تحميل رواية «دكتور نسا» PDF
بقلم فريدة الحلواني
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جلس داخل مكتبه يراجع بعض الحسابات الخاصة بأعمال العائلة و يرافقه حمزه ابن عمّه و زوج أخته. بعد أن راجع بعض الأوراق باستغراب نظر له و قال: مين سحب عشرين مليون ....الحساب ناقص من شهرين يا حمزه. حمزه: أنا اتفاجأت بيهم يا عثمان ...و لما سألت جالولي فهد الي سحبهم. عثمان: كيف دي....يعمل بيهم إيه....كان محتاجهم في شغل يعني ولا إيه....وليه محدش خبرني. حمزه: لااه ...مدخلوش في شغل ...و أني فكرتك خابر. أني سألته وجتها و جالي محتاجهم و لما لحيت عليه...زعج و جالي مالكش صالح دي فلوسي أني و أخوي و أحنا حرين وي...
رواية دكتور نسا الفصل الأول 1 - بقلم فريدة الحلواني
جلس داخل مكتبه يراجع بعض الحسابات الخاصة بأعمال العائلة و يرافقه حمزه ابن عمّه و زوج أخته.
بعد أن راجع بعض الأوراق باستغراب نظر له و قال:
مين سحب عشرين مليون ....الحساب ناقص من شهرين يا حمزه.
حمزه:
أنا اتفاجأت بيهم يا عثمان ...و لما سألت جالولي فهد الي سحبهم.
عثمان:
كيف دي....يعمل بيهم إيه....كان محتاجهم في شغل يعني ولا إيه....وليه محدش خبرني.
حمزه:
لااه ...مدخلوش في شغل ...و أني فكرتك خابر.
أني سألته وجتها و جالي محتاجهم و لما لحيت عليه...زعج و جالي مالكش صالح دي فلوسي أني و أخوي و أحنا حرين ويا بعض.
جزّ على أسنانه بغضب و قال بداخله:
أكيد ليها ....خرب بيته و كان رايد يبيع ورثه لجل عيوناتها.....طييب يا بت الكلب.
وقف بانتفاضة استغرب منها حمزه فوجده يقول و هو يتحرك من خلف مكتبه:
خلي الحديث دي بيناتنا ...أني هغطيهم من عندي ....بلاها أبوك ولا حدي ياخد خبر لحد ما أعرف راحوا فين يا واد عمي.
حمزه:
من ميتة الي بيناتنا بيطلع لحدي يا أخوي ....اطمن...
اتجه إلى الخارج منتويا الصعود لها كي يعلم منها أين ذهب كل هذا المال.
و لكنه تفاجأ بجلوس أمه الغالية في مكانها المعتاد منذ ما حدث.
اتجه إليها بابتسامة برع في رسمها....مال عليها مقبّلا رأسها ثم قال:
نورتي موطرحك يا حاجة....الجاجة كانت مضلمة من غيرك ....تناول منها الصغير الذي لا تتركه أبدا....احتضنه بحنو ثم قبل وجنته و أكمل:
واااه يا رحيم بيه....كأنك عاجبك جلع ستّك ....اكبر يا واد و خليك راجل شديد ...الجلع للبنات.
ابتسمت أمه لأول مرة و قالت بمغزى:
أنا هجلعه صوح ....لكن خابره زين أنك هتربيه كأنه ولدك.
امتعض وجه عائشة بعد سماع تلك الكلمات و كادت أن ترد إلا أن أمها ضغطت على يدها كي تصمت.
نرجس بحزن:
يا جلبي متعلّج بستّه ...حتى أمّه بتاخده سواعي منيها بالعافية.
تحية:
كل الولد متشعلّجين بالحاجة يا نرجس ...أمال إيه مش ستّهم.
عثمان:
وينها أمّه.
عائشة بغل مكتوم:
مطلعتش من جاجتها ....من وجت ما الحاجة نزلت و هي جاجدة لحالها فوق.
وضع الطفل فوق قدم أمّه ثم اتجه إلى الدرج دون أن يتفوه بحرف.
لحقته زوجته و هي تقول باهتمام مبالغ فيه:
أني جاية وياك تلاجيك رايد تغيّر خلجاتك.
أوقفها بكف يده قائلاً بأمر:
لو رايد حاجة هجيبلك.....ارجعي موطرحك مالكش صالح بيا ....وفقط...
تركها تغلي من الغضب و ردّه الوقح عليها ثم صعد إلى الأعلى وهو كلّه عزم على معرفة مكان المال.
وقف أمام غرفتها و بعد أن وضع يده فوق المقبض كي يفتحه سمعها تقول بنبرة تقطر حزناً و من الواضح أنها تتحدث مع أختها.
رغد:
أكده موتّه و أكده موتّه يا بت أبوي....من ميتّه و أني عايشة ..ماهو على يدك كل حاجة ما أوّل.
..............
رغد:
لااااه ...و لا عشت و لا كنت يوم ما حرمت الحاجة من ولد ولدها أبدا ...دي روحها فيه يا بت أبوي ...كأنها شايفة المرحوم قدامها.
..............
رغد:
معرفاش يا خيتي ...أني مهملاها على ربّنا ...الي هون على الي راح. ....يسترها في الي جاي.
سحب يده و وقف يفكّر بعمق ....حديثها لا يدُل على أنها إنسانة سيئة ....تفكّر في أمّه و تعلّقها بابن أخيه.....و لكن ماذا كانت تحرّضها أختها كي ترد عليها بتلك الكلمات.
هزّ رأسه ثم قال:
هعرف إيه الي وراكي ....هعرف.
وجد حالَه يطرق الباب و قبل أن يسمع صوتَها فتحه فوراً.
قلبت عيناها بنفاذ صبر ثم قالت:
أجفلِي دلوك و هكلّمك تاني ...سلام.
أنهت الحديث مع أختها سريعاً ثم نظرت له بغضب و قالت:
خبر إيه عاد يا دكتور ....مناويش تراعي حرمتي ...لو ضليت أكده أنا هعاود حدي بوي.
ابتسم لها باستهزاء كي يداري غضبَه من قوتِها أمامَه ثم قال:
حرمت إيه الي أراعيها ....يكش تكوني فاكرة أنك ستّ و يتبصّلها ...فوووجِي أنتِ مرت أخوي ....لو عريانة قدامي مهشوفكيش واصل....
قبل أن ترد عليه أكمَل قائلاً:
فضينا من الحديث الماسخ دي و جوليلي....فهد الله يرحمَه جيب ما يموت سحب عشرين مليون جنيه .....وينهم.
ارتعش جسدُها رعباً و قالت بتلجُّلِح لاحظة بسهولة:
و أني إيش دراني ....المرحوم مكانش بيجولي على حاجة تَخصّ الشغل.
عثمان:
وينهم يا رغد.....جيب منيهم كان أخد منّي نصّ مليون لجل ما يجيبلك الطعم الألماس الي كنتِ هتموتي عليه.....طلبتِ منّه إيه تاني لجل ما يسحب دي كلّاتَه.
أغمضت عينَيْها بقَهْر ثم تمالكت حالَها و قالت:
معرفاش عنّيهم حاجة جولتّلك.....رايد تصدّقني أو لااه ...براحتك يا دكتور.
اقترب منها بغضب ثم أمسك ذراعَها و قام بثنيِه خلف ظهرِها....أصبحت ملتصقة بِهِ مما جعل عطرَها الهادئ يتغلغل داخل أوردتِهِ و يصيبَهُ بهزّة قويّة لم يشعر بِها من قبل.
تمالك حالَه ثم ضغط عليها و قال:
حسابك عم يتجلّ معايا يا واكلة نَسْكِ.....أنطِجِي أحسنّلك.....عثمان السوهاجي مفيش حدِّي يَجْدُر يضحك عليه.
كتمت ألمَها و قالت:
و غلاوَة بويَ عندي ما عرف وينهم ....و لا نضرتهم بعيوني حتّى.
فهد مكانش بيجولي حاجة واصل تَخصّ شغلَه.
استشعر الصدقَ بين حروفِها و لكن شيطانَهُ رفض أن يصدّقَها ....قرّب فَمَهُ من أذنِها و قال بفَحِيح:
أيامَكِ الجاية لون السواد الي متلَفَّحَة بِيهِ يا رغد .....فقط....
قال هذا فقط ثم ترك يدَها و انطلق للخارج سريعاً.
وقف بعيداً عن جناحِها الذي أغلقَهُ عليها بقوّة ...ظلّ يتنفّس بسرعة و كأنّه خارج من سباق.....أغمض عينَهُ و قال بهمس:
إيه دي....مجَادِرْشِ أخد نفسي ليه ...خبر إيه يا دكتور....أوعاك تهمِلْها تصيبَك بلعنتِها كيف ما عَمِلْتْ فَأَخُوكِ....أوعاك تنسَى تارِكْ عندِيها.
داخل سرايا العبّايدة و التي لا تقلّ فخامَةً عن خاصّة عائلة السوهاجي.
جلست شادية بجانب أبيها الذي يبدو عليه الحزن.
و برغم علمِها بما يحزُنُهُ إلا أنّها فضَّلَتْ سؤالَهُ حتّى يخرُجَ ما بداخِلِهِ.
شادية:
مالَكْ يا بوي ...حسّاكْ مهمومْ.
نظر لها عبد الحكيم و قال بوهن:
جلْبِي واكلَنِيْ عَلى خَيْتِكْ يا بَتِّي.....لاساتْها صَغِيْرَةْ عَلى كَلْتْ دِيْهْ.
العِدَّةْ جَرَّبْتْ توْخَلْصْ وَ السُّوْهاجِيَّةْ مَاهِيْهْمَلُوشْ وَلْدْ وَلْدْهُمْ ....وَ خَيْتِكْ مَاهْتَهْمَلْشْ وَلْدْها ....يِبْجِيْ إِيهْ الْحَلْ.
شادية بحكمة:
واااه هيحرموها من ضناها و لاية.......هي تاجي حدانا معزّزة مكرّمة ...و الواد يبجي بناتهم شوية أهْنِيَةْ و شوية حداهم.
عبد الحكيم:
ماخابِرْشْ يا بَتِّي .....غَيْرْ أَنْ خَيْتِكْ لاساتْها مَكْمُلْتْشْ تِمْنْتَاشَرْ سَنَةْ ....هَتْجَعَدْ مِنْ غَيْرْ رَاجِلْ.
شادية:
بكرَةْ يِجِيْلْها نَصِيْبْها يا بوي ....الحَمْدْ لِلَّهْ رَبَّنا سَتَرْها وَيَانَا وَ جَدَرْنا نَدَارِيْ عَلى عَمَلْهْ الْفاجِرَةْ الْيْ كَانَتْ هَتْجِيْبْلْنا الْعَارْ مِنْهَا لِلَّهْ.
انتفض بغضب من مجلِسِهِ و قال:
مَشْ جَوْلْنا مَفِيْشْ حَدْ يِجِيْبْ سِيرَتْها الشَّيْنَةْ أَهْنِيْهْ.
دَلَفْ عَلَيْهُمْ أَخِيهْ وَ قَدْ سَمِعْ ما قِيلْ فَرَدْ بِخَزْيْ:
أَنِيْ أَعْتَبَرْتْها مَاتَتْ يا أَخْوَيْ ...حَجَّكْ عَلَيْ.
عبد الحكيم:
أَنْتَ السَّبَبْ ...جَلَعْتْها وَ خَلَّيْتْها فَوْقْ الْكُلْ ....يَا مَيْنْ يَلاَيْمْنِيْ عَلَيْها وَ أَنَا أَشْرَبْ مِنْ دَمْها.
نَظَرْ لِلْأَمَامْ وَ قَالْ بِإِصْرَارْ:
هَلاجِيْها....جَسْما بِاللَّهْ هَلاجِيْها وَ هَجْطَعْ لَحْمْها وَ أَرْمِيهْ لِلدَّيَابَةْ.
ارتَعَبَتْ شادِيَةْ بِدَاخِلْها مِنْ مَظْهَرْ أَبِيْها الْغَاضِبْ وَ ما يِنْتَوِيْهْ وَ لَكِنْها تَمَالَكَتْ حَالَها كَيْ لا يَظْهَرْ عَلَيْها شَيْءْ وَ يَفْتَضِحْ أَمْرْها.
دَلَفَتْ رَغْدْ إِلَى جِنَاحْ الْحَاجَةْ كَيْ تَطْمَئِنْ عَلَيْها وَ تُعْطِيْهَا جَرْعَةْ الدَّوَاءْ قَبْلْ أَنْ تَخْلِدْ إِلَى النَّوْمْ.
ابتَسَمَتْ لَهَا بِبَشَاشَةْ وَ قَالَتْ:
تَعَالَيْ يا غَالِيَةْ ...لاساتْكْ مَنْعَسْتِيشْ.
اقْتَرَبَتْ مِنْهَا رَغْدْ ثُمَّ جَلَسَتْ عَلَى حَافَّةْ الْفِرَاشْ وَ قَالَتْ:
واااه .أَنْعَسْ كَيْفْ جَيْبْ ما اطْمَنْ عَلَى الْكَبِيْرَةْ وَ أَدِيْهَا عِلَاجْهَا بِيَدِّيْ.
رَبَّتْ عَفْتْ عَلَى كَفّْها بِحَنَوْ وَ قَالَتْ:
يَخْلِيكِيْ لِيَايْ يا بَتِّي .....مِنْ يَوْمِكْ وَ أَنْتِيْ مَفِيْتَانِيشْ كَيْفْ نَرْجَسْ بِالتَّمَامْ.
رَغْدْ بِصِدْقْ:
رَبَّنا الْعَالِمْ يا حَاجَةْ أَنِيْ مُعْتَبِرْتْكْ كَأْمِيْ الْيْ مَوْعِيْتْشْ عَلَيْهَا رَبَّنا يُبَارِكْ فِيْ عُمْرِكْ وَ تَضْلِيْ كَبِيْرَتْنا.
اسْتَغَلَّتْ عَفْتْ هَذَا الْحَدِيْثْ وَ قَرَّرَتْ أَنْ تَجْسَ نَضْبْها فِيْما يَخْصْ عَوْدَتْها إِلَى مَنْزِلْ أَبِيْها فَلَمْ يَتْبَقَّ كَثِيْرْ عَلَى أَنْقِضَاءْ عِدَّتْها.
عَفْتْ بِحُزْنْ:
الْمَرَّةْ دِيْ مَاهْصَدْجْشْ حَدِيْثِكْ يا رَغْدْ.
رَغْدْ بِوَجَلْ:
لَيْهْ يا حَاجَةْ وَ اللَّهْ رَبَّنا يَعْلَمْ غَلاوَتِكْ فِيْ جَلْبِيْ.
عَفْتْ:
ما أَنْتِْ رَايِدَةْ تَهْمَلِينِيْ أَهْهْ ....لَوْلاَشْ الدَّكْتُورْ جَالْ لِأَبُوْكِيْ مَاهَيْنْفَعْشْ تَهْمَلِيْ دَارْكْ جَيْبْ الْعِدَّةْ كَانْ زَمَانَاتْكْ عَاوَدْتِيْ مَعَاهْ وَ أَنِيْ مَاهْجَدَرْشْ يِفُوتْ يَوْمْ مَنْضُرْكِيشْ بِيْهْ بَعَيْنِيْ يا بَتِّيْ ....بَكَتْ وَ هِيَ تُكْمِلْ:
وَ وَلْدْ الْغَالِيْ الْيْ رَبَّنا عَوَّضْنِيْ بِيْهْ هَنْعَسْ كَيْفْ وَ هُوْ بَايِتْ بَعِيدْ عَنْ حَضْنِيْ.
رَغْدْ:
يا حَاجَةْ بِاللَّهْ ما تَبْكِيْ ....أَنِيْ مَاجْدَرْشْ أَحْزِنْكْ وَاصِلْ....وَ لا عِيْشْتْ وَ لا كَوْنْتْ لَمَا أَحْرِمْكْ مِنْ حَفِيْدِكْ....أَنِيْ هَشِيْعْهُوْلِكْ كُلْ يَوْمْ ....بَسْ بَرْدْكْ أَنِيْ مَابْجَاشْ لِيَايْ مَوْطِنْ أَهْنِيْهْ.....وَ لَوْ أَنِيْ جَبِيْلْتْ بُوْيْ عُمْرَهْ ما هَيْجَبْلْها....وَ أَنْتِْ خَابِرَةْ عَوَايِدْنا زَيْنْ.
عَفْتْ:
يَعْنِيْ خَلاصْ أَكْدَهْ يا بَتِّيْ .....
اعْقَبَتْ قَوْلْها بِالدُّخُولْ فِيْ نَوْبَةْ بُكَاءْ مُرِيرْ مِمَّا جَعَلْ رَغْدْ تَحْضُنْها بِحَنَوْ وَ تَبْكِيْ هِيَ الْآخَرَةْ.
دَلَفَتْ عَلَيْهِمْ فِيْ تِلْكَ الْأَثْنَاءْ نَرْجَسْ وَ حِينَما رَاتْهُمْ عَلَى تِلْكَ الْحَالْ قَالَتْ بِوَجَلْ:
واااه ...خَبَرْ إِيْهْ يَامَا ...حَاصَلْ إِيْهْ يا رَغْدْ عَمْ تَبْكَوْ لَيْهْ.
فَصَلَتْ عَفْتْ هَذَا الْعِنَاقْ الدَّافِيْ وَ هِيَ تَقُولْ مِنْ بَيْنْ بُكَائْها:
جَلْبِيْ وَاجَعْنِيْ يا بَتِّيْ ....رَغْدْ هَتْعَاوَدْ دَارْ الْعِبَّايْدَةْ خَلاصْ.
رواية دكتور نسا الفصل الثاني 2 - بقلم فريدة الحلواني
نرجس: ليه يا رغد؟ احنا حاسبينك واحدة منا.
رغد: ميجاش ليا مكان يا خيتي، مانتي خابرة زين.
نرجس بعفوية: خلاص الدكتور يتجوزك وتضلي معانا.
ابتسمت عفت.
أنا رغد انتفضت بزعر وهي تقول بغضب: إيه الحديت الماسخ ديه يا نرجس؟ كيف يعني؟
نرجس: يا خيتي دي عوايدنا، هو جديد علينا يعني.
لمعت عين رغد بدموع حارقة، إلا أنها كتمتها وقالت بقهر: لااااه، خبراها زين. بس هو إني انكتب علي أتجوز تخليص حج يا ناااس؟ مرة لحل ما توجبفو التار الي بيناتنا، ومرة لجل ما تحافظو على ولد ولدكم. ده ميرضيش ربنا.
أعقبت قولها بالاسراع نحو باب الغرفة، وبمجرد أن قامت بفتحه بعصبية مفرطة، وجدت عثمان يقف أمامها بملامح متجهمه وشرارات الغضب تنطلق من عينيه التي نظرت داخلها بتحدي، ومن الواضح أنه استمع لما حدث.
دون أن تتفوه بحرف، مرت بجانبه وهرولت تجاه جناحها، وقد سمحت أخيرًا لدموعها أن تنهار بمجرد أن ارتمت فوق فراشها الوثير.
أما هو، فقد قال لأمه كلمة واحدة:
"تاني يوم العدة هكون كاتب عليها يام الدكتور. طمني جلبك."
و... فقط.
التف بجسده متجهًا إلى الخارج، وبداخله غضب لم يشعر به من قبل.
لطمت نرجس خديها وقالت بوجل: يا حزني ياما يجطعني، يا رتني ما نطجت. عثمان هيولع فالبنية.
عفت بتعقل: لااااه، مهاتهونش عليه.
نرجس بحيرة: كيف ديه ياما؟ ديه سمعنا، وانتِ خابرة ولدك هياخد رفضها ليه بالعند وهيطلع عينها، يا حزين.
نظرت عفت للأمام وهي تقول بحكمة: جلبي هيجولي إنه ربنا هيجبرهم ويا بعضهم. ولدي عمره ما داج العشج و لا انكوي بنبره. والبت يا جلبي اتاخدت صغيرة مخبراش حاجة، والمرحوم مكانش أمهنيها. خيك ربنا يجعله عوض ليها لجل ما أريح ضميري الي عم ينهش فيا بسببه.
نرجس بحيرة: كيف ديه ياما؟ فهد الله يرحمه كان مجلعها ومعيشها فمصر.
عفت بتسويف: ده الظاهر يا بتي. إنما لو تطلعي جوه عنيها هتلاجي الحزن ماليها. ربك يدبرها من عنديه.
انقضت الفترة المتبقية، غدًا موعد انتهاء العدة. لم يتحدث أحد في أي شيء، ومر الوقت في هدوء حذر على جميع الأطراف.
جلست شادية مع أختها داخل جناحها تساعدها في جمع ثيابها وأغراضها الخاصة، ظناً منهما أن غدًا موعد مغادرته.
طرقت عفت الباب ثم دخلت، وعلى ملامحها حزن العالم. نظرت لتلك الحقائب وقالت بدموع: خلاص يا بتي، لميتي حاجتك وهتهمليني؟
أعقبت قولها ببكاء مرير مما جعل الاثنتين يتقدمن منها كي يواليها.
ولكن قبل أن تتفوه أحداهن بحرف، دخل عليهم عثمان بملامح إجرامية.
نظر لما حوله بغيظ، ثم ثبت نظراته على رغد التي ارتعد جسدها رعباً، ولكنها مثلت القوة أمامه.
قال بنبرة تقطر شرا: سيبونا لحالنا.
شادية باستغراب: وااااه، كيف ديه؟
لم يبعد عينه عنها وهو يقول: جولت سيبونا لحالنا. رايد أتحددت وياها كلمتين.
