تحميل رواية «بنات ورد» PDF
بقلم رشا عبد العزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى ليالي الربيع ومع نسمات الهواء الباردة، كانت ضحكات تلك الصغيرة ذات الاثنى عشر عامًا تعلو، تكسر صمت الشارع الذي تمر به مع والدها. تمشي معه متشابكين الأيدي، تقص عليه بفخر تفوقها الدراسي وعلاماتها العالية، ويثني هو عليها بكلماته الجميلة التي تنبع من قلب أب حنون. "برافو يا مشمش، عاوزك تكوني دايمًا كده شاطرة ومتفوقة عشان لما تكبري تكوني أحلى دكتورة بابا يرفع راسه بيه." هزت له رأسها مؤكدة على كلامه. "أيوه يا بابا، هكون دكتورة وأساعد الفقراء زي ما علمتني." قرص وجنتها وقال يشجعها. "حبيبتي الشطورة...
رواية بنات ورد الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رشا عبد العزيز
ارتبك لرؤيتها أمامه حتى أنه نسي سبب حضوره. تباً لتلك الفتاة التي صارت تملك أفكاره وتستحوذ على عقله. ما كان ينقصه سوى رؤيتها اليوم أمامه.
- كنت بدور عليك يا علي.
- إزيك يا هدى؟
- أهلاً يا فارس.
قالتها هدى وهي تنقل نظراتها بينه وبين شقيقتها التي يبدو عليها عدم المبالاة بوجودها.
قترب أكثر حتى أصبح قريباً منها ليقول بخفوت دون أن ينظر إليها:
- إزيك يا شمس؟
أجابته باقتضاب وهي تتجاوزه حتى وصلت إلى باب المحل:
- أهلاً.
ظن أن هروبها من المكان بسبب وجوده. ليستدير يخبرها بأنزعاج:
- شمس، أنا ماشي على طول، مفيش داعي تخرجِ.
لتنظر له نظرة خاطفة صحبتها ابتسامة جانبية:
- ومين قال إني ماشية عشان أنت جيت؟ بالعكس كويس أني شفتك. عاوزة أتكلم معاك في موضوع. هستناك بره على ما تخلص.
رحلت تاركة الثلاثة ينظر أحدهم إلى الآخر بدهشة. ثم تبعها هو ليلتفت علي نحو هدى مستفهماً:
- هو أي الموضوع الي شمس عاوزاه فارس عشانه؟
رفعت هدى كتفها بعدم معرفة وقالت بحيرة:
- مش عارفه.
جاورته في سيارته الفارهة ذات الطراز الحديث ليلتفت نحوها:
- تحبي نقعد في مكان معين؟
هزت رأسها رافضة:
- لا ملوش داعي. الطريق من هنا للمستشفى طويل وكافي عشان نتكلم.
أدار مفتاح سيارته منطلقاً نحو طريق المستشفى. تنهدت بهدوء تستعد للحديث، لكن رائحة عطره التي ملئت السيارة أشعرتها بالاختناق. رغم أنه كان عطراً هادئاً، لكنه كان كفيلاً لإثارة صخب الأفكار في رأسها.
اختلست النظر نحوه وفكرة واحدة تدور في رأسها: كيف ستقضي تلك السنتين برفقته؟ انتشلها من شرودها سؤاله:
- أنا سامعك يا شمس، أي هو الموضوع اللي عاوزاني فيه؟
لتجيبه بقوة وثبات:
- أنا عاوزة أسكن في بيت أبويا.
قطب حاجبه متعجباً وهو يكرر حديثها موزعاً نظره بينها وبين الطريق:
- في بيت أبوكي؟ ليه يا شمس؟ ما أنا عندي الجناح بتاعي في الفيلا، ودا جناح متكامل.
- معلش، أنا هكون مستريحة في بيت أبويا.
- بس يا شمس…
قاطعته وهي تلتفت نحوه:
- لو سمحت خليني أحافظ على جزء من كرامتي.
لم يعقب على كلامها، لكنها لمحت يده التي اعتصرت المقود حتى أبيضت مفاصله وكأنه يحاول السيطرة على انفعاله.
- اعتبره أول طلب أطلبه منك.
أخذ نفساً عميقاً ثم زفره بقوة عله يخفف غضبه. هل زواجها منه أهان كرامتها لهذه الدرجة؟ كانت تنتظر إجابته. ليحاول استرداد هو بعضاً من كرامته هذه المرة ليقول:
- ماشي يا شمس، بس أنا متعلم على نظام في أوضة نومي، عشان كده المكان اللي أعيش فيه لازم يتضبط على مزاجي.
- أه… طبعاً. أنا متفهمة يا فارس بيه أن بيتنا مش من مقام حضرتك، بس البيت دا فيه ذكرياتي. أنت ممكن تغير أوضة النوم، بس دي الحدود اللي أقدر أسمحلك التغيير فيها.
شعر بسخريتها التي زادت من حنقه ليهتف بحده:
- لاحظي إني بستحمل تلميحاتك واعديها بمزاجي، لكن يا ريت يكون حوارنا فيه احترام أكتر من كده.
رغم انزعاجها من كلماته، لكنها شعرت باستحسان من أسلوبه الهادئ معها:
- وأنا ما قصدتش أضايقك، أنا بقول الحقيقة بس.
- وأنا هحترم ذكرياتك، بس هبعت مهندسة ديكور وعمال يضبطوا الأوضة، ولو تحبي تبلغيهم طلباتك.
- لا ملوش داعي، هما أكيد يعرفوا شغلهم.
تعجب من ردها وبرودها، لكنه لم يعر لأمر اهتماماً ليستطرد:
- لو فيه حاجة تانية عاوزة تطلبيها في المهر والشبكة أو مكان معين عاوزة تشتري منه؟
ابتسمت داخلها ابتسامة ساخرة. هل يظن أن نقوده ستغير الحقيقة؟ أنها غصبت على هذا الزواج. هل النقود سوف تعيد لها كرامتها التي خسرتها برضوخها لقرارهم؟
- مفيش داعي، أنا أصلاً مش عاوزة شبكة ولا مهر.
قال لها يلومها:
- ليه يا شمس؟ دا حقك؟
ضحكت مستهزئة وهي تنظر له:
- أنا خسرت حقي من ساعة ما بقيت لعبة في إيد بدران.
ليصحح لها بصوت غاضب:
- قصدك من ساعة ما وافقتي على جوازنا.
- أنا ما وافقتش أصلاً، أنا اتجبرت.
تسارعت أنفاسه وازداد غضبه حتى برزت عروقه نافرة:
- على فكرة، أنا كمان اتجبرت على الجوازة دي، يعني الحال من بعضه يا دكتورة.
توقفت سيارته فجأة لتصدر إطاراتها صريراً عنيفاً لاحتكاكها بالأرض ليرتد جسدها بقوة، ترتطم بظهر المقعد.
- أتفضلي وصلنا.
قالها دون أن ينظر إليها. التفتت تنظر له بسخط ولملمت أغراضها التي تبعثرت، ثم ترجلت صافعة الباب بشدة خلفها.
أسند ظهره على المقعد وأعاد رأسه إلى الخلف يتنهد بضيق من ماهو مقبل عليه. خرجت من سيارته تمثل الثبات لتدخل إلى المستشفى. سارت حتى وصلت إلى إحدى الممرات الشبه خالية، سندت يدها على الجدار تخرج أنفاسها الحبيسة بقهر. لتهرب من عينها دمعة، مسحتها بسرعة وهي تدعو الله أن تستطيع التحمل حتى النهاية.
سارت حتى وصلت إحدى الغرف لتطرق الباب ثم دخلت لتجد نجوى تجلس تسجل بعض الملاحظات. لترفع رأسها تتطلع لها بدهشة وهي ترى باقة الزهور التي تحملها:
- كل سنة وأنتِ طيبة يا صاحبتي.
اتسعت ابتسامة نجوى وهي تقف متجه نحوها بخطوات سريعة تحتضنها:
- يا حبيبتي، دا أنا حتى نسيت. متشكره أوي يا مشمش.
خرجت من أحضانها لتعطيها شمس الزهور وتداعبها قائلة:
- أنا مجبتش تورته عشان أنتِ عاملة دايت، مش عاوزة أبوظ. وقلت ورد أحلى.
رفعت الباقة تستنشق عطرها مسرورة، ثم تحتضنها وهي تتمايل بجسدها يميناً وشمالاً:
- الله يجنن! أول مرة حد يجيب لي ورد.
- الحمد لله إنها عجبتك.
قالتها شمس وهي تضع حقيبتها في مكانها المخصص وتخلع سترتها مرتدية مكانها المعطف الأبيض الخاص بها. ثم وقفت تعيد ترتيب حجابها وتثبته بالدبابيس. لتقترب منها نجوى مندهشة:
- أي دا؟ هو أنتِ هتباتي في المستشفى النهارده كمان؟ أنتِ مش كنتِ هنا امبارح؟
- أيوه.
ربتت على كتفها معاتبة إياها:
- مش كفاية هروب؟ مافضلش كتير على الفرح، خلاص تقبلي الأمر الواقع.
أغمضت عينيها تطرد تلك الأفكار التي زادت سوء بعد لقائها به. واتجهت نحو المقعد ترمي بثقل جسدها المنهك عليه وعين نجوى تتبعها:
- عقلي مش راضي يستوعب.
- حاولي يا شمس، مدام رضيتي تدخلي اللعبة لازم تتحملي.
- وهو أنا رضيت بمزاجي يا نجوى؟ ما أنتِ عارفة اللي فيها.
وضعت الورد جانباً ثم سحبت الكرسي وجلست أمامها:
- شمس، دي حياة وسنتين من عمرك، مش يوم وإلا يومين.
ثم ربتت على قدمها تواسيها:
- حاولي تتقبلي يا مشمش، وبعدين مين عارف؟ مش جايز يطلع فارس مش وحش زي ما أنتِ فاكرة.
- فارس وصلني لغاية هنا.
ارتفع حاجب نجوى تسألها بدهشة:
- أي؟ وصلك للمستشفى؟ ليه؟ وقال إيه؟!
لتخبرها شمس بما دار بينهما وطلبها الذي طلبته منه، ورد فعله:
- ودا يا ستي كل اللي حصل.
- بس تعرفي ردود فعله طبيعية. هو كمان راجل وعنده كرامة، وجايز هو كمان اتجبر. متنسيش جدو ممكن يكون الممول لتجارته، فأكيد مش عاوز يخسره.
تنهدت بأستياء وقالت بحرقة ودموعها تسبق كلماتها:
- مش عارفة، حاسة إني تايهة وسط صحرا. لا أنا عارفة طريقي ولا قادرة أقود. تعبت يا نجوى… تعبت أوي… وخايفة أوي…
احتضنتها نجوى بقوة وهي تقول:
- ارمي حمولك على ربنا، محدش عارف الخير فين.
***
وقفت على استحياء بجانبه ينتقي لها خاتم خطبتها:
- شوفي دا يا ندى، أي رأيك؟
يدها المرتعشة أبت التحرك. حتى عاود سؤلها بعد أن أقلقه صمتها:
- أي يا ندى، ما عجبكيش؟
لتجبر يدها على الارتفاع والتقاط الخاتم بارتباك. تنظر له برضى وتبتسم:
- حلو.
بادلها الابتسامة ودنا منها أكثر يشير لها:
- طب جربي، جايز ميطلعش مقاسك؟
ابتلعت ريقها بحرج. تلك المرة الأولى التي يكون بهذا القرب منها. أمسكت الخاتم ويدها تزداد ارتعاشاً. حتى وضعته في إصبعها وعينه تتابعها. أدارته حول إصبعها ورفعت يدها تنظر له:
- حلو قوي.
رغم أنه كان يبتسم لها، لكنها كانت تشعر ببرودة ابتسامته إذا قارنتها بابتسامة علي العاشقة التي تردد صدى ضحكاته داخل المحل. لتلتفت ندى تراقب ذلك المشهد مستغلة انشغال طارق بكلامه مع صاحب المحل. لتلتقط عينها امتعاض وجهه والده علي، التي يرونها للمرة الأولى. أزعجتها نظرة الاشمئزاز التي تنظر بها لشقيقتها.
- اخترتي أي يا حبيبتي؟
- أي رأيك دا يا علي؟
التقط منها علي الخاتم ينظر له بأنبهار:
- الله يا حبيبتي، يجنن! حلو ورقيق زيك.
ابتسمت هدى ابتسامة خجلة بعد إطرائه، لكن ابتسامتها زالت عندما سمعت صوت والدته الممتعض:
- بس موضة قديمة أوي. مش عارفة أي اللي عجبك بيه؟
لتمسك الخاتم تنظر له بتعالٍ وتقول:
- مش حلو خالص، هشفلكم غيره.
نحتت هدى جانباً بعد أن تقدمت والدته. لينظر علي لها بتوتر، ثم اتبعها بنظرات أسف وترجي. اقترب منها ووالدته تمد يدها لها بخاتم من اختيارها وتقول بحده:
- شوفي دا أحلى.
التقطت الخاتم منها باضطراب وعين صفاء تترقب ردة فعلها. ليقف بجانبها وهمس:
- لو ما عجبكيش نغيره؟
لترفع نظرها نحو صفاء وتجد عينها ترمقها بازدراء. علمت أنها ترفضها وأن زواجها من علي رغماً عنها. التفتت نحوه لتجده ينظر لها بتوتر. أعادت نظرها نحو الخاتم الذي لم يروق لها، تضعه بإصبعها مجبرة. تمنت أن لا يناسبها، لكنه كان مقاسها تمام. ليعود يهمس لها عندما شعر بعدم تقبلها له:
- هدى، لو الخاتم معجبكيش نغيره؟
- علي، دا خاتم راقي، وإلا أنت عندك شك في اختياري؟ أنت عارف إن بالبس من أرقى وأحدث الماركات وعارفة إيه الجديد.
صدح صوت صفاء بهذه العبارات وكأنها تتعمد الانتقاص منها:
- أيوه يا ماما، عارف يا حبيبتي إنك شيك وقمر، بس كمان أنا عاوز أشوف رأي هدى.
أرضاها مدحه وأغضبها طلبه رأي هدى في أن واحد، وما زاد عينه التي تتوقد حباً لها ويظهر جلياً في معاملته لها. لتحاول إحراجها:
- أكيد هدى هيعجبها ذوقي، وإلا أي؟
لم تعلم بماذا تجيب، هل ترفضه أم تقبله؟ نظرت نحو علي الذي ابتسم لها ابتسامته التي تعشقها، وكأنه يخبرها أنه بجانبها. لكنها لا تريد أن تكون سبب في مشكلة مع والدته. لتقول مجبرة:
- ماما معاها حق يا علي، واختيارها جميل.
ابتسمت صفاء ابتسامة انتصار، وأبتسم علي لها ابتسامة امتنان. زاد موقفها حبها في قلبه وهو يراها تضغط على نفسها إرضاءً له ولوالدته. لكن هذا المشهد جعل ندى تشعر بالخوف، فيبدو أن شقيقتها ستعاني مع هذه السيدة.
- ندى… سرحانة فين؟
كان هذا صوت طارق الذي كان يحرك يده أمامها بعد أن رأى شرودها. ثم نظر إلى ما كنت تنظر إليه ليجدها تحدق بزوجة عمه، ففهم ما تفكر فيه:
- طنط صفاء بتحب علي أوي عشان ابنها الوحيد.
التفتت إليه وقالت بسخط:
- الظاهر إنها مش بس بتحبه وبتغير عليه كمان.
- الصراحة أيوه، حتى من عمي ذات نفسه.
نغزها قلبها وهي تبصر أول العقبات التي ستواجه شقيقتها التي ظنت أنها الأوفر حظاً بينهم.
***
عادت إلى المنزل في وقت متأخر كعادتها. لتجد ندى تنتظرها. وقفت عندما رأتها تدخل الشقة، لكن شمس تجاوزتها متجهة نحو غرفتها رغم نداء ندى المتكرر:
- شمس… شمس استني، عاوزة أكلمك.
أغلقت الباب بقوة، أدارت المفتاح تمنع قلبها من الضعف أمام ندائها وتوسلاتها:
- حرام عليكي، كفاية كده.
كان هذا صوت هدى التي قالت كلماتها معاتبة لها:
- اسكتي أنتِ، ملكيش دعوة.
لتهتف هدى بغضب وهي تعتدل في رقودها:
- لا يا شمس، ليا دعوة. أنتو الإتنين أخواتي، ومحبش أشوفكم زعلانين كده.
نظرت لها نظرة خاطفة وعادت تخلع ملابسها بلامبالاة:
- هدى، أنا تعبانة ودماغي مصدعة. نامي وإلا ردي على رسايل حبيب القلب وسيبيني بحالي.
تنهدت هدى بيأس وقالت:
- فارس شطب الأوضة وجاب الأثاث النهارده، وسابلك البوكس دة.
تشير نحو صندوق وضع على سريرها. هاتعلم لماذا تشعر بضيق كلما ذكر اسمه؟ وتعجبت من السرعة التي أنجز فيها تلك الغرفة، فلم يمضي على طلبها سوى سبعة أيام. جلست على السرير وفتحت غطاء الصندوق ليتجهم وجهها وهي ترى فستان زفاف. أغلقت الصندوق بسرعة ووضعته على الأرض لتركله بقوة دافعة إياه بعيداً تحت السرير، وكأنها تحاول النسيان.
أزاحت الغطاء بعنف واستلقت على السرير، واضعة يدها تحت خدها الأيمن. لتستنشق فجأة عطره. ظنت أنها تتخيل. لترفع يدها تقربها من أنفها لتجد يدها تمتلئ بعطره. يبدو أن ذلك الصندوق اللعين قد غرق بعطره. لتنهض بسرعة وتاخذ زجاجة العطر خاصتها ترشها على يدها لتخفي آثار عطره البغيض من يدها.
- أي يا بنتي؟ خنقتينا؟
قالتها هدى وهي تسعل وتضع يدها على أنفها متذمرة:
- نامي يا هدى وأقصري الشر، أنا روحي في مناخيري.
- نامي أنتِ عشان أقدر أنا كمان أنام.
عادت إلى سريرها تستلقي عليه مرة أخرى لتصلها همهمة هدى وصوت ضحكاتها الخافتة. تطلعت إليها لتجدهاتحدق في شاشة هاتفها والابتسامة تشق ثغرها. ابتسمت بعفوية وتمنت لها دوام السعادة. ليعتصرها قلبها رغماً عنها. كم تمنت أن تعيش هذه اللحظات، لحظات الحب الحلال وهي تنتظر مكالمة من خطيبها أو رسالة حب منه تنسيها الدنيا بأكملها. لتتنهد بحزن. يبدو أنها لن تعيش قصة الحب التي طالما حلمت بها.
شعرت فجأة باهتزاز هاتفها الموضوع بجانب السرير. مدت يدها تلتقطه لتجد رسالة من رقم مجهول. فتحت الرسالة لتتسع عينها وهي تقرأ محتواها:
- دا عنوان المحل اللي اشتريت منه الفستان عشان لو المقاس مش مضبوط تقدري تغيريه. أنا متفق معاهم. الفستان باسم… مدام فارس الجوهري.
استشاطت غضباً وهي ترى اسمه. لتصيح بغضب:
- فارس جاب رقمي منين؟
- أنا اديته الرقم.
قالتها هدى بعفوية متغافلة عن بركان الغضب الذي نشب داخل شقيقتها:
- لا يا هدى، كده كتير.
لتنهض حاملة وسادتها وتندفع نحوها تضربها بها. لتفزعها فعلتها:
- أه يامجنونة!!
لتنهض هي الأخرى وتحمل وسادتها ترد لها الضربة حتى نشبت حرب وسائد بين الشقيقتين. تعالت معها ضحكاتهن التي كسرت سكون الليل. وكأنهن اقتنصن لحظات من الزمن عادت بهن لأيام الطفولة. وصل صوت تلك الضحكات إلى مسامع ندى التي كانت تذرف الدموع من جفاء شقيقته. لتمسح دموعها وتبتسم هي الأخرى مغمغمة:
- سامحيني يا شمس.
***
كان يمسك هاتفه ينتظر أي رد منها بعد أن رأى الرسالة قد وصلت لها. مر وقت ولم يصله أي شيء. زفره أنفاسه بقوة وهو يعاود النظر إلى شاشة الهاتف. تباً لكبريائها وعنادها. ألم تكلف نفسها حتى بالشكر؟ ولم تعطي حتى رأيها بالفستان. ليته تغادر فكرة التي باتت تشغله ليلاً ونهاراً.
***
مرت الأيام ولم يبقى على موعد زفافهم سوى يوماً واحد. كانت جالسة شاردة الذهن عندما أخبرتها إحدى الممرضات أن الدكتور طارق يريد رؤيتها. وقفت أمامه في حيرة ترى ماذا يريد منها. أربكها تحديقه بها ثم سؤاله:
- أي اللي جابك النهارده؟ أنتِ مش هنا من أربع أيام. ندى بتقول إنكِ مرجعتيش البيت من أربع أيام.
لوت شفتيها بسخط وقالت مستنكرة:
- هي لحقت تشتكيلك؟
- شمس، بلاش العند ده. ماعدش ينفع. أنتِ فرحك بكرة يعني النهارده حنتك المفروض أنتِ عروس.
لتقول متهكمة:
- ما أنت كمان عريس. أي اللي جابك؟
- عندي عملية.
- وأنا كمان عندي شغل.
امتعض وجهه يصرخ بحده:
- شمس، كفاية. مفيش فايدة الهروب.
- أنا مش بهرب.
- لابتهربي من ندى وإلا من فارس؟ مش عارف.
أشاحت عينيها عنه وقالت بغضب:
- أنا مش بهرب. أنا مش قادرة أستوعب.
شعر بألمها ليتنهد بفتور وقال بهدوء:
- شمس، لازم تستوعبي حياتك من بكرة هتتغير. وبعدين فارس مش وحش زي ما أنتِ فاكرة، وبكرة الأيام تثبتلك ده.
لم يعجبها حديثه وقالت تنهي هذا النقاش العقيم:
- يبقى خلي الأيام هي اللي تقنعني، جايز أقدر أستوعب.
- صدقيني يا شمس، مش عشان فارس أخويا بس، هو محتاجك، محتاج إنسانة زيك في حياته. وأنتِ كمان محتاجاه.
أغضبها حديثه لترد عليه بحنق:
- أنا مش محتاجة حد. ياريتكم لو تسيبوني بحالي.
زفر نفساً طويلاً وهز رأسه بقله حيلة:
- خلاص يا شمس، أنتِ بقيتو قدر بعض.
- مع الأسف. عندك حق. قدري اللي اتفرض علي.
نظر لها بضيق. فعنادها سيتعبها:
- روحي يا شمس، خلاص أنتِ في إجازة لأسبوع قابل للتجديد.
ابتسمت باستخفاف وتركته مغادرة غرفته. لينظر لإثرها ويضحك مردداً:
- ربنا يعينك يا فارس.
***
وفي اليوم التالي، جلست على سريرها. فقد رفضت الذهاب إلى مركز التجميل مع شقيقاتها. تنظر إلى الساعة. لماذا اليوم يمر الوقت مسرعاً؟ لم يتبقى سوى ساعات على موعد الحفل الذي أصر بدران على إقامته في أفخم قاعات الأفراح. ابتسمت ساخرة وهي تحاور نفسها:
- أيوه يا بدران يا جوهري، لازم الشو يكمل على الآخر.
نهضت من السرير ثم جثت على ركبتها تنظر تحت السرير. لتمد يدها تسحب ذلك الصندوق لتفتحه. تخرج الفستان لترفعه أمام نظرها. كان بسيطاً وأنيقاً في ذات الوقت:
- والله وطلع عندك ذوق يا ابن الجوهري.
رمته بإهمال على السرير تخرج باقي محتوياته لتجده بكج متكامل يشمل الحذاء والحقيبة وحجاب واكسسواراته وزجاجة عطر من إحدى الماركات العالمية. فتحت الزجاجة ونثرت العطر في الهواء لتستنشق رذاذه. أعجبها عطره. لتنظر نحو الزجاجة باستحسان:
- لا شاري ومكلف يا فارس بيه. أكيد مهو لازم العروسة تليق بجنابك.
أخذت حماماً وأرتدت الفستان لتقف أمام المرآة تندب حظها. هل هذه اللحظة التي تتمناها كل فتاة؟ هذه اللحظة التي كانت يجب أن تكون أسعد لحظات حياتها. لكنها تشعر أنها أتعس لحظات حياتها. هذا الفستان الأبيض حلم كل فتاة. تراه اليوم كفناً لها ولأحلامها وطموحها.
حركت يدها عليه تستشعر قماشه المزخرف لتشعر كأنه يخنقها. حتى اختنقت أنفاسها وسالت دموعها دون عناء. استدارت متجهة نحو صورة والدها تشكو له:
- النهار ده أنا عروسة يا حبيبي… بس أنت مش معايا. كان نفسي تكون معايا. يمكن كنت خففت عني… كان نفسي ماما تكون موجودة. نفسي أترمي بحضنها وأعيط. محتاجة حد يطبطب عليا يا بابا… حبيبتك تعبانة… كان نفسي أتجوز حد شبهك، حنين وطيب… كان نفسي يعوضني حنانك.
ثم أختنق صوتها وهي تخرج كلماتها بقهر:
- كان نفسي أحب وأتحب… حتى دي استكتروها عليا. أول مرة أحس باليتم… من بعدك كنت دايماً بحسك معايا. ولكن غصب عني النهارده حاسة نفسي يتيمة من غيرك… كسروني يا بابا.
رفعت صورته تقبلها عدة قبلات ومسحت عينها تقول بحسرة أرفقتها بابتسامة استهزاء:
- اهو بدل القفص الذهبي هيكون سجن.
وضعت الصورة جانباً واتجهت للمرآة تلملم خصلات شعرها وتشبكها معاً وتزين وجهها بلمسات بسيطة من الزينة. كانت تلف حجابها لتتأوه بعد أن افزعها رنين هاتفها. فغرست الدبوس في إصبعها من دون قصد. ليمتعض وجهها. رفعت الهاتف بعنف واجابت ساخطة:
- الو.
لترتعش ويخفق قلبها باضطراب وهي تسمع صوته يقول:
- أنا مستنيكي بره.
رواية بنات ورد الفصل الثاني عشر 12 - بقلم رشا عبد العزيز
هل دنت ساعة نهايتها؟ ستُكبّل حريتها بقيود تشوش فكرها.
هربت الكلمات فوق لسانها، ليكرر كلامه:
- أنا واقف قدام الباب، لو جهزتي افتحي الباب.
- باب إيه؟
سؤال طرحته ببلاهة، ليجيب متعجباً:
- باب شقتكم يا شمس.
تأقّدت أقدامها وتوترت خطواتها، لتقترب من الباب. فتحته ببطء، لتجده يقف أمامها بحلته السوداء.
رمش عينه، ليخفق قلبه وهو يراها بفستانها الأبيض. ورغم أنها وضعت لمسات مكياج بسيطة، إلا أنها جميلة تجذبه، كأنها تمتلك قوة سحرية. تفرّست عينه ملامحها، وطالعها من الأعلى إلى الأسفل، لينظر لها برضى وقال يشاكسها:
- كويس، طلع مظبوط عليكِ.
أغاظها بكلماته، لترسم العبوس على وجهها. تركته ودخلت، ليتعجب فعلتها، فدخل ورائها. عينه تتابعها وهي تذهب نحو إحدى الغرف، ثم خرجت تحمل باقة من الورد الطبيعي، كانت جميلة.
تجاوزته خارجة من الشقة دون أية كلمة، ليخرج خلفها. فتغلق الباب بقوة، وتهم في نزول الدرج. وقف بجانبها، ومد يده يحاول مساعدتها:
- خليني أساعدك.
دفعت يده وقالت بحدة:
- ملوش داعي، أنا هقدر أنزل لوحدي.
تأفف، يزفر أنفاسه بضيق وهو يسير خلفها. ورغم صعوبة نزولها، لكنها أبت تقبل مساعدته.
فتحت باب السيارة ودخلت. وقبل أن تعترض، ساعدها بإدخال الفستان إلى السيارة، وأغلق الباب.
كانت تقبض على تلك الزهور، علّها تستطيع السيطرة على انفعالها، وهي تجده يخرج هاتفه من جيبه ويلتقط لنفسه صوراً عديدة. انتبه لحنقها، وقال وهو يلتفت نحوها:
- معلش، عاوز أوثق اللحظة. عارفة؟ أول مرة أكون عريس.
كانت تود لو تستطيع أن تلطمه، وتزل تلك الابتسامة السمجة على وجهه. استغل انشغالها وهي تعقد شريط الزهور الذي ارتخى، ليرفع هاتفه ويدير شاشة الكاميرا نحوها، ليلتقط صورة سيلفي له معها دون أن تعلم.
زفرت أنفاسها بملل، وقالت:
- هو إحنا مش هنخلص من موال الصور؟
زيّنت وجهه ابتسامة كبيرة، ليميل نحوها، يغمض عينه ويستنشق عطرها:
- كويس كمان إن البرفان عجبك.
دعت الله أن يلهمها الصبر، قبل أن تخنقه. زفرت أنفاسها بضيق، لينتبه لغضبها. أدار سيارته منطلقاً، ثم قام بتشغيل إحدى الأغاني الشعبية الصاخبة، يدندن ويرقص معها، تحت نظرات الازدراء منها.
***
وفي مكان آخر، كانت هدى وندى يجلسون في مركز التجميل. أحدهما تشجع الأخرى وتأخذ رأيها في اختيار ألوان المكياج. كانت ندى تراقب هدى وخبيرة التجميل تضع لها اللمسات الأخيرة.
ليلوح طيف شقيقتها الأخرى أمامها، ليعتصرها قلبها. لقد ظلت وحيدة، رغم محاولات هدى لاقناعها، لكن دون جدوى. اخفضت عينها بحزن، لتنظر إلى ذلك الخاتم الذي زين إصبعها، لترحل بذكرياتها إلى ذلك اليوم الذي أهدتها فيه والدتها هذا الخاتم في يوم تخرجها، ولم يغادر إصبعها من ذلك الوقت.
- هاتي إيدك يا ندى.
لتنظر لِمَ تفعل بتعجب، فلقد وضعت في يدها خاتماً جميلاً. لترفع يدها تنظر له بانبهار:
- إيه دا يا ماما؟
- دا الحاجة الوحيدة اللي ورثتها من والدتي يا ندى.
- طب ليه بتدهولي؟ كنتِ خليتيه ليكي يا ماما.
تمسكت ورد يدها بين كفيها، تحتضنها وتقول بحب:
- كنت عايزة أدهولك يوم فرحك، بس النهاردة كمان يوم فرح. إنتِ تعبتي معايا يا ضنايا، ويا رب يقدرني وأقدر أجيبلكِ غيره يوم فرحك.
غامت عينها بالدموع، وبدأت تسقط رويداً رويداً، وهي تعاتب والدتها:
- النهاردة فرحي يا ماما، بس انتِ مش موجودة.
لتمسح دموعها وترفع عينها تتطلع لهدى، وصورة تلك الغائبة تطرق بالها:
- خايفة أكون ضيعت الأمانة يا ماما.
نادتها هدى، لتجيب بأضطراب وتتظاهر بالسعادة:
- شوفي كده يا ندى، حلو؟
- يجنن يا حبيبتي، قمر ما شاء الله عليكِ.
نظرت لها ندى وكأنها تذكرت شيئاً:
- انتِ سبتني باقة الورد لشمس وعرفتيها مكانها؟
- أيوة، متخافيش.
لتتذكر هدى تلك الزهور التي انتقتها بين اللون الأحمر والأبيض، وتعود بذكرياتها إلى ذلك اليوم الأول الذي عملت فيه في محل الزهور، وكم كانت سعيدة بوجودها بين الزهور وتنقلها بينها. لتجذب أنظارها تلك الزهور الحمراء التي تعشقها والدتها، لتأخذ واحدة حمراء عند عودتها إلى المنزل.
