تحميل رواية «بيت العيلة وأسراره» PDF
بقلم إلهام عبدالرحمن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في صالة بيت العيلة – الصبح. أم راشد: بصراحة يا ليلى، أنا مش عارفة إزاي إنتي ست بيت! يعني طول النهار في المطبخ، وفي الآخر الأكل طعمه عادي خالص. ليلى (بهدوء وهي تحاول تبتسم): حاضر يا طنط، المرة الجاية هحاول أعمله أحسن. نرمين (بابتسامة جانبية): لا يا حبيبتي، سيبك منها، لو على الأكل، أنا ممكن أبعت لك شيف يعلّمك، إحنا في الزمن ده مش بنطبخ، إحنا بنطلب دليفري. أم راشد (بتنهيدة): يا بنتي البيت لازم ريحته تبقى مليانة طبيخ، مش عيشين في فندق! على أيامنا الست كانت بتصحى من الفجر تجهز الفطار للعيال والرجالة،...
رواية بيت العيلة وأسراره الفصل الأول 1 - بقلم إلهام عبدالرحمن
في صالة بيت العيلة – الصبح.
أم راشد: بصراحة يا ليلى، أنا مش عارفة إزاي إنتي ست بيت! يعني طول النهار في المطبخ، وفي الآخر الأكل طعمه عادي خالص.
ليلى (بهدوء وهي تحاول تبتسم): حاضر يا طنط، المرة الجاية هحاول أعمله أحسن.
نرمين (بابتسامة جانبية): لا يا حبيبتي، سيبك منها، لو على الأكل، أنا ممكن أبعت لك شيف يعلّمك، إحنا في الزمن ده مش بنطبخ، إحنا بنطلب دليفري.
أم راشد (بتنهيدة): يا بنتي البيت لازم ريحته تبقى مليانة طبيخ، مش عيشين في فندق! على أيامنا الست كانت بتصحى من الفجر تجهز الفطار للعيال والرجالة، مش قاعدة تتفرج على مسلسلات تركي.
ليلى (بإحراج): والله يا طنط أنا بعمل اللي أقدر عليه.
نرمين (بتريقة): أكيد أكيد، كل واحدة وليها طريقتها، بس برضو الواحد يحب يأكل حاجة مظبوطة!
(يدخل راشد وأكرم من الباب)
راشد: صباح الخير، في إيه؟ صوتكم واصل لباب الشارع!
أكرم (بابتسامة وهو بيبص لنرمين): أكيد الستات بيتكلموا عن حاجات المطبخ، صح؟
نرمين: لا يا روحي، بنتكلم عن أهمية الستات في البيت، وإن كل واحدة ليها بصمتها… بس في بصمات ما بتبانش!
ليلى (بصوت واطي): خلاص يا نرمين!
أم راشد: لا خلاص إيه، هو احنا ناقصين دلع ماسخ!
راشد (بتعب): ياريت يا أمي تهدي شوية، كل مرة بنرجع البيت نلاقي قنابل موقوتة!
أكرم: فعلاً، خلونا نفطر بقى بدل ما نتخانق الصبح!
أم راشد (بامتعاض): لما تتجوزوا ستات بيفهموا في الأصول، ساعتها مش هتشوفوا مشاكل ياضنايا انت وهو!
ليلى (بحزن وهي بتبص لراشد): قصدك إيه يا طنط؟
نرمين (بضحكة مستفزة): قصدها إننا كلنا محتاجين نراجع نفسنا… كل واحد بقى على حسب!
بقت فى نظرات متوترة بين الجميع، وهدوء مفاجئ يسبق عاصفة جديدة.
على السفرة – كان الكل قاعد بياكلوا الفطار، لكن التوتر واضح عليهم.
أكرم وهو بيحاول تلطيف الجو: طيب يا جماعة، حد داق الفول؟ نرمين كانت بتقولي عليه بارح إنه معمول بوصفة جديدة.
نرمين (بفخر): أيوه، انا طلبته مخصوص من مطعم لبناني. مش كل يوم بقى ناكل الحاجات التقليدية الواحد زهق بصراحه.
