تحميل رواية «بيت البنات» PDF
بقلم امل صالح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"أنتِ بتأكليه في بُقه؟!!" نطقت بها "جنى" تلك الشابة في منتصف العشرينات بتعجب وعدم تصديق وهي تطالع تلك المتبجحة التي تجلس بجانب خطيبها تقوم بإطعامه داخل فمه أمام أعين الجميع وكأنه زوجها. أجابت تلك الفتاة وهي تنفض يدها بعدما وضعت المعلقة جانبًا تجيبها ببرود: "أيوة يا حبيبتي إحنا متعودين على كدا من زمان، بعدين أنا مش حد غريب دانا بنت خالته يعني!" ها هي تبرر فعلتها التي لا تمت للأدب بصلة بتلك القرابة اللعينة، نظرت "جنى" للطاولة من حولها حيث يجلس كلٌ من خطيبها "عصام" وعلى يسار تلك المتبجحة "روفيدة" ا...
رواية بيت البنات الفصل الحادي عشر 11 - بقلم امل صالح
هنعلم لبسملة جلسة، أغمى عليها وإحنا قاعدين فجأة وتقريبًا بسبب الحساسية اللي عندها، بس دي أول مرة يغمى عليها بالشكل ده.
بلل حلقه وهو يتحدث أخيرًا بعد أن ترك صدمته جانبًا ليترك للقلق راحته في احتلال قسمات وجهه: وبسملة عاملة إيه دلوقتي يا بسنت؟ وسبب حالتها إيه.
ظهرت الحيرة في عينيها وهي تجيبه: هي فاقت عادي بس كان شكلها قلقان وخايف، مردتش على حد ولا قعدت معانا.
تنهدت وهي تحرك رأسها بينما تنظر للفراغ بإصرار: بس أنا هعرف إن شاء الله عشان واضح إن في حاجة قلقاها وهي مش على بعضها أصلًا من فترة.
جاء سامر من الخلف يحمل الجهاز بين يديه، دفع مجد عن الباب ليقف هو أمامها قائلًا ببسمة تكاد تصل لأذنيه: الجهاز السكر لشبيهته، خُدي يا ست بوسي ومن غير شكرًا إحنا ولاد أصول برضه ونفهم في الرجولة.
كان حديثه غير مرتب وعشوائي بدرجة كبيرة جعلت كلًا من مجد وبسنت يطالعونه بدهشة. انتشلت بسنت الجهاز من بين يديه بسرعة والتفت لتصعد لبيتهم وهي تتمتم مع نفسها بعدم فهم لأفعال ابن عمها اللطيفة.
أما بالأسفل، عقد مجد ذراعيه أمام صدره وهو ينظر لسامر الذي رفع رأسه للسلالم التي صعدت عليها، تحدث وهو يهبط بكفه على مؤخرة عنقه: ما تروح يا سامر تجري وراها، روح يا جدع خدها بالأحضان!
ابتسم سامر وهو يغلق باب الشقة يجيبه بلامبالاة لذلك الألم الذي تسببت به ضربة مجد: ده يوم المنى والشهد و...
هبط مجد بكف آخر أقوى من الذي قبله وهو يسترسل من بعده بغيظ: والعفاف والمنال، كل دول نسوانك اللي بتيجي تحكيلنا عنهم، لو نسيت أفكرك يا قلب أخوك.
رمقه سامر بغضب وهو يجيبه بحدة: ما تخف إيدك دي شوية يا جحش أنت، بعدين منال وعفاف دول شخصيات من وحي خيالي البسيط جدًا.
ارتمى بجسده فوق الأريكة وهو يتابع شارحًا له ببساطة: منال مثلًا صديقة أحزاني ومخففة همومي، أما عفاف فدي اللي بتزغرطلي كل ما بعمل أي إنجاز وتقولي أشطر كوتي كوتي في الدنيا.
كان مجد يستند على الجدار أمام ذلك الذي يقص عليه مغامراته الخيالية مع تلك الشخصيات الوهمية، ابتسم مجد بسخرية وهو يقترب ليجلس أمامه: ومنى وشهد عندهم علم بالكلام ده!
استرسل بجدية وهدوء محذرًا إياه: طب عشان بس نبقى دوغري وواضحين، بسنت بنت عمك الكلام معاها يبقى في حدود أخ وأخته والكلام العبيط اللي بتهلفط بيه ده نلم دوره شوية، عايزها يبقى تتكلم مع عمك وتبعد عنها لحد ما تسمع رده، عشان ورب الكعبة يا سامر لو لمحتك واقف معاها ولا بتعمل اللي بتعمله ده هفشف دماغك.
اعتدل سامر بغضب من تلك اللهجة التي يحادثه بها ليرد هو الآخر بنبرة عالية: وأنت يعني شفتني جيت جنبها؟ بعدين أنا بالفعل كنت هكلم عمي الأسبوع اللي فات لولا اللي حصل وظروفهم، وطارق وماما عارفين الكلام ده، أنا ولا عملت عيب ولا حرام!
رفع مجد حاجبه الأيمن وهو يردد من بعده: ماما وطارق عارفين؟ أسقفلك يعني ولا أعمل إيه؟ لما أبوك وأبوها يبقوا عارفين ويبقى فيه كلام واتفاق محدش هيقولك تلت التلاتة كلام، إحنا اتربينا إن بنات عمك دول إخواتنا فأنا بكلمك دلوقتي على أساس إني أخو بسنت مش أخوك.
زفر سامر بضيق وعاد ليستلقي فوق الأريكة: طيب ماشي، فكك مني بقى!
وقف مجد وتركه وعاد لغرفته ليفكر ما الذي سيفعله الآن، لا يمكنه إخبار عمه فلو فعل سيزداد الأمر سوءًا، ولا يمكنه كذلك أن يتغاضى عن أمر ذلك الشاب وكأن شيئًا لم يكن!
كان قد قرر أنه سيتحدث معها اليوم ولكن جاء أمر مرضها كسد منيع لم يسبب له سوى القلق!
أمسك بهاتفه وفتح تطبيق "الواتساب" ومنه لإحدى المجموعات والتي كان عنوانها "العيلة"، كانت مجموعة تضم أفراد العائلة جميعًا بما فيهم الآباء. أخذ رقمها من تلك المجموعة وأرسل لها أول رسالة في المحادثة بأكملها.
فلم يسبق له وأن تحدث مع أي من بنات عمه في شيء خاص، جميع أحاديثهم كانت في تلك المجموعة المخصصة لخططهم بالتجمع أو السؤال عن شيء.
بعث لها بعد تردد كبير "بسملة"، رأت الرسالة وقد علم هذا بعد أن رأى زرقة العلامة بجانب الرسالة. انتظر لحظة.. ثانية.. دقيقة.. عشر دقائق ولم تجب! ما الذي تفعله الآن بحق!
"ما تردي!!"
بعث بأخرى وهو يشعر بغضب لذلك التجاهل، فهي المخطئة وهي من تتجاهل الآن! يا لها من وقاحة!
تطلعت بسملة إلى تلك الرسالة التي أرسلها لها وقد علمت مدى غضبه منها، قرأتها بصوته الغاضب وكأنه يقف أمامها يصرخ بها كما فعل سابقًا.
أغلقت الهاتف نهائيًا وأرجعت رأسها للخلف تستند على السرير خلفها، تفكر لما أوقعت نفسها بتلك المصيبة؟ كيف انسابت خلف رغباتها وتناست عواقب فعلتها؟ والأهم من كل هذا كيف ستخرج من هذا المأزق، من ناحية مجد وشعورها بالتهديد من ناحيته ومن ناحية أخرى والدها وعقابه لها.
بينما كانت تفكر اندفعت بسنت للغرفة وهي تحمل الجهاز بين يديه. وضعته جانبًا وهي لازالت تبتسم بسبب حديث سامر.
نظرت لبسملة التي لم تفتح عينها حتى عندما دخلت. اقتربت منها بهدوء وجلست أمامها: بسملة.
اعتدلت بسملة تضم قدمها التي كانت تفردها على السرير وهي تفتح عينها ترد عليها ببرود: نعم!
ابتسمت بسنت بحنو وهي تربت على قدم الأخرى: مالك يا بسبوسة؟ إيه اللي مزعلك كده؟
رفعت أكتافها وحركت رأسها: مالي! ولا زعلانة ولا حاجة أنا بس هبطت عشان الكهربا كانت قاطعة والجو كان حر.
نفت بسنت وهي ترفع هي الأخرى قدميها عن الأرض لتكون بمواجهتها: مش عليا أنا الكلام ده.
أشارت على نفسها مسترسلة: أنا نصك التاني يا بسملة، كل حاجة بتحسي بيها بحس نفسها حتى ولو بدرجة قليلة.
تنهدت بسملة وهي تشيح بوجهها بعيدًا: ولا فيا أي حاجة، زي الفل قدامك أهو يا بسنت، ماتشغليش بالك.
ضيقت بسنت عينها وهي تطالعها بشك قبل أن تتحدث بنبرة حزينة: لأ يا بسملة أنتِ فيكِ حاجة، بقالك فترة طويلة أصلًا متغيرة تغيير غريب ووحش، بقالك كتير مبتحكيش معايا، أنتِ قلبك زعلان يا بسملة، قلبك مش سايب قلبي في حاله طول الليل يا قاسية!
قالت جملتها الأخيرة بمرح وابتسامة صغيرة يليقان كثيرًا مع شخصيتها الهادئة، فابتسمت بسملة وهي تطالعها بحب. لا تعلم كيف تكون هذا تؤامتها؟ كلاهما على النقيض تمامًا.
تساءلت كثيرًا لما هي بهذا اللطف معها؟ لم تكن بسملة لطيفة مع أحد من قبل حتى أخواتها وتسبب هذا بوجود فجوة بينهم بإستثناء بسنت التي كلما ازدادت تلك الفجوة اقتربت منها أكثر!
وكم أحبت بسملة منها هذا الاهتمام الذي لا تلقاه سوى منها هي و... عمر!
وعلى ذكرى عمر انمحت تلك الابتسامة وعادت لتتذكر ما حدث بينهما في هذا الزقاق الصغير الذي أمسك بهما مجد فيه. لم تكن تعلم أنه سيمسك يدها ويقترب منها بهذا الشكل، تفاجئت حقًا بهذا القرب الذي طالما رفضته مرات عديدة وما كادت تبدي رفضها وغضبها مما فعل حتى تفاجئت بهجوم مجد.
وكانت بسنت تراقب كل هذا التغيير بوجهها، لكزتها بخفة في يدها وهي تسألها بشيء من الرجاء: هتفضلي تسرحي لوحدك كده كتير؟ خديني معاكِ لأفكارك وهنلاقي الحل سوا صدقيني.
تمنت لو أنها تستطيع البوح بما يكمن بقلبها، تمنت لو استطاعت أن تتخلص من هذا العبء على قلبها ولكنها وجدت أن الحديث سيزيد الطين بلة. لا تعلم كيف ستكون ردة فعل شقيقتها، لو كان أمر غير هذا لتحدثت فورًا كما تفعل دومًا لكن هذا الأمر بالذات لا يمكنها أن تتفوه فيه بكلمة قد تودي بحياتها فيما بعد!
نظرت لبسنت وهي تحاول منع تلك الدموع التي تريد الهطول وبشدة من النزول، تحدثت بابتسامة صغيرة: هحكيلك بس مش دلوقتي يا بسنت، أنتِ عارفة إني بلف لفتي وبجيلك في الآخر!
- طولتي المرة دي يا بسملة، صدقيني أنا ملاحظة وضعك من فترة وساكتة، احكيلي ونفكر سوا.!!
نفت برأسها: ماتقلقيش، أنا مش صغيرة ومش ضعيفة وأنتِ عارفة، حصلي drop زي ما بيحصل لأي حد وهفوق منه وهتلاقيني زي الفل!
كانت تلك الكلمات توجهها لنفسها قبل بسنت، هي بحاجة لمن يخبرها بهذا؛ أنها قوية وستتخطى هذا، أنهم لجانبها مهما فعلت ومهما حدث، أنهم هنا بجانبها ولكن... ما من أحد بجانبها. والدتها لا تهتم سوى لندى حتى تناست وجود بقية بناتها، والدها الذي لا تراه سوى بالمساء وفي بعض الأحيان قد تكون نائمة أو بسكن الجامعة، جنى التي لا تفعل شيء سوى الشجار معها كلما رأتها. لا أحد يهتم بها، لا أحد يتقبلها، كانت ترى أنها منبوذة من الجميع حتى عائلتها!! والكثير والكثير من التراكمات والأحاديث التي ترفض البوح بها.
وقفت بسنت وبدأت بتشغيل الجهاز بعد أن وضعته بجانب فراش بسملة التي وضعت الغطاء خلف ظهرها وهي تستعد لجلسة الأكسجين تلك.
أما جنى، كانت تتجه لمنزل الشيخ بعد أن قررت أن تسير كل تلك المسافة المؤدية لمنزله بدلًا من أن تستقل وسيلة مواصلات، شاردة تتخبط بالجميع من حولها. تلك الكلمات التي ألقاها والدها مرة أخرى فتحت جرحًا ظنت أنه التئم، جرحًا كبيرًا كلما حاولت تناسي أمره يأتي والدها ليفتحه مرة أخرى.
- ما تحاسبي يا أبلة ورانا مصالح!
صاح أحد السائقين بالخلف بها فانتفضت وهي تبتعد عن الطريق معتذرة بصوت منخفض لم يصل لذلك السائق الذي أخذ يسب بعصبية.
نظرت حولها وكأنها للتو استفاقت من غيبوبة صغيرة، ابتسمت بسخرية عندما وجدت نفسها قد تخطت منزل الشيخ بكثير فتنهدت وعادت أدراجها مرة أخرى.
وجدته لازال يستعد للخروج فحمدت الله سرًا وهي تقترب منه لا تعلم كيف تخبره بألا يأتي: السلام عليكم.
التفت لها الشيخ بتعجب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، إيه يا جنى أنتِ أعطيتيني العنوان على ما أتذكر!
أومأت بحرج كبير ثم أجابت بإرتباك وخجل: أيوة أنا جاية أقول لحضرتك إن بابا مش موافق، معرفش السبب الصراحة بس هو يعني رفض و...
قاطعها الشيخ محمد بتفهم فارتاحت كثيرًا لرد فعله وغادرت المكان بسرعة كما جاءت وهي ترى اختفاء قرص الشمس من السماء وحلول الليل بسواده.
أغلقت بوابة البناية وصعدت الأدراج ببطء بسبب تعبها وخمولها، توقفت مكانها وهي تستمع لصوت صراخ قادم من الأعلى تبعه تحطيم وتكسير.
هرولت للأعلى بسرعة والخوف ينهش بقلبها ولم يجل بخاطرها سوى أنه والدها وأن هذا الغضب كله على والدتها وأخواتها.
مرت بمنزل عمها حامد الذي اندفع لأعلى ومن خلفه أبناؤه وزوجته شهيرة التي تردد بفزع: استر يا رب، استر يا رب.
وقفت أمام منزلهم فتوسعت عيناها بصدمة عندما رأت باب منزلهم مفتوح وأن تلك الأصوات ليست من منزلهم، إنها من بيت عمها سلطان!
تابعت صعودها سريعًا حتى توقفت أمام باب الشقة المغلق، كانت عائلتها بأكملها تقف أمام هذا الباب يحاولون فتحه بينما ينادون باسم منة زوجة سلطان وابنتها نرمين.
اقتربت بسرعة من بسنت التي تبكي على إحدى السلالم: في إيه؟ إيه اللي حصل!
وصل أبناء عمها وكذلك عمها حامد وزوجته شهيرة التي اقتربت من وجيهة بسرعة: في إيه يا وجيهة، منة ونرمين جوه لوحدهم ولا معاهم حد!
بكت بسنت بهيسترية ولجانبها كانت بسملة تبكي هي الأخرى بصمت. ابتعدت عنهما واقتربت من ندى التي تقف بجانب والدتها: في إيه يا ندى، في إيييييه؟!!
صرخت بآخر ما قالت وهي تكاد تجن من صمت الجميع، فتحت ندى فمها وتحدثت ببكاء هي الأخرى: مرات عمك هي اللي عملتلنا العمل، ونرمين محبوسة جوة.
رواية بيت البنات الفصل الثاني عشر 12 - بقلم امل صالح
مرات عمك هي اللي عملتلنا العمل ونرمين محبوسة جوة.
توسعت عيناها وهي تردد من خلفها بصدمة وعدم تصديق: مرات عمي!! طنط منة!!
