تحميل رواية «بين الحقيقة و السراب» PDF
بقلم فاطيما يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
لماذا جئتي إلى هنا يا امرأة آلامي! كيف لكِ أن تعتقدي بأني نسيت أحزاني؟ أيمكن أن يلدغني سم الحية وأعود إلى وكرها من جديد؟ يا من دمرتي كياني. بلا فقد دفنتكِ بين ثنايا الماضي وعلى عهد الفراق باقٍ ولن ينسيني زماني. صباحًا في مدينة الإسكندرية عروس البحر المتوسط، ومنبع العشق للعاشقين ومأوى السحر والجمال للمحبين. تجلس ريم في منزلها ممسكة بقلمها ودفترها تصمم رداءً جديدًا من تصاميمها الرائعة التي تحلم أن تنفذ ولو تصميمًا واحدًا منها بيدها. ولكن زوجها يرفض دائمًا، فهو لا يريد أن يتعبها أبدًا مهما حاولت مع...
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الأول 1 - بقلم فاطيما يوسف
لماذا جئتي إلى هنا يا امرأة آلامي!
كيف لكِ أن تعتقدي بأني نسيت أحزاني؟
أيمكن أن يلدغني سم الحية وأعود إلى وكرها من جديد؟ يا من دمرتي كياني.
بلا فقد دفنتكِ بين ثنايا الماضي وعلى عهد الفراق باقٍ ولن ينسيني زماني.
صباحًا في مدينة الإسكندرية عروس البحر المتوسط، ومنبع العشق للعاشقين ومأوى السحر والجمال للمحبين.
تجلس ريم في منزلها ممسكة بقلمها ودفترها تصمم رداءً جديدًا من تصاميمها الرائعة التي تحلم أن تنفذ ولو تصميمًا واحدًا منها بيدها.
ولكن زوجها يرفض دائمًا، فهو لا يريد أن يتعبها أبدًا مهما حاولت معه، إنها تحب بل تعشق التصميم وتريد أن تجسده على الحقيقة.
ولكن كل مرة تأبى محاولتها بالفشل الذريع. ولكنها في نهاية الأمر أقنعته أن ترسم التصاميم وتقوم ببيعها عبر تطبيق أمازون.
ورأى تصميماتها مدير أكبر مصانع الملابس في الإسكندرية وتواصلوا معها عبر رقمها ومضوا معها عقدًا بتلك التصاميم الرائعة.
وها هي منذ عامين تتعامل معهم دون أن يروها أو يعرفوا عنها إلا أشياء بسيطة.
هي فقط ترسل لهم عددًا من التصاميم كل شهر وفور انتهاء الشهر تجد ثمن تلك التصاميم مبعوثًا لها عبر تطبيق "فودافون كاش". ولكن زوجها يأبى أن يأخذ منها جنيهًا واحدًا، ومتكفل لأي شيء يخصها هي وأبناؤه ومنزله بأكمله.
أكملت التصميم بحرفية ونظرت له بانبهار وهي تحادث نفسها بفرحة:
"الله الله عليكي ياريما إيه الحلويات دي!"
وأكملت بمشاغبة مرددة:
"والله إنتي خسارة في البلد دي!"
وأثناء جلوسها في شرفتها وهي سعيدة بتصميمها سمعت جرس شقتها يعلن عن وصول ضيف.
ارتدت حجابها وخرجت لتفتح الباب ووجدتها صهرتها.
ابتسمت بوجه بشوش وأفسحت لها المجال كي تدلف مرددة بترحيب:
"اتفضلي ياهند! عاملة إيه؟"
أجابتها الأخرى بابتسامة خفيفة:
"الحمد لله كويسة. آمال إنتي مختفية فين كده يختي ولا حد بيشوفك ولا بتسألي؟ قلت لما أنزل أسأل أنا."
أشارت إليها أن تجلس في الشرفة مكان جلوسها ورددت بعفوية:
"معلش بقي ياهنودة كنت مشغولة في تصميم من بقالي يومين مع شغل البيت ومسؤولية الأولاد. والله بحس إن الوقت مش بيكفيني."
تأففت الأخرى من ذلك الحديث الذي دائمًا تسمعه من تلك ريم وأردفت بسخرية:
"يختي إيه اللي مخليكي تاعبة نفسك كده في التصاميم والحاجات دي؟"
"ده إنتي جوزك ماشاء الله عليه مش محتاج."
وأكملت بتقليل من شأنها وهوايتها:
"علشان إيه يعني توجعي إيدك وعينك وهما كام ملطوش بتاخديهم آخر كل شهر؟ وتهملي في بيتك وولادك وصحتك."
هتفت ريم بتعقل شديد وباتزان دون أن تفقد أعصابها من تدخل تلك هند في شؤونها، وهي تحاول الاستهزاء من عملها دائمًا:
"مين قال ياهند إني مهملة في بيتي أو أولادي أو جوزي!"
"أنا بصمم وأنا قاعدة في بيتي ووقت فراغي."
ثم أشارت بيدها على شقتها مسترسلة حديثها:
"وبعدين بصي حواليكي كده وشوفي إذا كنت مهملة ولا لأ، واديكي طلعتي على فجأة من غير ماأكون مرتبة لحاجة يعني."
واستطردت حديثها لكي توصل لها الصورة صحيحة:
"وكمان أنا مش بصمم علشان العائد المادي."
"أصلًا باهر مش مخليني محتاجة حاجة ومش بياخد من فلوسي حاجة خالص."
"بس أنا بحب التصميم والأزياء وعندي شغف الاهتمام وإني أنفذ أفكاري على الواقع."
"وميارش إني أستفاد من حاجة شكل كده ماديا طالما مش مقصرة في بيتي ولا ولادي."
بهتت ملامح هند من رد ريم الراقي المهذب وأكملت حديثها تسألها عن والدتها كي تنسيها الكلام في ذلك الموضوع التي لم تمل من تردادها له كل مرة تجلس معها.
أحيانًا يواجهنا أشخاص عقولهم فارغة وكل ما يشغلها بث الطاقة السلبية التي يعيشونها في آذان غيرهم.
وهؤلاء التعامل معهم نجعل أصابعنا في آذاننا ولا نضعها نصب أعيننا ونرمي بها عرض الحائط حتى لو استكبروا علينا استكبارًا.
في منزل مالك الجوهري ظهرًا.
يقف في غرفته الواسعة ذات الطلاء الهادئ اللون والذي يبعث في النفس الراحة والهدوء كصاحبها، فمالك يعشق الجلوس في تلك الأجواء الهادئة بالرغم من طبيعته العصبية.
انتهى من ارتدائه لملابسه الكاجوال فهو قلما يرتدي الملابس الكلاسيك إلا في الاجتماعات المهمة.
ثم مشط شعره بحرفية ونثر عطره المفضل إليه بسخاء.
وجمع أشيائه وأخذ مفاتيح سيارته وهبط للأسفل.
وجد والدته السيدة عبير تجلس وتضع السبرتاية أمامها وتصنع قدحًا من القهوة والتي تطهيها كل يوم في هذا الوقت خصيصًا لولدها مالك.
والتي تعلم مواعيد ذهابه يوميًا، فهي امرأة تمتاز بالطيبة الشديدة والحب لأبنائها.
ولم تفكر يومًا من الأيام أن تتزوج بعد وفاة زوجها العزيز وتعيش حياتها فقط ترعى أبناءها.
أحست بخطوات مالك تهبط الدرج فوجهت أنظارها إليه بابتسامة مشرقة وأردفت بنبرة حنون:
"صباح الخير يا مالك. تعالي ياحبيبي اشرب قهوتك."
واسترسلت بمحبة نابعة من قلبها الجميل:
"عملة لك بقي فنجان قهوة متعرفش تشربه من إيد حد غير عبير."
قبل أن يرد عليها الصباح احتضنها وقبل يداها ورأسها باحترام وود ورد عليها الصباح قائلًا بدعابة:
"أحلى صباح على أحلى بيرو في حياتي وأحلى بيرو في الدنيا بحالها."
واستطرد متسائلًا باهتمام:
"ها أخدتي دوا الضغط قبل ما تفطري ولا نسيتي زي امبارح؟"
أفسحت له المجال كي يجلس بجانبها وأجابته وهي تفرغ محتوى القدح في الإناء بعناية قائلة:
"أيوة ياحبيبي أخدته متقلقش عليا أنا زي العفريت قدامك أهو بسبع أرواح."
"متشغلش بالك بيا إنت أنا عايزك تركز في حالك وتهتم بنفسك شوية."
ثم أخرجت تنهيدة من صدرها محملة بالهموم وتابعت بخفوت:
"ياحبيبي إنت من ساعة ما طلقت اللي ما تتسمي نهال، وأنت حياتك كلها شغل في شغل ونسيت نفسك خالص. ونسيت إن العمر بيجري وكل لما أقول لك تابع مع دكتور علشان خاطر ربنا يشفيك، تتابع شوية وترجع تهمل في نفسك."
ضيق عينيه بملل من حديث والدته الذي لا تنفض عنه يومًا، ودموعها التي تشق قلبه شقًا كلما رآها تهبط على وجهها بسببه وأردف بعتاب محب وهو يضع إناء القهوة على المنضدة واحتضنها وهو يربت على ظهرها:
"ياما ما ياحبيبتي كل يوم تعيطي وتكلميني في الموضوع ده وتاعبة نفسك علشاني. دموعك دي بتنزل على قلبي تكويه وبتحسسني إني السبب في ضيقتك دي كل يوم."
واسترسل بتوضيح كي يطمأنها:
"أنا متابع والله ياست الكل مع الدكتور وهو أكد لي خلاص إن كلها شهور وأبقى تمام بإذن الله وهفرح قلبك ياحبيبتي."
انفرجت أساريرها واطمأن قلبها وربتت على فخذه بحنان مردفة بفرحة:
"بجد يامالك يابني ولا بتقول كده وخلاص علشان تريحني؟!"
"ياحبيبي أنا نفسي ومنى عيني أطمن عليك وأفرح بيك وأشيل ولادك على إيدي قبل ما أموت."
وضع يده على فمها قبل أن تكمل حديثها الموجع لقلبه مرددًا:
"لأ ياحبيبتي متقوليش كده ربنا يديكي طولة العمر وتفضلي منورة حياتي يا أمي ده من غيرك ما أقدرش أعيش ولا أكمل ياست الكل. وست قلبي."
واستطرد يطمأنها بحفاوة أكثر:
"متقلقيش يا أمي أنا مسافر ألمانيا كمان شهرين علشان أشوف مكن جديد وحاجز مع مركز عالمي هناك من يومين."
"وبعت لهم التحاليل وطمنوني جدًا وقالوا لي إن حالتي أصلًا مش صعبة ولا حاجة وإن ليها كورس علاجي هاخده بانتظام وعلى فترات وإن شاء الله هبقى تمام وزي الفل."
"طمني قلبك يا أمي."
ارتاح بالها واطمأن قلبها ونظرت له قائلة بدعاء:
"ربنا يكمل شفاك على خير ياحبيبي ويرزقك من الخير أعلاه ومن السعادة أقصاها."
أمن على دعائها وأكمل قهوته وقام مستأذنًا منها كي يذهب إلى عمله.
وتركها وهي تدعي له أن يسدد خطاه ويجعل السلامة تحالفه أينما كان.
في البنك الأهلي بمدينة الإسكندرية حيث يتجمهر في البنك المئات من الأناس.
ينتظرون أدوارهم بنظام عالٍ وترتيب ويرجع ذلك النظام لمدير البنك الأستاذ "جميل"، فكم هو جميل حقًا قلبًا وقالبا.
فهو يدير البنك بحرفية ونظام يشهد له الجميع، فهو نابغة في إدارة الأعمال بشكل عام وفي الحسابات بشكل خاص.
يجلس جميل في مكتبه وأمامه جهاز اللابتوب الخاص بالبنك ويجلس معه أيضًا مهندس الإلكترونيات المسؤول عن إدارة الإلكترونيات وأجهزة الحاسوب ومسؤول أيضًا عن تأمينها ضد الهاكر.
فجميل اختار موظفيه بدقة وعناية فائقة لأجل المسؤولية العظيمة التي تقع على عاتقه تجاه البنك.
تحدث جميل بجدية إلى المهندس نادر وهو يعمل على حاسوبه دون أن ينظر له مرددًا:
"ها يابشمهندس عملت إيه مع الهاكر اللي حاول يخترق حسابات البنك ومفكر نفسه ذكي ومحدش هيكشفه؟"
استمع إليه نادر بآذان صاغية وأجابه بثقة وتأكيد:
"متقلقش يافندم أنا مقفله كل الطرق اللي يقدر يخترق بيها الحسابات وعايز أفرحك كمان وأقول لك إني خلاص قدرت أوصل لمكانه برغم كل الاحتياطات اللي عاملها."
واسترسل حديثه بإيضاح:
"ابن الذين بيتكلم من أرقام برايفت ومن أماكن عامة يعني كافيهات مثلًا مختلفة من كل بلد شكل يعني مرة يحاول من مصر ومرة من بورسعيد ومرة من الإسماعيلية وهكذا."
"علشان مقدرش أحدد مكانه كل مرة بالظبط."
"بس القدر خدمني في مرة وكنا خارجين أنا وواحد صاحبي وكنا في الجيزة قاعدين في بيته."
"وجالي رسالة على الموبايل إنه بيحاول يفتح لأني مظبطه على برنامج معين عندي لو فتح بأي طريقة أنا مترصد له."
"متتصورش الواد ده دماغه رهيبة وكمية ذكاؤه عاملة إزاي يافندم كل مرة بيكتشف إن في حد كاشفه فيغير طريقه فورًا في الهكر والتعامل."
"مش عارف ليه ميستغلش دماغه العبقرية دي في الصح ويسيبه من سكة اللوع والحرام اللي ماشي فيها دي!"
قطع حديثه جميل موضحًا له عقلية ذلك الهاكر قائلًا بذكاء:
"اللي زي ده يانادر مش عايز يتعب ولا يعافر. مستني ضربة الحظ اللي تجي له على طبق من دهب فيقفش فيها بإيده وسنانه ويقول يافكيك."
وأشار على حاله بفخر متسم بالدعابة:
"بس على مين؟ ميخلش ويعدي على جميل."
ابتسم الآخر وردد بدعابة مماثلة:
"طبعًا ده دماغه فايتاه ومش عارف هو إنه بيتعامل مع خط البنوك."
"حضرتك أيقونة ذكاء متحركة وكلنا هنا شغالين بتوجيهات حضرتك يافندم."
أماء له بشكر وطلب منه أن يكمل حديثه.
أكمل نادر حديثه شارحًا بتفسير:
"وبصيت ياباشا لقيت إشعار جاي لي إن فتح في مكان معين تابعت المكان واتفاجأت إنه في الجيزة."
"في أقل من ربع ساعة كنت قدام المكان طيارة ودخلت الكافيه الموجود فيه ومن استكشافي شفت واحد في منتهى الشياكة قاعد والأيباد بتاعه قدامه."
"قربت منه كويس ودققت في إصدار الأيباد من ورا في رقم معين كده أدخله عندي وأعرف إذا كان ده من ضمن أجهزة الهاكر ولا لأ."
"تعبت جدًا عشان أتحقق من الرقم بس جبته في الآخر بصعوبة جدًا، عشان ميشكش فيا."
"وعرفت إنه هو يافندم راقبته وأخدت رقم عربيته وبعتها لواحد صاحبي في المرور ولسه مستني يجيب لي أخباره بالتفصيل."
"طبعًا منقدرش نقبض عليه إلا وهو متلبس وخلاص قربت يافندم. وهجبهولك لحد عندك وهقدمه لك هدية على طبق من دهب."
"الله عليك ياهندسة عمري ما شكيت في ذكائك لحظة يانادر..." قالها جميل بثقة. وأكملوا حديثهم عن أمور أخرى تخص البنك.
في كلية التجارة جامعة الإسكندرية.
في نهاية السنة الدراسية حيث تتوافد جميع الطلاب على قدم وساق لأداء الامتحانات.
بتوتر شديد ملاحظ على وجوه الطلاب من مختلف أقسام كلية التجارة.
يدلف الدكتور رحيم المالكي المدرج المسؤول عن مراقبته اليوم.
ألقى السلام بجدية واحترام على جميع الطلاب الماكثين في توتر وهرج ومرج من دورانهم حول بعضهم، كل يسأل غيره ويستفسر عما يريد.
انتظموا في أماكنهم فور دخول الدكتور المراقب عليهم ورددوا السلام بوقار واحترام مماثل.
وزع جميع الأوراق بالعدد عدا ورقة واحدة. استغرب ونظر إلى المقاعد ليرى ما إذا كانت زيادة أم ماذا؟
وبالفعل وجد مقعدًا فارغًا نظر إلى الطلاب وتساءل بجدية:
"في مكان فاضي وورقة زيادة ياجماعة مين محضرش خلاص فاضل عشر دقايق وورق الأسئلة يوصل؟"
تلفت الطلاب يمينًا ويسارًا ليروا من ينقصهم وبعد لحظات بسيطة أجابت طالبة قائلة باستغراب:
"ده مكان مريم عماد. معقولة إيه اللي آخرها وللأسف مش معايا تليفونها أكلمها عليه."
"طيب محدش يعرف عنها حاجة خالص ولا يعرف سبب تأخيرها إيه؟" قالها رحيم بقلق دكتور على طالب، كقلق الأم على ابنها من رسوبه في أمر ما.
لم يعرف أي منهم أي طريقة للوصول إلى مريم لأنها انطوائية جدًا، ولا تتحدث مع أحد إلا قلة قليلة من زملائها.
وظلت مريم متأخرة لنصف ساعة من دخول وقت الامتحان. وفجأة وجدوا من يقرع على الباب بدقات سريعة.
حول رحيم أنظاره إلى الباب واستشف بذكائه أنها المتأخرة عن موعد الامتحان.
ضيق عينيه بزهق وعنفها قائلًا باستنكار وهو ينظر إلى ساعته:
"الأستاذة اللي مش واخدة بالها من إن وراها امتحان وجاية متأخرة ولا هاممها!"
واسترسل حديثه باستهزاء:
"ياترى البرنسيسة إيه اللي آخرها عن الامتحان كان عندها ميتنج مع وكالة أنباء ولا حاجة؟"
تجمعت الدموع في مقلتيها من استهزائه بها أمام الطلاب دون أن يتركها تشرح سبب تأخيرها.
ولكن هذا الاستهزاء لا يشغلها حاليًا بقدر ما يشغلها أداء الامتحان فردت بهمس واستعطاف:
"أنا متأسفة جدًا لتأخيري يادكتور بس والله غصب عني ظروفي صعبة جدًا هي اللي أخرتني. وطمعانة من حضرتك إنك تدخلني الامتحان ومتضيعش عليا المادة."
فكر مع حاله وأوجعه استعطافها واعتبرها مثل إخوته لو وضعوا في نفس الموقف.
فأشار إليها بيديه أن تدلف إلى مقعدها وأعطاها ورقة الأسئلة والإجابة.
تنهدت بارتياح وأخذت الورقة منه وذهبت إلى مقعدها بتعب شديد حاولت أن تخفيه من على معالم وجهها.
جلست وبدأت في الإجابة بهدوء وصمت مثل باقي زملائها، وجاهدت حالها على عدم الانهيار من شدة التعب والإجهاد الذي تشعر بهم.
ولكنه كل حين ينظر إليها بفضول انتابه فجأة.
لاحظ عليها التعب والإجهاد واضحين للأعمى يراهم ولكن وجدها تجاهد حالها. فقرر أن لا يشغلها حتى تنتهي فهي متأخرة ما يقرب من ساعة.
انتهى الجميع من إجابة الامتحان عدا هي الموجودة في المدرج معه تحاول أن تنهي إجاباتها بسرعة جدًا فالوقت انتهى منذ عشر دقائق.
نظرت إليه باستعطاف أن يمهلها عشر دقائق فقط كي تنهي الإجابة. وقبل أن تتحدث أحس هو بطلبها. فأشار إليها أن تكمل لأنه لاحظ إجهادها.
وبعد ربع ساعة بالتمام أنهت الامتحان وذهبت لكي تعطيه الورقة وإذا بها قبل أن تصل إليه قوتها تنهار. وتسقط مغشيًا عليها قبل أن تسلمه بالورقة.
انتفض من مكانه ذاهبًا إليها برعب وحاول أن يصل إليها قبل أن تقع أرضًا لشدة متابعته لها. وبالفعل قبل أن تصل رأسها أرضًا كان ممسكًا بها.
تمعن في ملامحها البريئة والتي من الواضح أن وراءها انكسار وحزن يكسو معالم وجهها.
ثم حاول إفاقتها ضاربًا على وجهها بهدوء مرددًا بقلق:
"آنسة مريم آنسة مريم فوقي."
لم تجد محاولته نفعًا، فأنزل رأسها بتمهل أرضًا، وأخرج من حقيبته زجاجة البريفيوم الخاصة به ووضع منها على يديه ثم ذهب إليها على عجالة ومرر يديه على أنفها.
وبالفعل استجابت لمحاولته وتململت بين يديه وبدأت بفتح عينيها رويدًا رويدًا.
وتقابلت زرقاويتها مع عسلية عيناه عن قرب شديد.
هدأت من روعها وما إن وجدها أفاقت وتحاول لملمة شتاتها تركها بهدوء.
اعتدل من قامته وسألها محاولًا الاطمئنان عليها:
"مالك يا آنسة مريم شكلك مجهد جدًا وباين التعب جدًا على وشك. إنتي بتشتكي من حاجة معينة تاعباكي؟"
رمشت بأهدابها بتوتر وإجهاد وأجابت باختصار شديد:
"لأ الحمد لله مش بشتكي من حاجة بس كنت مجهدة بسبب ضغط المذاكرة."
ثم شكرته بامتنان على وقوفه بجانبها وعدم حرمانها من الامتحان. ولملمت أشياءها وغادرت بهدوء كما دخلت.
نظر إلى طيفها بشرود وردد مع حاله بشرود:
"دي مالها دي."
"دي شكلها وراها حوار كبير أوي."
ثم جمع الأوراق الخاصة بالاختبار وغادر تاركًا المدرج، وتلك المريم بغموضها غاصت أعماق عقله.
في شقة راندا المالكي.
جالسة مع أبنائها تدون في دفترها الأشياء التي ستأخذها معها وهي مسافرة إلى زوجها دبي، حيث انتهى أبناؤها من أداء الامتحانات منذ أسبوع وحان وقت سفرهم إلى زوجها الحبيب يقضون معه الإجازة الصيفية.
ومن عادتها قبل أن تسافر إلى أي مكان تدون الأشياء التي تحتاجها وتراجع عليها ليلة سفرها، حتى لا تنسى شيئًا ويكون هامًا وتندم فيما بعد، فهي مرتبة ومنظمة جدًا، ولا تسمح بالتهاون في شيء.
وإذا بالهاتف الخاص بها يعلن عن وصول مكالمة.
نظرت للهاتف وابتسمت بفرحة وأجابت على الفور بابتسامة:
"حبيبي كنت لسه على بالي وبفكر فيك والله ولقيتك بتتصل. عامل ايه يا هوبة؟"
ابتسم زوجها وأجابها وهو يدخل شقته في الكويت عائدًا من عمله وقال مشاغبًا لها:
"وياتري بقى ياست راندا أنا بغيب عن بالك وبختفي ساعات ولا أنا في بالك طول؟"
ابتسمت بحالمية وهي تداعب خصلة شعرها وتحدثت بنبرة يملؤها الحنين لزوجها الحبيب الغائب الحاضر. الغائب بجسده ولكن حاضر بروحه ويحوطها في كل مكان:
"إنت مبتغيبش عن بالي يا إيهاب عشان أنساك. أو بالأخص مفيش حاجة بتشغل بالي غيرك يا حبيبي."
وعلى جانبيها أبناؤها يعزفون بأيديهم كطريقة للمداعبة على حديث والدتهم حين تحادث أباهم وتنسى نفسها من شدة الاشتياق.
فنظرت إليهم وضحكت بصوت عالٍ أثار دهشة زوجها وسألها بفضول:
"ياتري بقى إيه اللي طلعك من الإنسجام مع جوزك حبيبك وخلاكي تضحكي أوي كده؟"
انتبهت لسؤاله وتوعدت بالإشارة لأبنائها وأجابت:
"الأولاد هو في غيرهم مركزين معايا خالص وأنا بتكلم معاك وبيعزفولي كمان تصور بقى."
ضحك بشدة وهو يتخيل منظر أبناؤه وهم كالعادة يشاكسون والدتهم وطلب منها أن تفتح الفيديو كول:
"افتحي الفيديو كول عشان حبايب بابا المشاكسين وحشوه ونفسه يطمن عليهم."
استجابت له على الفور وفتحت الفيديو كول. وطار أبناؤها عليها مهاب على يمينها وسما على يسارها، يتسارعون لرؤية أباهم الحبيب مرددين بشغب محبب:
"ازيك يابابي عامل ايه؟ وحشتنا أوي."
وبعثوا له قبلة بأيديهم.
رد لهم القبلة بمثلها واجابهم يطمئنهم:
"حبايب بابي عاملين ايه وحشتوني كتير قد الدنيا بحالها."
أجابوه بطمأنة على حالهم:
"متقلقش علينا ياحبيبي إحنا كويسين جدًا ومش ناقصنا غير وجودك جنبنا وفي حضننا ياغالي."
أخذ نفسا عميقًا وأردف بصبر:
"خلاص ياحبايبي كلها أسبوع وتيجوا وتنوروا لي دنيتي المضلمة من غيركم."
ثم استرسل حديثه بحزن اكتسبه من الغربة وطول البعاد:
"متتصورش حياتي من غيركم عاملة إزاي ملهاش طعم ولا معنى ولا لون."
"ولا بستمتع وأنا باكل لوحدي. ولا بحس بطعم الحياة إلا بوجودكم معايا ياحبايب قلبي."
حزنت راندا لأجله ووجهت الكاميرا على وجهها وحدثته لتهدأ من إحساسه بالوحدة:
"هتصدقني يا إيهاب إني حاسة زيك بالظبط نفس إحساس الوحدة. بالرغم من إني حواليا ماما وبابا وإخواتي وولادي."
"بالرغم من إني في بيتي وفي بلدي."
"بس إنت بالنسبة لي كلهم يا إيهاب أبويا وأمي وأخويا وبلدي وسكني وسكينتي وكل ما ليا اللي مبحسش بيهم إلا وأنا في حضنك وبين إيديك."
تركها أبناؤها تحادث والدهم بخصوصية ودلف كل منهم لغرفته.
تأثر بحديثها الصادق الخارج من أعماق قلبها ورشق في أعماق قلبه وردد بحب:
"ياه ياراند كلامك عامل زي البلسم اللي بينزل على قلبي يهديه من وجع البعاد والغربة."
"عارف ياحبيبتي وحاسس بيكي وبإحساسك."
"عارف إنك بتتألمي زيي وأكتر كمان. يمكن أنا بتلهي في الشغل هنا وضغط نفس جامد عشان أضيع أكتر وقتي."
"أما إنتي ياحبيبتي شايلة مسؤولية البيت والأولاد لوحدك وكل مسؤولياتهم وهمومهم ومشاكلهم عليكي."
وأكمل بنبرة حماسية كي يلهيها:
"بس أنا بقى مجهز لكم برنامج أول أسبوع هيعجبكم جدًا. وأخدت إجازة الأسبوع كله."
"وضاغط على نفسي بقالي أسبوعين عشان أخد الأسبوع ده إجازة."
"ياااه يا إيهاب كل مرة ببقى جايلك فيها ببقى طايرة من الفرح زي أول مرة بالظبط..." قالتها راندا بحالمية وحب.
وظلا يتحدثان بكل مشاعر الوحشة والحب والغرام.
"الغربة" تعطينا رغد في العيش ولكن تسرق من صاحبها أحلى سنين العمر.
في الغربة تمرض وحدك ولا تجد من يداويك. وتأكل وحدك ولا تجد من يوآنس وحشتك.
في الغربة تشعر بالحنين للأهل والوطن والزمان والمكان وأقصى أحلامك ساعة واحدة فقط تقضيها بجانبهم ولم تطولها.
في الغربة أشياؤك كلها منظورة والبعض ينتظر رجوعك لكي يتطلعوا إلى الأشياء التي تأتي بها وليس ليتطلعوا إلى شخصك.
ثمن الغربة عمرًا، عزوة مفقودة، بكاء على لقاء الأحبة كل يوم بلا دموع.
في الغربة تفقد الإحساس بألذ متع الحياة بل تفقد الإحساس بالحياة.
الغربة لا تعطي سوى شئ واحد فقط الأموال.
ولكن ماذا عساها الأموال أن تفعل؟ هل تشتري راحة بال؟ هل تشتري ساعة واحدة في قرب الأحبة؟ هل تشتري طمأنة الأهل حين المرض؟
كثير من المغتربين بعد عودتهم في المطاف النهائي يقولون ندما لو عادت بنا الأيام ما اغتربنا وما ضيعنا أجمل سنين العمر.
لكل مغترب وتاركًا شطرًا من قلبه أنت مجاهد عظيم من أجل البقاء. ولكل مسؤولة وراء ذلك المغترب أنتِ مناضلة عظيمة من أجل الارتقاء.
"واثق الخطا يمشي ملكًا" تستحق تلك الجملة أن تقال على مالك الجوهري.
ولكن ملكًا بأخلاقه ملكًا بقناعاته الهادفة وليس بالشكل والمادة.
وصل إلى مصنع الملابس الخاص به وترجل من سيارته بهيبة ووقار وهو يغلق أزارر حلته الكاجوال.
ويعدل من نظارته الشمسية ذات الماركة العالمية المعروفة "لاكوست" بلونها الأسود، والتي تخفي نظرات عينيه ببراعة.
دلف متعجلًا بخطاه وهو يلقي السلام بتواضع على أفراد الأمن الماثلين أمام المصنع.
فهو خلوق جدًا وليس فيه داء الكبر على عماله ولا هو صاحب النظرات المرعبة التي يعانيها الجميع.
بل هو معتاد مع عماله على السلام والكلام والتواضع والمحبة.
دخل إلى مكتبه بعد ما ألقى التحية باحترام على السكرتارية المخصصة لمكتبه.