أم راشد (باحتقار): يعني بدل ما تتعبي إيدك وتعمليه، بتطلبيه جاهز؟! إحنا في الزمن ده الستات مبقتش ستات، كل واحدة عاوزة تريح نفسها!
ليلى (بتحاول تتدخل): بصراحة طعمه حلو يا طنط… المهم الطعم مش المصدر.
نرمين (بتريقة): آه يا حبيبتي، عشان إنتي بتحبي الجاهز برضو، بس متجرايش تجيبه ولا تعرفى تعملى زيه لكن أنا على الأقل بجيب اى حاجة نفسى تشتهيها وكمان ليها طعم مش اكل عادى زيك ياست ليلى.
أم راشد: بس إنتي حتى ما تعرفيش تعمليه بنفسك، يبقى إيه الفايدة على الاقل هى بتحاول وبتعمل حتى لو اكلها عادى؟!
راشد (بتعب): يا أمي، ممكن نهدى؟ يوم الجمعة ده المفروض يبقى هادي ومبارك، مش ساحة حرب!
أم راشد (بعصبية): آه، ما هو كل واحد فيكم واخد صف مراته وخلاص، ولا كأنكم ولادي!
أكرم: إحنا مش بناخد صف حد يا أمي، بس بجد زهقنا من المشاكل دي، كل يوم نفس الكلام!
نرمين مقاطعة بسخرية: معلش، هما متعودين إن الست تفضل طول الوقت في المطبخ، ما يعرفوش يعني إيه حياة فيها رفاهية اتعودوا على ان الست تبقى مذلولة مجرد خدامة فى البيت تطبخ وتكنس وتنضف!
ليلى بهدوء وهي بتتجنب النظر لنرمين: كل واحدة وليها طريقتها، المهم البيت يكون هادي، مش مهم مين بيطبخ ومين بيطلب دليفري.
أم راشد بحدّة: لأ ياست نرمين، البيت له أصول، والست هي اللي بتبني البيت، مش تطلب كل حاجة على الجاهز وتقعد هي تحط رجل على رجل الست مش مجرد خدامة. الست أساس البيت والعامود اللي بيصلبه!
نرمين تضع الشوكة بغضب: خلاص يا طنط، طالما شايفاني فاشلة، خلي ليلى تعملك كل حاجة! أنا مش هتناقش في الموضوع ده تاني وانا كدا ومش هتغير.
أكرم بهدوء محذّر: نرمين…
نرمين بتقوم من على السفرة بعصبية: أنا خلصت أكلي، عن إذنكم!
راحت نرمين لغرفتها، وراح وراها أكرم، وفضلت ليلى تبص لراشد بتوتر، وراشد يبص لوالدته بضيق، وقام هو كمان.
راشد بصوت منخفض لأمه: بلاش يا أمي كل يوم نبدأ مشاكل، إحنا زهقنا، بجد.
أم راشد بجفاء: لما يبقى عندك ست بيت بجد، ساعتها تعال كلّمني!
يغادر راشد أيضًا، وتظل ليلى جالسة في إحراج، تحاول كتم دموعها وهي تجمع الأطباق، بينما أم راشد تتابعها بنظرات ممتعضة.
فى اوضة نوم نرمين وأكرم كانت نرمين قاعدة على السرير، وأكرم دخل بيحاول يهديها.
أكرم بنبرة هادئة: يا نرمين، ليه كل مرة تخلي الموضوع حرب؟
نرمين بتوتر: مش أنا اللي ببدأ! أمك هي اللي بتستفزني، وكل مرة لازم تحسسني إني مش كفاية ليك.
أكرم بعد ما قعد جنبها: وأنا مليش دعوة بكلامها، ولا ليلى كمان، إنتي اللي بتكبّري الموضوع.
نرمين: انا مش مكبّراه! إنت مش حاسس، بس الكلام ده بيخليني أحس إني غريبة وسطيكم، إني مش منكم.
أكرم وهو بيتنهد: محدش قال كده، بس لو كل مرة هنتخانق على نفس الحاجة، عمرنا ما هنعيش في هدوء.