كادت أن تعترض، إلا أنه أكمل بغضب: ااااااني عثمان السوهاجي، مهتعداش على حرمت بيتي. يلاااا اخرج.
خرج الاثنتان بزعر. أما تلك العنيدة، فربعت يديها أمام صدرها وقالت: خير.
عثمان ببرود غاضب: بكره كتب كتابي عليكي.
برقت عيناها من شدة الزهول. ولكنه لم يهتم وأكمل: مبخوديش رايك. اني ببلغك للعلم بالشيء و لا الجهل بيه.
انتفضت كل خلية في جسدها غضباً من جبروته، وصرخت به بقوة: لييييه؟ مفكرني جاريه عنديك ايااااك؟ و لا واحدة لاجيها فالشارع ملهاش أهل؟ فوّق يا دكتووووور، اني رغد العبايدة فاااااهم.
هل تشعرون بتلك النار التي تلتهم أحشائه من تحديها السافر له؟
في خطوة واحدة كان يقف أمامها ساحباً إياها من ذراعها. ضغط عليه حتى صرخت بألم ودموع.
قال بتجبر: ااااني هعرف اربيكي على بجاحتك. امعاي. اسمعي الحديت زين وحطيه فراسك الي هكسرها عن جريب.
ضغط أكثر وهو يكمل: لو رفضتي جوازك مني الي لأساس مكوتيش تحلمي بيه، يبجي هتفتحي باب التار الي جفلته بيدي من سنتين. وبيدي دي أول واحد هيوجع من عيلتك أخوكي الكبير. إيه جولك؟
نظرت له برعب وقد فشلت في كتم دموعها التي انهارت كالشلال على وجنتيها الحمراء.
هزت رأسها بهستيريا علامة الرفض وهي تقول: لاااااااه، خوي لااااه. احب على يدك.
اعتصر قلبه ألماً على مظهرها الذي أثار شفقته، ولكنّه لم يهتم وأكمل: يبجي بلاش منيه العند و وافجي. ولد أخوي مهيطلعش برأت السرايا، واني مهجبلش أحرم أم من ضناها.
رغد بقهر: يعني انكتب علي أفادي الكل على حسابي. اااااه يا رب خدني وريحني مالمرار ديه.
ترك ذراعها ثم قال ببرود ظاهري: إيه جولك؟
نظرت له بقهر وغِل ثم قالت: وانت خلتلي جول؟ حسبي الله ونعم الوكيل.
رد عليها بغضب انتقاماً لغروره الذي يأبى أن ترفضه أنثى: هتوافجي. وهتضلي اهنيه لحدت ماعرف إيه الي عيملتيه في اخوي لجل ما يجتل روحه. أياك فكرتي نسيت.
نظر لها بشر وأكمل بوعيد: أيامك الجاية كلها سواد معاي.
ردت عليه بتحدي رغم رعبها الداخلي: جولتلك مليش صالح بموت أخوك. وإياك تكون امفكر اني هستكت و لا هخاف منك. أنا وافجت عليك لجل ما أنجد أخوي من ظلمك، كيف ما وافجت على خوك لجل ما أوقف بحور الدم. لكن أبدااااا ما هسمح تدوس على كرامتي و لا تفكرني جاريه عندك.
جز على أسنانه كي يكتم غضبه. من أين تأتي بكل هذه القوة؟ حسناً... يوماً فقط وستعرفين من تحديتي.
تركها مغادراً قبل أن يكسر عظامها. وقف قبل أن يخرج وقال دون أن يلتفت لها: كسر نفوخك اليابس ديه، على يدي يا رغد.
وقف داخل غرفة مكتبه بعد أن استدعى عمه وولده كي يخبرهم على ما انتباه.
حمزة: خير يا خوي؟
سحب نفساً عميقاً ثم زفره بحنق وقال: اني هتجوز رغد. ولد اخوي مهيطلعش من السرايا، و لا هجدر أحرم أم من ولدها.
هز عمه رأسه بتفهم رغم حزنه على ابنته وقال: حجك يا ولدي ودي عوايدنا. كل الي هطلبه منك متظلمش بتي.
حمزة بحيرة: عيشه هتحرج الدنيا يابوي. مفيش وحدة تجبل بضرة، مهمن كان. و الله ما عارف أجولك إيه يا خوي. انت حطينا بسن المطرقة والسودان.
عثمان: خبر إيه يا حمزة؟ دي عوايدنا مش جديد علينا. وعيشه جبل ما تبجي مرتي هي بت عمي. عمري ما هبدي الغريبة عنها. وربنا يجدرني ومظليمش وحدة فيهم.
جلست داخل أحضان أختها تبكي بقهر وهي تقول: هددني يا خيتي. اني هموووت. ديه هيسود عيشتي، ماهيسكتش غير لما يعرف سر أخوه.
أبعدتها شادية وقالت بزعر: ايااااكي. لو جطع منيكي بالحته، أو عاكي تنطجي بحرف. الدم هيبجي بحور يا بت أبوي لو السر انكشف.
يا مري، يا حزني.
رغد بجنون: طب و اااني؟ اني هعمل إيه وياه؟ انكتب علي أحمي الكل على حساب حالي وشبابي الي محسيتش بيه.
بكت بقوة وهي تكمل: هتجوزه كيف يا خيتي؟ كيف بس جوليلين.
نظرت لها شادية بحيرة ثم قالت: و الله ما خابرة أجولك إيه يا بت أبوي. الحكاية معجربة.
انتفضت رغد من مجلسها بعنف ثم قالت بتحدي وتصميم: مش هو رايد يتجوزني لجل ولد أخوه؟ مااااشي. إنما اني مش هتسماله مرة و لا هخليه يلمس شعرة مني.
شادية بحزن: يا جهره جلبي عليكي يا ضنايا. هتضيعي شبابك من غير راجل وانتِ زينة والف مين يتمناك. بس فكرك الدكتور هيجبل بكده؟ و لا هيهملك؟ ده جليل لو ما خدك بالغصب لجل ما يكسر مناخيرك كيف ما رفضت.
نظرت لها برعب وحيرة ثم قالت: .......
ماذا سيحدث يا ترى؟
سنريهم
بقلمي / فريدة الحلواني
رواية دكتور نسا الفصل الثالث 3 - بقلم فريدة الحلواني
مالك: بس يا صحبتي زعلانة ليه؟
طب بزمتك في حد يبقى ليه رب كريم رحيم ويشيل الهم كده؟ أزعل منك والله.
ارفعي إيدك وادعي له، وخلي قلبك يصرخ وهو بيحكيله، هيسمعك وهييرحمك... وهيجبر قلبك الطيب... وهتشوفي عوض عقلك ما يتصورهوش.
(ألا تخافي ولا تحزني، أنا رادوه إليك)
ربنا قالها لأم سيدنا موسى لما أمرها ترميه في البحر…. وبيقولهالك انتي كمان…. بيقولك متزعليش، هيرجعلك حقك... وهيحقق حلمك... لا ده كمان هيرزقك بفرحة هتخليكي تبكي من قوتها.... أنا واثقة.
خرج من غرفة المكتب هو وعمه وابنه، وجد الجميع يجلسون سويًا.
نظر لهم ثم قال ببرود وهو يلقي عليهم الخبر وكأنه يطلعهم على حالة الطقس:
عثمان: أما... جولي لبنتك تطلع تنضف الجامعه اللي فوق وبعديها تنقل حاجة رغد فيها.
فهمت الأم معنى الحديث فابتسمت برضي وقالت: حاضر يا ولدي.
أما زوجته انقبض قلبها وسألته بوجل: واااه ليه عاد.... عدتها خلصت وراح تعود بيت أبوها بكرة؟
وقف الجميع ينظرون له في ترقب منتظرين الانفجار المحتوم الذي سيحدث بعد رده عليها.
أما هو، ذلك المتجبر، رد عليها وكأنه يطلعها على حالة الطقس:
لأاااه مش هتعود.
نظر لها بتحدٍ أن تعارضه ثم أكمل: أنا هكتب عليها بكرة.
صراخ.... كل ما حدث هو صراخ ملأ الأركان خرج من عائشة وأمها.
هل يتقبل صدمتها؟ بالطبع لا.
بصوت يشبه زئير الأسد: اجفلي خاشمك بدل ما المأذون اللي هيكتب عليها يكون طلقك. اتجننتي أياك؟
عائشة بقهر: يا مرك يا عيشة... يا حزنك يا عيشة! هتجوز علي يا واد عمي.
نظرت لأمها وأكملت: مش جولتلك يا أمي.
نظرت لأبيها وقالت: وانت يابوي... موافق يعمل في بتك أكده؟
عبدالعظيم: دي عوايدنا يا بتي... ولدنا ما يترباش بعيد عنينا.
قطع حديثهم بتجبر: عمي.... مفاضيينش إحنا لرط الحريم الماسخ ديه.... هم بينا لحل ما نروح نخبر أبوه.
ردت تحية بغل: مالك طايح فالكل ليه يا دكتور؟ عم ترتب وتخطط كنك مالي يدك من موافقتهم... مش يمكن ياخدوها لحدي من ولد عمها؟ رايد تفرش ليك وياها جامعة جبل حتى ما تخبرهم باللي ناويته.
نظر لها بتكبر وقال: ما فيش حد يجدر يجول لعثمان السوهاجي "لااااه".
التف بجسده وتحرك نحو الخارج وهو يقول: همو يلا خلينا نخلص.
و فقط... ترك النار تأكل في أحشاء زوجته المسكينة وانطلق نحو هدفه الذي لن يسمح لأحد أن يحيده عنه... لحق به عمه وحمزة دون أن يبالوا بمن تصرخ قهراً على زوجها وغدره بها.
عائشة بغل: لاااااا.... ديه متفج مالأول والله... هيجهز حاله قبل ما يعرف أهلها هيوافقوا ولا لااااه....
التفت لتهرول إلى الأعلى وهي تكمل بوعيد: الله فسماه لاجتلها قبل ما تاخد رجلي.
انطلقت إلى الأعلى ولم تهتم لصرخات النساء خلفها والذين لحقوا بها سريعاً قبل أن تحدث كارثة.
وصلت إلى جناح تلك الباكية في حضن أختها... فتحت الباب بقوة مما جعلهم ينتفضون ثم اتجهت إليها ناوية الفتك بها وهي تقول بجنون: هاجتلك يا خطافة الرجالة.
سحبت شادية أختها لتقف خلفها كي تحميها من بطش تلك المجنونة وهي تقول بصراخ: لو يدك مست خيتي هاجطعها لك سامعة.
أمسكتها نرجس بقوة لتمنعها من الاقتراب وهي تقول: كنك اتخبلتي ولا إيه؟ بعدي عنيهم يا عيشة متخربيش على حالك.
كادت أن ترد عليها وهي تحاول الإفلات إلا أن عفت قالت بحسم: عيشة....
وقفت متصنمة بعد سماع تلك النبرة التي تعرف أن الآتي بعدها ليس هيناً.
أكملت بأمر: خدي بعضك وروحي جاعتك... كل اللي هتعمليه ديه ما يغيرش حاجة... رغد هتبجي مرت الدكتور وولد الغالي ما يطلعش من سرايته أبو.
تحية بغل: لادد عليكي انتي عمايل ولدك صوح.... كل اللي همك ولد ولدك لاكن بتي وجهرتها عادي صوح.
تدخلت شادية بقوة كي تدافع عن أختها وتحفظ لها ماء وجهها: خيتي ما هتجوزش لجل حاجة واصل.... خيتي ست البنيتة ولف مين يتمناها... ولو الدكتور ما حطهاش تاج فوق راسه يبقى بيت أبوها أولى بيها.... أبوها اللي عاملها ملكة على الكل.... دي رغد العبااايدة..... أصغر واحدة في العيلة والجاه كله راح ليها....
نظرت إلى عفت وأكملت: يا حاجة.... إني خابرة زين إنك حَجانية وعاملتي خيتي من يوم ما دخلت عندكوا كيف نرجس بالتمام... ويعلم ربنا إنها كد إيه بتحبك.... اتجوزت المرحوم لحل ما نوقف بحور الدم وكان النصيب.
أما لو انتي خابرة إن الدكتور واخدها بس عشان عوايدنا وما يهطهاش جوه حباب عينيه يبقى بناقصها بدل ما تبجي لسه في عز شبابها وترملت مرة واتطلجت التانية.
وصل ثلاثتهم إلى سراي العبايدة بعد أن اتصل بكبيرهم وأخبره بقدومه هو ورجال العائلة، وقد اصطحب معه عدداً لا بأس به من أبناء عمومته.
جلس الجميع في قاعة مخصصة للضيوف تسمى المندرة.... وبعد أن قدم لهم واجب الضيافة على أكمل وجه، بدأ عثمان الحديث قائلاً بطريقة مباشرة:
إني جاي أطلب يد بتك يا حاج عبد الحكيم.... إيه جولك؟
تعالت الهمهمات بين الجميع وبرغم أن هذا ما كان المتوقع إلا أن الرفض كان ظاهراً بوضوح.
صمت منتظر رده، ولكن عيناه الثاقبة أطلقت شرارات التحدي أن يرفض طلبه.
عبد الحكيم: يا ولدي طلبك على راسي... بس انت مش مجبور تتجوزها لجل خاطر ولدك خوك الله يرحمه.... إحنا ناس تِعرف الأصول زين... والواد هيضل بيناتنا.
فهم عثمان مأخذ حديثه فقال بحكمة تتسم بها:
بتك هتبجي مرتي مش لجل ولد خوي وبس.... لجل ما هي بت العبايدة وأتشرف أي حد تبجي مرته.... بتك هتضل مصانة ومُتشالة فوق الراس يا حاج.
قبل أن يرد عليه وجد شاباً في أواخر العشرينات ينتفض من مجلسه ويقول برعونة:
لأاااه.... ميلزمناش يا دكتور... أنا ولد عمها وأولى بيها وولدكم عنديكم أشبعوا بيه.
وقف جميع الرجال بغضب بعد تلك الإهانة.... صرخ يونس بقوة كي ينقذ الموقف:
واااه إيه اللي هتجوله ديه يا حزين؟ اجفل خاشمك.
صرخ الشاب وبدوري أسامة: لأاااه.... على جثتي لو ديه حصلت... أنا أريدها.
كل ما سمعوه بعدها.... صوت زر أمان السلاح الناري، خاصة عثمان الذي أخرجه من جيب جلبابه موجهاً إياه إلى ذلك الأرعن.
في نفس التوقيت كانت تهبط على وجه أسامة صفعة قوية من يد عبد الحكيم وهو يقول: ما عاش ولا كان اللي يعلي صوته على ضيوف عبد الحكيم العبايدة ولا يقلل منهم... أنا اللي أقتلك بيدي مش هما.... اطلع برا غوووور... مليكش مكان وسط الرجالة.... بتتحدت على بت عمك يا حزين.
بالطبع هو يعلم طريقة تفكير من حوله، فمنهم من سيظن أن بينه وبينها شيئاً ما.... وآخرون سيعتقدون أنه كان ينظر لها ويشتهيها حينما كانت على ذمة رجل آخر ولم يراعي حرمة.
فقد خرج مسرعاً وهو يكاد أن يبكي بعد إهانته المستحقة أمام الجميع.... أما الرجل الحكيم وقف وسط الجميع وقال:
حجكم على راسي يا سوهاجية..... عيل ما داريش باللي هيجوله.... نظر لعثمان الذي أخفض سلاحه ولكن يغلي غضباً ثم أكمل: مبارك عليك يا ولدي.... وهاجولك كيف ما جولتلك قبل سابج.... بتي كانت نوارت دار أبوها.... مطفيهاش يا ولدي.
قال كلمته الأخيرة بحنو حزين شعر به عثمان الذي رد برجولة:
فوق الراس وجوه العين يا حاج.
فاليوم التالي كان كل شيء قد اكتمل.... تم تحضير جناح جديد كي يقيمًا فيه معاً.... اتفق مع أبيها أن يتم عقد القران في سراي العبايدة مساءً، وقد عادت هي مع أختها كي تبيت تلك الليلة معها وتخرج مع عثمان من بيت أبيها بعد أن تصبح زوجته.
جلست عائشة داخل جناحها تبكي بحرقة وهي تعصب رأسها بوشاح... رغم صعوبة الموقف إلا أن مظهرها حقاً مثير للضحك.
جلست أمها بجانبها لتواسيها قائلة: بكفياكي عويل يا عيشة مش هيغير حاجة يا بتي.
ردت عليها بغل: الباكس... الفاجر... رجع بالليل قبل ما أنطق ولا أقول كلمة... هب فيا كيف بابور الجاز لجل ما أجفل خاشمي... عينه قوية ولا هيهمه حد.
تحبه بتعقل: يبقى بكفياكي عمايلك الشينة دي وفكري يا حزينة كيف تكسبى جوزك وتاخديه منها.
مسحت أنفها بمنديل ثم قالت بانتباه: كيف دبه يا أمي.... دي هتبجي مرته هو أنا كنت ملاحقة على نسوان مصر لما تطلع لي الفاجرة دي كمان؟
نظرت لها الأم بمكر ثم قالت: البت زي فلجة الجمر وشعرها حرير كيف سواد الليل.
وضعت عائشة يدها على شعرها الخشن بقهر وهي تسمع باقي الحديث.... شوفي الحريم بتعمل في حالها إيه لجل ما تتزين لجوزها.... وغيري من حالك وبلاش تبجي كيف البجرة اللي بتنطح.... خلي حديثك زين يا بتي لجل ما تكسبى جوزك.
تم عقد القران دون أي مظاهر للاحتفال.
في ظل جلوس رغد داخل غرفتها القديمة مع أختيها شادية وإنصاف التي قالت لها بغيره: والله وبيضالك في الجفص يا بت أبوي.... أجوزتي زينة شباب النجعر.
رغد بغيظ: على دره.... خابرة يا خيتي معناته إيه؟ هتحسديني على إيه بس.
إنصاف بغيظ: وأنا أحسدك ليه؟ مفكرة حالك أحسن مني في إيه؟
قلبت شادية عيناها بملل ثم قالت: بكفياكي يا انصاف هملي خيتك باللي هي فيه.
إنصاف: أيوه أيوه دافعي عنها زي عوايدك.
لم تلقي لها بالا بل نظرت لأختها الحبيبة وقالت بحنو: مبارك عليكي يا خيتي... أكملت بمغزى: هاجولك كلمتين حطيهم حلقة في ودانك.
ربك له حكمة في كل حاجة بتحصل لينا.... ارضي يا ضنايا عشان يراضيكي.... اعتبري حياتك كراسة رسم... وفي يدك علبة ألوان.... يا هتختاري الغامق وتلوني حياتك بيه... يا هتنجي الأبيض وتفرحي بيه....
نظرت لها بحنان يملأه القوة وأكملت: لونيها بيدك المرادي يا بت قلبي... خليها زاهية... إني خابرة إن على جد طيبة جلبك بس ذكية وهتعرفي زين تختاري اللي فيه الصالح.
وقفت تحتضن أباها كي تودعه.... والمتجبر لم يهتم بتلك المشاعر التي تثير غثيانه.... كل ما يهمه الآن البحث عن ابن عمها الذي أقسم أن رآه في المحيط سيقتله ولا يبالي.
زفر بارتباك لا يعرف مصدره حينما لم يجد له أثراً... وجد حاله دون شعور يسحبها من كف يدها الذي شعر بنعومته وصغر حجمه داخل كفه الكبير الخشن مما أدى إلى رعشة قوية أصابته من الداخل.
أخفى هذا الشعور ببراعة وهو يقول ببرود ظاهري: يلا يا.... لا يعلم لما سكت لسانه عن نطق اسمها... هل يغار أن ينطقه أمام الجميع... أم شعر بحلاوته فقرر ألا يسمعه أحد أو ينطقه غيرهن.
نظرت له بتيه وخوف فأكمل: يلا يا أم رحيم عوجنا على الحاجة....
و فقط.... سحبها معه إلى أن فتح لها باب سيارته في حركة لاول مرة في حياته يفعلها مع أحد.
صعدت بجانبه وقبل أن يغلق الباب نظر لها بغيظ وهو يقول بأمر: دخلي شعرك اللي باين مالطرحة... ليه ملبستيش ملس يا واكلة ناس.
نظرت له بذهول يشوبه القلق ثم قالت: واااه ملس.... إني شعري ناعم وعم يطلع مالطرحة لحاله.
ما زادته كلماتها إلا غليانا.... أغلق الباب بقوة وهو يجز على أسنانه ويقول بوعيد: فكريني أقصهولك لجل ما نرتاح.
وصل الجميع إلى السرايا... وقفت عفت لتحتضنها بفرحة يشوبها الحزن وهي تقول: جَلبي توه ارتاح دلُك نورتي دارك يا بتي.
نظر لها ببرود ثم قال: اطلعي جاعتك.... الجديدة وأني هشوف كانو بيتصلوا بيا من مصر ليه وهحصلك.
أعقب قوله بالتوجه داخل غرفة مكتبه سريعاً ثم أغلق الباب خلفه، وأخيراً.... استطاع أن يتنفس.
افتعَل تلك الحجة التي وضعتها في موقف مخجل أمام الجميع كي يلملم شتات نفسه.... ما الذي حدث له... هكذا سأل حاله ثم أكمل بهمس: خبر إيه يا دكتور؟ إيه اللي جرى لك؟ من جلت الحريم اللي عرفتهم تيجي هي بلمسة إيدها تحركك... أوعاك تنسى تارك عنديها.... ولا إنك عمرك ما هتلمس واحدة داجها حد جابلك.
أما هي فبعد أن صعدت برعب داخلي إلى جناحها الجديد وقبل أن تخلع عنها عباءتها.... وبعد أن حلت وشاحها وجدت عائشة تقتحم عليها خلوتها وهي تقول بغيره عمياء:
أوعاكي تكوني مفكرة حالك هتملي عين الدكتور.... خالي فبالك إنه اتجوزك مخلاص حَج لجل عوينات ولد أخوه وبس.
