تحميل رواية «بنات ورد» PDF
بقلم رشا عبد العزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى ليالي الربيع ومع نسمات الهواء الباردة، كانت ضحكات تلك الصغيرة ذات الاثنى عشر عامًا تعلو، تكسر صمت الشارع الذي تمر به مع والدها. تمشي معه متشابكين الأيدي، تقص عليه بفخر تفوقها الدراسي وعلاماتها العالية، ويثني هو عليها بكلماته الجميلة التي تنبع من قلب أب حنون. "برافو يا مشمش، عاوزك تكوني دايمًا كده شاطرة ومتفوقة عشان لما تكبري تكوني أحلى دكتورة بابا يرفع راسه بيه." هزت له رأسها مؤكدة على كلامه. "أيوه يا بابا، هكون دكتورة وأساعد الفقراء زي ما علمتني." قرص وجنتها وقال يشجعها. "حبيبتي الشطورة...
رواية بنات ورد الفصل الأول 1 - بقلم رشا عبد العزيز
في إحدى ليالي الربيع ومع نسمات الهواء الباردة، كانت ضحكات تلك الصغيرة ذات الاثنى عشر عامًا تعلو، تكسر صمت الشارع الذي تمر به مع والدها. تمشي معه متشابكين الأيدي، تقص عليه بفخر تفوقها الدراسي وعلاماتها العالية، ويثني هو عليها بكلماته الجميلة التي تنبع من قلب أب حنون.
"برافو يا مشمش، عاوزك تكوني دايمًا كده شاطرة ومتفوقة عشان لما تكبري تكوني أحلى دكتورة بابا يرفع راسه بيه."
هزت له رأسها مؤكدة على كلامه.
"أيوه يا بابا، هكون دكتورة وأساعد الفقراء زي ما علمتني."
قرص وجنتها وقال يشجعها.
"حبيبتي الشطورة، لما نوصل السوبر ماركت أشتري أي حاجة انت عاوزها هدية الدرجات العالية."
نظرت له تتساءل.
"بجد يا بابا؟"
"بجد يا روح بابا."
تقفز عدة مرات فرحًا وهي تقول.
"حبيبي يا بابا."
ثم توقفت تتذكر شيئًا لتضغط على يد والدها التي تحتضن يدها.
"هتشتري كمان لندى وهدى؟"
"أكيد."
تذمرت شفتيها باستياء.
"بس هما ما خدوش درجات كبيرة زيي."
توقف يستدير نحوها، يجعلها تقف أمامه، ثم نزل لمستواها وقال بحزم.
"ندى وهدى أخواتك، وأنا لازم زي ما أشتري لك أشتري لهم."
خفضت عينها بحزن، ليمد يده يرفع ذقنها ويقول مبتسمًا.
"بس انت يا حبيبتي هديتك هتكون أغلى شوية عشان الدرجات الحلوة دي."
لترتسم ابتسامة كبيرة على وجهها، وتتعلق بعنقه تحتضنه بقوة وهي تردد.
"أنا بحبك أوي يا بابا."
قبل وجنتيها وهو يقول.
"وأنا بموت فيكِ يا دكتورة."
عاد يستقيم واقفًا ويمد لها يده، يفرقع أصابعه في دعوة منه لكي تمسك بيده. مدت يدها تشابك أصابعها بأصابعه بسرعة وقالت.
"يلا نجيب طلبات ماما ونشتري الهدايا."
سارا مبتهجين حتى وصلا المتجر، وابتاعا ما يحتاجان من احتياجات المنزل. اتجهوا إلى محل الألعاب القريب من المكان. لتختار لعبة أدوات الطبيب، واختار والدها لعبتين لشقيقاتها. وخرجا يضحكان بعد أن مازحها وهو يطلب منها أن لا تخبر شقيقتيها أن سعر لعبتها أغلى.
لكن والدها فجأة توقف وهو ينظر باتجاه معين، ليفلت الأكياس التي يحملها وتتناثر محتوياتها في الشارع، ويركض باتجاه ذلك الطفل الذي أفلت يد والدته يحاول اجتياز الشارع باتجاه بائع البالونات دون أن ينتبه للسيارة التي تتجه نحوه.
لحظات فقط، ولم تسمع سوى صرير إطارات السيارة بعد أن احتكت بأرضية الشارع بعد أن توقفت بشكل مفاجئ. والناس تتجمهر حول جسد والدها المسجى على الأرض. اتسعت عينها وعقلها الصغير لا يستوعب ما يحدث. تجمدت مكانها ودموعها تنهمر تنادي عليه.
"بابا… بابا… تعالى يا بابا أنا خايفة."
انتبه لها صاحب متجر الألعاب الذي خرج توًا بعد أن سمع صوت السيارة. ركض نحوها يسألها.
"هو بابا فين؟"
احتضنت لعبتها بقوة وجسدها يرتعش، تشير له بعينها الباكية نحو مكان الحادث وهي تردد.
"أنا عايزة بابا… بابا…"
أشفق عليها الرجل ليربت على كتفها وهو يقول.
"ما تخافيش تعالي."
أمسك يدها يقودها نحو مكان والدها عله لا يزال على قيد الحياة. أبعد الناس المتجمعة يشق طريق له ولها، لكنه توقف فجأة يلوم نفسه، فالمنظر لم يكن لتتحمله طفلة بعمرها. والدها الممدد تغطي وجهه وجسده الدماء، لكن عينه لا تزال مفتوحة. حاول إبعادها لكنها ركضت نحو والدها تحتضنه وتنادي عليه.
"بابا قوم يا بابا أنا خايفة."
اصطبغ فستانها بدماء والدها، وأصبح الناس يحاولون سحبها عنه وإبعادها. ابتعدت لتجده يبتسم لها وكأنه كان ينتظرها ليودعها قبل أن تصعد روحه للسماء. ابتسمت عندما رأته يبتسم، لكن ابتسامتها تلاشت عندما أغلق والدها عينيه للأبد، لتصرخ.
"بابا… بابا…"
احتضنتها والدة الصبي الذي أنقذه والدها كأنها تعتذر منها عن ما لا ينفع معه الاعتذار.
أغمضت عينيها تنهي تلك الذكرى التي تأبى أن تغادر تفكيرها رغم مرور سنين عديدة، لكنها تشعر أنها كانت البارحة. لترتسم ابتسامة كبيرة على وجهها، فما كان حلم البارحة أصبح حقيقة اليوم. التفتت نحو صورة والدها الموضوعة على السرير، التقطتها تقبلها، ثم أبعدتها عنها وهي تخاطبه.
"حلمي وحلمك بقوا حقيقة يا حبيبي."
احتضنت الصورة بقوة كأنها تحتضنه، لتتذكر كيف أنها جاهدت لتصل إلى ما كان يحلم به والدها، وها هي اليوم الدكتورة شمس حسين الجوهري، طبيبة امتياز، سوف تخطو أول خطوة في مشوارها الذي أعدت له الكثير من الطموحات والأحلام.
أخرجها من ذكرياتها صوت القرآن الكريم الذي يصدح من إذاعة الراديو، ورائحة القهوة والشاي الذي ملأت عبقها المكان، لتنهض بحماس من سريرها. وقفت أمام خزانة ملابسها تنظر إلى ذلك المعطف الأبيض بشغف، ثم نظرت لتلك الدمية التي لم تفارقها طيلة تلك السنوات. أمسكتها تحتضنها وتقبلها لتقول لها.
"اليوم ده أول يوم في المشوار يا مشمش."
قبلت الدمية وأعادتها مكانها، ثم فتحت باب الخزانة الثاني لتجد فستانها الذي تلطخ بدماء والدها، ذلك الفستان الذي لم يغادر خزانة ملابسها، فهي تعتبره آخر شيء يحمل رائحته. حملت الفستان تغمض عينها وتستنشق رائحته كأنها تستنشق رائحة والدها، تستمد قوتها منه دائمًا لتكمل طريقها في هذه الحياة.
خرجت من غرفتها بحماس لتجد والدتها ترص الأطباق على المائدة. اتجهت نحوها لتحتضنها بقوة وتقول.
"وردتي صباح الخير يا أحلى أم في الدنيا."
"صباح النور يا حبيبتي."
قالتها ورد وهي تقبل صغيرتها مبتسمة.
ليقاطعهم صوت هدى التي قالت بسخط وهي تضع طبق البيض على المائدة.
"هي البرنسيسة صحيت أخيرًا."
تلتفت لها شمس وتقول بفخر محاولة إغاظتها.
"قصدك هي الدكتورة صحيت."
ثم أكملت متهكمة.
"يا بتاعة الورد."
امتعض وجه هدى لتقول بغضب.
"ماما شايفة؟"
حركت ورد رأسها بقلة حيلة وقالت تلوم الاثنتين.
"هو إحنا مش هنخلص من موال ناقر ونقير بتاع كل يوم ده."
"يعني انت مش شايفة كلامها يا ماما."
قالتها هدى مستنكرة.
"ومالو كلامي، مش انت بتبيعي ورد يبقى بتاعة ورد."
قالتها شمس لهدى وهي تقف خلف والدتها وتخرج لها لسانها محاولة إغاظتها.
"ماما."
صاحت بها هدى مستنجدة.
"بس انت وهي، اللي يشوفكم يقول عيال، مش واحدة خريجة آداب عربي والتانية دكتورة. اقعدوا كلوا من غير كلام."
جلست الاثنتان في طاعة، وإحداهما تنظر للأخرى باستفزاز.
"زمن أغبر يخلي واحدة أصغر مني تتريق عليا عشان اتوظفت قبلي، هي دي مساوئ قلة فرص العمل."
غمغمت بها هدى وهي تزفر أنفاسها بضيق.
"صباح الخير."
التفت الجميع نحو ندى، الفتاة الكبرى لهذه العائلة وحاملة العبء الأول فيها منذ أن تركت والدتها الخياطة بسبب إصابتها بالمرض. وندى خريجة كلية التربية تعمل في وظيفتين، مدرسة في مدرسة صباحًا ومدرسة في مركز بعد الظهر.
"صباح النور."
رد الجميع تحية الصباح بحب لتلك الفتاة الرقيقة ذات القلب الطيب والعقل الحكيم.
اقتربت هي من والدتها تقبل رأسها باحترام، لتدعو ورد لها بلسان أم راضية.
"ربنا يرضى عليكِ يا حبيبتي."
انتقل نظرها نحو تلك المندمجة بين تقليب أوراقها والنظر لهاتفها تمضغ الطعام على استعجال.
"أي يا مشمش، ابتدى المشوار؟"
رفعت نظرها إليها بسرعة وقالت وهي تعود إلى ما كانت تفعله.
"أيوه يا نادوش، ادعيلي."
"ربنا يوفقك."
عاودت النظر لوالدتها وقالت.
"عايزة حاجة يا ماما؟"
لتجيبها بحب وامتنان متسائلة.
"إيه يا حبيبتي، مش هتفطري؟"
"معلش يا ماما اتأخرت على المدرسة يدوب الحق."
قالتها ندى وهي تطالع ساعة يدها وترحل، تغلق باب الشقة خلفها. صوت الباب جعل تلك المنشغلة تنتبه لترفع رأسها عن أوراقها مندهشة.
"هي ندى مشيت؟"
"أيوه يا ختي."
قالتها هدى بتهكم زاد من غيظها وحيرتها.
"طب أنا أعمل إيه دلوقتي؟"
قطبت والدتها حاجبيها تسألها.
"هو انت عايزة إيه من ندى؟"
عبس وجهها بخيبة أمل وهي تخبرها.
"كنت عايزة فلوس آخذ تاكسي، يعني يرضيكي يا وردتي أروح المستشفى أول يوم مواصلات؟"
"يا بنتي وفيها إيه، كل واحد على قده."
قالتها ورد بحدة لتحجم من تفكير ابنتها خوفًا من الكبر ونكران حالتها المعيشية. لكن ابنتها أرضتها حين قالت.
"يا حبيبتي عارفة والله، بس دا أول يوم بس على ما أفهم الوضع وأعرف أرتب أموري على الوقت المحدد."
تنهدت ورد بارتياح، لتنتقل عين شمس نحو هدى تمسك يدها وترمش عينها عدة مرات تنظر لها نظرات متوسلة. تحاول استمالتها.
"هدهد حبيبتي وحياتي، متين جنيه لأختك حبيبتك."
ضيقت هدى عينها تنظر لها نظرة جانبية لتقول باستنكار.
"من شوية كنت بتاعة ورد."
شتمت شمس نفسها سرًا لحماقتها وعاودت محاولتها.
"هدهد يرضيكي أختك تتبهدل."
واسترسلت مازحة.
"هدهد متين جنيه بس وصدقيني مش هعايرك بيهم زي المية جنيه اللي كنت محوشاهم وادتهملك لما احتاجتي تكملي فلوس القميص الجديد."
لتصرخ هدى متأففة بنفاذ صبر.
"يوووه يادي المية جنيه اللي سددتهم يجي مية مرة."
لتضحك ورد على مناكفة بناتها وتلوم صغيرتها قائلة.
"طب والله عندها حق وأنا شاهدة."
نظرت شمس لوالدتها تشير لها أن تقف بجانبها، ثم تعاود النظر نحو هدى تقرص وجنتها.
"هدهد حبيبتي اللي مليش غيرها."
زفرت هدى أنفاسها بضجر وقالت وهي تفتح حقيبتها وتخرج النقود منها تضعها أمامها على المنضدة.
"أمري لله، خدي يا كش يتمر. أول مرة أشوف دكتورة شحاته."
لتخطف شمس النقود من على الطاولة تضعها بسرعة في حقيبتها وتلملم أوراقها وتقف مقتربة من هدى.
لتنحني وتقبل وجنتها قائلة بامتنان.
"هدهد حبيبتي اللي يومي ما يكملش من غير ما أنا غشها."
ابتسمت هدى وقالت كأنها تصحح قولها.
"اللي مبعرفهاش إلا وقت المصالح."
"كده برضه ظلمتيني، طب دا أنا لسه كنت هقولك تعالي ناخد التاكسي سوا عشان طريقنا واحد."
"أيوه صحيح، طب والله فكرة."
لتحمل هدى أغراضها وتتأبط ذراع شقيقتها وهي تقول.
"يلا يا امتياز."
ضحكت شمس وهي تستدير نحو والدتها تطلب منها الدعاء.
"ادعيلي يا وردتي."
رفعت ورد يدها تدعو لهم.
"ربنا يوفقكم يا بناتي ويوقف لكم ولاد الحلال ويجعللكم في كل خطوة سلامة."
"مع السلامة يا ست الكل."
***
وفي مكان آخر في فيلا يبدو عليها الثراء والرقي، كان يجلس رجل في العقد السابع من عمره ينظر إلى الصورة القابعة بين يديه ويحادث صاحبها وصوته تخنقه العبرات.
"وحشتني يابني وحشتني ياحبيبي، كان نفسي أقولك سامحني وأخذك في حضني وأشبع منك."
ثم تساقطت دموعه على الصورة بندم قائلًا.
"يا ريتني سمعت كلام حسن وسامحتك وخدتك في حضني لما جيت تترجاني أني أسامحك."
ليختنق صوته ويردد بخفوت.
"حتى الأمانة ضيعتها."
***
وفي مكان آخر من هذه الفيلا، كان ينزل درجات السلالم شاب في العقد الثالث من عمره متبخترًا، يرتدي أفخم الملابس التي تحمل الماركات العالمية. من يراه يظنه أحد عارضي الأزياء الإيطاليين، فهذا ملعبه كما يزعم، فهو يمتلك أكبر محلات لبيع الملابس الرجالية المستوردة، يقصده العديد من الشخصيات المهمة ورجال الأعمال.
كان ينزل الدرج وهو يدندن إحدى الأغاني الشعبية مما أزعج والده الذي يجلس على مائدة الطعام بجانب شقيقه.
"هو الباشا صاحي بدري وكمان رايق وبتغني."
توقف عن الغناء، يزفر أنفاسه بضيق ليقول بضجر.
"صباح الخير."
"صباح الخير يابرنس، إيه الشياكة دي."
قالها علي ابن عمه الذي كان ينظر له بانبهار يتطلع إليه من قمة رأسه إلى أخمص قدميه.
"أمال يابني، دا أنا فارس الجوهري مش أي حد."
قالها فارس وهو يسحب الكرسي ويجلس بجانب علي الذي كان أقرب شخص له في هذه العائلة. ليبتسم علي ويتمتم.
"أيوه ياعم مين قدك."
ليقول والده مستهزئًا وهو ينظر إليه بامتعاض.
"ويعني مين فارس الجوهري؟ واحد فاشل خريج ثانوية عامة بمجموع معرفش أصلًا يدخله كلية."
احتقن وجه فارس بعد كلام والده الذي دائمًا ما يردده رغم نجاحه في عمله، ليرتعش جسده من شدة انفعاله بعد أن استرسل والده قائلاً.
"معرفتش تبقى صيدلي زي ابن عمك ولا دكتور زي أخوك."
قالها والده وهو يشير نحو علي ونحو شقيقه طارق الجالس بجانبه. ليكتم فارس غيظه ويقول بهدوء وهو يدعي عدم مبالاته وشروعه في تناول الطعام.
"بس تاجر ناجح، قدرت أعمل ليا اسم في السوق."
ليؤكد علي على كلام ابن عمه.
"أيوه دا حتى المحلات ما بيدخلهاش إلا الناس المهمة والمعروفة."
ليقول والده بتهكم.
"وأي الفايدة؟ دا حتى بنات ورد اللي ما عندهمش أب قدروا ياخدوا شهادة عالية، اللي معرفش هو ياخده."
لينفجر فارس بغضب ويقول بصوت مرتفع نسبيًا وهو ينظر بعين والده بتحدي ملوحًا بيده.
"يووو يادي سيرة بنات ورد اللي مش هنخلص منها، هما ما عندهمش أب وأنا…"
كاد أن يكمل فارس كلامه لولا نظرات شقيقه طارق التي أوقفته، ليزفر أنفاسه بشدة محاولًا التحكم بانفعاله. لكنه فجأة ابتسم عندما سمع من يقول.
"إيه يا ولد يا محسن، مالك بتزعق لحفيدي وتزعله ليه؟ انت مش عارف إنه الغالي."
ليهب فارس واقفًا يهرول باتجاه جده يقبل رأسه ويده قائلاً.
"صباح الخير يا باشا يا كبير، جدي حبيبي وتاج راسي."
"يعني انت عاجبك حاله يا حاج."
ليربت الجد على ظهر حفيده وهو يقول بابتسامة مفتخرًا.
"ومالو حاله، تاجر شاطر وعارف هو بيعمل إيه."
ابتسم فارس لمديح جده، لكن ابتسامته تلاشت عندما استطرد جده قائلاً بحدة.
"بس محتاج قرصة ودن عشان يسيب صحاب السوء اللي ماشي معاهم ويبطل الهباب اللي بيطفحه."
ليرتبك فارس ويهرب بعينه عن عين جده الذي ينظر له بغضب جعله يتلعثم بكلامه.
"جدي أنا…."
ليضيق جده عينيه يحدجه بنظرات لائمة ويقول بعتاب.
"إيه فاكرني نايم على وداني ومش عارف انت بتعمل إيه من ورايا، فوق أنا بدران الجوهري يعني دبة النملة في البيت دا أنا أعرفها."
صرخ بكلماته الأخيرة جعلت فارس يقف أمامه كتلميذ مذنب أمام أستاذه يطلب منه السماح.
ليقول.
"آسف يا جدي."
"مش محتاج أسفك يا ولد، محتاج كلامي يتنفذ."
قالها بدران وهو يتخطاه متجهًا نحو طاولة الطعام يترأسها وهو يسمع جواب فارس.
"حاضر يا جدي، عن إذنك."
قالها فارس وهو يغادر المكان، ليتبعه علي وهو يقول.
"خدني معاك يا فارس، عربيتي في التوكيل."
وما أن غادر فارس المكان حتى التفت بدران نحو ولده.
"خف على الولد يا محسن وبلاش حكاية الشهادة كل شوية، مش لازم فارس يكون زي طارق، كفاية إنه ناجح."
"أنا باتفق مع جدي يا بابا، انت بتضغط على فارس كده والضغط هيخليه ينفر مننا."