وفور دخوله خلع نظارته الشمسية ونزع الجاكيت الكلاسيكي ووضعه في الشماعة المخصصة الموجودة في استراحة مكتبه.
وجلس على كرسيه ممسكًا الهاتف يطلب من مديرة مكتبه أن تبعث للأستاذ علي صديقه الصدوق، ومدير المصنع أن يأتي له.
استجابت له على الفور وهاتفت مكتب الأستاذ علي وطلبت من الإتيان إلى مكتب مالك.
بعد عشر دقائق وصل علي ودق على الباب بأدب ودخل ملقيًا السلام وأردف بجدية وهو يجلس:
"ازيك يامالك. حمد الله على السلامة."
أجابه مالك بوجه بشوش:
"الله يسلمك يا علي. أنا تمام الحمد لله."
"أخبار التصميمات الأون لاين ايه؟"
"شغالين تمام ولا مقصرين؟"
أمسك بالملفات المطبوعة الموضوعة أمامه وأعطاها له بعملية مرددًا:
"بصراحة شغالين كويس جدًا، أكتر من المصممين اللي شغالين وجهًا لوجه معانا هنا."
"أتمنى إن ولو واحدة فيهم توافق تيجي تشتغل معانا هنا على أرض الواقع."
"علشان الفنانين والناس المهمة اللي بتجي لنا ومبيكونوش عايزين تصاميم أون لاين للأسف."
"مش بيقتنعوا إلا لما يقعدوا مع المصمم ويعرفوه اللي عايزينه بالتفصيل بيبقوا كده مستريحين."
اختلف مالك معه في وجهة النظر وأدلى رأيه بعملية رجل محنك مدرك بالتصاميم:
"أختلف معك في النقطة دي."
"يا علي المصمم ده فنان خيالي بيسرح بخياله في صورة ويفضل يسرح فيها لحد ما يحس إنه قرب منها يقوم بقى مشغل الموسيقى اللي بيحبها."
"ومشروبه المفضل ويقعد في حتة هدوء عشان يبدع رسمته ويطلعها زي ماهو راسمها في خياله بالظبط ويمكن تطلع أحسن كمان."
واسترسل بتوضيح أكثر:
"علشان كده أنا حابب شغل التصاميم الأون لاين وخاصة صاحبة ماركة 'ريما ستور'."
"بجد التصاميم بتاعتها عاجباني وفي حتة تانية خالص. ليها لمحة إبداعية في التصميم مريحة جدًا."
"أكيد صاحبة الماركة دي إنسانة هادية وراقية عشان تطلع لنا التصاميم بالروعة دي."
وأكمل بتمني:
"مصممة بالخبرة المتجددة دي أكيد سنها معدي ٤٥ سنة عشان خبرتها في التصاميم متطورة جدًا عن الباقيين اللي بيبعتوا لنا. واللي نعرف عنهم كل حاجة إلا دي رافضة أي طريقة للتواصل معاها."
"بجد أتمنى في يوم من الأيام إني أقابل فنانة زي دي ومصممة عظيمة مينفعش تبقى مغمورة جوه التصميمات كده. ومتخرجش للعالم الخارجي وتحضر أتيليهات. أنا واثق ومتأكد إن دي لو ظهرت هتكسر الدنيا."
حمحم علي بصوته وأخذ التصميمات المطبوعة وأعطاها له قائلًا:
"أتمنى ذلك بس ساعتها لما منافسين كتير يحاولوا يخطفوها أو يحتكروها متزعلش."
واسترسل وهو يمد يده بالتصميمات:
"اتفضل ياسيدي التصميمات الجديدة أهي."
"اللي استلمناها أول الأسبوع بص عليها كده وشوف اللي هيعجبك ايه. وشوف اللي عايز تعديل ابعته تاني يتعدل."
أخذ منه التصميمات وتحدث بعملية وهو يتطلع إليها دون أن ينظر له:
"السوق علمني إن الكف السابق غالب يابني. يعني دي أول ما يجي في بالها فكرة الظهور مش هتعدي من تحت إيد مالك الجوهري."
"وده مش غرور مني ولا حاجة لأ دي خبرة سنين اكتسبتها من خلال ممارستي للعمل من أول مابتديت. إنت عارف أنا المصانع دي ولا ورثتها ولا جات لي كده من الهوا."
"تعبت فيها وعملتها من الصفر وطبعًا نجاحها يرجع أولًا لفضل ربنا عليا في إنه رزقني التوفيق. وللعمال اللي وقفت جنبي وسندتني من البداية لحد اللي وصلت له."
واسترسل بدهاء:
"وبعدين إنت قلت لي قبل كده إنها اتعرض عليها عروض كتير جدًا من منافسين حوالينا وهي كانت دائمًا بترفض."
"وقالت لك إنها يستحيل تسيب الكيان اللي ابتدت واتطورت وحققت نجاح معاه."
"صح ولا أنا غلطان؟"
وافقه على حديثه وأجابه بتأكيد:
"صح جدًا يامالك ريما ستور بالذات فيها حتة الوفاء للي بتشتغل معاهم ومش ماشية بمبدأ اللي يغريها بفلوس أكتر تروح وراه."
"هي شايفة إن اسم الجوهري أضاف ليها ولسه هيضيف لها كتير عشان كده مكملة وهتكمل معانا إن شاء الله."
وظلا يتحدثان في أمور المصنع والتصميمات لمدة.
إلى أن دق الباب ودخلت السكرتارية مرددة بعملية:
"مالك بيه الأستاذة نهال برة وعايزة تقابل حضرتك."
ضيق عينيه بزهق وردد باستنكار:
"قولي لها مالك بيه مشغول."
وكاد أن يكمل إلا أنه وجدها تقتحم المكتب بكل غرور وابتسامة سمجة قائلة باستسماح:
"معلش يامالك عايزاك في حاجة مهمة ومش هعطلك كتير ممكن؟"
أشار بعينيه للسكرتيرة أن تتركها وتغادر.
وقام علي من مقعده وهو يلملم أشياءه قائلًا باستعجال:
"طيب أنا همشي أنا بقى ورايا مقابلات كتير. أشوفك في الميتنج بالليل متنساش سلام."
"لأ مش هنسي مع السلامة."
رددها مالك بهدوء. ثم نظر إلى الجالسة تنظر له بتبجح وقال ببرود:
"خير إن شاء الله اللي جايب نهال هانم لحد عندي وبدون ميعاد سابق؟"
رمشت بأهدابها بتوتر ورفعت مقلتيها تنظر داخل عيناه كطريقة منها للتأثير عليه كقبل ذلك وأردفت بعتاب:
"كده يامالك دي مقابلة تقابلها لي بعد المدة الطويلة اللي مشفتكش فيها."
"مكانش العشم برده."
دق بقلمه على مكتبه ليبين لها عدم اهتمامه لثرثرتها وأوضح بسخرية:
"عشم إيه اللي بينا يانهال اللي بتتكلمي عليه؟"
"العشم ده تبليه وتشربي مايته وتقولي الحمدلله وراه إني رضيت أقعد معاكي أصلًا."
استمعت لحديثه وقالت بحزن مصطنع:
"للدرجة دي هنت عليك تقول لي كده؟"
"للدرجة دي هانت عليك عشرة ٨ سنين جواز واتنين خطوبة!"
ضحك بصوت عالٍ دليلًا على الاستهزاء بكلامها وأكمل وهو يحك ذقنه بتساؤل:
"إنتي مصدقة نفسك والكلام العبيط اللي إنتي جاية تقوليه ده؟"
"خلاص مالك بتاع زمان اللي اتحايل عليكي هو وأمه إنك تفضلي جنبه ومتسيبنيش عشان خاطر أزمة صحية مسيري هتعالج منها. وبالرغم من كده بينتي أصلك بدري أوي."
واسترسل بسخرية:
"يابنت الأصول."
قامت من مكانها واتجهت إلى مقعده واقتربت منه وهي تنظر داخل عيناه قائلة بندم صادق:
"كنت لسه صغيرة وغصب عني ضعفت من ضغط ماما واللي حواليا. ورجعت لك دلوقتي ندمانة ومشتاقة ومن الآخر عايزاك يامالك قلبي."
"وبحركة مفاجأة منها وضعت قبلة هائمة على يداه."
انتفض من أمامها كمن لدغه عقرب وبسرعة ابتعد عنها فمالك يخشي الله ولا يقبل بأي شيء محرم يفعله وعنفها قائلًا بشدة:
"إنتي إزاي يابني آدمة إنتي تسمحي لنفسك تقربي مني بالمنظر ده يامحترمة!"
"عيب على الحجاب اللي لايمت بالحجاب بصلة أصلًا اللي إنتي لابساه."
وذهب إلى الباب وأشار بيديه كطريقة لطردها مرددًا بعنف:
"ودلوقتي حالا إتفضلي اطلعي برة معنديش وقت أضيعه معاكي."
ثم اتسعت عينيه بحدة كحدة عيون الصقر مردفًا بصوت عالٍ:
"إتفضلي وياريت مشوفش وشك هنا تاني."
قامت وهي تحمل حقيبتها بعنف وأردفت بتوعد جراء كرامتها المهدورة وهي تقف أمامه مرددة:
"هتندم يامالك وهتدفع تمن طردك ليا من هنا واستهزائك بيا."
ثم خرجت بسرعة غاضبة من مكتبه تدل على غضبها الشديد واستيائها من مقابلته لها الغير متوقعة في عقلها بالمرة.
أما هو بعد خروجها حدث حاله وهو يضرب بكف على كف:
"قال ياقاعدين يكفيكوا شر الجايين."
وذهب إلى مكتبه وطلب فنجانًا من القهوة كي ينزع عنه صداع الرأس من تلك الشمطاء التي كانت تجلس معه الآن.
أما هي بعد خروجها ركبت سيارتها وجلست بها وأمسكت هاتفها وهاتفت شخصًا ما مرددة بعصبية:
"أيوة ياست هانم هو ده اللي قلتي لي ده الوقت الصحيح اللي هترجعي له وهيقابلك بالأحضان."
أجابها الطرف الآخر:
"اهدي بس إيه اللي حصل لعصبيتك دي؟"
جزت على أسنانها بغضب ونطقت بسخرية:
"البيه طردني طردة الكلاب من مكتبه وكأني حشرة وعاملني بمنتهى البرود."
"أنا نهال الدين يتعمل فيا كده."
واسترسلت بتوعد:
"والله لا أندمه على اللي عمله معايا وهدفعه التمن غالي."
وظلا يتحدثان بتخطيط كل منهم على هواه.
تري ما المجهول المنتظر لأبطالنا مالك، مريم، ريم.
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الثاني 2 - بقلم فاطيما يوسف
حياة الصغار أتمنى أن تعود وأنسى معها آلامي التي اقتحمت روحي ودمرت كياني. طفولتي اندثرت تحت التراب وأصبحت سراب. حياتي أصبحت حقيقتها ضباب وارتياب، وما بين الحقيقة والسراب أرواح داخلها خراب.
في منزل باهر الجمال، زوج ريم. عاد باهر من عمله، فهو يدير مع أخيه سلسلة المطاعم المشهورة في الإسكندرية بالأسماك البحرية ذات النكهة المميزة بمطاعمهم. ليناول وجبة الغداء مع زوجته وأبنائه، فهو عكس أخيه يحب التجمع مع أبنائه على طاولة الطعام.
دلف إلى داخل المنزل وصعد إلى الطابق الثاني لكي يسلم على والدته ويطمئن عليها أولاً. دلف إليها بوجه مبتسم وهو يقبل رأسها:
"إزيك يا ماما، عاملة إيه يا برنسيسة إسكندرية بحالها."
واسترسل وهو يغمز لها بمداعبة:
"اللي يشوفك كده ميقولش عندك شابين طوال عراض زيي أنا وزاهر."
"الله أكبر عليكم يا حبايبي، ربنا يحرسكم ويحميكم من العين يا رب."
قالتها والدته بصدق. وأكملت بنبرة متهكمة:
"برضه جاي على ملي وشك عشان تتغدى مع البرنسيسة ريم هانم؟ ما كنت اتغديت مع أخوك، ما هو مبيجيش زيك كده كل يوم ويتعب نفسه، ولا الست ريم هانم تزعل وتعلق لك المشنقة."
استوعب سؤالها وأردف بنبرة عتاب محاولاً تجنب سخريتها:
"ليه يا ماما دايماً مش متقبلة ريم؟ ودايماً شايفاها زوجة الابن المتسلطة والمتحكمة؟"
واسترسل بعتاب:
"على فكرة بقى، إنتي مربية رجالة مفيش حريم بتحكمهم. كل الحكاية إني بحب أتجمع مع ولادي ومراتي على سفرة واحدة. وكمان بابا الله يرحمه معودنا على كده، كان يسيب شغله ويجي يتغدى معانا."
لوت شفتيها بامتعاض وأردفت بنفس سخريتها:
"ولما إنت راجل كده زي ما بتقول، سايب البرنسيسة تشتغل رسامة وخياطة ليه؟ هي محتاجة فلوس عشان تجرسنا وسط الناس بشغلها على النت؟"
انتصب قائماً كي ينهي الجدال العقيم الذي لا يسمن ولا يغني من جوع مع والدته وأردف وهو ينظر إليها باستعطاف:
"يا ماما قلت لك ميت مرة، ريم مبتشتغلش عشان الفلوس ولا عشان محتاجة. وبعدين ليه مسمية شغلها ده خياطة أو رسامة؟ مع إن دي مهنة عظيمة لكل ست بتشتغلها عشان تحسن من مستواها حياتها وتقف جنب جوزها. وريـم مصممة يا ماما ومصممة شاطرة جداً وموهوبة وبتشتغل بهدف تضييع الوقت عشان متحسش بملل. ولا إنتي عايزاهـا تبقي زي هند قاعدة مع دي شوية ودي شوية وجايبة لجوزها مشاكل."
اقتنعت بحديثه لكن عن هند فقط وأكملت بتشبث:
"وليه متكونش زي أختك؟ ماهي ولا بتقعد مع دي ولا دي ولا بتجيب مشاكل، وبرضه حافظة قيمة جوزها ومركزه وسط الناس."
تأفف بضيق وتحدث بحدة:
"لو سمحتي يا ماما، يا ريت متتكلميش معايا في الموضوع ده تاني. ريم شخصية وأختي شخصية، وطالما مراتي في حالها ومبتجبليش مشاكل خلاص."
أمسكته من يده وأجلسته كي تراضيه لأنها رأت علامات الضيق ارتسمت على وجهه:
"يا حبيبي، أنا بقعد باليومين هي فوقي وأنا تحتها ومبشوفهاش."
وأكملت وهي بحزن مصطنع:
"والعيال ولادك بيوحشوني وببقى نفسي أشوفهم، وهي مبتردش تنزلهم إلا ورجلها على رجلهم."
ربت على ظهرها مردداً بحنان:
"خلاص يا ماما، هتكلم معاها في موضوع النزول والولاد ده. أما موضوع التصميم والهواية اللي هي بتحبها، معلش يا أمي اعذريني."
ابتسمت بانتصار لاعتقادها أنها غصت اليوم على ريم ورددت بخبث:
"لأ يا حبيبي، متتكلمش معاها. أنا مش عايزة أعمل لك مشاكل مع مراتك وتقول لك أمي ومش أمي، آه."
"ولا مشاكل ولا حاجة يا حبيبتي، ريم عاقلة ودماغها كبيرة."
قالها باهر وهو منتوي الخروج مودعاً والدته وصعد إلى شقته في الطابق الرابع وهو ينفض جميع ما قالته له والدته عن باله.
دلف المنزل وما أن استمع لابنه الصغير قدومه، هرول إليه مسرعاً بسعادة عارمة، وأخذه بين أحضانه مردداً بابتسامة:
"حبيب بابي اللي واحشني قد الدنيا بحالها."
ونظر يميناً ويساراً متسائلاً بلهفة:
"آمال فين مامي؟"
خطت إليه تحتضنه كعادتها عند عودته من الخارج، استقبلها بين أحضانها وقبلها من جبهتها مردداً بحب:
"حبيبتي الجميلة اللي واحشاني جداً."
قبلته من وجهه وأردفت بابتسامة عذبة:
"حمد الله على السلامة يا قلبي، إنت كمان واحشني جداً."
واسترسلت وهي تشير إلى الطاولة:
"يلا يا حبيبي اقلع الجاكت واغسل إيديك، أنا جهزت الأكل على السفرة. بسرعة بقى عشان إحنا جعانين جداً ومستنينك ومرضناش ناكل حاجة خالص إلا لما تيجي."
ذهب إلى المرحاض كي يطهر يديه وتحدث:
"حالاً أهو، هغسل إيدي وأجي لكم يا حبايب بابا."
وجلست العائلة الصغيرة مجتمعين على طاولة الطعام بكل حب وألفة، متسامرين بضحكات ومشاغبات باهر مع أطفاله وزوجته ريم، وقرر أن يقضي باقي يومه معهم. ريم لها ولدان من باهر، عمر في سن الخامسة من العمر، وياسين عمره شهرين فقط.
***
في منزل جميل المالكي، تقف راندا ووالدتها فريدة في المطبخ يجهزان الطعام. راندا أتت لتقضي اليوم هي وأبناؤها مع والدها ووالدتها وأخيها لأنها ستسافر إلى زوجها في نهاية الأسبوع.
فريدة بحزن:
"يعني خلاص يا راندا هتاخدي الولاد وتسافري آخر الأسبوع؟"
واسترسلت بوحشة وهي تنظر إلى أحفادها:
"أنا متعودة على وجود الولاد حواليا بجد هفتقدهم أوي ومش عارفة هستحمل بعادك وبعادهم إزاي؟"
احتضنتها راندا وقبلتها من وجهها وأردفت بحب:
"يا حبيبتي، إنتوا كمان هتوحشوني أوي، متتصوروش ببقى متضايقة عشان خاطر هبعد عنكم التلت شهور دول كلهم."
واسترسلت وهي ترفع يديها الاثنتين:
"ولكن ما باليد حيلة يا أمي، للأسف ظروف الشغل هنا في البلد صعبة جداً ولو إيهاب فكر يرجع مش هيلاقي مكتب يعيشنا المستوى الاجتماعي والمادي اللي إحنا عايزينه."
رد عليها رحيم أخوها وهو يخرج من غرفته:
"طب يا روني، ما كفاية كده ويرجع يفتح له مكتب هنا ورزقكم على الله."
وجهت أنظارها تجاه أخيها وأردفت بعملية:
"للأسف يا رحيم، سوق العمل هنا بقى صعب والجنية قيمته قلت جداً، وزيد عليهم كمان إن كل الفلوس اللي بيبعتها لنا إيهاب يدوب عملنا بيها الفيلا بتاعتنا ولسة كمان بنشطب فيها. قدامنا سنة كمان على ما نخلصها."
واسترسلت بتوضيح أكثر:
"لو رجع بقى واستقر هنا هنضطر نحط كل الفلوس اللي معانا في المكتب وتشطيباته ونستنى بقى عقبال ما نكون عملاء يثقوا فينا، وبعد سنين الغربة دي كلها يبقى الحال كما هو عليه."
استوعب أخوها حديثها وأردف بنبرة حنونة:
"فعلاً سوق العمل هنا بقى فيه خمول رهيب وربنا يستر. ومين عايش في الدنيا مرتاح يا أختي، توكلي على الله وقلوبنا ودعواتنا محاوطاكم."
ربتت على ظهره بحنان مماثل ورددت:
"حبيبي ربنا يخليكم ليا وميحرمنيش منكم أبداً، ومسير الأيام هتجمعنا وساعتها بإذن الله مش هنفترق أبداً."
وما إن أنهت كلامها حتى سمعت أباها عائداً من البنك، هرول إليه أحفاده مسرعين باحتضانه. استقبلهم جميل بحفاوة مقبلاً كل منهم من رأسه وردد بوجه يشع سعادة:
"يا دي النور يا دي النور، أحفادك حبايبك منورين بيتك يا جميل. واحشني يا مهاب إنت وحبيبة جدها سموكة القمر."
وأمسك كل منهم بكف يداه وأجلسهم على الأريكة وهو متوسطهم مردداً بحزن:
"خلاص هتسيبوا جدو وتسافروا."
احتضنوه وقبلوه من وجهه وقال مهاب:
"إنت كمان هتوحشنا أوي يا جدو، وأكتر حاجة هتوحشني إنك تعملي كوباية القهوة التمام ونقعد أنا وأنت في البلكونة ونديها شطرنج لحد نص الليل."
ثم ضم شفتيه وهو يضع إصبعه السبابة عليهما واسترسل بتأثر مصطنع:
"تصدق يا جدو إني بجد هفتقد قعدتك ودروسك اللي بتديهالي في الحياة لما أسافر."
"بس بقى يا مهاب، سيب لي جدو شوية. هو مفيش غيرك اللي حبيب جدو."
قالتها سما وهي تشدد من احتضان جدها الحبيب.
ابتعد جميل عن مهاب بحدة مصطنعة وأردف بنبرة حب لسما:
"ابعد يا ولد يا مهاب، خليني أشبع من سمكة حبيبة جدها اللي بتعمل لي أحلى كيكة وجمبها كوباية شاي."
ارتمت بين أحضانه وابتسمت لإطرائه الشديد لكل ما تفعله له وتحدثت بابتسامة عريضة:
"ياه يا جدو، إنت الوحيد اللي بتعمل لي قيمة وبترفع من معنوياتي اللي دايماً حابطها لي الواد ده."
وأشارت بعينيها إلى أخيها وهي تخرج له لسانها على سبيل المداعبة، وبدوره ألقى بالوسادة في وجهها واشتعلت الحرب بينهم بمشاكسة. فضت والدتهم النزاع الأخوي المعتاد في كل منزل وكعادة كل أم رددت بصوت عالٍ:
"بسسسس، عيب يا بنت، عيب يا ولد."
ونظرت إلى والدها وقالت:
"يلا يا بابا ادخل غير هدومك، أنا وماما جهزنا الغدا."
واسترسلت بحزن مصطنع:
"ولو إنك انشغلت مع الأشقية دول ومسألتش على بنوتك حبيبتك."
أجابها والدها وهو ينظر إلى أحفاده بحب:
"متزعليش مني يا روني، دول بيخطفوا قلبي أول ما بشوفهم."
ثم ولج إلى غرفته لكي يبدل ملابسه ويخرج يتناول معهم الغداء. وضعت فريدة وراندا الطعام على الطاولة بنظام وترتيب كعادة فريدة، فهي تعشق النظام والترتيب، وما إن انتهوا حتى خرج جميل من غرفته وجلسوا جميعهم يتناولون الطعام بشهية مفتوحة نظراً لتجمعهم. ثم أردفت فريدة بحزن:
"مش كانت الست ريم هانم كانت جت اتجمعت معانا في يوم زي ده؟"
"إنتي كلمتيها وعرفتيها يا ماما؟"
سألها رحيم وهو يشمر عن ساعديه ليتناول طعامه بارتياح. امتعضت ملامحها وأجابته بنبرة حادة:
"آه طبعاً كلمتها وبتقول إنها مش فاضية وإن وراها تصميم مطلوب تسلمه بكرة، وأنها هتبقى تروح لراندا تسلم عليها قبل ما تمشي. ومحليش التصميم إلا لما طلبت منها تيجي تتجمع معانا."
تفهم جميل حديثها وأجابها بتعقل:
"متكونيش أفشة كده مع ريم يا أم رحيم، البنت بتعشق التصميم وبتحبه جداً وبتحاول تتطور من هوايتها وتحقيق حلمها. المفروض مننا إننا نساعدها ونقف جنبها ومنكسرش مقاديفها."
استنكرت فريدة حديثه ونقده وأردفت بعتاب:
"يعني لما أكون عايزة أجمع ولادي مع بعض على سفرة واحدة وناكل من نفس الطبق يبقى بكسر مقاديفها؟"
واسترسلت بتوضيح:
"فيها إيه لما كانت تستأذن من التصميم أنها هتأخره يوم عشان أختها مسافرة آخر الأسبوع، وكانت جت اتجمعت معانا وقضينا يوم مع بعض؟ ولا عشان اتجوزوا وخلفوا بقى ملناش حق نضايق أو نطلب نشوفهم في أي وقت!"
ضغط جميل على يديها كنوع من التهدئة وتحدث بهدوء:
"ملقيتيش إلا ريم أهدى واحدة في ولادك وتشني عليها الحرب. وبعدين البنت ملتزمة بعقد ومواعيد مع صاحب المصنع والعقد له شروط جزائية على التأخير، وغير بيتها وولادها، وأنتي قلبك كبير يا أم رحيم."
"آيوة يا أخويا، إنت هتيجي في صفي عشان الست ريم هانم آخر العنقود اللي أي حاجة بتعملها على قلبك زي العسل."
قالتها فريدة باستنكار لحديثه واستطردت بتهكم:
"وأنا بقى الأم الشرانية وأنت الأب الطيب الحنين، ابقى خليها تعمل لك بقى الرز المعمر اللي كنت هعمله لك."
أجابها بدعابة على الفور متراجعاً:
"لاااا وعلي إيه يا أم الغاليين، البت ريم غلطانة والغلط راكبها من ساسها لراسها، واعملي فيها اللي على كيفك، بس متحرمنيش من الرز المعمر بتاعك اللي يعمر الدماغ ويسلطنها."
وأكملوا سهرتهم في جو أسري ممتع وأثناء اندماجهم سمعوا صوت الجرس الخاص بفيلتهم الصغيرة يعلن عن وصول أحدهم. قام رحيم وفتح الباب وإذا بالصغار يقتحمون المنزل بمشاغبة تاركين آباءهم مهرولين إلى جدهم الحبيب جميل. ابتسم رحيم وردد بمشاغبة:
"طيب مش تسلموا على خاله يا وحشين؟ هو أنا كيس جوافة واقف يعني؟ طب أنا زعلان."
ومثَّل بعلامات وجهه التي أضحكت ريم وباهر بشدة، ثم ردد باهر بمداعبة:
"إحنا نقدر نزعل كيس الجوافة؟ يوووه قصدي الدكتور رحيم على سن ورمح."
ثم أخذه في أحضانه ليتبادلوا السلامات. ودخلت ريم سلمت على والدتها واحتضنتها بشدة وعلى أختها بالمثل وسلمت على أبيها وتحدثت بعتاب مصطنع:
"إيه ده متجمعين من غيري يا أندال؟ وكمان بتاكلوا رز معمر من إيد ست الحبايب من غير ما تعزموا عليا، مكنش العشم يا وحشين، أنا مخاصماكم."
تأففت والدتها وردت بحنق:
"آه يا أختي، كلي بعقلنا حلاوة، وعلى رأي المثل خذوهم بالصوت قبل ما يغلبوكم. هو أنا مش متصلة بيكي وعازماكي وقايلالك إن أختك جاية هي وولادها عشان نتجمع كلنا قبل ما تسافر لجوزها."
أنبتت حالها أنها فتحت ذاك الحوار وأصبحت متيقنة أن والدتها لم تمرر جلستها مرور الكرام قبل أن تفضي ما في جعبتها بالكامل، وعلمت أن أفضل رد الآن هو الاعتذار لتجنب المشاحنات فأردفت بابتسامة يصاحبها الدعابة:
"أنا اللي جبت ده كله لنفسي. إيه يا نبع الحنان، كده تقسي على ريما حبيبتك وآخر عنقودك؟ مكنش العشم برضه."
ثم احتضنت والدتها وأكملت بصدق:
"معلش يا أمي، حقك عليا، إنتي عارفة غصب عني والله، أنا ملتزمة بتصاميم بوقت محدد لازم أخلصها وإلا هتعرض لشروط جزائية."
لوت شفتيها بامتعاض وهتفت بحدة:
"وإنتي إيه اللي يخليكي تلزمي نفسك وتحطي شروط تورطك؟ مسبتيش نفسك حرة ليه؟ وقت ما تخلصي تبعتي عشان متضغطيش على نفسك وتقصري في حق نفسك وحق اللي حواليكي."
رأى باهر أن فريدة لن تصمت إلا أن ترى دموع ريم بسبب تأنيبها لها فتدخل لكي ينهي الحوار مردفاً بدعابة:
"ولا سلمتي عليا ياحماتي ولا رحبتي بيا ولا بأحفادك ولا كأنك شايفة حد غير ريما هانم، أنا زعلان جداً، أنا زعلان خالص."
ابتسمت على حركات وجهه وأومأت ببشاشة:
"لأ بقى ده إنت حبيب قلبي الغالي وأبو أحفادي وأخو رحيم."
ثم نظرت إلى أحفادها واحتضنتهم بحب حقيقي، وداعبتهم وانشغلت معهم ونسيت أمر ريم والتصميم في حضرة أعز الولد. ثم نظر جميل إلى فريدة مرددا بفخر:
"سمعت إن بقى ليكي ماركة مشهورة ومكسرة الدنيا ياريما ستور يا عالمي."
ابتسمت ريم على فخر أبيها وتحدثت وهي تشير على حالها بفخر مصطنع:
"أيون أيون، أنا بقيت مشهورة بس للأسف مغمورة. والله أنا خسارة في البلد دي."
ابتسموا جميعاً على مداعباتها وأردف زوجها بجدية:
"مغمورة آه قلتي لي، طب متحلميش بقى يا حبي عشان متفقيش على كابوس. إحنا بينا شرط إنك لو هتشتغلي يبقى مش مباشر، إنتي عارفة إني بغير عليكي من الهوا الطاير، ومش مستعد بقى لحوارات التصميم اللي معرفش مصنع مين مكلمك وآتيليه مين عايزك وحوار الإغراء بالفلوس عشان تروحي للمصنع ده ولا المصنع ده."
واستطرد وهو ينظر داخل عينيها بحب:
"أنا عايز نعيش أنا وإنتي وأولادنا في هدوء بعيداً عن ضوضاء السوشيال ميديا وعالم الأعمال اللي مبينتهيش."
لم يعجب جميل حديث باهر وتحطيمه لآمال غاليته ولكنه صمت لعدة أشياء أهمها أن ابنته موافقة على حديث زوجها ولم تعترض، وأيضاً لم يريد أن يحشر نفسه بينهم، هم أدرى بشؤون بيتهم. أما ريم فحزن داخلها لأجل تصميم زوجها على غمر موهبتها داخل أركان منزلها فقط، وأعدت نفسها للتحدث معه في ذلك الموضوع على انفراد، ثم التهت مع عائلتها في جو كله مرح وسعادة لا تريد هي إفسادها بمزاجها السيئ.