نظرت لها رغد بقوة ثم ضحكت بدلال وقالت بكيد أشعلها.... في الحقيقة لم يشعلها وحدها... بل أشعل الذي يقف منتظراً ردها وقد أطرب قلبه بتلك الضحكة التي لم يسمع مثلها من قبل.
رغد: وأني مش رايدة أملى عينه.... أكملت بدهاء أنثى لن تسمح لأحد أن يقلل من قدرها: إني هملى عينه وجلبه وعجله كماني....
أمسكت خصلة من شعرها الطويل ثم لفتها حول أصابعها وهي تكمل بصوت يملأه الدلال: روحي شوفي حالك لجل ما الحج اتجهز.... لجوزيلي.
ليست عائشة من صدمت من ذلك الحديث... بل الذي برقت عيناه وارتعش جسده وهو يتخيل ما هي تلك التجهيزات.... تحرك سريعاً كي يتوارى خلف أحد الأعمدة.
أما عائشة فصرخت: بوووووووه.
ثم خرجت سريعاً وهي تشتعل غيرة وغضب بعد أن خسرت أول معركة أمام غريمتها.
تنفست الصعداء ثم قالت لحالها: داه باينه هيبجي مرار طافح.
لملم شتات حاله... تنحنح بخشونة ثم اتجه إلى الجناح الذي من الواضح أن الجنون سيصيبه بداخله... فلنرى.
أغلق الباب خلفه وقبل أن يلتف تفاجأ بها تقول بقوة: عود حالك تخبط قبل ما تدخل.
زوى بين حاجبيه ثم التف لها وقال بذهول: أخبط كيف يعني؟
أكمل بغيظ وقوة: ده موطرحي خلاص... أنتي اللي عودي حالك إن بجالك راجل.
رغد بتحدٍ هبه: لااااه.
نظر لها بغضب صارخ لم تهتم له وأكملت: إني رغد العبايدة.... خالي ديه في بالك.
اتنازل ااااه.... لكن بمزاجي..... لكن أبداً ما هسمح إنك تفكرني جارية عندك.... ولا إنك تستقوي علي أو حتى تفكر إني هخاف منك.
لا يعلم حقاً مدى قوة النار التي تلتهم أحشائها.... كل ما يعلمه هو رؤية تلك المشاهد الدموية التي يصورها له عقله كي يفعلها معها انتقاماً لكرامته وغروره.
تمالك حاله بشق الأنفس ثم قال بهدوء خطر: معناته إيه حديثك ديه.
ارتعش جسدها من نبرته المليئة بالغضب ولكنها أكملت تحديها له قائلة: معناته إن مش هتسمح لي مرة.... جدام الناس أنت راجلي ولك احترامك.... لكن بيناتنا مليكش صالح بيا.... أنت في حالك وأنا في حالي يا دكتور.
أو أجولك عندك مراتك أبجي ضلك وياها هي أولى بيك.
كل ما يسمع في تلك الغرفة التي من الواضح أنها ستصبح عنبراً لأكثر اثنين جنوناً على وجه الأرض.... غير أنفاسها اللاهثة بعد ما انتهت من حديثها وأنفاثه التي تخرج معها لهباً سيحرقها لا محالة.
تحرك بتمهل جعلها تموت رعباً فعادت إلى الخلف وهي تقول بتحذير واهي: بعد عني أو إياك تفكر هسمح لك.... ااااااه....
هكذا.... قطعت حديثها وصرخت حينما....
رواية دكتور نسا الفصل الرابع 4 - بقلم فريدة الحلواني
رواية دكتور نسا الفصل الخامس 5 - بقلم فريدة الحلواني
صباحك بيضحك يا قلب فريد
ليه مش واثقة في نفسك
ليه مش عارفة قيمتها
محدش خالي من العيوب يا حبيبي
بس الجدع اللي يبقى عارف عيبه ويحاول يغيره
تسمحيش لحد أبداً إنه يقلل منك أو يظهر عيب فيكي على إنه كارثة كونية
حبي نفسك زي ما هي
أنا واثقة إنها تستاهل تتحب
أنا بحبك
انقضى شهر بعد زواج طبيبنا المغرور وفاتنته العنيدة
كلاهما يعاند الآخر لمجرد العناد
هذا ظاهرياً
ولكن بداخل الاثنان يعلمان جيداً أن كل ما يفعلاه هو محاولة قد تكون فاشلة كي يغطوا على انجذاب كلاهما للآخر
ترى، من منهم سيرفع الراية البيضاء أولاً؟ لا أعلم
الجميع لاحظ اعتناء عائشة بهيئتها كثيراً عن ذي قبل
والحق يقال، طبيبنا رغم غروره وتسلطه إلا أنه تفهم موقفها
بل حاول ألا يشعرها بوجود أخرى في حياته
وبرغم أنه وضع قواعد المبيت لديهما، إلا أنه في اليوم الذي يكون فيه لدى رغد، يمر عليها أولاً كي يطمئن عليها ثم يذهب للأخرى
وهذا ما جعلها تطير فرحاً
ولكن كيد الأنثى جعلها تأخذ هذا الأمر سلاحاً كي تحارب به غريمته
بعد أن ارتدت عباءة فاخرة ذات لون وردي، وقفت تمشط شعرها أمام المرآة
وتنتقي بعض الحلي كي تتزين به
خرج من المرحاض وحينما وجدها على هذا الحال عقد بين حاجبيه وسأل باستغراب:
ليه أكلت ديه؟ من ميتة بتجعدي في الدار بخلجات الخروج ديه؟
نظرت له بتحدٍ أن يرفض:
لأني طالعة
اشتد جسده غضباً مما سمع
نظر لها بعيون ضيقها علامة الاستعجاب ثم قال بهدوء خطر:
طالعة... كده لحالك... من غير ما أعرف؟
ردت بغرور سيهلكها مع هذا الوحش الذي ينتظر الفرصة كي يخرج غيظه منها:
كنت هخبرك... إني رايدة أزور بوي وأهلي
هنا قد خرج الوحش
ناهيك عن فعلتها التي ستحاسب عليها حساباً عسيراً
إلا أنه لم يرى أمامه إلا هذا الأرعن الذي وقف يجهر أمامه بأحقيته
به لم تستطع الهروب
بل وجدت حالها مكبلة، بعدما لف ذراع حول خصرها
أما الآخر لف حوله خصلاتها الطويلة ثم قال بغضب جم:
أنتي فجرتي... فكرتي سكوتي على لسانك اللي عايز جطعه ورأسك اليابسة... رضي عينيك؟
فوجئ يا رغد... إني صبرت عليكي كتير
ردت عليه بارتعاش أثر خوفها من هجومه:
إني معملتش حاجة... أنا رايدة أشوف أبوي وخواتي
عثمان بغيظ:
لحالك أكديه؟ ملكيش راجل تاخدي الإذن منه؟
ردت عليه ببرود ظاهري كي تعانده:
لأه... ماني كنت هقولك لجل ما تعرف
سيجن... حقاً سيجن من تلك البلهاء التي لا تعلم بماذا أوقعت حالها
شد على خصلاتها مما جعلها تصرخ وهو يقول:
هتعرفيني... كتر خيري...
صرخ وهو يكمل:
أجعلي يا رغد... إني لحد دلوك مجيتش يمك... وبعاملك بما يرضي الله
يكش تعجلي وتجولي عالسر اللي مدارياه
خلينا نخلص من بعض بالمعروف يا بت الناس
لما رأى سحابة حزن مرت داخل عيناها اللامعة بدموع بعد نطقه لتلك الكلمة
ولما شعر بقبضة غليظة تعتصر صدره هو الآخر
لم يهتم كثيراً
أكمل بغل:
أنتي مكتوية على راجل... خابرة يعني إيه؟
النفس اللي هتاخديه يكون بإذن مني... جتلك من وين الجرأة تعملي أكده يا واكلة ناس؟
رغد بتحدي:
ليه... مفكراني عبدة عندك؟
فوج يا دكتور إني رغ...
اااااه
قطعت تفاخرها بنفسها الذي يصيبه بالجنون حينما أطبق على فمها الذي اشتاقه لحد اللعنة
فمنذ أن ذاق حلاوة قبلتها التي اقتنصها في أول ليلة لهما معاً
كلما تذكرها تصيبه رعشة تهز جسده بقوة
لها تلك الشفتان ملمسهما مثل الحرير
مال قلبي بشهوة الغرق بها
مال روحي تحلق في فضاء شهدها
أما الأخرى، التي ما زالت تحتفظ ببكارة مشاعرها
لم تشعر بحالها بين يديه
بل أصبح جسدها هلامياً رغم امتلائه
لما لا تقوي على ردعه؟
بل لما يصبح عقلها فارغاً بمجرد أن يخطفها؟
تهدم دفاعاتها بل تصبح هباءً منثراً
بمنتهى التمهل القاتل، الجامح
كان يفصل قبلته التي لم يرد أن تنتهي
تطلع إلى عيناها المغلقة
ملس على وجنتها الناعمة لأول مرة
ثم قال حديثاً منافياً لما حدث
عثمان بصوت متحشرج جاهد لإخراجه طبيعياً:
حطي فراسك اليابس ديه اللي في يوم هكسرهولك... إن عثمان السوهاجي... متخلقش اللي يعلي حسو عليه... خصوصي لو كانت حرمة... سامعاه؟
أخرجها من تلك الدوامة التي عصفت بها
أعاد لها تمردها وكبرياؤها
أبعدته عنها بقوة واهية وهي تقول بغيظ:
وأني متخلقش لسه اللي يتحكم فيا
عثمان:
ليه مش جوزك؟
إياك!
ضربته بقبضتها فوق صدره وهي تقول بغيرة لم تستطع التحكم بها:
لأه... روح احكم على عيشة يا جوز التنين... وفقط
هرولت تجاه المرحاض الذي أصبح ملجأها الوحيد للاختباء منه
أما هو ابتسم بحلاوة وهو يملس على شفتيه دون أن يهتم لهرائها
وبعدما خرجت بعد الكثير من الوقت
وجدت قلبها ينبض بعنف كاد أن يخنقها
بعدما وجدته يرتدي حلة رمادية اللون أسفلها قميصاً كحلي
تاهت في وسامته التي ستهلكها لا محالة
فإذا كان ذو هيبة في جلبابه الصعيدي
فهو الآن أمير من إحدى الأساطير
لاحظ تلك النظرات من خلال المرآة التي يقف أمامها كي يمشط خصلاته البنية
ثم ابتسم بكيد وهو يقول:
خاتيلك كام صورة
عضت شفتها السفلي غيظاً من هذا الغليظ ثم قالت:
مهردش عليك... ديلوق إني لازمن أروح حدي أهلي
التفت لها وسأل باهتمام:
ليه حدي منيهم عيان؟
رغد:
لأه الحمد لله كلياتهم بخير... بت أختي هيطاهروها الليلة ورايدني وياهم
عثمان:
لساتكم هتعملوا الجهل ديه؟ مسمعتوش إن ختان البنات غلط؟
رغد:
دي عوايدنا... مهنغيرهاش
عثمان:
يا بجرة انتي... الموضوع ديه غلط كبير على البنت
إني بكلمك كدكتور... البنت بتتبع في جوازها لما تكبر... حرام عليكم تدمرها
رغد بعدم فهم:
يعني إيه؟ إيه دخل الجواز في طهور البت؟
يرد عليها بهدوء وتعقل لأول مرة:
دي حاجة ربنا خلقها بيها... مسؤولة عن الإثارة الجنسية
لما تقطعيها البت هتبقى باردة ويا جوزها... وطبعاً الراجل مبحبش كده... هينفر منها
وهي هتفكر إنها معيبة ولا مش مرغوب فيها
نفسياً هتتعب... يبقى ليه من أساسه... ما تسيبوا خلقت ربنا لحالها
رغد بحيرة رغم خجلها:
إني مخبرش كلت ديه... آآآ... يعني كل البنات كده؟
عثمان:
لأه... هفهمك... كل مكان ليه طبيعته
بمعنى إن اللي عايشين في المناطق الصحراوية حرارة الجو بتبقى عالية بطبيعتها
هنا ختان البنات واجب... عشان يحلوا من شهوتها اللي بطبيعة الجو اللي عايشة فيه بتبقى عالية
أما في بلادنا الجو عادي وطبيعة الحياة غير... يبقى ملوش داعي لكده... فاهمة حاجة؟
هزت رأسها بعدم فهم فضحك بهدوء وأكمل:
عشان بجرة
نظرت له بغيظ فأكمل بجدية:
خلاصة الجول اتصلي بخيتك وجوليلاها بلاها العملة الشينة دي حرام عليكم
قطبت حاجبيها بتعجب ثم تقدمت منه وهي تقول:
وااااه اتصل بيها ليه؟ هو إني مش هروح؟
رد بحزم:
لأه رجلك مهتخطيش دار أبوكي... اللي رايدك يجيلك اهنيه السرايا مفتوحة للكل
ردت بغضب:
ليه بجي هتحبسني اياها؟
يلتفت لها بتفحص ثم قال بصوتاً عذب ونبرة حانية لم يختبرها من قبل:
هقفلك عليكي بالضبة والمفتاح كمان
وقبل أن تستوعب ما قيل كان يميل عليها ويلثمها بقبلة سطحية وبرغم بساطتها... كانت رائعة حقاً
اعتدل وهو يتحول مئة وثمانون درجة وهو يقول بغلظة:
غيري خلجاتك الماسخة دي وحصليني... وفقط
انطلق متجهًا إلى الخارج دون أن يعطيها حق الرد أو الفهم
أما هي... وقفت مسدودة من تحوله وأخذ عقلها يحاول فهم تلك الحروف التي خرجت منه على هيئة طلاسم بالنسبة لها
توقف عقلها عن العمل ولم يتصور لها معنى حديثه في تغيير ثيابها إلا أنه يقلل منها
قررت التمرد والهبوط كما هي وليفعل ما يفعل... فلنرى أيها المغرور
والمغرور اشتعلت النار داخل صدره حينما وجدها تهبط فوق الدرج دون أن تنفذ ما قاله أو بمعني أصح أمرها به
هل سيراها الجميع بتلك الفتنة؟ برغم احتشامها إلا أن مظهرها كان مهلكاً لرجولته التي أصبحت تشتهيها
حتى أنه قال:
بهاءك يتحدى اللون الوردي... من منكما سيكون أكثر زهواً
ألقت عليه نظرة متحدية مع ابتسامة شامته لعلمها أنه لن يستطيع الاعتراض أمام الجميع
قطع هذه الحرب المتوارية حديث عفت التي قالت بحنو:
بسم الله الله أكبر... تعالي يا بتي
مالت عليها لتقبل كفها بحب كما اعتادت ثم قالت:
صباح الخير يا حاجة
وجهت حديثها للجميع:
صباح الخير عليكم
ردوا عليها فمالت لتأخذ ولدها من جدته
احتضنته باشتياق وهي تقول:
كيفك يا جلب أمك؟ أنستني وجاعد ويا ستك
أعقبت قولها بتقبيل وجنته الممتلئة
مما جعل الذي يحترق بداخلها يركز مع ثغرها الذي كان يتنعم به منذ قليل ويريد أن يقتل ولدها كي لا يمسه
أرادت عائشة لفت الانتباه لها ومكايدة تلك الفاتنة
مالت على زوجها وقالت:
هتسافر دلوك يا عثمان؟
من نظرات رغد المستغربة علمت أنه لم يطلعها على وجهته
طار قلبها فرحاً بذلك
وهذا الماكر استغل كيد النساء فأخذ بثأره منها فقال بحنو متعمد:
بأمر الله مانتي خابرة مواعيدي يا عيشة... رايدة حاجة أجبهالك وأني راجع
ابتسمت باتساع وقالت:
رايداك طيب وترجع لنا بالف سلامة يا غالي
مالت نرجس على أمها وقالت بمزاح:
ولدك واجع بين اتنين كيادين ياما... يا مرارك الطافح يا خوي
كتمت عفت ضحكتها وقالت:
خلينا نتسلى يا بتي... التلفزيون مبقاش فيه حاجة عدلة
اطلعي... رغد هترد الصاع صاغين دلوك
ورغد لم تخيب أملها حينما قالت بصوت عذب تعمدته:
متنساشي اللي جولتلك عليه يا حبيبي
اهتز... حقاً أصابته هزة قوية بعد سماع تلك الكلمة والتي يعلم أنها تقولها مكايدة في غريمتها
إلا أن تأثيرها عليه كان قوياً لدرجة أنه عجز عن الرد
أخرجه من تلك الحالة سؤال عائشة:
يجبلك إيه يا رغد؟ هو أنتي حداكي شوية؟
نظرت لها بدلال مفرط ثم قالت وهي تضم ولدها بقصد:
هو مالأساس مش ناقصني حاجة... من غير ما أطلب بلاقيه جايبلي الحلو كله
كل اللي رايدة لعبة شفت إعلانها وحولت يحبها لرحيم... في مانع؟
قطعت عفت تلك الحرب حينما قالت:
ده الغالي يجيبله الحلو كله... ده رحيم بيه السوهاجي
وقف سريعاً بعدما شعر أنه لن يستطيع الجلوس أمامها أكثر
بداخله غضب... غيرة... حزن تملك منه ولا يعرف سببه
ألقى عليها نظرة معاتبة جعلتها تسبح في بحر الحيرة
ثم ودع أمه بقبلة فوق جبينها وغادر سريعاً
داخل صرح كبير يعد من أكبر المشافي في مصر
تقدم بكل هيبة ووقار داخل أروقة مشفاه الخاص يتابع الحالات التي تنتظره منذ أيام
يتحدث مع الأطباء ليطلع على آخر المستجدات
وهناك... في آخر الرواق... تقف فتاة في أواخر العشرينات تنظر له من بعيد بنظرات يملاها الحب الميؤوس منه
وجدت يداً حانية تربت على كتفها وتقول:
مش اتفقنا ننسيه يا لمياء؟
نظرت لها بحزن وقالت:
يا ريت كان بإيدي يا ولاء... مانتي عارفة أنا بحبه من أيام ما كنت طالبة وبتدرب معاه هنا
ولاء بحكمة:
يا حبيبتي عارفة... ومن وقتها وأنا حذرتك متسبش مشاعرك تكبر لأنه واحد متجوز
إنتي مسمعتيش مني وكنتي متخيلة إنه هيحس بيكي
لأ... والادهى إن مكنش عندك مانع أبداً تكوني زوجة ثانية
دمعت عيناها وقالت:
ويا ريتني عرفت ولا قدرت أحسيه بيا
وأهو بدل الزوجة بقي اتنين يعني الموضوع بقي أصعب كمان
نظرت لها ولاء بغيظ ثم قالت:
لأ انتي جري لعقلك حاجة... استحالة تكوني لسه حاطة أمل عليه
فيكي إيه ناقص عشان تاخدي واحد مشاركك فيه اتنين؟
فوقي يا لميا... إنتي دكتورة وجميلة ومن عيلة أي حد يتمنى يناسبها
مترخصيش نفسك
نظرت لبعيد وهي ترى ذلك العاشق الصامت ثم أكملت:
شوفي اللي شاريكي وهيبقى ملكك لوحدك
مر يومان دون أي شيء يذكر غير حزن رغد التي حاولت أن تداره
فقد انتظرته أن يتصل بها كما يفعل حينما يغادر إلى القاهرة بحجة الاطمئنان على ولد أخيه ولكن لم يفعل
لم تجد ملجأ لها غير أختها الحبيبة والتي دائما ترشدها للصواب
أمسكت هاتفها وقامت بالاتصال بها وحينما جاءها الرد قالت:
كيفك يا خيتي؟
شعرت شادية بتغيير نبرة ابنتها الروحية فقالت باهتمام:
زينة الحمد لله... مالك يابت... فيكي إيه صوتك متغير؟
زفرت بحنق ثم قالت:
مفيش حاجة... البيه الدكتور... ليل نهار يتحدث ويا عيشة أو ولادها ومفكرش يسأل على ولد أخوه اللي اتجوزني لجل خاطرها
أكملت بغيرة:
وهي بقى مهتكذبش خبر تيجي قدامي وتتحدث بمياعة حاجة تجرف... تقوليش لسه عرسان
ضحكت شادية بقوة على غيرتها الواضحة والتي ستنكرها لا محالة
قررت أن تزيدها لتشعلها أكثر فقالت:
وإنتي شاغلك إيه؟ مرته وبتجعل عليه حجة
رغد بجنون:
يكش يولع جال يجعل جال... ومكنش بيحصل كلت ديه قبل سابج ليه؟ إيش عجب دلوك؟
شادية بجدية:
ديلوك بجي ليها شريك فيه... وده راجلها وأبو ولادها... حجها تعمل كل اللي تقدر عليه لجل ما تكسبه وتحافظ عليه
والله وطلعتي عاجلة يا عيشة
انتفضت من مجلسها وهي تصرخ في أختها بجنون:
وااااه... يعني إني اللي مجنونة دلوك؟ تشبع بيه... ولا يشغلني... مانتي خابرة اتفاجئ وياه وعيشتنا كيف ماشية
شادية بحكمة:
بس هي متعرفش يابتي... محدش يعرف غيري
وخالي بالك... هي أكده مرة صوحر
رغد بحيرة:
كيف يعني؟ هي أحسن مني في إيه؟
شادية:
في عجلة
رغد:
بجيت مجنونة دلوك
شادية:
لما بيمسك فيكي الكبر والمعاندة بتبقى أحن المجانين... يابتي افهمي أنا عم بجولك الحديث ديه من جبل ما يكتب عليكي
افتحي جلبك ليه... احكيله يا بتي عالمرار اللي عيشتيه
ابدي وياه حياة جديدة يكون هو عوضك وجبرك من ربنا عن كل اللي اتحملتيه
رغد بحزن:
مهقدرش... هيفكر إني خايفة منه... ولا حبيته
شادية بقوة:
وإيه حصل؟
ارتعش جسدها بقوة وقالت بمكابرة:
لأه... ولا عمره هيحصل... لو عايز يعرف الحقيقة يدور عليها... مش هنطق حرف يا شادية
أكملت بغيرة:
ويشبع بست الشحرورة... جبر يلمهم هما الاتنين
شادية:
عاملتي إيه يا رغد لحل ما يهملك من غير سؤال؟
تلجلحت لعلمها بخطأها ثم قصت عليها ما حدث قبل أن يغادر
صرخت بها الأخت بغضب:
عارفة... إني اللي هاجي أدق نفوخك اليابس ديه... بتجلعي من راجلك يا رغد... دي تربيتي ليكي... تلبسي لجل ما تطلعي من الدار من غير إذنه
لأ... وبتزيدي الطينة بلة ومتسمعيش حديته
كتر خيره إنه مجطعش خبر
رغد بخوف:
أنا مقصودتش
شادية بأمر لا يقبل النقاش:
هنشوف بعدين تجصدي ولا لأ... هي كلمة واحدة... اجفلي معاي واتصلي بجوزك... سامعة؟
رغد بعند:
وااااه... اتصل أجوله إيه؟ إني عمري ما عملتها
شادية بغضب:
دي مشكلتك... اتصلي بيه أحسنلك وأني متأكدة إنه هيفهم سبب اتصالك
يلااااا
انتفضت من صرختها التي أعقبتها بإغلاق الهاتف في وجهها
قالت بغلب:
يا مرك يا رغد... هيجيلك إيه دلوك؟ الله يسامحك يا خيتي
زفرت بحنق ولم تجد بداً من مهاتفته فهي لا تعصي أمراً لأختها
أول مرة لم تجد رداً... والثانية كذلك حتى تمكن منها الغضب
أنهت الاتصال الثالث ثم اتصلت بأختها وحينما ردت عليها قالت بغل:
كلمته تلت مرات مهانش عليه يرد... عاجيبك أكديه؟
شادية:
تلاقيه عندك شغل ولا حاجة وأول ما يفضي هيرن... إني متأكدة
رغد بعناد:
مهيردش عليه هو مش أحسن مني في حاجة... هااااا الحجي ده هيرن أها
شادية سريعاً:
هقفله وأفتح بسرعة... أعقبت قولها بإغلاق الهاتف
أغمضت رغد عيناها بوجل ثم فتحت الخط
وقبل أن تتفوه بحرف... برقت عيناها حينما سمعت
ماذا سيحدث يا ترى؟
نرى
انتظررررررون
رواية دكتور نسا الفصل السادس 6 - بقلم فريدة الحلواني
صباحك بيضحك يا قلب فريده.