وما أن وصلت المنزل، حتى بحثت عنها وهي تخفي تلك الزهرة خلف ظهرها، لتجدها تقف تعد الطعام لهم. وقفت خلفها تقبلها على وجنتها عدة قبلات، لتقهقه ورد ضاحكة بعد أن داعبتها قبلاتها، حتى هتفت وهي لا تزال تقبلها:
- بس يا هدى، كفاية.
- وحشتيني يا وردتي.
لتستدير ورد وتنظر لها بابتسامة كبيرة، وتسألها بلهفة:
- طمنيني، عملتي إيه؟ عجبك المكان؟
لتاخذ نفساً عميقاً وتغمض عينها، تخبرها بسرور:
- يجنن يا ماما، يجنن. كأني وسط جنينة ورد محل عم نعيم الكبير والمعروف.
- ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي.
- غمضي عينك.
قطبت ورد حاجبها بتعجب، لكن هدى أصرت:
- ماما، غمضي.
لتخرج هدى الزهرة وتضعها أمامها. ما أن أغمضت ورد عينها، حتى قالت:
- افتحي يا ماما.
فتحت ورد عينها، ونظرت بأنفها لتلك الزهرة الحمراء، لتلتقطها وتستنشق عطرها وهي تردد:
- الله يا هدى، حلوة أوي.
ثم سارت حتى جلست على كرسي قريب، وتشرد وهي لا تزال تغمض عينها وتستنشق عطر تلك الزهرة. سحبت هدى كرسياً وجلست أمامها:
- ماما، روحت فين يا حبيبتي؟
نظرت لها، وقالت بابتسامة يشوبها الحزن وصوت ملئه الشوق:
- آخر مرة حسين جابلي ورد، وكانت وردة حمرا ووردة بيضا. قالي: عارف إنك بتحبي الورد الأحمر، بس أنا بحب الأبيض، عشان كده جبتلك واحدة على ذوقي ووحدة على ذوقك.
عادت من ذكرياتها بعيون دامعة وشوق لوالدتها، التي تمنت أن تكون معها اليوم. لترفع رأسها تنظر إلى المرأة، فتواجه عينها عين ندى، التي تقف خلفها. مشاعر مختلطة عصفت بهم، أهو الخوف من حياتهم المجهولة، أو التيه الذي لا يعلمون له نهاية؟
ليسمعوا عاملة المركز تخبرهم أن عرسانهم يقفون في الخارج. خرجن في من الغرفة الخاصة إلى صالة الانتظار، كي يدخل العرسان من أجل تصوير النظرة الأولى (فيرست لوك)، هكذا أخبرتهم المصورة التي استأجرت لتصوير الحفل.
كان علي يقف في الخارج، يتملكه الشوق ليراها. لم يصدق أنها أصبحت من نصيبه، وليس سوى وقت قليل وتُكتب على اسمه. حلم كان مستحيلاً وأصبح حقيقة. التفت نحو طارق، الذي كان يقف يرسم فرحته ويبتسم. ابتسامة كأنها واجب عليه. هناك صراع داخله، ما بين قلب بدأ يميل لها، وعقل لم تكن ضمن حساباته.
دخل علي في البداية، ليجدها تقف أمامه كأميرة من أميرات القصص والروايات، وكأن العالم قد اختفى من حولهم، ولم يبقَ سواهما. اقترب منها ينظر لها بعيون توقدت بالحب، لتبتسم وهي ترى نظراته نحوها، وتتسع تلك الابتسامة عندما سمعته يقول:
- بسم الله ما شاء الله، زي القمر يا حبيبتي.
- متشكرة، أنت كمان حلو يا حبيبي.
- ألف مبروك يا علي.
كان هذا صوت ندى، الذي أخرجه من غيبات عالمه الرومانسي. ليتحمحم بحرج:
- احم… متشكر يا ندى. مبروك ليك كمان.
خرج علي وهدى. ليُكون دور طارق عندما أشارت له المصورة بالدخول. أخذ نفساً عميقاً، ثم زفره بقوة، يستعد لتلك الحياة الجديدة التي سيخطو الآن خطواتها الأولى. ليطالعها بانبهار، فوجهها الطفولي زاد جمالاً، وتوجته حشمتها، لتصبح عروساً رائعة، وكأن رؤيتها أذابت جليد ذلك القابع بين أضلعه، ليخفق يأمره بالاقتراب. ابتسم لها، لتبادليه بابتسامة خجولة، تورّدت معها وجنتاها. ضحك، يشعر أنها لا تزال فتاة صغيرة، وليست تلك الفتاة الناضجة التي حملت عبء عائلة بأكملها.
- مبروك يا ندى.
- متشكرة.
***
كانت تجلس، ويجلس هو بجانبها في انتظار عقد قرانهم. لكنها لم تكن ترى سوى نظرات بدران لها، بعد أن أخبرها أنه سيكون وكيلها. اعتصرت باقة الزهور التي بيدها، تخفي انفعالها، وقدمها تهتز من شدة غضبها. حتى وصل اهتزازها إلى جسده الملاصق لها، ليميل نحوها يهمس لها:
- اهدي يا شمس.
لتلتفت نحوه بغضب، وأنفاسها المتسارعة تكاد تحرقه لو أطلقتها. التزمت الصمت بعد أن نكزتها هدى الجالسة بجانبها.
عقد قرانهم، الواحدة تلو الأخرى. اقترب منها حسن، وعينه تهرب من مواجهة عينها. يعلم ما تشعر به. يسلمها تلك الورقة:
- أمضي يا بنتي.
أمسكت القلم بيد مرتعشة. ستوقع على وثيقة سجنها. ودت لو تستطيع الهروب، نعم تهرب، فما عاد قلبها يتحمل أكثر. توسلت مدامعها ألا تفضح ضعفها أمامهم، وأن لا تشي عيونها بكسرتها. دارت عينها لتواجه عين ندى، التي هربت بعد أن أشاحت بعينها بعيداً، ثم نقلت عينها نحو بدران، الذي زين وجهه ابتسامة غريبة. ثم التفتت نحو فارس، الذي لا تزال تلك الابتسامة السمجة تزين وجهه. ليكرر حسن كلامه دون أن ينظر إليها:
- أمضي يا بنتي.
ابتلعت ريقها، وأجبرت يدها على أن تخط نهاية حريتها. وما أن نطق المأذون كلماته الشهيرة: "بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما بالخير"، حتى شعرت بأنها تختنق. لقد نَفَذ الهواء من حولها، وتمنت الموت في تلك اللحظة. شعرت بالضياع، وكان العالم من حولها أصبح أشبه بأمواج بحر عاتية تضربها من كل اتجاه، لتتيه وتغرق في دوامته. حتى أخرجها ملمس شفتيه على جبهتها، وصوته يقول:
- ألف مبروك يا شمس.
نفرت مرتدة إلى الوراء خطوة، مبتعدة عنه، لتنظر له بوجه عابس دون أن تتفوه بكلمة. ليغمز لها ويقول مشاكساً:
- إيه؟ مش هتقوليلي مبروك؟
زاد عبوسها أكثر، وأشاحت بنظرها عنه، قبل أن ترتكب جريمة وتخنقه. لكنها ابتسمت بتلقائية عندما رأت علي يحمل هدى ويدور بها وسط تصفيق الحضور. لكن عينها التقطت ندى، التي كانت عينها موجهة نحو والدة علي، التي انتبهت هي أيضاً إلى امتعاض وجهها، لتتنهد بحزن:
- مبروك يا حبيبتي. مش مصدق نفسي. بحبك يا هدى، بحبك.
- علي، نزلني. الناس بيبصوا علينا.
أنزلها، لكنه أخذها بين أحضانه:
- مبروك يا روحي.
- الله يبارك فيك يا حبيبي.
- أنا فرحان، فرحان أوي يا هدى.
ليشعر بعدها بيد تمسك كتفه وتجذبه، ليخرجها من أحضانه عنوة، فيجد والدته تقول بوجه محتقن:
- مش كفاية كده؟ هنتاخر. وبعدين احسب حساب الناس اللي حواليك.
تجهم وجهه وقال:
- حاضر يا ماما.
***
- مش هتباركيلي؟ مش كتبت كتابي وبقيت متجوز؟ صحيح مراتي سايباني وعينيها بتدور على أخواتها، بس أنا هكون عريس جدع وأقولها: أنا ألف مبروك يا ندى.
ضحكت بخجل، وقالت:
- الله يباركلك، متشكرة.
اقترب منها يقبل جبينها، لتغلق عينيها تستشعر تلك اللحظة وهذا القرب منه:
- مبروك علينا، ربنا يكتب لنا الخير يا رب.
آمنت على دعائه وهي تبادله الابتسامة، ومد لها ذراعه لتتأبطه. تأبطت ذراعه وسارت بجانبه.
***
دخلوا قاعة زفافهم، دخولهم الواحدة تلو الأخرى إلى قاعة الزفاف برفقة عريسها، جعل الدموع ترقرق في عين حسن. فلو كان لليتم صورة، فسوف تتجسد صورتها في هذه اللحظة. فبنات شقيقه من دون أب يسلمهن لأزواجهن، ولا أحد.
ساروا خلفهم بزغاريد والدعاء، وحيدين يسيرون. لم تكن الدموع من نصيب حسن فقط، فقد هربت الدموع من عين بدران، ليمسحها خلسة ويعود يرسم الجمود على وجهه.
***
جلس كل في مكانه، ليفتتحوا حفل الزفاف. وما هي إلا لحظات، حتى وجدوا منظمة الحفل تحضر لهم خواتم الزفاف ليرتدائها وسط أنغام الموسيقى. أمسك تلك العلبة المخملية، ليقف ويمسك الخاتم وينظر لها، رغم أنها وقفت معه، لكنها لم تمد له يدها. ليسحب يدها هو، وأمسك كف يدها الذي كان متحجراً، كأن يدها تعلن العصيان. معها، اختلس النظر نحوها، ليجد الجمود مرسوماً على وجهها.
لبسها الخاتم الذي لم تره أصلاً، وكان من اختياره هو. ورغم أن الخاتم كان حجمه كبيراً على إصبعها، لكنها كانت تشعر أنه يخنقها، ورغم أنه كان يحيط إصبعها، كانت تشعر أنه يمسك رقبتها ويحيطها كحبل المشنقة.
- الخاتم مش مقاسك، نبقى نغيره بعدين.
سحبت يدها من يده بسرعة، وجلست دون أن تنطق كلمة. جلس جانبه يزفر أنفاسه بتأفف، فلَقد أفقدته برودها صبره.
لم تكد تلتقط أنفاسها، حتى تمت دعوتهم لرقصة السلو. ليجدها فرصة للانتقام. جذب يدها، يسحبها إلى ساحة الرقص، وسط تصفيق الحضور. تسارعت أنفاسها، تود لو تنتهي هذه المهزلة بأسرع وقت. فطاقة تحملها بدأت تستنفذ.
أمسك خصرها بيده، ووضع يديها على صدره، وهي تتماشى معه، كأنها مغيبة. بدأ يتمايل مع نغمات الموسيقى، ويشعر بجسدها يتخشب بين يديه، وعينها تهرب من عينه. ضغط على خصرها ليجبرها على النظر إليه، لكنها امتنعت عن ذلك. فلم تكن لمساته سوى لهيب نار تحرق جسدها. هذا النفوذ كان يقابله اندماج في الجهة المقابلة.
فعلي، الذي كان يراقص هدى ويغدق عليها بكلمات الحب التي تجعلها تبتسم بخجل:
- تعرفي يا حبيبتي، أنا حاسس إني طاير في سما.
- هدى، أنا بحبك أوي.
- بجد يا علي؟
- بجد يا روح علي.
- وأنتِ يا هدى، فرحانة زيي؟
هزت رأسها باستحياء:
- لا يا هدى، أنا نفسي أسمعها منك ياروح...
رفعت نظرها نحوه بخجل، وقالت:
- أنا بحبك.
اتسعت ابتسامته، ورقص قلبه طرباً باعترافها.
***
وفي الطرف الثالث، كانت ترقص ندى معه بخجل. ويوم تمنته، ها هي تعيشه. لكنه ناقص. فرحتها مجروحة وغير مكتملة. فغياب والديها يؤلمها، ولكن غياب تلك الحاضر يؤلمها أكثر. كانت تختلس النظرات نحوها بين الحين والآخر، وتزداد ألماً. وهي تبصر الحزن في عينها.
- هتسامحك، صدقيني. هي بس مجروحة دلوقتي، لكن أكيد هتسامحك. ومين عارف؟ يمكن تشكرك.
كان هذا صوت طارق، الذي مال نحوها يهمس لها بعد أن لاحظ شرودها ونظراتها التي تتبع شقيقتها. ابتسمت بحرج، وعينها تلتقي بعينه:
- متشكرة يا طارق.
- على إيه؟
- على إنك بتخفف عني وبتسندني.
ثم لمعت عينها بدموع:
- أكتر حاجة محتاجاها السند. حد أنام على كتفه وأرمي حملي عليه وأنا مطمنة.
ليتفاجأ بها تسند رأسها على كتفه، وكأنها تخبره أنه سندها. ضمها إليه بعفوية، عله يستطيع منحها هذا الشعور، شعور بالأمان.
***
انتهت تلك الرقصة البغيضة، وعادت تجلس مكانها. فقد انتهى مشهد آخر من تلك المسرحية. لتشعر باهتزاز جسده وهو يكتم ضحكاته، وطارق ينظر له نظرة موبخة أن يتوقف. اتضحت لها الرؤية، عندما علمت أن سبب ضحكاته هو طلب زوجة عمه من منظمة الحفل أن ترقص مع ولدها، الذي كان سعيداً برقص والدته معه.
عادت هدى إلى مكانها وحيدة. هي لن تلوم والدة علي، فهذا ولدها، وأكيد أنها فرحة به. اخفضت عينها بحزن، فلو كان والدها على قيد الحياة، لتمنت أن ترقص معه في هذا اليوم. وما كادت تنهي جملتها، حتى وجدت يد تمتد لها:
- تقبل عروستنا ترقص معايا؟
رفعت نظرها نحو مصدر الصوت، لتجد عمها حسن يقف أمامها مبتسماً. طالعت يده الممدودة نحوها، لتمتد يده ببطء وتمسك يده. سحبها معه إلى منتصف القاعة، وأخذ يرقص معها، لينظر له علي نظرة امتنان بعد أن لمحه. ابتسم على خجلها، فرغم أنه عمها، لكنه بالنسبة لها غريب عنها، فانقطاعهم عنهم سنين عديدة جعلهم غرباء.
وبصوت امتزج بالندم قال:
- سامحيني يا بنتي.
رفعت عينها تحدق به وتترقب كلامه:
- أنا عارف إني قصرت معاكم وخذلتكم، زي ما خذلت أخويا قبلكوا. أيوه يا هدى، أنا خذلت حسين. كان لازم أقف معاه، كان لازم آخذ موقف من أبويا، بس أنا خفت. يمكن أكون جبان، خفت يحصلي اللي حصل. وحتى بعد ما مت، كنت خايف أقرب منكم. كنت أقف قدام بيتكم وأتمنى أقدر آخذكم بحضني وأقولكم: أنا آسف. بس معرفتش. سامحيني يا هدى.
اتسعت عينها هدى وهي تسمع أسفه وندمه. لكن هل يفيد الندم بعد فوات الأوان؟
- علي طيب وحنين وبيحبك من زمان. اعترف ليا إنه بيحبك، لكن كان خايف.
تورّدت وجنتاها من حديثه، ولم تجب عليه.
- ربنا يسعدكم يا بنتي.
- متشكرة يا عم.
أطأ رأسه بحزن، بتوتر وقال:
- خايف أقولك اعتبريني أبوكِ. عارف إنّي مستحقهاش. محدش يقدر ياخد مكان حسين، لكن اعتبريني عمك وسندك يا هدى، وأي حاجة تحتاجيها أنا موجود.
ثم حاول أن يداعبها:
- ولو الواد علي زعلك، انت بس قوليلي، وأنا أملصلك ودانه.
ابتسمت له، تستشعر صدق حديثه. يبدو أنه لا يشبه جدها.
***
تأملت سعادة شقيقاتها، ندى التي تبدو مندمجة في حديثها مع طارق، وهدى التي تسعدها لهفة علي وحبه لها. رغم وجود والدته التي كانت تقطع حديثهم بين الحين والآخر، إما لالتقاط الصور، أو الهمس غير المبرر مع ولده. تنهدت بقله حيلة، تنظر لفارس الذي تركها ليرقص مع أصحابه، وأمّت نفسها. لم تكن يوماً لتحسد شقيقاتها، لكن رغماً عنها، قلبها تمنى تلك اللحظة مع من تحب ويختاره. اخفضت عينها تتلمس الورد القابع بين يديها، ثم رفعته تستنشق عطره، وتتذكر حبيبتها الغائبة.
ثم ابتسمت ساخرة، تتذكر كيف أخبرتها أنها تتمنى زوجاً يشبه والدها، وتتمنى أن تعيش قصة حب عاصفة. لكنها اليوم أيقنت أن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه. حتى لو قدر لها وانفصلت عن فارس، ستعيش مطلقة. لن يرحمها المجتمع، لا من نظراته ولا كلماته.
غامت عينها بالحزن، لتشعر فجأة بدوار خفيف. تذكرت أنها لم تتناول الطعام منذ البارحة، ولم تتقبل تناوله اليوم. لا تريد أن تأكل طعاماً دفع ثمنه بدران. دلّكت جبهتها عدة مرات، علّها تتخلص من هذا الدوار، وتوسلت الساعة أن تمضي، فقد اكتفت من كل ما يحدث.
كان مندمجاً بالرقص مع أصدقائه، عندما لمحها تدلك جبهاتها. ورغم أنها أغاظته بتجاهلها، لكن وجد نفسه يطلب من منظم البوفيه كأساً من العصير. أخذ العصير واتجه نحوها. مد لها يده بالعصير وقال مشيراً نحوه:
- خدي، اشربي العصير. شكلك ما أكلتيش حاجة.
نظرت إليه وإلى يده الممدودة، لتقول بحدة وهي تشيح عينها عنه:
- مش عاوزة.
جلس بجانبها، ومد يده يقرب العصير منها، وقال يستفزها:
- خدي، بلاش عناد. شكلك تعبان، ومتخافيش مش حاططلك سم. لما أحب أقتلك هستخدم طريقة تانية.
اتسعت عينها والتفت نحوه بغضب:
- وتقتلني إن شاء الله؟
ليميل نحوها يهمس جانب أذنها وهو يضغط على أسنانه:
- عشان تبطلي عندك وبرودك. اشربي يا شمس، مش عاوز يحصلك حاجة وأتدبس فيك. اشربي بدل ما أشربوهلك أنا.
التفتت نحوه بسرعة، وقبل أن تهتف كلماتها بسخط، عاد ذلك الدوار يداعبها. لتغمض عينها بقوة وتمسك جبهتها. ليقول لها بحدة:
- هتشربي، ولا أشربك أنا؟
وكاد أن يمد يده يسقيها، لكنها التقطت منه العصير، ترتشف منه وهي تشيح وجهها بعيداً عنه. أبتسم خلسة على عنادها، قبل أن تزول تلك الابتسامة عندما وجد والده يتقدم نحوهم، يقدم التهاني لطارق. تسارعت أنفاسها بكره وهي تجده يقترب منهم، وصورة الماضي تطرق عقلها وصوته البغيض يتهمها ووالدتها.
وقف فارس يتلقى منه التبريكات، لتنتقل عينه نحوها، ويقول باستخفاف وكأنه يذكرها بخسارتها:
- مبروك يا دكتورة.
- شكراً.
قالتها مقتضبة، وشعور الكره يتضاعف داخلها نحو هذا الرجل. ليقول مستنكراً:
- إيه؟ مش هتقومي تسلمي على عمك؟
ليفاجئها صوت فارس، الذي قال:
- معلش يا بابا، أصل شمس رجليها بتوجعها. أنت عارف عروسة وفيه ضغط عليها.
امتعض وجه محسن، قبل أن يرمقها بنظرة حقد ويرحل مبتعداً، لتنظر إلى فارس مستغربة، فقد كان يشوب الجفاء حديثه مع والده.
***
انتهى ذلك العرس، وعادت إلى المنزل. معه، الآن يجب عليها أن تفعل ما عزمت على تنفيذه.
تسارعت أنفاسه، بدأ صدره يعلو ويهبط، أصبح معها في مكان واحد، وسقف واحد جمعهما. لكن لماذا قلبه يخفق هكذا؟ استدار ليغلق الباب كي يبدأ معها فصلاً جديداً من حياته، هكذا خُيّل له.
صوت إغلاق الباب جعلها تنتفض وتخرج من شرودها. الآن عليها أن تلملم شتات روحها المبعثرة. يجب أن تصطنع القوة والثبات، رغم أن خلايا جسدها ترتعش. لكن هذه الساعة الفاصلة في هذه المعركة.
وإذا كانوا هم من فتحوا ستار المسرحية، ووضعوا شخوصها، واعتقدوا أنها ستكون إحدى الدمى فيها، فستنهي هي هذا الدور وتغلق ستار المسرح.
ظن قبل أن يستدير نحوها أنه سيرى فتاة مرتبكة تخفض عينيها من شدة الخجل، لكنه تفاجأ عندما طالعها أنها تقف شامخة، عيناها تحملان حدة كأنها عين صقر يحدق في هدفه، قوتها وتحديها يرتسمان على قسمات وجهها.
تقدم باتجاهها، لكن قبل أن يصل إليها، قالت:
- خليك عندك يا فارس.
لكنه لم يُنصت، وكأن صوتها زاده تحدياً، وثبات قدمها جعله يزيد من تقدمه، ليقف أمامها مباشرة، وبنبرة ساخرة سألها:
- مش عاوزاني أقرب؟ إزاي؟ إنتِ ناسيه إنّي جوزِك، والليلة دخلتنا؟
- مش ناسيه، لكن أنا عارفة إنك تاجر شاطر وبتحسب كل خطوة من خطواتك بالخسارة والمكسب.. عشان كده بقولك: كل ما تقرّب هتخسر.
ضحك باستهزاء وسألها:
- وهخسر إيه؟
لتصدمه كلماتها عندما قالت:
- ورثي كله يا فارس.
قطب حاجبيه وسألها مستفسراً:
- يعني إيه؟
ملأت رئتيها بالهواء قبل أن تُطلق كلماتها أمامه دفعة واحدة:
- أعقد معاك صفقة، أتنازل لك عن ورثي كله مقابل إن جوازنا يكون صوري.
احتدت نظراته، وكأن كلماتها كانت البنزين الذي صُبّ فوق نار غضبه، يزيده تحدياً، ليمسك بذراعها ويجذبها نحوه حتى ارتطم جسدها بجسده، ينظر لها بتحدٍّ:
- وإن رفضتِ؟
رغم أنه باغتها، أربكتها، لكنها استطاعت الحفاظ على قوتها المصطنعة، وتنظر له بذات التحدي:
- يبقى أي حاجة هتحصل بينا هتكون غصب عني.
رواية بنات ورد الفصل الثالث عشر 13 - بقلم رشا عبد العزيز
نفض يده عن ذراعها وعاد خطوة للوراء.
ليعاود إمساك ذراعها وجذبها نحوه بعناد، وينظر لعينيها بتحدٍ وعبث.
"وأن قلت لك أني موافق يكون غصب عنك."
يميل عليها أكثر محاولاً أن يفعل ما يتوق لفعله، لكنه توقف قبل أن يصل لمبتغاه عندما ارتجف جسدها ولمح الدموع التي لمعت في عينها المنكسرة.
وصورة من الماضي طرقت رأسه.
أغمضت عينيها عندما شعرت بأنفاسه الساخنة تقترب من وجهها، لتنساب دموعها التي جاهدت على حبسها.
لتفتح عينيها فجأة والتقطت أنفاسها عندما ابتعد عنها.
ثم نفض ذراعها وهتف بتحدٍ امتزج بالغضب:
"أنا موافق أن جوازنا يكون صوري بس، مش عشان الفلوس والورث. لا، عشان مش أنا اللي ألمس ست غصب عنها."
مسحت دموعها بيدها بقوة وعاودت ترسم الجمود، لتستدير محاولة المغادرة.
لتسمع صوته يأمرها:
"بس دا مش معناه أني أتنازل عن كوني جوزك وليا حق الطاعة والاحترام، وفيه واجبات عليك. سمعاني يا بنت الجوهري."
استمرت في تقدمها حتى وصلت إلى باب غرفتها دون أن تلتفت مرة أخرى أو تهتم لباقي حديثه.
ليصرخ:
"سمعتيني يا دكتورة؟"
أومأت برأسها دون أي كلمة، ثم دخلت تغلق الباب خلفها.
حل رباط عنقه بغضب ودخل الغرفة التي كانت من المفترض أن تجمعهما الليلة.
خلع عنه سترته وألقاها على الأرض بعنف، ثم رمى بجسده على السرير ليزفر نفساً طويلاً.
وصورة عينيها ترتسم أمامه.
ليمُسك الوسادة ويرميها بقوة، ود لو يستطيع الصراخ حتى يخرج ثورة غضبه.
نهض بسرعة وأخذ مفتاح سيارته وخرج، صافعاً باب الشقة خلفه بقوة.
صوت إغلاق الباب وصل إلى مسامعها، لتستلقي بفستانها على سريرها وتدفن رأسها في الوسادة.
تصرخ صرخات مكتومة وتبكي منتحبة.
هل هذه هي ليلة زفافها؟
جسدها لا يزال يرتعش من مواجهته وإحساسها بأنفاسه القريبة لا يزال يثير اشمئزازها.
اعتدلت تكتم شهقاتها.
هل هذا اليوم الذي كانت تحلم به؟
ما ذنبها لتتحطم أحلامها على عتبات الوفاء بالعهد، وتتجرع مرارة الذل والقسوة؟
ضمت قدميها إلى صدرها وتكوّرت على حالها، تغمض عينيها وتهرب من هذا الواقع بالنوم.
***
وقفت هدى تطالع والدة علي وهي تملي عليه نصائحها وتعطيه توصيات كثيرة.
ليصيبها التعجب من تعلقها الكبير به.
ثم التفتت نحو عمها الذي كان يراقب تصرفات زوجته بانزعاج وتذمر.
يناديها بين الحين والآخر لكن دون جدوى.
وانتبهت إلى اندماج علي وطاعته لها كأنه طفل صغير، ينصت إلى ما تقوله باهتمام وهو يردد:
"حاضر يا ماما."
وقبل أن تغادر، وقفت أمامها وقالت بنبرة أمر:
"ابقي خلي بالك منه. أول مرة يبات بعيد عني."
ليقول عمها ساخراً:
"ابقي غطيه كويس يا هدى، واتأكدي أنه شرب اللبن قبل ما ينام."
امتعض وجهها من كلامه، لكنه أكمل وهو يجذب يدها، يغمز لها مبتسماً.
وسط ابتسامة علي وضحكة هدى الخجلة:
"يلا يا صفاء، الواد مش هيبات في حضن حد غريب، هيبات في حضن مراته."
تورّدت وجنتها من كلمات عمها الأخيرة، وازدادت خجلاً وتوتراً عندما وجدته يغلق الباب ويقترب منها بنظرات يملؤها الحب والافتتان.
وقف أمامها ليحيط وجهها بيديه ويطبع قبلة طويلة على جبهتها.
"ألف مبروك يا حبيبتي."
لتجيبه على استحياء:
"الله يبارك فيك يا حبيبي."
"هدى، حاسس أني بحلم. أنت بجد هنا؟ أنت بجد بقيتي نصيبي؟"
ضحكت بخجل وهزت رأسها تؤكد له:
"مش بتحلم يا حبيبي."
"طب ممكن أتأكد؟"
لم تفهم مقصده حتى وجدته يأخذها بين أحضانه، يعانقها بقوة وهو يردد:
"بحبك يا هدى."
***
فتحت عينيها بكسل، لتجد نفسها في مكان مختلف.
وقبل أن تفزع، استطاعت أن تستوعب أنها تزوجت البارحة.
استدارت تتأمل وجه ذلك الغافي بجانبها، كم هو وسيم.
لتخجل وهي تتذكر لحظاتهما معاً وتلك المشاعر الجميلة التي عاشتها بين يديه.
وكيف كان حنوناً، أحاطها بالأمان الذي افتقدته منذ زمن بعيد.
وتلك المشاعر التي خفق لها قلبها بسعادة، وكلامه الجميل الذي أشعرها بالطمأنينة.
جعلتها تبتسم وتمد يدها نحو خصلات شعره ترتبها وتتلمس ذقنه بأعجاب.
حتى وجدته يتململ، لتغمض عينيها مدعية النوم.
فتح عينيه وابتسم وهو يرى اهتزاز رموشها وحدقة عينيها التي تتحرك باضطراب أسفل جفونه.
ليرفع جسده متكئًا بذراعه على وسادته.
رفع يده يمسح على وجنتها بحنان، ثم مال نحوها يلثم جبينها ويقول:
"صباح الخير يا ندى. فتحي عينك، أنا عارف أنك صاحية."
غزت الدماء وجنتها خجلاً، وحافظت على عينيها مغلقة.
ليقرص أنفها ويقهقه ضاحكاً:
"فتحي يا ندى، ما بتعرفيش تمثلي."
لتفتح عينيها ببطء وتقول بخجل:
"صباح الخير."
ليميل مرة أخرى يقبل وجنتها ويقول:
"صباح الخير يا عروسة."
أسبلت عينيها باستحياء.
ليرفع ذقنها فتواجه عيناه عينيها:
"أيه يا ندى، أنت لسه مكسوفة مني؟ دا إحنا من النهارده بقينا واحد."
أثلج قلبها وصفّق لتتسع ابتسامتها.
لكنها لم تعلم بما تجيب، لتقول:
"أعملك فطار تحب تفطر دلوقتي؟"
لتتعالى ضحكاته، ثم غمز لها مشاكساً:
"حلوة طريقة الهروب دي. اعملي فطار يا ندى."
***
أفاقت على يده وهي تعبث بشعرها.
لتفتح عينيها وتنظر له، لتجده يحدق بها مبتسماً.
هربت بعينيها خجلاً منه.
ليقترب منها هامساً:
"صباح العسل يا قمري."
لتجيبه بخفوت:
"صباح الخير يا حبيبي."
داعب أنفها بأنامله قائلاً:
"تعرفي أن ده أحلى صباح لي."
لم تعقب على كلماته واكتفت بابتسامة.
"أنت صاحي من بدري؟"
داعب وجنتها بحب:
"أنا مانمتش أصلاً، خفت أنام ويكون اللي عشته امبارح حلم."
ليسحبها نحو أحضانه، يضمها بقوة، يخبرها بهيام:
"فضلت صاحي أتأمل جمالك وأحسد نفسي على السعادة اللي أنا فيها."
***
استيقظ يدعك عينيه بقوة، يفتحها ثم يغلقها حتى اعتاد على الضوء.
نظر إلى الساعة ليجد الوقت قد أصبح الثانية عشر ظهراً.
تنهد بضيق، فبعد أن جاب الشوارع بلا هدف، عاد قرب الفجر لكي يستطيع النوم بعد ضجيج الأفكار المتعالي.
كاد أن يضرب موافقته عرض الحائط ويتجه نحو غرفتها يأخذها بين أحضانه وينام بسلام، أو يجبرها عنوة على ما يريده.
هذا ما وسوس له الشيطان به، لكنه تراجع.
فلقد أعطاها وعداً، وعليه تحمل قراره.
نهض بضجر نحو الخارج، يخلل أصابعه في خصلات شعره ويعيد ترتيبها.