نرمين سكتت شوية وبعدين قالت بهدوء: طيب، عايزني أعمل إيه؟
أكرم وهو بيبصلها بحب: بس تهدي شوية، وتبطّلي تتعاملي مع ليلى كأنها منافسة، ومع أمي كأنها عدو.
نرمين غمضت عينيها وهي بتحاول تكبت مشاعرها: هحاول… بس مش هوعدك.
فى المطبخ – ليلى كانت بتغسل الأطباق وأم راشد قاعدة بتراقبها بصمت.
أم راشد بهدوء مفاجئ: انتي ليه ساكتة على قلة الأدب دي؟
ليلى بتبصلها بدهشة: قلة أدب؟ قصدك على نرمين؟
أم راشد: أيوه! بتكلمك بأسلوب مستفز، وإنتي قاعدة ساكتة زي العروسة اللي في الكوشة.
ليلى بتنهيدة: انا مش عايزة مشاكل، وبعدين كلنا لازم نتعايش مع بعض عشان الدنيا تمشى.
أم راشد بامتعاض: بس مش على حساب كرامتك ياضنايا.
ليلى بابتسامة حزينة: ولا على حساب راحتي.
أم راشد سكتت شوية وقالت: انتي طيبة… بس الطيبة لو زادت عن حدها بتبقى ضعف.
ليلى بتبص للماية اللي نازلة من الحنفية وهي بتهمس لنفسها: أو قوة من نوع تاني…
بينتهي الحوار بينهم بجو مشحون بالتوتر، وكأن العاصفة مش ناوية تهدى، بالعكس دي كأنها لسة هتقيد اكتر واكتر.
فى صالة البيت بالليل، بعد العشاء. الجو كان هادي بس التوتر لسه موجود، كل واحد كان في دنيته.
كانت أم راشد قاعدة بتتفرج على التلفزيون، وليلى قاعدة جنبها بتقلب في موبايلها، وراشد وأكرم كانوا بيتكلموا بعيد، ونرمين داخلة لابسة لبس خروج.
أم راشد بترفع حاجبها: رايحة فين يا أستاذة؟ الساعة داخلة على عشرة.
نرمين بلامبالاة: عندي خروجة مع صحابي، هنتقابل في كافيه قريب.
أكرم غمض عينيه بضيق وقال: نرمين، مش وقته.
نرمين بعناد: ليه مش وقته؟ محتاجة أغيّر جو انا زهقت من الحبسة دي.
أم راشد بتهكم: تغيّري جو ولا تهربي من المطبخ؟
نرمين تبتسم بسخرية: لأ، بهرب من الطاقة السلبية اللي في البيت بهرب من النكد انا واحدة بحب الفرفشة والضحك.
رواية بيت العيلة وأسراره الفصل الثاني 2 - بقلم إلهام عبدالرحمن
راشد بهدوء: نرمين، بلاش خروج دلوقتي. الجو مش مستحمل مشاكل جديدة.
نرمين: ليه؟ عشان طنط مش عاجبها طريقة حياتي؟ مش عاجبها إني مش زي ليلى اللي طول النهار في المطبخ؟
ليلى بتتفاجئ من اسلوبها وبتقول: انا مالي؟
نرمين: انتى مالك؟ إنتي بقى النموذج اللي الكل بيقارني بيه! الوديعة الهادية اللي بتسمع الكلام اللى بتشتغل كل شغل البيت وهى ساكتة مبتنطقش لكن انا لا انا مش خدامة زيك ياست ليلى!
أكرم بحدة: نرمين، بلاش كلام يجرح!
نرمين: ليه؟ ما هو الكلام الجارح ده جزء من الديكور هنا!
أم راشد بعصبية: شوفت؟ مش قولتلكم! الست دي مش عايزة بيت ولا جواز، عايزة تعيش حياتها وخلاص وتقضيها فسح ونوم.
نرمين بتقاطعها بحدة: أيوه، عايزة أعيش حياتي ايه المشكلة فى كدا! هو الجواز معناه عندكم إن الست تموت؟
أكرم بيقوم ويتكلم بهدوء، بس بصوت حازم: نرمين، لو خرجتي من الباب ده دلوقتي، ما ترجعيش هنا تانى.