عارفه...لازم هيضحك...عشان انتي تستاهلي تعيشي في هنا وسعاده.
بس مفيش حاجه بتيجي بالساهل...حاولي مره واتنين وعشره...هتوصلي وهتحققي كل اللي بتتمنيه واكتر...عشان انتي قويه وقدها...انا واثقه فيكي وبحبك.
كبرياء....سلاح ذو حدين...اذا لم تكن تجيد استخدامه فلا تعبث به...حتي لا تكون اول من يجرح من نصله الحاد.
صدمه...ذهول...عدم تصديق لما سمعته.
تصلبت وكانها تمثالا حجري بعدما سمعته يرد عليها قائلا:
حبيبي عامله ايه...سامحيني يا روحي كان عندي حاله معرفتش ارد عليكي.
ظلت تفتح فمها وتغلقه في محاوله منها ان تخرج حرفا واحد ولكنها فشلت.
كل ما استطاعت فعله ان تحرك يدها بالهاتف كي تري اسمه داخلها لتتاكد انه هو...وكان صوته ليس تاكيدا كافيا.
كاد قلبها ان يتوقف بالفعل.
اما ذلك الخبيث...فقد رد لها الصاع صاعين.
هزته بكلمه "حبيبي" التي قالتها امام الجميع...لتكيد غريمتها.
وهو اوقعها بكلمه "روحي" والتي قالها عمدا حينما كانت لمياء تقف بجواره حتي يجعلها تفقد الامل فيه.
ولكن....ما له يشعر برعشه اصابته واراد ان يقول المزيد ولكن....
قد عاد طبيبنا المغرور الي ارض الواقع هو الاخر بعدما انسحبت لمياء كمدا من امامه.
دون اي مقدمات وكان احدهم صفعها فوق وجنتها كي يفيقها من تلك الحاله.
وكان صوته بمثابه تلك الصفعه حينما قال بطريقه فجه:
خبر ايه...زن زن متصله تلت مرات....خير يا بت العبايده ايه اللي خلاكي تنزلي من برجك العالي وتتصلي بيه.
بمنتهي الذهول...والهدوء العاصف سالته دون ان تهتم بسخريته المبطنه:
كنت هتجول لمين الحديث اللي فالاول.
ابتسم بشماته علي تلك الحاله التي تمر بها وقد وشى بحالها المهزوز.
رد بفظاظه:
كان في ناس جاري مطيجهمش...جولت الكلمتين الناسخين دول لجل ما يفكرو اني رايد اتحدت ويا مرتي لحالي شوي.
صمت للحظات ثم زاد تجبره حينما اكمل:
اوعاكي تكوني مفكره اني في يوم ممكن اجولهالك....يبقي اتخبلتي فعجلك والله.
المهم....عايزه ايه.
هل تعلمون النار التي تشتعل داخل الانثي حينما يمس احدهم كبريائها....فما بالك ان جرحها فيه.
عادت اليها روح العزه والكرامه اذ قالت له بغرور وقوه تنافي انهيارها الداخلي:
ههههه وانت مفكر حالك اني صدجت....ولاني بالاساس ممكن اسمحلك تجول الحديث الناسخ ديه....لو واخد بالك يا دكتور لما سمعتك...مرديتش عليك...جولت يا آمن بتجولهم لحد جارك....يا آمن عجلك ساح وفكرني حد تاني.
لااااااا....هذا كثير...لن يتحمل كل هذا التكبر والاهانه التي لم يجرأ احدهم على فعلتها من قبل.
عثمان بغضب:
جسما بالله يا بت العبايده....
صمت للحظات...عجز ان يتوعدها...اصبح ذهنه خاليا من كثره فورانه.
تنفس بقوه ثم اكمل:
شوفي...مش هجولك هعمل ايه....خلي عجلك يصورلك ايه اللي هيحصل فيكي لحد ما اعاودلك....
واغلق الهاتف في وجهها.
ثم اخذ يدور حول نفسه داخل غرفه مكتبه.
يريد ان يذهب اليها الان...يقتلها...ينتقم منها...علي اهانته...ام علي قلبه الذي اصبح يخفق بشده بمجرد ان يتذكرها.
اما هي...كانت حقا مرعبه...ولاول مره تعترف بخطأها الفادح في حقه.
منذ البدايه هي من بدات بالخطأ وبدلا عن اصلاحه زادته سوء.
ازفرت بحنق ثم قالت:
يا حزني يا رغد...طينتيها فوق نفوخك...هتلاقيها مني ولا من خيتك اللي هتشيلك الروب.
يا مري يا مري....
صعدت الخادمه الي الاعلي ثم طرقت الباب وحينما سمعت الاذن دلفت وهي تقول:
ست شادية...الحاجة أم وهدان تحت ورايدة تشوفك.
قطبت بين حاجبيها وقالت بنزق:
واااااه...اني مش فايق لها دلوك...دي وليه رطاطه.
الخادمه:
أحولها نعسانه.
شاديه:
لااااه...هنزلها وأمري للي.
بعد الكثير من كلمات الترحيب المبالغ فيها...والكثير من الاحاديث الجانبيه التي اصابتها بالضجر.
قررت ان تنهي تلك الجلسه الممله.
شاديه:
خير يا أم وهدان جولتي ريداني في خدمه.
أم وهدان:
ايوه صوح...بجولك...هي الست بسنت مهتيجيش البلد ليه...من يوم فرحها ومجاتش.
شاديه:
مانتي خابره جوزها مشاغله كتير في مصر.
أم وهدان:
أوه صوح...سمعت انه عنده شركه كبيره هناك...الله يزيده.
شاديه:
آمين...هتسالي عليها ليه.
أم وهدان:
الهي تتستري رايدة تتوسطيلي عندها لجل ما تخلي جوزها يشغل وهدان عندي.
الواد معاه شهاده كبيره ونفسه يدلي مصر يشتغل بيها.
نظرت لها شادية وقالت بسخريه مبطنه:
المعهد الفني شهاده كبيره...ايوه صوح...من عنيا هجولها وارد عليكي.
ظلت المراه تدعي لها إلى أن رحلت و تركتها تفكر في حلا لهذا المأزق.
في مكان آخر...بل في بلدا آخر بعيد كل البعد عن تلك القريه.
كانت تجلس فتاه في أوائل العشرينات تدخن سيجارا رفيع...ومعها رجلا يبدو عليه الثراء يدعي حاتم.
حاتم:
يا بسنت الشغل كده مش هينفع....انتي قولتي جوزك جاي يمضي العقود وانا حطيت في حسابك اول دفعه...هنبدا امتي.
ردت عليه بدلال متعمد:
ايه يا حاتم بيه انت مش واثق فيا...من بكرة اسحبهم من البنك وارجعهم لك لو حابب.
حاتم:
لا طبعاً مش ده اللي اقصده...بس أنا شايف إن انتي اللي شايلة الشغل كله يبقى قدام هو مش موجود معظم الوقت يبقى يعملك توكيل بدل العطله دي...ده بيجي يوم ويختفي شهر.
مثلت الحزن ببراعه وقالت:
اعمل ايه...أهله مقويينه عليا...خايفين لا أطمع و آخد كل حاجة لنفسي...
بكت وهي تكمل:
أنا اللي شايلة كل حاجة...وهو ولا في دماغه...أنا تعبت يا حاتم...أنا بدأت أنسي إني ست وليا حقوق مش بيفكر حتى إنه يدهالي.
شيطانه....تعرف من أين توسوس لابن ادم.
تعلم مداخله جيداً وقد ألقت الفكرة داخله عقله وتركته يهيأها له كما يشاء.
وهو كان صيداً سهلاً لها بعدما ابتلع الطعم دون أي عناء.
قام من مجلسه ليحاورها...ضمها بذراعه كي يحتويها داخل أحضاناً محرمة وهو يقول:
اهدي يا بسنت...انتي ست جميلة وأي راجل يتمناك...معقول...معقول جوزك مش مقدر كل الجمال ده...أكيد اتجنن.
ابتسمت بخبث من بين دموعها الكاذبة ثم قالت بوهن وهي تتشبث به:
يا ريته يفهم كده...بالعكس...ده كل يوم بيخوني مع واحدة...وصلت لأعز صاحباتي خاني معاها يا حاتم...
قالت اسمه بنبرة مثيرة ثم أكملت بكاء.
اما هو مثل أي رجل تحركه فقط شهوة ذائفة...يقضي وقتاً ممتعاً...ولكن مهما طال هذا الوقت سينتهي.
ويظل الذنب الأعظم هو ما يكتب في صحيفته...إلا من تاب ورحمة ربه من هذا الجرم الشنيع.
عاد من القاهرة محملاً بحقائب كثيرة مليئة بالهدايا والألعاب لجميع الأطفال.
قلبه أجبره ألا يحرجها أمام عائلته...اشترى ما قالت عليه أمامهم...لما....رغم توعده لها....لا يعلم....حقا لا يعلم.
مالت تحية على ابنتها وهمست بخبث:
اطلعي يا بت...جايب لعب كد إيه لجل ما السنيورة طلبت مني.
عائشة:
ماهو جايب للكل ياما أهه.
تحية:
با خايبة...أمال رايده يحيب لولدها بس ويركب نفسه العيب...اطلبي منه شوية دهب لجل ما تظهري جدامها أنك أحسن منها...اسمعي حديث أمك...
شوفتي لما عدلتي خلجاتك بقى زين معاكي وبيعاملك أحسن مالأول.
كانت تقف داخل المطبخ تعد بعض الحلويات التي طلبتها منها نرجس والأطفال.
سمعت صوته بالخارج وبرغم أنها أرادت أن تهرول إليه...إلا أنها تمالكت حالها وظلت بالداخل.
أما هو فكان يبحث عنها بعينيه تحت نظرات أمه المراقبة له.
فجأة سمع صراخها.
أول من كان ينتفض ويهرول تجاهها.
وجدها تقف تبكي بحرقة وتحاول أن تبعد ثيابها التي انسكب عليها الحليب الساخن والخادمة تحاول أن تخلعه عنها.
جن جنونه حينما رأى ساقيها بدأ في الظهور.
صرخ بجنون:
بتعملي إيه يا مخبلة انتي.
الخادمة برعب:
بخلعها العباية البن اندلق عليها.
كان في ذلك الوقت ودون تفكير يحملها بين ذراعيه ويهرول بها إلى الخارج ليصعد بها تحت نظرات مشتعلة من الغيرة...وأخرى مشفقة.
لحق به الجميع وقبل أن يدلفوا خلف الجناح صرخ بهم دون شعور لما يتفوه به:
خليكم بره...مرتي مهتتعراش جدام حد.
وفوق أغلق الباب بقدمه خلفهم حتى دون أن ينظر لأمه التي كانت تقف مع الجميع.
أما تلك الباكية ألم خطى خجلها على ما تعانيه وقالت برفض قاطع وهو يضعها فوق الفراش:
إني زينة...مفياش حاجة.
مد يده كي يرفع عباءتها ليكشف عن جرحها فتمسكت بها جيداً وهي تقول بدموع:
واااااه...كنك أحنيت اياك...هتعمل إيه.
غضباً أتى من الجحيم تملكه.
رغم القلق الذي ينهش صدره خوفاً عليها...إلا أنه حقاً أصبح لا يرى أمامه إلا رفضها له.
بمنتهى التجبر...ترك طرف العباءة ثم مد يده للأعلى ليشتقها نصفين...لم يهتم بصرختها ولكن قال:
إني دكتور قبل ما أكون جوزك....دكتور نسا...خابره يعني إيه....كلت ديه بشوفه ميت مرة في اليوم ولا هياثر فيا.
أكمل بغضب جعلها حقاً تخاف:
بعدي يدك لجل ما أسوف الحرج.
ابتعدت يدها ثم أغمضت عيناها خجلاً وألماً...اصطبغ وجهها باللون الأحمر القاني وارتعش جسدها بمجرد أن لمست يداه الخشنة جسدها الناعم.
تفحص الجرح ثم أتى ببعض الدهانات وقام بوضعها عليها.
في بادئ الأمر كان يتابع ما يفعله بمهنية بحتة....ولكنه في النهاية وأثناء ما كان يوزع الدهان فوق مكان الاحمرار....لم يشعر بيده التي أصبحت تسير فوقها بحميمية.
ولم يشعر بجسده الذي مال فوقها ليكمل تلم المعزوفة الحلوة....تناغمت يده مع شفتيه....أصبح مثل أصابع البيانو...هما عبارة عن لونان فقط...ولكنهما يصنعان أعذب الألحان...وأعذبها.
أما هي...نسيت ألمها....ولم تتذكر خجلها....بل شعرت أنها مغيبة عن الواقع.
والواقع يطرق فوق الباب كي يعيدهم إليه.
انتفض فجأة حينما سمع صوت زوجته التي تغلي بالخارج تقول بغل:
طمني يا عثمان....الحرج جامد ولا إيه...قلت ديه هتكشف عليها.
أنقذته أمه التي قالت بغضب:
أنا جلتلك هملوهم لحالهم وشوية ونبقى نطمن عليها....ايه اللي يوقفنا أكده.
تلك الثواني المعدودة التي اتخذتها أمه في حديثها...كانت كفيلة أن تجعله يجمع شتاته قليلاً ليرد عليهم قائلاً:
اطمنوا....بسيطة إن شاء الله....هتغير خلجاتها وترتاح شوية.
عائشة بغيظ:
انت هتبيت عندك...انهارده يومي.
صرخ بغضب أخيراً وجد سبباً ليخرجه:
عييييشه....هاسود عيشتك لو ما غورتيش من اهنه.
ذهب الجميع....ابتعد عنها دون أن يتفوه بحرف....دلف إلى الشرفة ليدخن سيجارة لا يلجأ لها إلا حينما يكون في شدة غضبه...أو منشغلاً في أمر هام.
أما هي....لم تقوى على التحرك لتبدل ثيابها الممزقة...ليس بسبب جرحها بل....بسبب ساقيها التي شعرت أنها لن تحملها.
سحبت الشرشف بصعوبة وكأنه يزن أطنان.
حقاً أعصابها تالفة لا تقوى على فعل شيء.
سترته به....أغمضت عيناها....ظلت تسترجع ما حدث منذ دقائق معدودة....وبرغم أنه لم يكن وقتاً طويلاً إلا أنه كان كافياً أن يجعلها في حالة....تتمنى ألا تخرج منها.
أما هو...سيجارته أصبحت اثنان ثم ثلاث...حقاً سيجن...ما تلك الحالة التي تملكت منه.
أين غضبه منها...أين توعده لها.
بل الأدهى...أين انتقامه منها.
حذر نفسه كثيراً حتى لا يقع في فخ بهائها مثل أخيه.
واليوم....اليوم فقط أعطي له كامل الحق أن يعشقها بتلك الطريقة التي أدت إلى أنه يفضل الموت على ألا يعيش بدونها.
اشتعلت النار داخل صدره...هل يشعر بالغيرة من أخيه الراحل...عشقها...لمسها...تمتع بما يتمنى هو ولكن محرماً عليه.
لن يقوى على الابتعاد...ولن يستطيع الاقتراب...سيرى كل ما يفعله معها بعين أخيه.
والأهم...هي...سيكون من الأفضل بالنسبة لها...هو...أم أخيه الراحل.
كل هذا كان يدور بداخلهم.
مما جعله يشعر بالجنون فأخذ يضرب في سور الشرفة عله ينفث عن ذلك الغضب الحارق.
ولكن....حقا فشل في ذلك.
هي....هي من أشعلت النار وعليها أن تطفأها.
اتجه إليها مثل الثور الهائج حتى أنها انتفضت زعراً حينما دفع باب الشرفة بقوة...وقبل أن تسأله ماذا حدث.
وجدته ينقض عليها ويجذبها من خصلاتها بغباء ويقول بغل:
إني صبرت عليكي كتير....انطقي....خوي جتل حاله ليه....كتي هتهمليه ليه.....كان عاشجك صوح....كتي بتتمنعي عنيه....ولا من كتر ما اتمتع بيكي مبجاش جادر يعيش من غيرك.
كانت تبكي...فقط تبكي.
هل يسألها حقاً عن سبب وفاة أخيه...أم يحاسبها على عشقه لها.....لا يعلم هو....ولا تفهم هيكل ما يحدث الآن ضرب من الجنون.
هزها بقوة وهو يصرخ:
انطقي....إني شياطين الأرض كلياتها جدامي دلوك....مهصبرش عليكي كتير اااااني.
أمسكت كفه كي تحاول إبعاده ويدها الأخرى وضعتها فوق موضع الحرق الذي كان حقاً يؤلمها ثم قالت بوهن:
معملتش حاجة...وحياة بوي ما عملت شي واصل....
نظرت له من بين دموعها وقالت بنبرة تقطر حزناً مزقت قلبه:
متظلمنيش يا دكتور....
ودون شعور منها وجدت حالها تكمل بتوسل:
انتي بالذات دوناً عن الخلق...ظلمك ليا هيقتلني....اااااه.
قبل أن يسألها لما....ارتعش رعباً عليها حينما صرخت من الألم التي تشعر به ولا تقوى على تحمله.
والقلب في تلك اللحظة أصبح هو المسيطر الوحيد في هذا الموقف...إذ أمره أمراً واجب النفاذ أن يضمها داخل صدره....فهو لم يقوى على تحمل دموعها...وعتابها المستتر داخل حروف تصرخ وجعاً.
ضمها بقوة حانية للغاية....ملست على خصلاتها التي كان يجذبها منذ قليل.
همس بصوت متحشرج يقطر ألماً:
اهدي...خلاص مش هنتحدت دلوك...
ضمها أكثر وقال بصوت خرج متوسلاً:
بكفياكي بكي...الحرج هيشد عليكي كده.
راحت رأسها فوق صدره وقالت بهمس من بين شهقاتها:
موجوعة يا دكتور...مقدرش أتحمل.
رد دون أن يفكر حتى في معنى ما يتفوه به:
هيطيب...كل جرح وله دوي...اطمنك.
كلمات في ظاهرها حديثاً عن الألم الظاهري...أما باطنها معنى أعمق خرج من قلب يأن ألماً و....شوقاً....وعشقاً لن يخرج إلى النور بعد.
مر وقتاً لن نعرف قدره وهما على تلك الحالة...وكل ما يسيطر عليهما سكينة...هدوء...استراحة محارب يريد أن يكمل حربه.
ثغرها تحرك دون إرادة ليلثم أعلى رأسها ثم قال:
بجيتي أحسن دلوك.
حاولت الابتعاد كي ترد عليه وتهرب أيضاً من تشبثها به...ولكن قبل أن تتفوه بحرف...وجدت حالها لا تستطيع الابتعاد أكثر بعد أن تعلق السلسال التي ترتديه في زر قميصه.
نظر إلى السلسال وتذكر أنها لا تخلعه عنها أبداً مثل باقي الحلي.
