تحميل رواية «بين الحب والقانون» PDF
بقلم ايه محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"أنتي عايشة مع اتنين شباب؟" "هفهمك.." صرخ غاضباً: "ردي عليا! آه ولا لا؟!" "آه." "أنتي أكيد اتجننتي؟! أنتي عارفة أنا مين! عارفة المكتب اللي أنتي واقفة فيه ده إيه؟ أنت.. أنتي عارفة إن دي جريمة! والمفروض أرميكي في الحبس دلوقتي!" "يا مازن اسمعني..." "اسمي حضرة الظابط، متنسيش نفسك." "يا مازن باشا يا حضرة الظابط اسمعني الأول قبل ما تتهمني! أنا والشباب دول زي الإخوات بالظبط و بعدين إحنا في بينا جدار بالطوب صدقني وممكن تيجي تشوف دا بنفسك." "طيب أنا أفتح محضر و تترمي أنتي والبشوات في الحبس ونخلي القانون...
رواية بين الحب والقانون الفصل الأول 1 - بقلم ايه محمد
"أنتي عايشة مع اتنين شباب؟"
"هفهمك.."
صرخ غاضباً: "ردي عليا! آه ولا لا؟!"
"آه."
"أنتي أكيد اتجننتي؟! أنتي عارفة أنا مين! عارفة المكتب اللي أنتي واقفة فيه ده إيه؟ أنت.. أنتي عارفة إن دي جريمة! والمفروض أرميكي في الحبس دلوقتي!"
"يا مازن اسمعني..."
"اسمي حضرة الظابط، متنسيش نفسك."
"يا مازن باشا يا حضرة الظابط اسمعني الأول قبل ما تتهمني! أنا والشباب دول زي الإخوات بالظبط و بعدين إحنا في بينا جدار بالطوب صدقني وممكن تيجي تشوف دا بنفسك."
"طيب أنا أفتح محضر و تترمي أنتي والبشوات في الحبس ونخلي القانون ياخد مجراه."
"حبس!"
"آه، أومال أنتي فاكرة إيه؟! إنك عشان ساعدتيني في كام قضية تبقي فوق القانون!"
"يا مازن باشا، أرجوك تيجي وتشوف الشقة بنفسك، حرام عليك هما عندهم امتحانات متضيعش مستقبلهم؟!"
"يا حرام! خايفة على مستقبلهم؟! ومش خايفة على سمعتك اللي هتبقى زي الطين؟! أنتي إزاي مأمنة على نفسك؟ مش خايفة على نفسك إزاي وأنتي بنت في السن دا؟!"
"لا مش خايفة منهم قولتلك دول زي إخواتي، أنا شوفت منهم اللي مشوفتوش من أهلي، أنت متعصب عشان أنا مقولتلكش بس لو أنت جيت وشوفت الشقة بنفسك هتعرف."
"اتفضلي قدامي."
"كنت شايفة الغيرة في عينيه، الإنكار إنه مش مهتم بالموضوع كظابط بل كراجل بس الحقيقة إن المشاعر دي كانت بتخنقني كل يوم أكتر من اللي قبله ولازم أفضل مغمضة عيني عنها لآخر عمري."
صعد مازن لتلك العمارة السكنية القديمة وخلفه صعدت زين تتأفف بإنزعاج. توقف أمام بابين وسألها:
"هو مش الدور شقة واحدة؟"
"ما أنا قولت لحضرتك، في طوب بيني وبينهم، ثانية واحدة."
دقت زين الباب فآتى شاباً يصيح باسمها:
"آهي زين جت، زين إنتي لبستي التيشرت بتاعي!!"
فتح مازن عينيه بصدمة وصك على أسنانه ونظر لها بأعين تشتعل غضباً، فأزدرقت زين لعابها وهمست بتوعد:
"تيشرت إيه اللي هلبسه وأنا من إمتى باخد حاجتك!!"
"طب شمي كدا! في ريحة برفان حريمي."
تأففت زين وقالت بضيق:
"دا مش برفان حريمي يا مختار دي ريحة لافندر ودي من المسحوق اللي أنت شحته مني ومدفعتش حقه."
قبل أن يسألها سؤالاً آخر أشارت له بعينيها الغاضبة تجاه مازن فسألها بتعجب:
"مين دا؟ زبون؟!"
أغمضت زين عينيها مع صوت سحب مازن لزناد مسدسه فسأل مختار بخوف:
"فيه إيه؟! مين دا؟!"
صرخ مازن غاضباً:
"أنا اللي هخلص عليك و عليها دلوقتي!! فين الكلب التاني؟!"
دفع مازن الباب بقدمه فأرتعد مختار للخلف وانتفض ذلك الذي تمدد على أريكته بتكاسل عاري الصدر بسروال قصير وصرخ معترضاً:
"إنتوا مدخلين راجل غريب عليا وأنا كدا؟!"
لطم مازن وجهه ونظر خلفه تجاه زين التي طالعته بخوف وصرخ بها:
"دا مكسوف مني!! وأنتي عادي!!"
صرخت زين وهي داخلياً ترتجف:
"بس.. بس بقى محدش يتكلم، وأنت يا شاكر الزفت ادخل استر نفسك وأنت اترزع هنا خلوني أشرحلكم بقى!"
سألها شاكر بتعجب وهو يتحرك تجاه الغرفة:
"إنتي اتجوزتي تاني؟!"
صرخ مازن بصدمة:
"تاني!!!!!!"
قالت زين بتعب:
"يا مازن اسمعني من غير صوت عالي بقى الناس هتتلم عليا."
أقتـرب مازن يقف أمامها يلتقط أنفاسه بصعوبة يسألها بقلب مضطرب:
"إنتي كنتي متجوزة قبل كدا؟!"
طـالعتـه زين بأعيـن حزينة لا تدري كيف تجيب كل أسئلته فهي لن تفتح أبواب ماضيها أمام ضابط شرطة. سألها مرة أخرى بصوت غاضب:
"ردي عليا! كنتي متجوزة ولا لا؟!"
رواية بين الحب والقانون الفصل الثاني 2 - بقلم ايه محمد
"ردي عليا! كنتي متجوزة ولا لا؟"
"آه."
ظل مازن صامتًا يطالعها، ينظر لعيونها الكاذبة، عيونها الخالية من كل المشاعر، قاسية كالصحراء.
اقترب مختار يسأل بصوت أكثر هدوءًا: "أنت مين؟"
لم يجبه إذ لم ينزع عينيه عنها، فأجابت زين بهدوء: "ده مازن باشا من مكافحة الجرائم المنافية للآداب، وجاي عشان يتأكد إذا كان فيه... إذا كنت عايشة معاكم ولا لا، لأن دي جريمة يعاقب عليها القانون المصري."
اقترب شاكر يقول بجدية: "هي آه شقة واحدة بس يا باشا، الأوضة اللي زين قاعدة فيها مفتوح لها باب من على السلم برا وقفلناها بالطوب من جوه من زمان، وكمان المطبخ فتحنا له باب ناحيتها هي وقفلناه من ناحيتنا. وصاحبة البيت عندها علم بالكلام ده والإيجار بيتقسم علينا إحنا التلاتة."
سألها مازن: "وليه مقعدتيش مع بنات؟ وإيه كلمة زبون اللي سمعتها دي؟"
قال مختار لتوضيح كلمته: "زين بتعمل أكل وبتبيعه، هي شاطرة أوي، وعادة الناس بتيجي تستلم منها الأكل من هنا، عشان كده إحنا خلينا المطبخ ليها."
سألهم بسخرية: "طب والحمام؟"
قالت زين بصوت أقرب للهمس: "بستخدم الحمام اللي تحت السلم في الدور الأرضي."
أحكم قبضة يديه وهو يتحرك خطوة أقرب لها، ولكن قبل أن يسألها من جديد، قالت بنظرة يراها بعينيها للمرة الأولى، كانت حزينة مليئة بالدموع ممزوجة بالحرج والتعاسة: "أرجوك كفاية."
"مش هينفع أسأل.. لازم أعرف ليه؟ ليه تقبلي بوضع زي ده؟ ليه مخبية كل حاجة؟ ليه دايمًا وراكي أسرار وأسئلة كتير ملهاش إجابة؟"
للمرة الأولى منذ عام كامل يراها وقد فاضت عينيها بالدموع، وتساقطت قطرة واحدة على وجنتيها. مسحتها ونظرت ليديها بتعجب: "أنا بعيط؟"
طالعها مازن بدهشة! ما المثير للتعجب في بكاؤها؟
"جاوبيني!"
لا زالت تتطلع ليديها وانتقلت بعينيها له بصعوبة، نظرته، عينيه، اهتمامه وغيرته! لقد أخفقت؟ كان فشلها فشلاً ذريعًا في تجنب ذلك المسمى بالحب، أو كما تسميه بالضعف! وكل ما تحتاجه هي القوة فقط. استجمعت ذاتها من جديد وتراجعت توليه ظهرها تقول بجمود: "لأن الاثنين دول هما حمايتي، أضمن منين ألاقي زيهم ياكلوا اللي يدوسلي على طرف بسنانهم من غير ما يرف لهم جفن، أنا مبحسش بالأمان غير لما بسمع صوتهم وهما راجعين بالليل."
"وليه ضمنتهم أوي كده؟"
"عشان لما غصب عني اتكشفت قدامهم هما اللي ستروني يا مازن باشا، أنا كنت مرمية في الشارع.. كنت واخدة سم، كنت لوحدي في الضلمة، كنت بموت وبنازع، ولما أخيرًا وصل شاب عشان ينقذني طلع حيوان وغرضه دنيء، حاول يستغل بنت جسمها بيتـقطع من الوجع بسبب السم، ولو ماكنش الاثنين دول ظهروا يا إما كنت هموت من السم أو هموت من العار والذل."
"أخدتي سم؟!"
سأل بصوت هامس، فأغمضت زين عينيها تتذكر كل تفاصيل ذلك اليوم، تذكرت آلامها وصرخاتها. تعالت ضربات قلبها ذعرًا وأغمضت عينيها ووضعت يديها على أذنيها، فتحرك مختار سريعًا تجاهها.
"إهدي يا زين.. إهدي خلاص محدش هيسألك عن حاجة تاني، أنتي مش مضطرة تحكي له أي حاجة."
تحرك شاكر يقف أمام مازن يردف غاضبًا: "لو سمحت امشي وكفاية كده."
دفعـه مازن وتحرك يقف أمام زين مباشرة، والتي اصطدم ظهرها بالحائط ولم تعد تفصلهم سوى مسافة قصيرة: "ليه محكيتيش ليا الكلام ده؟! يعني.. يعني هما أمان ليكي وأنا لا؟ زين أنتي بتأمني على نفسك معايا ولا لا؟ تعالي.. تعالي عيشي معايا.. قولي هتأمنيني على نفسك!"
طـالعته زين بأعين مليئة بالخوف، خوف لم يراه يومًا منها. نظراتها التي طـالعت يديه الممسكة بذراعيهـا، انتفاضتها ودفعهـا له بقوة حتى كاد يسقط أرضًا لولا شاكر الذي أمسك به. صراخها: "ابـعد.. ابـعد عني متلمسنيش! ده.. خليه يمشي يا مختار، خليـه يمشي مش عاوزة أشوفـه."
صـرخ مختار غاضبًا: "إمشي.. إطلع برا بقى."
طـالعه مازن بعينيه وانتفض بغضب أكبر: "مش همشي وهاخدها معايا.. زين أنتي هتيجي معايا."
صـرخـت زين مرات متتالية بكلمة "لا" وهي تتشبث بقميص مختار، فضمهـا مختار مُجبرًا ليهدئها، فلكمه مازن بقوة.
"ابـعد عنهـا.. أنت إزاي تتجرأ وتحضنهـا!!!"
من جهة الباب آتت سيدة في الخمسينات من العمر تسأل وهي تلهث بأنفاس متقطعة: "فيه إيه؟! مالها زين بتصرخ ليه؟"
قـال شاكر بحده: "الباشا عاوز ياخدها بالغصب."
"ليه! إيه اللي حصل؟! مين ده؟ طليقها الأول ولا التاني؟!"
مازن: "التـاني!!!!!!!"
رواية بين الحب والقانون الفصل الثالث 3 - بقلم ايه محمد
فيه إيه؟! مالها زين بتصرخ ليه؟
قال شاكر بحده: "الخواجة عاوز ياخدها بالغصب."
"ليه! إيه اللي حصل؟ مين ده؟ طليقها الأول ولا التاني؟"
مازن: "التاني!"
قال مختار: "لا يا خالتي، دا مش طليقها، دا ظابط وكان جاي يحقق بخصوص وضعنا في الشقة."
قالت أمينة برجاء: "أمانة عليك ما تاخد حد فيهم، دول غلابة وأنا بعتبرهم زي ولادي."
نظر مازن تجاه زين للمرة الأخيرة، لازالت ملتصقة بالحائط بعدما دفع مختار بنفسه بعيدًا عنها، تطالعه بخوف، خوفًا منه! أم خوفًا من تلك الحقائق التي يعرفها عنها منذ دقائق! هي تزوجت، بل تزوجت مرتين، امتلكها رجلين غيره، فهل هي ملكه! لا، بل هي بعيدة كل البعد عنه، لن ينالها ذلك الأمر واضحًا في نظراتها له. والآن عليه تركها مجبرًا في بيت تسكنه مع شابين آخرين ترفض إلا التشبث بهم ويعود.
"مش همشي غير لما أطمن عليها."
تحركت أمينة تجاه زين تقول بهدوء: "تعالي يا زين روحي أوضتك وأنا هنزل أعملك حاجة تاكليها وهجيب لك عصير."
أومأت زين وتحركت ممسكة بيد أمينة للخارج أمام نظرات مازن الذي تحرك بعد دقيقة يجلس على الأريكة مستغلاً لسلطته ثم أردف بضيق: "مش همشي غير أما تنام."
***
"معتصم! أنت رجعت من السفر ليه؟ أنت مش شايف اللي بيحصل؟"
"شايف أكيد.. نبيل اتقتل من ست شهور وبعده بشهرين مهران ودلوقتي سمعت بخبر قتل ياسر! هو فيه إيه؟"
"تقوم ترجع من السفر! أنت مش خايف؟"
"معتصم الخفاجي ما بيخافش يا رباب، ولا نسيتي!"
"يا حبيبي دا قاتل محترف، دا حتى الظابط اللي ماسك القضية مش عارف يوصل لحاجة لحد النهاردة، أنا خايفة عليك."
"متخافيش.. أنا معايا شغل لازم أخلصه قبل ما حد يعرف عنه حاجة وبعد كده هشُوف موضوع القاتل دا بنفسي."
"طب أنت مش شاك في حد؟"
"أعدائنا كتير وأنتي عارفة، أنا شاكك في الكل بس لازم يبقى في إيدي دليل عشان أعرف أخلص على اللي عمل كده."
"هتنتقم ليهم!"
ضحك معتصم وقال بسخرية: "أنتقم! وأنا مالي بيهم، دول مجرد شركاء، أنا بس مش عاوز أي تهديد حواليا، سواء ليا أو لإخواتي ولكي. أنتي الوحيدة اللي عارفة طبيعة شغلي وعارفة إني في وسط ناس ما بيفكروش مرتين قبل ما يضربوا الرصاص."
"عارفة وعلشان كده دايمًا قلقانة عليك، معتصم أنت وحشتني أوي."
ابتسم معتصم وقال بنظرة خبيثة: "وأنتي كمان.. وحشتيني أوي."
قالت بتغنج: "وأكيد وحشك أكلي، اطلع غير هدومك وأنا هجهزلك حاجة على السريع."
"متتأخريش عليا."
"عيوني."
***
"مساء الخير."
توقفت قدمه عن نزول الدرج والتف خلفه سريعًا، تسارعت ضربات قلبه وابتسم يرد بصوت هادئ: "مساء النور يا آنسة ملك، يلزمك خدمة! أنا تحت أمرك."
"الأمر لله، أنا بس عاوزة أسألك لو شفت ماما! بيتهيألي إنها عند زين."
"آه.. هو بس زين حصل معاها موقف بايخ وهي معاها فوق."
"ليه إيه اللي حصل؟"
لم يتردد مختار قبل أن يخبرها بكل ما حدث، فلن تأتيه فرصة أفضل للحديث معها، وهي استمعت له بإنصات وقالت بنبرة حالمة: "شكله كده بيحبها."
"بيحبها! دا كل ما تيجي تتكلم يزعق لها وصوته مزعج، والله أنا كنت حاسس إنه شوية وهيضربها، يا بنتي دا مجنون."
"مش عارفة بس من اللي أنت قلته واضح إنه مهتم بيها وغيران من وجودكم كمان، والغيرة هي شكل من أشكال الحب."
"بس اللي يحب واحدة لازم يبقى واثق فيها."
"يا مختار الثقة حاجة أكيدة، الغيرة بتبقى غصب، وكمان أهم حاجة يحب يوفرها الراجل للست اللي معاه هي الأمان وهو مقدرش يعمل كده وشايف إزاي هي بتتحامى فيكم، هو لو بيحبها فهو غيران دلوقتي وخاطره مكسور."
"يعني.. أنتي شايفة كده؟"
"أيوا، اسأليني أنا عن الغيرة عشان بجد محمد دايمًا كده.. بس هقولك الصراحة الغيرة الأوفر حاجة مخنقة أوقات كتير."
تغيرت ملامح وجهه عند ذكرها لاسم خطيبها والذي يكرهه بل لا يطيق سماع اسمه، بل لا يتحمل وجوده في هذه الحياة، إن كان يملك الخيار لأختار قتله والتخلص منه بأكثر أنواع القتل قسوة وألقاه في البحر لتأكله الأسماك، ثم اختطف تلك الأميرة الصغيرة وأخذها لعالمه بعيدًا عن الجميع حتى بعيدًا عن والدتها، ولكنـه.. لا يملك سوى مشاهدتها وهي تزف لغيره، ينتظر تلك الرصاصة التي ستخترق قلبه يوم عقد قرانها على غيره. ورغم كل ما يكابده ويعانيه، قال بابتسامة خافتة: "بعد إذنك أنا هروح الشغل.. تصبحي على خير."
***
في الصباح التالي كان مازن في مكتبه يعمل على إحدى قضاياه بنصف عقل، فلا يزال عقله وربما قلبه بداخل تلك الغرفة الصغيرة التي تسكنهـا هي، حتى أفاقه صوت من الخارج.
