تحميل رواية «بين الحقيقة و السراب» PDF
بقلم فاطيما يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
لماذا جئتي إلى هنا يا امرأة آلامي! كيف لكِ أن تعتقدي بأني نسيت أحزاني؟ أيمكن أن يلدغني سم الحية وأعود إلى وكرها من جديد؟ يا من دمرتي كياني. بلا فقد دفنتكِ بين ثنايا الماضي وعلى عهد الفراق باقٍ ولن ينسيني زماني. صباحًا في مدينة الإسكندرية عروس البحر المتوسط، ومنبع العشق للعاشقين ومأوى السحر والجمال للمحبين. تجلس ريم في منزلها ممسكة بقلمها ودفترها تصمم رداءً جديدًا من تصاميمها الرائعة التي تحلم أن تنفذ ولو تصميمًا واحدًا منها بيدها. ولكن زوجها يرفض دائمًا، فهو لا يريد أن يتعبها أبدًا مهما حاولت مع...
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم فاطيما يوسف
أتى الصباح محملا بالأثقال والهموم على أبطالنا الذين دهستهم هموم الحياة وضغطت بكل قوتها على قلوبهم البريئة وجعلتها دامية.
في منزل جميل المالكي ظهراً، بعد أن استيقظ الجميع وكان اليوم عطلة رسمية.
يجلسون جميعاً على طاولة الطعام، يترأس الطاولة جميل وبجانبه فريدة زوجته، وفي المقابل رحيم وتجاوره تلك التي طحنتها الحياة غدراً.
حيث ردد جميل إلى مريم بابتسامة بانت على ثغره آمراً إياها بلطف:
_ شوفي يا مريم يا بنتي، دلوقتي تفطري معانا وتعتبري البيت بيتك. مش عايز منك توتري نفسك علشان إحنا داخلين على مرحلة صعبة في مشكلتك المعقدة دي مع الناس اللي لا تعرف دين ولا رب دول.
كانت تلك مريم في عالم آخر، عالم الأسرة، العائلة التي حرمت منها منذ أن وعَت حالها، كائنة تعيش في عالم مختلف عن طبيعة طفولتها، والتي كان من حقها أن تعيشها، ولكن إرادة الله فقط لا غير.
كانت تنظر إليهم بعين الاشتهاء لعالم حُرمت أن تعيشه طيلة حياتها.
تود أن لا تتركهم بعد أن عاشت ليلة آمنة لن تعيشها من قبل، رغم روع روحها جراء ما أصابها ليلة أمس.
وما إن وجه جميل الحديث إليها بكلماته الحنون التي عبرت قلبها، حتى أجابته بابتسامة هادئة كعادتها، تنم عن مدى شكرها. وتابعت ابتسامتها بكلمات خرجت خجلاً من فمها بصعوبة:
_ والله يا أونكل، أنا عمري ما شفت ولا هشوف ناس زيكم وفي كرم أخلاقكم. ربنا يجعله في ميزان حسناتكم يارب.
أما عن فريدة، فكانت متقبلة الوضع بثقل على قلبها. فهي من نظرة واحدة من عيونها لولدها أدركت مدى وقوعه في عشق تلك مريم، وذلك جعلها تشتعل بداخلها، وباتت تحدث حالها على طاولة الطعام وهي تتنقل بنظراتها بينهم:
_ يا ترى إيه حكايتك يا رحيم مع البنت دي؟
النظرات مش مطمنة لها ولا مرتاحة لها، ويا رب ما يطلع إللي في بالي صح. علشان لو طلع زي ما أنا متخيلة كدة، هتقلب غم على راس الكل.
فاقت من تيهتها على صوت تلك اليتيمة وهي تمدح في صنع يديها، هاتفة لها بشكر:
_ بجد تسلم إيدك يا طنط، الأكل تحفة جداً.
وتابعت حديثها، ولمعة الدموع بدت من عينيها، مرددة بحنين:
_ تقريباً ما أكلتش الأكل ده من زمان. من أيام ما كان عندي ست سنين، أيام ما كان عندي بابا وماما. الله يرحمهم.
انقطع قلب الآخرين على تلك المسكينة من ذكرياتها الأليمة التي فطرَت قلوبهم، مما جعل تلك فريدة قلبها يرق لها ويئن وجعاً.
فتحدثت فريدة معقبة على حزن تلك المقهورة بتهوين على حالها، وهي تناوِلها الشطيرة بحنو:
_ طيب خدي قطعة الكرواسون دي الأول، ودوقيها وقولي لي إيه رأيك فيها. وبعدين عيطي براحتك. ما أنا خلصت من ريم بنتي وعياطها علشان خاطر أفوق لعياطك إنتي كمان يا ست مريم.
قالت كلماتها بنبرة فكاهية لكي ترى الابتسامة على وجه تلك التي أثرت في قلبها بسبب حديثها الأخير الذي آلمها كثيراً.
وعلى فكاهيتها، تحدث رحيم إلى التي كل يوم بل كل لحظة تسكن كيانه أكثر من ذي قبل، معقباً بنبرة إطرائية:
_ شوفي بقى ماما في المعجنات تاخد الأوسكار، ولا أجدعها شيف معجنات يقدر يعمل بنفس طعامه، إيد ماما.
انفرجت أساريرها من تفاخر وحيدها وإطرائه على طعامها.
ثم تدخل جميل في الحديث قائلاً لها بود:
_ شوفي يا مريم يا بنتي، من النهاردة تعتبري البيت ده بيتك. وإن شاء الله لما مشكلتك تتحل، مش هنسيبك علشان إنتي دخلت قلبي.
شكرته بامتنان بان على معالم وجهها، ثم ابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة عقب ذكره لمشكلتها، مرددة بعيون كلها رجاء:
_ هو حقيقي ممكن مشكلتي دي تتحل يا أونكل؟ ولا أنا كده خلاص خسرت كل حاجة، كليتي ومستقبلي ومصيري هتبقى الأحداث لو عرفوا طريقي، واللي أكيد هيعرفوه لما أروح الجامعة؟
حزن رحيم لأجلها كثيراً، وحدث حاله بكلمات توجعه عليها:
_ لما كل ذاك الحزن تجمع في حضرتك، متيمتي التي سلبتي عقلي، وأصبح يفكر بكي كل وقت وحين؟
قلبي وعقلي وروحي بل وكلي بات متعلقاً بكي، وكأنكي أصبحتي منه، وبات موجوعاً لوجعك.
وقلبي دقاته تدق أبوابك تارة عشقاً، وتارة ألماً، وتارة شوقاً لرؤيا بسمتك.
وأجابها بكلمات بثّت الطمأنينة داخلها، قائلاً بابتسامة أمل:
_ متقلقيش يا مريم، مش هتروحي الجامعة إلا لما نشوف حل لمشكلتك دي، ولا هتخرجي من هنا من أساسه غير وإنتي في أمان بإذن الله.
أما جميل، تحدث ناطقاً بإيضاح:
_ شوفي يا بنتي، أولاً، خلي عندك ثقة في ربك إللي سترك السنين دي كلها، إنه ما بينساش حد وهسترك عمرك الجاي طالما فضلتِ متمسكة بإيمانك بيه.
واسترسل بعينيه تفيض حناناً باقتراح لكي يجعل بالها يهدأ:
_ وثانياً بقى يا ستي، أنا عندي مهندس كمبيوتر عبقري في البنك، هعزمه هنا على فنجانين قهوة، وهنعرض عليه مشكلتك من البداية. وأنا عندي ثقة فيه، بعد ربنا سبحانه وتعالى، هيقدر يوصل لحل يرضينا كلنا، وربنا إن شاء الله هيسخر لك جنوده إللي هتحفظك وترعاكي.
واستطرد وهو يقوم من على طاولة الطعام بدعابة:
_ أنا شبعت الحمد لله، وعايز أشرب قهوتي من إيدك.
قولي لي بقى، بتعرفي تعملي قهوة ولا فاشلة في المطبخ؟
ابتسمت بإشراقة على دعابته وقامت من مكانها وهتفت باستئذان من فريدة وهي تنظر لها وتُشمّر عن ساعديها باستعداد:
_ طبعاً، ده أنا أصلاً أحلى حاجة بعملها القهوة.
بعد إذنك يا طنط، أقتحم مطبخك وأعمل لعمو جميل فنجان قهوة.
أشارت إليها فريدة قابلة بدعابة مماثلة لجميل:
_ اتفضلي يا حبيبتي، هتريحني والله من طلبات القهوة والشاي إللي مش بتخلص. الساحة ليكي وورينا شطارتك.
هرولت مريم بنشاط كي تصنع قدح القهوة لجميل، والشاي لها، ولرحيم وفريدة بعد أن سألتهم عن مشروبهم المفضل بعد الطعام.
نظرت على أثرها فريدة وهي تتنهد بتعب من صراعها الداخلي لتلك مريم.
فهي في صراع بين قلبها وعقلها في معضلة تلك الفتاة التي اقتحمت حياة ولدها، ومن ثم حياتهم.
ويبدو لها أنها ستعاني كثيراً من ذاك الصراع، فالعقل يرفض وجودها بينهم، والقلب يأمره أن يصمت.
وبين صراع العقل والقلب، أرواح تنهك مشقة وكبد ليس لهم نهاية.
بعد مرور عشرة دقائق، خرجت إليهم بآنية المشروبات ووضعتها أمامهم، وأعطت كل منهم كوبه، وعلى الفور تذوقوه، وحقاً كانت بارعة في صنعهم.
واستأذنت منهم أن تخرج إلى حديقة المنزل تتنفس هواها الذي يشعرها بأنها بلا أوامر أو قيود.
فأذنوا لها بكلمات أشعرتها أنها صاحبة منزل مثلهم، ولها مطلق الحرية تفعل كما تشاء.
خرج معها رحيم معللاً بنفس حجة مريم، ولكنه بداخله يريد التحدث معها بمفردها، فهي صارت تشغل حيزاً كبيراً من تفكيره، بل أصبحت كل تفكيره.
خرج الثنائي الهادئ متخذين المقاعد الموجودة مجلساً لهم.
وبعد أن استقروا، ردد رحيم متسائلاً بوجه بشوش:
_ عرفتي تنامي امبارح ولا قلقتي زي كل يوم؟
تنهدت بتعب وصدر محمل بالهموم عما يجول في كل حواسها من هواجس وخوف جراء ما حدث لها، وهتفت بحمد:
_ جداً جداً، الحمد لله. بقالي كتير منمتش بعمق كده.
واسترسلت حديثها بتذكر:
_ بس خايفة وبحلم بيوم ضياعي اللي مستنيني أووي يا رحيم.
انقبض قلبه بالدقات لشعورين متضادين، شعور الحب الذي أصابه عندما نطق لسانها اسمه كأعذوبة خرجت من بين شفتيها.
وشعور آخر، خوف وحزن على أمانها التي افتقدته، وهي زهرة بريعان شبابها تحزن كل ذاك الحزن.
شعورين في آن واحد، بدقات واحدة، لكن دقاتهما مختلفة كلياً عن الأخرى.
فنظر لها بأعين تفيض حناناً كي يطمئنها ويهدأ من روعها:
_ عايزك تطمني قلبك وبالك، وتستجمي كدة، علشان أنا مش هسيبك أبداً، وهفضل جنبك يا مريم.
دقات قلبها أعلنت الطبول على حديثه الحنون، وعيونها صارت تنظر له بتعجب وحيرة.
وأفلت لسانها بسؤال نابع من قلبها دون أن تحسب له حسبان:
_ ممكن أعرف إنت بتعمل معايا كدة من باب الشفقة والعطف؟
انتابه شعور حزن مغلف بالكبرياء على شخصها.
وعلى تفكيرها بقلة، لكونها في نظره أغلى من أي ثمين.
وانطلق لسانه معبراً عن قلبه بدون حسبان للمنطق ولا العقل ولا حتى الأشخاص، فقط نطق لسانه عما يجول في صدره، هاتفا بعاطفة احتلت قلبه منذ أن عرفها:
_ يمكن عشان مشدود ليكي وحاسك مني!
أو يمكن عشان قلبي وكل كياني بقى حاسس إنك مسؤولة منه!
أو يمكن عشان حبيتك يا مريم، مثلاً.
هنا امتنعت عقارب الساعة عن الدوران إجلالاً لما نتج من اعتراف العاشق الولهان لتلك البريئة النسمة الرقيقة التي امتلكت الوجدان.
وغاصا الاثنان بنظرات العيون، ناسيين الظروف والزمان والمكان.
رأى تيهتها وسمع نبضات قلبها، وود لو يسحقها عشقاً داخل أحضانه وينسي كل شيء كي يغدقها بالحنان، إلا أنه شدد على يديه أثر المشاعر التي اجتاحته من اعترافه ونظراتها الخجلة وتوترها وتغير لون وجهها إلى الأحمر القاتم.
مردداً لها بوله:
_ ياه، ما كنت أعرف إني لما أعترف لك باللي حاسس بيه، إني هسمع ردك من دقات قلبك.
واسترسل بابتسامة عاشق:
_ وصلتني إجابتك يا روما، واعملي حسابك، ده اسم دلالك إللي هناديكي بيه بعد كده.
قال تلك الكلمات وقام من مكانها كي يترك لها مساحة لخجلها وتوتر مشاعرها.
وما إن تركها وغادر المكان، حتى وضعت يداها على قلبها تهدأ من دقاته التي انتابتها عقب اعترافه الصريح الذي لم يكن بالحسبان.
وحدثت حالها بانبهار وهي تناجي كلها معبرة عنه بكلمات خرجت من قلبها:
_ كأن خالقي أعطاني برحمته ورزقني الحب الذي يسكن كل جوارحي ولساني كان عاجزاً عن الاعتراف به!
كأن قلبي وعقلي وروحي سيفرحوا، والفرج الآتي سيعبر حياتك يا مريم.
يا الله، كم كريم لطفك وكم عظيمة منحك، وكم رائع عوضك وجبرك لي يا الله.
ولكن هل جُبرت مريم، أم للقدر رأي آخر؟
في منزل باهر الجمال عصراً.
حيث قضت ريم ليلتها وكأنها تلتوي على جمر النار مما حدث لها أمس، فمن لحظتها تبدلت أحوالها وصار الألم أضعاف، ألم رحيل زوجها الذي مازال يعتريها، وألم الطوفان الآتي الذي ستواجهه أمام جيوش العناد والتحدي.
من ليلة أمس وهي تفكر في حل لتلك المعضلة دون أن يمس سمعتها خدش واحد، وياليتها السمعة فقط، بل مستقبل وجود أولادها تحت وصايتها مهدد بالبقاء معها.
ورأت أن تهاتف والدتها كي تأتيها على الفور وستقص عليها كل الأمر.
فهي خجلة جداً من والدها أن يعرف ما صدر منها، وخاصة أنه كان يحب باهر حباً جماً.
وبالفعل أخبرت والدتها بالمجيء إليها لأمر هام وأبلغتها أن تأتي على الفور، مما استدعى ذلك قلق فريدة طيلة الطريق.
وبعد نصف ساعة بالتحديد، أتت إليها وصعدت إلى الطابق الذي تمكث به مباشرة كي تطمئن على غاليتها، وما إن وصلت حتى وجدت ريم في حالة يرثى لها من القلق وشحوب الوجه البائن على معالم وجهها.
أدخلتها ريم وجلسن في غرفة الاستقبال كي لا أحد يسمعها من الخارج، وخاصة الخبيثة التي أوقعتها في تلك المشكلة.
فتحدثت فريدة بملامح وجه مكفهرة ومرتعبة مرددة:
_ مالك يا بنتي، فيكي إيه؟ وشك أصفر وحالتك حالة؟
أخرجت تنهيدة حارة وأنزلت بصرها وأردفت قائلة بنبرة محملة بأثقال من الهموم:
_ أنا في مصيبة كبيرة أوي يا ماما ومش عارفة أعمل إيه وأتصرف إزاي؟
انخلع قلب الأخرى، وباتت معالم وجهها هلعاً من كلمات ابنتها، ووضعت كلتا يديها على صدرها متسائلة بهلع:
_ مصيبة إيه يا ريم، كف الله الشر يا بنتي، رعبتيني.
_ أمال أنا أعمل إيه يا ماما، أعمل إيه...
كلمات خرجت بطريقة مرعبة وهي تدق بكلتا يديها علي فخذيها وتلتفت يميناً ويسارا ودموع عينيها تنهمر رعباً ،
واسترسلت حديثها بإبانة وهي تمسح دموعها بحدة :
_ هحكي لك كل حاجه ياماما بس أمانه عليكي ماتعملي زيهم وتحكمي عليا حكمهم .
نظرت لها بتمعن منتظرة تكمله حديثها وقررت أن تصمت حتي حتي تستمع إلي شكوي ابنتها ،
وقصت ريم علي مسامع والدتها ماحدث من البداية وما إن انتهت حتي حكي حالها عن شعورها ،
فقد عثت في جوفها حرباً شعواء أشد من أن تتحكم بها ومن أن تقاومها وهدرت بها باستنكار:
_ قال لك يالشغل يا أنا ورديتي عليه كدة !
زاغت أعين الأخري من استنكار والدتها وبات داخلها ينتفض رعبا الى ان استمعت الى هتاف والدتها وهي تتابع حديثها المحتد وتزجرها بعنف :
_من امتى وانا ربيتكم على كده؟!
من امتى وانا ربيتكم تقفي قدام جوزك الند بالند ومستوى المناقشه يبقى بالانحطاط ده؟!
انسدلت دموع الاخرى من مقلتيها بغزاره ولم تخشى نزولها امام والدتها فهي بالنسبه لها الام والاخت والصديقه رغم شدتها في التعامل معهم الا انهم يثقون في ارائها لأبعد الحدود وما ان علمت غضب والدتها حتى انهار داخلها وباتت تلومها لوما شديدا واجابتها بارتعاش :
_والله يا ماما الغضب عماني ساعتها والشيطان دخل بينا واللي حصل حصل ولومك وعتابك ما لهوش لازمه دلوقتي .
قامت والدتها من مكانها وهي تجوب المكان ذهابا وايابا وتضغط بكف يديها بعنف مما استمعت اليه من صغيرتها وهي تردد بملامه مغلفه بالاحتدام :
_ما هو علشان انا ربيتكم على المناقشه المتحضره طول حياتكم مش مصدقه ان إنتي عملتي كده,
واسترسلت حديثها بتذكير:
_ده انا لسه من كذا شهر حاكيه لك على بنت صاحبتي اللي اجبرت جوزها على انه يكتب لها البيت باسمها علشان مخلفه بنات عشان لو حصل حاجه في اي وقت ما حدش ياخد البيت منهم وشدت معاه وغضبت وسابت له البيت وهو من الحسره ان هي عملت فيه كده ومعاه كده واستعجلت اجله ومات ودلوقتي بتبكي بدل الدموع دم وبتلوم نفسها تقومي إنتي تعملي كده يا ريم؟!
وضعت الأخرى وجهها بين كفوف يديها وهي تشهق شهقاتها العالية التى تدمي لها القلوب من ملامه والدتها الغير متوقعه مما جعل قلب فريده يئن وجعا لصغيرتها وعلى الفور ذهبت اليها واخذتها بين احضانها وهي تهدئ من انهيارها بكلمات الام الحنون :
_خلاص يا بنتي اللي حصل حصل وما تزعليش من كلامي اللي قلته لك انا بعتب عليك علشان الأم مرايه بنتها، استنكرت عليكي انك تعملي عامله زي دي ما تليقش بريم المالكي ولا برقتها ولا بأدبها ولا بأخلاقها ابدا .
وظلت بين احضانها تستمد منها الحنان والعون حتى هدات بعد فتره متسائله لوالدتها وهي تنظر لها بعيون ممتلئه بالدموع التي اصبحت طريقها:
_طيب اعمل ايه دلوقتي يا امي في المشكله اللي انا فيها دي انا لا يمكن اتجوز زاهر ده ابدا ولا يمكن اعيش مع راجل غير باهر الله يرحمه .
هنا جالت فريده بتفكيرها وبدات تفكر في حيثيات الموضوع من جميع الاتجاهات وهي في حيرة شديدة حتى نطقت بنصح لابنتها بما راته صالحا لها :
_وفيها ايه لما تتجوزيه بعد ما تاخدي هدنتك في الحزن على جوزك هو عم ولادك وهو اولى بيكي من اي حد ،
وتابعت نصحها بارشاد امين:
_انا خايفه عليكي لما يملوا ولادك بالكلام اللي قالت لك عليه حماتك وابنها لما يكبروا مع الأيام وابنك الكبير بقى بيستوعب دلوقتي ،وهما قادرين واحنا ما لناش في سكه الردح بتاعتها ابدا يا بنتي .
قالت تلك الكلمات التي نزلت على مسامع تلك المسكينه مزقتها وكأنها سكاكين حاده مزقت اشلائها الى قطع واصبحت في انهيار من كلام والدتها ادى بها الى الاغماء على الفور .
________________________________
يجلس مالك في الباخره مع جوليا مستمتعا باجواء البحر وينظر له بشرود الى ان اتاه صوت تلك الرقيقه التي تنظر له باعجاب مردده :
_ممكن اعرف سرحان في ايه هو البحر قد كده بيشدك وبيخليك تحكي له بعينيك كل حاجه وناسي ان انت معاك جوليا ملكه جمال روما ؟
قالت تلك الكلمات الأخيره وهي تشير على حالها بتفاخر ممزوج بالمداعبه .
ضحك بشده من طريقتها التي كانت تحكي بها ولكن ما إن فكر في تساؤلها حتى اجابها بعمق وهو ينظر الى ذلك البحر من جديد :
_تعرفي ان البحر ده عامل زي الدنيا بالظبط ساعات تلاقيه هادي وهدوئه يخوف وساعات تلاقيه مثير واثارته تحسسك اننا عايزين ننط جواه ونعوم لكن لو ما عرفناش نعوم بمهاره نغرق ونتوه في ظلمات بحر الغدر .
كانت تستمع الى كلماته بانتباه شديد كل حرف نطق به احست ان وراءه اوجاع لا مثيل لها فمنذ ان راته مجسدا امامها بعد ان كانت تتابع اخباره على مواقع السوشيال ميديا فكانت منتظره لقاؤه فهي كانت ترسل له دعوة سنوية وفي كل مره منذ ثلاثه اعوام تود ان تتحدث معه ولكن تتراجع الى ان اتخذت الخطوة في هذا العام وعزمت امرها ان تريح انشغال بالها الدائم به وهتفت بجبين مقطب :
_انا حاسه ان كلامك وراه وجع كبير قوي وبالرغم من كده الا انك بتداري وجعك بحرفية ورا الابتسامة اللي انا شايفاها على وشك وانت بتحكي وجعك دلوقتي اللي استشفيته من كلامك ،
واستطردت احاسيسها وهي تطلب منه برجاء :
_ممكن نخرج بره دايره الشغل خالص وتحكي لي ولو حاجة بسيطة من وجعك واعتبرني صديق مقرب وانا كلي اذان صاغيه .
اتته الفرصه كي يخرج ما في صدره من هموم واثقال ما كان يحبب ان يحاكيها الى احد من قبل,
احس بالارتياح الشديد من حديثها ومبادرتها بأن يقص عما في صدره كي يهدا ،
وبالفعل انطلق في الحديث عما اتعبه في حياته بالتفصيل مما جعلها تشعر بوجيعته وقلبها يدق حزنا لحبيب السنين المبهم في قلبها فقط ولم تبوح به لمخلوق قط ،
وفي نهايه حديثه اشاد وهو مشبك اصابع يديه ببعضهما مرددا بإبانة :
_ وحالياً عندي ميعاد مع الدكتور بكره للتحاليل والآشعة اللي انا عملتها وهيطمني ان رحلة علاجي انتهت ولا لسه .
تنهدت بعمق وتحدثت بابتسامه هادئه:
_هتطلع ممتازة وهتخف وهتبقى ميه ميه بس انت قول يا رب ،
واسترسلت بتساؤل:
_ده انت شلت كتير قوي ازاي قدرت تستحمل كل ده؟
_كنت دايما بصبر نفسي واقول يا جبل ما يهزك ريح عشان اقدر اقاوم واعيش…..
أجابها مالك بنبرة انهزامية تنم عن مدى تعبه النفسي.
تابعت تساؤلاتها بحيرة:
"بس أنا أسمع إن الست المصرية أصيلة وبتقف جنب جوزها وعمرها ما تسيبه في ظروف صعبة زي ظروفك."
ضحك بسخرية من براءة حديثها وأجابها:
"كتير جدا من الستات المصرية بيقفوا جنب أزواجهم ولسه الدنيا بخير بس جت مع العبد الغلبان والندالة كانت واخدة حقها معاه قوي."
ثم استنشق زفيراً طويلاً وهو ينهي ذاك الحوار المؤلم لروحه:
"ممكن ما نتكلمش في الموضوع ده تاني عشان بجد بيتعبني. أي نعم أنا ارتحت لما لقيت حد خرج اللي في قلبي بس عايزك ولا كأنك سمعتي حاجة."
بابتسامة مشرقة بدت على معالم وجهها أجابته:
"تمام مستر مالك."
وبنظرة كلها رجاء أكملت باهتمام:
"طيب ممكن أروح معاك مقابلة الدكتور بكرة ده إن ما كانش يزعجك؟"
دقق بالنظر داخل عينيها بترقب شديد لطلبها الغريب الذي جعل دقات قلبه تسأل قبل منطق عقله، ونطق باستفسار:
"قد كده أنا بقيت مهم لدرجة إنك تروحي معايا جلسة دكتور؟"
تراجعت باسترخاء على المقعد وهي تربع ساعديها باستماع، واتتها إجابة من إعجابها باستفساره، وأجابت بعينين راجيتين:
"ممكن آه وممكن أكتر شوية بس ارجوك نفسي أشاركك في لحظاتك اللي إنت موجود فيها هنا وأبقى واقفة جنبك، وما تسألنيش ليه لأني أنا حاسة إني عايزة أعمل كده."
زاده حديثها ارتياح شديد أكثر من ذي قبل، وأجابها بموافقة:
"تمام، هعدي عليكي بكرة ونروح سوا، وإن شاء الله يطلع وشك حلو عليا."
وظلا يتحدثان مدة من الوقت لم يشعروا به طيلة حديثهم إلى أن أحسوا بالتأخير، وانتهوا من جلستهم مودعين بعضهم البعض إلى اللقاء غداً.
وفي أثناء سير كل منهم في طريق عودته إلى مكان مأواه، حدّث مالك حاله بتساؤلات كثيرة جرت في عقله وقلبه، بل وكل جسده كان متفاعلاً مع تساؤلاته:
"ماذا ورائك يا تلك الجميلة الرقيقة التي لم أرَ في رقتها امرأة قبل؟"
"أمن الممكن أن أصدق حدسي فيما يفكر به ويتوقعه؟"
"أمن الممكن أن تصبحي أنتِ ونيسة الأيام وجليسة الليالي القادمة وجبر قلب معذب طيلة حياته!"
"حقا لو أصبح كذلك لكأن الله سيعوض حرماني أضعافاً مضاعفة."
أما هي، كانت تسرح بخيالها في عالم السعادة اللامتناهية من مجرد تقدم بضع خطوات من عشقها المختزن داخلها، والتي لا يعلمها أحد سواها، وهي تتسابق مع الطرقات بسعادة بالغة.
انتهى اليوم على الجميع بمأساته للبعض، وبالجبر والعوض للبعض الآخر.
في اليوم التالي، أتى الصباح محملاً بالأمل والتفاؤل على الجميع، وخاصة مالك الجوهري، الذي ارتدى ملابسه الكاجوال، والتي كانت عبارة عن بنطال من اللون الأزرق القاتم، وقميصاً باللون الأبيض الزاهي، وارتدى ساعته ونظارته الشمسية، فكان حقاً وسيماً.
وهاتف جوليا بأنه قادم إليها، وهي كانت في انتظاره بسعادة بالغة.
تقابلا كل منهما، ومر الوقت سريعاً وهما في انتظار نتيجة التحاليل، والتي ما إن أتت الممرضة بها، استمع إلى نداء دوره، وعلى الفور دلفا الاثنين إلى غرفة الطبيب، الذي كان مهتماً بفحص التحاليل جيداً، وما إن انتبه الطبيب لوجودهما حتى تحدث بابتسامة:
"لقد أخبرتك من قبل سيد مالك أن رحلة علاجك أوشكت على الانتهاء، وتلك التحاليل أثبتت ذلك."
ثم تابع حديثه وهو ينظر له باستغراب عما رآه في تحاليل الجينات:
"ولكن شيئاً ما في تحاليل الجينات أريد تفسيراً منك سيد مالك."
ابتسم مالك وجوليا بعد أن طمأنهما الطبيب على اقتراب شفائه، والذي أكده الطبيب بأن بضعاً من الأدوية التي سيعطيها له ستنهي الأمر تماماً، وسيحيى حياة طبيعية كأي رجل.
أما جوليا، أمسكت بكف يديه وقبضت عليهما بشدة، وهي تبادله الابتسامة النابعة من قلبها الجميل.
وما إن استمع إلى تساؤل الطبيب، حتى قطب جبينه باستغراب وأشاد مردداً:
"ما الذي يحيرك في الأمر سيدي الطبيب؟"
قص عليه الطبيب ما رآه، وما إن استمع إليه، حتى باتت دقات قلبه عنيفة شديدة، وصورة عينيه زائغة من شدة ما سمع، ونزل على قلبه، والذي كان عبارة عن استغراب حقاً:
"بدا لي في تحاليل الجينات أنك منذ أكثر من أربعة أعوام تتناول عقاراً يؤثر على الإنجاب، والذي يسبب العقم مع مدار تناوله على مدى العمر، ومع تناول تلك العقارات كنت تتناول أخرى مضادة، كيف ذاك الطبيب الذي يتابع حالتك أن يضرك بهذا الشكل سيد مالك؟"
العبارات صادمة، والقلوب ترتعش، والعيون تنظر بغموض، والنفس الأمارة بالسوء بدأت تتناول تفكيرها.
وبعد تلك العبارات أيضاً، أصبحت الأنفاس متسارعة، والأفكار متضاربة، والجسد مشتعل، والهواء بدأ ينعدم، كل ذلك شعر به مالك، وقسمه إلى أشلاء بدأت تمزق داخله، وخيوط عقله بدأت تتزاحم وتفكر فيما مضى وترتب لما هو آتٍ، والذي لا يبشر بالخير أبداً.
في مدينة الإسكندرية، في أحد الكافيهات، تجلس هند زوجة زاهر الجمال مع إحدى صديقاتها، وهم تحاكيها بانزعاج وتنفس غضباً وتهز قدميها عنفاً، قائلة بعيون تنطق حسرة:
"بقي أنا اللي ينطبق عليها المثل 'جيت تصيده صادك'، وحفرت الحفرة اللي قعدت أخطط لها قد كده، وفي الآخر وقعت فيها أنا!"
واسترسلت وهي تستشيط غضباً جاماً:
"ده أنا لبست في الحيط واتعورت بالجامد أوووي، ولسه مش قادرة أفوق، وجيت أكحلها عميتها."
كانت صديقتها تكتم ضحكاتها على طريقة هند المضحكة للغاية، وعلى تعبيرات جسدها أيضاً.
ورأت هند تلك الضحكات المكتومة على وجهها، مما جعل غضبها يزداد، وقذفتها بعبوة المناديل الورقية، وقامت من مكانها وهي تنهرها بحدة:
"تصدقي بالله إنك معندكيش دم ولا إحساس، أنا شايطة وبولع وإنتي قاعدة تضحكي عليا."
"أنا اللي غلطانة إني جيت أشتكي لك أوجاعي، وإنتي عارفة إنك الوحيدة اللي بحكي لها كل اللي يخصني."
وبنظرات لوم أكملت وهي تسحب حقيبتها:
"أنا ماشية ومش عايزة منك حاجة."
انتفضت الأخرى وأمسكتها من يدها وهي تبدي على وجهها وبعباراتها علامات الندم والأسف:
"خلاص اقعدي ما تزعليش، وما تبقيش أفوشة كده."
"والله طريقة كلامك وأمثلتك اللي بتقوليها هي اللي موتتني من الضحك."
نزعت هند يدها وهي تزجرها:
"برضه تاني!"
إنتي عايزة تنقطيني يابنتي والله العظيم.
هدأتها صديقتها وتحدثت بجدية تلك المرة:
_ يعني أعمل لك إيه!
ياما نصحتك وقلت لك ملكيش دعوة بيها واستري عليها من باب لاتجسسوا، وإنتي دايما حاطاها في دماغك ومصممة تركبيها الغلط قدام الكل من زمان.
أهي اتقفلت عليكي زي الضمنة وريم بتخاف على سمعتها جدا، وبتخاف على ولادها. وبصراحة جوزك وحماتك مسكوها من إيديها اللي بتوجعها، وكنتي إنتي الحبل اللي قعدتي تشدي فيه بكل عزمك عشان تخنقها، فخنقك إنتي قبلها.
تشعب الغضب برأسها وتكاثر بلا رادع، وهي تتوعد بأيمانها اللامتناهية.
_ لا والله ما هيحصل طول ما أنا عايشة على وش الدنيا، ومش هسيبه يتجوزها ويخلف منه الواد ويلم الليلة هي وولادها. ولو وصل الأمر إني أخفيها من على وش الدنيا هخفيها، كله إلا تعب السنين في النكد اللي أنا عايشاه معاه وملامات أمه وكيدها ليا بأني أم البنات وإن الماعون بتاعي مش على كيفها.
نظرت لها صديقتها بعيون ممتلئة بالاندهاش من حديثها ورددت باستنكار:
_ هو الأمر وصل معاكي لحد القتل، وتموتي نفس وتضيعي وتضيعي بناتك معاكي!
هو إيه اللي في دماغك ده مخ ولا لأ مؤاخذة يعني فردة بلح!
وتابعت عتابها وهي تحاول إرهابها:
_ والله ياهند لو عملتي اللي في دماغك لأتخسري بيتك وبناتك وفوقيهم عمرك.
فوقي ياهند، أنا والله العظيم خايفة عليكي وبنصحك لله. إنتي كده بترمي نفسك في التهلكة بكامل إرادتك.
ضربت هند بكلتا يديها على المنضدة بعنف شديد، وبعيون تشعلل حقداً وكرهاً أردفت:
_ يعني عايزاني أعمل إيه، أسيبه يتجوزها ويخلف منه!
نظرت لها باستنكار وأجابتها باستخفاف:
_ تصدقي وتؤمني بالله يا هند، إنتي تنفعي تطلعي تعملي برنامج أسهل طريقة لعمل من الحبة قبة.
واسترسلت حديثها وهي تلوي فمها اعتراضاً على طريقتها:
_ يا ماما شيلي الموضوع من دماغك وركزي في بيتك وفي بناتك، وإزاي ترجعي جوزك لحضنك. وسيبك إنك تركزي في حياة غيرك، الكلمتين اللي بغنيهم لك كل يوم.
ولما تعملي كده ربنا هيصرف عنك كل شر. يا إما كده، يا إما النار هتلسعك الأول قبل ما تحرقي بيها غيرك.
حديثها لم يجدي نفعاً، فرأسها يابسة متيبسة، والغل والحقد متصاعد على وجهها يراه الأعمى.
ورأت أن الكلام معها سيشتتها عما تفعله، فقررت إنهاء الحديث في ذاك الموضوع، ولتخطط وتعيد حساباتها، ولكن تواعدت في داخلها أن تلك المرة ستنالها فوزاً وبالتأكيد ولن تستسلم.
***
ولنسبح بخيالنا إلى دبي، إلى المغدور بها راندا المالكي، وما حدث لها من صدمة جعلتها يوماً كاملاً حبيسة الغرفة، وأبناؤها يبكون بدل الدموع دماء على أسرة تفككت ومستقبل مهدد ونفوس لم تعد تأمن بعد ذلك.
كانت تجلس أمام حقيبة سفرها وهي تتطلع إلى الملابس الجديدة التي اشترتها خصيصاً لكي ترتديها لمن كان عزيز القلب والروح.
وعقلها بل وكل كيانها سائر، حاقد، رافض، كاره، وسيدمر، بل سيعصف. انتوت بداخلها حرباً أعلنتها على الجميع، ولن تنظر لأي كائن غير كرامتها، فتلك هي راندا عنيدة من الدرجة الأولى، ولن تتهاون في حقها قط.
غضبها كالعاصفة الشديدة التي أودت بسفينة متينة، لم تقدر عليها الرياح وأغرقتها العاصفة.
كانت جالسة الغرفة تدور بأعينها فقط، وتحسب بعقلها آلاف الحسبان لما سيكون.
أما عن إيهاب، ففي حاله يرثى له.
فقد تركها اليوم كاملاً لكي تهدأ كما في مخيلته، وعاد إليها الآن محتضناً أبناؤه وهو ينثر عليهم قبلاته واعتذاراته. وبعد أن هدأ من روعهم قليلاً، قرر مواجهة العاصفة وليكن ما يكن.
طرق على الباب ولم يستمع رداً منها رغم توالي الطرقات. وفي النهاية قرر وعزم الدخول.
وما إن رأته حتى اندفعت من مكانها.
وبمجرد أن رأته اندفعت إليه لتشن حروب أفعاله فوق رأسه بتمرد أنثى وكبرياء دهس بالأقدام، مرددة بصراخ:
_ إنت إيه اللي جابك هنا يا بني آدم إنت!
إنت لسه لك عين تقف قدامي وتتكلم، اتفضل اطلع بره وما أشوفش وشك هنا تاني لحد ما أسيب لك الدنيا كلها وأرجع مصر، اتفضل.
قالت كلماتها الأخيرة بحدة بالغة وبصراخ سمعه أبناؤها في الخارج، مما جعل دموعهم تنزل بغزارة على وجوههم ويحتضنون بعضهم البعض خوفاً ورعباً.
راعى إيهاب غضبها ولم يحزن داخله لطريقتها البالغة الحدة، فهو من نصب الليلة بأكملها وعليه أن يتحمل نواتجها. فتقدم منها بخطوات بسيطة خوفاً من غضبها قائلاً باستسماح:
_ أرجوكي يا راندا اهدي، ما اتعودتش منك على القسوة دي معايا. أنا عايزك بس تسمعيني، مش عايز أكتر من فرصة واحدة بس تديها لي علشان أصلح غلطي.
انتفضت أعينها بحدة وهي تطالع صاحب طعنتها، وباتت نطراتها شرسة وتجز على أسنانها بحدة. كان ينظر إلى اختلاف ردود أفعالها، فلاحظ تمدد ملامحها بضحكة هادئة، ثم همست في مسامعه بصوت هدر:
_ فرصة ههههههههههه!
إيه النكتة الجميلة دي، ده إنت مفكرني بقى هبلة للدرجة دي علشان أتختم على قفايا وأتخان، وأنا كنت صايناك أم وأب وزوجة وحيدة وشايلة كل حاجة فوق دماغي، وإنت هنا عايش حياتك متجوز من سنين وبتعمل لها عيد جواز وكاتب لها تهنئة زي اللي كنت بتكتبها لي بالظبط، ما تفرقش، ده إنت بتعرف تمثل جامد قوي يا بشمهندس.
_ أعمل إيه، كان غصب عني. ياما قلت لك ارجع واقعد في وسطكم إنتي والأولاد، وكفاية عليا غربة. وإنتي كنتي مصممة إننا نبني مستقبل الأولاد… كلمات محطمة خرجت من لسانه بنبرة شقاء وتعب لعذاب الضمير سنين. فإيهاب ليس سيئاً وراندا ليست خاطئة فيما تشعر به الآن، والحوار بينهم شائك للغاية.
ما إن استمعت إلى كلماته حتى تقدمت منه بخطوات مدروسة كخطواتها القادمة التي ستشنها حرباً، وكان هو بادئها، وقالت له بفحيح:
_ بطل أعذار وحجج فارغة.
وعايزة أعرفك حاجة، لا مش أعرفك بس ده أنا بأكد لك إني هتطلق منك وهاخد الفيلا والعربية والحساب اللي في البنك، تعب السنين بتاعك ليا وللأولاد علشان أنا اللي بنيته وإنت هنا دايب في العسل.
واسترسلت بوعيد:
_ ومش بس كده، ده أنا هخليك تندم ندم عمرك. وقد ما اديتك محبة وإخلاص ووفاء، على قد ما هديك طعنات ترشق في قلبي زي الخناجر بالضبط، وإنت اللي بدأت والبادي أظلم.
اندفع إليها وأمسكها من كتفيها وهو يهزها بعنف كي يردعها عن ما تتفوه به، مردداً باستنكار:
_ كلام إيه اللي إنتي بتقوليه ده، فوقي يا راندا، ما تدمرنيش حياتنا وحياة الأولاد اللي منهارين بره علشان خاطر غلطة أنا معترف بيها. وبوعدك إني هصلحها، وأخدكم وأرجع بلدنا ونكمل حياتنا هناك، وهفضل أعتذر لك عليها طول عمري، بس ما تدمرنيش حياتنا.
نفضت يديه من عليها كمن تنفض حشرة كادت أن تمسها، وأولته ظهرها وهي تنهي الحوار بالكلمات التي جعلته لم يستبشر خيراً أبداً:
_ انسى يا بشمهندس، العين بالعين والسن بالسن، والبادي أظلم.
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم فاطيما يوسف
العبارات صادمة والقلوب ترتعش والعيون تنظر بغموض والنفس الأمارة بالسوء بدأت تتناول تفكيرها.
وبعد تلك العبارات أيضاً، أصبحت الأنفاس متسارعة والأفكار متضاربة والجسد مشتعل والهواء بدأ ينعدم. كل ذلك شعر به مالك وقسمه إلى أشلاء بدأت تمزق داخله. خيوط عقله بدأت تتزاحم وتفكر فيما مضى وترتب لما هو آتٍ، والذي لا يبشر بالخير أبداً.
فسأل مالك الطبيب وهو في دهشة:
_ ماذا تقصد بكلامك الآن؟
وأشار بيده إلى حاله وهو يكمل بصدمة:
_ أتقصد أني كنت أتناول عقاراً يسبب العقم على مدى السنين؟
أجابه الطبيب بكل عملية وهو يعيد نظره إلى التحليل مرة أخرى بتأكيد:
_ التحاليل صائبة مئة بالمئة والذي قلته لك صحيح. وبالتأكيد أن تلك التحاليل بعينها لك ولم نخطأ بها.
تبدلت فرحته بشفائه إلى نار وصار جسده ينتفض دماراً من تأكيد الطبيب.
أما هي، فكانت تنظر له بدعم وتحاول أن تبثه الهدوء.
انتهوا من جلسة الطبيب وخرج مالك بقلب متعب وروح مدمرة. بات يسأل داخله:
_ لماذا كل هذا الدمار الذي يحيطني من كل مكان؟
لماذا تصفعني الحياة بصفعة أشد من ذي قبل بعد أن تبرأت من شدة ألمها؟
فاق من شروده على تلك اللمسات التي حاولت بها جوليا أن تهدئه بها وهي تنطق باستجداء:
_ من الأفضل أنك تنسى الجانب السيء الذي سمعته من الدكتور وتركز في الجانب الإيجابي، وانسَ الذي فات طالما أنت بقيت كويس.
ابتسامة ساخرة خرجت من بين شفتيه بعدما استمع إلى رأيها. ثم نظر إليها وتحدث باستنكار:
_ بالبساطة هذه تريدني أن أنسى ما قاله الدكتور؟
واسترسل حديثه وهو يضرب مقود السيارة بغضب ناطقاً بتوعد:
_ ما بقيش مالك الجوهري إن لم أحاسب الذي فعل فيّ هكذا حساباً عسيراً. ولن أهدأ إلا عندما أعرف. ويا أنا يا هو أو هي، والزمن طويل.
أحست بوجعه وكأنها تعرفه عمراً بأكمله، وليست من أيام بسيطة تبادلت الأحاديث بطلاقة معه.
وتحدثت وهي تتساءل باندهاش:
_ أنا مش عارفة مين اللي جاله قلب يعمل فيك كده؟
مين معدوم الضمير والإحساس اللي يديك حبوب ودواء يسبب لك العقم؟ معقولة تكون طليقتك؟
أخذ يضرب كفاً بكف وهو يعصر تفكيره عصراً ويجوب بعقله ويطويه طياً لكي يصل لطرف الخيط، وبعدها ستنقلب النار على من أشعلها، وليكن ما يكن.
استمع إلى استفسارها بتعمق وأجابها بتعب مغلف بالحيرة:
_ مش عارف ومش قادر أفكر دلوقتي. مش الصدمة التي وقعت على دماغي، من بالظبط الذي يقدر يعمل كده؟
الحكاية دي عايزة صبر وعايزة هدوء وعايزة دماغ عشان أقدر أفكر كويس.
تنهدت بهدوء ثم اعتدلت في جلستها ونظرت إليه وهي تمد يدها وتوجه وجهه مقابلاً لوجهها، وتعمقت بالنظر داخل عينيه مرددة:
_ طيب ممكن تنسى الذي حصل وتبتسم وتحاول تدي لنفسك "positive energy".
علشان مش حابة أشوفك وأنت تعبان ومتضايق كده.
كان يشعر بأنه ينسحب إلى عالمها رويداً دون أن يشعر، ودون أن يخطط أو يرتب.
زفر أنفاسه بتعب وهتف وهو ينظر داخل عينيها بإرهاق:
_ أنسى إزاي وأنا الهم محاوطني من كل مكان وفي كل سنيني؟
توجعت قلبها لأجله وهتفت وهي تحاول أن تخرجه من همومه:
_ خلي عندك ثقة دائماً أن أنت قلبك طيب وبيحب الخير للكل، عشان كده هتبقى بخير.
كان كالغريق الذي يتعلق في سفينة نجاة، وكانت جوليا بالنسبة له سفينة النجاة التي تخفف وجعه. وخاصة أنها كانت شاهدة على جرحه، فتحدث بامتنان وهو يمسح وجهه بكفّي يديه:
_ أنا بجد بشكرك إنك موجودة معايا دلوقتي وإنك بتحاولي تخففي عني وسايبة كل مسؤولياتك، وخاصة في وقت صعب زي ده.
بابتسامة عذبة هتفت بامتنان مماثل:
_ أنا اللي بشكرك إنك موجود هنا وجنبي وإنك مديني مساحة في حياتك الخاصة وسمحت لي بيها.
طريقة حديثها ولمعة عينيها وحزنها لأجل حزنه وعدم مفارقتها له في أشد لحظة مرت في حياته، جعلته يفكر لماذا تفعل معه ذلك.
فنطق لسانه دون قصد:
_ ليه بتعملي معايا كده؟
_ أنا حابة وجودك هنا وحابة إني أبقى جنبك في لحظة حزنك قبل فرحك...
كلمات خرجت من فمها بنبرة حالمة واسترسلت حديثها وهي تستفسر بحيرة:
_انت متضايق من وجودي معاك او اني تطفلت في حياتك؟
أشار برفض براسه وكلتا يديه مجيبا برفض قاطع:
_لا خالص انت لو ما كنتيش معايا دلوقتي وخففتي عني في حالتي كان زماني جرى لي حاجه بجد من اللي سمعته من الدكتور.
انطلق بسيارته لكي يوصلها إلى مكان عملها وهو بقلب حائر، دقاته تزداد كل حين عن الآخر في حضرتها، وبات يتساءل داخله بتيهة:
_أيعقل دقات قلبي تلك في وجودها وأن أكون أحببتها!
أم ماذا أفسر تلك الدقات؟ أهي انبهار أولي بهدوئها ورقتها!
أم هي العوض والجبر الذي أتعافى به من مر العمر!
ولكن لا نحكم أبداً على مشاعرنا وقت الغضب الشديد، الفرح الشديد، الشدة العاصفة.
فعلي أن أصبر فترة للتعافي.
"إذا بحثت عن الحب ليعوضك عن فشل علاقة سابقة، أو فشل علاقتك بأهلك، فاعلم جيداً أن هذا الحب ربما يفشل لأنه كان لغرض تعويض نقص تحتاجه، وستتجاهل لا إرادياً إن كان هذا الشخص مناسباً أم لا، تمهل..."
"ولتعلم الحب الأول القوي له تأثير صعب جداً على استقرار الزواج، فللأسف قد يظل هذا الحب مؤرقاً لكلا الزوجين بسبب أنهما تزوجا قبل أن يندمل جرح الحب الأول لأحدهما أو لكليهما!"
"فنصيحتي عدم الزواج إلا بعد استقرار القلب!"
"فلا تعرض إصبعك المجروح للملامسة إلا بعد الشفاء، وإلا سيكون وجعك أشد!"
"فلا تهدموا الأسرة بالتسرع في الزواج قبل اندمال الجراح، خصوصاً من هذا النوع!"
كلمات راجي عماد الدين.
***
في منزل زاهر الجمال عصراً، حيث تجلس هند أمام مرآتها وهي تضع مساحيق التجميل كي تتجمل لزوجها، فهي قررت من الآن أن تهتم بحالها كي تنسيه فكرة الزواج من تلك الريم.