قالها طارق، ذلك الشاب الواعي، كل من يعرفه يعلم أنه يسبق سنه في عقله وحكمته. شهادته كطبيب جعلت له مكانة خاصة لدى والده وجده الذي يعتبره طبيبه الخاص.
"يعني أنا مش بقول الكلام دا عشان مصلحته؟"
"سايس الولد يا محسن وبلاش تخسره."
نصيحة تمتم بها والده قبل أن يسمعوا صوت شقيقه حسن وزوجته صفاء.
"صباح الخير يا حاج."
قالها حسن وهو يدنو من والده ويقبل رأسه.
"صباح الخير يا حسن."
"صباح الخير يا عم."
قالتها صفاء وهي تقترب من والد زوجها وتجلس على مائدة الطعام.
"صباح الخير يا بنت."
لتسأل على ولدها بلهفة وهي تقول.
"هوعلي فين؟"
"خرج مع فارس."
أجابها طارق قبل أن ينهض يلملم أغراضه مغادرًا وهو يقول.
"عن إذنكم."
ليسأل بدران ولده وهو يتناول الإفطار.
"أخبار محلات القماش إيه ياحسن والسوق عامل إيه معاك؟"
"الحمد لله يا حاج، هو صحيح البيع مش زي زمان بس الحمد لله، إحنا لينا زباين."
ثم التفت نحو ولده الآخر وقال.
"والمصنع أخبار أي يا محسن؟"
ليهز محسن رأسه ويجيبه.
"الحمد لله الأمور تمام يا حاج."
***
جاوره علي في السيارة وهو ينظر إليه بين الحين والآخر يشعر باضطراب أنفاسه، ولاحظ تلك الخطوط الحمراء التي برزت في بياض عينيه ولوثتها من شدة الغضب. تنهد بآسى، ثم قطع الصمت الذي ساد بينهم قائلاً.
"متزعلش يا فارس من كلام عمي، انت عارفه."
ضغط على مقود السيارة حتى برزت عروق يده، ثم ضغط على أسنانه لتخرج كلمته بغضب من بينها.
"أبويا مش مكفيه اللي عمله فيا وأنا صغير، جاي يكمل عليا وأنا كبير."
ربت علي على فخذه يواسيه.
"طول بالك يافارس، دا مهما كان أبوك."
"وأنا عمري ما حسيت إنه أبويا."
كلمات صدرت منه صادقة صدمت علي الذي ألجمه جوابه، رغم أنه يعلم أن علاقة فارس بوالديه ليست جيدة، لكنه لم يتوقع أن تصل إلى هذه المرحلة، فحاول تغيير الموضوع.
مستطردًا.
"كلام جدي صحيح يا فارس، انت لازم تسيب الشلة الزفت اللي انت ماشي معاها. وتبطل الخمرة اللي بقيت بتتسطل بسببها الأيام دي."
أمسك فارس سيجارته الإلكترونية يقرّبها من فمه وسحب نفسًا عميقًا، ثم رفع رأسه وطرده بقوة ليقول متذمرًا.
"يابني هو انت ليه محسسني إن إني مدمن؟ أنا باشرب مزاج كده يا عالم."
تطلي على شفتيه بغضب وقال بتهكم.
"مزاج، قولتلي."
لكنه استرسل بصوت امتزج بالحزم والشدة.
"المزاج ممكن يتحول لإدمان يا أستاذ، اتقي ربنا يا فارس ومتبقاش عدو نفسك."
ليقهقه فارس ضاحكًا.
"أيه ياشيخ علي، انت هتتعدي من طارق بقيت بتتكلم زيه."
لينظر له علي وهو يحرك رأسه بقلة حيلة.
"مفيش فايدة، واخد الدنيا ضحك ومش هامك حاجة."
ليتنهد بيأس ويقول.
"كلامي وكلام طارق هو الصح، ياريت تفهم كده."
ثم أشاح وجهه عنه ينظر إلى النافذة بجانبه وهو يتمتم.
"ربنا يهديك يا فارس."
***
وقف بعيدًا يناظرها وهي تتنقل بين الأطباء، تتعلم من هذا وتشاهد هذا وتسمع من هذا كأنها نحلة تستقي الرحيق العلم، وتتعلم. كم أعجبه نشاطها، ليبتسم من دون إرادة. فرغم معرفتها بوجوده في نفس المستشفى، لم تخبر أحد أنه ابن عمها.
***
وقفت في محل الورد تودع العم نعيم صاحب المحل، وتتجه هي لتعمل بدقة على إحدى باقات الورد المطلوبة.
حملت الورد تمسكها تصفها واحدة بجانب الأخرى بانتظام، كانت منهمكة حتى سمعت صوته وهو يقول.
"مساء الورد."
خفق قلبها بشدة بعد أن سمعت صوته وداعبت أنفاسها رائحته التي تحفظها عن ظهر قلب. لترفع رأسها بسرعة، لكنها تأوهت فجأة عندما غرزت أحد الأشواك في إصبعها من شدة الارتباك.
ليتجه نحوها بخطوات سريعة ويسألها بقلق.
"اتعورتي؟"
لترفع يدها تمص إصبعها بتلقائية وهي تهز رأسها نافية.
"لا حاجة بسيطة، شوكة غرزت في صباعي."
قالتها وهي تعاود النظر نحو إصبعه.
ليبتسم لها، أصبحت تجذبه يومًا بعد يوم بعفويتها وتصرفاتها الطفولية. تلك العيون البريئة باتت تأسره.
ارتبكت من تحديقه بها لتتحمحم مخفضة عينيها.
"احم… إنتبه هو ليقول بتلعثم."
"آسف لو هعملك إزعاج بس شكلي أدمنت الوردتين اللي باخذهم منك، مش عارف بيدوني طاقة إيجابية لآخر اليوم."
"أحمر برضه؟"
"أيوه، أنا بحب الأحمر أوي."
وكانت تتحاشى النظر لعينيه خشية أن يفضحها قلبها الذي أصبح يتخبط بين أضلعها، لتهرب مبتعدة وهي تقول.
"حاضر."
كان يراقبها بحب كأنها فراشة تتنقل من زهرة لأخرى، تحضر له الأزهار وتبعد عنها الأشواك وتقص الأوراق. تفاصيل بسيطة لكنها جميلة. كان يتابعها بترقب حتى سمع من يقول.
"هدى… خلص…"
لتبتلع باقي كلامها وتتوقف في مكانها مندهشة عندما رأته يقف أمام شقيقتها، لتقول بتعجب.
"علي…!"
"أهلاً يا شمس، إزيك؟"
"الحمد لله."
قالتها شمس وهي توزع نظرها بين شقيقتها وبينه. انتبهت هدى لنظرات شقيقتها لتقدم الورد لعلي بسرعة وهي تقول باضطراب.
"الورد اللي طلبته يادكتور."
لاحظ علي النظرات المتبادلة بين الشقيقتين لياخذ الورد وينصرف وهو يتمتم.
"عن إذنكم."
تحديق شمس نحوها جعلها تتوتر وتتحرك حركات عشوائية تلملم الورقات المبعثرة بتشتت، حتى سألتها شمس بحدة.
"إيه اللي جاب علي هنا؟"
ادعت اندماجها وعدم مبالاتها واجابت.
"اشتغل مع دكتور ماجد في الصيدلية القريبة مننا وكان جاي يشتري ورد عادي يا شمس."
لكن شمس امتعضت ملامحها وهتفت مستنكرة.
"لأ مش عادي ياهدى، انت عارفة علي يبقى ابن مين."
تنهدت هدى بحزن وقالت بخفوت.
"أيوه ابن عمي حسن."
لتضحك شمس مستهزئة وهي تقول.
"بلاش العشم في كلمة عمي، انت بنت ورد."
"عارفة يعني إيه بنت ورد…."
يتبع....
رواية بنات ورد الفصل الثاني 2 - بقلم رشا عبد العزيز
أسدل الليل ستاره وعم الهدوء المكان لتذهب نحو سريرها تتخذ منه ملجأ لتخفيف ألمها الذي تخفيه عن بناتها.
فأوجاع ظهرها وجانبيها باتت تتعبها وتورم أقدامها بدأ ينذرها بأن هناك شيء خطير يصيب جسدها، لكنها آثرت الكتمان، لا تريد أن تثقل كاهل صغيراتها وهي تراهم يسعون في شق طرقهم بهذا الحياة.
تعلم مدى حبهم لها فلا تريد إخافتهم، ربما هذه ليست سوى أعراض التقدم في العمر.
أراحت رأسها على وسادتها لترحل نحو ذكريات الماضي، تعيش بين صفحاته علها تتناسى ألمها لتذهب إلى ذلك اليوم الذي رأت فيه مالك قلبها الذي غيبه القدر.
كان شاباً طيب القلب، جميل المُحيا، جذب انتباهها منذ أول مرة رأته عندما كانت تقف تساعد والدها على عربة الفول التي تقف في أحد شوارع منطقة الحسين.
كان يحضر مع مجموعة من العمال لتناول وجبة الإفطار بشكل يومي حتى تعلق قلبها به، لتعرف بعد ذلك أنه ابن مالك محلات الجوهري للقماش، ذلك التاجر ذائع الصيت.
لتصفع قلبها وتكمم نبضاته، فهي تعلم أن هذا الحب مستحيل، لذلك فلتحكم عليه بالإعدام قبل أن يحكم هو عليها بالتعاسة، فالفرق بينهم كبيرٌ جدًا، هو ابن تاجر القماش وهي ابنة بائع الفول.
كلام كان يردده عقلها حتى يحفظ قلبها الدرس ولا ينصاع لمشاعره ويجري خلف السراب.
لتبدأ في تجنبه وعدم التكلم معه، وتشغل نفسها عند وجوده بأي شيء، لتتفاجأ به في يوم يقترب منها يسألها:
- إزيك يا ورد؟
تخبطت الأطباق التي تحملها بيدها لإرتعاش يدها وارتجف قلبها كما ارتجفت الكلمات على لسانها وهي تجيبه:
- أ أ أهلًا...
ابتسم على ارتباكها الذي أعطاه الأمل فيما يشعر به وأنها قد تبادله المشاعر، ليسألها:
- مالك يا ورد؟ انت زعلانة مني؟
احتقن وجهها وهتفت بوجهه بشراسة:
- وازعل منك ليه حضرتك؟ هو بيني وبينك حاجة عشان أزعل منك؟
قطب حاجبيه من هجومها الغير مبرر عليه:
- هو أنا قلت حاجة غلط يا ورد؟ أنتِ بتكلميني كده ليه؟
وضعت يديها على خصرها وهتفت كلماتها بغضب:
- أكلمك إزاي يعني ياحضرت؟ ما تلزم حدودك.
عبس وجهه وقال بامتعاض:
- عندك حق، أنا آسف، الظاهر أني تجاوزت حدودي.
ثم تركها ورحل، لتسند يدها على الجدار المجاور لها تهدئ من الحرب القائمة بين قلبها اللائم وعقلها الداعم.
تتغمغم بلسان مثقل بالحزن:
- كدا أحسن يا ورد، عشان تفوقي من الوهم يا بنت صابر.
تعمد عدم الحضور لتناول الإفطار مع العمال رغم شوقه لرؤيتها، كأنه يعاقب قلبه ويعوده على الفراق.
أما هي، فوقفت تسترق السمع إلى الحديث الدائر بين والدها وأحد العمال عن سبب عدم حضوره:
- هو حسين بيه مبقاش يجي يفطر معاكم ليه يا محمد؟
- والله مش عارف ياعم صابر، أهو ساعات بيقول تعبان وساعات بيكون مشغول، مع أنه زمان كان هو الي بيلمنا ويجيبنا عشان نفطر هنا.
- ربنا يعينه يا محمد، أنا سامع أنه شايل شغل أبوه على كتافه.
- أيوه حسين بيه راجل يعتمد عليه والذراع اليمين للحاج بدران، أصل اخواته التانين ملخومين في دراستهم وسايبين الحمل عليه، بس الشهادة لله حسين بيه طيب وابن حلال وحنين على الكل، مش زي أخواته المهندسين الي مناخيرهم في السما.
- عندك حق يامحمد، ربنا يحميه لشبابه.
ومع كلمات المدح التي كانت تسمعها كان قلبها يخفق شوقًا له، رغم الحصون التي تبنيها حوله، لكن يبدو أن حصونها كانت واهية، انهارت بمجرد أن سمعت اسمه يتردد بالقرب منها.
مر شهر كامل دون أن تراه، حتى جاء ذلك اليوم الذي سمعت فيه صراخ العمال وتجمهرهم عند بوابة محلات الجوهري، يصرخ أحدهم للآخر يطلبون إحضار الطبيب بعد أن سقط حسين مغشي عليه داخل المحل.
ليعلن قلبها العصيان وثار عليها، ولم تشعر بنفسها إلا وقدميها تسوقانها لتقف بالقرب من المحل تنظر بلهفة وقلق نحوه والعمال يلتفون حوله ويحاولون إفاقته.
يمسك أحد العمال قنينة عطر يرشها على يده ويقربها من أنفه وهو يضرب على خده مناديًا باسمه:
- حسين بيه أصحى، حسين بيه أنت سامعني؟
فتح عينيه ببطء شديد ودار ببصره حول الجميع، أغمض عينيه وأعاد فتحها يسألهم بتعجب:
- إيه الي حصل؟
- كنت واقف وفجأة اغمي عليك ولقيناك واقع على الأرض، الظاهر أنك مش واكل حاجة.
قالها العامل الذي ساعده في الاعتدال والجلوس:
- متشكر يا فتحي، متشكر يارجالة.
قالها وهو يعتدل وينفض التراب عن ملابسه.
- أبقى خلي بالك من نفسك يا بيه، أجبلك حاجة تأكلها والا أجبلك مية بسكر.
- متشكر يافتحي، أنا هاكل أي حاجة واشرب عصير، تسلم، شوفو شغلكم انتوا.
وليرفع عينه تدور مرة أخرى للمكان من حوله، حتى التقطتها عينه تقف بعيدًا تكفكف دموعها بيديها وعينيها تخبره خوفها وشوقها إليه.
ابتسم رغمًا عنه عندما رآها، وكأنه شفي مما أصابه، فرؤيتها كانت دواء لكل داء.
عادت تزاول عملها والقلق يتملك منها عليه وما أصابه، كانت تتحرك مشغولة البال حتى وجدته يقف أمامها ويقول:
- بحبك يا ورد.
عادت من ذكرياتها تمسح دموعها المنسابة وتمتم:
- وحشتني يا حسين، وحشتني يا حبيبي.
***
جلست تدون ما تعلمته اليوم في كشكولها الخاص وترتب المعلومات حتى شعرت بتشنج رقبتها، لتعتدل متكئة على ظهر الكرسي ورفعت يدها تدلك رقبتها تزفر أنفاسها بتأفف.
استدارت يمينًا لتجد هدى تجلس على السرير تحمل بيدها إحدى الروايات الرومانسية وقسمات وجهها تتغير بين الحين والآخر، فتارة تعبس وتارة تبتسم وتارة أخرى تجدها تمسك خصلات شعرها تلفها حول إصبعها وهي تنظر لكلمات الرواية بهيام.
لتقول شقيقتها لها ساخرة:
- ربنا يستر والروايات دي متلحسش دماغك.
نظرت لها هدى بطرف عينها وقالت بسخط:
- ملكيش دعوة بيا، خليكِ وسط العيانين بتوعك.
دفعت كرسيها نحو الوراء واستقامت واقفة وخرجت من الغرفة تردد:
- ربنا يشفيكي ياهدى.
أبعدت هدى الرواية عن عينها ونظرت لإثرها لتمط شفتها بانزعاج وهي تقول:
- بومة.
عادت إلى اندماجها مع الرواية لتتفاجأ بها تندفع إلى داخل الغرفة كالإعصار وتبتسم قائلة:
- ماما نايمة.
اعتدلت هدى بتحفز وسألتها:
- وبلة الناظرة؟
- ماتخافيش ندوش، مقدور عليها، كلمتين تقنعها.
سكتت هدى تقلب الفكرة في راسها وقالت:
- تفتكري؟
لتضربها شمس على كتفها وهي تقول بانزعاج:
- انت لسه هتفكري؟ يلا يا بت.
لتتوقف فجأة كأنها تذكرت شيئًا:
- أستنى هكلم نجوى تيجي معانا.
كانت شمس تعتبر نجوى شقيقتها الثالثة فهي جارتهم ورفيقة دراستها وتعمل معها الآن في نفس المستشفى.
ارتديتا ملابس الخروج واتجهتا نحو غرفة ندى لتطرقا الباب حتى سمعتا أذنها بالدخول لتجداها تجلس على سريرها تنظر لهم باندهاش.
جلست هدى على يمينها وشمس على شمالها لتتحدث هدى:
- ندوش أحلى أخت في الدنيا.
فأكملت شمس:
- وأحلى مس فيكي يا مصر.
زفرت ندى أنفاسها بضيق وقالت:
- خير.
- مشوار صغير لحد السوبر ماركت القريب مننا.
قالتها هدى بنبرة متوسلة وهي تصف لها قرب المسافة باشارة من يدها.
التفتت لها ندى وقالت مستهجنة وصفها:
- قريب؟ دا هياخذ اكتر من نص ساعه.
لم تتقبل شمس وجنتها في محاولة لاستعطافها:
- ارجوكِ يا ندوش، هنروح بسرعة ونرجع بسرعة ونجوى هتكون معانا.
لوت ندى شفتها بسخط وقالت مستنكرة:
- دا على أساس نجوى البودي جارد بتاعكم.
- وحياتي ياندى، اللهي يديكي الصحة يارب وتاخدي الماجستير الي نفسك فيه.
قالتها هدى وهي ترفع يدها بدعاء لتكمل عنها شمس:
- ويرزقك بابن الحلال الي يسترك ويهنيكِ.
لتصرخ ندى بهم تنهرهم عن هذه الأفعال المزيفة:
- بس كفاية، انتوا هتشحتوا خلاص، موافقة بس بشرط.
قالتها ندى وهي ترفع سبابتها أمامهم ليجيبا بسرعة وبصوت واحد:
- انتِ تؤمري.
- متتأخروش وتجيبوا طلبات البيت معاكِ.
أومآ رأسهما بالموافقة.
لتلتقط حقيبتها تخرج قائمة الطلبات من حقيبتها مرفقة بالنقود.
انتشلت منها شمس النقود وجذبت يد هدى تسحبها ورائها وهي تردد:
- يلا قبل ما تغير رأيها.
سار الثلاثة بعد أن أنهوا تسوقهم يحملون أكياس رقائق البطاطا بأيديهم يتناولونها وهم يتحدثون بأستمتاع، فهذه اللحظات المتعة بالنسبة لهم وأجمل أوقات لنقاش المواضيع الغريبة كما اعتادوا.
لتسأل هدى نجوى التي تتأبط ذراعها:
- أنتِ أي رأيك في الحب يا نجوى؟
رفعت نجوى كتفيها بحيرة وقالت:
- والله مش عارفه يا هدهد، عمري ماجربته عشان أديكِ رأيي فيه.
- حاجة تافهة وهبل ومالوش لا أمان ولا مصداقية.
كلمات قالتها شمس التي كانت تدس رقاق البطاطا في فمها وتمضغها بتلذذ.
لتتلتفت لها هدى بسرعة تنظر لها بإشمئزاز وهي تقول مستنكرة:
- وانتِ أيش عرفك؟ هو انتِ حبيتي قبل كده؟
لتشهق شمس بخفة وتسعل وهي تردد:
- اعوذ بالله، أنا أحب؟ دا أنا كده أكون اتجننت عشان أسلم قلبي لراجل يتحكم فيه.
لتضحك هدى باستهزاء وتقول وهي تقضم احد قطع البطاطا:
- بكرة تحبي واضحك عليكِ وأفكرك بكل الكلام الي بتقوليه ده.
ليمصع وجه شمس وتنظر لها نظرة جانبية ثم قالت لها بتحدي:
- بصي، هو أنا حتى لو حبيت مش عاوزة احب حب عادي، عاوزة أحب حب عاصف، حب زي الإعصار، حاجة شبه قيس وليلى، روميو وجوليت، عندك منه دا ياهدى؟ لو معندكيش ما يلزمنيش.