هنا أنار عقله بأشياء لم يفكر بها قبلاً...فهي لا تملك الكثير إذا أين كل ما جلبه لها أخيه.
وهنا أيضاً تحكمت فيه غيرته بعد أن اشتعلت مرة أخرى بسبب تلك الأفكار.
وقبل أن تحاول إبعادها بتمهل كي لا تقطع أمسك يدها بقوة وقال:
ليه دي بالذات مهتجلعيهاش من رجبتك...هو الي جايبهالك صوح...غالية عندك.
أكمل بجنون...كان إيه مناسبتها بجيهزت رأسها رفضاً وقالت بحنين:
لااااه....مش هو الي كان جايبها....
نظر لها بعدم تصديق فاكملت:
دي بتاعت أمي الله يرحمها...شاديه لبستني اياها من وأنا عندي عشر سنين...جالتلي دي وصية أمك الله يرحمها متجلعهاش من رجبتك واصلاً.
أغمض عينيه غضباً من حاله....فيما كنت تفكر أيها المخبول.
تطلع لها بهدوء ثم سألها برفق:
طب ليه مهتلبسيش دهبات كتير ولا الألماس اللي عندك....إني ملاحظ إن كام حاجة بس اللي متعلقة عليها.
سؤال يظهر عادي....ولكن في حقيقته هو أول خيط في بحثه عن الحقيقة.
رغد:
دول دهب أهلي...كل حد فيهم جايب لي هدية...غير اللي بوي كان جايبهولي وأنا بت.
عثمان:
طب وينها حاجتك...شبكتك...كل اللي اشتراهولك فهد الله يرحمه.
ابتلعت ريقها برعب ولم تجد رداً على أسئلته المنطقية.
لاحظ هو ارتعاش جسدها وعيناها التي اهتزت حدقتاها....ليس بالصغير حتى لا يعلم أو يشعر بخوفها.
فكر بحكمة...يحتويها...يعطيها الأمان...حتى يصل إلى الحقيقة التي سترضي قلبه قبل عقله.
قلب وجهها بحنو...أمطرها بنظرات لا أول مرة تراها....قال بصوت حاني:
جولي يا رغد....ليكي الأمان مني...مهما كان اللي هتجوليه....بس اعرف...ريحيني يا بت الناس...الحيرة عم تنهش في جلبي وعجلي....وعد مني ليكي مهما كان اللي هتجوليه...مهأذيكيش.
بكت...كل ما فعلته بكت ثم قالت بقهر:
......
رواية دكتور نسا الفصل السابع 7 - بقلم فريدة الحلواني
مرت لحظات عليهما، من أصعب اللحظات. كل منهما بداخله حرب.
هي، ما بين الصراحة والخوف.
وهو، ما بين أمل ورجاء، أو العودة للتجبر.
حينما رأى حيرتها وترددها، والخوف الذي يصرخ داخل عينيه، هز رأسه بهدوء وهو يقول برجاء تراقصت بين أحرفه:
"اتحدثي يا رغد، أني سامعك. متخافيش مني."
تنهدت براحة يملأها الحزن ثم قالت:
"كل اللي أقدر أحولهولك يا دكتور."
سالت دموعها قهراً وهي تكمل:
"وكل ما مرت به تراه أمام عينيها. أخوك الله يرحمه، ما كانش زي ما أنت مفكر."
قطب جبينه وقال بعدم فهم:
"كيف يعني؟"
"ما كانش عاشقني كيف ما كان مبين ليكم. كان مجرمني وياه في مصر لجل ما يهيني ويبهدلني."
بكت بحرقة وبدأت تشكي له حالها مثل طفلة تطالب أباها بأخذ حقها:
"عمري ما حد مد يده عليا غيره. إهانة ومرار طافح عيشت فيه. اتحملت اللي ما فيش حد يطيقه. كنت لما أتمرد وأقول هعاود لأبوي، أو هقول لك بما إنك كبير."
شهقت بقوة وهي تتذكر ما فعله ذلك الحقير بها وأكملت:
"كان يهددني بقتل أبوي. قالي هقتله ومحدش ليه عندي حاجة. قالي انتي هنا خدامة تحت رجلي. أتأرجيت كتير ياخد ولدي وأعاود البلد. حلفت له ما هينطق بحرف. لدرجة قلت له قول إن إني شينة وما عمرت وياك."
رفض، وضربني. كواني بالنار وقال إني اتجوزتك لجل ما أذلك وأخد تار أبوي منك. إني ما أنساش دم أبوي."
رفعت كم عباءتها لتكشف عن حرق أعلى ذراعها، ومن الواضح أنه كان شديداً للغاية.
أكملت بقهر وهي تكاد تأخذ نفسها بشق الأنفس:
"حرقني، ومرضاش يخليني حتى أحطها تحت المي. قالي دي نار قلبي أمي اللي اتكوت لما قتلته بويا."
لم يستطع سماع المزيد. اختطفها في عناق ساحق. رغم حنوه، كان هو من اكتوى بالنار. ظل يضمها وهي تبكي.
ضمها باحتواء وهو يقول:
"بس، بكفياكي. بلاش تكملي دلوقت. أكفايه أكديه، لجل خاطري."
"جرحك دي حرج قلبي."
تشبثت به وقالت:
"كنت صغيرة على كل ده يا دكتور. ستة عشر سنة عيشتهم ويا أهلي في عز وجل. مع أخوك ما كملتش سنتين وشفت ذل وهرج ما فيش حد شافهم. تعبت."
ضمها بجنون ورغماً عنه قال:
"حقك على قلبي الدكتور يا بت العبايدة. حقك علي إني... ما تبكيش، لجل خاطري."
ولأجل الطبيب لديها بالدنيا وما فيها، إن لم يكن لما تشعر به تجاهه، فلأجل كلماته الحانية واحتوائه لها، بل وتصديقه دون دليل.
أبعدها عنه ثم أمسك ذراعها. نظر داخل عينيها الباكيتين بعين تصرخ أسفاً عليها. ثم مال على تلك الندبة التي ألمته حقاً. أمطرها بوابل من القبلات المعتذرة على شيء لم يكن له يد به.
أغمضت عينيها براحة لاول مرة تشعر بها منذ عامين.
اعتدل، تمدد فوق الفراش، سحبها لتتخذ من صدره وسادة، رغم صلابتها إلا أنها أكثر حنواً. انصاعت له دون حديث.
قبله حانية فوق الرأس، معناها أبلغ من أي حديث.
لم ينم. حقاً لن يستطيع إغماض عينيه. عقله كان يعمل في جميع الاتجاهات. يجب عليه حل هذا اللغز المعقد. يعلم أن ما قالته مجرد قشور تخفي أسفلها الكثير. ولكن، كان راضياً ببداية الثقة التي منحته إياها، وسيعمل جاهداً على إثبات استحقاقه لها، بل وسيُجعلها تؤمن به.
شعر بتململها، فأغمض عينيه سريعاً، وفي نيته ألا يحرجها حينما تستيقظ وتجد حالها تقريباً فوقه.
أما هي، أجمل ما يميزها، لا تعطي الفرصة لانهيارها أن يطول. مهما كان ما حدث ليلاً بالغ الصعوبة، إلا أنها تستيقظ صباحاً مستقبلة نور الشمس بأمل جديد أن القادم أفضل بأمر الله. بارعة في كتمان ألمها، في تخطي لحظة الانهيار. تعقد العزم أنها أقوى من أي لحظة ضعف. دائماً تقع ثم تقف في نفس اللحظة، حتى لو كانت تقف على قدم واحدة. لا يهم. الأهم أنها استطاعت الوقوف رغم الوجع.
فتحت عينيها بتمهل. حركت رأسها ببطء. وحينما وجدته غافياً بسلام، ابتسمت باشراق ثم مالت برفق شديد فوق لحيته النامية.
عادت لها روحها المرحة. خطر ببالها فكرة خبيثة وقررت أن تنفذها. رسمت على ملامحها الجدية. انتفضت بقوة لتبتعد عنه وهي تقول بغضب:
"وااااااه، اصحي يا دكتووووور."
مثل الانتفاض وفتح عينيه سريعاً. لم تعطه الفرصة للتحدث وقالت بجدية زائفة:
"بتتحرش بيا وأني نايمة. لجل ما نزلت دمعتين بالليل، ينفع أكده يا دكتور يا محترم."
رغم ملامحها الجادة، إلا أن عينيها التي تلمع بشقاوة أوحت بضحكاتها التي تكتمها بصعوبة.
والمتحرش قرر أن يستغل الموقف ويقلب عليها الطاولة.
في لحظة، كان يدفعها لتتمدد فوق الفراش ويقفز ليكون فوقها.
صرخت بهلع حقيقي. وقبل أن تسأله ماذا يفعل، قال هو:
"إني عمري ما كنت متحروش يا بت العبايدة."
برقت عيناها برعب حينما أكمل:
"أنا هغتصب طواليا."
عقب قوله، دغدغها، فاطلقت ضحكات صاخبة.
"رغد بصعوبة: خلاااص، حقك علي."
استمر فيما يفعله وهو يقول:
"مفكرة حالك هتلعبي مع مين يا بت؟ داني لعيب قديم."
ظلت تترجاه من بين ضحكاتها أن يكف عما يفعله.
انصاع لها بعد أن أطرب قلبه بصوتها الفرح.
تطلع لها وقال بهدوء ينافي ما بداخله:
"توه الشمس طلعت بعد الضحكة الزينة دي."
نظرت له بخجل ثم قالت:
"ربنا يحلي أيامك يا دكتور."
وقبل أن يرد عليها، سمع طرقاً شديداً فوق الباب.
رد بعنف:
"ميييبنع."
"عائشة بغيظ: الساعة داخلة على عشرة يا عثمان. من مته وأنت بتنام لدلوقت."
قبل أن يرد عليها، أطلقت تلك الماكرة ضحكة رنانة جعلته يصدم، ثم قالت:
"شوي ونازلين يا عيشة. معلش انعسنا وش الصبح."
صرخت من بالخارج كمداً وتحركت سريعاً كي لا تهجم عليهم وتقتلهم.
أما هو، فنظر لها بغيظ وقال:
"كنك مش هينة يا بت العبايدة. عم تكيدي فيها صوح."
هزت كتفها بدلال لم تقصده ثم قالت:
"هي اللي بدأت، وأني مقدرش أسكت على حاجة."
تطلع لها بضع لحظات ثم وجد حاله يسألها باهتمام:
"ليه أني يا رغد؟"
نظرت له بعدم فهم، فاكمل:
"ليه أني دوناً عن باقي الخلق، كيف ما قلتيلي بالليل؟"
اهتزت حدقتاها ثم تملكها الغباء حينما قالت سريعاً كي تهرب من الإجابة:
"لأنك كيف خوي يونس عندي بالظبط."
هل يلطمها؟ هل يقطع ذلك اللسان بأسنانه كي يرتاح من حروفها الغليظة؟
عض شفته بغيظ ثم قال:
"كيف خيك...". ضغط على الكلمة الأخيرة. "بالظبط."
هزت رأسها علامة الموافقة، فاكمل بوقاحة:
"بتأكدي على الكلمة وأني نايم فوق جفيك. طب كتي اختاري وضع تاني لجل ما أصدق."
"رغد بغضب خجل: اااااه يا قليل الحيا." دفعته وهي تكمل:
"جُوم، جُوم بلاها مسخرة."
لن يصمت. لن يستطيع حقاً. أمسك بيدها الاثنتين ثم رفعهم فوق رأسها ومال عليها مقتنصاً ثغرها الذي حقاً يصيبه بالجنون. ليس لجماله فقط، بل غيظاً مما يتفوه به.
فصلها بعد فترة حينما شعر أنه سيفقد التحكم في حاله. إذا ظل هكذا دقيقة أخيرة لن يتركها إلا إذا جعلها ملكاً له حقاً.
ابتعد سريعاً وهو يقول بغيظ كي يداري على هباجه الواضح:
"قال أخوكي جال... جال جبر. اتجه إلى المرحاض وهو يكمل: جبر يلم النسوان كلياتها."
صفع الباب بقوة ثم أكمل بهمس:
"إلا هي."
"أما هي، رغم حالها الذي لا يقل عما يشعر به، إلا أن لسانها لن يصمت."
ردت عليه بغيظ:
"حتى لو مت، عفريتي هيطلعلك."
"صرخ بها من الداخل بغضب حقيقي: بعيد الشر، اكتمي خاشمك يا بجرة انتي."
ابتسمت بفرحة ملأت أركان قلبها ثم ردت مازحة:
"برضك... أحلى بجرة."
داخل فيلا رائعة الجمال، كانت تلك الفاجرة ممددة على الفراش عارية تماماً، لا يسترها إلا شرشف خفيف للغاية.
استيقظت على رنين هاتفها. سحبته لترى من المتصل. زفرت بحنق ثم مثلت السعادة وهي ترد قائلة بميوعة:
"صباح الفل على أحلى حتومي."
ابتسم الآخر بفرحة ثم قال:
"والله ما في أحلى منك يا سوسو. لسه نايمة؟"
اعتدلت ثم سحبت علبة السجائر وأشعلت واحدة ثم قالت بمغزى:
"آه... جسمي مكسر مش قادرة أقوم."
ضحك الآخر بافتخار بعد أن أوحت له من بين حروفها أنه كان أسداً معها أثناء ليلتهم الماجنة.
"حاتم: ليه هو أنا كنت جامد أوي كده؟"
قلبت عينيها بملل وقالت كذباً:
"بقولك جسمي مكسر يبقى إيه... المهم، هشوفك النهاردة بالليل عشان تحضر معايا اجتماع المستثمرين الأجانب."
"حاتم: تمام مفيش مشكلة. بقولك انتي هتعملي إيه مع جوزك؟"
ردت عليه بجحود:
"هطلب الطلاق. خلاص أنا زهقت منه. عمالة أتعب وأكبر في شغله وفي الآخر مفيش تقدير ولا بيثق فيا. ده غير إنه عمري ما حسيتني إني ست ومعايا راجل أصلاً."
"حاتم: يمكن مراته مؤثرة عليه وكمان أخواته زي ما انتي حكتيلي."
"سحر بكذب: مراته متعرفش بجوازنا. خايف على مشاعرها قال عشان مش بتخلف. إنما أخواته عارفين وبرضه خايفين إني أخلف منه وأجيب له الوريث اللي يحرمهم من العز اللي عايشين فيه."
"حاتم: طب مانتي كده بتظلمي نفسك. انتي ست وليكي حقوق."
"سحر: عشان كده أول ما المشروع ده يخلص هطلق منه."
"حاتم بجدية: انتي دماغك حلوة وعجباني. وأساساً خيوط المشروع كله في إيدك. ما تنطريه وأبقى أنا وانتي بس واحنا أولى بالمكسب."
قد وصلت لمبتغاها، ولكنها أبداً لن تظهر ذلك. مثلت الحيرة ثم قالت:
"طب مش حرام... برضه هو حاطط مبلغ مش صغير."
"حاتم: الحرام هو إنه يكسب عالجاهز وأنتي السبب في كل ده. أنا مستعد أشيل المشروع كله ولكي ٢٥٪ من نسبة الأرباح. يعني الربع مقابل مجهودك. إيه رأيك؟"
حينما تملأ السعادة قلبك تظهر جلية على ملامحك. وهذا ما حدث مع ابنة العبايدة. فقد تطلعت لها الحاجة عفت. وحينما وجدت وجهها مشرقاً، فرحت كثيراً وذكرت اسم الله بداخلها.
جلست بجانبها ثم مالت عليها هامسة بمغزى:
"عيني باردة عليكي يا بتي. وشك منور النهاردة. هو الدكتور شاطر أكده؟"
نظرت لها بوجه أحمر خجلاً ثم قالت بتلجلج:
"ا... قصدك إيه يا حاجة؟"
ضحكت عفت بمكر وقالت:
"قصدة على حرج بطنك يا ضنايا. ولدي الدكتور شاطر وخليه يطيب بسرعة أها."
سحرت للأمام تتذكر ما حدث ثم قالت دون شعور:
"الدكتور الشاطر يطيب الجرح اللي جوايا الأول، إنما الظاهر سهل يا حاجة."
لم تسألها عن معنى تلك الكلمات. بل صمتت تحت ذراعها بحنو ثم قالت بهمس:
"هيطيب، وما هيقعدش ليه أثر يا بتي. وبكرة تجولي أم الدكتور قال."
بمجرد أن وصل مكتبه الخاص داخل المستشفى. أبلغ الممرضة ألا تدخل عليه أحد إلا أن يبلغها. ظل يجري عدة اتصالات كل مفادها الوصول لمن يساعده في حل لغز أخيه.
يعلم أن مفتاح اللغز في يد تلك الرغد. ولكن، لن يضغط عليها الآن. سيتركها تخرج ما بداخلها تباعاً. كلما بثها الأمان، ستثق به أكثر وستخبره. وإلى أن يأتي هذا الوقت، قرر أن يسير في طرق أخرى ربما يصل من خلال إحداها.
خرج أحد الأسماء المسجلة على هاتفه. وبمجرد أن جاءه الرد قال بجدية:
"السلام عليكم."
"الرجل: باشا البلد، دكتور عثمان بنفسه بيتصل بيا."
"عثمان: مستغناش عنيك. رايد منك خدمة."
"الرجل: أؤمر أمر يا باشا."
"عثمان: الخط اللي باسم أخوي الله يرحمه. رايدك تجبلي كل الأرقام اللي كلمها قبل موته بشهرين تلاتة عالأجل. والأهم تسجيل المكالمات دي. تقدر؟"
"الرجل وهو يعمل في إحدى شركات الاتصالات: صعب أوي حكاية التسجيل دي يا باشا."
"عثمان بجدية: مفيش حاجة هتصعب عليك إني خابر. شوف حبايبك اللي هتثق فيهم يساعدوك، وأني سداد من جنيه لمليون."
"الرجل: خيرك سابق يا دكتور. بس الحكاية دي هتاخد وقت كبير ده لو قدرنا نعملها."
"عثمان: براحتك. خد الوقت اللي يلزمك. بس المهم يكون فيه نتيجة وتجيبلي اللي جلتلك عليه."
"الرجل: هعمل كل اللي أقدر عليه وفي أسرع وقت متقلقش."
أغلق معه الهاتف ثم ألقاه فوق المكتب وقال بهمس:
"ليه أكده يا ولد أبوي؟ لا كنت مريحني وأنت عايش، ولا عرفت أدوق طعم الراحة بعد موتك. إيه يستاهل إنك تموت كافر بس؟ كيف هانت عليك روحك وأمك اللي عم بتحاول تبان شديدة. حزنك عليك هد حيلها. الله يرحمك ويغفر لك. الله يرحمك يا أخوي."
مر شهر على آخر الأحداث. لم يكن به أي جديد إلا تقارب الطبيب ورغد بطريقة لفتت انتباه الجميع. اعتقد أنه قد كسب قلبها قبل أن ينال ثقتها، وهذا ما كانت تؤكده نظراتها الولهة به. هو لم يشعر بقلبه الذي سلب منه، فقد كان بفقد الحياة حينما يبتعد عنها. ولا ترد له روحه إلا بوجودها أمامه، أو... داخل أحضانه التي منذ أن غفت داخلها تلك الليلة وهو يرفض أن تخرج منها مرة أخرى.
كثيراً تمنى أن يتم زواجه بها. سيحاول نسيان لمس آخر لها رغم الغيرة التي كانت تنهش صدره. ولكن، تمهل. تمسك بالصبر كي يكسبها أولاً. ومن بعدها، فليعينها الله على ما سيفعله بها.
جلست تشكو لأختها رفضه لحضورها حفل زفاف ابن أخيها. غير معاملته التي لا تفهمها وقد بدا عصبياً للغاية آخر فترة بينهما.
"شادية بتعقل: إني هقول لأبوي يتحدث وياه. متقلقيش. وأكيد هيستحي مني."
"رغد بغيظ: مين اللي يستحي؟ ده حاله بقى مخبل على الآخر. إني احتترت واحتار دليلي وياه."
"شادية باهتمام: ليه يا حزينة؟ مش جُلتِ من يوم اللي حصل وهو اتغير وبقى يعاملك زين؟"
زفرت بحنق ثم قالت:
"جُلت، بس برضه جُلت إني احتترت وياه. نبقى زينين وضاحكين، وفجأة يتحول ويبجي هاين عليه أطبج في زمارة رقبته."
"شادية: أكيد بتعملي حاجة. هو إني مذ خابرة عندك."
"رغد: جسماً بالله أبداً. من يوميتها وأني بطلت أعند. بس هو يلا جيني لابسة عباية فاتحة يزعج ولازم أغيرها. لو ل جاني ضحكت مع حد تحت يحرج دمي جدامهم. لو بص لي وما سكتش. كله كوم ولما يكيدني بعيشة دي كوم تاني. يبجي هاين علي أحش رقبته."
ضحكت شادية بصخب ثم قالت:
"الغيرة واعر يا بت أبوي."
انتفضت من مجلسها وقالت بعناد:
"بلا غيرة بلا هباب. بلاه حديثك الماسخ ده. كل ما أحكيلك حاجة تجولي أكده."
وقفت قبالتها وقالت بحسم:
"اسمعي يا بت. بكفياكي لحد أكده. أنتي راداه وهو رادك. إيه اللي يخليكم تعذبوا حالكم. جربي منه يا بت أبوي. ديه راجلك وحلالك."
"رغد بغيظ يملؤه الكبرياء: لو قطعتيني جطيع عمري ما أجرب منه. خليه حد الست عيشة يكش يشبع بيها."
"شادية: يا بت اسمعي الكلام. متضيعيش جوزك من يدك. البعد بيولد الجفاء. ولما تجربوا من بعضيكم اللي جواكم هيزيد مش هيجل."