فهو دائماً يطالبها أن تهتم بشكلها الذي دوماً تهمله، وأن تهتم بجميع شؤونه وخصوصياته، وهي كانت تضرب بمتطلباته عرض الحائط وتنفضها عن رأسها كي لا تسبب له الصداع.
انتهت من جلسة التجميل النادرة وهي تنظر على حالها بانبهار وتردد:
_والله أنا زي القمر وأحلى من مليون ريم.
ثم لوت شفتيها وأكملت حديثها بامتعاض:
_أنا مش عارفة أصلاً إيه اللي عاجبهم فيها، أم دم يلطش دي، عالم مبتفهمش.
وظلت تردد مع حالها ذاك الحديث الذي بات يشغلها كثيراً، أو بالأصح لا تفكر في أشياء أخرى غيره.
إلى أن أتى زوجها ودلف إلى المنزل، وجده يعم بالهدوء والنظافة الغير معتادة.
ظل يدور بعينه في المكان يبحث عن زوجته ولم يجدها، فانطلق إلى حجرة النوم، وعندما رآها انصدم مما رأى.
انطلقت من شفتيه علامة سخرية واستهزاء وليست علامات انبهار، وهو يردد بسخرية:
_إيه هو العيد جه عندك النهاردة ولا أنا مش واخد بالي يا أم البنات؟
اشتعل داخلها جم غضب، وبات يغلي من استهزائه وسخريته بها، والآخر ينعتها بأم البنات. جلست على تختها وهي تنظر له بغضب وأجابت بسخرية مماثلة:
_ومالهم البنات؟ ما هم بذرتك اللي أنت زرعتها، وأنا مجرد ماعون مش أكتر ولا أقل.
انزعج كثيراً من ردها المفعم بالغلظة المعتادة عليها منها، فهي دائماً سليطة اللسان.
فهو ما كان يقصد ما فهمته وما وصل إليها من مقصد حديثه، فهو يعشق بناته ويعززهم جداً، ولن يسمح بإهانتهم أبداً.
فرد على سخريتها بفقدان أمل:
_سبحان الله يا هند هتفضلي طول عمرك كده دبش، عمرك ما هتتطوري أبداً.
واسترسل وهو يشاور بيديه على جسدها باندهاش:
_يعني بعد كل اللي إنتي عاملاه ده أي واحد يدخل يشوف مراته عاملة كده ينبسط، لكن بمجرد ما اتكلمت معاكي كلمة واحدة قفلتني منك كالعادة، وقفلتي أم الليلة بحالها، وادي الأوضة ليكي، اتهني بيها.
استشاطت غضباً من حديثه، لقد أطلق كلماته اللاذعة وتركها تتآكل بنار مولعة اشتعلت في جميع جسدها، فقد كانت منوية أن تغير من طريقتها الحادة وتهدأ من لسانه.
لكنها أفلتت كالعادة، وحدثت حالها وهي تجز على أسنانها وتدور في الغرفة حول نفسها قائلة باستشاطة:
_يا بختك الأسود يا هند، هتفضلي طول عمرك كده حظك منيل بسبب طوله لسانك اللي موديكي في داهية.
وتابعت حديثها وهي تفكر:
_طيب أروح وراه؟
أيوه أروح، ده جوزي ومش هسيبه بعد كده، وهبقى وراه زي ضله.
وبالفعل خرجت كالإعصار من الغرفة وذهبت إليه، ودون أن تدق الباب دلفت إليه، ووجدته في الحمام الملحق بالغرفة، مالت على التخت بجسدها تنتظره كي يخرج.
وما هي إلا دقائق معدودة حتى خرج مرتدياً رداء الحمام، وجدها أمامه، فقال لها بملامح جادة مكفهرة:
_خير، إيه اللي جاب الست هانم لحد الأوضة عندي؟
واستطرد متهكماً:
_في حبة نكد وتلقيح جاية تخلصيهم هنا تاني ولا إيه بالظبط؟
لم يعجبها تهكمه عليها، ولكن هدأ من حالها وقامت واحتضنته من ظهره قائلة بدلال:
_فيه إيه يا حبيبي؟ مالك بتتعامل معايا بقسوة كده ليه؟ بتستغل نقطة ضعفي إن أنا بحبك يعني؟
نزع يديها من عليه وأدار وجهه إليها قائلاً باستغراب:
_حبيبي وبحبك في جملة واحدة ومن هند؟ والله ما مصدق نفسي، لا وكمان حضن وحنية!
وتابع استغرابه بتساؤل:
_مالك يا هند فيكي حاجة النهاردة؟
ده أنا كنت لسه معاكي وما شاء الله عليكي سديتي نفسي كالعادة، إيه بقى اللي اتغير فيكي فجأة؟ يكونش عندك انفصام في الشخصية؟
ابتسمت على كلامه وأجابته وهي تحاوط رقبته بكلتا يديها:
_وفيها إيه يعني لما أدلع عليك وأنت تستحملني؟ مش الراجل واجب عليه إنه يستحمل مراته بكل تقلباتها؟
رفع حاجبه باندهاش وهتف بتأكيد:
_آه طبعاً الراجل مطالب إنه يستحمل مراته، لكن مش أي راجل يستحمل أي ست، وإذا كانت الست دي إنتي يا هند يبقى ما حدش مستحملك في الدنيا دي قدي، ولا حد هيستحملك غيري.
حزنت بداخلها من طريقته المقللة لأنوثتها دائماً، وهتفت بجبين مقطب:
_ليه يعني يا باهر؟ أنت محسسني إني عاملة زي أمنا الغولة اللي ما حدش يطقها أبداً، ليه بتتعامل معايا كده؟
_أهو جاية للنكد وهتبدأي النكد من أول وجديد، اتفضلي روحي على أوضتك أحسن يا هند عشان أنا تعبان وعايز أنام.
... كلمات اعتراضية أجابها بها على طريقتها المعتادة التي لم تتغير أبداً.
تنهدت بتعب من طريقتهم التي من الواضح أنها لن تتغير أبداً، وردت على حديثه بنبرة متأثرة بالحزن:
_أرجوك يا زاهر، أنا جيت لك ولا عايزة نكد ولا عايزة خناق، كل اللي عايزاه حضن جوزي حبيبي أبو بناتي، ومش عايزة أكتر من كده.
رأى زاهر الحزن في عينها والاستسلام على معالم جسدها، فزفر أنفاسه بتعب وأخذها بين أحضانه، فهي زوجته ومن الواجب عليه احتوائها مهما كانت طريقتها.
***
بعد مرور ثلاثة أسابيع على تلك الأحداث، حيث تطورت علاقة مالك بجوليا واعترف الاثنان لبعضهما بالإعجاب، وكل تلك المدة لن ينسى مالك ما قصه عليه الطبيب، ومنتظراً انتهاء الأسبوع الأخير حتى يعود إلى بلدته وتبدأ رحلة عنائه مع من اقترف هذا الجرم في حقه.
أما عن ريم، فهي في هدنة قررت أن تأخذها، ولم تفكر في كلام والدتها ولا رأيها الصادم لها، وعزمت أن تهتم بأبنائها ولن تشغل بالها بذلك الموضوع إلا وقت عاصفته، وإلا ستخسر كل شيء.
أما عن الحبيبين رحيم ومريم، فقد ازداد قربهما ببعض، وصارت أرواحهما تعشق كل منها الأخرى بعد اعتراف رحيم، والذي ما إن أنبأها عما في قلبه وعن شعوره تجاهها، أصر عليها وأحاطها من جميع الجهات حتى سمع اعتراف محبتها له تلك الأخرى.
وتلك الشمطاء مي، علمت المكان المتواجدة به مريم بعد يومان من خروجها من الدار، ولكن تركتها كي تخطط لها تخطيطاً عازمة على نجاحه تلك المرة، وتحسب للخطأ قبل النجاح ألف مرة، ولكنها تمهلت لأنها أحست بأنها انكشفت وأمانها أصبح مهدداً، وفضلت أن تأخذ هدنة كي تعيد بها حساباتها.
***
بعد ثلاثة أسابيع، أعادت راندا بأبنائها إلى بلدها، محطمة القلب، بائسة، يائسة مما حدث لها وقلب حياتها رأسًا على عقب، فقد فضلت المكث هناك حتى تفكر بعيداً عن والديها دون أن يؤثروا على قرارها، وعادت اليوم، وها هي الآن تجلس معهم تحاكيهم عن ما حدث لها منذ وصولها حتى الآن.
وما أن استمعوا إلى حديثها حتى فتحوا أفواههم استغراباً مستنكرين ما قالت.
وبعد أن انتهت، ضربت فريدة على صدرها مرددة بنواح:
_ياميلة بختك في بناتك يا فريدة!
واحدة حرقت قلب جوزها ومات في لحظتها، والتانية قعدنا نتحايل عليها جوزها يرجع لما اتجوز عليها.
وكادت أن تكمل نواحها إلا أن استوقفها جميل مردداً باستغراب:
_إيه الكلام اللي إنتي بتقوليه ده يا فريدة؟ مين دي اللي حرقت قلب جوزها وموتته؟
تقصدي ريم؟
زاغت عينيها وابتلعت ريقها بصعوبة بالغة مما تفوهت به في لحظة غضب، ولن يتركها جميل حتى تفهمه مقصد حديثها، وبالفعل ألح عليها في الكلام حتى قصت عليه كل شيء بخصوص ريم.
ما أن استمع جميل إلى كلام زوجته حتى احترق داخله، وباتت علامات الغضب على وجهه تقص للجالسين مدى احتراقه وغضبه.
حتى هتف لفريدة بحدة بالغة:
_وكنتي عارفة الكلام ده من أسابيع وسايبة الطرطور اللي قاعد في البيت ما تعرفيهوش أي حاجة ولا كأن له لازمة؟
واستطرد بحزن شديد:
_والله عال يا ست فريدة، يا اللي مش معتبرة وجودي من الأساس وسايباني زي الأطرش في الزفة.
كانت فريدة جالسة مرتعبة من حالة الغضب التي بدت على معالم جميل، فهو في غضبه ينطبق عليه المثل المعروف: "اتق شر الحليم إذا غضب".
قام من مكانه وهو ينظر إليهم مردداً بأمر:
_خلي موضوع ريم ده على جمب، وأنا هعرف أتصرف فيه بمعرفتي، ونتحاسب بقي إنك إزاي تخبي عليا موضوع زي ده.
كادت أن تتحدث إلا أنه أشار إليها بكلتا يديه أن تصمت، ونظر إلى راندا مردداً بملامة مغلفة بالحدة:
_جاية دلوقتي تبكي بعد ما حذرتك من سنين وقلت لك بدل المرة عشرين، كفاية كده غربة على جوزك، وبرده كان اللي في دماغك في دماغك.
واستطرد حديثه بتهكم:
_اشربي بقى نتيجة إنك فضلت الفلوس على راحة جوزك في وجوده جنبك انتي وأولادك.
ياما قلت لك هيجي لك اليوم وهتندمي، إنه كل مرة يبص لك ويطلب منك وكأنه بيترجاكي إنك تقولي له اقعد وما تسيبناش وتمشي، ما بيلاقيهاش منك، بل بالعكس كان بيلاقي منك تشجيع السفر وإنه يسيبكم عشان يروح يبني لك المستقبل ويجيب لك الملايين اللي عمرها ما كانت هتكفيكي يا بنتي.
كانت تستمع إلى كلماته بدقات قلب عنيفة، فلم يأتِ بمخيلتها أن يعنفها والدها بتلك الكلمات التي مزقت روحها.
ثم تنهدت بثقل وألم نفسي انتابها جراء كلماته، وأردفت باندهاش:
_معقولة أنت بتلومني أنا يا بابا!
معقولة أكون أنا الغلطانة في وجهة نظرك، وهو اللي طعني طعنة غدر!
واسترسلت باعتراض صارم:
_قد كده مش قادر تفرق مين فينا اللي جرح التاني، مش أي جرح؟
أجابها متهكماً بكلمات خرجت من بين أسنانه بحدة:
_هو آه جرحك جرح كبير، بس إنتي اللي اديتي له السكينة وناولتيها له في إيديه، وما صعبتش عليكي نفسك، هتصعبي إنتي عليه؟
واستطرد بملامح وجه مكفهرة متسائلاً:
_والمطلوب مني دلوقتي إيه يا ست راندا؟ إني أعمله لك؟
قسوة والدها عليها ما كانت تتوقعها أبداً، في أثناء رجوعها كانت تحصي الأيام كي تأتي إلى أمانها وحضنها الدافئ الذي ستجد فيه الراحة والسكينة، حضن والدها جميل.
لم تتخيل ردة على ما حدث لها أن يكون بتلك الشدة والحدة، فهو دائماً حنون عطوف محتوي لهم في شدائدهم.
فنظرت له بعيون تلمع الدموع داخلها، هاتفة باستغراب:
_كنت متوقعة إني لما أجي أقول لك إني اتخانت، مين اللي أمنت له واديت له عمري وشبابي واستحملت الغربة معاه عشان خاطر نبني مستقبل أولادنا، وفي الآخر غدر بيا، إنك تاخد موقف حاسم معاه مش معايا أنا، ليه بتعمل فيا كده يا بابا؟
استوعب سؤالها وأردف بنبرة جادة متجنباً حزنها ولمعة عينيها بالدموع:
_علشان أنا عارفك يا بنتي كويس جداً، زي ما أنا ما عارف إيهاب أكتر منك بكتير، كان دايماً بيبص لك وهو ماشي ومستنيكي تقولي له اقعد وما تسيبنيش، وهعيش معاك بأقل إمكانيات بس تفضل في حضننا، وما لقيتهاش منك ولا مرة، ولقاكي إنتي مبسوطة بكده.
غصب عنه ضعف واحتاج لأي راجل ما يقدرش يستغنى عنه، ولقى قدامه فرصة لواحدة جميلة عندها فرصة تبقى جنبه لدرجة إنها خلته في سنينه الأخيرة ما بقاش يطلب ولا يترجى إنه يقعد، وبالرغم من إنه متجوزها من خمس سنين وإنتي كنتي بتروحي كل سنة إلا إنك ما حسيتيش.
واسترسل بنصح وإرشاد:
_وأنا بنصحك نصيحة لوجه الله، وبالرغم من إني عارف إنك مش هتقبليها ولا هتعملي بيها حاجة، لكن واجبي عليكي كأب خايف على بنته، إنك طالما ما حسيتيش يبقى ما تفكريش وما تخربيش بيتك وأولادك، واصفحي وسامحي وخليكي كريمة زي ما أنا دايمًا مربيكم.
عثّت في جوفها حرب أشد من أن تتحكم بها ومن أن تقاومها بسبب كلمات والدها التي لم تتوقعها بالمرة، فبدلاً من أن يخفف عنها ألمها، بل زاد الجرح جرحاً وضغط عليه، جعلها صرخت صرخة عالية مرددة بتصميم:
_عايزني أسامح في اللي خانى واتجوز عليا؟ اتجوز عليا أنا راندا!
ده لو جالي راكع مش هسامح، وهتطلق وهحرق قلبه وهخليه يندم على اللي عمله معايا بدل المرة ألف مرة، وهندمه على كل لحظة غدر وخيانة عملها فيا.
صفق بيديه مردداً بسخرية:
_برافو برافو، إنتي كده البنت اللي هي اللي عرفت تجيب حقها من جوزها أبو عيالها. هو إنتي ناسيه إنكم بينكم بنت وولد في سن حرج وما ينفعش اللي إنتي بتعمليه ده خالص، ولا إيه بالظبط؟
واسترسل حديثه بحدة:
_لتاني مرة هنصحك نصايحي اللي عمرك ما بتاخدي بيها أبداً، وهقول لك ما تمشيش في طريق الخراب عشان إنتي أول المتدمرين، بس المرة الجاية الدمار هيوجعك لأنه هيبقى في أعز ماليكي، وساعتها هتقولي يا ريتني سمعت كلامك، زي ما قلت لك نفس الكلام ده كل مرة جوزك بيرجع ومسافر فيها، واللي في دماغك في دماغك، فكري في كلامي مرة واتنين وعشرة، وساعتها هتعرفي إن الراجل الكبير اللي واقف قدامك ده نصيحته ونظرته لقدام في محلها.
كل ذلك وفريدة صامتة، ولكن استفزها حديث جميل مع ابنته بعد أن قصت له خيانة زوجها لها، مرددة باعتراض:
_كلام إيه اللي أنت بتقوله ده يا جميل؟ يعني خانها واتجوز عليها، وفي الآخر بتطلعها هي اللي غلطانة؟ ده يغور في ستين داهية الصنف اللي زي ده.
لم ينصدم جميل من رأيها، فهي دائماً قوية الشخصية، رغم أنها تقف بجانب الجميع دائماً، ولكن لن ولن تسمح لأحد في يوم من الأيام أن يهين أبناءها.
ربع ساعديه حول صدره ونظر إليها نظرات لوم مردداً بتنبيه:
_عيب الستات إنهم عاطفيين وبيصوا تحت رجليهم، ما بيبصوش للمستقبل ويشوفوه. هي لو كانت بصت للمستقبل من زمان وحطته قدام عينيها ما كانش جرى لها.
واسترسل حديثه وهو يعطيهم ظهره مردداً بإبانة:
_وطالما ده رأيك انتي كمان، أنا هسيبكم تحلوا المشكلة مع نفسكم وتعملي اللي على كيفك يا راندا، بس بعد كده ما تجيش تقولي الحقني يا بابا، عشان اللي إنتي رايحة له طوفان، بدل ما تغرقي بيه جوزك لوحده هتغرقي معاهم إنتي والمساكين ولادك، اللهم بلغت، اللهم فاشهد.
نظرت راندا بانكسار وحيرة إلى والدتها والدموع تكسو وجهها كالشلالات، لم تعرف ماذا يقصد أباها.
أمن الممكن أن تعود للذي ذبحها مرة أخرى وكأنه لم يفعل شيئاً؟
أيقصد أبيها أن تعود إليه لأجل أبنائهم وتهدم كرامتها بل وترميها عرض الحائط!
لا، والأدهى من كل ذلك أنها المخطئة والجانية في نظره وليس المجني عليها!
لا يا أبي، لا تفعل بي هكذا، كنت أود منك الحضن الدافئ والاحتواء لقلبي المكسور والانتقام لكرامتي المهدورة، وليس كل ما فعلت بي.
حدثت نفسها بتلك الكلمات وهي تنظر إلى والدتها بدموع غزيرة حكت عن حالها دون أن تنطق.
هناك مواقف في حياة الإنسان يكون التنازل فيها هو عين الحكمة وكمال العقل. وهناك أخرى يكون التنازل فيها هو المهانة بعينها، والخسارة الذي لا يمكن رفع الرأس بعدها.
ولتعلموا مشكلة التضحيات أنها تولد في الخفاء وتموت في الخفاء، حيث لا يعلم عنها من بذلت لأجله.
ومتى سلطت عليها النور أظلمت، لربما ألبستها ثياب المنة وأنت لا تشعر، فكتب عليها أن تكون في الخفاء، وأما جزاؤها فلا يليق به إلا أن يكون في السماء.
***
يجلس إيهاب جالساً على أريكته وواضعاً رأسه بين يديه، حزيناً، شريداً، مدمراً.
فقد دمر الاثنتين، زوجته الحبيبة وعشق السنين، وزوجته الجديدة ونيسة الأيام.
لم يرى منها إلا كل تضحية وخير وسلام نفسي.
كما أنه لم يرى من راندا إلا كل الحب والوقوف بجانبه طيلة السنين دون أن تكل أو تمل، لكنها الغربة وما أدراكم ما الغربة.
فمن ورائها اكتسب الأموال، لكنه خسر الغالي والنفيس وضاع في طريقه أمرأتان، الأولى يعشقها حد النخاع، والثانية أحب عشرتها ولم ولن يظلمها. فحدثها له وهو ساند على منكبيه،
قائلاً بندم:
_شفتي يا غربة وصلتي بيا لفين؟ غصب عني جرحت اتنين.
ولا دي ليها ذنب ولا دي ليها ذنب، ولا أنا كمان ليا ذنب.
واستطرد حديث النفس وهو يناجي ربه:
_يارب حلها من عندك ودبرني أعمل إيه وأتصرف إزاي، ياااااارب.
واثناء جلسته وهو يعاتب حاله، دق جرس الباب، فقام بروح منهكة ليرى من الطارق.
وعندما فتح رآها أمامه، دقات قلبه المختلفة الشعور دقت جسده وجعلته متخبطاً، فاقداً النطق، إلى أن استمع إليها تردد بشجن:
_يا ترى أدخل ولا آخد بعضي وأروح كأني ما جيتش لو أنت مش قابل وجودي؟
أفاق من حالة التخبط التي اعترت عقله وقلبه، وأجابها وهو يفسح لها المكان كي تدلف، مردداً باستفسار:
_ما إنتي معاكي مفتاح، ما دخلتيش ليه على طول يا فيروز؟
دلفت بقلب متعب وروح هالكة تتفقد المكان باشتياق وتنظر إلى كل ركن فيه وكأنها تودعه، وأجابته بشرود وهي تلتفت يميناً ويساراً:
_ما بقاش ينفع بعد اللي حصل أستخدم اللي مش من حقي.
وتابعت كلماتها وهي تمد يدها بالمفتاح قائلة بحزن:
_اتفضل المفتاح يا إيهاب، مبقاش له لزوم معايا بعد الله حصل.
أمسك يدها بين كفي يديه وأطبق المفتاح داخلهما، وردد بتعب:
_من فضلك يا فيروز، ما تزيديش على أوجاعي وجع، أنا فيا اللي مكفيني، والفترة دي لازم تستحملي كل حاجة معايا لحد ما نرسي لبر الأمان كلنا.
_بر الأمان!
انت شكلك مش عارف انت بتتعامل مع مين
جملة انهزامية نطقتها تلك الفيروز معبرة عن حالتها.
وتابعت حديثها وهي تتطلع للأمام بعقل ناضج، فهي رغم رقتها وهدوئها إلا أن سرعة استيعابها وفهمها للأشخاص حاصلة عليها بدرجة امتياز:
"انت داخل على حرب كبيرة قوي يا إيهاب، لأن راندا مش من السهل إنها تسامح وتغفر. دي هتقلبها معركة وكلنا هنضيع."
رفع كتفيه باستكانة وبنبرة تقطر ألماً تحدث شارحاً:
"أنا عارف كل كلمة قلتيها، وأنا سبتها لحد ما تهدى، لأنها أكيد عايزة مساحة للغضب والوجع اللي أنا وجعته لها الكبير عشان تلملم فيه نفسها. واثق ومتأكد إنها هترجع عن قرارها."
زمت شفتاها وأنصتت ببصرها للأسفل بحزن وتحدثت بنبرة استيائية مفتعلة:
"يبقى بتتكلم عن واحدة تانية. أنا واثقة ومتأكدة من نظرة عيني لعينها إنها لا يمكن تغفر."
واسترسلت كلماتها باستفسار:
"ولو حتى طلعت وجهة نظرك سليمة، يا ترى هتعمل اللي هتطلبه منك معايا، واللي أكيد هتطلبه؟"
"تقصدي إيه بكلامك؟ مش فاهم." أجابها إيهاب باستفسار عما تقصد.
ضيقت نظرة عينيها ثم رمقته بنبرة هادية:
"يعني باختصار شديد، أول حاجة هتطلبها منك إنك تطلقني وتسيبني بعد عشرة خمس سنين بينا ما شفتش منهم مني غير كل محبة وإخلاص ووفاء."
وأكملت استفسارها وهي تمسك يديها بين يديه وتنظر داخل عينيه كي تستمد منهما الإجابة قبل أن تنطق:
"يا ترى إيه موقفك ساعتها عشان أجهز نفسي من دلوقتي وأعدها للفراق التاني اللي هيكويني وهيعلم فيا أكتر من الأول؟"
هنا سكت الكلام على لسانه، والنقطة التي كلما جالت بباله نفضها ولم يفكر بها حتى لا يزداد هماً فوق همومه.
وهربت الكلمات من على لسانه، فكيف يعطيها إجابة سؤال لم يفكر به ولا يريد أن يتذكره، لأنه دمار لثلاثة قلوب عاشقة حائرة، وبالتأكيد سيخرج الجميع بندوب قلب تلزمه إلى نهاية عمره.
في منزل باهر الجمال، حيث صعدت عبير إلى الطابق التي تمكث به ريم، ودلفت بعدما فتحت ريم لها الباب، وبعد أن زفرت أنفاسها بتعب من درجات السلم، نظرت إليها مرددة بجمود:
"يا ريت تكوني فكرتي وعقلتي ووزنتي الأمور كويس قوي يا ست ريم."
فكرت ريم أن تجاريها وتعترض، لكنها فضلت أن تمثل أنها لم تعرف ماذا تقصد، ورددت باندهاش مفتعل:
"فكرت في إيه يا ماما بالظبط؟ أنا مش فاهمة تقصدي إيه."
اتكأت بيدها على فخذها ونطقت باستنكار:
"شوفي بقى، ما تستعبطيش عليا. انتي عارفة أنا أقصد إيه كويس جداً."
واسترسلت بتنبيه:
"سيبك بقى من شغل السهوكة والسهتنة بتاعك ده وتعالي معايا دوغري يا ريم، علشان الصبر نفذ. وسايباكي بقالك شهر بحاله ما بسألكيش ولا باجي ناحيتك، سايباكي تفكري في مصلحتك ومصلحة ولادك كويس جداً."
استفزتها بكلماتها وجعلتها تنتفض، وغشاوة الدموع لمعت في عينها، وباتت تفرك يديها بتوتر. وعندما وجدت إصرارها، فكرت أن تستعطفها بكلمات نطقتها لها:
"يعني إنتي يرضيكي يا ماما، أتزوج واحد غير باهر الله يرحمه؟"
"يرضيكي اسمي يتكتب على حد تاني؟ هان عليكي باهر؟ هان عليكي ابنك؟"
لوت فمها وأجابتها بنبرة ساخطة:
"شوفي بقى، ما تحاوليش تمثلي عليا الإخلاص، عشان اللي عرفناه وضح لي إنك ما عندكش بربع جنيه ذرة وفاء لنور عيني الله يرحمه."
واستطردت تهكمها على تلك المسكينة:
"اللي مات ابني، واللي هتتجوزيه بإذن الله ابني برضه. مش هتروحي لحد غريب. واعملي حسابك، ولاد ابني مش هيخرجوا بره البيت ده ولا هيتربوا بعيد عن حضني. ويانا يا انتي في الموضوع ده."
هنا امتنعت عقارب الساعة عن الدوران إجلالاً لما نتج من تحدي العناد أمام جيوش الغضب.
وهتفت ريم بتصميم مغلف بالكبرياء:
"وأنا بقول لك يا طنط، لو انطبقت السما على الأرض، مش هتجوز ابنك. ولا حد هيقدر ياخد مني ولادي، علشان شرعاً أنا الوصية عليهم طالما ما اتجوزتش."
واسترسلت بقوة اكتسبتها طيلة الشهر الذي مكثته تفكر كيف تتعامل مع هؤلاء الأشخاص، مرددة بجمود:
"وشوفي بقى، أنا كنت بعمل لك قبل كده احترام، حتى لما كنتي بتأذيني بالكلام، علشان خاطر باهر الله يرحمه. لكن دلوقتي ما تفكريش إني وحيدة فـتستضعفيني وتقولي دي بنت هبلة وهتلين. انسـي يا طنط."
اتسعت مقلتاها بذهول من تلك المكشوفة الوجه من وجهة نظرها.
قامت من مكانها وذهبت مقابلتها.
ثم قبضت على معصمها بقوة وعنفتها بصوتها المملوء بالجبروت:
"يبقى جهزي نفسك على القضية اللي هرفعها بضم الأولاد ليا وإني أكون الوصية عليهم، ده أولاً."
"ثانياً، إسكندرية كلها هتعرف اللي حصل بينك وبين جوزك. ومش بس كده، أنا أم ابنها مات وقلبه محروق. هنزل فيديو هدفعله آلاف وهخليه يلف العالم كله وهفضحك، وهاخد رد فعل الناس معايا في ملف القضية."
"وثالثاً، إن شاء الله بعد ما آخد الوصية بتاعة الأولاد، مش هخليكي تشوفي وشهم وهكرههم فيكي وهخليهم يعيشوا طول عمرهم وهم عارفين إن أمهم كانت السبب في موت أبوهم."
انتفضت عيناها بحدة وهي تطالع تلك السيدة الظالمة لها، ولكن استجمعت قواها وردت بعيون تنطق قوة ظاهرة لها عدم الخشية منها:
"شوفي بقى، هتدخلي الحرب معايا، هكشف وش القطة المخربشة اللي مستعدة تهبش اللي يقدم لها أو يقدم لعيالها."
"وهتضربي هتضربي وهتكسري هتكسري. والبادي أظلم يا طنط."
واسترسلت وعيدها بشراسة مماثلة:
"ما تفتكريش إني وحيدة ماليش أهل. أنا لي أب له معارف تبلعك انت وابنك، بس أنا لحد دلوقتي مش عايزة أسوأ سمعتكم قدامهم."
"فخليكي جدة طيبة لأولاد ابنك اللي مات، وحنينة على مراته اللي مش عارفة تحزن حتى عليه بسببكم. علشان أنا مش من النوع اللي بيستسلم ولا الضعيف زي ما أنتم فاكرين. أنا أقوى مما تتخيلي وهقف قصادك الند بالند، ونشوف بقى نفس مين الأطول."
اعتدلت بوقفتها وانتصبت وهي تنظر داخل عينيها مرددة بجحيم:
"يبقى على الدنيا السلام، وهوريكي اللي عمرك ما شفتيه، وهقطع لك لسانك يا بنت المالكي."
فجرت كلماتها وتركتها وخرجت بحدة، صافعة الباب خلفها وهي تتمتم بكلمات تهديد ووعيد، ولن تكل ولن تمل.
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم فاطيما يوسف
في منزل باهر الجمال ليلاً.
عاد زاهر إلى منزله منهكًا من عمله ووجد والدته تقف على أعتاب شقته تنتظره وهي على أحر من الجمر. وما إن رآه حتى أشارت إليه بيديها أن يدلف، بعلامات وجه لا تبشر بالخير أبدًا.
أطاعها ودلف إلى الداخل، فقامت هي بإغلاق الباب والنوافذ حتى لا يسمعهم أحد. أما هو فضاق ذرعًا، فهو عائد من العمل منهكًا ومتعبًا جدًا.
فنظر إليها وتحدث وهو يمسح على شعره بارهاق بدا على معالم وجهه:
_ في إيه يا ماما؟ إيه اللي حصل يا ترى مخليكي واقفالي على الباب ومستنياني كده لما أرجع؟ يا رب ما يبقاش في مصيبة، أصل البيت ده من ساعة باهر ما مات والمصايب ما بتبطلش فيه.
أوكأت على فخذيها بغل وأجابته بنبرة صوت حادة وهي تجز أسنانها بعنف:
_ هو انت إيه؟ ملكش دور خالص في الحوار اللي إحنا فيه ده، ولا أنا اللي هحارب السهونة دي لوحدي!
واستطردت حديثها بصدمة لما استمعت إليه من تجبر تلك الريم:
_ دي البت طلعت قوية وحربوقة من الدرجة الأولى، ووشها مكشوف أوي.
اندهش زاهر من غضب والدته ومن حديثها، وألقى مفاتيحه بعنف وأردف متسائلاً باستغراب:
_ ليه يا أمي الكلام ده؟ هي عملت إيه؟
دي محدش بيسمع لها صوت، ولا كأنها موجودة في البيت أصلًا.
أخرت من بين أسنانها أصوات استنكار لما قال، وتحدثت بفم مملوء بالعبارات التي أدلتها عليها ريم، وانتهت بسرد كلماتها الأخيرة بقلب ينفض حقداً:
_ لا وتقول لي إيه كمان؟ "هتضربي هضرب، هتكِسري هكسر". وشادة حيلها عليا على الآخر بنت المالكي.
وتابعت آمرة إياه وهي تشير بإصبعها بأوامر صارمة:
_ عايزاك تطلع للبت دي وتميل دماغها وتحاول تلين معاها وتدخل لها في سكة حنية، وأنا أشد وأنت ترخي. مش عايزين نشد الحبل إحنا الاتنين حواليها فتفكر في الخروج من هنا.
لازم تحس بحنيتك وإنك عايزها فعلًا، وإنك مش هتأذيها وهتبقي أمان ليها ولولاد أخوك الله يرحمه.
قطب جبينه وهز رأسه بعدم فهم وتساءل متعجباً:
_ يعني إيه يا ماما معنى كلامك ده!
إنتي عايزاني أشاغل مرات أخويا الله يرحمه وأدخل لها دخلة الحبيب وهي فاضل لها شهر لسه في عدته؟
قاطعته بحدة وهدرت به بنظرة غاضبة:
_ أخوك الله يرحمه مات وساب ولدين من صلبه، وأنا عمري ما هسيبهم يخرجوا برة البيت ولا يتربوا بعيد عني كده. مش هيبقى مرتاح في تربته. واللي بنعمله ده مجبورين عليه.
إحنا يابني بنعمل الصح اللي هيخليه يرتاح في نومته إن ولاده مخرجوش بره بيته.
واسترسلت حديثها وهي تضغط على كتفيه مكملة حديثها بتشجيع:
_ يابني الضرورات تبيح المحظورات، والبت دي بجحة وعينيها قوية. ولو معرفناش نسيطر على الأمور وهي لسه في عدتها، وأول ما توفيها نكتب على طول مش هنعرف نعمل معاها حاجة.
كان في حيرة وتردد من أمر وحكم والدته، ولكنه انصاع إلى طلبها وهتف بطاعة خشية أن تغضب منه ويصيبها مكروه، وأومأ بموافقة:
_ حاضر يا أمي. هطلع لها دلوقتي وهحاول معاها وربنا يهديها وتلين معايا.
_ عين العقل يابني ربنا معاك. كلمات تشجيعية خرجت من فمها وهي تربت بيديها على ظهره.
خرج زاهر من عندها قاصداً شقة ريم لكي ينفذ ما أملته عليه والدته دون أن يفكر في العواقب.
وصل إلى الطابق الثالث وضغط زر الجرس، وما هي ثوانٍ معدودة حتى فتحت ريم الباب مرددة أمامه باستغراب:
_ زاهر!
هي طنط حصل لها حاجة؟
ابتسم بسماجة وتحدث موضحًا لها:
_ لا يا ماما بخير، متقلقيش. أنا بس جاي لك عايز أتكلم معاكي شوية. ممكن أدخل؟
لوت فمها وتحدثت بنبرة ساخطة:
_ تدخل فين يا زاهر؟ أنا هنا لوحدي ومش معايا غير طفلين لاحول لهم ولا قوة.
واسترسلت وهي تشير إليها بكفي يديها بامتعاض:
_ هو إنت ينفع تدخل عندي وأنا لوحدي ونتكلم مع بعض في مواضيع؟
أنتم مفكرني إيه بالظبط؟ إنت وطنط عشان تتعاملوا معايا بالسذاجة دي!
ضم حاجبيه وعبس وجهه وسأل مستفسرًا بدهشة ظهرت على معالم وجهه الذي تصبب عرقًا من تعنيفها:
_ ليه الكلام ده كله؟ هو أنا هاكلك ولا حاجة!
دول كلمتين هنتكلمهم والباب مفتوح والبيت مليان ناس فوق وتحت. متستكبريش أوي كده يا ريم.
واستطرد بدفاع عن موقفه:
_ وبعدين إنتي عايشة معانا بقالك سنين. عمرك شفتي مني حاجة وحشة لاسمح الله تخليكي خايفة ومش مطمنة لي بالشكل ده؟
رفعت حاجبيها وأردفت باستنكار وهي تغلق باب شقتها وتحدثه خارجًا وهم على درجات السلم:
_ انت متعرفش الحديث اللي بيقول "إياكم والحمو، فالحمو الموت" بمعني إن الحمو ده أخو الزوج ومينفعش يقعد مع مرات أخوه في مكان لوحدهم أبدًا.
واسترسلت وهي تنجز في الحديث معه الذي لا فائدة منه من الأساس:
_ اتفضل، معنديش مانع تقول اللي إنت عايزه هنا على السلم على البسطة دي. اتفضل، أنا سامعاك.
أحس بالحرج الشديد من كلامها ومن حدتها معه في الحديث وأمسك منديله الورقي وجفف حبات العرق الظاهرة على وجهه من كلماتها التي ألقتها عليه.
وتحدث مرددًا بنبرة صوت حنونة:
_ ممكن أعرف إنتي رافضة مبدأ الجواز مني ليه بعد ما تنتهي عدتك؟ وصدقيني يا ريم، كده أفضل لينا كلنا. لماما وللولاد وليكي إنتي كمان.
وأنا والله العظيم ماهضايقك أبدا. وكل تهديداتي اللي أنا هددتك بيها كانت من حرقة قلبي على أخويا.
فتحت أعينها على وسعهم من كلامه وبنبرة صوت عالية أسمعت من تحت فهي كانت تشعر بوقوفها منذ البداية مرددة بكلمات حادة لاذعة وهي تضرب كفًا بكف:
_ صحيح اللي اختشوا ماتوا. وباين الرجالة ماتت في الحرب!
إنت إزاي يابني آدم انت تفكر ويجي لك الجرأة تطلع تطلب مني كده؟ وأخوك بقاله تلت أشهر ميت وأنا لسه في العدة.
كان واقفا أمامها ويعلم أن موقفه مخجل ومهين له، لكنه رأى أعين والدته بالأسفل توحي له أن يكمل ولا يلقي بالًا لغضبها.
وأردف بنبرة صوت فيها بعض الحدة:
_ معلش، بلاش تشبيهاتك اللي متصحش دي.
أنا طالع في الخير وقاصد الستر ليكي إنتي وولادك اللي هما ولاد أخويا. فعايزك تهدي وتفكري كويس قبل ما يصدر منك أي رد فعل تندمي عليه.
كانت عيناها تشع غضبًا ووجهها من شدة الافتعال يشع احمرارًا كأنه نارًا. وفي لحظة قلبت المنضدة الموجودة بالمكان من شدة غضبها وخرجت الكلمات من بين أسنانها وهي تنظر لتلك الحماة من أعلى مرددة بغضب عارم:
_ والله عال يا ماما عبير. يا ستي كملي إنتي وشورة أمه اللي واقف قدامي. مبقاش عندكم ولا دين ولا أخلاق ولا حشا من أي حاجة.
ولا حتى احترمتوا العادات والتقاليد. ده انتوا عديتوا ليفل البجاحة بمراحل.
وتابعت حديثها بحدة بالغة للغاية بتحذير لكل منهما:
_ شوفي بقى وربنا اللي في السما ده ومش هحلف به كذب. لو ملمتي تعابينك إنتي وابنك بعيد عني، لا أخلي لكم البيت مليان عقارب. وإن ماسبتونيش أنا وولادي في حالي، لهخلي المنطقة كلها تتفرج عليكم وعلى بجاحتكم وعينكم المكشوفة دي.
ويكون في معلومك جواز مش هتجوز. ولو قلبتي قرد وعملتي المستحيل، ما هخلي شرابة الخرج الدلدول ده يلمس شعرة مني.
وإن وصلت تبقى ياقاتل يامقتول. وولادي هسيبهم للي هيربيهم أحسن مني.
فاشتري عمرك بدل ما أنا اللي هقلبها لك جحيم. أنا مش قليلة ولا ضعيفة ولا مكسورة الجناح زي ما ظاهر لكم. أنا وقت اللي يتعدي حدوده معايا أجيبه تحت رجلي ولا يهمني.
أنا هنا عايشة في حالي وكافية خيري شري.
ونظرت إلى زاهر مرددة بتحذير:
_ وحسك عينك تهوب ناحية باب الشقة دي تاني. والله العظيم هندمك المرة الجاية. أنا تربية جميل المالكي اللي عمرها ما تغضب ربها ولا عمرها بردوا هتوطي راسها.
كانت تلك الحماة تنتفض غيظًا يزداد كلما استمعت إلى حديث تلك الريم. ولم ترد عليها بكلمة واحدة. فقط نظراتها لها كانت كفيلة أنها فهمتها.
***
في دار الأيتام دلف رحيم إلى الداخل قاصدًا مكتب المديرة وأوصلوه إياها.
ألقى السلام باحترام وتحدث إلى المديرة برجاء:
_ أنا جاي أطلب من حضرتك ملف الآنسة مريم من الدار عشان ربنا كرّمها واشتغلت ولقيت مكان كويس هتقعد فيه.
تحركت بكرسيها يمينًا ويسارًا وهي تمسك القلم بكلتا يديها وسألته باستفسار مغلف بالاستهزاء:
_ إيه؟ لقيت لها مكان تقعد فيه من شغل الحرام بتاعها اللي بتكسبه من ورا فيديوهات العري اللي بتقدمها؟
أمسك رابطة عنقه يحركها يمينًا ويسارًا بإحراج مما استمع إليه وأجابها بنفي:
_ حضرتك فاهمة غلط يا فندم. مريم محترمة جدًا. وعمرها ما تعمل كده. هي اتضحك عليها وحد هكر موبايلها وهو اللي عمل فيها كده ولعب في الفيديوهات لحد ما وصلت لكم بالبشاعة دي.
اعتدلت من جلستها واستقامت وهتفت بنبرة استهزاء:
_ هي لحقت تفرمط لك دماغك انت كمان؟ باين عليك ابن ناس ومحترم. والأشكال اللي زي مريم دي ما ينفعش إن انت تنزل بمستواك وتيجي تتكلم عنها أصلًا. أنا بنصحك نصيحة لوجه الله.
قطب جبينه وهز رأسه بعدم فهم وتساءل متعجبًا:
_ هو ليه حضرتك متجنيه عليها قوي كده؟
مش يمكن مظلومة فعلًا؟ لأني كنت معاها وقت الحفلة وشفت فعلًا اللي بيطاردوها وربنا نجانا منهم بأعجوبة. ولولا إني كنت موجود كان زمانها ضاعت. بس ربنا سترها معاها.
اندهشت من حديثه ونطقت باستفسار:
_ يعني إيه؟ مش فاهمة. كنت معاها إزاي ومين دول اللي كانوا بيطاردوكم؟
أخذ زفيرًا قويًا ونظر إليها بعيون راجية متمنية أن توافق على طلبه وأجابها على استفسارها بصدر رحب:
_ زي ما بقول لك كده يا فندم. اللي عملت فيها كده واحدة كانت صاحبتها زمان وكانت موجودة هنا في الملجأ وهي اللي هكرت موبايلها وصلتها للمرحلة دي لأنها عايزاها تشتغل معاها ضمن شبكة الدعارة الإلكترونية اللي هي شغالة فيها. ومريم رفضت جدًا. وبسبب رفضها ده عملت فيها مقلب الفيديو ده عشان تشوه سمعتها وتنطرد من الدار أو تلحقها قبل ما الأحداث تاخدها. وساعتها هتنفذ تهديدها.
اجتمعت الخيوط في مخيلتها وأصبحت مدركة من يقصد ذلك الرحيم. وقلبها بات مشتعلًا من تلك الماكرة التي استغلتها لتوقع بتلك المريم اليتيمة المسكينة. فهي تحبذ المال جدًا، لكن عند الشرف واستغلال الفتيات وإضاعة عمرهن في الوحل لن تصمت أبدًا.
وكان في علمها أنها تزوجت من رجل أعمال ووافته المنية واستلمت إرثها وأصبحت من ذوي الأموال.
ولكن ما استمعت إليه الآن جعل قلبها ينفض رعبًا من أن تكون تملكت من فتيات أخري من الدار.
وسألته بعيون زائغة مما جال في خاطرها:
_ طيب وعملتوا إيه مع البنت اللي بتطاردكم دي؟
تحمحم كي ينظف حنجرته وتحدث بملامح جادة لملامح وجه مكفهرة ارتسمت رغما عنه:
_ الموضوع ده حضرتك بقى له شهر. بس هي مش بتبعت لها خالص من ساعة اللي حصل. لكن تقريبًا هي عرفت طريقها وخلاص. الترم التاني من السنة الدراسية ابتدى ولازم مريم هترجع الجامعة. عشان كده متخوفين. فجيت سألت هنا من أسبوعين وعرفت أن الدار عدت الموضوع على خير ونفت أن مريم تعمل كده وأثبتت كده كمان بالدلائل. لكن الخوف لو رجعت تاني هنا البني آدمة اللي لا عندها دين ولا أخلاق دي ترجع تاني تهددها. وممكن تاخدها من جوه الدار كمان.
واسترسل حديثه برجاء:
_ عشان كده بقول لحضرتك إن أنا محتاج ورقها. وهي هتسكن في مكان آمن ليها. والجامعة مش هتروحها إلا على الامتحانات لحد ما تخلص أو لحد ما نتصرف في الموضوع ده ونحل الأزمة بتاعتها.
نظرت له بعيون الصقر وسألته السؤال الذي لم يتوقعه أبدًا:
_ هو انت ليه بتعمل معاها كده؟ أنا تقريبًا أول مرة أشوفك النهارده وما أخدتش بالي منك حتى في الحفلة.
تنهد وأجابها باستجداء:
_ أنا عندي أختين ما أتمناش لواحدة فيهم أي ضرر ولا سوء. وما ينفعش أشوف طالبة عندي بتتهدد وحياتها معرضة للانقلاب. وخاصة لما يكون من النوع ده. وأسيبها؟ بابا ما ربانيش على كده.
دققت بالنظر داخل عينيه بترقب شديد لباقي كلماته ونطقت باستفسار:
_ بس اللي أنا شايفاه قدامي بيقول غير كده يا دكتور.
أومأ باستغراب وسألها مستفسرًا عن مقصدها:
_ تقصدي إيه حضرتك؟ مش فاهم معنى كلامك.
ابتسمت على بلاهته وأجابته:
_ خلاص ما تاخدش في بالك يا دكتور. أهم حاجة أنا عايزك دلوقتي تجيب مريم هنا الدار عشان عايزة أستفسر منها عن حاجات كتير. وأوعدك أنها هتخرج معاك بورقها.
لازم أحقق في الموضوع ده لأن مستقبل بنات الدار في إيدي أنا وهما أمانة معايا.
انتابه القلق الشديد من طلبها لأن مريم كانت تحكي له عن قسوتها في معاملتهن وأنها لم تحبها يومًا من الأيام. لذلك كان شديد القلق. ولكن فكر أن يعرض الأمر على مريم أولًا ثم يقرر الرد عليها. وأجابها وهو يقوم من مكانه منويًا المغادرة:
_ تمام يا فندم. هبلغها بطلب حضرتك وهرد عليكي لو هي وافقت أو رفضت.
بعد إذنك وفرصة سعيدة إني اتشرفت بمعرفتك.
ابتسمت له بحضور. وما إن خرج من مكتبها حتى أمسكت هاتفها تتصل برقم ما. وما إن جاءها الرد حتى رددت بملامح وجه مبهمة:
_ أنا عايزاكي تجيلي حالا وتسيبي كل اللي وراكي. ما تتأخريش. أنا في مكتبي ومستنياكي.
بعد أن خرج رحيم ارتدى نظارته ودلف إلى سيارته وأرسل رسالة إلى مريم عبر الواتساب أن تسبقه إلى المطعم الموجود بجانب منزلهم.
وأنه سيصل إليها في غضون النصف ساعة. كان يقود سيارته بقلب منشغل وعقل يفكر.
طيلة الطريق قلبه يدق وجعًا وحيرة على من سكنت قلبه. ومن كل نساء العالم لم يختار قلبه غير ما وراءه الشقاء. ولكن ما على القلب من سلطان.
وصل إلى المطعم وهبط من سيارته ودلف إلى باحثًا بعينيه عن مكان تواجدها. وما إن رآها حتى وصل إليها قائلًا بمشاغبة:
_ تصدقي المطعم كله نور بوجودك فيه يا ست البنات.
ابتسمت وأدارت وجهها له وهتفت بنبرة اعتراضية بنفس مشاغبته:
_ بطل بقى البكش ده يا دكتور. مش لايق عليك.
ضحك بصوت عالي على حركات وجهها وهي تتحدث وجلس على كرسيه في مقابلتها وأردف بحب:
_ عارفة يا مريم أكتر حاجة بعشقها فيكي إيه؟
هدوئك وجمال روحك وطيبتك. بحس إنك عاملة زي الملايكة بالظبط.
دقات قلبها أعلنت الطبول من كلماته التي يثني عليها بها.
والتي خرجت من قلبه صادقة وعلامات وجهه تدل على ذلك. وهتفت بخجل:
_ مش للدرجة دي يا دكتور. انت رافعني لفوق قوي في منطقة تقريبًا ما أستحقهاش.