ولم يكن حال البقية يختلف عنها كثيرًا، وبالاخص حامد وعائلته اللذين لم يفهموا الأمر برمته، فعن أي سحرٍ يتحدثون؟! ولماذا ستفعل زوجة أخيه شيئًا كهذا؟! الكثير والكثير من الأسئلة كانت تدور في عقول جميع الواقفين بالخارج.
ازداد صوت التحطيم والصراخ وازداد معهم قلقهم على مَن بالداخل، لم يكن صراخ نرمين بل صراخ منة، نظر توفيق لحامد وتحدث وهو يبتعد عن زوجته وبناته مقتربًا منه: هنزل اجيب العدة بتاعتي من تحت ونشوف هنعرف نكسر الباب ده ولا إيه.
تركه وهبط سريعًا للأسفل بينما اقتربت شهيرة من وجيهة التي تقف أمام الباب ساهمة شاردة، تفكر لما تفعل منة بهم هذا؟؟ بماذا أجرموا كي يلاقوا كل هذا الأذى بإنسانة لم يعطوها سوى حبٍ ولطفٍ.
لكزت شهيرة - والدة الشباب - وجيهة بكتفها فالتفت لها الأخيرة، سألتها بحاجبين معقودين وهي تحاول تكذيب ما نطقت به ندى: ايه اللي حصل يا وجيهة! جبتوا الكلام ده منين؟!
ابتسمت السيدة وجيهة بشيء من الألم الناتج عن صدمتها بتلك التي كانت يومًا صديقة مقربة، أجابتها والدمع بعينِها يأبى الخروج: والله يا شهيرة أنا ما فاهمة حاجة!
أشارت لبناتِها اللاتي اجتمعن معًا على السلم بصمت وكل واحدة منهم شاردة بتلك الأحداث التي باتت جزء من حياتهم، وكأنهم قد كُتب عليهم الوجع والقهر طوال حياتهم!
تحدثت: نرمين بنتها بعتت للبنات يلحقوها فجأة وعلى ما حد من البنات قال سمعنا صوت الصريخ والتكسير ده، طلعنا كلنا جري يكون حصل حاجة هم برضو حريم ولوحدهم..
نظرت للأرض وهي تتابع وتلك الجملة التي نطقت بها منة صارخة عادت لتتكرر في أذنها من جديد: لقيناها بتزعق وبتقول أيوة عملت لعمك وعياله سحر، وأيوة عملت لفلانة وعلانة واتضح إنها عاملة حاجات كتير وحشة اللهم اعفينا.
كانت تستمع لها شهيرة بصدمة لم تقل عن صدمة الشباب اللذين استمعوا لها، زوجة عمهم! تلك السيدة الودودة التي قلما رأوها!
بحثت عين سامر عنها بين أخوتها حتى وجدها تجلس بالنهاية السلم فوق بمفردها، كانت تخبئ وجهها بين قدميها بينما يهتز جسدها من البكاء، ود لو تخطى كل هذا الجمع وصعد ليجلس بجانبها، يعانقها ويخبرها أن كل شيء سوف يكون على ما يرام، أنا هنا لا تقلقي!
لكنه لا يستطيع حتى القيام بأي شيء، يمكنه فقط الوقوف هكذا والمشاهدة بصمت كما البقية.
تنهد بضيق وهو يبعد نظراته عنها ليقترب من الثلاثة فتيات متحدثًا بنبرة هادئة قل ظهورها مع شخصيته المرحة الضوضائية وهو يوجه حديثه لجنى التي كانت تقف مستندة على الحائط بجانب السلك: خدي أخواتِك يا جنى وانزلي، وجودكم دلوقتي ملوش لازمة وإحنا مش فاهمين إيه اللي بيحصل جوة ولقدر الله ممكن تكون طنط منة مش في وعيها فعشان محدش فيكم يتأذى انزلوا أنتوا.
رفعت بسملة وجهها فظهر احمرار عينها الناتج عن بكائها، وقفت مردفة وهي تنظر لوالدتها بجمود وثبات: أنا هنزل أكمل لَم هدومي وحاجتي أنا وبسنت.
ودون أن تستمع لرد أحد هبطت السلالم بسرعة البرق متجهة لمنزلهم بالأسفل، لحقت بها نظرات الجميع الذين لم يخفى عنهم تلك الدموع بعينيها.
نفى سامر برأسه وهو يعلم كل العلم أنها تكابر كعادتها، تكابر كي لا تُظهر ضعفها، تكابر كي لا يَظهر حزنها، تكابر في كل شيء!
لحق بها سامر لا يريد تركها بهذه الحالة التي قد تمرضها مرة أخرى وزوج من العيون تتابع ما يحدث بفضول وعدم فهم.
بسملة!
نادى سامر ليستوقف ركضها وهروبها من الجميع، توقفت أمام البيت وقد كانت على وشك أن تدخل، التفت له دون أن تجيب فوقف أمامها عاقدًا ذراعيه أمام صدره: تاني يا بسملة؟ تاني!
اهتزت عيناها وهي لا تنظر له تردد بعدم فهم أجادت اصطناعه: تاني ايه؟
زفر وهو يوضح لها مقصده: أنا اتكلمت معاكِ قبل كده وقولتلك إن الحساسية والتعب الجسدي اللي أنتِ فيه ده سبب كتمانك وعنادك في كل حاجة في حياتِك، على الأقل عيطي لما يكون لازم تعيطي!!
كان حديثه بمثابة ضغطة فوق زر جعلها تنهار باكية ولم تعد لها القدرة على تحمل كل هذا بمفردها، نظر لها بشفقة وهو يعلم أن كل هذا البكاء ليس سببه ما حدث وإنما هناك ما هو أكبر، ولكنه رغم هذا استرسل بنبرة هادئة: الكتمان ده ممكن يأذيك بشكل أنتِ مش متخيلاه والله، مش لازم تتكلمي مع حد لو عايزة تفضفضي، وأنتِ بتصلي كلمي ربنا وصدقيني هترتاحي جِدًّا وإسال مجرب..
قال الأخيرة بنبرة يشوبها مرحه والذي تابع حديثه به وببسمة واسعة: دانا كل شوية أروح اصلي عشان بس لحظة السجود دي، بفضل بقى أدعي على طارق ومجد وأقول يارب يا تاخدهم يا تاخدهم ويارب أتجوزها عشان هموت وأحضنها....
صدق بالأخيرة فرفعت وجهها الذي أغرقته الدموع تسأله بصوتها المتحشرج: هي مين؟؟
توسعت عيناه وهو يدفعها للداخل: دا اللي لفت نظرك يا سوسة؟؟ خشي خشي أنا كدا اتأكدت إنك بقيتي تمام.
ولجت المنزل وأغلقت الباب خلفها بعد أن رسمت شبح ابتسامة على وجهها وهي تتجه لغرفتها، لطالما كانت العلاقة بينها وبين سامي أقوى بكثير من باقي أخوته، لأنه الأصغر في عائلته وكذلك هي فكانا على وفاقٍ بسبب تقارب عمريهما.
لم يجعل ذلك القرب العلاقة بينهما أكثر من مجرد أخوة أو رفاق، فلقد ربى والديّ الاثنين على أنهم السبعة ليسوا سوى أخوة، ومن يعلم! فربما يتغير هذا بالمستقبل القريب!!
التفت سامر ليصعد للأعلى مرة أخرى فرأى في وجهه مجد الذي طالعه بحاجب مرفوع وبدى وكأنه استمع للحوار بينهما، ابتسم سامر ابتسامة واسعة مغيظة فقابله الآخر بملامح جامدة وهو يقترب منه: راحة فين هي وبسنت؟؟
قطب سامر جبينه بعدم فهم وهو يكرر من بعده: هيروحوا فين؟؟
تنهد مجد بضيق وهو يعيد صياغة سؤاله بشكل آخر: يابني مش هي قالت إنها هتنزل تلم هدومها؟!! هي راجعة الكلية تاني ولا ايه؟؟
ظهرت الحيرة في عيني سامر الذي نسى تمامًا أن يسألها عن هذا، وفهم ذلك مجد الذي نفى برأسه وهو يتحدث ساخرًا: يعني وقفت تديها موشح طويل عريض عن أضرار الكتمان ومفتكرتش تسألها عن الحاجة المهمة، دانت حنين جِدًّا ياخي!
جز سامر على أسنانه لتلك السخرية الغير مبررة ورد عليه من تحت أسنانه: بقولك ايه يا مجد، أنت شاغل بالك ليه برواحهم ومجيتهم هيفيدنا بإيه نعرف حاجة زي كده، بعدين أنت مالك بالكلام اللي دار منها؟؟ المفروض لو سمعت حاجة بالخصوصية دي تعمل نفسك ماسمعتش.
رفع حاجبه وبإبتسامة مستهزئة - ليست من شيمه - ردد: بالـ إيه؟؟ خصوصية! أنت وبسملة بينكم خصوصية؟؟
حاول سامر أن يتمالك أعصابه أمام ذلك التهكم مذكرًا نفسه أن من أمامه هو شقيقه الأكبر، كما أن نظراته الغاضبة كانت تحمل شيئًا من عدم الفهم والإستغراب؛ فمجد ليس من صفاته تلك السخرية والاستهزاء ولم يسبق له أن تدخل بما يخص بنات عمه بهذا الشكل والآن وفجأة يسأل عن المكان الذي ستذهبان له!
أغمض سامر عينيه وفتحهما بعد أن زفر بقوة ليتحدث وهو يتخطاه للأعلى: خبط عليها واسألها يا مجد، طالما بتاكل في نفسك كده وهتموت وتعرف هي رايحة فين.
نظر مجد لباب شقة عمه توفيق وردد بسخرية: باكل في نفسي وهموت وأعرف هي فين؟؟ ليه إن شاء الله!
وصعد هو الآخر رغم فضوله لمعرفة ماذا جرى بينها وبين عائلتها بعدما حدث ما حدث بينهما، تُرى هل أخبرتهم؟! ماذا عن أمر لملمة ملابسها؛ أستعود لسكن الكلية؟؟ كما لو أن شيئًا لم يكن؟!
توسعت عيناه وارتفع حاجباه وقد تذكر ذلك الشاب الذي من الواضح انها كانت تلتقي به في الجامعة، هل ستعود لأجله؟!
عند تلك النقطة عاد أدراجه للأسفل مرة أخرى، قابل في طريقه عمه توفيق الذي كان يحمل بين يديه حقيبة من المعدن مخصصة لبعض الأدوات كالمفكات والمسامير وغيرها.
صعد توفيق وهبط مجد.
وقف أمام الباب، يحاول أن يلتقط أنفاسه المُهدَرَة في الركض، تنهد وهو يرفع يده ليطرق الباب..
بالداخل، جلست فوق الفراش تستند بكفيها عليه بينما تنظر للأرض بشرود بعد أن خلعت ذلك الخمار الكبير الذي كانت ترتديه، كلمات سامر عن البوح بما يجوش بالصدر لرب العالمين جعلها تشعر بغصة مؤلمة.
بعد كل هذا البعد عن الله هل سيتقبل توبتها؟؟ هي حتى الآن لم تشعر بالذنب لما فعلت! وهذا ما يقلقها!! هي فقط خائفة من والدها .... ومن مَجد.
رفعت وجهها مع طرقة الباب فوقفت وفتحته على مصرعيه ودخلت دون أن ترى الطارق ظنًا أنه أحد أفراد عائلتها، لكنها انتفضت بفزع ما إن صُفع الباب وغلق مرة أخرى!
التفت مرة أخرى فلم تجد أحد!
اقتربت من تلك الدائرة التي توجد أعلى الباب والتي توضح لها رؤية من بالخارج فصدمت بمجد!
نظرت لنفسها ولتلك المنامة البيتية التي ترتديها بصدمة وقد فهمت سبب إغلاق الباب من جديد، هرولت للداخل وهي ترتدي الخمار مرة أخرى بينما تتمتم مع نفسها: إن شاء الله ماشافش حاجة!
بالخارج، وقف يغمغم بغضب بعد أن فتحت له تلك الغبية دون أن ترى هويته: يخربيت غباءها!
فتحت له مرة أخرى والغضب مرتسم على وجهه بالكامل فتحدث بغضب لا يقل عن غضبها شيئًا: إيه! أنتِ أي حد بيخبط بتفتحي وخلاص؟
وأنا إش عرفني إن البيه هينزل يخبط وأنا بس اللي في البيت، أنا فكرت حد من اخواتي أو ماما، بعدين أنت مالك!
مالي ازاي أنتِ عبيطة يا بسملة! مينفعش لا أنا ولا غيري نشوفك كده، حرام يا أمي حرام!
عقدت ذراعيها وهي توميء له بالامبالاة: ماشي، نعم! جاي تهددني إنك هتقول لبابا وتفضحني؟
رأت ارتفاع صدره فجأة قبل أن يزفر بغضب وهو يسألها من بين أسنانه: لأ جاي أقولك ده مين، وأنتِ راجعة الكلية ليه دلوقتي؟؟ عشانه؟!
قاطعته قبل أن يتابع اتهاماته الباطلة والمؤلمة: اخرس، اخرس خالص يا مجد عشان كلمة كمان مش هسمحلك..
تابعت بدموع وهي تبرر له متمنية أن يسمعها حتى النهاية: أنا مش وحشة للدرجة، أنا مقابلتوش غير مرتين بالظبط والمرتين كانوا في كافتريا الكلية وقدام الكل، عمره ما لمس ضافري حتى ولما شوفتني معاه والله والله والله ما كنت اعرف انه هيعمل كده ولا كنت أعرف ان الشارع كده..
أشارت للسلالم عاليًا بإنهيار: عايز تقول لبابا؟؟ اطلع قوله مش فارق معايا أنا كده كده عارفة هو هيعمل إيه..
تنهد بضيق وهو ينظر لها، لم يعرف أيواسيها أم يعاتبها على فعلتها الخاطئة من البداية، تحدث بثباث أجاد اصطناعه وكأنه لا يعبء بها أو بتلك الدموع التي تنهمر فوق خديها، رغم أن بداخله تحرك شيء هل تألم لبكائها؟!!!
عايز إسمه وساكن فين، ومتسأليش ليه.
مسحت وجهها وهي تسب نفسها داخليًا على تلك الدموع التي هبطت أمامه، على ذلك الضعف الذي لم يرها أحدًا به من قبل، أجابت وهي لا تنظر له: عمر محمد عمر، ساكن في ** العمارة ٧٣.
ما كاد يجيبها حتى تفاجئ كلاهما بطارق أخيه يهبط السلالم يحمل بين يديه زوجة عمه منة الفاقدة للوعي والتي كانت الدمـ..ـاء تسقط من رأسها كقطرات المطر في بدايته.
لحق به مجد ودقيقة وكان يهبط خلفهما سامر والأخين حامد وتوفيق..
بالمشفى الحكومي، كان يسير في ممر المشفى لغرفة مكتبه بعد أن أرسل الصغيرة للبيت، توقف في مكانه فجأة عندما انقطعت الكهرباء.
قلب عينيه بضيق وملل، فها هي تعود لتقطع للمرة الثانية بنفس اليوم، بدأ العمال بالتحرك سريعًا لتشغيل ذلك الماتور الذي يعيد الكهرباء حرصًا على سلامة المرضى الذين يعيشون على الأجهزة الطبية.
وما كادوا يفعلون حتى عادت الكهرباء مرة أخرى.
ولكن ما لبث أن مرت دقيقة حتى انقطعت مرة أخرى، تكرر ذلك لأربع مرات متتالية، تنقطع وتعود بعد دقائق لتنقطع مرة أخرى!
التفت عثمان ناحية صوت صراخ القادم من إحدى غرف المشفى، صوت الصراخ كان عاليًا لدرجة عالية، وكأن شخصًا فقد لتوه حبيب غالي.
وقد كان تخمينًا صحيحًا، ماتت أحد المرضى بسبب الكهرباء، ماتت بعد أن تسرب لأهلها أمل بأنها ستبقى على قيد الحياة، فارقتهم بسبب الكهرباء!!
رواية بيت البنات الفصل الثالث عشر 13 - بقلم امل صالح
منكم لله، ربنا ينتقم منكم واحد واحد.
حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل.
صرخت المرأة في أوائل الأربعينات وهي منهارة أرضًا، تضرب بيديها فوق صدرها وقد نال منها القهر قدرًا كبيرًا لتصل لتلك الحالة؛ وجهها محمر بشدة وقد امتلئ بالدموع التي تندفع من عينيها كالشلال.
ولكن... كل هذا لا يساوي شيئًا جانب ألم قلبها الذي تفتت حزنًا وهمًا على طفلتها. كل هذا لا شيء جانب خيبة الأمل الذي أُعطي لها عندما طمأنها الطبيب عليها، وبلحظة سُلب منها ذلك الأمل ليقذف من فوق قمة جبل متحطمًا لأشلاء.