"رغد بعناد: برضه لاه. ما هرميش حالي عليه إني. هو الراجل وهو اللي يجرب ويحايل في كماني. ووقتها أفكر أءا كنت هجيبه ولا لاه."
نظرت لها شادية بغضب ثم قالت بإصرار:
"طب جسماً بربي يا بت العبايدة لأكون مربياكم انتو الاتنين."
كادت أن تسألها إلا أنها أكملت بصراخ:
"تُقْفلي خاشمك. مريداشي أسمع منك حاجة. إني هعرف كيف أوقف شغل العيال دي."
أعقبت قولها بالنحرك سريعاً تجاه باب الغرفة دون أن تلتفت لتوسلات أختها بالبقاء. صفع الباب خلفها بقوة.
لطمت رغد خديها ثم قالت برعب تملك منها:
"يا مرك يا رغد. يا حزنك يا بت العبايدة."
"شادية: ركبها العرج الصعيدي وهتهد الدنيا فوق نفوخ الكل."
دارت حول نفسها وهي تكمل بوجل:
"استرها معايا يا رب. أعمل إيه. يا حزني."
أما الأخرى، فهبطت سريعاً ثم وقفت بملامح متجهمة أمام الجميع. ثم وجهت له الحديث بجدية:
"رايدك في كلمتين لحالنا يا دكتور."
"عفت بوجل: خير يا بتي. شكلك زعلان. طمنيني."
"عائشة بغيظ: تلاقيها رايدة تحايله لجل ما يرضى عن أختها وتحضر الفرح."
"عثمان بغضب: عييييشه. بكفياكي عاد زودتيها."
نظر إلى الأخرى وقال:
"اتفضلي معايا يا أم محمد. وبس."
تحرك معها تجاه غرفة المكتب ولحقت به وكلها إصرار على إنهاء تلك المهزلة كما وصفتها.
أغلق الباب خلفهم ثم قال:
"اتفضلي اجعدي. خير."
"شادية بغضب: ...... ماذا سيحدث يا ترى."
"سنرى."
"انتظرونني."
"بقلمي / فريدة الحلواني."
رواية دكتور نسا الفصل الثامن 8 - بقلم فريدة الحلواني
قومي يا بت.
حطي راسك تحت الحنفيه عشان تفوقي من الكآبه، التعب، الزهق، اليأس، الانتظار.
بدال ما أنا أفوقك بقلمين.
إنتي أقوى من كده، اللي تتحمل كل اللي مريتي بيه ولسه واقفة على رجليها يبقى قوية، وأوي كمان.
هتكملي وهتوصلي، أنا واثقة فيكي وبحبك.
إذا فتحت الباب للوحش، أنصحك لا تقف أمامه.
جلس معها ينتظر حديثها الذي من الواضح أنه لن يعجبه.
أما هي فقد حسمت أمرها، لن تسمح لتلك العنيدة أن تضيع شبابها هباءً، ولا لهذا المتكبر أن يجعل غروره يظلم صغيرها.
شاديه: ليه مراضيش تبعت رغد لبيت أبوها؟
هز رأسه بغيظ وقال: لحجت تشتكيلك... بس أنا مستغرب ليه ما كل حاجة بتجولها ليكي أول بأول.
شاديه: رغد مش خيتي وبس، لااااه... دي بتي اللي ربيتها من وهي عندي سنتين، علمتها ووعيتها لجل ما تبقى زينة الصبايا، مالهاش صاحب غير... وأظن ده شيء ما يزعلكش يا دكتور، ولا إيه؟
عثمان: أنتم أحرار ويا بعضيكم، بس أنا ما أحبش اللي بيني وبين مرتي حد تاني يعرفه.
ألقت عليه القنبلة دون أن تهتم لرده فعله حينما قالت بمغزى: وهي مرتك صوح يا دكتور؟
انتفض من مجلسه بغضب جم ثم قال: هي جالتلك؟
شاديه: أيوه... وأنت طاوعتها... لاااه، ده أنت كمان ما صدقت وكبرت دماغك منها... هتحاسبها على شيء مالهاش يد فيه، وأنا ما هسكتش أكتر من أكده... خيتي لسه صغيرة، حرام تعيش حياتها عاذبة والاسم على ذمة راجل.
صرخ بها بجنون: أعجلي حديثك يا مخبلة انتي.
شاديه بقوة: أنا خابرة زين اللي هقوله... لو أنت ماريدش خيتي ألف مين يتمناها.
وقف أمامها يغلي كالمرجل وهي تحادثه دون خوف.
شعر أنه يريد قتل أحدهم.
قصت لأختها كل شيء... هل تريد الابتعاد؟ بل قررت تركه.
نظر لها بشك ثم قال باستهزاء يغلفه الغضب: حداكي عريس ولا إيه؟
شاديه بخبث: ولد عمها موجود وهيتمناها.
نظرت له بقوة ثم أكملت: إيه قولك يا دكتور؟
رد عليها بغضب جم: ولد عمك خابر اللي بيناتنا.
ابتسمت شادية بداخلها حينما شعرت بغيرته التي ستحرق الجميع ثم قالت: لاااه... مش لازم الكل يعرف بالحديث ده... هو من زمان رايدها... لولا اللي حصل كان زمانه مخلف...
آخررررسي... اجفلي خاااشمك وإياااك تكملي حديثك الماسخ دي يا واكله ناسك انتي.
رغد مرت الدكتور عثماااان... خااابرة ولا لاااه.
و فقط.
انطلق بجنون إلى خارج المكتب ومنه إلى الأعلى.
سيقتلها... سينتقم منها... أبعد أن عشقها تريد تركه... تفكر بغيره؟
نظرت تجاه الباب وكتمت ضحكاتها بصعوبة ثم قالت: كنتي طيبة يا خيتي والله... يلاه تستاهلي عشان كبرك اللي مضيعك دي.
انتفضت بزعر حينما دخل عليها كالثور الهائج مغلقاً الباب خلفه بقوة.
نظر لها بشر.
خلع عنه جلبابه... أخذ يتقدم منها كالنمر الذي سينقض على فريسته وهو يقول بتمهل قتلها رعباً: اشتاقيتي للرجالة يا رغد؟
هزت رأسها بهستيريا وهي تقول: لاااه... أنا مليش صالح... أنا مجلتش حاجة.
في لحظة كان يمسك بذراعها بغل... شق عباءتها بهمجية ثم قال بجنون: خبرتي خيتك إني مجربتش منكِ... جالبة الدنيا وهتشتكي لجل ما تروحي فرح ولد أخوكِ... ياخداه حجة صوح... لجل ما تشوفي ولد عمك اللي رايدك... صوووح.
صرخت بغضب دون أن تهتم بوضعها: جطع لسان اللي يجول عليا أكده... أنا رغد العبايدة ترباية الشيخ عبد الحكيم... لا عشت ولا كنت يوم ما أكون على ذمة راجل وأفكر في غيره.
أكملت بقهر دون أن تعي ما تقول ولا بما سيفهمه: أنا عشت بموت في اللحظة ألف مرة لجل ما أعملش أكده... وكان هبقى حجي... بس أنا واحدة بتخاف ربها... حتى لو كان جواتي شي... ما اسمحش واصل إني أطلعه حتى بيني وبين نفسي.
قبل أن يسأل على معنى حديثها والذي بالطبع وصله بطريقة خاطئة كانت هي تكمل بحزن: طلقني يا دكتور.
الآن... حقاً... لا يرى أمامه... غمامة سوداء غطت عيناه الغاضبة... لف ذراعه حول خصرها ثم جذبها بقوة حتى التصقت به وقال: مش لما أتجوزك الأول بعديها أطلقك.
ارتعشت بين يديه وقالت برعب تملك منها: لاااه يا عثمان... بلاش... مريداش أكرهك انت بالذات... أحب على يدك.
أمسك رأسها من الخلف... نظر لها بعيون يتطاير منها شرار الغيرة وقال: أنا رايدك تكرهيني... جال كتي حبيتي يا بت العبايدة.
وهو فقط... أطبق على فمها بعنف... حاولت دفعه ولكن كان متحكماً بها بقوة.
بدت قبلته همجية... تحرك تجاه الفراش ثم ارتمى بها فوقه... لم يهتم بدموعها التي ذاق ملوحتها.
وكلما دفعته... كلما تشبث بها أكثر إلى أن فصل قبلته وقال بجنون وهو يقيد يديها الاثنتان بيده ويرفعها فوق رأسها: أنا ما هسيبكش غير وإنتي مرتي الليلة... خليها بالرضي لجل ما تتوجعيش.
نظرت له بقهر وقالت: بس أنت وجعتني خلاص يا عثمان... متكملش على أحب على يدك.
صمتت نظراته قليلاً... وجد حاله يقترب منها ويقول بهمس حاني منافٍ لغليانه: أول مرة تنطقي اسمي... أنا وجعتك يا رغد... وأنا اللي هداويكي... لجل بس اسمي اللي طالع كيه الشهد من خاشمك.
حينما وجدها تنظر له بتيه استغل الفرصة ومال عليها ملتقطاً شفتيها بقوة حانية... كان جامحاً... مشتاقاً... متلهفاً للمزيد.
والمزيد قد أتى حينما تخلص من ثيابه وخاصتها... لمعت عيناه بوهج العشق الذي يختبره لأول مرة.
رغم حيرته لجهلها التام... وكأنها لم يمسسها أحد من قبل إلا أنه أرجعها لخجلها.
ما بال أشعر وكأني فوق سحابة قطنية... لما أشفق عليها من ملمس جسدي الخشن.
هل حقاً أنا معها... هل ذابت معه... بل ثملت بعد أن غرقنا سوياً في نهر من خمر حلال.
يا ويلك يابن السوهاجي... ستأكلها... رفقاً بها... ولكن أين يجد الرفق وكل خلية في جسده تطالب به.
لحظة إدراك... هل ما أشعر به حقاً هو دماء عذرية... أم أن شهدها هو ما أغرقني.
أسرع في ولوجها كي ينتهي سريعاً حتى يتأكد من شعوره القوي الذي كذبه عقله.
وبعد فترة... ابتعد عنها ثم نظر أسفلها... وجد بقعة من الدماء.
جن جنونه... أما هي... أغمضت عيناها بقوة... سالت دموعها بقهر... ورعب مما هي مقدمة عليها.
أخذ ينظر إليها تارة وإلى الفراش تارة أخرى... وكلما أراد التحدث وجد لسانه منعقداً كأنه قد شل.
ما جعله يستفيق قليلاً حينما وجدها تحاول سحب الغطاء كي تستر جسدها العاري أمامه.
سحبه بغل حتى ظنت أنه يرفض ما تفعله... إلا أنها تفاجأت به يسحبها كي تجلس... ثم لفه حول جسدها كما تريد هي... وأيضاً كي لا يغويه جسدها فيلقي بكل شيء عرض الحائط ويأخذها مراراً وتكراراً.
التقط شورتة القصير ثم ارتدى بعجالة... جلس أمامها وقال من بين أسنانه: فهميني.
لم تقو على النظر إليه... ولا التفوه بحرف.
أكمل بغضب: انطقي... إنتي لسه بت ولا أنا اتغابيت عليكي وجرحتك... يعلم أن الاختيار الثاني خاطيء ولكن قالها بمغزى.
لم يتلق رداً أيضاً فأكمل وهو يمد يده كي يزيح عنها الغطاء ويقول: اتمددي لجل ما أكشف عليكي... أكيد اتعورتي.
هنا تشبثت جيداً بالملائة وقالت بخوف: لاااااااه... أنا بت.
قد وصل مبتغاه... نظر لها بجنون وقال: كيف ديه... بجالك سنتين متجوزة ولسه بت بنوت... طب ورحيم... ولد مين ولا جبتيه من وين... انطقي.
انتفضت من صرخته الغاضبة... ولكنها حقاً لا تعلم من أين تبدأ ولا ماذا ستبرر موقفها الصعب.
تمالك حاله بصعوبة... بعد أن ألمه قلبه على انهيارها وخوفها... سحبها بتمهل كي يجلسها فوق ساقه وحينما خافت قال لها: متخافيش مني... أنا هتحدث وراكي بالعجل.
صدقته... ولما لا... فهو لم يكذب عليها قط.
جلست فوق ساقيه بخجل تملك منها.
بدأ الهدوء يتملك منها حينما وجدته يملس فوق خصلاتها بحنان ويقول: عارفة أنا ماسك حالي كيف... خابرة إيه اللي جواتي دلوقت.
مهما أوصف لك مهلاجيش حاجة توصف اللي حاسس بيه يا بت العبايدة... من يوم ما دخلتي حياتي... وإنتي جننتني... أنا دلوك... أفرح إن مرتي لسه صبية... ولا أتجن لجل ما أعرف كيف ديه.
ألف سؤال هيدور جواتي... ريحيني... متسبش شيطاني يصور لي حاجات تطير فيها رجلي.
تطلعت عليه برعب من بين دموعها ثم قالت: دم تاني... بعد كل اللي اتحملته لجل ما يوقف بحر الدم... رايد تفتحه تاني ويضيع كل اللي عملته... حرام عليك... حراااام.
ضمها بقوة وقال: لاااه مقصديش أكده... أنا رايد أفهم... ريحيني يا بت الناس... لو كنتي مخلفيش... يبقى الولد ولد مين... يكونش خوي ملوش في الحريم واتبنيتوه.
ابتعدت عنه سريعاً ثم قالت: لاااه... يمين يحاسبني عليه ربنا... رحيم ولد أخوك من صلبه وأنا شاهدة على أكده.
عثمان: طب كيف احكيلي... مين أمه... وإنتي كيف توافقي إنه ينكتب باسمك... وليه ترضي.
رغد بقهر وبكاء: كان متجوز... كان عايش وياها في شقته اللي بمصر... ولما أخدني أعيش وياه...
شهقت بقوة وأكملت: كان لجل ما أكون خدامة ليها وهي حاملة.
ولما اعترضت... هددني بقتل أخوي... عذبني هو وهي... بهدلني... لو اعترضت على شيء كان يضربني.
جنون... غضب... فوران في جميع خلاياه... هذا ما كان يشعر به... يقسم بداخله إذا كان أخيه ما زال حياً لقتله بيده دون ذرة ندم.
مسح وجهها بحنو عكس فورانه ثم قال: بكفياكي بكي... طب ليه مجولتيش ليا أو لأمي اللي بتحبك كيه نرجس... عمرنا ما كنا هنرضى بالظلم أبداً.
رغد: خوفت... وهو كماني ما كانش بيجيبني هنا كتير... ولو جينا يومين كان بيجي عامل كيه ضلي لجل ما يراقبني وما يقولش لحد.
عثمان: طب ليه كتب الواد باسمك... وينها أمه الحقيقية... وليه مكنتش معاكم في الشقة... نظر لها بقوة ثم أكمل: هي دي اللي عشقها وهملته صوح.
هزت رأسها علامة الموافقة فأكمل: مين هي... جوليلي.
هزت رأسها مرة أخرى ولكن علامة الرفض ثم قالت: ما أقدرش.
عثمان بغضب: مش برضاكي... غصب عنيكي هتجولي مين.
رغد بتوسل: ما أقدرش.
صرخ بها بغيرة عمياء: أوعاكي تنطقي اسمه على لسانك... ساااامعة.
حينما رأى انهيارها الوشيك مرة أخرى... ألمه قلبه عليها كثيراً... ضمها بحنو وقال: خلاص... بكفياكي بكي عاد... أقولك... بكفاية حديث دلوقتي... الصباح رباح.
ابتعدت قليلاً ثم نظرت له برجاء وقالت: عثمان.
وعثمان يشعر باسمه الذي يخرج من بين شفتيها الورديتين وكأنه أجمل ما قيل عن الحب.
وجد حاله يرد بتيه: جلب و عجل اللي طار من جمالك يا بت العبايدة.
برقت عيناها بزهول... قلبها أصبح مثل المضخة التي تضرب صدرها كي يخرج منه... لم تقو على سؤاله لتتأكد مما سمعته... هل هو حقيقة... أم نسج من خيالها كما اعتادت.
أما هو... لم يقو على الاعتراف وعض لسانه عقاباً على انفلاته دون إرادة.
هرب سريعاً حينما قال: رايدة تجولي إيه.
ضمت شفتيها بغيظ ثم قالت: رايدة أقولك... وحياة أغلى ما عندك... ما تجبرني أعمل حاجة أكتر ما قلت... دي أمانة ميت وأنا لو على رقبتي ما هاخون الأمانة.
حينما تتملك منه الغيرة يصبح أغبى إنسان على وجه الأرض... نظر لها بغضب ثم قال: لدرجادي... فارج عندك... بعد كل اللي عمله فيكي ومعاكي لسه بت فكري فيه وباجية على عهده... أمسكها من ذراعيها بعنف وأكمل: كنتي عشقاه يا بت العبايدة.
ظلت تحرك رأسها يميناً ويساراً بهستيريا علامة الرفض... وكأنها تنفي عنها اتهاماً شنيعاً ثم قالت: لااااه... عمري ما عشقته جسماً بالله... وإنت خابر سبب جوازنا وبعديها اللي عمله فيا يخليني أكره حد في الدنيا كده... كنت خايفة أقول أكده من الأول لجل ما هو أخوك... لكن كل الحكاية عهد وأمانة حملني إياها... ولو كنت تعرفني زين يا دكتور... كنت هتعرف إن ما يمكن أخون الأمانة.
فكر بحكمة كعادته وهو ينظر لها... يكفي ما عاشته الليلة... لم يضغط عليها... بل سيتركها لترتاح قليلاً... وسيعرف ما هو السر.
أراد أن يخفف من حدة الموقف... مسح على وجنتها بحنان ثم قال بنظرات تملاها المزاح العاشق: لااااه... جولي عثمان... حبيتها منكِ.
دون إرادة منها ابتسمت بوهن ثم قالت بخجل: لاااه... ما أقدرش... احترامك واجب بردك.
ضحك بخفة ثم قال بوقاحة أصبحت جديدة عليه: واااه وإنتي لما تجولي لجوزك اسمه هيقلل ك احترامك له إيه... إياك... إنتي خجلانة بعد كل اللي حصل بيناتنا من هبابة.
اختبأت منه داخلها كي تداري خجلها وهي تقول: واااه عيب أكده.
ضمها بقوة وأخذ يملس على ظهرها العاري وهو يقول: خلاص بجي... مفيش عيب... وأنا هيبجي عيب في حقي لو هملت مرتي خجلانة مني.
هههههههههه.
ضحك بصخب وفرحة ملأت أرجاء قلبه حينما وجدها توقزه بقبضتها فوق ظهره ثم قال بعشق خالص بعد أن قبل أعلى رأسها بإجلال: ارتاحي يا رغد... نامي وارتاحي الليلة... ووعد مني ليكي... هجيب لك حقك من كل اللي آذوكي وظلموكي... أكمل بداخله: وعد من قلب الدكتور اللي عشقك يا بت العبايدة.
صباحاً... استيقظ على أجمل ما يمكن أن يراه الإنسان يوماً... فقد كانت تفترش صدره وسادة لها... وشعرها الذي يضاهي سواد الليل يغطي ذراعه الملتفة حولها منذ الأمس.
ابتسم بحلاوة نابعة من عشقه الذي زاد بداخله حينما اكتشف عذريتها... وكان هو أول من يفضها... ولكن السؤال... إذا كان قد أخذ عذريتها... الأهم هنا... هل سيكون له الحظ أن ينال عذرية قلبها... أم أنه قد سبقه إليه أحد.
مهلاً أيها الطبيب... ستكتشف كل شيء في وقته... وكما أكرمك الله وجعلك أنت أول من وطأ جنتها... سيتم رحمته بك ويجعلك صاحب أول دقة داخل خافقها... هذه ثقتي بربي.
لم يستطع الانتظار حتى تفيق لحالها... ولم يأخذه بها شفقة ولا رحمة... فقد اشتاقها حد الجحيم... تركها ليلاً رغم تمنيه لها... هذا يكفي... الآن جاء دور قلبه كي يشفق عليه من اشتياقه الجامح له.
بدأ يوزع قبلات رطبة فوق وجهها... ويده تكتشف ما فاته بالأمس... حتى فتحت المليحة عيناها بتمهل.
سرعان ما أفاقت ووعت لما يحدث... حاولت إبعاده ولكن... أمسك كفيها بقوة حانية... لثمهما بعشق ثم نظر لها وقال: احترت فيكي يا بت العبايدة.
نظرت له بعدم فهم فأكمل: شعرك كيه سواد الليل... ووشك كيف البدر اللي بينوره... لما فتحتي عنيكي دلوك... لقيت الشمس تغار منها... جوليلي... إنتي بدر هينور ليلي... ولا شمس جديدة طالعة تجولي حياتك توها بدأت يا دكتور.
تاهت في حلاوة كلماته... لم تسمع وصفاً بهذا الجمال من قبل... فلتهديه نفحة تريح بها قلبه... وهل هذا بإرادتها... لا والله... فالآن القلوب هي من تتحدث لا الألسن.
مدت يدها المرتعشة... وضعتها على لحيته ثم قالت: أوجات البدر هيستحي يطلع... وسواعي الشمس هتداري وسط الغيوم... بس أكمنها دافية لازمن تتحدى كل ده وتطلع للناس... أما البدر... ما يطلعش غير للسهران... هو بس اللي يستاهل يشوف حلاوته... يا دكتور.
بالطبع فهم معنى كلماتها الراقية فسألها باهتمام: إنتي هتجولي شعر يا رغد... حديثك واعر جوي... لازمه دماغ صاحية لحل ما تفهم معانيه.
ابتسمت بخجل ثم قالت: وإنت فهمت.