***
في منزل مالك الجوهري. يجلس على الأريكة وأمامه اللابتوب الخاص به يراجع بعض التصميمات المرسلة إليه من علي. وجد أن أكثرها يحتاج إلى تعديلات، دونها أولاً بأول لكي يرسلها إليه، فهو المسؤول عن التصميمات الأون لاين ومتابعة أصحابها. إلى أن جاء أمامه التصميم المبهر الذي ينتظره كالعادة ويعرف صاحبته جيداً من أشياء كثيرة، من هدوئه الذي يخطف بريق العين، ومن اكتماله. نادراً ما يجد لصاحبة هذا التصميم أخطاء، فهي تنفذ تصميمها بحرفية عالية، ومن توقيعها أسفل التصميم توقيع خاص بتصميمها فقط. وحدث حاله وهو يتناول قهوته ويشرب معها السيجار المفضل لديه قائلاً بإعجاب:
"ياترى عندك كام سنة يا ريما ستور عشان تصميماتك اللي في منتهى الروعة دي؟ اللي زيك بالخبرة والإبداع ده أكيد عمرك معدي ٥٠ سنة."
وأكمل متسائلاً حاله بحيرة:
"ياترى ليه مختفية ورافضة الظهور؟ واحدة زيك كان المفروض أقل حاجة يبقى عندها مشغل وأتيليه ويجي لها أشهر الناس يصمموا عندها."
وبقي على حيرته وتعجبه إلى أن خرجت والدته تدعوه إلى تناول العشاء. ذهب إلى طاولة الطعام وسأل والدته وهو يمسك الشوكة بيده اليسرى والسكينة باليمنى ويقوم بتقطيع الدجاج من أمامه بضيق:
"هو الأستاذ مازن سهران برة كالعادة كل يوم نتعشى من غيره؟"
ونظر في ساعة يده مردفاً بحدة:
"والساعة حالياً داخلة على 11 وهو ولا في دماغه."
ربتت أمه على يده مردفة بحنان:
"أمنتك أمانة يا مالك، ما تعصب نفسك يا بني كل لما تيجي تاكل لقمة وتنكد على نفسك. وهو برضه شاب يا بني اعذره، بيعمل زي أصحابه الشباب اللي من سنه."
أجابها متهكماً بسبب دفاعها المستميت عن تصرفات ذلك الفاشل:
"لحد امته يا ماما هتفضلي تبرري له أفعاله الزبالة دي؟ البيه السنة بياخدها بسنتين ومش حاسس ولا دريان بعمره اللي بيضيع في التفاهة والهيافة اللي هو عايشها."
واسترسل بضيق وهو يتناول هاتفه لكي يتصل به ويرى أين هو إلى الآن، وما إن أجابه أخيه انفجر فيه بحدة:
"الأستاذ اللي بيضيع مع شلة المراهقين اللي زيه ناوي يجي امتى إن شاء الله؟"
توتر مازن من حدة أخيه وابتلع لعابه وأجابه بتوتر:
"أنا أنا خلاص راكب العربية وجاي أهو يا مالك، وبعدين أنا متأخرتش يعني عشان تتعصب كده، دي الساعة لسة مجتش 11."
"أنا مستنيك نص ساعة بالكتير ألقاك قدامي."
قالها مالك بأمر وهو يغلق الهاتف في وجهه دون أن ينتظر رده.
وما إن وجدته والدته يمسك بالفوطة الخاصة بالطعام والتي بها يعلن عن انتهائه للطعام، حتى أمسكته من ذراعه وأردفت بمحايلة:
"أستحلفك بالله لا تقعد تكمل عشاك اللي كل يوم والتاني متكملهوش بسبب أخوك، وأنا والله لما ييجي هتكلم معاه وهشد عليه يا أخويا."
مالك بهدوء:
"لأ، إله إلا الله. أنا خلاص شبعت يا أمي مقدرش آكل حاجة تاني."
"لأ والله ما هتقوم إلا لما تخلص طبقك ده كله."
قالتها والدته بتصميم استجاب له مالك كي لا يحزنها، ثم أنهى طعامه وطلب من والدته فنجاناً من القهوة تطهيه بنفسها له، وذهب إلى الأريكة لكي يكمل عمله بهدوء وهو ينتظر ذلك البارد. انتهت والدته من صنع القهوة وما إن جاءت تجلس بجانبه حتى سمعوا صوت السيارة الخاصة بمازن.
حدثته والدته بامتنان:
"بقولك إيه يا مالك، متتكلمش معاه، سيبني أنا المرة دي أتكلم معاه يا حبيبي."
وافق مالك على حديثها لكي لا يحزنها، وتناول قهوته في هدوء دون أن يعير قدوم أخيه أدنى انتباه. نظرت إليه والدته بغضب شديد، منعته إياه بشدة:
"حمد الله على السلامة من اللف يا مازن بيه، إيه مش هتسيبك من شلة الضياع اللي إنتي ماشي وراها دي وتركز وتفوق لمستقبلك؟"
ثم رفعت سبابتها أمام عينيه وأكملت بشدة وهي تمد يدها الأخرى له:
"هات الفيزا اللي معاك وحسك عينك تطلبها تاني إلا لما تتخرج من الكلية."
صدم هو من حديث والدته الذي يراه لأول مرة وسألها متعجباً:
"هي الفيزا مالها ومال إني أنجح أو منجحش يا ماما! وبعدين إنتي معصبة نفسك ليه يا حبيبتي كده؟ غلط عليكي من السكر والضغط."
صممت على أن يعطي لها الفيزا وأكملت بحدة:
"أقول لك ليه يا عنيا؟ الفيزا دي اللي مقوية قلبك ومخلياك تبعتر فلوسك يمين وشمال، على شلة المقاطيع اللي بتمشي معاهم وبيستغلوك للضياع."
واستجاب مازن لإصرار والدته خوفاً من نظرات مالك التي تخترقه ظناً منه أنه سيعرف يأخذها منها وهم وحدهم. ثم انتوى الذهاب إلى أعلى ليبدل ملابسه، أوقفه صوت مالك منادياً عليه بحدة أرعبته:
"مازن اقف عندك."
حول بصره لأخيه وداخله يرتجف وأجابه بتوتر:
"نعم يا مالك، في حاجة تانية؟"
"اتأدب لما تيجي تتكلم مع أخوك الكبير اللي في مقام والدك."
قالتها والدته له بتعنيف.
لم يفتح فمه ببنت شفة وانتظر تحذيرات أخيه بملل، إلى أن سمع صوت مالك مردداً بأمر قاطع:
"اعمل حسابك إنك هتنزل معايا المصنع من بكرة إن شاء الله، تتابع الشغل مع علي وتتعلم منه وتشتغل تحت إيده عشان حجم الشغل كتر عليه، وأنت ما شاء الله فاضي أهو ولا وراك شغلة ولا مشغلة."
واستطرد متهكماً:
"أهو نستفاد من طولك وعرضك اللي ملوش لازمة في الدنيا غير السرمحة مع اللي يسوي واللي ميسواش."
مط شفتيه بضيق وأردف مستنكراً:
"يعني إيه أنزل الشغل والمصنع وأنا ولا أعرف أي حاجة وكمان لسة مخلصتش دراستي يا مالك؟"
أجابه مالك ببرود دون أن ينظر له:
"وإيه علاقة الشغل بالدراسة؟ إنت ولا بتذاكر، ولا بتروح الكلية غير مرة كل أسبوعين لما يهفّك الشوق تغير صنف البنات الصايعة اللي إنت تعرفها."
واسترسل باستهزاء وهو يشير إليه:
"البيه اللي بيصحى كل يوم الضهر ومقضي بياكل مامته وينام ننه، شكل الواحدة البايرة اللي قاعدة ترازي في خلق الله بسبب وبدون سبب."
"وإن رفضت بقى يا مالك هتعمل إيه؟"
قالها مازن باستنكار.
"بسيطة خالص، العربية هتنسحب منك، والأيفون اللي بآلافات اللي بتتمنظر بيه، والفيزا أوردي انسحبت منك."
قالها مالك بتأكيد.
غضب مازن بشدة وتركه وصعد إلى الأعلى دون رد على حديثه.
"بكرة الصبح إن شاء الله تظبط منبهك على 9 بالدقيقة تكون صاحي 9.30 تكون على الفطار، سامعني؟"
قالها مالك دون أن ينظر إليه بكل ثقة وعاود عمله على اللابتوب. وأثناء انشغاله بعثت له رسالة عبر الواتساب. أمسك هاتفه ليرى من صاحب تلك الرسالة، وجدها من طليقته وكان محتواها:
"إزيك يا مالك، أنا بجد زعلانة منك على المقابلة الوحشة اللي إنت قابلتها لي في المكتب ومش بس كده ده إنت طردتني كمان وخليت منظري وحش قدام السكرتيرة. أنا لسة بحبك يا مالك وباقية على عشرتنا مع بعض، للدرجة دي يا مالك مبقتش أفرق معاك! للدرجة دي مبقتش تحبني ولا طايق تشوفني!"
قرأ هو رسالتها بملل واستغرب من أين أتت برقمه الخاص والذي لم يعطه لأحد سوى والدته وأخيه وأخته وصديقه علي. وحدث حاله:
"الزفتة دي جابت رقمي منين؟ هو أنا ناقص وجع دماغ من الحرباية دي؟ هو أنا ناقص وجع دماغ من الحرباية دي؟ مش معقول يكون علي اللي أداها الرقم ده. أما أصدق إني طلقتها وخلصت من نكدها وزنها، ولا ماما طبعاً، معقولة تكون أختي ولا مازن؟ بس مازن ميجرؤش يعملها، يبقى مفيش غير الست هيام هانم ما هم طول عمرهم حبايب."
واسترسل متوعداً:
"ماشي يا هيام، إن ماشفت شغلي معاكي مبقاش أنا مالك."
ولم يعير رسائلها انتباهاً ثم وضع رقمها ضمن الأرقام المحظورة كي لا تبعث له رسائلها التي تجلب له صداع الرأس مرة أخرى.
انتظرت هي كي يرد عليها أو يعيرها انتباهاً بعدما رأت علامة استلامه للرسالة ولكنه لم يرد. جاءت لترسل له مرة أخرى فوجدت أنه قد حظرها ورمى برسائلها عرض الحائط كما ترمي القمامة في سلة المهملات. استشاطت داخلها وانتوت غداً الذهاب إلى أخته كي تشهدها عليه وعلى تجاهله وأفعاله معها.
عجيب حقاً أمر الإنسان، الشيء يكون ملك يمينه ويفرط فيه بسهولة، وما إن يتركه ويرحل ثم يعود ويجد ذلك الشيء وينظر إليه بعين أخرى يلمع في عينيه ثانية ويريد امتلاكه وكأنه لعبة شفراتها في يده يحركها كيفما شاء ووقتما شاء.
***
في الجامعة صباحاً، يدلف رحيم بسيارته إلى الجراج كي يصطف سيارته ويصعد إلى مكتبه. وبعدما صفاها وخرج منها ذاهباً إلى مكتبه، إذا به يسمع أنيناً خافتاً لا يسمعه أحد إلا بصعوبة. سار تجاه الصوت بخطوات بطيئة جداً وإذا به يسمع صوت أحدهم يقول:
"لآآآ يا مي، مش هعمل كده ولا هنفذ لك اللي إنتي عايزاه."
واسترسلت وهي تبكي ألماً بصوت منخفض:
"إنتي فاهمة إنتي بتطلبي مني إيه أصلاً أعمله! إنتي عايزاني أعمل حاجة لا عمري هقبلها ويستحيل أعملها ولو على رقبتي. إنتي بتعملي كده بحكم إني مليش حد يحاسبني وإن ده عادي. يستحيل أعمل اللي إنتي عايزاه ده وإللي عندك اعمليه واللي يحصل يحصل."
ثم أغلقت الهاتف وجلست تضم ساقيها تنتحب بشدة بسبب ضغط تلك المي عليها وابتزازها لها بسبب خطأ ارتكبته دون قصد أوقعها تحت براثن تلك المي.
كل ذلك أمام الواقف المستمع لكل كلمة قيلت واخترقت أذنه، وحدث حاله:
"مين دي اللي عمالة تعيط بالشكل ده وواضح جداً إن حد بيبتزها على حاجة وهي رافضة."
وأكمل وهو مثبت عينيه على ظهرها:
"طيب أروح لها وأفهم منها وأحاول أساعدها؟ ولا أخليني في حالي أحلالي؟ لا تعمل مشكلة وإحنا هنا في الجراج؟ بس أنا متعودتش أشوف حد محتاج أو حزين وبيعيط ومروحش أشوف ماله. خلاص هروح وأمري إلى الله."
وما إن خطى أول خطوة إليها حتى وجدها غادرت الجراج بسرعة دون أن يعرفها أو يعرف ما بها. استغرب كثيراً وفي نهاية الأمر أغلق سيارته وغادر المكان دون أن يدري أو يستنتج ما سمعه لتوه، أو من تكون تلك المنطوية على حالها وتبكي على أمرها. وصل إلى مكتبه ووضع حقيبته وجلس في مكانه وفتح جروب الواتساب الخاص بقسمه ليرى لجنة المراقبة التي سيذهب إليها اليوم. علم المدرج الذي يراقبه اليوم وجمع أوراقه وذهب إليه. وأثناء سيره في الرواق المؤدي إلى المدرج اصطدم بشخص ما ووقعت أوراقه من أثر الاصطدام. رفع رأسه وإذا بها تلك المريم التائهة. نظر إليها وجدها مرتعبة وخائفة من تعنيفه لها وما إن وجدها تفتح شفتيها لكي تعتذر أسكتها قائلاً:
"على ما أعتقد اسمك مريم اللي كنتي جاية متأخرة المرة اللي فاتت. هو إنتي دايماً متلهوجة ومتأخرة كده يا بنتي؟ ودايماً بتجري كده ومش مدية نفسك الوقت الكافي اللي تظبطي فيه أمورك؟"
تهتهت في الحديث ورفعت أنظارها إليه بعدما جمعت أوراقها المبعثرة وقالت باعتذار:
"أنا متأسفة جداً يا دكتور، غصب عني والله، ظروفي صعبة وملخبطة شوية معلش اعذرني."
نظر داخل عينيها الزرقاويتين ووجد بهما أثر للدموع المختنقة بداخلهم وعلى وجهها آثار البكاء وأردف وهو يعرض عليها المساعدة:
"طيب في حاجة أقدر أساعدك بيها؟ اعتبريني حد القدر بعتولك يساعدك ومتعتبرنيش دكتور جامعي."
أجابته بشرود:
"أنا مشكلتي وحكايتي كبيرة وغريبة وملهاش حل يا دكتور."
واسترسلت بتيهة:
"أنا الموت أرحم لي من اللي أنا فيه وبعيشه."
حزن داخله لأجلها وردد باندهاش:
"ياه للدرجة دي حياتك صعبة!"
نظرت أرضاً وأجابت بحزن عميق:
"وأصعب مما تتخيل. بعد إذنك يا دكتور عشان متتعطلش، ميعاد الامتحان كمان عشر دقايق."
أذن لها أن تغادر وقبل أن تتحرك عرض عليها مساعدته قائلاً:
"لو احتاجتيني، أنا مكتبي معروف جداً هنا، اسألي على مكتب الدكتور رحيم وأنا تحت أمرك في أي مساعدة."
شكرته بعينيها ممتنة لذوقه وأخلاقه التي أصبحت غير موجودة في تلك الأيام، وذهب كل منهم إلى مشغولياته.
***
ترى ما المجهول المخبي لريم، باهر؟ وهل سيشفى مالك من مرضه؟ وما المجهول المخبي لمريم؟
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الثالث 3 - بقلم فاطيما يوسف
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الرابع 4 - بقلم فاطيما يوسف
عصراً داخل البنك الأهلي بمدينة الإسكندرية، يجلس جميل على مكتبه يفحص بعض الميزانيات ويراجعها وهو يرتدي نظارته بمهنية.
ثم استمع إلى دقات على باب المكتب وأذن للطارق بالدخول.
وإذا به المهندس نادر يدلف وعلى وجهه علامات السعادة مردداً بنصر:
_ أخيراً وصلت له يا جميل بيه.
_ اترصدت له وجبت لك اسكرينات بمحاولاته للسرقة من كذا مكان.
ومد يده بالملف المطبوع به الاسكرينات.
أخذه منه جميل وهو يثني عليه بامتنان متطلعاً إليه وعلامات السعادة بادية على وجهه:
_ عظيم عظيم يا هندسة.
_ كنت واثق ومتأكد إنك هتجيب آخره.
_ ما أنا مش بشغل معايا أي حد برده.
واسترسل حديثه وهو متعمق في قراءة الاسكرينات مردداً بتساؤل:
_ طيب الاسكرينات دي كفيلة إنها تسجنه ولا هيقول إن ده مش إيميلي والحوارات دي، وخاصة إنك بتقول إنه ذكي ومأمن نفسه كويس جداً؟
استمع نادر إلى سؤاله بتركيز وأجابه بدقة شارحاً له:
_ شوف يا فندم الاسكرينات اللي مع حضرتك هتلاقيني موضح أربع كافيهات كان متواجد فيهم وهو بيحاول يهكر بيهم البنك.
_ والكافيهات دي ملغمة بالكاميرات.
_ وإحنا لما نقدم الأوراق اللي معانا دي لمباحث الإنترنت هي بمعرفتها هتتأكد إن الاسكرينات دي صحيحة.
_ وكمان هتلاقي في الملف اللي مع حضرتك صورة له لقطها له لما كنت في الكافيه اللي في الجيزة اللي بالصدفة عرفت أوصل له منه.
واستطرد شارحاً بتنبيه:
_ هتلاقي مع حضرتك في الملف ميعاد كل مرة راح فيها كل كافيه تقريباً من سبع أيام بالظبط راح الكافيهات دي.
_ فإحنا لازم نتحرك بسرعة ونبلغ مباحث الإنترنت لأن الكاميرات بتتفرغ بعد 15 يوم بالظبط علشان يتأكدوا.
نظر له جميل وسأله بتركيز:
_ طيب إنت عرفت إزاي إنه كان بيروح الكافيهات دي؟
أجابه نادر بعملية وذكاء:
_ كنت مكلف واحد يراقبه ويشوف وهو رايح فين في كل مرة بيروح فيها.
_ وطبعاً أنا معايا رقم الأيباد بتاعه كنت ببحث عن مكان الكافيه اللي موجود فيها وأنا قاعد مكاني.
_ وفعلاً بتأكد إن الجهاز ده موجود في المكان ده وبسجل اليوم والساعة زي ما موجود عندك في الاسكرينات.
_ هايل هايل يا باشمهندس نادر بجد إنت بهرتني.
قالها جميل وهو معجب بذكاء نادر وأكمل باستعجال وهو يجمع الاسكرينات الورقية من أمامه ويعطيها له قائلاً باستعجال:
_ حالا تاخد محامي من الشؤون القانونية اللي تبع البنك وتروحوا فوراً على النيابة وتقدموا بلاغ فيه، مش هنستنى زي ما إنت ما قلت لي.
_ علشان يبقى عبرة لكل واحد يفكر نفسه ذكي عصره وأوانه ويفكر في السرقة بدل ما يستغل موهبته الإلكترونية وذكاؤه في السرقة.
أخذ نادر منه الملف مردداً وهو يقوم من مكانه باستياء:
_ أنا مش عارف أهالي الشباب اللي زي دي إزاي سايبينهم كده ولا بيسألوهم رايحين فين ولا جايين منين ولا بيعملوا إيه؟
أجابه جميل بتوضيح:
_ والله يا نادر يا ابني ساعات الأب والأم بيبقوا بيسعوا على رزقهم علشان يخلوا أولادهم مش محتاجين حاجة.
_ فأكيد الولد ده مش راضي بحاله ولا اللي ربنا قسمه له فلجأ للسرقة واكيد أمه وأبوه مش عارفين هو بيعمل إيه.
اعتدل نادر بوقفته وانتصب منتوياً الخروج مردداً باستنكار:
_ ما أعتقدش يا فندم إن الولد ده من ذوي الطبقات المتوسطة أو اللي تحت المتوسطة، وده واضح جداً من الكومباوند اللي ساكن فيه.
_ ومن نوع الأيباد اللي شايله وطبعاً عنده كذا واحد وكمان الكافيهات اللي بيروحها ما يدخلهاش أولاد الناس اللي حضرتك بتقول عليهم.
ثم استأذن من مديره باحترام وتركه.
وبعد أن خرج حدث جميل نفسه بتعجب:
_ أنا مش عارف إيه الجيل المهبب اللي ما يعلم به إلا ربنا ده، يعني حالتهم المادية كويسة جداً وبيسرقوا.
_ فعلاً ما بتهونش إلا على الغلبان.
ثم عاد إلى عمله.
وأثناء انشغاله رن هاتفه المحمول برقم ابنته ريما.
أجابها مبتسماً:
_ ريما حبيبة بابا.
وكاد أن يكمل سلامه عليها إلا أنه استمع إلى انهيارها وهي تردد بنحيب:
_ الحقني يا بابا باهر مغمى عليه وعمال أفوق فيه مش بيفوق خالص مش عارفة أعمل إيه تعالى لي بسرعة.
انتفض جميل من مكانه وحدثها باطمئنان:
_ اهدي يا حبيبتي واشرحي لي إيه اللي حصل بالظبط علشان أتصل بالدكتور وأحكي له.
تحدثت من بين شهقاتها بكلام لم يفهمه والدها بتاتاً ولكنه سألها:
_ اهدي يا حبيبة بابا أنا جاي لك على طول مسافة الطريق بس وهتصل بالدكتور يحيى يجي لنا على هناك.
_ طيب ما ندهتيش لوالدته ليه ولا لأخوه بدل ما إنتي لوحدك كده؟
أجابته وعيونها متعلقة بباهر الملقى أمامها:
_ مش موجودين.
_ حماتي ميعاد زياراتها للقبور النهارده وبتتأخر وزاهر هو اللي بيوديها وأنا هنا لوحدي.
واكملت بكائها بشدة.
_ طب يا حبيبتي هدي أعصابك بس علشان الولاد ما يخافوش وأنا خلاص 10 دقائق وهكون قدامك.
قالها جميل وهو يقود سيارته باستعجال.
وما هي إلا دقائق حتى وصل إلى العمارة التي تسكن بها ابنته.
وقبل أن يصعد إلى الطابق المنشود هاتف الطبيب واستعجله أن يأتي سريعاً.
ثم صعد إلى شقة غالته ووجدها تفتح له الباب بسرعة عندما استمعت إلى صوت سيارته.
وأدخلته إلى غرفة زوجها.
احتضن يداها وهو داخل لكي يطمئنها.
ووصل إلى باهر الملقى على سريره لا حول له ولا قوة.
نظر إليه نظرة عميقة وتحسس كف يديه وجبهته وجدهم مثلجتين تماماً.
انخلع قلبه مما جال بخاطره ولكنه لم يفصح عنه خوفاً على ابنته وفضل السكوت تماماً إلى أن يحضر الطبيب ويقوم بفحصه لعل وعسى يخلف ظنه.
وبعد ربع ساعة وصل الطبيب وأدخله جميل إلى غرفة باهر.
أخذ الطبيب سماعته وقام بفحصه تماماً.
وبعد أن انتهى نظر إليهم بأسى وحزن مردداً:
_ البقاء لله يا جماعة.
جحظت ريما بعينيها وتحركت برأسها يميناً ويساراً وغير مصدقة ما قاله الدكتور للتو.
وذهبت إليه ممسكة بتلابيب حلته وهي تهزه مرددة بانهيار:
_ إيه اللي إنت بتقوله ده يا دكتور باهر مات!
_ لا إنت غلطان لو سمحت عيد الكشف تاني وتأكد من كلامك من فضلك يا دكتور من فضلك عيده تاني.
كل ذلك بدموع تهبط على وجهها كالشلالات وحدسها يؤكد لها أنه ما زال حياً وعلى قيد الحياة وأنه لم يمت ويتركها هي وأبناءها.
نزع أبوها يدها من على الطبيب وجمع معه أشياءه وتركه يغادر.
إلا أنها رفضت تماماً أن يغادر الطبيب قبل أن يعيد الكشف وهجمت عليهم بكل قوتها مردفة بعنف:
_ إنت بتعمل إيه يا بابا سيبه بالله عليك يكشف عليه تاني هو أكيد غلطان باهر ما ماتش هو وعدني إنه هيفضل جنبي ويكمل معانا أنا والأولاد وعدني إنه مش هيسيبني خالص هو أكيد غلطان أكيد غلطان.
احتضن ابنته وربت على ظهرها كي يهدئها وهي منهارة تماماً ولم تستمع لأي من كلماته.
وإلى الآن لم يصدق حدسها ما حدث.
وابتعدت عن أبيها وذهبت إليه وهي تحتضنه مرددة ببكاء يمزق القلب:
_ لا يا باهر قوم يا حبيبي وأنا هعمل اللي إنت عايزه ومش هشتغل وهبطل التصميم خالص.
وأكملت وهي تتشبث به بشدة:
_ قوم يا حبيبي ما تسيبنيش مش هقدر أكمل من غيرك إنت وعدتني إننا هنكمل مع بعض لآخر العمر ما لحقتش أتهنى بيك ولا أتدفى في حضنك.
جذبها أبوها من ظهرها واحتضنها وهو يربت على ظهرها مهدئاً لها:
_ يا حبيبتي هدي نفسك علشان خاطر أولادك بيعيطوا من منظرك.
_ ده عمره والأعمار بيد الله كلنا مسيرنا سايبينها وهنروح للي خلقنا واللي أحن علينا من أي حد.
_ وافتكري قول الرسول صلى الله عليه وسلم "إنما الصبر عند الصدمة الأولى".
واسترسل حديثه وهو ينظر داخل عينيها ليحثها على الهدوء:
_ اهدي يا حبيبة أبوكي اهدي علشان خاطر ابنك الكبير بيرجف من الخوف والصغير مفروم من العياط كأنه حاسس.
_ اهدي يا ماما اهدي.
ما إن ذكر أبوها اسم أولادها جرت عليهم واحتضنتهم ودموعها على وجهها كالشلالات والتي أيقنت من داخلها أنها لم تجف بعد.
احتضنتهم وهي تهدئ من روعهم فقد كان ابنها الأكبر منزوياً في ركن وجسمه يرتعش من منظر والدته وهو لا يفقه شيئاً مما حدث لأبيه إلى الآن مرددة له:
_ اهدي يا عمر أنا كويسة ما فيش حاجة بس يا حبيبي.
هاتف أبوها زاهر أخيه وطلب منه أن يعود إلى المنزل لأمر جلل واستعجله أن لا يتأخر هو ووالدته.
وهاتف أيضاً زوجته وابنه رحيم وابنته راندا أن يأتوا على عجالة لكي يقفوا بجانب ريما التي أوشكت على الانهيار وهي جالسة بجانب زوجها تنتحب بشدة.
وبعد نصف ساعة وصل الجميع وهم لا يفقهون شيئاً مما حدث فجميل فضل أن لا يحاكيهم في الهاتف خوفاً من ذعرهم.
صعد زاهر ووالدته إلى مسكن باهر كل ذلك وهم يعتقدون أن باهر وزوجته بينهم مشكلة كبيرة يريدون حلها ولم يخطر ببال أحد منهم أنه توفى.
دخلوا إلى الطابق ووجدوا فريدة تحتضن الكبير وتربت على ظهره، وراندا أختها تحمل الصغير وتهدهد فيه ودموعهم تنزل على وجوههم بسخاء.
استنتج باهر ما حدث فجرى مسرعاً إلى غرفة أخيه وجد زوجته جالسة على الأرض وهي تمسك يداه وتبكي بشدة.
ذهب ناحيتها وسألها بدهشة:
_ إيه اللي حصل لأخويا يا أم عمر أخويا جرى له حاجة انطقي؟
_ مات باهر مات وسابني لوحدي أنا وأولادي مات حبيبي مات!
وقع الخبر على قلبه كالصاعقة.
نظر إلى أخيه بقلب مفطور وعيون محدقة على جسد أخيه ولسانه كأنه شل ولم يعد على النطق.
ساقته قدماه إلى الجهة المقابلة لزوجة أخيه ممسكاً بيدها وواضعاً جبهته عليها قائلاً بانهيار:
_ لا يا حبيب أخوك وابن عمري مشيت وسبتني بدري واحنا لسه في أول الطريق.
نطق كلماته تلك وهو ينفطر دموعاً على العزيز أخيه.
أما والدته في الخارج جلست بجانب فريدة وسألتها باستغراب:
_ هو إيه يا أم رحيم مالكم يا حبيبتي بتعيطوا ليه هي ريما تعبانة ولا جرى لها حاجة؟
استمعوا إلى سؤالها وبكوا جميعاً بصوت عالٍ ولم يقدر أي منهم على نطق حرف واحد.
فهوى قلبها بين قدميها وجرت إلى غرفة صغيرها.
وما إن وصلت وشاهدت منظر زوجته وابنها الأكبر واستنتجت ما جرى حتى سقطت مغشياً عليها من أثر الصدمة.
هرولوا جميعاً ناحيتها عدا تلك ريم التي لم تتحرك من مكانها وهي تبكي على الفقيد الغالي.
بعد مدة عادت إلى رشدها ووضعت يدها على رأسها وانطلقت بالعويل مرددة:
_ آه يا ابني آه يا حبيبي لا يا باهر ما تسيبنيش يا حبيب أمك ضاع شبابك ما لحقتش تتهنى بعيالك يا حبيبي قوم يا زاهر قوم يا حبيبي ما تعملش في أمك كده.
وظلت على عويلها ولم يقدروا عليها أن يجعلها تصمت.
في نفس اليوم عصراً في دار الأيتام كانت مريم تدلف إلى الدار عائدة من الجامعة.
وأثناء دخولها لمحت تلك الشمطاء وهي تصافح مديرة الملجأ وأخذتها ودلفت معها إلى غرفة مكتبها.
تبعتهما مريم بعينيها إلى أن اختفوا من أمام ناظريها وساقتها قدماها إلى أقرب مقعد وجلست عليه وهي واضعة يدها موضع قلبها مرددة لنفسها بارتعاب شديد:
_ يا مرك يا مريم ما تكونيش جاية توريها الفيديو يا فضيحتك يا فضيحتك.