وتابعت حديثها بحزن وشرود:
_ خايفة أحبك أكتر من كده وفي الآخر أفوق على قلبي المجروح لما الزمن يفرقنا وما يرضاش بإن بنت الملاجئ تتجوز دكتور الجامعة اللي من عيلة وابن ناس.
أحس بالحزن الشديد جراء كلماتها وقلبه بات يدق عنفًا وحزنًا على شعورها الدائم بالخوف. وأجابها بتأكيد لكي يطمئنها:
_ مش أنا اللي يحبك يا مريم وتملكي قلبه ويسيبك! إنتي بالنسبة لي خلاص بقيتي المستقبل والحاضر. وكنت أتمنى تبقي في الماضي.
واسترسل حديثه وهو ينظر لها بعيون عاشقة حد النخاع:
_ أنا مش بس بحبك يا مريم. أنا بعشقك وحبي الأول اتولد على إيدك. وقلبي ما دقش إلا ليكي. وما حسيتش بطعم حياتي إلا لما دخلتيها.
واوعدك إني هواجه الدنيا كلها معاكي بحلوها وبمرها لحد ما نوصل أنا وإنتي لبر الأمان. بس عايزك تطمني قلبك يا حبيبتي.
ومش عايز أشوف لمعه الحزن دي في عينيكي أبدًا عشان بتقطع فيا.
أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته بهدوء وتابعت باستفسار:
_ طيب والدك ووالدتك هيقبلوا ارتباطنا ببعض يا رحيم؟
قطب جبينه وهز رأسه بعدم فهم وتساءل متعجبًا:
_ وإيه اللي هيخلي ماما وبابا يرفضوا ارتباطي بيكي يا قلب رحيم؟
أجابته بتوضيح وهي تنظر إلى الكوب الموضوع أمامها:
_ لازم نكون واضحين في مشاعرنا وعلاقتنا من البداية. وأنا متوقعة الجرح قبل ما نوصل لنهاية الجبر في علاقتنا. ومتوقعة الرفض ليا من كل اللي حواليك. ومش هلوم عليهم. لأن حقهم إنهم يختاروا لك المناسبة جدًا من جميع ظروفها.
لكن أنا المستقبل معايا فيه خطر عليك. ومش هرضى إني أظلمك معايا.
انفعل جدًا من حديثها وثار من كلماتها وهتف بحدة:
_ ليه التشاؤم ده يا مريم؟ هفضل كل يوم أقول لك خليكي متفائلة وواثقة فيا شوية. مش عيل صغير أنا عشان ما دافعش عن حبي وأقف وقفة محارب شجاع. اطمني يا حبيبتي الوجع هنعيشه سوا والجبر برده هنعيشه سوا. وأنا وإنتي راكبين نفس المركبة. سواء كان ليها شراع يحمينا أو إحنا اللي هنخلق لها الشراع اللي هيحمينا لحد ما نوصل لبر الأمان. اطمني يا مريم.
تنهدت بارتياح من كلماته وأحست ببضع من الأمان. ثم سألته باستفسار عن ما حدث في دار الأيتام:
_ ما قلتليش عملت إيه مع المديرة واتكلمتوا في إيه؟
قص عليها ما حدث بالتفصيل إلى أن عرض عليها في آخر حكواه طلب المديرة مكملاً كلماته:
_ بصراحة ما رضيتش أديها وعود أنك تروحي إلا لما نتكلم مع بعض الأول وندرس المقابلة أو انت هتوافقي ولا لا. إيه رأيك يا مريم؟
أنا شايفها اتصدمت لما حكيت لها كل حاجة وتقريبًا كده اتعاطفت معاكي.
فتحت مقلتيها على وسعهما وأردفت باستنكار:
_ انت عايزني أروح لها برجلي لحد الدار يا رحيم؟ انت مصدق وش الملاك اللي هي بتبينه ده؟ دي عمرها ما عملتنا بما يرضي الله وطول عمرها قاسية علينا. وأنا عمري ما أروح لها ولا أعتبر الدار دي تاني.
***
في منزل جميل المالكي عصرًا حيث تجلس رندا وابنائها ووالديها يتبادلون أطراف الحديث في موضوعات مختلفة. وإذا هم يستمعون إلى زر الجرس يعلن عن وصول أحدهم.
ذهبت سما لتفتح الباب وإذا بها تتفاجأ بأبيها. وتلقائيًا رمت نفسها بين أحضانه وهي تشهق بصوت عالي مملوء بالفرحة:
_ بابا حمدًا لله على السلامة. وحشتني قوي. تعالي اتفضل.
ما إن علمت حضوره حتى قامت من مكانها مستأذنة من أبيها:
_ بعد إذنك يا بابا أنا هطلع أوضتي.
قبل أن يأذن لها كادت أن تتحرك من مكانها إلا أنه أشار إليها بكلتا يديه أن تجلس مرددًا بأمر:
_ ما تبدئيش معركتك بالهروب. لازم تواجهي من البداية. عشان المواجهة مهما أجلتيها ومهما طنشتيها مسيرك هتقومي بيها. اتفضلي اقعدي.
كادت أن تعترض على حديث والدها إلا أن والدتها أمسكتها من يديها وأجلستها بجانبها مرددة بصوت خفيض:
_ اقعدي يا راندا واسمعي كلام باباكي. عيب لما يقول لك على حاجة وما تسمعيش الكلام. ما انتيش صغيرة يا بنتي. وبعدين هو هيعمل لك إيه يعني؟ ما إحنا كلنا موجودين أهو.
تأففت بشدة بسبب إصرار والديها على المكوث معه.
ما كان في مخيلتها أن يأتي سريعًا ورائها. وما كان عندها أي استعداد للمواجهة.
حضر إيهاب وقام بإلقاء تحية السلام وذهب إلى جميل ومد يده واحتضنه. وبدوره بادله السلام بحرارة وهو يربت على ظهره.
وذهب إلى فريدة التي ردت سلامه بفتور واحتضن ابنه مهاب بشدة. وبادله مهاب نفس حرارة السلام كجده.
أشار إليه جميل بالمكوث مرددًا بالترحيب:
_ اتفضل اقعد يا إيهاب يا ابني. حمدًا لله على سلامتك. انت هتلاقيّك جاي من السفر على هنا على طول وتعبان.
واسترسل حديثه وهو يطلب من فريدة فنجانًا من القهوة قائلًا بهدوء:
_ من فضلك يا أم رحيم اعملي لنا فنجانين قهوة عقبال ما تجهزي الغداء عشان إيهاب هيتغدى معانا.
أومأت بأهدابها بطاعة وذهبت إلى المطبخ فالتحقت بها راندا مرددة:
_ استني يا ماما هاجي معاكي. في حاجات كنت بعملها هاجي أخلصها.
تركها أبوها لأنه كان يريد التحدث مع إيهاب منفردًا في البداية وطلب من سما وإيهاب أن يتركوهما وحدهما.
وما إن قاموا حتى نظر إلى إيهاب مرددًا بلوم مغلف بالحدة:
_ ما كنتش أعرف إني لما أدِّيتك بنتي من 18 سنة وأمنتَك عليها هتعمل فيها كده وتخونها وتغدر بيها. عمري ما كنت أتخيل منك كده يا إيهاب.
آخر حاجة كنت أتوقعها في الدنيا إنك تتجوز على بنتي.
أحس بالحرج الشديد من ملامات جميل فهو يحبه جدًا ويعتبره في مقام أبيه. ومنذ أن دلف إلى ذاك المنزل وهو يتعامل معه بحب شديد. وكذلك جميل بالمثل كالأب وابنه. ونطق وهو يبتلع كلماته غصبًا:
_ أنا معترف إني غلطان يا عمي. والغلط راكبني من ساسي لراسي.
واسترسل حديثه بإبانة:
_ انت كل كلمة قلتها ما أقدرش أراجعك فيها. بس اللي حصل حصل. وأنا كان غصب عني. لقيتني محتاج لحضن وقت ما كنت تعبان ومش لاقي اللي يداويني. وهي جت قدامي ضعفت واستسلمت واتجوزتها. لكن والله العظيم عمري ما حسست راندا بأي حاجة. وكنت عارف إن هيجي يوم من الأيام وهتعرف. بس ما كنتش حاسب غضبها بالشكل ده. شكلي حسبتها غلط. وكلنا هندفع التمن. وأولهم الأولاد.
شعر جميل بكل كلمة نطق بها أنها حقيقة. فهو لم يكذب أبدًا طيلة السنين الماضية. وأصبح بين قاب قوسين أو أدنى أيواسي رجلًا مثله استخدم حقه في الحياة وتزوج من ثانية. أم يواسي ابنته التي مكثت تحافظ على عهد زواجها أبيَّة وربت أبنائها كما ينبغي أن يكون. وهنا كفة الميزان لا تعرف إلى أي وجهة تميل.
تنهد بحيرة وضيق وسأله:
_ طيب هتحلها إزاي يا إيهاب؟ هتطلق اللي انت وعدتها إنك هتفضل معاها واتجوزتها هناك؟
ولا هتفضل على ذمتك وتخسر راندا؟ انت يا ابني في موقف صعب جدًا. وبصراحة المسألة معقدة على الآخر. عايزة لها معادلات عشان تتحل.
كل كلمة تحدث بها حماه كانت منطقية. فهو منذ أن حدث التصادم بينهم وعلمت راندا وأصبحت حياته بائسة مدمرة كالصحراء الجرداء لا زرع بها ولا ماء. ولكن الأمر أصبح واقعًا ولابد للمعضل أن يحل.
ثم تنهد بثقل وألم نفسي انتابه جراء كلماته وهتف طالبًا منه العون:
_ أنا بس بطلب منك يا عمي إنك تقف جنبي وتحاول تلين دماغ راندا إنها تلغي من فكرتها الانفصال. عشان سما ومهاب هيتدمروا بسبب الانفصال ده. وأنا والله اللي هي عايزاه هنفذه كله بالحرف الواحد. أنا كنت أصلًا متفق مع فيروز على الانفصال في أي وقت لو ما قدرتش أكمل من قبل ما أبدأ معاها.
وأثناء حديثهما أتت فريدة بالقهوة وجلست معاتبة إياه وهي تناوله المشروب:
_ انت عارف آخر حاجة كنت أتخيلها إن انت تتجوز على راندا؟ حاجة عمرها ما جت في بالي أبدًا يا إيهاب. ليه عملت فيها كده؟ وفي ولادكم وفي حياتكم؟ ليه تسرعت؟
أجابها جميل فضلًا عنه مرددًا:
_ كلمة لو ملهاش لازمة دلوقتي خالص. إحنا دلوقتي قدام أمر واقع لازم نحله بالعقل عشان جميع الأطراف تخرج مرضية. لو سمحت اندهي راندا وخليها تجيلي هنا حالا.
قامت بالنداء عليها وبعد دقيقة خرجت وعلى وجهها علامات العبوس. جلست بجانب والدتها تنظر أرضًا إلى أن استمعت إلى حديث أباها يردد لها:
_ ارفعي راسك يا بنتي. الموضوع مش مستاهل إن انتي تنزلي راسك للأرض. الحاجة الوحيدة اللي غلط فيها إيهاب إنه ما قالكيش بجوازه عشان خاطر تختاري تكملي أو توافقي. وطالما هو جاي ومعترف بغلطه وعايز يصلحه يبقى لازم تديله فرصة وتسمعيه.
غشاوة الدموع تلمعت في عينيها ورددت بملامح حادة:
_ أسمعه وهو بيقول لي إيه؟ إنّي اتجوزت عليه غصب عني!
طب ما أنا كمان كنت هنا أم وأب وكنت مستحملة وما فكرتش أخونه زي اللي بتخون جوزها طول سنين سفره.
واسترسلت والدموع تنهمر على خديها بغزارة من ألمها وجرحها مرددة برفض قاطع:
_ مهما تقول يا بابا ومهما هو يقول ومهما تعملوا أنا برده اللي في دماغي في دماغي. هتطلق يعني هتطلق.
ود أن يذهب إليها ويأخذها بين أحضانه ويمسح دموعها بيديه ويعتذر آلاف المرات. لكنه خشي رفضها وحدتها.
وتحدث بكلمات معتذرة:
_ يا راندا ما تهديش حب السنين والبيت اللي قعدنا نبني فيه أنا وإنتي عمرنا كله.
ولادنا اللي هيدفعوا التمن. سما ومهاب يستحقوا منا إن إحنا نضحي عشانهم.
أنا ما لحقتش أعيش معاكم. ما لحقتش أتهنى بقربكم. ما لحقتش سنين عمري اللي ضاعت وأنا بعيد عنكم في الغربة. على الأقل وهم كانوا قدامك. أما أنا كنت ببقى نفسي آخدهم في حضني ما بقدرش. عشان بينا مئات الأميال.
كنت بتعب وفي عز تعبي كان نفسي تبقي جنبي إنتي وأولادي وتخففوا عني. وما كنتش بلقاكم. سنين عشتها كل لحظة تعب مرت عليا علمت في جسمي لما كنت لوحدي.
من سنين اترجيتك ارجع ونعيش بالموجود بس أكون وسطكم وسط عيلتي اللي بحبها وما أقدرش أعيش من غيرها. وإنتي في كل مرة تتحججي بالمستوى والمنظر وتقولي لي عشان خاطر ولادنا نضحي. غصب عني ضعفت وغصب عني استسلمت لما لقيتها قدامي ما عندهاش مانع إننا نتجوز في السر. زي ما هي ما عندهاش مانع دلوقتي إني أسيبها ونتطلق.
رغم تعلقها الشديد به ورغم أنها تعشقه عشقًا جما. إلا أنها قامت من مكانها وربعت ساعديها وأعطتهم ظهرها مرددة وهي تمسح دمع عينيها بقسوة:
_ وأنا لا يمكن أعيش معاك أبدًا. ولو حتى طلقتها فدلوقتي حالا ترمي عليا اليمين لأني مش هرجع لك يا إيهاب مهما حاولت.
كان متوقع رد فعلها وقسوتها وأشار بعينه إلى والديها أن يتركوهما وحدهما لعل وعسى يقدر على إقناعها بالرجوع إليه والإقلاع عن فكرة الطلاق.
فهموا إشارته وانسحبوا إلى الخارج وبقيا وحدهما. هو بانفطار قلبه عليها وهي بدمع عينيها اللتان كساهم لون الدم من شدة البكاء.
ذهب إليها واحتضنها من الخلف وما إن لمس كتفيها قامت بنزع يديه على الفور وأدارت وجهها إليه مرددة بجحيم:
_ وعهد الله يا إيهاب إن إيدك دي اتمدت عليا تاني إنت حر. هعمل اللي مش هيعجبك واللي عمره ما صدر مني.
واسترسلت بوعيد:
_ انسي إنك تلمس شعراية مني بعد النهاردة. انت خيبت ظني فيك.
قلب عينيه بتعب ثم زفر شهيقًا قويًا ينم عن مدى تعبه وإرهاقه الشديد وعلى ما هو قادم إليه. أصبح ليس لينًا.
نظر إليها بعيون مترجية مرددًا:
_ يا راندا الكلام اللي انتي بتقوليه ده ما ينفعش. إحنا بينا أولاد هيتدمروا. صدقيني انت مش باصة لقدام.
قطعت حديثه وهدرت به بحدة:
_ واشمعنى انت اللي ما بصيتش لقدام قبل ما تعمل عملتك دي؟ ولا انت تغلط والمفروض إني أسامح واعدي عشان خاطر الأولاد؟ ما عملتش انت حساب للأولاد ليه من البداية قبل ما تقتلني؟
رفع كلتا يديه في الهواء واخفضهما هاتفا بصوت عالٍ بعض الشيء:
_ جرحتك؟ قتلتك!
اللي حصل حصل وإحنا قدام أمر واقع. وأنا جاي لك وللمرة المليون بقول لك يا راندا ما تهديش البيت. وللمرة المليون بأعتذر لك. وللمرة المليون فكري كويس عشان خاطر أولادنا اللي هيدفعوا التمن.
_ تعتذر لي... عقبت بها بنبرة استهزائية واسترسلت بتصميم على طلبها:
_ اللي انت عملته ما ينفعش معاه الاعتذار.
انت ما ضربتنيش قلم عشان خاطر أسامح وأعدي. انت مسكت سكينة تلمع وغرستها في قلبي. وكنت مفكر إنها هتجرحني بس. لكن للأسف هي قضت عليا. وجعتني. من فضلك ارمي اليمين حالا لأني هتطلق يعني هتطلق.
***
أما في إيطاليا كان مالك راكبًا السيارة وذاهبًا إلى المطار مصطحبًا جوليا التي أصرت أن تذهب معه زيارة إلى مصر وهي متشجعة إلى تلك الخطوة.
انتهوا من الإجراءات وصعدوا إلى الطائرة جالسين جوار بعضهم.
زفر مالك أنفاسه بإرهاق ثم تحدث إليها بعيون تفيض ارتياحًا:
_ ما تتصوريش أنا عايزة أشكرك قد إيه عشان خاطر وقفتك جنبي طول الشهر اللي إحنا سافرنا فيه.
بجد انت ليكي فضل كبير عليا جدًا بعد ربنا في تحسن نفسيتي. تسلمي لي يا جوليا.
ابتسمت إليه ابتسامتها المعتادة التي تظهر جمالها أكثر فأكثر وتحدثت بعيون تفيض عشقًا:
_ ليه بتشكرني يا مالك؟ هو إحنا لسه في بينا شكر!
إحنا اتفقنا إن إحنا هنبقى قلب واحد وعقل واحد ونخاف على بعض جدًا. وأنا ما عملتش أكتر من كده.
اعتدل من جلسته ونظر إليها قائلًا بتساؤل:
_ يا ترى إيه سر النظرة الحزينة اللي شايفها في عينيكي دي يا جوليا؟ ممكن أعرف سببها؟
لانت ملامحها وشعرت براحة اجتاحت روحها لتساؤل ذلك الحبيب الذي وصل لأعماقها وتوغل في روحها. فهو حقًا قرأ عينيها وفهم أنها مهمومة. وأجابته بشرود:
_ خايفة إن يكون اللي إحنا عملناه ده غلط واتسرعنا فيه. وفي الآخر هيتحكم علينا بالفشل.
حرك عينيه بهدوء وبنظرات طمأنتها وتحدث باستجداء:
_ مش عايزك تقلقي خالص. إحنا مش صغيرين على الخطوة اللي إحنا أخدناها. وأنا وانت مقتنعين تمام الاقتناع للخطوة دي. وإن شاء الله كل حاجة هتبقى تمام. عايزك تهدي وتدي لنفسك سلام نفسي عشان خاطر لما نوصل تبقي في قمة الهدوء والارتياح.
أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته بانتشاء ونطقت بحب:
_ انت عارف عمري ما شكيت لحظة إن انت ما تطلعش نفس الصورة اللي أنا راسماها في بالي من زمان ليك.
رفع حاجبيه وتساءل بمكر:
_ وإيه بقى الصورة اللي كنت راسماها لي في بالك يا ست جوليا؟
واسترسل بمشاغبة:
_ ده أنا كنت ساكن عقلك من زمان وأنا مش واخد بالي. اتاريكي واقعة وأنا مش داري.
ضحكت بشدة على حديثه ومشاغبته وهتفت بصدق:
_ آه كنت شاغلة عقلك ومش بس كده ده قلبي كمان. هكذب ليه يعني وهحور ليه.
من زمان وأنا متابعة شغلك ومتابعة صورك. وطبعًا كنت دايما براسلك على إيميلات الشركة لحد ما تعاملت معاكم. وكنت بحاول دايما أكلمك كتير لو انت مش واخد بالك إن كنت دايما بطول معاك في الكلام أطول وقت عشان كنت مشدودة ليك جدًا. ولما كنت بتيجي الأتيليهات السنين اللي فاتت كنت بفضل باصة عليك من بعيد. لحد بقى ما اشتغلنا مع بعض وتقابلنا. النوبادي ما كنتش متوقعة إن إحنا نوصل للمرحلة اللي إحنا وصلنا لها دي.
وبقيا يتناولان أطراف الحديث إلى أن هبطت الطائرة إلى مطار القاهرة. فكانت فرحتها بوصولها إلى مصر أرض الأمن والأمان لا تضاهيها فرحة. فهي عاشقة لمصر.
رأى الفرحة في عينيها. وبعد أن انتهوا من الإجراءات ركبوا السيارة وذهبوا إلى الفندق التي حجزت به ووضعوا الحقائب الخاصة بها.
ثم اصطحبها معه إلى والدته والذي لم يخبرها بمجيئه وفضل أن يجعلها مفاجأة.
وصلوا إلى المنزل وكانت تنظر إليه بانبهار فقد نال إعجابها جدًا. ولاحظ مالك ذلك فنطق باستفسار:
_ عجبك البيت بتاعي؟
ابتسمت له وعيونها تدور حول المكان وأجابته:
_ جميييييل أوووي يا مالك. ذوقك تحفة.
أشار بيديه إليها أن تدلف هاتفا بابتسامة:
_ طيب يلا بينا عشان تسلمي وتتعرفي على أطيب قلب في الدنيا.
دلفت معه ومشيت بجانبه وقلبها مملوء بالسعادة. إلى أن فتح مالك الباب ودلف وراءه وأشار إليها أن تتبعه مرددًا بنبرة سعيدة:
_ يابيرو ياست الكل إنتي فين؟ نحن هنا.
ما إن سمعت والدته صوته في المنزل دق قلبها لعزيز عينيها الغائب عنها شهرًا. وكأنه غائب منذ قرن.
هرولت إلى الخارج مسرعة تبحث بعينيها عن مكانه إلى أن وجدته. ولكنها لاحظت وجود ضيف معه. فذهبت برتابة وألقت السلام وهي تحتضنه مرددة:
_ حمدًا لله على السلامة يا نور عيني. نورت مصر. نورت بيتك ونورت الدنيا بحالها.
احتضنها بحب وقبلها من يديها ورأسها. وأمسكها من يدها وهو يعرفها على جوليا قائلًا بابتسامة:
_ أعرفك يا ماما بجوليا. اتعرفت عليها في إيطاليا. هي fashion designer وخطيبتي هناك.
استمعت إلى آخر كلماته وفتحت فاهها على وسعه مرددة بتلقائية مغلفة بالصدمة:
_ خطيبتي!
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم فاطيما يوسف
احتضنها بحب وقبلها من يداها وراسها وامسكها من يدها وهو يعرفها على جوليا قائلاً بابتسامة :
_اعرفك يا ماما بجوليا اتعرفت عليها في ايطاليا هي fashion designer وخطبتها هناك.
استمعت إلي أخر كلماته وفتحت فاهها علي وسعه مرددة بتلقائية مغلفة بالصدمة :
_ خطبتها ! إزاي ده يعني؟ اهتز فكه باستغراب لاستفسار والدته وأجابها متعجباً:
_يعني إيه إزاي يا ماما؟ اتعرفنا على بعض هناك وحسينا بارتياح أنا وإنتي، وهي طلبت مني إنها تنزل مصر علشان تتعرف عليكي وعلى مروان وهيام. اندهشت عبير لما استمعت إليه أذنيها وظلت دقيقة كاملة تنظر إليه، إلى أن استمعت إلى سؤاله مردداً باستغراب:
_إيه يا ماما مالك؟ في إيه؟ مش هتسلمي على ضيفتك وترحبي بيها؟ مدت يداها بعدما استوعبت طلبه وهتفت بابتسامة مجاملة:
_آه طبعاً، نورتي مصر ونورتي بيتنا المتواضع، اتفضلي يا بنتي. أدار وجهه إليها ونطق بابتسامة أظهرت تلك الغمازات التي تتوسط خديه:
_اتفضلي، هتاكلي دلوقتي من إيد عبير أحلى صينية بطاطس بالفراخ عمرك ما هتنسيها أبداً في حياتك. ابتسمت جوليا بهدوء وأشادت وهي تنظر إلى المنزل بارتياح نبع داخلها فور دخولها:
_البيت منور بأصحابه يا طنط، ما تتصوريش أنا بحب مصر قد إيه، وبجد مبسوطة جداً إني هقضي أسبوع بحاله هنا في مصر. واستطردت حديثها بفرحة:
_ومش بس كده، ده في وسط ناس عنوانهم الطيبة والجمال والهدوء. ابتسمت والدته بهدوء وهتفت بكلمات إطرائية:
_ربنا يعز مقدارك يا بنتي، أنا هقوم أعمل لكم الغدا، وانت يا مالك اطلع غير هدومك يا ابني وخد شاور عقبال ما أخلص، وما تقلقش عليها، أنا هعمل لها قهوة من بتاعتي لأن النوع اللي بتشربه تقيل عليها عقبال ما تنزل. انتهت من كلماتها وتركتهم وذهبت إلى المطبخ وهي في حيرة من أمر ولدها، وحدثت حالها بتعجب:
_إزاي يا مالك يا ابني تعمل حاجة شكل دي من غير ما تاخد رأيي؟ أنا مش مصدقة والله، يلا هنشوف لما تمشي ونقعد نتكلم في الموضوع ده. ومكثت وقتها وهي تحدث حالها تارة بانزعاج وتارة بهدوء، إلى أن انتهت من طهيها. بعد مرور نصف ساعة، انتهوا من تناول الطعام وجلسوا يتبادلون أطراف الحديث، إلى أن أحس مالك بإرهاق جوليا، فنظر إليها قائلاً:
_تحبي أوصلك للفندق لأن واضح عليكي التعب جداً؟ نظرت له بامتنان لشعوره بتعبها وأجابته بموافقة، وهي تنظر إلى والدته بعيون تشع سعادة، ووجهت لها الحديث:
_والله يا طنط كان نفسي أقعد معاكي تاني، لكن حاسة بإرهاق شديد، بس إن شاء الله المرة الجاية هخلي مالك يجيبني وأقضي اليوم كله معاكي. ربتت عبير على ظهرها بحنو ورددت:
_ولا يهمك يا حبيبتي، والبيت مفتوح لك في أي وقت تشرفي وتنوري. وبعد انتهاء السلامات، ودعتها جوليا بالأحضان وكأنها تعرف عادات مصر وتحفظها عن ظهر قلب. خرج بها مالك من المنزل وأوصلها إلى الفندق التي تمكث به، بعد أن ودعها بمحبة، ثم عاد إلى منزله، وجد والدته تنتظره على أحر من الجمر، وما إن دلفا حتى وجهت له أسئلتها المباشرة بعتاب:
_أولاً، انت إزاي تخطب من غير ما تعرفني يا ابني؟ هو أنا قد كده ما بقيتش مهمة بالنسبة لك؟ كاد أن يتحدث إلا أنها أشارت إليه بكف يديها أن يصمت، وتابعت استفسارها:
_ثم انت إزاي تخطب واحدة ولا تعرف عاداتنا ولا تقاليدنا؟ والله أعلم حياتها قبل كده كانت عاملة إزاي! قطب جبينه باندهاش وأجابها بتساؤل:
_والله يا ماما، هي مسلمة زيي زيها، وأنا قعدت شهر كامل هناك واتعرفت عليها، غير إننا كنا بنتعامل مع بعض في الشغل. واسترسل حديثه بتوضيح:
_وبعدين أنا ارتحت لها وارتحت جداً في التعامل معاها، وده كل اللي يهمني يا أمي. لم يعجبها رده، فهي أكبر منه سناً، وقلب الأم يخبرها بأن هذه الزيجة لا تتماشى أبداً مع ولدها، وأشادت بنصح:
_يا ابني فكر قبل ما تاخد أي خطوة تندم عليها، صدقني فرحة البدايات مش شكل لما تدخل وتتعمق في الموضوع، فكر يا مالك واحسبها كويس. لا ينكر أنه انزعج من حديث والدته، ولكن هو من خطا خطوته دون أي تشجيع من أحد، نما عن ارتياحه لها، وهتف مطمئناً لها:
_مش عايزك تقلقي يا أمي، صدقيني لو حسيت إن أي حاجة مضايقاني مش هكمل، عايزك بس تدعي لي بالتوفيق. ثم قرر أن يفاتحها في الموضوع الذي أبلغه به الطبيب عن حالته، والذي لن ينساه طيلة المدة الماضية، وتحدث بملامح وجه مكفهرة:
_عايزة أقول لك يا ماما على حاجة، بس تعاهديني إنها ما تطلعش ما بيني وما بينك لحد ما نعرفها ونتاكد منها. ربتت على ظهره وطمأنته بتأكيد:
_قولي اللي انت عايزه يا حبيبي، وما تقلقش، سرك في بير. رمى بجسده للخلف وزفر أنفاسه بقهر، وألقى على مسامعها ما أشادت به الطبيب بالتفصيل. وما إن أنهى حديثه، حتى صار صدره يهبط ويعلو من شدة تأثره ووجيعة قلبه التي أدمت روحه، وهو ينظر إلى والدته، الذي وجد وجهها شاحباً كشحوب الأموات مما استمعت إليه أذنيها. لاحظ شحوب وجهها ودق قلبه برعب على حالتها البادية، والتي لا تبشر بالخير، وهتف وهو يحتضن كفي يديها:
_ماما ممكن لو سمحتي ما تاخديش الكلام على أعصابك؟ أنا الحمد لله بقيت بخير، والدكتور طمني إن العقار ده تأثيره طلع من جسمي بفضل العلاج والمتابعة، وإني بقيت كويس جداً، الحمد لله. اندلعت ثورة قلبها رعباً وهلعاً على حديث ولدها، وأدمعت عيناها، ونطقت باستفسار:
_انت متأكد يا ابني من الكلام ده؟ مش يمكن يكون الدكتور ده غلطان واتلخبط في التحاليل ما بينك وما بين حد تاني؟ قلب عينيه بوجع وهو يمسح على وجهه من شدة التأثر لما حدث له، وأجابها:
_كلام الدكتور سليم مية في المية يا أمي، أنا عملت تحاليل عند مركزين تانيين، ونفس الكلام اللي قاله الدكتور ده هو نفس الكلام اللي قاله الاتنين. واستطرد حديثه متسائلاً باندهاش:
_تفتكري يا أمي مين اللي يعمل فيا كده من اللي حواليا؟ هو بالتأكيد مش حد غريب. وتابع بسرد الأسماء:
_معقولة تكون نهال هي اللي عملت فيا كده؟ بس ليه دي اتطلقت مخصوص علشان خاطر ما بخلفش؟ ولا أخويا اللي من لحمي ودمي، وارجع واقول إيه اللي هيخليه يعمل فيا كده؟ ولا أختي اللي لو طولت أدي لها عيني وعمري ما استخسر فيها حاجة! وارجع برضه وأقول، إحنا ولاد حلال ومتربيين، وإنتي علمتينا إننا نحب بعض، فعمرها ما هتعمل معايا كده! ابنك بقى جواه متدمر، تايه، حزين من اللي عرفه، واللي يا ريتني ما كنت عرفته. أما والدته كانت تستمع له بقلب ينفطر ألماً وحزناً على كلماته، ولكن عقلها يجوب تذكراً لما رأته منذ أكثر من ثلاثة أعوام، ولكن حينها نفضته عن رأسها ولم تستفسر. وما إن وصلت لتلك النقطة، اعتلت دقات قلبها هلعاً لما هو قادم، وارتفع ضغطها، وباتت تتنفس بصعوبة بالغة. انتبه مالك إلى حالتها وفوراً انتقل جانبها وهو يمسك يديها ويمسد على ظهرها بقلق بان على معالم وجهه:
_مالك يا أمي؟ حصل لك إيه يا حبيبتي؟ بالله عليكي اهدي ومش عايزك تفكري في الموضوع ده، أنا الحمد لله بخير وقررت إني مش هدور على إللي عمل كده، علشان أياً كان مين هو فهو قريب، وساعتها هتقلب نار ودمار، وأنا مش مستغني عنك يا أمي ولا عن حد من إخواتي، وطالما أنا الحمد لله ربنا نجاني مش هنبش في اللي فات. وحاول تهدئته بكل الطرق وبث الطمأنينة داخلها، علها تهدأ من روعها. لكن بداخله يردد بوجع:
_هي الدنيا كده تديك وجع فوق الوجع وتقول لك استحمل ما أنت جدع. أما هي حاولت أن لا تعطي الأمر اهتماماً ومثلت الهدوء، لكن بداخلها بركان إذا انفجر سيحرق الأخضر واليابس. وعلى الصعيد الآخر، وبالتحديد في شقة ريم، التي لم تعد تتحمل خوض المعركة مع تلك العجوز الرقطاء وحدها، وهاتفت والدها أن يأتي على الفور كي توضع النقاط على الحروف، فهي لن تهاب أحداً على وجه الأرض غير ربها، وما دامت لن تغضبه، فليكن ما يكن، ويذهب الجميع إلى الجحيم، ولن تستسلم أبداً، وستخوض المعركة كأقوى جندي محارب حتى النهاية، أما الموت أو الفوز. أخبرت حماتها بقدوم والدها كي تخبر زاهر أن يحضر كي ينفض هذا الهراء من وجهة نظرها. وبعد مرور ساعة بالتحديد، وصل والدها وهبطت إلى الأسفل، والتف الجميع كشبكة العنكبوت المتراصة في مكان واحد، فتحدثت العقرب بعد أن رمت ما في جوفها من سم، مكملة بشدة:
_وبعد ده كله علشان مش عايزة ولادي ابني يتربوا بره، وهسامحها على عملته في ابني الله يرحمه، تقف قدامي وتناطحني بنتك المتربية يا أبو رحيم، وما راعتش العشرة ولا العيش والملح. ترك جميع حديثها ونظر إلى ابنته متسائلاً بحده:
_انت عليتي صوتك على حماتك وهنتيها يا ريم؟ جاوبيني حالاً. كانت ريم تستمع إلى حديث تلك الشمطاء وهي تفتح فمها بدهشة من افتراءاتها، وأجابت على والدها بدون إحراج:
_انت عارف يا بابا إن أنا تربيتك، واني ما أعملش كده من الباب للطاق. ده أنا اتذللت لها بدل المرة 100 مرة، وحاولت أفهمها إني ما ليش ذنب في موت جوزي، وإني إحنا كنا بنتناقش مع بعض واختلفنا زي أي زوجين، ووطيت على رجليها، ما صدقتنيش، وفضلت تتعامل معايا بمنتهى القسوة، ومصممة إني اتجوز أخو جوزي علشان خاطر خايفة لا أروح اتجوز غيره، يعني شايفاني في نظرها ما عنديش أصل إن أول ما أخلص العدة أروح أدور على واحد تاني غير جوزي. احتد وجهه وهتف بنفي:
_برضه ده ما يديكيش الحق إنك تعلي صوتك عليها، دي برضه أم وابنها مات. ابتلعت غصتها بمرار مثل مرارة الصبار، وتركت لسانها يتفوه قائلة:
_يا بابا، أنا ما عليتش صوتي إلا لما طلعت لي ابنها لحد باب شقتي فوق، وأنا ست لوحدي، يعرض عليا إن أوافق؟ واللين يرضيك تعمل كده؟ واسترسلت بمواجهة دون أن تخشى في الحق لومة لائم:
_أنا تربيتك يا بابا، والمفروض إن أنا أمانة هنا في البيت، والمفروض برضه إني ست أرملة، وهو بالنسبة لي راجل غريب، ما يصحش يدخل شقتي ولا يطلب يقعد معايا، انت ربيتني على الأخلاق والأدب والاحترام، وأنا يستحيل أحيد عنها، ودي كانت المرة الوحيدة اللي وقفت لها بالند علشان ما تفكرش تعمل كده تاني. بعد أن ألقت ريم كلماتها، أحست كأن دلواً من الماء الثلج سقط على رأسها في ليلة شديدة البرودة. حقاً، لقد قصفت جبهتها وجعلتها في موقف سيدة لا تعرف الأصول. أما والدها، ما إن أنهت ابنته حديثها، ضم حاجبيه وعبس وجهه، وسأل مستفسراً بدهشة ظهرت على وجهه لتلك الاعتماد:
_الكلام ده حصل منك يا أم باهر؟ أحست أنها موضع اتهام، وأجابت بتوتر وهي تنظر بعينيها جانباً:
_فيها إيه إن بعت عم العيال إللي في مقام أبوهم يطمن على ولاد أخوه؟ كفرنا ولا إيه يا أبو رحيم؟ قطب جبينه وهز رأسه بعدم فهم وتسائل متعجباً:
_يعني إنتي شايفة إن إللي إنتي عملتيه ده صح؟ وتابع بإنهاء الحوار وهو ينظر إلى ابنته هاتفا بابتسامة:
_أنا فخور بيكي يا بنتي، طلعتي تربية جميل بصحيح. وعلى فكرة، حوار إنهم بيتهموكي إنك السبب في موت جوزك ومشيلينك الذنب، انسيه خالص. أي واحدة بيحصل بينها هي وجوزها مشادات، وده عمره وانتهى، وإنتي بنتي وأنا واثق فيكي أكتر ما أنا واثق من نفسي، ما تحمليش نفسك فوق طاقتها يا حبيبتي. حين استمعت اعتماد إلى كلامه، حتى تشعب الغضب في رأسها بلا رادع، وهتفت بحدة:
_وأنا بقول البت دي جايبة القوة دي منين؟ أتاري الكبارة أبوها مبيقولهاش عيب عن الصح والغلط، وبقت هيصة. أما ريم، أصبحت دقات قلبها أكثر سعادة وارتياحاً لما سمعته من والدها، وأصبح جسدها يكاد يطير فرحاً من حسمه للموقف أمام حرب ضميرها، وقررت أن تترك ساحة رد الاعتبار لوالدها احتراما لوجوده، وفضلت السكوت. أما جميل، لم يعط استهزاءها أي اعتبار، ونظر إلى زاهر ناطقاً بكلمات لاذعة قاصداً إحراجه:
_انت إيه رأيك في كلام والدتك واستهزائها للراجل الكبير اللي قاعد قدامها يا زاهر؟ تصبب زاهر عرقاً من شدة الإحراج من كلمات ذاك الخلوق، مردداً بأسف:
_معلش يا عمي، اعذر والدتي، قلبها محروق على موت ابنها، وكل إللي بتعمله ده علشان ولاده ما يبعدوش عنها. نطق جميل باندهاش:
_هو مين بعدهم عنها؟ أنا لحد دلوقتي جوزها ميت بقاله أكتر من تلت شهور، وما أخدتهاش وسبتها هنا وسطكم علشان خاطر ما تتحرموش من العيال. أشار زاهر برأسه بموافقة على حديثه وردد:
_بس أكيد هتمشي في يوم من الأيام، وده قصدها، فإحنا بنشوف حل يرضي الجميع. اهتز فكه بغضب وردد باستنكار:
_والحل من وجهة نظركم إن بنتي تتجوزك يا زاهر؟ هتفت اعتماد بتساؤل:
_وفيها إيه يا أبو رحيم؟ هي البرنسيسة أول واحدة هتتجوز أخو جوزها؟ أجابها بثقة:
_لا يا أم زاهر، أول واحدة هترفض تتجوز أخو جوزها. واسترسل وهو يمسد على ظهر ابنته بتأكيد:
_وطالما بنتي رافضة، يبقى مفيش جواز، وإللي هي عايزاه هو إللي هيتنفذ. طوفان الغضب تجمع في عينيها، وأشادت ببرود مميت:
_بس إحنا كده هنبقى قطبين متنافرين والدنيا هتولع. قطب جبينه ونطق باستفسار:
_وليه منبقاش قطبين متجانسين وتبقي أهل ونمشيها بالمحبة؟ ضربت على فخذيها مرددة بغضب:
_علشان ولاد ابني مش هيتربوا بره البيت ده. نطق بتأكيد:
_وأنا بنتي وولادها قبلها مش هيعيشوا في بيت الراجل إللي فيه عايز يتجوزها وبييبص لها ومراته وأمه بيبهدلوها. ثم نظر إلى ابنته مردداً بفخر:
_علشان دي البرنسيسة ريم المالكي إللي تعيش على كيفها وبراحتها، وطول ما أنا عايش محدش هيجبرها على حاجة مش مرتاحة لها ولا عايزة تعملها. انتفضت عيناها بحدة وهي تطالع ذلك الرجل الذي لا يختلف شراسة عن ابنته، ورددت بوعيد:
_بس إنت كده بتفتح باب نار مش هيسد إلا لما يحرقنا كلنا ونبقى زي الهشيم. وارب الباب يا جميل علشان الكل يتراضي. أجابها بثقة وتريث:
_النار مش هتلسع إلا إللي ولعها يا اعتماد، أما أنا كفيل إني أبقى جيش مطافي واقف حصن منيع من إن حر النار بس يوصل لبنتي. كانت ريم تجلس رافعة رأسها في موقف فخر بأنها ابنة ذلك الرجل الذي دافع عنها بكل قوته ونصرها على من تعمدوا إيذائها نفسياً. اكتفت بابتسامة مشرقة أنارت وجهها، فهي حقاً كانت خائفة من رد فعل والدها حين يعلم ما حدث، ولم يكن في حسبانها أنه سيتفهمها ولم يفعل مثل والدتها. حقاً، ارتاح قلبها وعقلها وعاد وجهها لنضارته. حاول زاهر تهدئة الأجواء، لكن كل منهما ينظر للآخر نظرات نارية، إلى أن قال جميل بأمر لابنته:
_قومي البسي هدومك وهاتي ولادك ومتلميش أي هدوم ولا ليهم ولا ليكي، وسيبي الجمل بما حمل، وبيت أبوكي مفتوح. انتفضت بحدة وهي تنظر إليهم:
_بس أنا مش هتتنازل عن حق ولادي يا بابا. أشار إليها أن تصمت وهتف:
_حق ولادك عايزين يديهولك بما يرضي الله، ماشي، عايزين ياكلوه نار في بطونهم يتحملوا عواقبه. إنتي وولادك ملزومين مني لحد ما يكبروا ويبقوا رجالة. اشتعلت الحرب بين مثلث الرعب "جميل ريم اعتماد"، وانتهت المناقشات الحادة على خروج ريم وأبناؤها من المنزل تحت استشاطة اعتماد وزاهر، التي تجلس تخطط كما يخطط الشيطان. في دار الأيتام امسكت هاتفها تتصل برقم ما، وما إن جاءها الرد حتى رددت بملامح وجه مبهمة:
_أنا عايزاكي تيجي لي حالاً وتسيبي كل اللي وراكي، ما تتاخريش، أنا في مكتبي. أجابتها الأخرى بسرعة:
_حاضر يا فندم، أنا جايه حالا. بعد عدة دقائق، وصلت الأخصائية النفسية المسؤولة عن الفتيات في المنزل، مستأذنة الدخول. أشارت إليها شريفة أن تجلس، وفي غضون ثوانٍ تركت ما بيديها، وتحدثت بانزعاج:
_إزاي تبقي إنتي الأخصائية النفسية المسؤولة عن البنات وتحصل الكارثة دي في الدار؟ انخلع قلب الأخرى من طريقة حديثها وأجابتها بتوتر:
_هو إيه إيه اللي حصل يا فندم؟ وضحي لي أكتر عشان أفهم. نظرت إليها بعيون غاضبة وهدرت بها بحدة بالغة:
_ما هو لو إنتي شايفة شغلك كويس ومتابعة البنات وأخبارهم، ما كانش حصل اللي حصل، وأظن دي مهمتك يا هانم اللي بتقبضي عليها فلوس كل شهر. كانت شريفة تنظر إليها نظرات حادة، فهي لن تسمح بإيذاء البنات بتلك الجريمة الشنيعة مهما كانت طامعة. ورددت باستفسار مغلف بالخوف:
_طيب فهميني إيه اللي حصل وأنا إن شاء الله أقدر أعالج المشكلة. اهتز فكها بغضب وهتفت بتوضيح:
_في حد وصل لأكونتات البنات وتليفوناتهم وهكرها لمجرد بس إن البنات وصل لها لينكات وفتحتها، الموبايل بتاعهم بقى كله متراقب صوت وصورة، وحقيقي في بنات اتأذت، والموضوع ده لو عرفت بيه الوزارة كلنا هنروح في 60 داهية بسبب إننا مش عارفين نشوف شغلنا. انصعقت الأخرى من كلام المديرة وتسائلت باندهاش:
_وضحي لي أكتر علشان مش فاهمه. أخذت نفساً عميقاً ثم زفرته بتعب وأجابتها:
_اللي بيعملوا كده قصدين إنهم يدخلوا البنات دي في شبكة دعارة الإنترنت، لما يبتزوهم بفيديوهات وبأسرار خاصة ليهم قدروا يوصلوا لها من خلال اختراقهم لموبايلات البنات لمجرد بس ضغط على اللينك. وتابعت بحزن:
_وده حصل مع مريم اللي كانت هنا في الدار، موبايلها اتهكر والفيديو اللي طلع في الحفلة قدام الناس كلها، ده كان كارت تهديد للبنت دي علشان رفضت تشتغل في موضوع دعارة الإنترنت، فاضطرت إنها تعمل معاها كده، وفي الآخر عرفت بمحض الصدفة الموضوع ده كله. كانت الأخصائية تدون كل ما أشادت به المديرة، ثم اقترحت:
_تمام يا فندم، إحنا نعمل ندوة سرية لكل بنات الدار وناخد منهم موبايلاتهم ونجيب مهندس يأمنهم ونعرفهم موضوع اللينكات ده ونفهمهم الخطر الشديد اللي ممكن يجي من وراه، وإن شاء الله نقدر نعمل حاجة. أشارت برأسها بموافقة واستحسان على رأيها وهتفت وهي تشير إليها بكلتا يديها:
_تمام، يلا قومي حالا اجمعي لي البنات كلهم علشان خاطر أنا هكلمهم بنفسي. قامت الأخصائية النفسية على الفور واستدعت جميع البنات اللاتي تتواجدن في المكان، وفي أقل من نصف ساعة كانت تجلس معهم، وبدأت كلماتها بتحذيرهم من ذاك الهاتف وخطره عليهن، وأشارت إليهم بأمثلة كثيرة، وفي نهاية نصحها قالت بتأكيد:
_أنا حبيت أبلغكم علشان إنتوا تعتبر مسؤولين مني، لازم يا بنات تاخدوا بالكم على قدر الإمكان إن الموبايل اللي في إيديكم خطر كبير جداً، يعني أنا بشوف بنات بتدخل بيه الحمام، وبشوف بنات بتتصور صور وهي بملابسها الخاصة علشان تتباهى بنفسها، بلاش الحاجات دي نهائي. للأسف الزمن ما بقاش مضمون ولازم تحافظوا على نفسكم. واسترسلت حديثها وهي تشير إليهم بكلتا يديها:
_دلوقتي كلكم تجيبوا الموبايلات اللي معاكم علشان خاطر هنبعت لمهندس هياخد الموبايلات دي ويأمنها كويس جداً علشان أطمن عليكم، بس لازم برضه تستدعوا الخطر قبل الأمان علشان خاطر الموضوع مش سهل. قامت الفتيات بإعطائها هواتفهن وتنفيذ الأمر بطاعة، وبعضهن استغربن مما قصته عليهم، وبعضهن كن على علم بما حكته. وبالفعل استدعت مهندساً ماهراً تعرفه، وحضر إلى الملجأ وقام بتأمين جميع الهواتف، واستغرق عدة ساعات حتى انتهى. ذهبت ريم مع أبيها إجباراً، وعندما رأتها والدتها اندهشت جداً، فقص عليها جميل ما حدث بينهم، وعلمت بقدومها وأنها ستعيش معهم، وسعدت جداً بوجودها، ولكن قلبها كقلب الأم الذي انفطر على كلتا بناتها مما وصلت إليه أحوالهن. فتحدثت فريدة بقلب ملتاع:
_حمد الله على السلامة يا بنتي، نورتي البيت، اطلعي خدي أولادك وغيري هدومك وانزلي عقبال ما أجهز لكم الغدا. انصاعت لأوامر والدتها وصعدت درجات السلم وقلبها يملؤه حزن يكفي العالم بأكمله. أما فريدة نظرت إلى جميل وهتفت بحزن بالغ:
_عيني على بناتنا الاتنين، واحدة جوزها مات وحماتها مطيرة النوم من عينيها وولية قادرة ومش هتسيبها في حالها و بتهددها عيني عينك. والتانية مصممة على الطلاق وأولادها بقوا عرايس وطولها واللي في دماغها في دماغها. تنهد جميل بتعب لما استمع إليه من نواح فريدة، والذي أهلك روحه، رغم رسم الابتسامة على وجهه، إلا أنه حزين بداخله على بناته مثلها تماماً. إلا أنه تحدث حامداً:
_رب الخير لا يأتي إلا بالخير يا فريدة، والحمد لله على الضراء قبل السراء، وإن شاء الله بناتك هيبقوا بخير طالما ما بنعملش حاجة غلط وما بنغضبهوش، الحمد لله. واسترسل بتنبيه:
_مش عايزك تشدي معاهم، عايزك تكوني حنينة عليهم الاتنين، فيهم وجع يكفي العالم بحاله، ولازم تطبطبي عليهم وتخلي قلبك كبير. قلبت عينيها بحزن بالغ وردت:
_غصب عني ردود أفعالي بتغلبني لما بشوفهم قدامي كده، حالتهم تصعب على الكافر. وظلا يتناولان أطراف الحديث عن أحوال بناتهم. فتحدثت فريدة متسائلة باستنكار:
_طب وبالنسبة للست مريم اللي قاعدة عندنا بقى اللي أكتر من شهرين، هو ينفع كده يا أبو رحيم؟ قطب جبينه ونطق باستفسار:
_انت عايزاني أطرد البنت اليتيمة اللي جت احتمت بين حيطان البيت ده يا فريدة؟ أجابته بعملية:
_طيب وإحنا ذنبنا إيه في المشاكل دي؟ وبعدين أنا شايفة رحيم بيتعلق بيها كل يوم عن اليوم اللي قبله، ولا انت عامل مش واخد بالك؟ ضرب بكلتا يديه وأجابها:
_والله إنت بتشوفي حاجات أنا ما باخدش بالي منها خالص. وفرضا يعني إن هو اتعلق بيها، إيه المشكلة في كده؟ رفعت حاجبيها باستنكار ورددت:
_نعم! يتعلق بمين ويرتبط بمين ببنت الملجأ؟
والله ما يحصل أبداً، إنت جرالك إيه يا جميل! نزلت كلماتها على قلبه كالصاعقة، ولم يكن بحسبانه أن يكون تفكيرها بتلك العنصرية، وتحدث باستنكار:
"ومالها بنت الملجأ يا فريدة!"