ليجدها تقف في المطبخ تربط شعرها على هيئة كعكة غير منتظمة، لتتدلى منها بعض الخصلات المتمردة.
أضافت لمظهرها عبثاً جميلاً.
ثم ابتسم بعفوية وهو يجدها تدندن بعض الكلمات.
في بادئ الأمر، ظنها أغنية، لكن بعد قليل اكتشف أنها مصطلحات طبية تحاول حفظها.
كانت تعد طعاماً ما، ومن رائحته علم أنه بيض مقلي.
أقترب منها قائلاً:
"مساء الخير."
لتفزع وتلتف إليه بدهشة، ثم خطت بخطوات سريعة تبحث عن حجابها.
لكنها توقفت فجأة عندما تذكرت أنه زوجها.
كانت عينيه تتابعها بترقب.
ليسحب أحد الكراسي ويجلس، ثم شعر بالغثيان عندما لمح ما يعرضه هاتفه.
من فيديو مصور لإحدى عمليات القلب.
عادت بخطوات بطيئة، التقطت هاتفها ونظرت لانزعاجه بسخرية:
"دي عملية كيوت على فكرة."
ليردد كلماتها باستهجان:
"كيوت؟!"
رمقته مستنكرة وعادت إلى ما كانت تصنعه.
لتسمعه يقول:
"أعملي حسابي معاكِ."
"ليه؟ هو جدو الباشا مش هيبعت فطار لسمو الأمير يا جدع؟ دا أنا كنت عاملة حسابي أني هفطر فطار ملوكي."
"ليه هو أنتِ عروسة وصباحيتك النهارده عشان تحتاجي فطار ملوكي؟"
قالها وهو يغمز لها ويبتسم على احتقان وجهها.
فيكمل هو:
"وبعدين جدو يجيبلي فطار ليه؟ ما هو جوّزني خلاص، يبقى مراتي هي اللي مسؤولة عن فطاري."
لتقترب منه، تسند كفيها على الطاولة وتميل باتجاهه:
"بس مراتك مش خدامة يا فارس باشا."
ليبتسم بسخرية ويقول وهو ينظر لعمق عينيها:
"أكيد، دي مرات فارس الجوهري."
ثم مال أكثر تجاهها وقال هامساً:
"أعملي حسابي معاكِ يا مراتي."
زفرت أنفاسها بضيق وهي تلتفت نحو الموقد تواصل عملها.
لتضع الأطباق أمامه بعنف، وتضع كوب الشاي أمامه وتسحب كرسي وتجلس تتناول طعامها دون أن تنظر إليه وكأنه غير موجود.
"بس أنا بشرب قهوة مش شاي."
تلتفت نحوه غاضبة وقالت بسخط:
"مشيها شاي النهاردة، ومتطمحش بأكتر من البيض لأني معرفش أعمل غيره."
قطب حاجبيه وهو يدس أول لقمة في فمه:
"دا لو أنت فعلاً بتعرفي تعمليه."
"نعم؟ قصدك إيه؟"
قالتها بأنزعاج وهي ترمقه بنظرات غاضبة.
"يعني استغفر الله، دا أي حاجة إلا بيض. لا ملح ولا فلفل."
زفرت أنفاسها بتأفف وقالت بملل:
"مابحبش الملح كتير."
ثم ارتشف قليلاً من الشاي ليخرج لسانه متذمراً بقرف:
"والشاي ماسخ."
"ما بحبش السكر كتير."
"ما شاء الله، ذواقة."
عادت تزفر أنفاسها متأففة وهي تغمغم:
"اللهم طولك يا روح... أبقى أطلب دليفري مرة تانية، متدوشنيش معاك."
ليحرك يده باستهزاء متذمراً:
"شكلنا هنقضيها دليفري فعلاً."
أشاحت نظرها عنه مستغفرة، لتتماسك نفسها وتسيطر على غضبها.
***
كان يتناول طعامه مستمتعاً، يشيد بطعمه اللذيذ.
"تسلم أيدك يا ندى، طعمه يجنن."
ابتسمت على إطرائه وقالت:
"بالهنا والشفا إن شاء الله."
"تسلمي يا قمري."
دس لقمة أخرى في فمه وبدأ في مضغها عندما انتبه لشرودها.
ليسألها مستفسراً:
"مالك يا ندى؟ سرحانة في أي؟"
تنهدت بحزن وقالت:
"بفكر بشمس، أصلي قلقانة عليها."
أو نظر لها نظرة جانبية وقال:
"وتقلقي ليه؟ هي مع جوزها فارس، مش هياكلها يعني."
كانت كلماته الأخيرة تحمل استنكاراً شعرت به، لتقول موضحة:
"أنا مش قصدي فارس."
ليقطب حاجبيه بحيرة ويسألها:
"أمال تقصدي أيه؟"
"أنت متعرفش شمس يا طارق، شمس مش من النوع اللي بيرضخ بسهولة."
"برضه مش فاهم؟"
زفرت أنفاسها بقلق:
"ولا أنا عارفة، كل اللي أعرفه شمس مش هتسكت، ولو سكتت يبقى هي في دماغها حاجة."
"بس فارس كمان مش هينـ"
تنظر له باضطراب:
"ماهو دا اللي أنا خايفة منه، خايفة يحصل تصادم بينهم."
دس شوكته في طبق البيض، يقطع قطعة ويقربها من فمها:
"كُلي يا ندى، أنتِ ومتشليش هم. كمان شوية هاخدك تطمني عليها."
فتحت فمها تلتقط الطعام على استحياء، وهي تبتسم بامتنان:
"متشكرة يا طارق، أنت متعرفش شمس بنسبالي إيه، دي بنتي مش بس أختي."
***
كانت تجلس في غرفتها تدون بعض المعلومات في دفتر ملاحظاتها.
لتسمعه ينادي عليها:
"شمس... شمس."
امتعض وجهها وقالت بانزعاج:
"عاوز إيه من شمس يا رخـم؟ طبعاً ما هي الخدامة اللي جدو اشتراها."
كلت.
لنهض مندفعة نحو الخارج بغضب، لتتسمر مكانها وهي تجد ندى تقف أمامها بعيون متوسلة.
"وحشتيني يا مشمش."
لا تعلم لماذا كانت تحتاج لحضن ندى في هذه اللحظة، كأنها تود أن تجد حضناً تبكي بداخله وتخرج تلك الهموم التي تجثو فوق صدرها.
فتحت ندى لها ذراعها وهي تقول:
"تعالي يا مشمش."
ركضت نحوه، ترمي بين أحضانها وندى تردد:
"سامحيني... سامحيني يا مشمش."
ظلت تبكي في أحضان ندى التي أخذت تمرر يدها على ظهرها تهدئها تحت أنظار فارس الذي شعر بالحزن، فهو يعلم أن زواجه منها هو سبب بكائها.
"سامحيني يا روح أختك، وحشتيني يا مشمش، أنا كنت بموت وأنت بعيدة عني."
"بعد الشر عليكِ يا دندن، روحي فداكِ."
أخرجتها من أحضانها، تمسك وجهها بين يديها وتمسح دموعها بإبهامها، تسألها بقلق:
"أنتِ كويسة يا مشمش؟"
هزت رأسها.
"أيوة الحمد لله."
ثم انتبهت لشيء لتسألها:
"هو دكتور طارق فين؟"
"هو وصلني هنا وراح يجيب عشا، بيقول فارس بيحب المشاوي."
التقطت عينيها بعين فارس الذي تمتم:
"حبيبي يا أخويا، حاسس بأخوه."
لتشيح عينيها عنه بحنق، تلتقط حجابها وترتديه.
ليسمعوا جرس الباب يقرع.
اتجه فارس ليفتحه ليجد علي وهدى.
ليقترب علي منه يعانقه، ثم همس بأذنه:
"سبع ولا ضبع؟"
"بومة يا بومة."
ليقهقه علي ضاحكاً.
"كنت متوقع."
لكزه فارس على كتفه ويقول:
"اتلم يالا."
"أهلاً يا هدى."
قالها فارس مرحباً بها.
"أهلاً يا فارس."
لتشهق بدهشة وهي ترى ندى وتركض مرتمية بأحضانها:
"أنتِ هنا؟ وأنا عمالة أتصل عليكِ."
ثم خرجت من أحضانها لترتمي في أحضان شمس التي بادلتها العناق بشوق، وكأنهم افترقوا منذ مدة طويلة.
"هو أي جو الدراما اللي إحنا فيه؟"
همس بها فارس لعلي الذي التفت له يكتم ضحكاته، وهو يقول مستهزئاً وهو يلاعب حاجبيه:
"اسكت يا بومة."
لينظر له محتقناً ويلكمه عدة لكمات، صاح منها علي متأوهاً مع ضحكاته المستمرة بشدة.
ليقطع وصلة ضحكهم حضور طارق، الذي اتجهت نحوه ندى بسرعة تحمل منه ما أحضر.
ليقترب هو من شقيقه يحتضنه بحب، ثم اتجهت أنظاره نحو شمس:
"إزيك يا شمس؟"
"الحمد لله."
"إزيك يا هدى؟"
"الحمد لله."
جلسوا حول المائدة يتناولون طعامهم.
ليسألها طارق:
"إزي الوضع في المستشفى؟"
"الحمد لله، دكتور معتصم متعاون وبيحب يعلمنا، مش بيبخل علينا بمعلومة."
"أيوه صح، معتصم دكتور شاطر، بس خلي بالك أنتِ من الشهر اللي جاي معايا، وأنا مابحبش الواسطة. يعني أنا مش هتساهل معاكِ عشان أنتِ مرات أخويا."
ابتلعت ما كانت تمضغه بصعوبة، والكلمة تتردد بذهنها لتبتسم ابتسامة شاحبة.
أما هو، فرغم ادعائه انشغاله بالطعام، لكنه شعر بالضيق من تجاذبها الحديث مع طارق، ثم ضحكها مع علي الذي استهزء بدلعها (مشمش).
"يعني أنت مشمش عشان هدى تفاح؟"
"ماشي يا علي، يعني بتضحك عليا."
"معلش يا شمس، بس مشمش دلع لناس كيوت وصغيرة، لكن إنتِ..."
تدعي الانزعاج:
"شايفة ياهدى؟ جوزك."
"خلاص يا علي."
"صحيح، أنا وعلي حجزنا كم يوم في شرم الشيخ، تيجوا معانا يا فارس؟"
"معلش، أنا عندي بحث ومناقشة، مش هقدر أسافر الأيام دي."
قالتها بسرعة قبل أن يسبقها هو في إعطاء رأيه، ليضغط على الملعقة التي يحملها بغضب.
لقد ألغت شخصيته وحجبت رأيه، وكأن لا وجود له.
"أنا كمان عندي رحلة لتركيا كمان كم يوم عشان أحجز بضاعة."
"خسارة، كنا رحنا سوى."
قالتها هدى بحزن، لتجيبها شمس:
"معلش، خيرها في غيرها إن شاء الله."
دارت عيناها لتلتقط علي وهو يطعم هدى ويتبادلان الابتسامة بحب.
ثم لمحت ندى وهي تدنو من طارق تهمس في أذنه بين الحين والآخر فيبتسم.
ثم التفتت نحو فارس الذي كان منشغلًا بهاتفه.
ليعصرها قلبها وشعور بالكسرة بات يستوطنه.
***
رحلت شقيقاتها منذ يومين ولم يتصلا بها.
يبدو أن سعادتهم أنستهم وجودها.
كما سافر هو اليوم بعد أن أرسل لها رسالة أنه راحل اليوم ولا يعلم متى يعود.
أمسكت الهاتف تحاول الاتصال بشقيقاتها، لتجيبها هدى:
"ألو؟ مشمش، إزيك؟ وحشتينا؟"
"ياسلام يا ست هدى، دا على أساس إنكم افتكرتوني."
"معلش يا مشمش، انشغلنا عنك."
"ولا يهمك حبيبتي. أمال ندى فين؟"
"راحت تتمشى مع طارق على الشط."
"حلوة شرم يا هدى؟"
"تجنن يا مشمش، أنا فرحانة فرحانة أوي، يا ريتك كنت معانا."
ثم استرسلت:
"دا حتى ندى فرحانة، الظاهر أنها ابتدت تحب طارق."
"ربنا يسعدكم يا حبيبتي."
"عقبالك يا..."
ابتلعت هدى باقي كلماتها عندما شعرت بانزعاجها.
"مع السلامة يا هدى، ابقي سلميلي على ندى."
أغلقت الهاتف وشعور الحسرة يتملك منها، رغم أنها تتمنى السعادة لشقيقاتها، لكن هناك غصة مرة داخلها.
***
جلس بجانبها يضمها إليه ويسألها بقلق بعد أن لاحظ شرودها:
"مالك يا هدى؟"
"زعلانة على شمس، كانت دايماً بتحلم بقصة الحب الكبيرة، دلوقتي بتتجوز غصب عنها."
زاد من ضمها إليه وقال وهو يقبل رأسها مطمئناً:
"فارس مش وحش يا هدى، وبكرة شمس تحبه وتقبله."
نظرت إليه هدى، ثم تنهدت بأمل أن ما يخبره به يصبح حقيقة.
***
عادت من المستشفى بجسد منهك، بالكاد تستطيع الوقوف على قدميها.
كانت الشقة تسبح بالظلام.
إذن هو لم يعد حتى الآن.
أسبوعين مرا على زواجهم، كانت تتجنب فيهم حتى لقاءه.
وإذا حدث والتقت معه، فحديثهم يشوبه التحدي، كأنهم في صراع من سوف ينتصر على الآخر.
رغم أن الوقت كان متأخر، لكنها أحست بالجوع.
فتعمدها البقاء في المستشفى.
بات يتعبها، ربما كانت تلك الطريقة الوحيدة للهروب والنسيان من واقعها المرير.
صنعت لنفسها كأساً من الشاي، وأحضرت قطع من البسكوت تغمسها فيه.
لتبتسم وهي تتذكر هدى التي كانت تسخر منها دوماً كونها لا تزال تتناول البسكوت كالأطفال.
أخذت تقضم قطع البسكوت المبللة واحدة تلو الأخرى بنهم.
لتندمج مع تصفحها لهاتفها ورسائل شقيقاتها.
يخبرونها بعودتهم إلى القاهرة.
انتبهت على انخفاض شحن الهاتف، لتذهب إلى غرفتها باحثة عن شاحنها.
وضعت الهاتف على الشاحن، وعادت إلى المطبخ تندمج مع الشاي والبسكوت، سارحة بخيالها في ما سيحدث في الأيام القادمة.
حتى انتبهت إلى نفاذ قطع البسكوت.
لتحمل كأس الشاي تغسله وتعود إلى غرفتها.
وفي طريقها إلى الغرفة، تفاجأت بباب الشقة يفتح ويدخل هو.
أصابها الذهول من مظهره، فقد كانت عيناه حمراء، يترنح في مشيته، والكلمات ثقيلة على لسانه.
لمحها تقف أمامه ليقول بكلمات متقطعة:
"إيه دا؟ هي الدكتورة هنا؟"
اتسعت عيناها بفزع وهي تجده يتقدم نحوها يضحك بصوت غريب وعينه تنظر لها نظرات أرعبتها.
لتركض نحو غرفته.
تبعها هو بخطى متعثرة، وقبل أن يصل إليها، دخلت الغرفة وأغلقت الباب خلفها بسرعة، ثم أحكمت غلقه بالمفتاح.
لتجده يطرق الباب عليها طرقات متفرقة وعنيفة، وهو ينادي عليها:
"افتحي يا شمس... افتحي يا مشمش."
ارتعش جسدها بخوف وتسارعت أنفاسها.
بهلعت.
هرولت نحو هاتفها تلتقطه بيد مرتعشة، تبحث بارتباك حتى استطاعت أن تجد من تبحث عنه.
ضغطت زر الاتصال، وهي تردد متوسلة:
"رد... رد أرجوك رد."
قطع الاتصال دون إجابة.
زاد ارتعاش جسدها مع ازدياد عنف طرقات وصراخه باسمه.
لتعاود الاتصال مرة أخرى حتى أتتها الإجابة.
لتقول بسرعة:
"ألحقني يا علي."
رواية بنات ورد الفصل الرابع عشر 14 - بقلم رشا عبد العزيز
خرج من باب الحمام يحمل منشفة يجفف خصلات شعره ليتجه نحو المرآة يقف أمامها يبدأ بتمشيط شعره ويحمل زجاجة العطر ينثر العطر على ملابسه ليلمحها تحمل الملابس المطوية وتحدق به ليبتسم ويقول مداعبًا لها:
- معقول أكون وسيم للدرجة دي؟
لتجيب بعفوية:
- قمر.
أتسعت ابتسامته وغمز لها:
- دا أنا كده بتعاكس.
لتضحك بخجل تجيبه:
- أيوه.
أعاد زجاجة العطر مكانها وأستدار يشاكسها:
- لا خلي بالك أنا متجوز ومراتي بتغير عليا.
لت قهقه ضاحكة وتغمز له ترد له مزاحه:
- شكلك بتخاف منها.
ليحرك لها يده نافيًا وهو يقترب منها:
- تؤ تؤ مش بخاف منها.
حتى وصل أمامها وأحاط خصرها بحب يهمس أمام وجهها:
- بحبها وبموت فيها.
توردت وجنتاها بخجل وقبل أن تهتف بأية كلمة سمع اهتزاز هاتفه لتتملص من بين يده وهي تقول:
- علي تليفونك.
- سيبيه يرن وخليني أقولك بحبها إزاي.
ليعود لإحاطة خصرها مرة أخرى ليعاود رنين هاتفه. أزاحت يده بخجل وقالت مصرة:
- علي التلفون احسن يكون فيه حاجة.
ابتعد عنها متذمرًا لتضحك على تذمره وهي تعيد الملابس إلى الخزانة. جلس على السرير يلتقط هاتفه بأنزعاج.
لكن أصابته الدهشة وهو يرى اسم المتصل:
- دي شمس!
- أكيد بتطمن علينا بس متصلتش بيا ليه؟
أستدارت مقتربة لتجده ينهض بفزع بعد أن أجاب على الاتصال وهو يقول:
- مالك ياشمس؟
- مالها شمس ياعلي؟
قالتها هدى بذعر وهي تقترب منه ليشير لها بيده ان تصمت وتنتظر وهو يستمع لكلام شمس:
- الحقني ياعلي فارس مش طبيعي مش عارفة ماله.
فهم ماحدث له ليقول لها مطمئنًا:
- أنا جاي حالًا ياشمس متخافيش.
أغلق الهاتف وعين هدى تتوسله بقلق:
- علي حصل أيه شمس جرالها حاجة؟
- ماتخافيش ياهدى.
أقتربت منه تمسك بذراعه وتقول راجية:
- خدني معاك يا علي.
- يلا بسرعة مفيش وقت.
قالها وهو يرتدي ملابسه ويبحث عن مفتاح سيارته ويتحرك بخطوات سريعة.
- يلا ياهدى.
قالها يحثها وهي ترتدي ملابسها كالمجنونة وتتبعه كالمغيبة.
جاورته في السيارة تسأله بقلق:
- علي هو فارس فيه حاجة طمني اختي مالها؟
كان يبدو وكأنه يركز في طريقه لكن في الحقيقة كان باله مشغول في ابن عمه وما قد يفعله ويود ان يختصر الطريق كي يصل إليه قبل ان يتهور ويحصل ما لا يحمد عقباه.
كررت سؤالها بترجي وصوت ملأه الخوف والقلق:
- علي رد عليا مالها شمس؟
التفت اليها ثم عاد يحدق في طريقه:
- مش وقت أسئلة دلوقت ياهدى خلينا نوصل وتعرفي كل حاجة.
وصلوا إلى المنزل وحمد الله ان هدى تمتلك نسخة من مفاتيح المنزل. فتح الباب ودخل مندفعاً ليجده يطرق الباب بقوة. ركض نحوه يسحبه وسط صدمة هدى التي صعقها المنظر.
- تعالى هنا يامجنون بتعمل إي؟
- إي دا علي الجوهري.
قالها فارس بلسان ثقيل تبعتها ضحكاته الغريبة.
سحبه علي بقوة رغم اعتراضه واتجه به نحو الحمام يصرخ بهدى التي تجمدت في مكانها:
- شوفي شمس يا هدى.
أعادها صراخ علي من دهشتها لتركض نحو الغرفة تطرق الباب وتنادي باسمها:
- شمس افتحي أنا هدى ياشمس افتحي.
نهضت بسرعة بعد ان كانت جالسة تضم ساقها نحو صدرها وتحتضن جسدها المرتعش بيديها.
اتجت بخطوات سريعة نحو الباب تفتحه وترتمي منهارة بين أحضان هدى التي احتضنتها بقوة تشاركها البكاء.
ثم سحبتها تجلسها على الأريكة وتضم جسدها تحرك يدها على ظهرها لتشعر بالامان وهي تردد:
- متخافيش يا شمس.
- متسبنيش يا هدى.
قالتها شمس بشفاه مرتعشة وجسد لا زال ينتفض من الخوف تتشبث بجسد هدى كأنه طوق نجاتها.
- متخافيش ياحبيبتي أنا معاكِ اهو ومش هسيبك.
***
أخذه علي نحو الحمام ووضع رأسه تحت صنبور الماء عله يفيق. يبدو انه قد شرب حد الثمالة.
صاح به علي موبخًا:
- عملت إي يامجنون كدة هتخليها تخاف منك ربنا يستر وتعدي الليلة على خير.
فارس الذي بدأ يتقيأ يفرغ مافي معدته متكأ على الحوض بيده يسنده. علي الذي هتف بقرف:
- الله يقرفك يا فارس كان يوم أسود يوم ما بقيت ابن عمي.
يتوقف عن القيئ ويغسل علي وجهه ساحباً إياه نحو غرفته أجلسه على السرير وفتح الخزانة يبحث عن منشفه يجفف شعره ثم خلع حذائه ورفع قدميه على السرير يساعده في الاستلقاء ويسحب الغطاء يحاول ان يدثره.
ليمسك فارس يده ويتحدث بهذيان بما جعله يندهش:
- قلبي بيرتعش ياعلي لما بشوفها.
ليضحك بسخرية وبلا وعي و يقول ماجعل علي يشفق عليه:
- وهي مش شيفاني.
يدثره علي بالغطاء ليقول متهكماً:
- وبعد الي عملته ياغبي ربنا يستر هتعمل إيه.
جلس علي بجانبه يربت على كتفه ويقول ساخرًا:
- شكلك طبيت يا ابن محسن بس مش بسرعة يا فارس والا انت معجب من زمان ومخبي؟
ليردد فارس اسمها بهذيان:
- شمس … شمس.
دعك علي عنقه بأرهاق وتنهد بحيرة:
- ودي هقنعها إزاي؟
ثم نظر لفارس وقال بغضب:
- منك لله يافارس قلتلك ابعد عن الهباب الي بتطفحه ده.
***
أشفق عليها حين وجدها تجلس متشبثة بأحضان هدى، كطفلة متشبثة بأحضان والدتها. جلس بالقرب منهم لينادي عليها وعينيه تلتقي بعينى هدى الباكية:
- شمس خلاص فارس نام.
كانت كلمات علي كفيلة بأخراجها من أحضان هدى تمسح دموعها بيديها ويتحول خوفها لغضب تصرخ بهم:
- يعني جدكم مكفاهوش انه يجوزني واحد فاشل لا وكمان مدمن.
تمتم علي بغباء فارس في سره ونظر اليها يحاول تهدأتها:
- اهدي يا شمس وصلي على النبي بص.
ثم استرسل موضحًا لها عله يستميلها نحو الغفران:
- بصي يا شمس أنا مش هاقول فارس ما غلطش ومش بيغلط لا فارس غلط أكيد، بس صدقيني فارس مش وحش، بالعكس فارس أطيب إنسان ممكن تقابليه ويمكن عنده عقل يوزن بلد لكن فارس الظروف هو اللي خلته يوصل للحالة دي.
- مفيش حاجة تبرر الإدمان.
تفت بها بغضب وكأنها عادت لترسم قوتها المزعومة أمام الجميع.
- عندك حق بس هو مش مدمن، فارس لسه موصلش لمرحلة الإدمان يعني نقدر نلحقها.
أزداد احتقان وجهها وقالت له مستنكرة:
- إحنا هنضحك على بعض ياعلي ابن عمك امبارح كان فاقد عقله تعرف يعني إيه الكلام دا، يعني لولا إني لحقت نفسي كان الله أعلم حصل إيه تقدر تقولي هآمن على نفسي معاه إزاي؟
صمتت تأخذ أنفاسها وعينها معلقة عليه قبل ان تقول بحزم:
- خليه يطلقني يا علي.
شهقت هدى بصدمة تضع يدها على فمها ونظر لها علي بعدم استيعاب وعينه تتنقل بينها وبين هدى:
- شمس يعني إيه تطلبي الطلاق وجوازكم مكملش شهر أنت واعية بتقولي إيه والناس هتقول إيه؟
- طز في الناس انت عاوزني أكمل حياتي مع واحد مدمن؟
تحركت يد هدى لتمسح على رأسها وذراعها بعد ان اصبح جسدها يرتعش من شدة الانفعال:
- اهدي يا شمس وخلينا نفكر بالعقل.
وضعت شمس رأسها بين يديها تردد بإنهيار:
- عقل إيه يا هدى هو أنا بقى عندي عقل أنا خسرت كل حاجة، قلبي وعقلي وكرامتي، أنا عايشة ميتة ومحدش حاسس بيا.
اعتصرت كلماتها قلب هدى التي ضمتها اليها وعينيها تلتقي بعينى علي الذي كان يشعر بالحزن لأجله.
ليرحل نحو المطبخ ويعود بكأس ماء بارد يمده نحو هدى ويشير لها ان تسقيها إياه. التقطت هدى منه الكأس.
تقربه منها:
- إشربي يا شمس إشربي ياحبيبتي واهدي.
أخذت منها الماء بيد مرتعشة حتى تساقطت قطراتها على ملابسها ترتشف منه القليل وتعيده اليها لتسكب هدى القليل من الماء على كف يدها وتمسح بيه وجه شقيقتها علها تبرد من تلك النار التي تلهب جسدها ألماً وحسرة. اتجهت عيناها نحو علي متوسلة أن يساعدها أومأ لها برأسه:
- شمس فارس ماكنش كده هو أتعرف على شلة جرته للشرب والسهر لو قدرنا نمنعه عنهم ونخلصه منهم هيتغير يا شمس فارس محتاجالك.
- وأنا مش مصلح اجتماعي.
قالتها بصوت واهن يملئه الهدوء رغم ذلك الصخب بداخلها الذي يشعرها الكسرة.
- ياشمس أرجوكِ اعتبريه حالة مرضية وأن دا واجبك الإنساني.
قالها علي برجاء وعينه تترقبه.
لكنها نهضت بجسدها المتعب تجر خطواتها بثقل وتخبره:
- خليه يطلقني يا علي كفاية أنا استحملت كتير.
حتى دخلت غرفتها وأغلقت الباب.
نظرت هدى نحو علي وسألته بقلق:
- هنعمل إيه دلوقت يا علي؟
نظر اليها وأمسك يدها يضمها بين يديه يربت عليها ويبتسم لها مطمئنًا:
- متخافيش ياروحي هتتحل إن شاء الله.
- طب أنا مش هقدر أسيبها لوحدها.
نهض علي من مكانه وجلس بجانبها يضمها إليه ويقبل رأسها:
- والا أنا هقدر أسيبكم خليكي جنبها وأنا هنام جنب فارس اللهي يعكنن عليه البعيد ضرب لنا الليلة.
لتضحك هدى بخجل من بين أحضانه ليحيطها بكلتا يديه بقوة ويقول مشاكسًا لها:
- بتضحكي وهنا كمان عاوزاني أتهور يا هدى هلاقيها منك والا من أختك وجوزها أرحموني ياناس دا انا عريس.
علت ضحكتها ليرفع يده يضعها على فمها يكتم ضحكاتها ويلتفت يمناً ويساراً:
- هتفضحيني يا مجنونة.
***
أستلقى بجانبه على السرير العريض والتفت يحدق به رغم أخطائه لكنه لازال يعتقد انه يستحق فرصة وتمنى لو تمنحه تلك العنيدة هذه الفرصة ربما يتغير. زاد حزنه عليه وهو يسمعه يردد اسمه من جديد:
- شمس … شمس.
لكن فجأه لمعت عين علي بخبث وهو يبتسم:
- ليه لا؟
ليلتقط هاتفه ويصوره وهو يردد اسمها بلا وعي، ضحك وهو يتخيل شكله لو رأى هذا الفيديو:
- والله وجيه اليوم اللي هنتقدم فيه واضحك عليك يا ابن الجوهري.
استيقظ يفتح أجفانه بثقل ويدعك جبهته يشعر بصداع يضرب جنبات رأسه. امسك مابين عينه يضغط عليها.
ثم دعك عينه بقوة لينهض بفزع وهو يشعر بيده ترتطم بشيء لينظر بدهشة لعلي الغارق في النوم بجانبه.
ليحرك جسده يحاول إيقاظه:
- علي … علي … أصحى يا بني.
أزاح علي يده بأنزعاج:
- سيبيني نايم ياهدى.
أمتعض وجهه ليكرر ندائه:
- علي … يابني فوق انت نايم هنا ليه وأيه اللي جابك.
فتح علي إحدى عينيه ينظر له بعبوس ليدعك عينه وهو يردد معتدلاً في رقوده:
- انت صحيت يا زفت؟
رفع حاجبه يسأله من جديد:
- انت نايم هنا ليه؟
أحتقن وجه علي وهو يلكم كتفه ببغض:
- وكمان بتسأل يا بارد طبعًا ماحضرتك مش عارف هببت إيه؟
عاد يدعك جبهته وعينه تتحرك يميناً ويساراً يحاول ان يتذكر ماحدث لتلتقي عيناه بعينى علي يسأله:
- هو أنا عملت إيه؟
لينظر له نظرة جانبية وقال يوبخه بنبرة حادة:
- حضرتك راجع سكران طينة وهجمت على البنت…
ليقاطعه يسأله بلهفة:
- شمس جرالها حاجة أنا آذيتها؟
ليبتسم علي بسخرية ويقول متهكمًا:
- ومدام انت خايف عليها كنت بتطفح السم الهاري اللي بتطفحه ليه؟
أمسك ذراعه يتوسله بقلق:
- علي إتكلم يا اخي هي جرالها حاجة؟
ربت على كتفه باستهزاء:
- إطمّن ياخويا قدرت تحبس نفسها في الأوضة وأتصلت بيا عشان ألحقها منك وأحمد ربنا إني لحقتك.
قبل ما تكسر الباب عليها.
زاغت عينه بقلق يبدو أنه قد تمادى في شربه حد الثمالة حتى بات لا يعرف ماذا يصنع:
- وريني دلوقت هتواجهها إزاي يا سبع البرومبة؟
أعاده سؤال علي نحو نقطة أخرى كيف سيواجهها لكنه ادعى الجمود وقال بقوة زائفة:
- وأواجهها موجهاهوش ليه هخاف منها يعني؟
تنهد علي بقلة حيلة ونهض ثم قال له يحثه:
- طب يلا قوم خلينا نشوفهم بيعملوا إيه عاوز أمشي من هنا وأنا مطمن عليك أصل ربنا بلاني بأبن عم جلاب مصايب.
ليشعر بالوسادة تضرب وجهه بعد أن قذفها فارس باتجاهه وهو يضحك مرددًا:
- أمشي يله هو أنت تطول.
حرك له علي حاجبيه وقال محاولًا أغاضته وهو يبتسم بسخرية:
- طب قوم خليني أشوفك وأنت بتواجه شمس.
نهض يتبعه متوجسًا.
خرج علي ليجد الاثنتان تجلسان في المطبخ ولكن يبدو أن شمس كانت تنتظر خروجه فما ان سمعت صوت الباب يفتح حتى اتجهتا نحوهم بخطى سريعة.