اقترب منها ليقتف من ثمرتها الشهية ما يشبعه... ثم ابتعد وقال: مش لازمن أفهم... بكفاية إني أحس... يا بت العبايدة.
وهو فقط... لم يمهلها الفرصة للتحدث... ولا للخجل... ولا حتى للرفض.
وبما أنها رجلاً مخضرماً عرف كيف يجعلها تتوه سريعاً معه.
وبما أنها جاهلة بكل ما يحدث لم تستطع الصمود أمامه... إلا من بعض الرفض الواهي الذي تلاشى سريعاً مع فجوره في لمسه.
لا تعلم من أين أتت تلك الأصوات التي بدأت تخرج منها دليلاً على استمتاعها بما يفعله.
وحينما وجدته يقترب من أماكن لم تتخيل أن يمسسها أحد أو حتى يراها... حاولت منعه بصعوبة.
رفع حاله ونظر لها بهياج عاشق ثم قال بصوت متحشرج: إنتي ملكي... خليني أمتعك... وأعلمك... وأعرفك كيف هو عشق الدكتور.
ماذا سيحدث يا ترى...
نرى...
انتظروا.
بقلمي / فريدة الحلواني
رواية دكتور نسا الفصل التاسع 9 - بقلم فريدة الحلواني
صباحك جبر وعوض من الرحمن، هيجبر قلب الطيب وهيِعوضك عن كل حزن عشتيه، انت تستاهلي الفرحة وبس، متقوليش إزاي، قولي بس يا رب وهو هيبهرك بعطائه، أنا واثقة وبحبك.
حينما نعشق، تشرق شمسنا حتى لو كانت السماء ملبدة بالغيوم، دوناً عن غيرنا، نشعر بالدفء يحاوطنا، ولما لا، يكفينا فقط زراع حانية رغم قوتها، تخبئنا من سقيع العالم وثلوجه.
وطبيبنا لم يبخل على تلك النقية التقية بهذا الدفء، غمرها حنان واحتواء، بل ومزاحاً أيضاً اكتشفته فيه، جعل ضحكتها تخرج من القلب لأول مرة منذ أعوام.
شغفها حباً وعشقاً، وجموحاً هو الآخر لم يكن يعلم أنه يمتلكه، وهو معها قلبه من كان يحركه كي يعبر عما بداخله فعلاً، ما دام اللسان ما زال عاجزاً عن القول.
انتهى رغم طمعه في المزيد، وانتهت ولا تقوى على الابتعاد.
كأنهما عاشقان منذ سنين، وقد أشفق القدر عليهما فجمعهما في الحلال، وما أجمل الحلال.
ظل ممدداً فوقها، فقط يتطلع لها بعين ولهة، يده تسير دون شعور فوق وجنتها الناعمة، شفتها تشتاق لخاصتها رغم التهامه لها منذ بضع ثوانٍ، طبيباً أصبح طامعاً، عاشقاً حتى الثمالة.
بصوت متحشرج يملؤه الاحتياج قال: فتحي عينيكي يا رغد، متخليش شمسي تغيب.
ورغد لن تقوى على رفض طلبه، بل هي الأخرى تشتاق لملامح عاشق لن يعترف بالحديث، ولكن ما فعله معها كان أبلغ من أي حروف.
فتحت عيناها بتمهل، تطلعت له، لأول مرة تدقق في ملامحه الوسيمة بإمعان.
تركها، لن يخجلها، بل أهداها أجمل ابتسامة ارتسمت على وجهه يوماً، ثم قال: ما كنتش خابر إنك حلوة جوي أكده، كنتي مخبية ديه كلها فين يا بت العبايد.
ابتسمت بخجل ثم قالت: للي يستاهله.
لمعت عيناه بفرحة عارمة ثم قال: وإني أستاهل يعني.
لم تقو على الرد وعضت لسانها الذي ينطق رغماً عنها: ما يجيش بخاطره.
فهم حالها، تحرك من فوقها ثم استند بظهره على ظهر الفراش، وقبل أن تظن أنه تركها، وجدت نفسها فوق ساقيه محاوطها بذراعيه، تطلع لها بضع لحظات ثم قبلها بهدوء.
فصل قبلته وقال: متلوميش حالك عليا، هيطلع مني، أكتر حاجة عاجباني فيكي إن اللي في قلبك على لسانك، اسمعيني زين يا رغد، جوازنا مكانش بطريقة زينة، كل واحد فينا كان ليه أسبابه، انتي اتجبرتي، وأنا كان ليا تار عندكِ.
لمعت عيناها بالدموع بعدما فهمت حديثه بشكل خاطيء وقالت: يعني اللي حصل بينا كان من ضمن انتقامك يا دكتور.
نظر لها بغضب ثم قال: انتقام إيه يا بجرة انتي، كنك اتخبلتي ولا بتتفرجي على أفلام كتير.
وكزته فوق صدره بقبضتها وقالت بغيظ: متقوليش بجرة، وبعدين ماهو ده معنى حديثك.
عض وجنتها برفق ثم قال: أول هام، أحلى بجرة، تاني هام عشان بجرة فهمتيني غلط، اتعلمي تسمعي للآخر لجل ما تقدري تفهمي وتحكمي صح.
ابتسمت له بهدوء فأكمل: دي كانت البداية، وكل واحد فينا أخده الكبر، ومدهاش فرصة للتاني إنه يفهمه صح.
أنا كان ليا عذري، لكن انتي إيه كان عذرك لما خبيتي عليا، لاه واتحديتيني كمان.
رغد بخجل من تصرفاتها معه: ما انت اللي من أول يوم كنت بتوجعني بحديثك الواعر، وأنا متعودتش أبداً أجبل الإهانة من حد واصل.
رغماً عنها سالت دموعها وهي تكمل: حتى اللي اتعمل فيا، ما كنتش هسكت، ويمكن دي اللي كانت بتخليهم يزيدوا عذابي وضِربي، فكرتك شبه أخوك يا عثمان، أنا كنت لسه صغيرة، ستاشر سنة، خدوني من جنة أبويا اللي كنت عايشة فيها ملكة، لنار ما أتمناها لعدوي.
خوفت، غصب عني خوفت، وجلت يا بت احمي حالك، ومتسمحيش ليه ولا لغيره يدوس على كرامتك، بكفاية لحد كده.
رغم غليانه الداخلي إلا أنه أخذ يمسح على وجهها بحنان ثم قال: عشان لسه متعرفنيش، بس الأكيد سمعتي عني، أو على الأقل لو فكرتي زين كنتي هتلاقي فرج بيناتنا، أقولك، خلاص، وعد مني ليكي عينك ما تشوفي غير الفرح وبس، تحرم عليها دموع الحزن من تاني.
نظر لها بعشق ثم أكمل: مصدقاني.
رغد: أحولك الصراحة.
عثمان: ومش هجبل غيرها.
رغد: قلبي بيقولي، صدقيه، وعقلي بيحاول أوعاكي، ماهو كده ولا كده هيسيبني.
نظرت له بحزن وهي تكمل: مش دي اتفاجأت وياي من الأول، هيهملني.
صرخ بها بغضب لم يستطع التحكم به: أهملك إيه يا مخبلة انتي، أقولك بلاه عقلك اليابس ده، متفكريش بيه واصل.
وضع يده فوق صدرها ثم أكمل بحنو: خلي قلبك بس اللي يدلك، عثمان السوهاجي ما يهملش حاجة ملكه أبداً.
بمنتهى الغباء ردت عليه بغيظ: إيه ملكك دي، مفكرني جفطان.
إياكما الطبيب يرد بمنتهى الوقاحة: أحلى جفطان.
ملس عليها برغبة اشتعلت به وهو يكمل: وطالع على مقاسي بالملي، كأنه متفصل لي مخصوص.
قربها منه أكثر وهو يكمل: تعالي أما أجربه تاني، أصله عاجبني.
والمليحة تضحك بدلال، والباب يطرق ليفسد كل ما خطط له وهم لتنفيذه.
حقاً إذا قتل من بالخارج لن يلومه أحد، ولكن ماذا إذا كانت أمه الغالية؟ والغالية حينما سمعت صرخته وهو يسأل عن هوية الطارق، ابتسمت بخبث ثم قالت بمغزى: حجك علي يا ولدي، معرفش إنك لسه نعسان، خد راحتك يا دكتور، أنا هتصرف ويا اللي تحت.
وتركته وغادرت وبداخلها شعور أن أخيراً ولدها وجد وليفته التي ستجعله يحي ما حُرم منه طيلة حياته.
عائشة بغيره: كيف ده، من ميتة وهو بينعس لدلوقتي، أنا هطلع أصحيه.
عفت بقوة: عيشة، اصطبحي وجولي يا صباح، محدش هيهوب يمك جاعتك لما يكون عندكِ، يبقى بلاها عمايل فارغة ما يجيش من وراها غير الغم.
تحية بغيظ: كلامك صح يا حاجة، لكن برضه عمره ما اتأخر لدلوقتي يا بتي، خليكي حجانية، دي مرته ودي مرته، يبقى يعدل بيناتهم.
تدخلت نرجس في الحديث وقالت بحكمة: يا مرت عمي، عقلي بتك بدل ما تجوميها على جوزها، شغل الضراير ما ينفعش مع أخوكي وأنتي خابرة طبعه زين، سمه وناره رط الحريم، يمكن رايد ينعس أشوي، مجراش حاجة.
في سرايا العبايدة كانت تلك التي أقل وصف توصف به، امرأة بمائة رجل، رغم حنانها وطيب قلبها.
كانت تزرع الغرفة ذهاباً وإياباً بقلق بالغ، وبيدها الهاتف التي كلما همت أن تتصل منه على أختها، تعود وتصبر حالها أن تنتظر قليلاً.
تلفتت عليها انصاف وقالت باستغراب: وااااه مالك يا شادية، واكلة حالك ليه.
أكملت بحقد: تكونش الغندورة عاملة مصيبة كيه عوايدها مع الدكتور.
شادية بغضب: خبر إيه عاد يا بت أبوي، من ميتة الغلبانة دي عملت حاجة، همليها لحالها الله لا يسيأك.
نظرت لها بغيظ ثم قالت وهي تتجه للخارج مرة أخرى وتقول: جال يعني عاتلة همها جوي.
أكملت سراً: جبر يلم العفش.
جزت على أسنانها غيظاً ثم أغلقت الباب وقالت بقلق بالغ: هو إني كنت ناقصاكي انتي كماني، لااه ما أقدرش أتحمل أكتر من كده، أنا هتصل واللي يحصل يحصل.
وبينما كانت رغد تحاول إبعاده عنها بعد ذلك الموقف المحرج بالنسبة لها، تحت رفضه وإصراره أن يفعل ما يريد، وجد هاتفها يصدح.
سب ببذاءة تحت ذهولها ثم قال: دي مؤامرة كونية عليكي يا ابن السوهاجي.
ضحكت بحلاوة وهي تقول بشماتة: دي خيتي وأنا ما أقدرش ما أردش عليها، الله يخليك.
تناول الهاتف الذي ما زال يصدح من جانبه ثم نظر لها بمكر وقال: أنا هطمنها.
لم يعطها الفرصة للفهم إذ فتح الخط سريعاً وبمجرد أن وضعه على أذنه سمعها تقول بقلق بالغ: طمنيني يا بت أبوي، عيملك حاجة، اتغابى عليكي، سامحيني، كان لازم أعمل كده لجل ما تعيشوا انتوا الاتنين، العند والكبر كان هيضيعكم.
قطعت حديثها باستغراب ثم قالت: ما بترديش علي ليه.
عثمان بهدوء: وأنا بقولك انتي عملتي الصح يا أم محمد.
أغمضت عيناها بغيظ من تسرعها ولكنها ردت بقلق ظهر على صوتها جلياً: خيتي، رايدة أطمن عليها.
ضمها إلى صدره وقال بصدق وفرحة استشفّتها بين حروفه: خيتك زينة وفحضن جوزها، أكمل بفخر: زينة البنية، عاشت اليد اللي ربت.
ابتسمت باتساع وقالت بفرحة عارمة: صوح، مبارك يا دكتور، تتهني بيها ويرزقك منها بالخلف الصالح، لو مكنش الناس تقول عليا اتخبلت كنت مليت الدنيا كلها زغاريط، يا فرحة قلبي بيكي يا بتي.
ابتسم عثمان على فرحتها وقال: طمني جلبك، خيتك في عيني، بس أنا عاتب عليكي، كان حقك تفهميني، ضمنتي منين متغبّاش عليا.
ردت بحسم دون مواربة: ما يهونش علي جلبك يا دكتور، اللي أنا خابرة زين إنها جواته، وإلا ما كنت عملت اللي عملته.
عثمان: والله وبتفهمي، يا رب البجرة تفهم هي كمان.
أطلق ضحكات صاخبة حينما رسمت الغضب على ملامحها.
شادية بفرحة: ربنا يهنيكم، دكتور، رغد شافت كتير، واتحملت اللي محدش يقدر عليه، بلاش تجسي عليها، أنا خابرة إن جواك ألف سؤال، ولازم هتوصل للحقيقة كاملها.
اصبر عليها، اديها الأمان اللي عمرها ما عاشت بيه، أوعدها إنك هتصون سرها، هتلاقيها وحدها بتقولك على كل شيء، وتفتح جلبها ليك.
أكملت بمغزى فهمه سريعاً: خيتي جلبها لسه أخضر يا دكتور، ارويه وراعيه لجل ما يطرح كل الحلو اللي في الدنيا، رغد تستاهل تتحب.
رد بهدوء ينافي غليان قلبه: خابر زين، أنا مش صغير يا أم محمد، اطمني، خيتك في عيني وعلى راسي من فوق.
ابتسمت ثم قالت بخبث: مش هطمن غير لما تقولي وفجلبك كمان.
يضحك على خبثها ثم قال: كنك واعرة، ولو مش خابرة كده ومتاكدة منه كنت ولعتي النار، يبوووي، بنات العبايدة طمعة في الكيد كله يا خلق.
ضحكت معه ثم أغلقت لأول مرة دون أن تحادث أختها.
وأختها لم تستطع فك الطلاسم التي كان يتحدث بها واستغرابها من إسهابهم في الحديث بتلك الطريقة الودية لأول مرة.
رغد: هي قفلت من غير ما تحدثني.
عثمان بغيظ: بتفهم.
عض على شفته السفلى وأكمل: شكلها مش مكتوبالنا.
نظرت له بعدم فهم فأكمل بخبث: أقولك.
حملها كي يتحرك بها تجاه المرحاض وهو يكمل بوقاحة: ما هقعدش بحرّتي أنا، تعالي نتسبح سوا ونكمل باقي اللي هموت عليه، وهو يلجي اتنين في واحد.
العشق ينير الوجه، حقاً كانت مشرقة وهي تجلس وسط النساء بعدما غادر طبيب قلبها إلى عمله بعدما أظهر لها جانباً جديداً من شخصيته، وحاول أن يروي ظمأ قلبه قبيل المغادرة.
تطلعت لها عائشة بتفحص ثم قالت: وشك منور يعني انهارده، اللي يشوفه وهو بيزعج ميا خيتك عشية، ولا وهو طالع يفش غله فيكي، يجول الدنيا خربت، خير إن شاء الله، شكله وافق على مراوحك لأهلك، ما انتي ما هتسكتيش بردك.
نظرت لها بهدوء وقالت: اللي هيحصل عشية محدش له صالح بيه، واللي بيني وبين جوزي، ما ينفعش أحكيه.
دي أول هام، تاني هام، سوا وافق أروح ولا صمم على رأيه، بيا من غيري الفرح هيتم، يبقى بلاها مشاكل ونكد ملوش داعي، أكيد عندي سبب، لكن دي.
عفت بفخر: يسلم خشمك يا بتي، عين العقل والله.
تحية بخبث: ما تتحدثي وياه انتي يا حاجة، ده فرح واد أخوها بردك مهما تقولي مش زعلانة أكيد هتشيل جواها.
عفت: أنا ما أدخلش بيناتهم يا تحية، هما أحرار ويا بعضهم، ورغد اسم الله عليها طلعت عاجلة، وهتفكر صح، يبقى ليه نكبر الحكاية من غير داعي.
رغد: بعد إذنك يا حاجة، رايدة أعمل الأكل انهارده.
نرجس بمزاح: واااه دي المزاج عالي انهارده، يبقى هناكل أحلى أكل.
عفت: دي بيتك يا بتي اعملي اللي يلد عليكي.
وقفت تصنع الطعام بحب ملأ أركان قلبها الصغير، غطى على ندوبها، لم تطب بعد، ولكنها في طريقها للتعافي، هي واثقة من ذلك.
وبعد أن التف الجميع حول طاولة الطعام، وقد أشادوا بجماله، شعر بالغيرة تنهش أحشاءه، ليس من حق أحد أن يمدح بها غيره، ولا تلك الابتسامة الحلوة تظهر لغيره.
فجأة تحول إلى طفل صغير يريد أن يأخذ حقه توا، لم يجد غير فكرة خبيثه طرأت بداخله وقام بتنفيذها دون تفكير.
مد يده أسفل الطاولة، ملس على فخذها بفجور.
برقت عيناها ووقف الطعام في حلقها مما جعلها تسعل بشدة.
مثل الخضة وقال بعد أن أمسك بكوب الماء ليعطيها إياه: مالك يا رغد، شرجتي ولا إيه.
نظر بخبث وأكمل: اشربي مي، سلامتك.
تناولت منه الكوب وارتشفته دفعة واحدة، ثم ظلت تتنفس سريعاً إلى أن هدأت وهي تسمع الكلمات المعتادة في تلك المواقف: سلامتك يا بتي، اتشاهدي، و...
جعل ما سخن تصمت تلك العنيدة، سترد له الصاع صاعين، أنت من بدأت، والبادي أظلم.
صبرت حتى انتهى الطعام، وجلسوا يحتسون الشاي معاً، قامت من مجلسها بحجة إحضار بعض الحلوى التي جهزتها خصيصاً له.
بمجرد أن كادت أن تمر أمامه مثلت التعثر.
مما جعله ينتفض زعراناً دون الانتباه للعيون المسلطة عليه.
أمسك يدها ثم قال بخوف وهو يسندها: حاسبي، خلي بالك.
لا تعلم من أين أتت بكل هذا المكر، ولا الجرأة لفعل هذا، فقد التصقت به بطريقة مغوية فهمها سريعاً، وما زاد الأمر سوءاً حينما غمّزت له في الخفاء وعضت شفتها بوقاحة ثم قالت بهدوء: اتعثرت في طرف العباية، معلش، اطمن إنها بخير مجراش حاجة.
تلك الماكرة، كيف تقول إنه لم يحدث شيء، وماذا عن هياجي الذي إذا ما ظهر للعلن سينفضح أمري، تباً لكي، كيف سأتركك تتحركين من أمامي الآن ويظهر للجميع حالتي التي كنتِ السبب فيها.
لا والله لن أتركك تنعمين بانتصار زائف، بل سأشكرك بطريقتي على إعطائي تلك الفرصة الذهبية.
دون أن يرد عليها، قام بحملها أمام الجميع واتجه سريعاً نحو الدرج وهو يقول: تعالي أكشف عليها ليكون تمزق في الأربطة.
أكمل بهمس بعد سماع صرختها: ولو مكنش كده أنا اللي هرمّز حاجات تانية يا بت العبايد.
صرخت عائشة بغل: شايفين اللي بيجري قدامكم، كأنه اتجنن، البت لحست عقله خلاص.
نهرها أبوها قائلاً: كنك انتي اللي اتخبلتي يا قليلة الحياة، هتعيبي في جوزك جدام الكل.
ردت بجنون: يعني عاجبك المسخرة اللي عتحصل قدامكم.
حمزة بحكمة: يا بت أبوي هو ما عملش حاجة غلط، مرته رجليها اتلوت، هيكشف عليها ولا يشوفها قدامنا كيف بس، لو كنتي مكانها كان عيمل كده بردك.
والذي أشعل النار في الأسفل دون اهتمام، دلف بها جناحهم ثم أغلق الباب وألصقها عليه دون أن يفلتها.
قبلها أولاً بهمجية ثم نظر لها بغيظ يملاه الرغبة وقال: بتلاعبيني يا رغد.
ردت عليه بجراءة لا تعرف عواقبها: أنت اللي بدأت لأول، أنا ما عملتش حاجة.
أكلها بعينه وهو يقول بداخلها: لا وقت لمجادلة تلك الحمقاء، سأريها مع من تعبث، ويكون الرد بالفعل وليس بالكلام.
والفعل كان صادماً بالنسبة لها، لم يكن معها رجلاً يعاشر زوجته، بل كان عاشقاً يتفنن في إسعاد معشوقته.
كان يعزف أعذب الألحان فوق جسدها المغوي مما جعلها لا تتحكم في صوتها الذي أطربه حقاً، وزاده استمتاعاً.
بل أيضاً زاده فجوراً في أفعاله معها، هل يستطيع الابتعاد الآن وهاتفه يصدح بالإلحاح؟ لا والله، فليحترق العالم أجمع، لن أتركها قبل أن أريحها أولاً، ثم أحاول الارتواء من نهرها العذب.
انتهت وانتهى، ولكن ما زالت الأجساد متعانقة ترفض الابتعاد دون إرادة منهما، لا يعلمان أن القلوب هي من تتشبث ببعضها البعض لا أجساداً فانية.
صدح الهاتف مرة أخرى فقالت بلهث: رد يا عثمان أكيد حاجة مهمة قدام بيلح كده.
وجد أن حديثها به بعض التعقل، ولكنّه يرفض الابتعاد.
قلب جسده كي يتمدد فوق الفراش وسحبها معه لتكون فوقه، سحب هاتفه كي يرى هوية المتصل وحينما رأى الاسم، برقت عيناه بفرحة ثم فتح الخط سريعاً وقال: .......