كان زوجها يجلس فوق إحدى مقاعد المشفى، يبكي هو الآخر بصمت بينما يخفي وجهه خلف كفيه، وهي على الأرض بجانبه.
دخل في ذلك الوقت من بداية ممر المستشفى طارق، الذي يحمل زوجة عمه. ولجانبه والده وعمه توفيق، ومن خلفهم شقيقه وجنى وندى.
ركض سامر ليسبقه، متقدمًا من إحدى الممرضات التي توسعت عيناها بدهشة مع دخولهم دفعة واحدة بهذا الشكل. تحدث بسرعة ولم يلاحظ ما يحدث حوله أو ينتبه لتلك المرأة التي تبكي بصوت عالٍ ملحوظ:
دكتور بسرعة لو سمحتِ، حالة مستعجلة.
أومأت له وهي تنظر خلفه لذلك الشاب - مجد - الذي جذب ذلك السرير المتنقل الذي وجده فارغًا بجانب الجدار ليقربه من طارق الذي ترك منة من بين يديه فوقه.
التفت تلك الممرضة تركض في الممر لتنحرف يمينًا، ودقائق معدودة وخرجت لهم رفقة الطبيب الذي اقترب منهم بخطوات سريعة أقرب ما تكون للركض.
أشار بيديه للأمام فحرك مجد الفراش الذي تستلقي زوجة عمه عليه حيث يشير ذلك الطبيب، ولحق به كلٌ من توفيق وحامد.
أمّا طارق فجلس فوق المقعد المجاور لذلك الرجل يلتقط أنفاسه، بينما انكمشت ملامحه بسبب ذلك الألم الذي شعر به في ظهره بينما يتحسسه.
التفت جانبه عندما شعر باهتزاز من يجلس جواره، رفع رأسه لسامر الذي كان يستند على الحائط أمامه، والآن فقط انتبه الجميع لذلك الرجل وتلك المرأة أرضًا!
ناولت جنى هاتفها وحقيبتها لندى التي كانت تنظر للسيدة بحزن وتردد من الاقتراب. أخذتهم منها ورأت شقيقتها وهي تقترب من تلك السيدة دون أي تردد.
انخفضت جنى لمستواها، وضعت يدها فوق كتف السيدة التي تبكي وهي تخرج آهةً من حينٍ لآخر:
أنتِ كويسة يا طنط؟ ليكِ حد هنا؟
ولم تتلقى سوى البكاء الذي ازداد بعد سؤالها. التفت تنظر لندى ولأبناء عمها فلم يعرفوا ماذا عليهم أن يفعلوا!
تحمحم طارق بحرج وهو يسأل الرجل بجانبه:
حضرتك ليك حد هنا؟
وتابع قبل أن يجيب الرجل:
ربنا يخرجه ليكم كويس.
رفع الرجل وجهه فرأى كلٌ من سامر وطارق عينه الحمراء المنتفخة من الأسفل. تطلع الرجل لطارق بإبتسامة صغيرة جدًا وهو يربت على قدم طارق:
ربنا يرحمها يابني، ربنا يرحمها.
ابتلعت جنى ريقها، ودون أن تعرف أي شيء عن هوية ذلك الميت احتضنت السيدة تحاول أن تواسيها بكلمات صغيرة علّها تزيح القليل من الحزن بقلبها، ولكن كيف! الميت ابنتها، صغيرة أتمت العشر سنوات منذ أيام واحتفلوا بهذا هنا في المشفى، ماتت متألمة بفضل ذلك المرض الخبيث الذي أدى لتساقط شعرها بالكامل.
انهمرت دموع السيدة وهي داخل أحضان تلك الغريبة - جنى - تتذكر يوم بكت طفلتها بسبب تساقط شعرها المفاجئ، وكيف عانقتها وهي تبرر لها كاذبة كي لا تصدمها:
يا عبيطة دا كدا ربنا بيحبك، شعرك كله هيقع وبعدين هيطلع أتقل وأنعم وأحلى، مش أنتِ كنتِ عايزاني أكويهولِك؟
أومأت الصغيرة بحماس ثم قالت بعد أن نسجت خيالها البريء في عقلها:
يعني هيبقى زي شعر كوشي كده يا ماما؟ طويل وناعم ولما أقف قدام المرايا بيه يفضل يطير لورا؟
ابتسمت السيدة وهي تعانقها بدموع حاولت منع نزولها بقدر المستطاع:
أيوه يا قلب ماما، أيوه.
خرجت منها آهة طويلة وهي تردد ببكاء:
آآه يابنتي.
ربتت جنى على ظهرها بدموع هي الأخرى وهي تتحدث بتأثر وقد تذكرت خلود:
ربنا يرحمها يا طنط، ربنا يرحمها ويصبركم.
ومع قولها "آهٍ يا ابنتي" امتلئت عيون ندى بالدموع، لن يشعر أحد بتلك السيدة بقدر ما تشعر هي بها، تعلم وحدها ألم الفراق فهي وحدها من جربته. حركت قدمها بالقرب منهما، وقبل أن تصبح أمامها استوقفها ذلك الصوت الغاضب والذي جاء من نهاية الممر.
دي بلد بنت **، بلد ** زي اللي ماسكها واللي عنده حاجة يعملها، والله والله والله مانا قاعد في ام دي خرابة.
كان هذا عثمان الذي خرج لتوه من مكتب المسؤول. وقع بصره على تلك السيدة التي تتوسط أحضان تلك المجهولة. اقترب منهم عثمان الذي كان يلعن ويسب كثيرًا بسبب انقطاع الكهرباء، أما يكفي انقطاعها مرة واحدة باليوم وفي غير موعدها الذي اعتادوا عليه! لما يعيدون قطعها وبذلك الشكل الذي أدى بحياة أحدهم إلى الموت!
انخفض لمستوى المرأة البسيطة التي لازالت تبكي متحدثًا بلطف وشفقة بآنٍ واحد، بعد أن ابتعدت عنها جنى لتقف بعيدًا عنهما معتقدة أنه قريبها:
قومي يا حجة مينفعش قعدتِك كده، قومي ربنا يصبركم على فراقها.
حاول أن يعاونها على الوقوف ولكنها لم تكن تريد هذا حتى، وثقل جسدها لم يساعده في رفعها بمفرده. تحمحم بحرج وهو ينظر لجنى التي اقتربت منه تساعده في ذلك، وهي تترك ذلك الإحساس الذي يخبرها أنها رأت ذلك الطبيب من قبل جانبًا.
أجلسوها بجانب زوجها الذي حاوط كتفها بحنان رغم بكائه هو الآخر، بينما جلس عثمان القرفصاء أمامها. ربت على كفها الذي تضعه فوق قدمها وهو يتحدث بدفء ونبرة لا تشبه تلك التي كان يصرخ بها منذ دقائق:
ربنا سبحانه وتعالى بيقول في سورة الكهف "وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا". أنتِ متعرفيش الخير فين يا حجة ولا الشر فين.
نظرت له جنى بشيء من عدم الفهم والزهول، هل هذا الوقت المناسب لذلك الحديث!
في حين طالعته السيدة وهي غير واعية لما يرمي إليه، فتابع هو موضحًا ما يعنيه وبشيء من التفسير:
يعني الغلام ده أو الطفل ده في علم الله كان كافر فربنا سبحانه وتعالى أمر سيدنا الخضر بقتله خوف على أمه وأبوه إنه يرهقهم أو إنه من حبهم فيه يصبحوا هم كمان كفار مثله.
استرسل عثمان بسرعة وهو لازال يجثو أمامها رغم ألم ركبتيه:
مش القصد إن بنتك لا سمح الله كافرة واستغفر الله طبعًا بس ربنا يمكن رحمها ورحمكم من حاجة في علمه وحده.
ابتسم عثمان ابتسامة صغيرة وهو يستكمل:
وفي الآية اللي بعدها ربنا بيقول "فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا". ربنا صدقيني هيبدلِك خير وافتكريني بالكلام ده.
تبدلت تلك البسمة فجأة لغضب كبير وهو يحثها:
وأنا والله بكلامي ده مش بدافع عن المكان هنا أو عن البلد الزبالة دي، وأنا اللي بقولك أهو ادعي عليهم كتير وبقلب ولسان مظلومة.
سرعان ما تغيرت لهجته العالية لأخرى لينة:
عيطي يا حجة زي ما أنتِ عايزة دي مهما كان بنتِك وضناكِ، بس كل واحد مكتوبله عمره، من حقك تزعلي يا حجة.
وقف وتحرك للخارج تاركًا خلفه أربعة أزواج من العيون يتابعونه بمشاعر مختلفة، منهم من راقبه بحيرة وتعجب لذلك الانقلاب الذي حدث وهو يحاور السيدة، ومنهم من كان يبتسم لكلماته، ومنهم من شرد بحديثه كندى التي شعرت أن هذا الحديث لها هي.
وبين مشاعر أولاد العم المختلفة كانت السيدة تبكي ولكن بصمت وهدوء، تنظر للأرض بينما تهبط الدموع بعينها وهي تردد يارب من فترة لأخرى.
بالخارج وقف ينظر للمشفى بعيون ملتمعة، ها هو يودع المكان الذي استقبله ببداية عمله، ها هو يعيش أسوأ لحظات حياته وهي فقرة الوداع، يكره لحظات الوداع ويكره قلبه الذي يتألم في تلك اللحظات.
لم يكن المكان بهذا السوء قبل ستة أعوام، لم يكن هكذا عندما بدأ العمل به لأول مرة، كان منظمًا ولديه قواعد ثابتة تحافظ على أمان مرضاه وراحة موظفيه ولكن الآن لم يعد أي شيء كما كان، صار الإهمال واللامبالاة قائدي تلك المشفى.
نظر عثمان لساعة يده فوجدها العاشرة إلا دقائق بسيطة، تحرك صوب سيارته ثم صعدها ليتحرك بها لمقر عمل أخيه؛ قسم الشرطة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وببناية عائلة الهلالي، التفت كلٌ من بسملة وبسنت حول نرمين ابنة عمهما سلطان، كانت تبكي لساعة كاملة دون أن تتوقف، حاولا الاثنان أن يجعلوها تهدأ لكن دون جدوى.
ملت بسملة من هذا ووقفت متحركة لغرفتها دون أن تهتم لنظرات بسنت المحذرة، توترت بسنت أن تشعر نرمين بالحزن بسبب فعلة بسملة، فوقفت هي الأخرى تمد لها يدها:
نرمين تعالي ندخل البلكونة، بالله عليكِ تهدي عشان نعرف نتكلم!
لم تكن العلاقة بين نرمين وأولاد وبنات عميها قوية كما العلاقة بينهم، كانوا دائمًا يجتمعون في منزل جدهم بالطابق الأول يوم الجمعة بإستثنائها هي ووالدتها التي اكتشفت حقيقتها المؤلمة والقاسية اليوم.
وفي أي مناسبة كذلك كانت ترفض الذهاب معهم ومشاركتهم رغم إلحاحهم عليها، رفضت ترابطهم قديمًا لذا بسنت لا تعرف أن تتصرف معها كما تفعل مع أخواتها أو حتى أبناء عمها!
تحركت مجبرة معها للشرفة، جلستا بجانب بعضهما البعض، حاولت بسنت أن تتحدث معها في أي شيء لكن الأخيرة التزمت الصمت، وكيف تتحدث بعد فعلة والدتها القذرة والمخجلة!!
ورغم غضب بسنت من زوجة عمها إلا أنها رأت أن لا ذنب لنرمين بهذا كله، إنها ضحية هي الأخرى.
تنهدت بسنت ملتزمة الصمت هي الأخرى بعد أن باءت جميع محاولاتها بالفشل.
بغرفتها هي وبسملة، كانت تجلس أمام خزانة ملابسها تلملم بعض ملابسها التي ستحتاجها خلال أيام إقامتها في الجامعة، عندما أضاء هاتفها برسالة من تطبيق "الواتساب" من رقم غير مسجل.
قطبت بسملة جبينها والتقطت الهاتف تفتحه على تلك الصور التي لم تتعرف على محتواها بعد، ولكنها فجأة تسببت في ألم بقلبها.
وما إن وقع بصرها على تلك الصور حتى ازداد هذا الألم وازدادت معه وتيرة تنفسها كما حدث سابقًا، قرأت الرسالة التي أرفقها ذلك المجهول بتلك الصور؛ "وابقي سلميلي على البلوكات اللي عملتيها."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي مكان آخر تحديدًا بناية ناصر وعائلته، مدت "إيمان" والدة ناصر شفتيها متحدثة بغيظ وهي توجه حديثها لتلك التي تجلس جانبها تتابع الشاشة وما يعرض فيها:
هو ناصر أخوكِ هيفضل على الحال ده كتير؟ أنا هموت وأعرف اتكلم في إيه مع اللي ما تتسمى ندى.
رفعت هايدي كتفها بلامبالاة، فلكزتها إيمان مشيرة بعينيها للمطبخ:
قومي في جوة في الفرن طبق بسبوسة، حطيه على الصينية اللي على الرخامة وطلعيها ليه.
يا ماما هو هيستنى كل ده من غير أكل؟ زمانه صرف نفسه!
صاحت بها وهي تغير القناة:
ما تخلصي وتقولي حاضر، منزلش ساعة الفطار ولا الغدا وهو مش بيعرف يعمل حاجة في المطبخ وزمانه جعان.
اعتدلت هايدي تجيبها بنفس النبرة العالية:
افرضي حاول يعرف حاجة مني زي ما عمل يوم ما راحلها، يا ماما شكله عرف كل حاجة خلاص!
وما كادت تجيبها إيمان بأن ندى جبانة ولن تخبره بما حدث في ذلك اليوم حتى تفاجئ كلاهما بصوت ناصر القوي والغاضب من أمام باب المنزل الذي اعتادوا تركه مفتوح طوال اليوم:
اللي هي إيه كل حاجة يا هايدي؟!!
خلع حذاءه وتقدم للداخل، أغلق التلفاز وجلس قبالتهما، تطلع الأم لإبنتها والعكس في نظرات خائفة مرتبكة وقلقة، وراقب هو تلك النظرات وقد تيقن أن شكه في محله.
تحدث بألم وهو يوزع نظراته بينهما:
ليه يا أمي يوصل بيكِ الحال إنك تهيني مراتي بالشكل ده؟ ليه تسمحي لبنتِك اللي أصغر منها تهينها بالشكل ده؟
قال وهو يشير على هايدي التي ابتلعت ريقها لتتصنع الغضب وهي تندفع متحدثة:
هي قالتلك إيه بالظبط الحر...
قاطعها صارخًا بعذاب:
اخرسي خالص، اخرسي خالص ياللي أنتِ اختي، بعد ده كله طلعته مش فارق معاكم أي حاجة غير نفسكم! حتى بنتي!! بنتي اللي أنتوا كنتوا السبب الأكبر في اللي حصلها..
صرخ في جملته الأخيرة بوجه الاثنين.
تطلع لهما بقهر، لم يكن حزنهما يومًا وفاتها حقيقًا، كانت مسرحية أجادوا تمثيلها.
وقف يرميهما بنظرات أخيرة، نظرات مليئة بالنفور والغضب... والكراهية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالمشفى، ظهر مجد أخيرًا رفقة عمه توفيق ووالده حامد، اقترب منهم كلٌ من سامر، طارق وندى، في حين ابتعدت جنى التي تلقت مكالمة من رقم غير مسجل.
رفعت الهاتف فوق أذنها وتحدثت بصوت متعب بفضل ذلك اليوم المليء بالحوادث والمفاجأت:
ألو.
آنسة جنى، حبيت أبلغِك إننا وصلنا للمجهول.
رفعت حاجبيها بدهشة لتلك السرعة، مرت ساعات منذ أن كانت بقسم الشرطة لتبلغ عن ما حدث لمكتبها فهل وجدوه بتلك السرعة!!!
مين؟
سألت وترقبت بلهفة وغضب، فأتاها صوت الظابط مصطفى بتلك الإجابة المنتظرة والتي جعلت الدماء تغلي بعروقها:
عصام سعيد الزهراني.
رواية بيت البنات الفصل الرابع عشر 14 - بقلم امل صالح
عصام سعيد الزهراني؟! أنت متأكد يا حضرة الظابط؟!
كانت تتحدث بنبرة عالية ولهجة غاضبة، ودت لو أن ذلك الحقير أمامها لتخرج كل ما بجعبتها بوجهه. غضب لا مثيل له وكأن شياطين العالم بأسره تتراقص أمام عينيها.