ثم ضحكت بقهقهة حتى ضربتها هدى تنهرها وقالت بغضب:
- انتِ مجنونة؟ احنا في الشارع.
توقفت بسرعة عن الضحك ووضعت يدها على فمها بعد أن انتبهت لمكانهم لتقول لها هدى:
- تصدقي يا شمس انتِ لما تحبي هتحبي بجد.
لتسترسل وهي تأخذ شهيقًا كبيرًا وتزفر أنفاسها وهي تتمتم بهيام:
- الحب دا شئ جميل اوي يا شمس.
نغز كلام شقيقتها قلبها وتسلسل الخوف لقلبها، هل ما تشك به صحيح؟ هل وقعت شقيقتها في لعنة الحب؟
***
كان يجلس على مكتبه الملحق بمحلاته يدخن سجارته الإلكترونية وينفذ دخانها عاليًا حتى ملأت رائحتها المكان.
ثم استند إلى ظهر كرسيه الوثير يغمض عينيه باسترخاء حتى سمع من يقتحم المكان ويسأله:
- إيه يا برنس؟ مش هنسهر الليلة؟
أجاب وهو لا يزال مغمض العينين:
- بلاش النهاردة ياحازم، جدي بيراقبني مش عاوزه يمسك عليا زلة الأيام دي، أنا محتاجله سفرية تركيا قربت.
- يعم سهرة صغيرة وماتتقلش في الشرب.
قالها حازم يحفزه على العدول عن قرار لكنه يعلم أن جده ليس بالشخص الهين ولن يستطيع مجاراة ذكائه.
تنهد ثم فتح عينيه واعتدل في جلوسه يلملم أغراضه ثم حمل مفاتيح المحلات يقذفها باتجاه حازم الذي التقطها.
لينهض وهو يقول له:
- قفل المحل وخلي السهرة بعد كم يوم على ما جدي يطمن ويخف عينه من عليا.
تركه ورحل لينظر حازم لأثره وهو يغمغم:
- ضيعت علينا السهرة يا ابن الجوهري.
***
أيقظتها أصوات ضحكاتهن القادمة من المطبخ، نظرت نحو الساعة وبالكاد استطاعت رؤية الوقت بسبب إضاءة الغرفة الخافتة، لكنها عبست عندما رأت أن الوقت متأخر.
نهضت مقررة توبيخهن بعدما وصلت لأنفاسها رائحة النودلز (الاندومي) التي تعترض دائمًا على تناولها.
اقتربت من باب المطبخ ولكن قبل ان تقتحمه عليهن وصل لأسماعها ما جعلها تتوقف وتنصت لحديثهن:
- فاكرة يا ندى لما روحنا اسكندريه وبابا كان عاوز يعلمنا العوم؟
ابتسمت ندى وهي تلف النودلز حول شوكتها وقالت قبل ان تلتهمها:
- أيوه حبيبي، وقتها فضل وقت طويل وهويعلمنا.
عقدت شمس شفتها بعبوس وقالت:
- أنا مش فاكرة اليوم ده.
لتجيبها هدى:
- أيوه ما انت كنت وقتها صغيرة، بس اكيد فاكرة يوم ماروحنا الملاهي وتوهتي هناك.
- أيوه ما تفكرنيش، بابا حبيبي فضل يدور عليها زي المجنون والست هانم كانت واقفة بتاكل غزل بنات.
ضحكت هدى وقالت:
- طبعًا ما ست شمس كانت دلوعة بابا والي على الحجز.
زاغت عينيها تتذكر بحزن لهفته عندما وجدها وكيف احتضنها بقوة يدفن انفه بين ثنايا عنقها ويشم رائحتها وهو يردد:
- حبيبتي يا روح بابا.
تلمع الدموع في عينها وترسم شبح ابتسامة حزينة على وجهها قائلة:
- فعلاً يومها، أنا ماكنتش خايفة عشان كنت متأكدة انه هيلاقيني.
نظرت ندى نحو هدى نظرات عتاب على تلك الذكرى والحزن الذي استوطن عين شقيقتهم، فكلاهما يعلمان مدى ارتباطها به وكيف عانت كثيرا بعد رحيله.
لتغير هدى مجرى الحديث وهي تتصنع الانزعاج:
- فاكرين أول يوم العيد لما كانت شمس تخبي جزمتي وأفضل أدور عليها؟
لتتعالى أصوات ضحكاتهن مرة أخرى على هذه الذكرى.
أما في الخارج، فكانت ورد تستمع لهن يعتصرها قلبها وتخونها دموعها تنساب مع سيل ذكرياتهم، يبدو أنها ليست الوحيدة التي تشتاق له، فبناته أكثر شوقًا لوجوده بينهم.
لتحاور طيفه قائلة:
- حبك وحنانك عليهم يا حسين خلوك عايش جواهم، لا حناني ولا حبي ليهم قدروا يعوضوهم وينسوهم، ياريتك فضلت معاهم.
مسحت دموعها ورسمت الجمود على وجهها وفتحت باب المطبخ فجأة لتفزع الفتيات من وجودها ونظرات الغضب الظاهرة عليها وصراخها:
- هو أنا مش منعتكم من الاندومي؟ مين الي اشتراه؟
لتجد شمس يد شقيقتيها تشير نحوها لتمتص شعيرات النودلز التي تدلت من فمها وتبتلعها بصعوبة وهي تجد تحديق والدتها بها وهي تؤنبها:
- ما شاء الله، الدكتورة الي لازم تنصحهم هي الي بتشتري.
بلعت ريقها وأجابت بتوتر:
- يا ماما دي مرة كل فين وفين، مافيهاش حاجة.
- يا سلام وأنا مش منعتها؟ وبعدين تعالي هنا، انت جبتيها امتى؟
ثم توقفت قليلًا في لحظة إدراك وعينها تدور في المطبخ لتصرخ بصوت عالي أجفل الجميع:
- انت خرجتي من البيت من غير أذني؟
- ما احنا أخذنا الإذن من ندى.
قالتها هدى مدافعة عن شقيقتها لتحتد عين ورد أكثر وهي توزع نظراتها بينهم بعتاب:
- والله عال، يعني متفقين سوى وبتتصرفو بمزاجكم.
لتزداد وتيرة أنفاسها وهي تأمرهم:
- على أوضتكم، مش عاوزه اشوف واحدة فيكم قدامي.
لتهرول الفتاتين نحو غرفتهم دون نقاش خشية غضب والدتهم.
اقتربت ندى منها وقالت في محاولة لإمتصاص غضبها:
- اهدي ياماما، مجراش حاجة لكل الزعل ده.
صوبت نظرها نحوها تلومها:
- كده يا ندى تسيبيهم يخرجوا بليل تاني؟ مش أنا نبهت عليكِ؟
سحبت ندى كرسي وامسكت يدها تجذبها وتطلب منها الجلوس:
- استريحي يا ماما.
ثم سحبت كرسي لها وجلست أمامها تمسك يدها تقبلها:
- ماما يا حبيبتي، البنات كبروا، الخوف الزايد دا ليه؟ هم مش صغيرين عشان تخافي عليهم زي زمان، وبعدين ياستي المكان مش بعيد عشان امنعهم والوقت ماكنش متأخر اوي، وبعدين هما متاخروش زي ما وعدوني.
تنهدت ورد بحزن وقالت بصوت غلفته الكسرة:
- غصب عني يابنتي، عشت سنين وانا الأم والأب، المسؤولية مش سهلة يا ندى وانتِ فاكرة اني معنديش ثقة فيهم؟ أنا خايفة عليهم من الناس يا بنتي، الدنيا بقت متتأمنش.
ربتت ندى على قدم والدتها وقالت:
- انت هتقوليلي يا أم ندى؟ دانت أم عظيمة واتحملتِ كتير، ما أنا اتقاسمت معاكي الطريق ولا هتنكري يا ورد؟
حركت ورد يدها على وجنتها بحنان وقالت بامتنان:
- عمري ياندى ماهنكر تعبك معايا وأزاي كنت بتساعدي في الخياطة وتربية أخواتك ودلوقتي الشغل الي هد حيلك.
رفعت ندى كف والدتها تقبله مبتسمة وهي تقول:
- فداكِ عمري كله يا ورد.
***
عاد إلى المنزل يخطو خطواته بتململ رغم انه لم يسهر ولم يحتسي الخمر، لكنه ظل يجوب الشوارع بلا هدف.
حتى تأخر الوقت صعد السلالم يقصد غرفته لكنه توقف امام بابها متعجبًا من إضاءة الأنوار داخلها.
فتح الباب ليقف مشدوهًا وهو يرى شقيقه مستلقي على سريره يمسك بهاتفه ويعبث به كأنه مل من انتظاره:
- طارق؟ انت بتعمل إيه هنا؟
اعتدل طارق وجلس على السرير وهو يرمقه بحنق وقال بحدة:
- مستني الباشا لما يشرف.
ثم نهض واقترب منه ليقول بتهكم وهو يجذبه من ياقة قميصه ويقرب انفه من وجهه يشم رائحته:
- بس كويس، توقعت انك تسمع كلام جدي الأيام دي، أصل مش معقول فارس باشا يخسر جده.
نفض فارس يد شقيقه بعنف وقال بغضب:
- عاوز أيه يا طارق؟
- عاوزك توعى وتبطل الي بتعمله في نفسك.
قالها طارق وهو يضرب بسبابته على رأس شقيقه ثم استرسل وهو يبتعد عنه:
- اوعى تفكر اني صدقت انك هتبطل، أنا حافظك يا فارس وعارف انت بتفكر إزاي.
تسارعت أنفاسه وهتف بغضب:
- أنا مش عيل عشان تحاسبني يا طارق.
ليصرخ طارق بشدة وهو يمسك مقدمة ملابسه يهزه بعنف:
- لا عيل، لما تبقى مش عارف بتعمل إيه تبقى عيل، انت بقيت عدو نفسك يا غبي.
ثم دفعه ليتهوى جسده ويسقط على سريره وأكمل يعاتبه:
- انت فاكر أنك كده بتنتقم منه؟ انت كده بتنتقم من نفسك يا مجنون.
ثم رفع سبابته بوجه يخبره بوعيد وهو ينفث أنفاسه المحترقة من شدة الغضب:
- مش هسمحلك تضيع مني زي ما هي ضاعت.
ثم تركه ورحل صافقًا الباب خلفه بقوة.
ليضع فارس وجهه بين يديه يذرف دموعه كطفل صغير وهو يغمغم:
- بس أنا ضعت يا طارق من يوم ما هي راحت.
***
وقفت ندى تلقي محاضرتها بين تلاميذها لأحد الصفوف الثانوية في المركز الذي تعمل فيه، كانت تدون الملاحظات على السبورة ثم التفتت تكمل الشرح حينما لاحظت نظرات تلميذها وائل التي أثارت في قلبها الريبة.
لم تعره اهتمامًا واكملت اندماجها مع تلاميذها، لكن تحديقه بها جعلها تلوم نفسها، فيبدو ان مدحها له وثنائها على اجتهاده وتفوقه والذي كانت تعتبره هي تحفيزًا له، عقله المراهق قد صوره بطريقة أخرى ومشاعره المتهورة قد أوهمته بشيء مختلف.
لتقرر تجنبه واستخدام الحدة معه كي لا ينساق مع هذه الأفكار الغبية.
أنهت محاضرتها وحملت كتبها تخرج من القاعة الدراسية لتجده يهرول خلفها وهو ينادي بسمها:
- مس ندى… مس ندى.
رغم انها أسرعت في خطاها لكنه استطاع الوصول اليها قبل دخولها إلى غرف المدرسين لتقول له بامتعاض:
- نعم يا وائل، عاوز إيه؟
- عندي سؤال؟
قالها وائل وهو يلهث أنفاسه المتسارعة نتيجه جريه خلفها لتجيبه بشدة:
- وائل، السؤال يكون في الفصل وقدام زمايلك عشان الكل يستفيد.
ثم تخطته راحلة حتى تنهي تلك الأوهام التي غزت فكره، لتبهت ابتسامته وهو ينظر لإثرها متعجبًا من انفعالها.
***
حملت التقارير تسير في أروقة المستشفى متذمرة، فاليوم كان متعب بالنسبة لها فأوامر الأطباء أرهقت كاهلها حتى وصلت إحدى الردهات ليجذب انتباهها حديث بين زميلاتها عن ابن عمها، تملكها الفضول لتقف وتسترق السمع نحو ما يقوله الفتيات عنه:
- يابنتي انتِ مش شفتيش قد إيه هو حلو وكاريزما كدا؟ واو! دا شبه الممثلين الأتراك.
لتجيبها أخرى:
- مش بس كده، دا بيقولو انه شاطر أوي، دا حتى الدكاترة الكبار بياخدوا رأيه في حالات معينة.
ثم أضافت أخرى:
- مش بس كده، دول بيخافوا منه، بيقولو مابيسكتش عن الغلط.
لوت شفتيها باستهزاء ورفعت حاجبيها تغمغم مندهشة:
- باين أنك مش قليل هنا يا أبن محسن.
همت بالرحيل وما هي إلا خطوات خطتها مبتعدة حتى وجدت إحدى الممرضات تتجه نحوها بخطى متعجلة تخبرها:
- دكتورة، دكتور طارق عاوزك في مكتبه حالًا.
رواية بنات ورد الفصل الثالث 3 - بقلم رشا عبد العزيز
وقفت أمام باب غرفته بضطراب والأفكار تتضارب في رأسها. لماذا طلب منها الحضور إلى مكتبه؟ هي لا تعمل في القسم ذاته، إذا ما السبب؟
أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته بشدة، علّها تخرج معه مخاوفها من هذا المواجهة. لملمت شتات نفسها وأصطنعت الثبات لتطرق الباب طرقات خفيفة. ثم أغمضت عينها، تمسك مقبض الباب وتديره.
ما أن سمعت أذنه بالدخول، وبخطوات مترددة فتحت الباب نحو الداخل. لتجده يرسم ابتسامة عريضة على وجهه. خلع نظارته الطبية وقال:
- مرحبا وهو يشير لها بالدخول.
- أهلاً يادكتورة، اتفضلي.
لا تعلم لماذا عندما رأته ضربت فكرها صور الماضي تتلاحق الواحد تلو الآخر، تزيدها عزماً وقوة، تشحن ثقتها وتزيدها عنفواناً وكبرياء. لتقول:
- حضرتك طلبتني يادكتور؟
- أيوه يا شمس، أتفضلي. عاوز أتكلم معاكِ في موضوع.
قالها طارق يشير لها بالجلوس. جلست أمامه بثقة تترقب حديثه.
- ازيك يا شمس؟
- الحمد الله.
- مرتاحة معانا في المستشفى؟
- الحمد الله.
- لسه قدامك كم شهر عشان تيجي قسم القلب؟
- أيوه.
أجوبتها المقتضبة جعلته يبتسم رغماً عنه، لكن ابتسامته أستفزتها. لتتنهد بضيق وتبعد نظرها عنه. لكنه باغتـها بسؤال:
- انت اسمك أي يادكتوره؟
- شمس.
قهقه ضاحكاً ويقول:
- الاسم الكامل.
علمت ما يرمي إليه وودت لو تتركه وترحل. لكنها تحاملت على نفسها وأجابت:
- شمس حسين الجوهري.
- وأنا طارق محسن الجوهري… يعني أحنا ولاد عم ياشمس.
قالها طارق ومازالت تلك الابتسامة السمجة كما وصفتها تملأ وجهه. لتجيبه هي بتحدي:
- ما أنا عارفه.
من شفته ورفع حاجبه يسألها بتعجب:
- ومدام انت عارفه أننا ولاد عم! مش معترفه ليه؟ يعني أنا كنت معيد في الكليه وكنت بشوفك بس عمركماقولتي انك بنت عمي. أنا عرفت بالصدفه ولا…
- ما بحبش الواسطه.
قالتها بسرعة تنهي استرساله بالحديث. هز رأسه بحرج يخفف ارتباكه من جوابها ليسألها.
- طب وهنا في المستشفى؟
- يادكتور أحنا مش في قسم واحد أولاً وزي ماقولتلك أنا مش بحب الواسطه. أنا عاوزه أعتمد على نفسي وأتعلم. والحمد الله أنا مجتهده وماشيا خطواتي صح.
رغم أن حديثها كان هادئاً، لكن كلماتها كانت سهام تعرف ماتصيب. هي ليست بحاجه له ولا لمساعدته. فهم هو مغزى حديثها. ليقرر إنهاء هذا اللقاء البارد ويقول:
- على العموم ياشمس لو أحتاجتي أي حاجه أنا موجود هنا وهكون سعيد جدا لو طلبتي مني أي خدمه.
نهضت بسرعة وجاهدت لترسم ابتسامة باهتة على وجهها وهي تقول:
- متشكره يادكتور، عن أذنك.
ثم تركته ورحلت. ينظر لإثرها مبتسماً، فشخصيتها العنيدة لم تكن بالغربيه عليه. فهذه صفة وراثيه مشتركه في هذه العائله. ليضحك ويقول:
- بنت الجوهري صحيح.
أما هي، فنظرت إلى باب غرفته المغلق خلفها، لتضحك بستـهزاء قائلة:
- عاوزني أقول إنك ابن عمي؟ مش لما أعترف أنا الأول بعمي عشان أعترف بيك يا ابن محسن.
***
وقفت ترتب الأزهار وتنسقها مع بعضها، تلف الشريط الملون حول سيقانها المجتمعه وتربطه بأنتظام. تشكله وتقص أطرافه. تلصق تلك البطاقة الخاصة تدون عليها بعض العبارات. أمسكت القلم ودعكت جبينها في محاولة لتذكر ما أخبرتها به صاحبة باقة الزهور لتدونه.
- ستظل أغلى من ملك قلبي ومنحني حبًا مختلفًا.
ثم توقفت برهة، تضع القلم في فمها وعينها تتحرك يمينًا ويسارًا تحاول أن تتذكر بقية الكلمات. ثم أخرجته من فمها تهتف بانتصار وهي تخط الباقي:
- يشبه حب الأساطير.
رددت الكلمات لتتأكد من صحتها. ليطرق ذاكرتها كلام شقيقتها شمس وهي تصف لها كيف تتمنى أن تعيش قصة حب مختلفة. ليفتر ثغرها عن ابتسامة متحيرة وهي تسأل نفسها:
- ياترى ياشمس، أنتِ هتعيشي الحب ولا هتحرمي على نفسك؟
لتشهق فجأة بفزع عندما رفعت رأسها لتجد يقف أمامها مبتسمًا. لتضع يدها على صدرها تهدئ من ضربات قلبها وتغمض عينها تردد:
- بسم الله الرحمن الرحيم… أنت دخلت أمتى؟
ضحك على تصرفها وقال:
- أنا آسف أني خضيتك… دخلت من شويه بس أنتِ كنت مشغولة. ممكن أقعد؟
- أيوه أكيد، اتفضل.
قالتها وهي تهز رأسها بالموافقة وتشير له بالجلوس. نظر لها بابتسامة وقال:
- كنت عاوز بوكيه ورد؟
- هي أي المناسبة؟
- عيد ميلاد.
نهضت بسرعة تتجه نحو مجاميع الزهو وتسأله:
- لون موحد ولا مجموعة ألوان؟
- أبيض، هي بتحب اللون الأبيض.
بهتت ملامحها وقلبها الغبي بدأ يخفق بجنون. وتزاحمت الأفكار في عقلها. ترى لمن يشتري الزهو؟ هل يملك حبيبة؟ أرتعشت يدها وهي تلتقط الأزهار وارتبكت نظرات عينها. حتى تخيلت أن الألوان امتزجت ببعضها كما امتزجت مشاعرها مابين الحزن والغيرة. بلعت ريقها وقالت بصوت جاهدت لأخراجه:
- ذوقها جميل… كم وردة؟
تقافز قلبه بين أضلعه وهو يرى تغير قسمات وجهها. هل ياترى تبادله نفس الشعور؟ ليقول بمكر قاصداً التأكد مما يشعر به:
- خليهم خمس وعشرين، حبيبتي بتحب الرقم دا.
كلمة "حبيبتي" جعلت دمائها تتيبس بين عروقها وتجمد جسدها. لتتوسل مدامعها أن لا تخذلها وتذرف الدموع. فيبدو أن ما حلمت به كان سراب ووهم صنعه عقلها ومشاعر صدقها قلبها الغبي.
