها الممسكة بالهاتف. احتل الرعب كيانها بعدما علمت هويتها. وهل لها أن تنسى صوت تلك المقيته التي أذاقتها من العذاب ألوان؟
سحر: واااه، الجطة أكلت لسانك ولا إيه؟ ههههه عرفتيني؟
رغد بصوت مهزوز: إيه اللي فكرك بيا؟ رايدة مني إيه تاني؟ مكفاكيش كل اللي عملتيه فيا.
سحر بغل: لاااه، لو أطول هعمل أكتر من كده. واللي رايداه منك هقولك عليه، بس خلي بالك. لو فكرتي تقولي لحد إني كلمتك، هخبر الكل باللي حصل، وخلي الثأر يتفتح تاني. أنا كده وكده بعيد ومحدش هيقدر يوصل لي.
صرخت رغد بقهر ودموع: يا جبروتك يا شيخة. بعد كل ده راجعة تاني. أنا معنديش حاجة أعرف أديهالك يا سحر. سيبيني في حالي، بكفياكي عاد حرام عليكي.
صرخت بها في المقابل: لاااه، عندك كتير قوي. لساتك بتنعّمي في عز السوهاجية، وولدي اللي انكتب باسمك، لهفته ورثه في بطنك.
رغد بدفاع: جسمي بالله ما أخدت حاجة، ولا حد اتكلم في حكاية الورث دي واصل.
سحر: هصدقك. يبقى جه الوقت اللي تطالبي فيه بورثك انتي وولدي.
رغد بصدمة: واااه، ليه طيب؟
سحر: لحل ماخدت منيكي. مفكرة إني هسيب حقي ياك.
رغد: إني مقدرش أطلب شي، وحتى لو عملتها، هتاخديه كيف؟
سحر: أخده كيف؟ مليكيش صالح. أنا هتصرف وقتها. أما تقولي مقدرش، يبقى ذنب كل اللي هيتقتل في رقبتك.
بكت بقهر وهي تقول لها بتوسل: أحب على يدك، خليكي بعيد واحمدي ربك على اللي أخدتيه. أنا مقدرش أعمل اللي هتقولي عليه ده. حرام عليكي، همليني في حالي.
ردت عليها بتجبر: هسيبك يومين. يومين مفيش غيرهم. فكري وردي علي. بس لو فكرتي إنك لو جلت لحد على الحديث ده، يبقى انتي الجانية على روحك وروح عيلتك كلها.
وفقط، أغلقت الهاتف في وجهها وهي على يقين أنها ستخاف ولم تتفوه بحرف لأحد.
رواية دكتور نسا الفصل الثاني عشر 12 - بقلم فريدة الحلواني
الفصل الثاني عشر
صباحك بيضحك يا قلب فريدة.
بدأت قصة سيدنا يوسف بغيرة إخوته منه، مرورًا بوصوله للموت لما رموه في البير، بعدها اتباع زي العبيد، واتسجن ظلم. في الآخر انتهى برئاسة دولة. قصة طويلة فيها صعود وهبوط لحد ما وصل بكرم ربنا وفضله.
إخوته كانوا بيغيروا منه بس ربنا عوضه بحب أبوه.
اتباع على إنه عبد، بس عزيز مصر أخذه ورباه زي ابنه.
اتسجن ظلم، بس خرج منه يحكم خزائن الأرض.
كل اختبار ربنا بيحطنا فيه ليه حكمة، مش مطلوب مننا نعرفها، كل اللي علينا بس إننا نعمل اللي علينا وجوانا رضى وقناعة بحكمة ربنا وقضائه.
ارضي حتى يرضيكي ويجبرك ويعوضك ويبهرك بعطائه. أنا واثقة من كده.
وبحبك.
حينما يمنحك أحدهم الثقة والأمان، لا تفرط فيهما أبدًا. حينما يمنحك القدر شخصًا يمسك بيديك، تشبث بها جيدًا.
حينما يرزقك الله بعاشق، ضعه تاج فوق رأسك، فالكل يحب، ولكن العشق لا يحظى به إلا المميزون.
داخل مكتبه في مشفاه الخاص بالقاهرة، يجلس ليتابع بعض التحاليل لإحدى مريضاته التي سيجري لها عملية ولادة قيصرية.
طرق الباب ثم فتح، أطلت منه لمياء والتي ابتسمت له وهي تقول:
ممكن آخد من وقتك خمس دقايق ولا هعطلك؟
رد بجدية متعمدة كي يجعلها تلتزم بالحدود الذي رسمها لها:
اتفضلي يا دكتورة، لو خمس دقايق مش مشكلة لأن عندي عملية كمان نص ساعة.
كتمت غيظها منه بشق الأنفس وتقدمت لتجلس أمام مكتبه وهي تقول:
مش هعطلك يا عثمان.
نظر لها باستغراب لرفع الألقاب التي لم يسمح لها فوجدتها تكمل:
أنا بس عايزة أعرف أنت مش بتدخلني معاك العمليات ليه. غير إن أي شغل أو متابعة حالة بكون مسؤولة عنها بتخلي دكتور فوزي يتابعني، برغم إنك بتتابع بنفسك كل الدكاترة تقريبًا.
ممكن أفهم ده موقف شخصي حضرتك أخده مني، ولا أنا زعلتك في حاجة؟ أحب أعرف.
رد عليها بصرامة:
أولًا دكتور فوزي نائب رئيس مجلس الإدارة اللي هو أنا، طبيعي جدًا يكون مسؤول مكاني بحكم عدم تواجدي باستمرار هنا.
ثانيًا معتقدش إن علاقة الزمالة اللي بينا كدكاترة بنشتغل في نفس المكان توصل لدرجة إن آخد منك موقف شخصي، لأن أصلًا مفيش حاجة شخصية بيني وبينك، ولا هيبقي.
كاد أن يكمل حديثه الجارح بين سطوره كي يجعلها تفيق من هذا الوهم الذي تعيش فيه، إلا أن هاتفه صدح بنغمة خاصة، ابتسم وجهه دون إرادة منه.
فتح الخط دون أن يعير من تراقبه بغل أدنى اهتمام، بل من الأساس نسيها بمجرد أن رأى اسم معشوقته.
الذي رد عليها سريعًا وهو يقول:
حبيبي.
ابتسمت على الطرف الآخر ولكن للأسف قبل أن ترد عليه سمعت صوت تلك الخبيثة يقول بتعمد وهي تتجه للخارج:
خلص بسرعة يا عثمان ومتتأخرش، هستناك بره.
فقط، هرولت سريعًا إلى الخارج دون أن ترى غضبه الذي تصاعد.
أما الأخرى، اصفر وجهها ثم اشتعل بنار الغيرة مما جعلها تقول دون تفكير:
روح لها يا عثمان، مش معقول تهملها.
فقط، أغلقت الهاتف دون أن تعطيه حق الرد.
أما هو، جن جنونه، ظل يهاتفها كثيرًا ولكنها لم تعيره أي اهتمام كما يظن. لا يعلم أنها جلست تبكي بانهيار، فقد كانت تهاتفه كي تشجع حالها لتقص عليه ما فعلته أو طلبته منها تلك الحية، ولكن ما حدث، مجرد أن سمعت صوت أنثى تذكر اسمه مجردًا من أي ألقاب وبتلك الطريقة التي أوصلت لها مدى تقاربها.
جعل نار الغيرة تنهش صدرها، وهنا اختفى العقل، وصمت الأذن.
طرق فوق مكتبه غضبًا جمًا حينما لم يتلقَ ردًا منها، ألقى هاتفه فوقه حتى كاد أن يكسر ثم هرول للخارج بحثًا عن تلك الخبيثة التي تعمدت فعل ذلك.
سأل إحدى الممرضات عليها فدلته على مكانها.
دلف إلى الحجرة الخاصة بتجمع الأطباء، وبمنتهى التجبر قال لها أمام الجميع:
حالًا تكوني عند دكتور فوزي يعملك إخلاء طرف من المستشفى.
نظر لها بغضب ثم أكمل بمغزى فهمته جيدًا:
وإكرامًا مني، هخليه يسلمك شهادة خبرة مختومة باسم مستشفى السوهاجي.
أعتقد تقدري تشتغلي بيها في أي مكان، لأنك مبقاش ليكي مكان هنا.
فقط تركها وسط الكثير من التساؤلات من رفاقها والتي لم تجد ردًا عليها سوى الهروب ودموعها جعلتها لا ترى أمامها.
لن يقوى على المبيت في القاهرة وهي ما زالت لا ترد عليه، بل أغلقت هاتفها نهائيًا.
ولم يرد أن يحادثها عن طريق أخته أو أمه كي لا يثير التساؤلات.
اعتذر عن الحالات التي كان سيتولى فحصها وتركها لإحدى الأطباء.
ثم اتجه بعد منتصف الليل إلى مطار القاهرة ليستقل الطائرة المتجهة إلى مدينته.
وصل قبيل الفجر وكل خلية داخله تغلي غضبًا، سيربيها من جديد حتى تعلم من هو عثمان، سيعاقبها على عنادها ورأسها اليابس كما يقول دائمًا.
توعد وأقسم ونوى.
وكل هذا ذهب أدراج الرياح حينما وجدها تجلس أرضًا، واضعة رأسها بين قدميها، شهقاتها ملأت الأركان.
ضاع الغضب في تلك اللحظة، تنحى العقل جانبًا كي يفسح مجالًا لذلك القلب الذي اعتصر ألمًا وقلقًا عليها.
هي، انتفضت بجزع حينما أفاقها صوت الباب من تلك الأفكار السوداء التي غرقت بها منذ ساعات.
هو، انتفض رعبًا على مظهرها الذي مزق طيات قلبه.
لن يفكر مرتين، بل اتجه سريعًا نحوها. ركع أمامها ثم كوب وجهها الباكي بحنان وقال:
ليه كل ده؟ عم تبكي من وقتها يا قلب عثمان؟
أعقب قوله بالجلوس أرضًا وسحبها رغمًا عنها ليحتويها بين ذراعيه. زادت شهقاتها المقهورة حينما وجدته يملس على شعرها برفق ويقول:
ليه كل ده؟ اهدي يا قلبي، بكفاياكي بكي، عينك ورمت يابوي.
ابتعدت قليلًا لتنظر له بحزن وتقول كلمات غير مترابطة ولكنها كانت تذبحها وقت خروجها.
رغد:
هي دكتورة صوح، حلوة، هتلبس على الموضة، أنا جاهلة، مليش بالدكتور، غدرتني غصب صوح، كنت رايح فين وياها؟ قلبي مقهور، توي عرفت مقامي، آآآه.
أسكتها بقبلة ساحقة كي يمنع ذلك الجنون الذي احتلها. فصلها وقال بقوة:
كنك اتخبلتي يا رغد؟ مين دي اللي أطلع عليها وأنا قلبي ماشفش غيرك؟
أنا شوفتك بقلبي، وعشقتك بروحي، أنتِ مقامك عالي عندي، بكفاية إنك دونًا عن حريم الدنيا اللي قدرتي تهزي قلب الدكتور.
مرت عليّ نسوان أشكال وألوان، ولا واحدة لمست قلبي يا رغد، إنما أنتِ، هزتيه، خلعتيه من مطرحه وطمعتي فيه لحالك.
برغم تلك النبرة الصادقة التي يتحدث بها، إلا أنها لن تصدقه. ما مرت به جعل داخلها ندوبًا لم تشفَ بعد، ورغم كبريائها المزعوم وعنادها، إلا أنها حقًا فقدت الثقة في نفسها، ولِمَ لا ما مرت به ليس بهين.
وطبيبنا كان يمتلك من الخبرة والحكمة ما يجعله يعلم ذلك ويشعر به داخل عينيها المهتزة بعدم تصديق.
أكمل بيقين:
لو على الجمال، شوفت كتير، ولو على العلم شوفت أكتر.
بس بياض قلبك وروحك الطيبة ماشوفتش ولا هشوف.
أنا عشقتك في وقت ماكنتش طايقك فيه، لما كنت أتوعدك جواتي بأيام لون سواد شعرك.
أول ما أطلع في عنيكي، ألاقي قلبي عم ينخلع مني، حاولت أمسكه، أتثبت فيها لأجل ما يضل مكانه، بس كنتي أقوى مني.
خدتيه وطمعتي فيه لحالك، البصة في وشك بالدنيا وما فيها.
مهما سافرت وروحت وجيت، ما بقيتش ألاقي حالي إلا جوات حضنك يا رغد.
لو بعد كل ده لساتك هتشكي فيّ، يبقى متستاهليش عشقي ليكي.
ردت عليه شاكية:
حاسة حالي قليلة قوي عليك، أنت دكتور وراجل وكبير عيلة، والألف مين تتمناك، وأنا شوفت بنات مصر وحلاوتهم، وخلجاتهم.
النهاردة بس افتكرت إني جاهلة، مكملتش علامي.
بكت بقهر نابع من غيرتها عليه وخوفها من تلك الخبيثة:
أنا خايفة.
خايفة في يوم تزهق مني، أو يحصل شيء يبعدك عني، أنا ماقدرش أبعد عنيك صدقني، والله ما هقدر.
ضم وجهها بحنان وقال:
وإيه اللي يخليكي تبعدي بس، ربنا ما يجيبش بعاد.
رغد:
الدنيا واعرَة قوي، خايفة تفرّقنا، تبقى قاعد وراضي بحالك، تلاقي اللي ييجي ينغّص عليك عيشتك ويستكترها عليك.
شعر بداخله أن حديثها وراءه شيئًا ما، لن يسألها، بل سيتركها تقص له ما حدث بإرادتها، وبأسلوبه معها.
أراد أن يخرجها من تلك الحالة فقال ممثلًا الغضب المازح:
بعيدًا عن كل اللي عم تقوليه ده، أنا أهملت شغلي وكنت جاي أطربق الدنيا فوق نافوخك اليابس ده، قلبتي الترابيزة عليّ وبقيت أنا اللي عم أراضيكي، ينفع كده؟
اشتعلت داخلها الغيرة مرة أخرى فقالت بجنون:
أهملت شغلك، ولا الغندورة المصراوية؟
ضحك بصخب وهو يرد بمزاح وفرحة:
واااه يابوي! ده أنتِ غيرتك واعرة قوي!
تطلع لها بعشق ثم أكمل:
هتغيري عليّ صوح يا رغد؟
ردت بصدق:
من الخلجات اللي عم تلبسها، من كلت الناس اللي حواليك، ربي يعلم الليلة اللي بتقضيها ويا عيشة بيكون حالي إيه.
بحاول أصبر نفسي وأقول حقها، أنتِ اللي خدتيه منيها، بكرة هيكون جوات حضنك وتشبعي منه وتعوضي غيابه.
وييجي بكرة، ولا بقدر أشبع، ولا بقدر أنسى إنك بكرة عم تكون في حضن غيري.
بموووت من القهر، بس بردك لازمن أتحمل، لما عم تغيب، بتاخد قلبي وياك، ألاقي روحي فاضية مالهاش معنى، لحدت ما تعاود تاني.
وقتها بقول لحالي، توك قلبك عاود مطرحه يا بت العبايدة.
ما أحلى حديثًا يخرج من القلب ليصل بكل صدق إلى قلبٍ آخر متلهف شوقًا لسماع المزيد.
حاوطها بقلبه قبل ذراعيه، احتواها بروحه قبل ضلوعه، طمأنها بجموحه لا بمجرد حروف.
ولكن، رغمًا عنه حروفًا من نور خرجت منه وهو يعزف معها أجمل أنغام العشق، جعلت منهما تناغمًا رائعًا مثل فريق موسيقي يعزف خلف مغنٍ صوته عذب.
وبعدما انتهيا معًا، وبمنتهى الغباء، في وقتٍ لا ينفع فيه هذا السؤال.
كان يحاوطها تحت ذراعه وهو ما زال متمددًا معها فوق الأرض إذ إنه لن يجد لديه حتى الوقت ليتحرك تجاه الفراش، كان جموحه أكبر من أن يضيع لحظة واحدة.
تصلبت يده التي تعبث في خصلاتها المشعثة حينما سمعها تقول:
هو ورثي وورث رحيم قد إيه؟
هنا، تيقن مغزى حديثها منذ قليل، أحيي نفسي بل أرفع لها القبعة على ذكائي بل الأهم، شعوري بها فهمها بسهولة.
سحب جسده للخلف كي يستند على الفراش، سحبها معه، وضعها فوق ساقه.
تطلع داخل عينيها التي اهتزت قلقًا ورعبًا وهي تلعن لسانها المنفلت.
ولكنها تفاجأت به يقول بطريقة خرجت منه طبيعية:
كتير، وقوي كمان.
أكمل بخبث لم تلاحظه:
لساتني كنت عم أتحدد ويا المحامي لأجل ما يجهز الوصايا على رحيم، وأحسب نصيبك قد إيه وأحطهولك في البنك.
رغد بذهول:
أنت عملت كل ده من غير ما أطلب منك؟ يعني ما زعلانش مني؟
عثمان بمهادنة كي يصل لمبتغاه:
واااه، هو الحق بيزعل يا بنت الناس؟ أنا لقيتك مش سائلة قلت أتصرف أنا.
بس المشكلة في رحيم.
رغد بعدم فهم:
كيف ده؟
عثمان بمكر:
رحيم مش ولدك يا رغد، وأنا عمه اللي هبقى وصي عليه، خايف الخاينة دي تظهر في أي وقت، وتقول الحقيقة لأجل ما تاخد الواد.
ارتعبت حقًا بداخلها وقالت دون تفكير:
لااااه، ده ولدي، أنا اللي ربيته وتعبت وياه من أول ساعة اتولد فيها، وهي أكيد مش هتفكر تاخده، هي بس هتطمع في حقه، تغور بيه بس تسيب الواد.
ها هو اقترب بحنكة لمراده.
سألها بهدوء:
وإيش خبرك أنتِ؟ هي كلمتك ولا أنتِ بتجري الغيب إياك؟
رواية دكتور نسا الفصل الثالث عشر 13 - بقلم فريدة الحلواني
تأكد... بل تيقن إنها تخفي شيء يخص تلك الحقيرة حينما اهتزت حدقتيها يمينا ويسارا وهي ترد عليه كذباً على نصف سؤاله الأول فقط:
لااااه... لااااه...
هتكلمني كيف بس... أني مليش صالح بيها... لااه مهتجدرش تحدتني... ولا حتى تهددني بشيء.
صفق لحاله إعجاباً وفخراً... فقد فهم ما حدث أو استشفه بمنتهى البساطة.
ولكن ما أحزنه هو... مدارَتها عليه... ولكن بعيداً عن العاشق الذي يختلق أعذاراً دائمة لحبيبه... كانت الحكمة هي أساس تفكيره... لن يغضب منها قبل أن يسمع لما فعلت هذا... يعلم أن أمامه طريقاً طويلاً كي يزيل الخوف الذي زرع بداخلها... ويضع مكانه أمان نابع من ثقتها به.
غيَّر مجرى الحديث فجأة حينما بدأت يده تعبث بجسدها وهو يقول ممثلاً الغضب الذي ينافي ما يفعله الآن:
المهم دلوقتي... أني زعلان منكي... ومطايجش أطلع في وشك اللي كيه البدر ده... هتصالحيني ولا أبات غضبان والملايكة تلعنك طول الليل... جصدي لحد الضهر.
نظرت له بذهول وقالت بصوت لاهث متأثر بما يفعله:
وااااه بعد كده...
أمسكت يده لتوقفها عما تفعل وأكملت:
واللي لسه هتعمله... طيب كيف؟
رد ببراءة وقحة:
جلبي هو اللي كان رايده ومقدرش يمسك حاله عنكي... دلوقتي عجلي زعلان ورايده تصالحيه... راعي إني جاي من سفر وعملت مجهود... دورك بقى تفكيلي جتتي اللي اتخشبت من هرس الأرض ده.