بنت مؤدبة ومحترمة ومتفوقة، ورفضت الحرام بالرغم إن ما كانش حد هيلومها لو عملته. أشارت بيديها أمام وجهه وأكملت:
"كلامك على عيني وراسي، والبنت أدب الدنيا فيها. أنا عندي بنات وربنا يسهلها، بس بعيد عن ابني."
وتابعت حديثها بتصميم:
"أنا ابني يتجوز بنت عيلة ليها أصل وفصل، مش تربية ملاجئ." احتدم وجهه بغضب شديد وردد بنصح:
"وأما اليتيم فلا تقهر. وخلي بالك كما تدين تدان. اعملي الخير مع البنت دي وربنا هيرده لك في بناتك اللي كل واحدة فيهم مشكلتها عايزة حلال العقود." نطقت بتسرع:
"أنا أه أعطف عليها، أعملها بما يرضي الله."
"أبتسم في وشها دايماً."
"لكن تبقى تربية ملاجئ وتتجوز الدكتور رحيم؟ لا، ممكن أبداً." كانت سعيدة بنتيجتها في الترم الأول وتوجهت إلى داخل الفيلا كي تخبرهم بفرحتها، وإذا بها تنصدم حينما سمعت حديث فريدة يتردد داخل أذنها. بل انحفر بجرح عميق داخل قلبها، وتلقائياً هبط دمع العين أنيناً، وكأنها دموع نار على وجه تلك البريئة. *** في نفس اليوم، عادت راندا إلى منزلها كي تمكث به هي وأبنائها بعد أن أخبرت مهاب أن يترك لهم المنزل.
كانت سما جالسة تتصفح الهاتف بشرود.
ومَهاب بدأ بالحديث مع والدته قائلاً:
"ما تسامحي بابا بقى يا ماما وتنسي اللي فات، وهو راجع ندمان على اللي عمله." اعتزلت من جلستها وواجهته بعيون حمراء، الغضب اشتعل بداخلهما، ونطقت باستنكار:
"أسامح إيه يا مهاب!"
"ده إنتوا أول الشاهدين معايا على اللي عمله فيا."
واسترسلت ودمع العين أوشك على الهبوط:
"ومش بس كده، ده إنتوا أكتر ناس شاهدين على العمر اللي راح وأنا كنت أب وأم وكتف بيسند هنا وهناك." احتضنها مهاب بين ذراعيه وقبل رأسها وتحدث وهو يمسح على شعرها بحنان:
"ومين يقدر في يوم ينسى إنك كنتي أحسن أم وأحسن ست في الدنيا."
"ومين يقدر ينكر تعبك معانا ومعاناتك سنين عمر كامل، وما تهاونتيش في لحظة حب ونصيحة وعطاء يا أمي."
"محدش أبداً ينكر." واستطرد حديثه وهو يمسكها من كتفيها متعمداً النظر داخل عينيها مردداً بحرقة:
"بس ده بابا برده يا أمي، اللي شقي سنين عمره واتغرب علشان يعيشنا مستوى أفضل."
"عاش عمره كله بعيد عننا، وكنت دايماً بشوف في عينيه نظرة الاشتياق لينا، في إنه حابب يبقى جنبنا وإحنا بينا مسافات ملهاش عدد."
"إنتي طول عمر قلبك طيب يا أمي، سامحي المرة دي واغفري، ده رب العباد اللي خلقنا غفور رحيم." انتفضت من مكانها كمن لدغتها عقرب وهتفت بفحيح:
"وحياة قلبي الطيب اللي كان سبب في سذاجتي وخيانتي، ما هاسامح ولا هغفر."
"واعملي حسابك إنت وأختك، ملكوش علاقة بيه تاني، يا تختاروا يا أنا يا هو." كانت سما ابنة الخمسة عشر عاماً، وصل إلى مسامعها حديثهم وفضلت السكوت، ولكن استفزها مقارنة والدتها وأجابت بحزن:
"هو ينفع الإنسان يختار بين روحه وروحه برده يا ماما."
"إنتي النفس وباب النبض. إنتي العشق وبابا قلبه."
"إنتي الحياة وبابا عمرها كله."
"لا يا ماما، إنتي كده بتحطينا قدام اختيار مدمر مش هيخلينا نعرف نعيش." تشنجت عضلات وجهها واهتز جسدها برعشة، وأصبحت تحرك يديها بلا منطق، وتحدثت وهي تهذي بكلمات تدمي لها القلوب:
"يعني عايزيني بعد ما شفته في أحضان واحدة تانية أسامحه وأقول له تعالي بالأحضان لراندا اللي سامحتك بكل بساطة علشان خاطر أنانية ولادها."
"عايزني أداوي قلبي اللي انكوى بجرح عمره ما هيخف، بإني أدخل حياتي تاني اللي غرس سكينه اللي كوتني وحرقتني بجرح هيفضل ينزف لحد ما أموت وأبقى عادي كده." وتابعت وهي تعطيهم ظهرها بوعيد:
"والله ما هيحصل أبداً يا أولاد عمري اللي أفنيته تحت رجليكم وبين إيديكم."
ألقت كلماتها وتركتهم وانسحبت إلى غرفتها، والبكاء أصبح عنوان حياتها. *** ذهب مالك إلى المصنع كي يتابع ما حدث فيه طيلة الشهر الذي مكثه مغادراً البلاد، وصديقه المقرب أمامه قائلاً بمشاغبة:
"أيوة يا عم، ناس تروح روما على إنها هتشتغل، وفي الآخر ترجع بغزال إيطالي يرجعها عشرين سنة لورا." ضحك بصوت عالٍ على مشاغبة صديقه وردد بتوضيح:
"بالله عليك يا شيخ، لا تسكت. أنا مش ناقص قرك ده، أنا اللي فيا مكفيني من اللي شفته من السفرية دي." اندهش صديقه وتساءل مستفسراً:
"ليه؟ إيه اللي حصل لك هناك؟ طمني." تنهد بتعب وقص عليه جميع ما حدث من الألف للياء.
ثم تحدث بعد تفكير مردفاً باستنكار:
"يا نهار أبيض! وإيه ملوش معالم؟ ده مين الجبروت اللي يقدر يعمل معاك العُملة السودة دي؟" أرجع رأسه للخلف وأغمض عينيه بتعب مردداً:
"مش عارف، وعايز أقول لك إني مش عايز أعرف، علشان لو اتضح لي مين اللي عمل كده هتقلب جحيم وأنا مش هقدر أستحمله." انزعج صديقه وهتف بضيق:
"بس لازم تعرف يا مالك، مش يمكن اللي عمل كده يرجع يكرر عمايله تاني؟" تنهد بحزن وأجابه:
"ممكن جداً، علشان كده هركب كاميرات مراقبة في الفيلا كلها وعلى نظام ومستوى عالي جداً. واللي ما انتبهتش عليه عشان ما توجعش ولا أوجع الغاليين، هيجي لي لحد عندي وبالدليل، وساعتها يبقى هو الجاني على نفسه." تحدث يطرح رأيه شارحاً:
"تمام، أنا أعرف مهندس شاطر جداً يعمل لك الحوار ده بتقنية عالية جداً."
واستطرد قائلاً:
"بس طبعاً، هنعمل الموضوع ده في منتهى السرية ومحدش هيدري بيه عشان تعرف مين." تحدث وهو مغمض العينين ناطقاً بهدوء:
"لا، الكل هيعرف باللي هعمله، ومش هتبقى سرية ولا حاجة." قطب جبينه وتحدث باستغراب:
"ده اللي هو إزاي يعني؟" قام من مكانه وذهب ناحية النافذة وأجابه بروح منهكة:
"زي ما بقول لك كده. أنا كل اللي يهمني دفع الضرر، أما إني أعرف اللي ضرني، ساعتها مش هرتاح. وعلشان كده مش عايز يا علي، علشان أنا متأكد إن اللي عملها مني ويخصني بالجامد، وعشان خاطر أمي أستحمل أي حاجة." تحدث علي قائلاً بإطراء:
"والله يا ابني، إنت ما فيش منك ولا هتتكرر تاني يا صديقي."
"ربنا يريح قلبك وبالك يا رب."
وتابع حديثه بتذكير:
"أه صحيح، مش أنا وصلت لأكونت ريما وعرفت إيه اللي خلاها متبعتش ومتردش." ركز انتباهه وسأل:
"طيب ولقيت إيه يا ابني؟" أخذ نفساً عميقاً وأجاب:
"قافلة الأكونت، وعرفت من الـ... إن جوزها مات، وعلشان كده منعزلة عن العالم كله." حزن لأجلها جداً وأشاد:
"طيب ابعت لي رقمها علشان أبعت لها تعزية واجب لما تفتح تستلمها."
أعطاه الرقم وظلا يتحدثان عن العمل وأحواله إلى أن مر الوقت. *** يجلس شريداً وحيداً، ويبدو على وجهه علامات الضيق.
خلل شعره بأنامله بعد أن فرك وجهه، وأخيراً أخذ القرار وعزم على تنفيذه، هو فعل كل ما بوسعه ولا طاقة للصبر بعد ذاك.
أمسك هاتفه وانتظر الرد وعزم على التنفيذ، وما إن أتاه صوتها حزيناً.
نعم، أحس بمدى حزنها من نبرة صوتها التي اخترقت قلبه، وود أن يتراجع، لكنه تفوه بما في داخله جملة واحدة:
"عارف إني ظلمتك معايا، وعارف إن أنا الغلطان في كل حاجة من البداية للنهاية، لكن أنا عملت اللي أقدر عليه."
واسترسل وهو يخرج الكلمات من فمه بصعوبة:
"أنا آسف يا حبيبتي، إنتي طالق." قال كلمته الأخيرة وشعر بها وهي تبكي بغزارة وحرقة قلب.
وَد لو يذهب إليها ويأخذها بين أحضانه ويطمئن روحها.
وَد لو يعود الزمان يوماً ما، كان اقترف ما حدث، فهو الآن تدمر هو وكلتاهما، والقلوب أصبحت تشتعل ناراً ودقاتها تنطق فراقاً، ألماً، وأنيناً.
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم فاطيما يوسف
القوة الحقيقية هي تلك التي تستمدها من نفسك لا من الآخرين.
لو لم تكن قويًا، فلن يقويك أحد سوى الله ثم نفسك.
ولتعلموا لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا.
كمية طمأنينة بالآية عجيبة، وكأنها تؤكد لك أن الله قادر على قلب الموازين بأي شكل وفي لحظة قد لا تتوقعها، فاصبر لأن الله من أسمائه المعطي يهبك ويعطيك ما لا تتوقعه وما لا يتصوره عقلك.
وتذكر دائمًا أن الله إذا أعطى أدهش، واعلم أن في النفس حاجات دواؤها القرب مع الله، وفي القلب وحشة أمانها اليقين به.
فكل ما نحتاجه هو هين لا ينقص شيئًا من ملك الله، نثق بلطف اختياره، وجميل تدبيره.
إن شاء أعطى بكرمه، وإن شاء منع بحكمته فله الحمد على كل حال.
نطقت بتسرع:
_ أنا أه أعطف عليها، أعمالها بما يرضي الله.
أبتسم في وشها دايما.
لكن تبقي تربية ملاجئ وتتجوز الدكتور رحيم لا ممكن أبدا.
كانت سعيدة بنتيجتها في الترم الأول وقصدت اللي داخل الفيلا كي تخبرهم بفرحتها وإذا بها تنصدم حينما سمعت حديث فريدة وتردد داخل أذنها بل انحفر بجرح عميق داخل قلبها وتلقائيًا هبط دمع العين أنينًا وكأنها دموع نار على وجه تلك البريئة.
والتي لم تتحمل كلماتها الشديدة حتى سمعوا ارتطام جسدها بالأرض ووقعت مغشية عليها.
انخلعت قلوبهم ونظروا ورائهم من بعيد رأوا تلك المسكينة في عالم آخر.
هرولوا إليها مسرعين ثم نظر جميل إلى زوجته آمرًا إياها:
_ اتفضلي ارفعيها من الأرض وحاولي تفوقيها لأني ما ينفعش ألمسها.
فعلت مثل ما أمرها ولكن نظرت إليه باستغراب ورددت:
_ ليه يا جميل ده من دور بناتك ما تحبكهاش قوي كده.
رفع حاجبيه باندهاش من سؤالها وهتف باستنكار:
_ مش علشان من دور بناتي يحل لي ألمسها واستحلها وهي غايبة عن الوعي الحلال بين والحرام بين يا فريدة. وبعدين ده مش وقت كلام اتفضلي فوقيها.
أما هو فنثر على وجهها بعض من قطرات المياه وظلت فريدة تحاول إفاقتها وهي تضع يدها تحت رقبتها والأخرى تدلك بها عضلات أنفها ووجهها إلى أن أفاقت وعينيها استقرت داخل عيون فريدة بلوم وعتاب.
ابتسم جميل وردد:
_ الف سلامة عليك يا بنتي خضتينا عليكي ووقعتي قلبنا في رجلينا.
استنتج جميل وفريدة أنها استمعت إليهم من نظراتها لفريدة والتي ما أن استمعت إلى توبيخها سقطت مغشية عليها ولم تتحمل كلماتها.
أسندتها فريدة ودلفت بها إلى الداخل وذهب جميل وأحضر لها كأسًا من العصير الطازج وناولها إياه.
لم تريد أن تأخذه منه وهتفت بتعب:
_ تسلم إيدك يا عمو بس حقيقي أنا مش عايزة أشرب.
نظر لها بعتاب ومط شفتيه كالأطفال على سبيل المداعبة وتحدث مصطنعًا الحزن:
_ بقى كده تكسفي إيد عمك جميل اللي عمل لك العصير بنفسه اتفضلي اشربي يا بنت عيب.
لم تريد إخراجه وتناولت الكأس وارتشفت قليلًا منه ثم وضعته على المنضدة أمامها إلا أنه أصر على أن ترتشفه فاضطرت أن تكمله.
هي تقنط معهم أكثر من شهرين وتتناول القليل من الطعام فهي عزيزة النفس جدًا.
وحين استمعت إلى كلام فريدة أحست أنها دخيلة عليهم ثم استجمعت قواها وتحدثت بشجاعة مغلفة بالتوتر:
_ أنا عارفة يا طنط إن وجودي مضايقك هنا وبصراحة انتوا استحملتوني شهرين بحالهم محدش يعمل كده غيركم.
ما تقلقيش أنا هاخد حاجتي وهرجع للدار تاني وهبعد عن رحيم تمامًا.
واسترسلت وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة:
_ انتي عندك حق إن هو ما يتجوزش بنت ملاجئ أنا أصلًا مش هرضى له كده.
أحست فريدة بمدى غشمها في الحديث الذي أوصل تلك المسكينة اليتيمة لتلك الحالة البائسة ولم تستطع الرد أو النطق.
فهتف جميل بنبرة فخورية إطرائية كي يجبر خاطرها المكسور:
_ والله يا بنتي فريدة ما تقصدش دي بتحبك جدًا بس هي راندا وريم مخليينها مش على بعضها وبتقول أي كلام وخلاص.
ثم تابع حديثه وهو ينظر إلى زوجته بعيون لائمة موجهًا لها السؤال:
_ مش كده ولا إيه يا فريدة؟
أحست بغضبه الشديد فأكدت كلامه بتوتر:
_ آه طبعًا يا بنتي معلش متزعليش مني.
أنا بعتبرك في منزلة ريم وراندا بالظبط.
ابتلعت مريم غصتها بمرارة وأردفت بإبانة:
_ لا يا طنط أنا ولا زي ريم ولا راندا بالنسبة لك أنا مريم بنت الملجأ واللي متصحش تبقي حرم الدكتور رحيم المالكي.
واسترسلت وهي تبكي بنحيب يدمي القلوب:
_ أنا والله العظيم عارفة حجمي وقدري كويس.
عارفة إني هعيش وهموت أتعاير إني منفعش أعيش عيشة سوية وأحب وأتحب زي أي بنت.
علت شهقاتها وضربت على صدرها وأكملت نحيبها:
_ بس أعمل إيه يا طنط في قلبي اللي حب اللي مش ليه.
وفي عيني اللي بصت على الأعلى منها غصب عنها.
وفي روحي اللي ارتبطت بروحه اجبارًا عنها لما شافت رجولته وجدعنته.
غصب عني حبيته وغصب عني اتمنيته.
كان في تلك اللحظة يدلف إلى الداخل واستمع إلى الحوار من بدايته وما أن رأى شهقاتها المتعالية التي أدمت قلبه.
واعترافها الذي جعل قلبه يكاد يقفز من بين ضلوعه.
أسرع خطواته إليهم وتحدث مباشرة إياها وكأنها الوحيدة الموجودة في ذاك المكان.
ونظر بوله وعشق جارف وأشاد:
_ لا يا عمري ما تبكيش دموعك غاليين أوي يا مريم.
قبل ما قلبي يعشقني كان قلبي فاتح لك أبوابه وسبق قلبك.
قبل ما روحي تتعلق بروحي كنت هايم في ملكوتك وروحي سكنت بين إيديكي.
رفعت عيونها المغشية بالدموع وتحدثت بفقدان أمل:
_ مبقاش ينفع يا رحيم إننا نكمل علاقة غلط بدأناها ولازم الفراق المحتوم.
وقف قبالتها ودقات قلبه تدق بعنف شديد حينما استمع لكلمة الفراق:
_ ورب الكون كله ما هفارق ولا هبعد ولا هتخلي يا مريم.
وعهد عليا وثقيه ضمن العهود إن مريم لرحيم ورحيم لمريم.
ثم نظر إلى أبيه ناطقًا باستئذان:
_ بعد إذنك يا بابا حضرتك وماما طلبتوا مني كتير إني أرتبط وأنا خلاص لقيت نصي التاني اللي يكملني واللي أنا محتاجه.
تنهد بثقل وتابع وهو ينظر إليها بعشق:
_ أنا عايز أتجوز مريم ويزيدني الشرف كمان إنها تبقي مراتي ولو مكانتش مريم مش هتكون غيرها.
انتفضت فريدة وهتفت بغضب:
_ وأنا بالنسبة لك إيه!
هوا يارحيم مليش حق عليك ولا كلمة ولا ليا حق إني أختار معاك شريكة عمرك.
كاد أن يتحدث إلا أن جميل أشار إليه أن يصمت وأجابها بديلاً عنه:
_ مين قال يافريدة كدة إنك هوا!
إنتي كلمتك هنا مسموعة ومعتبرة بس هو ليه كل الحق إنه يختار شريكة حياته إللي هتعيش معاه.
بائت علامات الغضب تعلوا وجهها وهتفت بحدة دون أن تراعي مشاعر تلك المسكينة:
_ بس أنا بردو أمه ومن حقي لما يختار وأشوف اختياره مش مناسب أقف قدامه وأمنعه.
واسترسلت وهي تعطيهم ظهرها ناطقة بقسوة:
_ والجوازة دي مش مناسبة من جميع المقاييس.
أخذت مريم نفسا عميقا ثم زفرته بهدوء وحملت حقيبتها وقالت بشموخ:
_ عندك حق ياطنط موقفك كأم لاملامة عليه.
وأنا موقفي كضيف هنا حيطان البيت ده احتوتني وأوتني في أشد لحظات ضعفي إللي كنت ممكن أموت فيها أشكرك وأقول لك جميلك علي راسي من فوق.
أما عن موقفي كأنثي وبنت اتولدت في ظروف ملهاش ذنب فيها أقول لك إني شايفة نفسي إلي حد ما ناضلت لأني أبقي سوية محترمة.
وأكملت وهي تشير إلي رحيم بامتنان:
_ أينعم ربنا بعت لي فضله في دكتور رحيم وكان من ضمن أسباب نجاتي بس بردو حافظت وهحافظ وهعافر علي وجودي في الحياة وحقي إني أبقي أنا أبقي مريم.
أنهت كلماتها وكادت أن تغادر إلا أن جميل ورحيم اعترضوا طريقها مرددين:
_ رايحة فين يامريم لو سمحتي استني.
نظرت إليهم وردت بتأكيد:
_ هرجع الملجأ إللي احتواني العمر كله بدون مانجرح.
شعر بروحها المنهكة وكلماتها التي غرزتها في صدره ونطق وهو يبتلع حلقه بصعوبه:
_ مينفعش يامريم إنتي لسه في خطر ومشكلتك متحلتش اهدي واقعدي المهندس نادر جاي بالليل علشان هيقولك لنا علي خطوات نعملها علشان نقدر نمسك دليل علي القذرة دي.
أما جميل أكمل حديث ابنه بنصح:
_ يابنتي ملكيش دعوه بفريدة وكلامها واقعدي استهدي بالله لأنك أكيد متراقبة من الزفتة دي.
وحاولوا معها مرارا وتكرارا إلي أن هدأت ورددت:
_ تمام ياأنكل هقعد لأني مينفعش حضرتك تبقي متمسك لحمايتي كدة وأرفص النعمة.
بس هاكل وهشرب لوحدي في الملحق.
هتف رحيم باستعجال:
_ منين يامريم وانتي المصاريف إللي بتقبضيها تبع الدار ممشياكي بالعافية.
أحست بنغزة في قلبها هو لم يقصد ماتفوه به لكنها شعرت بمدي ضئالتها أمامهم وأكدت بتصميم:
_ هاكل عيش وملح يادكتور. عن إذنكم.
تفوهت كلماتها وهرولت إلي الخارج بدموع تنهمر بغزارة وحرقة قلب.
أما رحيم نظر إلي والدته نظرة عتاب طويلة وصعد إلي غرفته حزينا ولأول مرة يشعر مرارة إحتمال الفقدان.
إنه حقا شعور مريب محطما للإنسان.
في أحد المطاعم يجلس مالك على طاولة العشاء وحوله مجموعة من اصحاب الأتيليهات المشهورة وحضرت معه جوليا كعشاء عمل.
أثناء انشغال الجميع بالتحدث عن التعامل مع العصر في عالم الأزياء جاء من الخلف واحداً من صاحب اكبر المصانع التي تنافس مالك ملقيا التحيه على الجميع ثم وجه حديثه الى جوليا عارضا عليها بعد أن مد يده وصافحها:
_مصر منوره بوجودك يابرنسيس شفتك وانا قاعد مع اصحابي قلت لازم اجي اسلم عليكي من الواجب طبعا.
واسترسل وهو يمد يده اليها:
_تسمحي لي بالرقصة دي واكون ممنون جدا.
ابتسمت جوليا وردت على سلامه بكل ذوق:
_بشكرك على ذوقك جدا يا مسيو هاشم.
فهي تعرفه جيدا ثم قامت من مكانها وهي تلبي دعوته وتمد يدها الى يديه قائله:
_ طبعا حابة جدا.
سحبها الى ساحة الرقص وهي تمشي جانبه بابتسامة هادئة وهي في منتهى الرقة والأناقة.
امسكها من خصرها واندمجا في رقصتهم.
فبالنسبه لها من الطبيعي جدا في عشاء العمل ان يعرض عليها احدهم بالرقص ومن طبيعة نشأتها ليس لديها اي مانع.
اما ذلك المالك يجلس يستشيط غضبا وغيرة من تلك الجوليا التي لأول مره تختبر رجولته.
أحس بنار تشتعل في جسده كلما نظر اليهما وحدث حاله بغضب:
_ماذا بك ايها المالك انها طبيعة نشأتها والتي لابد ان تعتاد عليها.
اهدأ ولا تبالي كي لا يصبح شأنكما أمام الجميع بيانا.
ولكن كيف أن أهدأ انها لثورة غضب عارمة اشتعلت في صدري وانا لن اتحمل.
كيف يطوقها ويقترب منها بهذا الشكل.
شعر بأنه على وشك فقدان عقله حمل مفاتيحه وهاتفه وغادر المكان على الفور قبل ان تشتعل الغيرة ويصنع تصرفا لا يليق بمكانته ولا مكانتها.
خرج من المكان وهو يشعر بالاختناق الشديد لاحظت جوليا خروجه وعلى وجهه علامات الغضب الشديد فاعتذرت من الماكث في أحضانها وحملت حقيبتها واتبعته بسرعة.
وجدته يقف أمام سيارته وعلامات الوجوم على وجهه.
اشارت اليه ان ينتظرها قبل ان يغادر.
اما هو عندما رأى قدومها ركب سيارته وتبعته هي وصعدت السيارة بجانبه وهي تنظر له مردفة بتعجب:
_ممكن اعرف ايه اللي حصل خلاك تخرج من غير ما تقول لي وتسيبني مع انك جاي معايا اظن ده تصرف مش لطيف منك خالص.
نظر لها بمقلتين تشتعل غضبا وردد باستنكار:
_يعني عملتى اللي عملتيه وكمان جايه تجيبي الغلط عليا انا.
رفعت حاجبها باندهاش:
_ هو انا عملت ايه لده كله علشان غضبك الشديد ده اللي باين على وشك انا حقيقي مش فاهمه.
ضرب بمقود السيارة ونظر اليها ملقيا حديثه اللاذع:
_فيها انك لما تكوني مخطوبة لمالك الجوهري ما ينفعش تقومي ترقصي مع راجل غريب عنك ولا حتى لما يسلم عليكي تمدي له ايدك.
وتابع باستنكار:
_ده انا اللي هو خطيبك ما بسلمش عليكي بالإيد وبستحرمها على نفسي وفي الآخر تيجي انتي وتعمليها.
ما كانت تتوقع ولا يأتي بمخيلتها ان يكون تفكيره كهكذا ورددت باندهاش:
_والله انت عارف طبيعة شغلنا وعارف طبيعة تربيتي الغربية.
ثم إنك عارف اني متفتحة وأول مره احس منك بالطريقة دي وبالكلام ده!
حاول تهدئة حاله وتحدث شارحا اياها:
_شوفي يا جوليا هتكلم معاكي بكل صراحة طبيعتك المتفتحة ما تمشيش مع شخصيتي تماما انا شفت فيكي زوجة حنونة وطيبه وموضوع اللبس والانفتاح لما تبقي مراتي ومكتوبه على اسمي هيبقى موضوع تاني خالص.
واسترسل بإبانة:
_اما انك تسلمي على راجل او ترقصي معاه ده مرفوض بالنسبة لي رفض تام انا راجل بغير جدا على اللي مني وإنتي بقيتي مني.
على رغم غضبي الشديد وطريقته الفظه الا انها عشقت تحكمه كما تسمى واحست بالغيرة عليها وهذا النوع لم تجربه قبل ذاك.
وردت بطاعة وهي تنظر له بفخر:
_عارف رغم ان طريقتك شديدة وجافة جدا معايا وانت بتطلب مني حاجات جديدة عليا والمفروض تبقى اهدى من كده لكن هرد عليك بحاجة واحدة بس حاضر يا قلبي سلام بالايد مش هسلم تاني ولا رقص مع حد واي حاجه تحس انها بتضايقك يسعدني جدا غيرتك عليا.
مجرد ان نطقت الموافقة بدون اي نقاش احس بالارتياح وتحدث شارحا:
_لازم تعرفي يا جوليا ان انا راجل شرقي جدا ولازم تحفظي طباعي علشان خاطر نقدر نكمل مع بعض لاني بجد مش عايز اخسرك.
ابتسمت بهيام وسألته عن قصد:
_ بتحبني للدرجة دي يامالك.
لما استمع إلي استفسارها ورأي نظرة عينيها اللامعة بالحب أجابها وهو يبتلع غصته بتوتر:
_ لو مش عايزك ايه إللي هيخليني أرتبط بيكي بس.
لم يعجبها رده وأعادت السؤال مرة أخري:
_ أنا سؤالي واضح بتحبني زي مانا بحبك كدة.
تلك المرة نظرة عينيها تختلف فيها إحساس بالضياع فأجابها:
_ طبعا ياجوليا.
مالك بس في ايه النهارده.
لم ينطقها ولم يتفوه بحروفها مما أحزنها كثيرا وهتفت بشرود:
_ لأ مفيش حاجه ممكن نروح لأني حاسة بالتعب والارهاق شوية.
أشار برأسه بموافقة وأردف بابتسامة هادئة:
_ طبعا ياقمر يالا نمشي.
وقاد السيارة قاصداً الفندق الذي تمكث به وعقله يجوب بالتفكير عن ماحدث اليوم والذي نما عن عدم ارتياحه.
في منزل باهر الجمال يجلس مثلث الشر يتفوهون غيبة عن تلك الريم فتحدثت اعتماد بغل:
_وبعدين يا زاهر هنعمل ايه في اللي تنشك اللي خرجت هي وولاد ابني اجبارا عني وخلت قلبي مولع وشايط وقاعده مش طايقه نفسي.
تحدثت هند بنبرة ساخطة وهي تلوي فمها:
_طب ما تغور في 60 داهية يا ماما هي وجودها هنا في البيت اصلا ما ينفعش.
نظر اليها زاهر بغضب شديد واردف بتحذير:
_وانتي مالك انتي بتدخلي في الموضوع ده ليه دي حاجه ما تخصكيش ما تتكلميش فيها نهائي.
اتكأت على جزعيها وأردفت بغل:
_شكلك زعلان كده يا ابو البنات على حبيبة القلب اللي سابت البيت غصب عنكم ما تجيبها على بلاطه وتقول انها حليت في عينيك يعني المفروض عندك بنات وتخاف عليهم من النظره الحرام.
قام من مكانه بغضب وذهب إليها وهو يمسك يداها ويلويها خلف ظهرها بغضب:
_ انت بتقولي ايه يا بت انتي ده انتي هيتق.طع لك لسانك النهاردة.
سحبت يدها من بين يديه بعنف ونطقت وهي تجز على اسنانها بحده:
_امال عايزني اقول ايه وانا شايفه جوزي عينيه بتلمع لما تيجي سيره مرات اخوه الله يرحمه ده انا اقول واقول واقول.
اشارت اليهم اعتماد بكلتا يديها بغضب عارم واردفت بصوت عالي:
_جرى ايه منك ليها انتم مش محترمين وجودي خالص هتتخانقوا خدها واطلع على فوق وسيبني في البلوة اللي انا فيها طالما انت مش عارف تمسك نفسك قصاد غيرة الكونتيسة مراتك.
كادت هند ان تتحدث الا انها اسكتتها بإشارة منها فجلست وهي تهز قدميها بغضب.
اما زاهر توعد لها حينما يكونوا وحدهم.
وتحدث الى والدته باستفسار:
_يعني عايزانا نعمل ايه يا امي احنا عملنا كل اللي علينا تهديد ووعيد ولين ومحايلة وما قدرناش عليها في ايدينا ايه تاني نعمله وما عملناهوش.
قبضت علي معصمها بقوة وهدرت بصوتها المملؤ بالجبروت:
_لاوعيد ولا تهديد احنا هننفذ على طول وكفايه عليها كده بنت المالكي اللي خدت ولاد ابني وخرجت من بيته وهي لسه في عدتها وحرقت قلبي عليهم.
تساءل باستفسار:
_تقصدي ايه يا ماما اللي هننفذه يا ريت توضيح اكتر.
أجابته بحقد:
_انت تتصل على المحامي دلوقتي وتجيبه لي علشان خاطر هنرفع قضية اني اكون وصيه على ولاد ابني لأن امهم انسانة مش كويسة وهطعن في شرفها طالما ما جابتهاش من الاخر.
تحدثت هند بنصح:
_بس إنتي كده يا طنط هتسوأي سمعة ولاد ابنك وهم اول المضرورين من ورا اللي إنتي هتعمليه.
أجابتها بمكر الثعالب:
_ولاد ابني هيبقو رجاله مش بنات يتخاف على سمعتهم وهي اللي بدات يبقى هي اللي تتحمل الطوفان اللي هفتحه عليها.
كانت هند تستمع اليهم ثم استاذنت المغادرة وصعدت الى شقتها وما إن دلفت حتي اندلعت ثورة الغضب من مقلتيها وحملت الهاتف وهاتفت صديقتها كي تفشي لها مايجعلها تتأكل نارا وحينما أتاها الرد انفجرت بما تشعر به وما حدث وفور انتهائها قالت:
_ إيه رأيك في إللي سمعتيه ده دليني أنا بحب نصيحتك ومشورتك.
حزنت صديقتها لأجل ريم جدا وردت بنبرة حزينة:
_ هما ايه جوزك وحماتك دول شياطين في شكل بني ادمين!
ده الله يكون في عونها ريم والله العظيم منهم.
هتفت بحدة:
_ هو أنا مكلمامي علشان تقولي لي إنها صعبانة عليكي ده إنتي معندكيش ريحة الدم ياشيخة كل مرة أكلمك تحرقي دمي أكتر.
ضحكت صديقتها بشدة وأردفت بهدوء:
_ شوفي بقي معندكيش غير حاجة واحدة بس هي إللي هتبقي في صالحك.
ركزت انتباهها وسألت:
_ طيب دليني بسرعة يابنتي وأنا هعملها.
أملت عليها اقتراحها قائلة بنصح:
_ تتحدي معاها عليهم وتقفي صفها وساعتها هتضمني عدم وجودها في حياتك نهائي.
ومهما يضغطوا عليها لو سوأوا سمعتها احتمال كبير يتحكم لهم بالولاية علي الأولاد.
وريم يستحيل تسيب اولادها يبعدوا عنها وفي الاخر هترجع لهم وهترضى وهتبقى ضرتك.
حينما استمعت الى رجوعها وانها ستكون ضرتها غلا الدم في عروقها وهتفت باستنكار:
_ده لو حصل والله لا ههد المعبد على اللي فيه وهتبقي مجزرة.
هدأتها صديقتها مردفة بإرشاد:
_شوفي بقى سيبيكي من الطالعه الكدابه دي ولازم تحلي الموقف بهدوء وتتعاملي معاهم ببرود متناهي وحاجه واحده بس اللي هتفسد عليهم خطتهم هي انك تشهدي معاها في المحكمة انهم مفتريين عليها وانها طول عمرها محترمه وبنت ناس وصدقيني يا هند لو عملتي كده ربنا هيرده لك في بناتك لإنك هتشهدي الحق.
رفعت شفتيها باستنكار وتحدثت برفض:
_ازاي اعمل كده ده زاهر يطلقني فيها والولية حماتي مش هتسكت وهتقلبها دمار على دماغي.
أجابتها صديقتها بتوضيح:
_ أخرهم هيعملوا معاكي ايه مانتي كدة كدة عايشة دمك محروق منهم.
ولو زاهر رمي عليكي اليمين أمه مش هتستحمل تقعد بالبنات شهر واحد وحتي لو فكر يتجوز غيرك عمرها ماترضي تربي ٣ بنات ياحبيبتي.
وطال الوقت أو قصر هيرجعك غصب عنه ياهند.
أما بقي لو معملتيش إللي بقول لك عليه هتبقي ضرتك بإذن الله اعقليها ياهند وفكري فيها كويس جدا. هتلاقي الحل بتاعي مناسب ليكي من جميع الجوانب وتقريبا هو الحل الوحيد واللي هتضربي بيه عصفورين بحجر.
هتنقذي سمعة الغلبانة دي ويترد لك في بناتك.
وجوزك مايتجوزش عليكي وده إللي هيحرقك بنار مش هتستحمليها.
أحست بالانفجار الشديد من طيلة التفكير وتنهدت بتعب لما تعيش به وقالت:
_ هفكر في إللي إنتي قلتيه وهحسبها وهشوف هقدر ولا لأ.
أما في شقة اعتماد بعد أن حضر المحامي وعرضوا عليه الأمر بالتفصيل حتي أجابهم يطمئنهم:
_ اطمني يا هانم القضية مضمونة وأنا ليا أسلوبي إللي هجيب لكم بيه الولاية علي الأطفال من أول جلستين.
اطمئن قلب الاعتماد وارتشفت قهوتها بانتشاء وهي تردد بانتصار:
_ والله لو عملتها يامتر لاهحلي لك بقك وهبسطك انبساط مشفتهوش ولا هتشوفوا عمرك كله.
في شقة راندا المالكي سمعت رنين الباب وقامت تفتحه بروح منهكة أصبحت عليها ووجه شاحب.
اعتلت دقات قلبها حينما رأته يقف أمامها بطلته الخاطفة لأنفاسها.
ناظرا إلي عيناها عن قصد ونطقت شفتاه بعشق:
_ وحشتيني يا كل عمري وحشني حضنك وصوتك وحشتني ريحتك وقربك.
أذناها استمعت إلي كلامه كأنه يعذب علي الألحان.
وقلبها بات يدق بعنف من نظرة عينيه اللامعة ويكاد يقفز ويستقر بين ضلوعه.
ونطقت بلسان حالها بوله:
_ اهدأي تلك الدقات فأنا حائرة مسكينة مجروحة من هواه.
اهدأ جسدي وتمهل فأنا ضائعة مشتتة محرومة من نظرة عيناه.
اهدأ عقلي وعد إلي عهدك ولا تفقد صوابك بمجرد كلمات البلسم التي خرجت من شفتاه.
عودي ياأنا وارسمي الجمود علي وجهك واثأري للعمر الذي ضاع وأنا أحيا علي لقياه.
كان واقفا مستمتعا بنظرة الوله الذي يراها نابعة من نظرة عينيها ومن حركات جسدها فهي امرأته الأولي وعشقه الأبدي يحفظها عن ظهر قلب.
أمسكها من كتفيها بهدوء واستغل حالة التيهة التي تعيشها وأدخلها وطرق الباب بهدوء ومازال نظره مثبت علي عينها بنفس الغرام والهيام.
قائلا بندم:
_ محبتش غيرك ياراندا ولا قلبي عشق وعاش عمري كله يهوى غير قلبك.
ولحد دلوقتي شايف نظرة العشق ليا في عينيكي رغم الجفا إللي بتحاولي ترسميه علي ملامحك.
واقترب منها وباغتها بقبلة من رأسها معتذرا بندم وأخذها بين أحضانه يهدأ من روعها ويستنشق عبيرها الذي استوحشه كثيرا.
ثم احتضن وجنتيها بكفيه وكاد أن يقترب من شفتيها كي ينسيها ويعودا معا إلي عهدها إلا أنها أفاقت من سحر اللحظة وابتعدت وهي تردد بحدة:
_ انت إيه إللي جابك هنا.
خلي بالك مهما تحاول مش هرجع وهنطلق.
أشار إلى قلبه مجيبا:
_ ده إللي جابني لحد وهيفضل يتحايل ويراضي ويطلب السماح ومش هيبعد عنك أبدا علشان بعدك يعني الموت.
ضحكت باستهزاء وأردفت بسخرية:
_ ماهو طلع الكلام إللي كنت بتضحك علي عقلي بيه وأنا كنت زي الهبلة أوهام.
خلاص يابشمهندس المريض بتاعك اللي كنت بتخدره انتهت صلاحية المخدر وقلبه مات ومش هيسامح لو إيه حصل.
قطب جبينه وتحدث باعتراض:
_ إنتي عمرك ماكنتي كدة.
أنا طلقتها وسيبتها وجت لك علشان إنتي الأولي والأخيرة لا إنتي الكل ياراندا أرجوكي عشرة عمرنا محتاجة فرصة تانية.
والته ظهرها وهتفت بكلمات استدعت غضبه:
_ مش لما تدوق من نفس الجرح الأول وتعرف قد إيه بيكوي وساعتها تشوف هتعرف تسامح ولا لاء.
أمسكها بغضب متسائلا:
_ تقصدي ايه من كلامك ده إنتي اتجننتي!
ضحكت بانتصار لما رأته من غضب بان علي معالم وجهه وتشنجات جسده وأجابته بقسوة:
_ أقصد إللي انت فهمته بالظبط.
جرحته وأهانت رجولته وردد بوجيعة:
مش هتعرفي تكوني مع حد غيري.
أجابته بتأكيد وقوة امرأة مذبوحة:
_ وحياة اللي خلقني وخلانى جميلة والعيون كانت تجري ورايا مطرح ما رجلي تخطي وأنا كنت صايناك في غيبتك لأكون مع راجل تتحاكي عنه اسكندرية بحالها. راجل يغطيني بحبه من طرف ضفري لشعر راسي اللي ماهتطول منه شعره تاني. ولو فاكر انك شربت من ابريقي وفضيته فـ اعرف انه بيتملي تاني من عند اللي زيك بالظبط وأحسن منك. بس ما هيتملي خير للحلو قبل ما يتملي لك سم تشربه عن طيب خاطر.
استدعت غضبه بكلماتها القاسية.
لا ورب الكون كلمة قسوة لاتصف معني كلماتها.
فهي تخطت القساوة بمراحل ووصلت لمنتهاها ووجد نفسها تلقائيا ينزل بكف يده علي وجهها بعنف مرددا:
_ ده أنا أدفنك حية قبل ما تعمليها ياراندا.
ألقي كلماته وخرج صافعا الباب خلفه بشدة وتركها تنهمر دموعا وألما من فعلته.
ليلا في فيلا جميل حضر المهندس نادر وتجمع الجميع حوله ريم التي تعرفت علي مريم وأحبتها.
وجميل ورحيم وفريدة. وقبل أن يتحدث جميل طلب نادر موبايل مريم وأغلقه تماما فجميل كان قد تحدث معه في الموضوع باختصار. وبعدما أغلقه طلب من جميل أن يتحدث.
قص جميل عليه الموضوع من البداية للنهاية.
تفهم نادر الحديث جيدا وردد بطمئنة:
_ اطمنوا ياجماعة الموضوع سهل جدا ومباحث الانترنت دلوقتي بقت شغالة كويس أووي ومش بتسمح لأي ابتزاز.
واسترسل شارحا:
_بس الموضوع محتاج خطوات بسيطة هنعملها وبإذن الله هجيب لك أخرها ومش هسيبها إلا وهي متكلبشة هي ودايرتها.
ثم تابع حديثه وهو يستفسر منها عن بعض الأشياء قائلا:
_ طيب ياأنسة مريم عايز منك رقمها إللي كانت بتكلمك منه ياتري موجود معاكي.
أجابته بتأكيد:
_ أيوة يابشمهندس ده أنا حفظاه عن ظهر قلب.
أنهت إجابتها وناولته الرقم علي عجالة.
ثم وجه حديثه إلي جميل:
_ طيب ياجماعة لازم نتفق علي حاجة مريم هتغير التليفون تماما وهتمسك موبايل جديد برقم جديد ميعرفهوش إلا الواثقين جدا منهم ده أولاً.
وثانيا مش هنرمي التليفون القديم هيفضل معاها لكن هنعمل حاجة بسيطة هنحط لازقة علي الكاميرا الأمامية والخلفية وهنسيبه متهكر زي ماهو علشان تفتكر إن إنتي تحت قبضتها لسه.
أنا هحاول بقدر الإمكان أوصل لأني أهكر موبايلها بالرقم ده بس يارب يطلع هو اللي هتتواصل معاكي منه.
تساءل جميل:
_ وافرض غيرت الرقم يابني.
أجابه ببساطة:
_ هاخد من مريم أي رقم هتكلمها منه وهحاول أهكره.
وكمان هشغل عندك خاصية التسجيل الصوتي علشان نقدر نمسك عليها دليل.
وحاليا هعمل حاجة لو نفعت هيبقي كله تمام.
طلب منها هاتفها ودخل على الرقم وفعل عدة أشياء وبعد تقريبا ربع ساعه صفق عاليا وهو يردد بابتسامة:
_ وقدرت أوصل لها وهكرت موبايلها.
وتابع وهو يوجه حديثه إلي مريم:
_ شوفي بقي هعلمك شوية حاجات مهمة تعمليها لما تكلمك.
وفي حاجة مهمة لما ترن عليكي شيلي اللاصقات إللي علي الكاميرا علشان تطمن.
شرح لها ماذا تفعل بحرفية وهي فهمت منه بنفس الحرفية فهي تمتاز بالذكاء وسرعة البديهة.
وبعد انتهاء الحديث معها وإخبارها بماذا تفعل وجه حديثه إلي جميل كي يعلمه أمور هامة.
وأصبحت هي تنظر للأسفل تارة وتنتبه لحديثهم تارة.
كان رحيم في عالم أخر يقتنص النظرات الي معشوقته ولم يحيد النظر عنها.
كان كل تركيزه فيما حدث اليوم من والدته وجرحها لها بتلك المعاملة الفظة.
يشعر وكأن روحه تنسحب منه كلما تذكر أمر مغادرتها فهو تعود علي وجودها في نفس المكان حتي ولم يراها طيلة الوقت.
يكفي أنه يشعر برائحتها تستنشقها أعماقه بمجرد دخوله إلى فيلتهم.
وكانت هي مثله تقتنص النظرات له في الخفية وفي كل مرة يري خفيتها في النظر إليه.
حدثتها عيونه بحزن:
_ لاتحزني حبيبتي فأنا أعشقك ولن أتركك للأوهام تبكيكي.
فالعين نظرتها لكي والقلب نبضاته أنتي والعقل مأواه بين يديكي.
دعكي عزيزتي ممن أحزونوكي وتعي إلي قلب سيتعذب من فراقك وحتما سينتهي.
كانت تشعر به وكأن عشق الروح للروح وصل إليها فأجابته عيونها بتعب:
_ ليس ماأعيشه الآن من تمزيق روحي وما شعرت به من آلام أوهام كما سميت رحيمي.
فأنا الأنثي التي لا تستحق أن تحيا كالأسوياء ولا أن تعشق كالأحباء حبيبي.
اذهب وابتعد رحيمي فطريقي مزين بالأشواك وعبيرها سيجعلك تختنق ممن حولك معشوقي.
لا تقلق فأنت وهبتني القلب والروح والعقل وأنا وهبتك الكل وفوقهم عمري يامتيمي.
كانت ريم تنظر إليهم باندهاش شديد ومن نظراتهم أحست بأنهم عاشقان حد النخاع وقررت أن تتحدث مع أخيها فيما بعد وتفهم منه.
اثنان عاشقان يتعذبان وهم علي حافة الهاوية من الفراق المدمر لكيانهم ولكن هل سيفرقهم القدر أم سيجمعهم الزمان والمكان في أي أوان.
انقضي شهران بأكملهم تغيرت فيهم الأحوال مع أبطالنا جذريا.
فوالدة زاهر قامت برفع قضية علي ريم بضم الأولاد وجعل ولايتهم حقا لها والتشكيك في أخلاق والدتهم ووعدها المحامي اللعوب بأنه سيكسبها عن جدارة.
ومريم ونادر تتابعان مع تلك الماكرة الشريرة وحاولوا الإيقاع بها وينقصهم تقديم بلاغ للنائب العام في سرية تامة ومعهم الأدلة.
وفي خلال هذه المدة ابتعدت عن رحيم وحاول معها كثيرا ولكن لم تبدي محاولته نفعا فكانت حينما تقرر أن تلين تري نظرات عدم الرضا من فريدة لها فتبتعد مما سبب غضب عارم من ذاك الرحيم لها وتوعدها بأن ينتهوا من مشكلتها وسينتقم منها أشد انتقام علي ابتعادها عنه وتحريمها له.
وكما تواصلوا مع مديرة الدار وتعاونت معهم في الإيقاع بتلك الماكرة ولكن خوفا عليها لم تعود إلي الدار.
واجتهدت في دراساتها وعلي وشك الإمتحانات النصف الثاني للعام الأخير والذي تسعي جاهدة أن تحصل على أعلي الدرجات والفوز بمركز عال كالمعتاد.
أما عن راندا فسددت جميع الطرق علي إيهاب وموقفها عنيد بشدة وعلي إصرار أن تنتهي من الموضوع وباتت في قوقعة حزنها وأولادها علي مشارف الضياع.