أمسكت هدى ذراعها تعيق تقدمها نحوه وتحاول تهدئتها. وقفت أمامهم وصاحت بغضب وهي تحرك يدها:
- كويس الباشا صحي واعي ولا لسة سكران.
- إحترمي نفسك يا شمس.
هتف بها فارس لتلوي شفتها بسخط:
- أي وجعتك كلمة سكران أمال تسمي وضعك اللي كنت فيه امبارح إيه؟
- أنا كنت مع صحابي وشربت شوية مفهاش حاجة دي.
تمتم بها فارس وهو يبعد نظره عنها.
- شربت شوية دا إدمان يا أستاذ.
نظر اليها بغضب وصرخ:
- شمس قلتلك إحترمي نفسك واختاري ألفاظك.
وقف علي حائلاً بينه وبينها بعد ان تقدم فارس نحوها يرفع سبابته بوجهها:
- أنا محترمك وبتكلم معاكِ بأدب.
- يا سلام.
قالتها مستهزئة قبل أن تربع يداها أمام صدرها وتقول:
- قول له يطلقني يا علي.
كلماتها حررت شياطين غضبه ليصرخ بصوت عالي:
- قولها في أحلامها ياعلي أطلقها.
- أستهدوا بالله يا جماعة.
قالها علي وهو لازال يقف بينهم محاولاً التهدئة.
- علي خليه يطلقني أحسن ما أخلعه.
- علي خليها تسكت أحسن أتصرف تصرف تاني.
علي الذي كان يلتفت ما بينه وبينها حتى نفذ صبره ليصرخ بهم:
- بس انتوا الاتنين كفاية عمالين تتخانقوا ولا عاملين اعتبار لينا احترموا نفسكم انتو الاتنين وبلاش الكلام الفارغ بتاع الطلاق يا دكتورة وانت يا أستاذ بطل كلامك المستفز خلاص طهقتوني.
ثم أشار لهدى نحو الباب:
- يلا يا هدى خلينا نمشي الظاهر إنهم مابيعرفوش يتفاهموا خليهم يحلوا مشاكلهم مع بعض.
ظلت هدى واقفة توزع نظرها بينه وبين شمس حتى أجفلها ندائه عندما وصل عند الباب:
- يلا ياهدى.
هرولت هدى نحوه تهمس له عندما اقتربت منه:
- هنسيبهم كدا إزاي أحسن يتخانقوا.
أحاط جسدها يدفعها نحو الخارج بعد ان فتح الباب:
- سبيهم هما مش صغيرين هيقدروا يحلوا مشاكلهم.
خرجت هي وعاد هو ليغلق الباب لكن قبل ان يغلق الباب التقت عينه بفارس ليغمز له بابتسامه جعلت فارسيهدأ قليلًا ويبتسم وما أن اغلق علي الباب حتى تحركت شمس نحو غرفتها لكن وقبل أن تدخل وجدته يمسك ذراعها ويجذبها. التفتت لتنظر ليده التي تمسك ذراعها بأمتعاض ورفعت عينها نحوه وقبل ان تهتف بكلمة قال مبتسمًا:
- آسف.
أزاحت يده من ذراعها بعنف واستدارت تدخل غرفتها وتغلق الباب خلفها بقوة. مسح على خصلات شعره يجذبها وزفر أنفاسه بتأفف.
***
كانت تعد الطعام بسعادة فاليوم قررت أن تفاجئه بطهو الطعام الذي يحبه تستغل أيام أجازتها قبل ان تنتهي وتنتظر عودته من المستشفى. نظفت الشقة وعطرتها واتجهت تأخذ حماماً وترتدي فستانًا بيتيًا جميلًا وتتزين.
وضعت الشموع المعطرة وزينت الطاولة بالزهور وجلست امام التلفاز تنتظره لتسمع هاتفها يرن معلنا وصول رسالة. ألتقطته لتجد رسالة من رقم مجهول كتب فيها:
- ألف مبروك.
تعجبت منها لكن ليس من عادتها الإجابة على الأرقام المجهولة. لتتجاهل الرسالة وتضع الهاتف بجانبها.
وعادت تندمج مع التلفاز تطالع أحد الأفلام القديمة وبعد قليل رن هاتفها من جديد. التقطته من جديد وارتسمت ابتسامة كبيرة على وجهها حين رأت اسمه يزين شاشة هاتفها. تلاشت عندما فتحت الخط ووجدتة يقول جملة واحدة:
- الو … ندى متستننيش على الغدا أنا هتأخر عندي عملية مستعجلة.
- حاضر … ربنا يعينك.
أغلقت الهاتف تنظر لشاشته بخيبة أمل. كانت تحلم بلحظة وصوله لكن يبدو أن حلمها قد تبخر. لامت نفسها فهذا عمله يجب أن تكون زوجة متفهمة هذا ما تعلمته.
***
أسبوع مر على خلافهم أصبحت تتجنبه اكثر من ذي قبل وتصمت حتى إذا التقت به لكنها تفاجأت من وجوده اليوم في المنزل يبدو أنه عاد مبكرا فلقد سمعت صوته بعد عودتها من المستشفى لتدخل الى المطبخ مباشرة. وقفت تعد لها بعض الطعام وتعد كوب شاي فقد كانت تشعر بالجوع. كانت مندمجة في ما تفعل عندما وصلت إلى مسامعها مكالمته الهاتفية:
- أيوه يا حازم هو أنتو متجمعين فين؟ … اه يعني نفس المكان خلاص نص ساعة وأكون عندك.
رن في مسامعها حديث علي عن أصحاب السوء الذين كانو السبب في أنسياقه نحو هذا الطريق.
نفضت تلك الأفكار وعادت إلى ما كانت تصنعه.
ليعود صوت رجاء علي بأن تعتبره مريض وتعالجه. يطرق ذاكرتها. أغمضت عينيها تحاول أن تتناسى حديثه.
لكن جملة اعتبريها حالة إنسانية غزت عقلها بتكرار لتطفئ الموقد وتتنهد بضجر وهي تغمغم:
- سامحني يارب منك لله يا فارس.
اتجت نحو غرفته تطرق الباب بعنف وهي تصرخ:
- الحقني يا فارس.
خرج من غرفته بسرعة ينظر اليها بخوف ويسألها بهلع:
- مالك يا شمس؟
أمسكت رقبتها وباتت تحرك يدها على صدرها وهي تقول بصوت مثلت فيه الاختناق:
- بتخنق يا فارس مش قادرة أتنفس.
أمسك كتفها بيديه يسألها بتوتر وقلبه يرتجف بخوف:
- أكلم الإسعاف ولا اعمل إيه قوليلي فيه دوا بتاخديه؟
تسارعت أنفاسها ومثلت ارتجاف جسدها ليحيط وجهها ينظر لها بعين متسعة:
- شمس اهدي انت كويسة؟
وبكلمات متقطعة أخبرته:
- خرجني برا.
أمسك يدها يسندها نحو الخارج لتتشبث بها. نزل السلالم وعيناه تترقب ارتجافها بخوف حتى وصلا سيارته.
لتشير له نحو الشارع:
- نتمشى أحسن.
أومأ لها بالموافقة وأمسك ذراعها يسير بجانبها ليجدها بدأت تأخذ شهيقاً عميقاً ثم تزفر أنفاسها بقوة.
بدأت تكرر هذه العملية عدة مرات وسط دهشته مما يحدث. تلك المرة الأولى التي يراها بهذا الضعف.
سار لنصف ساعة تقريبًا ليجدها بدأت تهدأ حتى وصلا إحدى المحلات ليتركها ويدخل:
- إستنيني هنارحل.
وعاد بعد قليل يحمل قنينة ماء يمد يده بها نحوها:
- إشربي يا شمس.
تناولت منه الماء لترتشف منه ثم تغلق الزجاجة وتتنهد ليسألها بقلق وعينه تتابع قسمات وجهها بترقب:
- أحسن دلوقتي؟
هزت رأسها بالموافقة دون أن تتحدث.
- تحبي نرجع؟
لتفكر قليلاً ان الوقت لم يتأخر بعد لتهز رأسها برفض:
- خلينا نتمشى كمان شوية.
ساعة ونصف قضاها يتمشى معها حتى أنهك قدميه التعب. ينظر اليها بين الحين والآخر علها تخبره أن عليهم العودة لكنها لم تنطق بكلمة. كانت تخطف النظر نحوه لتبتسم خلسة بأنتصار فلقد بدأ التعب يظهر عليه.
ألتفتت نحوه تسأله:
- فيه هنا محل عصير ممكن نشرب أصلي عطشانة وممكن بعدها نرجع البيت الوقت اتأخر.
وكأنها رمت له طوق النجاة لتتسع ابتسامته ويقول لها:
- حالًا.
أحضر لها العصير لترتشف منه وتنظر لاحد الأزقة:
- خلينا نرجع من هنا الطريق دا مختصر.
كانت تسير معه وترتشف العصير ترشده نحو الطريق إلى أن وصلا إلى المنزل. دخل إلى غرفته لجلس على السرير منهكاً رفع قدمه يدلكها وهو يتمتم بعبوس:
- رجلي ورمت من المشي وهي ولا هرمى.
جسده مستلقياً يفكر فيما حدث لها وما أصابها لكنه أبتسم عندما تذكر سيره بجانبها وطلبها العصير منه حتى طلبها المساعدة منه جعله مسروراً رغم إشفاقه وحزنه عليها.
***
أغلق الهاتف بتعجب ينظر اليه ويبتسم بمكر وهو يتمتم:
- طلعتي مش هينة يا بنت الجوهري، والله وجيه اللي هيربيك يا فارس.
انتبهت هدى لحديثه مع نفسه فسألته بريبة:
- مالك يا علي؟
آفاقه ندائها ليلتفت نحوها:
- هااا … لا ولا حاجة.
- كنت بتكلم مين؟
- واحد صاحبي … هو فارس تحته.
هزت هدى رأسها تجيبه:
- أيوه وصل من شوية وشفته طالع أوضته.
لينهض بسرعة وهو يقول:
- هاروح أشوفه.
وصل أمام غرفته وفتح الباب بسرعة:
- فارس.
فزع فارس من دخوله المفاجئ ليضع يده على صدره:
- يخرب عقلك خضتني.
- متأسف ياعم … كنت عاوزك في موضوع.
قطب حاجبه وجلس على السرير مشيراً له بالجلوس:
- خير يا علي؟
جلس علي ليقول له:
- شمس.
- مالها شمس؟
طأطأ علي رأسه بحزن وقال يتصنع الألم:
- هدى بتقول انها مريضة عندها حالة نفسية يا فارس.
- مفهمتش!
قالها فارس بعدم استيعاب.
- بتتخنق يا فارس ولو جاتها أزمة بتتشنج ولازم تخرج تتمشى لحد ما تهدى وتتحسن حالتها.
كتم ضحكته وسيطر على تهوره قبل ان يفضح ذلك المخطط الذي رسمته شمس وأملته عليه لكي يخبره بفارس بمرضها الكاذب حتى يستطيعوا الحد من سهره مع أصدقاء السوء.
فتح عينه على وسعه ينصت لعلي بدهشة ليسأله:
- تقصد إيه يا علي؟
أخفض علي عينيه نحو أصابعه المتشابكة ليجيبه بأسف:
- شمس مريضة يا فارس ومن زمان كمان.
ابتلع ريقه بخوف نظر له بترقب وهو يتذكر أختناقها و وتشنج جسدها بين يديه.
وتلك الصورة التي مزقت قلبه.
لم يتخيل يوماً ان يراها ضعيفة ليسأل علي بحيرة:
- طب هي متعاجتش ليه يا علي؟
زفر أنفاسه بثقل يجيبه بأسى:
- فارس شمس من ساعة حادثة عمي وهي كدة هدى بتقول حاولوا كتير لكن الدكاترة كان كلامهم واحد.
خلي بالك يا فارس هدى بتقول شمس مش عارفة انها مريضة...
تنهد علي بحزن وقال متوسلاً:
- أرجوك يا فارس ساعدها.
هي محتجاك جنبها.. ثم استطرد يقنعه:
- أنا عارف أن شمس عنادية ولسانها طويل بس في النهاية دى بنت عمك ومراتك هي دلوقتي ملهاش حد بعد أخواتها ما اتجوزوا.
- اعتبرها حالة إنسانية.
نظر لعلي بعين زائغة يشرد في كلماته ويحدث نفسه ساخرًا عن أية حاله إنسانية يتحدث بل ويتوسله أن يساعدها.
وهو الذي أصبح قلبه يتمنى قربها... ويتوق لسماع صوتها بل وكاد يشك أنها صارت تملك ذلك القلب الذي ارتجف بخوف وهو يرى ضعفها.
رواية بنات ورد الفصل الخامس عشر 15 - بقلم رشا عبد العزيز
ظل ما أخبره به علي يدور في رأسه، يكاد لا يصدق. تلك الفتاة القوية مريضة، ومرض نفسي، بل والأقسى أنها لا تعلم بذلك.
"أي روحت فين يامعلم؟" سؤال طرحه علي، جعله يفيق من دوامة تفكيره.
"معاك ياعلي."
"معايا فين؟ انت في دنيا تانية يابرو، هااا قلت أي؟"
"في أي ياعلي؟"
"في أنك تساعد شمس، أي مالك؟ هو أنا مش لسه كنت بحكيلك؟ والا انت عندك ذاكرة سمكة؟"
تجهم وجهه ليقول ساخراً: "لا ذاكرة أسد ياابن الجوهري."
"طب يا أسد، قلت أي؟"
تنهد بضيق، يحك ذقنه ويفكر.
"أي المطلوب مني ياعلي؟"
تأفف علي بتذمر: "طب والله ذاكرة سمكة يابني، مش لسه قايلك تخرجها لما تجيها الأزمة."
"أخرجها بمزاجي، انت مش عارف شمس.. دا أنا امبارح خرجت معها…"
ابتلع باقي كلماته وهو يبصر عين علي التي تلمع بعبث، ليقترب منه ويقول وهو يبتسم ابتسامة ماكرة: "خرجت معاها فين؟"
مثل اللامبالاة وقال: "مخرجتش، انت سمعت غلط."
ليغمز له علي بخبث وقال مشاكسًا: "عليَّ ياابن محسن، انطق يلا خرجت فين؟"
امتعض وجهه ليقول له: "يابني ماقلنا مخرجتش."
"فارس، أنت بتحب شمس؟"
اتسعت عينه بدهشة وقال بسخط: "أحب مين؟ أنا أحب شمس؟ ليه مجنون؟"
تلاعب علي بحاجبيه يستفزه وقال: "متكذبش يابني، أنا عندي الدليل."
قطب حاجبه يسأله مستفسرًا: "دليل أي؟"
ليقول له بتحدي: "دليل اعترافك ياابن عم."
رفع سبابته أمام وجهه وقال محذرًا: "علي، اتكلم عدل أحسنلك وبلاش تلعب معايا."
"تدفع كام؟"
"علي!" صاح بها بغضب.
ليخرج علي هاتفه ويقوم بتشغيل الفيديو الذي صوره له، ليرفع حاجبه متفاجئًا ويهجم على علي، يحاول خطف الهاتف منه وهو يردد: "اه يا مجنون، والله لأوريك."
تحول سريره إلى ساحة معركة بينهما، وعلي يحاول أن يبعد الهاتف عن متناوله وهو يغرق في نوبة ضحك، وفارس يحاول أخذ الهاتف منه وهو يردد الشتائم، حتى استطاع تخليص الهاتف من يده.
ثم جلس يلهث أنفاسه ويحذف ذلك الفيديو من هاتفه، وسط استمرار علي بأضحك حتى أدمعت عينه وأمسك بطنه، يقول وهو يحاول التقاط أنفاسه: "اه يا جبان، ما تعترف أحسن."
ليقول وهو يدعي الغضب: "أعترف بأي؟ دا أنا كنت مش واعي."
ردد علي كلامه مستهزئًا: "مش واعي… طيب يا مش واعي. هسبقك على تحت، زمانهم عملوا الغدا وجدك جامع العيلة، متتأخرش."
تحرك علي نحو الباب، فتحه ليخرج، لكنه عاد كأنما تذكر شيئًا.
"صحيح، هي شمس فين؟ مجتش معاك لية؟"
نظر إليه بتيه، وهل يعلم هو أين هي؟ لكنه أجابه: "شمس عندها نبطشية النهارده."
لوى علي شفته بحيرة: "يارب ماتتفهم غلط… خايف جدك يفهم أنها بتعند معاه."
ليقول فارس بلا مبالاة وهو يتصفح هاتفه: "ماهي بتعند معاه، فكرك هترضى تجي هنا؟ لا وكمان تتغدى."
رفع علي حاجبه ومط شفته يتخيل ردة فعله: "ربنا يستر… أسيبك يابرو."
***
حول الطاولة تجمعوا الجد وأولاده وأحفاده. من يراهم يحسبهم عائلة متحابة يربطها الوئام، لكن الحقيقة كان هناك شروخ وتصدعات لن يمحها الزمن.
ندى التي كانت تجلس بجانب طارق، ورغم شعورها بالأمان بجانبه، لكن وجود بدران أمامها جعل الماضي يطرق باب الذكريات، ذكريات لن تستطيع أن تنساها مهما حاولت.
ومسامحة لن تمنحها. مها ادعت ذلك. حاولت أن تهرب من ذكرياتها بتناول الطعام، لكن حتى الطعام لم تستطع مضغه أو ابتلاعه. فضجيج تلك الذكريات أصبح يخنقها، وهي تتذكر إهانة صاحبة المحل لها على أتفه الأسباب، وتحملها لتلك الإهانة من أجل لقمة العيش، وتحرش زوجها بها الذي كان يعترضها كلما ابتعدت زوجته عنهم.
عادت الرعشة لجسدها، وكأنها تستحضر تلك اللحظة التي تمنت لو تستطيع أن تمحوها من ذاكرتها. حتى الأيام المنصرمة التي ذاقت فيها طعم السعادة معه تبددت بعد حالة البرود التي بدأت تتسلل إلى علاقتهم رويدًا رويدًا.
وليس بعيدًا منها كانت تجلس هدى وعلي، الذي كان يحاول ممازحتها بين الحين والآخر، لتبتسم هي ابتسامة باهتة وهي ترى عين والدته تتربص بهم، تشعر كأنها مراقبة. تنهدت بيأس وهي تتذكر ماحدث اليوم عندما كانت تجلس هي وعلي في غرفته القديمة يطلعها على بعض ذكرياته.
"شوفي ياهدى، أهي دي صوري وأنا صغير."
أمسكت ألبوم الصور تقلبه بشغف، وتبتسم بين الحين والآخر، وهو يجلس بجانبها يشرح لها ذكريات كل صورة.
"بس كنت حلو أوي ياعلي."
ادعى الانزعاج وقال حانقًا: "تقصدي أي ياهانم إنّي دلوقت وحش؟"
ضحكت على تغير ملامحه لتقرص وجنته وتضغط على أسنانها، تخرج كلماتها من بينها: "أنت قمر، أحلى راجل شفته في حياتي."
ليضيق عينه ويسألها عن ممثلها المفضل الذي كان يغار منه: "يعني أحلى من توم كروز؟"
لتشاكسه قائلة: "لا ياعلي، اللي بيكذب بيروح النار. توم كروز أحلى."
ليجذب منها الألبوم بحنق ويتصنع الغضب: "خلاص، خلي توم ينفعك."
قهقهت ضاحكة وهي تجذبه منه: "هات ياقموص… بهزر معاك."
"متهزريش تاني."
وضعت الألبوم جانباً وضمته بقوة، سانده برأسها على صدره.
"بتغير عليا؟"
أحاطها بذراعه: "بغير عليك من الهوى الطاير، من الورد اللي بتلمسيه، بغير عليك من الدنيا كلها."
أخرجها من أحضانه وقال وهو يمسك يدها يحثها على الوقوف: "تعالي."
وقفت وتبعته حتى وقفا أمام مكتبته، ليسحب كتاباً كبيراً بغلاف سميك، وضعه على طاولة الدراسة الخاصة به، وفتحه ليخرج منه زهرة يابسة وسط ترقب هدى.
أمسكها بيده بحرص رغم تساقط وريقاتها الجافة بين الصفحات.
"دي أول وردة اشتريتها منك."
أعادها بذات الحرص وفتح صفحات أخرى لتظهر أخرى.
"ودي بعد ما اعترفت لنفسي إني بحبك."
ظل يقلب الصفحات وتظهر الأزهار واحدة تلو الأخرى، ومع كل زهرة كان يذكر لها ذكرى خاصة بها.
أغلق الكتاب والابتسامة تزين وجهه، أعاده لمكانه ليستدير نحوها، لتزول ابتسامته ويتجه نحوها بقلق، بعد أن رأى الدموع تنساب من عينها.
أمسك وجهها بين يديه، يمسح دموعها بأبهامه ويسألها بخوف: "مالك ياهدى؟ بتعيطي ليه؟"
لتقول من بين دموعها: "طلعت بتحبني من زمان أوي، أنا كمان حبيتك من أول نظرة، بس كنت فاكرة إنه حب من طرف واحد. بحبك ياعلي."
احتضنها علي لتبادله العناق وهو يثلج قلبها بكلمات غزلها.
"وانا بموت فيك يا قلب علي وروح علي وعمر علي."
كانت تضحك بخفة كلما زاد كلمة، حتى انتفضت مبتعدة عنه بفزع وهي تجد الباب يفتح فجأة وتدخل والدته محتقنة الوجه، ليرتبك علي وتخفض هي وجهها بحرج.
"يلا هنتأخر على جدك."
عادت من ذكرياتها على نداء علي.
"أي ياهدى؟ مابتاكليش ليه؟"
"بأكل اهو ياعلي."
حمل بعض الطعام ووضعه في طبقها. ابتلعت ما في فمها بصعوبة عندما التقت عينها بعين حماتها المحتقنة، وكأنها لا ترى في المكان سواها.
أما فارس، فكان يقلب طعامه بذهن شارد وهو يفكر فيما قاله علي وما عليه فعله.
التقطت عين بدران شروده ليسأله: "مراتك فين يافارس؟"
سؤال طرحه بدران أربك الجميع وجعل أعين شقيقاتها وعلي تتجه نحو فارس بترقب. ولكن قبل أن يجيب فارس، قال طارق: "شمس عندها نبطشية النهارده."
"وأنت عارف إنّي امرأتك عندها نبطشية؟ والا هي مدياك طناش؟" قالها محسن بسخرية جعل وجهه يمتعض مع انزعاج شقيقاته من أسلوبه الساخر.
زفر فارس أنفاسه: "أكيد مراتي عارفة حقوقي عليها ومش بتخبي عني حاجة."
ولأنه يعرف ما يزعج والده، أردف بما جعل هدى وندى ينظرون له بامتنان: "مراتي متربية وتعرف الأصول، مش بنت الجوهري."
ابتسم بدران بخلسة عندما سمع جوابه الذي أزعج والده.
***
كانت تجلس في المستشفى، تطرق بأصابعها على المكتب وتفكر في تلك الكذبة التي باتت تحاول إقناعه بها منذ أكثر من شهر. لكنها وبعد تكرارها أكثر من مرة لن تصبح مقنعة، وستبطل الحجة بالتدريج. هو ليس بالغبّي، فتلك المدة التي كانت تتمشى بها معه وبعض الأحاديث التي تبادلوها سوية جعلتها تشعر أنه شديد الملاحظة والانتباه.
إذن ماذا ستفعل كي تتقن خطتها؟ تحتاج لجعله هو من يطلب الخروج معها، أو حتى يتوقف عن الذهاب لأصحابه.
ظلت إصبعها تطرق على المكتب حتى توقف فجأة عندما وجدت الحل، لتبتسم بمكر.
استغلت عودتها مبكراً من المستشفى لتقترب من غرفته كما تفعل في كل مرة. لكن هذه المرة لم تدعي الاختباء. بل طرقت الباب بهدوء.
خرج يتوقع ما سيراه، لكنها صدمته عندما وجدها تقف هادئة، ليسألها بتوجس: "شمس، انت كويسة؟"
أومأت برأسها وقالت: "ايوة."
ثم تظاهرت بالخجل وقالت: "بس الجو جميل، لو ممكن تتمشى معايا؟ مقدرش أتمشى لوحدي."
يتعجب من أسلوبها الغريب، لكن الفضول في معرفة نيتها وسبب هذا الهدوء جعله يوافق.
سار بجانبها، يخطف إليها النظر بين الحين والآخر.
"تعرف إنّي كنت بتمشى أنا وبابا كتير في الجو ده."
رغم ابتسامتها المرسومة، لكنه لمح لمعة الدموع بعينها.
"كانوا هدى وندى بيغيروا مني عشان هو كان بيسمع كلامي دايمًا."
ليجدها تتوقف وتمد يدها تفرق ما بين أصابعها في دعوة منها لكي يمسك يدها. ظل يحدق بها وبيدها الممدودة لتوضح له: "هو كان بيمدلي إيده كده."
مد يده يمسك يدها ويشابك أصابعها بأصابعه. لم تكن تشعر سوى أنه مجرد مريض يحتاج للعلاج. أما هو، فدفء يدها جعل قلبه يرتجف.
سارو متشابكين الأيدي.
"أهو إحنا كنا بنتمشى كده ونتناقش في مواضيع كتير."
لتشرد قليلاً، انتبه هو لشرودها، لكنها أكملت وهي تخفض عينها: "بابا كان مش بس أبويا، كان أبويا وأخويا وحبيبي وصاحبي."
توقفت لحظة والتفتت إليه.
"فارس، هو إحنا ممكن نكون صحاب؟"
أصابته الدهشة، هي ليست طبيعية بالمرة، هل تطلب صداقته؟ هل هي مصابة بالحمى وتهذي؟
باغته بسؤال قبل حتى أن يجيبها على طلبها: "أنت بتؤمن بالصداقة بين الراجل والمرأة؟ أصل أنا بصراحة مش بؤمن بيه."
لكنه وجد نفسه يندمج معها في النقاش بتلقائية.
"غريبة، مع إنك بتشتغلي في وسط مختلط."
"لا يافارس، دي زمالة مش صداقة. دا زميلي زي بالظبط مكان عندي زملاء في الجامعة، وبعدين أنا بحط حدود في التعامل، الحدود عامل أساسي في أي علاقة."
"بس ألازم الطرف المقابل يحترم الحدود دي."
"بالظبط كده، ولو مفهمش بذوق، أنا أعرفه بالعافية."
ليتشاركا الضحك معاً، وهكذا استمرت النقاشات بينهم، حتى أنه اليوم لم يشعر بتعب من السير لمسافات طويلة. حتى وصلوا إلى أحد الشوارع ليشعر بتشنج يدها بين يديه وملامح وجهها تتغير، لتقول: "ممكن نغير الطريق ده؟"
"مالك ياشمس؟" ليجد عينها تنظر لنقطة معينة وتقول دون أن تنظر له: "بابا مات في الشارع ده."
سحبها يبعدها عن المكان، ليجدها تتحدث وكأنها تختنق: "إحنا مغيرناش بيتنا عشان كده، الشارع ده أنا بتجنبه عشان بتعب لما بشوف المكان."
تنهد فارس وأراد أن يغير مجرى الحديث ليقول: "ربنا يرحمه."
رددت خلفه: "ربنا يرحمه."
ثم ساد الصمت بينهم، لكنها كسرته وهي تخبره: "لما بابا مات، صاحب البيت كان راجل مقتدر ومسافر بلد أوربي. تعرف قال لعم نعيم إيه عننا؟ قال خليهم في الشقة، أنا اعتبرتها صدقة جارية. تعرف يافارس، إن رغم الراجل كتر خيره كان بيعمل خير، بس الكلمة وجعتنا أوي."
ثم ابتسمت ابتسامة مجروحة: "حتى كلمة يتيمة، أنا بكرها."
التفت ينظر لها بدهشة: "مش بستعر والله، بالعكس، أنا فخورة إن أبويا مات عشان ينقذ روح تانية، بس أنا مكنتش بحب حد يقول انت يتيمة، حتى في المدرسة لما كانو بياخدوا أسماء التلاميذ الأيتام، كنت برفض أقول إني يتيمة."
"بس ياشمس…" قاطعته قائلة: "عارفة إن الناس بتعمل خير، بس الكلمة كانت بتحسسني إني ناقصة. لما كانو بيجمعوا حاجات عشان المدرسة أو يدوا هدايا، كنت بحس إني شحاتة… أنا عارفة إن تفكيري غلط، بس…"
لتطلق كلماتها بحرقة جعلت دموعها التي تقاومها تسيل على وجنتها وهي تقول: "غصب عني، بس الكلمة كانت بتجرحني."
وبعفوية، رفعت يدها التي تشابك يده وتمسح دموعها، لتلامس يده دموعها الدافئة، فيشعر أنها كجمر لامس قلبه يذيب كل الحواجز بينهما.
لا تعلم لما تحدثت بهذا الموضوع، ربما رؤيتها للشارع جعلها تفيض بتلك الذكريات رغماً عنها.
غير هو مجرى الحديث لكي يخرجها من هذا الحزن، ليأخذها إلى موضوع نقاش آخر.
***
بعد عدة أيام.
أتى برفقة أصحابه بعد أن أصروا عليه بالحضور معهم، فلم يستطع إيجاد حجة لتملص منهم كما في الأيام السابقة. دخل ذلك المكان الذي كان يوماً بديلاً عن بيته وملاذاً ينسى فيه همومه، صخب الموسيقى وتلك الإضاءة المرتعشة، وكل ما امتلأ به المكان من محرمات.
دارت عينه حول المكان وكأنه اليوم غريب عنه. وما كاد يخطو حتى وجد فتاة بلبس فاضح تتقدم منه، تكلمه بغنج، واضعة يدها على كتفه بدلال.
"فارس بيه، نورت المكان، وحشتنا أوي."
أزاح يدها عن كتفه بأنزعاج وقال لها: "أهلاً يا بوسي."
عادت تضع يدها على كتفه من جديد وتلامس يدها صدره بجرأة.
"مكانك محفوظ ياباشا."
ابتعد عنها بشمئزاز وقال بسخط: "عارف مكاني."
ثم تخطاها نحو المكان، ونظرات الغضب تملأها، يتبعه حازم الذي غمز لها. إشارة نحوه حتى اقترب منها وانحنى يهمس لها: "عاوزينه يرجع فارس بتاع زمان."
ضغطت على أسنانها بضيق وقالت: "مش شايفه مش طايقني، إزاي؟"
"نستحمله ياهبلة، مدام هنستفاد منه."
تخطاها يجلس بجواره، ليهرول نحوه النادل مرحباً بحفاوة: "فارس بيه، المكان نور يا باشا."
"متشكر يامنير."
"تشرب أي ياباشا؟"
يهتف حازم به موبخاً: "منير، هو أنت تايه عن مشروب الباشا؟"
يحرك فارس يده نافياً وهو يسترخي بجلوسه: "لا ياحازم، أنا مش ناوي أشرب النهارده."
نظر له حازم بتعجب وقال: "أي دا يابوس؟ تيجي هنا ومتشربش؟ دي عيبة بحقك. منير، هات مشروب الباشا."
قالها مشيراً نحو منير بأطاعته أمره والمغادرة.
عادت تلك السمجة تجلس بجانبه وتميل بجسدها نحوه بأغراء.
"أي يافارس، شكلك زعلان مني؟"
أبعدها مرة أخرى بقرف: "بوسي، أنا مش فايقلك النهارده، شوفيلك حد غيري."
قالها بحدة وهو يدفعها عنه. لتنهض بغضب وعينها تواجه عين حازم الذي أشار لها بالمغادرة.
"ماشي يافارس."
ثم تركته ساخطة، لينظر لأثرها بأمتعاض.
"مالك يابوس؟ مش على بعضك؟"
دعك جبينه وقال بأرهاق مصطنع: "أنا تعبان النهارده ياحازم، وغلطت لما سمعت كلامك وجيت هنا."