ماذا سيحدث يا ترى.
رواية دكتور نسا الفصل العاشر 10 - بقلم فريدة الحلواني
أوعي تضعفي. اسمعي مني. بصي وراكي وشوفي إيه اللي عدى عليكي، وإيه اللي استحملتيه. هتعرفي وقتها قد إيه كنتي قوية، وإنك كنتي أكبر وأقوى من أي موقف. فيه اللي أخد منك، وفيه اللي داس عليكي، وفيه اللي شمت فيكي. بس انتي لسه واقفة. ربك كريم ورحيم، ولو عارف إنك مش قدها ما كانش حملك كل ده. عشان في الآخر يجبرك ويراضيكي، لأنك رضيتي في وقت مكنش الرضا فيه سهل أبدًا. أنا واثقة فيكي.
الدنيا دائمًا بتحطنا في اختبارات قوية، ولكن أصعبها إن نقع في حيرة بين ما يأمرنا به العقل، وما تتمناه قلوبنا. لمن تكون الغلبة؟
لم يمهلها الفرصة لتفهم، بل حركها برفق من فوقه، ثم أكمل محادثته الغامضة وهو يقول:
"اركب أول طيارة طالعة على سوهاج. بلغني ميعاد وصولك وإني هشيع لك عربية تجيبك لحد عندي."
عثمان: لااااه، فاكس له، مهينفعش. أنا هحجز لك وأعاود أحدثك.
فقط، أغلق معه وقام بالاتصال بإحدى شركات الطيران وقام بحجز تذكرة. ولحسن حظه أن أمامها ساعة للاقلاع. قام بإبلاغ الرجل مرة أخرى، ثم أنهى المحادثة.
كاد أن يتحرك من مرقده، إلا أنه لاحظ تغير لون وجهها وهي تقول بوجل وكأن قلبها أنبأها بشيء:
رغد: خير يا عثمان... فيه حاجة؟
نظر لها بغموض، ثم مال عليها ليلثم وجنتها بقبلة غريبة. لم تشعر بها، ثم قال:
"خير... ما وشك اصفر أكده ليه؟ دي مكالمة شغل."
لا تعلم لما لا تصدقه، ولكنها هزت رأسها بهدوء وقالت:
"الله يقويك يا دكتور."
تلاقت الأعين في حديث صامت. هي تترجاه أن يغلق صفحة الماضي، وهو يطالبها بالبوح قبل أن يعرف من غيرها. وما بين هذا وذاك، كانت العقول متشبتة بقناعتها، فلم تستطع القلوب إرضاخها.
وصل مكتبه داخل مشفاه. جلس على جمراً ملتهب إلى أن أتى له الزائر المنتظر.
بمجرد أن دلف عليه المكتب ثم أغلق بابه، قال بلهفة:
"وينها الكشوفات؟"
الرجل بابتسامة حرجة: طب قولي اتفضل يا دكتور، ده الصعايدة أهل الكرم.
لم يهتم بعتابه المتواري، بل قال:
"اجعد وهات الكشف، وبعدها هعرفك كيف هو كرم الصعايدة صح."
التقط منه تلك الأوراق بلهفة. تطلع على عدد لا بأس به من أرقام الهواتف التي قام أخيه الراحل بالتحدث مع أصحابها قبل وفاته بشهرين. وكل رقم كان بجانبه اسم صاحبه. تفحصها جيدًا. منهم من يعرفهم جيدًا، ومنهم لا، ولكن عددهم قليل. لا اسم واحد كان دائم الاتصال به، ولكن مسجل باسمه. هل يحادث حاله؟ لمن كان هذا الرقم؟ لما يسجله أخيه باسمه؟
نظر للرجل بجدية ثم قال:
"وينها التسجيلات؟"
أخرج الرجل من جيبه فلاشة صغيرة، مدها له ثم قال بفخر:
"لما قدرت أحصل على سجل المكالمات، فكرت أوفر عليك الوقت، بدل ما ننتظر فترة عشان نحصل على كل التسجيلات للأرقام دي، عملت فحص للسجل وخرجت كل أرقام العائلة بره. وجبت لك تسجيلات باقي الأرقام. خاصة الرقم اللي متسجل باسم المرحوم. أنا كده اتصرفت صح ولا إيه؟"
ابتسم باتساع ثم قال:
"انت عملت عين العقل، براوه عليك."
أخرج من جيبه دفتر الشيكات الخاص به، ثم دون فوقه رقمًا كبيرًا. قطعه وأعطاه إياه.
برقت عين الرجل بذهول حينما رآه المبلغ المدون، ثم قال:
"بس ده كتير أوي يا دكتور."
عثمان بجدية: ولا كتير ولا حاجة، دي أجرة تعبك أنت وزمايلك. جوم معايا لجل ما تاخد أجرة ضيافتك.
وقف الرجل ثم نظر إلى ساعته وقال:
"اعتبرها وصلت وبزيادة. أنا يا دوب ألحق أرجع المطار. قبل ما أركب الطيارة حجزت تذكرة عودة. يعني قدامي ساعة تقريبًا."
غادر الرجل. وضع تلك الفلاشة داخل جهاز اللاب توب الخاصته بعد أن أمر السكرتيرة ألا يدخل عليه أحد.
أما الأخرى، فكانت تموت رعبًا. حدسها ينبئها بأمر ما ليس جيد. وما أكد هذا الإحساس هو عدم رده عليها كلما حاولت الاتصال به، أغلق الهاتف.
"وينك يا رغد؟ ما نزلتيش ليه بعد ما عثمان مشي؟ كان شكله مضايق. انتوا اتخانجتوا؟"
"لاااه... جالو تليفون شغل وطلع طوال."
"مالك يا خيتي وشك اصفر ليه أكده؟ جوليلي لو فيه حاجة مضايجاكي إني كيف خيتك."
قبل أن ترد عليها، كان يدخل بملامح متجهمة. ثبت نظره عليها وهو يقول لأخته بأمر:
"هملينا وحدنا يا نرجس."
ارتعش جسدها رعبًا بعد مغادرة الأخيرة، والتي قابلت في طريقها عائشة. أوقفتها وقالت بفضول:
"فيه إيه يا نرجس؟ كأنها عاملة مصيبة. أخوك جاي من بره هيطلع نار. حتى مردش على أمك وهي بتنادي عليه."
نرجس: ملناش صالح يا عيشة. روحي شوفي ولدك ولا جالك حاجة تعمليها.
أما بالداخل، فكان الموقف حقًا مرعب. نظراته المشتعلة، صمته المريب، جعلاها تشعر أنه سيقتلها. أما هو، فكان بداخله حرب دروس بين قلبه المتألم من مظهرها، وبين عقله الذي يحثه على الانتقام. ولكن ما ذنبها؟ هي الضحية الوحيدة داخل الحكاية.
أخيرًا قرر التحدث حينما قال بأمر لا يقبل المجادلة:
"احكي."
نظرت له بعدم فهم، فكمل بغضب:
"احكي يا رغد. إني عرفت مين الفاجرة اللي جَتلت خوي. اتحملتي كل ده ليه؟ عشان تداري على بت عمك صح؟"
صرخته الغاضبة، صدمتها بمعرفته الحقيقة، لحظة المواجهة المحتومة. كل هذا جعل دموعها تهطل أنهارًا فجأة دون أن تقوى على الرد.
سحبها من يدها بقوة نحو الأريكة. أجلسها عليها عنوة ثم قال:
"إني سامعك. بلاش تختبري صبري أكتر من كده. سالت كتير وخبيتي علي، واديني عرفت. يبقى ملوش لازمة سكوتك دي."
ردت عليه بوهن:
"عايز تعرف إيه يا دكتور؟"
عثمان: كل حاجة. كيف اتجوزها؟ ولا كان مرافجها؟ صمت للحظة ثم قال بتذكر: هي مش اتجوزت قبلك بشهر تقريبًا، ووجدها قلتم إن العريس من مصر وهيسافر بيها بلاد بره. عشان كده عملته الفرح هنا؟
رغد بقهر: دي حكاية أبويا عملها عشان يداري على عارها لما هربت من الدار. دوروا عليها في كل مكان ملجوش ليها أثر.
عثمان: طب وجهازها اللي طلع من البلد بالطبل البلدي؟ كلها دي كانت تمثيل؟
رغد: قولنا للناس إنها قاعدة عند بت عم أبويا عشان تجهز شقتها هناك. والجهاز اللي طلع قدام الناس اتبرعوا بيه. وبعدها قعدنا يومين في مصر على أساس الفرح وكده وعودنا تاني. أبويا أمر محدش ينطق اسمها أصلًا لحد ما يلاقيها ويغسل عارنا.
عثمان: وإنتي عرفتي كيف إنها مرته؟ فرحك؟ ودم شرفك اللي ضل يتباهى بيه قدامنا كلياتنا. أغمض عينه ثم قال بغيظ: عور حاله صح. احكي يا رغد. إني مش طايق روحي. مش هسحب منك الحديث. اخلصي.
"يوم فرحنا. إني كنت عيلة يا دوب كملت ستاشر سنة، بقى لي يومين. كنت خايفة وخجلانة. بعد ما اتقفل علينا الباب، لقيته بيقولي بالراحة: شكلك خايفة، اهدي ومتخافيش، إني مهجربش منك غير لما نألف على بعض. قعد شوية وبعدين عور يده و..."
أكملت بخجل:
"... ورمى الملاية على أنه شرفي."
قاطعه بغيره قاتلة:
"مجربش منك نهائي. مجاش يمك خالص."
رغد ببكاء:
"ولا حتى لمس الفرشة. ضل طول الليل ماسك التليفون في إيده يكتب فيه لحد ما النهار طلع."
أكمل عنها:
"وتاني يوم قال إنه هيدلي بيكي مصر كأنه شهر عسل. إيه بقى اللي حصل هناك؟"
أغمضت عينيها بقهر ووجع وهي تتذكر ما حدث ذلك اليوم.
***
ظل طوال طريق سفره معها صامتًا، لن يتفوه بحرف، إلى أن وصل أمام بناية شاهقة الارتفاع. صف سيارته أمامها ثم قال بنبرة غريبة:
"وصلنا. انزلي."
بمجرد أن فتح باب شقته الخاصة، دلفا اثنتين ثم أغلق الباب خلفه. تصنمت رغد بصدمة قوية حينما رأت ابنة عمها الهاربة تقف أمامها وعلى وجهها ابتسامة شامته. تاهت حروفها وكلما فتحت فمها كي تتحدث، أغلقته مرة أخرى. أما الأخرى، فأطلقت ضحكة ماجنة وهي تتقدم نحوها وتقول:
"مالك يا كونتيسة؟ اتشلتي؟ مش قادرة تصدقي إني قدامك؟"
رغد ببهوت:
"إني مش فاهمة حاجة. إنتي..."
أخرسها فهد بقوة حينما وكزها في كتفها وهو يقول:
"متحاوليش إنتي. دي ستك وتاج راسك، سامع؟"
رغد بجنون:
"الفاجرة دي تبقى ستي؟ اللي حطت راس... ااااه!"
قطعت حديثها بصراخ حينما لطمها بقوة فوق وجنتها مما جعلها تفقد توازنها وتقع أرضًا. لن يكتف بهذا، بل مال عليها جاذبًا إياها من حجابها مصاحبًا معه شعرها وهو يقول بغل:
"مفكرة حالك هتبقي مرتي صح؟ دم أبويا في إيدك إنتي وعيلتك. اللي قدامك دي مرتي، سامعة؟ هتعدي هنا خدامة ليها. وإياكي تنطقي بحرف. رجالة بوكي ويونس أخوكي هتكون التمن، سامعة؟"
***
كادت تختنق من شدة البكاء وهي تكمل:
"ذلوني، بهدلوني ضرب وحرق. حتى الأكل كان ساعات يحرموني منه. تحملت كل ده عشان عيون أبويا وأخويا، وعشان الدم اللي بينا يوقف لحد كده. بعديها بشهرين طلعت حبلى. دُقت المر معاها. وهي كل يوم تتبلى علي إني رايدة أصحتها. وأخوك يضربني. قلت ده وما كنتش عارفة أوصل لحد من أهلي عشان أخبرهم. كان بيخليني أتحدث من تليفونه خمس دقايق عشان يطمن إني مش هقول شيء ليه. لحد ما ولدت رحيم. هي اللي قالته يكتبه باسمي. قالت أهلك أكيد هيشوفوا شهادة الميلاد. ولدته ورمتهولي عشان أربيه. حتى الرضاعة مهنتش عليها ترضعه. جاب له لبن صناعي."
صمتت قليلاً كي تلتقط أنفاسها، فقال هو بغل وغضب:
"وطبعًا كل الدهب والفلوس اللي كان بيجيبها كانت ليها مش ليك؟"
هزت رأسها بوهن ثم قالت بقهر:
"حتى شبكتي اللي المفروض جابها لي خدها مني وأداها لها. أمسكت ذلك السلسال الملتف حول عنقها وأكملت بقهر: دي خبّيتها عشان ما ياخدوهاش مني. شوية الدهبات اللي عندي دول هدايا من أهلي بعد ما المفروض ولدت. ولحسن حظي نسي ياخدهم وياهم لما عودنا مصر تاني بعد أسبوع المولود. وجت هي ما صدقتك إنك كنت رايدة في شغل. حكيت لشادية، كانت هتجن. بس صبرتني وحلفت ما تجيب لي حقي منهم. بس قالت لي مهينفعش نتحدث. الدم هيبقي بحور. سكت وتحملت. واللي هون علي شوية بعد ما المفروض ولدت، بحي يخليني هنا إني وأنا والواد. قبل ما يموت بحوالي شهرين، خدني معاه بحجة إنها رايدة تشوف ولدها. أتاريها كانت رايدة تذلني شوية قبل ما تهرب مني. في يوم صحيت على صراخه وكان كيه المجنون. بيجي يلف ويدور عليها. ولما ملجاش ليها أثر، ضل يكسر في الشقة. خوفت واتخبيت أنا والواد جوه الأوضة. ومن خوفي ما كنتش مركزة إني دخلت وين. لقيتني جوه أوضتهم. شفت جواب. جريته."
ابتسمت بوهن من بين دموعها ثم أكملت:
"بيقوله دورك انتهى. كان كل اللي يهمني أذل رغد وأطلع من البلد المعفنة دي وأعيش حياتي. أنا خدت كل المجوهرات والفلوس. تمن السنتين اللي قضتهم معاك. متدورشي."
ومن يوميتها بقى يدور عليها في كل مكان، وهي فص ملح وذاب. كان عاشقها صح، وهي كيه الحية استغلت ده عشان توصل لغرضها. دفع حياته تمن لواحدة جاحدة متستاهلش. وإني... بكت بحرقة وهي تكمل: إني إيه؟ معرفش صح إني إيه. جوزتوني كبش فدي للعلتين. وهو اتجوزني عشان يرضي حبيبته. نظرت له بحزن العالم وأكملت: وأنتي اتجوزتني عشان تنتقمي لأخوكي. وأمك راداني عشان يفضل حفيدها وياها. ضربت على صدرها بقوة وهي تكمل بنبرة تقطر قهرًا ووجعًا: وأنا... أنا وين من ده كله؟ كل واحد فيكم عم يقطع من روحي حتة. وينها رغد؟ محدش فكر فيها لحظة. يا خلق إني مكملتش عشرين سنة بس استحملت اللي ميقدرش يشيله حد فالخمسين.
تطلعت له بجنون وهي تكمل بهستيريا:
"هااا. ارتحت يا دكتور؟ عرفت الحقيقة؟ دور عليها بقى وخد تار أخوك منها. افتح بحور الدم من تاني. بس وجتها مفيش رغد اللي هتكون كبش فدي تاني يا دكتور. كده دورك في حياتك انتهى صح؟"
أكملت بإقرار يملأه التمني بالرفض:
"هتسيبني خلاص؟"
هل يوجد وصفًا لحالته الآن؟ لا. قد عجزت حروفي لأول مرة. لن أستطيع رسم شعوره ببضع كلمات. الألم ينهش صدره. سخطًا على أخيه النذل. رغبة في الانتقام. ولكن كل هذا غطى عليه قهره وألم قلبه على تلك الصغيرة التي تحملت ما لا يقوى عليه بشر.
كان هذا ما يدور داخل عقله وهي تقص عليه ما حدث. ولكن حينما قالت كلماتها الأخيرة، عجز عقله أن يفسرها على أنها تسأله. هل سيتركها؟ أخذها على أنها تقول: اتركني.
هنا غاب العقل. اندحر أي شعور داخله إلا غليانه ورفضه فكرة تركها لها.
أمسك ذراعها بقوة وسحبها ناحيته. نظر لها بشر وقال:
"تهمليني؟ كيف؟"
لم تستوعب ما يقوله، ولكنها انتبهت جيدًا حينما أكمل بنبرة خرجت من الجحيم:
"كنتي هتخليني أعشقك عشان تنتقمي مني بدل أخوي؟ بموتك يا بت العبايدة. تمن قلب الدكتور روحك يا رغد. سامعة؟ مهتطلعيش من هنا غير على جبرك. سامعة؟"
ظلت تهز رأسها بجنون. تحولت دموعها الحزينة إلى أخرى فرحة. يعتقد رفضها. حقًا قد جن. عن أي ترك تتحدث وأنا من تذوب فيك عشقًا أيها الطبيب؟ طبيب قلبي الذي أجرى لي جراحة. استأصل الحزن من داخل قلبي العاشق لك. وبما أن اليوم هو موعد اكتشاف الحقائق، وبما أنه اعترف، لن أترك حالي للخجل، ولا للضعف، ولا حتى للخوف. عن أي خوفًا أتحدث وأنا احتمي خلف سد منيع؟ لن يسمح حتى نسمة هواء أن تجرحني.
وبينما هو يضغط على ذراعها بغل ويتطلع لها بجنون بعد أن ظلت تهز رأسها رفضًا لحديثه، والذي فهمها على أنها رفضًا لبقائها. وقبل أن يفكر أن يسهب في تهديده، تخشب جسده حينما قاومت يده المتشبثة في ذراعه. ثم قفزت فوق ساقه لا تعرف كيف، ولا من أين أتتها الجرأة أن تطبق على فمه لتسكته. أو... ترد على حديثه بالفعل لا بالحديث. لأول مرة تشعر أنها حقًا تريده. قبل ذلك كان الخجل والخوف يؤثر عليها أثناء علاقتهم الحميمة. أما الآن، ستطالب هي بها. ستصرخ له بما تخباه داخلها.
لم يفق من صدمة قبلتها التي لم يقو على مبادلتها. فاجأته باعترافها الذي خرج من صميم قلبها. كبت وجهه بيديها. نظرت له بعيون لامعة بدموع العشق. قالت بصوت مبحوح شجي:
"وأنا عشقتك فوق العشق عشجين يا دكتور. من غير ما تحس داويت جلبى الموجوع من غدر الدنيا. رجعتلي روحي اللي كانت مفارجاني. بين دراعاتك لقيت روحي، لقيت رغد اللي كنت أعرفها زمان. لما اطلعت جوه عينيك، لقيتني يا دكتور. لقيت رغد اللي اتسرقت مني. رجعتلي روحي وجلبي. مين يلاقي ده كله وما يعشقك التراب اللي عم تخطي عليه؟"
والطبيب قلبه توقف حقًا. يحتاج إلى جهاز الصدمات كي يعيده إلى العمل. لا يصدق. لن يصدق. نظر لها بتيه ثم فتح فمه ليسألها بعدم تصديق:
"هتقولي إيه؟ إنتي واعية لحديثك ده؟ ولا..."
لا يوجد مكان لـ... ولا... بينهما الآن. لن تتركه لأفكاره. بل ستكون هي بمثابة صدمة كهربائية عنيفة تعيد له رشده. بل تجعله يستوعب ما قالته توا. قربت وجهها من وجهه حتى تلامست الشفاه دون تقبيل. تعمدت أن تتحدث داخل شفتيه المنفرجة. قالت بنبرة تقطر عشقًا وتمني:
"إني بعشقك يا عثمان."
مدت يدها لتمسك بكفه وتضعه فوق خافقها وهي تكمل:
"لو مش مصدق اللي سامعه، شوف قلبي بيدق كيف. وانت دكتور وخابر كيف تعرف اللي جواتي، صح؟"
وهل يجد ما يرد عليها به؟ لا والله. حينما يعجز اللسان عن التعبير بما يعتمل صدورنا، نجد أجسادنا تعبر عما عجزنا أن نوصفه. والطبيب ترك قلبه يحرك جسده كي يكون رده أبلغ من أي حديث. قبله. ساحقة. جموحة. راغبة. بين طياتها اعترافًا بعشق لأول مرة يذوق حلاوته. والأملية لأول مرة تبادله.
لا يعلمان من منهما كان يجرد الآخر من ملابسه، ولم يهتما من منهما يلتهم الآخر. لكن الشعور المتفق عليه الآن هو رغبة ملحة أن يدخل كلاهما الآخر بين ضلوعه. كان درباً من الجنون. تخلت عن خجلها، وخلع هو عباءة غروره ووقاره. شعر أنه طفل صغير لا يشبع من ثدي أمه. وشعرت هي أنها أسفل شمس حارقة ملأتها دفئًا بعد كل هذا الصقيع الذي عاشت فيه.
لن يكتفي منها، ولم تتألم من عنفه غير المقصود، بل كانا يرغبان معًا في المزيد. وحينما تلاقت الأرواح على أعتاب الأجساد المتلاحمة، نطق لسانهما في وقت واحد بناءً على أمر وجب النفاذ من قلبيهما.
"بعشقك."
ماذا سيحدث يا ترى؟
سنرى.
انتظروا.