أما عن بطلنا المالك للأخلاق فهو حقا اسم علي مسمي فاليوم أتم زواجه من جوليا وأوفي بوعده.
ووالدته غير مقتنعة بتلك الزيجة ورأت أنه تسرع في زواجه من تلك الغربية التي لا تمت لعوائدهم بصلة.
اتفق مالك معها علي ارتداء الحجاب ووافقت علي مضض لأنها تعشقه وأحبته من كل قلبها.
انتهوا من مراسم الكتاب وأخذها وذهب إلي الساحل الشمالي كي يقضوا أول أسبوع زواجا لهم هناك فتحدثت جوليا وهي تشبك يداها بيده قائلة بعشق:
_ أنا مش مصدقه إن إحنا اتجوزنا بالسرعة دي وفي اقل من تلت شهور قد كدة بتحبني علشان كدة سرعت جوازنا يا مالك قلبي.
احتضن وجنتيها بين أصابعه وأجابها بابتسامة هادئة:
_ طبعا ياقلبي متتصوريش أنا سعيد قد إيه بوجودك جنبي وانك بقيتي على اسمي.
حاوطت رقبته بكلتا يديها وهتفت برجاء:
_ عمرك ماقلتها لي صريحة نفسي أسمعها منك يامالك. نفسي أحسها وعيني تشوفها وهي طالعة من بين شفايفك.
ادعي عدم الفهم وتساءل بجبين مقطب:
_ هي إيه دي ياقلبي إللي نفسك تسمعيها.
_كلمة بحبك ياجوليا … قالتها بنبرة شجن وانتظرت رده.
خلل أصابع يده بين شعرها وأجابها وهو يتهرب منها:
_ أفعالي ما أثبتتلكيش معناها ياجوليا.
كادت أن تتحدث وتعترض إلا أنه وضع أصابعه علي شفتيها مانعاً إياها أن تنطق ناطقاً بهدوء:
_ هششش مش عايزين نضيع الليلة إللي اتعجلناها علشان نبقي مع بعض في كلام على الفاضي.
وأخذها بين أحضانه كي ينعما بالحلال الذي لن ولم يسلك مالك طريقا سواه.
كانت تشعر وهي بين يداه بأنها أنثي حقا فقد أذاقها طعم الحلال وكم كان مبهرا بين يدي رجل خلوق حنون في معاملته كمالك.
بعد مدة قصيرة قام من جانبها منزعجا وينظر إليها بغضب وهو يسحب التيشيرت الخاص به ويذهب الي الشرفة يجلس فيها بغضب عارم.
اندهشت من فعلته ومن نظراته المتحوله فقد كانت بين يديه منذ لحظات تحيا أسعد اللحظات وفجأة حدث ماحدث.
قامت علي الفور وهي ترتدي المعطف الخاص بها ولحقته إلي مكانه متسائلة باستغراب:
_ ممكن أعرف إيه اللي حصل خلاك تقوم من حضني بالطريقه المهينة دي.
لو كانت النظرات تقتل لقتلها بنظراته وتفوه غاضباً:
_ إنتي إزاي ياهانم تخدعيني بالشكل ده.
لوت فمها بدهشه وأجابت باستنكار:
_ أخدعك!
يعني ايه مش فاهمه ؟
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل السادس عشر 16 - بقلم فاطيما يوسف
انتهت من محاضرتها وخرجت من الجامعة وجدت السيارة التي اتفق معها جميل توصلها ذهابًا وإيابًا من الجامعة لقلقه الشديد عليها، والاتفاق معه أن يمشي في أماكن عامة.
وصلت إلى الفيلا متوجهة إلى المكان الذي تمكث به دون أن يحيد نظرها يمينًا أو يسارًا، وإذا بها تتفاجأ بيد تسحبها بسرعة رهيبة إلى الجهة الخلفية من الحديقة.
شدت يديها بعنف وهي تشيح بعينين غاضبتين:
"إنت إزاي يا دكتور تتجرأ تمسك إيدي وتجرني بالشكل ده؟ إنت جرى لك حاجة؟"
التقط أنفاسه ونظر إليها مرددًا بغرام:
"قلب الدكتور وروحه، مش حرام عليكي اللي إنتي بتعمليه فيا ده؟"
اهتزت من نظرته وقلبها بدأ يدق من طريقته ووجهت بصرها لأسفل وأجابته بتوتر:
"هو أنا عملت إيه يعني علشان تشدني بالمنظر ده؟"
كان ينظر إليها كأنه يحفر معالم وجهها الذي استوحشه كثيرًا.
ويسمع كلماتها ويدونها في قلبه وكأن حرمانه من كلامها الموجه إليه بات مفقودًا وهتف بلوعة:
"هانت عليكي تسيبيني شهرين بحالهم، لا كلام ولا سؤال ولا بتردي على التليفون، ولما بترجعي من الجامعة ما بتخرجيش من الأوضة بتاعتك خالص."
وتابع بعتاب:
"قد إيه رحيم مبقاش فارق معاكي؟"
"أنا بتعذب يا مريم وقلبي مش متحمل جفاكي."
ابتلعت غصتها بمرارة وأردفت بقلة حيلة:
"لو تعرف قد إيه إحساسك ده ميجيش نقطة في بحر من إحساسي."
واسترسلت حديثها ودموع عينيها بدأت بالنزول:
"طيب إنت بتدخل بيتك بتقعد وسط إخواتك ووسط عيلتك بينسوك مريم شوية؟"
"أما أنا بدخل بين حيطان المكان ده بقاسي لوحدي وبمسح دمع عيني لنفسي وبداوي وبطبطب على قلبي لنفسي."
"صدقني لو قلت لك شعور الوحدة قد إيه قاسي وموجع مش هتتصور."
"وضيف عليهم شعور الوحدة وشعور الخوف من إللي جاي."
حزن داخله لأجلها، وود لو يخطفها بين أحضانه كي يخفف عنها.
وود لو يمسك كف يديها ويقبلهما اعتذارًا لها مرارًا وتكرارًا على حديث والدته الذي سبب وجيعتها وآلم روحها.
وود لو يهرب بها في مكان يعيشا به سويًا بعيدًا عن الزمان والمكان وتطوقهم غابات النسيان.
تحرك من مكانه ووقف قبالتها وتحدث وهو يحاول تهدئتها:
"ليه كده يا حبيبتي بتعذبي نفسك وتصعبيها عليكي؟"
رفعت مقلتيها الدامعتين وهتفت بمرارة:
"ما باليد حيلة وحبيبتك جار عليها الزمان وحتى الإنسان مرحمهاش."
أخذ نفسًا عميقًا ثم زفره بهدوء وتحدث بأمل:
"صدقيني بعد المحن منح، وربنا مش بيبتلي إلا عبده إللي بيحبه."
"وأنا شفت فيكي الصبر إللي يهد الجبال، متيأسيش."
شبكت يديها بتعب وأردفت:
"بس مبقاش فيا حيل والجبل هزته الريح يا رحيم."
اقترب منها وردد بوله:
"الله، اسم رحيم من بين شفايفك، وحشني أوي يا مريم."
اهتزت من طريقته ونظراته واعتراها الخجل الشديد ثم تحمحمت ونطقت بتوتر:
"وقف قلبك يا رحيم علشان وجع البُعاد ميبقاش مر."
على نفس نظرته المشتاقة وبنفس طريقته المسحورة بها أكمل:
"قلب رحيم وروحه وعمره وكله بيقول لك مفيش فراق ومفيش بُعاد، ومسيرك هتستقري هنا."
أنهى كلامه بغمزة من عينيه ويداه استقرت نحو قلبه مما جعل وجهها يكسوه الحمرة من الخجل الشديد ولم تقدر أن تتفوه ببنت شفة.
أما هو فأكمل:
"وحشتني شفايفك وهي بتنطق بحبك يا رحيم."
أحست بأنهم على وشك الاقتراب من الخطر بسبب وحشتهم لبعض فابتعدت عنه قليلًا ورددت:
"على فكرة إللي إنت بتقوله ده حرام وقربك مني حرام ووقوفنا هنا لوحدنا حرام، وكل كلمة قلتها لي ونظرة بصتهالي مش من حقي ولا حقك، اهدي بقي من فضلك."
خرج من حالة الوله التي اعترته جراء قربها بسبب كلماتها ونطق بقلة حيلة:
"أعمل إيه؟ مانتي إللي بعدتي وأعلنتي عصيانك عليا وأنا مبقتش عارف أركز في أي حاجة بسببك."
تنهدت بضيق وأردفت بإبانة:
"هو أنا السبب؟ ظروفي وظروفك مينفعوش مع بعض وبحكم الجميع."
وتابعت بشرود وتيهة:
"أنا لو عليا أعيش معاك في أوضة في الحلال ويجمعنا ببعض الحب الهادي الجميل، لكن... وأه من كلمة لكن."
بعينين حادتين هتف بتصميم:
"لكن مين دي؟"
"مفيش حاجة غير إني مش هبعد ولا هستسلم، بس عايز منك وعد بالصبر يا عمري."
أخذت نفسًا عميقًا ووعدته:
"أوعدك إن قلبي هيفضل ملكك وإن مهما طال العمر مفيش غيرك وهستناك."
قالت كلماتها وتركته وهي تهرول من أمامه مسرعة ودقات قلبه تدق بعنف شديد.
أما هو ابتسم وهدئ من مجرد لحظات في قربها وميثاق من لسانها.
نظر للسماء وهو يدعي ربه بتمني:
"اللهم اكتبها لي واجعلها من نصيبي."
"اللهم إني عبدك جاء إليك متوسلًا راجيًا كرمك أن تجمعنا في الحلال الذي لانرضي سواه."
أنهى دعاءه وجلس على الكرسي الموضوع سائحًا في الملكوت وهائمًا في عشق المريم.
وتردد في أذنيه مقولة قد قرأها لمحمود درويش:
"لا أنت بعيد فأنتظرك ولا أنت قريب فألقاك."
"ولا أنت لي فيطمئن قلبي ولا أنا محروم منك فأنساك."
"أنت في منتصف كل شيء."
وفجأة سمع صوت رقيق خلفه يردد:
"ياه! ده إنت عاشق ودايب وهيمان يا رحيم."
نظر خلفه وابتسم مجيبًا:
"القلب له أحكام وحكمه عليا قاسي أوي وهو الحرمان."
جلست بجانبه وأشارت بنصح:
"ربك قلبه كبير وصدق الحكمة: 'فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظن أنها لا تفرج'."
"متيأسش وخليك مصمم على هدفك طالما متأكد من حبك وإنه مش مجرد تعلق."
رفع حاجبيه باندهاش وتسائل:
"هو إزاي أعرف إنه حب ولا تعلق؟"
ابتسمت ومسحت على كف يديه بحب وتحدثت:
"هسألك شوية أسئلة وبعد ما تجاوب هتكتشف بنفسك تمام."
أشار برأسه مرددًا:
"ماشي، اسألي وأنا كلي أذان صاغية."
تحمحمت وبدأت بالسؤال الأول:
"قبل ما تشوفها وعينك تيجي في عيونها لأول مرة، كان ساعتها إحساسك هو نفسه إحساسك لما عيونك شافت غيرها صدفة؟"
أجابها بنفي:
"عمري ما كنت بركز لو عيني جت في عين حد صدفة، أما معاها من أول نظرة اتخطفت وبقيت أسير عيونها."
حركت رأسها بابتسامة وتابعت استفساراتها قائلة:
"طيب إيه إحساسك لو شفت دموعها؟"
أجابها بحزن بدا على معالم وجهه:
"ببقى عايز آخدها بين أحضاني وبيبقى هاين عليا أسرق دمع العين منها ويسكن عيني ولا أنها تبكي."
تنهدت بعمق لإجابته التي توحي بأنه وصل إلى منتهى العشق وأكملت:
"إيه شعورك لو حسيت إنها في لحظة ممكن متكونش ليك وتبقي..." كادت أن تكمل تساؤلها إلا أنه وضع إبهامه على فمها مانعًا إياها أن تكمل هاتفا بتصميم:
"لا! متكمليش، أهون عليا أدخل قبري ولا أنها تكون لغيري، حرام عليكي."
حزنت لأجله ونطقت بتأكيد:
"إنت مش بتحبها يا رحيم، إنت عديت مراحل الحب بكتير وبجد ربنا يعينك على ندبات الزمن لحد ما توصل لحبك."
سألها بتيهة:
"تفتكري هقدر على ماما؟ أنا مش عايز غضبها ولا زعلها."
ربتت على ظهره وطمأنته:
"متقلقش يا حبيبي، كلنا معاك وهنقف جنبك وهنساندك في موقفك وهنحاول نقنعها."
ابتسم براحة وردد بامتنان:
"متتصوريش كلامك معايا ريحني قد إيه وطمني شوية من بركان القلق إللي مش بينيمني الليل يا ريم."
اعتدلت من جلستها وقالت بمحبة:
"ربنا يخلينا لبعض يا حبيبي ونعيش أحسن إخوات ودايما قلب واحد ودايما سند لبعض."
في منزل راندا حيث تمكث سما ابنتها في غرفتها ممسكة هاتفها وتتحدث الفيديو كول مع صديقتها وهي تسألها:
"يعني يارودي أعمل كدة وهتشيرني ولا هتعب على الفاضي وخلاص؟"
شجعتها زميلتها قائلة بتأكيد:
"Of course, don't worry."
"هخلي الـ followers عندي كلهم يتابعوكي ومتقلقيش، ظبطي إنتي المحتوى بس واظبطي نفسك على الآخر وخلي تقنية الفيديو عالية والأيفون إللي معاكي إمكاناته عالية جدًا، استغليها صح."
كانت مترددة مما ستقدم عليه فقالت لزميلتها بتراجع:
"بصي فكك من الحوار ده، أنا مش هعرف أعمله وأنا أصلًا بتكسف من خيالي."
اندهشت صديقتها وردت باعتراض:
"يعني أنا بقالي أسبوع سايبة متابعيني واتفرغت لك علشان عمالة تزني زي النحلة ورايا ورايا علشان أعلمك وفي الآخر تقولي لي فكك!"
"Oh my God, it's a joke."
مطت شفتيها كالأطفال وأردفت بعيون حائرة:
"خايفة يارودي الله!"
أول مرة أعمل كده وكمان خايفة من ماما ومش عارفة هتوافق ولا لأ.
استدعت الهدوء وأكملت بتحفيز:
_ يا بيبي عيب عليكي، إنتي في الأمان.
وبعدين هو إنتي بتعملي حاجة غلط؟ ده إنتي بتسلي وقتك وكمان هتكسبي A lot of dollars وهتبقي مشهورة جدا.
وساعتها بالتأكيد مامتك هتفتخر بيكي جدا.
وظلت تحادثها عن مميزات تلك الفيديوهات وأكلت عقلها بالكامل وأغلقت الهاتف معها.
وأمسكت هاتفها وبدأت في صنع الفيديو كما علمتها تلك الفتاة.
ونفذت الخطوات بحرفية وبعد تقريبا ساعتين جلست تشاهد الفيديو بانبهار، فهي حقا صنعته بمهارة تجذب الانتباه إليها.
ثم أرسلته إلي تلك الفتاة وهي تكتب تحته:
_ ها، إيه رأيك؟ بقالي ساعتين بعمل فيه ومشيت على الخطوات بالظبط.
استلمت رسالتها على عجالة وشاهدت محتواها وحقا انبهرت من صنع يدي تلك السما وبعثت لها بانبهار:
What a beauty, it’s so amazing?
بجد بهرتيني يا سمكة.
ابتسمت سما على انبهارها وسألتها:
_ علشان تعرفي بس إني بفهم بسرعة.
قولي لي بقى أنشر بنفس الطريقة اللي علمتها لي؟
أجابتها مسرعة:
_ يلا علطول وأنا مستنياكي وهظبط لك الرؤية وهعمل لك sharing عندي.
ضغطت على زر النشر على موقع التيك توك وريلز وباقي المواقع التي أملتها عليها وأعطتها اللينكات الخاصة بها.
وعلى الفور قامت الأخرى بالشير، فهي تمتلك نصف مليون متابع.
وعلى الصعيد الآخر، وبالتحديد في أحد الملاهي الليلية، يجلس مهاب وبيده ملفوف من السيجار المحشو وأمامه اثنان من أصدقائه يعلمونه كيف يتناوله.
وبالفعل بدأ بتناوله وسحبه إلى صدره، وما إن وصل إلى مجرى تنفسه حتى سعل بشدة وجحظت عيناه من شدة السعال.
وبعد أن هدأ نظر إليهم قائلا برفض وهو يناولهم الملفوف:
_ لا يا عم، البتاع ده صنفه عالي أوي وأنا مش حمله. مالها السيجارة العادية؟ ده أنا لحد دلوقتي بشرق منها.
أجابه واحد منهم وهو يسحبها داخل أنفاسه بتلذذ ويخرجها مرة أخرى:
_ ده إنت كده بقى مش بتفهم!
ده المزاج العالي يابني وصنف فاخر من الآخر.
وتحدث الآخر وهو يحتسي من الشيشة مرددا بتوهان:
_ بقولك إيه، سيبك من الواد ده وتعالى اشرب معايا حجرين على الجوزة.
حاجة كده يامعلم أخر رواق وهتعمل لك أحلى اصطباحة تنسيك مرار أبوك وأمك.
انزعج بشدة وبهتت ملامحه فور أن ذكره بوالديه والمرار الذي يحياه بينهما مرددا وهو يخطتف الملفوف ويتجرعه بغشم:
_ وليه يا عم تفكرني بالسيرة الغم دي وتضيع الاصطباحة الجامدة دي!
تصدق إنت مش كويس خالص يا عمهم.
تحدث الآخر نادما:
_ تصدق عندك حق، ماهو كده يعملوها الكبار ويقعوا فيها الصغار.
اشرب ياصديقي علشان تنسي.
***
كانت راندا تتحدث مع والدتها في الهاتف قائلة باستنكار:
_ مريم مين دي اللي ابنك بيحبها وعايز يخطبها ويجيب لنا العار!
ابنك شكله اتجنن ياماما، عقليه واقفي قصاده وارضي بكل قوتك، إحنا مش ناقصين بلاوي.
تنهدت فريدة بحزن عميق وأردفت بقلة حيلة:
_ هو أنا قادرة عليه ولا هو ولا أبوكي اللي بيشجعه وواقف في ضهره ومقويه عليا وأنا هنا باكل في نفسي من الحسرة.
رفعت حاجبيها باستنكار ورددت بملامح حادة:
_ بقولك إيه ياماما، كفاية على البنت دي كده واتكلمي معاها بهدوء وقولي لها تمشي، هي خلاص مش خلصوا من الموال بتاعها اللي ابنك بلانا بيه ده.
ضربت فريدة على صدرها وأردفت باستنكار:
_ يانهار ملهوش معالم، إيه الكلام اللي إنتي بتقوليه ده!
ده أنا لو عملتها أبوكي يطلقني فيها.
وتابعت بتهكم:
_ متتصوريش مانعني عنها حتى بالنظرة وإنتي عارفة أبوكي، اتقي شر الحليم إذا غضب.
لوت فمها بامتعاض وقالت:
_ معلش بقى اتحمليها شوية كمان، قدرك ونصيبك، بس افضلي زني على ودان رحيم، إنتي عارفة الزن أمر من السحر.
تنهدت فريدة بضيق وهتفت باستفسار:
_ أمال سما ومهاب فين؟ مش سامعة لهم حس؟
أجابتها:
_ سما بتذاكر في أوضتها من بدري وقافلة على نفسها، ومهاب بيذاكر مع واحد صاحبه.
تحدثت إليها فريدة باستنكار:
_ إيه ده!
الساعة داخلة على ١١، من امتى بتسيبي مهاب بره الوقت ده كله؟
نظرت في الساعة المعلقة على الحائط ونطقت بهدوء:
_ عادي ياماما مش متأخر بردو، وبعدين مهاب كبر ومبقاش صغير إني أخاف عليه وأقفل عليه، عايزة أدي له مساحة من الحرية شوية.
اندهشت والدتها من حديثها ورددت باستنكار:
_ ازاي الكلام ده؟ لازم تعرفي إن ابنك دخل مرحلة الشباب ولازم تخلي بالك منه.
وأكملت بتحذير:
_ انتي كنتي محوطاه ومخليه بالك منه على الآخر، لازم ترجعي تتعاملي معاه زي ما كنتي قبل كده وتخرجي من اللي انتي فيه ده بقى وتفوقي قبل ولادك ما يضيعوا منك.
لوت فمها بلا مبالاة وهي تلوح بكتفيها:
_ أنا مربية ولادي كويس، ما تاخديش في بالك يا ماما، هما عمرهم ما يعملوا حاجة غلط.
وتابعت وهي تسألها عن ريم:
_ إيه الأخبار؟ ريم هتعمل إيه في قضيتها؟ شكل المحامي اللي هم جايبينه ابن جنيه، وحماتها طلعت ست مفترية، ملقوش إلا ريم الغلبانة ويعملوا فيها كده.
تنهدت فريدة بحزن وأردفت بتمني:
_ والله المحامي ده بابا جايبه من أكبر المحامين في إسكندرية، انتي عارفة بابا له أصدقاء كتير ومعارف. إن شاء الله هو بيطمنا إن من حقها الولاية.
هزت راسها وتحدثت بسخط:
_ بس حماتها، الله لا ينولها، كاتبة في المحضر بتشكك في أخلاقها وافترت عليها بالجامد قوي.
احتدمت عينيها بغضب واجابتها:
_ ربنا سبحانه وتعالى هيرد كده في نحرها، وباذن الله هيبرأ بنتي من التهم البشعة اللي مسجلاها عليها، وحسبي الله ونعم الوكيل فيها وفي ابنها.
وظلتا يتحدثان في عدة أشياء تخص الجميع.
***
استيقظ مالك من نومه بعد ليلة عصيبة قضاها وهو يحاسب نفسه حسابًا عسيرًا على تسرعه في الزواج من تلك جوليا، ولم يسمع نصيحة والدته ورماها عرض الحائط.
تململت في تختها تمد يدها تبحث عنه، وما إن وصلت يداها ناحية صدره ابتعد كمن لدغته عقرب.
اندهشت من حركته وقالت:
_ ليه ياحبيبي كده؟ معاملتك اتغيرت معايا من امبارح وسبتني وخرجت من غير ما تعرفني أنا عملت إيه؟ وقعدت مستنياك كتير ورجعت متأخر.
واسترسلت بنبرة اعتراضية حزينة:
_ معقول في واحد يسيب مراته يوم صباحيتها زي ما بيقولوا كده في مصر؟
رأى أنه لا مفر من الهروب ولابد من المواجهة بما يؤرق صدره، وسألها بنبرة اتهام:
_ أنا اللي أعرفه عنك إنك اتربيتي ما يقرب من نص عمرك في مصر، وبعدين سافرتي بره كان عندك حوالي ١٢ سنة، ده غير إنك مسلمة طبعًا، ممكن أعرف إيه اللي غيرك وخلاكي نسيتي دينك واتطبعتي بطبع الغرب ووصلتي للدرجة دي؟
إلى الآن لم تفهم ما يقصده وسألته متعجبة:
_ Oh my God. ما تقول على طول يا مالك، أنا عملت إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة خالص.
بعينين قاتمتين نظر إليها وأجاب:
_ أظن إنك قلتي لي إنك ما اتجوزتيش قبل كده، وأنا أول واحد يعقد عليكي عقد جواز.
أشارت برأسها بالموافقة وأكمل هو بحدة:
_ ممكن أعرف إيه اللي أنا حسيته امبارح ده، إنك مش بنت يا هانم وتقريبًا دي مش أول علاقة ليكي! أنا بجد انصدمت صدمة عمري.
اهتز فكها بابتسامة جانبية وهتفت:
_ Exactly, what is the problem? انت عارف أنا عشت سنين عمري ما بين إيطاليا وأمريكا والحاجات دي عادية هناك، انت معقولة من اللي بيفكروا كده؟
اعتدل بوقفته وانتصب وهو ينظر داخل عينيها مرددًا بهجوم:
_ بيفكروا كده! أنا اتعرفت عليكي فين بقى؟ لي أكتر من أربع شهور ما لمستش إيدك حتى، ما أخدتيش بالك من نقطة زي دي!
وتابع بنفس الهجوم:
_ واشترطت عليكي إنك هتلبسي الحجاب، وافقتي؟ ممكن أعرف وافقتي بناءً على إيه؟ وإنتي أصلًا ما طلعتيش زي ما كان في بالي، وكنت فاكر إن أنا أول راجل في حياتك.
رفعت إحدى حاجبيها متعجبة:
_ هو حياتي اللي فاتت من حقك تحاسبني عليها أصلًا أو تتدخل فيها؟ أنا كنت حسبتك على ماضيك اللي عشته قبلي عشان تحاكميني؟
تحمحم كي ينظف حنجرته وتحدث بملامح جادة لملامح وجه مكفهرة ارتسمت رغما عنه:
_ هو الماضي بتاعك أصلًا إزاي ما حاسبكيش عليه؟ وهو شيء متعلق بعقيدتي وإيماني، مش مجرد تفاهات هعديها.
اهتزت قدماها برفض لحديثه وتحدثت بنبرة اعتراضية:
_ بس كده حرام وظلم إنك تحكم عليا بمجرد علاقة حصلت قبل كده مرتين أو تلاتة، وكانت بمحض المجتمع وعاداته اللي أنا كنت عايشة فيه، وبابا طبعًا كان مديني الحرية الكاملة في شخصيتي.
وتابعت بتهكم:
_ ممكن أعرف بقى إيه اللي هيضايقك في علاقتنا من ناحية الموضوع ده؟ إحنا بدأنا مع بعض صفحة جديدة، وليك إنك تحاسبني من بدايتها وما تقلبش في دفاترك القديمة عشان مش هتفيد بحاجة، بل بالعكس هتضرنا إحنا الاتنين ومش هنبقى مستريحين.
أدار ساعديه وأولاها ظهره مرددًا بحزن:
_ للأسف أنا مش من النوع اللي أقدر أنسى حاجة زي دي، أنا راجل شرقي جدًا وما أقبلش إن مراتي اللي اتجوزتها عملت علاقات قبل كده مع راجل قبلي في حدود غير شرعية.
ذهبت ووقفت قبالته وتحدثت باستفسار:
_ طيب ممكن أعرف إيه الحل دلوقتي لمشكلتنا دي؟
ضيق نظرة عينيه ثم رمقها بنبرة هادئة:
_ مفيش غير حل واحد يا جوليا، إنتي طالق.
اتسع بؤبؤ عينيها وابتلعت لسانها من أثر الصدمة ولم تعد قادرة على التفوه.
فقط تنظر له نظرات مختلفة من الخذلان والعتاب واللوم، ودموع عينيها تنهمر بغزارة وحرقة قلب تعذب في عشقه سنوات.
عندما رأى حالتها احتضن كتفيها وتحدث شارحًا بنبرة حنونة:
_ عايزك تعرفي إن العيب مش فيكي، إنتي للأسف المجتمع اللي انتي اتربيتي فيه هو اللي وصلك للدرجة دي. العيب في أنا، إن في كل مرة هبص جوه عينيكي، هشوف الحاجة اللي عمري ما أقبلها، وهيبقى في حاجز كبير أوي ما بيني وما بينك، وبكده هظلمك وأنا مش عايزة أظلمك معايا يا جوليا.
وتابع حديثه بحزن:
_ أنا مش هقدر أقبل حاجة زي دي. لو كنتي صارحتيني بيها من الأول، كنت على طول انسحبت وفضلنا أصدقاء وبنا شغل وخلاص.
علت شهقاتها ومن بينها هتفت بأمل:
_ طب ما إنت كنت متجوز قبل كده، اعتبرني كنت متجوزة وصدقني عمري ما هعمل حاجة تضايقك، وكل حاجة كنت بتقول لي عليها بتضايقك ما كنتش بكررها، أرجوك يا مالك اتراجع عن قرارك، أنا ما أقدرش أعيش من غيرك.
ما أن أنهت كلماتها التي أنهكت قواها فألتقطت أنفاسها بصعوبة. رمقها بدون أي تعبير نظرًا لأنه عالم بطباعه هو جيدًا أنه لن يقدر.
وأجابها بهدوء:
_ للأسف الشديد مش هقدر، هظلمك معايا وهظلم نفسي. وخلي بالك إننا نتواصل مع بعض كأصدقاء وتفضل علاقتنا محاوطها الاحترام، أحسن ما نعيش في مكان واحد وعلاقتنا هتفتقد الثقة والأمانة، واللي معاهم هياخدوا الاحترام.
واسترسل وهو ينظر إلى المكان:
_ أنا هسيب لك الجناح وهاخد حاجتي وهنقل جناح تاني، مش هبلغ حد بطلاقنا إلا بعد شهرين على الأقل، وما تقلقيش، هقول إن دي رغبتك إنتي لأنك ما قدرتيش تتأقلمي على طباعي.
جوليا تعشقه وتحبه بجنون، ومن يعيش العشق الحقيقي لن يكره ولن ينتقم، فـتـنـهـدت بحزن وتحدثت باقتضاب:
_ تمام يا مالك، اللي تشوفه، وطالما ده اختيارك وتصميمك، أنا ما أقدرش أعيش معاك غصب عنك.
هتف لها بنظرات حزينة:
_ أرجوكي متزعليش مني، يمكن أنا فكري معيب في وجهة نظرك، بس أنا بحب الصراحة والوضوح جدًا، ومحبش أعيش بوشين، أرجوكي سامحيني.
نظرت له نظرة مطولة وفجأة باغتته باحتضان وتمسكت برقبته وهي تردد بدموع:
_ سامحتك ياحبيبي، ومقدرش غير إني أسامح.
اهتز جسده وأحس أنه ظلمها، ولكن رحم الله امرء عرف قدر نفسه.
أبعدها عن أحضانه بهدوء ونظر لها مبتسمًا، ثم حمل حقيبته التي جهزها ليلاً وترك لها المكان بأكمله وخرج بقلب خاسر في معركة جديدة من حياته.
أما هي، خارت قواها وانهارت بكاءً، فهي لم تتهنى بقربه ولا أن تتنعم في أحضانه ولا أن تمتلكه ولو ليلة، وتحطمت آمالها وظلت تبكي سويعات إلى أن غفت مكانها.
أما هو، ذهب إلى غرفة منفصلة له وحده وضع فيها حقيبته، وكالعادة ذهب إلى البحر كي يلقي ما يؤرقه صدره إليه ويشكو له ندبة جديدة من ندوب قلبه.
جلس ينظر أمامه وكأنه ينظر في اللاشيء، مهمومًا، حزينًا، شاردًا كعادته، وكأن الدنيا حرمت عليه الاستقرار.
كان قلبه يحثه أن يسامح ويتخطى، وعقله ينهاه أن لا يفعل ويبتعد، فهو أدري به من قلبه، لن يستطيع، وحدث حاله ناطقًا بوجع:
_ أما يادنيا أستحق أن أحيا سويًا ويستقر طريقي المؤلم! أما يازمان تهديني الأمان الذي أتمناه ولو قليلاً وتمنحني ونيسًا يسعى لقربي ملهم! فأنا الحائر الشريد الضائع المتمني لشريك يحتضن قلبي المعذب في ظلامه القاتم.
وتذكر المقولة التي أيدت قراره بشدة:
"عندما تركب القطار الخطأ حاول أن تنزل في أول محطة، فكلما زادت المسافة زادت تكلفة العودة."
***
انقضت الأيام على أبطالنا ما يقرب من أسبوعين، أنهت فيهم مريم اختباراتها التي أفقدتها من وزنها كثيرًا بسبب تركيزها الشديد في المذاكرة، وأن لديها حلم لابد أن تصل إليه.
وإيهاب غادر مصر وعاد إلى الكويت كي يكمل الستة أشهر المتبقية في عقد عمله، ولن يرمي اليمين على راندا تاركها تستشيط غضبًا من عدم تطليقه لها مما أثار حفيظتها.
ومهاب وسما انخرطا في طريق الضياع وعلى مشارف فقدان الحياة السوية التي عاشت والدتهم طيلة حياتها تبنيها فيهم، وهي منخرطة في وجعها الذي يبني جسورًا من الغل في قلبها، ولم تعد ترعى أبنائها كذي قبل.
ورحيم ومريم فقط يمنحان بعضهما نظرات من بعيد لكي يطمئن كل منهما على الآخر وأنه بخير.
ومالك عاد إلى مصنعه وعمله ينغرس فيهم بشدة كي ينسى تجربته الأخيرة. وجوليا غادرت مصر ولم تعد تتحمل البقاء فيها دونه. وأبلغت والدته فقط بانفصالهما دون الإفصاح عن السبب بعد أسبوعين من الانفصال، مما أسعدها كثيرًا وطمأن قلبها.
واليوم تجلس ريم تمسك في يدها كتاب الله تقرأه بتدبر.
أنهت قراءتها ونظرت إلى السماء داعية:
_ اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين!
أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكــن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك”.
أنهت دعائها وقامت من مكانها وارتدت ملابسها السوداء، فهي رغم انتهاء عدتها منذ شهر، إلا أنها مازالت في حدادها على عزيزها الراحل.
وحملت حقيبتها وهبطت الأدراج بثقل.
وجدت والدها ينتظرها بالأسفل، ينظر لها بابتسامة مشرقة مرددًا:
“متقلقيش ياحبيبتي، ولازم تعرفي أيا كان حكم المحكمة، إن ربنا سبحانه وتعالى كل أقدارُه خير، وإن رب الخير لا يأتي إلا بالخير”.
لانت ملامحها وشعرت براحة اجتاحت روحها لحديث ذاك الأب الحنون، الذي وصل لأعماق قلبها وتوغل في روحها، وأجابته:
“متقلقش عليا ياحبيبي، أنا ورثت منك حاجات كتيرة أوي، إن صاحب الحق لازم عينه تبقى قوية، وميسبش البجح هو اللي تبقي عينه قوية”.
وتابعت بكلمات الأمل التي تخرج من فمها:
“عمرهم ماهيقدروا يزعزعوا إيماني بربي، اللي اداني كل الحق إني أرفض جوازة زي دي”.
“وطالما مبعملش حاجة تغضب ربنا، فأنا إيماني بيه أكبر من أي عواصف تهدني”.
ربت على ظهرها ونظر لها نظرات فخورة بتربيته.
وأشار إليها أن يستعدوا للمغادرة برؤوس شامخة مرفوعة في السماء، لطالما قوت حالها برب السماء.
وصعدا السيارة هي ووالدتها التي أبت بشدة أن تتركها.
وتبعهم رحيم بسيارته الآخر.
ذهبت وهي تنظر من الزجاج الخلفي للسيارة، تودع مريم التي تجلس بأبنائها بسعادة عارمة، وذهبت إلى المصير المجهول في قضية عمرها، التي افتراها عليها أناس لا يتبعون إلا الباطل وجعلوه منهجهم.
بعد حوالي ساعتين من وصولهما إلى المحكمة، تأبطت ذراع أبيها بفخر، ودلفا جميعًا إلى القاعة، ووجدوا تلك الشمطاء وولدها وزوجته يجلسون في المقاعد المتقدمة، وبدورهم جلسوا في المقاعد المقابلة لهم.
فكانت تلك اعتماد تنظر إليها نظرات شر وتوعد.
أما هي، فلن تنظر ناحيتهم قط، ولم تعتبر وجودهم من الأساس، وكأنهم سراب غير موجود، مما أربكها وجعلها تفقد الثقة قليلاً من قوة ريم التي رسمتها ببراعة على وجهها.
ولتعلموا أن النظرات القوية التي تلقوها في وجه عدوكم تربكه وتجعله غير واثق من نتيجة قراره، ولوهلة أنه خاطئ وأنه حتما سيخسر، وكل ذلك من نظرة واحدة تجعل المضاد لك يخاف بشدة ويكاد قلبه يقفز بين قدميه، وأن السحر سينقلب على الساحر.
وهكذا كانت نظرات ريم التي لم تنظرها لهم، بل وجهتها في اللاشيء، مما أربكهم.
بعد دخول القضاة والإطلاع على أوراق الدعوة، طلب من المحامي المسؤول عن رفع الدعوة بالمرافعة.
قام بوقار وبدأ مرافعته:
“السيد القاضي، نائب رئيس المحكمة، السادة قضاة المحكمة، أتوجه إليكم برفع دعوة الولاية للسيدة اعتماد الجمال، وصية على أبناء ولدها، نظرًا لما قدمته لكم من أسباب قوية سوف تؤدي بمستقبل هؤلاء الأبناء مع والدتهم التي لا ترعى الله فيهم”.
“شكرًا سيدي القاضي”.
اطلع القاضي على ملف الدعوة سريعًا وراجع الأسباب الذي درسها من ذي قبل، ثم طلب من محامي المدعى عليه بالدفاع.
قام محامي ريم وأدى مرافعته بحرفية تثبت أن ريم وعائلتها في محل ثقة، وأنها لم يسبق لها سابقة تخص الشرف كما ذكر في ملف الدعوة.
طلب المحامي الذي رفع الدعوة التحدث، فأذن له القاضي، فهتف:
“سيدي القاضي، إن جدة هؤلاء الأبناء وولدها حاضرين، وتريد أن تتحدث إلى عدالتكم كي تأخذكم عين الرأفة بحال أم فقدت عزيزها، وعلى مشارف الحرمان من أحفادها”.
أذنت لها المحكمة أن تتحدث باختصار.
قامت تستند على ولدها ورسمت علامات الطيبة الشديدة بدهاء على وجهها، ونطقت بهدوء مغلف بالحزن المصطنع:
“أنا جاية النهاردة وطالبة منكم ترأف بحالي ياحضرة القاضي”.
أكملت حديثها وهي تشير إلى ريم:
“كانت السبب في، كانت كل يوم تتخانق معاه، وهو كان مهنيها بشهادة كل اللي حوالينا يا سيادة القاضي، وكان بيتمنى لها رضا ترضى، أما هي قابلت المودة والرحمة منه بالعصيان، وجابت له ساكتة قلبية، خليته مات بسبب كلامها اللي زي السم اللي كل يوم كانت تقوله له”.
“وفي الآخر عايزة تتجوز وتاخد ولاد ابني مني، وهي كانت السبب في موت أبوهم، أنا مش عايزة منها حاجة، تتجوز براحتها وتعيش حياتها براحتها، الله يسهل لها، ولها رب هو اللي هينتقم منها ويجيب حق ابن اللي مات بسببها”.
“كل اللي أنا طالباه ولاد ابني ما اتحرمش منهم، مش كفاية ابني اللي مات، وهي خرجت من بيته تشوف حياتها براحتها وتعيشها، ولا كأن جوزها مات قبل عدته حتى ما تنتهي، ودي كانت طبيعة حياتها التسيب”.
سألها القاضي:
“دلوقتي سؤال واحد يا ست، جاوبيني عليه، انت دلوقتي بتشككي في أخلاقها إنها ما تنفعش تبقى مسؤولة عن أطفال، إيه دليلك على كده؟”
استدعت دموع عينيها التي أحضرتها ببراعة وليدة اللحظة، وقالت:
“قدامك الدليل يا سيادة القاضي، ابني اللي مات وهو في عز شبابه بسبب كلامها اللي قالته ليه، وحرقت قلبه وموتته ناقص عمر”.
“وسلفتها هنا تشهد عليا باللي سمعته منها وخلته مات من الصدمة من كلامها”.
ارتعبت هند ما إن ذكر اسمها، وأصبحت الكرة في ملعبها، أما أن تركلها بمهارة ستتعب من أثرها قليلاً ثم تستريح، أو تحرزها في الأوت، ومن بعدها ستلقي ملامات من فريقها وهم “قلبها الذي سيحطم، بيتها الذي سيهدم، عمرها الذي سينتهي غيرة وألمًا”.
فكرت قليلاً بعد أن أشار لها القاضي أن تتحدث، فقامت بنظرة خالية من أي مشاعر، وأردفت بشهادة حق بعد أن تأكد القاضي من هويتها:
“الحق يتقال يا سيادة القاضي، إن ريم طول عمرها محترمة وبنت ناس، وعمر العيبة ما صدرت منها أبدًا، وجوزها كان بيعشقها، وهي كمان كانت بتتبادله نفس العشق والحب، وحياتهم كانت مستقرة جدًا”.
“والموت يا سيادة القاضي ده عمره وقضاء ربنا، منقدرش نعترض عليه”.
اتسعت أعين الجميع اندهاشًا، مابين حامدًا لربه على شهادة الحق، فكانت تلك الحامدة هي ريم، وفي ذاك الوقت نظرت إلى اعتماد نظرة انتصار أحرقتها.
أما زاهر ووالدته في موقف لا يحسدون عليه، موقف ينظر لهم فيه أنها افترت وطعنت في شرف زوجة ولدها، وهي بشهادة كنتها عفيفة لا تعرف طريق التسيب كما ذكرت الأخرى.
كانت تود أن تنشق الأرض وتبتلعها، ولا أن توجد في ذلك المكان لحظة أخرى.
تتوعد في داخلها أشد الويلات لتلك هند، الذي أكمل القاضي أسئلته:
“يعني ريم جميل المالكي ما قالت لجوزها كلام يؤذي نفسه ووصله للموت؟”
“ومكنتش امرأة متسيبة زي ما ذكرت والدته؟”
وتابع القاضي بتحذير:
“وخلي بالك، إنتي حالفة يمين تشهدي بالحق”.
أخذت نفسًا عميقًا وأكملت:
“يا سيادة القاضي، أنا قلت اللي عندي، أنا عاصرتها تمن سنين، كانت فيهم مثال الشرف والعفة، وعمرها ما كانت متسيبة أو خليعة أبدًا”.
“وأه اتخانقت هي وجوزها ليلة وفاته، لكن خناقة بين أي راجل ومراته عادي، وموته ده كان قدره من ربنا”.
أغلق القاضي الملف الذي أمامه ناطقًا بالحكم، وكل من ريم ووالديها يضعون أيديهم على قلوبهم راجين الله حكم العدل.
أما اعتماد، تيقنت أنها خسرت معركتها الثانية أمام تلك الريم، وازدادت حقدًا ووعيدًا، وكل منهم في ملكوته، إلى أن انتهوا إلى كلمة القاضي:
“حكمت المحكمة حضوريًا برفض الدعوة المقدمة من السيدة اعتماد الجمال، وصية على أبناء ولدها، لعدم كفاية الأدلة المقدمة لدى عدالة المحكمة. رفعت الجلسة”.
احتضنها أبيها فرحًا، ناطقين جميعًا:
“ربنا برأك من التهمة الشنيعة بالضبط زي براءة الذئب من دم ابن يعقوب، مبارك عليكي حبيبتي ولاية أولادك بحكم المحكمة كمان”.
أما اعتماد، فكانت في حالة يرثى لها، وأخذها ولدها وخرجا من القاعة بسرعة رهيبة، وتلتهم هند ترتعب خوفًا ورعبًا من القادم.
ولكن الذي يطمئن روحها، ما تستند عليه وتحت قبضتها، والتي ستجعلهم لا يقتربون إليها، وإلا ستقلب عليهم العالم بما في قبضتها.
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل السابع عشر 17 - بقلم فاطيما يوسف
بعد المحكمة عانت هند كثيراً، ضرباً وسباباً وقذفا، وطردها زاهر من البيت. وكما توقعت صديقتها، حماتها لن تحتمل بناتها أسبوعاً. وقد كان، بعثت له أخيها وأرجعتها لمنزلها وهي على مضض.
أما عن مريم، فاليوم سيتحدد مصيرها. فقد استطاعوا بفضل المولى سبحانه وتعالى، وذكاء نادر، ووقوف جميل بجانبها، أن يترصدوا لتلك الشبكة التي ستؤذي بمستقبل الفتيات اللواتي لا علم لهن ولا دراية بهؤلاء الخبيثين. وبفضل الله، تم القبض عليها، وبجهود النيابة، استطاعت أن تجعلها تعترف عليهم بسهولة، ووقعت الفئران في مصيدة العدالة.
وحقاً، كم كانت رحلة مؤلمة لمريم، حيث أنها كانت معركة شنيعة بين الحق والباطل. وبفضل إيمانها بربها وعدم خضوعها لمسالك الشيطان، استطاعت أن تنقذ نفسها.
ومرت الأيام عليها وظهرت نتيجتها، والتي كانت مبهرة لها، حيث نجحت بتقدير الامتياز المعتاد لها. ولكن هذه السنة كانت الأولى على دفعتها.
انهالت المباركات عليها من الجميع، حتى فريدة التي سعدت من داخلها بأنها حتماً ستغادر وتترك لهم المنزل وتبتعد عن ابنها. ولكن ما أفسد عليها سعادتها قول رحيم بعيون سعيدة:
"مبروك يا دكتورة مريم، بقيتي معيدة في الجامعة. فهمي رسمي، نظمي، وما بقاش في حد أحسن من التاني، وكلنا بقينا في الهوا سوا."
فهمت فريدة مقصده، ولكنها لم تعقب عليه وادعت أنها لم تأخذ بالها من تلك الكلمات.
فتحدث جميل قائلاً بنصح وهو يشير بيديه إلى رحيم:
"شوفي يا مريم يا بنتي، أنا هعرض عليكي العرض اللي أنا عرضته على الولد ده وهو رفض واختار إنه يكمل طريقه كدكتور جامعي. أنا متعود في البنك عندي إني آخد دايماً أوائل كلية التجارة وبدرّبهم عندي على أعلى مستوى. وطبعاً شغل البنك غير شغل الجامعات خالص، فيه عمولات وربح أحسن ومستوى أرقى."
واستطرد شارحاً:
"أنا كأب، وبعتبرك زي بنتي، أنا عايزك معايا في البنك لأني لمحت ذكائك جداً في كذا حاجة. إيه رأيك؟ فكري كويس جداً واحسبيها، إن شاء الله هأمن لك مكان كويس في البنك."
أحس رحيم بالضيق الشديد من عرض والده لتلك الوظيفة لها. فهو يحلم باليوم الذي ستكون معه بنفس المكان في العمل، وهذا سيسهل عليهما التقرب من بعضهما. وما إن عملت في البنك، لن يستطيع أن يراها إلا في فترات بعيدة.
فاستشاط غضباً وأردف بنصح مغلف ببعض الحدة لها:
"لأ يا مريم، أوعي توافقي. إنتي قدامك مستقبل تبقي دكتورة جامعية وتاخدي الماجستير والدكتوراه. سيبك من شغل البنوك ده خالص، مستقبل الجامعة برستيج وهتبقي قيمة وقامة عالية جداً."
شعر جميل بغيرة ولده ورفضه التام للعرض الذي عرضه عليها، ولكنه رأى أن مستقبلها المادي والمعنوي سيكون أفضل في البنك.
فتحدث ولم يعير لكلام رحيم اعتباراً، مردداً بتشجيع:
"طبعاً يا بنتي، الشغل في الجامعة واللقب برستيج زي ما قال رحيم، لكن إنتي برده تقدري تعملي البرستيج ده وإنتي في البنك، إنك تحضري الماجستير والدكتوراه وإنتي شغالة وبتقبضي مرتب كويس جداً وبعمولات ممتازة. فأنا رأيي ليكي إنك توازني بين الاحتياج المادي والمعنوي وتوافقي على وظيفتك في البنك، وصدقيني مش هتندمي لو مشيتي ورا كلام عمك جميل."
احتدت عين رحيم بالغضب الشديد، ولكنه لن يقدر أن يعارض والده وفضل السكوت غصباً، وهو يكتم حديثه بصعوبة بالغة إلى أن يجلس معها وحدهما.
انقضت هذه الجلسة على أنها ستفكر في الأمر جيداً، وترد عليه غداً.
ثم ذهبت إلى ملحقها، وقد قررت مغادرة المنزل، فهي الآن أصبحت في أمان تام.
وأثناء انشغالها في تجهيز حقيبتها، جاءتها رسالة على الواتساب محتواها:
"قابليني في المطعم اللي بنتقابل فيه على طول حالا، وعلى الله تتأخري يا مريم. هتلاقيني بخبط عليكي الباب ومش بعيد أكسره، وانتي حرة بقى لو ما جيتيش وطنشتي."
زفرت بملل وألقت الهاتف من يدها. ولوهلة قررت أن لا تذهب لمقابلته، ولكن أصبح معها كالمجنون، فخافت أن ينفذ تهديده وتنال من بطش فريدة وهي ليس لها ذنب. فأجابته باختصار:
"حاضر، نص ساعة وجاية."
وبالفعل، أخذت حماماً سريعاً وارتدت ملابسها على عجالة، وذهبت إلى المطعم. وجدته منتظراً لها، والنيران تشتعل من وجهه تدل على غضبه الشديد.
وصلت إلى مكانه وألقت السلام بحدة.
أما هو، فور أن رآها أمامه، تبدلت معالم الغضب الشديد البادية على وجهه إلى معالم الحب والوحشة الشديدة في نفس اللحظة. كيف ذلك؟ هو لا يفهم!