"يعم غلطت أي، دي الشلة زمانها جاية وهنفرفش كلنا."
ولم يكذب، وما هي إلا دقائق وتجمع عدد من أصدقائه.
وضع النادل أمامه كأس الخمر. أخفض عينه نحوه، ولاحت صورتها أمامه، يخشى أن يفقد السيطرة كما في المرة السابقة. رفع رأسه نحو أصدقائه وحديثهم التافه، وتذكر حديثها معه، ليبتسم بتلقائية.
ضحكات رفاقه وصوت تلك الموسيقى، كل شيء اليوم يخنقنه، يود لو يهرب.
رفع أصدقائه كؤوسهم بابتسامة، ليضرب أحدهم كأس الآخر. وجد أعينهم تحدق به، هل يرفع كأسه معهم؟ قربوا كؤوسهم من أفواههم… وارتعشت يده قبل أن تصل لفمه.
كان ينظر للكأس يقتربه من شفاهه، وكادت أن تلامس ما بداخله، ليشعر بأهتزاز هاتفه في جيبه.
أخرج هاتفه من جيبه ليجد اسمها. فتح الاتصال بقلق.
لينهض فجأة ويسقط كأسه من يده، وتتناثر أجزاؤه تحت قدمه، كما تناثر قلبه وهو يسمع استغاثتها.
"فارس، أرجوك تعالي، أنا خايفة أوي."
"جايلك حالا."
أغلق الهاتف بسرعة ووضعه في جيبه وتحرك ليغادر. ليمسك حازم ذراعه.
"على فين ياباشا؟ السهرة لسة في أولها."
وبوجه محتقن، التفت إليه: "عدني مشكلة ولازم أمشي."
ثم تحرك إلى الأمام، ليفلت حازم يده وينظر لابتعاده وهو يضغط على شفته السفلية بغضب.
"وبعدين معاك ياابن الجوهري."
ينظر أحد أصدقائه: "أي ياحازم؟ مقدرتش تقنع فارس زي ما قلت؟ وشكلنا هنشيل السهرة."
ليضغط على كأسه بقوة وعينه تتهوهج بغضب: "فلتت منها ابن الجوهري."
تحرك نحو سيارته كالمجنون، قلبه يخفق بخوف، صوتها أقلقه. استقل سيارته وقادها بسرعة، يدعو الله أن يصل إليها بسلام.
أغلقت الهاتف تنظر إليه، لا تعلم لماذا اتصلت به هو؟ ربما طارق يحتاج ندى الآن، وهدى فلوقت متأخر، ولا تريد إثارة المشاكل لها بعد أن شكت لها سوء معاملة والده زوجها لها.
أحاطت جسدها بالغطاء كأنها تحميه، وضمت قدمها نحو صدرها، تقضم أظافرها بخوف وجسدها يرتعش بهلع. أحاطت جسدها بذراعيها، تسند رأسها عليهما.
ما مر قليلاً من الوقت لتشعر بباب الشقة يفتح ودخوله ينادي باسمها بذعر: "شمس… شمس، أنت فين؟"
"فارس."
نادته بلهفة ليقوده صوتها على مكانها. صدمة منظرها، وجهها شاحب وجسدها يرتعش أمامه، تمد يدها نحوه وعينها تترجاه.
"فارس."
أتجه نحوها بسرعة يمسك يدها ويده تمسح على شعرها ثم ذراعها يتفقدها ويسألها بهلع: "مالك ياشمس؟"
لتشهق وتجهش بالبكاء: "أنا خايفة أوي يافارس."
عينه المتسعة باضطراب ووجهه الذي تملكه الذعر كان يترقب إجابتها.
"خايفة من أي؟"
"من عينها اللي بتترجاني يافارس، كل ما أغمض بشوف عينها."
"عين مين ياشمس؟"
"البنت اللي ماتت في العملية."
"أنت اللي عملتي العملية؟"
هزت رأسها بعنف رافضة: "لا، دكتور طارق هو اللي عملها، بس أنا كنت معاه وأنا اللي استلمت البنت من أمها."
ثم انهارت بهستيريا وهي تظهر يده لها وتشير نحوها تخبره بكلمات متقطعة: "كانت… كانت فاكرة إني الدكتورة المساعدة… ثم بدأت تـشهق بشدة. "قالتي خلي… خلي بالك منها… أنا… أنا هستناهااا… كانت بتترجاني وفاكرة إني هنقذها."
جلس بجانبها يمسح على رأسها محاولاً تهدئتها.
"اششش… اهدي، خذي نفس."
نظرت إليه بنظرات ضائعة، ليحرك لها رأسه يحثها على فعل ذلك، لتحاول التقاط أنفاسها المختنقة بصعوبة.
أخذت نفساً مضطرباً وزفرته بثقل.
"كنت واقفة قريبة من دكتور التخدير، مكنتش عارفة إنها هتموت. آخر حاجة عينها جات في عيني كأنها بتترجاني يافارس."
مسح دموعها وقال: "أهدي ياشمس، دا قدرها… ثم نهض مبتعداً عنها، ليسمعها تنادي بصوت مهزوز وعين متوسلة: "متسبنيش، أنا خايفة."
ذهب إلى المطبخ وعاد يحمل كأساً من الماء، اقترب منها ثم قرب الكأس من فمها يحاول أن يسقيها الماء.
"أشربي يا شمس."
وضعت يديها المرتعشة فوق يده وبدأت ترتشف القليل من الماء، لكن جسدها ازداد ارتعاشاً لتضم جسدها بذراعيها.
وضع الكأس جانباً وسحب الكرسي القريب من طاولة المذاكرة، وضعه بجانب السرير ليجلس أمامها. ثم صمت ينظر لها وسألها: "هو حصل غلط في العملية؟"
هزت رأسها يمناً ويساراً وقالت بصوت منخفض وتائه: "لا، الحالة كانت حرجة ونسبة النجاح كانت ضعيفة، بس ماكانش فيه حل غير العملية."
"طب يا شمس، كدة الغلط مش غلطك، والأحلى غلط طارق. دا قدرها وربنا كاتب لها تموت في العملية."
التفتت نحوه وقالت: "أنا عاوزه أنام."
علم أنها تريد الهروب بالنوم. نهض يساعدها على التمدد ليدثرها بالغطاء، وقبل أن يبتعد أمسكت يده برجاء.
"متسبنيش، أنا خايفة."
ربت على يدها ثم امسكها وجلس على الكرسي.
"متخافيش، أنا هفضل جنبك هنا، يلا غمضي عينك."
أغمضت عينها وهي تشعر بيده تمسح على رأسها، كان يتأملها مشفقاً عليها، يعلم أنها مغيبة وفي حالة غير واعية. ليبتسم ويسأل نفسه: ماذا ستفعل لو استيقظت ووجدته بجانبه؟
رن هاتفه، أخرجه من تأملها ليجيب عليه.
"الو، أيوه يا طارق."
"شمس أزيها يافارس؟"
"كانت منهارة بس هديت ونامت دلوقتي."
"الحمد لله، هي عشان أول حالة موت تواجهها لمريض عادي، ردة الفعل هتكون كده. خلي بالك منها."
"حاضر."
"مع السلامة."
أغلق الهاتف واقترب منها أكثر، يزيح خصلات شعرها تلك التي خالطت دموعها، فلتصقت بوجهه. ليظل يحدق بها بعد أن نزعت قناع قوتها أمامه، حتى وإن كان دون إرادتها.
"بتمثلي إنك قوية وأنتي ضعيفة، عايزة تدافعي عن نفسك وأنتي بتوهّمي الناس إن مفيش حاجة تأثر فيكِ."
مسح على وجهها الذي لا يزال رطباً من أثر تلك الدموع المالحة، ثم مسح عينها يزيل تلك الدموع التي علقت بين أهدابها. ولم يستطع منع نفسه من الانحناء حتى اختلطت أنفاسه بأنفاسها، ليقبل جبهتها.
"ليه بقيت متعلق فيكِ كده؟ حسيت إن قلبي كان هيوقف وأنا بسمع صوتك وخوفك. وتنفضت وأنا شايف ضعفك قدامي… معقولة أكون حبيتك زي علي ما قال؟ والا أنا معجب بيك وعنادك ليا خلاني أتمنى قربك؟"
شعر بارتجاف جسدها ليمسح على وجهها بحنان، وطرق باله ذكرى قديمة. عندما كان في الرابعة من عمره، عندما استيقظ فزعاً من نومه لرؤيته كابوس مزعج، لينهض راكضاً نحو غرفة والديه. قدمه الصغير كان يسرع خطاها نحو باب الغرفة الذي وقف أمامه ليرفع يده ثم قدميه ليستطيع إمساك المقبض وفتح الباب.
دخل غرفة والديه اللذان كانا يغطان بنوم عميق، ليقترب من والدته يحاول إيقاظها.
"ماما… ماما."
فتحت عينها بنعاس لتعتدل بخوف وتسأله قلقة وهي تمسح على وجنته بحنان: "مالك ياحبيبي؟"
نظر لها بعين ملئتها الدموع: "شفت حلم وحش وخفت أوي، عايز أنام جنبك ياماما، أنا خايف."
"امشي روح أوضتك، بلاش تبقى جبان، أنت راجل مش عيل صغير. خذي ابنك ودي الأوضة، عايز أنام، مش ناقص لعب عيال."
كان هذا صوت والده المنزعج الذي لم يكلف نفسه حتى بالنظر إليه أو الاطمئنان عليه، بل كان يوبخه بعين مغلقة، وكأنه لا يعني له شيئاً.
نهضت والدته لتحمله بحب وتمسح على ظهره تهدئ من خوفه، ثم اتجهت نحو الغرفة ووضعته على السرير لتتـمد بجانبه وتـدثر بالغطاء، تمسح على وجهه ورأسه.
"لسه خايف؟"
هز رأسه بنعم وعينه تتحرك بأضطراب: "بص ياحبيبي، هعلمك حاجة. لما تكون خاف كدة، استعيذ بالله من الشيطان الرجيم وأقرأ المعوذات."
"يعني إيه المعوذات؟"
"يعني سورة الإخلاص وسورة الفلق وسورة الناس."
ثم بدأت تمسح على رأسه وهي تتلو تلك الآيات. عاد من ذكرياته وحرك يده على وجهها ورأسها، لكن عندما أراد قراءة السور تلعثم، فهو لم يصل ولم يقرأ القرآن بعد وفاتها، ولم يحاسبه أحد بعدها على ذلك، حتى طارق الذي كان يأخذه مجبراً في بعض المرات إلى صلاة الجمعة لم يحاسبه يوماً على أداء الصلاة أو الالتزام به.
تلعثمت الكلمات على لسانه وخجل من نفسه، لكنه استطاع قراءتها وهو يمسح على رأسها وذراعه.
بسم الله الرحمن الرحيم
قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ (1) ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ (2) لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ (3) وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ (4)
صدق الله العظيم.
بسم الله الرحمن الرحيم
قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ (1) مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّٰثَٰتِ فِي ٱلۡعُقَدِ (4) وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)
صدق الله العظيم.
بسم الله الرحمن الرحيم
قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ (1) مَلِكِ ٱلنَّاسِ (2) إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ (3) مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ (4) ٱلَّذِي يُوَسۡوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ (5) مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ (6)
صدق الله العظيم.
ليجد جسدها استكان وانتظمت أنفاسها، ليبتسم.
رواية بنات ورد الفصل السادس عشر 16 - بقلم رشا عبد العزيز
رواية بنات ورد الفصل السابع عشر 17 - بقلم رشا عبد العزيز
لم يكن يتوقع أن ماقالته له كان حقيقة. ظن أنها تمزح حتى أعطته جوازها كي يحجز لها تذكرة معه. رغم أنه كان سعيدًا، لكنه كان متوجسًا في ذات الوقت.
أما هي، فكانت مترددة وشعرت أنها قد تسرعت في خطوتها. لكن ماذا تفعل؟ كانت فكرة طرأت عليها عندما أحست أن ذهاب حازم معه يعني هدم ما كانت تصنعه في الأيام الماضية.
"باين أنك ورطتي نفسك ياشمس. هتعملي أي دلوقت؟ هتكوني معاه في مكان واحد أربعة وعشرين ساعة."
صمتت قليلاً لتواسي نفسها في محاولة للتخفيف من شعور الارتباك الذي أصبح يسيطر عليها.
"مهو قال إن عنده شغل. جايز ينشغل بصفقات."
ثم رددت تحاول إقناع نفسها: "أكيد هينشغل."
لتسمع صوته يناديها: "شمس… يلا هنتأخر على الطيارة."
زفرت أنفاسها بضطراب وهي تحمل حقيبتها الشخصية وتردد: "يارب عديها على خير."
ثم بدأت تأُنب نفسها: "هبلة ومتهورة. كان لازم تعملي فيها أم العريف وصاحبة الضمير الصاحي. يعني اللي أبوه معرفش يربيه هتربيه انت يامجنونة."
ليصدح صوته مرة أخرى: "يلا ياشمس."
تتأفف متذمرة: "طيب انت التاني. هعيش معاك عشرة أيام إزاي؟"
لترفع عينها للأعلى وهي تقف خلف باب غرفتها: "يارب يتيمة ومتهورة. استرها معايا يارب."
كانت فرحة جدًا بمقعدها بجانب النافذة، فهذه المرة الأولى لها في ركوب الطائرة. ورغم خوفها، لكنها كانت سعيدة. سوف ترى الغيوم.
ليسألها بعد أن لاحظ حماسها وهي تنظر عبر النافذة: "سافرتي قبل كدة وإلا دي أول مرة؟"
"لا دي أول مرة."
سألها دون أن ينظر لها محاولاً مشاكستها: "خايفة؟"
نظرت له نظرة جانبية وتحدثت باستهجان: "وأخاف ليه أن شاءالله؟"
التفت نحوها ببطء وقال: "لا بس ركوب الطيارة بيكون مقلق خصوصًا لو للمرة الأولى."
لتبتسم ساخرة وتقول بتحدي: "أطمن مش خايفة."
أعتدل في جلوسه وأغلق حزام الأمان حتى أعلن قائد الطائرة عن بدأ الإقلاع. بدأ قلبها يخفق خوفًا يزداد كلما قل الاتزان. حاولت أن تلهي نفسها بالنظر عبر النافذة، لكن حركة الطائرة شوشت تفكيرها وهزت أركان قوتها المزعومة. تمسكت بذراع الكرسي بقوة وأغمضت عينيها تعتصرها وهي تردد الشهادتين بهمس: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله."
كان يختلس النظر نحوها ويبتسم على عنادها، ليحاول هو أن يشغلها حتى تستقر الطائرة في الجو. ليمد يده ويضعها على يدها الممسكة بذراع الكرسي، لكنها لم تشعر حتى به. ليرفع أصابعها ويتمسك بها، لتتمسك بيده بقوة وتتشبث بها. تفاجأ بسعادته عندما شعر بيدها تتمسك به، ليوزع نظره بين وجهها ويدها ليستوعب هل ما يحدث حقيقة. وجدها لا تزال مغمضة العينين وشفتها تردد دعاء. أتسعت ابتسامته ليضغط على يدها أكثر يطمئنها.
ولكنه، وفي غمرة سعادته وبعد أن استقرت الطائرة في الجو، وجدها تنفض يده وتلتفت نحوه بغضب وتقول مستهزئة: "يعني أنت بقالك ساعة بتقولي خايفة وأنت طلعت خايف أكتر مني وماسك إيدي من كتر خوفك. كنت قولتلي أمسكي إيدي أنا. بخاف بدل اللف والدوران. مش عيب لما نعترف بمخاوفنا."
أفغر فاهه واتسعت عيناه بتعجب بعد أن قلبت الطاولة عليه واتهمته بالخوف. لتشيح هي وجهها بالاتجاه الآخر تكتم ضحكتها على ملامح وجهه المتعجبة.
"أنا بخاف برضو. طيب ماشي ياشمس."
تتمتم به بغيظ يضغط على أسنانه يحدق بها وهي تدعي انشغالها بالنظر نحو النافذة.
الصمت كان سيد الرحلة بينهما. فهي كانت مندمجة في سحر جمال الخالق عبر النافذة، وهو كان يختلس النظر إليها يتأمل قسمات وجهها عن قرب. حتى قالت بعفوية وهي تعتدل في جلوسها: "سبحان الله. المنظر جميل أوي."
استغل هو الفرصة ليميل بجسده نحو النافذة حتى انعدمت المسافة بينهما. كتمت أنفاسها بأضطراب بعد أن فاجئتها حركته، ليقول بمكر وكأنه ينتقم منها: "تصدقي فعلاً جميل أوي. سبحان الله."
عاد إلى وضعه ينظر بتسلية لاحمرار وجنتيها الذي زاد جمالها.
انقضت الرحلة ووصلوا إلى ميلانو، إحدى أكبر وأجمل المدن الإيطالية. وتعجبت بمعرفته بالمدينة وحتى بعض الكلمات الإيطالية التي ساعدته كثير. ليأخذها إلى أحد الفنادق التي اعتاد ارتيادها. قبل أن يصل إلى موظف الاستقبال، تفاجئ بها تمسك يده.
"فارس، أنا عاوزة أوضة لوحدي."
كان يتوقع طلبها، لكنه كان يخطط لشيء آخر.
"بس ياشمس. هما لما يعرفوا إننا زوج وزوجة هتكون الغرفة مشتركة."
توترت واصرت عليه تحاول إقناعه: "هما مش هيتعرضوا لما يعرفوا إن دي رغبتنا."
تنهد بحيرة وهو يحرك عينه يميناً ويساراً: "ماشي. هحاول."
لمعت عينه بخبث واستغل عدم معرفتها بلغة الإيطالية ليدعي أنه يحاول سؤال موظف الاستقبال وعرض طلبها. لينظر نحوها بقلة حيلة: "مفيش ياشمس إلا أوضة مشتركة."
عبس وجهها تخبره بضيق: "خلينا نشوف فندق تاني."
"أستنى أما أجرب تاني."
عاد يحاور موظف الاستقبال ليلتفت نحوها يسألها: "فيه أوضة مشتركة بسريرين."
تنهدت بيأس وصمتت لحظات لتخبره مضطرة: "خلاص."
أخفى ابتسامة الانتصار التي ود لو يطلقها، فقد نجح مخططه. وصلوا إلى الغرفة التي كانت غاية من الجمال بأثاثها وتصميمها الإيطالي. أخذت عينها تجوب المكان بأنبهار وركضت نحو النوافذ التي كانت تطل على المدينة بواجهتها الجميلة. فتحت النافذة لتأخذ نفسًا عميقًا ثم أطلقته دفعة واحدة وظلت تتأمل منظر تلك المدينة.
تحمحم حتى يخرجها من تأملها لتلتفت نحوه: "احم… شمس. أنا هنزل تحت. تقدري تاخذي راحتك وتغيري هدومك."
أومأت له بحرج ليغادر تاركًا لها المكان. لتنظر لآثره وتدخل في نوبة ضحك وهي تقفز وتقول: "وأخيرًا بقيت لوحدي."
فتحت ذراعيها والقت بنفسها على السرير براحة. تمتم ساخرة: "عايش عيشة ملوك يا ابن محسن ومش عاوزينك تنحرف."
عاد بعد ساعة قضاها في إجراء بعض المكالمات الخاصة بعمله. فتح الباب ووقف مكانه عندما وجدها ترتدي إسدالها وتقف تصلي. كم كان صوتها جميل ودافئ يشبه صوت والدته. ظل يتأملها حتى وجدها تنهي صلاتها وتلتفت نحوه تسأله: "لو تحب تصلي فأتجاه القبلة كدة."
قالتها تشير نحو القبلة ثم أكملت: "أصلي. عندي برنامج على الموبايل يعرف القبلة وأوقات الصلاة."
أرتبك لا يعرف ماذا يجيبها. أيخبرها أنه لا يصلي أصلاً ومنذ زمن أيضاً؟ ليتلعثم ويقول وهو يستدير ليغادر مرة أخرى يهرب من نظراتها: "اه. اكيد هصلي. هخلص مكالمة مستنيها وراجع."
أغلق الباب مغادراً. لتخفض نظرها نحو سجادة الصلاة تتنهد بضيق وتتمتم بيأس: "ومش بتصلي كمان."
تعمد إطالة الوقت بالخارج علها تنام ويتخلص من نظراتها التي تراقبه وتشعر ه بالندم. عاد بعد مدة من الزمن ليجدها تقف أمام المرآه تمشط شعرها الذي انسدل على أكتافها بنعومة أكسبها جاذبية أكبر وترتدي بجامة محتشمة زهرية اللون.
لمحت صورته المنعكسة في المرآه وعينه تحدق بها. لتشعر بالحرج. ابتلعت ريقها بخجل واسرعت بحركتها متجهة نحو سريرها تجلس عليه تنتظره يتحرك لتدفن نفسها تحت الغطاء. لكنها تذكرت شيئًا لتسأله: "فارس. كنت عاوزة أطمئن البنات أني وصلت."
لمعت عينه بمكر مجدداً ليجلس بجانبها ويخرج لها هاتفه. يميل نحوها بشكل أزعجها وهو يقول: "أنا عندي خط دولي تقدري تتصلي."
التقطت منه الهاتف ونهضت بسرعة مبتعدة عنه بوجهه محتقن: "أنا سيفت رقم ندى."
هتف بها وهو يبتسم على تصرفها. اتصلت بشقيقتها تطمئنها.
"الو. أيوه ياندوش."
"أيوة ياحبيبتي وصلنا. طمني هدى."
"ماشي ياروحي. انت كمان خلي بالك من نفسك."
"مع السلامه."
التفتت لتجده يحدق بها. وقفت أمامه ومدت له يدها بالهاتف: "أتفضل."
أخذ منها الهاتف وقال لها: "حلوة علاقتكم ببعض."
"ملناش غير بعض. إحنا واحد. ماما ربتنا على كدة."
قالتها وهي تزيح الغطاء وتتمدد تواليه ظهره.
نظر لها بحسرة على كلمتها الأخيرة التي لامست جرحًا من الماضي ظن أنه التأم.
وضع رأسه على الوسادة لكن النوم هرب منه. هو معها تحت سقف واحد. نظر باتجاهها ليجدها غارقة في نومها، أو ربما تتصنعه. أغمض عينه يجبرها على النوم، لكن كلما دنا من النوم ابتعد عنه وظهرت صورتها. كل يوم يراها أجمل من سابقه. كان مغمض عينه عندما سمعها تنهض من سريرها. ليدعي النوم. سمع أقدامها تصل أمام النافذة. فتح عينه قليلاً يراقبها.
وقفت تنظر إلى أنوار تلك المدينة التي تتلألأ كالنجوم. لتتنهد في حيرة تشعر بالاختناق وهي تجد نفسها تسير في طريق لا تعلم نهايته. التفتت تنظر إليه. ثم تطالع الظلام إلى شقته. تلك الأنوار وتفكر في أيامهم القادمة.
زفرت نفسًا طويلاً تخرج معه ذلك الهم الجاثم فوق صدرها. عادت إلى سريرها تحاول النوم مرة أخرى علها تهرب من ضجيج تلك الأفكار التي أتعبتها.
عاد إلى المنزل بعد يوم عمل متعب. ظن أن هدى لا تزال في بيت شقيقتها. جلس على أقرب مقعد بجسد منهك يحاول خلع حذائه. ليرن هاتفه الذي وضعه توًا على الطاولة. رفع نظره ليجد والدته. ليضغط زر الإجابة وضغط زر مكبر الصوت. ثم عاد يخفض عينه يفتح رباط حذائه.
"الو. أيوه يا ماما."
تصرخ به بأنفعال: "أي هي مراتك نستك أمك ياولد؟ تطلع جناحك قبل ما تسلم عليه واعرف إنك وصلت من الخدم."
زفر أنفاسه بيأس وأجابها بتذمر: "وهدى مالها ياماما؟ أنا جيت تعبان وقلت آخد شور وانزلك."
"تاخد شور والا تأخذ إذن منها عشان تشوف أمك؟"
"أي الكلام دا ياماما؟ هدى عمرها ما اعترضت على وجودي جنبك. بالعكس دي بتلومني لو اتأخرت عليك."
"اه مهو باين."
ركل حذائه بغضب وهو لا يعلم ما يرضيها.
"ماما. آخد شور وآجيلك. مش هتأخر."
"ماشي. أما نشوف."
أغلق الهاتف وارتد بظهره إلى الوراء يعيد رأسه إلى الخلف. يغمض عينه بأرهاق. لا يعلم كيف يقنعها أن هدى لا تريد خطفه منه.
نهض متجه نحو غرفته ليفتح باب الغرفة ويتسمر مكانه وهو يجدها تجلس على السرير بزينتها الجميلة. يبدو أنها كانت تعد له مفاجئة. لكنها وجدها تعتصر يدها ورأسها منكسة. شعرها ينساب على جانبي وجهها. علم أنها سمعت مكالمته مع والدته الذي بغبائه جعلها تسمع الكلام الذي قالته عنها. ابتلع ريقه الذي جف من شدة توتره واقترب منها يناديها: "هدى."
رفعت نظرها نحوه وازالت دموعها وقالت بصوت متحشرج: "الحمد لله على السلامة."
اقترب أكثر وجثى على ركبته أمامها. امسك يدها يقبلها ويسألها بأضطراب: "انت سمعتي كلام ماما؟ هدى ماما ماكنش…"
لتضع أصابعها على شفته تمنعه من إكمال كلامه: "عادي. تعودت. هي مابتحبنيش والام تقبلاني ومفكرة إني عاوزة آخذك منها. مفيش داعي يا علي تبرر."
لتنهض بسرعة تتجاوزه وهي تقول: "هحضرلك العشا."
ربما تريد أن تهرب من ذلك النقاش العقيم. فلقد سئمت من تبريره وتجاوزات والدته عليها.
زفر أنفاسه بقلة حيلة. لكنه حاول أن يحدثها: "رجعت امتى وليه متصلتيش بيا؟"
قالت دون أن تستدير: "دكتور طارق رجع بيدي واتكسفت أفضل عندها. طلبت منه يوصلني هنا. أنا عملتلك المكرونة بالبشاميل اللي بتحبها. تحب تتعشا والا…"
تنهد بضيق وهو يتبعها نحو المطبخ. ادعت انشغالها تهرب من عينيه. لتضع الطعام بصمت ويجلس ليتناوله.
كانت تحرك شوكتها على قطع المعكرونة تقلبها بذهن شارد. حتى هو لم يستطيع أن يتناول شي وهو لا يعلم ماذا يقول. لقد نفذت أعذاره. ساد الصمت بينهم حتى قطعه هو: "تسلم أيدك يا حبيبتي. تجنن."
رفعت عينها نحوه ببطء ورسمت ابتسامة باهته على وجهها: "بالهنا والشفا."
غرس الشوكة في قطع المعكرونة ثم رفعها نحو فمها وعينه تترجاها: "كلي ياهدى. وحياتي مش عارف آكل من غيرك."
"أنا باكل أه."
وقالتها وهي تشير نحو طبقها. لكنه قرب اللقمة حتى لامست شفتها: "عشان خاطري."
ارتعشت شفتها لتفتحها وتلتقط الطعام منه. ابتسم لها ثم غمز لها قائلاً يشير نحو شوكته: "دلوقت أقدر آكل فيها بعد ما لمست شفايفك. أكيد الأكل فيها هيكون طعمه يجنن."
داعبه وجهها ابتسامة هادئة: "ايوه كده يادودي. خل الدنيا تحلى. وكمان ياستي أنا هغسل الأطباق عشان تعرفي إني زوج متعاون."
ظنت أنه يمزح حتى وجدته يجمع الأطباق رغم رفضها ويقف على الحوض يغسلها. لكنها تفاجئت به يخرج وعاء كبير ويضع فيه كمية من سائل غسيل الأطباق وأضاف الماء. ثم فتح الأدراج يخرج منها مجموعة من القصبات الخاصة بالعصير (الشالمو) ليحركها داخل الخليط حتى صنع رغوة. ثم جذب يدها: "تعالي. هنلعب لعبة كنا بنلعبها زمان أنا وفارس."
لتجده يرفع القصبات من السائل في الهواء ثم نفخ محدثًا فقاعات الصابون. تطايرت في الهواء وغمرتها. لتقول: "بصي. لازم نفقع البالونات. والي هيفقع أكتر هو الفايز."
ثم أعاد الكرة ونفخ الصابون في الهواء مرة أخرى ليتنافسا في تفجير فقاعات الصابون وسط ضحكاتهم وهما يتتبعان الفقاعات.
أعاد نفخ الصابون عدة مرات ليجدها تندمج باللعبة وتزداد ضحكاتها. لينظر إلى وجهها الذي لونته بسمتها. كم هي جميلة وهي تغمض عينيها إن لامستها الفقاعات وتنفجر ضاحكة لو انفجرت على وجهها. ياللهي كم يعشقها.
رفرف قلبه بسعادة بعد أن استطاع إعادة ضحكتها. وتنهد بارتياح وهو يفكر. هل سوف يستطيع دائمًا من إعادة السعادة لها. لينغز قلبه فكرة أنه قد لا يستطيع أن يعيد لها السعادة دائمًا.
تعالت ضحكاتهم وهو يعود لاندماجه باللعب معها. ينسى معها كل أفكاره السلبية وينعم بلحظات جميلة تبعدهم عن العالم حولهم وتنشر السرور من جديد في قلوبهم.
غمرتها السعادة وهي تجده يعرض عليها تناول العشاء في الخارج كنوع من الترفيه. جلست أمامه تطالعه وهو ينتقي الطعام بلباقة. وعينها تتأمله بأعجاب. كم هو وسيم ومثقف. ينتقي الأشياء بدقة. ليسخر قلبها منها. هو ينتقي كل شيء بدقة إلا هي. لم تكن من اختياره.
"عجبك المكان ياندى؟"
دارت عينها بالمكان لتقول له بأستحسان: "حلو وهادئ."
طالعها بابتسامة: "فعلاً هادي عشان كدة أنا دايما بحب أجي هنا."
ساد الصمت بينهم لوقت قليل قبل أن يقطعه هو: "أزي الشغل في المدرسة؟ مستريحة فيه؟"
"أيوه. أنا أصلاً بحب التدريس. زمان كانت شمس بتخليني أدرسها. بتقول أسلوب بيخليني أفهم بسرعة."
"حلو إن الواحد يشتغل المهنة اللي بيحبها."
"وأنت. بتحب الطب؟"
سند ذراعيه على الطاولة يجيبها: "ايوه. الطب حلمي من زمان بس محتاج وقت وجهد عشان أبني نفسي وأثبت وجودي."
"ربنا يوفقك. أنت مجتهد ولكل مجتهد نصيب."
أرتبكت عندما وجدته يمسك يدها الموضوعة على الطاولة يحرك أبهامه على ظهرها بحنان: "عشان كدة ياندى عاوزك تستحمليني الفترة الجاية. أنا محتاج أكثف جهدي وكمان أنا هستلم الشقة اللي هعملها عيادة. فأكيد هنشغل عنك شوية."
لا تعلم هل تفرح لأنها أحست أنها مهمة لديه ليستأذنها. أم تحزن فذلك يعني استمرار ذلك البرود والبعد الذي أصبح يضرب أركان هذا الزواج. لكنها ستسير على خطى والدتها وما تعلمته منها. لترفع يدها وتضعها على يده تخبره بأبتسامة: "انا معاك يا طارق وهسندك أكيد."
يدها التي حطت على يده تمنحه الدفء والأمان. تشعره بمشاعر طرقت أبواب ذلك القلب المتجمد. لتتسع ابتسامته: "متشكر ياندى."
أستيقظ صباحاً. فتح عينه على صوت منبه الهاتف الذي أعده مسبقاً. ليتثائب بكسل. نظر باتجاهها ليجدها تغط في نوم عميق. اعتدل في رقوده ثم عاد يحدق بها ليقول ساخراً: "ملاك وأنتِ نايمة."
