تحميل رواية «بوديجارد» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أنا شغال عند هانم أنيقة، جميلة، وغنية جدًا. ورغم الثروة اللي تملكها، إلا إن عمرها لا يتعدى الاثنين وثلاثين سنة على حد علمي، لأن المعلومات المتاحة عن الهانم محدودة جدًا جدًا. إن كنت محظوظ إني لقيت شغل في قصر الهانم. ياريت المقدمة دي متصورلكش إني كنت صديق شخصي ليها أو حتى مقرب وكل الهراء ده. أنا مجرد حارس، لازم أديها ضهري كل ما تمر من جنبي أو تعدي قدامي أو حتى تطلع صدفه في الشرفة. وده كان من ضمن شروط الشغل اللي أنا قبلت بيها، واللي سمحت لي إني اشتغل في الفيلا، لأن الحراس بيتغيروا بسرعة بسبب الشرط...
رواية بوديجارد الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم اسماعيل موسى
وأنا ماشي، سمعت صراخ بيرى وهي بتوبخ سانتا وبتقول:
"دا نتيجة تعاطفك معاه! انتي اللي سمحتي ليه يقرب منك ويتكلم معاكي."
"وانت يا سيليا هانم، خليتي واحد زي ده يضربك بالقلم قدام السواق؟"
ضحكت سيليا.
"انتي ملكيش دعوة بتصرفاتي يا بيرى، خليكي في نفسك."
"اهو قدامك أهو، لما أشوفك هتعملي إيه."
"لكن أنا مسمحش ليكي تكلميني بالطريقة دي، أنا مش سانتا."
اختفى الصوت ورايا وأنا ماشي تجاه غرفتي اللي بتشبه علبة الكبريت.
عم سعيد البستاني نده عليا وكان مبتسم وسعيد.
"تعالى هنا، إيه اللي عملته وخليت بيرى تطلع من عزلتها؟ الظاهر عليك عملت مصيبة يا واد يا اسماعيل!"
اتهم العم سعيد اسمي كأنه يتذوقه، كأنه يتشفى من شيء.
"من بيرى؟"
"عم سعيد البستاني مكنش بيخرف ولا حاجة. لو كنت سمعت كلامه من زمان، لما لمح لي، كنت فهمت حاجات كتيرة."
قعدت جنبه وقلت له:
"انت الخير والبركة يا عم سعيد، أنا هعملك فنجان قهوة يظبط دماغك."
"لكن مالها بيرى دي؟"
همس العم سعيد:
"بيرى أخطر واحدة فيهم، متهورة وعصبية وعنيدة. ومن صغرها لازم تنفذ اللي في دماغها. تقدري تقولي إنها فارضة قبضتها عليهم وهما بيطاوعوها. بيرى محسساهم إن العالم بره الفيلا كله متوحشين، وإن مفيش راجل عدل، وإن عمرهم ما هيلاقوا الحب اللي بيقرأوا عنه في الروايات والكتب، فالرجال قذرين وجشعين وكل همهم نفسهم. وكل ما يظهر واحد زيك، تطفشيه من الفيلا أو تسجنيه."
"أنا زعلان على سانتا، دي أكتر واحدة لطيفة فيهم."
"سانتا دي أكتر واحدة قاسية فيهم."
صرخ عم سعيد:
"غبي، انت مش فاهم حاجة. سانتا طيبة جدا، دي الوحيدة اللي بتعطف عليا. على فكرة، هي اللي كانت بتتكلم معاك في المكتبة، مش سيليا."
"سيليا مزاجية، شوية كده وشوية كده بحالات يعني. لكن سانتا مظلومة وسطيهم، دي حتة سكرة. انت لو قدرت تقرب منها وتخرجها من الفيلا دي، هتلاقيها بنت حلال ونفسها تحب وتتحب."
"لكن أنا يا عم سعيد مش مؤمن بالحب ولا بفكر فيه."
"انت بتقول كده يا اسماعيل عشان لسه ملقتش البنت اللي تقدر تدخل قلبك، وتأثر حواسك وتعجبك. ارجوك امنح سانتا فرصة."
"قلت له حتى لو كان كده يا عم سعيد، أنا فين وسانتا فين؟ علاقتنا هتكون مستحيلة."
"قرب منها انت بس وربنا هتلاقيها بنت زي الفل."
خدت الكلمتين من عم سعيد ومشيت.