"يا حضرة الظابط دا مش شغل! القضية على مكتبك من ست شهور وما وصلتش لأي حاجة، وإيه النتيجة! جريمة تالتة ونكتشفها بعد أسبوع!"
تحرك مازن يقف أمام باب مكتبه لينظر في الغرفة المقابلة حيث يعمل زميل له، وبعد رحيل الضابط الأعلى اتجه له.
"فيه إيه يا يحيى؟"
قال يحيى بتعب: "ياسر مدكور اتقتل من أسبوع ولسه مكتشفين الجثة النهاردة في شقته."
"رجل أعمال!"
"آه، واللي قتله هو نفسه اللي قتل نبيل ومهران، فبالتالي بقى معايا تلات قضايا في نفس الوقت والقاتل واحد وأنا عاجز أوصل لأي معلومة. يعني نبيل لقوه منتحر بس القاتل سايب رمز بحرف M، والرمز ده هو اللي لقيناه برضو جنب جثة مهران بعد ما اتفحمت. الورقة كانت محطوطة على الجثة بعد ما اتفحمت يا مازن وكانت سليمة وده معناه إن القاتل وقف لحد ما مهران خد تسوية كاملة، وفي جيب ياسر لقينا برضو نفس الرمز وده لسه معرفتش مات إزاي."
"جرعة مخدرات زيادة."
التفت الاثنان على صوت زين تقف أمام الباب تحمل ملفًا بيدها وتنظر لهم كالمعتاد، ابتسامة هادئة، أعين مليئة بالقوة والثقة، كأنها ليست نفس الفتاة بالأمس.
"مروان إدالك التقرير؟ أنتي بقيتي أهل ثقة خلاص في القسم هنا."
"آه ما أنا سمعت بموضوع القضية التالتة دي والفضول أكلني الصراحة، حلها بقى يا يحيى باشا خلينا نعرف إيه السر ورا M ده، مازن باشا مستنياك في مكتبك عندي معلومة مهمة."
تحركت زين تجاه الغرفة المقابلة ووقفت كالمعتاد أمام المكتب مباشرة، تحرك مازن تحت نظرات يحيى المتسائلة له، ولكن مازن كان في حيرة الآن فلم يعره انتباهًا.
"زين! أنتي كويسة؟"
"أنا كويسة جدًا بس حضرتك شكلك لسه مفطرتش، على العموم شوف الورقة دي على ما أروح أجيب فطار وآجي."
"اقفي عندك.. أنتي! أنتي فاكرة اللي حصل امبارح؟"
تنهدت وقالت بضيق: "مش عاوزة أفتكره، اعتبرني مسحت الثلاث أربع ساعات بتوع امبارح بالليل. مازن باشا الورقة فيها عنوان سرداب تحت الأرض فيه فوق العشرين بنت من سن 15 لـ 25 سنة وهيتهربوا برا مصر خلال يومين."
"وعرفتي إزاي؟"
"بصراحة أنا حطيت جهاز تجسس في عربية شريهان، فاكراها! البنت اللي طلعت من القضية الشهر اللي فات وإحنا كنا متأكدين إنها ليها شغل كبير في المنظومة. امبارح الفجر لقيت العربية بتتحرك وبتروح على مكان غريب فروحت وراها لحد ما عرفت المكان وسمعت كام معلومة."
"زين! أنتي مشيتي وراها لحد المكان اللي خاطفة فيه والفجر ولوحدك؟"
"أيوا يا باشا إيه المشكلة! مش ده شغلي! مش باخد عليه فلوس؟"
سألها غاضبًا: "ومتلتيش بيا ليه! كنت هعمل إيه أنا لو كان جرى لك حاجة!!!"
"متقلقش يا باشا أنا كاتبة إقرار إني بخليك من المسئولية في حال جرى لي أي حاجة. جهز بس للمهمة وأنا هروح أجيب فطار."
تحركت زين سريعًا للخارج وبقي هو يطالع أثرها بصدمة: "غبية!!"
ربما سيعود للحديث معها بعد الانتهاء من مهمته، فعليه الآن إنقاذ تلك الفتيات والتأكد من صحة معلوماتها.
عادت ووضعت أمامه طعامه تشير له: "يلا افطر."
"زين أنا محتاج أتكلم معاكي."
"هنتكلم بس خليها في الوقت المناسب."
"اللي هو إمتى؟"
"وقت ما أكون جاهزة إني أحكيلك يا مازن."
"والمعلومات! بتجيبيها منين؟ المعلومات دي ميجيبهاش غير واحد من قلب المنظومة دي."
"أيوا بالظبط كده، أنا أعرف حد هو اللي بيديني المعلومات، هو عاوز يفضح الكل وقبل ما يتكشف أو يقرر يسافر عاوز ينقذ أكبر قدر ممكن ويساعد، وهو مش عاوز إني أكشف عن هويته ليك، فأنا قلت طالما هيساعدنا يبقى مش مشكلة، بس معلومات النهاردة مش منه ده اجتهاد شخصي مني أنا."
"طب وأنا؟ محدش هيساعدني في قضية M، أنا ليه معنديش مخبر زي زين!!"
التفتت زين تجاه الضابط يحيى تقول بحيرة: "بصراحة القضية صعبة، خصوصًا إن الجاني مبيسيبش وراه دليل، معتقدش إننا هنعتبر الرمز بتاعه ده دليل؟!"
"لا هو بيحطه بس عشان كل ما تحصل جريمة قتل أنا اللي ألبس فيها."
"متفقدش الأمل يا يحيى باشا، القضية كبيرة وواخدة ضجة إعلامية وفيها ترقية كمان فشد حيلك ولو احتاجتني أنا تحت أمرك."
"أنتي عاملة زي اللي شايل كفنه! يا بنتي روحي عيشي سنك وحياتك!! بس عامة متقلقوش أنا قدها وإن شاء الله تتحل."
ابتسمت زين له بهدوء فرحل يحيى، التفتت فأصطدمت فجأة بمازن خلفها فتراجعت تسأله بضيق: "فيه إيه؟"
قال بجدية: "أنا عيني منك."
"يعني بتراقبني؟"
"كتلة من الغباء المتحرك.. أنا قصدي معجب بيكي يا زين.. إيه رأيك في الكلام؟"
"الصراحة! طريق مسدود."
"ليه! أنا وحش! مش مناسب! أنتي شايفاني إيه؟"
"شايفاك حضرة الظابط ومش شايفه غير كده يا مازن باشا واللي بينا شغل وبس مش أكتر ومش هيكون أكتر من كده."
"وأنا عاوز أعرف أنتي ليه قافلة أوي كده على قلبك؟"
"أظن حضرتك عرفت امبارح إني كنت متجوزة مر..."
"أنا عارف إنك بتكدبي عليا وبتكدبي عليهم كمان، إزاي متجوزة وأنا بنفسي كشفت على بطاقتك وعارف إنك آنسة! أنتي ف...
"عُرفي... كان جواز عُرفي."
"إيه!!!!"
رواية بين الحب والقانون الفصل الرابع 4 - بقلم ايه محمد
"عـُرفي... كـان جواز عـُرفي"
"اي؟!"
"مسمعتـش عنـه؟"
"ليـه؟"
ضحكت زين وسألته بسخرية:
"هو اللي ليـه؟ دا سؤال يتسأل! عامة دي خصوصـياتي وأظن محدش ليه الحق يتدخل فيهـا وبجـد كفاية أنا مش حابة أتكلم عن حياتي الخاصة أكتر من كدا."
"تمام.. تمام يا زين."
ابتسمت ببرود أثار استـفزازه أكثر وتحـركت أولا تجلس علي الأريكـة المقابـله لمكتبـه تتنـاول طـعامهـا. فعـاد لكرسيـه يُطـالعها مُفكرا بذلك التناقض الغريب في كل تصـرفاتها، شتان ما بين الأمس واليوم!!
كـانت تلك المعـلومات المدونة علي الـورقة صحيحـة تمـاما وتمت مد'اهمـة المكـان في المساء ببراعـته في التخطـيط لذلك علي مدار اليوم ولكـن الفضل في النهاية يعـود لهــا. كانت غافيـة علي الأريكـة عندما إمتلأ مكتبـه بالعشرات من الفتيات وأغلبهـن يبكـون.
قالت أكبرهن:
"يا سعـادة الباشا إحنا والله اتخط-فنـا واتجبـرنا، إحنا نفسنا نـرجع لأهالينا."
قال أُخرى بخـوف:
"لا.. أنا مش عاوزة بابا يشوفني كدا أنا.. أنا أحسنله يفـكرني ميتـة ولا إنه يعـرف اللي حصل معايا."
اقتـربت زين تُعطيهـا منديـلا فبكـت الفتـاة قبل أن تنهـار أرضـا وظلت تبكـي والآخرون حولهـا لا يعرفون أيواسـون الفتاة أم أنفسهـم!!!
قال مازن بجديـة:
"إحنا لازم نبلغ أهاليـكم.. يـاريت كل واحدة تكتم اسمها في الورقة دي و تكتب رقم حد نتـواصل معـاه."
أخذت زين الورقة وجـلست وأمامها أقتربت الفتاة كلا منهـن يُعيطهـا الإسـم فقـالت وهي تشعر بالشفقة والحزن:
"أقعـدوا، أنا هبعت حد يجيبـلكم ماية وعصير."
أعطـت زين الورقـة لمـازن ثم تحـركت للخـارج. فجلس بنفسـه يتصـل بالأرقام أمامه وكل واحدة منهن تـبكي عندما تسمع اسم أبيها أو أخيها.
عادت زين وأكملت الأمر بنفسهـا ثم بعـد ساعات قليلـة كان الجميـع قد آتـي وأصبـحت الطرقة أمام الغرفـة مزدحمـة.
وقفت زين أمامه تسأله:
"هتقولهـم اي؟!"
"هقولهم اللي حصل، أنا ظابط ودا شغـلي."
خـرج مازن وخلفـه زين من الغـرفـة وأمامه أعين الناس متـرقبـة لسمـاعه، لسماع أي شئ غير ما سيقـوله مازن، رغم ذلك حاول مازن إنتقـاء كلمـاته والتحـدث برفق وهـدوء. وكـانت ردات الفعـل ما بيـن دمعه صامتـه أو صراخ مدوي.
قال مازن بجـدية:
"أنا عـاوز أكدلكم إن كل اللي مسئوليـن عن اللي حصـل لبناتكم موجـودين في الحبس وهياخدوا أقسـى عقـوبة."
أومـأ له الجميـع فأتجـه مازن يفتح البـاب و ما بين خـروج الفتيات أو دخـول أهلهم، تعـرف كلا علي فتـاته واستغرق الأمر ساعة كاملة ليسـود الهدوء من جـديد. وعـاد مازن لكرسيـه بإرهاق ليتابع العمل.
"محدش يمشي منهـم، لسه الإجراءات مخلصتـش والقضية مش هتتقفـل دلـوقتي، لازم اتأكد إن كل البنات دول ضحايا."
"تمام."
صمـت للحـظات وانكـب علي الأوراق أمامه يكتـب بعض التفاصيـل الخاصـة بالقضيـة ثـم بعد دقيقـة عـاد ينظـر لها قائلا بتريث:
"زيـن أنا شوفـتلك شقـة وهحطلك حراسه علي الباب، كدا تقـدري تبقي متطمنـة وفي وضع أحسن."
"وأنا أضمن حراسك دول منين؟!"
"يعني اي؟!"
"يعني مش موافقـة! وكمان أنا مطلبتش من حضرتك تشوفلي شقـة... أنا مرتاحة في مكاني ولو عاوز تطمن تقدر تعتبـر مختار وشاكر حراس."
"تمام.. تمام يا زين بس افتكـري كويس إني عملت كـل اللي أقدر عليه معاكي وإن أنتي اللي رفضيتني ورفضتي مساعدتي."
"هفضل فاكرة كدا كـويس."
نـزع جـاكيتـه و تـركـه بضـيق جانبـه يتأفف من أفعالهـا وكلمـاتها، غاضبا من تفكيـرها وخـوفها منـه!! أهي تخشاه حقا؟ لا تأمنه علي ذاتها؟ وما الذي اقتـرفه هو! إن كـانت قد تعرضت للظلم يوما فـما ذنبـه هو ليدفع الثمن!!
كـانت قـد تركتـه بالفعـل و ذهـبت لتتأكد من وجـود الجميـع لأجـل بقيـة التحقيقـات وعندما عادت شهـقت بصـوت خفيض ثم سألته بصوت يسمعه:
"أنت اتعـورت؟!"
نظـر مازن لذراعـه فتذكـر عندما اشتبـك مع هؤلاء المجرمين وضـربه أحدهم بمـدية حادة، كاد يتحدث ولكنه توقف علي نـظراتها القلقـة عليه و حركتها البطيئـة تجاهه، ابتسـم بخبث وقال وهو يحاول تزييف ألمه:
"آه.. أخدت مطوة هنـا بس يعـني ورايا شغل لازم يخلص الأول."
"يعني مش بتوجعـك؟!"
أكانت حنونة في كلماتها منذ قليـل!! فها هي تطعـنه في الصباح وبالأمس يشعـر كأنها تتألم بـدلا منه!! أكمل كذباته قائلا:
"لا بتوجـعني وحاسس بشوية دوخـة."
"أكيـد هتدوخ مش شايف كميـة الد'م؟! الجاكت بتاعك أسود مشوفتش منه حاجه، أنت إزاي مستهتر كدا؟ دا جرح ومفتوح ولازم تعالجـه."
رفـع يده يفـك أزرار قميصـه وهو يطالعهـا بخبث:
"هتعالجيه!"
صرخت بـه:
"أنت بتعمل اي؟! يا اخي عنك ما اتعالجـت وأنا مالي!! قوم روح المستشفى."
"مستشفى!؟ علشان جرح سطـحي، قولـي بقـى إنك خايفـة عليا."
"مـازن بجد الطريقة دي قديمـة أوي، عالج جرحك متسيبهوش كدا وبلاش استهتـار.. أنا ماشية علشان الوقت اتأخر.. تصبح علي خير."
رحـلت زين وتـركتـه بمفـرده من جـديد، تلك الفتـاة التي إلتقـى بهـا منذ عـام واحد فقط.
«ماضي»
"مـازن بـاشا، البنت سـابت الـورقة دي ومشيـت."
رفـع مازن رأسـه سـريعا وسأل:
"هي فين!! مش قولتلها المره الجـاية تمنعها تمشي!"
"موافقـتـش يا باشا و سابت الورقة وجريـت."
تحـرك مـازن سـريعـا وركـض للخـارج، تلك الفـتاة تُسـاعده في حل قضـاياه منذ ما يقـرب الشهرين و لم يلتقي بهـا حتى هذا اليـوم. ظل يـركض يبحـث عنهـا فهـو يعـرف كيف تـبدو من كـاميرات المراقبـة الخـاصة بقسم الشرطـة. لن يستـسلم هـذه المرة و بالفـعل تمكـن من إيقـافها وهو يلهـث من التعب:
"أنتي اي يا شيخـة!! مركـبة في رجلك عجل!!"
طـالعته زين وتعـرفت عليـه علي الفـور، يبدو كأنه لا مفـر هذه المـرة. عقدت ذراعيهـا أمام صدرهـا وسألته:
"خير يا مازن باشا؟!"
"أنتـي مين؟ وبتعـرفي المعلومات دي إزاي؟!"
"ودا هيـفرق مع حضرتك!"
"أنا ظابـط ولازم أعـرف أنتي مين و لازم أعرف شغـالة تبع مين!! لو أنتي تبـع أي منظومـة مش هيغفـرلك المعلومات اللي بتسربيهـا دي وبتعـرفي إزاي معـلومات أساسا عن القضايا بتـاعتي!!"
"أنا.. عاوزة أساعد مش أكتـر."
"ليـه؟ إيه اللي يهـمك في القضايا بتاعتي! ليـه بنت في سنك شكـلها صغيـر تبقـى مهتمـة بقضـايا من النوعيـة دي؟!"
"حضـرتك ليه مهـتم بأسبـابي!! أنا عمري ما قـدمت معـلومة واحدة غلط وأظن إن طـول الشهرين اللي فاتوا حضرتك قفـلت ملف تلات قضـايا وقبضـت علي كل المجرميـن."
"آه أنتي عـاوزة تقـولي إن كل شغلي ملوش لازمه وإن الكـام معلومة بتوعك دول هما اللي قفلوا التلات قضايا؟!"
"لا والله يا باشا مش قصـدي.. هـو بصـراحة أنا كنت بقـرأ ملفات القضية.. بصـراحة أنا بشتـغل عاملة نظافـة في القسم يومين في الأسبـوع."
"وأدي قضـية أقدر أدخلك الحبس فيها."
"يا مازن باشا أنا مش عـاوزة غير إني أسـاعد بمعـلومة أعرفها."
"أيوا بقـى بتعرفيهـا منين!!"
"لو قـولتلك يبقـى مش هـعرف أوصـل لأي حاجـة تانيـه، أنا طبعـا متأكده من قدرة حضرتك علي حـل أي قضـية بـس أنا كل القضايا اللي ساعدت فيها كانت عن خطـف البنـات وإجبـارهم علي الشغـل دا وآه.. صدقني أنا معـديتش بالموقف دا يعني مش بعمـل كدا من دافـع نفسي ولا شفقـة، زي ما قولت لحضرتك أنا مش بشكك أبدا في ذكائك ولا قدرتك علي حل النوعيات دي من القضايا ولكن لو كنت ممكن أسرع إنقاذهم يوم واحد أنا متأكده إنه هيفرق كتير جدا."
صمـت مـازن وطـالعها يفـكر بإمعـان في حديثهـا ثم قـال بجدية:
"خلاص، إشتغـلي مساعدة شخصيـة معايا علشان بكل الأحوال هتكـوني تحـت مراقبتـي."
"تمام، موافقـة."
"تمـام.. هاتي بطـاقتك و بكـرا الصبح تـبقي موجودة قدامي في المكتب."
"تمام.. بس البطاقة ليه؟!"
"هكشف عليها، يمكـن يكون وراكي مصايب!"
"لا لا متقلقش يا باشا."
« عودة»
أخرج زفيـرا من صـدره وتسائـل بصدر مضطرب:
"يا ترى كام حقيقـة عنك هتطـلع كذبة يا زين!!"