خرج معها صباحاً من جناحهما ويدهم متعانقة كعناق فلوبهما العاشقة.
تنير الابتسامة وجهيهما ولكنها اختفت حينما وقفت عائشة فجأة تقطع عليهما الطريق.
من نظراتها المعاتبة لام حاله وشعر بتانيب الضمير.
أما هي فقد تطلَّعت لهما بغيرة وحقد تملَّك منها وظهر على صوتها جلياً حينما قالت:
رايدهك في كلمتين يا واد عمي.
هزَّ رأسه بتفهُّم ثم التفت إلى تلك الغيورة وقال برفق:
اسبجيني على تحت وأني هحصلك يا رغد...
حينما رأى عينيها المشتعلة تركها وهرب سريعاً مع الأخرى... حتى لا يضعف أمامها ويراضيها قبل الأخرى.
بعدما أغلقت الباب... نظرت له بحزن وقالت:
هتوجف جدام ربنا نصك مايل يا واد عمي.
عثمان:
ليه كده... أني جصرت معاكي في شيء يا عيشة؟
عائشة:
فيها إيه زيادة عني لجل ما تعشجها وأني لاااه.
كاد أن يرد عليها إلا أنها أكملت بغضب:
أوعاك تنكر... اطلع لحالك وأنت وياها... شوف عينك عم تبرج برج وهي جدامك... جيت على كتير... مرة اتحرجت وهبات وياها... ومرات كتير تهمل شغلك وتعاود نص الليل ليها... وأني صابرة وساكتة وأجول يا بت... الغربال الجديد ليه شده... أنتي الأساس... بكرة يزهج منها ويعاود ليكي.
بس طلعت كيه الحية... لفت عليك وسحبتك عندها كيف ما عملت جبل سابج ويا خوك.
كل ما قالته لها كل الحق فيه... إلا أن تنعَّتها بتلك الصِفَة... وغيرتُه العمياء رفضت أن تذكِّرَه بأخيه الراحل حتى وإن علم الحقيقة.
قاطعها صارخاً:
لحدت أهينها... ووجفي... أوعاكي تذيدي كلمة تانية... رغد مرتي... مهجبلش تجولي عليها كلمة شينة... كيف ما أني مهجبلش عليكي الهوا.
جوليلي ميتة جصرت وياكي... من أول يوم جوازي منها... كل يوم بكون وياكي جبليها... أنتي اللي أخدتي حجها أول... ولما فوجت لحالي... ولجل ما أجفش جدام ربنا نصي مايل كيف ما جولتي... بدأت أعدِّل... يومك ليكي لحالك... ويومها ليها لحالها.
لو على مرة ولا تنين بيت وياها في يومك كان لظروف مش بالمزاج... وكت بعوضك بعديها.
أوعاكي تكوني مفكرة إني مش واخد بالي من طلباتك اللي كل يوم عم بتذيد... هاتلي خلجات وأنت معاود من مصر... حاضر... في حتتين دهب عاجبني... حاضر.
كنك هتجولي لحالك أطول اللي أقدر عليه... أحسن منه ولا هتاخدي تمن سكوتك على جوازي؟
اهتزَّت عيناها خجلاً لصِحَّة حديثه فأكمل:
كنتِ دي مهيفرجش معاي... لكن تتهميني إني ظالم... دي اللي مهجبلها واصل يا عيشة.
بكت وهي تقول:
عندك حج... بس لو جبتلي الدنيا كلها تحت رجلي... مهيكفنيش يا عثمان... أني رايده جلبك... رايدهك تطلع عليَّ كيف ما بتطلع عليها.
ولأنه رجل... ولأن ما تطلبه ليس بيده... وجب عليه مراضاتها.
ضمَّها لصدره بحنان... قبل رأسَها برفق ثم قال:
يا بت دانتي بت عمي وأول بختي... وأم عيالي كماني.
عائشة بقهر:
بس مش حبيبتك يا عثمان.
رد عليها كذباً ولاول مرة يشعر بداخله أنه خائن:
دانتي الغالية يا عيشة... أنتي خَبَرَانِي مليش في الحديث المزوح ده... بس ليا في الفعل... وأني هثبتلك دلوقتي غلاوتك عندي.
وبينما الطبيب المسكين يحاول أن يثبت ما قاله فعلاً... كانت رغد تغلي كالمرجل بعد أن اشتعلت نار الغيرة داخلها.
وقفت داخل المطبخ تقطِّع بعض الخضروات بغلْ... بل كانت تتخيل أنها تقطع يدَيْه التي تلمس غيرَها.
نظرت لها نرجس بخبث وقالت:
الغيرة واعرة جواكي يا بُوِّي.
انتبهت لها بغضب... رفعت السكين أمام وجهها وقالت بجنون:
نرجس... متخلينيش أشْجِ بطنك اللي عم تتهز وأنتي كاتمة الضحكة... أني ماشيفاش جدامي... بعدي عني أحْسَلْك.
هنا ولم تتمالك نرجس حالَها إذ أطلقت ضحكاتِها التي كانت تحاول أن تكتمَها... هرولت إلى الخارج بخوف حينما ألْقَتْ عليها تلك المجنونة أحدَ الأواني كي تخرج غضبَها منها.
ولسوء حظِّها مالت إلى الأسفل فارتطَمَتْ بكتف طبيبِها الخائن كما نَعْتَتْهُ.
عثمان بوجَلْ:
وااااه هي الحرب جابت إهْنِيَّة ولا إيه؟
نرجس بضحك:
مرتك جنَّت على الآخر يا دكتور حَجَّاها.
نظر داخل عيونِها المشتعلة وقال:
مرتي ست العاجلين يا مخبِّلَة أنتِ... غوري من إهْنِيَّة.
اقترب منها ممثِّلاً الخوف وهو يقول:
مالك يا جلبي فيكي حاجة؟
ستقتلَه... حقاً ستمزِّقُ قلبَه... أم تفصِلُ رأسَه عن جسدِه... لا الأفضل أن تقطعَ يَدَيْه التي مَسَتْ غيرَها.
ظلَّتْ تتخيَّلُ ما تريدُ فعلَهُ بهِ ولم تشعرْ إلاَّ وهو يُحَاوِطُها من خصرِها ويقول باعتذار دون مواربة:
حَجَّكْ عليَّ يا جلبي.
تطلَّعَتْ له بغضبٍ جَمٍّ... دَفَعَتْهُ في صدرِه بقوَّة.
صَرَخَتْ بِهِ:
جاك وجع في جلبك يا جوز لتنين.... و....
رواية دكتور نسا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم فريدة الحلواني
صباحك بيضحك يا قلب فريدة.
عارفة أنا مؤمنة بيكي ليه؟ عشان حاسة إنك قوية. اللي تواجهي كل اللي أنتِ مريتي بيه تبقي قوية.
اللي لسه واقفة على رجليها برغم كل اللي حاولوا يوقعوها تبقي قوية.
اللي بتعافر عشان تنجح تبقي قوية.
عارفة إنك تعبتي، بس أنا واثقة إنك هتقدي وهتكملي. متخذلنيش.
أنا بحبك.
اتقي شر الحليم إذا غضب. جملة سمعناها كثيرًا ولكن لا نفهم معناها الحقيقي إلا إذا رأينا شخصًا يتسم بالهدوء والحكمة والرزانة
يصبح في قمة غضبه.
وقتها حقًا تصبح الرؤيا معتمة أمام عينه.
فلا يرى غير أفكاره السوداء التي صورها له عقله.
يعلم الله أنه حاول كثيرًا ألا يصعد لها ويكسر رأسها اليابس.
ظل يأكل حاله طيلة ساعة كاملة، يمنع نفسه عنها.
ولكنه رجل، وأكثر ما يؤلمه أن يجرحه أحدهم بالتقليل من رجولته.
فما بال لو كان هذا الشخص هو حبيبته التي عشقها حد الجنون.
حتى حينما أقسم على الانتقام منها في بادئ الأمر.
لم يفعل معها شيئًا يُذكر، بل صدق حدسه أنها بريئة من ذنب أخيه، سار ورائه إلى أن أثبت صدقه.
لم يفعل معها ما يخيفها منه، بل فعل كل ما بوسعه كي يكسب ثقتها ويشعرها بالأمان، ولكن فشل.
عند تلك الكلمة، والتي لم تكن موجودة في قاموس عثمان السوهاجي.
توقف عقله عن العمل، تحرك سريعًا للخارج ومنه إلى الأعلى.
دفع الباب بقوة أرعبتها، علمت من مظهره الإجرامي أنه علم سرها. لم يكن لديها الوقت أن تفكر كيف علم بذلك، أو هو لم يمهلها هذا الوقت.
انقض عليها مثل الثور الهائج، صرخت بألم ورعب حينما لف خصلاتها الطويلة حول يده.
أمسك وجهها بعنف كي يجبرها على النظر له وقال بغل:
اطلعي عليّ، اطلعي عليّ يا بت العبايدة. شايفاني مش راجل قدامك؟
شد على خصلاتها دون أن يهتم ببكائها المرير وأكمل بغضب:
ما مليتش عينك صُح؟
خوفتي من واحدة فاجرة هجيبها تحت رجلي وأقطع منها جزل؟ مش هعرف أحميكي؟ انطقي، ليه خبيتي عليّ؟
كل ما كانت تفعله هو محاولة هز وجهها المتحكم فيه بيده القابضة عليه كي تنفي كل ما يقوله.
صاح بغضب وهو يتحكم بحاله بصعوبة كي لا يضربها:
أنتِ خوفتي منها صُح؟
ما فكرتيش إن معاكي راجل يقدر يحميكي صُح؟
يبقى ما تلزمنيش. المرأة اللي تقلل مني لو كنت هاموت من غيرها ما تلزمنيش.
اتسعت عيناها بذهول، لا تصدق أنه سيتركها.
انهمرت دموعها وانهارت وحاولت الرفض بصعوبة:
لاااه!
ترك وجهها وقبل أن يتفوه بحرف كانت تتوسله قائلة:
أحب على يدك، قسمًا بالله كنت هقولك.
تركها وابتعد كي لا يضعف من انهيارها وقال بحسم:
كنتي، وإيه اللي منعك؟ خلاص يا رغد.
اقتربت منه وقالت بجنون:
لاااه ما فيش حاجة خلصت، أنا خُفت ما أكدبش عليك، بس فكرت وقلت لازم يعرف، كنت مستنية تخلص شغلك وأقولك والله صدقني يا عثمان.
عثمان:
خَبِرة، أنا توّي عرفت إني أهون الناس عليكي.
هزت رأسها بهستيريا رفضًا لما قيل.
لم يهتم وأكمل:
هي دي الحقيقة، أنتِ خوفتي لينفتح التار من جديد، ضحيتي في الأول لأجل ما تحافظي على عيلتك وما تخسريش حدٍ منهم.
وضحيتي تاني بجوازك مني، برضه لأجل عويناتهم.
ولغيتي رجولتي لأجل خاطرهم.
عقلك الغبي مخليكي تبصي تحت رجليكي وبس.
لو بتفكري صُح هتلاقي إن هما اللي هيبقي ليهم تار عندنا، ولدنا هو اللي خد بت عمك، هيخسوا عارهم كيف يا رغد؟
بلاها كل ده، رحيم، اللي عم تحولي ولدك، ما فكرتيش فيه؟ كيف هيفضل مكتوب باسمك؟
لو خلفتي مني بنت، هيكبروا على إنهم أخوات صُح؟
ما هيحضنش أخته؟ ما هيقلعهاش؟
كل ده حرااام لإنها بنت عمه مش أخته يا رغد.
طب كيف تتحل؟ كيف الناس تعرف إنه مش ولدك لأجل ما نقعش في حرمانية؟
ورثها، مهما عملت هتفضل ليها حق عندنا، ولا هنضلل حالنا يا رغد؟
أنا، أنا ما كنتش ضمن حساباتك يا رغد، أنا اللي عليّ أواجه كل ده وأجيب له حل كمان.
كل ده كوم، ومرتي، مرتي اللي عشقتها وما بقتش أنظر غيرها، تطعني في ظهري بسكينة تلمة.
تنفس باختناق ثم أكمل بحسم:
من أنهارده اعتبري حالك ما لكيش راجل، هتفضلي هنيّة لحد ما أحل كل ده، بعديها مش هتكوني على ذمتي لحظة.
كادت أن تتوسله إلا أن هاتفها صدح باسم تلك الخبيثة.
أمسكه سريعًا وحينما رآه كاد أن يحطم الهاتف من شدة غضبه.
نظر لها وقال:
ردي عليها، قولي لها إنك سألتيني على الورث وإني زعقت لك، قلت لك إني الوصي على ولد أخوي وإني اللي هتصرف في ورثه.
إياااكي تبيني إنك خايفة ساااامعة؟
انقطع الاتصال ولكنها عاودت مرة أخرى.
فتح الخط وفعل خاصية مكبر الصوت.
سحر بغل:
خبر إيه عاد ما هتدروديش طوالي ليه؟ أنتِ بايعة دم أهلك ولا إيه؟
خرج صوتها مرتعش رغماً عنها وهي تقول:
كنت في الحمام.
سحر باستغراب:
صوتك ماله يا بنت عمي؟ شكلك بكيانة.
أكملت بشماتة:
الدكتور ضربك؟ ولا أمه مشندلة عيشتك؟ ولا يمكن ضرتك؟
رغد ببكاء لم تتحكم به:
عثمان مشندل عيشتي من يوم ما قلت له عالورث.
سحر باهتمام:
ليه، قالك إيه؟
رغد:
قال لي من متى والحريم هتسأل على ورثها؟
أنا الوصي على ولد أخوي، وأنتِ حقك هتتنازلي عليه لرحيم برضه.
انتفضت سحر من مجلسها بغضبٍ جم، صرخت قائلة بينما هو بذكائه سحب ورقة وقلم سريعًا كي يكتب شيئًا ما ويضعه أمام عين رغد كي تقوله لها.
سحر:
وااااه، وأنتِ ما قدرتيش تقفي قصاده؟ أنتِ كده هتخربي عالكل، لازم تقنعيه أحسن لك، أنا ما هسيبش حقي ساااامعة؟
قرأت ما كتب لها وقالت:
اسمعيني زين يا بنت عمي، الدكتور من الأساس مش طايقني، مفكر إن أنا السبب في موت أخوه.
سحر:
كيف كده؟
رغد:
ما أنتِ خابرة إنه كان مبين قدامهم إنه عاشقني، المهم مش وقت الحديث ده.
الحل الوحيد إنك تتحدثي ويا الدكتور.
سحر بخوف حاولت مداراته:
كنك اتجننتي إياك؟ ده كان يقتلني، أنتِ رايدة أرمي نفسي في النار يا مخبلة أنتِ؟
رغد بثبات وحقًا قد قوي قلبها بوجوده:
هو أنا بقولك تيجي لحد عندي؟ اتصلي بيه، وقولي له إنك رايدة ولدك، هيقلق من الفضيحة ووقتها هيعمل كل اللي هتطلبيه منه.
إنما أنا لو قعدت لميت سنة قدام أطالب بحقي ما هيسأل فيّ، وأنتِ خابرة عوايدنا زين.
صمت حلّ بالمكان وتلك الحية اقتنعت بالفعل بذلك الحديث الذي يبدو عقلانيًا لأقصى حد.
أما هو كان يهرب من نظراتها المتوسلة له وينظر إلى الهاتف بغل.
سحر:
حديثك مضبوط، أمهليني يومين أفكر فيها زين، بس أنتِ خابرة أنا ممكن أعمل إيه لو فكرتي تنطقي بحرف، أنا حذرتك وبأكد عليكي، وفقط.
أغلقت الهاتف سريعًا.
وقبل أن تفتح فمها كي تتحدث، كان هو الأسرع في التحرك للخارج آخذًا معه هاتفها كي لا تتصرف بغباء كعادتها.
أسبوع مر لم تره فيها، تحجج بعمله في القاهرة ومن وقتها وهو يقيم هناك.
لم يحادثها فيهم وهي، هي كانت تتلظى فوق جمر ملتهب، نار حزنها أحرقتها، نار ندمها أكلت أحشاءها، والأكثر من ذلك لهيب شوقها إليه.
أما هو، كان يتمدد فوق فراشه داخل شقته الخاصة، آلمه قلبه على ابتعاده عنها، أمسك هاتفًا جديدًا مليئًا بصور لها، بل مقاطع مصورة أيضًا.
ابتسم بهم حينما تذكر.
فلاش باك:
دلف عليها وهو يحمل الكثير من الحقائب المليئة بالثياب الخاصة التي يتمنى أن يراها عليها.
والكثير من الأغراض وكان أهمهم.
هاتفان جديدان من نفس النوع.
رغد بفرحة:
وااااه كل ده عشاني؟
لف ذراعه حول خصرها وقال بعشق:
لو أقدر كنت جبت الدنيا بحالها تحت رجليكي يا حبيبتي.
رغد:
يخليك ليّ، أنا ما أريدش شيء غيرك.
قبلها بنهم ثم فصلها وقال بعد أن تحرك بها تجاه الفراش:
أهم شيء في كل ده، دول.
أخرج الهواتف من إحدى الحقائب ومدهما لها.
رغد بفرحة:
الله ده حلو قوي، بس ليه تكلف حالك كل ده؟ لا ده جايب اتنين كمان.
عثمان:
واحد ليكي وواحد ليّ.
رغد:
مبارك عليك يا قلبي.
عثمان بمكر:
ما سألتيش ليه؟
نظرت له بعدم فهم فأكمل وهو يحيط وجهها وينظر لها باشتياق:
لما هتنزلي مصر بتوحشيني، ببقى هاتجنن عليكي.
بتتحدثي وياكي كتير صُح؟ بشوفك فيديو صُح؟ بس طول الوقت رايد أملي عيني منيكي.
فكرت أجيب تليفون جديد ليكي لحالك بس، أصورك بيه لحد ما تبقي معاي طوالي.
رغد بسذاجة:
هو تليفونك ما هيصورش؟
ضحك برجولة ثم قال:
لا هيصور، بس أنا بهمله في المكتب أو في أي مكان، ممكن يضيع مني أو حد ولد حرام يفكر يفتحه.
ما ينفعش يكون عليه صورك يا رغدي، أكمل بخبث وقح:
أصلي هصورك حبة صور وفيديوهات، نااار يا بوي نااار.
باك:
عاد بذاكرته وهو يملس فوق شاشة الهاتف التي تظهر إحدى صورها وهي عارية، قال باشتياق أهلكه:
على قد ما وحشتيني، على قد ما قلبي موجوع منيكي، ليه كده يا رغد ليه؟
صدح هاتفه باسم أختها، رد سريعًا:
سلامو عليكم.
شادية:
وعليكم السلام، كيفك يا دكتور؟
عثمان:
في نعمة من ربنا.
شادية:
لما تحدثت وياي من أكثر من أسبوع، وقلت لي اللي حصل.
أنا وافقت على حديثك إني ما أروحش لأختي لأجل ما تعاقبها على اللي عملته.
قلت لك وقتها أنت صُح، لازم المرة دي بالذات تفكر لحالها وتعرف إن اللي عملته كان غلط من غير ما أدخل ولا أوجهها.
أنا بذات نفسي زعلت منها.
تنهدت بحزن ثم أكملت:
بس مش كتير كده يا دكتور؟
فات أسبوع وأكثر وهي لحالها، أقرب اتنين ليها أهملوها، زي ما بيقولوا لا واكلة ولا شاربة ومقطعة نفسها بكي.
قلبي واكلني عليها يا دكتور، لو هونت عليك تقسى عليها ما تهونش عليّ.
عثمان بنبرة تقطر وجعًا:
ومين قال إنها هانت؟ ولا أنا قادر أتحمل فراقها يا أم محمد.
أنا عم أحارب حالي لأجل ما أظل بعيد، كان لازم أقسى عليها لأجل ما تتعلم، لو حنيت هتفكر إن الحكاية سهلة ويومين وعدت.