فى لحظة بقى فى سكون تام، حتى صوت التلفزيون مبقاش مسموع، الكل مصدوم من كلام أكرم، ونرمين بتبص له بصدمة وعيونها بدأت تلمع.
نرمين: بتطردني؟
أكرم: أنا بقولك تختاري. البيت ده ولا حياتك اللي بره؟
لحظة توتر، الكل مستني قرار نرمين، وعيون ليلى مليانة قلق، راشد حاسس إن الموضوع كبر، وأم راشد فرحانة في سرها بس بتحاول تبان انها مش شمتانة.
نرمين بصوت منكسر: تمام… أنا هخرج.
ولفت وفتحت الباب وخرجت، والباب اتقفل وراها بصوت مكتوم، وأكرم انهار على الكنبة وهو حاسس إنه فقدها، بس في نفس الوقت مش عارف إذا كان قراره صح ولا غلط.
فى غرفة ليلى وراشد كانت ليلى قاعدة على السرير وسرحانة، وراشد داخل وقفل الباب وراه.
راشد بيبرطم ويقول: ليلة مايعلم بيها الا ربنا.
ليلى بهدوء: كان لازم يقول لها كده؟
راشد: ما هو زهق، وإنتي عارفة نرمين، لما تتخانق محدش بيعرف يسيطر عليها.
ليلى بقلق: طب لو مشيت ومارجعتش؟
راشد بصلها بصة طويلة: قصدك إيه؟
ليلى: أكرم بيحبها، حتى لو مش باين. وهي برضو بتحبه بس مش عارفة تتأقلم مع أسلوب البيت. لو فعلاً مشيت، مش بعيد يندم، وساعتها… مش عارفة هيحصل إيه.
راشد بتمهل: ومين قالك إنها عايزة ترجع أصلاً؟
ليلى بهمس: إحساس… الست ساعات بتحس بالحاجات قبل ما تحصل.
راشد بيبصلها بصة طويلة، وبعدين بيبتسم نص ابتسامة: طب وإنتي… حاسة بإيه؟
ليلى بتبص لتحت، عشان تتجنب عيونه: حاسة إن الحرب لسه ما خلصتش… بالعكس، دي لسه بتبدأ.
خلص الكلام وكل اللى باين على وش ليلى توتر وغموض من اللى ممكن يحصل بعد كدا.
فى بيت العيلة – الساعة 3 الفجر. البيت هادي، وأم راشد قاعدة في الصالة بتقلب في التلفزيون بعصبية. ليلى خارجة من أوضتها بلبس الصلاة، كانت بتصل القيام وكانت بتدعي و بتفكر بقلق.
أم راشد لاحظتها وقال بجفاف: منمتيش ليه ياليلى ايه اللى مطير النوم من عينك؟
ليلى بهدوء وهي بتقعد جنبها: مش عارفة انام قلبي مقبوض اوى … حاسة إن في حاجة هتحصل.
أم راشد بتضحك بسخرية: حاجة إيه ياضنايا؟ ما الست هانم سابت البيت، ودى أحسن حاجة حصلت النهارده قومى نامى وبطلى هبل قال قلبي مقبوض قالدا انتى المفروض تعملى فرح.
ليلى بتبصلها بحدة نادرة: متفرحيش أوي، أكرم مش هيقدر ينساها بسهولة.
أم راشد بتشد شالها وهي بتتكلم بثقة: الرجالة لما بيلاقوا الراحة بينسوا أي واحدة تعبتهم. وأكرم لسه ما شافش راحته.
فجأة، بيخرج أكرم من اوضته وهو في حالة غضب هستيري، وعيونه حمرا وملامحه متوترة.
أكرم بيصرخ بصوت مبحوح: نرمين… نرمين عملت حادثة!
ليلى وأم راشد بيتجمدوا في أماكنهم، وراشد بيطلع بسرعة من أوضته وهو مش فاهم حاجة.
راشد بقلق: حصل إيه؟
أكرم بصوت بيترعش: كانت راجعة بالعربية… عملت حادثة… العربية اتقلبت على الطريق السريع!
ليلى بتحط إيدها على بقها بصدمة، وأم راشد لأول مرة تفقد صلابتها وعينيها بتتسع بخوف.