الراجل صرخ ورايا:
"انت ندل، فين فنجان القهوة؟"
قلت له من غير ما ألف ناحيته:
"انت عايز اسماعيل موسى يعملك قهوة؟ انت اتجننت؟"
سبته وروحت غرفتي. كنت بفكر في كلامه. سانتا فعلا لو كانت هي اللي في المكتبة تبقى طيبة فعلا ولازم أتواصل معاها.
استنيت لحد الصبح. بعد كده لمحّت سانتا.
"أنا عايز أتكلم معاكي، اسبقيني على المكتبة."
سانتا كانت مصدومة، لكن قالت: "حاضر."
قبل ما أحط رجلي على باب المكتبة، سمعت صراخ بيرى.
"انت رايح فين يا حارس؟ انت نسيت نفسك؟"
تراجعت خطوات.
"أمرك يا هانم."
رسمت على وجهي ابتسامة أكرهها، أعرف تملق البشر حتى لو كان حبل المشنقة على عنقي.
"رايح فين يا حارس؟"
"مش رايح مكان يا هانم. شفت قطة داخلة المكتبة، خفت توقع الكتب. أنا عارف حضرتك بتكرهي القطط."
توقفت بيرى.
"مين قالك إني بكره القطط؟"
"توقعت كده يا هانم، انتي بتكرهي الضعف والقطط ضعيفة، كائنات فوضوية لا قيمة لها."
"تعالى ورايا."
وكنت في حيرة من أمري، أن أتبعها أو أعترض وأنهي كل شيء.
هذه حياة لا أطيقها ولا تناسبني. كنت اكتفيت بما تحصلت عليه من ذل وإهانات.
ثم إن فكرة وقوعي في الحب مستبعدة. جنى لو كانت سانتا جميلة، فأنا أرغب بفتاة من نفس مستواي تتفهم مزاجيتي العكرة.
فالنفس البشرية متعفنة برواسب مستنقعية، ولا يمكنك توقع الرغبات التي تطفح من نفس مريضة.
إلا أنني في تلك اللحظة قررت أن أمنح بيرى رغبتها.
فل تصرخ وتهلل وتستمتع بضعف موظف يحاول أن يحفظ كرامته المهدرة.
أردت أن تصل لنهايتها البغيضة. نعم، سأعرف آخرها. إنها في الأخير امرأة، ولكل امرأة نقطة ضعف.
ترغب بوغد يكون خادم، عبد. فلنرى إلى أي مدى تقودها حماقتها.
رواية بوديجارد الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم اسماعيل موسى
سارت أمامي بعصبية وهي تهمهم: "إياك أن.."، المحك، تدخل المكتبة.
قلت: "لكن لدي يوم مفتوح يسمح لي فيه بدخول المكتبة!"
استدارت وبرقت عينيها: "الاتفاقات الجديدة تجب ما قبلها."
"اسمعي"، ولوحت بيدها كأنها تعجن قرص خبز.
"الغرفة، المطعم، المكتب عندما أطلبك طبعاً، ثم السيارة، تقفين بجوار السيارة كل صباح حتى يوم الجمعة."
كانت تتحدث بغل وانتقام، وكنت أسخر في نفسي كيف سمحت أن تجعلني ندًا لها؟
فأنا لن أكون ولن أكون ندًا، وشعرت أن كبرياءها يقودها، وهذه نقطة ضعف واضحة.
"حاضر يا هانم، لا مكتبة، لا، لا، لا، سألتزم بأوامرك."
"اسمي بيرى هانم، عندما تتحدث إلي تقول بيرى هانم."
"فاهِم يا حاس؟"
قلت: "فاهِم يا بيرى هانم"، وكلي رغبة أن أركلها على مؤخرتها.
فتحت المكتب ووقفت للحظة، تلاعبت بهاتفها بضيق وتركتني بلا اهتمام، كأن أعمال العالم كلها تنتظرها.
"تفهم حماقتها ولست غاضبًا أو حانقًا. اذهب لغرفتك هيا أيها الوغد المتذاكي. إياك ثم إياك أن تضع قدمك داخل المكتبة، اترك الأمورة تنتظرك هناك."
شهقت: "إنها تفعل كل ذلك، اممم، لمحت سانتا، ممممم، حسنًا."
"بتربطم تقول إيه؟"
"تحرك على غرفتك."
"حاضررر."
حاولت أقنع نفسي أنها خائفة على سانتا من الوقوع في غرام شخص متشرد.
عبرت عم سعيد، لم تكن لدي رغبة في الكلام، وكانت بيرى تنظر من الشرفة، ثم جلست على مقعد يطل على الساحة والحديقة.