وأكملت وهي تضرب على قدميها بكف يدها:
_ أعمل إيه يا رب دلني على الصح، أدخل دلوقتي عليهم وأفهم المديرة قبل ما الكلبه دي تشوه صورتي قدامها ولا أعمل إيه؟
_ دبرني يارب.
واستطردت ببكاء:
_ أنا كده هتطرد من الملجأ وأنا لسه في الجامعة ولا ليا مكان يأويني ولا حد يواسيني في مصيبتي دي.
_ حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا مي ربنا ينتقم منك ويوريني فيكي يوم ويشردك زي ما إنتي عايزة تشرديني.
وأكملت حديثها مع نفسها وهي في حيرة اتذهب لهم أم تنتظر مصيرها المحتوم.
وفجأة رفعت أنظارها تجاه الباب وجدت المديرة وتلك مي خارجتين من المكتب تصافح كل منهما الأخرى.
ثم ارتدت مي نظاراتها الشمسية قائلة لمديرة الملجأ:
_ أي حاجة يحتاجها الملجأ من تبرعات أو مساهمات أنا تحت أمرك يا مدام شريفة وربنا يقدرني على فعل الخير.
شكرتها الأخرى بحفاوه وربتت على يديها مرددة بامتنان مغلف بالطمع:
_ تسلمي لنا يا ست البنات وربنا يجعله في ميزان حسناتك وما يحرمش اليتامى دول من عطاياكي وهداياكي ولا يحرمني أنا شخصياً.
واسترسلت حديثها بزيف:
_ ما تتصوريش معزتك عندي قد إيه يا آنسة مي بعتبرك زي بنتي بالظبط، ما أنا اللي مربياكي هنا مع أخواتك في الملجأ بس إنتي ربنا كرمك واشتغلتي شغل حلو عشان دايماً دماغك حلوة وبتفهميها وهي طايرة.
ابتسمت لها مي بسماجة لتذكرها ماضيها في الملجأ والذي تبغضه ولو ودت واقتلعت جذورها من تلك الملجأ لفعلت مع العلم أنها في حياتها لم تذكر أمام أحد أنها كانت مرباة في الملجأ.
وأردفت ببرود:
_ طبعاً حضرتك زي والدتي وربنا يعلم أنا بحبك وبحب أخواتي هنا قد إيه تؤمريني بحاجة تانية يا مدام شريفة.
ابتسمت لها الأخرى وأومأت برأسها:
_ ما نستغناش عنك يا ميوشة وما تغيبيش عننا يا ليدي يا جميلة.
أومأت لها برأسها بابتسامة وتركتها وذهبت إلى مكان مريم وهي تنظر لها بشماتة من تحت نظارتها.
ثم أردفت قائلة بمراوغة:
_ يا ترى العيون الجميلة دي بتعيط ليه إيه اللي راعبك قوي كده ومخليكي مش على بعضك يا رومي؟
واسترسلت وهي تخلع نظارتها وتمسكها بيدها مرددة بسخرية:
_ يا ترى مصروفك خلص اللي إنتي بتاخديه من الدار هو ده اللي مخليكي قاعدة مقهورة كده وبتعيطي يا بيضا؟
استوعبت مريم سؤالها وأردفت بنبرة جادة متجنبة سخريتها منها:
_ ليه بتعملي معايا كده أنا آذيتك في إيه علشان تعملي فيا كده؟
واسترسلت بعيون لامعة من أثر الدموع المتجمعة في مقلتيها:
_ ليه مصممة تدمريني وتدمري مستقبلي وعايزة تمشيني في طريق أنا مش حابة إني أمشيه.
لوت فمها وأجابتها بنبرة ساخطة وهي تنظر داخل عينيها بجبروت:
_ إنتي يا بت هتدخلي لي قفص ولا إيه ومفكراني يخيل عليا الحركات دي والعياط وبيأثر فيا.
واسترسلت وهي تشير لها بكفي يديها بامتعاض:
_ لا يا ماما غيرك عملوا كده معايا كتير ومجوش سكة معايا، فاخلصي يا بت إنتي علشان أنا جبت آخري منك واديكي شفتيني وأنا خارجة مع المديرة قلبك وقع في رجليكي فما بالك بقى لما أسيبك يا مزة.
فكرت مريم وهي تدور بمقلتيها إلى جدران الدار التي تحتويها أن تجاريها في حديثها إلى أن تنتهي من سنتها الدراسية وهي محاطة بتلك الجدران بعناية.
مردفة بتردد:
_ طيب ممكن تديني فرصة لحد ما أخلص السنة دي علشان خاطر أكون فاضية معاكي وعلشان ما أقصرش في مذاكرتي.
ضحكت مي بصوت عالٍ وهي تنظر لها مجيبة لها بسخرية:
_ إنتي يا هبلة إنتي مفكراني دقة عصافير ولا لسه نونو بيضحك عليها من حتة عيلة زيك.
_ لا يا ماما أنا فاهماكي كويس جداً.
واسترسلت وهي تكشف لها طريقة تفكيرها المكشوفة أمامها:
_ إنتي عايزة بقى تخلصي السنة بسلام وأمان وبعد كده مش هيهمك حاجة ما إنتي اتخرجتي بقى وساعتها هتقولي لي أمك في العشة ولا طارت؟
واستطردت وهي تضع يدها على كتفها بتهديد:
_ مش مي اللي تتختم على قفاها وبعدين يا ستي لو على الدراسة مش هطلب منك غير فيديو واحد بس كل أسبوع وأظن ده مش هيعطلك عن المذاكرة مجرد فيديو هياخد ساعة منك ولا هيعطلك ولا هيبطلك، ها إيه رأيك بقى؟
وأكملت بسخرية:
_ أنا كده طيبة خالص وعملت معاكي الصح وزيادة.
نزعت مريم يدها من على كتفها بشدة وأردفت بقوة:
_ ده بعدك يا حقيرة نجوم السماء أقرب لك من إن مريم عماد تبقى منحطة ووضيعة زيك.
واسترسلت حديثها وهي تشير إليها بسبابتها:
_ أنا عندي أنام في الشوارع وعلى الأرصفة وعندي أموت من الجوع أو أتسجن من التشرد بس بشرفي ولا إني أبقى سافلة زيك.
اتسعت عيناها بذهول من تجرؤ تلك المريم عليها وإهانتها بتلك الألفاظ ورددت بنظرة محرقة لو طالت الأخضر لجعلته يابساً:
_ واللي خلق الخلق يا مريم لأدفعك كل إهانة أهنتيها لأسادك يا لقيطة.
قالتها بملامح وجه مكفهرة من الغضب الشديد.
وما كادت أن تختفي من أمامها إلا أن مريم باغتتها وهوت على وجهها بضربة من أثرها أطاحت بها إلى الخلف مردفة بعنف:
_ اللقيطة دي تبقى إنتي أما أنا ليا أصل وفصل وإنتي عارفة كده كويس قوي إن أنا يتيمة مش لقيطة في فرق كبير ما بينهم هم الاتنين، كبير.
واكملت مريم بتوضيح:
_ في لقطاء كتير أشرف منك لأن ما لهمش ذنب في غدر الزمان بيهم واللي حملهم اللقب ده.
ثم تركتها مستشاطة ودخلت إلى الدار بسرعة ودموعها منهمرة على وجهها.
أما الأخرى كانت مصدومة وهي واقفة وواضعة كف يدها مكان الصفعة التي تلقتها على حين غرة وهي تتوعد بداخلها لتلك المريم بأشد أنواع الهلاك.
وغادرت إلى سيارتها بخطوات سريعة وعيون تشبه عيون الشياطين في نظرتها.
أما مريم كانت مرتبكة خائفة وأمسكت هاتفها تتصفحه وأول شيء وقعت عيناها عليه منشور من أحد الصفحات العامة محتوياً: "كن بخلقك يصلح أمرك" فاطمئن قلبها أن رب الخير لا يأتي إلا بالخير.
في مكتب مالك الجوهري يجلس على مكتبه وهو يشاهد ملف عارضات الأزياء المحجبات اللاتي تقدمن للمسابقة التي أجريت من أجل اختيار أفضل خمسة منهن.
والذي قام علي بدوره باختيار هؤلاء الخمسة وأرسلهم إلى مالك لكي يدلي برأيه النهائي.
وأثناء انشغاله دلف إليه علي وجلس مقابله متسائلاً بمهنية:
_ ها يا بص إيه رأيك في الخمسة اللي أنا اخترتهم تمام ولا فيه واحدة مش عاجباك؟
رفع مالك أنظاره من على اللاب توب وأجابه وهو يومئ برأسه:
_ لا برافو عليك يا علي اختيارهم مناسب جداً وجميل.
_ دلوقتي عايز تجمعهم لي علشان خاطر أفهمهم النظام ماشي إزاي.
واسترسل حديثه وهو ينظر إلى ساعته:
_ أنا قدامي نص ساعة كده أخلص فحص التصاميم اللي قدامي وتكون جمعتهم لي في غرفة الاجتماعات.
واستر سل متسائلاً بتذكر:
_ آه صحيح هي ريما ستور ما بعتتش ليه تصميم اللي كان من يومين مش عادتها التأخير يا ترى بتفكر في إيه واللي خلاها تتأخر علينا؟
أجابه علي وهو يرفع كلتا يديه كعلامة لعدم معرفته السبب:
_ والله ما أعرف يا مالك أنا حاولت أبعت لها اليومين اللي فاتوا لكن هي قافلة الواتس بتاعها خالص ومش بترد مش عارف في إيه بالظبط.
_ ممكن يكون عندها ظروف أو تعبانة مثلاً علشان كده مش عارفين نوصل لها لعل المانع خير ما تقلقش.
ثم ضرب على جبهته كعلامة للتذكير:
_ بقول لك صحيح جوليا أخدت الشحنة كلها وعجبتها جداً.
_ أنا مش فاهم يا أخي الست دي مهتمة بمصنعك إنت بالذات دوناً عن باقي المصانع؟
مط شفتيه باستنكار:
_ إنت هتقر علينا يا عم، امسك الخشبة ينوبك ثواب، الست بتحب شغلنا وبتقدره.
تحدث علي مبتسماً بخفة:
_ بتحب شغلنا! آه، ماشي يا عم مالك.
ثم انتصب واقفاً أمامه وأردف قائلاً:
_ هروح أمر على المصنع في النص ساعة دول وهبلغ السكرتارية تجمعهم لك وهاجي لك على غرفة الاجتماعات كمان نص ساعة.
وأثناء فحصه لتلك الفتيات فتح عينيه على وسعهما ممن رآها والذي لم يتوقع في يوم من الأيام أنه لن يقابلها مرة أخرى.
وبعد الانتهاء من فحصه انتصب واقفاً وهو يغلق أزرار بدلته وانتوى المغادرة إلى غرفة الاجتماعات.
وبعد قليل وصل إليها وولج إلى الداخل وجد علي والفتيات في انتظاره.
القى عليهم السلام ببشاشة وجه مردداً بتواضع:
_ السلام عليكم ورحمة الله يا أهلاً بيكم في تيم مالك الجوهري اتفضلوا اقعدوا.
رددوا السلام جميعهم ومن بينهم تلك التي تبتسم ابتسامتها الحالمة ظناً منها أنه سيجن فرحاً من رؤيتها.
تحدث مالك بمهنية:
_ دلوقتي هعرفكم على النظام اللي هنمشي عليه في مجموعة مالك الجوهري، هيجيلكم فريق مدربين سيدات هيدربوكم على طريقة العرض اللي إحنا هنعملها بإذن الله في السيزون ده.
واكمل حديثه ببيان:
_ أنتم عارفين إن مجموعة الجوهري بتهتم بالدقة جداً في العرض والعرض ده بالذات نازلين بتصاميم جديدة ومختلفة تماماً عن أي سنة وأنا واثق إنكم هتجتهدوا معايا علشان خاطر العرض ينجح وشغلنا ينتشر بشكل أكتر.
أومأت له جميعهن بتأكيد على حديثه وأنهن سيفعلن قصارى جهدهن لكي يقدموا الأفضل وأنهن سعيدات جداً للانضمام إلى مجموعة الجوهري.
وبعد وقت استغرقوه في المناقشات وهم يضعون جميع النقط على الحروف أذن لهم مالك بانتهاء الاجتماع.
خرجوا جميعاً ما عدا التي تتمهل في جمع الأوراق من أمامها كحجة للانفراد مع مالك لكي تتحدث معه.
ولكن خاب أملها وهي تراه يخرج أمامهم.
لملمت أشياءها باستعجال وجرت مسرعة ووجدته يهرول ناحية المصعد الكهربائي.
وقبل أن يغلق مالك باب المصعد اقتحمت هي المصعد قبل أن يغلق الباب.
نظر إليها مالك بإستغراب شديد وتحدث.
في منزل باهر الجمالي يجلسون جميعاً في صمت تام ووجوههم تبكي دموعاً بلا صوت وقلوبهم تنزف وجعاً بلا جرح.
وما زالت الصدمة تعتلي وجوههم على ذلك الفقيد.
ولكن لم تكن والدته من ضمن الجالسين لانهيارها التام.
فقد أحضروا له الطبيب عند إغمائها ولكن ما إن عادت إلى رشدها عاودت العويل مرة أخرى بشكل مريع فاضطر الطبيب أن يعطيها مصل مهدئ لكي لا تفقد أعصابها أو يحدث لها انتكاسة مفاجئة فهي كانت أجرت عملية قلب مفتوح منذ عشرة أعوام فخافوا عليها أن يحدث لها شيء.
أنهى والد ريما جميع الأشياء الخاصة بالدفن وذلك لأن أخيه منهار تماماً ففعل كل شيء هو ورحيم ولده.
وبعد عدة ساعات من الإجراءات دفن باهر في مشهد تقشعر له الأبدان من قسوة رؤيته.
فالجميع في حالة حزن شديد وانهيار من البعض وتماسك من البعض الآخر.
ومن ضمن المنهارين تماماً زوجته ريم حيث كانت جالسة على سريرها تحدث حالها بكلمات تنقطع لها القلوب:
_ غادرت وتركتني ولم تعود وعلى العهد لم تبقِ، وذهبت إلى لحدك وتركتني وحدي أعاني مر البعاد بدون أن أرضى.
_ سأعيش وأتنفس ولكن روحي دفنت معك وقلبي مات ولم يعد يحيى.
_ سلام الله على العزيز زوجي من الوحدة فيا رب اجعل مسكنه خير المأوى.
واكملت حديثها مع نفسها وهي تنظر إلى أطفالها بقلب ينشطر على يتمهم وهم في المهد صبياً:
_ كيف لك أن تتركني وحدي يا نبض القلب وكيف لي أن أتحمل أن أعيش تلك الحياة وأمضي مع تلك الأيام بدونك يا عشقي الأبدي.
_ ماذا سيكون طعم الحياة بدون أنفاسك العطرة التي كنت أستنشقها.
_ فيا رب خفف علي قلبي وعلى روحي ألم الذكرى.
كانت تحادث حالها بدموع منهمرة على وجهها والتي تأكدت أنها لن تجف بعد اليوم بعد فقيدها الغالي وهي جالسة القرفصاء على سريرها.
أما أخيه في حاله لا يختلف عنها كثيراً فقد كانوا إخوة متحابين مترابطين متعاونين وأخذ يحدث نفسه بلوعة الفراق:
_ غادرتني يا أخي ولم أنتهِ من أحاديثي معك، فكل أشجاني ذابت إلا اشتياقي إليك، ما زلت يا أخي أرى الود في عينيك رغم المسافات وحنيني إليك.
_ أخي وإن جار الزمان وافترقنا، فلا القلب يهدأ ولا الروح تنساك.
_ ما أجمل تلك الأيام يا أخي، كنا والحب رفيقنا نلهو معاً بلا تعب.
_ يارب إن لي أخاً قابعاً داخل القبر الذي بلا جدران، فاحفظه بحفظك يا الله، وأرحمه برحمتك.
_ أرجو في صباحي ومسائي نهاري وليلي، سباتي وصحوتي لا أرجو من الله إلا أن يدخل جنان الخلد.
_ ربي إني أستودعك أخي وروحي فحاسبه برحمتك لا بعدلك، رب إني رجوتك أن تجعل أخي من الساكنين جنتك وأن ترحم قلبي وتجبر كسره.
وظل على وضعه يبكي دموعاً على أخيه الذي توفى دون أن يودعه أو أن يأخذه بين أحضانه مات على فجأة ويا ويلنا من موت الفجأة.
أما عن والدته بعد أن أفاقت الأخرى والتي زارتها الكوابيس في غفوتها تجلس على الفراش تنتحب بشدة فولداها هما كل حياتها.
ولم تأبى أن تتزوج بعد أبيهم وفضلت أن تعيش مع أبنائها وأحفادها.
نائمة على فراشها تبكي وعيونها منتفخة من كثر البكاء مرددة:
_ مع السلامة يا حبيبي يا اللي فارقتني بدري بدري ويومك كان قبل يومي ما كنتش أتوقع أبداً إني أنا اللي أودعك مش إنت اللي تودعني.
_ طب كنت استنى لما آخدك في حضني وأشم ريحتك لآخر مرة آه يا باهر آه يا حبيبي.
_ يا رب صبر قلبي يا رب آه يا قلب المكوي على فراقك يا ابني.
وظلت تردد كلمات العويل وزوجة ابنها بجانبها تهدئها ولكن لا فائدة وظلت على وضعيتها كما هي.
بقول لك إيه أنا هبعت لك فيديو وهقول لك على اللي هتعمله لي فيه بالظبط عايزه حاجة متكلفة متروقة علشان خاطر دي واحدة حبيبتي وعايزة أوجب معاها قوي.
استنشق الآخر زفيره بصوت مقزز من أثر المخدرات التي يتجرعها مردداً بفظاظة:
_ ده إنت تؤمريني يا ست الهوانم ده أنا هخلي اللي يتفرج يدعي لك على الحلويات اللي أنا هعملها لك.
واسترسل حديثه وهو يلهث المخدر الذي أمامه قائلاً بطمع:
_ بس وحياة الغالية اللي هنوجب معاها تزودي لي الأوبيج شوية، زي ما إنت عارفة الدنيا غليت والكيف بقى مزاجه عالي قوي قوي وسعره غالي على الآخر يا ست الناس.
اشمأزت هي من صوته والحركات التي يفتعلها من أثر المخدر هادرة به باشمئزاز:
_ إيه القرف اللي إنت بتعمله ده وأنا بكلمك مش قادر تبطل شرب لحد ما أخلص معاك المكالمة! تاتك القرف.
وأكملت بنبرة صوت حادة وعيون تنطق شراً:
_ إنت عارف الفلوس ما تفرقش معايا وإن أنا بخدم اللي بيظبطوا لي الشغل من غير ما يطلبوا اعمل لي إنت بس المفيد وأنا هروق عليك على الآخر، ما تتأخرش عليا زي المرة اللي فاتت وتنسى نفسك.
قالتها تلك الشمطاء وأغلقت الهاتف في وجهه وهي تنوي في داخلها من الشر ما لا يرضي رب ويؤذي العبد ويرفع من الذنب.
أحياناً تبتلينا الحياة بصدمات يتوقف عندها عقلنا ونبات نجزم أن تلك الصدمات ستكون نهايتنا ولكن ما هي إلا بدايتنا.
في نفس اليوم عادت راندا إلى منزلها في وقت متأخر من ساعات الليل بعدما تأكدت من نيام أختها هي وأبناؤها وتركت معها والدتها ووالدها فهم أصروا المبيت معها والأ يتركوها وحدها في تلك الأزمة الصعبة.
دخلت إلى المرحاض وأخذت حماماً يزيل عنها أثر فاجعة اليوم فهي حزينة على أختها الصغيرة حزناً شديداً.
ولكن ماذا عساها أن تفعل بحزنها في تلك الفاجعة؟
وأوت إلى سريرها واتكأت بظهرها على شباكه وأمسكت هاتفها واتصلت بزوجها تخبره برجوعها.
أما هو عندما وجد نقش اسمها على هاتفه أجابها على الفور مردداً بقلق:
_ حمد لله على السلامة يا حبايبي لسه راجعين دلوقتي؟
أجابته بصوت مختنق من أثر الدموع الظاهرة على وجهها والتي لم تهدأ إلى الآن:
_ آه يا حبيبي لسه راجعين يا دوب الأولاد خدوا شاور ودخلوا يناموا هم كمان ياحبة عيني انفطروا من العياط النهارده على جوز خالتهم إنت عارف هما كانوا بيحبوه قد إيه.
كان يستمع إلى حديثها بقلب حزين لابتعاده عنهم في تلك الأزمة مردداً بأسى:
_ ما تتصوريش كم الحزن اللي أنا حاسس بيه دلوقتي وأنا بعيد عنكم في الظروف دي بجد أنا مخنوق خنقة ما يعلم بها إلا ربنا.
واسترسل حديثه بأمل مفقود:
_ للأسف أول ما سمعت الخبر حاولت أحجز طيران بس ما كانش فيه طيران النهارده في الوقت ده، بس أنا حجزت بكرة إن شاء الله طيارة ستة الصبح وعلى عشرة كده هكون معاكم.
فرحت بشدة لمجيئه لأنها في أشد الاحتياج إليه في تلك الأيام الصعبة وأردفت متسائلة:
_ طب يا حبيبي مش كده خطر عليك في الشغل إن إنت تاخد إجازة مفاجئة مش لازم تستأذن في الإجازة قبلها بتلت أيام على الأقل؟
أجابها مطمئناً إياها بتوضيح:
_ ما تقلقيش يا حبيبتي أنا حكيت لهم الظرف اللي خلاني أسافر على فجأة وهو عذروني طبعاً وفوراً فضولي على إجازة أسبوع هقضيه معاكم وأعزي ريما وآخد بخاطرها وأرجع على طول.
واسترسل بدعاء وملامح وجه حزينة:
_ ربنا يصبر قلبها ويعينها على البلاء الشديد اللي هي فيه ويعينها على تربية أولادها من غير أبوهم.
واستطرد متسائلاً:
_ إلا قولي لي حالتها عاملة إيه يا راندا؟
تنهدت بثقل وألم انتاباها إثر سؤاله على أختها ورددت بحزن شديد:
_ والله يا إيهاب ريما حالتها ما تطمنش خالص ما بتنطقش وما بتتكلمش، حتى عياطها بتعيطوا بسكوت وأنا خايفة عليها لا تنهار ولا يجي لها صدمة عصبية.
ثم انفجرت في البكاء عندما تذكرت حال أختها.
انخلع قلبه من بكائها وهو ليس بجانبها ولعن الغربة وأيامها بسبب عدم وجوده بجانب زوجته وحبيبته لكي يخفف عنها ويواسيها.
وظل يهدئها ويطمئنها بكلماته لكي يخفف عنها ألم الحزن.
وأغلق معها الهاتف لكي تخلد إلى النوم لكي ترتاح من ذلك اليوم الشنيع عليهم جميعاً.
وقام يعد حقيبته لأنه لم يتبقَ إلا سويعات قليلة على ميعاد سفره بقلب متعجل لرؤية الأحباب حتى لو كان الظرف قاسي.
ترى مالمخبأ لأبطالنا من ويلات الزمن؟
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الخامس 5 - بقلم فاطيما يوسف
من انتي تلك الحسناء التي تراود خيالي كل وقت وحين؟
كالفراشة العابرة حين يمر طيفك في بالي وأحس بالحنين.
ولمحة الحزن في عينيكي تشغل عقلي وحينها أشعر بالجنون.
وعندما أعود إلى رشدي أعاتبه لما تسأل عن المكنون.
فيجيب قلبي أن طيفك يستحق الانشغال ويجمع عقلي الظنون.
وأعود أفكر في المكنون بكل إحساسي وتشتاق الجفون.
خاطرة رحيم المالك
في منزل راندا المالكي عصراً.
يجلس إيهاب متكئاً على تخته ومحتضناً زوجته وحبيبة أيامه راندا مردداً لها بحزن:
على قد ما أنا كنت جاي الأجازة دي حزين علشان باهر الله يرحمه.
على قد ما أنا حسيت إن طاقتي اتجددت.
أنا روحي هنا معاكم وفي وسطكم.
هناك حاسس إني شريد وغريب وحياتي مفتقدة طعم الحياة ودفا البيوت.
ثم أمسك يديها وقبلهما مردداً وهو ينظر داخل عينيها بحب:
واكتر حاجة هفتقدها حرماني منك يا حبيبة القلب والروح يا ساكنة الوجدان.
ما تتصوريش لما بسافر وأسيبكم أول أسبوع بيعدي عليا إزاي.
الأكل مالهوش طعم والنوم بالعافية والدنيا وحشة جداً.
لحد ما أحس إني خلاص اتأقلمت واخدت على كده وأمشي في دوامة الحياة.
تجمعت غشاوة الدموع في مقلتيها وأحست بمدى العذاب الذي يعيش فيه زوجها في غربته.
فهي مهما كان تعيش مع أبنائها وفي وسط عائلته يخففون عنها القليل من الآلام.
أما هو فلا جليس ولا أنيس يمرر ثقل الأيام والوحدة.
وتحدثت بحزن عميق:
يا حبيبي بجد كلامك بيقطع في قلبي وبيحسسني إننا جانين عليك.
وإنك جاي على نفسك زيادة عن اللزوم علشان خاطر تسعدنا كلنا وتوفر لنا حياة كريمة نعيش فيها.
بجد أنا نفسي إننا نفضل معاك هناك على طول وما نسيبكش خالص.
بس هعمل إيه.
تعليم الأولاد صعب هناك جداً.
وكمان بابا وماما ما يقدرش ما يشوفونيش كل سنتين مرة.
بجد عناء الغربة صعب علينا جداً بس هنعمل إيه.
ادي الله وادي حكمته.
واسترسلت حديثها وهي تنظر داخل عينيه بحب:
بس انت عارف لما بكون جايلك بحس إني عروسة رايحة لعريسها يوم فرحها.
وإن الفرحة مش سايعاني إني خلاص هترمي في حضنك وأشم أنفاسك وأتمرمغ جوه حضنك وأطفي الاشتياق اللي بيسببه بعدك عني.
ابتسم بحب على كلامها وشدد من احتضانها وتحدث بوحشة:
ياه يا راندا ما تتصوريش لما بتكوني في حضني زي دلوقتي كده ببقى مش عايز الوقت يمشي غير لما أشبع من حضنك.
ولو إني واثق ومتأكد إنه ما يتشبعش منه أبداً.
حضنك بالنسبة لي الكتف اللي بيسندني من الشقاء.
واللي بيديني طعم للحياة من صراعاتها اللي ما بتنتهيش.
أنا بعد الأيام والسنين علشان خاطر أقول قربت ونتجمع أنا وانتي والأولاد.
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل السادس 6 - بقلم فاطيما يوسف
شهقت بصوت عالٍ وهي تخرج من سيارتها ووجدت هذا الماثل أمامها وهو يردد بطريقة مقززة:
_ حمد لله على السلامة يا ست البنات لا ست الستات بحالهم.
وضعت يدها على صدرها كعلامة على فزعها وأجابته وهي تنظر له نظرات غضب:
_ جرّاه إيه يا زفت إنت!
إنت بتطلع من أنهي داهية؟
خضتني ينقطع أجلك يا بعيد.
غمز لها كلينتون بعينيه وأجابها بابتسامة مستفزة:
_ بعد الشر تفي من بقك يا كائدة ولما كلينتون ينقطع أجله مين اللي هيعمل لك الحلويات اللي هو بيعملها ويقدمها لك على طبق من دهب؟
نظرت له باشمئزاز من طريقته المقززة وأجابته بحدة بالغة وبطريقة آمرة:
_ شوف يا زفت إنت بعد كده ما تجيليش على فجأة. وإيه الألفاظ اللي إنت بتقولها دي؟ اتمدن واعرف إنت بتتكلم مع مين. بعد كده نقي ألفاظك قبل ما تقولها.
فرك هو على رقبته من الخلف وهو ينظر يمينًا ويسارًا وأجابها باعتراض على طريقتها:
_ شوفي يا ست هانم سيد كلينتون ما بيحبش اللي بيتعامل معاه أنه دون المستوى. إنتي عارفة أنا مطلوب لدي جميع المواقع والسوشيال ميديا.
فخلينا نتعامل مع بعضينا يا كائدة كل منا يوقر الآخر. إنتي ليكي مصلحة فتعاملي كلينتون كما ينبغي أن يكون.
تماموز يا كائدة ولا أشد وأخلع ومات الكلام على كده.
وكاد أن يغادر إلا أنها أشارت إليه بيديها أن يقف مكانه ورددت بهدوء لما استشفت غضبه من طريقتها المقززة عندما تنظر لها:
_ لا عيب عليك إنك تتكلم مع القائدة كده. هو إنت هتلاقي حد يحلي لك بقك زيي ولا يراعيك زي ما أنا ما مراعياك؟
بس أنا كل الحوار إن أنا جتتي اتلبشت من طريقة دخولك عليا وبعدين ما تزعلش يا كلينتون.
واسترسلت حديثها وهي متصنعة الزعل ورددت بعتاب مصطنع:
_ وبعدين مش عيب لما تقارن القائدة بالشمامين إللي بتتعامل معاهم؟
أنا كده زعلت وهجيب ناس تزعل معايا وانت عارف أنا زعلي وحش.
استمع إلى حديثها وأجابها وهو يرفع يديه الإثنين أمامها مرددًا باعتراف:
_ في دي عندك حق يا كائدة. إنتي ما تتقارنيش بالواغش دول.
وأنا حقاني والاعتراف بالحق فضيلة.
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل السابع 7 - بقلم فاطيما يوسف
آه علي تلك العيون الساحرة فبكائها يذبحني.
آه علي تلك الفتاة فحزنها يمزقني.
أشعر بآلامك وأطمئنك علي سلامك فاهدئي.
لن أتركك وأعدك سأخوض طريق الشوك معك فاطمئني.
جففي الدموع وسنداوي الآلام سويا وسنصل للأمام فانهضي.
خاطرة رحيم المالكي.