عقد الظابط مصطفى حاجبيه وهو لا يفهم سبب تلك اللكنة التي تتحدث بها وأجاب وهو ينظر لذلك التقرير فوق مكتبه:
أيوة متأكد، إحنا قدرنا من كاميرات المراقبة اللي حوالين المكان نجيب رقم لوحة الموتوسيكل اللي البلطجية ركبوه، ولما قبضنا عليهم اعترفوا عليه من أول قلم وحاليًا بعت العساكر للعنوان اللي قالوا إنه بيته.
ضغطت بيدها على الهاتف فوق أذنها، تنفست بغضب وهي تنهي المكالمة معه بسرعة، بينما تلتفت حولها بحثًا عن أفراد عائلتها.
تمام أنا دقايق وهكون في القسم يا حضرة الظابط.
عضت جنى على شفتها بغيظ وهي تتوعد داخلها لعصام الذي دمر حلمها في لمح البصر. كانت كثيرًا ما تخبره عن أمور عملها وكيف أرادت أن ينمو هذا العمل، وكيف تمنت أن تصبح ذات شأن في هذا المجال المحبب.
ظن أن تلك نقطة ضعفها وأنه بفعلته تلك سيحطمها، ولكن هيهات هيهات ما يريد. لن تجعله يرى ذلك الحزن المرتسم بعينيها، لن تريه سوى قوةٍ حتى لو كانت مُصطنعة.
ولجت الغرفة الخاصة بزوجة عمها حيث الجميع يلتفون حولها. فتحت الباب بهدوء واقتربت لتقف بجوار ندى التي تطلع لمنة بإعصار من الأحاسيس والمشاعر المتناقضة؛ فبعضها غاضب من ما فعلت بها وبعائلتها، وبعضها الآخر مشفق عليها.
كانت تستلقي بسكون على الفراش الطبي، يلف رأسها شاشٌ أبيض بعد أن قام الطبيب بخياطة ذلك الجرح الذي صنعته برأسها. مَن ينظر لها لن يصدق أن تلك السيدة فعلت هذا بشقيق زوجها وعائلته!
لكزت جنى ندى بذراعها فانتبهت لها الأخيرة ولوجودها، فأشارت لها للآخر. كانت خائفة من الحديث مع والدها بشأن مكتبها وما حدث بها، وأمر بلاغها. خافت منه كثيرًا بعد رد فعله الأخير، ورغم أنها لم تظهر ذلك الخوف بوقتها إلا أنه يبقى والدها وتبقى له هيبته الخاصة.
وقفا خارج غرفة منة التي بقى بداخلها الرجال. تنهدت جنى وبدأت تقص عليها ما حدث منذ الصباح، بداية من تلك المكالمة التي أخبرتها فيها جميلة أن المكتب تدمر، مرورًا بذهابها هي وبسنت لقسم الشرطة، وحتى النهاية بتلك المكالمة من قسم الشرطة التي انتهت منذ دقائق.
وكانت ندى تستمع لها بدهشة تتصاعد كلما تابعت الأخرى حديثها، لا تصدق أن كل هذا حدث في يومين، والأسوأ أن تلك المسكينة أمامها تحملت الأمر بمفردها.
ما إن انتهت جنى حتى تطلعت ندى لها مردفة بحدة:
كل ده يا جنى لوحدِك؟؟ ليه كده يا جنى فين أهلِك وسندِك من حاجة كبيرة زي دي! إزاي تفسخي خطوبتِك وتخشي أقسام ومفيش حد يعرف!!
تحاشت جنى النظر لها وأجابت بجمود وملامح لم يتبين بها ما تشعر به:
بسملة وجنى وماما عارفين الحاجات دي كلها، أنتِ وبابا بس اللي ماتعرفوش.
تطلعت لها ندى بعدم تصديق لذلك الرد البارد ثم قالت:
المفروض بابا أول واحد يكون عارف بحاجة زي دي، ليه محكتيش ليه، ليه مخدتيش رأينا كلنا وفهمتينا الوضع؟ جنى إحنا أهلِك!
إبتسمت جنى بسخرية وألم:
كلكم اللي هو مين معلش؟؟ آخد رأي مين بالظبط؟؟
فردت ذراعيها للأمام وتحدثت بصوت مختنق جاهدت كي لا تظهر تلك النبرة الباكية به:
أنتِ مثلًا؟؟ بظروفِك وحالتِك اللي مصممة تسيبي نفسك ليها ومش بتحاولي حتى بربع جنيه إنك تعدي المشكلة اللي أنتِ فيها وتقفي على رجلِك من تاني! ولا أخواتِك الصغيرين اللي في وسط إمتحانات ويا عالم هيعملوا ايه في الكام مادة الفاضلين وسط الظروف اللي إحنا فيها دي..
تركت الحرية لتلك الدموع لتسري فوق خديها وهي تتابع وقد اكتفت من ذلك الحمل الذي أثقل كاهلها، تحملت فوق طاقتها والآن فقط أحست بهذا الثقل:
ماما اللي مش شايفة غيرِك لدرجة إني ساعات بحسها ناسية وجودي أنا وباقي أخواتِك، بتسيب كل اللي في ايدها لو كحيتي حتى ويولع بقى البيت باللي فيه..
أشارت على نفسها وتابعت بنبرة منخفضة بإحترام للمرضى ولمن حولها:
أنا مقدرة اللي حصلِك زمان ومعنديش اعتراض إنها تعاملك كده وأحسن، بس على الأقل ماتهمّش وجود الباقي! عارفة إنها بتحبنا كلنا ولو حصل اي ظرف لواحدة فينا هي أول واحدة هتبقى جنبنا، بس بالمقارنة بيكِ وباللي بتعمله معاكِ فإحنا ولا حاجة!
سقطت الدموع من عينها وتابعت هي لا تبالي لها:
شوفتها في عيون أخواتِك كتير وبالذات بسملة، شوفت غيرتهم منك ومن معاملة ماما ليكِ، حاولت ألمح كتير بس هي مش واخدة بالها وصدقيني دا بيخلق جفا بينكم على الفاضي..
ابتسمت بوجع من بين بكائها:
أنا مبقاش فارق معايا، أيوة زمان كنت بركز معاكِ ومع معاملتها ليكِ ولما شوفت إن مفيش أمل إن الوضع ده يتغير اتعودت بس هما لأ ... ياما بتعدي عليهم أيام بيكونوا فيها محتاجين لماما ولكلام منها يطمنها، وفي كل مرة مش بيلاقوها وبضطر آخد مكانها..
رفعت كتفيها:
أنا عارفة إن أنا مش كفاية ليهم ولا عمري هكون زي الأم، بس بحاول احسسهم إن في حد موجود لو احتاجوه..
نظرت لندى الصامتة واسترسلت:
عمرك شوفتي حد من اخواتك بيفضفض لماما؟؟ عمرك شوفتي حد منهم جه ياخد رأيها في حاجة؟؟ من كتر ما شافوا عدم اهتمامها ليهم مبقوش يتكلموا في اي حاجة تخصهم! سننا ده سن مليان مغامرات واحداث بنحب نتكلم عنها، مليان مشاكل وبلاوي بيواجهوها دلوقتي لوحدهم..
عادت تبتسم بتهكم:
ولا بابا، اللي مع أول موقف أو مشكلة تواجهنا ما بيصدق يفكرنا إن خلفته للبنات كانت أكبر مصيبة حلت عليه، يفضل يدينا حنية وحب وبمجرد ما يتكلم وقت عصبيته كأنه بيسرق مننا الحنية والحب دول..
نظرت لندى مرة أخرى وتابعت بقسوة ونبرة مهددة:
عمري ما حسيت بحبه ولا حنتيه بسبب كلامه اللي بيرميه في عصبيته، الناس شايفة الحج توفيق الراجل الطيب اللي مربي بناته ومشبعهم حنان وميعرفوش كلام الراجل الطيب اللي يسم البدن، كلامه النهاردة كفيل ينسيني أي لحظة حلوة عشتها معاه..
التفتت توليها ظهرها تغمض عينيها والدمع يفيفض منهما، بينما الأخرى متخشبة في محلها كالتمثال، لا تصدق كل ما سمعته، لا تصدق أن شقيقتها تخبئ كل هذا بقلبها.
دقيقة مرت وهما على هذا الحال، لم تتحرك أي منهما تجاه الأخرى وكأن تلك المواجهة تسببت ببناء حائط كبيرة بينهما، فجوة كبيرة وضعت في المنتصف بين كليهما.
رفعت ندى عينها الحمراء تطلع لظهر جنى التي تهتز من البكاء، رغم كل ما قالته ورغم كل هذا الحديث إلا أنها لازالت تخفي الكثير، هذا واضح!
حاولت ندى كثيرًا أن تقترب منها ولكن كلما فعلت وتقدمت خطوة تعودها مرة أخرى للخلف، وكأن شيئًا يجذبها لتقف ثابتة في مكانها.
تنهدت جنى وخرج منها عدة شهقات متتالية تعلن عن انتهائها من البكاء وهدوئها التام. مسحت وجهها بقوة ورسمت البرود مرة أخرى على وجهها قبل أن تلتفت لتدخل غرفة زوجة عمها "منة".
لا تصدق هي الأخرى أن كل هذا خرج منها، كان قلبها ممتلئًا بالكثير والكثير ورغم ما قالته منذ قليل إلا أنها لم تشعر بتلك الراحة التي ظنت أنها ستشعر بها ما إن تتحدث، ظنت أن قلبها سيستكين ولكنها لم تشعر ولو ببعض الراحة، وكأن همومها زادت همًا.
دقيقتان تقريبًا وخرجت رفقة إبن عمها الكبير "طارق" الذي طلبت منه الذهاب معها لأحد الأماكن فوافق على الفور رغم جهله بماهية هذا المكان. وقفت أمام ندى التي لم تتمالك نفسها وجلست على المقعد المجاور للغرفة تنظر أرضًا بتيهة وحيرة.
أنا قولت لبابا إنك عارفة أنا راحة فين، ياريت تفهميه زي ما قولتلك عشان أنا هخلي طارق يروحني بعد ما أرجع من القسم.
القسم!!
ردد "طارق" من بعدها بتعجب وصدمة، فتحركت دون أن تتفوه بكلمة إضافية وهو خلفها يلحق بها بسرعة:
قسم ايه يا جنى، حصل حاجة ولا إيه؟؟
هبطت سلالم المشفى المؤدية للخارج وهي ترد عليه دون أن تتوقف عن السير:
معلش يا طارق هفهمك في الطريق عـ...
عـ... بترت حديثها عندما استمعت لنداء سامر من الخلف، فتوقفت وكذلك طارق. التفت تنظر له بإستغراب فتحدث متسائلًا وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة وبدى وكأنه ركض من الغرفة لهنا:
راحة عشان حوار المكتب بتاعِك؟؟
اومأت فأومأ هو الآخر بالإيجاب وهو يخرج مفاتيح السيارة:
خلاص اشطا أنا جاي معاكم.
رفع طارق حاجبيه وتوسعت عينه وهو ينظر له بدهشة:
أنت عارف؟؟
إبتسم سامر وهو يضغط الزر في المفتاح بيديه، فاصدرت السيارة صوتًا دلالة على فتحها. أجاب وهو يفتح الباب ويصعد:
هفهمك في الطريق.
لحقت جنى بسامر وبقى طارق المسكين فوق السلمة ما قبل الأخيرة ينظر حوله بعدم فهم وحيرة وقد انطبق عليه ذلك المثل الشعبي (الأطرش في الزفة)، فأصدر سامر صوت من بوق السيارة جعله يسرع ليجلس في المقعد المجاور له بالأمام.
***
حالُها تلك اللحظات التي مرت عليها بعد تلقي تلك الرسائل تشبه حالَ الغريق الذي امتدت له يد العون أخيرًا بعد أن كان على وشك الموت ليخرج رأسه من الماء فتلتقط رئتيه الهواء بقوة حتى يظن أنه وأخيرًا نجى.
ولكن..
عادت الأمواج من الخلف لتلتهمه وتعيده مرة أخرى للأعماق وكأنه تعذبه بذلك الهواء الذي تنفسه. هكذا كان حالها، كانت بسملة الغريق ومَجد هو يد العون وكانت الأمواج هي ذلك الفاسق عمر..
بعد أن ظنت أنها نجت من موضوع عمر وأن مجد سيستر عليها ولن يخبر والدها جاءت تلك الصور لتحطم ظنونها..
تطلعت بسنت لتلك الصور التي أرسلها الرقم المجهول لها وهي تشعر بإنحلال جسدها، حاولت الوقوف كثيرًا ولكن دون جدوى وكأن قدميها صارتا كالهلام.
امتلئت عيناها بالدموع وهي لا تصدق ما فعله ذلك الذي كانت تظنه حبيبًا، مَن دللها ووعدها بالسعادة دائمًا وفي كل الأوقات، مَن وعدها بعدم التخلي عنها ولو انطبقت السماء على الأرض.
أين الوعود وأين صدق حديثه؟؟
نظرت للصورة الأولى حيث كان يجلس عمر ذاك وهي تجلس فوق قدميه تحيطه ورأسها على صدره، الثانية كانت أيضًا مصطنعة وقد كانا يتشابكان أصابع الايد معًا.
كانت جميعها صور مفبركة صنعها هاوٍ لهذا المجال ولتلك الأمور لا أكثر، فلو رأى طفل تلك الصور لعرف فورًا انها ليست سوى مجرد قص ولصق!
ولكن في حالتها لم ترى هذا، فقط رأت والدها وهو ينهال عليها ضربًا موبخًا إياها بينما يتوعد لها، ورغم أنه لم يسبق وضرب توفيق أيًا من بناته ولكن عند هذا الأمر وسيخرج بالتأكيد عن طور هدوئه!
أخيرًا استطاعت الوقوف، بأيد مرتعشة وجسد لم يختلف حاله كثيرًا التطقت هاتفها وهي تعلم أنه وحده مَن سينقذها من ذلك المأزق.
كان مجد قد خرج رفقة البقية من غرفة زوجة عمه ليتفقوا على ما سيفعلونه بشأنها وعندما أنار هاتفه بإسمها ابتعد عنهما ليجيب بإستغراب:
ألو!
جاءه صوتها المختنق والناتج عن بكائها المكتوم:
مَـ ... مَجد...
وانفجرت في البكاء دون أن يرد حتى، انتفض قلبه وجزع بسبب بكائها الذي لا يعلم سببه، ابتعد أكثر وهو يتحدث بقلق وخوف:
في ايه يا بسملة! بتعيطي كده ليه؟!
ارتفع صوتها دون أن تدري، ولم تجب سوى بثلاث كلمات لم ترح قلبه ولو بقدر صغير:
الحقني يا مَجد..
***
وبالشرفة تجلس بسنت ونرمين، كان الصمت يحوم بالمكان ويملئه، لا يسمع سوى صوت صراصير الحقل بالشارع وصوت أنفاسهما المنتظمة..
أنا عارفة إنك مش طيقاني..
توسعت عيني بسنت لحديثها المُفاجئ والتفت تنظر لها تجيبها بسرعة وهي تتمنى ألا تظن بها هذا:
ليه يا نرمين بتقولي كده؟! أنتِ زيك زي اخواتي بالظبط.
ابتسمت نرمين بسخرية وتابعت دون أن تنظر لها:
كلكم مش طايقني مش بس أنتِ، على طول كنت في جنب لوحدي ودلوقتي بقيت منبوذة أنا وامي..
لم تعرف بسنت بماذا تجيبها خصوصا عندما ذكرت والدتها، لن تنكر نرمين أنها لم تعد تطيق زوجة عمها منة أو حتى تطيق ذكراها لكن تلك الماكثة أمامها لا ذنب لها بما فعلته والدتها.
تنهدت نرمين تجيبها:
على طول كنا كلنا بنحاول ندخلك دايرتنا، أنا واخواتي وولاد عمنا حامد مفيش حد فينا محاولش، دايمًا كنا بنجيلك إحنا الأول ومفيش مرة تجمعنا فيها إلا وحاولنا نخليكِ تنضمي لينا وفي كل مرة كنتِ بترفضي!
ربتت بسنت بلطف على كتفها وتابعت بصدق:
عمرِك ما هتكوني منبوذة، أنتِ بنت عمنا واختنا واللي عملته طنط أنتِ ملكيش دعوة بيه، هنتجمع تاني وهنجيلك نتحايل عليكِ تيجي معانا وهترفضي وهنفضل نزن عليكِ...
ابتسمت بمرح وهي تختم:
مش هنحل عنك غير وأنتِ معانا.
ابتسمت نرمين وهبطت دموعها بصمت لثواني قبل أن تتحدث بصوت متحشرج وبكاء:
بابا اتجوز على ماما برة يا بسنت.