"امرأة لعينة."
اختفيت بين الأشجار الوارفة التي تمنع الرؤية.
زحت قطعة الخشب التي أخفي بها النفق الذي صنعته.
نزلت داخل النفق، ربما حان الوقت لأعرف إلى أين يقود الطريق الذي صنعته.
قبل النهاية وجدت المعول الذي تركته منذ آخر مرة، نزعت قميصي وبدأت الحفر.
كنت أرغب بالوصول لخلف الفيلا.
ولكن بعد عشرة خطوات من الحفر ارتطم المعول بمعدن أصدر صوت رنان.
زحت التراب ووجدت بابًا، تسمرت أمامه أكثر من دقيقة.
"هذا باب يؤدي إلى الجحيم؟"
أشعلت سيجارة وسط الغبار المتراكم فوق وجهي، ثم دفعت الباب الذي انفتح أمامي.
درج سلم.
رأيت سلمًا ينزل لأسفل، درج من الرخام لامع.
هبطت السلم بخوف، نزل الدرج لعمق سحيق قبل أن يستوي الطريق.
نفق ممهد مسقوف بعناية تتخلله درجات سلم تصعد لأعلى.
واصلت السير خلال النفق الطويل الذي أوصلني بعد سير لباب مغلق.
باب مزركش بخط عثماني.
توقفت عند هذا الحد وأنا ألهث من الخوف والمفاجأة.
لكن الفضول التهمني، إلى تصل تلك السلالم؟
اخترت آخر سلم وصعدته، ظهر أمامي باب صغير فتحته.
كان على ما يبدو مؤخرة الفيلا.
أغلقت الباب وهبطت، ارتقيت السلم التالي الذي أوصلني لغرفة المعيشة.
"ممم بدأت أفهم الآن."
الباب الثالث أوصلني للمكتبة، تسمرت بلا حركة، ثم دلفت داخل المكتبة.
جسدي كله مغطى بالتراب، كنت أشبه شبحًا.
عندما لمحتني سانتا كادت تصرخ.
"اصمتي"، قلت، "أنا إسماعيل."
"إنت عامل كده ليه؟"
"وصلت هنا إزاي؟"
ألقيت بجسدي على المقعد.
"وجدت نفق قديم."
"نفق قديم؟" همست سانتا.
"تحت الفيلا؟"
حكيت لسانتا إلى حصل مع بيرى، "اسمعي سانتا ياريت محدش يعرف حاجة عن النفق ده."
"بيرى مش هتسمح إني أقابلك أو أتكلم معاكي."
قضينا وقتًا ممتعًا من السخرية والضحك.
ثم سمعت صوت عبد المعين داخل الكافتيريا يصرخ: "حد شاف إسماعيل؟"
كان عبد المعين يبحث عني بعدما لم يجدني في غرفتي.
"بيرى أرسلته خلفي."
رواية بوديجارد الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم اسماعيل موسى
إلى أين تذهب؟
قلت لسانتا التي تحدق بي غير مصدقة.
سأذهب لصالة الطعام.
بهيئتك تلك؟ تتساءل سانتا.
تقول إنك ستقتحم الكافتيريا بصدر عارٍ وجسد مغطى بالتراب؟
عبد المعين يسأل عني، لابد أن أظهر بسرعة.
لقد بحث عني في كل مكان.
بيري كانت تراقبني.
وانتظرت أن تصرخ سانتا، أو أن تهمس.
لن نختلف في تلك النقطة.
انتظر هنا، اجلس معي، لا تخف منها، أنت معي.
لكن سانتا ابتسمت، وكأن اللعبة تعجبها أو ربما أمر آخر.
تشعر بالملل ولا تمانع أن يتلقى صوت ضعيف مثلي التقريع واللوم.
وهناك رأي آخر يعجبني.
إذا كانت سانتا تعتقد أنني شخص تافه، صعلوك لا يليق بها، ما كانت سمحت لي بالجلوس والتحدث معها كصديقين حميمين.
عقلي مزعج، غطاء حلة انغلق على ماء يغلي.
ألقت إلي وشاحها.
استري نفسك.
عليك أن تخرج من باب الصالة الرياضية، لن يشكك أحد في مصداقيتك.
خرجت من الصالة الرياضية وصرخت.
أنا هنا يا عبد المعين بيه.
يتأملني الرجل بلا عناية.
الهانم تبحث عنك.
قلت: كنت عندها منذ نصف ساعة.