ولما طلبت منيكي ما تروحيش، لإنها اتعودت تاخد رأيك في كل شيء، دي حاجة زينة، ومتأكد إنك بتنصحيها بالصالح.
بس برضه لازم يكون ليها رأي لحالها، ما ينفعش تعتمد عليكي في كل حاجة.
قلت أهملها لحالها تراجع نفسها، تشوف الصُح من الغلط.
شادية بهم:
أختي رغم عنادها وطولة لسانها بس هبلة، ولما بتزعل عقلها بيوقف وبتتصرف من غير تفكير.
عثمان:
عشان كده أنا خدت تليفونها.
شادية برجاء:
طب بكفاية لحد كده لأجل خاطري أنا، فهمها بالعقل، علمها بالراحة، دي لسه صغيرة وجواها زي الصفحة البيضا، أنت اللي بيدك هتكتب فيها اللي تريده يا دكتور.
جاءه الاتصال المنتظر، أخيرًا.
عثمان باهتمام:
ها يا عماد عرفت توصل؟
عماد بفخر:
عيب عليك يا باشا، جبتلك كل المعلومات عنه من أول ما اتولد، لحد اللحظة اللي بكلمك فيها.
عثمان:
طب اخلص وقول يا عم كرومبو.
ضحك عماد وقص عليه تاريخ حاتم كله، وكل المعلومات التي يريدها.
وأخيرًا قال:
بس كده ده كل اللي وصلت له، وأهم حاجة إن الناس كلها بتشكر فيه، وبتقول إنه حقاني عمره ما جه على حد ولا ظلم حد.
عثمان:
ده في الشغل إنما خاربها في حياته الخاصة صح؟
عماد:
هو خاطب بنت خالته زي ما قولت لك، بعدين شباب بقى يا دكتور وبيعش يومين قبل ما يدخل القفص، إحنا اللي يهمنا أخلاقه وطريقته في الشغل.
عثمان:
عندك حق، هو رجع من يومين مصر صح كده؟
عماد:
حصل يا باشا.
عثمان:
حدد لي ميعاد معاه في أقرب وقت.
دلفت عليها عائشة كي تعطيها ولدها، ولكنها تصنمت مكانها حينما رأتها ملقاة أرضًا.
وضعت الطفل جانبًا واتجهت لها تحاول إفاقتها وهي تقول بقلق حقيقي:
رغد، أنتِ يا بنت، فوقي إيه اللي جرى لكِ؟
لم تتلق ردًا فهرولت إلى الخارج تصرخ من الأعلى بوجل:
يا نرجس، الحقوني يا خلق!
هرول الجميع إلى الأعلى برعب، لا يعلمون لما تستجير بهم، وجدوها تتجه نحو جناح رغد فزاد رعبهم أكثر.
عفت ببهوت:
وااااه مالها البنت؟ شيلوها حطوها فوق السرير.
حملتها نرجس وعائشة ومعهم إحدى الخادمات.
عائشة:
رحيم كان عم يبكي، قلت أطلعهولها، دخلت لقيتها مرمية كده وسخنة مولعة.
نرجس بقلق وهي تحاول أن تفيقها بتقريب بعض العطر الفواح إلى أنفها:
يا ماما دي سخنة قوي وما هتفوقش، لازم دكتور.
عفت:
اتصلي بجوزك يجيب دكتور بسرعة يا بنتي.
عائشة بحكمة تحسب لها:
لاااه، دكتورة يا حاجة، أنا خابرة ولدك زين، ما ناقصينش يولع في الدار.
تحية بغيظ همست لها:
خايفة عليها قوي، ما تسيبيها أنتِ مالك، يا كش يولع فيها يا واكلة ناسك.
عائشة بطيبة وتعقل:
واااه يا ماما، ما هتوصلش لحد كده، إحنا بيناتنا كيد ضراير، إنما توصل إني أبقى خابرة طبع جوزي وأخالفه لاااه، كيف هقبل لحمته يتعرى قدام غريب حتى لو كان دكتور؟ دي عرض جوزي وأبو عيالي يا ماما.
حضرت الطبيبة وقامت بفحصها، أعطتها بعض الأدوية عن طريق محلول معلق.
وبعدها قالت بجدية:
حرارتها كانت أربعين، الحمد لله إنكم لحقتوها، ما فيش أي حاجة عضوية، تقريبًا السبب نفسي، يا ريت تبعدوها عن أي حاجة مزعلاها.
رفضت عفت رفضًا قاطعًا أن يتصل أحدهم بولدها ليخبره، كانت تشعر أن غيابه وراءه شيئًا ما كبيرًا حدث بينهم.
وأن تلك المسكينة لم تتحمل قسوته لذلك كتمت بداخلها حتى مرضت.
قررت معاقبة ولدها بعدم إخباره كي يؤنبه ضميره بعدما يعلم بما حدث لها.
اهتمت بها نرجس وعائشة التي تغاضت عن غيرتها منها وحكمت ضميرها.
بل والأكثر من ذلك حينما نهرتها أمها على كل ما تفعله مع رغد.
ردت عليها بحسم:
يا ماما حرام عليكي البنت تصعب على الكافر.
تحية:
طول عمرك هبلة، نسيتي قوام إنها خطفت جوزك منيكي؟
عائشة بحزن:
لاااه ما نسيتش يا ماما، بس برضه ما كانش لازم أنسى إن دي عوايدنا، يا ريتني ما سمعت حديثك لما خلتيني أطلب منه دهبات، خليتي منظري شين قدامه، وهو حق ربنا عمره ما قصر وياي، حتى بعد ما اتجوزها بقى يعاملني أحسن من الأول.
نظرت لها بهدوء ثم قالت بقناعة تامة:
أمهليني يا ماما أحافظ على اللي باقي لي من راجلي، لو فضلت ماشية ورا حديثك ده، محدش هيخسر غيري.
عائشة بهمس:
أنا خايفة يا نرجس، أخوك لما يعاود ويعرف إننا دارينا عليه هيسود عيشتنا.
نظرت للغافية أمامهم لا تشعر بمن حولها وقالت بحزن:
والله ما عارفة يا عيشة، حاولت أعرف منها السبب، شنضلتني.
عائشة:
وأنا ما هاسكتش أكثر من كده، أنا هقوله واللي يحصل يحصل.
أعقبت قولها بالاتصال عليه وبمجرد أن سمعت صوته يسألها عن حالها، تملك منها الرعب وردت بصوت مهزوز:
هاا، بخير يا ولد عمي.
ضم جبينه باستغراب بعدما استشعر أن هناك شيئًا ما فسألها:
في إيه يا عيشة، مالك؟
ألقت ما تريد إخباره به سريعًا:
رغد عيانة بقى لها ثلاث أيام والحاجة ما رضتش حد فينا يقولك.
انقبض قلبه بل شعر أنه سيخرج من مكانه، انتفض من مجلسه وقال بهلع لم يفكر أن يداريه:
مالها رغد؟ انطقي، وكيف محدش خبرني؟
كان يتحدث وهو يهرول إلى خارج منزله الذي كان توًّا وصل إليه.
ارتعبت من صراخه وقالت:
الحاجة هي اللي قالت.
عثمان:
اقفلي.
فقط أغلق معها وهو يصعد سيارته متجهًا إلى المطار، اتصل بأمه وحينما ردت عليه قال لها بعتاب غاضب:
ليه يا ماما؟ ليه تخبي عليّ؟
علمت بعلمه بما حدث، ردت بنبرة أكثر غضبًا:
إياك مفكر إني ما واخداش بالي؟ أنت سافرت بقى لك يجي عشر أيام، والبنت يا حبة عيني بعد ما كان وشها زي البدر المنور، بقى زي الليمونة الصفرا.
لا هتاكل ولا هتشرب لحد ما وقعت من طولها، أيوه أنا اللي قلت لهم محدش يخبرك، خلي قسوتك تنفعك يا دكتور.
صاح بها لأول مرة بقهر:
يا ماما أنتِ ما خابرة حااااجة!
عفت بحسم:
ولا رايدة أعرف شيء.
كل اللي أعرفه إن البنت لساتها صغيرة، حتى لو غلطت، تفهمها بالعقل مش بالقسوة والبعد يا دكتور يا كبير يا عاقل.
أغلقت في وجهه دون أن تعطيه فرصة للرد عليها، نظرت للأمام بغضب وقالت:
أنا اللي هربيك من أول وجديد يا دكتور، لازم أبطل لك كبرك وقسوتك دي.
ماذا سيحدث يا ترى؟
سنرى.
رواية دكتور نسا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم فريدة الحلواني
صباحك بيضحك يا قلب فريدة.
لما تعملي كل اللي عليكي عشان تحافظي على حد، وتلاقيه مصمم يقلل منك، أوعي تترددي لحظة إنك تخرجيه بره حياتك. أنتِ عارفة قيمة نفسك كويس، وعارفة كل واحد عمل معاكي إيه، وإنك رديتِ له اللي عمله أضعاف مضاعفة.
صدقيني هو الخسران مش أنتِ.
أنا بحبك.
وقت الشدة تظهر معادن الأشخاص.
والمواقف أيضًا من خلالها نتأكد من عشق أحدهم أيضًا.
لا يعلم كيف وصل إلى بلده ولا شعر بحاله وهو يصرخ في حمزة الذي كان ينتظره أمام المطار كي يسرع في قيادة السيارة كي يصل إليها بأقصى سرعة.
لم يهتم بمن يجلس في بهو السرايا، بل لم يراهم من الأساس.
قلبه كان يجره جرًا إليها، ماذا حدث لها؟ هو السبب. حمل نفسه المسؤولية كاملة حينما دخل الغرفة ورأى وجهها شاحبًا، غافية لا تشعر بمن حولها.
وقفت عائشة ونرجس وقالت الأولى:
حمد الله بالسلامة يا واد عمي.
حاول تمالك حاله كي لا يجرحها بلهفته عليها التي كانت ظاهرة بوضوح.
عثمان: الله يسلمك يا عيشة.
نرجس: اطمن يا خوي، أنا وعيشة ما فايتناش ليل ولا نهار.
نظر لتلك التي تكتم حزنها من لهفته عليها رغماً عنها وقال بإجلال:
طول عمرك قلبك طيب وبنت أصول، ربنا يبارك لي فيكِ.
ابتسمت له بهدوء ثم قالت:
خليك وياها، بردك أنت دكتور وهتفهم عنينا.
تحركت من أمامه وهي تقول:
يلا يا نرجس.
بمجرد أن أغلقوا الباب خلفهم بهدوء، أسرع تجاه الفراش. جلس جانبها ثم سحبها بتمهل مليء باللهفة ولكن بحرص كي لا يؤلمها سن الإبرة المغروز في كفها.
ضمها بحنان، قبل رأسها كثيرًا ثم قال بحزن وندم:
حقك على عيني يا قلبي، افتحي عينيكِ واعملي فيَّ اللي بدك إياه. أنا محجوج لك، بس كنت مجهور منكِ، أوعاكِ تكوني صدقتي إني أقدر أهملك، ده أنا روحي فيكِ.
لم تشفق عليه ولم ترحمه، ظلت غافية بين ذراعه رغماً عنها.
ظل طوال الليل على هذا الحال، لم يغمض له جفن، بين الفينة والأخرى يجس نبضها، يتحسس جبهتها كي يطمئن على درجة حرارتها، إلى أن أتى الصباح.
وصلت سحر إلى مطار القاهرة الدولي، وجدت في انتظارها حاتم الذي سبقها بيوم.
بعد تبادل السلامات صعدت معه السيارة ثم قالت بخبث:
أنا هرفع قضية خلع على جوزي، حاولت معاه كتير لما اتصلت بيه إمبارح بس رفض.
نظرت له بمكر تدرس ملامحه بعد تلك الكلمات ثم قالت:
مش كده أحسن؟
رد عليها بتسويف فهو رجل أعمال، كل ما يهمه المكسب وفقط، ولا مانع لديه أن يستغل علاقاته النسائية في تسيير أعماله، ولكن حينما أراد الارتباط، اختار ابنة خالته التي يعلم تمام العلم حسن أخلاقها وتربيتها الحسنة.
حاتم: الأصلح ليكي اعمليه، أنتِ بتقولي إنه مش مكفيكي كزوج، ولا بيعاملك كويس، يبقى حرام تضيعي شبابك معاه، أنتِ لسه صغيرة وحلوة وألف راجل يتمناكي.
ابتسمت بفرحة داخلية حينما فهمت حديثه بشكل خاطئ، فقد هيأ لها غرورها أن تلك الكلمات مجرد مقدمة لارتباطه بها.
وهل يحتاج مقدمات بعد كل ما حدث بينكما أيتها الحقيرة؟
بمجرد أن تململت بين ذراعيه، فتح عينه سريعًا قبل أن تأخذه غفوة لم تدم أكثر من عدة دقائق.
أول ما فعله هو اختبار حرارتها للمرة التي لا نعلم عددها.
أزال عنها سن الإبرة بعد انتهاء المحلول المعلق.
ظل ينظر لها بتمني علها ترأف بحاله وتنير يومه بإشراقة شمسها.
لم تشعر براحة في ذلك الوضع الذي لا تعرف ماهيته، هذا ليس ملمس فراشها، ما بالي أشم رائحته؟ هل وصل بي الحال أن أتخيله؟
ولكن، ذلك الصدر الصلب ليس بوسادتي، وسادتي... هنا بدأ عقلها ينتبه أن هناك خطأ ما.
فتحت عيناها بتمهل، وجدت قبالتها وجهًا يصرخ قلقًا رغم ابتسامته الباهتة.
حاولت تكذيب حالها أنه هو، وأن كل ذلك تخاريف الحمى التي أصابتها.
إلا أن صوته الشجي أكد لها وجوده حينما قال بعشق:
توها شمسي طلعت لما فتحتِ عينيكِ يا حبيبتي.
رغد بوهن ودموع:
عثمان، أنت عاودت؟
مسح وجهها برفق وقال بلهفة:
هو أنا قدرت أبعد لجل ما أعود يا قلب عثمان؟
ردت عليه باكية معاتبة:
بعدت، وأهملتني، كنت تايهة من غيرك، هونت عليك؟ والله ما كنت أقصد أخبي.
بدأت نوبة انهيار لحقها سريعًا حينما ضمها وقال:
بس، ما تبكيش، لساتك دافية.
بلاش حديث دلوقت، لساتك تعبانة.
دفنت رأسها داخل صدره وقالت من بين دموعها بطفولة:
مانت زعلان مني، وهتهملني تاني.
قبل رأسها بحب وقال:
لااااه، أنا قاعد وياكِ، ونسيت أي زعل بعد ما خدتك في حضني. هنتعاتب يا قلبي، وهفهمك الصح من الغلط، بس لما تطيبي وتبقي زينة، وتعودي رغد الكيادة العنادية تاني.
رغد بخوف:
بس أنت قولت هتطلقني.
ضمها بقوة دون شعور منه وقال:
هو أنا أقدر؟ في حد يبعد عن روحه؟ اهدي بس، أطمن عليكِ الأول وبعدها هنتحدث كيف ما أنتِ رايدة.
جميع العائلة ملتفة حول طاولة الإفطار إلا عثمان ورغد، والذي أمر أن يحضروا له الفطور في الأعلى.
تحية بخبث:
هي لساتها عيانة؟ ما كانوش حبة سخونية دول.
عبدالعظيم:
الدكتورة قالت دور واعر قوي، الله يشفيها.
تحية:
كلنا هنتعب، بس ما فيش حد يضل راقد كده، بس الدكتور شكله مجلعها.
أغمضت عائشة عيناها بغيظ من أمها.
وردت عفت بقوة:
حقها، مرته وهو حر، بس اتقي ربنا، البنت ما كانتش قادرة تفتح عينها، وضلت يومين غايبة عن الدنيا، رايداها تنحرك كيف وهي ما قادرة تصلب طولها يا نظري؟
نرجس بحزن:
قبل ما أنزل فوت عليهم أطمن، عثمان قال لي لساتها فايقة بس مدروخة، والسخونية نزلت شوي عن الأول، بس لساتها عالية بردك.
حمزة:
ربنا يشفيها، دي فرح ولد أخوها بكرة.
عفت:
ما لهاش نصيب تحضره.
وطبيبنا اعتبرها ابنته الصغيرة التي سيغدقها دلالاً، سيعلمها بتعقل، سيعاتبها بحب، ولكن ليس الآن.
وضعها برفق فوق الفراش، اتجه ناحية المرحاض، غاب لعدة دقائق ثم عاود لها مرة أخرى.
قربها منه وهو يقول:
جهزت لك البانيو، تعالي اقعدي فيه شوي لجل ما تفوقي.
حاولت القيام وحدها وهي تقول:
يخليك ليَّ.
منعها سريعًا من التحرك وهو يقول:
رايحة وين؟
رغد:
هتسبح كيف ما قولت.
ابتسم بعشق ثم قام بحملها سريعًا وهو يقول:
وأنا روحت فين يا قلبي؟ جهزت لك كل حاجة، هحميكِ بيدي كمان.
دفنت رأسها داخل صدره بخجل وقالت:
أنا هعرف لحالي.
لم يلقِ بالاً لرفضها الواهي، بل أنزلها بالداخل برفق، جردها من ثيابها، رفعها بهدوء كي يجلسها داخل حوض الاستحمام، جاهد حاله كي لا ينقض عليها، فهو عاشق، اشتاق لحبيبته، والتي تجلس أمام عيناه الجائعة، وهي لا تشعر بما يدور داخله.
لم تتلقَ دلالًا قط مثل الذي نالته على يده، غسل شعرها برفق، ملس على جسدها بحنان جامح ورغمًا عنه كانت يداه تخونه وتظهر ما يجيش في صدره لها.
جفف جسدها بحنو، ألبسها ثيابًا نظيفة، حتى إنه جلس خلفها يجفف شعرها ويمشطه.
ابتسمت بحلاوة وقالت بعد أن شعرت بتحسن كبير:
وااااه، كتير على الجلع ده كله.
وضع خصلاتها على جانب واحد، دفن رأسه في تجويف عنقها بعد أن ضمها من الخلف وقال:
الجلع اتخلق عشانك أنتِ بس يا رغدي، لو أطول أفرش لك الأرض حرير كنت عملتها.
أسندت رأسها للخلف وقالت بوله:
وجودي وياك أكبر نعمة يا عثمان.
ما تحرمنيش منها.
حينما شعر بالاختناق في صوتها، سحبها لتجلس فوق ساقيه وتواجهه ثم قال بحنو:
أنتِ قلب عثمان من جوه، كيف أبعد عنيكِ بس؟
رغد:
مش أنت اللي قولت؟
قاطعها سريعًا وهو يقول بجدية:
مش كل اللي هيتقال في وقت الزعل نمسك فيه ونصدقه.
أنا كان حقي أزعل منكِ، كان حقي أعاقبك، بس لقيتني بعذب روحي ببعدي عنيكِ.
أنتِ غلطتِ غلط واعر قوي لما ما وثقتيش فيَّ وحكيتِ لي.
وأنا غلطت لما ما قدرتْش خوفك واللي عشتيه قبل سابق.
كان لازم أفهمك بالعقل، وحتى لو زعلان، ما أبعدش.
أنا عرفت، لاه، اتأكدت من قيمتك جواتي، قلبي ما عادش يدق غير لما ضميتك جوه حضني.
لما قالوا لي إنك عيانة، حسيت روحي بتنسحب مني، ملعون أبو الزعل على أي حاجة في الدنيا قصاد اللي حسيته وقتها.
لا عارف وصلت المطار كيف ولا كيف لقيتني جنبك، على قد ما الخوف كان شاغل بالي وما حسيتش بكل ده.
على قد ما حسيت إنهم أطول ساعتين عدوا عليَّ في حياتي كلها.