مردداً سلامها قائلاً بابتسامة محب عاشق لحبيب يتمنى لقياه:
"وعليكم السلام ورحمة الله. هلا وغلا فيكي، ياحبيبة الروح والقلب."
اهتزت وتيرتها من حديثه وأردفت وهي تتهرب من عينيه قائلة بلوم:
"من امتى كنت همجي كده يارحيم؟ مش متعودة منك على كده."
تبدلت معالم وجهه وعادت إلى غضبها، مردداً باستنكار:
"ومن امتى وإنتي بتاخدي قرار مصيري في حياتك من غير ما نتناقش فيه ونعرف رأيي ونتحاور مع بعض ونوصل لحل مناسب لينا احنا الاتنين؟"
رفعت حاجبيها باستنكار قائلة:
"هو أنا لسه أخدت القرار أصلاً علشان خاطر تقول لي لو ما جيتيش هكسر عليكي الباب! إنت مش متخيل أصلاً إنك لو عملت كده والدتك هتشوفني إزاي أكتر ما هي شايفاني!"
حرك رأسه يميناً ويساراً بغضب وتحدث مقاطعاً حديثها:
"لو سمحتي، سيبك من الموضوع ده دلوقتي وردي عليا حالا. إنت حقيقي هتوافقي على عرض بابا ومش هتقبلي وظيفة معيدة في الجامعة وإنتي طالعة الأولى؟"
نظرت له بعيون تخفي ضعفاً يستكين بداخلها، وقلب يخفق ألماً وعشقاً معاً، ورددت بتوضيح:
"هجاوبك بكل اللي أنا فكرت فيه. أنا بعتبر عمي جميل في منزلة والدي بالظبط، اللي لو كان موجود وعايش، كنت طبعاً هاخد رأيه. لما فكرت لقيت إن كلامه صح جداً، إني لازم أوازن بين الاحتياج المادي والمعنوي، وأنا محتاجة إن يبقى ليا مكان أعيش فيه خاص بيا وأبني مستقبلي، وبرده مش هستسلم وهقدم في الماجستير وباذن الله ووراه الدكتوراه على طول."
واسترسلت وهي تنظر له بتمني:
"ارجوك فكر زي ما أنا وهو بنفكر بالظبط، وانت هتلاقي إن أنسب حل ليا علشان خاطر طنط فريدة ما تفكرش إني بعارضها أو إني بعند معاها، مش هتلاقي حل غير إني أبعد فعلاً وتعرف إن أنا مش طمعانة فيك. وكمان أحس إن ليا كيان وكينونة، بمعنى أصح، أحس إني ليا وجود يارحيم."
نظر لها بحزن وهتف باحتياج:
"بس أنا محتاج وجودك جنبي ومش قادر أتصور إنك تبقي في مكان بعيد عني. باختصار، اتعودت على وجود ريحتك في نفس المكان اللي أنا موجود فيه، حتى لو مش شايفك، كفاية نفسي فيه."
زفرت بتعب وأوضحت له وجهة نظرها:
"متفكرش إني لما أبعد هبقى مرتاحة يارحيم. أنا زيك بالظبط، ويمكن أكتر، وأظن وضحت لك السبب قبل كده. أنا محتاجة أثبت لنفسي أولاً، وللمجتمع اللي جني عليا ثانياً، إن بنت الملجأ عافرت واجتهدت وكملت لآخر نفس فيها بدون ما تغضب ربها، إنها تبقى حاجة. ومش هرضى بأي حاجة، لازم أكمل للآخر علشان أوصل إني أبقى حاجة متتخجلش منها أبداً، في يوم من الأيام."
ضيّق نظرة عينيه ثم رمقها بنبرة هادئة:
"بس أنا هتعب أوي يامريم. أرجوكي ثقي فيا إني مش هتخلي عنك، وسيبي لي أنا المعافرة، أنا أطول منك في النفس."
نظرت بعيداً عن عينيه تحاول كبت عبراتها، لكنها استعادت قواها وأخفت كل مشاعرها التي تملكت منها كلماته بكل قوة، وأردفت بتمني:
"أرجوك يارحيم، أنا مش عايزة أخسرك. إنت عافر من مكانك وأنا أثبت نفسي في مكاني، وصدقني هنتقابل بإذن الله وظروفنا محدش هيقدر يمنعها ومحدش هيقدر يفرق بينا، لأن الأسباب ساعتها هتكون بطلت أو على الأقل اتحسنت شوية."
بعد حديث طويل ونقاش دام لأكثر من ساعتين، وافق رحيم على رأيها وهو على مضض، ولكن أخذ وعداً منها أن تحادثه دوماً، وأن ترد على مكالماته، وإلا سيجن جنونه ويفعل ما لا يحمد عقباه.
بعد يومين، أبلغت مريم جميل بالموافقة على طلبه وغادرت منزلهم، واستلمت شقتها ذات الإيجار البسيط في منطقة شعبية هادئة قد وفرتها لها شريفة مديرة الدار، وساعدتها في ذلك وشكرتها مريم بامتنان. ومنذ خروجها، ورحيم يشعر بالاختناق الشديد والاكتئاب الذي بدا على معالمه بغزارة شديدة. لاحظها كل من جميل وفريدة، وبدأت تشعر بالذنب، إلا أنها تقنع حالها بأنها فترة ستمضي وسيتعود على بعدها كما تعود على حضورها. ولكن هل سيكون اعتقادها صحيحاً وأن ما يشعر به رحيم هو تعود؟ فلنرى مالذي تخبئه له الأيام من ندبات تؤثر على روحه؟
انقضت الليالي العجاف بالنسبة لريم، والآن تجلس في حديقة منزل أبيها، فقد مر ستة أشهر كاملة على المحاكمة.
كانت بيدها مذكرات كانت تدون فيها كل ما يجول بخاطرها منذ وفاة عزيزها.
فكتبت بقلب ينفطر حزناً:
"الآن مر على وفاتك عام كامل، ذقت فيه من المرار ألوان. لقد كنت لي حبيباً عزيزاً قرير العين، وتركتني وحدي أعاني مر الفراق، وأنا أجلد ذاتي في يومي كله. حتى في غفوتي أراك غضبان مني. أشعر بأني في ساحة معركة الفراق بالاختناق. أقاتل في ساحة المعركة وحدي، أنا الجيش لنفسي وأنا السيف ذاته. أذاني أقرب الناس إليك، وكانوا يوماً من الأيام الأقرباء إلي أيضاً. وتعلمت منهم درساً لن أنساه طيلة حياتي وهو: 'لا تأخذ جرعة كبيرة من الثقة، اترك مكاناً للخيبة ومكاناً لاستيعابها أيضاً، كن معتدلاً'."
كانت منغمسة في تدوينها، فسمعت صوت أبيها الحنون الذي يقف بجانبها دائماً، يردد بحنو:
"الجميل اللي قاعد لوحده وشكله قلقان ومخليني مش مرتاح عشان خاطره بيعمل إيه؟"
أنهى كلماته وهو يمسح على رأسها بحنان، ثم جلس بجانبها.
تنهدت بثقل وألم نفسي وأجابته:
"مش مرتاحة يا بابا، وحاسة إني مش قادرة أتخطى موته. هو أنا هفضل كده كتير؟"
وضع كف يداه على كف يدها الموضوعة فوق فخذها، ثم ربت عليها بحنو وأردف قائلاً:
"طول ما إنتي حابسة نفسك بين حيطان البيت وسط دوامة الفكر اللي مبيخلصش، هتفضلي كده على طول. ده إنتي حتى الموبايل مبتفتحيهوش."
نظرت إليه بعينين حائرتين، فأكمل هو بإرشاد:
"اخرجي يا بنتي واشتغلي واشغلي وقتك بحاجة مفيدة. إنتي محتاجة لكده، مش عشان خاطر الفلوس ولا عشان خاطر الاحتياج للمادة ذات نفسها. إنما إنتي عندك موهبة جميلة وقدرتي تصنعي لنفسك كيان في مكان بسمع عنه إنه ممتاز جداً وله اسم."
انتفضت كما لدغها عقرب من حديث والدها وهتفت برفض قاطع:
"لأ يا بابا، أنا عمري ما هرجع أشتغل في التصميم تاني. ده كان السبب اللي خلاني خسرت جوزي أبو ولادي ودمرني ودمر حياتي كلها."
اعترض على كلامها بشدة وهدر بها:
"ده كلام تقوليه!"
هتعملي زي الجاهلين، كون إنكم كنتم بتتناقشوا في حاجة هو رافضها وإنتي كنتِ عايزاها. وكون إنه مات ده قدره، والاتنين ما لهمش علاقة ببعض نهائي. وسواء كنتم اتخانقتوا أو ما اتخانقتوش، كان برضه عمره هينتهي في اللحظة دي يا بنتي.
حركت راسها بنفي، ودموعها تنهمر بغزارة من عينيها، واردفت من بين شهقاتها بنفي:
_ أنا عارفة كلام حضرتك يا بابا وفاهماه كويس جداً، لكن المرة دي كان بيبص لي باستغراب وما كانش مصدق إني أعارضه. ولما خيرني ما بين الشغل وإني أفضل معاه، خذلته. ما استحملش الخذلان مني ونفسيته اتأثرت ومات.
ضرب والدها كفاً بكف وهو يردد باندهاش:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
يا بنتي، الأعمار بيد الله، وكل واحد من قبل ما يتولد بيبقى عمره على الدنيا مكتوب. أي كانت الموتة، تعددت الأسباب والموت واحد.
ثم أخذها بين أحضانه يهددها بحنان وتابع:
_ فُوقي لنفسك وفُوقي لولادك، هما محتاجينك. مش هيبقى غياب أبوهم وضياعك في دوامة الحزن وكده أنتِ يعتبر من القانطين من رحمة الله.
وإذا كنتِ إنتي مصرة تشيلي نفسك الذنب، استغفريه واذكريه. الذكر بيطمن القلوب، وتصدقي واعملي كل اللي في وسعك. وفي كل مرة هتعملي كده، صدقيني هتلاقي نفسك بتخرجي من الدوامة دي واحدة واحدة، وهتبقي بن آدمة طبيعية جداً وهتحتسبي عند الله من الصابرين.
أحست بطيف من الأمل يلوح على صدرها، وكأن كلام والدها نزل برداً وسلاماً على قلبها. وسألته بتيهة كي تطمئن:
_ يعني أنت شايف يا بابا إن فعلاً أرجع أشتغل وأصمم وأحقق حلمي اللي عشت عمري كله أتمناه وأحلم بيه، وأبقى كده ما زعلتش مني باهر في تربيته؟
ابتسم لها ثم أجابها بتأكيد:
_ يا بنتي، جوزك بقى بين إيدي الله، هو أرحم بيه من عباده. وما تزعليش مني، الدنيا ما بتنتهيش وما بتقفش على حد. لازم تتعودي تقوي حالك بحالك عشان وقت الجد ما توقعيش من طولك ويكون اللي بيسندكِ كلهم اللي كنتِ معتمدة عليهم مبقوش موجودين.
واسترسل وهو يشير بيده إلى ملابسها باعتراض:
_ وبعدين أنا عايزك بقى تقلعي الأسود ده. مدة حدادك على جوزك أربعة أشهر وعشرة أيام، وأكتر من كده يبقى إنتي دخلتي في الحرمانية وعملتي زي الناس الجاهلين. إنتي ما تعرفيش حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لمسلم أن يحد على ميت فوق ثلاث ليالي إلا على امرأة لزوجها أربعة أشهر وعشراً".
سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام حدد المدة كما ذكرت في القرآن، وقال "لا يحل"، يعني إنتي كده دخلتي في منطقة الحرمانية من بقالك أربع شهور. ومستنيكي تقلعي إيه منكِ لنفسك وترضي بحكم ربنا وقضاء وقدره، وإنتي مكمله زي ما أنتِ.
كالعادة، استنكرت نصح والدها واردفت بامتناع:
_ لا يا بابا، أنا عمري ما هقلع الأسود على باهر خلاص، ده بقى لبسي لحد ما أموت.
اتسع بؤبؤ عينيه مردداً برفض:
_ يا بنتي، هو إنتي دماغك ناشفة كده ليه؟ إنتي ما سمعتيش حديث الشيخ الشعراوي اللي كان بيتكلم في الموضوع ده بالتحديد؟ وفي كلامه قال: "سنكر على باب الحزن بمسمار الرضا"، أصل الحزن لو انكسر عليك مش هيخلي لك حبيب. ربنا يبارك في عمرك وعمر ولادك، وعايزك من دلوقتي تقومي تفتحي تليفونك وتشوفي شغلك اللي أكيد متعطل، وتضمي ولادك وتخلي بالك من نفسك ومن صحتك، واعتبري اللي فات من حياتك ذكرى جميلة ما تنسيهاش طول العمر. وده حال الدنيا يا بنتي.
أنهى الأب حديثه، فالروح طبيب، وأنفاسه للقلب دواء، ووجهه بابتسامته للعمر إهداء.
فالأب مثله كمثل النهر يمر بجانب شجرة، يحييها، يطعمها، يسقيها الماء، يستمر في الرقص، فهو لا يتشبث بالشجرة، تسمح الشجرة بزهورها على النهر بامتنان عميق، والنهر يمضي قدماً. تأتي الرياح، ترقص حول الشجرة وتمضي قدماً، والشجرة تعير عطرها للريح. فإذا كبرت الإنسانية ونضجت، فستكون هذه هي الطريقة للحب.
بعد مرور يومان على تلك الأحداث، قررت ريم أن تخرج من صومعة الحزن وتستعين على الذكر والاستغفار لراحة قلبها.
ثم فتحت هاتفها التي كانت تستخدمه للعمل والتصميم، فرين كانت تمتلك هاتفان، أحدهم خاص بعملها وتصميماتها، والآخر كان للتصفح فقط.
وعندما فتحته، وجدت كماً هائلاً من الرسائل الخاصة بالمؤسسة التي تعمل معها، وبدأت بتصفحهم والرد على أغلبهم.
ومن ضمن الرسائل، وجدت واحدة منهم لرقم لم تعرفه، وفتحتها وقرأت محتواها:
_ السلام عليكم ورحمة الله. البقاء لله وحده يا مدام ريم. أنا مالك الجوهري، اللي حضرتك بتبعتي تصميماتك لمصنعه. عرفنا باللي حصل بعد ما حاولنا الاتصال عليكي كتير، وكان من الواجب إني أعزيكي.
قرأت الرسالة، ثم ضغطت على صورته الخاصة كي تعرفه.
ثم قررت أن من الواجب أن تشكره على تعزيته.
وأرسلت له:
_ ونعم بالله العلي العظيم. جزاك الله خيراً، ولا أراكم سوءاً في عزيز لديكم.
وصلها محتوى الرسالة، وعندما فتحها، ابتسم تلقائياً ورد عليها في نفس الوقت:
_ جزانا وإياكم، وأتمنى أتشرف بمعرفة صاحبة التصميمات الرائعة ونشتغل مع بعض وجهاً لوجه. وأنا واثق إننا هنعمل ضجة كبيرة في عالم الفاشون.
قرأت محتوى الرسالة وردت باختصار:
_ بإذن الله، هفكر وهرد على حضرتك.
بعث لها:
_ أتمنى يكون التعامل في أسرع وقت.
________________________________
بعد مرور أسبوعين على تلك الأحداث، ذهب جميل إلى منزل راندا هو وزوجته فريدة.
يجلسان معها، وتحدث جميل يعنفها بشدة:
_ جوزك رجع من سفره على ملا وشه بعد ما هددتيه إنه لو ما رجعش وطلقك بشروطك اللي إنتي فارضاها عليه هتخلعيه وهتفضحيه.
واسترسل غاضباً وهو يلوم نفسه غاضباً:
_ إنتي متعرفيش إن الأبناء مراية الآباء!
بقي كده تطلعي صورة أبوكي اللي طول عمره مثال القناعة وعزة النفس بالشكل ده!
انهارت من حديث والدها وهدرت بصوت عالٍ:
_ انت ليه يا بابا جاي عليا قوي كده للدرجة دي!
مش حاسس بيا ولا حاسس بوجعي؟ كلكم عمالين تجلدوا فيا، سواء انت أو بنتي أو ابني أو حتى ريم أختي، ليه كلكم بتعملوا فيا كده ليه!
أمسك والدها يداها ونظر داخل عينيها بترجٍ مردداً بحرقة قلب:
_ يا بنتي، لأخر مرة بقولك احسبيها صح، عشان وقت الغضب الإنسان أعمى ولو كان بصير.
عثت في جوفها حرب أشد من أن تتحكم بها ومن أن تقاومها. ورددت بشموخ ورأس مرفوعة، أصغى إليها كل الموجودين في المكان هاتفة بقوة:
_ أنا أستاهل راجل يحطني جوه عينيه.
أنا أستاهل راجل يندم على فراقي، حتى لو صممت هو يصمم عليا أكتر، يثبت فيا ويحسسني إني غالية عنده مهما حصل.
واسترسلت حديثها بوجع وهي تجلس على الكرسي الموضوع بتعب، وانفجرت دموع عيناها:
_ أنا يا بابا أستاهل راجل يعرف إني قد إيه غالية.
أستاهل راجل يقدر اللي أنا عملته له ويشكرني عليه.
أستاهل راجل بجد حافظ عليا ويطبطب على قلبي المجروح.
أستاهل ضهر. أستاهل سند. أستاهل حب.
وانفطرت في البكاء أمام والديها، ولم يهمها كرامة الأنثى المجروحة، وانكشف وجه الأنثى الضعيفة.
أحست بها والدتها بشدة، وأدمعت عيناها على كبيرة التي راتها بقلبها قبل عينيها، وأخذتها بين أحضانها تهددها مرددة بحزن:
_ يا بنتي، حرام عليكي اللي بتعمليه في نفسك ده وبتعمليه فينا.
آه يا أنا يا حزن قلبك يا فريدة على بناتك، يا مخلفة البنات، يا شايلة الهم للممات.
واسترسلت وهي تهدئها:
_ اهدي بقى يا بنتي، وطالما إنتي شايفة نفسك هترتاحي في الطلاق وهتقدري تتحملي مسؤولية وعواقب حاجة شكل دي، يبقى ما باليد حيلة وباباكي هينفذ لك اللي انتي عايزاه.
وأثناء انشغالهما بالحوار، استمعوا إلى جرس الباب يعلن عن وصول إيهاب.
قام جميل يفتح له الباب، وما إن رآه إيهاب حتى ارتمى في أحضانه يصافحه بحرارة قائلاً:
_ عمي جميل، ازيك يا راجل يا طيب؟ ليك وحشة والله.
بادله جميل الحضن بنفس الحرارة، فهو يحبه جداً مهما حدث بينه وبين ابنته، فهو رجل خلوق في معاملاته.
أفسح له المجال بالدخول، وما إن دلف، باتت عينيه تمشط المكان بلهفة، فقد كان عشاً سعيداً يجمعه بحبيبته وزوجته وأبنائه، فقد كانوا عائلة كريمة يزينها الحب والاهتمام، وانقلب الحال وأصبح المكان يزينه الكره الشديد.
ينظر إلى كل ركن في المكان ويتذكر أيامه التي عاشها من كل عام في هذه الشقة.
نعم، فقد عاش فيها أياماً قليلة من كل سنة، بالرغم من زواجه منذ أكثر من ثمانية عشر عاماً.
إلا أنه سافر في السنة الأولى من زواجه من راندا، وكان يأتي كل عامين أياماً قليلة.
وأثناء تجواله بعينيه في المكان، استقرت على راندا، وبدا له من وجهها أنها كانت تدمع بشدة، خفق قلبه حزناً لأجلها، رغم كل ما بدر منها، إلا أنه يعطي لها عذراً على ما فعله معها، فقد أجرم في حقها جرماً شديداً واستسلم للحظات ضعفه. ولكن هل يعود الزمان يوماً ويصلح من غلطه وما فعل بها ما فعل.
أخذت جولته عدة دقائق، ثم جلس ملقياً عليها سلامه بوحشة:
_ ازيك يا عشرة العمر؟ أخبارك إيه؟
حينما وصل سلامه بتلك النبرة إلى مسامعها، أعلنت دقات قلبها الطبول، ولم ترد عليه إلا بنظرة عينيها، كأنها تعاتبه، ولكن العتاب مصاحب للجفاف.
أحس بدقات قلبها، ومن غيره يشعر بها؟ ومن غيره يحس باحتياجها؟ وحدثته عيناها:
_ ألم ترأف بحال عاشق أنكوى من قسوة عقابك الذي لم ينتهي بعد!
أجابته عيناها بشدة:
_ ألم تشعر أنت أنك قتلت الإحساس بداخلي، وما عدت أنا ولست ألقاني بعد!
قرأ إجابتها من نظرة عينيها، وردد بأسف بلسان حاله:
_ أعدك إن عفوتِ ورددتِ لي قلبك، سأبقى على عهدك ولن أقترف بعد.
اهتز فكها وهي تنظر له نظرات خذلان، ترد عليه عيناها بعدم ثقة:
_ أمن الممكن أن يؤتمن الخائن!
لا ورب الكون وقول رسوله إن من علامات المنافق من اؤتمن خان.
نظرتها الآن تعني أنها لن تسامح قط مهما فعل، ومهما اعتذر، ومهما حاول مئات المرات وملايينها. أفاق على صوتها وهي ترد سلامه بجمود:
_ بعد إذنك يا بابا، اطلب المأذون فورًا، علشان كدة الموضوع طول وبخ أوووي.
أحس بوخزة شديدة في قلبه جراء كلماتها. تحدث إلى جميل وهو يناوله ملفًا به العقود قائلاً:
_ اتفضل يا عمي جميل، ده عقد بفيلا في الكومباوند اللي هي قالت عليه، ومتوثق باسمها في الشهر العقاري.
_ وده عقد بملكية العربية، نقلته باسمها وبرضه متوثق في الشهر العقاري.
أردفت له بنظرة متعجرفة وتحدثت بكبر:
_ متفتكرش إن ده منة وفضل عليا منك.
_ ده حقي في دهبي اللي بعته لك تسافر بيه وتبدأ شغلك وكفاحك بيه.
_ حقي في عمري اللي راح هدر، وفي الآخر خنتني.
حزن داخله من استكبارها وطريقتها المتعجرفة عليه، مرددًا باستنكار:
_ هو حق كفاحك معايا وعمرك اللي راح ودهبك اللي بتعايريني بيه دلوقتي؟ فيلا وعربية وفلوس في البنك يا راندا!
واسترسل ساخرًا:
_ إنتي أغلى وأحسن من إن الكلام العيب ده يطلع منك، وكمان في وجود باباكِ اللي الأصل الطيب يضرب له تعظيم سلام. إنتي حقك عليا ما يكفيهوش كنوز الدنيا.
أحس جميل بالخذلان الكثير، الذي لم تترك ابنته فرصة إلا ووضعته فيه بكل ما أوتيت من قوة. وشكره بامتنان:
_ معلش يا ابني، حقك عليا، اعذرها.
_ اللي فيها حلاوة روح، بس من اللي عملته فيها، ومش مستوعبة لحد دلوقتي.
زفر بسأم، ووجد أنهم في حالة لا تسمح للجدال فيها، فقال:
_ يشهد الله يا عمي جميل إني عملت كل ما في وسعي علشان تغفر وتسامح، وهي اللي راكبة راسها ومصممة على الطلاق اللي هيسبب خراب النفوس لينا كلنا.
_ ويشهد الله إني اعترفت بغلطي وحاولت مرارًا وتكرارًا إنها تلين، مرات بالمحايلة، ومرات إني أفكرها بالحب اللي بينا. ومرات أبين ضعفي قدامها وأتذلل علشان عارف حجم غلطي. ومرات بالبعد يمكن تهدى، لكن هي مصممة، علشان هي اللي بعد كدة هتشيل ذنب كل اللي هيجرى بسبب التشتت اللي هيحصل لنا، وإنها هتبقى المذنبة الوحيدة قدامكم.
وتابع وهو ينظر إليها بقوة:
_ وطالما هي اللي شدت الحبل على الآخر، تستحمله. بس يارب تفضل مستحملاه على الآخر، وما يخنقهاش في النهاية.
رمقته بغضب مستطير من رماديتها المشتعلة، وهدرت به بحدة:
_ مستني تشمت فيا يا إيهاب؟ مش هنولها لك، وهثبت لك إني هفضل راندا المالكي، وبرضه هحرق قلبك، وهشربك من نفس الكاس، والأيام بينا.
اهتز فكيه بسخرية، وردد بلا مبالاة:
_ مبقاش يفرق معايا حاجة يا راندا، ومهما تحاولي تعملي، إنتي المضرورة لوحدك في الآخر، علشان أنا عارف ومتأكد مهما عملتي ولفيتي وجربتي، في النهاية مش هتعرفي تبدلينى، ولا حد في الدنيا دي هيقدر ياخد مكاني.
خشيت أن تضعف، فصاحت بقوة مصطنعة:
_ عادي، مهما تبين عدم اهتمامك وإنه مش فارق معاك، بس العيار اللي ميصبش يدوش.
بعد عدة ساعات قضوها في المناقشات والمحاورات، تم الطلاق. وانفصلا راندا وإيهاب في موقف مهيب.
خراب البيت ودماره موقف له رهبة مميتة لجميع الأطراف، وخاصة لزوجين عاشقين.
بعد ساعتين من الطلاق، غادر الجميع. وما إن أصبحت وحدها، حتى انخرطت في بكاء مرتفع تدمي له القلوب، وانهارت انهيارًا كليًا، وكأنها بفعلتها تلك انتقمت من حالها لا منه هو.
***
بعد مرور ستة أشهر أخرى، تغيرت فيهم حياة الكثيرين تمامًا. فقد دخلت راندا مرحلة اكتئاب شديد بعد الطلاق، مما أدى إلى تطور أبنائها في طريق الضياع أكثر وأكثر، وهي لم تعد تخرج من تلك الدوامة.
أما مريم، فتدربت كثيرًا في البنك وأثبتت جدارتها بمهارة فائقة. واستلمت مكانها، وتتنقل في مجال المحاسبة ببراعة تحت تدريب جميل شخصيًا. وعلاقتها برحيم أصبحت أكثر عشقًا وغرامًا، وأصبح يغار عليها غيرة عمياء. فقد تغير مظهرها الخارجي كليًا، بمجرد رتوش بسيطة في ملبسها المحتشم، لكن أصبح عصريًا يليق بصاحبة العيون الفيروزية.
وأما عن إيهاب، فانخرط أيضًا في دوامة الحزن، وكان يرى أبناءه قليلاً جدًا، نظرًا لأنه انشغل في تجهيز مكتبه الهندسي، الذي أنهاه في أربعة أشهر، وكلف عليه حملة إعلانية تليق به.
أما عن ريم، فعادت إلى تصميماتها من جديد، ولكن استطاعت أن تخلق من وسط الحزن إبداعًا أبهر الجميع في عالم الفاشون، مما أثار خوف مالك أن يحتكرها أحد المنافسين. وخاصة أنها بدأت بعرض جميع تصميماتها على مواقع السوشيال ميديا، وحصدت تفاعلًا رائعًا. وكان مالك متابعًا لها بشغف.
وأصبحت ترسل له التصميمات شخصيًا، دون مدير أعماله. ومن وقت لآخر يسألها عن رأيها في العمل المباشر معه، تجيبه بأنها غير مستعدة الآن، مما استدعى قلقه.
يقف مالك في شرفة مكتبه، يتابع المارة بشرود، وبيده كوب القهوة الخاص به.
دخل عليه صديقه، ولاحظ شروده، فوقف بجانبه متحدثًا باستفسار:
_ ده الموضوع باينه كبير أوي. فيه إيه يا عم مالك؟
وتابع بمشاغبة:
_ شكلك حنيت للعرق الإيطالي اللي إنت مدوّبه ومدوّخاه معاك، وشحتفت قلبه على الآخر.
نظر إليه بنصف عين، وأجابه بحدة خفيفة:
_ جري إيه يا عم الخفيف، إحنا هنهزر ولا إيه!
_ ماتمسك لسانك ده شوية.
ضحك علي حدته، وتحدث بمراوغة:
_ الله وأنا مالي يا عم الحيران، ماتسأل عينيك اللي سرحانة ودماغك اللي مش فيك.
ذهب إلى مكتبه، واستلقى على كرسيه بإهمال، وردد:
_ شوف برضه! بقولك إيه، هو إحنا مش مخلصين موضوع جوليا ده من زمان، وقلت لك كانت صفحة وطويتها زي اللي قبلها، مع الفارق إن بيجمعنا علاقة شغل وكل احترام.
واسترسل بتنبيه:
_ يا ريت منتكلمش في الموضوع ده تاني.
تململ في جلسته، وهتف بلا مبالاة:
_ ولا تاني ولا أولاني يا باشا.
_ إلا صحيح، عملت إيه مع مدام ريم؟ لسة مصممة على رأيها ولا إيه؟
زفر بسأم، وأجاب:
_ والله أنا اللي قالقني ومخوفني موضوع ريم ده بالذات.
واستطرد بخوف:
_ مش عارف مماطلتها دي سببها إيه؟
_ تفتكر حد إنها شايفة نفسها في مكان أحسن من هنا، زي ما كنت بتقول؟
أجابه بحيرة:
_ والله ما عارف. بس لو ده حصل، كفى الله الشر يعني، أكيد هنعرف.
قطب جبينه، ونطق بحزن:
_ ده لو حصل فعلًا، هنخسر كتير جدًااااا. أكتر الأتيليهات بتاعتنا واللي إحنا بنتعامل معاهم بره وجوه بيختاروا تصميماتها بالذات، ومش عايزين غيرها.
وأثناء انشغالهما في الحديث، دقت السكرتارية على الباب، ودلفت وهي تهتف بعملية:
_ مدام ريم المالكي بره، هي وواحد بيقول إنه أخوها، وعايزة تقابل حضرتك.
نظر إلى علي، وتساءل باستغراب:
_ ريم المالكي! مين؟ إنت تعرفها؟
أجابه وهو يرفع يديه في الهواء:
_ لا والله، هعرفها منين.
وتابع وهو ينظر إليها مشيرًا بأمر:
_ خليهم يتفضلوا. يمكن عروسة وجاية تختار كوليكشن.
هزت رأسها بطاعة، وفتحت الباب، مرددة وهي تنظر إليهم بابتسامة ترحيب:
_ أهلاً وسهلاً. اتفضلي يا فندم، مالك بيه في انتظاركم.
دلف بخطى ثابتة مستقيمة متواضعة تليق على المكان المتواضع الذي حضرت فيه، ويتبعها أخوها مرددًا بابتسامة هادئة:
_ السلام عليكم ورحمة الله.
انتصب مالك واقفًا هو وعلي احترامًا للضيوف، مرددين:
_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وتابع مالك وهو يشير إلى المقاعد القطنية المريحة، مرددًا:
_ أهلاً وسهلاً يا جماعة، نورتوا المالكي جروب. اتفضلوا.
ذهبوا إلى المقاعد بهدوء، وجلس الجميع.
وتحدث علي بذوق:
_ تحبوا تشربوا إيه يا جماعة؟
هتف رحيم برفض لطيف:
_ متشكر جدًا يا فندم لذوق حضراتكم وحسن مقابلتكم.
تحدث مالك بإصرار:
_ ميصحش طبعًا، لازم تشربوا حاجة. أطلب قهوة.
وافق رحيم قائلًا:
_ تمام، اللي تشوفه يا مستر مالك.
واسترسل بدعابة:
_ والله أنا دماغي محتاجاها فعلًا بسبب دوشة الطلبة في الجامعة. واتصالات ريما اللي داوشاني بيها من الصبح.
نظر مالك وعلي إلى بعضهما باندهاش، مرددين بصوت واحد:
_ ريما!
تحدثت بابتسامة هادئة:
_ أيوة يا مستر مالك، ريما ستور.
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم فاطيما يوسف
في منزل راندا الجمال، تجلس على هاتفها تتصفحه بالساعات كعادتها، وكأنه أصبح وسيلة ملاذها التي تضيع فيها برضا تام.
تأتيها رسالة على الواتساب، وهي عبارة عن مقطع فيديو. فتحت الفيديو وجحظت عيناها مما رأته. لقد كان الفيديو لسما ابنتها وهي ترتدي هوت شورت، وناثرة شعرها على كتفيها، ووجهها يكسوه المكياج الخفيف الذي أبرز جمالها بشدة.
صعقت حقاً مما رأته أمامها، والذي كان عبارة عن إلقاء أغنية تقلد فيها الصوت بحركات الشفاه المغرية وحركات الجسد السافرة. في مشهد يزلزل القلب والعقل والروح. صغيرتها ومدللتها أصبحت من العاهرات. ومن العجب أيضاً أنها تجمع ما يقرب من نصف مليون مشاهدة على ذاك الفيديو، والذي كان من شهر تقريباً.
رفعت عينيها لأعلى الفيديو لترى ماذا تسمي نفسها. زادت الخيبات والحسرات عندما وجدتها مدونة اسمها "سمكة الشقية 😉😉".
خرجت من الواتساب وفتحت الفيسبوك، وبحثت عنها ولم تجدها. ظلت تبحث عنها ولم تصل إليها، وازدادت حيرتها. في النهاية استنتجت أنها تضعها في قائمة الحظر كي لا تراها.
وفي نفس التوقيت، أتتها رسالة من نفس الرقم المجهول، محتواها:
"كلنا بقينا في الهوا سوا يا طنط، وبنتك بقت متفرقش عن البنات الصايعة إللي مش متربية زي ماكنتي بتلقبينا، وتقعدي في كلوب وتقولي محاضرات فينا وأنا كنت ببقى سامعاكي. مبقاش حد أحسن من حد، ولو عملتي أكونت تاني، ادخلي وشوفي إبداعات سمكة وهتنبهري أوي. أصلك مش هتشوفيها من الحظر إللي هي عاملاه لك."
ألقت الهاتف جانبها بإهمال، واستندت على ذراعيها وهي تضع وجهها بين يديها، تحدث حالها:
"يا إلهي، أتلك ابنتي التي ربيتها سنوات وأفنيت عمري لها! أتلك ابنتي البريئة النقية الطفلة التي أصبحت بجسد أنثى! كيف لها أن تفعل هذا الهراء شهوراً وأنا لا أعلم ولا دراية بتلك المهزلة! أمن الممكن أن تكون وصلت إلى مستوى من الانحراف الذي نسمع عنه أعلى من ذاك! الآن قد علمت ماذا تفعل في غرفتها بالساعات وهي تغلق الباب على حالها وتستمع إلى الأغاني عبر مسجل الصوت."
انتفضت من مكانها وهبت واقفة، وصعدت الأدراج وهي تغلي كالبركان. وقفت أمام غرفة ابنتها، وقبضت على الباب كي تفتحه وتدلف دون استئذان كما عودتها. وجدت الباب مغلقاً.
اشتعلت النيران داخلها، وبقبضة قوية دقت على الباب بعنف، مما أزعج ابنتها. فقامت على الفور وفتحت الباب لترى لماذا تدق والدتها الباب بهذا العنف.
رددت وهي تفرك عينيها أثر النوم بانزعاج:
"فيه إيه يا ماما على الصبح؟ فيه حد بيخبط على حد بالطريقة دي؟"
لم تتفوه ببنت شفة، وهبطت بيديها على وجهها بصفعة من شدتها، فوقعت أرضاً. ثم هدرت بها بحده:
"السفلة السهلة الرخيصة، اللي اتقلبت من بنت بريئة ربيتها على إيدي وعلمتها إزاي تحافظ على نفسها من وهي صغيرة لواحدة ما بقتش عارفاها. من امتى اتحولتي وبقيتي بالبشاعة والسفالة دي يا بنت؟"
وضعت سما يدها على وجهها تدلكه من أثر الصفعة، وأجابتها وهي تجز على أسنانها:
"من ساعة إنتي كمان ما اتحولتي وبقيتي مش فاضية لنا وفرقتينا. وإذا كنت أنا اتدمرت ووصلت للمرحلة اللي إنتي بتتكلمي عنها دي، فيبقى بفضلك إنتي يا ماما."
جحظت عيناها ولمعت بالدموع، وهدرت بها وهي تشير بكلتا يديها بتعجب:
"ليه أنا عملت إيه عشان تقولي الكلام ده؟ أبوكم هو السبب، هو اللي عمل فينا كده، هو اللي دمرني وهو اللي جني عليا وهو اللي خانني وجرحني، وفي الآخر بتلومي عليا أنا؟ إن أنا اللي دمرت البيت ووصلتك للمرحلة المنحطة دي!"
جلست سما بإهمال على سريرها، وتحدثت بقسوة:
"أيوه إنتي وما فيش غيرك السبب في اللي وصلنا له ده."
وتابعت بنفس القسوة:
"ما هو طلقها وجالك واعتذر بدل المرة عشرين، وإنتي راندا هانم اللي ما ينفعش تتنازل."
أمسكتها من تلابيب ملابسها، ونطقت بحسرة:
"بقى بتجيبي اللوم عليا أنا! بعد ما ضيعتي عمري وشبابي وجمالي عليكم! بعد ما كنت ليكم الأب والأم والكل، وهو هناك بيتنعم في حضن واحدة وعايش حياته عادي، وأنا هنا الدادة اللي بتربي العيال."
رفعت حاجبيها، وتحدثت بنفس القسوة:
"بس في الآخر عملتي زي اللي فضلت تطبخ لولادها أحسن أكل وتعبت طول النهار، وجت على آخر اليوم قبل ما ياكلوا حرقت الأكل وبقى ولا له طعم ولا لون ولا ريحة. وفي الآخر تعبها راح، ولا هي اتهنت بيه ولا ولادها اللي كانوا طول اليوم بيضحكوا وبيلعبوا وكل شوية يشاغبوها أكلوا وناموا جعانين."
اتسع بؤبؤ عينيها، وردت بدهشة:
"بقى أنا كده يا سما!"
ردت بهدوء:
"أيون يا ماما كده وأكتر من كده كمان. أنا بقيت مش لاقياكي ولا لاقية بابا اللي عمل كل اللي في وسعه عشان ميسبناش. وخلي بالك مش أنا لوحدي اللي ضعت، مهاب كمان دخل طريق الضياع اللي أي حد بيدخل فيه مبيطلعش إلا وهو على نقالة."
تتوالى الصدمات على قلبها كالرياح التي سكنت مدة طويلة، وبدون سابق إنذار هبت واقتلعت في طريقها أشد الجبال الراسخة. وهتفت بعدم تصديق:
"إنتي بتقولي إيه! مهاب ماله؟"
اهتز فكها بسخرية، وأجابتها بنفس القسوة ولم ترعى حالها الذي تنشق له القلوب:
"مهاب بقى سهر وشرب مخدرات وكباريهات يومياً، وبيرجع نص الليل وإنتي نايمة ومصدقاه وهو بيقول لك إنه جه بدري، ومبتابعيش وراه."
لم تصدقها، وصفعتها على وجنتيها الأخرى، مرددة باستنكار:
"إنتي كدابة، مهاب لا يمكن يعمل كده أبداً! مهاب متربي، إنتي بتفتري عليه عشان تداري على عملتك السودا."
الآن تبدل وجه البنت القاسية التي رسمته ببراعة على وجهها، وكشفت وجه الطفلة البريئة التي دنستها قسوة الحياة بعدما كانت مدللة أبيها وأمها. ورددت بانهيار:
"أنا عمري ما كنت كدابة يا ماما، بس بقيت كدابة. أنا مبقتش سما الطفلة البريئة اللي إنتي خلفتيها وربتيها. أنا بقيت مشوهة من جوه ومن بره واتدمرت، وحياتي القديمة الجميلة اندفنت ومش هعرف أرجع لها تاني."
مسحت راندا دموع عينيها بحدة، ونظرت إليها بأعين دامية وهي تحاوطها من كتفيها، ورددت بحيرة:
"ليه كده يا سما، ليه عملتي فينا وفي نفسك كده؟"
واسترسلت بتساؤل مغلف بنفس الحيرة:
"ليه عملتي لي حظر، انطقي؟"
أجابتها باستفاضة وهي تجلس على السرير بإهمال وتضع وجهها بين كفيها:
"ومش بس إنتي يا ماما اللي عملت لك حظر، أنا عملت لجدو ولتيته ولخالو ولخالتو ولمهاب ولبابا، وكله مفكر إني قفلت صفحتي عشان خاطر حالتي النفسية بسبب اللي حصل لنا. لكن أنا خدعت الكل."
وضعت راندا يدها على صدرها وهي تحاول تهدئ من ضربات قلبها السريعة التي تنتابها كلما استمعت إلى كلمات ابنتها البشعة. وأكملت استفساراتها والتي من الواضح أنها لن تنتهي:
"اتعلمتي ده كله من مين وامتى؟"
سما بلا مبالاة:
"ياه يا ماما، دي الدنيا اللي حوالينا مسرح كبير اتعلمت منه، وإنتي بعيدة عننا وعايشة جوة دوامة الشوبينج وصالونات التجميل والخروج والفسح، وبعدتي أوي."
أحست بأن الكون يدور حولها، مما علمته عن أبنائها، وصارت تضرب وجهيها كالجهلاء من شدة الصدمة، وجلست أرضاً وهي تنتحب:
"يا مرارك يا راندا ومصيبتك اللي وقعت فوق دماغك."
وأكملت نحيبها:
"ليه يا رب يجرالي أنا كده دوناً عن الخلق كلهم! ليه يكون اللي باقي من عمري كله قهر ووجع، واللي فات عشته أم وأب، ودفنت نفسي سنين في الدوامة وملحقتش نصيبي من الفرح."
جلست سما بجانبها كالقرفصاء تضم ساقيها وتضع رأسها بينهم وهي تنتحب كوالدتها بشدة.
كيف تموت المرأة حية؟
قال غابرييل غارسيا ماركيز:
"رأيت امرأة ميتة يوم أمس، وكانت تتنفس مثلنا."
ولكن كيف تموت المرأة؟ وكيف تراها تحتضر؟
تموت إذا فارقت وجهها الابتسامة، إذا لم تعد تهتم بجمالها، إذا لم تتمسك بأيدي أحد ما بقوة، وإن لم تعد تنتظر عناق أحد، وإن اعتلت وجهها ابتسامة ساخرة إذا مر عليها حديث الحب. نعم هكذا تموت المرأة!!
نعم تموت المرأة وهي حية ترزق، تعلن الحداد داخلها، تعيش مراسم دفنها لوحدها، ثم تنهض، ترتب شكلها، تمسح الكحل السائل تحت عينيها، تعيده، ثم تخرج للعالم، واقفة بكامل أناقتها، تتنفس وربما مبتسمة وتضحك، لكنها ميتة ولا أحد يعلم!
فكم من امرأة تعيش بيننا تتنفس، لكنها ماتت منذ زمن.
انطفاء بريق الأمل والقوة في عينيها هو أولى علامات الموت.
والله أنا دماغي محتاجاها فعلاً بسبب دوشة الطلبة في الجامعة، واتصالات ريما اللي داوشاني بيها من الصبح.
نظر مالك وعلي إلى بعضهما باندهاش مرددين بصوت واحد:
"ريما!"
تحدثت بابتسامة هادئة:
"أيوة يا مستر مالك، ريما ستور."
نطق الاثنان بذهول:
"إزاي ده!"
معقولة!
ابتسمت علي ذهولهم غير المفهوم لها وهتفت باندهاش:
_ الله هو في إيه غير معقول في اللي أنا بقوله؟
أجابها علي مبتسمًا:
_ معلش اعذرينا أصل إحنا كنا مفكرين ريما ستور امرأة أربعينية محنكة.
أنهى كلامه وهو يضع يده على فمه مبتسمًا.
وأكمل مالك باندهاش:
_ والله أنا مش مصدق إن اللي بتبعت لنا التصاميم اللي بالدقة والروعة دي طول الخمس سنين اللي فاتوا تطلع سنها صغير كده.
ابتسم رحيم عليهم ونظر إلى ريما مرددًا بتفاخر مغلف بالمداعبة:
_ الله دي إنتي طلعتي هيرو بقي وليكي صيت ومحدش قدك ومش هنعرف نكلمك بعد كده.
لكزته بقدميها بخفة وهي تنظر له بحدة وتحدثت إليهم باعتذار:
_ معلش يا مستر مالك رحيم أخويا بيحب الهزار والضحك.
واسترسلت بتأني:
_ أنا جيت لحضرتك النهارده علشان ما كانش ينفع أقبل عرض الشغل على الواتس، فلازم كنت أجي علشان أبلغكم إني موافقة أنضم لمجموعة مالك الجوهري.
ابتسم ذلك العلي على موافقتها وأردف بترحيب هائل:
_ ياه أخيرًا ريما ستور هتنضم رسميًا لمجموعة مالك الجوهري، من زمان واحنا نفسنا في الخطوة دي معاكي، سبحان الله كل تأخيره وفيها خيره.
أما مالك فقد شعر بفرحة شديدة منذ أن أدلت عليهم بموافقتها، فهو كان منتظرًا لتلك اللحظة، فوجودها بينهم بتصميماتها المبدعة سيرفع من شأن المجموعة، وخاصة أنها مميزة في عالم الفاشون والجميع يتساءل عنها.
اهتز فكه بسعادة وهتف بترحيب:
_ شرفتينا يا مدام ريم وأهلاً بيكي، أنا سعيد جدًا لانضمامك لينا ولأننا نشتغل مع بعض وجهًا لوجه، وبكده ممكن نضيف للشغل أفضل ما يمكن بوجودك هنا.
وتابع حديثه بإبانة:
_ عايز أوضح لك حاجة مهمة جدًا، إننا هنا في المجموعة ما بنتعاملش كالمدير واللي شغالين عنده خالص، مجموعة مالك الجوهري كلها بتشتغل إيد واحدة مع بعضها علشان خاطر نرفع من شأن المجموعة وسط سوق الفاشون.
علشان كده أي حاجة تضايقك لازم تعرضيها عليا أنا شخصيًا، لأني حابب إننا نفضل نتعامل مع بعض.
واستطرد حديثه برجاء:
_ علشان كده بطلب منك وقت ما تحسي إن شغلك مش مجزي ماديًا ليكي، ما عنديش مانع إننا نتفاهم، لكن اللي يضايقني جدًا إنك تيجي في وسط الطريق وتقولي لي إن جالك عرض أفضل وتسيبي المجموعة، ساعتها أنا هبقى متضايق جدًا.
كانت تستمع إليه بآذان صاغية وتفهمت كلماته وأجابته باستجواد:
_ ما تقلقش من الناحية دي يا مستر مالك، أنا من النوع اللي لما بشتغل في مكان بتعلق بيه جدًا، والناحية المادية ما تفرقش معايا، لأني أنا بشتغل مش عشان خاطر أجمع فلوس كتير خالص، أنا بشتغل علشان أنا حابة مجال fashion designer.
يعني من الآخر أنا آخر حاجة أفكر فيها الماديات.
واسترسلت بتوضيح:
_ بس حاجة مهمة برضه، إني مش بحب حد يتدخل في تصميماتي أو يعدل عليها، أنا التصميم بتاعي بشتغل عليه من البداية للنهاية لتعديلاته.
ودي أكتر حاجة هي اللي تضايقني في الشغل، غير كده مش هنختلف بإذن الله يافندم.
طمأنها أنه لن يتدخل أحد في التصميم الخاص بها، وعلى الفور استدعى مدير الشؤون القانونية وطلب منه أن يكتب عقد التعامل بينهم بدون شروط على الطرفين، فمالك كلمته كلمة رجل وليس ذكر، وريم من النوع الذي لم يغدر أبدًا وتمتلك من الوفاء ما يجعل الطرف الآخر مطمئنًا لها.
بعد إنهاء التوقيعات على العقد، ناوله إياها قائلًا بابتسامة ظهرت على معالم وجهه:
_ اتفضلي يا مدام، نورتي مجموعة الجوهري وأهلاً بيكي، من بكرة إن شاء الله هتيجي هتلاقي مكتبك جاهز، هشرف عليه بنفسي من النهارده.
تناولوا المباركات فيما بينهم وبعد مدة غادرت ريم المكتب.
زفر مالك أنفاسه بارتياح وتحدث بسعادة:
_ أخيرًا يا علي، ما تتصور دي هتفرق معانا إزاي في المجموعة، الكل مستني ظهور ريما ستور، وخاصة الفنانين اللي كانوا عايزين يتعاملوا معاها وجهًا لوجه، مصممين عليها، هتبقى مكسب رائع جدًا لينا.
حرك علي رأسه وعلى وجهه علامات الابتسامة قائلًا:
_ أوي أوي، سبحان الله يا أخي، بعد ما فقدنا الأمل، ربنا يبعته لنا واحنا لا على البال ولا الخاطر.
واستطرد حديثه وهو ينتصب واقفًا:
_ هروح بقى أجهز لها المكتب اللي جنبك مباشرة.