قال عبد المعين: وأنا مالي؟ عندما أقول إن الهانم تريدك يعني أن تنقلع وتذهب لمكتبها.
قلت: سأغسل نفسي، لن أذهب هناك وأنا متعفن.
همس عبد المعين: براحتك، وما على الرسول إلا البلاغ.
نظفت نفسي ورحت على مكتب بيري، خبطة، اتنين.
أدخل.
كنت فين؟
كنت في الجيم يا هانم.
وضعت بيري ساق على ساق.
كذاب.
قلت: أنا لا أكذب.
قالت وهي تدير شاشة المراقبة: كذاب.
قبل أن أبحث عنك، راجعت كل المناطق ولم أجد أثر لك.
قلت: يا هانم، ظهرت صورتي أمامك في المكتبة؟
قالت: لا.
قلت: في داخل الفيلا؟
قالت: لا.
قلت: يعني لم أكن في منطقة محرمة؟
كبري دماغك يا بيري هانم، مش لازم أقول أسرار حياتي بالتفصيل.
أصل فيها حاجات مقرفة.
أنت؟ متقوليش كبري دماغك، رغم كده وجدت كلامي معقول.
فأنا لم أكسر القواعد.
ثم ظهرت سانتا، اقتحمت المكتب وجلست على وجهها ابتسامة.
كيف حالك سيد إسماعيل؟
قلت: بخير يا سانتا هانم.
رفعت سانتا يدها الرقيقة.
بقالي زمان مشفتكش جوه الفيلا.
حاولت أن أخفي ضحكتي.
أنا في خدمة بيري هانم مش بلاقي وقت حتى أتناول طعامي!
طيب تقدر تمشي أنت من فضلك، أنا هتكلم مع بيري شوية.
ومشيت تحت نظرات بيري المستنكرة، غير المصَدقة أن سانتا بتتدخل في شغلها.
الصراحة كنت مبسوط أن سانتا بدأت تأخذ موقف.
بدأت تساعدني، وتقف في وش بيري.
سأتخطى هنا بعض الأيام لأنني مللت من هذا الهراء ولأنها لا تحمل أي جديد.
كنت أذهب مع بيري إلى الشركة وأعود نهاية كل يوم.
ثم أتسلسل من السرداب وأقضي وقت ممتع مع سانتا.
حتى جاء اليوم الذي كنت جالس فيه مع العم سعيد وسمعنا.
خناقة كبيرة بين سانتا وبيري، كنت أنا سببها.
سيليا وبيري واجها سانتا بشكوكهم وطلبا منها أن تمتنع عن التحدث إلي، وسانتا رفضت.
شعرت تلك اللحظة بعدم جدوى بقائي داخل الفيلا.
من أكون أنا حتى أتسبب بصراع بين الأخوات ومن أجل ماذا؟
لا شيء بالطبع.
ما الذي أنتظره داخل تلك الفيلا؟
أن حياتي مع كل يوم تتحول لجحيم.
أنني أعيش هنا كفأر تجارب.
أن ما ينتظرني لن يكون أبيض بل رمادي غائم.
كتبت استقالتي مرفقة بالشيك الذي يحوي مبلغ المليون جنيه.
ثم رقبتي، ثمن حريتي.
رواية بوديجارد الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم اسماعيل موسى
حاول سعيد البستاني أن يفتح فمه، أن يحذرني مثل المرة السابقة.
قلت له: "توقف من فضلك، أعرف ما مررت به، ويمكنني أن أشعر كيف تألمت، لكنني لست الشخص الذي يمكنه أن ينفذ أمنيتك ويقف أمام بيرى. قد أبدو لك بالغ القوة، لكنني أفضل السلام النفسي، أن أريح عقلي وأرضي مزاجيتي بالابتعاد عن إشكاليات أنا في غنى عنها."
قال: "قلت لك بيرى لن تسمح لك بالرحيل. تفضل غادر الفيلا وارتكب نفس الخطأ الذي ارتكبته."
وأدار ظهره لي وبدا أن عمره زاد عشرة سنوات دفعة واحدة.
قدمت استقالتي لعبد المعين ولم أستمع لثرثرته. قصدت غرفتي وجمعت ملابسي، سأرحل ولن يعرف لي طريق.
جرى عبد المعين تجاه غرفتي: "رفضت بيرى هانم استقالتك."
قالت: "تقول عليك أن تقدمها بنفسك."
ألقيت بحقيبتي على الأرض، إذا كان ذلك سيرضي غرورها فسوف أفعله.