ثم ضحك بخفة: "دلوقت تصحي وتقلبي علينا."
يجذب انتباهه رباط شعرها الموجود على الطاولة بجانبها. انتابه فضول ليلتقطه ويقربه من أنفه يستنشق رائحتها. ولا يعلم لما ضمه داخل قبضه يده وعاد يستنشقه. مشاعر غريبة بدأت تدغدغ هذا القلب الضائع.
نهض متجه نحو حقيبة سفره يخبئ رباط شعرها داخله. لكن وجد قدمه تسوقه نحوها مرة أخرى. جثى على ركبته أمامها يتأملها. ثم مد يده يحاول إزالة خصلات شعرها. لكن يده تجمدت قبل أن تصل إليها. ونهر نفسه يوبخه. لينهض تاركاً إياها يهرب من قلبه الذي بدأ يميل إليها.
كان دليلها في هذه المدينة الكبيرة ليأخذها في جولة في شوارعها التي مميزة والتي جمعت بين الثقافة والتطور. وتجولت بين محال الموضة يعرفها على أشهر الماركات.
جلست أمامه في أحد مطاعم ميلانو الشهيرة بصناعة البيتزا. تنظر نحو البيتزا الموضوعة أمامهم لتقول متحمسة: "كان نفسي أجربها في بلدها الأصلي."
"بس فيه مطاعم بيتزا مشهورة كتير في مصر."
"بس مش هيقدروا يوصلوا للطعم الأصلي. هنا بلدها أكيد هيختلف الطعم."
ضحك وهو يراها ترفع إحدى قطع البيتزا تشم رائحتها وتنظر لها عن قرب. ليسألها متفاجئًا: "بتعملي أي؟"
"كنت عاوزة أعرف مكونات العجينة."
ثم قضمت قطعة وبدأت بمضغها. لتغمض عينها وتقول باستمتاع: "الله. مش قولتلك في بلدها هتختلف. جرب كدة."
أخذ هو أيضًا قطعة بعد أن رأى استمتاعها وبدأ يمضغ ليبتسم يخبرها: "تصدقي فعلاً طعمها جميل ومختلف."
"مش قلتلك اديني العيش لخبازه."
قالتها وهي تأخذ قطعة أخرى وتبدأ في تناولها. ابتسم على استمتاعها وحركات وجهها. ليخفق قلبه من جديد يذوب في تفاصيلها كما ذابت اللقمة في فمه. لكن كل شيء تبدل عندما تجهم وجهها وهي تشعر بأصابعه تمسح جانب فمها يخلصها من بقايا صلصة البيتزا.
تسحب منديل ورقيًا وتمسح فمها بعنف وكأنها تزيل آثار لمساته: "أنا شبعت خلاص."
علم أن حركته هي سبب انزعاجها. لكنه لم يقصدها. لم تكن سوى حركة عفوية. قرر مجاراتها: "براحتك."
لتطالعه بوجه متعب وهو يظهر أستمتاعه بتناول قطع البيتزا الباقية وكأنه يستفزها.
أبتسم خلسة فقد وصل لمراده وأستفزها بالفعل.
أستفاق على ندائها بفزع ويدها تهز جسده: "فارس. أصحى يافارس."
فتح عينه بهلع يسألها بخوف وهو يعتدل: "مالك يا شمس؟"
"عاوزة انزل تحت. الدنيا بتمطر."
حاول استيعاب ما تقوله ليسألها: "عاوزة أي؟"
"عاوزة أتمشى تحت المطر."
اتسعت عينه بغيض وقال بحده: "مصحياني بشكل دا عشان حضرتك عاوزة تتمشي تحت المطر؟!"
"ارجوك يافارس. أنا مش هقدر أنزل لوحدي."
قطب حاجبه وقال باستياء: "يابنتي الدنيا برد."
"مش برد أوي. ارجوك."
تنهد بيأس وقال وهو يزيل الغطاء عنه بأنزعاج: "أمري الله. يلا."
نظرت له بامتنان لتقول بفرح: "متشكرة أوي."
يضحك وهو يرى فرحتها بموافقته. ليرافقها نحو الأسفل. وقف يراقبها تحت تلك المظلة. وبدأ يبتسم بعفوية عندما وجدها تفتح ذراعيها كأنها تحتضن قطرات المطر التي تتساقط عليها وتحتضن جسدها. اتسعت ابتسامته وهو يجدها تدور حول نفسها... وترفع رأسها نحو الأعلى وتضحك كأنها طائر ينشد الحرية. ليتراقص قلبه كما تراقصت قطرات المطر على الأرض حولها. واليوم يكتشف أنها لا تخفي ضعفها فقط ولكن تخفي داخلها طفلة تود الهروب والاستمتاع بالحياة. كأنها كبتتها وحبستها داخل الماضي لتخرج اليوم دون إرادة منها. نسمات الهواء الباردة ضربت جسده ليرتجف من البرد ويضم جسده يحرك يده على عضده عله يشعر بالدفء.
اصطكت أسنانه. ليفك راحة يديه وينفخ عليهما. نظر نحوها وهو يجدها مستمتعة تتمايل تحت قطرات المطر. ليقول بغيظ من بين أسنانه: "مجنونة وهتجيبلنا المرض."
ليضع يديه على جانبي فمه ويصرخ مناديًا عليها: "شمس. يا مجنونة. كدة هتعيي."
صوته الذي نافس صوت المطر للوصول إليه. لم يثنيها عما كانت تفعله. كأنها في عالم آخر. ظل ينتظرها بقلة حيلة. حتى شعر أنه لا يستطيع أن يقف أكثر. ليتجه نحوها بسرعة يهرب من المطر الذي بدأ يبلل ملابسه.
أمسك ذراعها وهتف: "كفاية كدة. خلينا نرجع."
يده التي لامست ملابسها المبللة أيقظتها من اندماجها. لتنظر له وليتها ما فعلت. فأهدابها التي اثقلها المطر وقطراته التي ملأت وجهها لتتلألأ على وجنتيها مع انعكاس أضواء المصابيح. زادتها فتنة. جعلته يتيه تلك الدقائق في عينها التي جعلته يرى صورة جديدة عنها. رقيقة وحالمة تحلم بالأمان والسعادة التي منحتها إياها دقائق قليلة. تحت المطر.
ما بال جسده أصبح دافئًا. قلبه الذي يخفق بقوة بين أضلعه. وهو يحدق داخل عينيها وتلك المشاعر التي أصبحت تتملكه. وتجعله يقف كالمغيب أمامها. حتى نسي ما أراد قوله.
أما هي. وقفت تطالعه وهذه اللحظات من التواصل البصري التي كانت بينهم جعلتها تراه يحدق بها. عيناه تخبرها بما تخشاه. وكأنها تشي لها بمشاعره. لتقرر أن تقطع تأمله لتهرب منها وهي تقول متصنعة الضيق: "سيبني شوية يا فارس."
صوتها انتشله من تلك المشاعر التي أصبح يتذوق لذتها بقربها. ليفيق على وضعهم وقد ابتلت ملابسهم بالكامل. وبدأ البرد يضرب عظامه. ليسحبها عنوة وهو يقول: "كفاية يا مجنونة. هنتعب كدة."
شعرت بيده المرتعشة. وجسده الذي يرتجف كما ارتجفت الكلمات على لسانه من البرد. لتشفق عليه وتتبعه مرغمة.
رواية بنات ورد الفصل الثامن عشر 18 - بقلم رشا عبد العزيز
سارت بجانبه تكتم ضحكاتها وهي ترى حنقه منها بعد نظرات موظفين الاستقبال التي تبعتهم.
وصلا إلى غرفتهم ودخل بخطوات مرتجفة وملابسه مبللة، شعره الذي تشعث يقطر الماء منه ليبدأ بالعطاس.
فالتفت إليها يلومها:
- عجبك كدة أهو هندخل على دور برد.
- متخافش دا أنت عطست بس تغير الجو عليك مابين بره وجوه.
كان يزيل قطرات المطر عن وجهه بضيق:
- تغير جو وأنا حاسس أني هتجمد.
قطبت حاجبها بغضب وقالت:
- يا عم خذ شور دافي هو حد حايش.
نظر لها بطرف عينه ليتهكم:
- ما شاء الله شور دافئ حليتيها انت كدة.
أشاحت وجهها عنه قبل أن ترد عليه بعد أن دخل في نوبة عطاس، يتمتم بأنزعاج وهو يأخذ ملابسه متجه نحو الحمام.
***
كانت تغط في نومها عندما استفاقت على صوت همهمات وأنين.
دعكت عينها واعتدلت لتنظر نحوه وتجد جسده يرتعش بالكامل.
أزاحت الغطاء عنها واتجهت نحوه.
اقتربت منه وانحنت تلمس جبهته لتلسع يدها حرارة جسده.
أبعدت يدها بقلق.
- دا سخن أوي اعمل أي.
أخذت منشفة صغيرة وبللتها بالماء.
جثت على ركبتها لتزيح حبات العرق المتجمعة على جبهته وتمسح بمنشفتها المبللة وجهه وجبهته.
ليقلبها أيضا صوت اصطكاك أسنانه وانتفاض جسده، يلهمهم بارتعاش:
- بررررردان … بردان.
نهضت بهلع تطلب له أغطية إضافية وعادت تبلل منشفتها وتمسح على وجهه وجبهته ثم يديه.
وتذكرت ذلك المسكن الذي لطالما كانت تحمله معها في حقيبة يدها.
أمسكت الحقيبة تبحث بين جيوبها بأضطراب.
وجدته أخرجته لتفلت الحقيبة وتتحرك بخطوات سريعة نحو.
وضعت يدها تحت رأسه ترفعها ليفتح عينه بوهن:
- فارس أنت سخن لازم تاخد مسكن.
كان يحرك عينه كأنه في عالم آخر.
اقتربت منه لترفع رأسه أكثر تسنده بيدها، دست حبة الدواء في فمه وقربت الكأس من فمه:
- أشرب يافارس… أشرب يافارس.
رفعت الكأس وبصعوبة ارتشف القليل من الماء.
أراحت رأسه مرة أخرى على الوسادة وعادت تمسح وجهه تعمل له كمادات.
لكن جسده عاد يرتعش وبدأ يتصبب عرقه حتى تفاجأت به يهلوس من شدة الحرارة:
- ماما … ماما … متعمليش كدة … متسبنيش.
امتزج مشاعرها مابين الإشفاق والقلق.
يبدو أنه قد عانى من فقدان والدته.
اقتربت منه تمسح على وجه لكن هذه المرة بيدها لتلامس جبهته ثم وجنته وكأنها تواسيه.
حرارة جسده التي انتقلت ليدها زادت من خوفها وشفته المرتعشة تنذر بالخطر.
حتى ارتطام أسنانه ببعضها زاد من توترها.
ليعاود ترديد ندائه لوالدته وكأنه يراها:
- ماما … ماما.
تلك الهلاوس جعلتها تفكر وهي لا تزال تحرك يدها على وجهه وتسأل نفسها هل فقدانه والدته جعله ينحرف؟
يبدو بأنه يفتقدها.
- الظاهر يافارس وراك حزن كبير بتكابر عشان تخفيه.
سمعت طرقات على الباب لتنهض تستلم الأغطية من العامل وعاد تدثره وتستكمل عمل الكمادات.
ظلت على تلك الحالة حتى قرب الفجر.
تمكن منها النعاس وشعرت بالإرهاق الذي ظلت تقاومه حتى أحست بانخفاض الحرارة لتتنهد بأرتياح.
اتجهت نحو سريرها تستلقي عليه بجسد منك وتغط بنوم عميق ما أن وضعت رأسها على الوسادة.
***
عاد إلى المنزل ليجدها تجلس أمام التلفاز وعقلها غائب في مكان آخر.
ألقى عليها التحية فلم تجبه.
جلس بجانبها يسألها بتعجب:
- مالك يا صفاء؟
صوته انتشلها من أفكارها لتلتفت نحوه ترمقه بحنق وتعود تنظر للتلفاز:
- ابنك نسيني خلاص بنت أخوك خدتو مني.
قطب حاجبه بغضب وقال بعد أن أزعجه كلامها:
- بنت أخويا يعني مراتها.
ستهجنت كلامه لتلتفت نحوه وتصرخ:
- مراته تنسيه أمه.
- صفاء.
صاح بها موبخاً:
- وطّي صوتك لما تكلميني.
وبعدين تأخده منك أي هدى مراته وانت أمه.
دا ابنك يا هانم مش حلق في ودانك عشان تقولي أخدته مني.
- امال تفسر بأيه يرجع من غير ما أشوفه وبقالي ساعتين بستناه ينزل ومنزلش ها تسميه أي يا حسن.
- اسميه راجل وقاعد مع مراته فيها أي دي وحضرتك شوفتيه الصبح خلاص سيبه وبكره أكيد هينزل وتشوفيه الدنيا مطارتش يعني مفيش داعي للهوليلة الي انت عملاها.
- اتسعت عينها وقالت تستنكر حديثه:
- عاوزني استناه لبكره أنا هتصل بيه ينزل دلوقت.
وكادت أن تلتقط هاتفها لولا يده التي سبقتها ليمسك يدها يمنعها:
- صفاء سيبي الولد يأخذ راحته مع مراته.
كلماته أشعلت غضبها لتثبت يدها على خصرها وتقول بسخط:
- طبعاً بدافع عنها وعاوز راحتها مش بنت أخوك.
امتعض وجهه وقال بضيق:
- أيوه بنت أخويا وهتاف معها واسندها ومش هخذلها زي ماخذلت ابوها وهقف في وش أي حد عشنها حتى لو كان انتِ ياصفاء.
تسارعت أنفاسها بغضب ونظرت لها بعتاب:
- هي وصلت لكدة ياحسن.
- أيوه ياصفاء واعقلي يابنت الناس معاداتك لبنت اخويا هتخسرك ابنك.
قالها حسن وهو ينهض ويتركها وهي تردد كلمته بخوف:
- اخسر أبني.
***
تململ في رقوده يشعر بجسده منهك.
ملابسه رطبة.
حاول فتح أجفانه التي اثقلها المرض وثقل تلك الأغطية زاد من صعوبة حركته.
اعتصر عينه ثم عاد يحاول فتحها حتى استطاع أخيراً أن يفتحها.
حاول أن ينهض لكن جسده متعب.
دار برأسه باتجاهها ليبتسم بوهن على هيئتها وقدمها متدلية من السرير.
شعرها مشعث يغطي وجهها.
لفت انتباهه تلك المنشفة الموضوعة بجانب السرير وشريط الدواء الذي بجانبها.
قطب حاجبه بحيرة يحاول تذكر ما حصل وأطياف مشاهد من الليلة الماضية تتجسد امامه.
مناداتها له إعطائه الدواء ثم نظر إلى الأغطية التي وضعت فوقه.
ابتسم مجددا وهو يتذكر مساعدتها له.
لكن المرض اثقل أجفانه مرة أخرى ليعود ويغط في نوم عميق.
***
جرس الاستراحة رن معلناً نهاية الحصة لتعود إلى غرفة الأساتذة مرهقة فهذه الحصة الثالثة لها.
دخلت لتجد صديقتها سماح منكبة تسجل بعض الأشياء في ورقة ثم تهز رأسها نافية وهي تقول:
- لا كدة مش نافعة.
ثم تقلب القلم مستخدمة الممحاة في الطرف الآخر لتمحو ما كتبه وتعو تحرك إبهامها على باقي أصابعها تحسب شيء معين وتكتبه.
- مساء الخير.
- أهلا ياندوش.
- تشربي قهوة؟
رفعت سماح عينها عما كانت تفعل وقالت بأمتنان:
- ياريت ياندى لو مش هتعبك.
اتجهت ندى نحو إحدى حافظات القهوة التي جلبتها زميلة لهم لتصب فنجان لها وآخر لسماح.
عادت تضع الفنجان أمامها وسحبت كرسي تجلس بجانبها.
ارتشفت ندى القليل من القهوة وعادت تركز مع سماح التي كانت لا تزال تكتب وتمسح ما كتبته بعد تفكير تحاور نفسها بهمس:
- دي كمان مش نافعة.
قطبت ندى حجبها وسألتها ضاحكة:
- بتعملي أي يابنتي؟
تنهدت بأستياء تخبرها:
- بساعد بابا ياندى في جهازي وبعمل ميزانية بالمرتب بتاعي وبدور على حاجات بالقسط يكون مريح بس مش بتضبط معايا ومحمد خطيبي كمان بيشتغل شفتين عشان نلحق نكمل العفش.
ثم عادت تتنهد بضيق وتحك ذقنها. في حيرة:
- تعرفي أنا محتاجة شغل إضافي عشان أقدر أوفر.
نظرت ندى لها بأشفاق فقد ذاقت سابقاً مرارة العوز والحاجة وكانت ذات يوم مثلها تماماً تحاول جمع النقود بأية وسيلة.
لكنها تذكرت فجأة طارق وعيادته الجديدة وحاجته لمساعد ينظم مواعيد مرضاه.
إذن لماذا لا تساعدها؟
- لقيتلك الحل ياسماح.
ابتهج وجه سماح لتسألها بلهفة:
- بجد ياندى الحقيني بيه اللهي يسترك؟
- هكلم طارق يشغلك معاه في العيادة.
- متشكرة متشكرة أوي ياندى.
ثم صمتت فجأة وسألتها بريبة:
- طب وهو هيوافق؟
قطبت حاجبها مستنكرة:
- ومش هيوافق ليه؟
- يعني يكون متفق مع حد او عنده شروط معينة.
- استنى.
اتجهت ندى نحو حقيبتها واخرجت الهاتف عائدة نحو سماح تشير نحو هاتفها:
- خلينا نتصل بيه ونأخذ رأيه.
ضغطت على هاتفها واتصلت به لكنه لم يجيب.
كررت محاولتها لكنه لم يجيب مرة أخرى لتشعر بالحرج وأشاحت عينها بعيداً عن عين سماح التي كانت تترقب جوابها.
حتى ظهر حرجها الذي فهمته سماح من ملامحها لتقول محاولة التخفيف عنها:
- أكيد مشغول ربنا يعينه.
أومأت برأسها بهدوء ووضعت الهاتف جانباً.
وعادت تنظر نحو سماح تعدها:
- لما أرجع البيت أكيد هاخذ رأيه وأن شاء الله هيوافق.
ابتسمت سماح لها:
- أن شاء الله ياحبيبتي.
ولتغيير مجرى الحديث سألتها:
- عملتي أي مع فصل تالتة أول أنا بصراحة الفصل ده بيجيلي المورستان.
الجيل بقى صعب ياندى تتعاملي معاه بشدة يقلك قاسية وصارمة وأين أساليب التربية الحديثة تتهاوني معاهم.
يفلتو منك ومتعوديش قادرة تسيطري عليهم.
أجابتها ندى بعملية:
- أهو أنا بحاول أصاحبهم ووازن بين الشدة واللين.
ربتت سماح على يدها وقالت مازحة:
- أيوه ياعم يا أبو عقل كبير يلي الكل بيشهدلك تلاميذ وناظرة.
ضحكت ندى مبتهجة:
- قري ياسماح يعني انت الي مش بتشهدلك يا سيبويه.
عبس وجه سماح وقالت بحدة:
- ندى هو انتي هتبقي زي محمد الي ماسكها عليا رايحة وجاية سيبويه.
كان يوم أسود يوم ما قلتها الناظرة بتشكر فيه وبتقول انت حفيدة سيبويه.
قهقهت ندى ضاحكة على ملامحها المحتقنة ثم توقفت ضحكاتها ليتوهج وجهها فرحاً عندما وجدت هاتفها يرن ويظهر اسمه على شاشته.
أجابت:
- الو أيوة يا طارق.
- ندى اسف كان عندي كشف مقدرتش ارد.
- ربنا يعينك كنت بس عاوزه اكلمك في موضوع لو مشغول خلاص.
- لا يا ندى اتكلمي أنا سامعك.
- سماح صاحبتي كانت محتاجة شغل إضافي لو ممكن تشتغل مساعدة ليك في العيادة.
صمت لترتبك هي وتقول بتوتر:
- يعني لو مفيهاش مشكلة او او يعني لو مكنتش اخترت حد.
- مفيش مشكلة ياندى بس هو فيه سؤال واحد هي متجوزة يعني أنا محتاج واحدة متفرغة للعيادة فهمتني.
لتـهز رأسها وهي تجيبه:
- أيوه يا طارق فهمـاك لا أطمن هي مش متجوزة.
- خلاص ياندى أول ما أشطب العيادة وأباشر شغل خليها تجي تستلم شغلها ومش هنختلف على المرتب.
لتشير لها سماح هل يطلب مقابلتها قبل مباشرتها في العمل ثم جذبت يدها نحوها تهمس لها:
- أسأليه لو عاوز يقابلني يسأل عن حاجة عادي يعرف عني حاجة.
أومأت لها ندى متفهمه:
- طارق أنت محتاج أي معلومة عن سماح او عاوز تقابلها قبل ما تبدأ شغل.
- لا ياندى ملوش داعي هي مش صاحبتك خلاص ياندوش مدام انت الواسطة نشغلها واحنا مغمضين.
تراقص قلبها من حديثه وثقته بها التي سندتها أمام صديقتها لتقول له:
- متشكرة.
- انت تأمري.
أغمضت عينها تشعر بسعادة وهي تسمع كلماته التي أثلجت فؤادها الذي بات يسقط في حبه أكثر يوم بعد آخر.
- ندى أنا لازم اقفل دلوقتي عشان عندي كشف مع السلامة.
- مع السلامة.
أغلقت الهاتف متنهدة بسرور.
طالعتها حنان وغمزت لها بمرح:
- شكلو بيحبك ويعزك اوي.
تلاطم قلبها بين أضلعها كما تتلاطم الأفكار في رأسها.
هل حقا يحبها كما أصبحت هي تحبه؟
هل يبادلها نفس المشاعر التي أصبحت تتملكها بقربه؟
كم تمنت أن يكون ما تفكر فيه حقيقة.
***
استفاقت من نومها لتعتدل تتثائب وتعيد ترتيب شعرها.
تنظر إلى الساعة التي كانت تشير إلى الحادية عشر.
التفتت نحوه لتجده الإيزال نائم.
لملمت خصلة شعرها وربطته ونهضت لتمد يدها تتلمس جبهته لتجد حرارته معتدلة.
تركته متجهة نحو الحمام.
خرجت من الحمام واتجهت نحوه مرة أخرى تحاول إيقاظه:
- فارس … فارس.
همهم يحرك رأسه يمناً ويساراً لتعاود مناداته:
- فارس … فارس … أنت كويس حاسس بأيه؟
رفعت يدها تلمس جبهته ووجنته لتجد حرارته معتدلة.
شعر بملمس يدها على جلده ليبتسم ابتسامة بسيطة وفتح عينه قليلاً كأنه في حلم:
- شمس.
- فارس ازيك دلوقت أحسن؟
- جسمي واجعني.
- معلش دا عشان حرارتك كانت عالية هطلبلك شوربة تأكل وتاخذ الدوا وهتكون أحسن إن شاء الله.
اتصلت بخدمة الفندق لتطلب له حساء ساخن الذي وصل بعد قليل لتستلمه من عامل الفندق.
- يلا يافارس عشان تأكل.
- مش قادر.
تنهدت بضيق وقالت في محاولة لإقناعه:
- لازم تأكل عشان تأخذ المسكن كدة مينفعش.
اقتربت منه وقالت تشير إليه:
- هساعدك عشان تعدل نفسك.
انحنت تمد له يدها كي يتكأ عليها ووضعت يدها الأخرى تحت كتفه:
- يلا يافارس ساعدني.
لكنه كان في عالم آخر.
قربها منه ورائحتها التي تغلغلت داخل أنفاسه تغيبه في لحظة ممتعة تمنى لو لم تنته.
حتى أنه لم يسمع ندائها:
- فارس … فارس.
استفاق من لحظاته الساحرة التي شتت تفكيره وشلت حواسه لينتبه إلى يدها الممدودة ويستند عليها.
رفعت الوسادة لكي يريح ظهره عليها ثم نظرت إليه تسأله:
- كدة كويس؟
- أيوه شكراً.
لمعت عيناه بخبث بعد أن استشعر تعاطفها معه.
ليدخل في نوبة سعال مفتعلة يحاول أستمالتها، لكنها ظلت تحدق فيه بلامبالاة.
زاد من تظاهره بالاختناق يشير لها أن تعطيه الماء.
لتجلب له الماء التقطه منها بيد أصطنع بها الارتعاش لتهوي قطرات الماء وتتناثر حول الكأس تتساقط على ملابسه.
ارتشف الماء رغم ادعائه صعوبة ذلك... ونظر لها بأستعطاف، وقال بلسان ثقيل:
- شمس ممكن تساعديني أنا مش هقدر أكل لوحدي.
تطلعت إليه وأخذت نفسًا تحاول أن تتحلى بالصبر لتزفره ببطء متذمرة.
اتجهت نحوه ليزيح جسده قليلاً على السرير يصنع لها مكان لتجلس وتحمل طبق الحساء.
دست الملعقة فيه وحملت القليل لتقربه من فمه.
فتح فمه يتناوله منها ويبتلع الحساء بصعوبة، بسبب احتقان الحلق.
اغمض عينيه متألمًا:
- معلش دا عشان الالتهاب هتتألم شوية.
فتح عينيه يحدق بها وهي تستمر بأطعامه، ود لو يطول هذا الوقت ولا ينفذ الطعام حتى يظل يستمتع بوجودها قربه.
قلبه الذي ينبض بعنف بين أضلعه يخبره بأنها أصبحت تعني له الكثير.
عيناه اللتان تحدث بها وتأبى أن تحيد عنها باتت تعشق قربها.
غاب في عالم ساحر يجرب مشاعره جديد.
تغافله عن الواقع جعله يتحرك بلا وعي فيسقط بعض قطرات الحساء على شفتيه وذقنه.
التقطت بعض المناديل الورقية، تمدها له مشيرة له كي يمسح على فمه.
التقطها منها وادعى عدم معرفته بمكانها:
- فين... هنا؟
وبعد أن سأمت التقطت منه المناديل بضيق ومسحت فمه ودقنه بعنف وهي تغمغم بهمس:
- يارب صبرني.
- متشكر ممكن تساعديني أروح الحمام.
- جسمي كلو واجعني.
وضعت الطبق جانباً ونهضت تمد له يدها كي يستند عليها تمسك بها و اتكأ ليرفع جسده.
نهض واقفاً لكن اختل توازنه فأضطربت ليفلت يدها ويحط كتفها مستنداً عليها.
كادت أن تبتعد لكنه تشبث بها ليتوسلها بنفس مختنق:
- وصليني لحد الباب بس.
ذلك القرب أسعده ود لو كان الطريق أطول كي يضمها أكثر وابتسم بتسلية وهو يرى قسمات وجهها الممتعضة.
وصلا إلى باب الحمام لتفتح يدخل مستند على مقبض الباب واغلقه خلفه.
وقفت هي أمام الباب لتنفخ أنفاسها متأففة عدة مرات تحرك يدها لتهدئ نفسها.
- أهدى ياشمس هو عيان.
- استحملي.
أما في الداخل وقف فارس أمام المرآة يضع يده على قلبه الذي يخفق بقوة يسأل نفسه:
- أنت حبيتها يا فارس؟
طالع صورته في المرآة يرى عينه التي تلمع بشكل غير مألوف ثم عاد يسأل نفسه:
- معقولة بسرعة دي يافارس؟
ليحرك رأسه يميناً ويساراً يستنكر الفكرة:
- لا… لا أكيد دا مجرد إعجاب شخصيتها المتمردة جذبتك مستحيل يكون حب.
ثم عاد يكرر الجملة كأنها يحاول إقناع نفسه:
- أكيد إعجاب وبس.
- أيوه … أيوه يافارس دا إعجاب.
درس أراد لقلبه أن يحفظه رغم عصيانه وخفقانه الذي لا يزال يخالف حديث لسانها.
***
وضعت أمامها طبق التسالي وجلست بجانبه وما إن جلست حتى رفع ذراعه يحيط كتفها ويضمها إليه ليستكين رأسها على صدره وتستمتع هي بسماع نبضاته التي كانت تعزف أحلى قصائد الحب بالنسبة لها.
تطربها وتنسيها العالم من حولها وكأنها يعيشان وحيدين على هذا الكوكب.
كان يحمل جهاز التحكم ليسألها عن نوع الفلم الذي تود مشاهدته:
- رومانسي والا اجتماعي؟
- براحتك ياحبيبي.
اخفض عينه ينظر إلى وجهها المستكين على صدره ليحاول مشاكستها:
- طب منخليه رعب والا أكشن أهو تغير يادودو.
تهتف رافضة:
- لا وحياتي يا علي أنا بخاف من الاتنين.
أضحكه حديثها الذي استهجن:
- طب الرعب فهمناها الأكشن ليه؟
- مبحبش العنف وبيحصل ضرب ودم وأنا عندي فوبيا من الدم.
- ماشي زي ما تحبي يا هدى هانم بس خلي بالك أحنا لازم نعالج الحتة دي عندك.
أنا بعشق الأكشن.
اختار لها فيلم رومانسي وبدأو في المتابعة.
كان يطعمها قطع المكسرات بيده مرة وبتشاركها معها مرة أخرى فيقضم نصفها ويطعمها النصف الآخر.
كم تعشق دلاله لها وتذوب في حبه كما يذوب السكر بين أحضان الشاي الذي كان يعشق شربه مع المكسرات.
لتضحك فجأة وأثارت فضوله ليخرجها من أحضانه يسألها:
- بتضحكي ليه؟
- أصلك عمال تقولي لازمي أتعود على الحاجات الي بتحبها وانت مش راضي تتعود على الحاجة الي بحبه.
بادلها الضحك بعد أن أدرك مقصدها:
- فهمتك تقصدي القهوة.
لتهز رأسها توافق على كلامه:
- أيوه القهوة.
- لا أنا بعشق الشاي القهوة بتسهرني أنا ممكن أشربها الصبح اه ينفع لكن باليل لا.
يجذبها نحوه يضمها مرة أخرى وهو يرتشف الشاي ويمازحها قائلاً:
- تعالي يابتاع القهوة متبعديش عني وبعدين ياستي مسيرك تتعودي على الشاي ماتخافيش.
ضحكت على كلامه وعقبت ساخرة:
- يعني برضو أنا الي لازم أتعود حضرتك ثابت مش بتتغير.
داعب أنفها بأصابعه وقال:
- معلش يادودي أنا واحد مزاجي صعب يتغير.
- ياسلام وأنا عادي يعني.
قالتها مستنكرة حديثه لتجده يضمها بقوة:
- انت أطيب وأحلى حاجة ربنا رزقني بيها وعارف أنك ممكن تتغيري عشاني.
- اه بتاكل بعقلي حلاوة حضرتك.
ليضغط على أسنانه ويقول لها وهو يقرص وجنتها:
- أنا نفسي أكلك.
لتـرفع وجهها بأنامله لتلتقي عيناهما في حديث غزل صامت للحظات قطعها هو قائلاً:
- خلاص يادودي حبي الي تحبي وأنا احب الي أحبه نكون ديموقراطيين أي رايك؟
أومئت برأسها موافقة وعادت تسند رأسها على صدره.
يشغل تفكيرها مكالمة العم نعيم وطلبه منها العودة إلى العمل معه في محل الورد فهو لم يجد لها بديل.
هي كانت تحتاج للعودة للعمل فلقد بدأت بالشعور بالملل فمكوثها في المنزل ولعدة ساعات تنتظره حتى عودة بات يصيبها بالضجر.
استجمعت قوتها وابتعدت عنه:
- علي ممكن أتكلم معاك.