............................................
" رايح فين في نص الليل يا يزيـد؟"
"الباشا بعتـلي لازم أروحله."
"وهو الباشا دا إشتـراك ولا اي؟! يقومك في نص الليل تروحلـه؟! اي الشغـلانة دي؟"
"أنتـي عارفـة يا سمر إني حارس شخصي وشغلي طبيعته مش ثابتـه، فمعلشي استحمـلي شوية معايا."
"متتأخـرش."
"حاضر، نامي بقى قبل ما الولد يصحـى."
أومـأت لـه بأعيـن ناعسـة وعادت للنـوم بينما هو أخذ أغـراضـه سريعـا وتحـرك للخارج.
كـانت الطرقات فـارغـه ومظـلمة، بالطبـع شخص مثله لن يخشـى الظلام فقـد ترعـرع بـه. توقف أمام أحـد المباني القديـمة ودلف للداخـل.
" أوامرك يا باشا!"
"فيـه خمس حقن ناقصيـن يا يزيـد، البضاعة ناقصـة ليه؟ كنت نايـم علي ودانك طبعـا!!"
"إزاي بس يـا باشا؟! البضاعة مركـونة هنـا من شهـور لحد ما أنت ترجع، يا معتصم باشا محـدش يعـرف مكـانها غيـري؟!"
"بالظبط وعلشان كدا بسألك!"
"يا باشا أنا ليـا نسبة في البضاعة دي يعني لو عاوز أخد منهـا حاجه هقـول، هخاف من اي؟! أنت شاكك فيا؟!"
"لا.. مش شاكك فيك بس اللي بيحصـل دا كتير، في حد قدر يوصل للبضاعة وللمكان بتاعنا و كمـان.. ياسر اتقتـل عرفت؟!"
"آه عرفـت."
"طب وكـدا خلاص ملهـوش فـلوس عندنا، سواء هو أو نبيل ومهران!؟"
قال الأخر بسخرية:
"ما أكيـد، أومال أنا هـروح أدي الفلـوس لأهله وأقولهم فلوس مخد'رات كان شاريها المرحوم؟!"
ضحـك يــزيد واقتـرب يجـلس جـوار معتصم يقـول بجدية:
"بس إحنا لازم نتصرف في أسرع وقت في البضاعة دي يا باشـا."
"أنـا هبيـعها برا.. للمافيا."
"مافيـا!!! اي يا باشا أنت ناوي تلعب علي كبير ولا اي؟!"
"آه.. عاوزيـن نكبـر بقـى ونتعـرف في السـوق.. أنا وأنت ومش عاوزين شركاء تانيـين.. ها موافق."
ابتسـم يزيد بخـبث ولمعـت عيناه وتسائـل بحماس:
"يعنـي خلاص هنبقـى مافيا!"
قال معتصم بجدية:
"وليـه لا؟! البضـاعة اللي معـانا دي صعب تلاقيهـا مع أي حـد ولما عـرضتها علي بعض النـاس عرضـوا مبالغ أعلى بكتير من اللي أخدناها في الصنف دا من كام سنة ! أضعاف أضعاف تمنهـا علشان كدا قـولتلك متبيعـهاش واستنـى لما أرجـع، فهمت بقى أنا اتأخرت ليه!"
"طب والحقن اللي اتسرقت! ما دا معناه إن في حد عارف مكـاننـا."
"يبقـى تخـلي عينيك مفتحـه وتعـرف هو مين في أسـرع وقت وتخـلص عليـه."
"تمام يا باشا."
في تمـام الرابعـة فجـرا تحـرك يـزيد بسيـارته عائـدا لمنـزلـه ولكن رغم أن الطرقات لم تكن واعرة لهذا الحـد خـرجت سيـارته عن المسار ولم يستطـع التحكم بهـا حتى اصطـدمت بشجـرة عمـلاقـه واصطـدمت رأسـه بمقـود السيـارة فصـرخ متألمـا وعاد برأسه للخـلف. كان الدوار قد تملكـه بالفعـل لحد كبيـر وبات علي حافة فقـدان الوعي عندما إلتقطـت عينه ظلا لرجـل يآتي من بعـيد، يقتـرب تجـاهه يسألـه:
"أنت كويس! أنا.. أنا هساعدك متقلقش."
أمسك الرجـل بذراع يـزيد و أحكم عليه ربطـة ما قائلا:
"دراعك بينز'ف لازم أوقف النز'يف."
لم يكـن يزيد يشعـر بما حولـه للدرجة التي تجعـله يدرك بأن ذراعـه سليمـا وأن الرجل أمامه قـام بـوضع إبرة بعـروقه وضغط بسائلهـا لداخلهـا. اقتـرب منه وقال هامسا:
"واحـد."
تعـالت الضحكـات و تحـرك راكضـا مبتعـدا عنـه ويـزيد يتابـع ما يحـدث بعـقل مشوش حتـى فقد وعيه بالكـامل واستيقـظ باليوم التـالي في المستشفـى العام.
" المـؤشـرات الحيوية بتاعـته بتقـول إنـه كان مُتعاطي للمخد'رات، كمان في علامة لإبرة علي ذراعـه بس التحاليـل بتقول لا!! الظاهـر كدا إن فيه عقار جديد مبيظهرش في التحـاليل الطبية."
اقتـربت سمر عندما لاحظت يـزيد قد استعاد وعيه وسألته باكيـة:
"يزيد! أنت كويس يا حبيبي؟!"
إلتفـت الضابط واقتـرب من يزيد الذي طالعـه بتعجب:
"فيه اي! اي اللي حصل؟!"
"أستاذ يـزيد أنت عملت حادثـة علشان كنت سايق وأنت تحت تأثير المخد'رات."
"مخد'رات!؟ لا طبعا أنا مباخدش أي حاجة أنا راجل رياضي و حارس شخصي يعـني مستحيل أخد اي مخد'رات."
ظـل الضابط صامتـا يُفـكر في الأمـر، عليـه التحـري عن الأمر بدقـة قبل أن يُكمـل استجـوابه ليزيـد. أومأ برأسـه ثم تحـرك للخـارج و يزيـد يُطـالعه بضيق وهـو يضم زوجته لصدره:
"يلا نـروح يا سمر أنا بقيت كويس."
"لا هنستنـى لما الدكـتور يكتبلك علي خروج وهو اللي يقـولي إنك كويس، أنا كنت خايفة أوي عليك."
قال بشرود:
"متخافيش يا حبيبتي، متخافيش."
.........................................................
" جهـزتوا الشُنط؟!"
"أيوا خـد أنت و مختار شـُنط الأكـل و وقفلنـا تاكسي وأنا هقفـل الشقـة وجايـة وراكـم."
"طيب.. علطول بقى متتأخريش."
"حاضر."
أغـلقت كل الأضواء ثـم الأبـواب وتحـركت سريعـا للأسفـل فـوجدت مختـار وشـاكر يقفـان أمام البـاب أحدهم يطـالعها بقلق والأخر ينـظر للخارج بضـيق فسألتهم بتعجب:
"فيه اي!"
أشار لهـا مختار بعينيـه للخارج فأقتربت تنـظر لتجـد مازن يقـف مستنـدا علي سيـارته يطـالعهـا بهـدوء وابتسامة خافتـه، يـرتدي نـظارته الشمسـية. قال بـجدية:
"مـش يـلا بينـا!"
سألته بتعجـب:
"يلا بينا علي فين؟!"
"هاجي معـاكي."
سألته بصدمة:
"هتيجي معايا فيـن؟! أنت ليـه محسسني إني طالعـة رحـلة، معلشي دقيقـة بس هو أنت عارف أنا رايحة فين أساسا."
هز رأسه بنفـي يبدي عدم إهتمامه:
"لا خـالص.. بـس يـلا بينـا علشان منتأخرش."
طـالعته زين بصدمـه وهو يتحـرك يفتح لهـا المقعد المُجـاور له. تطـلعت خلفـها لمختار وشاكر الذان بقيـا علي وضعهم الصامت تاركيـن القرار بأكملـه لهـا. أقتـربت زين تجـاه مازن تسأله بدهشة:
"بعـد كل اللي قولتـهولك!!"
أقترب مازن يهمس لها:
"أنا واثق إنك كدابـة."
رسم إبتـسامة علي وجـهه وهو يُشيـر لها لتصعـد للسيـارة فتأففت بإنزعاج و نظرت خلفهـا تومئ للإثنـين فأقتربـا يضعـان الحقائب بالسيارة و أشار لهم مازن للجلوس في المقعد الخلفي ثم عاد بعينيه لزين من جديد:
"اتفضـلي... يا آنسة زين."
طـالعته زين بضـيق ثم دلـفت لداخل السيـارة وجلست علي مضض فهي تعـرفه جيدا.. أو ربمـا، ربمـا تهتم حقا لإهتمـامه بها!!.
انطـلق مازن بالسيارة ولازالت إبتسـامته السـاخرة تزين وجهه وسأل زين:
"علي فين إن شاء الله!"
"دار أيتـام الرحمـة.. في عين شمس."
ابتسـم مـازن، هو لا يُصدقهـا، لا يُصدق بأن فتاة نقيـة مثلها قد تُقـدم علي ذلك الأمر. حسنا هو يعتـرف بأنها قـوية، لسـانها لاذع ولا تهتم للآخرين أو حتى لـه. ربمـا هي غامضـة وخلفها الكثير من الأفكار والقصص التي تُخفيهـا. هي الآن ككتـاب بلغـة غريبـة لا يفهمهـا وبداخـله إصـرار علي تعـلم لغـته وفهم كلمـاته والشعور بكل حـروفه. عـزيزي الحب أنا لا ألومك أو ألوم العشاق اليوم فها أنا ذا واحدا منهـم.
ظـل علي شـروده لدقـائق حتـى عاد علي صـرخـة زيـن:
" حـاسب يا مـازن!!!"
رواية بين الحب والقانون الفصل الخامس 5 - بقلم ايه محمد
"زين حامل".
"يادي الواقعة السوداء، إيه الخراب اللي حل علينا ده!"
"بنتي بتروح مني خلاص، شاور عليا أعمل إيه؟"
"إحنا لازم نغسل العار ده يا رؤوف."
"نسقطها؟"
"لأ.. لازم البت دي تموت."
"أنا بنتي مش خاطية يا رؤوف! وهي ذنبها إيه بس! الذنب ذنبي أنا."
"الذنب ذنبك آه بس بناتي وابنتك التانية اللي هيدفعوا التمن."
"وزين بنتي ملهاش ذنب إنها تدفع هي التمن، كفايا المر اللي شافته، أوعى تقول قدامها الكلام ده للبت تعمل حاجة في روحها يا رؤوف."
قال رؤوف بشرود:
"ماشي.. ماشي يا أخويا."
"زين.. زين أنتي كويسة! زين فوقي!"
فتحت زين عينيها لتجد نفسها لازالت في سيارة مازن، كل ما تتذكره هي تلك السيارة التي ظهرت أمامهم فجأة وأوشك مازن على الاصطدام بها. أما الآن فهي نائمة على كرسيها والسيارة متوقفة على جانب الطريق. تساءلت بتعب:
"إيه اللي حصل؟ أنت كويس؟ إحنا عملنا حادثة؟"
هز مازن رأسه نفياً وزفر براحة:
"لأ.. أنا عرفت أسيطر على العربية، بس إنتي أغمي عليكي من الخوف، قلقتيني عليكي."
اقترب مختار الذي كان خارج السيارة ووقف بجوار نافذتها يعطيها بعض الماء:
"اشربي ميه وهتبقي أحسن."
"متشكرة."
بعد دقيقة استعادت زين توازنها من جديد وأردفت بهدوء:
"يلا بينا أنا بقيت تمام."
تساءل مازن بجدية:
"لو مش كويسة نروح مستشفى!"
"لأ مش مستاهلة أنا بس اتخضيت، يلا أنا وعدت الولاد إني هروحلهم النهاردة ومش عايزة أخلف بوعدي وبعدين أنا تمام كويسة.. هتيجي معانا ولا غيرت رأيك ولا ناوي تعمل بينا حادثة بجد، ها أنت تنحت كده ليه؟"
"تنحت!! ما أنا اللي جايبه لنفسي.. حطي الحزام يا زين قبل ما أديكي على وشك."
تأففتت منه، هي لا تريد البقاء بجواره طوال اليوم وإن كانت تفعل لأكثر من يوم في الأسبوع، ولكن ألا يحق لها التنفس بحرية بعيداً عن عينيه؟ فهي تشعر دائماً أنه يراقبها حتى وإن رفعت عينيها تجاهه ووجدته منهمكاً في شيئاً ما بأعماله المكتبية، ولكنها لا تستطيع إنكار ذلك الشعور بداخلها.
توقف أمام دار الأيتام فأخذ مختار وشاكر الحقائب وسبقوها للداخل. التفتت زين لمازن وهي تفتح باب السيارة وقالت برسمية:
"متشكرة جداً على التوصيلة يا مازن باشا، مع السلامة."
"اقفي عندك.. أنتي الظاهر مسمعتنيش كويس أنا قولتلك هاجي معاكم مش هوصلكم، أنا هدخل معاكي جوه."
"لأ حضرتك الأطفال جوه بجد معجونين بمايه عفاريت وصدقني هتصدع أنا عارفاك بتصدع من أقل حاجة، فحضرتك مش مضطر تضيع يوم أجازتك في مشوار ممل زي ده."
"ممل! ومعاكي؟ مستحيل.. ادخلي قدامي يا زين."
"متتطفل."
"جبانة."
همس الاثنان بكلماتهم الأخيرة وتحركا للداخل. ركض الأطفال تجاه زين وبعضهم لم يترك مختار أو شاكر، فهؤلاء الأطفال شديدي التعلق بالثلاثة.
قالت زين بحماس:
"عملتلكم البانيه اللي طلبتوه والمفاجأة كيكة بالشوكولاتة."
تعالت صرخات الأطفال الحماسية وسحبوا يدي زين، فركضت معهم تجاه الحقائب وبدأت توزع الوجبات عليهم، فتلك الوجبات هي كل ما تستطيع تقديمه بمساعدة شاكر ومختار والسيدة أمينة.
ابتسم مازن وهو يراقبها ولكنه لم يقترب، فهو حقاً لا يجيد أو ربما لا يحب التعامل مع الأطفال.
"هتلعب!!"
نظر مازن أسفله ليجد طفلاً ربما في الخامسة من عمره يسحب بنطاله ويسأله، فأنحنى مازن يسأله أيضاً:
"ألعب إيه؟!"
"اممم.. القطة العامية."
طالع مازن الصبي ثم رفع عينيه تجاه زين التي تعالت ضحكاتها مع الأطفال، فأومأ يقول بابتسامة:
"طيب يلا جمع أصحابك، بس أنت اللي هتبقى القطة العامية."
"عادي، كدا كدا هكسب."
"ماشي يا جامد، يلا روح ناديلهم."
ركض الصغير ينادي رفاقه فتجمهروا حول مازن الذي ضحك بسخرية وسرعان ما اندمج معهم.
انتبهت زين لهم وكذلك بقية الأطفال الذين ركضوا للعب مع مازن، فانضمت كذلك لهم لتشاهد مازن وهو معصوب العينين. هي لا تستخدم أي عطور قد تجذبه لها، فلن يتعمد ملاحقتها. فوقفت تضحك بين الجميع عندما بدأ في الصياح عندما قام الأطفال بدغدغته.
"ولد منك ليه!! ابعد ابعد ياض متفقناش على كده."
ضحك الصغير وقال بسخرية:
"عمو بيغير، عمو بيغير... هجوم."
تعالت ضحكات زين عندما ركض مازن ولم يفكر حتى في رفع العصبة عن عينيه، ولم تدرك كيف فجأة أصبح يتجه صوبها، فتوقفت عن الضحك وتسمرت مكانها، ولكنه توقف فجأة أمامها ورفع العصبة قائلاً وهو يغمزها:
"كان ممكن أستغل الموقف أفكرا."
سألته بتعجب:
"أنت عرفت مكاني إزاي؟!"
رفع كتفيه وقال مشوشاً:
"مش عارف بس حسيت."
صمتت زين تطالعه بابتسامة حزينة، وبدلاً من الغرق في أفكارها السوداوية أخرجها مازن من شروده بسؤال:
"هو مش متبقي سندوتشات بانيا؟!"
ضحكت زين وهزت رأسها نفياً:
"معلشي والله الأولاد أخدوهم كلهم."
"خلاص مش مشكلة."
"معلشي متعوضة، أنا هروح عشان أزور الست فاطيمة مديرة الدار وبعد كده نقدر نمشي."
"تمام وأنا هروح ألعب مع العيال دي على ما تيجي، صحيح هما كلهم ولاد؟ مبتزوريش بنات؟"
ضحكت زين. هل يشعر الآن بالغيرة من الأطفال؟
قالت ببعض الهدوء:
"أصل دي دار الأيتام اللي اتربى فيها مختار وشاكر، بص هناك كده."
هناك، بعيداً عن الجميع وقف مختار يضع يده على كتف شاكر والاثنان يتطلعان أمامهما للمبنى نفسه، تارة يبتسمون ابتسامة خافتة وتارة يصمتون وتارة أخرى يضحكون بصوت عال. قضيا وقتاً ممتعاً في استعادة ماضيهم وذكرياتهم، يربت كلا منهما على ظهر الآخر، أخ وأخيه، ولكن لا تربطهما صلة الدم.
اقتربت الساعة من السادسة بعد العصر، كانت غافية على الكرسي بجوار مازن، يداعب الهواء وجهها الصغير وهو يختلس النظر لها من وقت لآخر. تارة يبتسم وتارة يحزن لشعوره بالذنب. كم يتمنى لو منحته الفرصة للتقرب منها بطريقة صحيحة!
هو حتى الآن ينكر وبقوة كونها قد تزوجت من قبل، يشعر بل هو متأكد بأنها كاذبة. هو لم يقل ذلك ليراوغها لتخبره بالمزيد، بل هو يشعر في قرارة صدره بأن تلك الصغيرة كاذبة. لقد بلغت الثانية والعشرين منذ أشهر قليلة فقط، متى تزوجت هي مرتين!!