قبلها برفق ثم ابتعد وقال:
المهم دلوقت مش وقت حديث، هاكل بيدي وأكشف عليكِ، تاخدي علاجك وتريحي، ولما تفوقي خالص وربنا ياخد بيدك، هنجلس ونطلع كل اللي جواتنا لجل ما ما يكونش في حد جواته شيء من الثاني، ولجل ما نفهم بعضينا.
قبلها بسطحية ثم أكمل:
ماشي يا حبيبتي.
يومان مروا عليهم، تعافت فيهم بعد اهتمامه بها، بل أغرقها دلالًا وعشقًا، خوفه عليها، لهفته الظاهرة للعلن جعلتها تعض على أصابعها ندمًا على ما اقترفته في حقه.
لم يعاتبها، بل لم يلمح لها بكلمة حتى عما فعلته، كان كل همه أن يراها كما كانت، تملأ دنياه صخبًا وعشقًا كما اعتاد عليها من قبل.
واليوم اضطر راغمًا أن يتركها ويرحل بعدما أتاه اتصالًا من عماد يخبره بميعاده الذي كان ينتظره بشدة مع هذا الحاتم.
بعد أن ارتدى ثيابه جلس أمامها وقال:
ما هغيبش عليكِ، هسافر وأعود طوالي، غصب عني، شغل مهم ما ينفعش يتأجل.
ابتسمت له بعشق ثم قالت:
يا حبيبي أنا بقيت زينة، ما تشغلش بالك بيَّ، شوف اللي وراك.
قبلها بقوة وشوق ثم فصلها وقال:
ما ليش غيرك أشغل قلبي وبالي بيه، خدي بالك من حالك، وإياكِ تهملي الدواء، أنا راجع عشية بأمر الله.
وصل مقر شركة عملاقة، وبعد أن عرف نفسه للسكرتارية.
أبلغت حاتم ثم أدخلته مغلقة الباب خلفها.
وقف حاتم يرحب به باحترام وهو يقول:
أهلاً بك دكتور عثمان، شرفتني بوجودك.
عثمان: الشرف ليَّ يا حاتم بيه، أنا مش هعطلك كتير، أكيد بتسأل إيه سر الزيارة مع عدم وجود معرفة سابقة بينا.
حاتم باحترام:
حضرتك تشرف في أي وقت، دكتور عثمان السوهاجي أشهر من نار على علم.
عثمان: شكرًا، أنا قبل ما أقرر أقابلك سألت عليك، وبصراحة آراء الناس فيك هي اللي شجعتني إني ألجأ لك تساعدني.
حاتم بجدية:
لو بيدي أكيد مش هتأخر.
عثمان بمغزى:
هحكي لك، بس يا ريت ما ندمش إني حكيت لك، عشان ما أزعلش.
لم يهتم بذهوله من وقاحته وتهديده له في مكانه، قص عليه الحكاية من أولها تحت صدمة الآخر مما يسمع.
وبعد أن انتهى قال:
أنا كل اللي محتاجه منك إنك توصلني ليها، أي حاجة بعد كده بتاعتي أنا.
حاتم بذهول:
معقول في حد بالحقارة دي؟ أنا كنت عارفة إنها طماعة وتعمل أي حاجة عشان الفلوس، إنما ما كنتش أتخيل أبدًا إنها بالوساخة دي، إيه اللي يجبرها تعمل كده وهي أصلاً من عيلة كبيرة، يعني مش محتاجة لكل ده؟
عثمان بغل:
في ناس نفوسها مريضة، المهم، هتساعدني؟
حاتم:
أكيد، هي أصلاً منتظراني النهار ده في شقتها الجديدة، شوف إيه المطلوب مني وأنا أعمله.
ليلًا، تجهزت تلك الحقيرة بثياب عارية، وضعت زينتها التي لا تتخلى عنها، جلست منتظرة ضحيتها الجديدة وهي تمني حالها أن تحكم شباكها عليه.
دق جرس الباب فتحركت سريعًا تجاهه.
ولكنها وقفت أمام المرآة تتفحص هيئتها مليًا، تأكدت من تمام مظهرها الرائع بالنسبة لها.
نظرت من خلف الباب لتتأكد أنه هو، حينما رأته ابتسمت باتساع وقامت بفتح الباب.
ابتسم لها حاتم بخبث وقال:
إيه الجمال ده كله؟
ضحكت بعهر وهي تفسح له المجال كي يدخل ثم قالت:
عيونك الحلوة يا حبيبي، اتفضل.
جلس معها خمس دقائق فقط كما اتفق مع عثمان.
وبعدها دق جرس الباب مرة أخرى وحينما كادت أن تقوم كي ترى من الطارق.
منعها حاتم وهو يقول بغيرة كاذبة:
استني، هتفتحي إزاي كده؟
مثلت الخجل وقالت:
هشوف مين.
حاتم:
ده البواب كنت باعته يجيب لي سجاير.
اتجه للباب ثم فتحه وقال:
كله تمام يا دكتور.
والدكتور ابتسم بشر وهو يتجه لها بتمهل دب الرعب في أوصالها حينما ظهر أمامها.
عجزت عن الصراخ، شلت حركتها، لم تقو حتى على اتخاذ أي ردة فعل.
هي الآن لا ترى عثمان السوهاجي، بل كل ما تراه أمام عيناها هو ملك الموت الذي سيقبض روحها النجسة.
عثمان بشر وشماتة:
عاملة إيه يا... مرت أخوي؟
برقت عيناها برعب ونظرت لحاتم بصدمة فقال بشماتة:
أنا كده عملت اللي عليَّ، تؤمر بحاجة يا دكتور؟
عثمان بشر: ...
ماذا سيحدث يا ترى؟
سنرى.
رواية دكتور نسا الفصل السادس عشر 16 - بقلم فريدة الحلواني
صباحك بيضحك يا قلب فريدة.
أول طرف الخيط حلم، مجرد ما بتحلمي أو تتمني حاجة، يبقى مسكتي طرف الخيط، بس الفكرة هنا، هتقدري تسحبيه وتكملي، ولا هيتكعبل منك؟ أنا هقولك: لفيه على إيدك واحدة واحدة، كده هتمشي صح وهتوصلي لآخره. بس عشان تعملي كده لازم يكون عندك صبر وقوة ويقين بنفسك إنك مش هتفشلي، وأنا واثقة فيكي جدًا إنك فعلًا قدها.
ابتدئي وقولي يا رب قويني، هتكملي وهتوصلي صدقيني، أنا عندي إيمان إنك هتقدري ما تخزلينيش.
أنا بحبك.
الحقيقة سلاح ذو حدين، إما أن تذبحنا، أو تمر فوق أعناقنا بسلام دون أن يجرحنا نصلها الحاد.
صدمة، ذهول، عدم تصديق، بل الأدهى من كل ذلك، هو ملك الموت الذي تشعر به حولها.
هذا كان شعور تلك الحقيرة وهي تنظر إلى عثمان تارة، وحاتم تارة أخرى.
والذي قال الأخير بعد أن رمقها باحتقار:
"عايز مني حاجة تاني يا دكتور، ولا أسيبك براحتك؟ أظن ماليش مكان في الوقت الحالي."
لم يحِد نظراته القاتلة عنها وهو يرد عليه قائلًا:
"لاااه، كتر خيرك لحد أكده يا حاتم بيه، تعبتك وياي."
حاتم:
"مفيش تعب ولا حاجة، أسيبك براحتك، سلام."
كل خلية فيها ترتعش رعبًا، دموعها سالت ملوثة وجهها بمساحيق الزينة التي كانت تجمل حالها بها كي تقضي ليلة ماجنة.
ولأنها حرباء تتلون في الدقيقة الواحدة مئة لون، لم تنتظر أن يبدأ بالحديث.
بل انطلقت تركع تحت قدمه كي تقبلها وهي تقول:
"أحب على رجلك يا... ااااااه!"
قبل أن تمس قدمه كان يدفعها به بعيدًا بعنف حتى لا يتلوث بها.
انقض عليها جاذبًا إياها من خصلاتها المصبوغة قائلًا دون أن يهتم بصرخاتها المتألمة:
"عمل فيكي إيه؟"
"أخوي عمل فيكي إيه يستاهل منيكي القتل؟ أهلك عملوا إيه لأجل ما تكسري عينهم ويعيشوا بعارك؟"
"ولدك، ولدك الغلبان اللي كل ذنبه إنك أمه، هيعمل إيه لما يكبر ويعرف حقيقة أمه الشينة؟"
صفعة، تلتها صفعات قوية جعلت صوتها يتحشرج من كثرة الصراخ.
لأول مرة في حياته يضرب امرأة، ولكنها ليست كأي واحدة، هي قاتلة أخاه الوحيد.
برغم أنه وعد نفسه ألا يمسها ويعيدها إلى أهلها كي يتكفلوا بها، إلا أنه حقًا لم يستطع.
ألقاها من يده أرضًا قبل أن يقتلها، جلس فوق أحد المقاعد يتنفس بقوة ثم قال:
"اديني سبب واحد للي عملتيه."
برغم ألمها وبكائها المرير إلا أنها فكرت أن تقول له الحقيقة عله يرحمها.
سحر بصعوبة:
"ما كانش قصدي، ما كنتش فاكرة إنه هيقتل حاله."
عثمان بغل:
"احكي من الأول، اخلصي."
سحر:
"كنا هنعشق بعضنا من قبل ما يتجوز رغد بسنتين، ما كانش عارف يتقدملي بسبب التار."
صرخ بها بغضب:
"مفيش مجال للكذب يا فاجرة، قولي الحقيقة، اللي أنا خابرها."
علمت أن رغد أخبرته بما حدث.
تنفست بصعوبة ثم قالت بمنتهى الحقارة:
"أنا اللي لفيت عليه وجريت وراه لأجل ما يعشقني."
"كنت رايدة أطلع من النجع، كان نفسي أعيش في مصر، كارهة البلد وكارهة التقاليد الشينة اللي اتربينا عليها."
"ما كنتش شايفة حالي وأنا متجوزة ولد عمي وقاعدة في الدار أربي عياله."
"قلت هو فرصتي الوحيدة، كنت مفكرة إنه راجل وهيقدر يطلبني مهما كانت الظروف."
غَل في نفسه بعد سماع كلماتها الأخيرة ولكنه ظل صامتًا حتى تنتهي.
أكملت بصدق:
"فضلت وياه سنتين، كل شوية يوعدني إنه هيتكلم وياك لحين ما يتقدملي."
"بس ما كانش بيعمل حاجة وكل شوية بحجة شكل، لحدت ما أنت قررت تنهي التار اللي بيناتنا، قلت اتحلت من عند ربنا وهيطلبني."
"لقيتك طالب يد رغد، بنت عمي، اللي ما بكرهش في حياتي قديها."
"النار ولعت جواتي."
"معقول، طول عمرها واخدة الدلع كله من الكل، حتى ولاد أعمامي، كل واحد منهم كان بيحلم ياخدها لحالها."
"اخرسي!" هكذا صرخ بعد أن انقدت نار الغيرة داخله.
أكمل بوعيد:
"جيبي سيرتها على لسانك الوسخ ده وأنا أقطعهولك."
ارتعشت رعبًا ثم أكملت:
"فكرت وخيّرته بيني وبينها، بس هو قال لي ما أقدرش أكسر كلمة أخوي الكبير."
"لقيتها فرصة، أنتقم منها على كل اللي اتحرمت منه بسببها، وفي نفس الوقت أخلص روحي من العيشة الشينة اللي أنا فيها."
"اتفقت وياه نهرب ونتجوزني قبليها، حصل، والباقي أكيد مراتك قالتهولك."
"بعد ما خلفت، كنت زهقت، ما كنتش رايدة أضل متخبية، طلبت منه كتير يقولك وأنت أكيد هتلاقي حل."
"بس هو رفض وقال لي دي اختيارنا من الأول، ودي عيشتنا باقي عمرنا."
"قلت لحالي إني ما أضلش متخبية ومحرومة من الدنيا، حتى رغد مع كل اللي عملناه فيها، برضه فضلت أحسن مني، على الأقل هي مراته قدام الكل."
"هتطلع وتدخل وتروح وتيجي من غير خوف، والاسم مرات فهد السوهاجي، حتى الولد انكتب باسمها."
"طلبت منه عشرين مليون، لأجل ما أشتري فيلا لحالي، وأنا كنت مخططة إني أهرب، ما هو اللي معاه كتير، مش هيفرق وياه يعني."
"ما كنتش خابرة إنه هيقتل حاله، قلت في عقلي بالي شوية وهينسى، وبعدها أطلب الطلاق وخلاص."
صمت حل على المكان، لا يسمع فيه إلا صوت تنفسه الغاضب، وشهقاتها المرتفعة وهي تنتظر حكمه عليها.
أخرج هاتفه من جيبه، اتصل بأحدهم وحينما جاءه الرد قال:
"أنا مستنيك، ما تغيبش علي، زي ما قلتلك بالضبط."
أنهى تلك المكالمة الغامضة وهو ينظر لها بابتسامة شيطانية أرعبتها أكثر.
سألته برعب:
"مش هترجعني لأهلي صح؟"
رد بغل:
"هما أولى بغسل عارهم."
صرخت، وبينما كانت تتقدم منه زحفًا كان هو يخرج زجاجة صغيرة من جيبه ويوجهها ناحية وجهها.
بمجرد أن استنشقت الرذاذ الخارج منها، ما هي إلا ثوانٍ وغابت عن الوعي في الحال.
بعد مرور نصف ساعة كانت تقف سيارة إسعاف أسفل البناية.
صعد إليه شاب وفتاة.
وقفا قبالته فقال بأمر:
"مايسة، جهزيها زي ما اتفقنا، امسحي القرف اللي على وشها ولبسيها لبس تاني."
تحرك هو والشاب تجاه إحدى الغرف وأغلقوا على أنفسهم حتى تنتهي الفتاة مما تفعله.
عثمان:
"جبت كل الأوراق اللي قلتلك عليها؟"
الشاب ويدعى هاني:
"أيوة يا دكتور، الأشعة والتحاليل اللي بتأكد إنها في مرحلتها الأخيرة من السرطان، يعني يومين وتودع."
"حضرتك جهزت الطيارة الطبية صح، بس ليه كل ده ما كنت سافرت عادي وخلاص؟"
"لو سافرت بالعربية في لجان، ولو في طيارة أكيد ما كنتش هتسكت، دي واحدة رايحة للموت تفتكر ممكن تعمل إيه عشان تنقذ نفسها؟"
"كده أسلم حل وأنا معايا قسيمة جوازها يعني كده كل حاجة تمام ومفيش شبه شك واحدة."
هاني بتأثر:
"ربنا معاك يا دكتور."
عثمان بتحذير:
"هاني، أنا اخترتك أنت ومايسة عشان فعلًا بأثق فيكم، مش عايز أنبه عليك تاني، مفيش مخلوق في الدنيا يعرف اللي حصل ده فاهم؟"
هاني بصدق:
"ولا كأننا شفنا حاجة، وإن شاء الله ثقتك في محلها يا دكتور، اطمن."
فعل كل ما قال، وبفضل اسمه المعروف، مرت الأمور بسلاسة وسهولة أراحته.
وبمجرد أن وصلت الطائرة مطار سوهاج كانت سيارة إسعاف أخرى في انتظاره، بعد أن حملوها داخلها وما زالت تحت تأثير المخدر، انطلقت بها إلى مكان لا يعلمه أحد غيره.
أخيرًا، عاد إلى بيته، ولكن بحال مغاير تمامًا لما كان عليه قبل مغادرته.
رغم تعامله بشكل طبيعي إلا أن حبيبته التي تعافت من مرضها شعرت به.
نظرات التقت ببعضها البعض.
واحدة تسأل بقلق عما به، والأخرى تتوسل ألا تتركه مهما كانت الظروف.
فالقادم ليس بهين ولا يعلم مداه إلا الله.
قطع تواصلهم البصري أمه حينما قالت كي تلفت انتباهه:
"مالك يا ولدي، الأكل قدامك زي ما اتحطلك."
انتبه أخيرًا وقال:
"سلامتك يا أما، أنا بس واكل قبل ما أجي طوالي، ما أقدرش آكل تاني، أنا قعدت وياكم لأجل ما تزعلوش."
عبد العظيم:
"بقالك مدة يا ولدي ما تجييش المصنع ولا المزرعة."
حمزة:
"في ورق وحسابات لازم تراجعها يا عثمان من آخر مرة قعدنا فيها ما شفتش شيء تاني."
عثمان بهم واضح للجميع:
"بالي مش رايق، يومين وأفضالك يا ولد عمي."
انقبض قلب رغد، تعلم أن سبب حالته هو ذلك الأمر المعقد، ولكن حدسها ينبئها أنه نجح في الوصول إليها.
أما عائشة سألته باهتمام:
"مالك يا أخوي، تعبان من شيء ولا فيه حاجة وياك؟"
عثمان بتسويف:
"سلامتك يا بنت عمي، أنا بخير، إيه يا جماعة مالكم، كل الحكاية كان عندي كام عملية ورا بعض، تعبت شوية مش أكتر."
عفت:
"اطلع ارتاح في فرشتك يا ولدي، وقوم براحتك حدش هيصحيك، خد كفايتك في النوم."
وقف من مجلسه بعد انتهاء حديث أمه وقال بأمر لا يقبل النقاش مما جعل الجميع في حالة ذهول:
"أنا طالع أنعس في قاعتي القديمة."
"ما عايزش حد يدخل علي أصلًا، هملوني لما أقوم لحالي، وفقط تحرك تجاه الأعلى تارك الجميع ينظر إلى بعضه البعض."
حتى رغد وعائشة نظرا لبعضهما بذهول وقالت الأخيرة:
"واه، هو زعلان منا إحنا الاثنين ولا إيه؟"
رغد بتيه:
"والله ما خابرة يا أختي، أنا ما عملتش شيء والله."
تحدثت نرجس بمزاح كاذب:
"واه، ده الحب ولع في الذرة يا سعدية، الضراير اتفقوا يا ناس!"
لواحظ بغيظ:
"ربنا يهدي." نظرت لرغد وأكملت بغل:
"يكش يطمر فيكي اللي عملته بنتي وياكي وأنتِ مريضة."
قبل أن يرد عليها أحد وجدت ابنتها تقول بغضب مكتوم:
"يا ماما، ما لوش عازة الحديث ده، رغد أختي الصغيرة، وراجلنا واحد، خلينا نعيش في هدوء سر، النكد والمشاكل ما يجيش من وراها غير الهم."
عفت بفرحة:
"ربنا يكملك بعقلك يا بنتي."
رغد بامتنان:
"اللي عملتيه وياي هيفضل شايلاه فوق راسي طول عمري، حقك علي لو يوم زعلتك ولا كيدتك، ما تزعليش مني يا أختي."
بعد أن خلع عنه ثيابه، لم يكن يطيق شيئًا فوق جسده، يشعر به ملتهبًا من فرط التفكير.
القادم ليس بهين، كيف سيقص للعبايدة ما حدث، كيف سيقدم لهم ابنتهم بل ويشي بأخيه.
كان سهلًا عليه أن يتخلص منها، ولكن هذا ليس حلًا، ابن أخيه يجب أن يكمل حياته بهويته الحقيقية، صغيرته يجب أن يأخذ لها حقها.
الوضع صعب، صعبًا للغاية، وفي ظل غرقه في بحور أفكاره وجد هاتفه يصدح باسمها.
فبعد أن صعد الجميع إلى النوم، ظلت هي تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا بجنون، قلبها يخفق ألمًا من شدة قلقها عليه، فكرت كثيرًا أن تذهب له ولكنها كانت تتراجع في آخر لحظة.
وأخيرًا قررت أن تهاتفه عله يجيب ويطمئن قلبها الملتاع عليها.
وحبيبها كان يعلم بما يدور داخلها.