نزل مالك من سيارته وخطي بساقية داخل منزله، وجد والدته وأخته. ألقى السلام عليهن وذهب إلى أخته وأخذها بين أحضانه وقبلها من رأسها مرددًا باعتذار:
"أنا آسف يا هيام على اللي حصل المرة اللي فاتت صدقيني كان غصب عني، بس أنا برده معذور ما كانش ينفع تدي رقمي لنهال خالص. انتي عارفة إنها صفحة وأنا طويتها ونسيتها ومش عايز أفتكرها تاني."
ابتسمت هيام ببرود ورددت على اعتذار أخيها قائلة:
"معلش يا مالك مش عايزين نتكلم في الحوار ده تاني. أنا لسه كنت مفهمه ماما إني مش هتدخل في أي حاجة تخصك تاني وده قرار أخدته مع نفسي علشان نفضل إخوات وحبايب. ولا أنا عايزة أخسرك ولا حابة إني أدخل في جدال معاك يخلينا نوصل لطريق مسدود مع بعض."
ابتسم لها مالك بحب وتحدث متسائلًا:
"تمام يا هيام كده أفضل برده علشان نبقى في السليم.
قولي لي أخبارك إيه وأولادك عاملين إيه بقى لي كتير ما شفتهمش؟ بتيجي لوحدك ومش بتجيبيهم معاكي ليه؟"
أجابته هيام ببرود:
"والله أنا ببقى راجعة من أي مكان بره وهما ساعات بيبقوا في الدروس أو في النادي، فبقول أعدي على ماما أشوفها علشان خاطر بيعطلوني وبيشغلوني. لكن إحنا إن شاء الله جايين كلنا يوم الجمعة علشان ماما حابة تشوف الأولاد ويتغدوا معاها."
تحدثت والدتهم وهي تنظر إليهم براحة مرددة بدعاء:
"أيوه كده يا حبايبي ربنا ما يحرمكوش من بعض ويبعد عنكم العين ويجعلكم دايما سند وعون لبعض. عايزاكم تفضلوا كده في حياتي وبعد مماتي علشان أكون مرتاحة."
انقبض قلب مالك عندما ذكرت والدته الموت، فهو لا يتخيل حياته بدونها أبدًا. أمسك يدها يقبلها مرددًا بحزن:
"بعد الشر عليكي يا أمي ربنا يخليكي لينا وما يحرمناش منك أبدًا. يا ريت ما تجيبيش سيرة الموت تاني علشان خاطر بتتعبيني نفسيًا لأني ما أقدرش أتخيل حياتي من غيرك يا حبيبتي."
أما هيام فنظرت إلى والدتها قائلة بنفي:
"وأنا كمان بعد إذنك يا ماما ما تجيبيش سيرة الموت ده تاني علشان إنتي عارفه إنتي بالنسبة لي إيه. إنتي مش أمي بس إنتي أمي وأختي وكل حاجة ليا في الدنيا. ربنا يخليكي لينا يا ست الكل."
ابتسمت إليهم والدتهم ورددت بإيمان قائلة:
"يا حبايبي الموت علينا حق وأنتم ما بقيتوش صغيرين. ربنا يحفظكم عايزاكم دايما تحبوا بعض."
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الثامن 8 - بقلم فاطيما يوسف
بعد مرور أسبوعين على تلك الأحداث، في منزل راندا المالكي عصرًا، تجلس هي وابناها يتحدثون في أمور سفرهم إلى أبيهم. تجلس أوسطهم، مهاب على يمينها، وسما على يسارها. تحدثهم بتوضيح:
"شوفوا ياحلوين، أنا خلاص قررت إننا نسافر لبابا. أونكل باهر الله يرحمه ميت بقى له شهر، خلاص مش بإيدينا حاجة نقدمها لخالتو ريم، ربنا يديها الصبر يارب."
واستطردت بنبرة حماسية لأخذها قرار السفر إلى زوجها وحبيب روحها:
"عايزين نسافر لبابا من غير ما نقول له، نعملها له مفاجأة. وهو مش هيصدق نفسه! فاكرين من كذا سنة لما عملنا له المفاجأة دي وما كانش مصدق نفسه إننا جينا؟"
"ها، إيه رأيكم؟ هتبقوا معايا ولا هتبوظوها لي؟"
صفقت سما بيديها كعلامة على فرحتها بالسفر إلى والدها، ثم احتضنت والدتها مرددة بحماس مماثل:
"واو، فكرة جميلة يا مامي! إنتي عارفة أنا بعشق جو المفاجآت ده، وأكيد بابي هيطير من الفرحة لما يشوفنا. ووعد مني، هعمل وضع السايلنت ومش هتكلم نهائي. الدور والباقي على الأستاذ مهاب اللي ممكن يبوظ لك الخطه."
قالت سما تلك الكلمات وهي تخرج لعابها لأخيها كعلامة على استفزازها له على سبيل المداعبة.
أما مهاب، فقام بإلقاء الوسادة في وجهها مرددًا بنبرة اعتراضية:
"شوفي بقى يا ماما، البنت دي حطاني في دماغها وهي اللي بتبدأ معايا بالاستفزاز الأول. أهو، علشان تكوني عارفة وكل حاجة قدامك."
وأكمل وهو الآخر يخرج لعابه لها ردًا على استفزازها:
"لعلمك بقى يا ست سما، أنا كمان مش هتكلم ولا هفتح بقي، علشان أنا نفسي أعمل المفاجأة دي أنا كمان لبابا."
أشارت هي بكلتا يديها إلى الاثنين مرددة بنفي لأولادها وموضحة عدم رضاها على طريقتهم في الحوار:
"بذمتكم، أنتم الاتنين ده طريقة حوار ما بين ولد وبنت راقيين خريجين مدارس خاصة؟!"
وتابعت بعتاب لكلتيهما:
"شوفوا بقى انتوا الاتنين، إن ما انضبطوش في طريقة الكلام مع بعض، مش هنسافر خالص."
"ينفع لما تروحوا عند بابي وتبقوا بالمنظر ده قدامه، يقول عليّ إيه؟ ما عرفتش أربي مثلًا؟!"
زمت سما شفتاها وأنزلت بصرها للأسفل بحزن ممزوج باعتذار، وتحدثت بنبرة حزينة مفتعلة:
"بالله يا ماما ما تزعلي، إحنا بنهزر أنا ومهاب مع بعض. هو في أحسن من تربيتك لينا يا ست الكل؟"
ثم نظرت إلى أخيها وأكملت مرددة بتأكيد على حديثها:
"صح ولا أنا غلطانة يا بيبو، يا أحلى أخ في الدنيا؟"
أجابها مهاب وهو يعدل من لياقة قميصه مرددًا بنبرة إطرائية مسلية:
"أيون، أنا فعلًا أحسن أخ في الدنيا، بارك الله فيكي يا أخت سما."
"ويا ريت تفضلي على النمط ده على طول علشان أحبك وأجيب لك شيكولاتة وصندل بينور."
ما إن استمعتا الاثنتان إلى تلك الكلمات التي خرجت من فاهه، حتى انخرطتا في الضحك من طريقته المسلية والمضحكة.
فردت سما قائلة بابتسامة:
"مقبولة منك يا بيبو التريقة دي، وكل يهون علشان خاطر ست الحبايب ترضى عننا بس وتخلينا نسافر إلى دبي بسلام وأمان."
أخذتهم راندا بين أحضانها الحنون وتحدثت إليهم بفخر واعتزاز على تربيتها لهم:
"شوفوا يا حبايبي، أنا عارفة إنكم متربيين كويس جدًا، بس لازم ما أعديش أي موقف كده ما بينكم إلا وأصلحه وقتي. حتى لو كنتم بتتكلموا على سبيل الهزار، دوري كأم إني أراقب هزاركم وخناقكم وحزنكم وفرحكم، لأني أنا هنا اللي بقوم بدور الأب ودور الأم."
وتابعت حديثها باستجداء:
"وأنا عارفة كويس إنكم ولاد حلوين ومطيعين، بس لازم أنبهكم أول بأول. لإننا مش عايزين نحس أنا وبابا إن عمرنا ضاع، هو في الغربة وأنا هنا في وسطكم بين الحقيقة والسراب، فعايزاكم تعرفوا إننا بنضحي بسعادتنا علشان كلنا نبقى مرتاحين، فهمتوني يا حلوين."
احتضن مهاب والدته وأجابها بنبرة محبة وجادة:
"عارفة يا ماما، إنتي بالنسبة لي أعظم أم في الدنيا علشان إنتي فانية حياتك لينا أنا وسما وبابا بكل السبل. وبابا كمان أعظم أب في الدنيا علشان عمره ما حسسنا إننا ناقصنا حاجة. فبالتالي لازم أنا وسما نطلع نموذج مشرف للعظماء اللي ربونا وتعبوا علينا."
تنهدت بارتياح مما استمعت إليه من حديث ولدها الذي أثلج صدرها ونزل على قلبها كالبرد والسلام الذي نزل على إبراهيم حين كان محاطًا بالنار. وتحدثت قائلة بحنان نابعًا من قلبها الجميل لأبنائها:
"ربنا يخليكم ليا يا حبايبي، ويخلي باباكم اللي تعبان وشقيان في الغربة علشان خاطر يعيشنا في المستوى اللي إحنا عايشين فيه ده. والحياة ما هي إلا تضحية من جميع الأطراف علشان السفينة مقاديفها ما تنكسرش ونغرق كلنا."
واسترسلت حديثها وهي تمسك هاتفها لكي تهاتف والدتها مرددة:
"أنا هكلم تيتا دلوقتي علشان أعرفها على كل اتفاقنا، وهخليها طبعًا تبلغ جدو جميل وتبلغ خالو رحيم إن الموضوع يبقى في غاية السر والكتمان، وكده يبقى تمام."
وأثناء حديثها، استمعت إلى رد والدتها عليها قائلة باطمئنان:
"إزيك يا أمي، عاملة إيه؟ وحشتيني جدًا يا حبيبتي."
أجابتها والدتها بحب:
"الله يسلمك يا أم مهاب، أنا كويسة يا حبيبتي وفي نعمة وفضل من الله."
ابتسمت الأخرى وتحدثت باستفاضة شارحة ما تريده من والدتها:
"بصي يا ماما، إحنا قررنا إننا نسافر أنا والأولاد لإيهاب، علشان نلحق نقضي شهر الإجازة بتاع الترم الأول ونرجع تاني على طول."
"بس إحنا حابين نعملها له مفاجأة. مش هنقول له إننا مسافرين له، علشان نشوف رد فعله هيبقى عامل إزاي لما يلاقينا قدامه مرة واحدة."
وتابعت حديثها وهي تتخيل شكل زوجها عندما يراهم فجأة، قائلة بنبرة حماسية:
"بجد يا أمي، مش عايزكيش تجيبي سيرة خالص لو إيهاب كلمك في أي وقت، وتنبهي على بابا ما يجيبلوش سيرة، علشان عارفاه قلبه طيب وممكن يبوظ لنا المفاجأة. وكمان تنبهي على رحيم باشا لا يقع بلسانه وبرضه يبوظ لنا الدنيا."
ابتسمت فريدة من حديث ابنتها وعلى جنونها في الفكر، وأجابتها باستفسار:
"طب ليه يا بنتي ما تعرفيهوش علشان يستقبلكم في المطار علشان ما تتبهدليش إنتي والأولاد؟ سيبيكي من الأفكار المجنونة بتاعتك دي، أنا كده هبقى خايفة عليكم، وطول الطريق مش هبقى مطمنة لحد ما توصلوا."
"المرة اللي فاتت كنت حاطة إيدي على قلبي وكل شوية أكلمكم."
أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته بهدوء، وأجابتها بتوضيح:
"بجد يا أمي، أنا نفسي أعملها له مفاجأة. وبعدين المرة دي الأولاد كبار ومش هيتعبوني. ولا تخافي علينا زي المرة اللي فاتت، وبعدين بسم الله ما شاء الله، حفيدك مهاب بقى راجل في الثانوية أهو. وما تقلقيش علينا، إحنا متعودين على السفر وتقريبًا حفظنا الطريق. بس أمانة عليكي يا أمي تنبهي على بابا، ومش عايزة إيهاب يحس خالص إننا رايحين له."
واستمرت في الحديث مع والدتها تسألان كل منهن عن الأخرى باطمئنان على حالهما، ثم أغلقا الهاتف. ونظرت إلى أبنائها وهي تتحدث بنبرة سعيدة:
"خلاص يا أبنائي الأعزاء، تيته أخذت الفرمان وهتنفذه. ونتوكل على الله، نجهز الشنط ونحجز التذاكر كمان. عايزاكم بقى تبقوا نحلة كده وأنتم بتجهزوا حاجتكم، ومش عايزة أي غلطات، إنتوا عارفينّي مش بحب المفاجآت الصادمة وقت الساعات الأخيرة في السفر."
قفز أبناؤها من السعادة العارمة وطمأنوها أنهم لن ينسوا شيئًا وأنهم سيستعدون للسفر على قدم وساق، وأن لا تقلق روحها.
وهكذا حال المسافر حين يشتاق لأحضان الغائب، بل يبات ويصبح بلحظة اللقاء، ويمني قلبه ببهاها وعينه برؤياها، ويستشعر مذاقها قبل أن يصل إليها ببضع أوقات.
***
في منزل زاهر الجمال، تجلس تلك الشمطاء التي خططت كيف توقع بريم وتتغذى بهم جميعًا، ولن تنتظر حتى ينفوها أو يجعلوها كأي قطعة أثاث لا قيمة لها.
انتظرت تلك الأسبوعين الماضيين وهي تعيد وترتب وتنظم كيف ومن أين تبدأ المعركة، والتي حتمًا ستفوز بها كما في مخيلتها.
وحدثت نفسها بانتشاء:
"دلوقتي أنا اديتها فرصة أسبوعين إنها تاخد بعضها وتمشي، وهي بجحة وعيونها قوية ولا كأني قلت لها أي حاجة ولا اتهزت حتى. لما عرفتها إني عارفة بخناقتها هي وجوزها، ولا فكرت تغور وتمشي من هنا."
واستطردت حديثها وهي تضع المشروب البارد كبرود أعصابها على فمها، قائلة بنبرة مفعمة بالشر:
"كده بقى نضرب على الحديد وهو سخن، وأنزل للكباره اللي تحت وأقول لها وأفضّي لها كل حاجة. وأهو نعيش عيشة فل، يا تخرب على الكل."
كان ذلك تفكير تلك التافهة التي لم يكن يشغلها شيئًا طوال حياتها غير المكائد لريم، فحتماً هي تكرهها.
فقد قالوا في المثل: "العين لا تكره إلا من هو أحسن وأفضل منها"، فلنرى إذا كان صادقًا ذلك المثل مع تلك البغضاء.
ارتدت ثيابها وانوت النزول إلى الطابق التي تسكن فيه والدة زوجها، مستعدة لإلقاء القنبلة وليحدث ما يحدث.
هبطت إلى الأسفل وفتحت الباب ودخلت كعادتها دون استئذان.
كانت اعتماد تجلس أمام مصحفها تقرأ بعض آيات القرآن الكريم على فقيدها الغالي، فهي إلى الآن داخل قوقعة الحزن كطبيعة أي أم تفقد عزيزها مهما كانت قوتها وشدتها.
فتحدثت هند باطمئنان مزيف:
"أخبار صحتك إيه يا ماما؟ يا رب تكوني اتحسنتي على العلاج اللي الدكتور أدهولك."
أغلقت المصحف ونظرت إليها بعيون حزينة مرددة بلا مبالاة:
"أهو العلاج ده زي اللي فات، كلها مسكنات بتسكن الألم اللي في جسمنا، لكن ما فيش علاج يشفي ألم الروح والحزن على الغاليين اللي فاتوا وسابونا ولا عمرهم هيتعوضوا ولو بكنوز الدنيا."
كانت الأخرى تستمع إلى حديثها بلا مبالاة، تفكر كيف تبدأ حديثها المشتعل بالنار.
تفكر كيف تشعل الفتيلة الأولى وبعدها تنطلق.
ثم فركت يديها وقلبت عينيها لكي توضح لتلك الماثلة أمامها أنها تخبئ شيئًا، فالأخرى بارعة في تمثيل النظرات التي توحي أن وراءها أمر ما.
راتها اعتماد بهذا الشكل، فهي تعرف طباعها جيدًا لأنها تمتلك بضعًا من تلك الطباع، مرددة بتساؤل:
"مالك يا هند؟ بتفركي في إيدك كده ليه وعمالة تبصي يمين وشمال، شكل ما يكون إنتي عارفة حاجة ومخبياها عليا."
واسترسلت وهي تضرب على فخذها:
"قولي ياهند، إللي عندك. مبقاش حاجة تزعلني ولا تقهرني ولا تأثر فيا بعد موت الغالي، الله يرحمه ويحسن إليه."
شبكت الأخرى يديها وتحدثت بنبرة ممتلئة بالمكر بعد أن جعلت التي أمامها تلقي لها الشباك كي تصطاد بمهارة، مرددة بحزن مزيف:
"في حاجة حصلت ولازم تعرفيها ويكون عندك علم بيها، وضميري بيأنبني إني ما قلتها لكيش لحد دلوقتي ولا قلتها لزاهر."
واستطردت وهي تومئ برأسها للأسفل بنفس النبرة المصطنعة للحزن:
"الحاجة دي تخص باهر الله يرحمه، ولازم تعرفيها ويكون عندك علم بيها."
"علشان لما تعرفي إني كنت على علم بيها وما قلتلكيش، ما تزعليش، وإنتي عارفة كله إلا إنك تزعلي مني."
أحست اعتماد بالقلق الشديد وجذبت انتباهها إلى تلك هند بشدة، ثم تحدثت وهي تقاطب جبينها بتساؤل مغلف بالقلق:
"في إيه اللي إنتي تعرفيه عن باهر؟!"
"طريقة كلامك قلقتني، انطقي بسرعة."
أجابتها تلك الشمطاء وهي مرتبة لحديثها الكائد بطريقة بارعة:
"شوفي، أنا هحكي لك كل حاجة أعرفها، بس أمانة عليكي ما تجيبيش سيرة لريم إن أنا قلت لك حاجة، ولا تجيبي سيرة لزاهر، علشان لو عرف ممكن يطلقني فيها. لازم توعديني الأول."
ضربت اعتماد كفًا بكف، ثم رددت بنفاذ صبر:
"ما تخلصي يا بنتي، قلقتيني ورعبتيني. اتكلمي، وأنا مش هقول لحد خالص. ومن إمتى إنتي جيتي فضيتي اللي عندك وأنا رحت حكيته لحد؟ خلصي بقى."
تنهدت بارتياح مصطنع وأجابتها بهدوء مزيف:
"باهر الله يرحمه، في الليلة اللي صبح ميت فيها، كان بيتخانق هو والست ريم، خناقة كبيرة. هي كانت عايزة تنزل تشتغل في مصنع، ما أعرفش إيه، تقريبًا طالبها بالاسم."
"والخناقة اشتدت ما بينهم جامد، لأنه طبعًا رافض إنها تخرج تشتغل كالعادة. وهي النوبة دي كانت راسها ألف سيف إنها تنزل الشغل، وإن هو كده بيحجر على موهبتها، والحوارات الهبلة اللي إنتي عارفاها دي."
واسترسلت حديثها وهي تدعي الحزن:
"المهم، كلمة منها على كلمة منه، ومش عايزة أقول لك صوتهم كان عالي قد إيه، لدرجة فزعوني وأنا نايمة."
"قال لها: يا أنا، الشغل، والأولاد."
"اختاري تهدي البيت، أو نفضل زي ما إحنا، حياتنا مرتاحين بعيد عن مشاكل الشغل اللي هيجي من وراها إهمال للبيت وللأولاد وليا أنا شخصيًا. وأنا مرضاش بكده."
"قامت هي ردت بكل جبروت، يا ماما، وقالت له: هختار الشغل يا باهر، ولو مش عاجبك اشرب من البحر."
قالت تلك الكلمات بحرفية معلم ممتاز يعرف كيفية توصيل المعلومة لدى طلابه بامتياز.
مما أدى ذلك إلى انصعاق الأخرى التي فقدت النطق لوهلة مما استمعت إليه، وتكاد تكذب أذنها وتهدئ من تشتت روحها، متسائلة بهدوء ما قبل العاصفة:
"كلام إيه اللي إنتي بتقوليه ده يا هند؟ إنتي عارفة إن الكلام بتاعك ده هيعمل إيه؟ هيخرب البيت وهيجيب عليه واطيه. فلو لعبة من ألاعيبك اللي طول عمرك بتشتغليها عليا وفاكرة إنها بتدخل عليا وإني بشتريها، يبقى ورب الكعبة لا تشوفي اللي عمرك ما شفتيه في حياتك. هوريكي الويل ويلات لو طلع الكلام اللي إنتي بتقوليه ده مش حقيقة."
انزعجت الأخرى باصطناع ونظرت إليها مرددة بثقة وتأكيد:
"تشكري يا ست الكل على تكذيبك ليا، بس هاتي لي مصحف دلوقتي وأحلف لك عليه إن اللي أنا قلته لك ده هو اللي حصل. هو أنا مش عارفة إن الكلام ده خطير؟ وهاتيها ونقعد قدام بعض كده. وهي تحلف وأنا أحلف إن اللي أنا قلته ده ما حصلش. وساعتها هتتأكدي إني بتكلم صح وجد الجد. هو أنا عبيطة يعني علشان أخرب بيتي بإيديا؟"
وتابعت حديثها بنبرة صوت حزينة:
"ما كانش العشم تكذبي مرات ابنك الكبير. هو أنا ليا غرض ورا الكلام ده؟ يعني كل اللي أنا عايزة أقوله لك وأوضحه لك، إني سمعت حاجة بمحض الصدفة ولازم تعرفي بيها. لأن دي مش حاجة سهلة ولا قليلة."
قامت اعتماد من مكانها بغضب عارم، وكأن الشياطين الجن والإنس تجمعوا أمامها، وعزمت على أن لا تمرر الأمر مرور الكرام، وستنتقم لعزيز عينها إن صدقت تلك الماكرة الكائده في حديثها.
فتحت باب شقتها ونادت بعلو صوتها مرات متتالية:
"ريييييييييم! إنتي يارييييييييييم! انزلي لي هنا حالًا."
***
في منزل مالك الجوهري عصرًا.
حيث يهبط مالك الدور حاملًا حقيبة السفر في يده، وكان بالأسفل والدته وأخيه يتطلعون إليه باستغراب. فردت والدته باستفسار:
"إيه شنطة السفر دي يا مالك؟ وانت رايح فين؟ هو ميعاد سفرك النهارده يا حبيبي؟"
استمع إلى سؤالها وأجابها بابتسامة مهذبة وهو يضع حقيبة يده أرضًا، ممسكًا بيديها مقبّلهما بحب:
"آه يا حبيبتي، قدمت الميعاد وعندي طيارة بالليل. بس هروح على المصنع الأول فيه شوية حاجات أظبطها هناك، وبعدين همشي من بره بره على طول. ادعي لي يا أمي ربنا يوفقني في سفرتي دي وأرجع منها مجبور."
غصبًا عنها انسدلت الدموع من مقلتيها على سفر عزيزها الغالي، قائلة بنبرة حزينة:
"طب ليه ما قلتليش يا مالك إن انت مسافر النهارده؟!"
"ينفع كده تقول لي وانت ماشي؟ والله أنا زعلانة منك بجد."
عندما رأى دموعها تهبط على وجهها كعادة كل مرة يسافر فيها إلى الخارج، قبل يديها وتركهما وجفف دموعها بأصابع يديه بحنان لتلك الأم الحنون، مرددًا:
"علشان دموعك اللي بتنزل دي يا أمي، كل لما أجي مسافر كل مرة بعرفك من قبلها بكذا يوم وتفضلي تعيطي وتوجعي في قلبك وأعصابك، وكده خطر عليكي وعلى صحتك. فقررت من الأفضل إني ما أقولكيش غير وأنا ماشي."
واستطرد حديثه بمحايلة:
"رجاء يا ماما ما تعيطيش بقى وتفضلي تعمليها مناحة لحد ما أرجع. كلها شهر وأرجع، هحضر الأتيليه السنوي."
"وهتابع مع الدكتور اللي أنا قلت لك عليه، وهرجع لك على طول يا ست الكل. وبعدين الفيديو كول ما سابش حاجة دلوقتي وما خلاش حد بيوحش حد."
زمت شفتيها باعتراض على كلامه، وتحدثت باعتراض:
"لا يا حبيبي، أنا ما بقتنعش بالفيديو كول والحاجات اللي أنت بتتكلم عنها دي."
"إنت عارف إن ما كنتش أتصبح بوشك كل يوم وأمسك وأخدك في حضني ما استريحش. تروح وتيجي بالسلامة يا نور عيني، وخلي بالك من نفسك، وبإذن الله ترجع من هناك منصور والشفاء يبقى ملاحقك يا حبيبي."
وظلا يودعان كل منهما الآخر بحرارة الأم وولدها، ثم انتهوا من الحديث. ناظرًا مالك إلى أخيه قائلاً له:
"بقول لك إيه يا مازن، إنت دلوقتي اتدربت كويس على الشغل بقى لك فترة أهو، عايزك تكون واخد بالك جدًا من المصنع. وركز، أنا بقول إيه، من المصنع مش من بناته. وخلي بالك السكة اللي إنت بتحوم حواليها دي، وما تفكرنيش نايم على ودني ومش دريان باللي بيحصل، تبقى بتستهون بدماغ أخوك."
ابتلع مازن لعابه بخوف مرددًا باستنكار:
"إنت تقصد إيه بالكلام اللي إنت بتقوله ده يا مالك؟ أنا راجل بشوف شغلي، وأظن بيوصل لك تقرير يومي عني. سكة إيه بقى اللي إنت تقصدها؟"
ابتسم مالك ابتسامة ساخرة من حديث أخيه الذي ينم عن مدى تهوره، مجيبًا بنظرة مفعمة بالتهديد:
"إنت عارف كويس أنا بقول إيه، وإن ما تراجعتش عن الطريق ده، أنا مش هسكت وهعمل اللي هيزعلك مني ويخليك تفكر ميت مرة قبل ما تعمل حاجة. أنا منبهك إنك تاخد بالك منها."
واستطرد حديثه بتهكم:
"إنت بقيت كبير كفاية إنك تخلي بالك من تصرفاتك وتبقى راجل وتتحكم في أفعالك. كفاية عليك زهوة الشباب اللي واخداك لحد دلوقتي ومخلياك غشيم ومش عارف إنت بتعمل إيه."
كاد مازن أن يفقد وعيه من تلميحات أخيه الذي يعرف مقصدها جيدًا، ولكنه ادعى الإنكار خوفًا منه وردد بلجلجة:
"والله يا مالك، إنت فاهمني غلط. وعموما يا سيدي، كلامك أوامر بالنسبة لي، وتروح وترجع بالسلامة."
انتهى الحديث بينهما بعدما نظر إليه مالك نظرة مطولة محتواها يعني: لا تخالف، فأنا مراقب لأفعالك وراصدها رصدًا.
وودعهما مالك واصطف سيارته ذاهبًا إلى المصنع لكي ينهي بعض الأعمال الملزم بها قبل أن يغادر.
وبعد مدة، غادر مالك البلاد ذاهبًا إلى إيطاليا لكي يبدأ رحلة عمله وعلاجه في آن واحد.
ولكن، هل سيعود مالك كما غادر؟
أحيانًا نختار طريقًا نظن أنه بداية جديدة لنا، ولكن أثناء العودة نكتشف يومًا ما، بل ونتمنى أن لن نخوضه، وخاصة إن كان هذا الطريق مليئًا بالأشواك التي تفقد روحنا طيبتها وتبدلنا من راضيين إلى ناقمين، وتزهق داخلنا الروح الطيبة.
***
في دار الأيتام ليلاً، وتحديدًا في الساعة التاسعة، حيث يضج المكان بالزائرين، وتقف عاملات الدار وإدارتها على قدم وساق لتلك الحفل الذي يحضره عدد من قامات الدولة.
فتحدثت مديرة الملجأ إلى الفتيات وهي تتمشى أمامهن، مدلية عليهن بعض الأوامر الصارمة، قائلة بجدية:
"شوفوا يا بنات، مش عايزة غلطة نهائي. عايزة كل واحدة فيكم اللي اتدربت عليه في الأسبوعين اللي فاتوا دول تنفذوا النهارده بحرفية. عايزة كل الناس اللي قاعدين واللي هم أصلًا مش شوية ناس كبيرة في البلد وليهم وزنهم، يحلفوا بمدى صلاحية إدارة الدار وتاخد الجودة زي كل سنة."
واسترسلت حديثها موجهة كلامها إلى مريم، قائلة بتنبيه:
"وإنتي يا مريم، مش عايزة الخجل والكسوف يسيطر عليكي زي كل مرة. أنا عايزكي تبقي واقفة بثقة وتأدي مهمتك وإنتي مرتاحة، علشان الحفلة يعتبر نص نجاحها عليكي إنتي."
"مش عايزة أعرفك إن ده هيبقى فيه فايدة ليكي كبيرة جدًا قدام اللي إنتي هتقفي قصادهم."
"جاهزة ولا مش جاهزة؟"
كانت تلك الواقفة تستمع إلى حديثها بآذان صاغية كعادتها الهادئة المتأنية، مجيبة بهدوء:
"ما تقلقيش يا أبلة، إن شاء الله أشرفك النهارده. إنتي عارفة أصلًا إن هواية الغنا دي أكتر هواية محببة لقلبي، ولما بكون بأديها بأديها بكل مشاعري وأحاسيسي، ما تقلقيش. وباذن الله الحفلة هتكسر الدنيا، وباذن الله الدار هتاخد الجودة."
انتهت المديرة من إلقاء التعاليم والإرشادات عليهن، وذهبت لكي تشرف على باقي التجهيزات البسيطة، ثم خرجت برأس مرفوعة لكي تستقبل الزائرين والمدعوين بكل شموخ.
بعد أن خرجت مريم من حجرة المديرة، أمسكت هاتفها وذهبت إلى مكان هادئ، وقامت بالاتصال على صديقها الذي أصبح بئرًا لأسرارها ومنبعًا لارتياح قلبها، إلى أن جاءها الرد قائلًا بعفوية:
"يا هلا بصاحبة الصوت الفيروزي العذب الذي يطرب الآذان."