نظرت لها وتابعت وشفتيها ترتجف:
مرجعش من السفر الست سنين اللي فاته عشان متجوز عليها..
رواية بيت البنات الفصل الخامس عشر 15 - بقلم امل صالح
بابا اتجوز على ماما برة يا بسنت، مرجعش من السفر الست سنين اللي فاته عشان متجوز عليها.
قالتها وانفجرت في البكاء مرة أخرى وتركت الأخرى تتلقى حديثها بأعين متسعة وصدمة كبيرة، لا تصدق أن عمها "سلطان" فعل هذا بإبنته وزوجته!
سافر لخارج البلاد منذ ست أعوام بهدف العمل وزيادة دخل مالهم بسبب دراسة ابنته، سافر عندما كانت في العام الثالث لثانويتها تلك الفترة التي يحتاج فيها الطالب لوالديه بجانبه أكثر من أي وقتٍ آخر، وقد وعدهم بالعودة بعد ثلاث سنوات على الأكثر!
تحملت نرمين تلك السنة بحلوها ومرها بمفردها، عانت في كثير من الأيام، مرت سنة كاملة كالدهر عليها ما بين دروس واختبارات وترقب لتلك النتائج التي ستحدد مصيرها و وجهتها التالية في مسيرتها التعليمية.
كان يومًا عصيبًا آخر مرت به دون والدها، حين ظهرت النتيجة ووجدتها ثمانين بالمئة، لم تنسى حتى الآن نظرات والدتها القاسية التي صوبتها عليها، لم تنسى كيف رفضت والدتها أن يزورهم أي أحد لتهنئتها، كانت تتوقع ردة فعل أخرى، على الاقل ابتسامة أو عناق دافئ منها تخبرها به انها أحسنت صنعًا.!
ولكنه لم يكن سوى عزاء بدأ بهذا الرقم الذي ظنت أنه نهاية عالم وانتهى ببكاء صامت.
صمدت على أمل أن تمر تلك الثلاث سنوات بسرعة ويعود لتنعم بدفء أحضانه التي حُرمت منها، على أمل أن يأتي ليطمئنها أنه لجانبها مهما كانت النتائج، انتظرت وصبرت وحتى الآن لم تنل ما تريد..
حتى اكتشفت اليوم أن والدها العزيز صنع عالمه الخاص وعائلته الخاصة ببلاد أخرى، وكم آلمها هذا وجعلها تبدو كالمغفلة أمام ذاتها، فقدت الكثير من ثقتها به ... وبنفسها.
نظرت لها بسنت بصمت تغلغله صدمتها، شعرت أنها حتى غير قادرة على الاقتراب منها وضمها لها لتواسيها، الله وحده أعلم بما تشعر وبما تمر به هي ووالدتها، هي لم تجرب هذا الشعور من قبل ولكن بالنظر لحالة إبنة عمها فيبدو أنه شعور قاسٍ ومؤلم.
الآن أحست بالشفقة على زوجة عمها، للحظات تناست ما فعلته بهم وشعرت بقسوة ما تعانيه تلك السيدة التي هجرها زوجها.
جف حلقها فتحمحمت وقد تخلت عن صدمتها لفترة من الوقت لتقترب من نرمين تجذبها داخل أحضانها، وبصمت أخذت تمسح على ظهرها وهي تعقد حاجبيها بضيق من عمها الذي خذل عائلته الصغيرة بفعلته الشنيعة.
أما نرمين فتابعت حديثها وهي تبكي بين أحضان بسنت التي تواسيها بتلك التربيتات على ظهرها:
كنت مستنية التلات سنين يعدوا عشان أشوفه بدل ما أنا بسمع صوته كل أسبوع مرة، عدوا تلات سنين وأربعة وخمسة وهو مرجعش! كنت مستنية دخوله علينا في اي لحظة، مستنية يفاجئنا برجوعه..
وعادت لتبكي بصوتٍ أرغم بسنت على البكاء هي الأخرى، بكت بصمتٍ وهي تحاول تهدئة تلك التي تعيش أسوء كوابيسها.
نسيت كل الحلو اللي عيشته معاه يا بسنت، نسيت كل حاجة حلوة عملهالي لما عرفت من ماما النهاردة، مش عايزاه يرجع ولا عايزة أشوفه.
قالت آخر كلماتها بكُره شديد في لحظة تمنت فيها لو أن والدها سلطان أمامها لتلقي كل هذا بوجهه، وعلى ذكر والدتها "منة" ازداد بكاؤها وتلك اللحظات التي تلقوا فيها خبر زواج والدها عادت لتقفز أمام عينيها.
حيث كانت تنكب على كُتبِها تنظر للكلمات والاحرف بالكتاب بشرود؛ تفكر في تصرفات والدتها المريبة بالفترة الأخيرة، وتلك السيدة التي كثيرًا ما تدعوها للمنزل لتختلي بها بإحدى الغرف، مَن تلك السيدة؟؟ ولما تستمر بالمجيئ لوالدتها؟؟ ولماذا تجلس معها بإنفراد.
لم تكن نرمين لتفكر بكل هذا لولا مظهر السيدة المرعب، لو كانت هيئتها عادية لما شكت للحظة بها أو بوالدتها ولكن ملابسها السوداء وذلك الكحل الذي كانت تُغرق عينَها به وتلك الابتسامة الغير مريحة بالمرة كل هذا كان يوحي انها ليست مجرد صديقة لوالدتها!!
انتفضت نرمين في مكانها بفزع عندما وصلها صوت صراخ والدتها من الخارج فدفعت المقعد للخلف وتحركت للخارج بسرعة، وقفت في الصالة أمام منة التي تصرخ بجنون في الهاتف:
يعني إيـــه؟؟ يعني إيـــه يا سلطان؟!! مسافر عشان تشتغل ولا عشان تتجوز عليا، رد عليـــــــــا.
صرخت بقوة في آخر كلمة وهي تلقي بالهاتف بعنف أرضًا، تقدمت نرمين خطوة من الهاتف لكي تلتقطه وتفهم ما يحدث بالضبط من والدها وكأن تلك الكلمات التي قالتها والدتها غير قابلة للتصديق.
ولكنها توقفت عما كانت ستفعل عندما رأت والدتها تلطم خديها وهي تصرخ بشكل مخيف بعد أن وقعت وانهارت أرضًا:
ليـــه، يتجوز عليا ليـــه!
بللت نرمين حلقها وهي تبتعد خطوة للوراء بخوف:
مـ ... ماما.
جحظت عيني منة وتوسعت بشكل كبير على غير الطبيعي، رفعت رأسها للسقف وصرخت بكل صوتها حتى لاحظت نرمين اختلاط صوتها بصوت خشن وكأنها ليست هي.
ارتفع صدرها لأعلى واسفل بخوف وامتلئت عينها بالدموع وهي لا تفهم ماذا يحدث، وقعت أرضًا بفزع عندما انتفضت منة من مكانها بشكل غريب لم تعتدل لتقف على قدميها كبشر عادي! بل بدى الأمر وكأنها قفزت من وضعيتها لتقف مباشرة على الأرض!
أخذت تلقي كل ما تطوله يديها أرضًا، حطمت المكان بأكمله أمام مرأى تلك التي تجلس أرضًا بخوف، ابتلعت نرمين ريقها وهي تشهق باكية عندما وجدتها تنظر لها بنظرات غريبة، وكأنها ليست والدتها.
اقتربت منها ببطئ دب الرعب بأوصالها حاولت القيام مرات عدة ولكن لم يساعدها ارتعاشها وارتجاف جسدها فزحفت لغرفتها واوصدت الباب عليها من الداخل جيدًا ليأتيها صوت والدتها المختلط بذلك الصوت المرعب وهي تصرخ امام الباب بينما تحاول فتحه بقوة.
التقطت هاتفها بسرعة وبعثت برسالة إنقاذ لبنات عمها بعد أن فقدت والدتها عقلها تمامًا، بالخارج أخذت منة تصرخ بينما تضرب رأسها بالباب والجدار جانبه وبدت أنها في حالة من اللاوعي.
اختفى ذلك الصوت الذي كان يصاحب صوت منة وتحدثت بصوتها الطبيعي:
هم احسن مني في إيــه؟؟ ما جوازتهم الاتنين هنا وسط ولادهم وعايشين عادي!!
وتوسعت عيناها وهي تردد بجنون:
أيوة عملت لعمك وبناته سحر، وعملت لغادة بنت فاتن جارتنا وعملت لعلاء جوز زهرة، وهعمل لأ...
واختفى صوتها تمامًا تلك المرة وحلّ مكانه ذلك الصوت المخيف ليتمكن منها فاندفع جسدها نحو الحائط وعادت لتضرب رأسها به.
ولم تفق من تلك الحالة إلا عندما سقطت أرضًا وشعرت بذلك السائل الدافئ الذي انهال فوق وجهها أثر ما فعلته بنفسها..
عادت نرمين من أرض الذكريات السوداء لأرض الواقع حيث هي داخل أحضان بسنت، استمرت بالبكاء دون أن تضيف أي كلمة أخرى فوق ما سبق وقالته وهي لا تعرف على أي همٍ تبكي، على والدتها وتلك الحالة التي انتابتها أم على ما فعله بهم والدها والذي من المفترض أنه سندها.
وفي النهاية غفت من شدة التعب على كتف بسنت التي تألمت كثيرًا لحالها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هل مررتم من قبل بتلك اللحظات الذي يعميكم فيها الغضب؟؟ أن تأكل النيران صدورَكم وتودون تحطيم كل شيء وأي شيء، أن تضيق بيكم الأماكن ويعتريكم الضيق من كل ما حولكم.
كانت جنى تمر بكل هذا وأكثر، تمنت لو أنها صقرٌ أو نسرٌ لتحلق بسرعتهم لقسم الشرطة حيث بالتأكيد يتواجد ذلك العصام الآن.
كان صدرها يعلو ويهبط والغضب يتصاعد شيئًا فشيء كلما اقتربت من مرادها وبالمرآة يراقبها كلٌ من سامر وطارق الذي لا يعي أي شيء!
كلاهما قالا أنهما سيُفهمانه بالطريق ومنذ أن تحركت السيارة لم ينطق أي منهما ببنت شفة!!
تحمحم طارق يحاول جذب انتباه من يخبره بأي شيء فلم يلتفت له أحد، تطلع لسامر شقيقه جانبه فغمز له سامر.
رفع طارق حاجبيه ليشير بعينيه على تلك القابعة بالخلف فحرك له سامر يده كي يصبر، واستمر هذا الحديث الصامت بينهما حتى صاح طارق بنفاذ صبر:
أيوة وبعدين يعني هتفضل تغمزلي كده كتير!
ضغط سامر على شفته وهو يلعن غباء أخيه الأكبر بينما بالخلف تطلعت له جنى بدهشة وفزع لصراخه المفاجئ.
وما كادت تجيبه قاصصة عليه ما حدث حتى توقفت السيارة فألقت بالحقيبة جانبًا وترجلت منها بسرعة لم يستوعبها أي منهما.
نظر لها سامر وهو يقطب جبينه بعدم فهم وثواني وفهم ثورتها وغضبها فنظر لطارق بسرعة صارخًا به وهو يهبط هو الآخر مهرولًا خلفها:
احيه! حلق عليها بسرعة حلق عليها.
ترجل طارق بسرعة يلحق بها رغم أنه لا يفهم اي شيء ولكن الجميع يعلم غضب جنى التي ورثته عن والدها توفيق، ورثوا جميعهم ذلك الغضب ولكن بتباين وتفاوت وكانت جنى أقصاهم غضبًا.
دلفت لغرفة الظابط مصطفى الذي كان يجلس خلف مكتبه وامامه يجلس عصام، ومع فتحها لباب الغرفة بهذا الشكل رفع وجهه متعجبًا لمن اقتحم مكتبه.
ما إن رآها عصام حتى إبتسم ببرود وهو يشير عليها:
أهي جنى جت اهي يا حضرة الظابط..
كانت تقف على أعتاب باب المكتب تطالعه بغضب أعمى وصدرها يعلو ويهبط لتلك النيران المتأججة التي تحيط به.
نظر لها عصام بتلك الابتسامة التي زادت من غضبها وتابع:
تعالي عرفي حضرة الظابط إن دي حاجات بينا وملوش لزوم ند...
ولم تعطه الفرصة ليتابع واقتربت منه بسرعة لتهبط بكفها على وجهها بصفعة حملت من الغضب ما يكفي لتترك أثرًا بارزًا فوق قسماته.
توسعت عيني مصطفى وهو يخرج من خلف مكتبه بسرعة بينما على الباب وقف يجفف يده بذلك المنديل الورقي وبنظرة إعجاب وإنبهار تحدث بتلقائية:
يا كوين يابنت الكوين ياللي عمرك ما هتكوني غير كوين!!
وجد فجأة من يدفعه من الخلف والذي لم يكن سوى سامر الذي اقترب بسرعة من ابنة عمه، نظر له عثمان بغيظ وما كاد يعتدل فتفاجئ بدفعة أخرى طارق الذي لحق بأخيه.
يا ولاد الـ...
ويبدو أن تلك الصفعة لم تكن كافية لجنى التي صاحت وهي تمسكه من تلابيب قميصه:
حاجات بينا ايه يا زبالة ياللي التربية معدتش على بيتك، دانا هخليك تقول ياريت اللي كان ما جرى بحق اللي عملته في تعبي وشقايا يا كِلح يا جربوع أنت..
توسعت عيني عثمان بتعجب وهو يردد من بعدها بينما يتابع ذلك المشهد من على الباب بإستمتاع:
كِلح!!
جذبها سامر سريعًا من ذراعها للخلف وتحدث بتوتر وهو ينظر لمصطفى وتمنى داخله ألا تضعها فعلتها تلك بموضع الشك، نفضت يد سامر عنها ونظرت لمصطفى الذي تحدث بحدة:
لو سمحتِ يا آنسة جنى اللي بتعمليه غلط وهيضعف موقفك في القضية، ياريت تعدي وتهدي عشان نشوف هنوصل لإيه.
ضيّق عثمان عينيه وهو يكرر إسمها بينما يحرك رأسه بإيجاب:
جنى! إسم فيه جنجنة كده.
جلست أمام عصام الذي طالعها بغيظ ولم ينطق بأي شيء بعدما فعلته وهو يعلم أن هذا لصالحه بينما تطلع مصطفى لسامر وطارق وأشار لهما على مقعدين في أحد أركان المكتب لكي يجلسوا.
رفع وجهه ونظر بتحذير لعثمان الذي إبتسم بسمة واسعة وهو يرفع إبهامه بينما يتحرك للخارج ليترك أخيه يقوم بعمله على أكمل وجه.
رماها بنظرة أخيرة قبل أن يخرج وقد تذكر أنه رآها منذ قليل بالمشفى، جلس بالخارج بعد أن قرر سؤالها عن أحوال تلك السيدة التي ظنها والدتها، وستكون فرصة أيضًا للحديث مع ذات الرداء الأسوء!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالمستشفى حيث بقى كلٌ من حامد وتوفيق ومَجد بإنتظار أن تستفيق السيدة منة والتي وكأنها أحبت ذلك الظلام الذي عانقها وأراحها من أحداث وحقائق بشعة فقررت البقاء داخله لفترة أطول!
كان حامد يجلس بجانب أخيه توفيق على المقاعد أمام غرفتها بينما مجد يقف بالخارج وهاتفه فوق أذنه يحاول الوصول لتلك التي استنجدت به ببضع كلمات وأغلقت من بعدها المكالمة بوجهه.
كان قلبه يتآكل قلقًا وخوفًا من أي يصيبها أي مكروه خصوصا أنه يعلم كم هي عنيدة، حاول مرارًا وتكرارًا لكن دون جدوى!
نظر للمر حيث بنهايته يجلس والده وعمه ثم للهاتف بين يديه؛ لا يمكنه إخبار عمه بأمرها ولا يمكنه كذلك أن يغادر المشفى هكذا دون قول شيء!! لقد وضعته بين فكي ذئب جائع وهربت!
أخذ يتنفس عدة مرات قبل أن يفتح الهاتف من جديد وهو يردد "يارب" على أمل أن تجيب تلك المرة، وكأن الله اطلع اللي قلبه ورأى هذا الخوف لتأتيه الإستجابة فورًا..
وضع الهاتف فوق أذنه وتحدث بسرعة وقليل من الحدة النابعة من خوفه:
ايوة يا بسملة، في ايه اللي حصل تاني!
ولم يأته الرد سوى بكاء وشهقات، تنهد وهو يبتعد أكثر ليصبح امام الشارع المؤدي لخارج المشفى، تحدث بهدوء ولين:
طب اهدي طيب، بطلي عياط لو سمحتِ وفهميني، متقلقيش أنا معاكِ!