تحدث مالك مشجعًا:
_ تمام، على بركة الله، ربنا يجعله فتحة خير يارب.
أما في سيارة رحيم يشاكس ريم مرددًا بمداعبة:
_ والله وبقينا مهمين وهنقعد على مكاتب وهنتعامل مع فنانين، والشهرة جاية لنا راكبة طيارة يا روميتي.
ضحكت بشدة حتى أدمعت عيناها من دعابة أخيها وهتفت متمتمة بآية الاستعاذة:
_ "قل أعوذ برب الفلق". إيه هتقر عليا وأنا لسه بقول يا هادي؟ عيب يا دكتور، ميصحش كده.
مط شفتيه مدعيًا الغضب وهتف بنبرة عتاب مصطنعة:
_ أنا الدكتور رحيم باشا اللي مدوب بنات الجامعة هحسدك إنتي يا ريم؟ هزلت والله. مكنش العشم كده يا قلب أخوكي.
ظل الحديث بينهم متخذًا نمط المشاكسة إلى أن أوصلها إلى المنزل قائلًا وهو ينظر في ساعة يداه:
_ أنا رايح مشوار كده يا ريم، بلغي ماما إني هتغدى بره.
غمزت بإحدى عينيها بشقاوة مرددة:
_ أيون، شكلك كده رايح تشم هوا ينعنش قلبك اللي جاله جفاف يا عين أختك.
رفع حاجبيه باستنكار هاتفا:
_ الله، هي ريم الرقيقة بتعرف تقلش وتتكلم من تحت لتحت؟
والله عجبت لك يا زمن!
ضحكت من كلماته وأشارت له أن ينطلق بسيارته ودلفت إلى قرة عينيها اللذان استوحشتهما كثيرًا.
***
في منزل باهر الجمال، تجلس اعتماد تغلي نارًا وهي تردد لولدها:
_ البت مبقاش حد قادر عليها. قلعت الأسود ورجعت تتشيك على سنجة عشرة، ولا كأن اللي مات كلب ولا يسوى.
تأفف زاهر من حديث والدته وسألها:
_ وإنتي عرفتي منين يا أمي؟ هو إنتي شفتيها؟
أجابته وهي تضرب بكلتا يديها على فخذيها:
_ من المحروق اللي اسمه الفيس يا أخويا، منزله على القصة بتاعتها صورتها وهي قاعدة بترسم رسومتها الهبلة اللي خسرتها بيتها وجوزها.
واسترسلت بنبرة شيطانية:
_ دي طلعت ولا أصل ولا فصل، وأهلها معرفوش يربوها. ده أنا لحد دلوقتي مقلعتش الأسود على أبوك الله يرحمه.
كانت هند تلتزم وضع الصمت، ولكن لم تقدر على ذلك وهتفت باستهزاء:
_ أمال إنتي مفكرة هتعمل إيه يعني يا حماتي!
دي لسه شابة صغيرة وجميلة، وأكيد لازم تخرج للدنيا وتعيش حياتها. مش هتدفن نفسها بالحياة يعني.
_ تصدقي بالله إنك معندكيش ذرة إحساس وجبلة... جملة تهكمية قالتها اعتماد لهند وأكملت بغضب:
_ إلا لو إنتي اللي في موقفها، كفى الله الشر على ابني، ربنا يحميه ويحرسه يارب، كنتي عملتي كده زي اللي ماتتسمي دي؟
لوت شفتيها بامتعاض وتحدثت:
_ بعد الشر عليا من الهم والحزن يا حماتي.
متقوليش عليا وترمليني بدري بدري كده.
قطب زاهر جبينه ولم يعجبه ردها وأردف ساخرًا:
_ لا يا مراتي، طلعتي ست ولا كل الستات!
بدل ما تردي تقولي بعد الشر على جوزي وربنا يخليه لي وتدعي لي بطول العمر، لاااا، كل اللي همك إنك متلبسيش أسود ولا تترملي وإنتي صغيرة! ده إنتي دبش دبش، مفيش كلام.
كادت أن تعترض على كلامه إلا أن اعتماد أشارت إليهم بحدة:
_ بقولكم إيه، هو انتو كل لما أكلمكم كلمتين على اللي ينخفي اسمها وصورتها تتخانقوا وتقلبوها لي نكد هنا؟
واسترسلت وهي تمسك هاتفها وبدأت بفتح تطبيق الواتساب:
_ والله لأبعت لها رسالة وأحر.ق دم.ها البعيدة وأخليها تغل.ي نا.ر من جواها، ولا أسيبها تتهنى وابني ضنايا مرمي في تربته.
لم يوقفها زاهر، فهو ضعيف الشخصية أمام والدته ولن يقدر أن يراجعها ولا أن يمنعها.
أما هند كانت تنظر إليها نظرات احتقار على ما تفعله.
دونت رسالتها والتي احتوت على:
_ إزيك الكونتيسة ريم هانم اللي دايرة على حل شعرها وشكل لما تكون صدقت جوزها مات؟
دي إنتي طلعتي معدومة الأصل، لا ده إنتي معندكيش أصل أصلًا.
استلمت ريم رسالتها وقرأتها وهي تستشيط غضبًا، ولكن استعملت معها منطق البرود التام وأرسلت لها إيموشن تأكيد ولم تعيرها اهتمام.
استشاطت اعتماد من تجاهلها، فهي كانت قاصدة أن تكيدها، ولكن هي التي وقعت في مكيدتها ورددت بغضب وهي تجز على أسنانها:
_ أه يانا من بنت المحرو.ق دي، بت باردة ولا بتحس.
قال جيت أكيد الناس، كدت أنا نفسي.
واسترسلت بوعيد:
_ والله ماهسيبها تتهنى ولازم أخلي اللي مايشتري يتفرج عليها ست حلويات دي.
وظلت تتآكل غضبًا جما، كاد أن يفتك برأسها وهم يستمعون إليها دون اعتراض.
***
في منزل مالك الجوهري، تجلس تلك الراقية مع ابنتها التي تحدثت باستفسار:
_ يعني يا ماما مالك ربنا شفاه من المرض اللي كان مانعه من الخلفة خالص؟
تنهدت بارتياح وأجابتها بابتسامة تشع حمدًا:
_ أه يا بنتي، ربنا تم شفاه على خير الحمد لله وجبر بخاطره.
واسترسلت وهي تنظر للسماء بدعاء:
_ ويا رب يرزقه ببنت الحلال اللي تعوضه مر العمر اللي ياحبة عيني بيمر بيه وملحقش يعيش من لحظاته ولا ساعة هنية.
عقدت هيام حاجبيها باندهاش وأردفت بتعجب:
_ طيب إزاي خف خالص بالسهولة دي؟
اندهشت عبير من تساؤلها ونطقت باستنكار:
_ يعني إيه إزاي يا هيام؟ مش فاهمة سؤالك ده.
بدل ما تقولي الحمد لله إن ربنا شفاه.
ابتسمت بسماحة وأجابتها على الفور:
_ مقصدرش يعني يا أمي. الحمد لله طبعًا.
واسترسلت بإيضاح:
_ أنا اللي أعرفه إنه حالته كانت صعبة ومحتاجة وقت، عشان كده استغربت.
اندهشت عبير أكثر وسألتها:
_ وإنتي عرفتي منين إن الحالة صعبة ومحتاجة وقت؟
أنا عمري ما جبت لحد سيرة.
انقلب وجهها بالاحمرار من حصار والدتها الغير مفهوم لها وأردفت بتعجب:
_ جري إيه ياماما، هو إنتي هتقفي لي على الواحدة؟
واسترسلت وهي تحمل حقيبتها وتستعد للمغادرة:
_ أنا مضطرة أمشي دلوقتي عشان هعدي أجيب الأولاد من التمارين. بعد إذنك يا ماما وابقي سلمي لي على مالك ومازن.
كانت عبير تنظر على أثرها بقلب يدق بخوف مما وصل إليه تفكيرها وأرعبها بشدة.
ولكن نفضت ذاك التفكير عن بالها واستنكرته تمامًا واستدعت الهدوء وعادت إلى مسبحتها تستغفر الله.
في مصنع مالك الجوهري كان يتجول في الطرقات، وإذا به يستمع إلى صوت أخيه يقف مع إحداهن. وجد نفسه يقترب أكثر كي يسمع ما يقال بينهما دون أن يروه.
مروان بغمزة:
_ بس إيه يابت الطقم الجامد ده، عود البطل بصحيح.
ضحكت بأنوثة مثيرة وأردفت بدلع:
_ والله طول عمري شياكة وأناقة ياموري، مش جديدة عليا يعني.
ربع ساعديه حول صدره وتابع بمشاغبة:
_ ده إنتي باينك كنتي بطلة الملاعب بقى يامزة.
مطت شفتاها بإغراء ويدها تعبث بخصلات شعرها الحريري وتحدثت بمراوغة:
_ ياه، متفكرنيش بقى ياموري بالأيام الحلوة. حكم أنا بقى عندي جفاف عاطفي على الآخر.
ابتسم بعبوس على حديثها وهتف بزعل مصطنع:
_ الله، هما أنا عِمي ولا إيه والنظر عندهم ضعف؟
هما مش شايفين الجمال والدلال ده ولا إيه؟
كادت أن تجيبه إلا أن مالك ظهر من العدم ناهراً إياه بحدة:
_ اتفضل على مكتبي حالاً، استناني هناك ومتتحركش منه لحد ما أرجع لك.
واسترسل حديثه وهو ينظر إليها باشمئزاز، هادراً بها بغضبٍ جم:
_ ده إنتي طلعتي قذرة ومقرفة أوي ياشيخة!
سبحان الله، الزمن مغيرش فيكي حاجة غير إنه خلاكي أوسخ من الأول.
أنا مش من النوع اللي بحب قطع الأرزاق، بس معاكي قطع رزقك عين الحلال والصح.
١٠ دقايق بالظبط ومشفش وشك هنا تاني، وإلا هخلي الأمن يطلعك بره.
أنهى حديثه اللاذع لها، وخطي من أمامها بخطوات مسرعة غاضبة قاصداً مكتبه.
كان مروان يجلس وعلى وجهه علامات الذعر من أخيه. وما إن رآه حتى أردف معتذراً وهو يومئ رأسه لأسفل:
_ أنا آسف يامالك، واعتبر دي آخر مرة يحصل كده.
زفر مالك أنفاسه بتعب من أخيه، وفضل أن لا ينفعل وأن يفهمه خطأه بكل هدوء، مردداً:
_ شوف يا مروان، أنا ممكن أسيبك تعمل اللي على كيفك وزي ما إنت عايز، بس مع البني آدمة دي بالذات ابعد عنها خالص، لأن لا هي شبهك ولا إنت شبهها.
دي واحدة مطلقة لسبب ما إنت متعرفهوش، وبتتكلم بأسلوب قذر. فمن الأفضل إنك تبعد عنها خالص.
وتابع حديثه وهو على نفس الهدوء بتحذير:
_ أنا مش جايبك هنا الشغل عشان تشقط البنات وتشغلهم، أنا جايبك عشان تشتغل وتبقى راجل يعتمد عليه. ارجوك ما تخلينيش أتعامل معاك بطريقة إنت مش بتحبها وكبرت عليها.
حرك رأسه بموافقة دون أي اعتراض وأردف بندم:
_ ماشي، حقك عليا يا أخويا، ما تزعلش مني. إنت عندك حق في كل كلمة قلتها، وأوعدك إني مش هعمل كده تاني.
هز مالك رأسه بابتسامة وتحدث وهو يربت على يده الموضوعة على المكتب:
_ تمام يا مروان، وأنا مصدقك لأنك راجل، والراجل معروف بكلمته وما بيكذبش أبداً. اتفضل على شغلك، واعمل حسابك هنتعشى مع بعض النهارده، ومفيش خروج.
انتصب مروان واقفاً وهو يردد بموافقة:
_ تمام يا فندم، علم وينفذ.
وصل رحيم البنك ودلف بخطواته المسرعة قاصداً مكتب محبوبته التي لم يرها منذ أكثر من عشرة أيام، ولا طاقة له تحتمل وحشتها أكثر من ذلك.
قبل أن يصل إلى المكتب الذي كان بابه مفتوحاً، استمع إلى أحدهم يردد:
_ فكرتي في الموضوع اللي أنا قلت لك عليه يا آنسة مريم ولا لسه؟
أجابته مريم بخجل:
_ أظن أنا رديت عليك يا باشمهندس على طول في نفس الوقت اللي عرضت عليا فيه الموضوع، وقلت لك رأيي.
انزعج الآخر من ردها وهتف برجاء:
_ طب إزاي ترفضي من غير ما تدينا فرصة نتعرف على بعض وإنتي أصلاً ما تعرفينيش؟
قبل أن ينطق فاهها الإجابة، استمعوا إلى حديث ذاك الغاضب مردداً بحدة:
_ عشان الآنسة مريم في حكم المخطوبة يا باشمهندس، وإن شاء الله قريب جداً هنعزمك واحنا بنلبس الدبل.
انقلب وجه ذاك الجالس علامات الطيف، وأخذ يحرك رابطة عنقه دليلاً على إحراجه واضطرابه من ذاك الموقف المهين. واستجمع الكلمات بصعوبة على فمه ونطق باستفسار وهو ينظر لمريم:
_ إنتي ليه معرفتنيش يامريم إنك مخطوبة أول ما عرضت عليكي طلبي وردك عليا كان يوحي بأنك ممكن توافقي؟
كاد قلبها أن يهوي بين قدميها من نظرات رحيم الواقف أمامها، فنظراته كانت كالبركان على وشك الانفجار. ولم تقدر أن تتفوه بحرف، وكأن لسانها ابتلع من شدة نظراته.
ولكن استجمعت حالها وكادت أن تجيبه، إلا أن رحيم أشار إليها أن تصمت وأردف ببرود:
_ ويخصك في إيه حضرتك تعرف إذا كانت مخطوبة ولا لأ؟ هي ملزمة تعرفك حياتها الشخصية ولا حاجة.
وتابع بنبرة تحمل الاستهزاء:
_ ماهي قالت لك إنها مش موافقة، إنت اللي عشمت نفسك بحاجة مرفوضة من البداية.
انتصب ذاك الشاب واقفاً بانزعاج وهو يردد بغضب:
_ أنا لا يمكن أستحمل الإهانة دي أكتر من كده. ليكي مدير بنك هنا يرد لي إهانتي دي؟
ثم خرج بغضب، ولكنه استمع لكلمات رحيم الأخيرة:
_ مع السلامة، والقلب داعي لك يا أخويا.
ثم نظر إلى مريم مردداً بغضب:
_ والله عال يا ست مريم هانم، بيتقدم لك عرسان وأنا المغفل اللي نايم على ودانه.
قال آخر كلماته وهو يضرب على المكتب بعنف جعلها ترتعب من غضبه الشديد الذي تراه لأول مرة. هدأت من حالها وأجابته بثبات اصطنعته بأعجوبة:
_ هو أنا يعني مش بنت زي البنات ولا إيه، وطبيعي جداً إني يتقدم لي عرسان يادكتور.
اتسع بؤبؤ عينيه من ردها وهتف بحدة:
_ إيه الكلام اللي إنتي بتقوليه ده يا مريم، فوقي لنفسك، أنا رحيم.
استجمعت شجاعتها وهتفت باستنكار:
_ هو أنا قلت إيه يعني يخليك تزهق عليا وتغضب ويبقى شكلك بالمنظر ده وكأني عملت عاملة، ولا كأنك دخلت لقيتني واقفة في حضنه مثلا؟
قاطع حديثها بحدة وهدر به بنظرة غاضبة:
_ والله عال، وكمان مش معترفة بغلطك وبتتريقي كمان ياهانم!
وتابع حديثه بتصميم:
_ اعملي حسابك إنت هتسيبي الشغل في البنك وترجعي الجامعة ويبقى مكان شغلنا واحد. أنا أصلاً مش موافق على شغلك في البنك من البداية.
جزت على أسنانها وصاحت به:
_ بأي حق تقرر عني وبأي حق تمنعني من شغلي اللي أنا بحبه؟
صمت لثوانٍ ثم حدق في عينيها وأردف بنبرة عتاب مغلفة بالهدوء:
_ بحق الحب اللي بينا يامريم، اللي وصل لمرحلة العشق.
بحق الأيام والليالي اللي بحلم نكون فيها مع بعض. بحق قلبي اللي امتكلتيه وعقلي اللي مشغول بيكي ليل نهار.
بحق الوعود والعهود اللي بينا إننا نكون قلب واحد ورأي واحد وكيان واحد.
واسترسل بنبرة ممزوجة بالحزن:
_ ياترى بعد كل اللي قلته ليا حق ولا مليش يامريم؟
زَمّت شفتاها وأنزلت بصرها للأسفل بحزن ممزوج بدلال وتحدثت بنبرة استيائية مفتعلة:
_ ماهو إنت اللي دخلت فيا شمال وحمّرت لي عيونك ورعبتني وخليت قلبي طب في رجلي، أعمل إيه يعني؟
وأكملت وهي تتمتم بصوت خفيض:
_ مستحملتش يارحيم، ولقتني بقول أي كلام.
أخذ نفساً عميقاً ثم زفره بهدوء وتابع باستفسار:
_ طيب قلتي إيه يامريم؟ عايزك تشتغلي معايا في الجامعة وتبقي مع بعض؟
تنهدت وتحدثت باستجداء:
_ أنا حبيت الشغل هنا أوي يارحيم، ولقيت نفسي في المكان ده، وفي الشهور القليلة دي بفضل الله اكتسبت خبرة، تعبت جداً عشان أوصل لها. أرجوك ياحبيبي اقف جمبي وادعمني ومتخليش موقف تافه زي ده يأثر عليك.
احمرت عيناه من جديد ونطق غاضباً:
_ والله إنتي شايفة إن ده موقف تافه!
ابتسمت وهي تشير إليه بكف يدها أن يهدأ:
_ طيب اهدي بقى ومترجعش لحالتك دي تاني، وأوعدك إن ده لو حصل تاني هقول لك والله.
زفر بسأم وتحدث باعتراض:
_ يعني برضه مصممة إننا نكون بعاد عن بعض؟
أجابته بتوضيح:
_ كده أحسن عشان طنط متظنش فيا السوء أكتر. أنا كده مرتاحة ومريحة.
واسترسلت بحب نابع من قلبها:
_ بس سيبك إنت، شكلك قمرر وإنت واقف كده ترد على معتز، والغيرة عليا خلت قلبي يرفرف من السعادة.
قطب جبينه وتحدث باستنكار:
_ وكمان بتنطقي اسمه قدامي!
بقولك إيه يامريم، اتقي شري النهاردة عشان أنا عفاريت الدنيا بتتتنطط في وشي.
ضحكت بشدة رغما عنها ثم هدأت وتحدثت بطاعة:
_ حاضر ياقلبي، أنا مش هتكلم تاني.
نظر إليها بقلب يدق بعنف وردد بوله:
_ بجد ياقلب رحيم، بتحبيني قد إيه بحبك؟
أجابته بعيون ولهة وهي تشير إلى قلبها:
_ والله مادق لحد قبلك ولا هيدق لحد بعدك، وكأن دقاته اتوصمت ليك انت وبس ياقلب مريم.
تنهد وبعينيه عاشقة أومأ لها بأهدابه وتحدث بتلبية:
_ خلاص أنا موافق تفضلي هنا، ومش بس كدة، اعملي حسابك في خلال عشر أيام بالكتير هاجي أخطبك، كفاية كدة الشهور دي كلها تأجيل، جبت أخري خلاص ومبقتش قادر أستحمل، متتبقيش على اسمي وملكي.
اعترى الخجل جسدها بأكمله وصارت دقات قلبها أكثر عنفًا ونطقت بنبرة يملؤها الشجن:
_ خايفة أصدق وأرتب وأجهز نفسي وفي الآخر أنصدم.
لاحظ حزنها الشديد فطمأنها بتأكيد:
_ مش واثقة فيا وفي كلامي يامريم؟
أخرجت تنهيدة حارة وأنزلت بصرها وأردفت قائلة بنبرة محملة بأثقال من الهموم:
_ مش قصة ثقة فيك انت، لااا، ده في اللي حواليك وفي المجتمع نفسه اللي شايفني مستحقش أعيش وأحب وأتحب من اللي قلبي اختاره.
رفع منكبيه باستكانة وبنبرة تقطر عشقًا تحدث شارحًا:
_ ومين يقدر يبعدني عنك ولا يغير تفكيري في القرب منك، وأنا كلي بيناديكي تسكنيه؟
وتابع بتأكيد:
_ أنا كنت مخليها مفاجأة ليكي، بس عشان نظرات الحزن اللي في عيونك دي وقلة الثقة اللي محاوطاها بيها نفسك، هقولك. أنا بقى لي أكتر من شهرين أنا وريم وبابا بنقنع ماما، وخلاص قربنا نقنعها. وعايز أعرفك كمان إنها مش هتبقى خطوبة، لااا، إحنا هنكتب كتابنا علطول ياعمري.
انتفضت بسعادة بالغة من كلماته وأردفت بتساؤل:
_ بجد ياقلبي كلامك ده ولا بتصبرني وخلاص؟
استدار بكامل جسده وأجابها وهو ينظر داخل عينيها:
_ بجد جدًا ياعمري. ياه، نفسي بقى اليوم ده يجي بسرعة عشان نفسي أوي أتنفس عطرك عن قرب وأضمك لحضني ياقلبي.
خجلت بشدة من كلماته وهتفت بهدوء:
_ بعد إذنك يارحيم، بلاش تتكلم معايا بالطريقة دي والعلاقة بينا تاخد منحنى أنا مش حاباه، أو بمعنى أصح يغضب ربنا، كفاية كلامنا مع بعض بدون رابط شرعي، ده في حد ذاته حرام وهنتحاسب عليه.
واسترسلت حديثها بابتسامة نابعة من قلبها الجميل:
_ أنا نفسي أي شعور وأي نبضة من قلبي ليك أحسه في الحلال عشان أعرف أدوق حلاوته من غير ما ألوم نفسي.
بادلها نفس الابتسامة وردد بحالمية:
_ طيب، هحبك أكتر من كده إيه يابنت قلبي وروحي؟ ده أنا عديت مراحل الحب والعشق والغرام وخلصتهم فيكي.
ابتسمت وهي ترمش بأهدابها خجلًا من كلماته، وما إن رأى علامات الخجل على وجهها ردد بعشق جارف:
_ لا ده أنا كدة هدوب وقلبي مش هيستحمل ياروما.
قطبت جبينها وهتفت باندهاش:
_ بردو مفيش فايدة، ده كأني مبقولش حاجة. إنت وجودك دلوقتي هنا بقى خطر كبير، اتفضل يالا روح شوف وراك إيه عشان أنا كمان أشوف ورايا إيه.
جلس يشاغبها بخفة ظله قليلاً ثم ودعها بقلب حزين، ولكن وعد حاله أن لا ينقضي ذلك الأسبوع إلا وهي امرأته. وظل هائمًا بها ويردد داخله بكلمات عشقه لها.
أخبروها بأن عيناي تنتظر رؤيا طيفها هائمة.
أخبروها بأن أنفاسي متلهفة لمساتها الناعمة.
أخبروها بأنها عشقي الأبدي وحياتي بدونها قاتمة.
أخبروها بأنها روحي ودقات قلبي بنارها مغرمة.
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم فاطيما يوسف
في أحد المطاعم الشهيرة يجلس الدكتور إيهاب مع أخر شخص توقع مجيئه إلي مصر.
جاءت فيروز، الأنثى الراقية، إلي الأراضي المصرية والتي تزورها لأول مرة في حياتها لأجل أن ترى إيهاب الذي استوحشته كثيراً.
جلست مقابله تنظر إليه بحب جارف ووحشة شديدة ورددت بهيام:
_ وحشتني كتييير جدا يا إيهاب.
ابتسم بهدوء وأجابها:
_ ياه، لسه منستيش اللهجة المصرية يافيروز وبتتكلميها بطلاقة.
اعتدلت في جلستها وهتفت بحب:
_ لأني بحبها جداً، وبحب أتكلم بيها وعلشان حبايبي إللي قريبين من قلبي يفهموني بيها.
تحمحم كي ينظف حنجرته وتحدث بملامح جادة ارتسمت رغماً عنه:
_ بلاش نتكلم مع بعض بالطريقة اللي توجع قلوبنا وترهقها يافيروز، إحنا بقينا دلوقتي أصدقاء وبس.
انزعجت بشده من كلامه وأردفت بنبرة حزينة:
_ ليه يا إيهاب بتعمل فينا كده!
انت طلقتني وانت عارف إني هتعذب في بعدك، وأنت إللي خرجتني من دوامة الحزن إللي كنت عايشة فيها وفجأة سبتني علشانها، وفي الآخر هي مرجعتلكش.
ولا منك طولتها ولا مننا استمرينا، وانت بتتعذب وأنا انقهرت في بعدك عني.
أخذ نفساً عميقاً ثم زفره بهدوء وتحدث بإيضاح:
_ من البداية قلت لك إني مسيري في يوم من الأيام هفارق، وإني احتمال مقدرش أكمل، يعني أنا مخدعتكيش يافيروز.
ابتلعت غصتها بمرارة مثل مرارة الصبار وتركت لسانها يتفوه:
_ أنا كنت بالنسبة لك إيه يا إيهاب، ممكن أعرف؟
هل كنت مجرد نزوة بتفضي فيها رغباتك واحتياجاتك وقت ماكنت لوحدك؟
بنبرة يملؤها الشجن أجابها:
_ كنتي زي طيف جميل عشت معاه خمس سنين في هدوء وراحة وفجأه اختفي.
بنبرة صوت محتقنة هتفت بأمل:
_ طيب ليه بتسميها اختفت؟ أنا وانت دلوقتي مفيش حد في حياتنا، وأنا بحبك وانت عارف كدة كويس. تعالي نرجع دبي ونكمل حياتنا هناك أرجوك.
ضيق نظرة عينيه ثم رمقها بنبرة هادئة:
_ مينفعش يافيروز، مقدرش أكسرها مرة تانية، دي مش بس أم ولادي وعشرة عمري، دي كل عمري وأيامه الحلوة.
ضيقت عيناها بحزن وأوردفت بعتاب:
_ إنت قاسي أوووي يا إيهاب عليا. طيب والخمس سنين إللي عشناهم مع بعض في سعادة وراحة وحب دول كانوا وهم مثلاً؟
طيب كلمة "بحبك يا روزا" إللي كنت بتقولها لي كانت هباء من ورا قلبك!
حضني إللي كنت بتنام فيه وتقولي ببقي في قمة الراحة والاسترخاء وأنا بين أحضانك ياحياتي كان مجرد كلام من سحر اللحظه وبعد كدة كأن شيئا لم يكن.
رفع منكبيه باستكانة وبنبرة تقطر ندماً تحدث شارحاً:
_ منكرش اني كنت برتاح في حضنك، بس عمري ماخدعتك ولا قلت لك إني مبحبش مراتي، لا يافيروز، كل كلامي معاكي اني بعشقها وإنها بالنسبة لي كل حاجة.
_ طيب وأنا يا إيهاب بالنسبة لك إيه؟.. جملة استفهامية نطقتها بعين تلمع بالدموع.
وعقبت بقلب يحترق:
_ ده أنا جت لك مخصوص من هناك علشان نرجع، وفي الآخر تقول لي مش هتقدر تكسرها!
ماهي أصرت علي الطلاق واطلقتوا ومصممة بردوا علي عدم الرجوع، وإنت واقف في النص ولا طايلها ولا راضي نرجع، يرضي مين ده!
يشبه حاله كتائه في صحراء في يوم شديد الحرارة، ولكنه لايجيد الرجوع ولا قدميه قادرة على أن تسعفه، ولكنه احتمى في مظلته التي تعطيه قسطاً طفيفاً من الاحتماء.
وردد بتصميم:
_ ولو عشت العمر كله من غيرها مش هجرحها تاني، ولا هرجع ولا هعرف غيرك ولا غيرها.
واسترسل بروح منهكة:
_ هي مش بالنسبة لي أم ولادي ولا عشرة عمري، لااا، دي أكبر من أي إحساس وأقوي من أي شعور.
غضبت بشدة من وصفه وأردفت برفض:
_ بس انت كدة ظالم ومش عادل يا إيهاب.
وبتكسر قلبي وبتقطع فيه وانت عارف يعني إيه وجع القلب ومجرب.
تنهد بتعب وهتف بنبرة حزينة:
_ ما باليد حيلة، وما على القلب سلطان يافيروز، أنا اتسرعت في جوازي عليها وبدفع التمن دلوقتي. بس مكنتش متوقع إنه هيبقي غالي كدة. بيت اتدمر وأولاد اتهدموا وانسانة محطمة وبقت حياة بائسة للجميع.
أشارت على حالها باستغراب من كلامه وتحدثت باستنكار:
_ طيب وأنا فين من كل ده!
ده أنا احتويتك وقت ضعفك.
كنت ليك وطن في عز الغربة.
كنت ليك نهر ترتوي منه وقت ماتحب في أصعب لحظات ضعفك.
كل ده ومليش حتى في قلبك حبة حب ولا حبة حزن! مش بقولك إنت قاسي أوووي.
تألم كثيراً لحزنها وأشفق على حالتها المعذبة وأردف بأسف:
_ حقك عليا يا فيروز لأني خذلتك أوووي.
أرجوكي متشيلنيش ذنبك أكتر من إللي أنا شايله وحامله على أكتافي وشيال الحمول قرب يتهز ويقع.
ابتلعت أنفاسها بصعوبة ورددت بتألم:
_ طول عمرك بتستغل طيبة قلبي وحبي يا إيهاب. وطول عمرك بتعرف تلعب على وتري الحساس إللي هو حبي ليك.
واسترسلت بحزن بالغ:
_ طيب هي ليها ولادها عايشين معاها وأهلها حواليها ومش سايبينها.
أنا مكنش ليا إلا أنت، تعالي أداوي لك جروح قلبك ونعيش مع بعض في هدوء.
قطب جبينه وتحدث باعتراض:
_ طيب سيبك منها، ولادي أعمل فيهم إيه!
عايزاني أكسرهم من تاني وأدمر قلوبهم مرة تانية! مش هيحصل يافيروز، ولو هعيش عمري كله وحيد شريد مش هقدر.
واستطرد بإيضاح:
_ هتتعبي معايا أوووي وهتتظلمي، وأنا مرضلكيش الظلم لأنك متستاهلوهوش، كفايه تجربتك الأولي اللي فوقتي منها بأعجوبة.
قلبت عينيها بحزن عميق ودمع يلمع داخلهما واردفت:
_ بس أنت المرة دي هتبقي القشة اللي قطمت ظهر البعير يابشمهندس.
واسترسلت وهي ترتدي نظارتها الشمسية وعلي فجأه أمسكت يداه تتلمسهما بحنين بالغ مرددة بحب قبل أن تنتصب واقفة:
_ هتوحشني أوووي يا إيهاب، ولازم تعرف إني بحبك وهعيش الباقي من عمري محبش غيرك.
في نفس المكان وفي نفس اللحظة دلفت راندا مع صديقتها المقربة لها، والتي ما إن رأت صديقتها حالتها وحزنها الشديد أصرت أن تخرجها من حالة الضيق وقامت بعزيمتها على الغداء في أحد المطاعم.
وبعد أن دخلتا واستقرتا في المكان إذا بها تنصدم من ما رأته.
وشهقت عالياً بصدمة لفتت نظر الجميع إليها.
فراندا من الشخصيات التي تندفع بشدة لموقف أغضبها وليس عندها ولو بضعاً قليلاً من التحكم بحالها.
وفي التو والحال التقت أعينها المصدومة من رؤيتها لهم وهي تتحسس يداه مع أعينها الدامعة ونظرتها المنكسرة.
فتحطم كلياً وهو جالس مكانه وليس قادراً على التحرك محدثاً نفسه وهي متناسياً وجود تلك الفيروز قائلاً وهو ينظر لمقلتيها بدقات قلب تكاد تقفز من بين ضلوعه:
_ مهلاً حبيبتي لا تتعجلي في الحكم علينا، فأنا كنت أقاوم منذ لحظة في محراب حبك، وأنا لم أأمل لضمتك لا، بل فقط لأن لا أجرحك ثانية.
أجابته عيونها بحسرة وألم:
_ خائن وخادع ومتجبر يا ذلك القاسي الذي دمرني.
كيف لك أن تفعل بي هكذا!
كيف لك بتلك الجبروت الذي جعلك تأتي بها إلي هنا وتمسك يداك وتتلمسها بتلك الحميمية؟
رد حيرتها برأس تتحرك نفياً وكأنه وعى مايدور في خلدها وعيناه تنطق:
_ لا تظلميني فأنا دافعت عن وجودك داخلي بكل قوايا وأذنبت في حقها لأجلك. أذنبت في جرحها لخاطرك. أذنبت في هدمها لعشقك اللعين المستوطن داخلي كلياً. اهدئي حبيبتي اهدئي رفيقة الروح والنفس والفؤاد.
على نفس نظراتها المنكسرة الضعيفة تحركت شفتاه دون أن تدري ولكن بصوت عالٍ بعض الشيء:
_ آااااااااااااااااااه آااااااااااااااااااه.
وعلى لسان حالها لا تنطق غير الآهات فقد توجعت كثيراً من ذاك المشهد الذي آلم روحها. نعم هي رفضته لكنها تعشقه. صممت على موقفها لكنها تحترق بشدة أكثر منه.
والموقف الآن مابين ثلاث قلوب تنكوي ألماً وثلاث عيون نظراتهم ترسل نيراناً من شدة الغيرة والألم.
قلوب معذبة محطمة يكمل عليها القدر بمشاهده التي أدمت قلوبهم ودمرت أرواحهم.
انسحبت فيروز من بينهم بدموع تهبط من أسفل نظارتها كالشلالات، فهي رأت العشق الذي بلا حدود في عينيه للمرة الثانية في وجودها.
ورأت في عينيها العشق الممنوع له والذي حرمته عليهما، وانطلقت مسرعة من أمامهما وداخلها يتضرع ألماً بشدة بالغة.
وقررت أن تعود إلى بلادها مكسورة القلب والوجدان.
أما هو، فاق سريعاً واستوعب الموقف ووجد ساقاه تقوده نحوها بلا هوادة.
وقف أمامها يتمتم بحروف خرجت من لسانه بتلعثم:
_ أحلف لك بإيه إني رفضت بشدة إني أخونك تاني حتى لو انتي مش معايا دلوقتي.
صدقيني ياحبيبتي أنا رفضتها بكل قوتي. رفضتها وأنا في عز ضعفي واحتياجي ليكي.
أرجوكي دموعك بتقتلني.
علت شهقاتها وارتفعت رغماً عنها وظهر ضعفها إجباراً عليها، وكأنه أعلن راية العصيان عليها، فهي تعشقه حد النخاع رغم استكبارها وتفوّهت بقسوة كي تداري خلفها ضعفها:
_ إنت ايه ياأخي عايش حياتك براحتك وأنا مسحولة مع ولادك ومقهورة وسط مشاكلهم وانت عايش الغرام والهيام مع البرنسيسة!
يابجاحتك يا أخي يابجاحتك.
انصدم من تحولها تبكي غيرة وتنطق عناداً. يقف متحيراً متألماً لا يعرف كيف يجيبها على اهترائها. ولكن نطق بتحذير:
_ الزمي حدودك في الكلام معايا ياراندا إحنا في مكان عام وحوالينا ناس وأنا عامل اعتبار لكل حاجة بينا.
اهتز فكها بسخرية وأردفت:
_ إحنا اللي بينا اتقلب من دهب لتراب واتردم. كل إللي بيني وبينك دلوقتي الأولاد وانسي إني أرجع لك.
تنهد بثقل وألم نفسي انتابه جراء كلماتها اللاذعة وردد بهدوء:
_ وأنا مش هقابل عصيانك وكلامك الجارح ليا وقت غضبك بإهانة ليكي ومش هعمل زيك. بعد إذنكم.
أنهى كلماته الراقية بأسلوب مهذب وغادر المكان بقلب يحترق لأجلها، فهي غارت بشدة وما انفعالها ذاك إلا لعشق تود أن توأده في طي النسيان ولن تستطيع.
أما هي، وقفت تنظر لأثره بدموع وهي تردد:
_ خاين غشاش مخادع خاين خاين.
إن أهم ما يكون في شريك عمرك لا أن يحبك أو يغدق عليك بكلمات الحب التي لا تنتهي. بل الأهم أن تأمنه ساعات الخصام.
الناس يتشابهون في الحب ويتوافقون في الجميل. لكن معادن الناس تظهر في الحزن والخصام. كيف يتجاوز الناس أحزانهم وكيف يمرون بما يكدر صفوهم ويعكسونه على ذويهم.
من تهون عليه الأيام. ومن تشعر معه في خضم الألم بالأمن. وتحس إلى جواره بمعنى الاطمئنان حتى في أشد ساعات اختلافكم وأكثر أوقات انفعالكم.
وهكذا كان إيهاب الرجل الخلوق الذي لم ولن يتجاوز بلسانه جرحاً بمشاعرها بلفظ قط.
في منزل باهر الجمال حيث يجلس الثلاثي على طاولة الطعام، فإذا بجرس الباب يعلن عن وصول أحدهم.
قام زاهر بتأفف وهو يذهب ناحية الباب وقام بفتحه، وإذا به ينظر باستغراب حينما رأى رجلاً بزي رسمي ممسكاً بدفتر في يده متسائلاً برسمية:
_ هو. ده منزل زاهر محمد الجمال؟
اندهش زاهر وأجاب:
_ أيوة إنت مين؟
مد له ورقة مدوناً فيها شيئاً ما قائلاً:
_ دي دعوة مقدمها السيدة ريم المالكي بتتهمكم فيه إنكم مانعين عنها الحق الشرعي في ميراث أولادها. اتفضل امضي.
صعق الجميع مما استمعوا إليه، فهو لم يكن بمخيلتهم أن تفعل ريم تلك الفعلة الشنعاء من وجهة نظرهم. استلم زاهر الدعوة وغادر المحضر ودخل وهو يستشيط غضباً مردداً:
_ والله عال الست هانم بتتحداني ورافعة دعوه علينا إننا واكلين ميراثها. دي الدنيا انقلب حالها على الأخر والنسوان إللي ملهمش لازمة هيفضحونا على آخر الزمن.
اغتاظت تلك الشمطاء ورددت بغضب اعتادت عليه كلما جاءت سيرة ريم:
_ ده البت دي طلعت قادرة أوي والواحد مكنش واخد باله من وش الملايكة السهون إللي كانت راسماه علينا.
رفعت هند حاجبيها ونظرت إليهم وتحدثت بسخرية:
_ مانا ياما قلت لك كده زمان بدل المرة ألف ومصدقتنيش وكنتي بتقولي إنتي غيرانة منها.
ياما قلت لك احذري منها دي سهونة وخديها تحت جناحك وطبعيها على كيفك وإنتي كنتي تتريقي عليا وتقولي دي محترمة وفي حالها، أهي المحترمة بنت الأصول دوقتك ياحماتي كاس المر والفضايح.
لوت فمها وتحدثت بنبرة ساخطة:
_ ماهو كله منك يا وش المصايب مانتي إللي وقفتي شهدتي على شرفها في المحكمة وكدبتيني، كان زمانها دلوقتي طوعي وتحت رجلي ياللي عايزة الحرق بجاز وسخ.
رفعت حاجبيها واسترسلت باستنكار:
_ لا كنت أسيبك تجوزيها جوزي وتقعد على قلبي هنا تقهرني وتموتني ناقصة عمر.
ضغطت على منكبيها بشدة وهتفت بوعيد:
_ الله الوكيل ياهند لو كسبت القضية دي لاتكوني مطلقة ومجوزاه بدل الواحدة تلاتة، واحدة للمزاج وواحدة تربي له البنات وواحدة تجيب له الواد وهحرق قلبك زي ماحرقتي قلبي.
انتفضت بحدة من مكانها وهدرت بهم بصياح فقد طفح الكيل وهلكت روحها من المعيشة معهم وهي مثلها كمثل الكرسي لا فائدة لها.
وفتحت هاتفها وبحثت فيه بعنف إلى أن أخرجت فيديو وعرضته عليهم أمام أعينهم وهي تردد بحسرة:
_ طيب شوفي بقي إنتي وابنك اللي واقف ده اللي معيشني في جحيم ولا كلمة حلوة ولا ضحكة تبل الريق ومعيشني في نكد.
لو فكرتوا تغدروا بيا في أي وقت لاتغدي بيكم قبل ماتتعشوا بيا.
واسترسلت وعيدها وهي تحرك شاشة الهاتف أمام أعينهم:
_ الفيديو ده هبعته لكل معارفنا وهعملكم ليلة زي إللي كنتوا عايزين تعملوها في الغلبانة وهتبقي عاركة بقي.
اجتمعت جيوش الغضب في مقلتي زاهر وقفز إلى مكانها بسرعة وأمسكها من خصلات شعرها يلفها حول يديه بعنف ويداه تلوي ذراعيها خلف ظهرها بحدة أوجعتها وجعلتها تتألم كثيراً وهو يردد بفحيح:
_ الظاهر إني سكت لك كتيير يابت إنتي لحد ماتفرعنتي وبقيتي تطولي لسانك على حماتك وجوزك.
واستطرد بنفس حدته:
_ إزاي تصوري الفيديو ده بازبالة ياللي مينفعش تعيشي في بيوت محترمة يالمامة.
حاولت أن تنتزع يداها التي أوجعتها بشدة وكادت ضلوعها أن تنكسر بين يديه ولكن كان ممسكاً لها بقبضة من حديد وهدرت به:
_ سيب إيدي وشعري يازاهر حرام عليك دراعي هينكسر أه أه سيبني حرام عليك ياشيخ.
هزها بعنف شديد قائلاً لها بغضب:
_ مش قبل ماتمسحي الفيديو إللي معاكي ده ياهانم يامحترمة ياللي متعرفيش عن الاحترام شيء والله.
أردفت اعتماد بنبرة صوت تحذيرية مغلفة بالقسوة:
_ والله عال بقي ياللي تنشكي ملقتيش إلا اعتماد وتعملي معاها الدنيئة!
ده إنتي سنتك سودة ومش معدية.
وعلى فجأة سحبت الهاتف من يدها وضربته في الحائط بشدة وبغل ساحق جعله نزل أرضاً مهشماً إلى قطع لا يعرف عددها. وأكملت بضحكة شيطانية:
_ وادي الفيديو اللي كنت بتحتمي بيه كسرت لك التليفون خالص 100 حتة علشان ما يبقاش ليكي لازمة هنا.
ونظرت إلى ابنها وأمرته:
_ ارمي عليها يمين الطلاق البت دي مش هتبات فيها النهارده ولا ليها قعاد في البيت ده تاني طالما طلعت خاينه وعملت اللي عملته ده.
فك يدها من قبضتيه ورماها بعيداً عنه كمان يلقي رثاً في سلة المهملات وكاد أن يتفوه بكلمة الطلاق إلا أنه استمع إليها تقول بوعيد..
في منزل جميل المالكي حيث يجتمع جميل بأبنائه في جلسة عائلية في منتهى الرقي الذي فقد في معظم بيوتنا.
فأثناء حديثهم وابتسامتهم تحدث رحيم وهو يمسك يد والدته برجاء:
_ ها قلتي إيه يا ماما هنروح امتى نطلب إيد مريم مش كفاية بقى الانتظار ده كله.
لوت شفتيها بامتعاض وأردفت بنبرة حادة:
_ هو أنا من امتى قلت لك ان انا موافقة؟
نفخ بضيق شديد ثم حاول أن يكون هادئاً وهتف بنفاذ صبر:
_ مش إحنا اتكلمنا في الموضوع برده يا ماما وقلت لك أنا مش هتجوز غيرها ولا هفكر في غيرها ولا عايز من الدنيا غيرها.
واستطرد حديثه وهو ينظر إلى والده كي يعاونه:
_ ما تقول كلمة يا بابا ولا سايبني لوحدي أواجه مصيري؟
ابتسم جميل ثم ربت على قدميه مردفاً بحنو:
_ ما تقلقش يا حبيبي مفيش أطيب من قلب ماما هي هتعوز إيه من الدنيا غير سعادتكم وبس.
ثم نظر إلى فريدة مكملاً حديثه:
_ ولا إيه ياحبيبتي. مش اتفقنا إنك هتفكري؟
كانت تنظر إليهم جميعاً وعلى وجهها علامات السخط لتلك المحكمة التي نصبوها لها كما يجري في خاطرها.
وأخيراً استمعت إلى صوت ريم تردد برقة تشبهها:
_ من فضلك يا ماما إنتي طول عمرك مديانا الحرية الشخصية في اختياراتنا وعمرك ما وقفتي قصاد حد فينا في أي حاجة ودايماً بتدعمي رأينا ولو إحنا غلطانين تقولي لنا هسيبكم تكتشفوا ده بنفسكم.
واسترسلت باستفسار:
_ اشمعنا رحيم بقي اللي بتعملي معاه كده؟
أنهت كلماتها بكل هدوء يشبهها وبدون أي انفعال.
أصغت إليهم جميعاً، ثم رددت بانفعال:
_ الله ده انتم متفقين عليا بقي ونصبتو لي المحكمة وكل واحد منكم شايف إن أنا الشريرة في الرواية.
تحمحم رحيم سريعاً وأردف بنفي:
_ لا ياماما خالص والله ده إنتي أعظم وأطيب أم في الدنيا كلها.
وتابع استعطافه لها مردداً بهدوء استدعاه رغماً عنه:
_ أنا مش عايز أعمل حاجة من غير رضاكي. ولا أخطي خطوة واحدة إلا بموافقتك ياست الكل.
أشاحت بيدها دليلاً على انزعاجها وهتف جميل وهو يربت على يديها:
_ أنا إللي عايز أفهمه البنت ناقصها إيه عن كل البنات يا أم رحيم؟
اتسع بؤبؤ عينيها باستنكار وأردفت:
_ والله!
انت مش عارف؟
وأكملت بصراحة مزعجة للجميع:
_ أقول لك أنا علشان ملهاش أصل، معندهاش عيلة، من الآخر بنت ملاجئ وأنا ابني لازم يتجوز واحدة مأصلة وبنت ناس.
انتفض رحيم من مكانه فقد فاضت روحه ألما من حديث والدته اللاذع وقام من مكانه بغضب وتحرك باتجاه الدرج وهو يردد بتصميم:
_ أوعدك إني مش هكلمك في الموضوع تاني من النهارده يا أمي، وأوعدك كمان إني مش هتجوز غيرها.
واسترسل حديثه الغاضب وهو يدير وجهه إليهم ويتمسك بقضبان الدرج:
_ وطالما كدة هطلع أبلغها حالا توافق علي ابن الأغنيا اللي منملكش نص مالهم اللي كان متقدم لها وانها تنساني علشان مطلعتش راجل قدامها.
أنهي حديثه وصعد الدرج بسرعة غاضبة وقبل أن يصل إلي منتهاه استمع إلي نداء والده يردد بإقرار:
_ استني عندك بطل تسرع.
اطلع بلغها إن في نهاية الأسبوع تستنانا هنجي لها لحد عندها نطلبها منها وعرفها كمان إن أنا هبقي في منزلة باباها وإن أنا هبقي معاها هي واني هتشرط عليك علشان متفكرهاش سهلة وتضحك عليها يا ولد.
أدار وجهه ودمع الفرح في عينيه وكأنه لم يصدق حاله وهتف باندهاش:
_ بجد يابابا أعمل كدة؟
واسترسل بحزن:
_ طيب وماما؟
نظر جميل إلي فريدة وهو يمسك يدها التي حاولت أن تنتزعها منه لشدة غضبها، إلا أنه تمسك بها بشدة وهو يشير لها بعينيه أن تهدأ مجيبا:
_ اعتبر ماما موافقة وأنا إللي اديتك الإشارة. اطلع يالا بلغها وافرحو مع بعض ياحبيبي.
تحدثت فريدة بغضب:
_ يعني أنا بقي مليش لازمة وبتحطني قدام الأمر الواقع ولا ايه؟
انتصب جميل واقفا وردد وهو ينظر إلي ريم مبتسما:
_ أنا هاخد ماما ياريما وهنقعد في الجنينة برة اعملي لنا كوبايتين قهوة علي مهلك خالص ياحبيبتي.
أشارت إليه برأسها بطاعة مردفة بابتسامة:
_ حاضر يابابا من عيوني.
ابتسم لها ممتنا لطاعتها وفهمها عليه.
وسحب فريدة برقة إلي الخارج كي يتحدثان بهدوء وحدهما وهو مصر على إقناعها. جلسا علي الكراسي الموضوعة في الحديقة وبدأ بالحديث قائلا:
_ ليه معترضة كلنا ولاد تسعة ومخلوقين من تراب وراجعين بردو للتراب؟
فريدة بتشبس:
_ ونعم بالله بس ده ابني وأنا عايزة له عروسة تليق بيه ايه مش من حقي؟
أجابها بعقلانية:
_ من حقك طبعا. لكن الولد مش بس حبها ده عشقها وباين عليه جدا والقلب معلهوش سلطان وده إللي ربنا قسمه له.