أشفق عليها ورد قائلًا:
"لساتك ما نمتيش؟ مالك تعبانة؟"
ردت عليه بصوت شجي:
"قلبي واجعني عليك، طمني، فيك إيه؟"
زفر بهم وقال:
"مفيش شيء، بالي مشغول ورايد أقعد لحالي، نامي يا رغد، نامي."
رغد:
"كيف ده وأنا حاساك تعبان يا قلب رغد من جوه؟ كيف هيجيلي نوم وأنت قاعد مهموم لحالك؟"
"ريح قلبي، مالك يا عثمان؟" أغمضت عيناه بحزن ثم أكملت: "أنت لقيتها صح؟"
لم يستطع سماع نبرتها الحزينة، ولم يرد أن يقلقها فقال بتسويف:
"أنا خلاص ما أقدرش أفتح عيني، تصبحي على خير." وفقط.
أغلق الهاتف دون انتظار ردًا منها، تنفس بصعوبة وكأن حجرًا ثقيلًا جاثم فوق صدره.
أما هي: لم يطاوعها قلبها على تركه في هذا الحال وحده، ستذهب له وليحدث ما يحدث.
ارتدت روبًا طويلًا فوق قميصها الحريري، فتحت باب غرفتها بتمهل كي لا يصدر صوتًا.
ثم تسحبت إلى الأسفل كي تذهب له في غرفته القديمة.
في بعض الأحيان لا نحتاج إلى حديث كي نخرج ما بداخلنا، بل نحتاج لحضن دافئ يحتوينا.
جسدًا عاشق يتحمل نوبة غضبنا التي تخرج على هيئة رغبة جامحة، خوفًا وعشقًا في آن واحد.
لم يتفاجأ بدخولها عليه، بل كان في انتظارها بعدما أخبره قلبه العاشق لها بذلك.
بمجرد أن أغلق الباب، وقبل أن تتفوه بحرف أو تتجه إليه بعيون يملأها العشق والحيرة والخوف.
كان هو ينتفض من فراشه الذي كان ممددًا عليه، اختصر المسافة بينهما في بضع خطوات متعجلة.
رفعها من خصرها بقوة ثم التقم ثغرها في قبلة ماجنة تعبر عن شوقه واحتياجه، وخوفه من القادم.
لم تفزع من هجومه الضاري عليها، بل كان بداخلها احتياجًا أكبر، بادلته بكل ما تحمله داخلها من عشق واحتياج لوجوده معها.
بادلته باحتواء، أرادت أن تأخذ من داخله حزنه، حتى لو امتلأت هي به.
أدمى شفتيها دون قصد، هبط بقبلاته الملتهبة إلى عنقها، تحرك تجاه الفراش وهو يقول من بين تلك القبلات المحمومة:
"محتاجك يا رغد، رايدك."
مددها وهو فوقها بعنف غير مقصود وهو يكمل:
"حسي بعشقي ليكي، ما أقدرش أكتمه، بموت لو بعدت عنيكي."
"أنتِ حياتي اللي ما عشتهاش." كان يتحدث بجنون وهو يلتهم جسدها بجموح وعنف لم يقصده.
حتى حينما صرخت ألمًا حينما قضمها بأسنانه، وجدته يبتعد قليلًا ويقول بجنون:
"لااااه، صرخي بعشقي، قولي إنك هتعشقيني يا رغد."
اعتصرها بقوة وهو يكمل بهياج نابع من رغبته بها وخوفه من ابتعادها:
"قولي هأفضلك معاي، ما هتبعديش، انطقي!"
صرخت بدموع، ليس دموع ألم جسدي أكثر منها حزنًا على تلك الحالة التي لأول مرة تراه عليها.
رغد:
"بعشقك، أنت بقيت تجري في دمي يا عثمان، ما تخافيش، ما أقدرش أعيش من غيرك."
كان الوضع أشبه بالجنون، بينما يلجها بقوة وكأنه يريد أن يكون بكامل جسده داخلها.
كانت هي بالأعلى تحتوي رأسه بين ذراعيها وتملس على شعره بحنو ينافي ما يحدث.
همست له من بين تأوهاتها:
"أنت قلب رغد، أنت اللي خدت كل حاجة حافظت عليها بنت العبايدة."
"قلبها اللي ما تدقش قبلك، وجسمها اللي ما حد مسه غيرك، وعمرها اللي جاي وهبته ليك يا قلب رغد ونعيمها، اطمن، أنا وياك لآخر نفس فيه."
حقًا، كل ما كان يحتاجه احتواء، بضع كلمات حانية تخرج من قلب عاشق بصدق، تخبره أن كل مخاوفه مجرد أوهام، حبيبته معه ولن تتركه.
أخيرًا، فاق من نوبة جنونه الغريبة، بعد أن أراحها قبل أن يخلص حاله.
ولكن كان الأهم والأجمل من كل ذلك هو، صوتها الشجي الذي ظل يتردد داخل قلبه قبل أذنه وهو تقول:
"أنا معك."
ظل فوقها لم يتحرك، يلثمها بقبلات معتذرة عما بدر منه منذ قليل.
ومن بينهم كان يقول بصوت متحشرج يملأه الندم:
"وجعتك بيّ يا قلبي، كنت محتاجك يا رغد، بس بعدت، كنت خايف عليكي، ما كنتش رايد أكون وياكي وأنا في الحالة دي."
"ما أقصدش أوجعك، بس أنا موجوع، قلبي واجعني يا رغد، بس اطمن لما جيتيله، شوية."
ضمته بحنو وقالت:
"كان لازم أجيلك، مهما عملت، المهم إنك معاي، خليك وياي مهما كانت حالتك، هفهمك وهأحس بيك، وهأتحملك، أنت حبيبي وروحي يا عثمان، ما تبعدش تاني مهما حصل."
وكان رده عليها منافيًا تمامًا لما تقوله، تخشب جسدها أسفله حينما قال بصوت يملأه الحزن والخوف من القادم:
"أنا لقيت الفاجرة."
"جبتها وياي هنا." زفر بجنون ثم أكمل بحسم: "بكرة هسلمها لأهلك."
تصلبت أسفله، سالت دموعها بغزارة فجأة.
قلبها يخفق بجنون.
جملة واحدة تتكرر داخلها.
تلك هي النهاية.
ماذا سيحدث يا ترى؟
سنرى.
رواية دكتور نسا الفصل السابع عشر 17 - بقلم فريدة الحلواني
صباحك بيضحك يا قلب فريدة.
صراحة لازم يضحك عارفة ليه؟ عشان انتِ قمراية، بس عبيطة. آه وربنا. دافنة جواكِ بنوتة شقية دمها زي العسل وجواها قوة تهد جبال. عايشة ظاهريًا في دور الضعف والضحية.
عارفة، حتى لو كنتِ فعلًا ضحية لأي ظروف، مش مهم صدقيني. طلعي البت الجدعة اللي دفناها جواكِ، وتاهت وسط زحمة همك وحزنك ومشاكلك.
خليها تخرج للنور عشان تحسي إن الحياة لسه قدامك وتقدري تعملي كل اللي نفسك فيه.
ابدئي بأي حاجة بسيطة، يا حبيبتي إن شاء الله تشتري توكة صغننة وتحطيها في شعرك، هتحسي بتغيير، وهتشوفي البنوتة دي بدأت تخرج من جواكِ.
وقتها هتعرفي تبدأي من جديد، وهتكملي وتتغيري، وهتوصلي لكل اللي نفسك فيه. يلاااا، مستنية إيه؟ قومي دلوقتِ، هتقدري صدقيني، أنا واثقة فيكِ.
وبحبك.
يا الله... الخوف وحش مفترس ينهش أحشائنا. إما أن نواجهه ونقتله بسكين الشجاعة، أو نتركه يمزقنا من الداخل حتى يقتل روحنا ونصبح أحياء بلا حياة.
طبيبنا الحكيم فكر في الأمر من جميع الاتجاهات. لن يظلم أحد. لن يسمح لباب الثأر أن يفتح.
ولن يترك حق صغيرته المسكينة التي تحملت ما لم يقدر عليه من عاش أضعاف عمرها.
سيعيد هوية ابن أخيه الحقيقية، حتى يستطيع العيش بطريقة سوية.
وفي الأخير سيأخذ حق أخيه والذي كان معترفًا من داخله أن له النصيب الأكبر من الخطأ.
لم ينم ليلته، لا هو ولا حبيبته التي كان الخوف يقطعها إربًا من الداخل.
حاولت إثناءه عما انتواه بشتى الطرق، ولكنه أبدًا لن يتراجع، بل أقنعها بأن ما يفعله هو عين الصواب.
وعدها ألا يفتح باب الثأر مرة أخرى، طالبها بالوثوق به وبحكمته التي لا تعلم عنها شيئًا حتى الآن.
هي رأت عثمان المتجبر، ثم شديد الاحتواء، والعاشق الذي أغدقها بدلاله لها.
والآن جاء دور الطبيب الحكيم ذو العقل الراجح، الذي أبدًا لن يرضى بظلم أحدهم.
مع بدء ظهور أول خيط من نور الصباح، قبل رأسها المسنود فوق صدره وقال بمزاح:
"قومي يا حبيبتي ارجعي أوضتك قبل ما نتجفش."
اعتدلت كي تنظر له وتقول:
"واااه، إني مرتك."
عثمان:
"مرتي وحبيبتي كماني، بس انتِ خابرة زين اللي فيها، بلاش تعملي ناصحة عليّ."
تعلم أنه يريد التخفيف عنها بعد بكائها، وستفعل معه المثل.
إذ قالت بدلال:
"حاسة إني عيلة صغيرة رايحة تقابل حبيبها من ورا أهلها، وحبيبها خايف عليها."
ملس على وجنتها بحنو ثم قال بصدق:
"حبيبها ما عندوش أغلى منيها يخاف عليه... يلا يا قلب حبيبك، ما رايدش أتأخر، خلينا نخلص ونفوق لحالنا."
رغد بخوف:
"عثمان... أنت وعدتني."
قبلها بعشق ثم قال:
"وإني عند وعدي يا رغد عثمان... ما فيش نقطة دم هتنزل من حد فينا... ربنا يقدرني وأحلها ويا أبوكِ من غير ما حد يدري بينا."
فاقت من تأثير المخدر منذ بضع ساعات، لم تقوَ على الحراك.
نظرت حولها وجدت نفسها ملقاة أرضًا مكبلة يدًا وساقًا، حتى فمها مربوط بوشاح.
غرفة داخل مخزن مهجور، هو ما استشفته مما حولها. انهمرت دموعها بغزارة، ليس ندمًا.
بل رعبًا من القادم، علمت أنها النهاية في كل الأحوال، سواء عاقبها هو، أو قرر إعادتها إلى أهلها وهذا الاحتمال الأقرب.
بعد أن ارتدى ثيابه وتأهب للخروج، اتصل على عبد الحكيم العبايدي وحينما رد عليه قال بجدية:
"السلام عليكم، كيفك يا حاج؟"
رغم استغراب الأخير من هذا الاتصال المبكر إلا أنه رد بهدوء:
"وعليكم السلام ورحمة الله، كيفك يا ولدي؟ والبت زينة؟ فيكم حاجة؟"
عثمان:
"بخير يا حاج، اطمن."
سحب نفسًا عميقًا ثم أكمل:
"إني رايدك في موضوع مهم."
عبد الحكيم:
"تعال يا ولدي الدار مفتوحة... هو أنت غريب هتاخد الإذن قبل ما تيجي؟"
عثمان:
"لاااه... خلينا بعيد عن الدار... أو خلينا نقعد في المندرة لحالنا... اللي رايدك فيه ما هينفعش حد تاني يعرف بيه."
عبد الحكيم بوجل:
"قلقتني يا ولدي... هستناك في المندرة... ما تتعوجش عليّ."
جلس معه على انفراد داخل قاعة الضيوف المنفصلة عن السرايا، ورغم استغراب الجميع من هذا الأمر، إلا أن لم يجرؤ أحد على التدخل أو حتى السؤال.
نظر له هذا الشيخ الحكيم وعلم أن الأمر جلل.
سأل بهدوء ينافي قلقه الداخلي:
"خير يا ولدي؟"
عثمان:
"يا حاج عبد الحكيم... إني اللي جيتك وطلبت ننهي الثأر اللي بين العيلتين... واللي راح بسببه زينة شبابهم ورجالتهم.
كفانا بحور الدم اللي روت النجع... ما أخذنيش الكبر وقتها ولا قولت كيف إني اللي أتنازل وأروح لهم.
بديت مصلحة الكل وطلبت نسبك لأخوي... الله يرحمه... وقتها كنت خابر إن عندكم بنت أكبر منيها... لكن إني اخترت لأخوي نسبك أنت... يا كبير العبايدة."
ويعلم ربي كنت هأعمل في أخوي إيه لو بس حسيت إنه زعلها... تغاضى عن تلك النقطة سريعًا حينما كادت غيرته أن تظهر عليه.
أكمل بنبرة عاشقة لم يقصدها:
"ويعلم ربي إن بتك من يوم ما بقت مرتي وإني شايلها جوه حباب عينيّ..."
مش لجل إنها مرتي وبس... لاااه... عشان هي تستاهل تتشال فوق الراس... أكمل بداخله رغماً عنه: "وجوه القلب."
هز الرجل رأسه بتفهم ورغم أن بداخله فرح لعشق هذا الطبيب لابنته، إلا أن خوفه من القادم كان أكبر.
زفر عثمان بهم ثم أكمل:
"إني بقول لك كل ده... عشان اللي جاي لك فيه... لو ما اتحلش بالعقل والحكمة... هيفتح علينا اللي حاولنا نقفله... ووقتها ما فيش حاجة هتقدر توقفه."
عبد الحكيم بوجل:
"قول يا ولدي... إني قلقت... في إيه لكل ده؟"
ذكر اسم ربه بداخله ثم حوقل كي يستمد القوة من خالقه ثم بدأ يقص عليه كل شيء منذ البداية إلى اللحظة التي يجلس أمامه فيها.
استمع إليه وكل خلية بداخله تغلي غضبًا، وبعدما انتهى، انتفض من مجلسه ثم طرق بعصاه الأرض وقال بحسم:
"وينها الفاجرة؟"
وقف عثمان وقال:
"في المخزن القبلي."
عبد الحكيم:
"هآجي وياك آخدها... وبعديها..."
نظر له بغضب ثم أكمل:
"بتي تلزمني."
هل تشعرون بكم النار التي اشتعلت داخل صدره؟ حتى أنها خرجت من عينيه. نظر له بقوة غاضبة ثم قال:
"مرتي... ما لهاش صالح بكل ده.
إني كان ممكن أقتلها وأواريها من غير ما حد يحس.
بس إني جبتها لك لحد عندك... لجل ما تعرف الحقيقة... ولجل ما أريح ولد أخوي.
والأهم من كل ده... آخذ حق مرتي... أوعاااك تفكر إنها هتبقى طرف بيناتنا.
طلعها بره الليلة دي... وإلا... لا هيهمني ثأر ولا حتى النار تحرق النجع كلياته."
هز عبد الحكيم رأسه بغل ثم قال بمهادنة:
"أغسل عاري الأول... بعدين لينا حديث تاني."
صاح بحسم:
"ولا تاني ولا ثالث يا حاج... تاخد اللي لك عندي وبس."
لم يتلقَّ منه جوابًا، وإنما أخرج هاتفه ليتصل بولده البكر والذي ورث العقل والحكمة منه.
وحينما رد عليه قال بحسم:
"هات عمك وتعال المندرة."
بينما هم يتحركون أربعتهم بوجه متجهم متجهين إلى مكان تلك الحقيرة التي ستنال جزاءها كما يجب.
كان هناك من هو أحقر منها يتوارى خلف أحد الأشجار منتظرًا رحيلهم بعدما سمع كل ما قيل بالداخل.
اتخذت من غرفتها مخبأ كي تبتعد عن الجميع حتى لا يلاحظوا رعبها الظاهر بوضوح عليها.
وبينما لعبت بها هواجسها وتخيلت أسوأ السيناريوهات...
وجدت خافقها يخبرها بيقين أن تثق في طبيب قلبها لن يخذلها... سيحل الأمر دون ضرر لأي من العائلتين... لن يضيع كل ما ضحت به هباءً.
وقفت سريعًا ساحبة وشاحًا لتغطي به رأسها كما أمرها... قالت لحالها بتشجيع:
"انزلي إلهي حالك وياهم... عثمان عاقل وهيحلها بأمر الله."
أعقبت قولها بالخروج متجهة إلى الأسفل ومع انشغالها نسيت هاتفها ملقى فوق الفراش.
هرول ابن عم رغد إلى داخل السرايا بعدما تأكد من مغادرة عمه وعثمان.
صاح بالجميع كي يأتوا إليه وقال بغل فقد جاءته الفرصة كي ينتقم من عثمان الذي تسبب في إهانته والتقليل منه وسط الرجال وقتما كان آتيًا ليتقدم لرغد:
"تعاااالوا... تعالوا يا عبايدة شوفوا اللي حصل واحنا نايمين على ودانا... لو فيكم راجل يغسل عاره وما يخليش واحد من السوهاجية عايش على وش الأرض."
التف الجميع حوله بغضب وأولهم كان وهدان الذي قال:
"إيه اللي هتقوله ده يا واكل ناسك؟"
سمير:
"إني لسه هأقول... هأقول اللي مستخبي كلياته."
قال تلك الكلمة وهو ينظر إلى شادية التي ماتت رعبًا... "السر انكشف يا ويلك يا ابنة قلبي."
قص عليهم سمير ما سمعه حينما وقف يتصنت عليهم منذ أن أتى عثمان... وبعد أن انتهى قال بخبث:
"عمي ويونس رايحين يجيبوا الفاجرة.
احنا بقى نروح سرايا السوهاجية نجيب بتنا من هناك... بكفياها بهدلة لحد كده... الله أعلم عثمان عامل فيها إيه هو كماني."
قبل أن يرد عليه أحد كانت شادية تصرخ برعب:
"لااااه... ما لكمش صالح برغد... البنت عايشة متهنية... ما تخربوش عليها يا خلق."
وجدت إنصاف الفرصة كي تشفي غليلها الواهي من تلك المسكينة وتطفئ نار غيرتها منها.
قالت بصوت يملأه الحقد:
"كأنك اتخبلتي يا شادية... كيف يهملوا أختك بعد كل ده؟ هتأمّني عليها كيف وياهم؟
ده غير الثأر اللي هينفتح من أول وجديد."
وهدان بحماقة:
"يلا يا رجالة... ناخد بتنا الأول بعديها هنولعها حريقة... يا ويلكم يا سوهاجية."
صرخت... توسلت... وقفت تحاول منع أي منهم من التحرك... ولكنها فشلت فشلًا ذريعًا.
قالت بجنون:
"منك لله يا سمير."
هرولت للأعلى حتى تحضر هاتفها كي تحاول إنقاذ أختها.
بينما إنصاف تقول بشماتة:
"خلاص يا شادية... النار ولعت وما فيش حد هيقدر يطفيها."
ردت عليها بصراخ غاضب:
"إلهي النار دي تحرق كل اللي رايد بأختي شر... منكم لله."
أعادت الاتصال بها للمرة الخامسة ولم تجد ردًا... فكرت سريعًا.
واتصلت بأبيها الذي أيضًا كان يغلق الهاتف.
لم تيأس... ظلت تحاول مع أبيها وأخيها إلى أن رد عليها بغضب:
"خير اااا؟"
قاطعته صارخة:
"الحق يا أخوي... سمير عرف اللي حصل... وجاد الدنيا نار... يونس أخوك خد ولد عمك والرجالة وطلعوا على السوهاجية لجل ما ياخدوا رغد.
الحقهم يا أخوي."