استمرت بالبكاء لدقيقة أخرى تقريبًا قبل أن تتحدث بين شهقاتها:
بعت ... بعت يهددني، أنا .. أنا والله معملتش كده.
كانت تقصد تلك الوضعيات بالصور التي أرسلها لها، عادت لتبكي مرة أخرى فقال مجد وهو ينظر حوله:
طب معلش بس اهدي، اهدي وبراحة تاني عشان أفهم! هو بعت ايه؟
أجابت ببكاء ونبرة مترجية كي يصدق حديثها:
صور لينا أنا وهو، بس والله أنا عمري ما قربتمنه بالشكل ده! والله كلها مش حقيقـ...
نظرت للهاتف بصدمة، أنهى المكالمة!!
ألا يصدقها؟!!!
رواية بيت البنات الفصل السادس عشر 16 - بقلم امل صالح
تطلع مَجد لهاتفه بصدمة بعد أن انقطع صوتها وقد ظن أن مكروهًا أصابها، لذا أنهى المكالمة ولكنه تفاجأ بنفاذ بطارية هاتفه في موقف كهذا.
تحرك للداخل بسرعة يسأل كل من يقابله عن شاحن لأمر هام، حتى اقترب من والده وعمه فحاول أن يكون متزنًا وألا يظهر أي شيء قد يثير شكوكهما.
كان والده حامد يقف بالقرب من الغرفة يتحدث بهاتفه، فنظر لعمه ووقف أمامه وتحدث كاذبًا وهو يمد يده:
"معلش يا عمي تلفونك، أطمئن على أمي والبنات وأكلم سامر أو طارق بالمرة أشوف هم فين دلوقتي."
أعطاه توفيق الهاتف وعاد لشروده مجددًا، فكانت ندى قد أخبرت والدها عن أمر عصام وعما فعله بمكتب جنى وعن إنفصالهما، وختمت بذهاب جنى لقسم الشرطة للإبلاغ عن الفاعل والذي اتضح أنه عصام.
قصت له الأمر بإيجاز واختصار شديد لمراعاة أنهم في المشفى وليسوا في منزلهم، وقد كانت قلقة جدًا من رد فعله، ولكن يالا العجب! لم يبدو عليه أي علامات تشير إلى أنه غاضب!
فقط ارتسم الضيق على وجهه وهو يقول:
"مكنتش مرتاحله لا هو ولا أهله، وزاد الطين بلة لما مجاش يعزي في الظروف اللي فاتت، عرفت إنه عيل ومش قد مسؤولية وميعرفش حاجة في الأصول."
ردت ندى بهدوء رغم الألم الذي داهمها لذكرى ابنتها الراحلة:
"اللي فهمته من جنى إنه جه فعلًا بس عشان ياخد حاجته مش عشان يعزي، لسه معرفش سبب فسخ الخطوبة بس أنا برضو مكنتش حباه، ولولا موافقتها عليه وقتها أنا كنت قولت الكلام ده بس محبتش أكسر فرحتها."
ثم تابعت بغيظ وكراهية:
"كلب وراح في داهية، المهم يعني يا بابا..."
قطعت حديثها بتوتر وهي لا تعرف كيف تخبره أن يكون هادئًا وإلا يغضب عليها؛ فكلمات جنى لازالت تتردد بعقلها وتُشعرها بذنب كبير لا دخل لها فيه. لاحظت أنها محقة في كل ما قالت، ولكن كيف تغير من والديها ومن أفعالهما النابعة عن قلقهم!
نظر لها توفيق لتتابع، فابتلعت ريقها وهي تسترسل بإرتباك:
"يعني لما جنى تيجي ياريت ما تتعصبش عليها، أو... أو تزعق يعني، هي أكيد مخنوقة ومتضايقة بسبب اللي بيحصل لينا كلنا."
أومأ توفيق بهدوء خارجي عكس ما يعتريه من ضيق وغضب ومشاعر سلبية أخرى كثيرة، كانت تلك المشاعر من نفسه بالأساس والتي نتجت بسبب ردة فعله التي خرجت منه بالمنزل عقب معرفته عن هذا السحر الذي صنعته لهم "منة". تذكر صراخه بوجه بناته الغاليات، تذكر تلك الكلمات التي كانت بمثابة سهام قاتلة ضربتهن واحدة واحدة.
لام نفسه كثيرًا على ما قال، تذكر كم من مرة قال لهم تلك الكلمات الجارحة، كم من مرة صاح بوجوههن أنهن مجرد فتيات لا فائدة ترجى منهن، كم من مرة أخبرته وجيهة زوجته أن تلك الكلمات تؤذي مشاعر بناته، ولكنه في كل لحظة غضب يعود ليذكرهم بتلك الكلمات ليزيد من كرههن لذاتهن، مرة ومرة ومرة حتى شيّدت تلك الكلمات سورًا عاليًا من الجفاء بين الأب وبناته.
فلم يكن غضبه في ذلك اليوم بسبب ذلك السحر، كان محور غضبه وسببه الرئيسي هو تصرف "جنى" وتحركها دون علم منه!
رغم أنه بعد أن هدأ حمد ربه على دهاء ابنته وذكائها وعقلانيتها التي جعلتها تتصرف هكذا بمفردها، ولكن وقت أخبرته أعادت له وابل من ذكريات الماضي، ذكريات مرت عليها أعوام ولكنها منحوتة في ذاكرة قلبه وعقله.
عندما كان شابًا وقد كان توفيق ثاني أخوته بعد كبيرهم حامد الذي كان ذراع والدهم طه الأيمن، كان يعتمد عليه في كل صغيرة وكبيرة، بينما توفيق لم يتلقى سوى التوبيخ والكلمات القاسية عن مدى فشله وأنه لا ينفع بأي شيء. كان "طه" والده دائمًا ما يأخذ رأي حامد عمله ويتجاهل رأي توفيق ساخرًا بـ:
"مبقاش غيرَك أنت آخد رأيه؟؟ قوم يا توفيق قوم، شوف وراك ايه."
كان يُشعره أنه منبوذ، يهمش وجوده وكأنه ليس فردًا من العائلة، كان يراه مجرد صبيٍ صغير لا نفع منه، حتى كبر توفيق بهذه العقدة وتلك الكلمات لم تفارقه حتى الآن!
رغم اعتذار والده الدائم له قبل الوفاة ورجائه له بأن ينسى تلك الكلمات البشعة القاسية، إلا أن هذا ليس بمحض ارادته! لا حكم له على عقله الذي كلما سنحت له الفرصة يعود لتلك الذكريات السيئة.
لذا فقد رأى توفيق بتصرف ابنته جنى دون علمه أنها لا تهتم لوجوده وأن لا رأي له أو حكم في تحركاتها، فثار ذلك الوقت وصب غضبه عليها وعلى أخوتها كما رفض قدوم الشيخ محمد ليقوم برقيتهم كما من المفترض أن يحدث!
ظن أنه هكذا هو المسيطر وأن الكلمة كلمته، أراح عقدته ولم يرح قلبه الذي صاح يعاتبه على ما فعل وقال واستفاق فجأة ليتفاجئ بهول ما فعله.
وزن الأمور وعقلها، علم أنه أخطأ عندما غضب على تلك المسكينة جنى التي فعلت ما لا يستطيع فعله مئة رجل، علم أنه كان غبيًا عندما استعر من خلفته ومن بناته.
لذا عندما أخبرته ندى بأمر عصام وأمر إبلاغ جنى عنه لم يغضب، وإنما شعر بالرضا والفخر، ودّ لو أن كانت جنى أمامه ليخبرها بمدى فخره بها، ليعتذر لها ولبقية بناته. قرر عينيه.
ربما فات الأوان يا توفيق، وربما لا.
بجانبه وعلى بُعد سنتيمترات، حيث يقف حامد واضعًا هاتفه فوق أذنه وهو يتحدث مع أخيه الأصغر سلطان، صاح حامد بغضب مكتوم وهو ينظر حوله:
"بقولك مراتك تعبانة جِدًّا وحالتها زفت ومش فاهمين مالها تقولي شغل! أقسم بالله لو ما سيبت اللي في إيدك وجيت يا سلطان هيبقى في تصرف تاني."
أجابه سلطان بصوت ساخر غير مبالٍ:
"ده كان زمان يخوفني الكلام ده، وأنا مش نازل البلد غير لما اصفي شغلي هنا وهي ولا تعبانة ولا حاجة دي تلاقي بس الصدمة مأثرة شويتين معاها."
هدأ حامد قليلًا يسأله بغرابة ولم يفهم مقصده من الجملة الأخيرة:
"صدمة إيه؟?"
"إني اتجوزت."
جحظت عيني حامد ولم ينطق بأي كلمة للحظات، ما لبث أن استوعب ما قاله سلطان ليصرخ به بعصبية وقد تناسى كل ما حوله ولم يرى سوى فعلة أخيه المتبجح:
"أنت اتجننت يا سلطان؟؟ سايب مراتك وبنتك ومتبهدل في الغربة عشان تتجوز عليها، ايه ياخي مفيش عندك شوية من الأحمر!!"
فصاح الآخر بالمقابل بغضب مماثل:
"هي الغبية وماستنتش أفهمها، هي حرة بقى تولع ولا تروح في داهية، أنا اللي ميقدرنيش ابيعه."
ارتفع صوت حامد عن ذي قبل وهو يشعر أن رأسه سينفجر:
"ما تجننيش يا سلطان، ماتجننيش! يعني غلطان وعامل فيها مظلوم؟!! بقولك مراتك هنا الله أعلم بوضعها وكذلك بنتك وأنت مش فارق معاك وفوق كل ده مش شايف إنك غلط؟؟ مفيش إحساس؟؟؟"
اقترب منه توفيق الذي توجهت له إحدى الممرضات تشتكي من صوت حامد الذي يسبب إزعاجًا للمرضى. أغلق حامد بوجهه وجلس فوق المقعد وهو يتحدث بعدم تصديق يشرح لتوفيق ما حدث:
"بيقولي مصدومة من اللي حصل؟؟ اتجوز عليها برة وبيغلط فيها ومش فارقة معاه وكأنها هي اللي غلطت مش هو!! أنا مش فاهم أخوك ده دماغه فيها إيه!!"
زفر توفيق بضيق وهو يردد "لا حول ولا قوة الا بالله" بينما يحاول أن يفكر في أية حلول لتلك المشاكل التي تنهال على العائلة.
بغرفة "منة" ظلت ندى بجانبها بأمر من الطبيب الذي أكد لهم ضرورة وجود أحد لجانبها؛ فهم لا يعلمون ما بها حتى الآن ولا يعلمون سبب فعلها هذا بنفسها، لذا جلست ندى بجانبها لكي تلحق بها إن فكرت القيام بشيء كهذا مرة أخرى.
استمعت لحديث حامد فتطلعت لزوجة عمها بحزن وشفقة وقد خمنت أنها ربما فعلت هذا بنفسها بسبب صدمتها بخبر زواجه عليها، ولم يخطر ببالها أن زوجة عمها بالأساس .... ممسوسة!!
فهي لم ترى حالتها التي رأتها نرمين، ولم تسمع كذلك الصوت الخشن الذي يعود لمن يوجد بداخلها، فكان احتمال أن بها شيء - كالجن أو المَس - مستعبد تمامًا ولا يخطر على بالها.
أما عن المستلقية فوق فراش المشفى فكانت قد استيقظت منذ عشرة دقائق تقريبًا ولكنها ظلت تتصنع النوم، لا تتذكر أي شيء من الساعات الماضية سوى أنها تلقت خبر زواج زوجها بأخرى.
ومنذ قليل استمعت أيضًا لصوت حامد وحديثه على الهاتف ومع توفيق، هبطت دموعها بصمت ودون أن تتحرك وهي ترى كم أن لا قيمة لها بالنسبة لذلك الذكر الذي ظنته رجلًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خرجت جنى من مكتب الظابط "مصطفى" ومن بعدها سامر وطارق الذي شُرح له الأمر كاملًا وفهم ما يحدث من حوله، كان خروجها يصحبه صوت صراخ عصام الرافض لعقوبته والمتوعد لها كذلك.
فقد ظن أنها ستتراجع عندما تعلم هويته وأنه هو مَن فعل هذا بمحل عملها، ظن أنها ستهاب الحديث أو البوح عن أي شيء، ولكنها بكل بساطة أخبرت الظابط عن توعده لها بعد انفصالهما، ولم يخطر بباله أنها ستقوم بعمل محضرين ضده!!
الأول كان (محضر اثبات واقعة) والثاني والذي فتحه الظابط للتو (محضر عدم تعرض). عُوقب بالسجن ودفع غرامة مالية كبيرة أثر ما فعله بمكتبها ومعدات عملها، سيخرج بكفالة على أي حال، لكن قضائه ولو مجرد ساعات في هذا المكان وسط تلك الوجوه الإجرامية يجرح كبرياءه.
ثار وصرخ وهو يحاول الإفلات من بين أيدي العساكر بينما يسب ويلعن وهو يتوعد لجنى التي خرجت ترفع رأسها بثقة ولامبالاة لتهديداته الصريحة.
بينما بخارج القسم كان يجلس فوق مقدمة سيارته يستند بكفيه للخلف بينما يدندن وعينه تطلع للسماء بشرود وابتسامة صغيرة:
"الليل وسماه ونجومه وقمره، قمره وسهره.."
نظر ناحية باب القسم ثم للساعة التي تحتضن معصمه وزفر بملل وهو يعيد نفس المقطوعة:
"الليل وسماه ونجومه وقمره، قمره وسهره.."
دقيقة تقريبًا ووجدها تندفع للخارج مع هذين الشابين الذي تبين له أنه رآهما أيضًا في المشفى، فاتسعت ابتسامته وهو يتابع غناءه بينما ينظر إليها:
"وأنت وأنا.."
قفز عن السيارة واقترب منهم بتمهل، كانت جنى تتحدث بإنفعال وغضب عندما تفاجئت هي والشباب بذلك الغريب يقف أمامهم، عقدت حاجبيها بعدم فهم وهي تطلع إليه بينما يتحدث بجدية:
"الحجة عاملة ايه دلوقتي يا آنسة جنى؟"
ردد سامر بدهشة وهو ينظر لجنى:
"مراة عمي؟؟ حصل إيه يا جنى؟?"
نظرت له بنفس الدهشة وأجابت:
"معرفش والله مالها..."
ونظرت لعثمان الذي يتابع الحوار بغباء هو الآخر وتحدثت بحدة:
"أمي مالها يا جدع أنت؟ أنت تعرفها منين أصلًا!!"
وعندما فتح فمه ليجيبها قاطعه طارق الذي تذكره فورًا فوقف أمامه بإبتسامة:
"معلش يا دكتور حقك عليا هم بس مصطبحين ودماغهم مش فيهم."
فضحك عثمان ضحكة صغيرة أبرزت غمزة صغيرة بخده الأيمن وهو ينظر لها:
"الصنف عالي باين!"
لقد تعرفت عليه الآن! إنه نفس الطبيب من المشفى، الذي تحدث بلطف وحنان مع السيدة التي فقدت ابنتها، لقد تذكرت.
نظرت جنى أرضًا بحرج لتلك السخرية التي تدور عليها وتحدثت وهي ترفع حقيبتها فوق كتفها:
"بعتذر أنا بس مش مركزة دلوقتي.."
صمتت لبرهة ورفعت وجهها لتجيب عن سؤاله الأول بصوت هادئ:
"معرفش بصراحة أحوالها دلوقتي بس أنا سيبتها هي وجوزها وهي نوعًا ما هادية عن الأول بفضل كلامك معاها."
قالت جملتها الأخيرة بإبتِسَامة صغيرة رقيقة فبادلها إياها وهو يوضح لها سبب سؤاله:
"أنا فكرتِك حد من أفراد عيلتها عشان كده جيت أسالِك، ربنا يرحمها ويصبرهم على فراقها."
ابتسم وهو يمد يده مصافحًا طارق بالبداية ومن بعده سامر وهو يتحدث معرفًا عن نفسه:
"عثمان أشرف القاضي؛ اتشرفت بيكم."
أشار سامر عليه وعلى جنى وطارق معرفًا بمرح:
"أحفاد عيلة الهلالي، إحنا أشرف."
لكزه طارق وهو يصافح عثمان بحرج:
"تشرفنا بيك يا دكتور.."
وقبل أن يغادروا نظر لها وتحدث بصدق وهو يضيق عينيه بتفكير:
"حاسس إني شوفتِك قبل كده!!"