ابتسمت ابتسامة هادئة وطبيعية لشخصيتها، وأجابته بعتاب لطيف:
"شكلك كده بتتريق على مريم الغلبانة، لكن هثبت لك النهارده إني فعلًا صوتي فيروزي وحلو، وأخطف العقل والقلب كمان."
واسترسلت بحماس:
"أنا النهارده مختارة أغنية حساها شبهي قوي وهغنيها من كل قلبي، بس يا ريت إنت تكون جاي في الطريق وما تتأخرش، علشان وجودك هيفرق معايا جدًا يا دكتور."
ضحك الآخر برجولة على حماسة حديثها وردد بمداعبة لطيفة:
"طب لما نشوف يا ست مريم، وإياكي ما تطلعيش في الآخر بق على الفاضي ونسمع نشاز."
رفعت حاجبيها باستنكار الحديثه وتحدثت بتحدي:
"طب ماشي، أنا مستنياك أهو وما تتأخرش علشان نشوف هطلع كلام ولا لا. ويا ريت تبقى قاعد في الصف الأول."
واسترسلت بنبرة صوت خائفة من شيء ما يأتي إلى هواجسها دون أي دليل:
"وجودك جنبي بيحسسني إن لي عيلة وناس، وإن في حد قوي ساندني وواقف جنبي بجد. وجودك شيء مكملني."
عندما استمع إلى آخر كلماتها، بات قلبه يدق الطبول من رقة حديثها الذي استوطن قلبه ولا يعرف لما السبب، مرددًا بكلمات بثّت الطمأنينة داخلها:
"مش عايزك تبقي ضعيفة كده ولا تستقلي بحالك، ولا تسيبي الدنيا تمطوحك على كيفها يمين وشمال."
"صدقيني يا مريم، الزمن عايز اللي يخربش ويدافع عن حقه ووجوده بكل قوته، خاصة لما يكون ماشي صح، يبقى يدافع وهو قلبه جامد وما يخافش طالما ربنا معاه وطالما ماشي في الطريق الصح."
"ودايما افتكري كلام ربنا سبحانه وتعالى: 'ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين'."
واسترسل حديثه بتشجيع لها:
"إنتي النهارده لازم تفضي دماغك خالص من أي نكد ومن أي حوارات تعكر عليكي الحفلة اللي يعتبر حاجة بتروحي بيها عن نفسك."
"يلا بقى علشان أنا سايق، عايزك النهارده المبدعة مريم عماد في أبهى حالاتها."
لو كانت تمنت أخًا من الزمن حقيقيًا، ما كان يأتي عوضًا مثل ذلك الرحيم.
لو كانت تمنت قلبًا يسند ضعفها، ما كان يأتي عوضًا مثل ذلك الشهم.
آه يا تلك الدنيا، كم إنتي غير منصفه لنفوس بريئة تعيش في ظلم بين نفوس كالذئاب.
بعد ما استمعت إلى حديثه، باتت روحها أكثر اطمئنانًا، ورددت بامتنان إلى ذلك الخلوق:
"مش هقول لك غير كلمة واحدة بس يا دكتور، ربنا يديمك في حياتي سند وصاحب وقلب يطبطب على جروحي، يا أحسن صدفة بعتها لي القدر ليا."
"اه، بتستغلي بقى إنك فنانة وإحساسك عالي وإننا مش هنقدر نوصل لطريقة كلامك العميقة دي لواحد غلبان زيي ما بيعرفش يتكلم زيك كده..."
جملة دعابية نطقها ذلك العاشق المنتظر لتلك الرقيقة المقهورة.
أغلقت الهاتف مع من تعتبره حديث الروح وطبيب الجروح ورددت مع حالها بانتشاء:
"كيف لي أن لا أضعف في حضرة تلك الكلمات المحببة إلى روحي؟"
"كيف لي أن أمرر كلماته التي عبرت الروح وطيبت جروح زماني؟"
"ولكن هل يتركني زماني أن أحلم بأماني وأسبح بخيالي وأطمئن على سلامي؟"
"هل سيأتي يوم وأشعر بكياني ويأخذني عقلي في رحلة بعد استرداد أمن أوطاني؟"
استعادت مريم وارتدت أبهى ثيابها، فهي تحبذ الإطلالة الهادئة وكم تصبح فيها جميلة، تعبر القلوب برقتها.
ابتدأ البرنامج الذي أعدته منظمات الحفل بآيات من الذكر الحكيم لتلك الفتاة المعروفة بعذوبة صوتها في القرآن الكريم.
ولنقف هنا عند نقطة معينة، قد تشعر أرواحنا بالحرمان الشديد من شيء ما، ونبات نجزم أننا مقهورون ولم نأخذ من زماننا ما يجعلنا نتأكد أننا لم نكن محرومين يومًا ما.
فبكل تأكيد أردد أننا خلقنا في هذه الحياة بحقوق متساوية، ولكن لنرى ونضع نصب أعيننا تلك النعم التي يغمرنا بها رب العباد.
فينشأ الشاكر الذي يشعر بأهمية نعمته، وينشأ الناقم الذي مهما وجد العوض يشعر بفقدان النعمة، وينشأ الذي ينظر لنعمته بعين ناقصة ويشعر بأنه ليس له وجود وأن من حوله دائمًا أفضل منه.
ولكن إذا تعمقنا داخل قوقعة الحياة الدنيا نجد أننا محاطين بنعم الله التي لا تعد ولا تحصى، فيجب أن نحافظ عليها بكل قوتنا حتى نُكتب من الشاكرين الحامدين ولا نُكتب من الناقمين الماكرين.
انتهت الفقرات الأولى من الحفل، والآن تعلن منظمة الحفل عن فقرة الموسيقى والغناء والتي ستؤديها مريم عماد، التي تمتلك صوتًا ملائكيًا تذهب به عقول من يسمعها.
صعدت مريم إلى الحفل في توتر شديد، فهي خجولة جدًا، وفي يدها مكبر الصوت وجالت بأعينها في المكان تبحث على من يشعرها دائمًا بالطمأنينة والسكينة، وما أن لمحته عينيها انطلقت في تلك الأغنية بسلاسة.
فكانت تلقيها بكل إحساس نابع من روحها لأنها تشعر أن كلماتها تعبر عن حالها.
فكانت تلك الكلمات:
"أوقات بيجي الصح في الوقت الغلط"
"والقلب زي السهم لو شده فلت"
"أوقات بيجي الصح في الوقت الغلط"
"والقلب زي السهم لو شده فلت"
"وبصراحة الدنيا بتغيرنا بالراحة"
"وما بين شعور بالذنب والراحة كله اختلط"
"وبصراحة الدنيا بتغيرنا بالراحة"
"وما بين شعور بالذنب والراحة كله اختلط"
"بقا عادي ناس يختارو صح ويتأذوا"
"والحب مش محكوم بحاجة تميزه"
"مش أي إحساس بالسعادة بيتقبل"
"ولا أي وعد بناخده سهل ننفذه"
"وبصراحة الدنيا بتغيرنا بالراحة"
"وما بين شعور بالذنب والراحة كله اختلط"
كانت تسرح مع كلمات تلك الأغنية وتؤديها ببراعة وصوت يكاد يكون يشبه مالكة تلك الأغنية، والذي ادعى ذلك إلى انتباه الجميع لها وسحبتهم إلى صوتها وجعلتهم منبهرين بإلقائها، ومن بين تلك المدعوين ذلك الحبيب بل العاشق الذي في بداية عشقه المولود بقوة، ناظرًا إليها بعيون تود لو أن يسحبها إلى عالمه ويسقيها من عشقه، ولكن الظروف.
في نفس المكان يردد صوتًا قائلاً بتنبيه صارم:
"مش عايزة أي غلطة تحصل النهارده وإلا ورب الكون ما هيطلع عليكم صبح."
"عايزة شغل عالي واعملوا حسابكم إن الغلطة اللي هتحصل هتضيع تخطيطنا والعصفور هيطير من بين أيدينا والحجر اللي بنضرب بيه هيصد في وشنا، تعملوا حسابكم إن الغلطة معايا بألف ومش هعديها بسهولة."
أجابها ذلك الرجل الواقف وهو يومئ رأسه للأسفل مرددًا بطاعة:
"إن شاء الله كل حاجة هتحصل زي التعليمات وأكتر يا فندم ومفيش حاجة هتقف قدامنا، مفيش داعي للقلق علشان خاطر ننفذ ببراعة زي المطلوب مننا بالظبط."
علامات الاستحسان من تلك الكلمات بانت على ملامح تلك الآمر قائلة بنبرة صوت شامته:
"أحب أنا الثقة بالنفس دي، لما نشوف هتنجحوا ولا لأ وساعتها الحلاوة بتاعتكم هتبقى أضعاف المبلغ اللي أنا قلت عليه."
صفق المدعوون بحرارة على تلك البارعة التي أنشدت أمامهم بصوت عذب جعلت آذانهم تستشعر الاندهاش من تلك الموهبة التي تدفن بين جدران تلك الدار.
أما ذلك العاشق لم تنزل عينه من عليها مرددًا مع حاله:
"صغيرة أنتِ حبيبتي على عشقي الذي سيخفيكي داخل أحضانه حانيًا."
"رائعة أنتِ جميلتي بكلماتك التي عبرت خلاياي واستوطنت كياني وتمنّاكِ لاهثًا."
"اليوم سأعترف لكِ وأنا بكامل قواي بامتلاكك يا مالكة روحي اعترافًا واثقًا."
خاطرة رحيم المالكي.
انتهت مريم من إلقاء أغنيتها وهبطت إلى الأسفل وجلست بجانب الفتيات وهي تشعر بالفخر من إطراء الجميع على إلقائها الذي عبر قلوبهم بسلاسة.
ثم صعدت مديرة الملجأ بقامة شامخة قائلة بكل ثقة:
"أنا النهارده اتشرفت بحضور الجميع والدار زادها الفخر والاعتزاز بالقامات اللي حضرت، ودلوقتي هعرض على حضراتكم على شاشة العرض ملخص الأنشطة اللي عملتها الدار طول السنة موثقينها صوت وصورة علشان خاطر يوم زي ده."
واسترسلت حديثها وهي تنظر إلى الأخصائية مرددة بأمر:
"اتفضلي يا هانم شغلي الشاشة علشان خاطر الموجودين يتفرجوا على العرض."
استمعت تلك الأخصائية إلى حديثها وقامت من مكانها وأشغلت الشاشة وابتدا العرض.
لفت الجميع أنظارهم إلى الشاشة كالعادة واتسعت عيونهم هولاً مما رأوا.
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل التاسع 9 - بقلم فاطيما يوسف
في منزل باهر الجمال، كانت ريم تجلس مع أبنائها، تحمل الصغير على فخذيها وتحتضن الكبير بيديها، وعيناها ممتلئة بالدموع. كانت تفكر في الواقع الأليم الذي تعيشه هي وأبنائها، وقلبها ينفطر حزناً على ما فات وعلى ما هو آت. كانت تغوص بأفكارها في كيفية الحياة بدون زوجها وحبيبها، وتتحسس شعر الصغير بحنان وتهدهد على ظهر الكبير لتشعره بالأمان.
وفجأة، استمعت إلى صوت عالٍ ينادي باسمها. لم يكن إلا صوت أم زوجها. وضعت الصغير في سريره ثم نظرت إلى الكبير قائلة له:
_ خلي بالك من أخوك يا حبيبي، عقبال ما أشوف تيتا عايزة إيه.
ابتسم الطفل ببراءة وردد بطاعة:
_ حاضر يا مامي، ما تقلقيش على أخويا، أنا بحبه جداً وهلعب معاه عقبال ما تيجي.
خرجت ونظرت من أعلى الأدراج قائلة بتساؤل:
_ نعم يا ماما، محتاجة حاجة مني؟ أنزل لك؟
قلبت الأخرى عينيها بنظرة مرتعبة وأجابتها بحدة:
_ أيوه انزلي لي حالاً، في حاجة مهمة أنا عايزاكي فيها، وخلي الأولاد عندك.
ارتعبت الأخرى من هيئة تلك السيدة ودخلت إلى أبنائها مرددة باستعجال وهي ترتدي حجاب رأسها:
_ أنا هشغل لك التلفزيون عشان تتفرج عليه، وأخوك عينه راحت في النوم، ما تجيش ناحيته، خلي بالك منه بس، وأنا هشوف تيتا عايزة إيه وهطلع لك تاني، ماشي يا حبيبي.
أومأ لها الصغير بموافقة، ثم نزلت إلى الأسفل ورأت على وجوههم ما لا يسر. فرددت في حالها قبل أن تلقي السلام:
_ مالهم دول؟ وشهم ما يبشرش بالخير، استر يا رب.
ثم نظرت إليهم مرددة السلام باحترام:
_ صباح الخير يا ماما، صباح الخير يا هند.
وأثناء إلقائها السلام، كان قد دلف إليهم زاهر مردداً السلام، ثم نظر إلى والدته قائلاً باستفسار:
_ فيه إيه يا ماما؟ جبتيني على ملي وشي من الشغل، فيه حاجة حصلت ولا إيه؟ قلقتيني.
نظرت إليه والدته نظرة ارتياح، كأنها تقوي حالها في وجوده، وكأنه هو بات مصدر الأمان والراحة بعد فقدان عزيزها. وأجابته بتوضيح:
_ اقعد بس دلوقتي، وهتسمع كل حاجة عشان يبقى كله على نور.
واسترسلت حديثها وهي تنظر إلى ريم قائلة بتساؤل مريب:
_ قولي لي يا ريم، هو إنتي اتخانقتي إنتي وباهر الله يرحمه في الليلة اللي هو مات فيها؟ خناقة كبيرة؟
ما إن استمعت ريم إلى سؤالها، حتى هوى قلبها بين قدميها رعباً وهلعاً. ثم استفاقت من ترديد السؤال مرة أخرى لها وأجابت بعيون تتلفت يميناً ويساراً، حرجا بلجلجة:
_ عادي، خناقة عادية بين أي زوج وزوجة، ما إحنا ياما اتخانقنا ومحدش حس بينا ولا دري، إشمعنى المرة دي يا ماما اللي بتسأليني؟
ما إن استمع زاهر إلى سؤال والدته، حتى ردد إليها باستنكار:
_ وإيه لازمته السؤال ده يا أمي؟ واحد ومراته، هما أحرار، هما الاتنين، ليه بتفتحي في القديم اللي ملوش لازمة دلوقتي؟
واستطرد حديثه بإبانة:
_ وبعدين باهر الله يرحمه وريم عمرهم ما حد سمع لهم صوت في البيت، وحتى لما بيكون ما بينهم مشكلة، محدش كان بيتدخل ما بينهم خالص، وده كان بطلب من باهر.
ابتسامة سخرية خرجت من فمها عقب حديث ولدها الأكبر، وأشارت إليه أن يصمت، مكملة تساؤلاتها وهي تنظر إلى ريم:
_ متأكدة إنها خناقة عادية يا ريم؟
وتابعت حديثها الذي أصدم الواقف المدافع عنها:
_ الست هانم اللي إنت بتدافع عنها، في الليلة اللي جوزها مات فيها، كانت بتطلب منه إنها تروح تشتغل مع مصنع من اللي بتتعامل معاهم. ولما اشتد الحوار ما بينهم، قال لها: تختاري الشغل يا البيت والأولاد.
وهي بجبروتها قالت له: يبقى هختار الشغل. وكسرت قلبه وخلته مصدوم من قرارها، ونام ومات من القهرة إنها فضلت الشغل عليه هي وولادها.
واسترسلت حديثها بغضب عارم:
_ حصل الكلام ده ولا ما حصلش يا ست البرنسيسة والمصممة العالمية؟
انقلب وجهها لألوان الطيف مما استمعت إليه. ألم يكفها عذاب الضمير التي تعيش به كل يوم؟ ألم يكفها الصراع الذي تعيشه منذ أن مات زوجها؟ ألم يكفها أنها تؤنب حالها ولا تكاد تشعر بلحظة راحة منذ فراقه؟
جمعت الحروف على لسانها إجباراً وأجابتها بتوتر:
_ دي مش أول مرة أتكلم أنا وباهر في موضوع الشغل، ومش أول مرة نتخانق على إني عايزة أخرج أشتغل، وإني من حقي أكمل موهبتي قولاً وفعلاً، وإني مينفعش إني أفضل مغمورة جوه تصاميمي ومحدش يعرف عنها حاجة.
كانت تلك هند تقف وعلى وجهها علامات السعادة، لو طالت أن تهلل وتطير من كثرة البهجة على وقوف ريم كالمتهم في القفص، وأمامه القاضي والوكيل يجلد به جلداً. وترفع لها حاجبها بكيد ومكر.
أما ذلك الواقف، مصدوم مما حدث ومما استمع إليه، وعلامات الدهشة تعلو وجهه. فنظر إلى ريم وتحدث باستنكار:
_ بقى إنتي يا ريم اللي كنت بقول عليكي هادية وما بتطلعش العيبة منك، تعملي كده؟
بقي إنتي اللي كان جوزك بيجي طيران وما بيرضاش يتغدى مع أخوه ولا يوم من الأيام، وطول عمره بيتكلم عليكي بالخير ومهنيكي ومخليكي برنسيسة، تقهريه وتموتيه مقهور؟
واسترسل حديثه بوعيد:
_ أنا والله العظيم ما مصدق اللي وداني سمعته دلوقتي، بس ورب الكون، لا هتشوفي على إيدي وفي البيت ده مرار قد الهنا اللي عيشتيه. يعني كنت مفكراك أصيلة وطلعتي بتاعة نفسك في الآخر.
انتفضت ريم ناظرة إليهم جميعاً وأحست أنها وحيدة شريدة بينهم. قوت حالها ونظرت إليهم جميعاً مرددة بقوة:
_ مرار إيه اللي إنت هتوريه لي يا زاهر؟ إنت ملكش عليا حكم ولا كلمة أصلاً! اللي هيفكر فيكم يجي ناحيتي أو ناحية ولادي، والله ما هتشوفوا ريم الغلبانة بوشها الطيب، ومش هتشوفوا مني إلا وش ذئب مستعد ياكل اللي قدامه ويتغدى بيهم قبل ما يتعشوا بيه.
اتسعت هند عيناها بذهول. ورفعت إحدى حاجبيها متعجبة ورددت:
_ إنتي إيه يا شيخة الجبروت اللي فيكي ده؟ ولسه لك عين تنطقي كمان بعد اللي عرفوه ده؟ إنتي طلعتي ميه من تحت تبن.
قاطعت ريم حديثها المغلول وهدرت بها بنظرة غاضبة:
_ وإنتي مالك تدخلي في الموضوع ليه أصلاً يا اللي تموتي في الفتنة وتشعلليها وتقعدي تتفرجي. مفكرة إنك كده شطارة منك. مش هقول لك غير حاجة واحدة بس، حسبي الله ونعم الوكيل فيكي.
واسترسلت حديثها وهي تذكرها بعقوبة ذنبها وما فعلت بها:
_ إنتي ما تعرفيش إن ربنا سبحانه وتعالى قال: "ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً".
فنظرت ريم إلى زاهر وتلك الأم الذي ينشعل قلبها ناراً من عدم إنكار ريم لتلك الكلمات التي أودت بفقيدها الغالي في لحده. وتابعت حديثها وهي تشير بكفي يداها إلى تلك الحية التي تتلون جميع الألوان:
_ الست هانم اللي بلغتكم باللي هي اتصنتت بيه بيني أنا وجوزي الله يرحمه، جت وساومتني إني أسيب البيت أنا وولادي، يا إما هتبلغكم باللي حصل وإني أخرج من بيت جوزي اللي لسه مكملش 3 شهور على وفاته. وهددتني، وأنا طبعاً معملتش حاجة أخاف منها عشان أسيب بيت جوزي وأخرج منه.
كادت هند أن تموت رعباً من تصريحات ريم عن تهديداتها، ولكن حدث ما لا يحمد عقباه واطمأنت مما رأته، وارتسمت علامات المكر والكيد على وجهها مما أثلج صدرها وجعلها إلى الآن في موقف المحارب المنتصر.
***
في دار الأيتام، وبالتحديد في الحفلة المقامة فيها. استمعت تلك الأخصائية إلى حديثها وقامت من مكانها وأشغلت الشاشة، وابتدأ العرض. لفت الجميع أنظارهم إلى الشاشة، وكانوا ينظرون إلى تلك الشاشات بصدمة تعتلي وجوههم، وأفواه مفتوحة على ما عُرض أمامهم. ولم يكن إلا عبارة عن فيديوهات لتلك الفتاة التي كانت تغني أمامهم وهي في أوضاع مخلة.
كانت مديرة الملجأ في موقف حرج لا تحسد عليه، ونظرت إلى الأخصائية ورددت وهي تجز على أسنانها بحدة بصوت لا تكاد تسمعه الأذان:
_ إيه يا زفتة المعروض ده؟ إنتي مش مركزة خالص، إزاي يحصل كده؟ إنتي المسؤولة عن اللي حصل ده، قدامي يومكم كلكم مش فايت النهاردة، واقفلي بسرعة الزفت ده.
كانت تلك الماكرة الكائدة تربع يديها على صدرها وتقف في موقف مفرح لقلبها المريض الذي جعلها تفعل هذه الفعلة الشنعاء في تلك اليتيمة الأبية التي رفضت أن تسلك مسالك الشيطان. وهي تضع سماعات الأذن وتتحدث مع شخص ما قائلة له بأمر سريع:
_ يلا يا ابني، اعمل اللي أنا قلت لك عليه بسرعة، ومش عايزة أي غلطة، وإلا إنتوا حرين.
أما عن مريم، فكانت تضع يدها على فمها وهي تكتم شهقاتها، وعلامات الصدمة المفجعة تضرب بجسدها. وعلى الفور، نظرت إلى الجميع نظرات مرعبة مما سيحدث لها. فقامت من مكانها آخذة حقيبة يدها وانطلقت مسرعة إلى الخارج قبل أن ينفذوا عليها حكم الإعدام. مما أرعب تلك الواقفة، فلم يكن بحسبانها أن تتحرك مريم بهذه السرعة، فاعترضت طريقها كي تلهيها قائلة:
_ على فين يا ربة الصون والعفاف؟ ده الليلة ليلتك وهيتحفل عليكي جامد النهاردة، والأيام والسنين اللي جايه كلها.
واسترسلت حديثها وهي تنظر إليها من أعلاها لأسفلها بعيون تنطق شراً:
_ ما أنا قلت لك تعالي من الآخر، وما حدش هيدري ولا هيحس بيكي، وما لكيش حد يسألك رايحة فين ولا جايه منين، وركبتي دماغك وعملتي الغلط مع اللي ما ينفعش يتعمل معاهم الغلط.
وأثناء انشغالهم في الحديث، انقطعت الكهرباء عن المكان بأكمله، وباتت مريم أكثر رعباً، واطمأنت تلك الشيطانة الواقفة أمامها على سير خطتها المحكمة. وفجأة، أحست مريم بالغدر، فهي شديدة الذكاء، فانطلقت مسرعة من أمامها إلى الخارج، وأشعلت إضاءة هاتفها واختبأت في مكان خلف الدار لا يعرفه أحد، فهي تحفظه عن ظهر قلب.
ثم ضغطت زر الاتصال على منقذها الدائم الذي يرسله الله لها دون أي تخطيطات لكل منهما. وما إن أتتها الإجابة، حتى قالت بصوت ملئ بالفزع تطلب منه إنقاذها:
_ الحقني يا دكتور، أنا في مصيبة ومش عارفة أعمل إيه. أكيد حضرتك شفت الفيديو اللي اتعرض، وده اللي أنا كنت قايلة لك عليه، وأنا حاسة إن هي اللي ورا قطع النور ده، وإنها حاولت تعترض طريقي عشان ما أخرجش، أو عايزة تعمل حاجة تانية أنا مش فاهماها.
ثم مشطت المكان بعينيها بخوف رهيب وهي تخشى أن تراها عيون تلك الحية التي تهاجمها من كل صوب وحدب. واسترسلت حديثها بعينين كلها خوف ورجفة من القادم:
_ أنا عايزة أمشي من هنا فوراً، أنا جريت واستخبيت في مكان مش هيعرفوا يوصلوا لي فيه دلوقتي، لكن مجرد خمس دقائق بالكتير هيكونوا قدامي لو دوروا. يا ريت تيجي تاخدني عشان أنا مرعوبة جداً.
بالفعل، كان ذلك الرحيم يبحث عنها في كل مكان، خاصة بعد انقطاع الكهرباء اللامناسب في ذاك التوقيت بالتحديد. وعندما رأى نقش اسمها على الهاتف، أجابها على الفور. وعندما استمع إلى حديثها، كان بالفعل خارج وركب سيارته منطلقاً إلى مكانها في بضع ثوانٍ.
وفي الوقت ذاته، كانت رجال تلك الحية عيونهم تبحث عنها في كل مكان، حتى وجدوها تسرع مهرولة إلى تلك السيارة. حاولوا اللحاق بها مهرولين بنفس السرعة، لكن يشاء القدر أن تصعد السيارة وتغلقها، وفوراً في غضون ثوانٍ انطلق رحيم مسرعاً بها.
وفي ذات الوقت، تواصلوا مع زعيمتهم عبر سماعة الهاتف مرددين بإحباط:
_ للأسف يا مدام، هربت في عربية أخدتها ومشيت، والعربية دي كانت مستنياها.
استمعت إلى حديثهم بغضب عارم وكورت يديها وسحقت على أسنانها بغل مرددة على عجالة بسخط:
_ وراها يا بهايم، في لمح البصر تكونوا لحقتوا العربية ووصلتوا لها، ومتعملوش أي خطوة إلا بأمر مني. الدار ملهاش غير طريق واحد بس، يعني فرصة تسوقوا بأقصى سرعة وتجيبوهالي، وإلا هتكونوا في قبوركم النهاردة.
أثناء إلقاء الأوامر إليهم، كانوا بالفعل صعدوا السيارة وانطلقوا مسرعين، وهي مازالت تلقي عليهم عبارات السباب اللاذع. وبالفعل، استطاعوا الوصول إلى السيارة وأصبحت في مرمى أبصارهم.
أما داخل السيارة، كانت تلك المسكينة تندب روعها وتندب خوفاً ورعباً مما ستتلقاه في الأيام المقبلة. وبجانبها رحيم مشفقاً على حالتها وعلى روعها ويلقي عليها عبارات الاطمئنان:
_ ممكن بقى كفاية دموع؟ من ساعة ما مشينا وإنتي عمالة تعيطي. العياط عمره ما هيعمل لك حاجة، بالعكس هيأثر في نفسيتك أكتر، مش هيخليكي تعرفي تفكري ولا تركزي في اللي جاي. ممكن تهدي بقى عشان بجد دموعك زلزلتني.
ألقى عليها تلك الكلمات وأعطاها منديلاً ورقياً لكي تجفف دموعها. أخذته من يده بيد مرتعشة ورددت بصوت متقطع أثر البكاء:
_ مش قلت لك إنها بقت قوية جداً وواصلة ومش هتسبني في حالي.
واسترسلت حديثها بوجع وقلب ينبض ارتعباً:
_ عمرها ما هتنسى القلم اللي ادتهولها، وأديها انتهت بفضيحة ليا ومستقبلي ضاع.
وأثناء حديثها، رأى رحيم سيارتين تتبعاناه من خلال انعكاس المرآة. ازداد قلقاً عليها وبدا له أن الموقف لا يحتمل طمأنة بالفعل. وزاد من سرعته بطريقة أرعبتها وجعلتها تلتفت يميناً ويساراً كي ترى مالذي يحدث حولها. وما إن رأت تلك السيارتين، حتى ازدادت هلعاً، ليس على حالها فقط، بل على ذلك الجالس بجانبها يحاول بأقصى جهده كي ينقذها من براثينهم. ورددت وهي على حالة التفافاتها:
_ إنت كده هتتأذي بسببي، وأنا مارضاش ليك الأذية. ممكن تنزلني وأنا ومصيري وإللي ربنا كاتبه لي هشوفه.
نظر إليها بغضب على ما تفوهت به أثناء سيره السريع، وردد بتصميم ومقاطعة لكلماتها التي لا تسمن ولا تغني من جوع:
_ إنتي متخيلة إني ممكن أسيبك في الليلة المهببة اللي ما يعلم بها إلا ربنا دي! ممكن تهدي بقى خلينا نركز نشوف هنفلت منهم إزاي، لأنهم كتير والكتره تغلب الشجاعة. ومهما حصل، أنا مش هسمح لهم يقربوا منك.
أما على الجهة الأخرى، كانت تتابعهم باستمرار مرددة بعصبية:
_ طالما شايفينها يا بهايم، إنتوا هاجموها بسرعة قبل ما يطلعوا على الطريق العام، وساعتها مش هتعرفوا تعملوا حاجة. وعلى الله ما تخلصوش المهمة وتجيبوها لي لحد عندي سليمة ما فيهاش خدش واحد.
رد عليها واحداً منهم بتساؤل واستفسار:
_ طب واللي معاها يا هانم، نعمل فيه إيه؟
أجابته على الفور بأمر:
_ إنتوا ليكم مهمة محددة، تجيبوها لي لحد عندي، وما لكوش دعوة باللي معاها. أنا مش ناقصة بلاوي ومصايب. إنتوا قد التيران، تاخدوها منه وتسيبوه من غير أي أذى لأي طرف. أنا مش عايزة غير هي وبس، فاهمين؟
استمعوا إلى أوامرها بطاعة عمياء وفوراً زادوا من سرعتهم إلى أقصاها إلى أن وصلوا إلى سيارة رحيم، وبقي بضع سنتيمترات فقط على مهاجمتهم.
***
فلنعبر بخيالنا إلى إيطاليا، والتي تعتبر بإجماع الكثيرين وحسب آراء العديدين، عاصمة الفن العالمية. ولا شك أن ميلانو إحدى أهم المدن الفنية في العالم، بالإضافة إلى أنها تنضح بالتاريخ المتمثل في كنيسة سانتا ماريا ديل جراتسي لليوناردو دافنشي. بل تحتوي على أعظم متاحف العالم، على الرغم من أنها تعج بالمتاحف الشهيرة، لكن تعتبر لوحة الموناليزا للرسام ليوناردو دا فينشي التحفة الفنية الأشهر في البلاد. كما أنها بلد الأزياء العالمية وتقام فيها مختلف الفنون التشكيلية الجميلة.