جمعت الزهور ورتبتها وهي وعقلها مشتت. كانها انفصلت عن العالم. كل ما تسمعه هو حطام قلبها المتناثر وصراخه ألما وحسرة. وجل ما تفكر فيه أن لا تهرب دموعها التي تحبسها أمامه.
انتهت من ما تفعله تحت نظراته التي توقدت حباً وهو يرى تأثير كلماته عليها. اقتربت منه وهي تريه ما صنعت. جلت حنجرتها وسألته بصوت مختنق:
- كده البوكيه كويس؟
نظر إلى باقة الزهور باستحسان وقال مادحاً:
- برافو، تجنن. بس لو ممكن تكتبيلي بطاقة.
هذا ما كان ينقصها أن تكتب كلمات الغزل لحبيبته. زفرت أنفاسها بضيق وقالت بحده:
- هعلقلك البطاقة وحضرتك ممكن تكتب اللي أنت عاوزه.
أشار لها بيده رافضاً وقال متصنعاً:
- لا لا، أنا خطي وحش. أنا همليكي وأنتِ اكتبي.
حلت بأعلى درجات الصبر وتمالكت أعصابها، تجلس أمامه وتمسك القلم تضغط عليه بين أصابعها حتى لا تظهر أمامه ارتعاش جسدها. وقالت بـ أمتعاض:
- اتفضل.
ابتسم على حنقها وخفق قلبه مع ارتعاش صوتها الذي منحه الراحة. إنها تبادله المشاعر.
- إلى من سكنت قلبي منذ سنين. دمتي حبيبتي إلى الأبد. كل سنة وأنتِ أغلى حاجة عندي.
كانت تخط الكلمات وتشعر أن القلم قد تحول إلى خنجر مزق قلبها العاشق. كادت دموعها أن تسقط مع آخر حرف لولا أنها تداركتها تمنعها لاتريد أن تظهر ضعفها أمامه. رفعت البطاقة بسرعة تعطيها إياها.
ليدفعها بيده يعيدها إليها وهو يقول:
- استني، لسه الاسم.
أغمضت عينيها وتنهدت بألم. ثم فتحتها وعادت تمسك القلم من جديد تنهي هذا الموقف العصيب قبل أن تنهار أمامه.
- اتفضل.
- أمي الحبيبه.
قالها مع ابتسامة عريضة ونظرات ماكرة. اتسعت عينيها ونظرت له بدهشة. ليفتر ثغرها عن ابتسامة عريضة وهي تسأله بلهفة:
- أنت قلت أمي؟
- أيوه، أصل النهارده عيد ميلادها.
رغم فرحتها التي ظهرت أمامه، كانت تود لو تصفعه على تلك المشاعر التي عاشتها. لكنها أجبرت لسانها أن ينطق:
- كل سنة وحضرتها طيبة. كده هنعملك ديسكونت عندنا، نظام في المحل باقات الأمهات عليها خصم.
لتضيق عينيها وتقول بضيق:
- كويس إنك عرفتني قبل ما تدفع.
ضحك ملء قلبه على تعابير وجهها وقلبه يتراقص فرحاً. فقد نال الجواب الذي يود سماعه دون أن يسأل. فوجهها البريء لم يستطع إخفاء مشاعر قلبها العاشق.
***
وصلت إلى البيت منهكة بعد يوم عمل طويل. دخلت المنزل بخطى متعبة تنفث أنفاسها بتذمر. حتى وجدت والدتها وشقيقاتها يجلسون حول المائدة يتناولون العشاء. لتصرخ مستنكرة:
- اه ياخونة، بتتعشوا؟ مش كنتوا تستنوني.
- يابنتي انت مش قلتي هتتأخري.
قالتها والدتها بحنان امتزج بالأسف.
- أيوه بس أهم رحـمـوني ومشوني بدري.
قالتها وهي تمد يدها لتـطـقـت قطعة خيار. لتصفعها هدى على يدها تمنعها:
- اغسلي إيدك الأول، تلاقيها مليانة ميكروبات وجراثيم.
زفرت أنفاسها بضيق ورحلت لتغيب قليلاً. ثم عادت تسحب كرسيها وتأخذ طبق تسكب الطعام بحماس وهي تروي لوالدتها ما حدث معها:
- تعرفي يا ماما مين اللي اتكلم معايا النهارده؟
- مين؟
- دكتور طارق.
قطبت ورد حاجبها وقالت مستفهمة:
- مين دكتور طارق؟
- طارق محسن الجوهري.
قالتها قبل أن تدس ملعقة الطعام بفمها وتمضغه وعينها تترقب ردة فعل والدتها التي احتقن وجهها وقالت بشدة:
- وكان عاوز منك أي ابن محسن؟
- كان بينبهني إني بنت عمه.
- ياسلام، وهو لسه مفتكر الحكاية دي؟ حمد الله على السلامه.
قالتها ندى متهكمة.
- لا أصله قال لومحتاجه حاجة أنا موجود، يعني بيعرض مساعدته.
قالتها شمس بلا مبالاة وهي تكمل تناولها طعامها.
- طب كويس، فيه الخير.
رغم أن ورد قالتها بسخرية، لكنها واجهت اعتراض من شمس التي قالت:
- أنا مش محتاجة مساعدته، وحتى لو احتجت مساعدة مش هطلبها منه.
- جدعة يا بت، ترددت ندى مؤيدة لكلام شقيقتها.
- يابنتي جايز هو قالها بحسن نية. جايز هو واخد طباع أمه. حسين الله يرحمه كان دايماً يقول أحلام طيبة وخسارة بمحسن.
- حسن نية، سوء نية. ربنا ما يحوجناش لولاد الجوهري.
دعاء قالته شمس لتؤمن عليه ندى ووالدتها.
- آمين يارب.
أما تلك التي كانت تنصت للحديث دون أن تشارك فيه، كانت تعيش وسط صراع من المشاعر والمخاوف. إذا كانت هذه ردة فعلهم على من عرض المساعدة، كيف ستكون ردة فعلهم لو أخبرتهم أنها تحب ابن عمها؟ فما حدث اليوم جعلها تعترف أمام نفسها أنها تحبه، وربما هو أيضاً يحبها. فنظرات عينيه اليوم أشارت له بالكثير. يبدو أنها داخل دوامة الحب المستحيل. هل سيعيد الماضي نفسه وتعيش ما عاشته والدتها؟
خرجت من شرودها لتجد الطاولة خالية إلا منها. لتلتفت عندما سمعت هتاف شمس التي قالت:
- هدهد، ماما قالت آخر واحد يلم السفرة ويغسل المواعين. سلام ياقمر.
قالتها وهي تلاعب حواجبها وتخرج لسانها في محاولة لإغاظتها قبل أن تهرب نحو غرفتها. استشاطت هدى غضباً وهي تتمتم متوعدة لها:
- طيب يا شمس، أما أوريكِ.
***
دخل عليه المكتب ليجده يحمل جهازه اللوحي يدون عليه بعض الأشياء.
- مساء آلخير ياباشا.
رفع نظره عن الجهاز لينظر له بابتسامة وهو يضع الجهاز جانباً.
- علي، أهلاً. اتفضل.
- طبعاً أتفضل، أمال عاوزني أفضل واقف؟
قالها علي وهو يجلس.
- وأي سر زيارة العظيمة دي؟
- أبداً، كنت قريب وقلت أجي أشوف فارس باشا، واهو بالمرة آخدلي طقم جديد.
- تشرب إيه؟
- ملوش لزوم، عشان أنت هتعزمني على العشا.
رفع فارس حاجبه بتعجب وحرك يده باستنكار وهو يقول:
- يبقى الحكاية مش حكاية طقم ولا قريب منك ولا الكلام دا. أنت عاوز تفضفض يادكتور.
تنهد علي بحيرة وهو يخبره:
- بصراحة أيوه، أنا عاوز أتكلم معاك.
- طب ما تتكلم، وأنا سامعك يا علي.
ثم أردف فارس مازحاً:
- وما تخافش، هعزمك على العشا.
سكت علي قليلاً ثم نظر لعينه التي كانت تترقب حديثه:
- أنا بحب يافارس.
ضحك فارس رغماً عنه. ليمتعض وجه علي ويقول باستياء:
- شوف، أهو أنا كنت خايف من ردة فعلك التافهة دي.
سيطرت على ضحكاته عندما رأى علي يحاول النهوض والمغادر. ليشير له أن يتوقف.
- طب خلاص، خليك أهو والله أنا هسمعك. بس غصب عني، متوقعتش الموضوع دا.
- هقعد، بس والله يافارس لو ضحكت تاني لأسيبك وأمشي.
قالها علي وهو يعود للجلوس مرة أخرى.
- لا خلاص، مش هضحك. بس قلي، أنت متأكد من الحكاية دي؟ ليكون إعجاب. أصل عارفك رومانسي وقلبك رهيف.
حرك رأسه نافياً يجيبه مؤكداً:
- لا يافارس، أنا اتأكدت النهارده إني بحبها وبحبها أوي كمان.
ضيق فارس عينه ثم غمز له قائلاً بمشاكسة:
- شكلك واقع يا ابن عمي، والحكاية جد؟
- واقع ومدهول كمان.
- طب وهي بتحبك؟
يهز علي رأسه مؤكداً:
- أيوه.
قطب فارس حاجبه وسأله بحيرة:
- الله، أمال فين المشكلة؟ لما هي بتحبك وانت بتحبها؟
زفر أنفاسه بثقل وقال بنبرة صوت امتزجت باليأس:
- أنا بحب هدى بنت عمي حسين.
- أنتِ!
اتسعت حدقتي فارس بدهشة وقال متعجباً:
- بنت ورد!
- أيوه.
توتر فارس بعد أن أبصر صدق ابن عمه في حبه وقال بتلعثم:
- بس ياعلي، أنت عارف رأي جدي في بنات ورد هيكون إيه؟
- أيوه عارف، بس الحكاية دي مش بأيدي يافارس. أنا حبيتها غصب عني، وماحدش له سلطان على قلبه يا صاحبي.
- بس أنت كده بتعيد الماضي ياعلي، وأنت عارف النهاية.
- مهو المشكلة إني عارف النهاية، بس أعمل إيه؟ مش قادر أبعدها عن تفكيري. قلبي بينفض لما بشوفها. بحسـه عاوز يخرج من بين ضلوعي ويروح لها. كل حاجة فيها بتشدني.
ثم انهار واضعاً رأسه بين يديه:
- بحبها يافارس، بحبها.
أشفق فارس عليه لينهض ويذهب إليه يمسك ذراعه يجذبها يحثه على الوقوف:
- طب قوم دلوقتي نتعشا، وبعد كده يحلها الحلال.
***
جلست ورد على سجادة صلاتها بعد أن انتهت من أداء فرضها. ثم بدأت تحرك أصابعها تسبح وتردد:
سبحان الله، الحمد الله، لا إله إلا الله، والله أكبر.
ظلت تردد التسابيح حتى انتهت ورفعت يدها تدعو الله وهي تقول:
- يارب اجبر صبري وعوضني ببناتي يارب. يارب أنا مليش غيرهم. يارب اجبرني بيهم جبراً يتعجب له أهل الأرض والسماء.
ثم تجمعت الدموع في عينها واختنق صوتها وهي تقول:
- يارب هما اتحرموا من حنان أبوهم. ارزقهم بلي يعوضهم حنان أبوهم يارب.
ثم شعرت بتألم قدمها لتمدها وتنظر لانتفاخ قدمها وهي تحركها يمينًا ويسارًا. حتى بدأ جنبها ينغزها بألم لتمسـكه علّها تخفف ألمه. لكن من دون فائدة. لتعاتب نفسها:
- أي ياورد مالك؟ عجـزتي بدري؟ وإلا الهم هو اللي كبرك قبل أوانه؟
كلت تـتـنهد بألم حتى تأرجحت الدموع بين أهدابها وانسابت على وجنتيها. لتمسحها بأنـامـها بسرعة وهي تلوم حالها:
- بس ياورد. لحسن حد من البنات يدخل عليكِ وانتِ مقدرش تخبي دموعك عنيكي مفضوحه.
لتبتسم فجأة وأطياف الماضي تلوح أمام عينها تتذكر حبيبها الغائب:
- ياورد، أنا بحبك ومش بكذب عليكِ.
- يا حسين بيه، ميصحش الكلام دا. عيب.
ليضيق عينها ويسألها مبتسماً:
- يعني انت مش بتحبيني زي ما بحبك ياورد؟
نظرت لعينه بهيام وتأهت بين نظراته. لتشي عينها له بكل شيء.
ليبتسم هو قائلاً:
- مش محتاج أسمعها ياورد، عنيكي مفضوحة واعترفتلي بحُبك.
أسبلت أهدابها بخجل تبتعد عن مواجهة عينه. لتسمعه يقول:
- أوعدك تكوني نصيبي ياورد، إن شاء الله.
عادت من ذكريتها تمسح دموعها قائلة:
- ولسه عيني مفضوحة ياحبيبي.
لتعاود الرحيل لما بعد هذه الذكرى بسنتين. عندما رحل والدها عن الحياة ولم يكن لها أحد من بعده. جلست تذرف الدموع على فراقه بعد أن أصبحت وحيدة برحيله.
كان يجلس أمامها مواسياً لها وقلبه يتمزق حزناً عليها:
- كفاية ياورد، ادعيله هو محتاج دعاءك.
- كلت أخبره بصوت مختنق وشهقاتها تعلو:
- سابني لوحدي ياحسين. هعمل إيه من بعده؟
- كده ياورد، وأنا رحت فين؟ ما أنا جنبك.
قالها مدعياً الانزعاج كي يخفف عنها. لكنها زادت من بكائها وكان ما قاله أضافه حزناً لأحزانها. لتدهشه فعلتها ويقول متحيراً:
- مالك ياورد؟ بلاش الدموع دي، أرجوكِ. دموعك بتوجعني.
- حتى أنت ياحسين، بكرة تسيبني زي ما هو سابني.
علم الآن سبب بكائها. ليحاول طمئنتها بكلماته الحنونة:
- حد يسيب روحه، يامجنونة. أنتِ حبيبتي وبكرة هتكوني مراتي.
رفعت يدها تمسح دموعها بأكمام ثوبها وهي تسأله بلهفة:
- أنت قلت مراتي؟
ليهز رأسه ويقول مؤكداً لها:
- أيوه، مراتي. وحبيبتي وأم ولادي.
- ووالدك؟
سألته بتعجب. ليخفض رأسه ويقول بكسرة:
- وأعمل إيه ياورد؟ أنا بقالي سنتين بحاول أقنعه ومش راضي يقتنع.
ابتلعت ريقها الذي جف من شدة البكاء وقالت بحزن:
- بس أنت كده بتعصي والدك. أنا مش عاوزة أكون سبب في مشكلة بينكم.
ليحتقن وجهه فجأة وصدح صوته بنبرة غضب:
- وأنا فين حقي ياورد؟ عمري اللي ضاع فين؟ معاه وفي طاعته. ده أنا بشتغل من وأنا عندي أربعطاشر سنة، لا كملت دراسة ولا دخلت كلية. اتحرمت من كل حاجة. لا عشت زي صحابي، لا عمري اتفسحت ولا سافرت. كل حياتي وأنا بتعب وبشتغل. روح يا حسين وتعالى ياحسين.
ثم تحشرج صوته وأكمل:
- حتى خواتي شافوا حياتهم واتمتعوا. درسوا ودخلوا جامعة وحققوا أحلامهم ورموا الحمل عليا. لا عمري قلت ولا اشتكيت. كل اللي على لساني حاضر يابا وتأمر ياحاج. عمري ما قلت لا.
ثم نظر لها بعين تلوث بياضها بلون الأحمر من شدة الغضب والحسرة:
- يبقى ليه عاوز يحرمني من الحاجة الوحيدة اللي حبيتها؟ ليه مستكتر عليا الفرحة؟
قال كلماته الأخيرة صارخاً كأنه يخرج ألماً مكتوماً في صدره منذ سنين. ثم هز رأسه بعنف نافياً:
- لا ياورد، أنا مش هسيبك حتى لو حرمني من كل حاجة واتبرى مني زي ما هددني. أنا أبيع الدنيا وأشتريكِ ياورد. نتجوز والي يحصل يحصل. الرزق على ربنا… وبكرة يقتنع ويرضى لما يشوف سعادتي معاكِ.
لتشق ثغره ابتسامة عريضة رغم حزن ملامحه وهو يقول:
- تتجوزيني ياورد؟
عادت من ذكرياتها على نداء ابنتها المتكرر. لتنتبه فترفع طرف أسدالها تغطي قدمها المنتفخة وتكفكف دموعها. تجيبها:
- أنا هنا ياشمس.
لتدخل لها تشتكي من شقيقتها:
- شفتي يا ماما بنتك بتعاقبني وآخذه جزمتي الجديدة ومخبياها وأنا عاوزة ألبسها مع طقم بكرة.
ليمتعض وجهها وتهتف بضيق:
- يابنت، أنت مش هتبطلوا حكاية ناقر ونقير بتاعة كل يوم.
- أنا والا هي يعني انت سايباها وبتكلميني أنا.
- أنتِ الصغيره لازم تحترميها.
- ياسلام، صغيرة؟ ينداس عليا يعني وأسكت؟
لتـقهـقه ورد ضاحكة وهي تقول مستنكرة:
- أنتِ يا بنت الجوهري، يضحك عليكِ؟
- بلاش اللقب دا، مابحبوش. أنا مش بنت الجوهري، أنا بنت حسين وورد.
لتتفاجأ شمس بوالدتها تفتح لها ذراعيها وهي تقول:
- طب تعالي يابنت ورد.
لتلبي شمس الدعوة بابتهاج وتجثو على ركبتيها تحتضن والدتها بقوة. لتبادلها شمس العناق وهي تمسح على شعرها بحنان:
- شمس، ياريحة الغالي. عارفة إنكِ بتحبي أكتر مني ومش زعلانة. زمان كنت بهزر معاه وأقوله شمس ضرتي عشان كان بيحبك أوي وكنت محتلة حضنه. مكنتيش تقعدي إلا على حجره. وحتى لو كان تعبان وأخذك من حضنه يقول: سيبيها، أنا مرتاح وهي بحضني…
شعرت شمس بشيء غريب. صوت والدتها وكلماتها نغزت قلبها. شعرت بالأسى رغم أن كلامها ألمها هي أيضاً. لتخرج من أحضانها تسألها بقلق:
- ماما، أنتِ كويسة؟
مسحت ورد على وجنتها وقالت بحنان:
- أيوه ياحبيبتي، ماتخافيش. بس حسين واحشني وبشم ريـحـته فيكِ.
لتأذن ورد لدموعها الحبيسة بالنزول رغم مقاومتها. فطوفان الذكريات الذي داهمها زاد من شوقها إليه. مسحت شمس دموعها وقالت معاتبة:
- ليه الدموع ديه ياوردتي؟ أهو خليتيني أعيط أنا كمان.
ثم استطردت مداعبة:
- والا أنتِ عاوزة تتوّهيني عشان أنسى عملت بنتك؟
ضحكت ورد من بين دموعها وقالت:
- والله هدى طيبة.
- اه، ومين يشهد؟ للعروسة هدى طيبة، يعني أنا اللي شريرة؟
زادت ضحكاتها وقالت:
- هدى وندى بنات ورد طيبين زي أمهم. لكن أنتِ بنت حسين الجوهري، قادرة ودماغك ناشفة.
دعت الانزعاج ومثلت الضيق قائلة:
- كده ياورد، متشكرين بتتبري مني.
لتـمسك ورد يدها بحنان وقالت:
- أنا أتبرى من روحي والا أتبرى منكم؟ دانتِ ريحة الغالي.
لتشدد على يدها وتقول:
- أنتو بناتي اللي عاوزاكم ديماً تحبوا بعض. أنتو ياشمس عاملين زي المثلث. هدى القلب وندى العقل. وأنتِ…
- أوعي تقولي اللسان، أزعل منك.
ضحكت ورد حتى بانت نواجذها لتقرص وجنتها:
- أنتِ أحلى حاجة في الدنيا، أنتِ الاثنين.
- ماشي، رغم إني مش مقتنعة.