لكنها حقاً لا تتصرف أبداً كفتاة في الثانية والعشرين. لقد أتى ذلك الوقت، سيبحث خلفها عن عائلتها التي لم يسمع بها أبداً. سيعرف منشأها وأصلها، سيعرف ذلك بالتأكيد.
بعد نصف ساعة توقف أمام منزلها مرة أخرى، تحرك مختار وشاكر يحملون الحقائب الفارغة وأخذاها للأعلى. التفتت زين وقالت بهدوء:
"شكرًا يا مازن."
"على إيه! أنا اتبسطت أوي النهارده، من فضلك المرة الجاية قوليلي عشان عاوز أروح تاني."
"مازن، أنا عايزة أنسحب من الشغل معاك، أو اسمها استقالة صح؟!"
"استقالة!! ليه يا زين؟ أنا بيتهيألي إنك كنتي بتحبي الشغل معايا ومع كل قضية كنا بنوصل لحلها سوا كنت بحس إنك بتحققي الحاجة اللي أنتي عاوزاها وحباها."
"بس دلوقتي الوضع اتغير.. أنا بيقولوا عني شديدة في التعامل وقاسية في كلامي ودلوقتي مش حابة أكون كده معاك خصوصاً بعد ما أنت صارحتني بمشاعرك، أنا وأنت يا مازن مش هيكون فيه حاجة بينا."
"الأول قوليلي أنتي مكنتيش متزوجة صح، أنتي كدبتي عليهم صح ولا لأ؟!"
"آه.. كدبت."
"وأنا مش هسألك كدبتي ليه، هسيبك تحكيلي بنفسك."
"المشاعر المندفعة اللي ظهرت عليك مرة واحدة كانت عشان أنت فجأة اكتشفت إني بعمل حاجة غير قانونية وكمان لما سمعت حقيقة ورا التانية وكمان سمعت كدبة ورا التانية هو ده اللي خلاك مهتم بقصتي، لكن متخلطش ده بالمشاعر التانية، ممكن تكون حسيت بالشَفَقة مش أكتر."
"لأ لأ زين أنا مش مراهق واقف قدامك، وبعدين مين قالك إن مشاعري مندفع وظهرت مرة واحدة!! هو أنتي مكنتيش شايفة اهتمامي بيكي!! أنا كنت دايما عاوزك جنبي.. زين أنا مكنتش بحل القضايا دايما بالمعلومات بتاعتك أنا كنت ببقى عارف أكتر بكتير من اللي أنتي عارفاه بس مكنتش عاوزك تعرفي عشان متحسيش إن وجودك ملوش داعي، أنا بس كنت عاوزك جنبي، مكنتيش بتتكلمي معايا أغلب الوقت، قاعدة قصادي في مكتبي وساكتة، حاولت أعرف عنك حاجة وعن أهلك معرفتش لحد ما عرفت موضوع الشباب دول ومقدرتش أستحمل ولا أفضل ساكت، بس أنا دلوقتي مش عارف أستحمل فعلا سكوتك.. احكيلي! مين اللي شربك سم!! مين اللي...."
"لأ لأ أرجوك متفتحش الموضوع ده، أنا اتشرفت بيك يا مازن باشا، أنا مرتاحة لأني دلوقتي عارفة لو وقعت في مشكلة هلاقي مكتبك في استقبالي بس مش عاوزة منك أكتر من كده.. تصبح على خير."
تركته زين وصعدت للأعلى فوجدت مختار يقف في انتظارها أمام بابه. ابتسمت بخفوت وقالت:
"أنا تمام."
أومأ وقال بنبرة حانية:
"تصبح على خير، خدي العشا بتاعك."
"إيه ده.. آه صح إحنا كنا سايبين كام وجبة هنا."
"طيب مش شايف إننا نعزم على مازن بوجبة!"
"لأ مش شايف، هو اللي تطفل علينا مش عامل لينا خدمة يعني وطالما خدتي القرار يبقى متسيبش الباب موارب."
طالعته زين بضيق ثم تحركت تجاه غرفتها المنفصلة وأغلقت الباب بالمفتاح ثم ذهبت وجلست على فراشها وقالت بصوت هامس:
"كان ممكن يا مازن بس لو قابلتك في ظروف تانية."
قامت بتأدية فريضة العشاء ثم بدلت ثيابها وذهبت للنوم، فهو أفضل ما يمكنها فعله للتوقف عن التفكير به إن لم يأتها كزائر للأحلام.
في الصباح التالي..
"شاكر الأوردر بتاعي هيخلص إمتى!"
"خلاص دقيقتين."
"okay take your time, أنا هروح أعمل حاجة وراجع."
"اوكييه."
طالع شاكر وهو يرحل وعاد يهتم بعمله في كافتيريا لإحدى الجامعات الخاصة.
"لو سمحت، ممكن قهوة سادة."
"قهوة سادة!"
"آه، إيه مش موجودة!"
"لأ موجودة بس بقالي كتير معمـلتش قهوة سادة لحد من الطلبة، دايمًا الأساتذة الكبار هما اللي بيطلبوها."
"لأ لأ أساتذة كبار إيه أنا طالبة، إيه.. إيه الطلبة بتطلب إيه؟!"
"يعني ممكن آيس كوفي، كابتشينو، موكا أو لاتيه."
"خلاص هاتلي كابتشينو... أهو اللي نعرفه أحسن من اللي منعرفهوش."
ضحك شاكر بخفوت ثم أومأ لها وقال ببعض الهدوء:
"طيب بصي أطلبيها هناك وهتستلميها مني هنا."
"آه بجد، معلشي أنا مكنتش أعرف، متوترة بس لسه أول يوم."
"لأ ولا يهمك."
طالعها شاكر وهو يتساءل بداخله:
"إزاي طالبة وأول يوم! شكلها أكبر من كده."
بعد دقيقة عادت له فأعطاها طلبها ورحلت وهي تنظر في كل مكان سوى طريقها. همس شاكر:
"غريبة!"
"ها أنت ذا سيد معتصم!"
انتفض معتصم من مكانه واقترب ليُرحب بذلك الرجل الذي اقتحم مكتبه فجأة دون أي مقدمات.
"سيد دراكو، أهلاً بك يا لها من مفاجأة سارة!"
"أتمنى أن تكون كذلك فوجهك له رأي آخر."
"هه، لأ أنا فقط لم أعرف بقدومك."
"ظننت أنك تتوقع قدومي فأنا لا أنتظر كثيراً لأتمم صفقاتي، هل بضاعتك جاهزة؟"
"بالطبع جاهزة، أنا فقط لم أتوقع قدومك شخصياً."
"أخبرتك بأني أرغب في توطيد علاقتي بك وضمك لجماعتي، فهل توافق العمل تحت حسابي؟"
"أجل بالطبع سيد دراكو سيسعدني ذلك حقاً."
"إذا سأخبرك بالوقت والمكان، تدبر أنت فقط أمر نقل البضاعة بسلام."
"أوه حسنا، لا تقلق سأتكفل أنا وشريكي بذلك."
"توقعت بأنه حارسك الشخصي، إن كنت تقصد السيد يزيد بالطبع."
"كيف عرفت بأني أتحدث عنه؟!"
"أنا! لم يسألني أحد يوماً كيف عرفت ذلك أو ذاك فأنا دائماً أعرف كل شيء."
"أوه هذا صحيح، أعتذر سيد دراكو، وبالنسبة ليزيد فهو كان حارسي الشخصي ولكن مهاراته وطموحه يؤهله ليكون شريكاً يوماً ما."
"حقاً! إن كان هذا رأيك به فلا بأس."
"أخذنا الحديث ونسيت سؤالك، ماذا ستشرب أو ربما يمكننا الذهاب لتناول الغداء."
"لا داعي لذلك."
"مش هتنزل يا يزيد."
"بت يا سمر بطلي أفورة بقى! أنا كويس أهو قدامك، لو فضلت قاعد كده بيتنا هيتخرب."
"مش مهم، أنا خايفة."
"لأ متخافيش."
"أنت كده طمنتني يعني؟!"
"طيب أعمل إيه؟! أقعد في البيت زي الولاية! هو إنتي تعرفي عني إني جبان!! أنتي عارفة إن شغلي فيه خطورة وكنتي موافقة، مش مع أول موقف هتتراجعي."
"أتطمن عليك إزاي وأنت لحد النهاردة الصبح كل ما تقف بتدوخ! خليك يومين تلاتة الدنيا مش هتطير."
كانت تقف أمام الباب تمنعه من الخروج. لن يكون صعباً عليه إبعادها ولكنه يعشق رؤيتها وهي تكاد تبكي خوفاً عليه، ذلك الشعور بأنه الحياة بأكملها بالنسبة لأحدهم. ابتسم وهو يستند بيديه على الباب محيطاً إياها بين ذراعيه.
"قوليلي إن دي حجة عشان أفضل جنبك."
ابتسمت وقالت بثقة:
"مش محتاجة حجج عشان أخليك تفضل معايا، أنا أقدر أعمل كده بضحكة واحدة مني."
"حصل يا باشا.. بس معلشي أنا عندي مشوار مهم يا سمر هخلصه وهرجع على طول تكوني عملتيلي الفراخ المسلوقة اللي ملهاش طعم دي وتعامليني زي العيانين."
"طيب قدامك ساعة زمن وترجع."
"هحاول.. وسعي بقى."
"اتفضل.. خلي بالك على نفسك."
"حاضر."
يراقبه منذ ساعات والآن ظهر أمامه وأخيراً في شاشة المراقبة وهو يخرج من شقته. يفصلهم طابق واحد، ربما للمرة الأولى يشعر ذلك القاتل بالتوتر، فالهدف هذه المرة ليس مجرد رجل أعمال بل هو حارس شخصي، شديد الحذر وقوي الملاحظة. أي خطأ وإن كانت تنهيدة صغيرة قد تودي بحياته هو.
توقف المصعد في الطابق الواقع مباشرة أسفل شقة يزيد فدلف هو ولم يلتفت له يزيد.
وقف خلفه ببعض خطوات في يده إبرة بها مُخدّر ينوي وضعها في عنقه. يتطلب الأمر منه السرعة والقوة، الثقة والرتابة لتأدية مهمته.
فعلها.. فعلها حقاً!! يبدو أن تفكيره كان صحيحاً لاستغلال فترة الإعياء التي يمر بها يزيد، فقد وضع الإبرة بسرعة ودفع السائل لداخله وعلى الفور فقد يزيد قدرته على الوقوف بثبات وبدأ يترنح حتى سقط جالساً. ابتسم الآخر بتشفٍ واقترب وهو يخرج حزاماً من حقيبته وربط بها ذراع يزيد ثم أخرج إبرة أخرى وأفرغ ما بها في عروقه وقال بابتسامة:
"إتنين."
تأوه يزيد بعد دقيقة بانتشاء فقد بدأ مفعول المخدر يذهب عقله، أما الدواء الأول فمفعوله لا يستمر سوى دقائق، وبذلك أمام الأخير الآن دقائق معدودة للخروج والركض سريعاً قبل أن يمسك به.
توقف المصعد في الطابق الثالث لضمان عدم اصطدامه بأي سكان وتحرك ركضاً للخارج ولا يزال يزيد بمكانه بالكاد يستطيع التحرك والتنفس.
في الليل..
بعدما قضت زين معظم يومها بين جدران غرفتها قررت النوم ولكنهـا لا تشعر بالنعاس ولن يساعدها سوى الحبوب المنومة، ولكن قبل أن تأخذ إحداها انتفضت على صوت طرقات عنيفة على باب غرفتها. فتحركت ببطء تمسك بعصا خشبية بيديها المرتجفة وقبل أن تسأل عن الطارق سمعت ضربات قوية فأدركت بأن أحدهم يحاول اقتحام غرفتها.
تعالت ضربات قلبها ولكنهـا قررت فتح الباب والانقضاض عليه قبل أن يتخلص منها. وفور فتحها للباب وجدت نفسها تقع أرضاً مقيدة أسفل رجل لم تعرفه حتى، فصرخت تطلب النجدة:
"إلحقوني.. يا مختار!!"
يتبع..
رواية بين الحب والقانون الفصل السادس 6 - بقلم ايه محمد
"إلحقوني.. يا مختار! أنت مين؟ ابعد عني بقولك؟"
آتى شاكر سريعًا على صوت صراخها وسحب الفتى الفاقد الوعي من فوقها، فهمس بصدمة: "مختار!"
اقترب مختار بهلع من أخيه وناداه بصوت عالٍ لعلّه يستجيب: "مختار! أنت سامعني! مين اللي ضربك كدا؟"
كانت زين قد تراجعت للخلف تضم قدمها لصدرها، فاستعادت إدراكها رويدًا وتمالكت ذاتها واقتربت تتساءل: "هو.. شاكر شوفه بيتنفس! أنا حاسة إنه مش بيتنفس!"
جحظت عينا شاكر عندما أدرك بأنه يتنفس بصعوبة، وقف شاكر وسحبه ليحمله على ظهره وتحرك به للأسفل، وأغلقت زين باب غرفتها بعدما سحبت كل الأموال التي وضعتها في خزانتها، ثم ركضت خلف شاكر وهي بإسدال الصلاة.
توقفت السيارة أمام المستشفى العام، فخرجت زين سريعًا من الكرسي الأمامي، وكان شاكر قد خرج بالفعل بالخلف يُحاول إخراج مختار ورفعه بنفس الطريقة وركض به للداخل.
"لو سمحت.. أعمل إيه! مش بيتنفس."
"هاته بسـرعة على الطوارئ."
أخذه العمال رفقة بعض أفراد التمريض ودلفوا به للغرفة العامة للطوارئ، فآتى طبيب مسرعًا يفحصه ثم قال بجدية: "أنا شاكك إن عنده نزيف داخلي... بسـرعة على الأشعة وجهزوا أوضة العمليات."
قاموا بدفع شاكر وزين برفق للخارج وأخذا مختار بعيدًا عنهم في لمح البصر، جلس شاكر أرضًا يضع رأسه بين قدميه وزين تقف جواره تطالعه بحزن وآسى.
"مش فاهم إزاي اتضرب بالشكل دا!؟ مختار مش ضعيف؟"
"يمكن حرامية اتكاتروا عليه في السوبر ماركت اللي بيشتغل فيه!"
"مش عارف بس ممكن..."
"أنا مش هستنى الافتراضيات دي، أنا هكلم مازن باشا."
"أنا كنت عاوز أطلب منك بس قلقت لتتضايقي."
"مفيش حاجة دلوقتي أهم من مختار وأهم من إننا نعرف إيه اللي حصل معاه."
أخرجت زين هاتفها وتحركت قليلاً بعيدًا عن الضوضاء لتستطيع إخباره بكل ما حدث.
وعلى الطرف الآخر انتفض مازن عندما وجد اسم زين على شاشة هاتفه تتصل به في مثل هذا الوقت.
"زين! ألو؟ أنتي كويسة!"
"أنا في المستشفى."
"مستشفى! مستشفى إيه وليـه! قولـيـلي العنوان بسرعة مسافة السكـة وهكون عندك."
"أنا كويسة يا مازن اسمعني بس."
أخبرته زين بما حدث فجلس يتنفس الصعداء ولكنه أبدى بعض الاهتمام: "متقلقيش أنا هحقق في الموضوع بنفسي، ابعتيلي في رسالة عنوان الشغل بتاعه."
"حاضر."
مرت عدة ساعات ولا يزال الاثنين بمكانهما عندما آتى مازن، فطالعته زين بترقب ووقف شاكر يصافحه: "بعتذر إننا قلقنا حضرتك في وقت زي دا."
"لا ولا يهمك أنا بعمل واجبي."
"طمني يا باشا، وصلت لحاجة؟"
"طمني بس الأول على مختار!"
"مش عارفين حاجة لسه، كل اللي عرفناه إنه عنده نزيف داخلي وبيحاولوا يوقفوه."
"خير.. خير إن شاء الله، أنا وصلت للسوبر ماركت وسألت هناك قالولي إنه أخد طلع يوصل أوردر فسألت عن العنوان اللي راح ليه قالوا إن هو اللي أخد الأوردر بنفسه وطلع يوصله ومفيش أي حاجة متسجلة عن العنوان بس بردو قعدت اتكلمت مع كل الناس اللي هناك وموصلتش لحاجة فقررت أرجع للمنطقة اللي أنتم ساكنين فيها وقولت اسأل في الأماكن اللي حواليكم لحد ما واحد جاركم قالي إنه نزل من العربية ومعاه بنت ودخلوا الاتنين العمارة بتاعتكم لكن أنا قولت أسألكم الأول قبل ما أحقق مع البنت عن اللي حصل لو تعرفوا إذا فيه بينهم حاجة!"
قال شاكر بقلق: "ملك؟!"
أومأت زين وقالت بتأكيد: "مفيش بنات في العمارة غيري أنا وهي فأكيد هي.. أنا هروح..."
توقفت عن الحديث عندما وجدت ملك تأتيها بأعين حمراء ووجه باهت وأمامها السيدة أمينة تسحبها بغضب، تبدد ذلك الغضب وتحول لخوف عندما رأت زين ورأت الدماء على ثياب شاكر، فتساءلت: "مختار كويس؟!"
طالع شاكر ملك بوجه غاضب محتقن بالدماء وأردف بضيق: "لا مش كويس."
اقتربت ملك تقول بخوف: "هو اتضرب بسببـي.. أنا آسفة."
اقتربت زين وقالت: "حضرتك الظابط قالنا إنك كنتي آخر واحدة معاه، قوليلي إيه اللي حصل!!"
رفعت ملك رأسها تطالع أعين الجميع التي ترقبت إجابتها وقالت بصوت خافت: "أنا كنت في حفلة إمبارح تبع حد من الكلية، أنا مكنتش هروح والله بس أنا وصاحبتي كان عندنا فضول نعرف إيه مناسبة الحفلة اللي عامل دعوة للجميع عليها دي.. لما روحنا هناك الوضع معجبناش وقررنا دقايق وهنمشي بس أنا فجأة لقيت مختار قدامي....."
«عودة للماضي»
"مختار! أنت بتعمل إيه هنا؟"
"أنا كنت بوصل طلبات تبع السوبر ماركت وشوفتك داخلة هنا، ممكن أعرف إيه اللي دخلك مكان زي دا!!"
"نعم!"
"نعم إيه وزفت إيه؟ أنتي مش شايفة حواليكي!!! النص سكران والنص التاني متدهول مخدرات!؟"
"أنا كنت دقيقة وماشية."