رفعت حاجبيها بدهشة وهي تحاول أن تتذكر إن كانت بالفعل قد رأته من قبل ولكنها لم تجد شيئًا في عقلها الفارغ.
تفرق كل منهم لوجهته بعد هذا التعريف الصغير؛ دخل عثمان القسم وتحرك الثلاثي للسيارة لتعود جنى للبيت ويعود طارق وسامر للمستشفى كي لا يتركوا والدهم وعمهم بمفردهم.
وبينما كانت شاردة في السيارة شهقت فجأة صارخة وهي تنظر للطريق خلفها بغضب بعد أن تذكرت:
"الحقير!!!"
ولج مكتب شقيقه بعد أن سُمح له بواسطة أحد العساكر بالدخول، تحدث بغيظ وهو يجلس على احد المقاعد أمام المكتب:
"يعني مزاجي يبقى رايق وداخل بغني يقوموا موقفني برة وقال ايه لازم حضرة الظابط يسمحلك الأول، ولاا أنت مش أخويا يالاا، لا يمكن تكون أخويا وتعاملني كده!"
وقف مصطفى يلملم متعلقاته وهو يجيبه بجدية وهدوء:
"وأنا قولتلك الدخول هنا مش سداح مداح، قولتلك برضو متجيش الشغل هنا إلا للضرورة يا عثمان مش كل شوية الاقيك ناططلي هنا ولا كأنه بيت أبوك!!"
رفع عثمان قدمه ليضعها فوق المقعد المقابل له متحدثًا ببسمة مستفزة وبرود:
"أومال لما تعرف إني سيبت الشغل في المستشفى بقى!! دانا هجيلك بعد كده قبل كل وجبة، نتشارك بقى وكده أنت عارف إني مبعرفش آكل من غيرك!"
ترك مصطفى ما بيده وجلس على كرسيه:
"سيبت الشغل ليه؟?"
وقف ينظر لساعته:
"لأ دا موضوع يطول شرحه في الطريق بقى، بس قولي..."
نظر له مصطفى فاقترب منه الآخر بمكر:
"حتة البُغاشة اللي كانت هنا معاك تفاصيل بيتها ورقمها وكده صح؟?"
"الآنسة جنى!"
أومأ بإبتِسَامة واسعة وثقة فأردف مصطفى وهو يتحرك للخارج ومن خلفه عثمان الذي ينصت بتركيز:
"بعد اللي قولته يوم ما شوفتها انسى تديك فرصة للكلام، واحدة بنت ناس ومحترمة زيها مش هتقبل بواحد يقول عنها حتة عباية سمرا.."
توسعت عينيه وقد تذكر أين رآها لأول مرة، تمتم وهو يرفع يده ووجه للسماء بعد أن صارا خارج المكان يدعو برجاء:
"يارب ما تفتكر يارب.."
صعدا سيارة عثمان حيث جلس مصطفى لجانبه وهو يقود:
"وأنت لحقت عرفتها امتى يا عثمان؟؟ جاي تسأل مرة واحدة عن رقمها وعنوانها؟?"
أجابه بإبتسامة وهو يشرح له بجد:
"الحقيقة مفيش حاجة في شكلها جذبتني ليها عشان أكون صادق بس شخصيتها لوحدها حوار، حاجة special كده ومزيج رائع من القوة والحنية والحياء."
صاح به مصطفى بتحذير وهو يشير للأمام:
"والطريـــــق..."
ضحك عثمان وهو يتابع بعد أن تركت تلك الضحكة بسمة صغيرة لتزين ثغره:
"ماتفهمش إزاي عرفت تعمل دول كلهم وهي شخص واحد! يعني ساعة ما لسعت الواد على وشه حسيت إنها واحدة بمية راجل وقد المسؤولية وفي المستشفى كانت بتتكلم مع الست بحنية وأسلوب عسول أوي!!"
إبتسم مصطفى على وصف أخيه الأصغر لتلك الفتاة ثم اخرج هاتفه على رقم جنى المسجل معه وأرسله له في رسالة على أحد التطبيقات.
في حين كان عثمان مستمر في وصفها بإعجاب:
"ولما وقفت واتكلمت معاها حسيتها حد تالت خالص، كانت رقيقة وبسكوتة كده فاهم؟?"
أومأ مصطفى ضاحكًا بخفة:
"ايوة أيوة فاهمك."
نظر له واسترسل بجدية:
"بعتلك الرقم اللي كلمتها منه بس يستحسن ماتكلمهاش إلا لما أبعتلك العنوان بكرة، اسأل الأول واعرف أهلها مين..."
تنهد مصطفى ونظر للطريق أمامه وتابع:
"اللي ضربته النهاردة ده خطيبها السابق أصلا، انفصلوا بكل هدوء واحترام زي ما فهمت من كلامها، بس هو كان شخص زبالة زي ما أنت فاهم، أجّر شوية بلطجية دمرولها مكان شغلها، كان باين عليها مقهورة وزعلانة عشان كده معرفتش تتماسك لما شافته.."
ورغم صدمته بأمر خطبتها إلا أنه تحدث بضيق:
"يلهوي على الإنسان لما يتفرعن ويفكر نفسه حاجة! ده إيه الجحود ده يا جدع! صحيح عيل كِلح ويستاهل بدل القلم عشرة."
ضحك مصطفى عاليًا وهو يسأله:
"أنت سمعتها؟?"
شاركه عثمان الضحك وهو يجيبه:
"دانا كان نفسي أسقفلها والله، بت king بصحيح."
وتبادلا أطراف الحديث بين مزاح عثمان وغيظ مصطفى حتى وصلا للوجهة المقصودة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جميعنا رغم كثرة مَن يحومون حولنا من أصدقاءٍ وعائلة إلا أنّ هناكَ بعضُ الأوقات التي نحتاجُ فيها للإختلاءِ بأنفسِنا، لإفراغ الشحنات السلبية وإعادة تجديد طاقتنا، لا تخبرني عزيزي القارئ أنك لم تمر بتلك اللحظات؟!!
دخلت جنى منزلها أخيرًا بعد ذلك اليوم القاسي، وتوجهت مباشرة لغرفتها تجر قدميها الثقيلة رغمًا عنها للداخل.
ألقت الحقيبة والحذاء بعشوائية بعد أن اوصدت الباب عليها من الداخل، جلست فوق الفراش صامتة لدقيقتين، تسترجع أحداث اليوم من البداية.
أولًا عندما استيقظت من نومها على خبر مفزع وهو تحطم مكتبها، ثانيًا لمّا وبخت من قبل والدها بعد أن علم بأمر السحر الذي صنع لهم، ثالثًا فقدان بسملة لوعيها لتمر لحظات مؤلمة وقاسية على الجميع وهم ينتظرون أن تستفيق، رابعًا ما حدث لزوجة عمها منة وإستكشافهم أنها من فعلت هذا بهم، خامسًا هوية مَن دمر لها حلمها وجعل منه مجرد حطام، وأخيرًا تلك المواجهة بينها وبين شقيقتها ندى والتي لم تزدها سوى ألمًا.
كل هذا بيومٍ واحد، كل تلك الأحداث دفعة واحدة وكل هذا تحملت هي أمره بمفردها، رفعت وجهها تطلع لسقف الغرفة بدموع أغرقت وجهها، أليس هذا كثيرًا يا الله؟!!
انفجرت بالبكاء وهي ترفع قدميها عن الأرض تخبئ وجهها بينهما لتبكي براحة، يفوق كل هذا قدرتها، هي ليست بتلك القوة التي تظهرها، لا يمكن لبشر أن يتحمل كل هذا مهمًا كان!!
"يارب ... يارب."
رددتها من بين بكائها، رددتها وهي تتمنى أن تشرق شمس الأمل لتزيح ظلام الحزن واليأس الذي يحيط بها، انهارت بمفردها تشكو حزنها إلى الله، تدعوه أن يبدل ذلك الحزن فرحًا وأن تعود لها ذاتها التي فقدتها بين ليلة وضحاها.
ومر ذلك اليوم الثقيل على الجميع، كان يومًا متعبًا مليئًا بالصدمات والأحداث المؤلمة للجميع، يومًا رغم بزوغ الشمس وانتشار ضوئها الذي يبث الأمل في نفوس الكثير إلا أنه كان مظلمًا للبعض..
في صباح اليوم التالي عند الساعة التاسعة وبضع دقائق، كان صوت الضجيج عاليًا ببناية عائلة الهلالي الذين كانوا يتحركون بعجلة في كامل المبنى.
كان كلٌ من سامر وطارق يساندون زوجة عمهم التي خرجت صباحًا من المستشفى ومنذ ذلك الحين لم تنطق بأي كلمة، من خلفهم كانت تسير ندى وهي تحمل بعض الأدوية التي كتبها الطبيب لها ولجانبها مجد الذي كان يراقب السلالم على أمل أن يراها ويتحدث معها.
بينما خارج العمارة كان يصف حامد السيارة بينما يتحدث مع أخيه توفيق يحاولان إيجاد حل مع تصرفات اخيهم الذي لا يهتم بالمرة لزوجته وابنته.
وبالطابق الأخير حيث منزل سلطان، كانت السيدة شهيرة زوجة حامد ترتب المنزل بمساعدة بسنت ووجيهة وبسملة استعدادًا لعودتها.
ورغم زهولهم وتعجبهم من هيئة المكان إلا أن لا واحدة منهن نطقت ببنت شفة، حتى وصلت منة مع الشباب لمنزلها.
لم تستطع وجيهة ان تستقبلها أو ترحب بعودتها سالمة كما فعلت شهيرة، فمجرد أن سمعت صوتهم يقترب حتى تركتهم وتحركت للأسفل ولحقت بها بناتها.
وتلك اللافتة جذبت انتباه الجميع ولكنهم رغم هذا التمسوا لها العذر، فما فعلته منة ليس بشيء صغير يغفر.
"بسملة!"
همس لها مجد وهي تمر من جانبه فرمقته بنظرة مؤلمة لم يفهم سببها، أدار رأسه للخلف بعد أن تخطته للأسفل علها تطالعه ويفهم منها سبب تلك النظرات لكنها لم تلتفت نصف التفاتة حتى!
رواية بيت البنات الفصل السابع عشر 17 - بقلم امل صالح
استيقظت جنى باليوم التالي بعد أن قضت ليلتها منهارة تبكي على حالها وما يحدث لها، فردت ذراعيها واعتدلت لتجلس فوق الفراش وهي تشعر بالغرابة لتلك الطاقة الفُجائية التي تخللتها.
تشعر بحماس غريب لا يلائم الوضع بالمرة، وكأنها قضت ليلتها أمام البحر تستمتع بموجاته الهادئة ونسمات الهواء العليلة التي تبعث الراحة بالنفوس وبعيدًا عن ضجيج العالم، إنها المتعة الحقيقية!
زفرت مطولًا وكأنها تزيح آثار ذلك العبء الذي كان يملئ صدرها، بكاؤها بالأمس جعلها هادئة ومطمئنة عن ذي قبل، كانت تحتاج لهذا البكاء بحق!
تركت مضجعها وتحركت للنوافذ في غرفتها تفتحها لتقتحم أشعة الشمس الساطعة غرفتها فانتشر الضوء بها جاعلًا منها منيرة ومريحة للأعين كذلك، إنها شمسُ يوم الجمعة كما تعلمون، الشمس في ذلك اليوم تكون جميلة بشكل غريب عن باقي الأيام!
وما ساعد في هذا أيضًا هو لون طلاء غرفتها الفاتح الذي زاد من تلك الإنارة.
مرت من أمام المرآة فتوقفت تتطلع لوجهها بتعجب ودهشة، كيف يكون وجهها ساطعًا هكذا بعد هذا البكاء بالأمس!! لقد صدّقت ذلك المنشور الذي رأته والذي كان مضمونه أن اليوم التالي بعد نومِكَ باكيًا تكن فيه نشيطًا وصافيَ الوجه!
وقع نظرها على الرداء الأسود الذي ترتديه - العباية - فزفرت بحنق لنومها به وهي مَن كانت تصرخ ببسملة ألا تنام بملابس الخروج!
تحركت لخزانة ملابسها وأخرجت منامة بيتية ثم خرجت من الغرفة لتلقي تحية الصباح على كل من تراه، كانت وجيهة تقف أمام الغسالة تجفف الملابس التي انتهت من تنظيفها عندما وقفت أمامها جنى تسألها:
"صباح الخير يا ماما، قدامك كتير ولا إيه؟؟ عايزة آخد دُش على السريع كده عشان أنزل المكتب."
رفعت وجيهة حاجبيها بإستنكار:
"تنزيلي المكتب؟؟ أنتِ يابنتي مش النهاردة إجازتِك؟"
أومأت بالإيجاب وهي تفسر لها:
"أيوة بس لازم أنزل النهاردة عشان أشوف هعمل إيه في المكان والحاجة اللي اتبهدلت دي."
وعلى ذكر مكتبها تألم قلبها مرة أخرى وهي تتذكر هيئته وكيف تم تدميره، وقبل أن تتعمق في بحر الذكريات قفزت لشاطئ الواقع بسرعة تنظر حولها في البيت متسائلة:
"فين البنات؟"
انشغلت وجيهة بالملابس بين يديها بينما تجيبها:
"بسملة نزلت عند عمك حامد ترجع جهاز الأكسجين وبسنت قاعدة جوة في أوضتها وندى عند مراة عمك سلطان فوق."
"هي جَت؟"
تسائلت بحدة فرمقتها وجيهة متنهدة بحزن:
"ايوة الصبح ولاد عمك وأبوكِ جابوها من المستشفى وأنا وبسملة وبسنت نضفنا الشقة فوق ليها، والله ما عارفة أبص في وشها بس صعبانة عليا."
ربتت جنى على ذراع والدتها بسخرية:
"ميصعبش عليكِ غالي يا وجيهة يختي، صحصحي كده وشوفي الست دي عملت فينا ايه."
"يابنتي أنا عرفت من شهيرة مراة حامد إن عمك سلطان اتجوز عليها في الغربة، الله وحده أعلم بحالها دلوقتي هي ونرمين!"
زفرت جنى بملل وحاولت تغيير مجرى الحديث فأردفت:
"بسملة عملت الجلسة طيب؟"
"أيوة امبارح لقيناها مش قادرة تاخد نفسها فجأة عملناها وبعدها نامت مصحتش غير وأنا بقومها الصبح عشان تطلع معانا فوق..."
وتابعت وجيهة بلهجة محذرة وعينها مصوبة على إحدى الغرف:
"خلي بالك نرمين في الأوضة مع بسنت، بايتة هنا من إمبارح وباين عليها يا عمري زعلانة خالص وحالتها صعبة، فخفي لسانِك وخلي بالك من اللي بتقوليه."
ولجت جنى المرحاض وهي تتمتم مغتاظة من طيبة والدتها الزائدة عن اللزوم، بينما وجيهة أخذت تدعو الله أن يصبّر تلك المسكينة ويكن معها هي وابنتها.
وبغرفة بسنت وبسملة، كانت بسنت تقوم بترتيب ملابسها هي الأخرى حيث ستعود غدًا هي وبسملة للجامعة لأداء آخر الإختبارات، كانت شاردة في لاشيء وفجأة انتفضت في مكانها عندما شهقت نرمين وهي تستيقظ من ذلك الكابوس المرعب.
اقتربت منها بسرعة تناولها زجاجة من المياه تسألها بقلق:
"أنتِ كويسة يا نرمين؟"
ارتشفت القليل وأعادت الزجاجة لمكانها وهي تجيبها بأنها بخير، ترددت بسنت في الحديث ولكنها في النهاية يجب أن تعرف؛ فقالت وهي تغلق الزجاجة تتصنع الإنشغال بأي شيء:
"طنط منة رجعت النهاردة."
توترت نرمين وارتبكت وقد شعرت أنها تسبب الازعاج بوجودها، لا تعلم كيف تخبرها أنها خائفة من البقاء رفقة والدتها وقد رأت تحولها بهذا الشكل.
خافت بسنت أن تفهمها خاطئًا فاستكملت بسرعة:
"لو عايزة تخليكِ هنا عادي يا حبيبتي بس لازم وواجب عليكِ تطلعي تشوفي مامتِك وتطمني عليها، لو ماطلعتيش هتزعل منِك يا نرمين، أنتِ بنتها!"
أومأت نرمين بألم والتزمت الصمت فاحترمت بسنت هذا الصمت وعادت تتابع ما كانت تفعل.
بالطابق الثاني حيث منزل حامد طرقت الباب وهي تدعو الله ألا يراها أو تراه، فبعد ما فعله بالأمس وإغلاقه للمكالمة بوجهها - كما تظن هي - لم تعد تريد الحديث معه بهذا الأمر وستساعد نفسها بنفسها، قالت هذا لنفسها بكبرياء.