لتضربها ورد على رأسها بخفة وهي تقول:
- يابنت، أنتِ بقالك ساعة بترغي وتشتكي مع إني عارفة إنك بتحبيها وبتـمـوتي فيها.
غمزت لها شمس وقالت:
- قفشاني أنتِ على طول. بصراحة بحب أغشها دايماً.
- ربنا يخليكم لبعض.
- ويخليكي لينا يا أحلى أم في الدنيا.
قالتها شمس وهي ترفع يدها تلثمها. ثم نهضت تقرر الرحيل:
- أروح أنكد عليها.
- لا حول ولا قوة إلا بالله.
لتستدير مغادرة. ولكن قبل أن تخطي خطوة خارج الغرفة سمعت والدتها تصدر تأوهاً. التفتت إليها بفزع وهي تجدها تمسك جنبها. جثت بجانبها تتفقدها بقلق:
- مالك يا ماما؟ اللي بيوجعك؟
- مافيش.
قالتها ورد وهي تغلق عينيها تعتصرها لتخفي الألم الذي زاد. لتعض شفتها تكتم آهاتها. لتنتبه شمس إلى تورم قدمها بعد أن انزاح أسدال الصلاة عنها. لتسألها برعب:
- ماما، رجليكِ وارمة؟
- مافيهاش حاجة ياشمس، ماتخافيش.
لتلومها بخوف قائلة:
- مافيهاش حاجة إزاي؟
لتسألها بذعر:
- هي كده من امتى؟ وجنبك بيوجعك من امتى؟
ليتملكها الفزع من سماع الإجابة التي تخشى سماعها.
رواية بنات ورد الفصل الرابع 4 - بقلم رشا عبد العزيز
عادت إلى غرفتها شاردة الذهن، فإجابة والدتها كانت كفيلة بتأكيد شكوكها، وهذا يعني الكارثة.
تملكها الخوف من القادم، وتزاحمت الأفكار السيئة في رأسها، وكالمغيبة جلست على سريرها، حتى أنها لم تنتبه لهتاف هدى وكلامها.
"رحتي اشتكيتي لماما أكيد، لكن متحاوليش مش هاديكي الجزمة يا شمس عشان تبطلي تستفزيني."
تعجبت هدى من شرودها لتناديها.
"شمس… شمس انت يابنتي مالك؟"
رمشت عينيها عندما انتبهت لنداء هدى الذي انتشلها من شرودها، بعد أن كررت ندائها.
"شمس مالك انت مش سمعاني؟"
"هاااا…"
تسلل الشك إلى قلبها، لتجلس بجانبها تسألها بقلق.
"مالك ياشمس شكلك مش طبيعي؟"
لتبهت ملامحها عندما أبصرت الدموع تتجمع في عين شقيقتها، والألم يظهر على قسمات وجهها، لتسألها بخوف.
"شمس مالك اتكلمي؟"
وبصوت مختنق وأنفاس مسلوبة، أجابتها.
"ماما تعبانة ياهدى."
لتشهق بذعر وهي تسألها.
"مالها ماما ياشمس؟"
لتسبق دموعها كلماتها، وهي تحاول التقاط أنفاسها، لتجيبها بحيرة.
"مش عارفة، لكن الأعراض اللي عندها مخيفة، بس يارب أكون غلطانة. لازم آخدها بكرة للمستشفى عشان أتأكد."
"طب انتِ شاكه فى إيه؟"
تعمقت هدى بالنظر لعيني شقيقتها، تترقب إجابتها التي كانت تخشى أن تقولها.
لترخي أهدابها وتقول بصوت مهزوز.
"فشل كلوي."
لتشهق هدى، واضعة يدها على فمها بهلع، وهي تتخيل لو كان ما تفكر فيه صحيح.
***
صف سيارته أمام الفيلا، بعد أن أنهوا عشاءهم.
ليلتفت إليه علي ويقول بابتسامة هادئة ممتنًا.
"متشكر يافارس."
ربتت فارس على فخذه وهو يبادله الابتسامة.
"متشكرنيش يا علي، انت أخويا."
"حبيبي يابرو."
والتفت علي إلى المقعد الخلفي، يأخذ باقة الزهور.
ليضحك فارس وهو ينظر إلى مايفعل، عندما حمل الباقة يستنشق عطرها بهيام، ليقول له مازحًا.
"تعرف ياعلي اللي يخوف في حكايتك انت وهدى مش جدي، طنط صفاء تخيل تقولها إنك بتحب واحدة غيرها."
ليتجهم وجهه للحظات، ثم افتر ثغره عن ابتسامة باهتة وهو يقول مستهزئًا.
"دي كانت تطين عيشتي، دي بتغير لما بقول لبابا إني بحبه."
ليهقهق فارس ضاحكًا بسخرية، حتى أدمعت عيناه، ويقول له.
"طريقك مسدودٌ يا ولدي."
***
"كان يسير بين أروقة المستشفى، يتناقش باندماج في أحد الموضوعات المهمة."
"يامازن أنا مش بشكك في قدرة دكتور عاصم، دا أستاذي، لكن أنا بعترض على الأسلوب المادي. أنا ليه أطلب من المريض إنه يعمل العملية في المستشفى الخاص، مع إنه كان يقدر يعملها هنا في الحكومي؟"
"بس متُنكرش يا طارق إن المستشفى الخاص إمكانياته أكبر."
"أكيد إمكانياته أكبر، بس الناس على قد حالها، يا مازن. ليه أزود حملهم وأنا أقدر أعملها هنا."
أمسك مازن ذراع طارق يحذره.
"طارق بلاش النقاش في الأمور دي مع أي حد، ممكن الكلام يوصل لدكتور عاصم، وإحنا مش قده."
هز طارق رأسه بتفهم، رغم استنكاره كلام صديقه.
ليزفر أنفاسه بثقل.
"رغم إني مابحبش أسكت عن الغلط، بس انت بتتكلم صح يا مازن."
عاد يسير مع صديقه، يكمل حديثه، ليتوقف فجأة، عندما لمحها تقف في إحدى الممرات، وبجانبها فتاة أخرى.
ومن الشبه الكبير بينهم، علم أنها شقيقتها.
لينهي النقاش مع زميله بسرعة.
"عن إذنك يا مازن."
وبخطوات سريعة اتجه نحوها، حتى وقف أمامها يسألها بقلق بعد أن رأى هيئتها.
"شمس إزيك؟ خير، فيه حاجة؟ انتِ واقفة هنا ليه؟"
رفعت عينها نحوه وأجابته بتوتر.
"ماما تعبانة ومحتاجة سونار. دخلت دلوقتي مع أختي، وأنا هحصلهالي."
يجيبها بحزن لحالها.
"ربنا يشفيها إن شاء الله. خير، هدخل معاك عند دكتورة ملك، أعرف أقيمها للحالة."
نظرة امتنان، لم تكن تتوقع يومًا أن تنظر له بها اليوم.
تجده يستحقها بعد كلامه واهتمامه.
لتبتسم ابتسامة باهتة وتقول.
"متشكرة يادكتور."
ليحول نظره نحو تلك التي وقفت بوجه شاحب وعين دامعة، تفرك يدها باضطراب.
انتبهت شمس لتقول له معرفة شقيقتها.
"ندى أختي يا دكتور."
ثم نظرت لشقيقتها التي كانت نظراتها ضائعة، وكأنها في عالم آخر.
لتمسك ذراعها، تجعلها تنتبه.
"دكتور طارق بيناديلك."
يحاول طارق التخفيف عنهم، ليقول بدعابة مشاكسًا إياها.
"لسه مصرة متعترفيش إني ابن عمك؟"
كلماته جعلت ندى تفيق من شرودها، وتنظر نحوه بتركيز.
ليبتسم لها ويقول.
"أهلاً يا ندى."
"أهلاً يا دكتور."
ليقطب حاجبيه، مدعي الانزعاج، ويقول.
"إيه دا يا ندى، انتِ اتعديتي من أختك؟ أنا طارق ابن عمك، مش دكتور، و"رسميات"."
وبابتسامة مغتصبة، بالكاد رسمتها على وجهها، قالت.
"أهلاً يا طارق."
"أيوه كده تمام."
قالها طارق مبتسمًا، ثم حول نظره نحو شمس، وهو يطلب مرافقتها بعد أن طرق باب الغرفة.
"تعالي يا شمس نشوف دكتورة ملك."
دخل إلى الغرفة برفقة شمس، بعد أن أذنت له الطبيبة بالدخول.
ليجد ورد تستند على ذراع ابنتها الأخرى.
توقف لحظتين، ينظر لها بتمعن.
كان دائمًا يتملكه الفضول لرؤية المرأة التي تخلى عمه عن أهله وماله من أجلها.
جالت عيناه على قسمات وجهها بانبهار.
فرغم تقدمها في السن، لازالت جميلة، ترتسم الطيبة على ملامحها.
تبعث هيئتها القبول والراحة للمقابل.
اقترب منها وقال.
"حمد الله على السلامة يا حاجة."
رفعت ورد نظرها نحوه ببطء، ترتسم الدهشة على ملامحها.
لتخبرها شمس التي أمسكت يدها الأخرى تسندها.
"دكتور طارق يا ماما."
لتبتسم ابتسامة هادئة وتقول.
"أهلاً يا بني."
أسندت شمس وهدى ورد حتى الخارج.
لتستقبلها ندى.
وتعود شمس إلى الطبيبة تستفهم عن حالة والدتها.
جلست أمام الطبيبة، تطرقع أصابعها بتوتر.
قلبها ينتفض، عينها معلقة على وجه الطبيبة بترقب وجل.
ما تخشاه أن شكوكها تكون صحيحة.
أفاقها من شرودها سؤال طارق.
"ها يادكتورة ملك طمنيننا؟"
هزت الطبيبة رأسها بأسف وقالت.
"زي ما توقعتي يا دكتورة، فشل كلوي. بس المشكلة الوالدة واصلة مرحلة متأخرة."
هوى قلبها بين قدميها، وشلت الصدمة لسانها.
لتلمع الدموع في عينها التي اتسعت بخوف.
أشفق طارق على حالتها، ليسأل الطبيبة مستفسرًا.
"طب يادكتورة، والغسيل مش ممكن يساعدها؟"
لتخبره بعملية.
"وقت مؤقت يا دكتور. الحالة متأخرة، دا تقييمي الأولي. وممكن دكتور معتصم في قسم الباطنة ينصحكم، بس أنا متأكدة إن دكتور معتصم هيأكد كلامي."
أغمضت عينيها، ورفعت يدها تكمم فمها، تكتم شهقاتها.
بعد أن فقدت السيطرة على دموعها، وهي تعلم الآن مدى سوء حالة والدتها.
ليأتيها صوت طارق الذي قال محاولًا تهدئتها.
"اهدي ياشمس، كل شيء وله حل. إحنا قدامنا الغسيل دلوقتي لحد ما نشوف هنوصل لإيه."
"وانا من رأي دكتور طارق ياشمس، ومتنسيش إحنا ممكن نلجأ للزراعة."
نفخت أنفاسها بسرعة، تحاول السيطرة على دموعها.
لتمسح دموعها بيدها.
ليناولها عاصم منديل.
"حاولي تهدي قدام والدتك عشان حالتها النفسية."
التقطت المنديل منه، ومسحت دموعها.
تحرك رأسها بالموافقة، لتنهض وتقول.
"متشكرة يادكتورة."
اتجت نحو الخارج برفقة طارق، الذي شكر الطبيبة بدوره.
وما أن خرجت، حتى هرولت شقيقاتها نحوها يسألونها بلهفة.
لتحاول رسم ابتسامة على وجهها، بعد أن وجدت عين والدتها تتطلع إليها.
لتتجه نحوها، تنحني وتقبل يدها، وتقول مبتسمة.
"الحمد لله ياحبيبتي، الدكتورة طمنتني."
نظرت ورد نحو ابنتها، لتشيح شمس عينها بعيدًا عنها.
لتعلم أن ابنتها تكذب.
***
ثلاثة أشهر مرت، وهي تنتظم في الذهاب إلى مركز الغسيل.
ووضعها يزداد سوءًا، حتى انعكس ما يحدث بالسلب على بناتها.
التي رحلت البسمة عن وجوههم، وحل الحزن محلها.
جلست هدى تفكر في حالة والدتها.
ورغمًا عنها انسابت دموعها بحزن، لتتكأ على الطاولة، تخفي وجهها بين يديها، وتبكي بحرقة، علها تخفف من الألم الذي يخنق صدرها.
أدخل إلى المحل، ليتمزق قلبه على حالتها.
ود لو يستطيع أن يأخذها بين أحضانه، ويخفف عنها.
اقترب منها بتوجس، ونطق اسمها بقلق.
"هدى… هدى."
انتشلها صوته من وسط دموعها، لترفع عينها ببطء.
ليصعق من هيئتها، وجهها الشاحب، وعينها التي تحول بياضها إلى ألوان الأحمر، وانتفخت أجفانه.
ليسألها بلهفة.
"هدى مالك؟ حصل أي؟"
رفعت يدها تمسح دموعها، وبصوت مختنق قالت.
"ماما تعبانة أوي يا علي، أنا خايفة عليها."
جلس أمامها وقال يلومها.
"اهدي ياهدى ومتعمليش في نفسك كده، انتِ بتعيطي بدل ما تدعيلها بالشفاء."
تحرك رأسها وتقول بهستيريا تملكت منها.
"مش قادرة ياعلي، أنا خايفة يجرالها حاجة. إحنا هنضيع من غيرها يا علي."
"طب اهدي، الطب اتطور واكيد فيه حل."
"مافيش حل غير الزراعة، والزراعة مكلفة، مش هنقدر على تمنها."
قالتها هدى من بين دموعها وشهقاتها تعلو ما بين كلمة وأخرى.
ليجد نفسه بلا وعي، يحمل المنديل الذي يمسكه، ويمد يده يمسح دموعها.
لتفزع من حركته، وتعود إلى الخلف، تبعد وجهها عن مرمى يده.
لعن غباء تصرفه، ليتحمحم بحرج، ويقول.
"ربنا يشفيها."
ثم نهض بسرعة، واستدار محاولًا المغادرة، ليتسمر مكانه، عندما وجد شمس تقف أمامه تحدق به بغضب، ويبدو أنها قد شاهدت تصرفه.
ليرتبك، ويقول بتلعثم.
"أهلاً ياشمس، إزيك؟"
أجابته بحدة.
"أهلاً."
"عن إذنك."
ليتجاوزها ويرحل.
فتقترب هي من شقيقتها بوجه متجهم، وهي تقول بامتعاض.
"شكل علي باشا رجله خدت على المكان."
هربت هدى بعينيها بعيدًا، ولم تعقب على كلام شمس.
ثم نهضت، مدعية انشغالها بترتيب باقة زهور.
حتى سمعتها تقول.
"أنا محتاجة حاجة، هروح أجيبها من السوبر ماركت، وارجع عشان نروح سوا."
وقف يصف علب الدواء بذهن شارد، يشعر بالخزي من تصرفه المتهور.
هل ستظن أنه استغل لحظة ضعفها ليتقرب منها؟
ليتنهد بيأس، ويحاور نفسه قائلًا.
"نفسي أقولك إني بحبك أوي ياهدى، بس أنا خايف من المستقبل."
قطع حواره مع نفسه، تلك التي دخلت الصيدلية مندفعة نحوه.
لتقول، وهي تقف أمامه بوجه ممتعض.
"إيه اللي بينك وبين هدى ياعلي؟"
احتدت ملامحه وهو يسمع كلامها.
لترتب الكلمات على لسانه، يسألها بريبة.
"انت بتقول إيه ياشمس؟"
وبنبرة صوت حملت التحدي والإصرار، أعادت سؤالها.
"إيه اللي بينك وبين هدى ياعلي؟"
ارتسمت الدهشة على وجهه من سؤالها المباشر، لكنه أجابها باضطراب.
"مافيش حاجة بين."
احتدمت ملامحها، وامتزج الغضب بصوتها.
"بلاش تنكر، ياعلي. أنا شفت نظراتك ليها، شايفة تعلقها بيك، واسمك اللي بيتردد على لسانها طول اليوم. أنا مش غبية، أنا فاهمة كل حاجة، بس حابة أسمع منك."
نظر نحوها، يزفر أنفاسه بضيق.
هو لا يلوم خوفها على شقيقتها، لكن يخشى ردة فعلها إن أخبرها الحقيقة.
لكنه لن يكتم مشاعره أكثر من ذلك.
وبصوت اتسم بالثبات والقوة، أخبرها.
"أنا بحب هدى."
ابتسمت بسخرية، وسألته بتهكم.
"وانت عارف نهاية الحب دا إيه؟"
أشاح بنظره عنها، وأجابها بخفوت.
"أيوه."
استفزتها إجابته المقتضبة، لتتصاعد وتيرة أنفاسها، وهي تقول.
"ابعد عن اختي يا علي."
لينتفض قلبه، ويثور عليها غاضبًا.
"انت بتقول إيه يا شمس؟ للدرادي انت شايفاني مستهتر ومعنديش ضمير، عشان تخافي على أختك مني؟"
يزفرت أنفاسها بشدة، وحاولت السيطرة على انفعالها، لتقول له.
"علي أنا عمري ما شكيت في أخلاقك، أنا عارفاك كويس، لكن هدى حساسة أوي. ليه تعلقها بشيء مستحيل؟ ليه تخليها تتعلق بيك وانت مش هتقدر ترتبط بيها."
ثم صمتت تلتقط أنفاسها، لتكمل بصوت هادئ ومتعقل.
"بلاش ياعلي تعيد الماضي، لأن انتو الاتنين هتتعبوا، عشان كده بقلك ابعد عنها ياعلي، قبل ما تتعلقوا ببعض أكتر."
"ابعد ياعلي عشان متتوجعوش."
"بس أنا بحبها بجد، وبحلم باليوم اللي تكون فيه من نصيبي، أنا لا بلعب ولا بضحك عليها."
كانت تصغي له، وتحدق به، تتمعن في نظراته، وتتحرى صدق حديثه.
لتتركه يكمل.
"وليه نفترض إن الماضي ممكن يرجع؟ مش يمكن جدي يوافق؟"
لترتسم ابتسامة ساخرة على شفتيها، وهي تقول.
"بلاش نضحك على بعض، إحنا بنات ورد. ياعلي تعرف يعني إيه بنات ورد؟"
"بس جدي اتغير."
قالها علي بأمل، كأنه يتوسلها، لكنها قضت على آماله، عندما قالت مستنكرة.
"بدران الجوهري عمره ما يتغير."
تنهد علي بيأس، فيبدو أن كلامه لن يقنعها.
"شمس أنا هحاول أبعد، لكن موعدكيش إني أقدر أبعد."
وبصوت ملئه الرجاء، تحدثت.
"أرجوك ياعلي حاول، هدى قلبها مش هيستحمل صدمة بعدك لو اتعلقت بيك أكتر."
ورغم ثقل الكلمة على لسانه، لكنه أومأ لها موافقًا.
"حاضر."
ابتسمت ابتسامة باردة، وهمت بالرحيل.
"عن إذنك."
خطت خطواتها نحو باب الصيدلية، ليتزامن خروجها مع دخول شخص آخر.
توقفت لحظتين، ليعود إلى الوراء، يفسح لها مجالًا للخروج.
لتنظر إليه، ثم حادت بنظرها، قائلة وهي تتجاوزه.
"متشكرة."
دخل فارس، ثم التفت ينظر لإثرها، حتى اختفت.
ليستدير.
حتى وصل إلى علي، الذي كان مشتت الذهن.
ليسأله فارس مستفسرًا.
"هو مين البطل اللي خرجت من شوية دي؟"
ليتنهد علي بثقل، ويجيبه بفتور.
"دي شمس."
ردد فارس اسمها مبتسمًا.
"شمس، طب والله اسمها حلو."
"بس شخصية قوية ولسانها سابقها، ومتسكتش أبدا عن حقها."
ثم صمت قليلًا، وقال ساخرًا.
"دي لسه مديني موعظة معتبرة."
قطب فارس حاجبيه، وسأله في حيرة.
"وتديك موعظة بتاع إيه؟"
"عاوزاني أبعد عن أختها ياسيدي."
ارتسمت ملامح الدهشة على وجهه، وزادت حيرته، ليسأله مجددًا.
"أختها مين؟"
"هدى… مهي شمس بنت عمي حسين."