"ولا ثانية واحدة كمان، لو سمحتي اخرجي عشان أوصلك للبيت."
أومأت له بطاعة فهي تعلم يقينًا بأنه مُحق وأنها أخطأت وصديقتها بالذهاب لذلك المكان وأدركت بأنه لا يجب دائمًا السير خلف فضولنا وأهوائنا، ولكن قبل أن تخطو خطوة واحدة وجدت يد تسحبها للداخل مرة أخرى، فالتفتت لتجده صاحب الحفل يقول بابتسامة: "يعني أنا مصدقتش نفسي لما شوفتك ودلوقتي ألاقيكي ماشية!!"
اقترب مختار يرفع يد الشاب عنها يقول غاضبًا: "إيدك دي الأول واتكلم معايا أنا."
طالعه الشاب بسخرية فقد كان مختار يرتدي الزي الخاص بعمله ولكن أعينه ونظراته الحادة لم تحمل هوية شاب بسيط بل رجلاً في قمة غضبه وقوته.
قال بسخرية: "أنت تعرف أنا ابن مين!؟"
"ميهمنيش."
اقتربت ملك تنظر لمختار تقول بحذر: "بلاش مشاكل خلينا نمشي."
ضحك الشاب بسخرية: "ومين قالك إنك هتخرجي من هنا من غير ما يجيلي مزاج تمشي!!"
دفعه مختار بعيدًا عنها يردف بضيق: "أنت عبيط يلا ولا إيه!!"
ضحك الشاب بسخرية ورفع يده يشير للحراس للإقتراب، فآتاه شابين أجسادهم كعرض الحائط لن يستطيع الوقوف لهما ندًا و لكنه سيفعل مضطرًا فهو يفضل الموت على التراجع وتركهـا له.
قالت ملك ببعض الحدة: "لو سمحت يا كريم كفاية كدا.. سيبها مش وقتـه الكلام دا.. إحنا أساسا منعرفش بعض كويس عشان تجبرني أقعد هنا!! وأنا كدا كدا كنت ماشية."
"الدخول هنا كان بمزاجك بس الخروج بمزاجي أنا."
دفعه مختار مرة أخرى بقوة واشتبك في معركة كانت منتصرًا في بدايتها ولكن الكثرة تغلب الشجاعة وتلك الضربات القوية والمحترفة التي كيلت له كانت كفيلة للفتك به وربما قتله حتى! ورغم ذلك كان يشعر بالرضا لكونه استطاع الوصول لذلك الشاب المغرور وإطـباحه بعدد من الضربات القوية الغاضبة.
أنفه يُقطر دمًا وفمه وكذلك رأسه وشعره تلوثت بدمائه ورغم سقوطه أرضًا لم يرفض ترك ملك التي ظلت لجـواره.
اقترب شاب آخر: "كفاية يا كريم كدا.. سيبهـا مش وقتـه الكلام دا."
قال كريم بحنق: "خلاص ماشي."
اعتدل مختار بصعوبة وهو يتحامل على آلامه وجذب ملك للخارج. لم يتوقف نزيفه ولم تتوقف قدماه كذلك حتى أوقف سيارة أجرة وقال بضيق: "اركبـي."
قالت ملك بخوف: "مختار أنت لازم تروح مستشفى."
طالعها مختار بأعين سوداوية من شدة غضبه وقال مجددًا وهو يصك على أسنانه: "اركبـي العربية."
جلست ملك خائفة في الكرسي الخلفي بينما ارتمى هو بجسده المتألم على الكرسي الأمامي بجوار السائق وظل متمسكًا حتى توقف السائق أمام عمارتهم فأعطى الرجل أمواله وتحرك للداخل دون أن يلتفت لها، تملكه الدوار حقًا وأصبحت رؤيته مشوشة ومال برأسه على الباب أمامه ولم يكن سوى باب زين فـدقه بـطاقتـه المتبقية قبل أن يسقط فاقدًا للوعي عندما سمع صوتًا يأتيـه من الداخل.
«عودة»
بالطبع لن يتسائل شاكر عن السبب الذي جعله يفعل ذلك، فهو أخيه وإن كان لا يوجد بينهم رابط دم ولكنه أخيه بل وتؤامه فالإثنان بنفس العمر.
كانت زين على وشك بدأ النزاع مع ملك ولكن أوقفها صوت الأبواب خلفهم وخروج الطبيب الذي قال بتمهل: "كان عنده نزيف شديد وقدرنا نوقفه، عنده ضلع مكسور وعنده شرخ في الجمجمة وارتجاج في المخ. وضعه مش مستقر لحد دلوقتي، إحنا علقناله كيسين دم ومحتاجين كمان اتنين ومش موجود فصيلته تاني في بنك الدم فممكن تشتروا كيس أو حد يتبرع، دلوقتـي هيتنقل العناية المركزة فياريت حد يشوف الحسابات."
أومأ شاكر بتيه بعدما رحل الطبيب، بالكاد يستطيع الصمود والوقوف على قدميه. أدرك للتو بأنه لم يحمل أي أموال معه.
قالت زين: "طيب إحنا ممكن نتبرعله."
"تمام.. بنك الدم في الدور الأرضي هياخدوا منكم عينة واللي فصيلته مناسبة يقدر يتبرعلـه."
تركهم الطبيب واقتربت الممرضة خلفه تعطيهم ورقة وقالت بوضوح: "الصيدلية في الدور التالت محتاجين الحاجات دي بس بسرعة."
..........................................................
"أعتقد الآن تعرف أين ذهبت الخمس جرعات."
التفت معتصم للسيد دراكو وأمامهما يزيد ملقى أرضًا يطالعهم بابتسامة بلهاء وهو غير واعٍ لما يحدث حوله، قال معتصم: "لا.. سيد دراكو يزيد ليس أحمق وإن كان يريد تناول المخدرات فهو لن يأخذ هذا النوع الذي نملكه فهو يسبب الإدمان في وقت قصير جدًا. وما أراه الآن شخص غير كحولي حتى كي يزيد يأخذ المخدرات دون أي مقدمات حتى!!! أنا شاكك إن القاتل.. شاكك إن دي الطريقة الرابعة علشان يقتل الشريك الرابع."
قال دراكو بسخرية: "يبدو أنك القادم سيد معتصم."
تبدلت ملامح معتصم للغضب والضيق وقال بتأفف: "أنا لازم أوصله في أسرع وقت وأخلص عليه قبل ما يخلص علينا، يجب علي قتله ولكني لا أملك الوقت للتفكير في طريق..."
ابتسم دراكو بسخرية واقترب يقول بحدة: "رجال المافيا لا يستخدمون التفكير المطول في مثل هذه الأمور... دع الأمر لي."
...................................................
في الصباح التالي...
لا يزال الجميع يقف في الاستقبال الخاص بالمستشفى فلم يتم السماح لهم بالبقاء في طابق العناية المركزة، كانت زين تنظر بأعين متعبة تجاه مازن الذي أبى أن يتركهم. كان غافيًا على الكرسي يسند رأسه للخلف على الحائط وجواره تجلس السيدة أمينة وابنتها التي تمسح دموعها في خفوت.
وعلى مقربة منهم يقف شاكر ضامًا لذراعيه أمام صدره ومستندًا بقدم على الحائط خلفه ينظر أمامه في شرود وصمت تام حتى اعتدل في وقفته فجأة وتحرك تجاه زين يهمس لها: "أنتي باقي معاكي كام؟"
"ألف ونص."
"طيب أنا معايا أربع آلاف في البيت هروح أجيبهم."
"لا، خليك هنا عشان لو قالولك تجيب حاجة تانية وكمان أنا عاوزة أغير هدومي دي."
"طيب خدي المفتاح، هتلاقيهم في الدرج الأول اللي في المكتبة."
"طيب تمام، لو حصل أي حاجة بلغنـي."
أومأ شاكر فتحركت زين تجاه مازن الذي استيقظ يطالع ما يحدث يحاول الاستماع لحديثهم الخافت.
"روح ارتاح يا مازن باشا أنت مكنش فيه داعي تبات هنا وأنت عندك شغل دلوقتي."
قال مازن بتعب: "أنا هوصلك وبعدين أروح المكتب."
لم تجادله بل أومأت وهي تسير جواره فسألته: "إحنا مش عاوزين نسيب حق مختار."
قال مازن بجدية: "الواد اللي ضرب مختار دا أخوه رجل أعمال معروف أوي في البلد.. اسمه معتصم النشار."
قالت زين بسخرية: "قصدك تاجر المخدرات المعروف أوي في السوق."
سألها مازن بدهشة: "أنتي تعرفيه!! تعرفي منين إنه بيتـا'جر في المخدرات؟!"
"عيب لما أبقى شغالة سنة كاملة في قسم بوليس وما أعرف معلومة زي دي."
"لا، معتقدش إن المعلومة دي الناس ماشية تقولها في القسم عندنا."
"لا صدقني كل حاجة بتتقال في القسم عندكم، بس ما علينا إذا كان وزير حتى، حق مختار لازم يرجع وإحنا بالفعل عملنا المحضر في أخو معتصم ولو إنت مش قدها يبقى سيب القضية لحد تاني."
قال مازن بضيق: "أنتي عارفة إني مبخافش يا زين بس جارك هيتحط في مشكلة كبيرة لو وقف قصاد الناس دي، هو ضربه بردو على فكرة."
قالت زين بوجوم: "تمام يا مازن، فهمت.. هخلي شاكر يتنازل عن المحضر."
طالعها مازن بشك، فهو يعرفها لا تستسلم بسهولة. فتح لها باب سيارته فجلست تستند بظهرها على المقعد جواره، إن أغمضت عينيها الآن فستغرق في نوم عميق ولكنها لن تفعل ذلك بكل الأحوال.
تركهـا أمام بيتها بعد دقائق ثم تحرك ذاهبًا لعمله، لا يعرف.. لا يعرف بأنها ربما، ربما تكون مرته الأخيرة لرؤيتها، فبعد رحيله بدقيقة واحدة وجدت سيارة تقف أمامها ووجدت يد تسحبها للداخل تكمم فمها وتركها فقط عندما انطلقت السيارة مرة أخرى.
تعالى صوت أنفاسها وهي تنظر لذلك الجالس مقابلها، سيارة واسعة كتلك التي نراها في الأفلام الكورية ربما! لا أعرف ولكنها تسمح للجالس في الكرسي الخلفي بتمديد قدميه بشكل مريح، سيارة فارهة كما يقولون. رجل في منتصف الثلاثينات، يطالعها من رأسها لأخمص قدميها، فتاة بسيطة عادية لا يوجد ما يميزها ترتدي ملابس الصلاة وتحت عينيها سحابة سوداء يسمونها بالهالات فوقهم زوج من الأعين المتعبة التي تسأله قبل فمها الذي قال: "أنت.. أنت مين؟!"
"اممم... في الواقع أنا لا أتحدث العربية."
"أنا.. أنا مش بفهم إنجليزي كويس.. لا أعرف الإنجليزي."
قال الرجل بسخرية: "إذا ربما يمكننا التواصل بلغة الحب."
سألته بقلق: "أنت مين؟!"
"أنا دراكو.. سيدك الجديد."
طالعته زين بقلب مضطرب، برأسها آلاف الأسئلة ولا تملك إجابة واحدة حتى ولكنـه لم يعذبها كثيرًا وقال: "أريد يديك الساحرة في القتل عزيزتي."
رواية بين الحب والقانون الفصل السابع 7 - بقلم ايه محمد
"أنت مين؟"
"أنا دراكو.. سيدك الجديد."
طالعتـه زين بقلب مضطـرب، برأسها آلاف الأسئلـة ولا تملك إجابة واحدة حتـى. ولكنـه لم يُعذّبها كثيراً وقال:
"أُريـد يديك الساحرة في القت.ـل عزيزتي."
طـالعتـه زين بتعـجب، هل أخبرها للتو بأنه يـريدها أن تق.ـتل شخـصاً ما؟ أم هو يُثنـي علي ج'ريمـة القت.ـل؟
"مم.. مش فـاهمة."
قـال دراكـو ببطئ لتستطيـع فهمه، فقد أدرك أنها تعرف بعض الإنجليزية البسيطـة:
"الضحية الأولى والثانية والثـالثة، والآن تُخططيـن للرابع. لكن ما أريد معـرفته حقـا، لم الشركاء الخمس هؤلاء؟"
قالت بلغة إنجليزية سيئة:
"اسمعني يا سيد، أنا حقاً لا أعرف عما تتحدث. سمعت بتلك القضية فقط ولا علاقة لي بها أو بأي شيء آخر. اسمعني أرجوك، أخي في المستشفى وينتـظرني الجميع للعودة بالمال. فقط دعني أذهب، أنت أخذت الفتاة الخطأ."
"لا لم أفعل، ولن أتركك. ولكن لا تقلقي، أنا لست رجلاً سيئاً. سأرسـل ديفيـد بالسيارة وأرسل لهم مبلغ خمسين ألفاً... هذا جيد أعتقد."
"أنا عـاوزة أمشي."
قـال درايكـو بسخـريـة وهو يـسحبها خلفـه لخـارج السيـارة:
"أنتي لا تعلميـن كم أبهرني أسلوبـك. في الحقيقـة، حاولت التوصل للحقائق بأكملها حول جر'يمة القت.ـل ولم أستطع. لا تعرفين كم أن الأمر محرج لرجل مثلي لقـول ذلك. صدقيني أنا منبهر. ولكن أتركك."
لم تفـهم زين نصف حديثـه، كل مـا كانت تُفكـر بـه: إلى أين يأخذها؟ وماذا سيفـعل بهـا؟ ومتى ستظل محتبسة معه؟ وكيف سيكون حالهـا بعد عدة ساعات من الآن؟
تـوقف المصعـد في الطابق العشـرون، خرج دراكو وهو يسحبهـا، يقـول:
"في الحقيقـة، لم أهتم منذ آتيت للقاهرة بتنـظيف الشقـة. ربما يمكنك تـولي الأمر بنفسك."
لم تفهمه مرة أخري. فـتح دراكو البـاب وآبت ألا تتحرك، تقول ببكاء:
"لا.. لا أرجوك، مش عاوزة أدخل جوا. إرحمنـي.. ارحمني."
أقتـرب دراكو يقول بسخرية:
"أوه عزيزتي، لا تقلقي. أنا لن ألمسك، لا تخافي."
رفـعت زين عينيها له تبحث عن الصدق في عينيه، ولم تجد سوى المكر.
"في الأول سأختبر ذكائك، ثم سأتولى تدريبك بنفسي، ثم سأختبر ولائك، وبعدها ستصبحـين جاهزة للعمل لدي. سأخذك معي للنـدن.. ستصبحين ورقتي الرابحة."
قالت بصوت خافت:
"بس أنا مقت.لتش حـد."
ضحك دراكو يقول بسخرية:
"أوه يا فتاة، أنا لست ضابط شرطـة لتكذبي علي. أنـا أحد زعماء الما'فيا، تعرفين ذلك؟!"
همست زين بر'عب:
"ما'فيا؟!"
"لا تقلقـي. أنا فقط أريد منك الآن تنظيف المنزل وتحضير بعض الطعـام. لن أبدأ تدريبك من اليوم، كما أنك لا تسمحين لي بالإقتراب. وفي الحقيقة، أنا لا أقترب من النساء دون رغبتهن. فربما يمكنني الإستفادة منك لأمر الخدمة. فهمتي؟"
حاول توضيـح حديثـه هذه المرة، فأومأت برأسهـا. لا مفر منه، لقد أدوت بذاتهـا للجحيم. والآن، بعض الجر'ائم بهدف الإنتقـام ستجعلها قـا'تلـة للأبد.
وقفت في زاويـة ما بالصـالة وجـلس دراكـو براحة يسألها:
"ألن تخبـريني لماذا قت.لتيهم؟ وما الذي تنوين على فعله؟"
صمـتت زين وظلت مكانهـا دون حراك. فهز رأسه بإستـسلام وأقتـرب بعض الخطوات منها.
"حسنا، سأذهب الآن. لدي شيئا لأفعله. ابدأي بالتنظيف. يمكنك إستعمال الغـرفة جـوار المطبـخ."
تحـرك دراكـو للخارج، واستطـاعت سماع صوت إغلاقه للبـاب عليها. ولا يمكنها إستعمـال الشباك. هي الآن محتجـزة عنـده، ولا مجـال للفرار. ليتها اختارت الذهاب للعيش مع مـازن. وإن بدا الأمر مريبـاً لها، ولكـنه أفضل بكثيـر من الإنتقال والعيش مع رجلا أجنبيا يريدها لسفك الد'ماء.
تجـولت في شقتـه، وإن كانت تراهـا كالقصر المكون من طـابق واحد. كانت فـارهة و أنيقـة، ولكنها متسخـة. الآن عليها العودة للخدمة في المنـازل. ستفعل ذلك بصدر رحب إن ضمنت بأنه لن يقترب فقط.
شرعـت في التنظيـف بدافع الخوف فقط، متنـاسية بأنها لم تنم لدقيقة في الليلة الماضية وقضتها في طرقات المستشفـى. والآن لن يغمـض لها جفـن لأسبوع قادم.
***
"لو سمحت.. تفضل الأدوية."
"دي مين باعتها؟"
"الآنسة زين دفعت حساب المستشفى وسابت مبلغ تحت في الحسابات وكمـان اشترت الأدوية المطلوبة وبعتتها."
"زين! طب هي فين؟"
"مشيـت."
"مشيـت!! طيب تمام."
كـانت السيدة أمينة قد رحلت منذ قليل رفقة إبنتهـا بعد إصرار شاكر عـليهم. تحـرك سريعـاً ليستعلم عن أمر الأموال التي تركتهـا، وبنفس الوقت يُحـاول الإتصال بها ولا يأتيـه رد.
"لو سمحت، المدام زين سابت مبلغ هنا مش شوية."
"أيوا يا فندم.. 48 ألف اتحطوا فوق الحساب للأستاذ مختار."
"انتي قولتي كام؟"
"48 ألف يا فندم.. هي حطت 50 ألف، وحالياً المبلغ 48.. فيه أي مشكلة؟!"
حـاول شاكـر الإتصـال بهـا من جديد ولكن دون أي نتيجـة، فلجأ لحل أخر وهو الإتصـال بالسيدة أمينة.