حيث وصل مالك إلى تلك البلدة متجهاً إلى ذاك الفندق الذي تم حجزه. وبدور عمال الفندق قاموا بإيصاله إلى جناحه المحجوز بعد إنهاء إجراءات الحجز والإتمام عليها. دخل إلى ذلك الجناح بجسد منهك ومتعب أثر ساعات السفر. ألقى بحاله على الفراش لكي يعطي لجسده مهلة من الراحة لكي يستعيد نشاطه. وما إن وضع رأسه على التخت، حتى ذهب في سبات عميق جراء ساعات السفر المرهقة له.
وبعد مرور ثلاث ساعات من الراحة والاسترخاء، قام من نومه وأخذ حماماً دافئاً وتوضأ وقام بأداء فريضة العشاء. ثم ارتدي حلته الكاجوال وساعة يده ذات اللون الأسود المفضل لديه. ثم خرج من الجناح وبيده حقيبته الخاصة منتظراً في مطعم الفندق موعده مع صاحبة دار أزياء مشتركة في العرض السنوي وتعتبر المستورد الأساسي لدى المالك جروب.
وصل إلى المكان وجلس في ركن هادئ بعيداً عن الضوضاء. ثم طلب قهوته المعتادة وأمسك الهاتف وقام بإرسال رسالة لتلك السيدة بمكانه. وقام بفتح حاسوبه يراجع آخر ما وصل إليه من تصميمات. وبعد مرور حوالي خمس عشرة دقيقة، وصلت تلك السيدة وحددت مكانه لأنها تحفظ صورته عن ظهر قلب، فهي ملمة بجميع المصممين والمصممات، وخاصة المحترفين منهم في جميع أنحاء العالم، عدا ذاك المالك، فهي تحفه عن ظهر قلب.
وصلت إليه ورددت بابتسامة مشرقة:
_ مالك الجوهري، محتكر ماركة ريما ستور، صح ولا أنا غلطانة؟
رفع عينيه لأعلى كي يرى من صاحبة الصوت الأنثوي الذي يتحدث المصرية بطلاقة. وإذا به يتفاجأ بصاحبة العيون الفيروزية والبشرة الشقراء والوجه المستدير الذي تزينه الابتسامة الخلابة. إنها حقاً صاحبة الإطلالة الأجنبية في حيز الروح المصرية.
ابتسم وقام من مكانه ملقياً عليها التحية بكل تهذب، ومد يده قائلاً:
_ أهلاً بصاحبة التصميمات المميزة، وإللي كل سنة تصميماتها تكتسح العرض لأنها فعلاً مختلفة ومبهرة.
ذهب إلى مكان جلوسها ثم قام بإزاحة المقعد لكي تجلس في حركة منه تدل على مدى ذوقه في التعامل، مردداً بلطف:
_ اتفضلي يافندم.
جلست على المقعد بكل أريحية وشكرته بعينيها بامتنان على لطفه معها، واستمعت إلى سؤاله الذي ينم عن سرعة بديهيته في التعامل مع الأشخاص، مردداً:
_ بس إنتي بتتكلمي عربي كويس جداً، مع إنك مش من أصل عربي على ما أعتقد، وبالتحديد طريقة كلامك زي المصريين بالظبط.
أشار إليها بضحكة وإشارة برأسه علامة على صحة حديثها. واسترسلت حديثها بعينين تفيض حباً لمصر وأهلها:
_ شوف يا مستر، ولو تسمح لي أتعامل معاك بدون رسميات ملهاش لازمة.
أجابها بموافقة هاتفا بترحيب:
_ عادي جداً، خدي راحتك يا مدام جوليا.
أكملت حديثها بحب نابع لذكرياتها المحببة لقلبها عن أعظم بلد قامت بزيارتها العديد من المرات:
_ بابا كان دايماً ياخدني زيارة لمصر كل سنة وأنا طفلة صغيرة، ما تتصوروش الرحلة دي بالنسبة لي كانت من أحسن الرحلات إللي بابي كان بيطلعها لي في جميع أنحاء العالم. وكمان أنا واخدة كورس لغة عربية وكنت دايماً بتابع الدراما المصرية وبعشقها جداً، ولحد دلوقتي من أقرب الدراما لقلبي، وما يعديش عليا يوم إلا لازم أستمتع بفيلم أو مسلسل شدني، فبالتالي بعرف أتكلم مصري كويس وحافظة كتير من إفيهات المصريين اللي بجد funny.
علامات الاندهاش بدت على وجهه من حديثها الذي لم يكن بحسبانه. وحتى شكلها ككل لم يكن بحسبانه. فقد كان عالقاً في ذهنه ومتخيلاً أن صاحبة تلك الإمبراطورية العظيمة سيدة ذات سن أكبر من ذلك. ورد على حديثها بإعجاب:
_ قد كده بتحبي مصر والمصريين من لمعة عينك وإنتي بتحكي عن زياراتك ليها.
_ جداً، بحبها وبحب هواها وناسها وكل معالمها. جملة صادقة نطقتها تلك جوليا.
واسترسلت وهي تقوم بفتح حاسوبها:
_ نقدر بقى نبتدي شغل. إنت كنت قلت لي إنك عندك كذا تصميم مختلفين جداً ومبهرين، ممكن أشوفهم؟
قام بفتح الملف لتلك التصميمات ووجه الشاشة إليها مردداً بموافقة:
_ اتفضلي وعايز رأيك فيهم بكل صراحة.
ما إن رأت التصميمات وجالت بها بأعينها مدققة النظر بها والتي لفتت انتباهها ببراعة، حتى ظهرت علامات الانبهار بتلك التصميمات هاتفة:
_ oh my good, it’s wonderful. إزاي التصميمات دي ما تعرضهاش في الأتيليه السنوي وتحتكرها جوه مصر بس؟ وخاصة إن الماركة دي بالذات رقيقة في تصاميمها وكمان فيها ميزة من تصاميم الشرق والغرب مع بعض.
تحمحم كي ينظف حنجرته وتحدث بملامح جادة لملامح وجه متعجبة ارتسمت رغماً عنه حين ألقى على مسامعه ذاك السؤال:
_ شوفي إنتي إعجابك الشديد بالتصميمات دي وإنها شدتك جداً وخلاكي منبهرة بيها خلاكي تتعجبي إزاي. إحنا بقى كفريق عمل بنتعامل في التصاميم دي مع مجهول، كل إللي يجمعنا بيه رقم تليفون وإيميلات بس.
واسترسل حديثه بتعجب عن حالة مالكة التصميمات:
_ تصوري إنها رافضة رفض قاطع إنها تظهر للعلن وإن الناس تعرفها أو إحنا حتى نعرفها!
بدت علامات الدهشة على وجهها من سمعته أذناها للتو وتحدثت باندهاش واستفسار:
_ إزاي كلامك ده يا مستر مالك! واحدة زي دي ماركتها مسمعة في الشرق الأوسط كله ومحدش يعرفها.
واستطردت حديثها بتساؤل:
_ طيب ليه ما اديتوهاش مكانتها اللي تستحقها وعرضتوا عليها عروض مغرية وتخلوها تظهر للعلن؟ صدقني لو عملت كده مؤسسة المالك فاشون هتعلى جداً.
بانت علامات الأسف على وجهه وقام بوضع الكوب من يديه وشبك كلتيهما بالأخرى معرباً بتأثر:
_ تفتكري إننا معملناش كل الكلام ده يا مدام! إحنا حاولنا كتير جداً وهي رافضة ومن غير ما تقولنا أسبابها خالص.
_ طيب مش خايفين يجي يوم وتختفي وساعتها مؤسسة المالك إللي أكتر تصميماتها قايمة على ريما ستور تنهار!
جملة تعجبية نطقتها بناءً على استغرابها الشديد لحالة صاحبه التصميم الغريبة التي لم ترَ مثلها من قبل.
تنهد مالك بثقل حينما ذكرته بالذي لم ينساه من الأصل، فهو خائف جداً من تلك النقطة بالتحديد.
ويحاول دائمًا البحث عن ماركة تشبه ماركة ريما ستور، لكنه بالطبع لم يجد ولم يسعفه الحظ إلى الآن في تلك المسألة بالتحديد.
وفي كل مرة ينفض تلك الفكرة عن باله، معللاً بأن الخالق الذي رزقهم لن ينساهم ولن يضرهم أبدًا.
وتابع حديثه معها مرددًا باقتناع:
_ والله أنا لحد آخر نفس في عمري هفضل وراها لحد ما توافق، لازم الواحد لما يلاقي مجتهد وشاطر في شغله يتمسك بيه وميسيبهوش، وعلشان كده هفضل أسعى لحد ما تلين.
ثم تابعا حديثهما عن عرض الأزياء الذي سيقام بعد أسبوع، بمناقشة تنم عن مدى اهتمامهم الشديد بذلك العرض.
وأعطته بطاقة دعوية لذلك الحفل ودعته للحضور، وأخذت منه موعدًا آخر لكي يتبادلوا التصميمات وإكمال بقية أعمالهم، وكل منهما معجب بنمطية تفكير الآخر ونجاحه.
***
في منزل باهر الجمال، حيث تُنصّب المحكمة التي أعدوها لتلك المسكينة التي لا حول لها ولا قوة، مُسنّين سيوفهم عليها بدون رحمة لقلبها المتألم على فراق زوجها الحبيب.
كادت هند أن تموت رعبًا من حديث ريم، ولكن أثلج صدرها رد تلك العبير بقسوة:
_ أيون، قولي أي كلام علشان تشوشي على عملتك السودا وتطلعي نفسك الملاك البريء اللي مبيغلطش، وإنتي السبب في موت ابني وقهرته.
واسترسلت وهي تبكي دموعًا غزيرة انسدلت من مقلتيها مرددة بدعاء:
_ منك لله وحسبي الله ونعم الوكيل فيكي.
عمري ما هسامحك ليوم الدين على كسرتك لقلب ابني بقوتك وجبروتك.
فتحت ريم عينيها على وسعهما واهتز جسدها منتفضًا بهلع حينما سمعت دعاء أم زوجها الراحل عليها، مرددة وهي تنزل تحت قدميها تطلب منها السماح عن ذنب لم ترتكبه:
_ والله العظيم يا أمي، أنا عمري ما قهرت باهر ولا كنت مسببة له قلق ولا كنت بنكد عليه.
يعلم ربنا إني بحبه حب كبير، وطول حياتي اللي عشتها معاه في البيت ده وأنا أتمنى له الرضا.
وهو كمان عمره ما زعلني، كنا زي النسمة مع بعض.
بس بتحصل مشاكل زي ما بيحصل ما بين أي زوجين، ويشاء القدر إن تحصل مشكلة في اليوم اللي ربنا كتب عليه الفراق ويروح لوجه رب كريم.
واسترسلت وهي تقف تواليهم ظهرها وتضع يدها على فمها تكتم شهقاتها التي تعلو شيئًا فشيئًا من شدة تأثرها، هاتفة بذعر:
_ ليه بتعملوا فيا كده ومصممين تشيلوني الذنب؟
ليه مصرين تخلوني أتعذب وأنهار على فكرة إني السبب في موته وتدمروني أنا وولادي.
ثم انهارت في البكاء بطريقة تدمي لها القلوب، ولكن مع هؤلاء القاسية قلوبهم لم يجدي نفعًا ولم يتأثروا ببكائها ولو ببنت شفة.
ثم استمعوا إلى صوت تصفيق زاهر أخيه، مرددًا باستهزاء على حال تلك المسكينة:
_ برافو برافو، بتعرفي تمثلي كمان أهو علشان خاطر تصعبي علينا، وإنتي في الحقيقة كنتي السبب في موت أخويا الوحيد.
واسترسل حديثه بوعيد وتهديد:
_ شوفي بقى يا اللي كنتي مرات أخويا الله يرحمه، اللي عدى على وفاته شهر ونص، باقي لك من العدة تلت أشهر.
اعملي حسابك بعد انتهاء العدة المأذون هيجي وهينكتب كتابنا.
وعلى فكرة ما عندكيش أي طريقة ترفضي بيها، لأنك مش هتخرجي من البيت ده، واللي إنتي كان نفسك فيه عمره ما هيحصل، وهخليكي تبطلي التصميم ده خالص اللي بسببه قهرتي أخويا وموتيه.
نزلت تلك الكلمات على هند كالصاعقة التي عصفت بمخالبها التي كانت تربيها لأجل تلك اللحظة، وتحدثت بهجوم قبل أن تستوعب ريم ما نزل على سمعها:
_ كلام إيه اللي انت بتقوله ده يا أبو البنات يا جوزي؟ ولا عامل لي أي اعتبار؟ بتطلب إيديها وأنا واقفة ولا همك أي حاجة، اعمل حسابك وجودي في البيت ده كوم ووجود البت دي كوم، ومش هيحصل طول ما أنا عايشة على وش الدنيا.
نظر إليها زاهر نظرة أرعبتها، ولكنها لم توضح ذلك وأجابها بوعيد:
_ إنتي بالذات تخرسي ومش عايز أسمع صوتك تاني، ده إنتي لسه حسابك تقيل معايا.
واسترسل حديثه بتقليل من شأنها:
_ اتفضلي اطلعي على فوق، ليا كلام معاكي ومع أبوكي اللي هبعته يجي لي حالا علشان يبقى الكلام على نور، اتفضلي.
قال كلمته الأخيرة وهو يشير بكف يديه نحو الباب بصوت عالٍ، مما جعلها تنتفض وتهرول إلى الخارج على عجالة.
أما ريم استجمعت قواها وقامت من مكانها مرددة وهي تتجه نحو الباب بكلمتين فقط:
_ على جثتي، ده في أحلامكم المريضة.
وعلى فكرة، وقفتي قدامكم وتوسلي ليكم ودفاعي عن نفسي مش ضعف مني، لأ ولا إني خايفة منكم.
واسترسلت توضيحها برأس مرفوعة:
_ مش ريم المالكي اللي تسمح لحد أيًا كان مين يؤمرها ويتحكم فيها أو يفرض عليها حاجة هي مش عايزاها.
ومن الآخر، جواز منك مش هتجوز، ولو اتهدت الدنيا فوق دماغي.
وكادت أن تخرج إلا أنه نزل على مسامعها بكلمات متتالية جعلتها فتحت عينيها على وسعهما من الصدمة وعادت إلى الداخل مرة أخرى، هاتفا ذاك الزاهر...
***
في منزل راندا المالكي في نفس تلك الليلة.
كانت تصعد سيارة والدها متجهين إلى المطار.
فكانت تجاوره في المقعد الأمامي والدتها.
وفي المقعد الخلفي تجلس هي وأبناؤها.
فتحدث جميل لأحفاده مرددًا بحزن:
_ والله هتوحشوا جدكم يا حبايب جدوا طول الشهرين دول.
حزنت راندا لأجل فراق والديها كعادة كل سفر لزوجها كل عام، مرددة بمواساة لحالها قبل أبيها:
_ والله يا بابا أنا نفسي ولا أروح ولا أجي.
نفسي نكون كلنا مع بعض في مكان واحد ومتفرقناش الظروف أبدًا، بس هنعمل إيه، أدي الله وأدي حكمته.
تنهد والدها بثقل من حديثها الدائم عند فراقها ككل مرة، قائلاً بنصح وإرشاد:
_ كل سنة أقول لك يا بنتي كفاية كده غربة على جوزك وخليه يرجع تكملوا بقية حياتكم وتلحقوا حبة من شبابكم، وإنتي مصره إن هو يفضل هناك، مع إنه كل مرة بيجي فيها بيبقى ناوي إنه ما يرجعش وإنتي اللي تصممي إنه يرجع.
واستطرد حديثه بإبانة:
_ أنا أبوكي وأفهم أكتر منك في الدنيا، وبقول لك إنما للصبر حدود، الفلوس مش كل حاجة، ووجود جوزك في وسطك إنتِ وولادك بالدنيا واللي فيها، وأديكم اتربيتوا تربية كويسة ونضيفة من غير ما أتغرب وأسيبكم.
ابتسمت لحديث والدها الذي دائمًا باله مشغول عليها وعلى حالها وحزين على حياتها، بالرغم من عدم شكواها من سفر زوجها ولو لمرة واحدة، وأجابته باطمئنان:
_ ما تقلقش علينا يا بابا، أنا وإيهاب كويسين جدًا مع بعض ومتفقين على حياتنا، وهو عمره ما اشتكى من الغربة، هو كمان زيي حابب يأمن مستقبل الولاد.
ده دايما بيقول لي وبيشفق عليا إني بتعب مع الأولاد، وخلاص كلها كذا سنة ويرجع بعد ما نكون أمنا مستقبل الولاد.
ابتسم ثم تنهد وتحدث عما يضيق بصدرها ومابات يؤرق روحها مؤخرًا:
_ جوزك لمح لي كذا مرة إني نفسه يبقى في وسط ولاده وبيته من كذا سنة، لكن شايف إنك كده مرتاحة وراضية، وقال لي طالما هي راضية ومرتاحة أنا مش عايز أكتر من كده.
معنى كلامه ده يا بنتي إنه مش عارف يعيش في الغربة وعايز يجي وسط ولاده وبيته، وإنتي اللي مش فارق معاكي.
عمومًا، أنا ياما نصحتك وبنصحك وهفضل أنصحك، كفاية كده من العمر بعزقة ولمي اللي باقي من حياتك وعيلتك وهاتي جوزك في إيدك وإنتي راجعة، العمر مش مضمون يا بنتي، كتير كانوا زيه والغربة أخدت شبابهم، وفي الآخر رجعوا بأمراض الدنيا ومتهنوش بالفلوس اللي اتغربوا علشانها.
انتفض قلبها لحديث والدها ولأول مرة تشعر بمدى صحته ووعدته أنها ستفكر جيدًا في ذلك الموضوع في تلك المرة بالتحديد، ثم تحدثت والدتها إلى أحفادها مرددة بدعوات:
_ خلوا بالكم من والدتكم في المطار، وخلي بالكم من نفسكم يا أولاد، وأول ما توصلوا طمنوني على طول، علشان أنا عارفة إن أمكم أول ما تشوف أبوكم هتنسى أهلها وأمها وأبوها والدنيا واللي فيها.
ابتسموا جميعًا على تلك السيدة التي لم تترك فرصة وتؤنب الجميع بتقصيرهم، وردد مهاب بطمأنة لجدته:
_ ما تقلقيش يا تيته، أول ما نوصل هتلاقي مني فيديو كول لينا كلنا، وده وعد من مهاب الراجل اللي مش هيرجع فيه أبدًا، وإنتي عارفة.
قال كلماته الأخيرة وهو يستعرض نفسه بشجاعة على سبيل الدعابة، مما أدخل في صدورهم جميعًا الطمأنينة والسعادة.
فهو دائمًا يخلق الابتسامة لكل من حوله بفكاهته المقبولة والتي تخرج بتلقائية منه دون تصنع.
وأكملوا باقي حديثهم أثناء سيرهم إلى المطار حتى وصلوا وهبطوا جميعًا، كل منهم يعرف مهمته.
بعد نصف ساعة من إنهاء الإجراءات، ودعت راندا وأبناؤها والديها بدموع كالعادة، وصعدوا إلى الطائرة بقلب شغوف مستعدين للقاء الحبيب من العام للعام في مفاجأة منهم لذلك الأب الحنون والزوج الراقي.
بعد عدة ساعات وصلوا فيها إلى المكان المنشود، وبالتحديد تحت مسكن والدهم، صعدوا في هدوء تام لكي يفاجئوه، فقد علمت راندا أنه بالبيت بذكاء منها عبر رسائل الواتساب.
دخلوا المنزل بقلب يأن لرؤية حبيبهم، وصعدوا درجات السلم بحذر كي يعطوا للمفاجأة روعتها.
وعندما وصلوا إذا بهم يشاهدون أبيهم في حالة يرثى لها، ناطقين بصدمة وهم يضعون أيديهم على أفواههم:
_ بابا!
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل العاشر 10 - بقلم فاطيما يوسف
في نسمات الليل حيث الناس نيام نلقي أناسًا تتضرع إلى خالقها ابتغي عرض حسنة، وأناسًا أخرى تلهو وتضيع في معصية الخالق عز وجل، وأناسًا بات همهم أن يستيقظوا مبكرًا لأشغالهم الشاقة، وششتان ما بين ذالك وهؤلاء، تبدو الحياة صراعًا شديدًا بين الليل والنهار.
وفي ليلة من تلك الليالي حدث ما لا يحمد عقباه ولا يخطر على بال راندا وأبنائها، حيث رأوا بأم أعينهم مشهدًا زلزل كيانهم وقطع أرواحهم.
ومنذ أن رأوه وكأن الطير أكل رؤوسهم من شدة الصدمة.
فتحدثت سما باندهاش واستنكار مرددة لأبيها بعتاب محب أنكر من حبيبه فعلة شنعاء كتلك نزلت على قلوبهم وأصابتها الرعشة جراء قلبهم البريء:
_ ممكن تفهمنا يابابا إيه اللي بيحصل بالظبط هنا؟
خرج ذاك السؤال من بين شفاها المرتعشة مما رأوا.
وأتبعها مهاب بسؤال آخر مرددًا بتعجب لما وصل من رؤية ذالك المشهد إلى قلبه وتيقن أن الأيام القادمة ستمر عليهم حربًا لا يفوز فيها أعتى الرجال:
_ اتكلم يا بابا وفهمنا اللي إحنا شايفينه ده إيه، ويارب ما يطلع اللي في بالي.
كل ذلك وراندا وإيهاب، كل منهم نظرته تختلف عن نظرة الآخر.
أما هو فكان ينظر لها مطأطأ بخذلان ولا يقوى على مواجهتها، وكان فقط ينظر إلى تشتت جسدها، حائرة، مصدومة، غير مصدقة وتكاد تكذب أعينها، وجسدها أصبح كالنار المشتعلة التي تحمي في بدايتها ولم تنطلق شرارتها إلى الآن، ولكنها ما إن تكونت لهيبها بفضل ما وضع فيها من عامل أقوى من البنزين، حتى انطلقت مسرعة إليه قابضة بتلابيب قميصه وهي تهزه بعنف ودموعها انسدلت من مقلتيها بدون إرادة منها أو قدرة في التحكم على عدم نزولها وهي تهتف بكلمتين فقط مع هزتها بعنف لجسده:
_ ليه يا إيهاب ليه!
ليه ليه ليه...
وتركته وذهبت إلى المنضدة الموضوعة وقامت بقلبها بكل ما عليها من شموع مضاءة وأكلات شهية وسكبت محتوياتها أرضًا بحدة بالغة وهي تردد:
_ لاااااااااا مش مصدقة والله إنك تخوني وتجرحني وتعمل فيا كده.
ثم أسرعت إلى ابنها وقبضت على معصمه بيد ترتعش وسألته بتيهة:
_ قولي يا مهاب يابني إني بحلم وإن اللي عيني شافته ده كذب.
قولي لي يا ماما إحنا لسه موصلناش عشان نعمل لبابا مفاجأة وإني بحلم بكابوس وأكيد هفوق منه.
وبدوره احتضنها ولدها وهو يهدهد على ظهرها بحنان ممزوج بالرعب من حالة والدته.
وهدأها بكلمات خرجت من بين أسنانه بتوتر من هول الموقف:
_ اهدي يا حبيبتي وإن شاء الله خير، اهدي يا أمي.
أما عن سما، تلك الطفلة الرقيقة التي رأت مشهدًا جعلها تكبر أعوامًا عن سنها، تقف كالشريدة الضائعة من تطلع عقلها على حالهم وهم على مشارف المستقبل الضائع.
وهي تبكي بغزارة وتحتضن حالها وهي تعيد رؤية ذلك المشهد مرارًا وتكرارًا منذ وصولهم.
وكل تلك الأحاسيس والمشاعر التي تبدلت من فرحة شديدة إلى انتكاسة حزن وأسى رهيبة فقط في بضع لحظات من وصولهم إلى مكان أبيهم.
حيث رأوا منذ دخولهم أبيهم يحتضن سيدة ويتراقص معها رقصتهم الرومانسية ومتناسين العالم من حولهم من سحر اللحظة، وتلك المرأة ترتدي فستانًا مكشوفًا لا ترتديه أي امرأة إلا لزوجها.
وحولهم الشموع مضاءة، والأدهى ما رأوه مكتوبًا على قطعة الحلوى الموضوعة على المنضدة المقلوبة حاليًا، حيث كان مشيدًا بحروف من لون الذهب:
_ كل سنة وانتي معايا يا أجمل فيروز.
كل سنة وعيد جواز وإنتي حبيبتي وفي حضني.
كل سنة ودايمًا مع بعض ومنفارقش بعض أبدًا.
عشت معاكي خمس سنين وكأني في الجنة.
منذ أن وصلوا وأعينهم الثلاثة مشطت المكان وما يحويه من كوارث لعقولهم.
أما هي فرددت وهي في أحضان ابنها بلهيب قلب احترق:
_ اتجوزت عليا يا إيهاب!
اتجوزت عليا يا أبو ولادي!
اتجوزت عليا يا عشرة عمري وحب حياتي!
اتجوزت عليا أنا على راندا المالكي!
وانطلقت الدموع لبكاء وشهقات عالية أدمتهم جميعًا، حتى تلك فيروز التي تقف في موقف مهيب لو كان عقلها استجمعه آلاف المرات ما كان وصل بتلك الهالة والهول.
انطلق إليها إيهاب وهو يسحبها من داخل أحضان ابنها ويدخلها داخل أحضانه برعب وخوف من القادم مرددًا وهو يهدئها بكلمات خرجت من بين أسنانه غير مرتبة:
_ اهدي يا راندا أرجوكي متعمليش في نفسك كده، دموعك بتموتوني وبيقطعوا فيا.
أرجوكي اهدي وأنا هشرح لك كل حاجة، ولازم تعرفي إن عمري ما حبيت ولا هحب ولا عشقت ولا هعشق غيرك يا عمري كله وأيامه اللي راحت واللي جاية.
استمعت تلك فيروز على اعترافاته التي خرجت من أعماق قلبه وأحستها بمدى صدقه.
نعم، فالإنسان لا تظهر حقيقته إلا وقت الغضب الشديد وما يتفوه به لسانه هو الحقيقة المؤكدة ولا غبار عليها.
وتألمت روحها وتوجع قلبها وبات موجوعًا يدق أبواب بداية الوجع عليه.
فكان مؤلمًا حقًا لها وهو في بداية وجعه، فماذا يكون إحساسه عندما تصل فقط إلى منتصفه؟
وماذا عن منتهاه؟
وعندما جال عقلها ووصل إلى منتهاه نطق قلبها:
_ يا إلهي إنه لموت بالحياة!
وتطلعت بالمستقبل إلى الأمام، والآن أدركت أن بداية الوجع بدأت وحروبه اندلعت وأصبحت الآن على مشارف الفقدان لحبيب الروح مرة أخرى.
وحدثت حالها بصراخ داخلي أرعب خارجها وجعلها تجلس منكمشة على حالها وهي تنظر إلى جلاديها بعيونهم الآكلة لها والتي تود أن تقتنص الفرصة ليمحوها من حياتهم وكأنها ارتكبت جرمًا ماله من محيص:
_ يا إلهي كان في أحضاني الآن يعترف لي بأنه أحبني وعشقني وأنه يكن لي في قلبه محبة من أخمص رأسي إلى أسفل قدمي!
أحقا كان يلهو معي لكي ينسى تعب غربته؟
أحقا لم يحبني وكلماته التي يلقيها على مسامعي ليلًا ونهارًا كانت سرابًا؟
أحقا ذلك الانكسار والارتعاب الذي بدا على معالم وجهه من مجرد لحظات زادته همومًا أكبرت أعوامًا على عمره؟
يالها من رياح عاتية سوف تحرق في طريقها الأخضر واليابس.
وأكملت تلك فيروز حديثها الداخلي المنفرد مع حالها وهي تنظر إلى ذات العيون القوية والطلة البهية التي ظلمتها الصور والتي في حقيقتها تحلي القبيح، ولكن مع تلك راندا حقيقيًا ظلمتها في الوصف بتساؤل مريب:
_ كيف لي أن أواجه صاحبة تلك النظرات القوية وهي في أشد لحظات انكسارها ولكنها كنظرات الصقر الحادة!
كيف لي أن أقف وأصد الهجوم في تلك المعركة وأنا وحيدة ضعيفة مكسورة، وحتى الحب الذي كنت أستند عليه أصبح الآن في نظري أوهام.
كن معي يا الله، كفى ما جرى لي في السنين الماضية والانكسارات المتتالية.
ولكن بعد العاصفة الآتية لا أستطيع النهوض لكي أعود مرة أخرى وسأكتب نهاية سعادتي.
دفعت راندا يديه بقوة من عليها ونظرت إليه نظرة انتقام وتحدي وهي تجز على أسنانها من شدة تأثرها هاتفة بوعيد:
_ ابعد عني، أوعاك تفكر تلمسني تاني أو إنك هتطول مني حقوق أي زوج على زوجها من بعد اللحظة دي.
واسترسلت حديثها بتهديد حتمًا ستنفذه:
_ ورب اللي خلق الكون لهندمك على كل لحظة خيانة خنتها لي وأنا كنت فيها أم وأب وكيان كامل بيحافظ على كيان كامل.
وحياة من جمعنا من غير ميعاد لهبكيك بدل الدموع دم على كل لحظة جرحتني فيها وخنت العهد والوعد وأنا كنت باقية عليه.
اتقفلت لعبتك وهقلبها لجحيم اللي هخلي نار لهيبه أقوى من النار الحقيقة.
ثم أولته ظهرها وهي تنظر إلى أبنائها آمرة إياهم وهي تمسح دموعها بحدة بالغة مرددة وهي تشير ناحية الباب:
_ يلا يا مهاب، يلا يا سما قدامي على تحت، مش قادرة أقعد في المكان القذر ده أكتر من كده.
استجمع تفكيره بسرعة وعلى الفور اعترض طريقها ووقف أمامها وهو يردد برفض قاطع:
_ لو سمحتي اهدي يا راندا، إحنا هنا في الغربة والأولاد ما ذنبهمش حاجة في البهدلة دي، عايزين نقعد مع بعض ونتكلم بهدوء زي أي ناس متحضرين.
_ أقعد!
وناس متحضرين! جملة تهكمية ساخرة عقبت بها إليه عقب استماعها لما تفوه به.