لتتسع حدقتي فارس بتعجب، وهو يقول.
"بنت ورد!"
***
عادت من جلسة الغسيل بجسد متعب، لتستلقي على السرير.
ويلتف بناتها حولها، ينظرون لها بابتسامة مزيفة.
تعلم أنهم يتصنعونها كي لا يخيفونها.
نظرت إليهم وهم يحيطونها، وما أشبه اليوم بالأمس.
هكذا كانوا يحيطونها يوم وفاة والدهم، وينظرون لها كأنها طوق نجاتهم في هذه الحياة.
لكن اليوم الأدوار قلبت.
هي اليوم تراهم طوق نجاتها في هذه الحياة.
هي لا تخشى الموت بقدر ما تخشى فراقهم.
كانت تتمنى أن يمد الله في عمرها حتى تفرح بزفافهم، وتحمل أولادهم.
لكن يبدو أن الفراق قريب.
نظرت نحو ندى، رفيقة كفاحها.
لم تكن ابنتها فقط، بل كانت شقيقتها وصديقتها، بئر أسرارها العميق.
ابتسمت، تتذكر كيف أحضرت أول راتب لها، ووضعته بين يديها، تخبرها بامتنان أنها صاحبة الفضل، ومن تستحقه.
ثم حولت نظرها نحو هدى، تلك الرقيقة ذات الابتسامة البريئة، وصاحبة القلب الطيب، تلك المطيعة التي لم ترفض لها طلبًا، وتهديها بالزهور التي تحبها.
لتحول نظرها نحو شمس، تلك التي تدعي القوة، لكنها تعلم أن قوتها ليس سوى قناع تخفي خلفه ضعفها.
شخصيتها الهجومية اكتسبتها من مواقف أليمة، حفرت داخلها الخوف من المجهول، وعدم الثقة بالمقابل.
لتبتسم ابتسامة بسيطة، وهي تتذكر كيف رفضت استلام شهادة تخرجها، إلا إذا رافقها هي، فيمن يستحق تلك الشهادة.
عادت تغمض عينيها، وهي تدعو لهم سرًا بالسعادة، والعوض، وراحة البال.
***
صف سيارته أمام المستشفى، وترجل منها.
ليتجه نحو صديقه، الذي ترجل من السيارة بصعوبة، مستندًا على بابها، نتيجة توعكه.
ليمسك يده ويسنده هو نحو الداخل، حتى دخل إلى ردهة الطوارئ، وقابل الطبيب المختص، ليعلق له المحاليل.
ليتركه، ويتجه نحو الخارج، يحاول الاتصال بشقيقه.
"الو."
"أيوه يافارس، وصلت المستشفى؟"
"أيوه يا طارق، إحنا في الطوارئ."
"طب الدكاترة شافوه؟"
"الدكتور بيقول ارتفاع في ضغط الدم."
"ماشي، استناني أخلص الحالة الموجودة وأجيلك."
"طب ياحبيبي هستناك."
أغلق الاتصال، ودس الهاتف في جيب بنطاله، عائدًا إلى صديقه.
وفي أثناء عودته، رأها تقف في إحدى الغرف.
تقطب جرح أحد الأطفال، ساقه فضوله، ليتوقف، ويتأملها من بعيد.
ينظر لمهارتها في التعامل مع الطفل، واقترب أكثر.
ليدهشه الحوار الذي دار بينها وبين والد الطفل، الذي يقف يصرخ بزوجته موبخًا، يتهمها بالإهمال والتقصير.
"شايفة ياهانم، آدي آخر إهمالك، مهو لوكنت انتبهتي مكانش حصل اللي حصل."
شعرت شمس بالإشفاق على الزوجة، وهي تجدها تقف مطأطأة الرأس، ودموعها تغرق وجهها، كأنها أخطأت وأجرمت في حق ولدها.
ليمتقع وجه شمس، وهي تجد الزوج يكمل إهانتها، وسط صراخ الطفل.
"تلاقيكي كنت مشغولة بالتلفون، حاكم أنا عارفك طول عمرك مشغولة بيه عن ولادك. طبعًا أكيد كنت بتكلمي أمك، وتلاقي كنت بتشتكي مني، ما انت موراكيش غير الرغي والشكوى."
"ياريت تكوني ارتحتي، وانت شايفة ابنك سايح بدمه."
كل هذا والمرأة لا تزال صامتة، رغم استمرار زوجها بالكلام، الذي استفزّ شمس، التي قالت.
"جرى إيه يا فندم؟ دا قضاء وقدر، هو فيه أم بتتعمد تأذي ولادها؟"
ليحتقن وجه الرجل، ويقول لها مستنكرًا.
"وانت مالك بتدخلي في مالكيش فيه ليه؟"
كاد فارس أن يخطو إلى الأمام، بعد خوفه من ردة فعل الرجل، لكنه توقف، عندما وجدها تجيبه.
"يبقى حضرتك زي ما بتطلب مني ما ادخلش، انت كمان تحترم المكان اللي انت موجود فيه. انت في مستشفى مش في بيتكم، والكلام اللي قلته على مراتك، رغم إنه كله غلط في غلط، بس كمان ميصحش يتقال قدام الناس، ليكم بيت تتفاهموا فيه."
ليهتف الرجل بغضب.
"انت عاوزة تعلميني الأدب كمان؟"
لتزفر شمس أنفاسها بضيق، وتقول.
"لا تعلمني ولا أعلمك. اتفضل، أنا خلصت، تقدر تأخذ الولد للدكتور يكتبلك مسكن."
قالتها شمس، وهي تنهي ربط الجرح، وتبتعد عنه.
ابتسم فارس رغمًا عنه، يتذكر كلام علي عنها، وقد صدق في وصفها، قوية ولا تخشى أحد.
وصل طارق، ليجده يقف أمام إحدى الغرف، يبتسم ببلاهة.
ليقترب منه، يسأله بتعجب.
"فارس، إيه اللي موقفك هنا؟ وحازم عامل إيه؟"
سؤال طارق أفاقه من مراقبتها، لينتبه له، ويجيبه بتلعثم.
"حازم… حازم أحسن دلوقتي."
ليجدها تخرج من الغرفة، يرتسم العبوس على وجهها.
لتتفاجأ بوجود شقيقه، فتقترب بغية إلقاء التحية.
"أهلاً يادكتور طارق."
طارق، الذي تفاجأ أيضًا بوجودها، أجابها مبتسمًا.
"أهلاً ياشمس، إزيك وازي صحة والدتك؟"
لتبتسم ابتسامة حزينة، وتقول بأسى.
"هي منتظمة في جلسات الغسيل، بس الوضع بيسوء يوم بعد يوم."
شعر طارق بالحزن لأجلها، وتأثر فارس بألمها.
ونبرة صوتها المثقلة بالهموم.
"طب دكتور معتصم رأيه إيه؟"
تنهدت بيأس، وقالت بقلة حيلة.
"مفيش قدامنا إلا الزراعة، عشان كدا إحنا هنبدأ اختبار عينات من الأسبوع الجاي."
"تقصدي انتِ وأخواتك؟"
سألها طارق، لتهز رأسها مؤكدة.
"أيوه أكيد، إحنا مستعدين نعمل أي حاجة، بس ماما تبقى بخير."
كان يرمقها بنظرات إعجاب على ثقتها وتضحيتها.
"شمس، أي حاجة تحتاجيها، أنا موجود."
نظرت بامتنان، وقالت شاكرة.
"متشكرة يادكتور."
وقبل أن ترحل، قال لها طارق، وهو يشير نحو فارس.
"فارس أخويا يا شمس."
ل تنظر نحوه نظرة خاطفة، وتقول.
"أهلاً يافندم."
"أهلاً يادكتورة."
***
لم يستطع إخفاء شوقه إليها، ولم يشعر إلا وقدماه تأخذانه نحو محل الزهور.
لينقض وعده لشمس، فعشرون يومًا من مراقبتها من بعيد، لم تستطع إطفاء نيران الاشتياق.
يقترب منها، وقلبه يعتصره ألمًا من هيئتها.
فقد انطفأت روحها، وتلاشت لمعة عيونها، ومحيت تلك البسمة البريئة.
ليحل محلها شبح الحزن، وشحوب الوجه، وتلك النظرة المنكسرة، وأهداب علقت آثار الدموع على أطرافها.
"مساء الخير."
رفعت عينها بوهن، وأجابت ببرود، رغم اشتياقها إليه.
لكن ذلك الحزن الجاثم على قلبها، كبل أي مشاعر أخرى.
ليسيطر على قلبها، يمنعها من فرحة لقائه بعد فراق لعدة أيام.
"ازيك ياهدى، عاملة إيه؟"
سؤال طرحه بلهفة قلب ملتاع، لكن سؤاله كان كمفتاح لسجن دموعها، التي تأسرها منذ الصباح.
وكأن الدفء الذي غلف صوته، أعطاها الحنان الذي تحتاجه، منذ أن حجب المرض عنها حنان والدتها.
لتخبره بصوت متعب، رافقته دموعها الموجعة.
"تعبانة أوي ياعلي."
مزقت قلبه كلماتها، وكأنه تجرع مرارة ألمها معه.
ليجد نفسه بلا وعي يقول.
"ليه يا حبيبتي؟"
ثم تلعثم بعد أن انتبه لكلامه، ليصحح كلماته.
"ليه ياهدى؟ حصل إيه؟"
تمنى لو كانت قد سمعت خطأ، لكنها للأسف كانت في عالم آخر، تائهة بين أحزانها ودموعها.
حتى أنه ترجاها أن تتحدث.
"هدى مالك، اتكلمي أرجوك؟"
لتمسح دموعها وتقول.
"كنا ناوين نتبرع لماما، بس ندى وشمس أنسجتهم متطابقتش معاها، وأنا عندي فقر دم، ووزني أقل من المطلوب، ومش مسموح أتبرع."
ثم صمتت، وأخذت نفسًا عميقًا، تبتلع مرارة الحقيقة.
"كده لازمنا متبرع، ولازمنا عملية، بس التكلفة كبيرة أوي، وإحنا مش هنقدر نأمن المبلغ الكبير ده. وحالة ماما بتسوق يوم بعد يوم."
أشفق على حالتهم، كأنهم مقيدين أمام قدر أرهق قلوبهم.
عم السكوت لدقائق، حتى قطعه هو قائلًا برتباك.
"أنا عندي الحل لمشكلتكم…"
رواية بنات ورد الفصل الخامس 5 - بقلم رشا عبد العزيز
خرجت من غرفة والدتها بعيون تحمل الكسرة، وألقت بجسدها المثقل بالهموم على الكرسي.
آهات خنقت صدرها، ودت لو تصرخ وتخرجها. شعور بالعجز كبل يديها. حتى علمها وشهادتها لم تنصفها اليوم. تجد نفسها مقيدة أمام سطوة المال. حسرة جرحت فؤادها، وشعور بالذنب أصبح يطرق تفكيرها. لماذا لم تنتبه لشحوب والدتها؟ لماذا لم تسمع أنينها؟ كيف غفلت عن آهاتها؟
تدحرجت دموعها بحرقة، تلوم حالها:
"هداوي الناس إزاي وأنت فشلتي إنك تداوي أهم حد في حياتك."
شعرت بكف ندى على كتفها، تسألها بعين متوسلة:
"إزاي ماما النهارده يا شمس؟"
زفرت أنفاسها المثقلة بقله حيلة وقالت:
"أديتها مسكن ونامت."
ثم هزت رأسها تؤكد لها بحزن:
"بس ماما حالتها تعبانه يا ندى. نسبة العجز كبيرة وجسمها ابتدى يتعب من الغسل."
"والعمل يا مشمش؟"
تنهدت شمس بألم وقالت:
"ماقدمناش غير الزراعة."
"بس الزراعة مكلفة، متنسوش إننا محتاجين متبرع."
قالتها هدى التي انضمت لهن:
"لو ينفع نأخذ قرض أنا وندى."
قالتها شمس وهي تنظر لندى بأمل، كأنها القشة التي سوف تنقذهم من الغرق.
حركت ندى رأسها نافية بحزن:
"مينفعش، متنسيش أنتِ امتياز."
زفرت أنفاسها بتأفف، وهي تضع رأسها بين يديها بيأس:
"طب والعمل أي؟ هو أحنا ممكن نستلف من حد؟"
لتجيبها ندى بضياع، توكد لها استحالة الأمر:
"ومين اللي هيرضى يسلفك مبلغ زي ده؟"
نظرت لهم هدى في حيرة، تفكر في فكرة على، لتعود بذكرياتها إلى حوارها معه.
"أنا عندي الحل لمشكلتكم."
اتسعت عينها بترقب، لتسأله بلهفة:
"بجد يا علي؟"
ليكمل بتردد:
"بس هو صعب شويه."
عقدت حاجبيها تسأله في حيرة:
"وأي هو؟"
صمت قليلاً، ثم رمى ما بجعبته دفعة واحدة:
"تطلبوا الفلوس من جدي."
ارتفع حاجبها بدهشة، وقالت بسخط مستنكرة:
"نطلب من بدران الجوهري؟ مستحيل!"
ليردف هو محاولاً إقناعها:
"يا هدى جدي اتغير، صدقيني."
تلوي شفتها بسخرية وتقول ساخرة:
"بدران الجوهري يتغير؟"
افتر ثغره عن تنهيدة يائسة، لكنه أكمل:
"يا هدى صدقيني، أنا بشوف عيني بدمع لما تيجي سيرة عمي حسين."
لترتسم ضحكة ساخرة على فمها، وتقول:
"والله فيه الخير."
نظرات علي المنزعجة جعلتها تكمل، مستفسرة باستهجان:
"وكان فين جدك وضميره؟ أبويا ميت من سنين، مفكرش في يوم في كوم اللحم اللي سابه دا؟ أحنا بنات، مخافش علينا من كلاب السكك تنهش لحمنا."
أطأطأ علي رأسه بخزي، يعلم صدق حديثها، لكنه لا يعلم السبب وراء ما فعله جده.
"عندك حق يا هدى، بس أنتو ليكم حق عنده، على الأقل طالبوا فيه."
ثم نظر نحوها يحثها قائلاً:
"طب انت عندك حل تاني عشان تأمنوا الفلوس؟"
عادت من ذكرياتها على نقاش ندى وشمس الذي انتهى من دون حل. استجمعت قواها، وقالت بتوجس:
"احنا ليه منطلبش الفلوس من جدي."
وكانت كلماتها كان الحجر الذي ألقي على بركان غضبها، لتهب تصرخ بها بغضب:
"أنتِ اتجننتي؟ عاوزنا نطلب الفلوس من بدران الجوهري؟ أنتِ واعية؟ أنتِ بتقولي أي؟"
"يا شمس دا حقنا وحق أبونا، وهو اللي هنطلبه. نقطة في بحر ثروته."
لتنتفخ أوداجها بغضب حتى نفرت عروقها:
"ملعون أبو الفلوس اللي تيجي من بدران! هو أحنا نسينا عمل فينا إيه؟!"
ثم نظرت إلى ندى التي لم تتحدث، بيريه وكأنها تؤيد كلام هدى، لتصرخ وهي تشير نحوهما:
"شوفوا أنتو الاتنين، أنا عندي أسرق، أو أن شاء الله أبيع لحمي، وإلا أمد إيدي لبدران."
ثم استرسلت، رفعت سبابتها محذرة:
"إياكم تفكروا في الحل ده، وإلا هيكون آخر ما بيني وبينكم."
ثم تركتهم ترحل كعاصفة هوجاء، تدخل غرفتها وتصفع الباب خلفها بقوة. لينظر الاثنان إلى أثرها، ثم إلى بعضهما البعض بحزن.
جلست على سريرها تنظر ليدها المرتعشة من شدة انفعالها، تشعر بضربات قلبها المنتفض داخل أضلعها، لتزفر أنفاسها بقوة، تحاول الهدوء من نوبة الغضب التي انتابتها.
لتستلقي على سريرها، وتأخذها الذكريات نحو الماضي. تتذكر كيف أمسك والدها يدها، يقودها نحو هذا المحل الكبير في تلك المنطقة الشعبية، ليقف عند أعتاب ذلك المحل بتذلل يطلب رؤية شخص عرف أن اسمه بدران.
وما هي إلا لحظات، حتى جاء رجل بملامح طيبة، احتضن والدها مرحباً وقال مبتسماً:
"أهلاً يا حسين، أهلاً يا خويا، واحشني."
ليبادله والدها العناق وهو يقول:
"أهلاً يا حسن، إزيك؟"
لينظر ذلك الرجل إليها ويسأل:
"بنتك يا حسين؟"
لينظر لها والدها بفخر:
"أيوه، شمس الصغيرة."
لينزل ذلك الرجل لمستواها، ويحتضنها رغماً عنها، ويقبل وجنتيها وهو يقول:
"أهلاً يا شموسة، أنا عمو حسن يا حبيبتي."
ثم نظر نحو والدها، ثم عاود النظر إليها يسألها:
"عندك كم سنة يا شمس؟"
"عشرة."
ليضيق الرجل عينه، يفكر ويقول:
"يعني أنتِ أصغر من علي ابني."
ليردف والدها:
"ربنا يخليهولك يا حسن."
لينهض الرجل، يربت على كتف والدها مردداً:
"تسلم يا حسين، ويحفظلك البنات يا خويا."
ثم تحدث والدها بارتباك قائلاً:
"أقدر أشوف أبويا الحج؟"
ليبتسم حسن ابتسامة باهتة، ويقول بتوتر:
"هبلغه، أصله قاعد هو ومحسن في المكتب."
ليفهم والدها مغزى كلامه، فمحسن كان لا يحبه، وكان دائماً يحرض والده عليه.
انتظروا مدة، حتى كاد الملل يخنقهم.
ابتلت يدها التي بين يدي والدها بالعرق، لترفع نظرها إلى والدها تسأله بعبوس:
"بابا خلينا نمشي، الظاهر مش هيدخلونا، أنا تعبت."
انحنى والدها، يمسح حبات العرق المتجمعة على جبهتها، ومسح على وجنتها بحنان، وهو يبتسم ابتسامة مضطربة:
"استحملي شوية يا حبيبتي، أنتِ مش كنتِ عاوزة تشوفي جدو؟"
"بس هو مش عاوز يشوفنا يا بابا."
لسانها نطق بعفوية، ليبتلع ريقه، يعلم أن فطرتها الطفولية صادقة، يبدو أنه لا يريد رؤيتهم.
مسح على رأسها بحنان، وقال يسألها:
"لو رجلك وجعتك أشيلك يا مشمش؟"
مطت شفتيها بإزعاج، وقالت رافضة:
"لا يا بابا، أنا بقيت كبيرة، ميصحش تشلني في الشارع، ماما قالت كده."
ليضحك على قولها، ويهمس لها مازحاً:
"ملكيش دعوة بماما، هي مش هتشوفنا."
لكنها هزت رأسها رافضة، ونطقت بما مزق نياط قلبه:
"لا يا بابا، أنا هستحمل."
ليرحلوا بالمغادرة حزناً عليها، فما ذنب صغيرته أن تدفع ثمن عقابه.
"يلا يا مشمش، خلينا نمشي، الظاهر ملكيش نصيب تشوفي جدو."
ليستدير راحلاً، وكاد أن يخطو راحلاً، لكنه سمع نداء حسن.
ليسمح لهم أخيراً بالدخول. دخلت خلف والدها بخطوات بطيئة، يملؤها الخوف من هيئة الرجلين.
لتجد والدها يتذلل. أحد هم يفلت يدها ويركض نحوه، يقبل يده ورأسه رغم أعراضه:
"إزيك يا حج، وإزاي صحتك؟ إن شاء الله بخير."
ثم ينظر نحوها مبتهجاً وهو يقول له:
"دي بنتي شمس يا حج."
انتفض قلب بدران، فقد كانت الفتاة تحمل اسم ابنته الراحلة.
فقد رحلت شمس في عمر صغير جداً بعد إصابتها بالحمى.
ليرمق تلك الطفلة، يطالع هيئتها، كانت نسخة مصغرة عن والدتها.
ليسمع ولده يقول، مشيراً لها:
"تعالي سلمي على جدو يا شمس."
لتقترب بخوف، وتفعل مثل ما فعلت. تمسك يد جدها تقبلها.