"ألو.. معلشي يا خالتي، اطلعي لزين قوليلها ترد عليا."
"هي زين مش عندك؟"
"لا! هي مش عندك؟!"
"لا.. أنا أول ما وصلت طلعتلها بس ملقيتهاش. القفل على باب الأوضة، وخبطت على الباب بتاعكم مردتش عليا."
"أومال هتكون راحت فين بس! برن عليها مبتردش عليا."
"خير يا ابني، هو مختار كويس؟"
"لسه زي ما هو، بس أنا كنت عاوز زين في حاجة تانية."
"طيب لو جت هخليها تكلمك، أنا هفضل فاتحة الباب عشان أحس بيها."
"مـاشي."
مر اليـوم ولا زالت زين مختفيـة، وشاكر بين نارين: البحث عنها أو البقاء جوار مختـار الذي لم تتحسـن حالته حتى الآن. إن كان عليه البقاء جوار مخـتار، فهنـاك شخصا واحد يستطيع البحث عن زين بـدلاً منه.
"لو سمحت.. أنا هروح مشوار ساعة زمن، ممكن بس تاخد رقم تليفـوني ولو حصل أي حاجة تبلغني."
"ماشي مفيش مشكلـة."
رحـل شـاكر بعـدمـا شكر الرجل، وكـانت وجهـته هي مركـز الشـرطة.
كـان مكتـب مـازن مشـغولا، فأضطـر لإنتـظـاره لأكثر من نصف السـاعة. يُطـالع هاتفه كل دقيقة لعل زين تتصـل بـه، ويأمل أن يُخبره الشخص الأخر بأن مختار استعاد وعيـه.
أخيراً دلـف شاكر لمكـتب مـازن، فطـالعه مازن بتعجب:
"خير يا شاكـر، حصل حاجة؟!"
قال شاكر بقلق:
"أنا مش لاقي زين ومش عارف أوصلها من الساعة سبعة الصبح."
"سبعة الصبح!! دي داخلة على 9 بليل؟ أنت إزاي مبلغتنيش من بـدري!"
"يا باشا، أنا في العـادة معرفش زين وراها إيه أو بتروح فين. أوقات كانت بتختفـي بالأيام وبترجع، بس هي مستحيل تسيبنا في الوضع ده. وكمـان الصبح حد بلغني إنها رجعت المستشفى وسابت مبلغ 50 ألف، وزين مستحيل يكون معاها مبلغ زي ده، أنا عارف ظروفها."
"طب ما يمكن تكون راحت عند أهلها!"
"مستحيل يا باشا، زين مستحيل ترجع لأهلها."
"مستحيل؟!"
"أيوا.. ما أهلها هما اللي حطولها الس.م ورموها ع الطريق."
"ايييييه؟!"
***
فتـح دراكـو البـاب لتـقـابله رائحـة معطـر الجو. تطـلع بإنبهـار لمنـزلـه الذي كان مُغطـى بالتراب بأكمله. فهو تركهـا منذ عامين في أخر زيارة له لمصـر، وعندما عـاد لم يهتم لتنظيفهـا. وبتحـركه للداخل، اخذت روائح الطـعام تستقبـله. فدلف للمطبخ ليجد زين بالداخل.
"كم هو أمر رائع أن تعـود مساءً لتنـاول طعام عربي من يد سيـدة عربية."
أحكمت زين قبضتهـا علي السك.يـن في يدهـا تحسبا لأي غدر منه. إلتفتت له وقالت بحذر:
"أنا خلصت كل حاجة. أنا بس عـاوزة قفـل للأوضة عشان أدخل أنام."
"أنا رجل لي كلمتي سيدتي، أخبرتك أني لن أقترب، فصدقيني."
"أنا لا أصدق الرجال."
ضحك دراكو وقـال بسخـريـة:
"ولهذا تقت.ليهـم."
طـالعتـه بضيق، فأقتـرب يسألها بإهتمام:
"لما! لأجل ماذا هذا الإنتقـام! لماذا نبـيـل؟"
قـالت زين غاضبة:
"لقد اغتص.بني."
سألهـا دراكو بحذر:
"و مهران؟"
"نفس الأمر."
سألها من جديد وهو يقتـرب:
"و ياسر؟"
قـالت زين بصوت متقطع وقد بدأت في الإنهيار من جديد:
"ياسـر، يزيد، معتصم.. كلهم نفس الأمر."
سألهـا بحـذر:
"وكـلاهم كانوا..."
قـالت وقد توقف الهواء في صدرها:
"في نفس الليلة."
يتبع...
رواية بين الحب والقانون الفصل الثامن 8 - بقلم ايه محمد
في نفس الليلة.
"وكيـف هربتِ منهم؟!"
"مهـربتش، فضـلت محبوسـة عندهم إسبوعين، كل يوم كان أسوء من اللي قبـله، بس علشان خـاطر غلطة واحدة، غلطة واحدة بـس."
صمـت دراكو، ربما لم يفهـم ما قـالتـه. شرد لـثـانية واحده، وربما إن كان قد شرد لدقيقـة أخري لم يكن ليتصدى لسيكـينها التي كادت تخـتر'ق صدره. أمسك بـيدهـا بقـوة، فتـركت السكـين متألمـه. وتألمت أكثر عندمـا لوى ذراعهـا و أدارها ليصبح ظهرها مقابـلا لصدره، يهمس جوار أذنها:
"ربمـا أنتي بـارعة وقد أعترفت بذلك، ولكنـي أخبرتك، أنا سيدك الجديد ولن يتفوق التلميذ علي سيده مهمـا حـدث عزيزتـي. أريد استغـلالك واستغـلال تلك النير'ان بداخـلك، أريدك أنتي لتـُصبحـي قـا'تلة أعدائي."
لم تفهـم زين نصف حديثـه، فهـي لم تكن جيدة أبدا في اللغة الإنجليزية ولم تُحاول التحدث بهـا. ولكنهـا تعرف بلغـة الجسد، وشعرت بيده الأخرى التي تلمست خصرها، وشعرت بهمساته:
"أما أنا فلا أرغب بفتاة لا تحترق لأجل نظـرة مني."
تـركها دراكـو وتحرك للخـارج. فظلت مكانها تلتقط أنفاسهـا بصعـوبة شـديدة. هي ليست بقا'تلـه، هي فقط أخذت بثأرها منـهم. هي ليست بقا'تلـة لعينة.
***
"مازن! مازن أنت كويس؟!"
"هه! يحيي! أنت هنا من إمتى؟"
"بقـالي شوية، أنت سرحان في ايه؟!"
قال مازن بقلق:
"زين مختفيـة من الصبح، دورت عليها كتير وبعتت أكتر من حد يسألوا في المستشفيـات، أنا مش عارف أعمل اي!"
"تعمـل اي في ايه؟! عادي شـوية وهتظهر، يمكن عندها حاجه بتخلصها!"
"لا، زين مش هتسيب مختار إلا لو فيه حاجه منعتهـا عنه، أنا حاسس إن فيه حد خطفها بسبب المعلـومات اللي كانت بتوصلهـالي."
"طيب أقدر أساعدك إزاي؟"
"أنا وصلت لعنوانهـا، عنوان أهلها، عاوزك أنت تحـاول تتبع الموبايل بتـاعها."
"طيب دي بسيطـة عندي اللي يعملها."
"طيب أنا همشي ولو وصلت لأي حاجه كلمنـي."
رحـل مازن سـريـعا وهو يأخذ هاتفـه. كـانت المسافـة من القاهرة للقرية التي تسكـن بها ربمـا ستأخذ منـه ساعتين. إنها الثانية عشر في منتصف الليل بالفعـل. لن يستطيـع قرع أبواب الناس في الثانية صباحا للسؤال عن ابنتهـم. سيذهب الآن وسينتـظر في سيارته حتى الصباح. يتمنى فقط أن لا يكون قد سلك الطريق الخاطئ.
مـرت الساعتين عندما بدأت القـرية تظهر أمامه. بعد نصف ساعـه كان في وسط طريق صغير بيـن الحقول، ولكن ما ظهر أمامه جعـل عينيـه تجحظ في ذهـول.
"دا قصـر!!!!"
تـوقف أمام القصـر بسيـارته. قصـر في بداية قـرية صغيـرة لم يجدها علي الخريطـة حـتى!! لا يوجد حولـه أي بيـوت أُخـرى ولم يمر أي شخص أمامه. صحيح أنها الثانية صباحا ولذلك لم يتـوقع أن يأتيـه شخصا يسأله.
"أنت مين؟!"
إلتفت مـازن ليجـد رجـلا ربما في الخمسيـن من عمره، يطـالعه بشك وتعجب. فأقتـرب مازن يـسأله:
"أنت صاحب القصر دا؟!"
"لا، وسألتك أنت مين وبتحوم حوالين القصر دا ليه؟!"
"أنا مازن عبد السلام، ظابط شرطـة."
"خير يا باشا!"
"القصر دا بتاع مين؟"
"القصر دا كان بتاع الباشا و دلـوقتي بقـى من نصيب الأرواح."
"أرواح!!!"
"آه.. من كـام سنـة سمعـنا أصوات صريخ جاية منه، فضلت الأصوات دي إسبوعين كامليـن موقفتش ليلة واحدة ومن بعـدها حصـلت فيه حريقـة كبيـرة و فضـل زي ما هو كدا مسكن للأرواح اللي حذرت الكل بالنار اللي قادتها إنها تدخل فيه."
"طب بعيدا عن الكلام دا، مين صاحب القصر دا؟!"
"الباشا.. محدش يعـرف اسمه ومحدش شافه قبل كدا، من 10 سنين بني القصر دا بس عمر ما حد شافـه."
"غريبة!"
"قـولي يا باشا هو القصر دا يهمك في حاجه؟!"
"لا أنا.. أنا كنت جاي اسأل عن واحده كانت بتشتغل عندي."
"دلوقتي؟!"
"آه هي علشان مختفيه وأنا بدور عليها.. اسمها زين عبد العزيز."
"زيـن!!!!! بس دي ماتت من سنتيـن، ماتت جوا القصر دا."
"ااااي؟"
"اتحرقت وأبوها دفنهـا مع أمها في مصر، أكيد دا تشابه اسماء."
"طب.. طب أنا عاوز أشوف أبوها."
"فاضل كام ساعة علي الفجر، تعالا نستناه في الجامـع هو بينزل كل يوم يصلي."
"ماشي."
قـالها مازن وهو يطـالع القصـر بشرود. قـصة زين تزداد غموضـا، أصبح الأمر لغـزا لا يستطيـع التوصل لحـله!!!
***
"ما هذه الضـوضاء! ألا تستطيـعين البقـاء هادئـة أبدا!"
"مش عـارفة أنام، لو مش عاجبك يبقـى سيبنـي أمشي."
"لن يحدث أبدا."
"ممكـن اسألك سؤال!"
"لا."
"هو أنت بتفهـم عربي بس ومبتعرفش تتكلم بيه؟!"
"اللعنة أنتي تـُفسدين ساعات نومي الغاليـة! إن ها'جمنا أحدهم ولم أستطع التصدي له لا تلومين إلا نفـسك."
"مش فاهمة حاجة، ما طالما بتفهم عربي ما نتكلم عربي وخـلاص!!"
"أنا لا أحب التحدث بالعربيـة، أنا أعرفها ولكن لم أخبر أي أحد بذلك يوما ولهذا أخبرتك بأني لا أفهمها ولكـن لأنك سيئـة في الإنجليـزية سمحت لك بالتحدث بالعربية وكشفت الأمر لك."
"لا معلشي هو أنت تطول تتكـلم عربي أساسا!! مالك مكسوف منه كدا دي أعظم لغة في العالم!"
"أجل وهي لغـة القرآن كذلك."
"ماشي إحنا بنحـترمها علشان هي لغة القرآن بس أنتوا الغرب تحترموهـا علشان هي لغة عظيمـة و قديمـة ومن اصعب لغـات العالم."
"نحن الغرب!"
"آه، مش أنت بريطـاني!"
"أجل أنا كذلك وأحمل عدة جنسيـات أخري."
"بس أكيد منولتش شـرف جنسية عربية."
"أنا.. اووه يا لك من مـاكرة! أنت تستدرجيـنني في الحديث."
"والله ما فاهمة أنت قـولت اي أساسا بس شكلها شتيمة! بس بعيدا عن حساسيتك ناحية اللغة حاول تتكلم عربي علشان أنا كل الكلمات اللي أعرفها بالانجليزي خلصت."
"هـاضر، ههاول!"
كتمت زيـن ضحكـتها، فطـالعها بغيظ وغضـب وقال بتحذير:
"والآن إذهبي لغرفتك اللعينة ونامي قبـل أن اتخلص منك وأنتقم للجميع."
"لا.. أرجوك أنا عاوز أروح أتطمن علي مختار، خـليني أروح وبالشروط اللي أنت عاوزها."
تأفف دراكـو وهو يـطالعها بضيق. ساعات نومـه مقدسـة بالنسبة له ولكـنه لا يستطيـع مقـاومة إنجذابه لأسرار هذه الفتـاة.
***
"خير.. خير يا حضرة الظابط!"
"أستاذ عبد العزيز، حضرتك تعرف بنتك فين!"
"بنتي اتدفنـت في حضن أمها من سنتين."
"طب ممكن أشوف شهـادة الوفـاة!"
"ها.. هي مـوجوده في الدار أنا بس مش فاكر مكانهـا."
"تمام على ما تلاقيهـا، ممكن توريني صـورة لبنتك؟"
أخرج الرجـل بيد مرتعشـة محفظتـه من جيـب العبائة التي يرتديهـا. طالع مازن صـورة زيـن وخفق قلبـه لمظهر الفتاة بالصـورة. تلك الضحكة لم يراها يوما علي وجه زين ولكنها نفس الملامح. قال مازن بتهكم:
"يعني أنت متأكد إنك دفنت البنت دي في حضن أمها!!!!"
"اه.. اه متأكد."
أمسكـه مازن من تلابيـب ثيـابه وقال غاضبا:
"بنتك كانت معايا أول إمبارح طـول النهـار و طـول الليل كنت معـاها في المستشفـى، غفـلت عنها ساعة واختفـت، بنتك اللي اتدفنت من سنتين كانت شغالة معايا بقالها أكتر من سنـة."
"زين عايشـة!!"
"اه زين عايشـة، أنا مش مصدق نفسي، مش متخيـل إن فيه أب يسـمم بنته مهما كان السبب ايه و يرميهـا في الشارع ويقـنع الناس إنها ما'تت في الحريقه اللي حصلت في القصر!"
"أنا مستعـد أتعدم بس خليني أشوفها."
"أنا مش عـارف مكانها، أنا هنا علشان بدور عليها، بس قـبل ما أمشي لازم أعرف كـل حاجه."
"طيب خلينـا نتكلم بعيد عن ودان الناس، الله يخليك يا ابني بلاش هنا."
أومأ مازن لـه وتحرك خـلفه. ابتعد الرجل به للجهة الأخرى من القـرية، بدأت البيوت تبتعـد و الحقول تقتـرب. قال عبد العزيز:
"خلينا نقعد هنا ونتكلم."
جلس مازن علي حافـة أحد الحقـول وجلس عبد العزيز أمامه يرى نظرات مازن المتطلعـه له تنتظر حديثـه.
"يوم ما زين اتـولدت أنا مكنتش عاوزها، كنت عاوز ولد لأن قبلها بسنـة كان ربنـا إداني بنتي الأولانيه مريم.. ولما أمها حملت فيها كانت صحتها تعبانه والدكتور قال لو طلعت عايشه من الحمل دا يبقى مش هتطلع من حمل تاني غيره فكان دا أملي الأخير إن يكونلي ولد بس أهو النصيـب، كنت دايما بفـرق بين زين وأختهـا أو خليني أقول بين مـريم و مهـرة."
"مهرة!!!"
"أيوا، زين إسمها الأول كان مهرة.. كنت بفرق بينهم بس مكنتش ببقى قاصـد. ومهرة لما كبـرت فهمت أنا ليه مكنتش بحبها لحـد ما جاتلي وقالتلي يا بابا أنا هبقى ولد علشان خاطرك و وقتهـا أصرت إنها تغير إسمها وفعلا عملنا كدا وبقت زيـن. وكبـرت زين، لما لقت نفسها مش ماشيه في العلام قررت إنها تاخد دبلـوم و أصـرت تشتغل في الورشـة مع عمها وأنا وافقـت."
صمت الرجـل يلتقط أنفاسـه ثم قال من جديد:
"حالنا مكانش أحسن حاجه وكانت دايما حاسة بالمسئولية وحاسة إنها لازم تكون الولد اللي يخرجنا من الحال دا لأحسن حال ففضلت تشتغل وتنسى نفسها، البنات كانت بتتحجب وهي بتلبس طاقيـه، يلبـسوا فساتين وهي جلاليب لحـد ما جالها شغـلانه في القصـر.. صاحب القصر كان مشغل فيه ست من حريم البلد تنضفه بس هو مكانش بيجي غير كل فين وفين و الست دي كـانت رايحة عمره فخـافت الباشا يجي ويلاقي القصر مترب فقـالت لزيـن تروح بدالها لمدة شهـر تنضف القصر وهتديها قبضها 5 ألاف جنية ودا كان مبلغ كبير أوي بالنسبالنا وبنتـي وافقت من غير تفكيـر."
"وبعـدين!!"
قال الرجل ببكـاء:
"في يـوم راحت ومرجعـتش، روحت القصـر ودخلت لقيـت الباشا في وشي سألته عن بنتي قـال إن مشافش حد هنا و هددني أبعد عن القصر وأنا خوفت زي ما كل أهل البلد بيخافـوا منه."
"وزين رجـعت!"
"آه.. رجعت بعد اسبوعين، رجـعت في يوم الحريقة اللي حصلت في القصـر، نص جسمها محر'وق.. خدتها وجريت بيها علي المستشفي وأنا متحسر علي جمال بنتي اللي راح ومستقبـلها بس كنت خايب وزعلان علي شوية علامات في جسمها مكنتش أعرف إن الصـريخ اللي الكل قال عنه عفاريت وأرواح دا كان صـوت بنتي! صدمـة ورا التـانيه، كوارث وحلت علي دماغي، وشرفي بقى في التـراب و جسمهـا مليان حقن ودمها مليان مخد'رات، بنتي كانت مد'منه!!!!"