أم راشد بهمس: نرمين…!
أكرم بصوت غاضب مليان ندم: كل ده بسببي… أنا اللي خليتها تخرج وهي زعلانة… أنا السبب!
راشد يحاول يسيطر على الموقف: مستشفى إيه؟ لازم نروح فورًا!
أكرم: مستشفى النيل… تعالوا معايا بسرعة!
فى المستشفى فى غرفة الطوارئ. التوتر مسيطر على المكان. ليلى قاعدة جنب أكرم اللي حاسس إن الدنيا بتضيع منه، وراشد بيحاول يسيطر على الموقف، وأم راشد قاعدة متجمدة في مكانها، لأول مرة الخوف يبان على وشها.
الدكتور بيخرج أخيرًا، والكل بينتفض من مكانه.
أكرم بيقرب بسرعة: دكتور! مراتي عاملة إيه؟
الدكتور بنبرة جادة: الحمد لله، مبقاش فى خطر عليها، لكن…
أكرم بيتوتر أكتر: لكن إيه؟
الدكتور بتردد: كان عندها نزيف داخلي… اضطرينا نعمل عملية، بس… فقدت الجنين.
سكون تام، وكأن الزمن وقف. الصدمة على وش أكرم، عيونه بتترعش، وبيحاول يستوعب الكلام. ليلى بتحط إيدها على صدرها بوجع، وأم راشد بتبصلهم بعدم تصديق.
أكرم بهمس وصوت ضعيف: جنين؟!
الدكتور بيهز راسه بأسف: كانت حامل في شهرها التاني… بس النزيف كان شديد، وماقدرناش ننقذ الطفل.
عين أكرم لمعت بدموع مش قادر يحبسها، وبيحس إنه خلاص… خسر كل حاجة.
ليلى بصوت مختنق: كانت حامل… ومحدش كان يعرف؟
أكرم بيبص للأرض، صوته مكسور: حتى أنا… ماعرفتش.
أم راشد بتحط إيدها على قلبها وهي مش مستوعبة، إحساس غريب لأول مرة يدخل جوه قلبها… ندم؟ خوف؟ مش عارفة.
أم راشد بهمس: يا ساتر يا رب…
فى اوضة فى المستشفى – بعد ساعات، نرمين نايمة على السرير، ووشهها كان شاحب، عيونها بتفتح ببطء، أول حاجة بتشوفها هي أكرم واقف جنبها، ملامحه منهارة.
نرمين بصوت ضعيف جدًا: أكرم…؟
أكرم بيمسك إيدها، وعينيه مليانة دموع بس مش قادر ينطق بكلمة.
نرمين بتحاول تستوعب، بس فجأة تلاحظ حاجة… تحط إيدها على بطنها بقلق، وتبص له بعيون مرعوبة: أكرم… ابني كويس، صح؟
صمت قاتل، وأكرم بيغمض عينيه بألم، ونرمين تحس بقلبها بيوقع.
نرمين بهمس ضعيف مليان خوف: لاااا… لاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا!
صرخت بحرقة، ودموعها نزلت زى الشلال، وأكرم بيحاول يهديها بس هو نفسه متحطم، وبره الاوضة، ليلى وأم راشد واقفين سامعين كل حاجة، وأم راشد تحط إيدها على بقها وهي لأول مرة تحس إنها ممكن تكون ظلمت نرمين.
رواية بيت العيلة وأسراره الفصل الثالث 3 - بقلم إلهام عبدالرحمن
في بيت العيلة بعد أيام، الجو كئيب، محدش بيتكلم كتير. ليلى قاعدة جنب أكرم اللي بقى شبح من الحزن، وأم راشد لأول مرة تحاول تكسر سكوتها بطريقة مختلفة.
أم راشد بصوت هادي بس نادم: يا أكرم… نرمين محتاجالك.
أكرم بيبصلها بعيون متورمة من قلة النوم: وأنا محتاج لها… بس خايف أكون السبب في اللي حصل.
ليلى بهدوء وهي تحاول تعطيه أمل: يمكن الألم ده يكون بداية جديدة… يمكن دي فرصتكوا تصلحوا اللي فات.