ضغط على زر التحكم واوقف الفلم ليلتفت نحوها:
- أيوه ياحبيبي.
فركت يدها بتوتر ظاهر وتلعثمت كلماتها لتخبره:
- عم نعيم أتصل بيا وعاوزني أرجع أشتغل معاه.
صمتت وعينها معلقة به تنتظر جوابها او حتى ردة فعله لتجد ابتسامته تتلاشى وعينه تنظر لها بنظرات حائرة.
وبصوت علت فيه نبرة استنكار قال:
- يعني ترجعي تبيعي ورد.
لتتأجج نيران الغضب داخلها وهي تبصر انتقاصه من عملها السابق.
ليهتاج البحر الساكن في عينيها وكأن عاصفة ضربتها وئدت هدوئها لتصيح مستنكرة:
- ومالها بياعة الورد يا علي ما أنت اتجوزتني وأنت عارف أني بياعة ورد.
استشعر خطأه ليمسك يدها وقال يوضح لها:
- حبيبتي أنا مش قصدي بس…
ليـسكت ويقول بضعف:
- بس انت عارفة ماما وجدو الوضع اختلف ياهدى.
قاطعته رافضة:
- وأنا ميهمنيش حد أهم حاجة انت توافق مش مهم حد تاني.
عاد يضم يديها بين يديه في محاولة لتهدئتها وإقناعها في ذات الوقت:
- هدى حبيبتي افهميني أنا معنديش مانع بس أحنا.
عادت تقاطعه بأصرار:
- خلاص المهم انت.
تنهد بيأس وعاد يترجاها:
- هدى اسمعيني أرجوك أنتِ زمان اشتغلتي عشان محتاجة لكن دلوقت أنا كفيل بكل مصاريفك.
نظرت له بتحدي استحدثته من كم المشاعر السلبية التي عاشتها في هذا المنزل ونظرات والدته التي أتعبتها وصمته الدائم:
- علي أنا مش عاوزة اشتغل عشان الفلوس أنا عاوزة اشتغل عشان أنا زهقت من قعدة البيت الي بقت تتعبني حاسة بالملل أنا بقيت بتخنق وأنا بستناك لحد ما ترجع.
قالتها وهي تحرك يدها على رقبتها وصدرها بحرقة.
أحاطها بذراعيه يضمها إليه بعد أن رأى الدموع تلمع في عينيها وقال محاولاً ارضائها:
- خلاص ياحبيبتي أهدى ياروحي أنا هدورلك على شغل عشان تتسلي بس عشان خاطري ياهدى أنا مش عاوز أسمع كلام من جدي وأمي وأنتِ عارفة هما مش هيرضوا على حكاية محل الورد أرجوكي افهميني وأنا بوعدك ألاقيلك شغل.
أخرجها من أحضانه يمسح دموعها التي هربت من عينيها ويمسك وجهها بين يديه ينظر داخل عينها:
- ووعد ياحبيبتي أن هدورلك على شغل صدقيني.
وبعجز هزت رأسها موافقة على كلامه رغم عدم اقتناعها لكن رجائه وتوسله جعلها ترضخ.
***
أعدت لنفسها فنجان من القهوة وجلست تحتسيه وسط اندماجها في تصحيح أوراق الاختبارات.
عندما صدح صوت الهاتف يرن معلناً عن وصول رسالة.
التقطته ظناً منها أنها أحدى شقيقاتها.
لكنها وجدت رسالة من رقم مجهول كتب فيها:
- أزيك ياعروسة؟
امتعض وجهها بأضطراب وقررت أن تعرف من هذا الشخص الذي يرسل لها هذه الرسائل السخيفة.
ضغطت على الأزرار وكتبت:
- مين حضرتك؟
رواية بنات ورد الفصل التاسع عشر 19 - بقلم رشا عبد العزيز
مين حضرتك؟
لكن مرسل الرسالة أكتفى بأن يرسل لها تعبيراً مضحكاً وكأنه يستهزئ بها.
تملكها الغضب لتقرر إنهاء تلك المهزلة، لتحظر هذا الرقم من الاتصال أو إرسال الرسائل وتلقي بالهاتف بعيداً عنها.
تسارعت أنفاسها بأضطراب وهي تفكر في من يرسل لها هذه الرسائل، وأحتارت هل تخبر طارق عنها، أم أنها أنهت هذه المزحة السخيفة بحظر الرقم عن قائمة اتصالاتها.
لتقرر الاكتفاء بالحظر، فطارق منشغل في تجهيز عيادته ولا تريد أن تزيد مشاكله.
***
يومان قد مضت بعد تعافيه من مرضه.
كانت تجلس وحيدة في مطعم الفندق تتناول فطورها، بعد أن أخبرها أن لديه لقاء عمل.
نظرت إلى فنجان القهوة الذي ترتشفه بضجر وقالت وهي تحيطه بيديها:
- مع أنك جميل بس كوباية الشاي وحشتني.
تبسمت ساخرة.
- حاسة إني بخونه، أعمل إيه الشاي في الفندق دا مش حلو، فاضطرينا للخيانه.
اتبعت كلماتها ضحكة خافتة، جذب انتباه شخص يجلس في الطاولة القريبة منها، لينهض مقترب منها ووقف أمامها يسألها بأبتسامة:
- حضرتك عربية؟
رفعت رأسها تنظر له بتعجب وهزت رأسها.
- أيوة.
اتسعت ابتسامته، يشير لها نحو فنجان القهوة بسبابته.
- معلش أعذريني أصلي غصب عني سمعت حوارك مع فنجان القهوة، أصلي بعاني زيك كدة من مدة، عشان كدة جيت أنصحك فيه.
هنا كافيه في الشارع الي ورى الفندق بيعملو شاي جميل، تقدري تجربيه.
ابتسمت ابتسامة بسيطة وقالت بأقتضاب.
- متشكرة على النصيحة.
- حضرتك مصرية؟
- أيوة.
إجابتها المقتضبة جعلته يعلم أنها لا تريد إطالة الحوار معه، ليكمل موضحاً بأختصار.
- أنا كمان مصري، بس بحضر موتمر طبي هنا.
- حضرتك دكتور؟
عادت ابتسامته تزين وجهه مرة أخرى وهو يرى ترقبها لإجابته.
- أيوة دكتور كامل نور الدين … اختصاص أمراض قلب.
- أنا كمان دكتورة، بس لسه أمتياز.
قالتها بأبتسامة فخر تناقصت مع كلمتها الأخيرة.
- أهلاً يادكتورة، كلنا كنا أمتياز ودرسنا وتخصصنا، بكره تكبري متخافيش.
اتبع كلماته بضحكة هادئة، ليستأذن منها.
- فرصة سعيدة يادكتورة.
ثم صمت، ليضيق عينه يسألها.
- هو حضرتك اسمك إيه؟
- شمس.
- تشرفنا يادكتورة، مع السلامة.
أومئت له مودعة.
- مع السلامة.
***
سمعت همهمات زملائها عن المعيد الجديد الذي سيستلم مهمة تدريسهم، بعد أن انسحب أستاذهم لأسباب صحية.
كانت منخرطة في ترتيب أوراقها وتبادل الحديث مع صديقاتها، عندما شعروا بحركة الآخرين لانتظام على المدرجات استعداداً لبدأ المحاضرة.
دخل بهيبته ووسامته، ليخطف أنظار الجميع ويخطف قلبها هي.
منذ أن وقعت عينها عليها، لتتمركز حيث وقف.
يعرف نفسه بلباقة، وتلك الهالة من الهيبة تحيط به تزيدها انجذاب نحوه.
- أنا دكتور طارق، هدرسلكم بدل دكتور حمدي، وأن شاء الله يكون فيه تعاون بنا.
أنتم سنة أولى كلية، والطريق قدامكم طويل، الشاطر الي هيثبت نفسه من البداية.
أكتفت بأن تسمع هذا الجزء من كلامه، ورغم أنه أستمر في إلقاء محاضرته، لكنها غابت في تفاصيله ولم تعد تسمع، وكأن العالم تلاشى من حولها ولم يعد سواه أمامها.
بدأت تتمعن في تفاصيله، سحرتها تلك العينين.
أصبحت قلبها يخفق بقوة، لا تعلم هل هو الحب من أول نظرة كما تصفه الروايات، أم هو إعجاب بأستاذها الوسيم.
لا تعلم مادهاها، لم تعد تسيطر على عيونها التي أبت أن تحيد عنه، ولا قلبها الذي يخفق بضطراب، لتجد نفسها تبتسم وهي تطالعه بهيام.
لكن فجأة تبخرت تلك الإبتسامة عندما لمحت بريق ذلك الخاتم الذي يزين إصبعه، يعلمها أنه متزوج وملك لغيرها.
أمتعضت ملامحها بأنزعاج.
انتهت المحاضرة، لتجد قدمها تسوقها خلفه بلا وعي، لتناديه وهي تتبعه داخل الممرات.
- دكتور طارق … دكتور طارق.
توقف واستدار نحو مصدر الصوت الذي اقترب نحوه، لتقف امامه وتقول:
- لوسمحت كنت عاوزة…
قاطعه إسترسالها بحدة قائلاً:
- لوسمحتي يا آنسة، أي سؤال يكون داخل المحاضرة عشان الكل يستفيد، غير كده أنا مش ملزم أجاوب.
ثم تركها مغادرًا، تنظر لأثره بدهشة.
ورغم أن صده لها أزعجها، لكنه زادها إعجابًا به، لتلمع عينها بتحدٍ.
فقد استقر في عقلها هدفًا جديدًا، وهي لم تتعود الخسارة.
- روان … روحتي فين يابنتي؟
أخرجتها زميلتها من أفكارها، لتلتفت نحوها.
- هنا ياتولين، بس كنت عاوز أسأل الدكتور الجديد عن حاجة.
- طب يلا خلينا نروح النادي ناكل حاجة.
جذب يدها يسحبها خلفها، لكنها هي كانت في عالم آخر، عالم ذلك الذي شغل فكرها.
***
دخلت غرفتها في الفندق، بعد أن قضت وقت تتجول في الشوارع القريبة تبحث عن الكافيه الذي أخبرها ذلك الرجل أنها تبيع الشاي.
وقد صدق في وصفه ووجد فعلاً مبتغاها، بعد أن شعرت بسعادة وهي تحتسي كوب الشاي الذي اشتاقت له.
تجهت نحو سريرها تضع أغراضها عليه، ليلفت نظرها زهرة مربوطة مع علبة شوكولاتة.
رفعتها تقلبها يمينًا ويسارًا، حتى أجفلها صوته القادم من خلفها.
- رجعتي إمتى؟
شهقت بذعر، تضع يدها على صدرها وهي تلتفت نحوه بتعجب، لتجده يقف يجفف شعره بالمنشفة.
- بسم الله الرحمن الرحيم، أنت اللي رجعت إمتى وطلعت منين؟
ضحك على خوفها وقال وهو يقف أمام المرآة يمشط شعره وينثر عطره.
- رجعت من شوية ودخلت آخد شور.
عادت تنظر لعلبة الشوكولاتة التي كانت لا تزال تحملها، ونظرت إليه تسأله بأستفهام.
- إيه دي يا فارس؟
استدار واقترب منها مبتسمًا، ينظر لها بأمتنان، مشيراً نحو العلبة بسبابته.
- دي شكراً.
قطبت حاجبها مستفهمة وهي تهزها.
- يعني إيه شكراً؟
- يعني ياستي أنا حبيت أشكرك على وقفتك معايا لما كنت عيان، فجبتلك شوكولاتة بس.
ثم ضيق عينه يسألها.
- إيه معجبتكيش؟
رفعت كتفها بلا مبالاة وقالت.
- لا بس ملوش داعي.
تنهد مبتسمًا.
- لا ياشمس دا أقل حاجة، ولو معجبتكيش، آخدها عادي.
ليخطف منها علبة الشوكولاتة على غفلة منها، محاولًا مشاكساتها.
لتعود وتنتشلها منه بأمتعاض.
- هات، أنت ما صدقت.
ضحك وهو يراها تأخذ العلبة منه وتخبئها.
سارت بجانبه بعد أن تناولا العشاء في أحد المطاعم، ليجدها تفرك يديها ببعضها، ثم تقربها من فمها تنفخ عليها.
- تصدق كان عندك حق لما قولتلي أني مأمنش للجو، وأكيد هيغير كمان شوية، رغم إني لابسة جاكت، لكن فعلاً فيه لسعة برد.
- شوفتي عشان تبطلي تعاندي.
لتجده يمد يده يمسك يدها ويدس الإثنين معًا في جيب معطفه كي يدفئها.
رغم اعتراضها، وجدته يتمسك بها، لتبتسم وتضع يدها الأخرى في جيب معطفها.
- إيه رأيك في المكان؟
- جميل أوي، مزيج حلو بين ثقافة وتقدم، تاريخ وحداثة، مكس جميل، أنت بتيجي هنا كتير؟
- لما يكون فيه طلبات مخصوصة، البضاعة الإيطالية غالية، بس ليها زبونها.
كان مندمجًا في الشرح، عندما وجدها تشهق فجأة وتشيح نظرها نحو الناحية الأخرى، واضعة يدها على عينها وهي تغمغم.
- إيه دا، أستغفر الله.
نظر حيث تنظر، ليقهقه ضاحكًا عندما وجد شاب يقبل فتاة على أحد الأرصفة.
- يابنتي مالك، دي حاجة عادية هنا.
احتقن وجهها وقالت بشمئزاز.
- أيوه عارفة عادية، بس تفاجأت وسط الشارع.
عاد يضحك من جديد.
- يابنتي عادي المجتمعات هنا كدة، مش زينا، إحنا الحمد لله مجتمع بيحكمه الدين والعادات والتقاليد، منكرش فيه تجاوزات، لكن دي شواذ عن الأصل.
أمالت رأسها تنظر له بحيرة، وكأنه مزدوج الشخصية، يتكلم عن الدين والعرف، وهو لا يملك شيئًا منهم.
قطب حاجبه يسألها بعد أن رأى تحديقها به.
- إيه مالك بتبصيلي كده ليه؟
- أصلها غريبة، فارس الجوهري يتكلم عن العادات والتقاليد والدين اللي هو…
ثم ابتلعت كلماتها المتبقية، فلا تريد إحراجه.
زفر نفسًا طويلاً، فهو من رسم الصورة التي أخذتها عنه، بل وتولى مهمة أن يطلعها عن أسوأ صفاته.
تنهد بقلة حيلة.
- شمس، هو أنتِ فكراني صايع للدرجة دي؟
صمتت ولم تجب عليه، أتخبرها أنها تراه أسوأ من ذلك؟
شعر كأنه يختنق، وكأن الهواء انحسر من حوله.
دائمًا يخسر أمامها، دائمًا يشعر أنه ضئيل.
ليجلي حنجرته وتتلعثم الكلمات على لسانه، يخرجها باختناق.
- ممكن نرجع الفندق، حاسس نفسي تعبان.
شعرت بخجل من نفسها، فقد أحرجته، لكنها لم تقصد ذلك، هي قالت الحقيقة فقط.
لتومئ له رأسها وتعود معه نحو الفندق.
وصلوا الفندق وذهبوا حيث مكتب الاستقبال، أخذ مفاتيح الغرفة، ثم اتجهوا نحو المصعد.
وفي طريقها سمعت من ينادي عليها.
- دكتورة شمس… دكتورة شمس.
التفتت نحو مصدر الصوت، لتجد دكتور كامل يقترب منهم حتى وقف أمامهم.
- كويس أني شفتك يادكتورة.
ارتبكت، وهي توزع نظرها بين فارس الذي احتقن وجهه بدهشة، وبين كامل الذي زينت وجهه ابتسامة وهو يحدثها.
دون الاكتراث لفارس الواقف بجانبها.
- أهلاً يادكتور.
ثم أشارت لفارس نحو كامل.
- دكتور كامل، دكتور مصري ساكن هنا في الفندق.
وأشارت نحو فارس.
- فارس، جوزي يادكتور.
- أهلاً يافندم.
قالها كامل وهو ينظر نحو فارس بتوتر.
لتجد يد فارس تمتد وتحيط خصرها، يقربها نحوه بتملك، وهو يقول:
- تشرفنا.
نظرت نحو يده التي استقرت على خصرها بضيق، لكنها تمالكت نفسها حتى ينتهي هذا اللقاء الغريب.
- دي دعوة لحضور ندوة الأطباء العرب الموجودين هنا، هيكون فيه اختصاصات مختلفة ونقاشات عن آخر تطورات الطب الحديث في مجال جراحة القلب والأمراض الحديثة، هتستفادي منها كتير.
ليمد لها يده بالدعوة.
نظرت نحو فارس الذي كان وجهه جامدًا، ونظرت نحو الدعوة، لتمد يدها تأخذها وتهز رأسها شاكرة.
- متشكرة أوي يادكتور.
- هكون سعيد بوجودك يادكتور، عن إذنكم.
شعرت بأرتجاف جسده، نظرت نحوه لتجد عينه التي غزتها الحمرة مسلطة على دكتور كامل بغضب ظاهر.
أزاحت يده عن خصرها بعد أن وجدت كامل ابتعد عنهم وتجاوزه، متجهة نحو المصعد الذي فتح مباشر.
استقلت المصعد وتبعها هو، يزفر أنفاسه المتسارعة، يشعر بجسده يحترق، يضغط على راحة يده بقوة حتى برزت عروقه.
كانت ترمقه بين الحين والآخر وتراقب تغيرات وجهه، وبمجرد أن دخلا الغرفة، وقفت حتى تجاوزها.
وقبل أن يسألها أي سؤال، قالت:
- دكتور كامل، اتعرفت عليه الصبح لما كنت بسأل عن كافيه بيبيع الشاي.
ليسألها وهو يوليها ظهره.
- وما سألتنيش ليه؟
- ماجاتش مناسبة.
أغمض عينيه يحاول أن يسيطر على ثورته أمامها.
- مرة تانية لو عزتي حاجة، اسأليني أنا.
خيم الصمت لحظات، لتتفاجأ به يستدير ويتجاوزها متجهًا نحو الخارج، يغلق الباب خلفه بعنف أجفلها.
نظرت نحو الباب ومطت شفتها بتعجب.
- ماله دا؟
بخطوات سريعة، وجد نفسه خارج الفندق، يقف على أعتابه.
ثم سار دون هدف، وبعد وقت قليل، وجد إحدى المقاعد العامة على بعد مسافة منه، ليقترب منها يجلس ويرمي ثقل جسده عليها، وزفر أنفاسه المتسارعة بثقل.
ليحني رأسه، يضعه بين راحتي يديه، ودوامة أفكاره تبتلعه، حتى غاص بين تخبطاتها.
صراع أنهكه مابين عقله وقلبه، لا يعلم أيهما يخبره الحقيقة، قلبه الذي يصرخ بما يرفضه عقله، أم عقله الذي يلجم جموح ذلك المتمرد بين أضلعه.
لا يعلم كم مر من الوقت، ليرفع رأسه ببطء ويمسح على وجهه بتعب، متسائلًا.
- أنت بتغير عليها يافارس؟
ليجيب قلبه.
- أيوة بغير عليها، مش مراتي.
أغمض عينيه وتنهد بشدة، يسأل نفسه ذلك السؤال الذي يخشى معرفة جوابه.
- أنت حبيتها يافارس؟
- لا.
- أيوة.
- مستحيل.
- أيوة.
- أيوة.
وضع كفي يده على وجهه، يضغط على عينيه بأصابعه، ليصرخ قلبه معلنًا العصيان.
- أيوة بحبها… بحبها… بحبك ياشمس.
أخفض يده، يفتح عينيه على اتساعها، متعجبًا من اعترافه لنفسه، وعاد يردد ما قاله ببطء، كأنه يؤكد.
- أيوة بحبك.
رفع يده نحو قلبه الذي كان يخفق بقوة تحت وطأة ذلك الاعتراف بالحب.
- دخلتي قلبي إمتى وامتلكتيه إزاي؟
سؤال طرحه على نفسه بشرود، ويده لا تزال تربط على قلبه، كأنها تهدئه.
نسمات الرياح الباردة ضربت صفحات وجهه، كأنها تصفعه، لتعيده إلى الواقع، كي يستفيق.
لينهض عائدًا، يحمل معه مشاعره التي أسرها، يحبسها بين أضلعه حتى لا تفضحه أمامها.
وصل الغرفة، ليفتح الباب بحرص، وحمد الله أنه وجدها تغط في نوم عميق.
أقترب منها، ثم جثى على ركبتيه أمامها يتأملها وهي غافية.
نبض قلبه بأضطراب مع حركة عينه التي بدأت تتجول على قسمات وجهها بهدوء، كأنها ترسمه.
ليرفع يده يزيح خصلات شعرها عن وجهها، وهو يعيد اعترافه لنفسه بحبها.
- بحبك ياشمس.
أبتسم، يدنو منها لينحني ويقبل جبينها بحب.
يحمد إلله أنها غافية، فهو يعلم ما كان سيحدث لو كانت مستيقظة، وما عواقب تلك القبلة.
ليكتتم ضحكاتها وهو يتخيل شكلها.
***
سارت بجانبه متشابكي الأيدي، وهو يدخل ذلك الصرح العلمي، فقد صدق بوعده ووجد لها وظيفة في المدرسة الخاصة التي تديرها خالته.
نغزها قلبها منذ أن خطت أول خطواتها نحو هذا المكان، لتضغط على يده تنشد بوجوده الأمان.
وصل أمام مكتبها، ليطرق الباب ويدخل، ووجد خالته بأنتظاره، لتقف مرحبة به تحتضنه.
- أهلًا ياحبيبي إزيك؟
بادلها العناق بأحترام.
- أهلًا يا خالتي إزيك؟
ابتعدت عنه تجيبه وهي ترمق تلك الواقفة بجانبها بضيق.
- الحمد الله… أهلًا يا هدى.
قالتها بأقتضاب، أزعجها كما أزعج علي.
- الحمد الله.
- اتفضلوا.
أشارت له خالته بالجلوس، ليجلس على الكرسي وتجلس هدى أمامه، لتطالعها خالته بتكلف وتقول:
- أنتِ خريجة إيه؟
أجابت هدى بأضطراب، فنظراتها كانت غريبة، وكأنها تحدق بها بأزدراء.
- كلية آداب قسم اللغة العربية.
هزت رأسها بأستحسان، تعض على طرف نظارتها التي تمسكها بتفكير.
- كويس… اشتغلتي قبل كده؟
نفت هدى برأسها.
نظرت هدى نحو علي الذي كان يبتسم لها، كأنه يدعمها.
تنهدت ابتسام بأستياء، وقالت وهي ترتدي نظارتها الطبية.
- ممم… حيث كده، أنتِ لازم تخضعي لاختبار عشان نقدر نقيمك.
ثم حولت نظرها نحو علي بأعتذار.
- أنت عارف الإجراءات.
أجابها علي بتفهم مبتسمًا.
- أكيد يا خالتي، ولا يهمك.
- خلاص كده، أنا محتاجة المستمسكات عشان أحدد لها يوم نعملها اختبار فيه.
اندمجت في الحديث عن التفاصيل، حتى سمعت من يفتح الباب دون استئذان، وهي تقول:
- ماما، المستلزمات اللي طلبت…
توقفت عن إسترسالها وابتلعت باقي كلماتها، لتقف متسمرة، وهي ترى الصورة التي كانت تود أن لا تراها، علي وزوجته.
نهض علي يلقي التحية عليها.
- أهلًا يا دعاء إزيك؟
تقدمت بخطى متوترة، تنظر إلى حلمها الضائع، وقالت بتلعثم.
- أهلًا يا علي.
لتنهض هدى تلقي عليها التحية.
- أهلًا يا دعاء.
سمعت صوتها الذي كانت تود ألا تسمعه، لكن ها هي ورائها.
رغم ضيقها منها، لكنها فاجأت علي ووالدتها عندما استدارت تحتضنها بقوة، كأنها تعرفها منذ زمن.
- أهلًا يا عروسة، إزيك؟
ضحكت هدى على وصفها وقالت بلطف.
- الحمد الله، بس أنا بقيت قديمة على حكاية عروسة.
لتمسك يدها تلومها.
- لا قديمة إيه، ماشاء الله عليكِ، لسه منورة زي يوم الفرح.
- متشكره، دا من ذوقك حبيبتي.
علي الذي كان يراقب المشهد من بعيد، راوده الشك في كلمات ابنة خالته ومدحها لزوجته وجمالها، وهي لم تكلف نفسها حتى أن تبارك لهم ليلة الزفاف، لكنه نفض تلك الأفكار وأوعز ذلك ربما لعدم انتباهها أو تناسيها الأمر.
أما والدتها، فقد كانت الدهشة من نصيبها، وهي تعلم كره ابنتها لهدى، بعد أن تزوجت علي الذي كان يومًا حبها المستتر عن الجميع، إلا هي.
طأطأت رأسها بندم، فهي من زرعت في فكرها أن علي من نصيبها، حسب اتفاقها مع شقيقتها، لتنمو داخلها فكرة الاقتران بعلي، وسقتها هي بالوهم حتى تعمقت، لتتحول لحب من طرف واحد، تهدم وأنهار عندما قرر الجد زواجه من ابنة عمه، الذي تبين حبه السابق لها.
لتتعلم كم عانت ابنتها عندما علمت بزواجه، حتى أنها مرضت وأصبحت طريحة الفراش لعدة أيام، قبل أن ترضخ وتتقبل الأمر.
لكن تصرفها اليوم مع هدى يدهشها، ربما تقبلت الأمر وتفهمت.
غادر علي وهدى، لتقف ابتسام تحدق بأبنتها، حتى انتبهت هي لتقطب حاجبها تسألها.
- بتبصيلي كده ليه؟
- مستغربة تقبلك ومعاملتك لـ هدى.
ابتسمت بحزن، ثم مطت شفتها بتعجب قائلة.
- أنتِ قصدك على علي، عادي ياماما، كل شيء قسمة ونصيب.
ثم تركتها وغادرت، وعين ابتسام تتبعها بريبة.
- ياترى إيه اللي في بالك يابنتي؟
***
لم تكن تتوقع أن يوافق على اصطحابها إلى الندوة، بل وأدهشها برفقته لها ومكوثه بجانبها.
جلس بجانبها يراقب ذلك العالم الذي تنتمي له، عالم مختلف، صفوة من العلماء يلقون المحاضرة، مصطلحات تتناقل وأفكار تطلق، حوارات تدار بلباقة.
تنهد بيأس، وهو يجد اندماجها وتفاعلها بكتابة المعلومات أو ترديد المصطلحات وفق طرحها.
راقبه، ليشعر بغصة ويزفر أنفاسه بألم.
هما قطبين متنافرين، عالمها بعيد عن عالمه، حتى وإن كانت دقات قلبه ترسم الطريق تجذبه نحوها.
شعر بالملل، وكاد أن يخرج هاتفه من جيبه يتصفحه، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة، لا يريد أن يظهر لها جهله أكثر من هذا.
قرر أن يراقبها عن كثب ويتأملها عن قرب.
حركات يدها المتناسقة مع ردات فعلها، وقلبه الذي يتناغم مع تلك الحركات، وكأن كلماتها وحركاتها أصبحت تعزف على أوتار قلبه، تزيده إعجابًا بها.
حتى لمح حجابها الذي انزلق أحد أطرافه بعفوية مع انحنائها، ليظهر جزء صغير من رقبتها.
مد يده يغطيه وأعاد الطرف يضعه على كتفها.
التفتت نحوه مبتسمة بامتنان من فعلته.
- متشكرة.
بادلها الابتسامة وقال وهو يبصر الشعرات التي تسللت من جانبي الحجاب.
- استني ثواني.
ليحرك رأسه يمينًا ويسارًا ويمد إصبعه يدخلها، يخفيها تحت الحجاب.
- نوع القماش مزعج، دايما بيتزحلق، بس أعمل إيه، هو اللي مناسب مع لون الفستان.
- ولا يهمك، أهو ضبط.
نظر لما صنعه برضى.
- كده تمام.
رفعت يدها تهندمه أكثر، ليبتسم ويقول.
- متخافيش، ضبط خلاص.
- متشكرة يافارس، الظاهر كده هدى لسه عينها فيه، كل ما البس يطلع عيني.
قالت كلماتها ضاحكة بخفوت.
شاركها هو أيضًا بالضحك.
- هي الندوة فاضل لها كتير؟
نظرت لساعتها وتطلعت للمنصة، ثم عادت تنظر إليه.
- لو زهقت ممكن نمشي.
حرك كتفيه بحيرة، ثم زفر أنفاسه بملل.
- لا خلاص خلينا نستنى لحد ما تخلص، الظاهر الدكتور اللي بيتكلم بيقول حاجة مهمة، رغم إني مش مرتاحله.
قالها بتهكم، مشيرًا إلى الشخص الذي يتحدث وهو يعقد حاجبه.
ضحكت على وصفه وقالت بجدية.
- يابني دا دكتور كبير وعنده أبحاث ياما.
رفع أحد حاجبيه بتعجب.
- والله مش باين الصراحة.
ضحكت على تعابير وجهه وقالت ساخرة.
- يعني هو لازم يلبس ماركة عالمية عشان يبان عليه؟ هما الدكاترة كده، الأغلب بيكونوا بسيطين في لبسهم.
ثم غمزت له وقالت تمازحه.
- يعني مش كلهم هيلبسوا زي زباينك يا فارس باشا.
ليجيبها مداعبًا إياها وهو يصطنع الجدية.
- الحمد لله إني مش دكتور.
لتضحك وتقول بتهكم.
- الحمد لله، أكيد، لأن انت كده مغرور، أمّال لو بقيت دكتور مش هتبص لحد.
انحنى يقترب منها هامسًا.
- ليه هو أنا هكون شمس الجوهري؟
أمتعض وجهها بغضب وقالت تشير نحو نفسها.
- أنا مغرورة يافارس، دا أنا نقطة في بحر غرورك يا ابن محسن.
كتم ضحكاته وكتف يديه على صدره، مدعيًا عدم مبالاه، وهو يكتم ضحكاته ويردف.
- أنا غلبان، حكاية الغرور دي إشاعة مغرضة.
- إشاعة … أيوه صح، إشاعة.
رددتها باستهازاء، وهي تعود لاندماجها مع المؤتمر الذي انتهى بعد مدة من الزمن.
سار بجانبها نحو الخارج.
- تحبي تتعشي فين؟
- براحتك، أي مكان عادي.
قالتها وهي تضع أغراضها في حقيبتها.
- دكتورة شمس، شكراً لحضورك.
باغتهم بها كامل عندما قالها وهو يلتقي بهم عند مدخل القاعة.
لترفع رأسها تنظر إليه وتشعر بيد فارس الذي أمسك بيدها يضغط عليها بتملك، أربكها.
- متشكرة على الدعوة يادكتور.
- يارب تكوني استفدتي منها.
- جدًا بصراحة، معلومات هايلة، والدكاترة ما شاء الله متمكنين.
كان يراقب حوارها مع كامل الذي زينت وجهه ابتسامة سمجة، ود لو يلطمه على وجهه، يخفيها.
تمالك أعصابه قبل أن يسحبها من أمامه.
كانت تشعر بأصابعه تضغط على يدها، تعلم أنه هذا الحوار يزعجه، لتنهيه بسرعة.
- متشكرة يادكتور مرة تانية، عن إذنك.
تقدم وسحبها خلفه حتى ابتعدوا، ليلتفت ينظر نحو كامل ويقول بأنزعاج.
- راجل غتت، مش قادر أبلعه.
لتطلق ضحكة كتمتها منذ أن شعرت بضيقه من كامل، لتقول تستفزه.
- ليه دا حتى لطيف.
نظر نحوها بحنق، يردد كلمتها مستهزئًا بغضب.
- لطيف… دا مابينبلعش.
- أشرب وراه ميه.
قالتها ضاحكة.
- والله لو شربت جردل ميه مش هيتبلع… شخص مستفزع.