"اتعدى عليها!!!!"
"كانـوا خمسه."
"ايييييييه؟!!!"
"بنتي كانت متدمـرة من كـل ناحية مبقيتش عارف أعالج فيها ايه ولا اي!! بنتي حكتلي كـل حاجه أول ما بدأت تفـوق وحكلتـلي اللي حصل معاها في القصـر، وهي بتنضف فتحـت أوضة لقت فيها كمـيات من شنط مليانة مخـد'رات، حقن وحبـوب وبودرة.. هي قالتلـي إنها كانت هتقفـل الأوضة وتسيبها ولا كأنها شافت اي حاجه بس فجـاءة حست بحد واقف في ضهرها.. حظها الأسود إنه كان يوم تسليم البضاعة دي والباشا وصل للقـصر ومعـاه أربعة الشركاء بتـوعه وقـرروا يخلصـوا عليها، ياريتهم كانوا ضر'بوها بالنـا'ر بس في واحد منهم قال مش معقـول نقعد اسبوعين كدا علي الناشف واحنا قدامنا بنت حلوة كدة... بس أنا بنتي يا حضرة الظابط مكانش فيهـا حاجه تخليه يقول إنها حلوة، شاف اي فيها؟! جلابيتها الواسعة اللي مليانة تراب!! ولا الشال اللي بتلفه على شعـرها زي الرجالة!! هو اللي كان طماع وجشع! هما اللي كانـوا مجر'مين! هما يا باشا مش بنتي."
سأل مازن بغضب سوداوي:
"وأساميهم!"
قـال عبد العزيز:
"أنا اللي فاكره إنها قالتلي سمعت اسم ياسـر ونبيـل، بس أنا اللي عرفته إن القصـر بإسم واحد إسمه مهران، الإتنين الباقيين مش عارف إسمهم."
وقف مـازن فجـاءة، هؤلاء الثلاثـة!!! الأسامي الأولى للثلاث ضحـايا!!
أخذ يفكـر..
شركاء خمس!!
ياسر، نبيـل، مهران و ربمـا يـزيد ومعتصم!!
الرمز! حرف ال M... مهرة!!!
همس مازن بصدمة:
"زين هي القا'تل!!!!!"
إلتفت تجـاه عبد العزيز يسأله:
"وبعدين ايـه اللي حصل تاني؟!"
"لمـا زين خرجت من المستشفي قعـدنا في شقـة عمهـا في قـرية تانيـة، بس بعـد بكام يوم عرفت إن زين حامل و في اليوم دا لما قولت لعمها قالي إننا لازم نخـلص منها، بس والله يا باشا أنا.. أنـا وقتها رفضت وعمري ما فكرت أموت بنتي والله، بس هي يا حبيبتي اللي شربت السـم بعدها و سـاعتها أخويا قالي إنه لو حد عـرف يبقى هنـدخل في سين وجيم و الحقيقة هتتكشف وحال بنتي وبنات أخويا هيقف فقـرر إنه ياخدها يدفنهـا جمب بير قديم في نص الصحراء هو عارف مكانه كويس."
"بنتك مكانتش ميته، وأخوك ضحك عليك و رماها في نص الطريق في القاهرة واللي لقوها إتنين شباب، عالجوها وأمنوا ليها بيت، أنت أسوء أب شوفتـه في حياتي، أنت السبب في كل اللي حصلها وأنا هلاقيها، أكيد هلاقيها وهخليها تعاقب المجرم الحقيقي."
***
في المساء.
"البقـاء لله."
"ايه! أنت بتكلمني أنا؟!"
"أنا بعتذر بس إحنا عملنا كل اللي نقـدر عليه."
"يعني اي!! مختار مات!!"
سألـه شاكر بأعين تفيض دمعـا و تابعتـه زين بصدمـة من خلف أحد الأبـواب. وقبـل أن تتحرك أحكم دراكو قبضتـه على يدهـا فطـالعته وهي تبكـي و انهـارت قدماها وجلست أرضا تبكـي وتزايد بكـاؤها مع صـرخات شاكر التي هزت المستشفـي بأكملها يصـرخ بإسم أخيـه.
قالت باكية:
"سيبني اروحله، أنا عاوزة أشوفه... أرجوك سيبنـي أروحله، أرجوك."
تـركهـا دراكو للتحـرك ووقف يـراقبها من بعيـد. طالعها شاكر وهو جاثيا علي ركبتيـه في الأرض وزاد بكاؤه:
"أخويا مات يا زين! مختار مات! أنا بقيـت يتيم بجد أنا عمري ما حسيت إني خسرت زي النهاردة، ومين هيكمل معايا المشوار! مين هيبقى في ضهري! أنا من غيره هضيـع! أنا عاوز أخويا..."
بكت زين وجلست أمامه وهي تبكـي أيضا فقد كانت خسارتهم كبيـرة، كانت صدمة موجـعـة للجميـع وألم لن يُنسـى أبدا.
توقفت عن البكاء عندما شعـرت بشئ صلب برأسها وصوت تعرفـه جيدا:
"مهـرة."
رفعت زين رأسها لتجده مازن، يطـالعها بحزن. بأعين مليئـة بالدموع والغضب، الحزن والخـوف. يضع مسد'سه برأسها. وقفت تطـالعه بصدمة ولكنه قال بقهر:
"سلمي نفسك."
يتبع..
رواية بين الحب والقانون الفصل التاسع 9 - بقلم ايه محمد
في منزل منصور كان قاعد يتكلم مع مامته بخصوص نسرين.
ـ بقولك يا ماما عندي ليكي خبر حلو.
ـ سمعني يا سيدي.
ـ أنا ناوي أخطب.
اتعدلت سميحة في قعدتها والابتسامة ظهرت على وشها والفرحة.
ـ بجد؟ وياترى حد أعرفه؟
ـ أه. العروسة تبقى بنت المعلم عبد الظاهر.
ازدادت ضحكة سميحة وبعدها فضلت تزغرط لحد ما وقفها منصور.
ـ أهدى يا ماما اهدى إحنا لسه.
ـ يعني إيه لسه... لأ احكيلي كل حاجة من الأول. شوفتها فين وعرفتها امتى وإزاي؟ احكيلي كل حاجة وأنا هسكت ومش هتكلم خالص.
ـ بصي يا ستي شوفتها في المستشفى. المعلم عبد الظاهر من فترة قريبة جاتله غيبوبة سكر وكانت في المستشفى مع أبوها. شوفتها هناك ولقيتها بنت كويسة ومحترمة.
ـ أيوه وبعدين؟
ـ ولا قبلين. كلمت المعلم ووافق ورحب أوي أوي وقال هياخد رأيها.
ـ وبعدين رد عليك؟
ـ أه رد عليا وقالي إنها موافقة مبدئياً وعايزة تقعد تتكلم معايا الأول.
ـ طيب وانتوا في المستشفى مافيش بينكم نظرات كده يعني؟
ـ لأ طبعاً بقولك محترمة.
ـ يابني إيه علاقة اللي بقولهولك ده بمحترمة ولا لأ؟ قصدي مش باين عليها إنها معجبة بيك مثلاً؟ أصل الحاجات دي بتبان كده.
ـ مكنتش ببصلها يا ماما أنا لمحتها كده وعجبتني وكلمت باباها.
ـ طيب هتروح تتقدملها رسمي امتى؟
ـ الجمعة بإذن الله وهتبقى قاعدة تعارف كده.
ـ ربنا يتمم على خير. عبد الظاهر ده صاحب صالح وطول عمر صالح بيشكر فيه. ماشفناش منه حاجة وحشة.
ـ المهم طمنيني عليكي. حسين جالك أو حاول يضايقك؟
ـ لأ ماشوفتوش ولا كلمته من آخر مرة كان هنا.
ضاق منصور بين حاجبيه.
ـ بس حد قالي إنه شافه قريب من هنا.
ـ معرفش. بس أنا هخبّي عليك ليه؟ مانت عارف اللي فيها.
ـ عموماً لو حصل أي حاجة بلغيني على طول.
ـ أكيد يا حبيبي ماتقلقش.
مر يومين وجاء لقاء نسرين ومنصور.
ارتدى منصور قميص أسود وبنطلون رمادي. ظهر قوام جسده.
منصور شاب طويل قمحى البشرة. طبيعة شغله جعلت من جسمه جسم رياضي.
وفي نفس الوقت لبست نسرين فستان أسود وطرحة رمادي.
وصل منصور في ميعاده وقابله عبد الظاهر ورحب به وكانت السعادة واضحة على ملامحه.
ـ اتفضل اتفضل يا منصور تعالى.
دخل منصور وقعد في الصالون وبدأ يتكلم مع عبد الظاهر. وبعد فترة بسيطة دخل ينادي نسرين.
طرق باب الأوضة ودخل غرفة نسرين.
ـ إيه يا نوسة جهزتي؟
ـ أه يا بابا.
ـ طيب مش كنتي تلبسي حاجة فاتحة شوية؟
ـ لأ كده حلو. المفروض يركز على أخلاقي. ديني يركز على الحاجات اللي تهمه، لكن لابسة إيه لونه إيه دي ظواهر. ولو أخد بيها يبقى إنسان سطحي. وبعدين يا بابا بعد قاعدة النهاردة هبدأ أقرر إذا كان ينفع أكمل معاه ولا لأ.
ـ الراجل مش في امتحان يا نسرين خفّي عليه.
ـ بابا لو سمحت.
ـ طيب طيب يلا عشان اتأخرنا عليه.
خرج عبد الظاهر وابنته خلفه. قعد عبد الظاهر وشاور لنسرين تقعد وبدأ هو في الكلام.
ـ منور يا منصور. أظن دي مش أول مرة تشوف نسرين.
ـ أه يا معلم شوفتها في المستشفى.
ـ طيب إيه رأيكم تدخلوا البلكونة تتكلموا وتتعرفوا على بعض؟ وأنا قاعد هنا هعمل كام مكالمة في الشغل.
ـ مافيش مشكلة اتفضل.
دخل منصور ونسرين البلكونة وكان منصور بيتجنب النظر بشكل مباشر في وجه نسرين.
ـ ازيك يا آنسة نسرين.
ـ بخير الحمد لله. انت عامل إيه؟
ـ الحمد لله بخير.
ـ ممكن أسألك سؤال؟
ـ أكيد طبعاً. أنا جاي النهاردة عشان أجاوب على أي سؤال ليكي.
ـ أنت عندك كام سنة؟
ـ ٢٧ سنة.
ـ كملت دراستك؟
ـ الحمد لله معايا بكالوريوس تجارة وكنت شغال مع بابا لكن سبته. عملت مشروع خاص بيا.
ـ ارتبطت قبل كده أو حبيت؟
ـ لأ خالص. أنا شغلي كله مع رجالة.
ـ فترة الجامعة... أنا طبعاً مش هحاسبك على الماضي بس نوع من أنواع الدردشة.
ـ لأ أنا من النوع اللي مش ببص لحاجة مح**رمة عليا. وبعدين فترة الجامعة أنا مكنش عندي الإمكانيات اللي تخليني ارتبط. فليه أبص لواحدة آخد عليها ذنوب أو أعلق واحدة بيا وأنا عارف ظروفي إيه.
ـ على كده أنت ضد عمل المرأة؟
ـ طالما العمل محترم وفي مكان مناسب يبقى ليه لأ. هو انتي بتشتغلي؟
ـ لأ بس كنت حابة أعرف رأيك بشكل عام.
سكتت نسرين ومش عارفة تسأله إزاي السؤال اللي هي عايزة تسأله من بداية القاعدة.
حس منصور بتوترها فقرر يجاوبها من غير ما يسألها.
ـ بصي يا آنسة نسرين أنا بصراحة لما شوفتك في المستشفى حسيت إني مسئول عنك وكان في حاجة جوايا بتشدني إني أقرب منك وأكلمك. وكنت بحاول أبعد عنك عشان خاطر ماعديش حدودي معاكي. وقررت أول ما المعلم يخرج من المستشفى أُفاتحه في ارتباطي بيكي. وقتها مش هحس بتأنيب ضمير أو إني أكلمك من وراه وأحس إني بعمل حاجة غلط.
ـ ومين قالك إني كنت هوافق أكلمك؟
ـ أنا عارف إنك كنتي هترفضى. وعارف المعلم كويس وتربيته عاملة إزاي. واعتقد إني اتعاملت معاكي كام يوم وشوفت طريقة تعاملك إزاي. وده لواحدة كافي إني آمن ليكي وإنك تشيلي اسمي.
ابتسمت نسرين ابتسامة بسيطة خجولة. كلام منصور عجبها وهي كان عندها استعداد داخلي بالاقتناع بكلام منصور.
ـ طيب أنت حابب تسألني أو تعرف عني أي حاجة؟
ـ إنتي خريجة إيه؟
ـ اقتصاد منزلي.
ابتسم منصور وعاجبته الإجابة.
ـ ما شاء الله بتعرفي تطبخي على كده.
ضحكت نسرين على فرحة منصور.
ـ واضح إنك بتحب الأكل أوي.
ـ بصراحة أه.
ـ أه بحب المطبخ وبحب أجرب أكلات جديدة وبحب شغل البيت بشكل عام وبحب أفصل لنفسي اللبس عشان كده دخلت اقتصاد منزلي.
وبعدين هما مش بيعلمونا الطبخ زي ما جه في بالك كده لأ.
الكلية دي بتدرس تخصصات زي تغذية وعلوم الأطعمة، ملابس ونسيج، إدارة المنزل والمؤسسات، التربية المنزلية وغيرها.
يعني مثلاً
🔹 فيه قسم اسمه قسم التغذية وعلوم الأطعمة، وده بيدرس:
أسس التغذية السليمة.
تحضير الأطعمة بطريقة علمية (مش بس الوصفات).
كيمياء الأغذية (إيه اللي بيحصل في الأكل وقت الطهي).
حفظ الطعام وتخزينه.
وجبات خاصة للمرضى أو الرياضيين أو الأطفال.
🔹 كمان بنتدرب عمليًا في معامل المطبخ بالكلية، وبنتعلم إزاي نطبخ صح عشان نحافظ على القيمة الغذائية للأكل.
يعني الطبخ موجود فعلاً لكن كجزء من دراسة علمية أشمل عن التغذية والصحة، مش بس وصفات للأكل.
يعني مثلاً فيها
1. قسم التغذية وعلوم الأطعمة 🍲.
2. قسم الملابس والنسيج 👗.
3. قسم إدارة مؤسسات الأسرة والطفولة 🏡👶.
4. قسم الاقتصاد المنزلي التربوي 📚.
5. قسم الصناعات اليدوية والتربية الفنية 🎨🧵.
ـ ما شاء الله لا بجد حاجة جميلة جداً. برافو عليكي إنك درستي وكملتي في الحاجة اللي بتحبيها.
ـ حابب تسأل عن حاجة تانية؟
ـ لأ تمام كده. لو إنتي حابة تتعرفي عليا وتساليني تاني أنا جاهز.
ـ بتصلي؟
ـ الحمد لله. دي أهم حاجة. الصلاة عماد الدين.
سكتت نسرين ومكنش عندها حاجة تقولها. فقطع منصور إحراجها وقرر يستأذن.
ـ طيب أنا مش عايز أعطلك وهنتظر ردك من المعلم.
ومشى خطوة قدام ورجع تاني.
ـ أتمنى أسمع الرد بالموافقة.
ابتسمت نسرين على كلام منصور وفهمت إنه مش بيتجاهلها زي ما كانت متصورة وإنه إنسان متدين بطبعه وغير متشدد.
خرج منصور وقابل عبد الظاهر وبعدها خرج.
وقف عبد الظاهر بيبص لنسرين بقلق لأنهم ما طولوش في القاعدة.
ـ ها يا نسرين مشي بسرعة ليه؟
ـ خلصنا كلام.
ـ أوعى تكوني أحرجتيه.
ـ لأ يا بابا بالعكس.
عادت الضحكة تاني لوجه عبد الظاهر.
ـ يعني إيه أقول مبروك؟
ـ هو قالي إنه هياخد ردي منك وسابني ومشي.
ـ بس كده.
ابتسمت بخجل.
ـ قالي أتمنى أسمع الموافقة من المعلم.
بصلها بتوجس.
ـ وإنتي رأيك إيه؟
ـ اللي تشوفه.
ـ الله أكبر. طبعاً موافق. أنا هكلمه أقوله إنك موافقة.
ـ يا بابا أنت مستعجل ليه؟ استنى شوية. أنت ليه كده؟
ـ عايز أفرح بيكي وأطمن عليكي ومش هلاقي أحسن من منصور.
ـ ماشي بس برضو اتقل شوية. المفروض أنت اللي تعمل كده من غير ما أقولك.
ـ ماشي يا ستي حاضر.
قرر عبد الظاهر يهاودها وأنه بكرة هيكلم منصور عشان يعرفه الموافقة ويحدد معاه أقرب وقت عشان يجي يتقدم رسمي هو وأهله. وآه من أهله.
"أُخفي غرامي كي أعيش مُعذَّبــا
ولكن فؤادي لا يُطيقُ سِواهــا
فَرَّقتْنــا الأيــامُ قسرًا بيننــا
والروحُ تشتاقُ اللقا برُجـاهــا"
في منزل سميحة اتصل بها حسين وبدأ يتكلم معاها بطريقة مختلفة وكلامه كان معسول في الكلام.
بدأت سميحة تجاريه في حديثه معاها.
ـ كلمتي منصور؟
ـ لأ لسه.
ـ ليه؟
ـ عايزة أجبهاله بطريقة حلوة عشان مايرفضش إننا نرجع لبعض.
ـ مهو هيوافق لما يعرف إني رجعتلك ورثك.
ـ استنى بس عليا أسبوع ولا حاجة.
ـ طيب أنا هروح للمأذون واردك تاني. الطلاق كان رجعي.
ـ أوعى تعمل كده! وقتها منصور ممكن يقلب أكتر. أنا عايزة أقوله إنك رجعتلي المحل والمخزن من غير سبب وإنك ندمان.
ـ هو أخوكي صالح شريك منصور؟
ـ لأ كل حاجة باسم منصور.
ـ طيب والبيت؟
ـ بيدفع إيجاره زيه زي الغريب.
ـ وأخوكي وافق إنه يدفعله؟
ـ منصور صمم. ولو مكنش خد منه فلوس مكنش أخد منه البيت.