وقفت على باب مكتب بيرى بتردد، أكره المواجهات المباشرة، تعصبني.
ثم طرقت الباب.
صرخت بيرى: "ادخل."
قلت: "لقد قدمت استقالتي مرفقة بشيك الشرط الجزائي."
لمست بيرى استقالتك مرفوضة، أنا التي أحدد متى يمكنك الرحيل.
قلت: "أوه بيرى، اسمعي من فضلك، أن رحيلي من هنا بمثابة فوزك."
وقبل أن تعترض قلت: "عدم وجودي هنا يسمح لك بإعادة السيطرة على سانتا."
قالت: "السيطرة على الفيلا والأعمال؟"
قلت: "أتقايضين كل ذلك نظير بعض الشخط واللوم؟ سأرحل الآن ويمكنك أن تختلقي القصة التي تحبين."
قالت: "قولي طردته، رفضته، رميته خارج الفيلا، لن يشكك أحد في قصتك."
ارتسمت نظرة غائمة على وجه بيرى: "ارحل قبل أن أبدل رأيي."
خرجت من الفيلا وأنا أشعر أنني نلت حريتي بعد طول غياب.
استأجرت شقة متوسطة لكنها مريحة.
وبعد شهر من رحيلي بدأت أعطي دروساً خصوصية.
كان الأمر شاقاً في البداية لكنني اعتدت صراخ الطلبة ورعونتهم.
وبدأ حالي يستقر وأنسى الماضي الذي كان يلاحقني.
العار الذي كنت أشعر به في أول لحظات رحيلي عن الفيلا.
عار التخلي عن سانتا.
الذي كان بيني وبين سانتا لم يكن حب بل تمرد.
تمردي على قوانين الفيلا.
وتمرد سانتا على سيطرة أختها بيرى.
الصداقة التي جمعتنا وجدنا فيها متنفس ضد الظلم والقمع الذي عشّش داخل جدران الفيلا.
لقد قطعت كل السبل التي من الممكن أن تصلني بالفيلا، مع بيرى أو سانتا أو حتى سيليا.
نعم، أنهيت كل شيء وأغلقت عليه بالضبة والمفتاح.
ولكن ذلك لم يمنع أن تصلني بعض الأخبار عن طريق العمال الذين يتم طردهم من الفيلا قبل أن يكملوا شهرين أو ثلاثة.
لكنها كانت أخبار متضاربة، لأنهم كانوا يصرون أن التي تقوم بطردهم سانتا.
وكنت أسخر من نفسي، كيف لهم أن يعرفوا أن بيرى هي التي تقوم بطردهم وأنني الوحيد الذي استطعت أن أحل لغز الفيلا، أنا الذي وقفت في وجهها، أنا الذي صفعت سيليا، أنا أنا أنا.
من حقهم أن ينصبوا لي تمثالاً.
وكان الحنين يطاردني أحياناً، فاتسكع قرب الفيلا على مرأى بيرى في شرفتها من بعيد أو حتى سانتا.
لقد ظللت أسابيع أفعل ذلك حتى أنني شككت بفكرة تحرري من الفيلا.
إلا أن جاء اليوم الذي لمحت العم سعيد في الشارع وأنا جالس في المقهى أدخن الشيشة.
صرخت: "عم سعيد، عم سعيد؟"
التفت الرجل تجاهي ولم يبدو متحمسًا لرؤيتي، فقد كنت بالنسبة له خائنًا.
لكني أحضرته وأجلسته جواري وطلبت له فنجان قهوة.
وتحدث الرجل، قال بحزن: "إن سانتا تغيرت بعد رحيلي وأصبحت أكثرهم قسوة. لمحت في الأيام الأولى شارده، لكنها بعد ذلك أصرت أن تتولى الإدارة وهناك سمحت لغضبها أن يلتهم كل من يقف في طريقه."
"لقد استقر لديها أن الرجال خائنين مثلما كانت تخبرها بيرى دومًا."
شعرت بغصة داخل صدري رغم أن قصتي هناك انتهت ولا مجال للرجوع إليها.
فلتعتبرني سانتا خائن، جبان، هارب، لكنني لست مستعد لدفن نفسي داخل أسوار فيلا تنضح بالأمراض النفسية.
همست طفلة صغيرة اسمها تالا وكنت عدت للتو من المطبخ أحمل كوب شاي: "اسمع يا أستاذ."
"الميس سارة تقول عنك أنك لا تفقه شيء، لست متخصص وأن الدرجات التي نحصل عليها في مادتك ضربة حظ ولا تعني مطلقاً أنك أفضل منها."