أغلق معها سريعًا بينما هي اتصلت على هاتف نرجس وحينما ردت عليها صرخت بها:
"رغد وينها؟"
انتفضت نرجس من صراخها وقالت:
"أهي قعدة ويانا مالك؟"
لم تعطها الفرصة للسؤال أمرتها سريعًا:
"اديها لي بسرعة."
أمسكت الهاتف بيد مرتعشة... سمعت أختها تقول:
"اقفلي الباب يا رغد لو ما فيش حدكم رجال... إخوتك جايين ياخدوكِ."
سألتها بخذلان:
"عثمان قال لهم؟"
صححت لها شادية الأمر سريعًا كي لا تسيء الفهم:
"لاااه... ما حدش كان خابر جوزك رايد أبوكِ في إيه.
لكن اللي ربنا ينتقم منه سمير الكلب كان هيتصنت عليهم... وأول ما طلعوا دخل السرايا وجاد الدنيا حريقة.
أوعاكِ تسمعي حديثهم... جوزك ما باعكِش يا بنتي... بلاش تديهم فرصة يزيدوا النار من تاني... اتحملتي كتير يا بنت قلبي... كملي للآخر لجل خاطري وخاطر جوزك اللي عشقك."
أما زوجها فقد أصبح مثل الثور الهائج بعدما سمع يونس يقص على أبيه ما حدث.
وقد كانوا على وشك الوصول إلى وجهتهم.
صاح بغضب جم:
"هتتعدوا على حرم بيتي يا عبايدة؟"
أوقف السيارة فجأة وقال بجنون:
"إني حاولت أقفل باب الدم... لكن أنتم اللي رايدينه.
لو حد مس شعرة منيكِ... مش هيكفيني رقابيهم كلياتهم... إني جاي لك... جاي لك يا قلب عثمان... أوعاكِ تخافي ولا تطلعي من دارك."
لم يهتم بصياحهم عليه، بل أعاد تشغيل سيارته وانطلق بها بسرعة جنونية.
أمسك هاتفه بصعوبة وقام بالاتصال على حمزة وبمجرد أن رد عليه قال بأمر:
"لم الرجالة بسرعة واطلع على السرايا."
حمزة بوجل:
"في إيه؟"
عثمان:
"العبايدة رايحين يخطفوا مرتي... مرت أخوك يا حمزة."
حمزة بعصبية:
"على جثتنا يا أخوي... يعدوا على جثثنا الأول بعدين ياخدوها."
في نفس التوقيت كان يونس وأبيه وعمه يقومون باتصالات هاتفية مع بعض أفراد العائلة كي يحاولوا منع تلك الكارثة التي ستحصد الأخضر واليابس... وتلك المرة حقًا... لن يستطيع أحد منعها.
كان المشهد... حقًا مرعب.
توجس أهل القرية خيفة حينما شاهدوا رجال العبايدة يتجهون نحو سرايا عائلته السوهاجي وعلى ملامحهم غضبًا شديدًا.
أما تلك المسكينة فقد وقع منها الهاتف بعدما فشلت في الإمساك به... فقد انفلتت أعصابها من شدة الرعب.
التف حولها النساء يسألن بلهفة:
"ماذا حدث؟"
عفت بقلق:
"واااه مالك يا بنتي؟ أبوكِ زين... حد من أهلك جراله حاجة؟"
عائشة بشفقة:
"قولي يا أختي ولو خايفة من عثمان الحاجة تتحدث وياه لجل ما تروحي تطمني عليهم."
هنا فاقت قليلًا وقالت بارتعاش:
"اقفلوا الباب... أهلي هياخدوني.
رايدة أكلم أبوي... كلموا عثمان..."
بكت بقهر وهي تتوسل لهم:
"اتصلوا بيه أحب على يدكم."
لم تتركها عائشة تتوسل بينما كان الجميع يهدئها... كانت هي تطلب زوجها الذي رد سريعًا:
"حد جه؟"
لم ترد عليه بل وضعت الهاتف فوق أذن تلك الباكية وبمجرد أن سمعته يقول:
"وينها رغد؟"
ردت عليه بوهن:
"إني خايفة..."
اعتصر قلبه ألمًا حينما سمع نبرتها المرتعبة ولكنه قال بقوة:
"أبوكِ وأخوكِ معاي وسامعني زين.
أنتِ مرتي... وما فيش قوة على الأرض هتبعدك عني... لو حد منهم فكر يمس شعرة منيكِ... مش هيكفيني رقابيهم كلياتهم... إني جاي لك... جاي لك يا قلب عثمان... أوعاكِ تخافي ولا تطلعي من دارك."
وصل وهدان بصحبة الرجال... ولحسن حظه كان حمزة ما زال في الطريق مع رجاله... ولكنه قام بمهاتفة بعض الرجال المتواجدين بالقرب من السرايا.
تصدوا لهم وقامت معركة حامية... الجميع يضرب... الجميع يسب.
إخوتها وعلى رأسهم وهدان يحاولون اقتحام السرايا.
والخبيث ينفخ في النار كي يشعلها أكثر حينما وسوس لأخيها أن يدخلوا من الباب الخلفي متمنين أن يكون مفتوحًا.
في نفس لحظة وصول حمزة مع باقي الرجال... والذين اشتبكوا مع البقية دون تفكير.
كان وهدان وسمير ومعهم ثلاثة رجال اقتحموا السرايا من الباب الخلفي شاهرين أسلحتهم في وجه النساء بمنتهى الخسة.
صراخ وعويل... خوف ورعب حد الموت.
هذا كان حال النساء بالداخل.
صاح وهدان بهم:
"اكتِمي يا حرمة منك ليها... إني هآخد أختي من سكات."
سحبتها عفت خلف ظهرها وقالت بقوة:
"كأنك اتخبلت... أنت مفكر إن حد هيسيبك تاخد مرت السوهاجي... أنت كتبت على حالك الموت بعملتك الشينة دي."
وهدان بغضب:
"أما نشوف يا أم الدكتور مين اللي هيقتل التاني."
صرخت رغد بتوسل:
"أحب على يدك يا أخوي... اقصر الشر... عثمان ما عملش حاجة لجل ما تقتله... ده أكرم أختك وحطها جوات حباب عينيّه."
سمير بخبث:
"أنتِ لساتك هتأتي على نفسك لجل ما توقفي الدم يا بنت عمي... مش كفاية اللي اتحملتيه من أخوه؟"
بين شد وجذب... في نفس اللحظة التي قررت فيها نرجس أن تهرول تجاه الباب كي تفتحه وتستنجد برجال عائلتها.
كان ذلك الأرعن يهجم على أخته بغتة ويجرها جرًا من ذراعها تجاه الخارج.
خطوة فقط... واحدة... هي ما خطاها خارج الباب ثم تصنم مكانه حينما سمع دوي إطلاق نار قوي... ليس طلقة واحدة بل ثلاث طلقات.
أما هي... تخشب جسدها... جحظت عيناها حتى دموعها جفت من هول ما رأت.
ماذا سيحدث يا ترى؟ سنرى.
انتظرووووووني
بقلمي / فريده الحلواني
•
رواية دكتور نسا الفصل الثامن عشر 18 - بقلم فريدة الحلواني
ام صرم اللي ما كانش عجبه الصورة، أهو غيرت الصورة، يا رب تبطلي وتقعدي بقى على جنب شوية. أنتم مشينا بمبدأ يمتنعان، وهم الرغبات.
العشق... موقف يثبته ويدل عليه، لا مجرد كلمة تقال.
جنون... أقل ما يصف ما يحدث هو الجنون. رجال تحكمت بهم العصبية والتعصب. لا يهمهم من المخطئ وما هو الصواب. كل ما يصرون عليه أن يكونوا مع من ينتمون إليهم وفقط.
صوت صرير مرعب صدر من سيارة عثمان الذي أوقفها فجأة. هبط منها بطريقة تنم على أنه سيقتل كل من يقابله. ولما لا، فقد أخذ سلاحه الناري الذي كان يضعه داخل سيارته قبل أن يتركها.
كان المشهد كالتالي: في نفس وقت وصول عثمان، كان وهدان يسحب رغد للخارج. وفي نفس وقت دخوله، وبينما هم كي يلتحم في المعركة الدائرة أمامه، وجد وهدان يخرج من باب السرايا الداخلي ساحبًا تلك المسكينة التي تحاول أن تمسك الباب لتمنع خروجها.
في لحظة، بمنتهى الحرفية، حينما فشلت رغد في أن تقاوم أخيها وقبل أن يخطو بها أكثر من خطوتين، كان عثمان شاهرًا سلاحه نحوها، ثم أطلق منه أول رصاصة مرت فوق رأس هذا الجبان الذي لم يهتم بمظهر أخته أمام الرجال.
بمجرد أن دوى الصوت في الأرجاء، ثبت الجميع كلٌ في موضعه. أما هذا الأسد الذي يدافع عن عرينه، كان يتقدم للأمام ويطلق رصاصة أخرى مرت بجانب وهدان، ثم الثالثة تحت قدمه حينما أصبح قريبًا للغاية منهم.
أثناء تقدمه كان يقول بنبرة خرجت من الجحيم:
"فكر تخطي بيها خطوة كماني."
أكمل بعدما وصل أمامه واضعًا فوهة السلاح فوق جبينه وهو يكمل:
"سيبها."
بينما يثبت السلاح فوق رأسه ويأمره بتركه، كان هو يسحبها بيده الأخرى.
في نفس وقت صياح عبد الحكيم:
"همل خيتك يا واكل ناسك... نزلوا سلاحكوا يا عبايدة."
أخفض الجميع أسلحتهم الذين أشهروها في وجه الخصم، خاصًا عثمان مع انطلاق الرصاصة الثانية.
رغد... هل أحدكم يستطيع تخيل ما تشعر به؟ لا والله قد عجزت الحروف عن وصف. فقد تخشب جسدها وشعرت أن الرؤية انعدمت أمامها. كل ما تراه دماء ستسيل ولم تروِ أرضًا يملأها الغربان.
أفاقها صوت أبيها الصارخ، وقتها فقط أيقنت خطورة الموقف. وبينما كان حبيبها يسحبها من يد أخيها، كانت هي بمنتهى الشجاعة والارتعاش تقف بينهما. نظرات التوسل انطلقت منها تجاه هذا الغاضب. ذراع تحركت بصعوبة كي ترتفع وتمسك بيده المثبتة فوق جبين أخيها.
صوت يملأه الحزن والرجاء:
"لأجل خاطري... وفقط."
نظر لها بجنون وقال بصياح:
"لساتك هتدافعي عنيهم!"
على صوته وهو يكمل:
"حرمة بيتي اللي اتعدوا عليها، ما تكفينيش قصادها حرج الكل."
صرخت برعب:
"لاااه... أحب على يدك بكفاية... لأجل خاطري..."
رد عليها بغضب أشبه بالعتاب:
"خايفة عليهم... رايدة تروحي وياهم؟"
هزت رأسها بهيستيرية رافضة ما وصل إليه وهي تقول:
"لاااه... أنت راجلي اللي أكرمني... وما أطلعش من دارك غير على قبري."
تطلعت حولها وهي تكمل:
"وهما أهلي وفوق راسي..."
كادت أن تكمل حديثها المتعقل، إلا أنها لمحت هذا النذل يشهر سلاحه في الخفاء تجاه ظهر عثمان. لا تعلم من أين أتتها القوة كي تتشبث به وتلف جسده معها كي تتلقى الرصاصة بدلاً عنه وتفديه بروحها العاشقة.
قبل أن يستوعب ما حدث كانت هي تمسك بثيابه وهي تقول بوهن:
"أهلي يا عثمان."
عثمان... عثمان يشعر أن الأرض تدور من حوله. لن يستطيع استيعاب ما حدث. لا يعلم كيف تمسك بها، بل هبط بجسده معها أرضًا، والصدمة ألجمت الجميع. حتى النساء لم تجد صوتًا يخرج منها كي يصرخن حزنًا وفزعًا على تلك المسجاة داخل حضن حبيبها.
وحبيبها ينظر لها بدموع حبيسة تأبى الهطول. كل ما استطاع نطقه بهمس حارق:
"بتفديهم بحياتك؟"
ردت عليه بصعوبة ودمائها تسيل فوق يده الملتفة حولها:
"أني فديت روحي... ما كنتش هأقدر أعيش بعديك... أتمنيتك جوزي في الدنيا... وهأستناك في الآخرة."
"لو أنت اللي اتقتلت... كنت هأقتل حالي بعيدك... وأبقى اتحرمت منّيك بردك دنيا وآخرة."
"عشاني... أهلي... فقط..."
كانت آخر ما تفوهت به قبل أن تغلق عيناها تزامناً مع ضمة لها وصياح بصوت رجل عاشق فقد الحياة لتوه:
"لاااااه!"
"فوقي... ما تهملينيش..."
"ما هأقربش يمة أهلك... فوقي يا رغد فووووجي!"
بدأ الجميع يمتص الصدمة. اقترب منه عمه وأبوها المكلوم. يحاولون فحصها. وحينما رفض وتشبث بها، صرخت بها أمه كي تفيقه:
"فووووج يا دكتور... اكشف عليها يا ولدي... عم تتنفس؟"
"ألحق مرتك يا دكتووور!"
هنا تنبه عقله. تذكر مهنته. نظر لها محاولاً رؤيتها من بين الغيمة التي حجبت عنه الرؤية. جس عرقها النابض بتفحص ويد مرتعشة. عاد قلبه ينبض من جديد بعدما شعر بنبضها هي ما زال موجودًا رغم ضعفه.
لم ينتظر لحظة. عاد لحاله وتجبره، بل وقوته التي استخدمها في حملها. هرول بها إلى الخارج وهو يصرخ بهم:
"ألحق مرتي... واتحملوا جحيم عثمان السوهاجي يا عبايدة."
كان حمزة في ذلك الوقت أمر ثلاثة رجال أن يلحقوا بذلك الحقير حينما يراه يهرب بعد ما فعله. صعد السيارة خلف المقود بعدما صعد أخوه بزوجته في الخلف.
تحرك سريعًا وهو يقول:
"سمير الكلب هو اللي عملها... الرجالة لحقته قبل ما يهرب."
ضمها بقوة وهو يقول بهمس حارق وصل لأذن الأخير:
"اقفل عليه لحد ما أفوق له... ما فيش كلب من العبايدة رجليه تخطي عتبة المستشفى... سامع؟"
يعلم الله كيف تحكم في حاله كي يمارس مهنته كطبيب وهو يحاول إخراج تلك الرصاصة الغادرة. وما ساعده على ذلك حينما وصل بها إلى مشفاه الخاص وقام بفحصها، اطمأن قلبه العاشق قليلاً حينما اكتشف أن الطلقة أصابتها كانت في كتفها.
رفض أن يسعفها أحد غيره، بل دلف هو معها إلى غرفة العمليات ورافقه اثنان من الممرضات كي يخرجها لها، ثم يقوم بتقطيب جرحها، ذلك الجرح الذي شعر به داخل قلبه ليس في جسدها هي. ولأول مرة منذ أن مارس مهنة الطب يده ترتعش أثناء إجراء عملية جراحية. ولكن ذلك لم يكن ضعفًا منه، بل رعشة قلبه الذي يعتصر ألمًا أصابت جسده بالكامل ليس يده فقط.
أمام المشفى، كان المشهد حقًا مرعبًا. رجال العائلتين يقفان قبالة بعضهما البعض في حالة تأهب تام لنشوب معركة حامية. قوات الأمن التي وقفت في المنتصف في محاولة منها لمنع احتكاكهم ببعض. أبوها... ذلك الرجل الحكيم الحزين... الذي يقف مكتوف الأيدي... غاليته بالداخل لا يعلم عنها شيئًا، ولا يستطيع أن يكون بجانبها.
أما النساء... كان يخيم عليهم الحزن والبكاء وهن يجلسن منتظرين أن يطمئنوا عليها.
عفت ببكاء:
"عيني عليكي يا بنتي... يا قهرة قلبي عليكي."
نرجس بحزن:
"أني هأتجن... عقلي هيفط مني... ليه كل ده؟ إيه اللي حصل لأجل ما العبايدة يعملوا كده؟"
عائشة ببكاء:
"ما حدش خابر شيء... الدنيا اتقلبت مرة واحدة... والبنت ضحت بروحها يا نظري."
تحية بغيظ:
"الدكتور هيلحقها ما تخافيش."
عفت:
"أني لازم أعرف السبب."
نظرت لابنتها وقالت:
"اتصلي بشادية."
ردت عليهم ببكاء مرير:
"طمنيني يا حاجة... أختي عملت إيه؟ ولدك مانع حتى أبوها يدخل المستشفى... وما حدش رايد يريحه بكلمة حتى."
عفت:
"شادية... تقدري تيجي عندنا دلوقت... حديث التليفون ما ينفعش."
فهمت شادية ما تريد. ولأنها تثق في تلك السيدة الحكيمة ردت عليها بحسم:
"مسافة السكة هأكون عندكم."
وبالفعل: بعد مرور أقل من النصف ساعة كانت تجلس وسط النساء في بهو سرايا السوهاجية.
عفت:
"أنتِ خابرة سبب كل ده... صح؟ قولي لي يا بنتي... ريحي قلبي... أني هأتجن."
نرجس:
"شكلها حكاية واعرة قوي يا أمي."
شادية:
"أني ما أعرفش إذا كان اللي هأقوله ينفع ولا لاااه."
نظرت لعفت برجاء ثم أكملت:
"أني هأقول لكم على كل حاجة... لأجل ما تعرفوا أختي اتحملت إيه... وعاشت كيف."
"بس اللي طلباه منكم... ما فيش حد يفتح الحديث ده واصل لما نشوف الرجالة هتعمل إيه."
عائشة:
"اطمني... ما فيش حرف هيطلع بره... حتى الرجالة اللي كانت عم تطحن في بعضها ما حدش منهم فاهم ولا عارف السبب."
سحبت نفسًا عميقًا، ثم قصت عليهم كل شيء. كل ما عانته أختها من يوم أن خرجت من بيت أبيها إلى تلك اللحظة. ولكن بمنتهى الحكمة تغاضت عن ذكر ذلك العشق الذي أصبح يجري في وريد الثنائي ولا حتى ما فعلته كي يتم زواجه بها.
ذهول... صدمة تصحبها دموع غزيرة تهطل من عيون النساء كلما أسهبت شادية في الحديث. لا عقل ولا منطق يجعلهم يصدقون كل هذا.
وبعد أن انتهت قالت بحزن من بين دموعها:
"كل ده أختي اتحملته لأجل ما التار يوقف."
نظرت لعفت وأكملت برجاء:
"وبرحمة الغاليين يا حاجة... بلاش تخلي كل ده يروح هدر."
"كلمي والدك... خليه يحكم عقله... بكفايانا لحد كده."
"حد يتصل بيه... قلبي واكلني يا ناس... عايزة اطمن على أختي... وهو مانع أي حد مننا يدخل جوه."
عفت بصدمة:
"كان قلبي حاسس إن فيه حاجة غلط... الله يرحمه ويسامحه... كان مبين للكل إنه عاشقها ومهنيها."
"لكن عينها الحزينة اللي كلها هم... كانت بتكذب كل ده."
"ليه بس يا ولدي... بكت بحرقة وهي تكمل: ضيعت شبابك هدر... وظلمت البنية..."
بعد أن انتهى من العملية بشق الأنفس، قام بنقلها إلى غرفة عادية نظرًا لحالتها المستقرة. ولكنها ما زالت تحت تأثير المخدر. بعد أن وضعها بتمهل وحرص فوق الفراش، مال عليها مقبلاً جبينها برفق جامح ثم قال:
"سامحيني... ما أقدرش أنفذ طلبك... هأدفعهم تمن كل نقطة دم سالت منّيكِ... أحرق قلوبهم كيف ما قلبي اتحرق وأني فاكر إنك ضعتي مني."