عاد إلى الفندق بعد أن تناولا وجبة العشاء، وتسطح كل منهما يقصد النوم الذي جافا الاثنان.
هو كان يفكر في الفارق بينهما، وهي تفكر فيما أصبحت تشعر به، أن هناك شخص مختلف داخل فارس، وما يظهره من انحراف ليس سوى غطاء يمكن إزالته كي يظهر مكنونه الداخلي.
استدارت في رقودها لتواجه عينها عينه، التي كانت تراقبها.
ذلك الضوء الخافت الذي يتسلل من النافذة أعطى تلك اللحظة سحر خاص، وتحدثت العيون بلغتها، مابين الحيرة، الرجاء، وحب وعناد، تفاصيل وتساؤلات كانت تبوح بها نظراتهم.
حتى استجمع قواه وتشبث بالغطاء كأنه يستمد قوته منه، وسألها هو.
- شمس.
- نعم.
- هو لو كان حد اتقدملك معندوش شهادة، كنتي هتوافقي؟
تطلعت له بأندهاش من سؤاله، لكنها رمشت عينها بأحراج وقالت بصدق.
- أكيد لا.
رواية بنات ورد الفصل العشرون 20 - بقلم رشا عبد العزيز
أبتلع غصة مرة نزلت في جوفه تحرقه. كلماته كانت خنجر غرسته في قلبه كصفعة ليستفيق من أحلامه. هي لن تنظر إليه، ربما تغافل في غمرت مشاعره عن طريقة زواجهم، وربما تناسى ما طلبته منه في ليلتهم الأولى. فترة زواج محددة.
حتى التقطت مسامعه باقي حديثها.
- بس عمر الشهادة ماكانت مقياس للشخص بنسبالي، فيه مقاييس أكبر من كدة. احنا مش هننكر ان الشهادة مهمة، لكن مش مقياس لأخلاق أو ثقافة. فيه ناس عندهم دكتوراه لكن هتلاقي معندوش خلق، وفيه ناس بسيطة وتلاقيه مثقف وأخلاقه عالية. مش معنى أن الإنسان عنده شهادة يعني إنسان كويس.
عادت الدماء تتدفق في قلبه بعد أن تيبست عروقه. عاد ينبض بالأمل من جديد، فباقي حديثها أعطاه جرعة سعادة وارتياح.
ليعاود سؤالها:
- طب لو كنت بتحبيه هتوافقي؟
أسئلته بدأت تكمل لها الصورة وتضيئ زوايا الشك عندها ليصبح يقين. تلك اللمعة التي تراها في عينه، أسئلته المبطنة اليوم يضعها ضمن دائرة الحقيقة، ويدفعها نحو ما تخشى. لتنفض أفكارها وتبني حصونها، تحفظ عقلها وقلبها من الانسياق خلف تلك الأفكار.
صمتها أثار ريبته، لكنه وجدها تضحك وتعتدل. تنام على ظهرها، تنظر لسقف الغرفة بشرود وتقول:
- أنتِ بتفكرني بهدى يافارس، دايما كانت تسألني عن الحب ورأيي في الحب.
ثم أدارت رأسها نحوه وقالت بثقة:
- أنا عمري ما جربت الحب، طول عمري شايفاه عذاب لصاحبه، حاجة مؤذية.
- بس دي فكرة ظالمة عن الحب، والتعميم غلط. ياما ناس بيحبوا بعض ويعيشوا سعيدين.
تنهدت بألم وهي تتذكر والديها:
- عندك حق، يمكن أنا حكاية أمي وابويا مأثرة عليا. حسيت أنهم أتأذوا من الحب.
- بس هما كانوا سعيدين مع بعض، مش كده؟
أسبلت عليها بحزن وهزت رأسها موافقة:
- فوق ما تتصور. كانوا نموذج للسعادة الزوجية والتفاهم. عمري ماشفتهم اتخانقوا ولا اختلفوا. بابا كان حنين أوي، وماما كان بتحبه محتوى. عوضته عن حاجات كتير، حتى عوضته عن وجود عيلته.
أتسعت ابتسامته بانتصار وقال:
- شفتي إذاً نظرتك للحب غلط.
لتقول ساخرة:
- مش يمكن يكونوا حالة خاصة.
ضاق عنه وقال يداعبها:
- بطلي عند واعترفي أنك غلط مرة واحدة. تنازلي عن كبريائك يادكتورة.
ضحكت لأنها شعرت أنه يرد لها حديثها، لتستدير بتجاهه وتسأله:
- فارس، أنت حبيت قبل كده؟
قطب حاجبه ورفع يده يعد على أصابعه مازحاً، لتشيح وجههاً بانزعاج. ضحك على تصرفها:
- لا كحب أنا ماحبتش أبداً، لكن أكيد كان عندي علاقات عابرة، بس منقدرش نقول عليها حب.
ضيقت عينها وتهكمت ساخرة:
- اسمها علاقات محرمة، مش علاقات عابرة. بلاش نزوق الكلام عشان نزيف الحقيقة.
ليصيح بها مستنكراً بعد أن رأى ردت فعلها:
- أي حيلك حيلك يابنتي، ده مجرد كلام يعني مش علاقة جسدية.
استهجنت حديثه وقالت بأنفعال:
- مهو الكلام كمان حرام، مش الجسد بس يا أستاذ. هو أحنا هنحلل ونحرم على مزاجنا.
استدار ينام على ظهره وقال بحنق بعد هجومها عليه:
- أنا مضربتش واحدة على إيدها، هما اللي كانوا بيتقربوا مني.
- آهو دا المبرر اللي بتحاول ترضي بيه ضميرك. طب لما هي قربتلك مش عشان شافت تجاوب منك؟
رفعت كتفها وحركت يدها بأصرار:
- وبعدين أنت كنت تقدر تصدهم.
التفت بسرعة وهب ينهض جالساً يهتف بحدة:
- شمس! أنا مش ملاك، أنا شاب طبيعي. أنت بتتكلمي بمثالية زيادة عن اللزوم.
أزاحت الغطاء وجلست على السير مقابل له، ثم تسارعت انفاسها بضطراب وهي تحدق به:
- والله أنا مش شايفاها مثالية، دا الطبيعي.
- لا مثالية، مفيش شاب بيفكر كده. أنت مأفورة. الموضوع كل الشباب عندهم علاقات عادي.
- لا ياباشا مش عادي، أنتو اللي اعتبرتوها عادي. الضحك واللعب بالمشاعر مش حاجة عادية.
صمت ينظر لها بعدم اقتناع، لتردد هي:
- طب أنت ترضى أن حد يلعب بمشاعر بنتك، يمثل عليها الحب بعدين يسيبها ويكسر قلبها؟
- أكيد لا.
لترفع سبابتها في وجهه وتقول بابتسامة انتصار:
- شفت اهو، أنت مبترضاش لبنتك اللي بتعملو في بنات الناس.
يعلم أنها محقة، لكنه لن يترك لها فرحة الانتصار. ليدنو منها حتى الامست ركبته ركبتها وانحنى ينظر لها بوقاحة هامساً:
- بس بنتي أنا ضامنها، هتكون زي أمها قوية ومحدش يقدر يضحك عليها.
اتسعت عينها عندما فهمت مغزى كلامه، لكنها دهشت أكثر عندما مال عليها أكثر، فانحنى جسدها إلى الخلف كلما اقترب منها. لينهض فأقترب أكثر، لتشهق عندما وجدت نفسها تستلقي بظهرها على السرير وهو يعتليها ويديه تستندان السرير وتحيطها من الجهتين.
صرخت بغضب:
- أنت بتعمل أي؟
مال أكثر حتى سند جبهته على جبهتها وقال ساخراً:
- أي مالك؟ أنا كنت لسة بقول بنتي قوية.
آلامها ارتبكت، متشتتة من هذا القرب. لتستجمع قوتها ووضعت كفي يدها على صده ودفعته بقوه ليرتد نحو الخلف ويختل توازنه ساقطاً على سريرها.
صاحت به غاضبة:
- ابعد وبطل هزارك البايخ.
قهقه ضاحكاً وابتعد نحو سريره:
- مش كنا من شوية المرأه القوية، أي اللي حصل؟
نظرت له بشمئزار وقالت بضيق:
- تصدق الحق عليا إني بتكلم مع واحد زيك. افتكرتك تناقشيني، لكن أنت لا عارف إنك غلط ومصر عليه. ولما اتزنقت هربت بحركاتك البايخة.
غطت جسدها ورأسها بالغطا واستدارت تواليه ظهرها.
شعر بالندم من تصر فه الذي شوه صورته أمامها من جديد. اقترب منها وجلس بقربها على حافة السرير:
- شمس، أنا آسف. أنا مش قصدي أضايقك. أنا بس حبيت أوريكي أن القوة وسيطرتك على مشاعرك ممكن تختفي في لحظة ضعف. أنا بشر ياشمس، ممكن أضعف وممكن أخطأ، لكن برجع. لو قدرت أرجع. أنا مش مستهتر للدرجة دي، صدقيني. جايز عندي أخطاء كتير، بس مش وحش بالصورة اللي أنت شايفاها.
- شمس… شمس.
لكنها لم تجيب، بل كانت تبتسم تحت الغطاء وهي تسمع كلماته التي أراحته. تنهد بيأس وزفر نفساً طويلاً. نظر لها وهي تحيط جسدها كاملاً بالغطاء. وعندما لم تجيب قال وهو ينهض نحو سريره:
- تصبحي على خير.
تمدد على سرير بضيق وهو يشعر أنه فشل مرة أخرى أمامها.
***
شعرت بسعادة وهي تنجح في اختبار قبولها. ونظرت بأمتنان إلى دعاء التي أخذتها بجولة في المدرسة وعرفتها على الكادر التدريسي وسلمتها الكتب المنهجية بعد أن أطلعتها على جدول الحصص والمهام المكلفة بها.
- متشكرة يادعاء، تعبتك معايا.
تأبطت ذراعها وقالت بأبتسامة:
- يابنتي متقوليش كده، أحنا أهل. وبعدين أنا معملتش حاجة، عرفتك على المكان.
بستنهدت بخجل ثم ابتسمت ابتسامة هادئة تخبرها:
- كنت خايفة لفشل في الاختبار وأحرجك.
أطلقت دعاء ضحكة وقالت لها:
- وعلي أي دخلوا في الحكاية؟
أسبلت أهدابها برتباك:
- يعني مكنتش عايزة أحرجك.
كتمت غيضها منها وسألتها بحرقة مزقت قلبها لتخفيها خلف ابتسامة مصطنعة:
- يااا لدرجة دي بتحبيه؟
أجابتها بعفوية وحسن نية:
- ده أنا بموت فيه. أنا وعلي بنحب بعض أوي، ربنا يحفظه ليا.
ودت لو تلكمها وتسكت لسانها الذي كسرته كلماته وتصم صوتها الذي زاد نزيف جرحها الذي لم تستطيع مداواته. لكنها مثلت الثبات وقالت بأمنيات مزيفة تمنت عكسها:
- ربنا يخليكم لبعض.
تصنعت المحبة ولونت كلماتها بخبث تطليها بصبغة الكذب مدعية صداقتها:
- بصي ياستي، من النهاردة تعتبريني صاحبتك. أنا معنديش أخوات وهعتبرك أختي. نفسي ياهدى ألاقي حد أكلمه وأشكيله وأحكي له كل أسراري. ماما عصبية أوي مش بقدر أحكي لها حاجة ومش بتفهمني.
استقبلت تلك البريئة حديثها بعطف وأشفاق. أمسكت يدها تؤازرها:
- ولا يهمك، اعتبريني أختك ومخزن أسرارك.
مسحت دمعة مزيفة جاهدت لإخراجها كي تستميلها وتكسب عطفها وابتسمت بخبث وهي ترى نجاح خطتها عندما وجدت الدمع تلمع في عين هدى:
- يا ريت ياهدى، ده أنا أكون شاكرة ليكي.
ابتسمت لها ومدت يدها تمسح دموعها وقالت بمحبة:
- خلاص، أرجوك متعيطيش.
مسحت دموعها المزيفة وقالت تشكرها:
- متشكره ياهدى، متشكرة أوي. وأنا كمان مستعدة أسمع منك.
ثم صمتت تستدرك سرعتها في اقتناص فريستها البريئة لتمثل الحرج:
- ده إذا كنت حابة تحكي…
ثم عادت تملئ عيونها بالدموع مدعية الحزن:
- أنت أكيد عندك أخواتك.
- بس مش بقدر أحكيلهم كل حاجة عشان بيزعلوا عشاني.
قالتها هدى بحزن وهي تطأطأ رأسها.
أخفت ابتسامة النصر وهي ترى نفسها تدنو من تحقيق هدفها ولبست قناع التعاطف والمحبة:
- ولا يهمك يا هدهد، أنا مستمعة جيدة. تقدري تحكيلي، وأوعدك إن ده هيكون سر مابيننا.
لمعت عينها بمكر وهي تمد لها يدها تصافحها:
- اتفقنا.
مدت هدى يدها تصافحها وهي مبتسمة:
- اتفقنا.
***
جلست أمامه في ذلك المقهى الذي اعتادت أن تشرب فيه الشاي. دارت عيناه في المكان فأعجبه النمط الكلاسيكي الذي طغى على أجوائه. تطلع إليها فوجدها مندمجة في هاتفها، يبدو أنها تراسل شخصًا ما، ومن تقلبات ملامح وجهها أدرك أنها "هدى" التي لا تكف عن مشاكستها دائمًا.
قال وهو يبتسم بخفة:
- دي هدى؟
رفعت نظرها من الهاتف، خطفت نظرة نحوه ثم عادت إليه لتجيبه:
- أيوه.
- سلميلي عليها.
- حاضر.
أخرج هو الآخر هاتفه وبدأ يقلب فيه، حتى سمع ضحكتها الخافتة ونظرها ما زال مسلطًا على الشاشة.
رفعت نظرها لتلتقي عيناه بعينيها، وقالت وهي ترفع الهاتف أمامه:
- هدى عاوزاني آخد سيلفي معاك عشان تطمن إني في إيطاليا مش بكذب عليها.
رفعت الهاتف والتقطت الصورة، فابتسم بمكر وقد راودته فكرة ليحتفظ بصورة معها على هاتفه.
- استني، أنا موبايلي أحدث، الصورة هتطلع أحلى.
ترك مكانه واتجه نحوها، سحب الكرسي وجلس بجانبها، ثم رفع يده والتقط عدة صور لهما معًا.
خفض هاتفه يبتسم بسعادة وهو يقلب الصور، ثم أراها إياها قائلًا:
- هبعتلك الصور عشان تبعتيها لهدى.
أومأت برأسها موافقة، ليصل النادل واضعًا فنجان القهوة أمامه، ثم همّ بوضع كوب الشاي أمامها، لكن فجأة اضطربت يده فاختل توازن الكوب، وسقط ساكبًا محتواه على يدها. شهقت بألم ورفعت يدها نحو فمها تنفخ عليها.
انتفض هو بفزع، جذب يدها نحوه ينظر إليها بخوف وقلبه يخفق هلعًا:
- وريني يا شمس، حصلها إيه؟ آخدِك المستشفى فورًا.
أغمضت عينيها بألم وقالت:
- ملوش داعي، دا حرق بسيط.
لومها بعينين ممتلئتين بالقلق:
- إزاي ملوش داعي؟ شكلك موجوعة.
أمسك يدها وبدأ ينفخ عليها وسط اعتذار النادل الذي أسرع وعاد بقطعة ثلج ملفوفة في منديل ورقي. أخذ الثلج وبدأ يمرره على يدها بحذر وقلق، وهو يرى احمرار جلدها. كانت تتأوه مغمضة العينين، تعض على شفتيها من الألم.
فتحت عينيها أخيرًا، فتبدل ألمها بدهشة وهي تبصر لهفته وقلقه عليها، وكيف يمسك يدها ويحرك قطعة الثلج برفق وينظر إليها بخوف. بلعت ريقها بتوتر، ولما رفع بصره نحوها سألها بقلق:
- أحسن دلوقتي؟
لم تستطع نطق كلمة، واكتفت بهز رأسها بخجل. ازداد حرجها حين شعرت بملمس شفتيه على يدها يقبلها برقة. اضطربت وحاولت سحب يدها التي كان لا يزال يمسكها بقوة.
- خلاص، بقت أحسن… متشكرة.
لكنه لم يستمع لحديثها، ظل ممسكًا بيدها، يمسح عليها تارةً وينفخ تارةً أخرى، حتى ذابت قطعة الثلج بين أصابعهما من حرارة جسدها، لا تدري أكانت من أثر الحرق أم من الحرج.
قبل يدها أخيرًا وأفلتها، وسط نظراته التي امتلأت بالألم والشفقة، فسحبتها بسرعة تمسكها بيدها الأخرى وتضمها إلى صدرها.
وما فعله جعل قلبها المتجبّر يرتجف بتوتر.
***
أسبوع مر منذ أن استلم مفاتيح العيادة وبدأ في ترتيبها وإعدادها. ورغم أن العيادة يفصلها طابقين فقط عن شقتهم، لم يفكر أن يأخذها إليها أو حتى يأخذ رأيها في شيء من الديكور أو الألوان. كم تمنت أن يشاركها أحلامه وطموحاته.
لم تراه سوى بضعت ساعات من النهار في خضم انشغاله. لم تعاتبه ولا تسأله، فقد حفظت الإجابة عن ظهر قلب. والعذر أصبح باهتاً يثقل عليها تقبله، لكن ماذا تفعل، ليس أمامها سوى الصمت.
اليوم هي مجبرة للذهاب إلى عيادته بعد أن طلب من سماح الحضور إلى العيادة لاستلام وظيفتها. سارت أمام سماح المتحمسة للبدء بالعمل، لكن لا تعلم لماذا كلما اقتربت من عيادته زاد خفقان قلبها. ودعت الله ألا تفضحها دموعها عندما تصل هناك.
وقفت أمام باب العيادة بتردد لتقطب سماح حاجبها وتقول مستفسرة:
- مالك يابنتي وقفتي ليه؟ ماتدخلي، هو دكتور طارق مش جوزك؟
أومأت بتوتر وقالت متلعثمة:
- أيوه موجود جوه، بس كنت عايزة أستأذن منه.
تعجبت سماح وقالت بدهشة:
- وتستأذني ليه؟ دا جوزك.
توترت بحرج ونبض قلبها بحسرة أخفتها، ترسم ابتسامة باهته على محياها وتقول بدعابة:
- عشان أنا زوجة مؤدبة ياسماح. نهرتها سماح بسخط وقالت وهي تربت على كتفها وتقول بستهزاء:
- طب يلا يامؤدبة، عندي مشوار مع خطيبي هتأخر عليه. التفتت نحو الباب المورب وفتحته، تخطو بخطوات مترددة نحو الداخل لتجده منكباً في تعليق إحدى اللوحات على الحائط. لتتحمحم بأضطراب:
- احم… مساء الخير.
التفت لها فور سماع صوتها. تزين وجهه ابتسامته التي باتت تعشقها، ليرفرف قلبها لرؤيته. ورغم أنه هيئته مبعثرة وتملئ ملابسه الأتربة، فيبدو أنه كان منغمساً في ترتيب الأشياء، لكنه لا يزال وسيم وطلته تخطف أنفاسها.
- أهلاً ياندى.
قالها مقترباً منها حتى انتبه لوجود سماح خلفها ليشير نحوها:
- أكيد انت سماح.
- أيوه يادكتور.
قالتها سماح وهي تهز رأسها معرفة بنفسها:
- أهلاً ياسماح، عاملة إيه؟
- بخير متشكرة.
- أكيد ندى فهمتك على طبيعة الشغل والالتزام.
قالها يحول نظره نحو ندى التي كانت تنظر نحو سماح التي أجابت:
- أيوه يادكتور.
- خلاص يبقى متفقين.
ليذهب نحو مكتب صغير وضع في صالة الاستقبال:
- ده مكتبك ياسماح.
ثم التقط ورقة موضوعة عليه نظر لها ثم مد يده يسلمها إليها. التقطتها تمعن النظر بها:
- ده الجدول اللي هتمشي عليه. تقدري تيجي تستلمي الشغل بكرة عشان كمان نتفق على المرتب.
ثم اقترب من ندى يحيط كتفها وقال مازحاً:
- ومتخافيش ياستي، أنتِ واسطتك قوية مش هنختلف إن شاء الله.
كست وجهها حمرة الخجل وامسكت يدها تفركها بحرج. خفق قلبها يصرخ بحبه. رغم أن حركته بسيطة لكن عنت لها الكثير مما جعل سماح تنظر لها وتبتسم بتلقائية:
- وهو أحنا لينا غير ندوش القمر.
نظرت له لتجده ينظر لها مبتسماً. غابت في سحر عينه كما غاب هو في رقتها وخجلها المعلن. قطعت لحظات تواصلهم صوت سماح:
- احم… عن إذنكم، أنا لازم أمشي. هكون عندك بكرة في المعاد يادكتور إن شاء الله. مع السلامة ياندوش.
- مع السلامة.
قالها الاثنان بصوت واحد وعينهم تتبعها حتى خرجت وأغلقت الباب خلفها. ابتعد عنه مبتسماً وعاد يعلق اللوحة على الجدار.
تجولت هي داخل المكان تستكشفه وعينه ترصد التنظيم وتنسيق ألوان الأثاث والجدران.
اقترب منها عندما رأها وعينها تدور في المكان:
- أي رأيك عجبتك؟
التفتت نحوه وهي تهز رأسها برضى:
- أيوة جميلة، بس محتاجة تنظيف.
- ما أنا هنظفها دلوقتي.
قالها وهو يحمل دلو ماء فارغ وضع جانباً. لتقترب تأخذ منه قطعه القماش المبللة وتقول بحزم:
- خليني أساعدك.
أحاطها بنظرة شكر وابتسم بأمتنان:
- ياريت ياندوش.
ليبدأو العمل سوياً وتعالت ضحكاتهم وهو يرشها بالماء يشاكسها وهي تفعل مثل ما فعل. تشاركو في العمل وكم كانت سعيدة بأنها شاركت معه تلك اللحظات. رغم أنهما أجهدا في العمل لكن كان لها مذاق مختلف.
أزاحت قليلاً من الفتور الذي تسلسل لحياتهم وأصابها بالجمود.
كان يختلس النظر نحوها بين الحين والآخر يجد اجتهادها في التنظيف وسعادتها بمساعدته. ابتسامتها اللطيفة باتت تأسره وطبيعتها الهادئة تجذبه نحوها. هي حقاً الزوجة المثالية له والأم التي سوف يأمن على أطفاله معها. لكن هناك ركن آخر، ركن الحبيبة التي أصبح يوقن أنها بدأت تخطو لتمتلكه هو الآخر.
ابتسم بسعادة وهو ينظر نحو الماء الذي يستخدمه في غسل الأرض. كيف يجي تحت قدمه متسارعاً ويتعثر ببعض الأماكن لياخذ مساراً آخر ويغير طريقه. وكأن مجرى الماء يشابه هذه الحياة في مسيرها حتى توقف فجأة وهو يرى الماء قد ارتطم بأحد الجدران وتناثرت قطراته متباعدة عن بعضها.
ليغمض عينه يوقف سيل الأفكار السيئة التي تدفقت في مخيلته وهو يخشى أن تواجه حياتهم عقبة تدمر صوف تلك الحياة التي يرسمها بدقة. كما أعتاد دائما في حياته أن تكون قراراته دقيقة ومتعقلة.
- خلصت يا طارق.
أفاقه صوتها من دوامة تلك الأفكار الغريبة التي لا يعلم لماذا طرقت فكره الآن:
- ها أيوه يا ندى، دقايق.
أنهو عملهم ليقفوا وينظروا لصنيعهم بأستحسان. ضمها إليه يشكرها:
- متشكر ياندى.
تحدثت وهي داخل أحضانه كأنها تتشبث بحياتها التي تتمنى أن تكتمل بحبه:
- متشكرنيش يا طارق، أنت جوزي. إذا ماكنتش أنا أقف معاك مين هيوقف معاك.
ضمها إليه أكثر بعد أن أثلجت قلبه كلماتها:
- ربنا يحفظك ليا ياندى.
أخرجها من أحضانه لكنه لا يزال يأسر جسدها بذراعيه. لتدور عينه في أرجاء العيادة يخبرها بسعادة:
- عارفة ياندى، العيادة دي كانت حلمي من أول مادخلت كلية الطب. جدو وعدني بيها من زمان وأنا اللي اخترت المكان واخترت يكون قريب من شقتي. العيادة دي هي أول حجر في مشوار مستقبلي ياندى. لو نجحت يبقى أنا على الطريق الصحيح.
لا تعلم لماذا ذكره لاسم جدها في وسط كلامه ووعده له نغز قلبها. هل كانت العيادة مقابل للزواج منه؟ لحضات تصارعت هذه الأفكار في رأسها حتى نفضتها من رأسها وقالت:
- ربنا يوفقك وتكون أشطر دكتور في الدنيا.
- أيوه ياندى، أدعيلي.
- أنا بدعيلك دايماً ومن غير ما تطلب. هو أنا عندي أغلى منك.
أربكته كلماتها التي خرجت صادقة من فمها. لم تقصد بها جرأة أو دلال، لكنها تلقي بمشاعرها أمامه. ليبتسم فتبادله الإبتسامة خجلاً وكأنها وعيت لحديثها التلقائي. قبل جبهتها بحب:
- ربنا يقدرني وأسعدك.
ودت لو تخبره أن وجوده بقربها هو سعادتها والاتحتاج أكثر من ذلك.
***
جذب يدها يسحبها خلفه بأصرار نحو إحدى الصيدليات القريبة. لتثبت جسدها على الأرض بعناد:
- فارس، الحرق سطحي خف خلاص مش محتاج دوا.
عبس وجهه بغضب يوبخها:
- بلاش العند ويلا، ممكن يتأثر كمان شوية.
كان تعلم صحة حديثه لكنها كانت تخشى تلك النظرات التي أصبح يحيطها بها. وتتمنى أن ما تفكريه مجرد وهم وخوفه عليها الذي ظهر في نبره صوته ليس سوى لأنه مسؤول منه.
أمتثلت له مجبرة وسارت خلفه حتى وصلا الصيدلية وأظهرت يدها للصيدلي الذي وصف لها مرهم خاص بالحروق وطمأنها أن الحرق بسيط ولا يجب أن تقلق.
خرجوا من الصيدلية لتلفت نحو وتقول:
- مش قولتلك حاجة بسيطة.
- أهو أطمنا عليكِ، تعالي.
قالها يسحب يدها نحو أحد المقاعد العامة جلس واجلسها بجانبه وأمسك يدها عنوة رغم اعتراضه ليضع القليل من المرهم على أصابعه ويمسح على الحرق بتروي. ثم رفعها ينفخ عليها حتى تأكد أن الجلد قد امتصّ المرهم.
كانت تراقبه بتوتر تتمنى أن يتوقف. ودت لو تصرخ به وتخبره أن لا يفعل ذلك. اهتمامه لا يزيدها سوى اضطراب وتشتت. سحبت يدها من بين يده لترفعها تنفخ عليها هي، مشيحة بوجهها إلى الناحية الثانية تخفي حرجها وارتباكها.
رغم انزعاجه من حركتها لكنه أصبح يفهم عنادها. التقط المرهم ومدزيده يعطيها إياه:
- خليه عندك ومتنسيش المواعيد.
أومأت برأسها وأخذته منه تضعه في حقيبتها. لكنها لم تستطع فتح الحقيبة لتحاول عدة مرات لكن دون جدوى. كتم ابتسامته وهو يختلس النظر نحوها حتى مد يده وساعدها في فتح الحقيبة وسحب المرهم يضعه داخلها:
- متشكرة.
قالتها باقتضاب وهي تهرب من عينه التي تحاصرها:
- نتمشى شوية، أي رأيك؟
قالها يحثها على النهوض بعد أن رأى توترها وبدأت تصرفاتها تزعجه، ليتنهد بضيق ويقرر أن يغيروا المكان.
سارت بجانبه ليجذب انتباهها عينه التي تتبع إحدى السيارات الفارهة حديثة الطراز. ظلت عينه تترقبها حتى اختفت من أمامه.
وضع يديه في جيب معطفه يخبرها:
- العربية دي حلمي، بس هي إنتاجها محدود.
- حلوة… بس أنا مش شايفاها مبهرة.
- هي عشان إنتاجها محدود بتكون مميزة. أنا بحب الأشياء المميزة.
التفتت نحوه ومطت شفتيها بلا مبالاة:
- أنا مليش في العربيات، جايز عشان كده مش بتشدني.
لتتفاجأ به يسألها:
- أنت أي أحلامك ياشمس؟
تنهدت ببطء وأتسعت ابتسامتها بسخرية:
- بصراحة أحلامي كتيرة أوي.
يضحك بخفة وقال يمازحها:
- طب يله همسك ورقة وقلم واسجل، أتحفينا.
شاركته الضحك وقالت:
- ماشي ياسيدي سجل عندي.
لترفع يديها تعد على أصابعها:
- أولاً… نفسي أقعد على البحر.
- ثانياً… نفسي أركب خيل.
- ثالثاً… نفسي أجري في الشارع.
بس دا طبعاً بعد نجاحي وتطوري وأني أكون دكتورة مشهورة. دا أهم أحلامي.
يرفع حاجبه بدهشة:
- بس دي كلها أحلام بسيطة ممكن تحقق بسهولة.
- عندك حق، بس فيه لسه أحلام بعيدة وأمنيات مستحيلة.
قطب حاجبه يسألها:
- وأي هي الأمنيات المستحيلة؟
تنهدت بيأس ولسعت عيونها الدموع:
- إني أصلي مع بابا جماعة مرة وحدة وياخدني بحضنه بعدها زي ماكان بيعمل زمان.
تألم لحالها وشعر بالإشفاق عليها. ود لو يستطيع أن يأخذها بين أحضانه وتمنى لو كان بأمكانه أن يبوح لها بحبه ويخبرها أنه بجانبها.
مسحت دمعتها الهاربة وهي تسمعه يواسيها:
- ربنا يرحمه. ادعيلي.
وزفر أنفاسه بحرقة وكان كلماتها لامست جرحه:
- اللي بيروح مابيرجعش، عندك حق لما قلت مستحيلة.
ليغير مجرى الحديث تطلع لها بأبتسامة:
- طب والأحلام البعيدة تطلع إيه؟
ارتبكت بأحراج وقالت:
- لا دي اسمحلي أحتفظ بيها لنفسي.
نظرت نحو المجهول وتاهت في حلمها البعيد الذي لم يكن سوى قصة حب قوية ومختلفة تتمنى أن تعيشها في يوم ما. التفتت نحوه لتجده ينظر لها بتلك النظرات الجديدة عليها، تتوقد بالمشاعر. التقت عينه بعينها وكأنه يخبرها أنها حلمه الجديد، لتشيح بنظرها بعيداً.
***
كانت تسير بجوار صديقتها لتجده يدخل إلى باب الكلية. خفق قلبها بشدة وأصبح وجوده يسلب تعقلها كما سلب قلبها. وكزتها صديقتها بعد ما وجدتها تحدق به:
- أي يابنتي امسكي نفسك، نظراتك مفضوحة. منزلتيش عينك من عليه من ساعة ما دخل الكلية.
- مش أستاذي وبشوفه رايح فين.
لوت صديقتها شفتها بسخط وقالت بتهكم:
- أستاذك برضو؟ عليا الكلام ده. ده انت عينك هتطلع عليه.
لتربت على ذراعها تلومها:
- يابنتي دا مجوز، سيبك منه.
ثم أكملت مستهزئة:
- وإلا أنت عايزة تكوني زوجة تانية؟
أشاحت نظرها بعيد عنها وهي تهمس لنفسها بخبث:
- مش لما يبقى فيه زوجة أولى أصلاً.