أم راشد تنظر بعيد وهي بتهمس: يمكن إحنا كلنا محتاجين نصلح اللي فات…
في المستشفى – بعد أسبوع.
نرمين لسه في الأوضة بتاعتها، بقت أهدى جسديًا، لكن روحها كأنها ماتت. مش بتتكلم كتير، ولا بتاكل، ودايمًا سرحانة في السقف. أكرم كل يوم بييجي يقعد جنبها، لكن مش عارف يقرب منها. الجو بينهم بارد، مليان وجع ومشاعر مكبوتة.
بيدخل أكرم بهدوء، ويحط الأكل جنبها، ويقعد على الكرسي جنب السرير.
أكرم بصوت خافت: جبتلك عصير، لازم تشربي حاجة.
نرمين ما بتردش، بس بتفضل باصة للحيطة، كأنها مش سامعة.
أكرم بإحباط: مش هتفضلي ساكتة كده على طول… نرمين،احنا كلنا تعبنا، بس لازم تتكلمي.
نرمين بتلف وشها ببطء ناحيته، لأول مرة عيونها بتتحرك، بس نظرتها مليانة برود قاتل.
نرمين بهمس جاف: كنت هتفرح لو كنت مت؟
أكرم بيضيق عينيه بصدمة، كأن الكلام ده سكينة دخلت في قلبه.
أكرم بحزن: إنتي بتقولي إيه؟!
نرمين بتكمل بنفس البرود: يمكن كنت هترتاح… مش كنت السبب؟
أكرم يتهز، صوته يرتعش: نرمين… أنا… أنا عمري ما تمنيت لك اى أذى، أنا السبب في اللي حصل؟!، ااه بس لو أقدر أرجع الزمن كنت عملت أي حاجة عشان أحميكى… عشان أحميه وميروحش مننا بلاش تظلمينى ياحبيبتى انا والله مش قادر اسامح نفسى.
بدات عين نرمين تلمع، لكنه لمعان الألم، الدموع اتحجرت فيها، لكنها رفضت تبكي قدامه.
نرمين بهمس قاتل: بس مش هتقدر ترجع الزمن، صح؟ مش هتعوضني عن ابني اللي راح… مش هتقدر تخليني أسامحك.
أكرم حس كأن الأرض بتتسحب من تحته، انحني قدامها، ومسك إيدها بحذر، لكنها سحبت إيدها فورًا كأنها بتلمس نار.
أكرم بضعف: طب قوليلي أعمل إيه؟ قوليلي إزاي أصلح اللي حصل؟
نرمين بصتله مباشرة، بصوت هامس لكن مؤلم: سيبني أمشي.
أكرم اتجمد، وقلبه حس انه وقف للحظة.
أكرم بهمس مذعور: إيه؟بتقولى ايه؟
نرمين: طلقني، خليني أعيش بعيدة عنك… بعيد عن البيت ده، بعيد عن كل حاجة بتفكرني باللي فقدته.
أكرم وقف، ومرر ايده في شعره بعصبية، عيونه بتلمع بصدمة مش مستوعبها.
أكرم بصوت مهزوز : لأ… لأ، ماينفعش، إنتي مراتي، ومهما حصل… مش هقدر أخسرك كمان!
نرمين بهمس حاد: بس أنا خسرت كل حاجة.
لحظة صمت قاتلة، وأكرم حس انه بينهار وقعد على الكرسي، حاسس إنه لأول مرة عاجز، لأول مرة مش عارف يحارب.
في بيت العيلة في المطبخ.
ليلى بتغسل الأطباق، لكن عقلها مشغول تمامًا. أم راشد داخلة، شكلها تعبان، واضح إن الأحداث الأخيرة أثرت عليها، لكنها بتحاول تخبي.
أم راشد بصوت هادي: نرمين لسه مصرة على الطلاق؟
ليلى بتتنهد: أيوه… وأكرم رافض تمامًا، بس مش قادر يقنعها تفضل معاه وتنسى قرارها.
أم راشد بسرحان: كنت فاكرة إن اليوم اللي هتمشي فيه هرتاح… بس مش عارفة ليه حاسة بنغزة غريبة.