"ما أقدرش أصدق إنك تعملي كده... ليه يا بنت قلبي ليييه؟"
بينما كان يجلس على أحد المقاعد منتظرًا بلهفة إفاقتها بعد زوال مفعول المخدر، سمع طرقًا فوق الباب. فتحه سريعًا وجد حمزة ومعه أحد الضباط.
تحرك خطوتين نحو الخارج ثم أغلق الباب بهدوء وقال:
"خير يا حضرة الضابط؟"
الضابط:
"محتاجين نحقق مع المجني عليها... وناخد أقوال الشهود."
نظر له ببرود ثم قال:
"مجني عليها مين... وشهود إيه اللي بتتحدد عنيهم... أني ما فاهمش حاجة."
جز الضابط على أسنانه كي يكتم غيظه ثم قال:
"المجني عليها... زوجة حضرتك اللي أصيبت بطلق ناري يا دكتور."
رد بلامبالاة ظاهرية:
"ما حصلش."
نظر له بعدم فهم فأكمل بثقة:
"ما فيش حاجة من دي حصلت..."
"مرتي وقعت فوق جزازة عورتها... وبس... جبت منين الحديث ده؟"
نظر لحمزة وأكمل:
"مش ده اللي حصل يا أخوي؟"
حمزة بتأكيد:
"وما فيش غيره يا واد عمي."
لم يتمالك حاله بعد أن رأى تلك التمثيلية الهزلية فقال بغضب:
"اللي بيحصل ده غلط يا دكتور."
"الناس تحت واقفين على تكه... كلمة واحدة وهتحصل مجزرة... أرجوك أنت إنسان متعلم ومثقف..."
"يا ريت تكون أنت صوت العقل اللي ينقذ أرواح بريئة زي ما عملت قبل كده."
رد عليه بحسم دون أن يتأثر بما قيل:
"أني قلت اللي عندي... ما ليش صالح بأي حاجة ثاني."
أكمل باستهزاء:
"واللي بلغك... تقدر تعمل له محضر بلاغ كاذب وإزعاج سلطات."
في أحد المخازن التابعة لعائلة السوهاجي، كان ذلك الحقير يتلقى ضربًا مبرحًا من رجال حمزة. كادت أحباله الصوتية أن تتقطع من فرط صراخه المتألم. لم يرأفوا به بل قال أحدهم بغل:
"صرخ... علي صوتك كيف الحريم!"
"أمال كنت عامل فيها سبع الرجال من شوية؟"
"كل ده ما يجيش حاجة قصاد اللي هيعمله فيك الدكتور."
تقدم يونس من أبيه وقال بغضب مكتوم:
"وبعدين يا أبوي... هنفضل واقفين كده وما خابرينش أختي إيه اللي حصل فيها؟"
"اديني إشارة وأني أطربق المستشفى على اللي فيها."
نظر له أبيه بغضب ثم قال:
"وماله... ولعها أكثر ما هي والعة... والغلبانة اللي ربنا أعلم بحالها دلوقت هي اللي هتدفع الثمن."
يونس:
"يا أبوي... أني رايد اطمن عليها... بأقول كده من غلبي... أني لحد دلوقت مش قادر أصدق اللي حصل."
عبد الحكيم:
"ولا أني يا ولدي..."
نظر له بثقة وهو يكمل:
"طمن قلبك يا ولدي... أختك في أمان."
يونس باستغراب:
"كيف ده يا أبوي؟"
ابتسم الرجل الحكيم بهم وقال:
"لأنها مع اللي هيهد الدنيا لأجل خاطرها يا ولدي... يكفيك شر راجل عاشق... لما حد يمس قلبه."
هل هي من تحاول فتح عيناها... أم قلبه المتلهف هو من يهيئ له ذلك؟ اقترب منها بتمهل... جلس على حافة فراشها... أخذ يملس على وجنتها بحنان وهو يقول برجاء عاشق أرهقه الانتظار:
"فتحي يا رغد دنيتي."
"خلي قلبي يرجع يدق... الدنيا اسودت في وشي لأجل ما أنا محروم من نور عينك."
"ارحمي قلبي وطمنيني عليكي."
وصغيرته رحمته حينما همست باسمه قبل حتى أن تستعيد وعيها كاملاً. اقترب أكثر منها وقال بلهفة:
"قلبه وعقله وروحه."
بدأت تفتح عيناها بوهن... أول ما قابلها وجهه المبتسم بفرحة لنجاتها وعودتها له. أخذت بعض الوقت كي تستعيد وعيها... وجدت مشاهد سريعة تمر أمامها لما حدث، مما جعلها تفيق سريعًا بشكل كامل وتقول بلهفة رغم وهنها:
"أنت زين... حصل إيه... طمني؟"
لم يتمالك حاله وهو يميل عليها كي يرفعها بحرص ويدفنها داخل أحضانه. قبلات كثيرة فوق رأسها وهو يقول من بينهم بنبرة باكية:
"توك قلبي عاود مطرحه."
"هانت عليكي تعملي في كده... هانت عليكي روحك؟"
ابتعدت عنه بصعوبة... تطلعت له بذهول وقالت:
"أنت عم تبكي يا عثمان؟"
كوب وجهها بحنو وقال:
"ربي يعلم كتمتها كيف... كان نفسي أصرخ... أبكي... أنوح... أبوس إيد الكل وأقول لهم... اتركوا لي حبيبتي."
"يدي كانت بتترعش وأنا بمسح دمك... ليه تعملي في كده... ليييييه؟"
بكت في المقابل وهي تقول:
"أنت هتقدر تكمل من غيري... إنما أنا أضعف من كده بكتير... أنا فديت روحي مش روحك... أنا عاجباك يا طبيب قلبي."
نظر لها بعيون تصرخ عشقًا ثم اقترب منها وقال:
"......"
ماذا سيحدث يا ترى؟ سنرى.
بقلمي / فريدة الحلواني
رواية دكتور نسا الفصل التاسع عشر 19 - بقلم فريدة الحلواني
صباحك بيضحك يا قلب فريدة.
عندك هم كبير، بس الله أكبر. رزقك قليل، بس الله هو الرزاق ذو القوة المتين. اتظلمتي؟ قولي: "وأفوض أمري إلى الله". ذنوبك كتير؟ إن الله غفور رحيم. ربنا سبحانه وتعالى عاطينا حل لكل حاجة، إحنا بس ناقصنا اليقين. كلنا بندعي وبنستغفر وبنقول: "على الله". بس جوانا قلقانين ومش واثقين أوي. عارفة لو بقي جواكي يقين إن ربنا هيدبر أمرك، هترتاحي وتحسي إن أي هم جواكي راح. ادعي واستغفري وصلي على النبي كتير. هيفرج همك، ويغفر ذنبك، ويرزقك من حيث لا تحتسبي. أنا واثقة. وبحبك.
ما أجمل أن يكون عشقك لأحدهم عبارة عن موقف تثبته فيه، يكون وقتها أبلغ من أي حديث عنه. ما أجمل أن تجد من يضحي لأجلك دون أن ينتظر مقابل.
ما أروع هذا الشعور الذي يجعلك تنام قرير العين وأنت على يقين تام، أنه يوجد من يحميك ويحرسك، بل يخبئك داخل ضلوعه.
أتى الصباح على تلك القرية التي لم يغفل فيها أحد، ولم يذوقوا طعمًا للنوم. الكل في حالة قلق وترقب، ولكن كان أكثرهم وجعًا وقهرًا هو عبد الحكيم العبايدي، الذي أثبت ما حدث أنه بالفعل رجل حكيم. استطاع أن يلجم جموح بنو عائلته، منعهم بحكمه الصارم الذي لا يستطيع أحد أن يعارضه من الهجوم على المشفى. فقد أخذتهم العزة ورفضوا منعهم من دخولها، رغم ألمه الداخلي من ذلك الموقف المخزي بالنسبة له، إلا أن مصلحة ابنته وصحتها كانت أهم، خاصة بعدما أيقن عشق الطبيب لها.
أما الطبيب، فهو الوحيد الذي نام قرير العين، حتى وإن كان مجرد ساعة واحدة غفيها جانب رغد وهو يضمها داخل ضلوعه بعدما اطمأن أنها بخير.
أمرت عفت بتجهيز بعض الثياب لرغد وولدها الذي هي على يقين تام أنه لن يبرح المشفى دونها. جهزت أيضًا بعض الأطعمة، توجهت نحو عبد العظيم وقالت:
"مين فيكم هيوصلني المستشفى؟"
وقف قبالتها وقال بمهادنة:
"يا حاجة اسمعي بس، الدنيا مجلوبة هناك. رجالة العيلتين واقفين من عشية قبال بعضهم، والحكومة فالنص. ولد الجادر مانع أي حد يخطي جوه الباب، ودي عاملة واعرة جوي وأنتِ خابرة زين أكده."
عفت:
"خابرة، لكن بردك هروح للبت اللي دمها اتصفى قدامنا، مهملهاش لحالها."
عبد العظيم بحكمة:
"البنية جوزها وياها، مفتاهاش دقيقة وحدها. إحنا حاطين إيدينا على قلوبنا، النار ممكن تشعلل في أي وقت. والحاج يتجال، عبد الحكيم ماسك ناسه بيد من حديد، يبقي إحنا بجي منزودوهاش. ميبقاش هما واقفين فالشارع مجدرينش يطمنوا على بتهم، وإحنا رايحين بحريمنا يزوروها. اعقلي الحديث يا حاجة."
اقتنعت بما سمعت، فهو لديه كل الحق، ولكنها حقًا قلقة للغاية عليها ولن ترتاح إلا برؤيتها سالمة أمامها. زفرت بهم وقالت:
"طيب يا حاج، اديني قاعدة أهه. بس بالله عليك لما توصل طمني. البيه قافل تليفونه من عشية ومعرفاش أوصله."
والبيه يشاكس صغيرته، بل يتواطح معها أثناء فحصه لجرحها وتغيير ضمادته. ألقى بعرض الحائط كل ما يحدث بالخارج، كل ما يشغله فقط حبيبته وتحسين حالتها النفسية. بل الأصح كان يطمئن قلبه أنها ما زالت معه، لم تفارقه. هو يرى ابتسامتها حتى لو كانت باهتة، يشعر بحزنها مهما حاولت أن تداريه. يعطيها جرعات محسوبة من المسكن كي لا تتألم بقدر المستطاع.
بينما كان يضع ضمادة جديدة، سرحت يده تجاه صدرها قليلًا. لمساته الماجنة جعلتها تجحظ بعينيها وتقول بخجل واستنكار:
"وااه، إيه اللي هتعمله ديه؟"
نظر لها ببرود عكس ناره المنقادة وقال:
"بغير على الجرح. في حاجة وجعاكي يا رغدي؟"
نظرت له بغيظ وقالت:
"هو الجرح فكتفي ولا آآآ..."
صمتت ولم تقو على التكملة. نظر لها بخبث وهو يقرب وجهه منها ويقول:
"من إيه؟ كملي."
عضت شفتها السفلى وأغمضت عينيها حينما لم تقو على مجابهة جرأته. ضحك برجولة ثم قبلها بسطحية وقال:
"قلبي اللي لساته هيخجل مني. طب ده اسمه كلام؟ عيب في حقي والله."
نظرت له برجاء وقالت:
"عثمان..."
زفر بحنق لعلمه ماذا ستقول. لم تهتم وأكملت بعدما أمسكت كفه:
"لأجل خاطري..."
رد عليها بغضب نجحت في إخراجه:
"لأجل خاطرك؟ هطربق الدنيا على نفخهم. لأجل خاطر دمك اللي سال وقلبي اللي كان هيوقف من الرعب عليكي، هولع فيهم كلياتهم، هامحي اسم العبايدة من الدنيا."
بكت. كل ما فعلته هو البكاء بهدوء حزين، لا تقو على ردعه، كما تعتقد. لا تعلم أن تلك الدموع المنكسرة هبطت على قلبه مثل شظايا النار الملتهبة. كوب وجهها كي يمسح دموعها وهو يقول بحنو بعد أن ضعف من مظهرها:
"عم تبكي ليه؟ لساتك باقية عليهم بعد كل اللي عملوه فيكي؟"
ردت عليه بحكمة من بين دموعها:
"خليك حقاني يا دكتور. أهلي حقهم يعملوا أكده بعد ما عرفوا اللي حصلي. لو كنت أنت مطرحهم كان زمانك مولع فيهم. وأبوي أنا متأكدة إنه كان هيحلها بالعقل، لولا الكلب ديه هو اللي جاد النار."
لم تخطئ في حرف واحد مما سمعه، ولكن يبقى أيضًا ما حدث لها، هذا كفيل أن يقتلهم جميعًا. رد بعناد:
"صوح، أنت صوح. لكن حرمة بيتي اللي اتعدوا عليها، ملهاش عقاب. والأهم من كل ديه اللي حصّلك، كيف أعديه بالساهل؟"
نظر لها بعشق وأكمل:
"أنا حسيت إني روحي طلعت مني أول ما غمضت عيني. نسيت إني دكتور. كأني لأول مرة أشوف دم. مكنتش داري بالدنيا حواليا. قسما بالله إني مخابرش مين اللي فاجئني. كأني كنت في غيبوبة وفجأة لقيتني بجري بيكي. إيه حصّل قبليها وبعد ما وقعتي بين يدي؟ لحدت دلوقت مخابرش."
مدت ذراعها السليم ثم وضعت كفها فوق وجنته وقالت بحنو:
"حاسة بيك يا قلبي. اللي هتوصفه هو نفسه اللي حسيته وقت ما شفت السلاح متصوب ناحيتك. بس الحمد لله، ربنا نجاك ونجاني ليك. يبقي نحكم العقل يا حبيبي، بكفاية لحدت أكده."
كاد أن يعترض مرة أخرى فأكملت سريعًا:
"متضيعش كل اللي عملته واتحملته. أنت خابر اللي حصّل فيا قد إيه. بلاش ترميه فالأرض وتدوس عليه برجليك."
تطلع لها بعتاب وقال:
"أنا يا رغد؟ أنا أعمل أكده؟"
ردت عليه بحسم:
"لو العداوة قامت تاني بين العيلتين يبقي حديثي صوح."
أكملت بمكر تلعب على أوتار عشقه لها:
"يبقي أكده بتثبتلي إني مسواش حاجة عندك. وحتى لو كنت عاشقني كيف ما بتقول، أهو كلام ولد عم حديث، لكن إيه اللي يثبته ديه لو مبتقدرنيش؟"
وقع في فخها، تلك الصغيرة الماكرة التي علمت نقطة ضعفه واستغلتها جيدًا. نظر لها بعشق خالص وقال مدافعًا عن حاله:
"أنا يا رغد؟ أنتِ شايفاني أكده صوح؟ ده أنا محسيتش إني عندي قلب غير بعد ما حطيتك فيه وقفلت عليكي جواته. لو أطول أحطك فوق راسي قدام الكل لأجل ما افتخر إنك مرتي القوية الجدعة اللي اتحملت كتير لأجل ما تحافظ على أرواح ناس، كنت عملتها."
ملست على ذقنه النامية بحنو وقالت:
"لأجل خاطري يا طبيب قلبي، اقفل على الجرح لحدت أكده. بكفيانا وجع ودم ومرار طافح. أنا رايدة أعيش وياك اللي مقدرتش أعيشه من كتر الخوف والهم اللي كنت شايلاه. لأجل خاطر رغد الدنيا والآخرة كيف ما هتقولي، اقفلها على أكده."
ضم رأسها بتمهل ليضعها فوق خافقه ويقول بغيظ وغضب مغلفان بعشق حانٍ:
"طبيب قلبك هيقفل على الجرح، لكن مهسامحكيش واصل. بتمسكيني من قلبي اللي عشقك يا رغد."
ابتسمت بهدوء حينما أيقنت موافقته على حديثها حتى إن كان ضد رغبته. قبلت صدره بعشق وقالت:
"أنت قلب رغد وهنا دنيتها. ربنا يريح بالك كيف ما ريحت قلبي، يا طبيب قلبي ونبضه."
وأخيرًا استطاع أبيها الدلوف داخل المشفى، هو فقط، كما أمر ذلك المغلوب على قلبه. وقف أمامه وقال قبل أن يسمح له بالدخول إليها:
"لأجل عينيها، هي بس."
فهم الرجل الحكيم معنى الجملة جيدًا مما جعله يبتسم ويرد هو الآخر بمغزى:
"ولأجل عينيها، وراجلها اللي ربنا عوضها بيه، يا دكتور."
وفقط، أفسح له المجال ليمر بعدما فهم كلا منهما ما يقصده وينتويه الآخر. وضعت رأسها على صدر أبيها تبكي بحزن، ضمها بحنو وقلب متألم على حال مدللته وأغلى أبنائه لديه. والعاشق يغلي من الغيرة، بل يضرب نفسه ويسبها على موافقته بحضور أبيها.
عبد الحكيم:
"بكفاياكي بكي يا بنتي، كل حاجة هتتحل بأمر الله."
ابتعدت عنه وقالت:
"صوح يا أبوي، ورحمة الغالية ما هتضحكش عليّ."
قبل أن يرد عليها كان ذلك المجنون يقول بغيظ وهو يتجه إليها:
"ماهو قالك خلاص."
أبعدها عن أبيها برفق شديد كي يمددها فوق الفراش وهو يكمل:
"ريحي حالك بجي، القعدة غلط عليكي، جرحك هيشد عليكي أكده."
نظرت له بغيظ لتقابل نظراته المشتعلة ولم تقو على الاعتراض. أما ذلك العجوز الذي يمتلك من الخبرة ما جعله يعلم ما يدور أمامه، ضحك برزانة ثم قال:
"اسمعي حديث الدكتور يا بنتي."
نظر له بخبث وأكمل:
"أنا بردك كنت بعمل أكده مع أمك الله يرحمها."
عثمان بغيظ:
"كنت بتعمل إيه بجي؟ كنت دكتور بردك؟"
رد عليه بمغزى:
"كل واحد طبيب حاله يا ولدي، وأنا كنت بريح حالي من وجع القلب ومبعدها عن الناس كلياتها."
ابتسم عثمان باتساع ولمعت عينه بهوس ثم قال:
"صدق بالله إني توي حبيتك يا حاج، طلعت فهمان أكتر من اللي معاه شهادات والله."
لم تفهم ما يعنيه ذلك الحديث ولكن يكفي أنهما تقبلا بعضهما البعض.
بعد مرور ثلاثة أيام، قرر إخراجها من المشفى وإكمال علاجها داخل بيته تحت رعايته هو. وقد انفض التجمهر في نفس اليوم الذي سمح فيه لأبيها برؤيتها. دلف بها إلى السرايا وهو حاملًا إياها بين يديه دون ذرة خجل أو اهتمام بمن حوله. الكل فرح بعودتها سالمة وتجمعوا داخل غرفتها بعدما وضعها فوق الفراش برفق.
عفت بفرحة ودموع:
"بركة إنك نورتي بيتك تاني يا بنتي، ملقياش حاجة أقولها بعد اللي عملتيه."
عائشة بصدق ودموع:
"كلياتنا اتجهرنا عليكي يا أختي، سواء لما أصبتي ولا من اللي عرفناه. كيف اتحملتي ديه كلياته؟ يعلم ربي قهرتي عليكي قد إيه."
نظرت لهم بدموع فرحة وقالت:
"الحمد لله قدر ولطف. أنا بقيت زينة دلوقت."
نرجس:
"تفضلي طيبة وبخير يا رب. هعملك فرخة شامورت وحبة شوربة يرموا عضمك وأرجعلك طوالي."
عثمان:
"طيب متتعوجيش عشان ميعاد العلاج كمان ساعة. على ما تغير خلجاتها وتتسبح تكوني خلصتي."
فهم ثلاثتهم ما يعنيه، وهو طلب مبطن بتركهم قليلًا حتى ينهي اهتمامه بها. أول من تحركت معها كانت عائشة وهي تقول:
"تعالي أساعدك لأجل ما نخلص بسرعة."