وكاد قلب بدران أن يلين، لولا ذلك الصوت البغيض الذي سمعته شمس، يقول:
"طريقة جديدة للشحاتة دي؟ جايب بنتك تضغط فيها على أبوك؟"
وكان كلام محسن قد نبهه، لينفض يده، يسحبها من بين يديها الصغيرة التي كانت تمسك أصابعه، ويستدير مبتعداً عنها.
حتى اختل توازن شمس، وكادت أن تسقط، لولا والدها الذي أسندها.
لتتشبث به بخوف، وتختبئ خلفه بعيون يملؤها الرعب.
ليعصره قلبه من فعله أبيه، ويسحب شمس يحتضنها محاولاً تهدئتها.
ثم صاح بغضب:
"بنتي مش شحاتة يا محسن، بنتي كانت جايه توري جدها علامتها العالية."
ليخرج نتيجتها الدراسية، ويضعها على سطح المكتب، ويضرب عليها بقوة.
ثم يمسك يد شمس يسحبها، ليسمع صوت والده البارد وهو يقول:
"خذ بنتك واطلع برا."
وكان صوته كان كسكاكين طعنت قلبه، مزقت روحه المشتاقة.
لتلمع عينه بالدموع، ويتجمد في مكانه، لولا أن شعر بيد شمس التي تجذبه وتهتف تحثه على الرحيل:
"يلا يا بابا خلينا نمشي من هنا."
أستجاب لندائها، وخرج يجر أذيال الخيبة والكسرة، وسط نظرات حسن التي تابعته بحزن.
ليقول لوالده معاتباً بصوت وصل له:
"ليه كده يا حج؟ كسرت بخاطره قدام بنته."
"يستاهل عشان يبطل حركاته الكدابة."
قالها محسن بصوت غلفه الحقد، ليحدق حسن بشقيقه بتعجب بعد كلماته الجارحة، ويهز رأسه بيأس.
سار بجانبها كالمغيب، يسير بلا هدف، قلبه ينزف من لقاء ظنه سيساعده على نيل الغفران، لكنه ها هو الفشل.
حليفة مرة أخرى.
تعبت قدماها الصغيرتان من المسافة الطويلة التي ساراها معا، لكنها كلما نظرت نحو والدها، وجدت الحزن المرتسم على وجهه.
تتردد في الكلام معه، لكن أنهكها التعب، لتفرح عندما وجدت إحدى المقاعد العامة، لتهتف تشير نحوه:
"بابا حبيبي، ممكن أقعد هنا؟"
أفاقه سؤالها من شروده، لينظر إلى ما تشير إليه، ليومئ لها برأسه موافقاً.
لتفلت يده بسرعه، وتهرول نحو المقعد.
تجلس عليه، وبعفوية نظرت نحو قدمها المجهدة، لينفطر قلبه حزناً عليها.
اتجه نحوه، ليقف أمامها، ثم ينزل إلى مستواها.
خلع حذائها الصيفي، ليبصر احمرار قدمها، ليبدأ في تدليكها.
ليحني رأسه، يُقبل قدمها الصغيرة كنوع من الاعتذار على ما عانته اليوم.
ورغم عنه، أنسياب دموعه بحرقة، وهو يتذكر نظراتها المرتبة أمام جبروت والده.
سقطت دموعه الدافئة على قدمها القابعة بين يديه.
لتلتزم شفتها بحزن، وتتجمع الدموع في عينها، تسأله بقلق:
"انت بتعيط يا بابا؟"
انتبه لسؤالها، ليمسح دموعه بسرعة، ويبتسم قائلاً وهو يرفع رأسه ينظر إليها:
"لا يا حبيبتي، أنا مش بعيط."
لكنها فاجأته، وهي ترفع يدها الصغيرة تمسح عينه وتلك الدموع التي علقت بين أهدابه.
وبفطرة سألته:
"أنت بتعيط ليه؟ أنت زعلت من جدو؟"
ليمسك يدها يقبلها:
"لا يا روحي، أنا مش زعلان."
ثم صمت، يتنهد بألم وكسرة، وقال لها برجاء وهو يحتضن يديها بين يديه:
"مشمش ياروحي، بلاش تقولي لماما وأخواتك إننا أحنا روحنا لجدو."
ثم همس لها يقنعها:
"ممكن يكون ده سر بيني وبينك؟"
لتهز رأسها بطاعة:
"حاضر يا بابا."
ليحتضن وجهها بيديه، ويقبل وجنتيها وهو يقول:
"شاطرة يا مشمش، وعشان أنتِ تعبتي، هنجيب آيس كريم قبل ما نروح البيت."
لتعود من ذكرياتها، تمسح دموعها التي سالت على وجنتها، وهي تقول محاورة طيف والدها:
"ومشمش لسه شاطرة يا حبيبي، ولسه محافظة على السر."
لترحل بذكرياتها مرة أخرى، إلى ما بعد عامين، في ذلك اليوم المشؤوم، وقبل حادثة والدها بساعات، عندما سمعت بصوته القادم من غرفة نومه، لتعلم أنه قد عاد من العمل.
لتحمل ورقة علاماتها العالية، وتركض نحو غرفته لتريه الورقة.
لكنها تسمرت عند أعتاب الغرفة، وهي تجد والدها يجلس أمام والدتها بجسد منهك.
لتسمع الحوار الدائر بينهم، لتجد والدتها تمسك بيد والدها المتشققة، تضع له المراهم، فعمله كان يجهد يده.
لترفع يده تقبلها بعين دامعة:
"ربنا يقويك يا حبيبي."
ليبتسم ابتسامة منكسرة، يجيبها:
"ربنا يحفظك يا ورد، متشكر."
برودة حديثه أدهشتها، لكن الحزن المرتسم على وجهه جعلها تفهم ما به، لتسأله:
"أنت روحت لوالدك النهارده؟" ليهز رأسه بألم، ويأخذ نفساً عميقاً، ثم يزفره دفعة واحدة بقوة، عله يخرج معه نيران قلبه المتأججة.
يشكو لها:
"سابني ساعتين في الشمس كأني شحات يا ورد."
واسترسل بعيون دامعة كطفل يشكو لأمه:
"كان نفسي بعد تمنتاشر سنة يسامحني وينسى. مكنتش عارف إنه قاسي للدرجة دي."
حركت يدها على ذراعه تواسيه:
"معلش يا حبيبي، بكرة يسامحك ويرضى عنك."
"امتى بس يا ورد؟ ده أنا بروح كل شهر أستسمحه وهو يرفض ويطردني."
قالها بحسرة، وبصوت مختنق ارتجف له قلبها.
لتنكس رأسها بقهر.
ليمscك ذقنها، يرفع رأسها لتواجه عينه عينها الباكيه، فيمسح دموعها بأنامله.
لتسأله بضطراب:
"ندمان يا حسين؟"
ليقبل عينيها، ويخبرها بوجه أشرق بوميض الحب:
"أنا أندم على جوازي منك يا ورد، ده أنتِ أحلى حاجة في حياتي، أنت حب عمري. ولو رجع بيا الزمان، هختارك تاني يا عشق الروح."
حرمت نفسها بين أحضانه، فهي موطنها وأمانها، وبادلها هو العناق، لتنساب دموعه بين أحضانه.
لم تكن ورد تعلم أن هذا هو العناق الأخير، عناق الوداع الذي ستفارق بعده أنيس روحها.
عادت من تلك الذكرى، تمسح دموعها، تردد بجرح نزف لسنين، كتمته عن شقيقتها:
"بكرهك يا بدران، بكرهك. إد كسرت أبويا وحزن أمي، وبدعي ربنا يأخذ حقنا منك يا ظالم."
أنهى اتصاله الهاتفي، وجلس يمسك جهازه اللوحي، يسجل احتياجات محلاته، ويتواصل مع وكلاء الوكالات العالمية.
حتى شعر بتشنج رقبته، ليضع الجهاز جانباً، ويدلك رقبته.
وأسترخى بجسده على كرسيه الوفير، ثم أغمض عينه، يدعكها ويضغط على جبهته، عله يخفف ألم الصداع الذي أنتابه فجأة.
ليريح رأسه إلى الخلف، وما هي إلا دقائق من الاسترخاء، أعادت له ذكريات عديدة.
لتلوح صورتها أمامه فجأة، فيفتح عينه مبتسماً بلا وعي.
أعتدل في جلوسه، وأخذت أصابعه تضرب على طاولة المكتب بانتظام، مع تكرار صورة ذلك المشهد أمامه.
ليقول بتهكم:
"ليه صورتك مش راضية تفارق خيالي يا بنت ورد؟"
ثم نظر نحو الصورة القابعة فوق مكتبه.
ليلتقطها مقبلاً إياه، وهو يقول:
"وحشتيني."
توقفت السيارة أمام تلك الفيلا الكبيرة، لتنزل الفتاتين بخطى مترددة.
وقفتا أمامها، لتمسك هدى يدها تمنعها:
"ندى خلينا نرجع، شكلنا غلطنا لما قررنا نجي هنا."
لتنظر لها ندى وتقول بقله حيلة:
"عندك حل تاني يا هدى؟ أديكي شايفة حالة والدتك، وأحنا منقدرش نأمن المبلغ."
لتسألها هدى برتباك:
"طب وشمس؟ هنقلها إيه؟"
"مش هنقلها حاجة، أوعي يا هدى تجيبي لها سيرة، أحنا جبنا الفلوس منين؟ أخذنا قرض واستلفنا من عم نعيم."
بما كانت هذه اللحظة هي من أصعب لحظات حياتها، أن تذل لأكثر شخص تحقد عليه في حياتها.
فهل تنسى دموع والدتها، أو كسرة والدها التي كانت تراها كلما زاره أسرار وأحاديث كانت تبوح بها أمها لها كي تزيح عن كاهلها بعض الهموم.
وهل تنسى الحرمان الذي عاشوا فيه بعد رحيل والدهم.
ماكينة الخياطة التي رافق صوتها تفاصيل حياتهم، وحاكت خيوطها طريق مستقبلهم.
عين والدتها الذابلة من السهر، أماً أصابعها التي نغزتها الإبر، أماً أظافرها التي حولتها لمخالب قطة وهي تحافظ عليهم من عيون الآخرين.
أم تنسى ملابسها الباليه التي عاشت بها لسنين، ولسانها يعجز عن طلب ملابس جديدة.
كل تلك الأفكار كانت تتزاحم في رأسها، وتتلاطم كامواج بحر هائج في ليلة عاصفة.
تنظر لواجهة تلك الفيلا التي تظهر ثراء ساكنيها، أسطول السيارات المتوقف بالخارج، ذكرها كيف عانوا مع المواصلات.
أنوار مصابيحها المنيرة تذكرها بالأضواء الخافتة التي كانت تقرأ دروسها عليها.
مقارنات عقدها عقلها، وهي تخطو داخل الفيلا، وهدى تتشبث بذراعها كأنها تستمد منها القوة.
قدم تتقدم وأخرى تتأخر، حتى وجدوا الحراس يقتربون منهم:
"عايزين مين؟"
لتجيب بتلعثم:
"بدران الجوهري."
"استنوا دقايق."
"ندى خلينا نمشي، أنا خايفة أوي."
حدقت ندى بها، لكنها كان من الممكن أن ترجع قبل دخولها المكان، لكنها الآن وبعد أن رأت هذا الثراء، فهم يمتلكون الحق بالمطالبة بالمال.
ألم يكن والدهم صاحب الفضل الأول في هذه الثروة؟ ألم يفني عمره مع والده كما أخبرتها والدتها؟
إذا هم يستحقون بعض المال.
أخرجها من شرودها، والحارس يقول:
"اتفضلوا، بدران بيه مستنيكم."
سحبت هدى خلفها نحو الداخل، بعد أن ثقلت خطوات الأخيرة، وهي تشعر بالذنب، فهي صاحبة الفكرة.
بخطى مترددة، وقفوا أمام غرفة مكتبه، لتطرق الخادمة الباب، وتأذن لهم بالدخول.
نظرت أحدهما نحو الأخرى بتردد، حسمته ندى عندما تقدمت نحو الداخل، وجذبتها خلفها.
حالة من الرهبة انتابتهم، وهم يرون رجل خط الزمان على وجهه آثاره وزاده هيبة.
عينه التي كانت تتفحصهم، زادت من ارتباك خطواتهم، حتى أصبحوا أمامه.
لم يكن بحاجة لمعرفة هويتهم، فروحه خالطت روحهم، وملامحهم حملت من ملامحه الكثير.
ليخفق قلبه بعنف، لو يأخذهم بين أحضانه، يشم رائحته فيهم.
لكن كبرياؤه العنيد منعه، ليرسم الجمود على وجهه، ويقول:
"انتو مين وعاوزين إيه؟"
وبلسان مثلت فيه القوة، وروح افتعلت فيها الثبات، أجابته ندى:
"أنا ندى حسين الجوهري، وأختي هدى."
رنين اسمه من شفتيها، جعله يغمض عينه، يطربه تردد اسمه على لسانها، وكأنه عاد إلى الحياة من جديد.
كم اشتاق لندائه وسماع صوته.
حافظ على جموده، وقال مدعياً عدم اهتمامه:
"عاوزة أي؟"
بروده حديثه كان أشبه برياح ديسمبر الباردة، وكلماته المقتضبة كانت كخناجر طعنت كرامتها.
لكنها أثرت الاستمرار من أجل والدتها.
ستتحمل أي شيء.
ضغطت على قبضة يدها، تجبر لسانها الذي تلعثم على الحديث، لكنه شل يمنعها من هدر كرامتها.
ليكرر هو سؤاله:
"عاوزة أي؟ جايه هنا ليه يا بنت ورد؟"
ذكره لاسم والدتها جعلها تنسى كرامتها، وتتذكرها فقط، لتقول:
"والدتي تعبانة، وكنت عايزة أستلف فلوس، وهرجعها."
لا يعلم أيفرح، فهذه ورد التي حرمته من فلذة كبده بعد أن فضلها عليه، أم يحزن وهو يرى الكسرة في عينيها.
مد يده والتقط دفتر شيكاته، يمد يده لها ويقول:
"اكتبي الرقم اللي أنتِ محتاجاه."
أقتربت منه بتوجس، وأمسكت الدفتر بيد مرتعشة، تخط عليه الرقم الذي تحتاجه والدتها، وتعيده إليه.
قرأ الرقم، وضحك بستهزاء، فهذا الرقم لا يعني شيئاً بالنسبة له.
وقع الشيك، وأعطاه لها، لتمسك الشيك، وتنظر إليها وإلى جدها، هل كان الأمر بهذه السهولة؟
لتبتسم فرحاً، وقبل أن تخرج من لسانها كلمة شكر، وجدته يخرج ورقة يسجل عليها بعض الأشياء، ويقول لها:
"امضي."
لتمسك الورقة وتسأله في حيرة:
"أمضي على إيه؟"
وضع يده على المكتب وقال بهدوء:
"ورقة ضمان ليا."
قرأت الورقة، اتسعت عينها بدهشة، لتسأله:
"بس دي المدة ست شهور بس؟"
"أيوه."
وأكملت بتعجب مستنكرة:
"وكمان بند الشرط الجزائي فاضي؟!"
وبضحكة مستفزة، قهقه ضاحكاً وهو يقول:
"لا، الشرط الجزائي أنا هضيفه على مزاجي."
"بس ده ظلم! أنا إيش عرفني إيه هو الشرط؟ وكمان الوقت قليل."
لتصرخ بوجهها وهو يقول:
"لو مش عاجبك، هاتي الشيك."
لتطوي تلك الورقة، وتعتصرها حزناً على حالهم.
هل ترفض؟ وما هو الحل إن رفضت؟
لتجد نفسها تمسك تلك الورقة.
أمسكت تلك الورقة، ويدها ترتعش، تقرأ كلماتها بذهول، هل وصل به الأمر إلى هذا الحد؟
لم يرحمها هي وشقيقاتها.
نظرت إليه، لتجده يحدق بها دون اكتراث، وكأنها لا تعني له شيئاً.
ولو كانت تحقد عليه مرة، حقدها أصبح اليوم ألف مرة.
غصت الخذلان التي تتجرعها الآن، فاقت ممراتها آلام سنينها الماضية.
نظرت نحو شقيقها، لتجد الخوف يستوطن عينها، كأنها تتوسلها أن لا تفعل ذلك.
لكن لم يعد القرار بيدها.
حادت بنظرها عنها، وحسمت قرارها.
هي لا تمتلك الآن رفاهية الاختيار.
أمسكت القلم، وارتعاش قلبها بين أضلعها، شابه ارتعاش القلم بين أصابعها.
وقبل أن يصل القلم إلى الورقة، أمسكت هدى بيدها تمنعها.
تنظر لها برجاء.
التفتت لها، تهز رأسها برفض، وهي تقول:
"معنديش خيار تاني يا هدى."
لتغمض عينها بقوة، كأنها تكتم صراخ كرامتها.
ثم فتحت عينها بوهن، وأمرت يدها أن تخط عليها توقيعها.
وكأنها توقع وثيقة بيعها هي وشقيقاتها.
رواية بنات ورد الفصل السادس 6 - بقلم رشا عبد العزيز
امسك تلك الورقة التي اعتبرها كصك ملكية لهم.
ربما هذا ما اعتقدنه وهو يرى نظرات الكره التي صدحت من عيونهن، وتلك الكسرة التي غلفت صوت ندى وهي تخبره أنها ستحاول جمع هذا المال في أقرب وقت.
حتى همس هدى وهي تعاتب شقيقتها: "لماذا لم ترفضي؟ والله كفيل بهن، مثل ما كان عون لهن طيلة تلك الفترة."
جلدته كلماتهن وصفعت كبرياءه نظرات الخذلان التي ارتسمت على وجوههن وهن يغادرن الغرفة.
"عندهم حق يقولوا أكتر من كده يا بدران."
هكذا لام نفسه على تركهن كل تلك السنين، لكن عنده وكبرياؤه الذي صور له ورد كعدوة حرمته من ولده، وتركها بلا معين، ليس سوى عقاب لها.
رغم أنه كان يعلم بكل أخبارهم، ودوماً يوصي نعيم جارهم بهن.
ربما كان يرجو أن تلجأ إليه بعد وفاة ولده، لكنها كانت قوية واستطاعت أن تقاوم.
تنهد بحزن وفتح درج المكتب يخرج صورته منها، يحدثها كما يفعل كل يوم منذ رحيله.
"أنا عارف إنك زعلان مني، أنا ضيعت الأمانة يا حبيبي."
ليمرر أنامله على الصورة كأنه يستشعر روح صاحبها، ليقول بغصة:
"كان نفسي أخدهم في حضني وأشم ريحتك فيهم يا غالي، شبهك يا حسين، قلبهم طيب حتى وهما عاوزين يبانوا، شداد عيونهم بريئة."
"وأنا اللي كنت بقول حسين بقاله أسبوع بيزورني في المنام، ليه؟ أتاريك بتوصيني عليهم. متخافش ياحبيبي، مش هضيع الأمانة، المرة دي مش هضيعهم زي ما ضيعت."
ليرحل بذاكرته إلى ذلك اليوم المشئوم، ذلك اليوم الذي أتى به إلى المحل، يقف عند بابه ذليلًا يستعطفه كي يأذن له بالدخول، عله ينال رضاه، لكنه رفض.
ساعتان ظل يقف على قدمه حتى أضناه التعب، وهو يستند إلى الجدار.
ليجلس القرفصاء بعد أن أنهكه التعب.
كان يعلم أن والده قاسي القلب، لكنه لم يتخيل أن تصل قسوته لهذه الدرجة.
لقد كان أقرب إخوته له، كان ليس والده فقط، كان صديقه المقرب، لم يكن له أصدقاء سواه، ربما لذلك كان غضبه من عصيانه كبير.
لقد تعب من هذا الجفاء، شعر بالخجل ومن يعرفهم من العمال ينظرون إليه بشفقة، كأنه متسول.
انسابت حبات العرق على وجهه وخالطت تلك الدمعة التي انسابت من عينيه بعد أن خنقته العبرات.
فلم يعد يتحمل شعور الذل والهوان.
أما في الداخل، وقف حسن أمام والده يستجدي عطفه كي يرحمه ويسمح له بالدخول.
"يا با، حرام عليك، دا بقاله ساعتين في الشمس، يابا دا مهما كان ابنك."