فتحت لها شهيرة تحمل بين يديها مغرفة كبيرة فابتسمت ما إن رأتها وهي تفتح الباب على مصرعه:
"تعالي يا بسبوسة تعالي، ايه النور ده!"
ابتسمت بسملة وهي ترفض بينما تمد يدها لها بالجهاز:
"شكرًا يا طنط، أنا طالعة أرجع الجهاز بس."
"أنتِ عاملة ايه يا حبيبتي دلوقتي؟؟ ما تخليه عندك فوق عشان لو لقدر الله حصل حاجة."
نفت بأدب:
"الحمد لله كويسة، وأنا مش بحتاجه كتير كل فترة كده بتعب بسبب الحساسية لكن دلوقتي أنا الحمد لله بخير."
أشارت لها شهيرة للداخل وهي تقول بنبرة معتذرة:
"طب معلش حطيه على السُفرة هنا لأحسن أنا ايدي كانت في المطبخ ومش عايزة أعكه، بعمل أكل لمنة مراة عمك ربنا يقومها بالسلامة ويريح بالها."
دخلت بسملة سريعًا لوضع الجهاز كما طلبت منها الأخرى وقبل أن تخرج تفاجئت بصياح سامر من خلفها:
"ايه ده إي ده؟؟ بسملة هانم بذات نفسها عندنا؟!!!"
اغمضت بسملة عينيها بقوة تتوعد لذلك الغبي بداخلها قبل أن تلتفت لتطالعه بإبتسامة صفراء، عادت شهيرة لما كانت تفعل وتركتهما سويًا مبتسمة وهي تعلم أن صوت صراخهما سيرتفع بعد قليل.
جلس سامر على إحدى الغنائم وأشار بتكبر على الأخرى أمامه:
"تعالي يابت اقعدي كده."
رفعت شفتها عاليًا بإستنكار واقتربت منه بغيظ:
"بَتة تبِتَك يا صوباع المحشي أنت، أنت هتفوق عليا ياض؟؟ اصطبح كده واقول ياصبح.."
وكانت كلماتُها لا علاقة لها بصوتها الرقيق، كان الأمر أشبه بالذكاء الاصطناعي!!
ضحك وهو يكرر بإحترام:
"أنا آسف يا بسملة هانم، اقعدي بليز يا ملكة عايزِك في موضوع."
اقتربت بعجرفة وجلست أمامه واضعة قدمًا الآخر فدفع هو تلك القدم وهو يتقدم في جلسته للأمام:
"أنتوا راجعين السكن امتى؟"
رفعت حاجبها تحاول فهم المغزى من سؤاله فصاح بها عندما طال صمتها:
"إنجزي!!"
ابتسمت ببرود:
"راجعين بكرة الصبح عشان عندنا امتحان الاتنين."
"ربنا معاكِ يا بوسي يارب تطلعي الأولى بإمتياز."
لوت شفتيها:
"نعم يا عنيا؟"
رمقها بإشمئزاز:
"حاجة متخصكيش، قومي يالا اتكلي على الله."
وقفت وتحركت ناحية المطبخ حيث تتحرك شهيرة، ابتسمت لها مستأذنة:
"طنط ممكن آخد السـكينة المشنشرة دي؟"
ضحكت شهيرة وهي تعطيها الإذن:
"بتاعتك يا قلب طنط."
وخرجت بسملة من المطبخ تحمل ذلك السـكين تتحرك به مباشرة ناحية سامر الذي فتح هاتفه يعبث به وهو يدندن بإستمتاع:
"دا اللي من زمان نفسي أبقى جنبه."
رفع وجهه لذلك الظل الذي أحاط به فوجدها تبتسم بسمة واسعة مرعبة وهي تردد بينما تقترب منه ببطئ:
"وتصرخ مهما تصرخ ولا حد يسمعك."
ترك هاتفه ووقف يعود للخلف بتوتر:
"صلي على النبي يا بسبوسة، مين مزعلِك بس؟"
وارتفع صوت الصراخ كما هو متوقع حتى انتهى شجارهما بحبس بسملة لسامر بإحدى الغرف، أعادت السكين لشهيرة التي كانت تضحك عليهما وشكرتها بعد أن قالت:
"قفلت عليه باب الحمام من برة، ربعاية كده وافتحي يا طنط."
وخرجت من منزل عمها البسمة تزين ثغرها وهي تشعر بالقليل من التحسن عن أمس، ربما جلسة صديق أو مزاح مع العائلة قد يعيد لنا البسمة وربما رؤية أحدهم قد تزيل تلك البسمة.
وها هو يظهر من العدم أمام وجهها لتنمحي تلك البسمة على وجهها..
كادت تتخطاه وتصعد فاستوقفها بعصبية:
"بسملة!"
تنهدت ثم التفت له بجمود:
"نعم يا مَجد، عايز إيه؟"
وقف أمامها مردفًا بإنفعال:
"أنتِ اللي في إيه؟؟ عاملة نفسك مش شايفاني وبتتجاهلي وجودي من ساعة ما جيت!"
أغمض عينيه وزفر الهواء من فمه ليهدأ وهو يستغفر الله، عاد ينظر لها فوجدها ساكنة هادئة لا تبالي فتحدث بنبرة هادئة:
"إيه اللي حصل إمبارح يا بسملة، معرفتش أفهم حاجة من كلامِك، والتلفون فصل شحن وأنتِ معايا ولمـ..."
قاطعته بدهشة:
"فصل شحن؟!!"
أومأ إيجابيًا بضيق:
"أيوة عشان خرجت من البيت بسرعة ومن غير ما أشحنه ولما جيت أرن عليكِ من تلفون عمي توفيق مردتيش!!"
توسعت عيناها أكثر وارتفع حاجبيها بتعجب وهي تتذكر بالأمس عندما وصلتها مكالمة من رقم والدها وخافت أن تجيب ظاننة أن مَجد أخبر والدها بكل شيء.
بينما تطلع هو لشرودها وزهولها يحاول فهم سببهما أو بماذا تفكر، تنهدت بسملة ونظرت له معتذرة بصدق:
"تمام شكرًا لمكالمتَك واسفة على سوء الفهم، والعموم مش هدخلك في حواراتي دي تاني هتصرف أنا بعد كدا."
وتحركت خطوة تستعد للصعود فعاق حركتها بالوقوف أمامها مرة أخرى، كور قبضتيه واغمض عينيه يستغفر بصوت عالٍ:
"أستغفر الله العظيم يارب!!"
نظرت له بعدم فهم وعاد هو يتحدث متصنعًا الهدوء كي لا يثور عليها؛ تجبره ببرودها وعنادها أن يخرج عن طور هدوئه:
"إيه اللي حصل يا بسملة، وبلاش كلام فاضي بالله عليكِ عشان أنا خلقي ضيق!"
تطلعت له بغضب:
"ما قولتلك مفيش حاجة! وسع بقى عشان أشوف اللي ورايا."
"بسملة!"
صرخ باسمها متخليًا عن ذلك الهدوء المصطنع فانتفضت بفزع وهي تتطلع لوجه الغاضب بصدمة وقليل من القلق، تابع وهو يجز على أسنانه في محاولة لعدم الصراخ بها:
"بطلي تهرب وانجزي، حصل ايه إمبارح خلاكِ خايفة وتتصلي تقوليلي ألحقِك، كلمِك؟؟؟"
قال الكلمة الأخيرة بصيغة سؤال فأخفضت رأسها تجيبه بصوتٍ يكاد يكون مسموع وبنبرة مرتجفة:
"هددني.."
قطب جبينه يكرر:
"هددِك؟!! هددِك بإيه؟!!"
أخبرته سابقًا أن جميع لقاءاتهم كانت بأماكن عامة يراهم بها الناس كما قالت أنها لم تسمح له بتجاوز حدودها التي رسمتها بينهما، فبماذا سيهددها.!!!
لم تعلم بسملة بماذا تجيبه، كيف تخبره وكيف تريه تلك الصور المزيفة، خجلت لمجرد رؤية تلك الصور وتلك الوضعيات بها فكيف تفعل وتجعله يراها؟
ماذا عن ردة فعله؟ هل سيصدقها إن أقسمت أنها ليست مَن بالصور!
"يا بسملة!"
نادى بيأس من صمتها الطويل وتحاشيها للنظر له، رفعت وجهها فرأى ارتباكها وتقوس فمها للأسفل بخجل ليفهم الأمر قليلًا.
"أنتِ كنتِ صادقة معايا في كل كلمة قولتيها مش كده؟"
أجابت فورًا وهي تنظر لعينيه بلهفة:
"آه والله."
تنهد وهو يبثها بالأمان بكلماته التي احتضنتها بحنان:
"وأنا مصدقِك في اللي قولتيه واللي هتقوليه، أنا واثق في عمي وفي تربيته..."
قطع حديثه لبرهة من الزمن قبل أن يتابع بصوت أكثر دفئًا:
"وفيكِ."
غزت الدموع عينيها بعد أن اقشعر جسدها بفضل حديثه وتخلت عن خوفها منه لتستلم لذلك الأمان الذي أحاط بها تخبره بالأمر كاملًا، وما انتهت نظرت له تتمنى ألا يخذلها فلم ترى في عينيه سوى الغضب، لم تستطع أن تميز حتى إن كان هذا الغضب منها أم عليها.
تعلقت الدموع في عينيها تمنع نزولها بقوة كي لا تجرح كبرياءها أمامه، صعدت السلالم ببطئ وتمهل على أمل أن يناديها ويخبرها أنه معها حتى ينتقم لها من ذلك الحقير عمر ولكنه لم يفعل..
بالتأكيد ظن بها سوءا، صعدت بقية الادراج ركضًا تلملم ما تبقى من كرامتها وهي تبتسم على نفسها بإستهزاء وسخرية.
أما مَجد ما إن صعدت حتى ولج منزلهم ليلتقط مفاتيح سيارتهم وهاتفه وبعض الأموال - إحتياطيًا - وخرج من البناية كاملة لا يرى أمامه من الغضب، هو لم يرى تلك الصور حتى لكن مجرد التخيل جعل الدماء تغلي بعروقه.
يصدقها ؟؟
نعم يصدقها ولم يشكك بكلمة واحدة مما قالت، ولم يكن صمته سوى قنبلةٍ ابتعد بها عنها كي لا تنفجر أمام وجهها، قنبلةٌ كرر أن يشعل فتيلها بوجه ذلك القذر؛ عمر.
بالداخل، هبط توفيق وحامد بعد أن بقت ندى رفقة زوجة عمها - منة - رغم كونها لا تريد هذا؛ ولكن لا يوجد غيرها في هذا الوقت، ودقائق وصعدت شهيرة وهي تحمل بين يديها صينية محملة ببعض الأطعمة التي تساعد في تحسن حالة منة..
دلف توفيق الشقة والتعب بادٍ على قسماته بعد أن قضى يومه بالمشفى، جلس فوق أول ما قابله زافرًا بتعب وهو مغمض عينيه.
"أنا نازلة يا ماما."
فتح عينيه مجددًا بعد أن اقتحم صوت ابنته جنى أذنيه، نظر لها وهي تجلس أمام باب المنزل ترتدي حذاءها وهي تتحدث مع والدتها ويبدو أن لم يلاحظ أحد عودته حتى الآن.
"لأ مش هتأخـ... بابا.!"
بترت حديثها عندما أبصرت عيناها وجه أبيها، وقفت مقتربة منه بعد أن انتهت من الفردتين:
"حمد الله على السلامة، عملته إيه؟"
جلست أمامه فرمقها توفيق بصمت وهو يمعن النظر لها، اهتمامها بالجميع من حولها، قلقها على كل صغيرة وكبيرة، رغبتها ببقاء الجميع سعداء، كل تلك الأمور توضح له بقوة أنه أنجب فتاة قوية سيجدها بجانبه قبل أي أحد.
تنهد ليجيبها بعد صمت طويل تعجبت له:
"كلمنا عمِك سلطان وبحاول نقنعه ينزل البلد أهو، لما يرجع ونشوف آخرة اللي بيعمله إيه؟"
أومأت بتفهم فقد أخبرتها والدتها بأمر زواج عمها كما عرفت من بسنت التي أخبرتها نرمين، عقدت حاجبيها بضيق:
"وطنط منة؟"
كان سؤالها مجاملة أو شيء مجبرة على فعله، حرك توفيق رأسه بالإيجاب:
"خيطنا دماغها بس شكلها لسة مصدومة، الدكتور قال كلام غريب كده ودكتور نفسي ومش عارف ايه، بس هي كام يوم وترجع حلوة يعني."
كان يتحدث بلامبالاة وهو ليس على علم تام بماهية الطبيب النفسي أو بماهية المرض النفسي حتى، يتحدث بمحدودية معلوماته البسيطة.
وقفت جنى وقالت قبل أن تتحرك نحو باب البيت:
"أنا هنزل المكتب عشان أشوف هعمل إيه واحاول أرتب دنيتي تاني."
وما كادت تفتح الباب وتغادر حتى استوقفها واقفًا:
"جنى.."
التفت له ترفع الحقيبة على ذراعها فقال:
"هاتي الشيخ معاكِ وأنتِ جاية.."
رفعت حاجبيها بدهشة لذلك الطلب المفاجئ وتحرك هو لغرفته بعد أن تركها تتطلع له وهو يتحرك بتعجب.
ولم تعقب على هذا وغادرت وخرج هو يحمل بين يديه ملبس آخر تحرك به ناحية المرحاض يتطلع لأثرها بندم وحزن؛ انقلب حال فتاته للنقيض، بين ليلة وضحاها تحولت من فتاة مرحة لا تغادر البسمة وجهها لأخرى غارقة بالهموم والأحزان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبمكان لأول مرة قد نذهب إليه، مكانٌ جديد لكنّ شخصياته ليست كذلك، عمارة كبيرة من خمسة طوابق، بالطابق الثالث تحديدًا حيث عائلة شريف القاضي.
وقف أمام باب المرحاض يصرخ بأعلى صوت لديه وغضب أعمى:
"عشان غبية، عشان إيـــه ياست وسام؟؟ غبيـــــة."
صرخت الطفلة التي حجزت نفسها بالخطأ داخل المرحاض ثم بررت بأنها أردات أن تجرب شيئًا ما، مشهدٌ حدث وتكرر بكثير من بيوتنا ولكنه لأول مرة يواجههم.
"أنا عايزة بابا."
وضع عثمان يديه في خصلاته يجذبها وهو يشعر أنه سيجن، يريد أن يكسر ذلك الباب فوق جسد تلك التي تسمى طفلة عله ينتهي من العذاب:
"يابت، يابت ماتجننيش أمي يابت."
وما كان جوابها إلا أن صاحت ببكاء:
"بابــــا."
دفع مصطفى باب المنزل بعد أن أحضر المعدات اللازمة لكسر الباب وجلس أمامه متحدثًا بصوت غاضب هو الآخر:
"اسكتي يا وسام، اسكتي عشان مكسروش فوق دماغك.."
"اكسروا، بالله عليك اكسروا فوق دماغ أمها الحيوانة دي."
صاح عثمان يحرضه بحماس فرمقه الآخر بنظرة أخرسته قبل أن يعود لمحاولته في فتح الباب على طفلته الصغيرة "وسام".
وبينما هما منشغلون بكل هذا اقتربت منهما فتاة بمنتصف العشرينات، تثائبت وتحدثت بنعاس وهي تحاول فتح عيناها بصعوبة:
"عايز أدخل، أنتوا واقفين طابور ولا إيه؟"
التفت لها عثمان:
"غوري من وش أمي دلوقتي."
فأتاه صوت حاد من خلفه:
"وماله يا قلب أمك وماله."
نظر لوالدته التي خرجت من المطبخ تحمل معلقة في يد ومغرفة في أخرى بينما تحيط خصرها بمنشفة ثم تطلع لتلك العائلة وللوضع الفوضوي من حولهم وأخيرًا رفع وجهه للسماء:
"يارب أنت اللي عارف يارب!"
أهلا ومرحبا بك عزيزي في منزل عائلة شريف القاضي، السيدة أم مصطفى ترحب بك!
رواية بيت البنات الفصل الثامن عشر 18 - بقلم امل صالح
نظر لوالدته التي خرجت من المطبخ تحمل معلقة في يد ومغرفة في أخرى بينما تحيط خصرها بمنشفة ثم تطلع لتلك العائلة وللوضع الفوضوي من حولهم وأخيرًا رفع وجهه للسماء: يارب أنت اللي عارف يارب!
أهلا ومرحبا بك عزيزي في منزل عائلة شريف القاضي، السيدة أم مصطفى ترحب بك!