ـ طيب حلو أوي. مش أولى يشتغل في محله ويكبره؟
ـ مانت اللي ركبت عليهم ولاد مشيرة.
ـ غلطة. وبعدين منصور بيعاندني بدل ما يكلمني براحة. خليه الموضوع يبقى عند.
ـ خلاص مش هنتكلم في اللي فات. أهم حاجة إحنا ولاد انهاردة. وبإذن الله لما ترجعوا تاني يضم المحل للمعرض ويبقى فرع تاني ليه.
ـ تفتكري هيوافق؟
ـ أنا هقنعه.
ـ طول عمرك أصيلة يا سميحة. أنا إزاي مكنتش واخد بالي من ده.
ـ عشان قلبك كان مع غيري.
ـ عندك حق. بس صدقيني هعوضك.
ـ لما نشوف.
ـ إنت محتاج فلوس يا حسين؟
ـ لأ مستورة الحمد لله. المفروض أنا اللي أسألك السؤال ده.
ـ الحمد لله مستورة برضو. بقولك إيه أنا هقفل عشان منصور جه. يلا سلام.
دخل منصور ومعاه فارس وقامت سميحة تجهزلهم الغدا وقررت إنها ما تقولش أي حاجة دلوقتي.
تفتكروا سميحة بتخطط لإيه؟ وهل فعلاً هتحن لحسين؟
اللي جاي هيقلب الموازين. بس خليكوا فاكرين حسين عمل إيه عشان لو صعب على حد فيكم.
رواية بين الحب والقانون الفصل العاشر 10 - بقلم ايه محمد
"ما الذي تفعله!"
"لما! لما أنت لست غيورة؟ فأنا زوجك في النهاية!"
"اتـركني دراكو."
"لن أفعـل."
"هل تشعـرين بالنفـور مني! أم بالخجل؟!"
"لماذا نعـود لنفس الأمر من جديد!"
"أستطيـع سماع صوت دقـات قلبك ميـلي، أنت تحبـينني أعرف هذا جيـدا."
"لا تكن واثقـا."
ابتعدت زين، أو ربما يمكنك القول "ميلي"، الإسم الذي اختـارته لتُكمـل به بقيـة حياتها. هي الآن مواطنـة بريطـانيـة نسبـة لتزوجها من رجـل بريطـاني يحمـل الجنسيـة. لقد تعلمت اللغـة وأصبحت ترتدي ثيـاب فاخرة. يمكن القول بأنه لولا ملامحها العربية لمـا لاحظ أحد بأنهـا ليست أجنبيـة.
"ربمـا أُقتـل غدا لأجلك وأنتي تبتعـدين عني، يا لك من أنانيـة."
"ليس لأجـلي دراكو، إن كنت تفعل ذلك لأجـلي فلا تفعلهـا. أنت ستترك المـافيا لقـد خططنا لهذا سويا صحيح؟!"
أومـأ دراكو برأسه وهي ينظر لها بسخـرية. صمت لدقيقـة ثم قـال بجدية:
"تلك الفتاة كانت جاسوسة تتحقـق من أمر ابتعادي عن المافيا. إنها ليست حبيبتي لا تقلقي."
ابتسمت بـرضا ثم ذهـبت تجـاه طـاولة الإفطار. اتـبعها، وجلس على كرسيه يُتابعها وهي تضع الطعام أمامه. وقـالت بجدية:
"أنا لا أشعر بالنفـور منك."
ابتسـم دراكـو وبدأ في تنـاول طعـامه وهو يتابعها بعينـيه. بينما هي لم تلتفـت لـه وهي تصنع شطيـرة لهـا. ولكن ما إن قضمـت قضمه واحده تألمت وتركت طعامها. فسألها:
"ما الذي حدث!"
"ألم بالأسنـان، سأكتفي بالعصير."
"هذا ليس حلا ميـلي، سأحجز موعدا عند طبيب الأسنان هذا المساء."
إلتفتت ميـلي تقـول برعب:
"لا، لا لا أنا بخـاف أوي."
ضحك دراكـو. فها هي عادت للغة العربيـة. تفعل ذلك دائما عندما تكون غاضبة أو خائفـة. تبرر ذلك بأنها لا تكون في مزاج لتنتقـي كلماتها فتتحدث براحة بلغتها الأم. ورغم خوفها لم يتعاطف معها، فهي نحيـلة بشكل كاف لن يتحمـل أن تتوقف عن تناول الطعام.
"سنذهب ميلـي، لا تقلقي. إن تألمتي سأقـتل الطبيب."
"لا، إذا كان كدا ماشي."
ضحك دراكـو ثم وقف يتحـرك لعمله. ولكنها تحركت خلفـه وأوقفتـه تقـول بقلق:
"لقد دبـرت لك موعدا اليوم. الفتـاة في غاية الجمال، تعرف عليها قبـل أن تطـالعني بهذه النظرات الغاضبة."
"لا أعرف أي نوع من الزوجات أنتي! لن أذهب لأي موعد أحمق ميـلي."
"ستفعـل دراكو."
"إذا كوني أنتي موعدي!"
"ماذا؟"
"تنـازلي لأجلي، إسمحي لي بالإقتراب."
"لا تستحـق أن تكـون مع فتـاة مثلي دراكو، أنا لست جميلة."
احتضـن وجهها بيديه قائلا:
"بل أنتي في غاية الجمال."
رفعـت يدهـا تأخذ بيـديه وقـالت بحزم:
"إذا تعال معي."
سحبتـه ميـلي خلفـهـا للأعـلى تجـاه غـرفته. قـالت بـجدية:
"عـندما تعرضت لذلك الحـادث كنت بالفعـل فاقدة الشعور بالحياة. لم أهتم لمعالجـة نفسي و في الحقيقة لم أملك المال يومـا. بعـد ثلاثـة أشهر من قدومي هنا معك ذهبت للطبيبة فأخبرتني بأن علاج هذه الآثار يأخذ وقتا. أردت إستعادة ثقتي بنفسي ولن أسمح لك بتـدميري مرة أخرى بنـظرة اشمئزاز أو كلمة ساخرة."
"ما الذي ستفعلينـه!"
تابعهـا دراكو وهي تتحـرك تجاه خزانتـه تأخذ قميص قصيـر الكـم وتحـركت به تجـاه المرحـاض. فتحـرك دراكو يطرق الباب يقـول غاضبا:
"أنتي لن تختبري حبي بهذه الطريقـة. أخرجي الآن."
"أعطـني دقيقـة واحده، دعنا ننتهي من هذا الأمر اليوم."
"سأجعلك تنـدمين علي هذا، لكن دعيني أُخبرك قبـل أن تخـطي خطوة واحدة لخـارج هذا المرحاض. إن فعـلتيها فأنا لن أتراجع و سأعتبر الأمر موافقة منك للإستمرار."
استمعـت زين له بقـلق ولكنها كانت واثقـة أنـه سيـتركها ويـرحـل. ولذلـك فتـحت البـاب وتحركـت للخـارج لتجـده يقف في منتصـف الغرفـة يُطـالعها بغضـب. هو بالفعل غاضب فهو يشـعر بإهانتها له ولمشاعـره. تقدم يقـول بحده:
"إذا ما الذي تـرينه في عيني."
طـالعته بأعيـن مليئـة بالقلق والحـزن. تشعـر بالإستحيـاء ولكنها فقط أردات إنهاء الأمر وإصـراره عليهـا. لقد تزوجهـا فقط لأجل ضمان بقاؤها في البلاد وهي وافقت خوفا من أن تُرحـلها السلطات لمصـر يوما ما. ولكن يبدو أنه يريد أن يتمادى فقد سبق وأعترف بمشاعـره لها والآن هي لا تراه ينفر منها بل يتقدم ليثأر لأجل إهانته.
"إذا سأعتبر الأمر موافقة منك والآن لن أتراجع."
طـالعته زيـن وقالت بخوف:
"ظننتك ستـرحل فور رؤيتـي."
"لأنك غبيـة أخبرتك بهـذا من قبـل وستـدفعين ثمن غبائـك."
"بس أنت عندك شغـل وهتتأخر كدا ودا مينفعش أبدا."
"هتـكلميني عـربي هكـلمك عربي هو أنا هخـاف! الظـاهر إنك نسيتـي إن أبويا مصـري وصعـيدي كمـان، أنتـي عارفة إن مفيش راجل صعـيدي يستحمـل اللي أنا استحملتـه؟"
"لا طالمـا وصلت معاك لذكـريات الحاج أبوك يبقـى إحنا كدا في مرحلة خطـر جدا بس لامؤاخذه يعنـي مفيش راجل صعـيدي بيسمي إبنه دراكو."
"أصـله كان بيحب أمي أوي وهي أجنبية وكان نفسها في الإسم دا، أصل إحنا في عيلتنا لما بنحب بنحب أوي."
أقتـربت وقـالت بتـوتر:
"خلاص لو أنت مصـمم يبقـى نبدأ الموضوع من الأول."
"تمام، هروح أجيبلك فستان فرح وآجي."
"لا، نتخـطب."
"نعم يا أختي!!!!!"
يـقف بمـفرده مستنـدا علي جـذع الشجـرة التي تنتصـف الحديقة الخـلفية لدار أيتـام الرحمـة. إنها المرة الثانيـة عشر التي يأت بهـا بمفـرده دون صـديقـه. تـوقفت عينيه عن التجـول عندما أبصـر فتاة يشعـر بأنه رآها من قـبل وهي تقتـرب من أحد الأطفـال تطالعه بأعين خاوية مليئـة بالحزن و الفقـد.
نـظرت لـه فجـاءة فعـرفها علي الفـور وهي كذلك فتقـدمت منه تسأل:
"شاكـر صح؟!"
أومأ شاكـر برأسه وهو يطـالعها بتعجب:
"أنـتي بتعمـلي اي هنا؟!"
قالت بتـوتر:
"أنا كنت جاية أكفـل طفل بـس مش حاسة بأي حاجه ناحيـة أي طفـل، هما والله كلهم يدخـلوا القلب بس أنا..."
"أنتي كان عندك طفل؟!"
"عرفت إزاي؟!"
"واضـح إنك كنتي جاية تعوضـي وجود طفـل معين ودا مستحيـل، مش هتلاقيه في أي طـفل منهم.. حتى لو لقيتي واحد شبهه نفس العينين ونفس الملامح بـس الروح مستحيـل تكون نفسـها. علشان تكفلي طفـل من دول يبقـى لازم تحبيـه من الأول خـالص كشخص جـديد، زي أي أم بتحب إبنها التاني علشان هو ابنهـا مش علشان شبه الأولاني."
"أنا كنت كل اللي بفكـر فيه أعوض الإحساس اللي خسرته بعـد وفاة نوح حبيبي بس الظاهر كدا إن طلبي مش موجود هنا.. أنت قولي بتعمل اي هنا؟!"
"أنـا بحب أزور الأولاد دول كل فتـرة.. صحيح هو أنتي حولتي جامعة تانيه! ولا مبقيتيش تيجي الكافتيريا بس!"
"لا أنا أجلت السنـة، بس أنـا هرجـع تاني إن شاء الله."
"نبـقى نشرب سوا قهـوة سادة."
ابتسمـت فـُتنـه وقـد تذكـرت طلبهـا الأول من كافتيـريا الجامعـة حينما إلتقت بـه للمرة الأولـى. ولكن شتـان ما بين ذلك الشاب في الماضي وذلك الذي يقف أمامهـا الآن. بدا شاحبـا بأعيـن حمـراء وشعـر كثيف غير مشذب. فسألته:
"بس الظاهر كدا إن مش أنا بس اللي خسرت حد عزيز!؟"
قال شاكر بآسى:
"أنا خسرت كل حاجـة."
تعـرف جيـدا بأنها لا يحق لها التدخـل فهي حتـى لا تعـرفـه. ولكنها سألته:
"حـابب تحـكي؟"
طـالعها شاكر وقد دمعت عيناه:
"ممـكن، بس يوم تـاني."
ابتسمت وقـالت بتفهـم:
"يبقى وإحنا بنشـرب القهوة السادة بقـى بـس أنا عاوزة أطلب منك طلب."
"اتفضلي!"
"مش عـاوزة حد من الجامعة يعـرف إني كنت متجوزة وكان معايا طـفل، مش حابة حـد يعـرف حاجه عني بـعد إذنك."
أومـأ لها شاكر بتفـهم وقـال بهدوء:
"أوعدك محدش هيعـرف.. صحيح أنتي إسمك اي؟!"
"فـُتنـه.. إسمي فُتنـه."
"هـل جُننتـي!"
"لا معلشي إثبت على لغـة متهبلنيش!!"
"أنا لن أوافق علي هذه الحماقـة أبدا، أي خطبة تلك وأنتي زوجتـي بالفعـل! خطبـة! أنتي تقفيـن أمامي بهذا الشكـل بالكاد ترتدي بعض الثياب و تطـلبين مني أن أخطبك!"
"آه، علشان نتعـرف على بعض كويس."
"وأنتي لا تعـرفينني! لا تعـرفين ما أحب وما أكره! أي حماقة تتحدثين عنها الآن ميلي!"
"معـلشي أنا عاوزة كدا إعتبـرني يا سيـدي حمقاء زي ما بتقول وجاريني! مش أنت بتحبني! إسمحلي أستغل حبك."
تأفف دراكو ولكنـها لن تنـال منه. فقـال غاضبـا:
"حسنا، سأخطبك ولكن لشهـر واحد فقـط، أمامك شهر واحد وسنذهـب لتقضيـة شهـر عسلنـا في بـلد من إختياري أنا."
"شهر قليل طبعا، مش أقل من ست شهور."
صـرخ بصوت عال حتي كاد يصمها:
"ماذا!!"
"اللي تشـوفه طبعـا."
قـال بصوت غاضب:
"شهر واحد ميـلي."
"قولت ماشي."
ضـحك دراكـو وتحـرك للخـارج. وقبـل أن يرحـل إلتفت يقـول بـخبث:
"بالمناسبـة تبدين رائعـة، سيصبـك هذا القميص المفضـل لدي بـعد اليوم."
ابتسمـت زين بخجـل ثم ركضـت للمرحاض لتبـدل ثيـابها مرة أخـري. وقـد تعالت ضـربات قلبهـا. استندت علي الباب تحـاول تنـظيم أنفاسهـا. لا تُنكـر بأنه بدأ في التأثير عليها.
في المـسـاء انتهـت ميلي من إرتـداء ذلك الفستـان الاسود الذي اشتـرته مؤخـرا و وضـعت حجـاب بلـون كريمـي هادئ. لقد أصـر علي الذهاب في ذلك الموعد ولكـن معهـا هـى. فأستسـلمت هذه المـرة وقـامت بتجهـيز نفسهـا. ثم آتـى يدق جرس الباب فتسـألت بتعجب:
"هو مش معاه مفتاحه؟!"
تحـركت ميلي تجـاه البـاب وفتحته وهي تتسـأل:
"ضيعت مفتا......"
"مفـاجأة مش كدا؟"
قـالها مـازن الذي وقـف أمام بـابهـا ضاما ذراعيـه أمام صـدره. وقبـل أن تتفوه بحرف واحد دفعـها للداخـل وأغلق الباب خلفـه بقدمـه. يكبـل كتفيها بيـن ذراعيـه وهـى لا زالت على صدمتهـا تسأله:
"أنت بتعمـل اي هنا؟! وعرفـت مكـاني إزاي؟"
ابتسم مازن بسخـريـة. وما الذي توقعـها! أن تبـكي فـرحا لرؤيتـه! يراقبهـا منذ يومين، يـراها وقد سكنت بيت رجـل أخـر. لا يعـرف إن كان يحق له السؤال ولـكنه أمامها الآن وسيفعل:
"يا تـرى المرة دي هتـوريـني الحيطـة اللي بينك وبينه!! ولا عايشه معاه بمزاجك ما إحنا مش في مصـر ومفيش هنا حد هيسألك ولا قانون هيمنعك تعيشي مع راجل غريب."
طـالعته زيـن وسألته بصدمه:
"هو دا اللي أنت جاي تسأله؟!"
"آه و ردي على السـؤال."
قـالت زين بغضب:
"مفيش قـانون هنا أو في مصـر يمنعني أعيش معـاه يا مازن، لأنه جـوزي على سنة الله ورسولـه، تحب أوريك القسيمة!"
"جوزك!!"
"عـندك مانع!"
"لا لا طبعا وهيكـون عندي مانع ليه! مش أنتي إختارتيه من البداية! أنتي إختارتي تعيشي مع واحد شغال تبع المافيـا ومعندكيش مانع، أنا بقى اللي هيبقى عندي!!"
"الكـلام دا ملوش أي لازمة يا مازن وأنا وأنت مكانش بينا أي حاجة علشان يبقى فيه إختيار بينك وبينـه من الأساس! هـو جوزي إختيـاري الأول والأخير."
ابتعـدت زيـن عنه توليـه ظهـرها، تُـحاول تخبئـة عينيها الدامعـة وحزنهـا. فقـالت بآسى:
"أنت ايه اللي جـابك هنا! ليه دخلت حياتي تاني! أنا مش عاوزة أفتـكر أي حاجة من اللي فات."
أقتـرب مازن يمـد يـده بـظرف مغـلق وقال:
"جـاي أديكي دا."
أخذته زيـن وهي تطـالعه بتعـجب وفتحـته. كانت دعوة زفـاف وإسمه مـدون بأسفلها. فسألته بسخرية:
"أنت جاي لحد هنا علشان تديني دعوة جوازك؟!"
"ركـزي كـويس."
طـالعت الدعوة مـرة أُخـرى وقرأتها بالكـامل ثم توقفـت على إسم العروس:
"مريم عبد العـزيز! أنت هتتجوز أختـي يا مازن!"
"وجـايلك مخصوص علشان أنتي عيلتها الوحيدة."
"ايه!"
قـال مازن بتريث:
"والدك اتوفـى من سـت شهور."
تحـسسـت بيـدها تبحـث عن أقـرب كرسي فقـدماها لم تعـد قـادرة على حملهـا. جـلسـت تُحـاول تنظيم أنفـاسها. وقـبل أن تـنهـار كليـا فُتـح بـاب المنـزل وأقبـل دراكـو يـطالعهـم بصدمـه وصـرخ غاضبا:
"ما الذي تفعـله هنا!"