واسترسلت حديثها باستهزاء وهي تنظر إليهم نظرات سخرية:
_ فين الناس المتحضرين دول اللي أنا هقعد معاهم؟
أنا مش شايفة قدامي غير ذئاب خطفت اللي مش من حقها وسرقته واتغذت بيه وملت قلبها وعقلها بأنه حقيقي ومن حقها.
مش شايفة قدامي غير مكان جرحي أنا.
مش شايفة قدامي غير مكان اندبحت فيه وبسكينة تلمة ومن مين؟ من اعز الناس.
واستطردت بنظرات عاصفة لو كانت حقيقية لأغرقت أمتن السفن:
_ لا المكان بقى مكاني ولا إللي فيه بقوا مني.
وهامشي ومش هرجع لو عملت إيه بالذي يا خاين.
فقد قوة تحمله من تعنتها وتفوه بعصبية وهو ينظر إلى تلك الضائعة آمراً إياها:
_ استني عندك، كفاية تهور بقى. لو مش عشان خاطر إحنا الاتنين يبقى عشان خاطر الأولاد. أهدي بقى من فضلك. أنا هاخدها وهامشي وهسيبك لما تهدي خالص وبعدين لينا كلام مع بعض.
يالا يا فيروز، البسي هدومك وروحي على شقتك دلوقتي ونتكلم بعدين.
أما هي، حينما استمعت إلى كلامه معها، بات داخلها يغلي غيرة عمياء ستنقلب إلى حقد سيحرقهما جميعاً.
ورأت أنها من الأفضل أن تقضي تلك الليلة المشؤومة والتي سجلت بها ميلاد جرحها الأول والأخير والأصعب في حياتها.
وستغادر تلك البلاد غداً بروح مكسورة مقهورة مجروحة.
وحدثت حالها وهي تحتضن روحها مرددة بآلام عبرت طريق حياتها وأخذت معها الآمال وهم نفس الكلمة في نفس الليلة فقط تبدلت الحروف:
_ سلام الله على الحب الذي ضاع وسط الأفاعي.
بات الظلام مكاني والحزن زماني وسهم الغدر رماني.
سلام الله على كياني من حرمانه من الأماني ودمع العين أعماني.
أما من أصابني بالخذلان وطعنني بخنجر مسموم فلا سلام الله عليه من أجل أحزاني.
في سيارة رحيم المالكي.
استمعوا إلى أوامرها بطاعة عمياء وفوراً زادوا من سرعتهم إلى أقصاها إلى أن وصلوا إلى سيارة رحيم، وبقي بضع سنتيمترات فقط على مهاجمتهم، إلا أنه زاد من سرعته بشدة كي لا يلحقوا به وعيونه تمشط الطريق يميناً ويساراً كي يجد مخرجاً من تلك الذئاب.
استمع إليها وهي ترشده بأمل عسى الله أن ينجيهم:
_ بص يا رحيم، هيقابلك دلوقتي كورنر شمال بيودي لشارع عمومي، ادخل منه على طول. هما هتلاقيهم مش عارفينه.
كان الباص اللي بنيجي منه لما يكون الطريق زحمة يدخل يعدي منه علشان نوصل بسرعة.
انتبه إلى إرشادها بتركيز وزاد من سرعته حتى وصلوا إلى الشارع الجانبي التي أدلت عليه، وبسرعة ماهرة عبر منه مما شتت انتباههم.
ولكن انطلقوا وراءه، ولكن لا يعلمون إلى متى سيؤدي هذا الطريق بهم، هم فقط يتبعونه كي ينفذوا المهمة كما أملت عليهم.
ولكن أفسدت خططهم عندما رأوا أنهم أصبحوا على الطريق العام، وليس فقط، بل وقف ذلك الرحيم أمام قسم الشرطة التابع لتلك المنطقة وهدأ من سرعته، بل قرر أن يقف ويأخذ هدنة أمام ذلك القسم وهم لن يجرؤوا أن يأتوا إليه، فهم يرون القسم محاطاً بعدد لا بأس به من الأمناء المسلحين.
ضغط ذلك الملاحق لهم على الزر الخاص بالسيارة بعنف وهو يلقي السباب اللاذع على ذلك التع الفارس الذي أنقذها من بين براثنهم.
مردداً بسباب:
_ آه يابن ال...
والله لهحطك في دماغي وماهسيبك بعد النهاردة.
استمعت تلك الشمطاء إلي سبابه وانطلقت بساببها الأخري مرددة إليهم بسخط:
_ اصل أنا مشغلة شوية بهايم معايا معرفوش يمسكوا حتة عيل. لا له في الطور ولا الطحين.
اعملوا حسابكم هبلغ الباشا الكبير اللي باعتهولي وهخليه يوريكم أيام أسود من قرن الخروب.
ضربوا كف بكف علي سبابها الذي أزعجهم كثيرا وهتفوا بما رأوه:
_ ما هو حضرتك، إحنا لو كنا لحقناه كنا عرفناه قيمته. لكن هو استخدم عقله وذكاؤه وشغلنا بن الأبالسة. وحود من شارع ومشي خطوات وجه وقف قدام القسم ومرضيش يمشي.
قبضت علي معصمها بقوة وعنفتهم بصوتها المملوء بالجبروت:
_ تصدقوا فعلا، النهاردة عرفت حقيقة المقولة اللي بتقول: "مش بالعضلات هتمشي".
المفروض كان الباشا بعتلي واحد عنده عقل مش تيران. جسمهم جسم إنسان، لكن عقلهم عقل حيوان.
وتابعت حديثها بأمر:
_ المهمة فشلت وقدر يروح من بين إيديكم. ارجع انت وهو لما أشوف هعمل إيه وهجيبه إزاي. ياللي منكم للقبر.
وأغلقت الهاتف بسخط ووحدة ونظرات غضب وأنفاس متلاحقة من فشلها في المهمة. بل قضية عمرها التي تحدت بها نفسها أن تدنس تلك البريئة كي تثبت لنفسها دائما أن تلك الحياة التي تعيشها على صواب، وأن الصح الوحيد هو ما تفعله، وأن الثوابت التي تحياها تلك المريم ما هي إلا شعارات كاذبة.
بل وصممت على أن التحدي بينهما ونشب المعركة ابتدأ من الآن. وحدثت حالها مرددة بانتشاء ناتج عن مرض نفسي داخلها:
_ إن ما خليتك تقولي ياريت اللي جرى ما كان، يا مريم، مبقاش أنا.
وبدل ما كنت هشغلك بالحكمة والهوان، هبيعك زي ما بتتباع الجواري وأقبض تمنك ملايين أوزعها على الغلابة، يا ست الشريفة.
ثم ذهبت إلي مديرة الدار مرددة إليها بخبث وهي تلقي على مسامعها الشر كما وساوس الشيطان بالمثل، وهي تدعي التأثر والفجأة لما حدث:
_ إيه اللي حصل ده يا مدام؟
أنا بجد مش مصدقة نفسي إن مريم دي تعمل كده وهي عاملة نفسها زي القطة المغمضة.
وإللي شفناه في الفيديو، ولا كأنها من بنات الليل. دي طلعت مؤسسة.
كانت الأخرى تجوب المكان ذهابا وإيابا وهي تضغط بكفوف يديها على بعضهم بغضب وتحدثت باستغراب مغلف بالوعيد:
_ أنا مش مصدقة والله العظيم إن مريم دي تعمل كده. دي كانت زي القطة المغمضة بالظبط. أنا مش عارفة إيه اللي وصلها للحالة دي.
وتابعت حديثها بوعيد:
_ بس مبقاش اعتماد ولا أستحق وجودي في المكان ده. لا هجيبها وهبعتها على الأحداث وهخليهم يورّوها النجوم في عز الظهر هناك. وهي كده اللي دمرت نفسها بنفسها وخسرت مستقبلها.
انخلع قلب الأخرى ما إن ذكرت الأحداث، والتي إن وصلت إلى غريمتها، لم تعرف تنتقم منها ولا أن تستفيد منها بشيء سوى تعذيبها هناك في تلك الأحداث.
ولكنها عازمة أمرها على أن تشوهها كليا ولن تسمح للأحداث أن تصل إليها قبل أن تصل يديها هي إليها.
وأخرجت من حقيبتها دفتر الأموال الخاص بها وسطرت مبلغا داخل تلك الورقة وأعطته لتلك المديرة وهي تلقي على مسامعها نصحا وتوهمها بأنها خطأ، بل لن تخرج من تلك الدار إلا وهي أقنعتها بما تفكر به:
_ أولا، الشيك ده مني تبرع للدار. إنتِ عارفة أنا بحب أعمل العمل الخيري ده كل شهر وبعتبره صدقة عن صحتي.
ثانيا، عايزة أنصحك نصيحة من واحدة الدنيا علمتها كويس قوي.
أوعاكي تطلبي الأحداثيات لمريم وتسوأي سمعة الدار وتبقي بين المديرات صاحباتك التانيين أقل منهم في فضيحة زي دي. هتسببيها للدار.
انخلع قلب تلك المديرة من الذي ألقته تلك الماكرة على مسامعها، فهي من أهم أولوياتها منظرها العام، والتي لم ولن تسمح أن ينهار، وخاصة بين صديقاتها، والتي دائما ما تتعالى عليهم بأنها ذات الخبرة والعقل السليم الأول بينهم.
مما كان يشجعها أخذ الدار شهادة الجودة من الدرجة الأولى عن تلك الدور الأخرى كل عام.
وتساءلت لتلك الماكرة بتشوش:
_ طيب أعمل إيه؟ كله إلا إن شهادة الجودة تضيع مني.
أو سمعة الدار تتلوث. دبريني إنتي زي أختي برده.
ما إن استمعت تلك الشمطاء إلى كلمات تلك العجوز الرقطاء وهي تنعتها بأختها، حتى رددت في عقلها باستنكار:
_ زي أختك يابومة ياللي عزرائيل مش واخد باله منك. ياللي بينك وبين القبر زحفة نملة.
أسفوخس على ده زمن اللي موقفني معاكي.
ثم استفاقت من حديث عقلها على كلمات تلك المديرة وهي تعيد السؤال على مسامعها مرة أخرى هاتفة بتضليل:
_ شوفي إنتي تكذبي إن اللي في الفيديو دي مريم. وهعمل معاكي خدمة معتبرة بس سر ما بيني وما بينك. هبعتلك مهندس إلكترونيات إنما إيه جبااااار. هيثبتلك إن الفيديو متفبرك وتقدري تاخدي كلامه في التحقيق اللي هيتم، وبالتالي تبرايها من التهمة دي قدام الناس.
وأكملت بتخطيط شياطين وهي تواليها ظهرها وترتسم ابتسامة خبيثة بجانب فمها مرددة بمكر:
_ وكل الكلام ده ما يخرجش من مجلس التحقيق. وأديكي خلصتي من عيلة كانت واجعة دماغك، ولا تشغلي بالك بيها.
بس ليا خدمة عندك.
نالت تلك الفكرة استحسانها وأعجبت بتلك العقلية التي طرحتها وأجابتها بطاعة:
_ اؤمريني يا ميوشة يا سكر إنتي.
ده إنتي عليكي دماغ تتلف في حرير.
سارت خطوات بسيطة ووقفت أمام حوض مزروع بالورد، وبدون مراعاة حق النبات وحرمته، اقتطفت زهرة لم تكتمل براعمها بقسوة وهي تشير إليها:
_ البنت دي لو جت هنا تاني، ابعتيلي وسايسيها وهاتيها على حجرك وابعتيلي وأنا هتصرف في الباقي من غير ما يصيبك أي شوشرة نهائي. وده وعد مني.
ومقابل كده ليكي مني هدية معتبرة خارج تبرعات الدار نهائي.
تهلل قلب تلك الشريفة طمعا وأجابتها بموافقة على طلبها تحت ابتهاج قلبها من تخيلها للهدية.
فركت بيدها الزهرة بكل جبروت بعد أن اشتمت عطرها، وكأنها تشبه فعلتها في الزهرة بما تنتويه مع تلك اليتيمة.
انتهى الحوار بينهما، وأخذت حقيبتها وخرجت بهزيمة لأول مرة في معركة دخلتها، ولكن توعدت في سريرتها بأن القادمة هي القاضية ولن تتنازل عن وحلها في وكرها المغروسة به.
ولكن هل ستستطيع أم للقدر رأي آخر؟ فلنرى في رحلتنا القصيرة تلك ما الذي يخبئه الزمن لصاحبتي القلبين الخبيث والطيب.
في مكان آخر، وبالتحديد أمام قسم الشرطة في سيارة رحيم، الذي تحدث إلى تلك الحبيبة، والذي تأكد من عشقه الوليد لها حين روع قلبه عليها في هذه الليلة التي لم تمض بعد، قائلا بتساؤل بعد أن هدأت قليلا، ولكن سكوتها آلمه:
_ مالك يا مريم؟ إحنا بقينا بخير الحمد لله.
_ تعبت وحاسة إني عايزة أموت وأفارق الدنيا... جملة انهزامية عقبت بها إثر سؤاله لأنها تشعر بإنهاك قلبها.
أجابها بأريحية:
_ حطي الدنيا ورا ضهرك وكملي، وإنتي متأكدة إن الرضا بالمقسوم عبادة.
حاولت أن تطمئن روحها، ولكن الهموم تلاحقها من كل صوب وحدب، وتحدثت بثقل من الهموم:
_ كل لما أحاول أحطها ورا ضهري ألاقيها بتلاحقني لحد ما حسيت إن ضهري اتقسم.
وكل مرة الرضا اللي بتتكلم عنه هو اللي بيقويني وأرجع أفتكر حاجات بسيطة من الحلو اللي مشفتهوش في حياتي وأقوم وأنسى.
وتيجي بعدها الدنيا ترازيني باللي فوق طاقتي.
ابتسم لكي يعطيها أمل وردد:
_ وبتلاقي ربك لما يجور زمانك عليكي يبعتلك نفحة الرحمة اللي بتطبطب على قلبك وتقويكي.
نظرت له وابتسمت برضا حين علمت مقصد كلماته، وتحدثت بدون قصد بكلمات خرجت من فمها تلقائية:
_ وتبقي أنت نفحة الرحمة اللي ربنا بعتهالي علشان تطبطب على روحي وتداوي جروحي المرة دي.
وفي نفس لحظة الأمل والإبتسامة تابعت حديثها بوجع:
_ بس ياترى هتبقي زي نسمة الهوا اللي بتيجي ترطب على روحنا في يوم شديد الحرارة وبعد كده تستكين وتمشي واحدة واحدة وتسيبني لأمواج الهوى توديني وتجيبني على كيفها.
ما إن رأى غشاوة الدموع تلمع داخل تلك العيون ذات اللون السماوي، حتى ردد وهو يتعمق نظرا داخلها:
_ متقلقيش، مش هسيبك. إنتي بقيتي قدري.
ثم تذكر شيئا ما جعله ابتسم تلقائيا واسترسل حديثه بغمزة:
_ بس تصدقي، وسط المعمعة اللي كنا فيها وكنا على مشارف الموت، إلا أنك نقطتي اسمي طالع من بين شفافيك بدون ألقاب، كأنه سيمفونية رائعة معزوفة بأجمل الألحان.
كان يداعب روحها المنهكة بتلك الكلمات التي انطلقت من فمه مقصودة، وكأن مشارف الاعتراف بالعشق الجارف اقتربت.
في منزل باهر الجمال، حيث ما زالت تلك المحاكمة مرفوعة على تلك المسكينة ريم.
وكادت أن تخرج إلا أنه نزل على مسامعها بكلمات متتالية جعلتها فتحت عينيها على وسعها من الصدمة وعادت إلى الداخل مرة أخرى، هاتفا ذلك الزاهر بتهديد:
_ طيب اعملي حسابك إن اللي أنا قلتلك عليها هيتنفذ. كتب كتابي عليكي هيبقي بعد انتهاء عدتك. مش هتخرجي بره حيطان البيت ده، يا إما مالكيش ولا جنيه عندي. ولاد أخويا هاخدهم منك وهرفع عليكي قضية إن انتي السبب في موت أبوهم وهشردك في المحاكم وهاخد منك حضانة الأولاد وهبقى الواصي عليهم. ويانا يا انتي يا الزمن طويل.
لو امرأة غيرها وفي موقفها استمعت إلى تلك التهديدات، لهوى قلبها بين قدميها رعبا من تهديدات مكشوف الوجه ذاك.
ولكن هذه ريم التي تحدث الشاعر أحمد شوقي عنها وعن خوضه الحروب لأجلها في بيت الشعر المشهور في ديوانه "نهج البردة" والذي بدأه بالغزل لمحبوبته ريم ثم انتقل في نفس القصيدة التي تصل أبياتها إلى مائة وتسعين بيتا.
إلى مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وتلك عادة الشعراء في ذاك العصر.
ريمُ، على القاعِ بينَ البانِ والعَلَمِ
أحَلَّ سَفْكَ دَمي في الأشْهُرِ الحُرُمِ
رَمى القَضاءُ بِعَيْني جُؤْذَرَ أَسَداً
يا ساكِنَ القاعِ أَدْرِكْ ساكِنَ الأَجَمِ
لمّا رأى حَدَثَتْني النَّفْسُ قائِلَةً:
يا ويحَ جَنْبِكَ بالسَّهْمِ المُصِيبِ رَمي
جَحَدْتُها وكَتَمْتُ السَّهْمَ في كَبِدي
جُرْحُ الأَحِبَّةِ عِنْدي غَيْرُ ذي أَلَمِ.
فريم الذي وصفها الشاعر هنا في تلك الأبيات كـ ريم الجمال، فهي تظهر بوجه بريء مبتعد عن أي مشاكل، يكفي خيره شره دائما. لكن إذا اقترب أحد من أمانها ومأمنها، ستسن السيوف وتقف كأقوى المحاربين، مدافع عن كينونتها، ولم تخشى في حقها لومة لائم أبدا. ورفعت قامتها وردت بكل شموخ وكبرياء:
_ والله أنت مفكر إن تهديدك ده هيأثر فيا ولا هي هز لي شعرة واحدة من راسي. أنا ريم المالكي اللي تشم إيديها تشبع. مش حابة فلوس هم اللي هيقعدوني في عصمة جبروت زيك. حتى لو كانوا ورث ولادي ومن حقي أمسك فيه بإيدي وأسناني. لكن لو هيتعارض مع عبوديتي معاكم هنا ويخليني أبادل باهر الجمال بيك، يبقى بتحلم.
اندلعت ثورات الشر من كلامها داخله، وليس فقط من الكلام بل من قوتها، والتي يراها لأول مرة منذ أن وطأت قدميها هذا البيت. لم يعهدها إلا بريئة مسالمة، ولكن اليوم عهدها شرسة قوية. ولكن لم يستسلم، فالحرب ابتدأت والبقاء للأقوى. ولن ينسى موت أخيه قهرا على يدها. وردد وهو يقترب منها ويقف أمامها وينظر لوجهها بعيون حادة مرددا:
_ قابلي بقى واستعدي علشان هخليكي تيجي راكعة وتطلبي السماح على اللي هعمله فيكي يا بنت أبوكي.
لا تنكر أنها انتفض داخلها وارتعب كيانها، ولكن سرعان ما تملكت من حالها وتحدثت بثبات بدا له أنها أكثر شراسة:
_ لما نشوف هتاخد ولادي من حضني إزاي، أو هتقدر تيجي ناحيتي إزاي.
وبالنسبة للورث، أنا مش فقيرة ولا قليلة إني أقدر أعيش ولادي في مستوى طول عمرهم متعودين عليه. لكن برده حق أولادي مش هسيبه لك. وحط في بالك الجواز مش هتجوزك لو انطبقت السما على الأرض. وولادي خط أحمر.
قبضت والدة زوجها على معصمها بقوة وعنفتها بصوتها المملوء بالجبروت:
_ انتي إيه يا بت القوة اللي فيكي دي. ده اللي اختشوا ماتوا صحيح. وصدق المثل اللي قال: "تقتل القتيل وتمشي في جنازته".
إحنا بقى نجيب أبوكي اللي رباكي ونعرفه إزاي تردي على أهل البيت اللي عايشة في حماهم. ونعرفه القصة وما فيها علشان يعرف الست هانم تربية البرنسيسة فريدة ودت ابني لفين بجبروتها. ومش بس هم اللي يعرفوا، ده إسكندرية بحالها كمان. وتبقى بقى هيصة ونلم اللمة تتفرج على اللي قتلت جوزها.
ولا تجيبيها من قصيرها أحسن ومتجرسيش نفسك وولادك اللي هيكبروا والكل بيردد إن أمهم كانت السبب في موت أبوهم.
واستطردت تمدد ملامحها بضحكة هادئة ثم همست في مسامعها بصوت هدر:
_ علشان مش هسيب ولاد ابني يخرجوا برة البيت ده ولا يتربوا بعيد عن حضني.
انتفضت عينيها بحدة وهي تطالع تلك السيدة التي لا تختلف شراسة عن ابنها. وهدأت من روعها حين جال الخوف وصال داخلها من الفضيحة التي سيضعونها داخلها. وسحبت حالها وصعدت إلى الأعلى صافعة الباب خلفها بملامح وجه مكفهرة ومرتعبة.
في إيطاليا، وبالتحديد في مركز أشهر أطباء المسالك البولية، حيث يجلس مالك الجوهري يحكي معاناة رحلة علاجه لذلك الطبيب، حيث أشاد بتفصيل:
_ أنا اتجوزت تقريبا خمس سنين بالظبط. وفي الخمس سنين دول ما حصلش حمل ولا مرة. وطليقتي كشفت ما لقيتش عندها أي عيوب نهائيا. ولما أنا رحت للدكتور بعد تقريبا سنتين قال لي إن العيب اللي عندي بسيط جدا ومع الوقت والعلاج البسيط هخلف طبيعي جدا.
واستمرت على العلاج لمدة ست شهور كاملين، وبعدين رحت تاني أعمل متابعة مع الدكتور. واللي استغرب جدا أن العلاج ما جابش نتيجة، وأن نتيجة إني أخلف بتضعف كل يوم عن اليوم اللي قبله.
وغيرنا طريقة العلاج، وكل ده موجود عند حضرتك في التقارير الطبية دي اللي كل مرة بتقرير شكل وبعلاج شكل. لحد من سنتين بالظبط قال لي إن العلاج بدأ يجيب نتيجة، وإنه مستغرب جدا من حالة التغير اللامعقولة في حالتي. ولما سمعت عن حضرتك كدكتور عالمي، قلت أجى المركز هنا وأقوم بالفحص الكامل علشان نعرف حالتي ماشية إزاي بالظبط.
كان الطبيب يستمع إليه بتركيز شديد وردد باللغة العربية الفصحى:
_ لا تقلق سيد مالك، سوف نقوم بالفحص الكامل على حالتك ونقوم بعمل التحاليل والأشعة اللازمة.
وأيضا سنقوم بعمل تحليل للجينات الخاصة منذ الولادة إلى الآن، ولدينا أجهزة حديثة جدا ستنفعنا وتبين لنا الغامض في مسألتك. ولكن عليك أن تطمئن ولا تنزعج، لأن آخر تقاريرك تفيد بأنك على مشارف الشفاء.
تنهد مالك بتعب بسبب ما ألمه في السنين الماضية، كرجل شرقي آسي من موضوع يمس رجولته أولا.
ويمنع عنه نوع من أنواع زينة الحياة الدنيا وهو البنون ثانيا.
ولكنه دائما راضٍ بما قسمه الله له.
وتحدث إلى ذلك الطبيب بتساؤل:
_ طيب نقدر نعمل تحاليل والأشعة دي النهارده على طول، ولا لازم حاجات معينة أعملها الأول؟
أجابه الدكتور بعملية:
_ الآن سأقوم بفحصك على جهاز الأشعة أولا.
وبعدها نقرر ونحدد خطواتنا بالترتيب. تمهل يا رجل ولا تتعجل.
وبالفعل فحصه الطبيب فحصا شاملا، وطمأنه على حاله، وانتهت الزيارة عند الطبيب بعد أن أملاه بعضا من التعليمات التي سيقوم بها ويأتي بعد أيام قليلة كي يقوم بعمل التحليلات التي تثلج صدره وتطمئنه على حالته.
خرج مالك من عند الطبيب، شاعرا باطمئنان روحه قليلا.
وانتوي الذهاب إلى مكان هادئ مفتوح يجلس فيه مع روحه لكي يعطيها قسطا من السلام النفسي الذي غاب عن عالمه في تلك الأعوام الأخيرة.
جلس يحدث حاله وهو ينظر إلى اللاشئ بروح منهكة، يجوب عقله ذكريات الماضي الأليم الذي أهلك كيانه، ولكن كلها إرادة الله، فلنرضي.
وردد بلسان حاله بتعجب:
_ عجيب أمرك تلك الدنيا. ألست من حقي أن أعيش سلاما نفسيا دون معافرة؟
ألست أنا ممن يشعرون بزينة الحياة دون جهاد وتعب؟
كف عقلي عن معاتبتي لحالي على حالي واتركني.
كف قلبي عن مشاركة قلبك في القسوة علي كلي ودعني.
دعني كي أنهض لكي أعود إلى عهدي آمنه، وسأعيده بفضل ربي حتى لو حاربت.
فالحرب لأجل أن أبقى سليما كل السلام.
وأثناء انشغاله بحديث نفسه، استفاق على صوت رنات هاتفه، وإذا به يبتسم تلقائيا عندما رأى نقش اسمها على شاشة الهاتف.
اعتدل في جلسته وفورا قام بالرد بابتسامة:
_ يا أهلا جوليا هانم، أخبارك إيه؟
على الجهة الأخرى كانت تجلس على مقعد مكتبها المدار للخلف وتضع سماعة الهاتف "الهاند فري" في أذنيها وتتحرك بالمقعد يمينا ويسارا، مرددة بإجابة:
_ Fine thanks.
واسترسلت حديثها بتساؤل:
_ من ساعة ما اتقابلنا المرة اللي فاتت، وانت مجتش علشان نتفق على شغلنا مع بعض؟
أجابها بإبانة:
_ والله كان عندي كذا ميعاد هنا، قلت أخلصهم وأنا موجود.
واسترسل حديثه يبادر بعزيمتها على الغداء:
_ إيه رأيك تحبي نتغدى مع بعض بكرة ولا مشغولة؟
كانت تتراقص فرحا بداخلها لأجل عزيمته، والتي كانت ستبادر بها قبله، إلا أنه فاجأها بها وهتفت بموافقة:
_ شرف ليا طبعًا يا مالك، بس سيبني أختار أنا المكان إذا مكانش يضايقك يعني.
فرك في عينيه بإرهاق من تعب اليوم وأجابها بصدر رحب:
_ معنديش مانع طبعًا يا برنسيس جوليا.
قال كلماته الأخيرة بنبرة إطرائية جعلتها تبتسم على ذاك الوسيم الراقي في تعامله.
والتي لاحظت رقيه منذ المرة الأولى لمقابلتهم معا.
تمددت على كرسيها باسترخاء أكثر وتابعت حديثها الذي ألفه قلبها كثيرا وأنهته بامتنان:
_ بجد إنت لطيف جدًا يا مالك وراقي في معاملتك.
واسترسلت حديثها بتأكيد:
_ هبعتلك اللوكيشن للمكان وهستناك بكرة بإذن الله.
Good night Malek.
انتهى الحديث بينهم، فحقا كانت جوليا مستمتعة جدا بالحديث معه.
انقضت تلك الليلة الأليمة على الجميع، حيث باتت ريم ليلها دون أن تنام بسلام.
وباتت راندا ليلة ميلاد جرحها بدموع وآلام.
وبات مالك ليلته وهو يفكر في حياته وعن ما ينتظره بصبر واستسلام.
أما عن رحيم، فقد أخذ مريم معه إلى منزله بعد أن حادث والده أن معه ضيفا سيأتي إلى منزلهم، فليستعدوا للقائه.
وصل رحيم أخيرا إلى المنزل ومريم تمشي بجانبه خجلا من الموقف، ولكن ماذا عساها أن تفعل.
هي تاركة حالها بيد القدر وليفعل ما يفعله بها من تخبطات، فرب الكون الذي خلقها لن ينساها.
فدائما تردد قول الله تعالى "لقد خلقنا الإنسان في كبد" لكي تشعر نفسها دائما أنها في أمان في وجود خالقها دائما وأبدا.
صعدوا درجات السلم المعدودة وهو يحسها بأعينه على الصعود بأمان، فنظرة عينه كفيلة أن تهدئ قلبها من الخجل.
ضغط على زر الجرس قبل أن يضع المفتاح في الباب لكي ينبههم أن يستعدوا لقدومه وضيفه.
دخل وأشار بيده إليها أن تتقدمه، دخلت وهي تومي بعينيها أرضا وهي تلقي السلام خجلا.
أجابوا سلامها بكل ابتسامة يتبعها استغراب.
بعد ساعة تقريبا من حديثهم مع بعض، الذي قصه عليهم رحيم منذ بداية المشكلة الخاصة بمريم إلى نهايتها، فتحدث ذلك الخلوق جميل:
_ شوف يا ابني، إحنا مش هنتكلم في أي حاجة دلوقتي علشان هي باين عليها الإرهاق والتعب الشديد وباين كمان إن مشكلتها كبيرة جدا. لكن بأمر الله يا بنتي ربنا هيقف جنبك وما تقلقيش. وطالما جيتي بيت جميل واحتميتي فيه من شر الدنيا، هيكون ليكي حصن أمين. علشان البيت ده ما تعودش يرد السائل أبدا، وإنت قصدتيه في أمانك وهو مش هيردك أبدا.
ثم وجه كلامه إلى رحيم قائلا له:
_ علشان تبقى على راحتها يا ابني، وديها المضيفة اللي أنا عاملها لأخواتك البنات لما يجوا هما وأجوازهم عشان يبقوا على راحتهم.
واسترسل حديثه وهو ينظر إلى مريم بحنو:
_ تعرفي إن الفرق ما بين اسم بنتي واسمك حرف الميم بس. يعني لو كان عندي بنت تالتة كنت هسميها على اسمك يا قمر إنتي.
عايزك تعتبري البيت بيتك، وعايزك تروحي تنامي وتقضي ليلتك الآمنة في هدوء علشان خاطر نفكر هنحل مشكلتك دي إزاي. وما تقلقيش. رب الخير لا يأتي إلا بالخير.