أما عفت انتظرت خروجهم ثم قالت:
"تحب أساعدها يا ولدي؟ أنا كيف أمها."
عثمان:
"تسلميلي يا حاجة. ريحي حالك أنا وياها متقلقيش، عشان كماني أغير على الجرح بالمرة."
خرجت الأم وبمجرد أن لف جسده ليتحرك تجاهها وجدها تنظر له بغيظ. قطب بين حاجبيه وقال باستغراب:
"هتطلعي عليّ أكده ليه؟ عملتلك حاجة أنا؟"
رغد:
"أنت مش لساتك مغير على الجرح قبل ما نجي؟ ليه بتقول للحاجة أكده؟"
رد عليها بغيرة حارقة:
"كأنك اجنيتي يا واكلة ناسك أنتِ. رايدة الخلق تطلع على جسمك؟ يا مخبولة."
ردت بغضب وجنون:
"أنا اللي مخبلة؟ خلق مين يا دكتور؟ دي أمك وكيف أمي تمام."
جلس قبالتها مكوبًا وجهها بقوة، نظر لها بعيون تغلي من نار الغيرة ثم قال بحسم:
"أنا... هغير عليكي من خلجاتك. سواعي يبقي هاين عليّ أقطعهم لأجل ما في حاجة تلمسك غيري. يبقي تحمدي ربك إني مهملهم عليكي، وتلمي حالك وتقفلي خشمك. سامعة يا بقرة أنتِ؟"
بعد أن امتصت صدمتها بما سمعت، لم تقو على كتم ضحكاتها الفرحة والمذهولة في آن واحد. تطلع لها بغيظ وغضب ولم يجد طريقة يفرغ فيها كل هذا غير ثغرها الضاحك بحلاوة. التهمه بجوع وغيظ في البداية، ثم تحولت إلى اشتياق وعشق واطمئنان، أنها ما زالت معه. فصلها بعد مدة وقال:
"حمد الله بسلامتك يا رغد دنيتي."
جاء الليل سريعًا والكل خلد إلى النوم، إلا طبيبنا. فبعد أن أطعمها بيده وأعطاها جرعة الدواء، مددها فوق الفراش ثم فرد الغطاء عليها. قبل رأسها وقال:
"البرشام هينيمك يجي تمن ساعات. هروح لعيشة، وكل شوي هطمن عليكي وقبل ما النور يطلع هكون عندك."
أكمل بخجل طفيف:
"بقالى يجي أكتر من أسبوع مدخلتش عندها."
ردت عليه بتعقل:
"متخافيش عليّ أنا بقيت زينة. روحلها يا عثمان كتر خيرها والله، وأنا هنعس خلاص."
كادت أن تتجه نحو فراشها، ولكنها وقفت باستغراب حينما وجدته يدخل الغرفة ويغلق الباب خلفه. نظرت له بقلق ثم قالت باهتمام:
"خير يا ولد عمي؟ البت فيها حاجة؟ محتاج حاجة؟"
اقترب منها بتمهل وعيون بها لمعة لأول مرة تراها، وقف قبالتها وقال بهدوء:
"البت زينة. أنا جايلك أنتِ يا بنت عمي."
سألته باهتمام:
"محتاج حاجة يعني؟ مفهمهاش أنا."
ضحك بهدوء ثم لف ذراعه حول خصرها وقال:
"وااه. كانك اتعودتي على غيبتي يا عيشة؟ مريدانيش أبات عندك ولا إيه؟"
نظرت له بفرحة ولكنها قالت بحكمة:
"يعلم ربي اليوم اللي عم تغيب عن فرشتي بيبقي حالي ما يعلم بيه غير ربنا. لكن البنية متصابة مهينفعش تهملها لحالها."
قبلها برفق وامتنان ثم قال بصدق:
"كل يوم عن يوم بتكبري في نظري أكتر. أنا كيف كنت غفلان عن قلبك الطيب ديه؟ قوليلي أوفيكي حقك كيف بس؟"
ربتت على صدره وقالت:
"جايتك لحدت عندي دلوقت تسوي الدنيا وما فيها يا ولد عمي. يعلم ربي قلبي هيفط من الفرحة دلوقت. ربنا يراضيك ويرضى عنك. روح يا عثمان خليك جارها، لحدت ما تطيب وبعدها أبقي تعالى براحتك."
رغم رغبته في العودة إلى قلبه الذي تركه هناك إلا أن ضميره لن يسمح له بالانصياع لتلك الرغبة. سيظل معها، يربت على قلبها الأبيض، يعوضها غيابه، هي تستحق ذلك. ضمها بحنان ثم قال:
"اتوحشتك جوي يا عيشة، هقعد وياكي شوي، وبعدها أبقى أعود تاني."
أما بالجهة الأخرى، سالت دموعها بهدوء معاكس للنار التي تحرق قلبها. هي عاشقة، وتموت ألمًا من الغيرة. ولكن صاحبة أطهر قلب قابلته يومًا تستحق منها أن تتحمل تلك النار. عائشة فعلت معها الكثير، وقدمت لها ما لم تتوقعه، بل كانت صاحبة الخطوة الأولى حينما اهتمت بها في مرضها. لن تسمح لحالها أن تصبح أنانية وجاحدة، يجب أن تتذكر دائمًا أنها هي من شاركتها زوجها. تنهدت بهم ثم قالت قبل أن تذهب في نوم عميق إثر مفعول الدواء:
"بكفياني إن قلبه معاي. متبقيش طماعة يا بنت العبايدة."
ماذا سيحدث يا ترى؟ سنرى.
رواية دكتور نسا الفصل العشرون 20 - بقلم فريدة الحلواني
في اليوم التالي لاحظ الجميع عدم ظهور الحاجة عفت في الأرجاء.
حتى وقت الإفطار لم تكن حاضرة معهم.
وحينما سألتها نرجس قالت: "مش قادرة، هنام شوية وأبقى أفطر لما أصحى."
عثمان باهتمام: "يعني أمك تعبانة ولا إيه؟ مش عادي تنام لحد دلوقتي."
نرجس: "لأ مش تعبانة يا خوي، شكلها زعلانة. ماليها حاصل من يوميتها وهي مسهمة ومرضيتش تتحدت ويا حد واصل."
زفر عثمان بهم وقال: "حجها. اللي عرفته مش هين. روحي اجعدي مع رغد وأنا هطلع أطل عليها."
بينما كان في طريقه إلى جناح أمه، قبل تحية.
وقفت أمامه تناظره بغيظ، فقال: "خير يا مرت عمي، فيكي حاجة؟"
تحية: "اللي فيا كتير يا ولدي، بس أنا مش هكتم خشمي أكتر من كده."
نظر لها بشك وقال: "خير، جولي اللي عندك."
تحية برعونة: "أنا ما عاجبنيش الحال اللي بتي فيه. بدأت تظهر عليه ملامح الغضب وهو يقول بحسم: "مرت عمي، اللي بيني وبين بتي شيء يخصنا. هي اشتكتلك؟"
تحية: "لأه، مش لازم تشتكي. أنا ناظرة بعيني كل شيء. من وقت ما اتجوزت عليها وأنت مهملها. حتى بعد اللي حاصل وأنت لازق لبت العبايدة."
نظرت له بخبث وأكملت: "كان المفروض أول ما تعرفي عمايل بت عمها الشينة كنت تطلجيها. إيش دراك إنها متكونيش زييها؟"
هنا ولم يتحمل أن يسمع كلمة أخرى، فهي لا تتهمه بالتقصير مع ابنتها فقط، بل تشكك في رغد، أطهر خلق الله كما يقول بداخله.
عثمان بغضب: "لحد هنا ومعايز أسمع كلمة منكِ. أنتِ خابرة معاني حديثك دي."
تحية بتبجح: "أيوه خابرة."
قاطعها بصياح: "بااااس، ولا كلمة. لو بتك اشتكتلك، ديه شيء تاني. أما أبداً مهجبلش تجول كلمة على مرتي الطاهرة."
"لو واحدة مكانها كانت ولعت الدنيا حريقة ومكنتش اتحملت كلت ديه. بدل ما نحطوها فوق روسنا، هنطلع عليها كلام شين."
"اسمعي، فكري بس تجيبي سيرتها مع أي مخلوق. هكون دافنك في أرضك، ساااامعة."
حضرت نرجس وعائشة على أثر صياحه.
سألت الأخيرة بوجل: "إيه خير يا رب."
نظر لها بلوم ثم قال: "مخبرش أنتِ شاكية لمك مني، ولا معجبكيش العيشة وياي."
نظرت له بصدمة وقالت مدافعة عن حالها: "وااااه مين جال أكده؟"
نظرت لأمها وقالت بغضب مكتوم: "أنا اشتكيت منه ياما، أنا جبت سيرة جوزي. ليه أكده؟"
تحية: "مش لازم تشتكي، أنا أمك وأدرى بحالك."
عائشة: "لأه، مدرياش ياما."
نظرت له وأكملت بدفاع: "والله يا واد عمي ما نطقت شيء واصل، ويعلم ربي إني حامدة ربي وشكراه. أنت عمرك ما قصرت وياي في حاجة، وبقيت تعاملني أحسن مالأول كمان. ورغد أنا اعتبرتها أختي، وما فيش جواتي ليها شيء واصل غير المحبة."
تركهم عثمان دون أن يتفوه بحرف.
نظرت نرجس بغضب إلى تحية وقالت: "متخربيش على بتك حرام عليكي."
تحية: "أنتِ مالك، بتدخلي ليه؟ كلياتنا ناظرين للي بيعمله خوي يبقي ليه النكد يا مرت عمي."
تحية: "بتي ورايدة مصلحتها وأخوكي عشق بت العبايدة. لو كان ضميره مخليه يعامل بتي زين دلوك، بكرة تلحس عجلة وتخليه يطلقها."
صرخت عائشة من بين دموعها التي انهمرت حزناً: "حرام عليكي ياما! همليني فحالي. راجلي زين ومراعي ربنا فيا، ومقصرش وياي. ولا هو أول و لا آخر واحد يتجوز على مرته، وأنا اللي ليا عنده العدل. اللي هتجولي عليه هيطلقني، كان بايت في فرشتي ياما. همل البت اللي فديته بروحها وجالي لحل ما يراضيني. يعوز إيه أكتر من كده. والبت الغلبانة، المفروض نشيلها فوق روسنا كلياتنا. لولاها كان زمان الدم مالي النجعة، ولولاها بردك كان زماني مترملة بعيد الشر."
داخل سرايا العبيدة، كان الحزن والغضب مسيطران على الأجواء.
وكما يوجد من يحاول تهدئة الأوضاع، يوجد أيضاً من يحاول إشعال النار فيها.
أنصاف بحقد: "أنا مقدرش أصدج، بجي رغد كانت تعرف مكان الفاجرة دي ودارت علينا. كأنها مش سهلة زي ما قلت."
شادية بغضب: "والله ما في حد ما سهل غيرك. بدل ما تزعلي على خيتك واللي اتحملته تجولي أكده."
أنصاف بخبث: "مانتي شريكة وياها. أكيد خبرتك كلت ديه وأنتِ داريتِ علينا. لبستينا العمة كلياتنا. شايفه الكل عم يدور عليها وأنتِ قاعدة كأنك مش ويانا."
يونس بغضب: "حديث خيتك صحيح. لو كنتِ جلتيلنا مكانش حصل كلت ديه."
قبل أن ترد مدافعة عن حالها، كان أبوها يسبقها ويقول بحكمة: "لو جالت كان زمان واحد ولا اتنين منيكم مدفون في جبرة يا ولدي. اللي عملته خيتك هو الصحيح."
يونس: "طب ادينا اتفضحنا. هنعملوا إيه دلوك؟"
وهدان: "مفيش حد يعرف سبب اللي حصل يا خوي. الكل مفكر إنها مشكلة بين رغد وجوزها وإحنا اتحمدنا عليه. منه لله سمير الكلب هو اللي شعللها نار."
أنصاف بمكر: "واهو ديه كماني كسر رجبة للعبايدة. كيف تهملو السوهاجية تاخد ولد عمنا ومعارفينش موطرحه لحدت دلوك. ولا الفاجرة التانية بردك مهملينها عندهم من غير ما تغسلوا عاركم."
أبوها بغضب: "بكفياكي نفخ في النار يا واكلة ناسك. محدش له صالح بكلت ديه. أنا هحله بالعجل."
أخيه بحزن: "هنعمل إيه في سحر يا خوي؟"
عبد الحكيم: "المفروض تنجتل. ديه حلها الوحيد. لكن بكفيانا دم."
وهدان: "ناوي على إيه يا بوي؟"
عبد الحكيم: "اللي فيه الخير يقدمه ربنا يا ولدي."
شادية بحزن: "أنا رايدة أروح لخيتي يا بوي. جلت نهملهم يومين. وأهم عدوا. جلبي واكلني عليها."
رد عليها أبوها بارتياح: "جوزها حاططتها جوه حبايب عينه يا بتي. أنا جلت نصبر أشوي وأدينا بنطمن عليها بالتليفون."
أنصاف بغل: "معناته إيه الحديث ده يا بوي. يعني مش هتخليه يطلقها؟"
بعد أن قبل جبينها، جلس جوارها وقال بحنو منافٍ لغضبه الداخلي: "مالك يا أم الدكتور. ليه حابسة حالك؟"
تطلعت له بحزن ثم بكت رغماً عنها وقالت: "مقهورة يا ولدي. حاسة حالي انكسرت."
ردت عليها بلهفة: "لأه... أوماكي تجولي أكده يا أمي. دنتي وتد. ما عاش ولا كان اللي يكسرك."
عفت ببكاء: "خيك جهرني وكسرني يا ولدي. الله يرحمه ويساهمه. أنا هتجن. كيف جدر يضحك علينا كلياتنا. كيف هان عليه البنية الغلبانة. مفكرش في أهله. مفكرش في ولده. رحيم يا جلبي. هيضل مكتوب باسم غير أمه. طب لما يكبر هيعمل إيه؟"
عثمان: "اطمني يا أمي أنا هحل كلت ديه. من الأساس كنت هحله من غير ما حد يحس. لولا ابن الكلب اللي فضح الدنيا وشعللها نار."
عفت: "هتعمل إيه وياه يا ولدي. أدبه وخد حقك منه. بس بلاش تتوسخ يدك بدمه. بكفيانا يا ولدي."
عثمان بتعقل: "اطمني يا حاجة، كل حاجة هتتحل إن شاء الله من غير نقطة دم واحدة. أنتِ صح يا أمي. بكفيانا."
بعد أن اطمأن على أمه وطمأنها، اتجه إلى رغد.
"دنياي وآخرتي كما يقول. اشتاقها حد اللعنة. منذ الصباح الباكر وهو مشغول عنها. يرتب ما ينوي فعله كي يكمل حياته في هدوء. وأيضاً تابع بعض الأعمال المتراكمة عليه. يكفي هذا. يحتاج إلى جرعة من عشقها كي يعيد شحن طاقته من جديد."
دلف إلى الغرفة وجدها تجلس فوق الفراش كما تركها وتصاحبها نرجس كما وصاها.
ابتسم بحنو ثم قال: "كيفك دلوك؟ الجرح شادد عليكي؟ في حاجة وجعاكي؟"
نظرت له بعتاب خفي وقالت: "لأه، زينة الحمد لله."
نظر لأخته وقال بوقاحة: "روحي شوفي حالك يا نرجس."
نظرت له بصدمة، فأكمل ببرود: "هغير عالجرح."
اتجهت نحو الباب وهي تقول بغيظ: "يا أمي يا نرجس، طول اليوم اجعدي يا نرجس، اطلعي بره يا نرجس. يا مرارك الطافح يا نرجس."
مع آخر كلمة كانت تغلق الباب بغيظ.
لم يهتم لها كثيراً، بل اتجه إليها بلهفة.
"ضم وجهها ونظر لها بعيون تلمع عشقاً ثم قال: "المخبولة متعرفش إن أخوها عاشق. وما في العَاشِق حرج."
تطلعت له بلوم ثم قالت: "والعاشق يهمل حبيبته طول اليوم؟ كيف ديه؟"
"التقم شفتيها في قبلة أودع فيها اشتياقه لها ثم فصلها وقال: "غصبن عني وأنتِ خابرة زين. وحشتيني يا رغدي. رايدك يا بت العبايدة. سبحان من يصبرني لحدت ما تطيبين."
نظرت له بعشق وقالت: "وأنا كماني اتوحشتك جوي يا عثمان."
"هل يترك حبيبته تشتاقه؟ لا والله. فليبثها بعضاً من شوقه لها، ويروي عطش اشتياقها له. حتى وإن كان عن طريق بعض القبل الجامحة."
"بل الكثير منها والتي لم تطفيء نارهم، بل أشعلتها أكثر وأكثر."
"ابتعد عنها بشق الأنفس ثم وضع جبهته على خاصتها وقال بعشق خالص: "عشقك هو اللي روى أرضي البور. خلاها تطرح ورد وخضار ماله أول من آخر. مبقتش أقدر على بعدك. رايد أضل وياكي ليل ويا نهار. لو أقدر كنت خدتك بعيد عن كل الدنيا. أضل أنا وأنتي لحالنا. بس بصبر جلبي وأجول: حضنها هيعوضك. جلبها هيساعدك. الطَّلَّة جوه عينيها هتنسيك هم الدنيا."
"ملست على ذقنه الخشنة وقالت: "أنا مبعرفش أجول حديث كيف ما بتجول. أمسكت يده ثم وضعتها فوق خافقها وأكملت: "لكن خابرة زين إنك حاسس باللي جواتي. وأنك نور عيني اللي بشوف بيها. ربنا يديمك نعمة في حياتي ويرزقني منك بالخلف الصالح."
ابتسم بحلاوة بعد تلك الدعوة التي جعلته يشعر بفرحة عارمة، بل تخيل أطفاله منها.
"ملس على شعرها وقال: "نفسي في بت شبهك. تاخد سواد ليلك، ونور بدرك اللي نور عتمتيه. نسميها جمر. جمر ليلي اللي نور حياتي."
ضحكت بدلال ثم قالت: "وااه رايد بت وكمان اخترت اسمها."
"قبلها بسطحية ثم قال بتملك: "أنتِ بالذات مريدش منك ولد. هغار عليكي منهم. يبقي نقصر الشر وتعملي حسابك خلفتك تبجي كلها بنيته وبس."
نظرت له بزهول ثم انطلقت منها ضحكات مرحة وهي تقول من بينها: "حاضر هتصل باللي هيبيعها وأنجيبهم كلياتهم بنيته. حلو أكده."
نظر لها بغيظ ثم قال: "هتتمجلتي علي يا بت العبايدة."
في لحظة، وعلى غفلة منها، كان يقضم شفتيها بأسنانه عقاباً لها على عدم تقديرها لغيرته المجنونة عليها.
وياللعجب... لم تصرخ أو تتألم، بل بادلته بجموح ألهب حواسه وجعله يريد المزيد.
ولكن مهما كان ما يشعر به، ومهما كانت رغبته بها التي لا يعلم كيف سيتحكم بها.
تظل راحتها هي الأهم بالنسبة له.
فصل قبلته سريعاً ثم انتفض من مجلسه.
هرول تجاه المرحاض وهو يقول بغل وغيظ: "مهينفعش يا بجرة أنتِ."
أعقب قوله بفتح صنبور المياه وقام بوضع رأسه أسفله على ما يهدأ قليلاً.
ضحكت بحب على عدم تحكمه في نفسه معها.
وطار قلبها فرحاً بعدما وجدته يحرم نفسه مما يتمنى لأجلها.
فقط تركها ترتاح قليلاً بعد أن أعطاها جرعة الدواء الذي يجعلها تنام بعمق.
جلس داخل مكتبه يدخن سيجارة وهو يفكر بعمق.
"يجب إنهاء كل ما حدث دون خسائر."