"سارة؟"
الاستاذة التي تنافسني في تدريس مادتي، عندما شاع داخل العمارة التي أسكنها أن هناك مدرس جديد يدرس الطلبة، وصلتني أخبار سخرية المس سارة من قدراتي.
أقسمت أن كل طالب يأخذ درس عندي سيسقط وأنها لن تسمح لطالب غادرها أن يعود مرة أخرى للدرس عندها.
قابلت كل ذلك بهدوء، لم يكن هناك فائدة من إلقاء اللوم والصراخ.
حسنت من نفسي بصورة مريعة ورغم أنني غادرت الجامعة من سنين طويلة إلا أنني عدت للمذاكرة واكتشاف طرق جديدة للتدريس.
ولم يمر عام واحد حتى زاد عدد الطلبة عندي بمقدار النصف.
وللصدفة كان كلهم يدرسون عند المس سارة.
قلت لتالا: "أنت تقولين ذلك لأنك في الحقيقة لم تنهي واجبك!؟"
"رغم ذلك ولأن مزاجيتي جيدة اليوم لن أخبر والدتك."
"ها، هل تفهمين؟"
جلست أدخن سيجارة، موضوع سارة بقى بايخ أوي.
بدأت أشعر أنها تعطي طلبتها درس في كراهيتي ولا تدرسهم المادة.
وارتأيت أن أواجهها فأنا لن أسمح لها بتشويه سمعتي.
كانت خارجة للتو من المدرسة عندما لوحت لها.
"أنت؟ اقتربي من فضلك."
وكانت المرة الأولى التي أشاهدها عن قرب، وكان وجهها لا يخلو من الجمال.
"اسمح لي بخمس دقائق من وقتك."
ولاحظت ارتعاشة أطرافها واحمرار وجهها.
قلت: "يصلني منك كلام أكرهه وأنا لم أتسبب لك في أي أذى."
وانتظرتها ترفع يدها وتعترض أو أن ترفع صوتها وتقول: "ما حصلش" أو "إنت مالك".
لكنها همست: "أنا آسفة، قلت ذلك منذ زمن مضى ولا أعرف لما وصلك الآن بالذات."
"أنت مدرس جيد جداً وكان بودي أن أعتذر لك منذ زمن طويل."
وللأسف عندما سمعت صوتها وتأملت ملامحها شعرت أن هذه الفتاة أسرتني.
كان داخلها شيء يجذبني نحوها، شيء غير مفهوم يشبه المغناطيس.
وهَمست سارة: "اسمح لي بالرحيل بعد إذنك."
ولم يمر يومين وكنت أضغط على طلبتي بأسئلة معقدة لرغبتي في ضربهم وتوبيخهم.
حتى سمعت جنى تقول: "ليه القسوة دي يا أستاذ؟"
"دا حتى المس سارة بتقول عنك لطيف."
وجنى تقطن الشقة المجاورة لشقة عائلة سارة وكانت تدرس عندها.
قلت: "متى حدث ذلك؟"
قالت: "أمس، التقيته على السلم وقالت أنت تدرسين عند الأستاذ إسماعيل، إنه شخص جيد."
ربت على شعر جنى: "حسنًا، إنه يوم سعدكم، براءة، اتركو هذه الأسئلة التافهة اللعينة."
بعد أسبوع كنت في شقة سارة بعد أن تقدمت لخطبتها.
وكنت أشرح لها طباعي ومزاجيتي وشخصيتي المعقدة.
والفتاة تحني رأسها وتهمس أنها متفهمة.
لم أخفي شيئاً عنها، ولكني لم أر أي داع لذكر الماضي.
تمت خطبتنا، وأستطيع أن أقول أنني وجدت في سارة راحتي، فأنه من الصعب أن تجد شخص يتقبلك كما أنت بعيوبك ومشاكلك ولا يطلب منك أن تتغير.
أن تقبلها لكينونتي كما هي جعلني أحترمها أكثر، جعلني أفني نفسي في محاولة إسعادها.
وكان والدها الوغد لا يسمح لنا باللقاء خارج الشقة.
من أجل ذلك كنا نسرق بعض الوقت داخل مقهى أو حديقة نتناول فيها فنجان قهوة أو كوب عصير لأن سارة لم تكن تحب الأكل خارج المنزل.
ومضت الشهور مسرعة وتحدد موعد عرسنا في منتصف شهر فبراير بعد أسبوع بالضبط.