ليلى بتبصلها بصة طويلة وقالت: لأنك كنت فاكراها عدوة… بس في الحقيقة، كلنا خسرنا حاجة بسبب اللي حصل.
أم راشد ما ردتش، بس بصت للفراغ بتفكير عميق.
في المستشفى بالليل.
نرمين واقفة قدام الشباك، بتبص للمدينة، بتحاول تلم شتات أفكارها، لكن عقلها مش ثابت.
فجأة، الباب اتفتح، ودخلت ليلى بهدوء.
نرمين بصوت واهي: جاية ليه؟ مش كنتِ بتكرهيني؟
ليلى بتبتسم بوجع: ياه انتى بجد كنتى فاكرة كده؟ لا يا نرمين، عمري ما كرهتك، بس يمكن الظروف خلتنا نتحارب بدل ما نكون جنب بعض.
نرمين بتبصلها، كأنها لأول مرة بتشوفها بشكل مختلف: وليه دلوقتي؟
ليلى بتقرب، وتاخد نفس عميق: عشان ما تخسريش أكتر… وعشان أكرم…
نرمين بتشد نفسها وهي بتبص بعيد وبتقول بصوت جامد: مفيش حاجة أقدر أعملها.
ليلى بتمسك إيدها بلطف: جربي… ادّيله فرصة زي ما هو مستعد يحارب عشانك.
نرمين بصتلها لفترة، وصوت عقلها بيتصارع… ياترى تستسلم للألم؟ ولا تحاول؟ ياترى الغضب أقوى، ولا الحب اللي مش قادرة تنكره؟
في بيت العيلة بالليل، الساعة داخلة على 3 الفجر.
أم راشد قاعدة في أوضتها، مش قادرة تنام، سرحانة وهي بتبص في سقف الأوضة. بتسمع صوت الباب الخارجي بيتفتح، قامت بسرعة وهي متوترة.
نزلت بهدوء على السلم، لقت أكرم داخل البيت، وشه شاحب، باين عليه التعب والانكسار.
أم راشد بحذر: مالك يا ابني؟ كنت فين؟
أكرم بصوت مبحوح وهو بيرفع عينه ليها: كنت عند نرمين…
أم راشد بتتجمد مكانها، عيونها بتتسع بخوف غير مفهوم.
أم راشد: وقالت لك إيه؟
أكرم بيضحك بسخرية حزينة: قالتلي إني لازم أسيبها… وإنها مش هتقدر تكمّل معايا.
أم راشد حست بكلامه كأن سكينة دخلت في قلبها، رغم إن ده اللي كانت بتتمناه زمان، لكنها دلوقتي مش متأكدة إنها لسه عايزاه.
أم راشد بهمس: وهي فعلاً ناوية تمشي؟
أكرم غمض عينيه بألم: بكره الصبح… هتمشي وتسيب كل حاجة وراها.
أم راشد حست لأول مرة إنها على وشك خسارة حاجة مهمة، بس لسه مش عارفة تحسم مشاعرها.
في المستشفى الصبح.
نرمين واقفة قدام باب اوضتها، لابسة عباية سودة، وشنطتها في ايديها، وعيونها فاضية من أي مشاعر. راشد واقف جنبها، بيحاول يكون هادي لكنه واضح إنه متوتر.
راشد: أكيد ده قرارك النهائي؟
نرمين ببرود: مافيش حاجة تربطني بالمكان ده تاني.
راشد بياخد نفس عميق، لكن قبل ما يتكلم، فجأة الباب بيتفتح بعنف، وأكرم بيظهر، باين عليه إنه جري عشان يوصل قبل ما تمشي.
أكرم وهو بيلهث: مش هسيبك تمشي!
نرمين بتشد نفسها، وتحاول تبعد نظرها عنه، لكنها بتحس بقلبها بيدق بقوة، تحاول تفضل قوية.
نرمين بجفاء: ماينفعش يا أكرم، خلصنا.
أكرم بيقرب منها، وعيونه بتلمع بانفعال: لأ، مخلصناش! إنتي فاكرة إنك لو هربتي من هنا هتقدري تهربي من نفسك؟ من اللي بينا؟
نرمين بغضب وبتحاول تهرب من مشاعرها: مافيش بينا حاجة غير الخسارة والوجع!