رفعت حاجبيها وهتفت باستنكار:
_ علشان بتشاغله دايما ومش سايباه في حاله. لو بعدت عنه هينساها خالص.
جميل بغضب:
_ متعودتش منك علي أنك تجيبي سيرة الولايا بالغلط والعيب يا أم رحيم.
وتابع حديثه بتأكيد:
_ البنت رفضت إنها تبقي دكتورة جامعية ومشيت من هنا وبعدت عنه خالص مش شكل مانتي بتقولي. وابنك هو إللي بيجي لها وبيكلمها يبقي اعتراضك باطل ولازم تسحبيه.
هزت رأسها بعنف وأردفت بثقة:
_ تمام عندك حق في دي. طب إنها بنت ملاجئ وملهاش أهل دي نعمل فيها ايه؟
ابتسم بحنو وأجابها:
_ لو كنتي في عهد النبي والناس كانت بتكذبه علشان يتيم وحكموا عليه نفس حكمك علي بنت طلعت غصب عنها يتيمة كان هيبقي نفس موقفك ساعتها.
اعترضت بشدة علي تشبيهه وهتفت باستنكار:
_ إنت بتشبه سيدنا النبي عليه السلام بمريم والله إنت ظالم!
أخذ نفسا عميقا ثم زفره بهدوء وأجابها:
_ أنا مشبهتهاش بسيدنا النبي عليه الصلاة والسلام أنا شبهتها بالموقف ده أولا.
ثانيا سيدنا النبي عليه السلام بشر زينا مش ملاك وربنا كان واضع المواقف إللي في حياته كلها لأسباب كتير ومن ضمن الأسباب إننا نقتدي بالمواقف اللي حصلت له ونتعلم.
وتابع بتحذير:
_ كدة إنتي دخلتي في مرحلة الجدال وده غلط.
صارا يتحدثان مايقرب من ساعه وفي نهاية حديثه كي يقنعها:
_ ما تحكميش على اي علاقه انها هتنجح او هتفشل لمجرد الظروف اللي حواليها الأشخاص بتختلف والعقول بتتفاوت والزمن ذات نفسه بيغير المشكلة كلها على حسبه.
واستطرد حديثه بعقلانية:
_ عندك مثلا ريم بنتنا كانت حياتها هي وجوزها ماشيه زي الألف وجوازتهم كانت متوافقه جدا لكن ربنا سبحانه وتعالى ما أرادش انهم يكملوا مع بعض ومات وراح للي خلقه ولا أنا وإنتي قدرنا نعاند القدر وحكم ربنا ونخليه موجود.
ضمت عيناها بعبث وأردفت باستنكار:
_ لاااا دي نقرة ودي نقرة إن الإنسان حياته تنتهي ده بأمر الله وملهوش علاقة بأي حد.
أشار برأسه بموافقة علي اعتراضها وأردف باستجواد وهو علي نفس الثبات النفسي:
_ طيب وراندا وإيهاب بردوا نفس اعتراضك يا أم رحيم!
قدرتي تمنعي قدرهم بالفراق؟
قدرتي تخليها تحافظ علي البيت ومتهدمهوش بالرغم من إننا كلنا نصحناها وكلنا يعني العيلة إللي إنتي بتستشهدي بيها علي الغلبانة اليتيمة.
إلى هنا صمتت ولم تدري ماذا تجيب علي محاصرته لها فقد سن سيوف عقله واحتج بقوانين الإنسانية أمامها ولم تستطيع أن تتفوه ولا أن تجيبه ففضلت السكوت.
أما هو هدأ قليلا ولم يتحدث وترك لداخلها النزاع معها وأمسك كوب القهوة يرتشفه باستمتاع وهو علي يقين أنها لن تستطيع الإفلات منه ومن نظرة الهدوء النابعة من عينيها استشف موافقتها.
فهي من النوع الذي يصمت إذا لم تجد ردا راجحا لاعتراضها وبعد قليل سألها عن ماوصل إليه تفكيرها وأشارت بالموافقة الذي جعلته يربت على ظهرها بحنو وأشاد إليها بأنها فعلت الصواب. وابلغ رحيم الذي هلل فرحا بموافقتها أخيرا وأنهم سيذهبوا إليها في عطلة الأسبوع أي بعد أيام قليلة.
استقرت ريم في مكتبها ومنذ قدومها إلي تلك المؤسسة وهي تشعر بالارتياح الشديد وكأنها في مكانها التي تستحقه.
وخاصة أن مالك كان يتعامل معها مباشرة طيلة الأسبوع التي مكثته في العمل ولم يجعل بينهما أي وسيط وحقا رأت فيه الشهامة والأخلاق التي لم تعد موجودة في تلك الأيام.
وأثناء انشغالها في التصميم الذي أمامها جاءها اتصال علي هاتف المكتب. رفعت سماعة الهاتف علي أذنيها وردت بعملية:
_ السلام عليكم ورحمه الله.
ابتسم ذاك المالك علي أخلاقها وردها الهادي وتحدث:
_ وعليكم السلام ورحمه الله. بعد اذنك يامدام ريم ممكن تيجي لي مكتبي حالا في حاجة مهمة ومينفعش غيرك يعملها.
ردت عليه بالموافقة وبعد عشر دقائق أدخلتها مديرة مكتبه وكالعادة دخلت ريم وتركت الباب مفتوح فهي لم ولن تخالف تعاليم دينها مهما حدث.
جلست في المقابل وألقت السلام وتابعت:
_ اتفضل يامستر مالك أنا سامعة حضرتك.
منذ أن خطت قدماها من أول مرة إلي ذاك المكتب وسحر عيناها جذبه إليها.
كل حرف تتفوه به بالنسبة له شيء مختلف عن أي أنثي عرفها. فهي أمامه كالجوهرة الثمينة التي لاينالها إلا من يستحقها.
حجابها ملفوف بحرفية وإحكام ولم تخرج خصلة واحدة من خصلاتها ويهبط علي صدرها. ملابسها غاية الشياكة والعصرية ولكنها قمة الاحتشام.
فريم في المجمل أمامه تخطف أنظاره كل مرة يراها دون أن يشعر أو هي تدري.
تحمحم بهدوء وتحدث:
_ أولا تسلم ايدك علي التصميم الأخير بجد حاجة تشرف أوووي وده طبعا إللي متعودين عليه منك.
واستطرد حديثه بإبانة:
_ ثانيا عايز حاجة تخرج من تحت ايدك برة إطار الدريسات.
ضيقت عيناها وأردفت باستفسار:
_ متشكرة جدا. بس حضرتك تقصد ايه مش فاهمه؟
ابتسم بهدوء وأجابها:
_ أنا عايز منك كذا تصميم لكوليكشن لبس مدارس إعدادي وثانوي.
حاجة كدة مختلفة عن إللي إحنا بنشوفة. وطبعا الفكرة جديدة هتخرج الطلبة برة إطار المريلة المعروفة بتطورتها.
ها ايه رأيك هتقدري؟
تحمست بشدة للفكرة وأجابته بموافقة دون تفكير:
_ الله دي فكرة جميلة أوي وبجد هبقي مستمتعة وأنا بنفذها.
واسترسلت وهي تنظر لعيناه بتلقائية لأول مرة:
_ عايزة أقولك يامستر اني صممت لنفسي لبس الثانوي وماما أول ما شافت التصميمات أخدتني عند إللي بتفصل عندها وعملتهم لي وكل إللي شافوني بيه سألوني عاملاه فين ووديتهم عند الست دي واتفقت معايا إن كل طالبة هجيبها لها هتديني عمولة عليها وأنا ساعتها كنت رافضة جدا. لكن بابا ساعتها شجعني وقال لي ده تعبك وخدي عليه أجر وخاصة إني غيرت لها كذا تصميم.
كان ينظر إليها ومثبتا عيناه داخل نظرة عينيها بعمق ويستمع لها باهتمام ولأول مرة دقات قلبه تتمرد عليه ولا يعرف مالسبب لتلك الدقات.
ثم وجد لسانه يتفوه تلقائيا:
_ علشان إنتي جميلة أوي لازم كل حاجة تطلع من تحت ايدك أجمل وأرق.
انقلب وجهها بعلامات الطيف من نظرته التي تحولت لأخري لا تفهمها ومن حديثه الذي فاجأها به وأخفضت بصرها خجلا وهي تردد بخفوت:
_ ربنا يخليك يامستر ومرسي علي المجاملة دي.
عندما رأي الخجل علي وجهها زادها جمالا علي جمالها اندهش لحاله من تركيزه معها بتلك الشدة.
تحمحم بهدوء وسألها:
_ مسألتنيش الفكرة دي جت لي منين؟
رفعت رأسها ولكنها لم تنظر إليه وسألته:
_ أكيد حضرتك صاحب المؤسسة الكبيرة دي فلازم أفكارك تكون مختلفة.
أعجب بردها بشدة وتحدث بإبانة:
_ شوفي يا ستي احنا لينا صفحة كبيرة على الانستجرام الصفحة دي طبعا موثقة. تقريباً عليها ما يقرب من 5 مليون متابعه فلقينا الطلب على زي المدرسة شديد جدا.
وعلي عرض عليا الموضوع ان هو يجيب مصمم خاص بالفكرة دي لكن إنتي أول حد جه في بالي علشان عندي ثقة عمياء في ان اي حاجة هتطلع من تحت ايدك هتبقى رقيقة وكمان انتي بنت زيك زيهم هتقدري توصلي لعقول البنات دي وهتعاصري موجة الموضة اللي ماشيه.
انتبهت لكل ماقاله وهتفت برجاء:
_ طيب ممكن أشوف بعض من ال دي علشان أقدر أفهم دماغهم أكتر.
هز رأسه بموافقة وأجابها وهو يتناول هاتفه:
_ طبعا مفيش مانع. أنا هبعتلك لينك الانستجرام الخاص بيا لأن أكتر شغلي بنزله هناك.
واسترسل حديثه وهو يناولها الهاتف:
_ اتفضلي ياستي أدي ال علي البوست إللي عرضت فيه الفكرة.
مدت يدها تأخذ منه الهاتف وإذا به يعلن عن اتصال أحدهم فتركته هي وهو في أن واحد وكاد أن يسقط الهاتف علي شاشته إلا أن يداهما الاثنين سحبته تلقائيا كي لا يقع واحتضن كف يده كف يداها الناعمة في لحظة دون قصد من أي منهما.
هو في تلك اللحظة التي احتضنت يده ليدها سرت قشعريرة في بدنه لأول مرة رغم أنه تزوج مرتان إلا أن لمستها المفاجأة جعلته ينتفض داخليا بشعور لا إرادي منه.
أما هي انتبهت علي الفور وسحبت يداها وقامت من مكانها مستأذنة بخجل:
_ عن إذنك هروح مكتبي أحاول أشتغل علي الفكرة.
ولم تنتظر رده وهرولت من أمامه وهي في قمة نهرها لنفسها داخليا عما حدث.
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل العشرون 20 - بقلم فاطيما يوسف
جاء اليوم الذي انتظره رحيم بصبر طالت أيامه ولياليه، اليوم الذي سيتقدم فيه لخطبة ملاكه الجميل التي يعشقها ويتمناها برغبة شديدة.
صعد ذاك العاشق سيارته وهو في كامل أناقته الكلاسكية، حيث كان يرتدي حلة باللون الأسود تليق عليه، فكان حقًا وسيماً يخطف الأنظار.
وبجانبه تجلس ريم التي تنظر له بسعادة عارمة وهي تردد بمداعبة:
_ الله الله ياعريس علي الشياكة والأناقة، ولا ريحة البرفيوم ده؟ انت هتجنن البنوتة وتخليها تدوب أكتر ومش هنعرف نلحقها بعد كدة.
ابتسم على مداعبة أخته الصغيرة مرددًا مداعبتها بخفة:
_ ومالوا ياريما، عندها حق تدوب وتعشق، ده أنا الدوك رحيم على سن ورمح.
أنهى كلامه وهو يحرك رابطة عنقه بدعابة. ابتسمت الأخرى ورددت باستنكار مصطنع:
_ يانهار أبيض على الغرور إللي إنت فيه، يبني من تواضع لله رفعه.
نظر إليها رافعًا أحد حاجبيه مرددًا بمرح:
_ الله، بهزر ياريما، حرام يعني، ولا كله نكد نكد كدة.
أمأت على ظهره بحب وأردفت بنبرة حنونة:
_ هزر واضحك وحب وعيش حياتك ياحبيبي، ربنا يسعدك يارب ويرزقك الراحة اللي في الكون كله.
تنهد بثقل حينما لمح نظرة الحزن بعينها وأردف ملبيًا:
_ اللهم آمين يارب العالمين وإياكم يارب.
واستطرد حديثه متسائلاً:
_ إلا قولي لي ياريم، هو إنتي لو اتقدم لك حد توافقي؟
ضمت عيناها بعبث وأجابته باستفسار مغلف بالتعجب:
_ اشمعنا سؤالك ده يعني؟
استوعب حيرتها وتحدث بإيضاح:
_ أقصد يعني إنتي لسة صغيرة ويعتبر مفرحتيش بجوازك، وأنا مش حابب إني أشوف عمرك بيضيع كدة هباءً.
أخذت نفساً عميقاً ثم زفرته بهدوء وأردفت بنبرة حزينة:
_ العمر مش هيروح هباء ولا حاجة يارحيم، كل فدا ولادي اللي علشانهم أفديهم بعمري وأهدي لهم أيامه.
رفع حاجبه وهتف باستنكار:
_ وايه علاقة إنك تبدأي حياتك من جديد بولادك، أنا مش فاهم.
واسترسل وهو يشير بيديه معترضًا:
_ دي نقرة ودي نقرة.
أدارت وجهها إليه وأجابته بإبانة:
_ إزاي يعني، هي نقرة واحدة وانت مش واخد بالك، أنا لا يمكن أسيب ولادي وأعيش وأبني حياتي مع حد تاني وأجيب لهم جوز أم.
وتابعت حديثها وهي تنهي ذاك الحوار:
_ وبعدين ده وقت نتكلم فيه في الموضوع ده بذمتك! إنت عريس ورايحين نتفق على خطوبتك وكتب كتابك ياقلبي، افرح ومتشغلش بالك بيا.
تنهد بحزن لأجلها وراعى شعورها المختنق حينما فتح ذاك الموضوع وفضل السكوت لئلا يضغط عليها.
***
وعلى صعيد آخر في سيارة جميل، حيث كان يتحدث مع فريدة مرددًا بدعابة:
_ فيه واحدة رايحة تخطب لابنها وهي لسه صغيرة كدة، بالله اللي يشوفك يفتكرك أخت العريس مش والدته.
ابتسمت على دعابته التي يخصها بها دائمًا، فهو محب بل عاشق لها، ودوماً يغازلها ويجعل روحها هائمة في سماء أخلاقه. تنهدت بسعادة وأردفت بحب:
_ لحد امتى هتفضل تشوفني حلوة وصغيرة ياجميل؟
نظر إليها بحب نابع من عينيه وأجابها:
_ لحد علامات الشيب ما تسيبش حاجة من ملامحنا خالص، وبردو مش هبطل أشوفك غير فريدة بنت العشرين اللي جمالها وجمال روحها يغطي على الكل.
كان يجيبها بصدق نابع من قلبه، ولكن المغزى من وراء لطفه معها كي ينعش مزاجها ويجعلها تدخل على تلك اليتيمة مبتسمة.
بعد نصف ساعة، استقلت السيارتان أسفل البناية وصعدوا إلى ذاك الطابق. كانت مريم في أبهى استعدادها لحبيب الروح الذي وصل للتو، وأخبرها بالتسجيل الصوتي كي يجعلها تستعد. كانت تقف أمام المرآة تتفحص شكلها بتوتر بالغ.
وأثناء وقوفها، شردت بحزن عميق حيث أنها كانت وحيدة، لا أم ولا أب ولا أخ يقف بجانبها في أهم يوم بعمرها. ولكن دعت الحزن وولته جانباً، فكفاها أحزان طيلة العمر.
استمعت إلى وصولهم وفتحت لهم الباب بابتسامة بشوشة جعلتها كالحوريات من رقتها. أشارت إليهم بيديها للدلوف مرردة بترحيب:
_ أهلًا وسهلًا بيكم، نورتوا بيتي المتواضع.
تبادلوا السلامات جميعًا وجلسوا في غرفة الاستقبال. كانت فريدة تنظر إلى المكان بانبهار، فنظافته ورائحته العطرة اخترقت أنفاسها. كانت متعجبة كيف لمريم ومن أين أتت بتلك الشقة ذات الأساس العصري المنمق، فبالطبع ثمنها غالي. ولكن نفضت التفكير عن رأسها حينما استمعت إلى جميل يردد:
_ شوفي يامريم يابنتي، أنا جاي النهاردة مش مع رحيم كأب أطلب ايدك، لااااا أنا جاي النهاردة وأنا في مقام والدك وهو يطلبني منك وأنا اللي أتشرط عليه.
واسترسل مبتسمًا بحنو:
_ تمام يابنوتي القمر؟
رعشة خفيفة اجتازت جسدها داخليًا، فكيف لذاك الخلوق أن يخطف روحها بحنانه البالغ. وأقسمت بداخلها أنه أب لم تلده الأيام لها. وأردفت بنبرة خجولة:
_ شكرًا ياعموا، أنا والله مش عارفة أودي جمايل حضرتك دي كلها فين.
اتسع بؤبؤ عينيه وأردف بنبرة تحذيرية مصطنعة:
_ بنت عيب، في بنوتة تشكر باباها على واجبه تجاهها؟ متقوليش كدة تاني.
كان رحيم وريم وفريدة ينظرون إليه بفخر لكون ذاك الرائع الذي لم يوجد أمثاله كثيرًا أبا لهم. وبالتحديد رحيم الذي ود أن يحتضنه ويقبله بنهم شديد لحنانه على حبيبته. وأردف بنبرة سعيدة:
_ أنا جاي النهاردة يابابا وحابب أطلب منك مريم على سنة الله ورسوله.
أماء جميل برأسه مرددًا بحكمة:
_ وعندك استعداد تدفع مهر بنتنا الغالية ولا لا؟
ابتسم رحيم بعشق وأجابه وهو ينظر داخل عينيها بهيام:
_ ده إللي تطلبه البرنسيسة مريم، أفحت في الصخر علشان أجيبه لها لحد عندها وزيادة كمان.
أعجبه رد رحيم بشدة وتساءل بجدية:
_ عندك استعداد تواجه أي صعوبات تقابلك علشان خاطر بنتي ولا هتقع وتتخلي عنها في نص الطريق؟
تنهد رحيم بحب وأجابه بثقة:
_ الطريق لو كله شوك همشيه معاها وأشيلها على راسي وأتحمل ألمه، ولا إنها تتوجع لحظة.
كانت دقات قلب تلك المريم تسبقها ويكاد الجميع أن يسمعها. كانت تنظر إليه بعشق بالغ، ولو كان الأمر متاحًا لارتمت في أحضانه وسكنت أمانها.
أشاد جميل بتنبيه:
_ خلي بالك، مش هيحصل كويس لو زعلتها في يوم من الأيام، أو جيت عليها، أو عملت لها أي حاجة، أو جرحت شعورها قولًا أو فعلًا. ساعتها هقف صفها ومش هسمي عليك.
ابتسم رحيم بخفة وأردف بدعابة:
_ مين إللي يعمل كدة؟ ده أنا غلباااان.
ابتسم الجميع على دعابته وهتف جميل ناهيًا استجوابه بأخر:
_ طيب، خطوة الخطوبة وكتب الكتاب بالنسبة لي ميثاق، مفيش رجوع فيه. انت واثق من نفسك ومن اختيارك وإنك مش هيجي يوم وتندم.
شبك كلتا يديه وتحدث وهو قاصدًا النظر داخل عينيها مرددًا بعشق:
_ أندم!
وتابع وهو ينظر لها بعشق:
_ لو الزمن رجع بيا ألف عمر لاختارتها في الألف ألفاً، ولفتحت لها بابا ثانياً من أبواب قلبي وعززته بثالث وأجلستها في ثنايا القلب ثانياً، فعسى المقام بالمقيم يليق، فمرحبًا بها أولًا وثانياً وعمرًا وأخيرًا، فلا الخصام طبعنا ولا الفراق طريقنا.
كانوا ينظرون إليه بعيون منبهرة من عشقه اللامتناهي لتلك اليتيمة، وكأن الله وضعها في طريقها كي يعوضها حنان الأم، فكفاها بحنانه، وعوضها به أبًا. كانت الكلمات والنظرات الممتنة له لاتكفيه على حديثه الذي أثلج صدرها وجعلها تهواه كثيرًا. وحدثته عيناها بهيام:
_ كيف لك أن تسحبني لعالمك بتلك الدرجة من العشق لك رحيمي؟ أنا ذائبة عاشقة متيمة وأكاد من فرط الجمال أذوب. لاعبـارات الشكر تكفيك ولا قصائد الحب ترثيك ولا حكايات الغرام الذي عشت أقرأها وأسمعها تمثل ذرة واحدة من حبك ومن حنانك الذي رطب قلبي وجعله يجوب في هيامك.
أما هو، كانت عيونه في حضرتها لا ترى غيرها، وكانت أنفاسه تتلهف للقرب منها. ولكن حدث نفسه:
_ مهلًا يا أنا، مهلًا يا قلبي، اهدأ وانتظر، فالصبر آخره جبر، لا تتعجل، فأنا في انتظارك حبيبتي حتى نلتقي، ولقاء لذة أعدك بأن مذاقها سيجعلك تحلقين في سماء الهيام والغرام، فلنتمهل، ولكن عدّي حالك لأجل ذاك اللقاء الذي حتمًا سيكون حربًا بين عاشقين فرقهما الزمان، ولكن عادا بأمان، وعودتهم لن تمر مرور الكرام.
تحدثت فريدة قائلة بابتسامة:
_ مبروك يا حبايبي، ربنا يتمم لكم على خير يارب وأفرح بيكم.
وتناولوا المباركات، وقاموا بقراءة فاتحة الكتاب، واتفقوا على أن كتب كتابهم بعد أسبوعين من الآن. وأخيرًا، التقى الرحيم ومريميته بعد عناء وطول انتظار.
***
في منزل هيام، شقيقة مالك، وبالتحديد في الساعة الخامسة صباحًا، كانت تجلس على تختها وهي تتصفح هاتفها باستمتاع وصوت الفيديو الذي تسمعه عالٍ بعض الشيء. ولم تبالي لذاك النائم بجوارها وكأنه من عدم.
تململ في نومه متأففًا ولم يعد يتحمل حماقتها أكثر من ذلك. رفع الوسادة من على رأسه ونظر إليها متحدثًا بغضب:
_ أنا مش فاهم، إنتي إزاي عايشة كدة! ولا بتعملي حساب لبني آدمين ولا عندك ذرة إحساس بغيرك.
لوت شفتيها بامتعاض وهتفت بحدة:
_ اصبحنا واصبح الملك لله على الصبح، هو انت صاحي تقول يشر اشتر!
اعتدل من نومته وردد باستنكار:
_ كويس والله إنك عارفه إنه صبح، أمال بسلامتك منمتيش لحد دلوقتي ليه؟
مطت شفتيها وهتفت بكبر:
_ والله أنا حرة، أنام الصبح ولا بالليل، هو حضرتك هتتحكم فيا؟ هنام امتى وأصحي امته كمان!
ضرب بكلتا يديه متحسرًا داخله على ردها المتعجرف وردد:
_ إنتي فيكي كمية كبر وعجرفة وقلة ذوق تكفي العالم كله ياشيخة.
واسترسل تعنيفه قائلًا باستنكار:
_ تنامي علشان عندك أولاد محتاجين رعايتك ومحتاجين وجودك جنبهم، محتاجين تحسي بيهم.
قلبت عينيها بملل وأجابته بسخط:
_ هو كان حد اشتكى لك يعني، ولا انت كل لما تشوفني مبسوطة بتحب تنكد عليا؟
حزن داخله من أجل تلك المرأة التافهة التي لا تعرف للأمومة طريقًا وهدر بها بحدة:
_ كل اللي في بالك أنكد! دي إنتي ست مقرفة وعيشتك مقرفة، واللي مصبرني عليكي الولاد.
واستطرد حديثه متهكمًا:
_ إنتي من النوع لو جالك الطوفان حطيتي ابنك تحت رجليك، بمعني أصح إنتي ممكن تبيعي حد من عيالك علشان الفلوس وحب المال إللي مالي قلبك.
انتفضت بحدة وقامت من تختها وهي تردد بحماقة:
_ وفيها إيه يعني لما أحب الفلوس؟ دي أهم شيء في الدنيا، وهي اللي بتحقق لنا كل الأمنيات اللي بنحلم بيها، وهي اللي بتخلي الكل يحترمنا.
اهتز فكه بغضب وأردف ساخرًا:
_ في حاجات الفلوس ما بتشتريهاش لو حتى بمليارات، الأمومة وإنك تحبي ولادك وتراعيهم ما لهاش علاقة بالغنى والمال. أنا لولا والدتي كان زمان جنه وياسر ضاعوا، لكن ولادك متربيين لدرجة إنهم مش بيفوتوا فرض، وإنتي ما تعرفيش حاجة عنهم.
_ قول بقى كده إن أمك بتعايرني عشان بتساعدني في تربية الولاد وهي اللي مسخناك عليا….
جملة تهكمية نطقت بها تلك الفارغة. فقد الأمل من استيعابها التافه وأشاد بفقدان أمل:
_ تصدقي إنك بس مش أنانية ومش بتحبي غير نفسك، لا ده إنتي كمان تافهة.
واسترسل بإيضاح:
_ للمرة المليون بقول لك إن والدتي بتراعي أحفادها حبًا فيهم مش مساعدة ليكي. وآخر تنبيه مني ليكي، مش هقدر أستحمل أكتر من السنين دي كلها تاني، فخليكي بقى في صراع حب الفلوس والبحث عنه وازاي تجيبيه بطريقة مشروعة وغير مشروعة، ومفكراني أهبل مش دريان بيكي.
وصاروا يتنازعون دون جدوى، لا هي تعترف بالخطأ ولا هو يأخذ قرارًا جذريًا وينفصل عنها. ولكنها الظروف المحاطة بنا، هي فقط التي تجعلنا مكتوفين الأيدي أمام سعادتنا. ولكن الشخص الذي يفكر جيدًا عليه ألا يدع الظروف تأخذ من عمره وتجعله يضيع هباءً منثًا، فقط لابد عليه أن يختار راحته كي يصبح سويًا.
***
بعد مرور عشرة أيام على تلك الأحداث، في مجموعة مالك الجوهري التي تأج بالعمل على قدم وساق، حيث يعمل الجميع لأجل العرض الذي نظمته المجموعة والجميع في حالة تأهب واضطراب.
في غرفة الاجتماعات، بعدما نبه مالك على الجميع بضرورة الالتزام والانتباه لكل شيء، انتهى الاجتماع وطلب مالك من ريم أن تبقى لأنه لاحظ اضطرابها طيلة الاجتماع.
تجلس أمامه تنظر إلى شاشة العرض التجريبي الذي أقيم وهي في حالة توتر بالغ. تنهد مالك بابتسامة وهو يردد بهدوء:
_ ممكن أعرف إيه سر التوتر اللي على ملامحك ده يا أستاذة؟
فركت يداها بتوتر وتفوهت بهدوء:
_ مش عارفة، حاسة بتوتر شديد كأني داخلة أصعب امتحان النهاردة.
واسترسلت باستفسار:
_ يمكن عشان أول مرة أحضر عرض وكمان مقام على شرف تصميماتي؟
أخذ نفساً عميقاً ثم زفره بهدوء وتحدث يطمئنها:
_ طبيعي إنك تكوني متوترة وقلقانة، لكن مش بالطريقة الرهيبة دي!
وتابع طمأنته لها:
_ خليكي واثقة من ربنا إنك هتكسري الدنيا النهاردة وهترجعي عالم الأزياء بتصميماتك، وبعد العرض ما يخلص هتلومي نفسك على سنين عمرك اللي ضاعت وانتي مختفية.
رفعت رأسها إليه وهتفت باسمه بهمس دون قصد:
_ بجد يامالك؟
نظر إليها بدهشة اعتلت معالم وجهه، وكاد حدسه أن لا يصدق ما استمع إليه للتو. فحقا نطقت اسمه من فمها دون ألقاب! يا لكِ من رائعة عزفت على أوتار قلبي.
أما هي، ابتلعت أنفاسها بصعوبة وعلامات الخجل تجوب جسدها بأكمله، وصارت في موقف حرج من همسها التلقائي. فقامت من مكانها وهي تستأذن الخروج دون أن تنظر له:
_ بعد إذنك يا مستر.
قالتها وهرولت من أمامه مسرعة. إلا أنه انتفض من مكانه مسرعًا وقبل أن تصل كف يداها الصغيرة إلى الباب، لأن الخارجين من الغرفة قد أوصدوه ورائهم. كان واقفًا أمامها، ناظرًا بأم عينيها ناطقًا بوله:
_ إيه على فين ياريم؟
لم تقو على النظر إليه وأجابته بصوت خفيض:
_ هروح عشان أجهز نفسي.
جالت عيناه إلى ساعته تلقائيًا وهو يردد:
_ لسه فاضل ٥ ساعات على العرض.
واسترسل برجاء:
_ بعد إذنك، عايز أتكلم معاكي شوية.
مشاعر من التخبط داخلها والخجل والخوف والاضطراب، جميعهم ترصدوها بشدة ولم تقدر قدماها على احتمال الوقوف. جميع جسدها حاربها وأحست بالرعشة من نظراته، همساته، رقته اللامتناهية معها. ولكن لا مفر من الهروب ولا مفر من حصاره، فتدللت بخطواتها إلى الكراسي الموضوعة في جانب الغرفة وهي تنظر أرضًا.
كان ينظر إلى خجلها متيماً، لم يرى مثل تركيبتها على مدار عمره. كانت نظراتها وخجلها وعبيرها ورقتها تأسر أنفاسه وتجعله ينجذب إليها دون أن يفتعل ذلك. جلس أمامها قاصدًا النظر إلى عينيها مرددًا بهمس:
_ إنتي جميلة جمال من نوع خاص أوي ياريم.
لم ترد عليه ولم تقو النظر إليه مثلما هو يفعل، فأكمل همسه:
_ أنا ليه حاسس إنك مصرة تقفلي على نفسك وتحرميها من أبسط حقوقها؟
تنهدت بثقل وألم نفسي انتابها جراء سؤاله وأجابته وهي تنظر أرضًا على وضعها:
_ خلاص، أنا مبقاش ليا حقوق، كل حياتي وهبتها لولادي وشغلي وبس.
اهتز داخله بعنف من إجابتها وردد باستنكار:
_ لا، مش هسمح لك على فكرة.
رفعت رأسها إليه وهتفت باستنكار وهي تنظر داخل عيناه:
_ معلش يعني، على أساس إيه حضرتك تسمح أو ماتسمحش؟
رفع حاجبه لشراهتها في الرد وأجاب بثقة:
_ على أساس كبير أوي ياريم.
واسترسل مباشرة بعيون عاشقة:
_ يمكن عشان بحبك مثلًا، ونفسي تكوني ليا.
لم تتوقع رده، بهتت ملامحها، لم تستطع التفوه أمامه ببنت شفة وقامت مسرعة من أمامه تخرج من الغرفة دون أن تعطيه ردًا، وتركته كالمسحور الهائم الذي صمم داخليًا على أن يجعلها من حده ونصيبه وتكن ختامها مسك. وردد بلسان حاله وهو يسترخي على الأريكة باستمتاع:
_ كيف لروحي أن تهيم عشقًا من همسة من نظرة من ابتسامة أودعتني السلامة؟ كيف لعيني أن تحيا على أمل رؤياكي دون أن يعتريهم ملل أو كلل؟ فقط عبيرك يسبق خطواتك كعلامة. ولكن أهديكي خاطرة من قلبي، وضعيها في قلبك أمانة:
"الروح تسبح في عالم الخيال
تتمني رؤياك، ومن يسكن الروح
كيـــــف للقــــــلب أن ينســـــاه"
#خاطرة_مالك_الجوهري
#بقلمي_فاطيما_يوسف
عادت ريم إلى المنزل وهي طيلة طريقها تفكر وتفكر حتى تعبت من كثرة الفكر والانشغال لما قاله لها ذاك المالك. هي بين نارين تنكوي بهم، نار شعورها الوليد تجاهه والذي تحاربه بعقلها وتشن حربًا عاتية على كبت شعورها، ونار فقيدها وحبيب عمرها وأبنائها. تلوم حالها بشدة على شعورها الوليد، تجلد نفسها بشراهة على تفكيرها الذي ينساق إليه وتود أن تقتلع قلبها من صدرها وترميه في أعماق البحار من شدة تأنيبها لحالها.
دلف أبوها وجدها تضع رأسها بين يديها. أحس بالقلق تجاهها فساقته قدماه إليها بهدوء كي لا يزعجها وجلس بنفس الهدوء وهو يومئ على ظهرها بحنو ويردد:
_ مش صح إنك تحاربي قدر ربنا وقهري نفسك وتجلديها لمجرد إنك عايزة تجلديها على شعورها.
رفعت أنظارها إلى أبيها بتعجب وهي تتساءل داخلها كيف علم شعورها وحربها الداخلي! وسألته بدهشة:
_ بتتكلم عن إيه يابابا؟ مش فاهمة؟
اقترب منها أكثر وأجابها:
_ لو خبيتي شعورك وإحساسك عن الدنيا كلها وحاولتي بقدر الإمكان محدش يحس بيكي، مش هتقدري تعملي كدة مع باباكي اللي فاهمك وحافظك أكتر من نفسك يابنتي.
كادت أن تخرج له ما في صدرها إلا أنهم استمعوا إلى قدوم ضيف. انتبهوا ناحية الباب وإذا بهم يفتحون أفواههم من الصدمة لما رأوه، إذا باعتماد تدلف إليهم بوجه لا يبشر بالخير. طمأن جميل ابنته بنظراته القوية الداعمة لها دائمًا وهو يربت على ظهرها بحنان أب لم يكرره الزمان كثيرًا. دلفت إليهم وهي تنظر إليهم بعداء. رحب جميل بها ونادى على فريدة كي تأتي. وعندما دلفت فريدة إليهم ورأت تلك الاعتماد أدارت وجهها تلقائيًا ومطت شفتيها بامتعاض. ولكن للضيف حق، فرحبت بها الأخرى.
جلسوا جميعًا وتحدثت تلك الشمطاء بحدة:
_ مش عيب اللي بنتك عملته ده ياجميل؟
أجابها بهدوء:
_ وايه العيب لما بنتي تطلب حقها وحق ولادها يا أم زاهر.
رفعت حاجبها وهتفت باستنكار:
_ تطلب حقها بأنها ترفع قواضي على أم جوزها الله يرحمه، واستطردت بتهكم: والله وعرفت تربي ياجميل.
ربع ساعديه حول صدره وأجابها بنفس الهدوء الذي يمتثله:
_ متشكرين يا أم زاهر وتسلمي على كلامك إني عرفت أربي، في دي عندك حق ومغلطيش.
اغتاظت من حديث ذاك اللئيم في وجهة نظرها وأردفت بحماقة:
_ متقلبش كلامي وتفهمه على كيفك، أنا جايالك النهاردة وبقول لك بكل هدوء خلي بنتك تتنازل.
نظر إلى ابنته وأذن لها بالحديث، فهي كانت ملتزمة الصمت تاركة الرد لوالدها احترامًا له. أما هي، نظرت إليها بقوة ورددت بثقة:
_ مش هتنازل يا جدة ولادي اللي مبتسأليش عنهم خالص.
شبكت اعتماد كلتا يديها وتحدثت بحقد وهي تتدعي الهدوء:
_ فلوس ولاد ابني في الحفظ والصون، مش هديهالك تبعزقيها على اللبس بتاعك وشغلك الأهبل.
واسترسلت حقدها اللامتناهي:
_ ولا علشان تروحي تتجوزي وتديها لراجل غريب.
كاد والدها أن يرد بدلاً عنها ولكنه استأذنه أن يعطيها حق الرد فأذن لها. أما هي، مطت شفتيها بمكر وأردفت باستفزاز:
_ وماله ياحماتي، أخد حقي وحق ولادي أعمل بيه اللي على كيفي إن شاء الله حتى أ.لع فيهم شئ ميخصكيش.
هزت رأسها باندهاش وهدرت بها:
_ والله عال يامرات ابني ياللي قلعتي برقع الحيا وبينتي وشك المكشوف وجوزك ميت مكملش سنتين ونص.
اتوجعت داخليًا من اتهاماتها ولكنها عهدت قوية متمردة، ترد الصاع صاعين ولا تسمح بإهانة نفسها أبدًا. فتحدثت وهي تنظر في ساعتها وتدعي الاستعجال:
_ شوفي بقى يا حاجة، أنا مش فاضية ولا عندي وقت للتفاهات اللي انتي تعبة نفسك وجاية تسمعيها لي. قال إيه وأنا اللي خير اللهم اجعله خير افتكرتك جاية تطمني على أحفادك.
واسترسلت بتهكم:
_ ده أنا طلعت هبلة أووي.
أنهت كلماتها وهي تنظر إلى والديها مرددة باستئذان:
_ بعد إذنك يابابا، انت وماما، هطلع آخد شاور عشان ألحق الميتنج بتاعي، ماعندييش وقت.
كانت فريدة تجلس وهي تبتسم نصف ابتسامة على ردود ابنتها وقصفها لجبهة تلك الاعتماد بتلك الجرأة وهتفت داخلها:
_ جدعة يا بت ريم، تربية فريدة بحق.
ثم نظرت إلى اعتماد مرددة بتحذير:
_ شوفي بقى يا اعتماد، بنتي خط أحمر، متجيش ناحيتها نهائي وإلا هعمل إللي متحبيش تشوفيه مني.
_ واللي بنتك بتعملوا ده يصح يافريدة هانم….
جملة اعتراضية نطقت بها تلك الحاقدة وأكملت بنفس الحدة:
_ خلي بنتك تتنازل عن القضية وكفاية فضايح.
هنا تحدث جميل مرددًا برفض قاطع:
_ طول ما أنا عايش على وش الدنيا، هفضل دعم لبنتي وسند بعد ربنا سبحانه وتعالى، ومش هسيبها غير لما حقها يرجع.
قامت من مكانها وهي تحمل حقيبتها وتستعد للمغادرة مرددة بوعيد:
_ تمام، أنا قلت نتفاهم بالتي هي أحسن، وطالما مصرين على المحاكم يبقي تستحملوا بقي اللي هيحصل.
رددت فريدة بتذكير لها:
_ أنتم السابقون ونحن اللاحقون ياعسل.
وتابعت بسخرية:
_ وسيبك بقى من العنتزة الكدابة دي وكلامك اللي لا بيودي ولا يجيب، وكله فشر ياختي.
نظر إليها جميل بتحذير لأنها ضيفة في منزله وخرجت الأخرى تدب في الأرض غضبًا. أما هي، لاحظت نظراته المعترضة وهتفت بدفاع:
_ وليه مستفزة؟ حرقت د.م البت وحرقت د.مي أنا كمان! معرفش إيه كمية الغل اللي فيها دي!
أوقفها جميل عن الحديث مرددًا بتنبيه:
_ خلاص هي مشيت يافريدة، واحنا مكيفينها ومفيش داعي نغتابها وتاخد حسنات على حسنات.
واسترسل بدعاء:
_ يالا الله يسهلها ويسامحها ويكفينا شرها، قومي اطمني على ريم هتلاقيها فاتحة مناحة فوق ومتأثرة بالكلمتين الصعبين إللي حماتها سمت بدنها بيهم.
قامت من مكانها وهي تردد بسخط:
_ وليه بومة جاية تنكد عليها في يوم مهم زي ده، وأهي بلاوي وبتتحدف علينا.
_ فريدة! خلاص بقى مفيش فايدة فيكي! أنا قلت إيه من شوية، اطلعي يالا.
صعدت الأدراج وهي تتمتم في سرها ولم تعير كلمات جميل اهتمام، فهي تكره من يؤذي أبناءها قولًا أو فعلًا.
***
في فيلا راندا المالكي، حيث كانت جالسة تتصفح هاتفها وتتابع وراء ابنتها بعد أن عنفتها بشدة، وأحكمت حصارها عليها ولم تتركها وحدها إلا ساعات النوم فقط. وفجأة استمعت إلى صوت ارتطام شديد. انخلع قلبها وقامت من مكانها وصعدت إلى الطابق العلوي ودلفت إلى غرفة مهاب، وإذا بها تشهق بشدة، حيث كان مهاب مستلقيًا على الأرض ويبدو عليه الإغماء، ومما جعلها تموت رعبًا رؤيتها لأثر تقيؤ بجانب ولدها ومنظره المدمي.
هبطت لمستواه بفزع وحملته إلى أحضانها مرددة بدموع:
_ مهاب فوق ياحبيبي، فوق يابني، متوجعش قلبي عليك، مهاب مهاب….
ظلت تنادي باسمه وتضغط على وجهه وتحركه يمينًا ويسارًا كي يستفيق، ولكنه في عالم آخر. بهت وجهها رعبًا وأمسكت هاتفها تتصل بوالدها ويداها ترتعش هلعًا. ظلت تهاتف والدها ووالدتها وأخيها ولم يأتيها رد من أي منهم. لم تعد تحتمل أكثر من ذلك وقررت أن تهاتف إيهاب.
وفور اتصالها أتاها رده مندهشًا:
_ والله ما مصدق نفسي! راندا المالكي بذات نفسها بتكلمني!
أجابته بصوت متقطع أثر البكاء:
_ الحقني يا إيهاب بسرعة.
انخلع قلبه من نحيبها وردد بفزع:
_ اهدي ياراندا وفهميني في إيه؟
_ ابن.ن.نا يا إيهاب، الح.ق.ه….
كلمات متقطعة خرجت من فاهها بصعوبة. حمل مفاتيحه وهاتف طبيبًا صديقًا له هاتفا:
_ متقلقيش ياراندا، مسافة الطريق وهكون عندك، اهدي لو سمحتي.
وبعد مرور حوالي عشرين دقيقة، كان الطبيب واقفًا في الغرفة معهم يفحص مهاب وعلامات وجهه لا تبشر بالخير. وتقف بجانبه تردد بأنفاس متقطعة أثر البكاء:
_ ماله في إيه؟ في إيه؟ رد عليا.
بملامح منزعجة تمامًا وفورًا أمسك الطبيب هاتفه طالبًا المركز الطبي الخاص به:
_ أيوه يابني ابعتلي عربية إسعاف حالا على العنوان اللي هبعته لك ومتتأخرش.
أمسكته من كتفيه تهزه بهلع وهي تردد:
_ إسعاف! ابني جري له إيه يا إيهاب؟
أجابهم الطبيب بأسى:
_ للأسف يا إيهاب، جت له سكتة دماغية، ودي مش بتيجي غير في حالات معينة وأهمها الإدمان.
واسترسل حديثه بنبرة ملامة:
_ ومن العلامات الزرقا اللي في جسمه والسواد اللي تحت عينيه أحب أقول لكم إن الولد ده مدمن.
اتسع بؤبؤ عينيها وردت باستنكار:
_ مدمن! مش ممكن أبدًا ابني يكون مدمن، مش ممكن!
أكد الطبيب تشخيصه ونظر إليها إيهاب بملامة:
_ مدمن! كنتِ فين وابنك وصل للمرحلة دي ياهانم! بقي دي الأمانة اللي أنا سبتهالك؟
هدرت به بحدة مرددة باستنكار:
_ أنا كنت فين؟ وإنت يابشمهندس كنت فين إنت كمان وانت مبتسألش فيهم غير كل فين وفين ومشغول بعماراتك وجوازتك.
أمسكها من كتفيها يهزها بعنف مرددًا بغضب:
_ هو إنتي لسه ليكي عين تتكلمي كمان بعد اللي ابنك وصله وتجيبي الغلط عليا!
وتابع حدته لها بإبانة:
_ مانا ياما اتحايلت وحاولت بدل المرة عشرة أرجع بيتي وولادي وإنتي اللي مصممة، سنتين وزيادة وأنا بتأسف وبعتذر وبعترف بغلطي وإنتي الكبرياء عماكي لحد ما ولادنا اتدمروا وهما اللي بيدفعوا التمن.
ظلا الاثنان يتجادلون مع بعضهم إلى أن استمعوا إلى سيارة الإسعاف، فتحدث منهيًا الحوار:
_ بلاش كلام في الموضوع ده دلوقتي، ممكن نهدي عشان مش وقته خالص.
أشارت برأسها بموافقة وهي تحتضن كف ولدها بدموع. انتقلت سيارة الإسعاف بمهاب إلى المركز الطبي الخاص بذاك الطبيب. وأثناء سريانهم استمعت راندا إلى رنات هاتفها ووجدته والدها. أجابته وهي تنفطر ألمًا:
_ الحقني يابابا، مهاب تعبان جدًا وواخدينه في الاسعاف ورايحين المركز عند إيهاب.
انتفض جميل من مكانه وهو يحمل مفاتيح سيارته وينادي على فريدة كي تأتي معهم مرددًا يطمئن ابنته:
_ طيب اهدي ياحبيبتي أنا جاي لك أهو أنا وماما، هدي أعصابك وإن شاء الله هيبقي بخير.
بعد مرور ساعتين من دلوف مهاب إلى المركز، خرج إليهم الطبيب ويبدو عليه التعب والإنهاك، وجلس على الكرسي بإهمال. التفوا جميعًا حوله بقلق مرددين في صوت واحد:
_ ها مهاب عامل إيه يابني؟ فاق ولا لسه؟
أجابهم الطبيب بأسى:
_ الولد مدمن من الدرجة الأولى والإدمان سبب له سكتة دماغية زي ما كنت شاكك وحالته حرجة جدًا.
انصدم إيهاب وجميل وفريدة بشدة. أما هي، صارت تلطم على وجهها بهستيرية مما سمعته أذناها وصارت في حالة يرثى لها. ردت فريدة وهي تجلس أمام قدماي إيهاب بهلع:
_ يعني إيه كلامك ده يا دكتور؟ وحالته حرجة إزاي يعني؟
هتف الطبيب بحزن:
_ يعني الولد حاليًا في حالة حرجة يا أمي.
نطق إيهاب بحسرة:
_ ابني ممكن يموت في لحظة وأنا واقف عاجز إني أعمل له حاجة.
قامت من مكانها ورددت بدعاء وهي تلتفت في المكان مرددة ببكاء:
_ يارب تشفيه يارب وترجعه لنا بالسلامة، ربي يشفيك يامهاب ياحبيبي يارب يارب.
أما جميل، نظر إلى كليهما هادرًا بهم بحدة:
_ شفتوا آخر العند عمل فيكم إيه؟ البيت اتخرب والبنت راحت طريق اللي بيروح فيه مبيرجعش إلا وهو مسجون أو ميت بردوا.
نظر إليه إيهاب باستغراب من كلماته وهتف باستفسار:
_ يعني كلامك ده يا عمي بنتي سما مالها؟
_ مش وقته الكلام في الموضوع ده خالص، خليك في المرمي بين الحياة والموت جوة ده….
كلمات قالها جميل بنبرة تحذيرية، وتابع تحذيره وهو ينظر إلى ابنته:
_ اعملي حسابك لو ابنك جري له حاجة، ذنبه في رقبتكم انتوا الاتنين.
انتفضت من مكانها ونطقت بصوت عال وهي تشير إليهم جميعًا:
_ خلاص كلكم جايبين اللوم عليا أنا! هو المجني عليه والمظلوم بقي في وجهة نظركم انتوا جاني وظالم.
واسترسلت بنحيب:
_ والله العظيم ده حرام وميرضيش ربنا، حرام حرام.
قامت فريدة وأخذتها بين أحضانها وهي تردد بملامة لهم:
_ والله العظيم حرام عليكم، سيبوها في حالها بقى مش كفاية اللي هي فيه وكمان بتزيدوه عليها، ممكن نهدي بقى ونقعد ندعي للي مرمي جوة ده ونبطل نلوم على بعض.
التزم الجميع الصمت وبعد ربع ساعة بالتحديد خرج إليهم الدكتور المتابع لحالة مهاب وهو يتبطأ في خطواته وعلامات الحزن بادية على وجهه. ذهبوا إليه جميعهم ووقفوا أمامه متلهفين اطمئنانه إلى أن تحدث إيهاب:
_ في إيه يا دكتور؟ مالك وشك ميبشرش بالخير.
أجابه بأسف:
_ للأسف الشديد يا دكتور، البقاء لله.