أكرم بيقاطعها بقوة: لأ! في بينا حب، حتى لو كنا بنكره نعترف بده! حتى لو كنا بنوجع بعض، بنجرح بعض، بس في الآخر… مش قادر أعيش من غيرك.
نرمين حست بقلبها بيتكسر أكتر، الدموع بدات تلمع في عيونها، لكنها رافضة تنزل.
نرمين بصوت مرتعش: بس أنا مش قادرة… مش قادرة أنسى، ولا أسامح، ولا أكمّل!
أكرم بصلها، حس إن كل حاجة هتنتهى، لو سابها دلوقتي مش هيقدر يرجعها تانى.
أكرم بصوت منخفض لكن مليان شجن: طيب، لو مش قادرة تسامحيني… اديني فرصة أثبت لك إني أستحق السماح.
نرمين حست بجسمها بيتراخى، كأنها خلاص تعبت من الحرب اللي جوّاها. عيونها بدات تلمع بدموع مش قادرة تحبسها أكتر.
في اللحظة دي، فجأة، صوت جاف بيقطع الصمت… أم راشد واقفة عند باب الاوضه، ملامحها صارمة لكنها مختلفة، لأول مرة باين عليها مشاعر ندم واضحة.
أم راشد بصوت هادي لكنه قوي: نرمين… أنا ظلمتك.
الكل بيلتفت لها بصدمة، حتى نرمين نفسها بتتسع عيونها بعدم تصديق.
نرمين بحذر: إيه؟
أم راشد بتاخد نفس عميق،و بتقول بصوت متقطع: كنت فاكرة إنك سبب مشاكل ابني، بس الحقيقة… أنا كنت جزء من المشكلة. كنت حاسة إني بخسره، وبدل ما أحافظ عليه، كنت بفرقكوا بعيد عن بعض.
نرمين حست إنها لأول مرة بتسمع الكلام ده منها، مش مصدقة، مش قادرة تفهم مشاعرها في اللحظة دي.
أم راشد بتبصلهامباشرة وبتقول بصوت صادق: أنا مش بطلب منك تسامحيني، بس بطلب منك ما تعمليش اللي أنا عملته… ما تخليش الغلط يدمّر حياتك.
نرمين بتحس إنها لأول مرة مش قادرة تاخد قرار، لأول مرة تلاقي نفسها بين نارين… بين وجع الماضي وخوفها من المستقبل.
في الطريق كانت نرمين واقفة على الرصيف قدام باب المستشفى، عربية التاكسي واقفة مستنياها، وشنطتها في إيدها.
أكرم واقف بعيد، ما قالش ولا كلمة، بس عيونه بتتوسل لها. أم راشد واقفة جنب ليلى، حتى راشد باصص لها كأنه مستني قرارها الأخير.
نرمين بتاخد نفس عميق، وبتحس بجسمها بيرتعش، تمسك شنطتها بإيد مرتعشة، وتبدأ تتحرك…
في بيت العيلة بعد سنة كان المطبخ مليان حياة وضحك، ليلى واقفة عند الرخامة بتقطع خضار، ونرمين جنبها بوش متوتر وهي ماسكة معلقة خشب في إيدها بتقلب حاجة في الحلة، بس واضح إنها مش عارفة بتعمل إيه.
نرمين بحواجب مرفوعة: بقولك إيه يا ليلى… إنتي متأكدة إن الأكلة دي هتطلع زي بتاعتك؟
ليلى بتضحك وهي بتاخد نفس عميق: يا بنتي ركزي بس، ماينفعش تبقي حامل في الشهر السابع ولسه ما بتعرفيش تعملي ملوخية!
نرمين بصوت مستنكر: هو الحمل ليه علاقة بالموضوع؟
ليلى بتهز راسها بضيق مصطنع: طبعًا! إنتي مش عارفة إن أكرم لما يلاقي مراته حامل ومع ذلك شاطرة في المطبخ، هيفتخر بيها قدام أهله؟
نرمين بتضحك: يا شيخة! ده لو عرف إني ماسكة المعلقة دي أساسًا هيهرب من البيت.