"ابني اللي عصاني يا حسن."
"يا حج، دي حكاية فات عليها سنين، مش هتنسى وتسامحه."
وكانت كلمات حسن كفتيل أشعل نيران غضبه ليصرخ بوجهه.
"أنسى إيه يا حسن؟ إنه فضل عليا بنت بياع الفول."
"خلاص يا حج، دا بقى عنده بنات منها، يعني عيلة. انسى يابا، هو خصامك ليه السنين دي كلها؟ مشافش غليلك."
"ولا عمري هنسى يا حسن. ابني اللي كان أغلى عندي من روحي يعصاني عشان بنت متسواش. كنت فاكر لما أحرمه من الفلوس هيرجع عن قراره، بس هو خدها عند معايا، خليها تنفعه."
تنهد حسن بيأس، لكنه أكمل متوسلًا.
"يا حج، هو حبها ومحدش له سلطان على قلبه يا أبو حسين."
لانت ملامحه قليلًا بعد ذكر حسن لكنيته المحببة لقلبه.
ليستغل حسن ويستطرد قائلًا:
"طب تعالى شوفه إزاي بقاله ساعتين واقف عشان يشوفك، دا بيموت فيك، وانت كمان ياحج بتحبه، متنكرش. تعالى بس شوفه."
ومن مكان بعيد نظر باتجاهه لينفطر قلبه من مظهره وهو يجلس ذليلًا يمسح حبات العرق عن جبينه.
لكنه قال بعناد:
"حتى لو سمحت له يدخل المرة دي، مش هاسامحه."
هز حسن رأسه بالموافقة وهو يبتسم، يعلم أن والده رغم عناده وجبروته، لكنه ينتظر قدومه.
رغم صده له، لكنه يشتاق له.
"هروح أبلغه."
في الخارج، مل حسين من الانتظار ليحاور نفسه.
"امتى تحن عليا يابا؟ مش كفاية كده ذلي وكرامتي اللي اتهانت قدام العمال كأني شحات مستني حسنة منك."
"ليه يابا بتستكتر عليا السعادة؟ هو انت مش شايف فرحتي بيها وببناتي؟ دا مش كافي؟"
ليبتسم وطيفهن يلوح أمامه وهن يستقبلنه بأحلى ابتسامة تنسيه ما قاساه طيلة اليوم.
لينهض بعد أن يأس، ينفض التراب عن ملابسه ويسير مغادرًا، يجر أذيال الخيبة والكسرة.
شعر حسن بالحزن عندما خرج ولم يجده، ليعود لوالده يخبره بأسى.
"مشي يابا، الظاهر فقد الأمل في مقابلتك."
لا يعلم لماذا نغزه قلبه عندما علم بمغادرته، ود لو يركض خلفه ويعيده.
حتى سمع بخبر وفاته في الصباح، ليتآكله الندم، ليحكم عليه أن يعيش بلوعته والحسرة عليه طيلة العمر.
عاد من ذكرياته وهو يمسح دموعه ويقول بحرقة يلوم نفسه.
"ياريتني كنت سمعت كلامك ياحسن، ياريتني خدته في حضني وسامحته."
صمت قليلًا ثم اتجه نحو خزانة أمواله ليفتحها ويخرج منها ورقة يبدو أنها تجعدت من أثر الدموع عليها.
ل يمسكها ينظر إليها ودموعه تقطر عليها من جديد.
"مجيتيش مع أخواتك ليه؟ أكيد بتكرهيني، عندك حق يا شمس، إذا كنت أنا كرهت نفسي."
ثم قرب تلك الورقة التي لم تكن سوى نتيجتها التي تركها والدها في مكتبه.
قربها يستنشقها وكأنه يستنشق رائحة يده التي كانت تمسكها للمرة الأخيرة.
***
كانت ممددة تجاور والدتها على السرير تشاكسها ضاحكة.
"تعرفي يا ورد، أبويا كان عنده حق يسيب أهله ويحبك أنتِ، حلوة أوي."
لتضربها على يدها بوهن وهي تقول:
"يا بكاشة، ما انت صورة مني، وبعدين هو محبش الشكل بس، هو حب الشكل والروح."
لتغمز لها شمس التي رفعت جسدها تجلس على السرير وتنظر لها.
"أي ياعم حب حقيقي ده؟"
لتضحك ورد وتجيبها:
"أيوه يا ختي، حب حقيقي."
"وبابا كمان ينحب، متنكريش يا ورد، أبويا وسيم وحنين ومفيش منه اتنين."
تنهدت ورد بحسرة وشردت تصفه بهيام.
"حسين راجل بجد وزوج تحلم به أي ست، كان طيب وحنين، لاعمره زعلني ولا عمره سمعني كلمة وحشة."
"كان بيحس بيا قبل ما أتكلم ويطبطب عليا قبل ما أطلب، كان أبويا واخويا وحبيبي وكل دنيتي."
ثم فرت من عينها دمعة أزالتها شمس وهي تلومها.
"طب بتعيطي ليه؟"
"وحشني يا شمس، وحشني أوي."
"بس كده، ثواني."
لتضحك ورد وهي تجدها تزيح يدها وتنام على صدرها وتقول ضاحكة.
"احضنيني أنا، أنا النائب بتاعه."
ضحكت ورد على فعلتها لتحتضنها وتمسح على شعرها بحنان.
"ماما؟"
"أيوه ياروح ماما."
"تفتكري فيه رجالة زي بابا في الزمن دا؟ نفسي لما أحب أحب حد زي بابا."
ابتسمت ورد تدعو لها.
"أكيد فيه يا مشمش، يا رب يابنتي يرزقك بحد حنين زيه يحبك ويخاف عليك."
"وحلو."
"وحلو يا شمس."
"ويحبني ويموت فيا، ومايشوفش ست غيري."
"إن شاء الله ياحبيبتي، يحبك ويموت فيك."
"وغنيلتلوي."
ورد شفتها بسخط وتضربها على رأسها بخفة.
"الفلوس مش كل حاجة يابنت ورد."
لتدعي شمس الإزعاج وتتذمر على حديثها.
"ماتدعي يا ماما، هتيجي هنا وتقطعي. كملي يا ورد، كملي الدعوة."
"وغني يا لمضة."
"ماما؟"
"أيوه ياحبيبتي."
"حضنك حلو أوي، ربنا يحفظك ليا."
"ويحفظك يا نور عيني."
لتشعر شمس بضربات قلب والدتها تتسارع حتى أصبحت تسمعها تحت أذنها تقرع كقرع الطبول.
فسمعتها تقول:
"شمس."
"أيوه يا وردتي؟"
"أنا عارفه أن حالتي خطرة، متنكريش كده يادكتورة."
لتخرج شمس من أحضانها متكئة بكف يدها على السرير تنظر لها بدهشة.
"ليه بتقولي كده يا ماما؟ أنتِ حالتك بتتحسن."
"يا بنتي، أنا مش زعلانة، الموت علينا حق، وأبوكِ وحشني يا شمس."
لتضع شمس يدها على فمها بسرعة تمنعها عن إكمال حديثها وتقول لها بعين دامعة.
"أبوس أيدك، متقوليش الكلام دا، بلاش سيرة الموت. روحي فداكِ يا أمي."
أزاحت ورد يدها وقالت لها.
"شمس اسمعيني، قبل أخواتك ما يرجعوا، أنا مش خايفة من الموت قد ما خايفة عليكم."
"ماما، ارجوكِ، بلاش تكملي."
"اسمعيني يابنتي وخليني أكمل كلامي، ندى وهدى الاثنين طيبين، أنتِ أقوى منهم يا بنتي، خلي بالك منهم، واوعي في يوم حد يفرقكم عن بعض."
"ماما، أنتِ ليه محسساني أنك خايفة من حاجة؟"
"خايفة عليكم من الناس وغدر الزمن يا شمس."
عادت شمس إلى أحضانها تدفن نفسها فيها وتحتضنها بقوة، تأخذ نفسًا عميقًا تستنشق رائحتها.
تخبرها وهي داخل أحضانها.
"ماما، بلاش التفكير السلبي دا، انت هتخفي وهتفضلي سندنا."
ثم حاولت المزاح معها والتخفيف عنها.
"بطلي يا ورد نكد، أنا عارفة حسين كان بيحبك إزاي وأنتِ نكدو كده؟"
"اخرسي يابنت الجوهري."
لتضحك شمس وتقول مشاكسة.
"مدام قلتي بنت الجوهري، يبقى رضيتي عني يا ورد."
لترفع يد والدتها وتضعها على رأسها وهي تطلب منها كي تنسيها.
"العبي بشعري عشان أنام، زي زمان، عاوزة أنام في حضنك النهاردة قبل بناتك ما يرجعوا وينكدوا علينا."
امتثلت ورد لطلبها وبدأت تمسح على رأسها حتى غفت بالفعل بين أحضان والدتها.
صوت إغلاق الباب جعلها تستيقظ وتسحب نفسها من بين أحضان والدتها الغافية لتتجه نحوهم.
تستفسر عن سبب غيابهم.
خرجت إلى الصالة ليتفاجئ بها الاثنان.
لتقول لائمة:
"كنتو فين وإزاي تسيبوا ماما لوحدها؟"
نظرت إحداهما إلى الأخرى بارتباك وقالت ندى بتلعثم.
"مفيش، كنا بنجيب طلبات للبيت."
قالتها وهي ترفع أكياس الخضار أمامها لترد باستهجان.
"انتو الاثنين؟"
لتقول هدى بتردد وهي تتحاشى النظر إليها.
"أيوه، اتقابلنا في الطريق، هو تحقيق يا شمس؟"
"عن إذنكم، أنا عاوزة أنام."
قالتها ندى متجهة لغرفتها لتتبعها هدى وهي تقول متحججة للابتعاد عن شمس.
"أنا كمان عاوزة أنام."
نظرت شمس لإثرهما باستغراب لترفع كتفها بلا مبالاة وتقول.
"يووو، وأنا مالي."
***
في اليوم التالي، عادت من المستشفى في وقت متأخر لتجد ندى تنتظرها وهي تضع أمامها كيسًا ورقيًا.
"مساء الخير."
"أهلا ياشمس، تعالي."
قالتها ندى وهي تشير لها بالاقتراب.
اقتربت منها تجلس أمامها لتسألها.
"خير ياندى؟"
ابتلع ندى ريقها بتوتر وقالت.
"أنا أخدت قرض من البنك واستلفت من عم نعيم، وقدرت ألم فلوس العملية."
نظرت شمس إليها ثم حولت نظرها نحو النقود لتسألها بريبة.
"أنتِ مش قلتي مينفعش تاخدي قرض؟"
أمسكت ندى يدها تدعكها تخفي ارتباكها عن شقيقتها، لكنه ظهر بتبعثر الكلمات على لسانها.
"أصلي… أصلي… صاحبتي عمها بيشتغل في بنك، وقدرت أقنعه يتوسطلي آخد قرض وساعدني."
ضيقت شمس عينها ونظرت لها بشك، تعلم أن هناك خطب ما.
لكنها عاودت النظر نحو النقود لتطالعها للحظات، هي كارت نجاة والدتها.
لتتنهد بفتور وتجيبها.
"خلاص ياندى، من بكرة أدور على متبرع."
لتنهض وتتركها متجهة نحو غرفتها، تاركة ندى غارقة في ضجيج أفكارها ومخاوفها التي تبتلعها نحو أسوء التخيلات وأسئلة تلتف حول رقبتها تخنقها كحبل مشنقة.
ترى ماذا يريد بدران الجوهري منهم.
***
كانت تتوقع أن عثورها على متبرع بهذه السرعة سيجعلها سعيدة، فشهر من الانتظار لم تكن بالمدة الطويلة.
لكنها كانت تحيطها هواجس الخوف والقلق، كانت تتعبها كثيرا.
سحبتها نجوى خلفها نحو حديقة المستشفى لتجلس وتسألها بإنفعال.
"ممكن أعرف مالك؟ بقالك أسبوع مش طبيعية."
"خايفة."
"طب ليه الأنسجة متتطابقش؟ والعملية مش جديدة؟"
لترفع عينيها المثقلة بالهموم نحو نجوى، تطلق العنان لدموعها الحبيسة وهي تقول.
"تعبانة يانجوى، تعبانة أوي، مش قادرة أبكي قدام أخواتي اللي بيبصولي كأني طوق النجاة بالنسبة لهم، ولا قادرة أواجه عين أمي وهي بتبصلي كأني المنقذة ليها. تعبت يانجوى، تعبت أمثل إني قوية وأنا بأنهار، قلبي موجوع ومش قادرة أشكي لحد، أول مرة أتمنى لو ما كنتش دكتورة."
شعرت نجوى بالشفقة لتجلس بجانبها وتربت على يدها تواسيها.
"أهدى… يا شمس، أهدى ياحبيبتي… متعمليش في نفسك كده، خليكي قوية."
"مش قادرة أتحمل، أنا من ساعة ما ماما تعبت وأنا بمثل إني قوية، بس أنا استنزفت طاقتي كلها، معدتش قادرة خلاص."
لتحتضنها نجوى تحرك يدها على ظهرها علها تهدئ.
***
تعجب علي من طلبه باقة من الزهور لحفل ميلاد زوجة صديقه، ليأخذه نحو محل هدى التي استقبلتهم بابتسامة باهتة وعقل مشوش.
وقف يطالعها بإعجاب، فرغم شحوبها وتلك الهالات التي ارتسم حول عينها، لكنها لا تزال جميلة، برائتها تكسبها مظهرًا جذابًا.
"إزيك ياهدى؟"
"أهلا ياعلي، ازيك؟"
خفق قلبه لذكرها اسمه. هل اسمه جميل إلى هذه الدرجة أم صوتها زاده جمالًا؟
ظل يحدق بها حتى سمع حمحمة فارس.
"احم… انتبه لتحديقه بها ليتحمحم هو الآخر بحرج قائلًا وهو يشير له.
"احم… فارس ابن عمي ياهدى."
نظرت هدى إليه وقالت مرحبة.
"أهلا يا فارس."
"أهلا ياهدى، إزيك."
"الحمد الله."
"فارس محتاج بوكيه ورد ياهدى لعيد ميلاد."
وأومأت له هدى وسألته.
"عاوز ألوان محددة؟"
رفع فارس كتفيه بحيرة وقال.
"مش عارف، لو ممكن على ذوقك، صاحبة العيد ميلاد في سنك، أكيد هتفهمي ذوقها."
هزت رأسها بتفهم وبدأت تصنع له الباقة.
تتابعها عين علي بترقب حتى نكزه فارس ودنى يهمس في أذنه.
"على فكرة، نظراتك مفضوحة."
ليرد عليه علي بهمس أيضاً.
"طب ياريت اتفضح وأعرف إني بحبه."
ليربت فارس على كتفه ويقول ساخرًا.
"يا حبيبي يا برو، لا حول ولا قوة إلا بالله، حالتك متأخرة."
نظر علي نحوه بانزعاج وقال.
"ليك يوم يا فارس يا جوهري، تطب على بوزك وأضحك عليك."
ليشير فارس بيده مرفرفًا ورافضًا كلامه.
"بعد الشر عليا، سيبنا الحب ليك يا روميو."
ثم دنى منه أكثر وهمس بخفوت.
"بس تصدق، عندك حق، هادية مش شبه أخته."
ليتنهد علي بعشق ويقول.
"هادية وحلوة وطيبة وبحبه."
ليكتتم فارس ضحكاته وهو ينظر إلى هيئته وبالكاد استطاع السيطرة على ضحكاته وهو يجد هدى تمد يدها بباقة الورد له.
***
عادوا إلى الصيدلية ولا زالوا يتحدثون ويضحكون حتى وجدوا تلك التي دخلت الصيدلية بخطوات بطيئة.
وقالت بصوت متعب.
"مساء الخير."
تعجب الاثنان من وجودها ليقول علي بدهشة.
"شمس، إزيك؟"
"أهلا ياعلي."
لكنه دهش أكثر عندما وجدها تدعك عينها وجبهتها وتطلب منه قائلة وهي تغمض عينها.
"لو سمحت ياعلي، عاوزة مسكن."
"مالك ياشمس؟ شكلك تعبان."
"عندي صداع قوي."
"ما يمكن ضغط؟"
لتهز رأسها نافية وهي لا تزال مغمضة العينين، يدها تمسك مابين عينيها وتضغط عليها بقوة علها تخفف ألمها.
استغل أنها مغمضة العينين وأطلق العنان لعينيه تجول على قسمات وجهها وتتفرس ملامحها.
أجمل من شقيقته.
لكن صوتها القوي حتى في وقت ألمها يخبرك أنك أمام فتاة مختلفة.
أشاح بنظره عنها عندما وجدها تفتح عينها وتلتقط علبة الدواء من علي الذي قال.
"مع إني أفضل تقيسي الضغط، شكلك تعبان."
لتهبره وهي تتفحص الدواء وتبتسم ابتسامة هادئة.
"ماتخافش ياعلي، عمر الشقي بقى أنا بنت ورد ميتخافش عليا."
كلمتها أكدت له أنها مختلفة.
ليرمقها بنظرات إعجاب تزيد في كل مرة يقابلها فيه.
لكنه حرك رأسه ينفض تلك الأفكار السخيفة، يطالعها كيف تستدير مغادرة المكان ليجد نفسه يقول.
"أنا ممكن أوصلك لو تحبي."
التفتت إليه بوجه محتقن تنظر إليه نظرة شاملة تستنكر عرضه.
لينتبه علي الي امتعاض ملامحها فيقول بسرعة يتدارك الموقف مفسرًا لها.
"دا فارس ابن عمي ياشمس."
حافظت على عبوس وجهها رغم أنها تذكرت الآن أنها رأته سابقًا مع طارق.
لتقول باقتضاب.
"أهلًا."
سارت بضع خطوات لتتوقف عندما لمحت باقة الزهور.
لتتنهد بيأس وتكمل طريقها نحو الخارج.
رحلت تاركة فارس وعلي ينظر أحدهما للآخر بتعجب.
***
وصل إلى ذلك الحفل الصاخب، فيلفت دخوله العديد من الحضور، فأناقته وحضوره يمنحانه جاذبية فريدة.
ليتجه حازم نحوه ساحبًا يد زوجته خلفه ليستقبله.
"اهلًا يا حازم."
أبتسم فارس عند رؤيته وقال وهو يناول زوجته باقة الزهور.
"أهلا ياحازم، كل سنة وانت طيبة يامدام."
"أهلًا فارس بيه، مرسي."
ثم أشار حازم إلى أحد الاتجاهات ليجد أصدقاءه متجمعين هناك.
"الشلة كلها هناك يافارس ومستنينك يابو س."
تجه ينضم إلى أصدقائه في مكان جلوسهم.
لم تكن أجواء الحفلة جديدة بالنسبة له، لكن ما أثار ريبته هو نظرات زوجة صديقه له، وكأن عينيها تترصده.
كلما دارت عينه وجدها تطالعه بنظرات غريبة.
***
حملت الزهور التي أخذتها من هدى وقالب الحلوى المزينة ودخلت المنزل، لتركض نحوها ندى تسألها بقلق.
"كنت فين؟ اتاخرتي ليه؟"
لتجيبها شمس وهي تضع قالب على الطاولة.
"كنت بجيب تورتة عيد ميلاد ماما."
قطبت ندى حاجبيها وقالت.
"بس عيد ميلاد ماما كمان عشر أيام!"
"في الوقت دا ماما هتكون عملت العملية وتعبانة، قلت نقدمه عشر أيام، مايجراش حاجة يا مس."
"طب يلا يا اختي، خشي غيري هدومك عشان نتعشى."
قالتها ندى مبتسمة وهي تدفعها نحو غرفتها.
كانت ممددة على سريرها كعادتها في الأونة الأخيرة، فقد أنهك جسدها المرض.
لتجد الباب يفتح ويدخل الثلاثة يحملون قالب حلوى وعليه شموع مشتعلة وهم يغنون لها.
ويصفقون ويقتربون منها لتضحك على فعلتهم.
قربت ندى منها قالب الحلوى وقالت.
"كل سنة وانت أحلى أم في الدنيا."
لتتبعها هدى قائلة.
"كل سنة وانت طيبة يا أحن أم في الدنيا."
لتقترب شمس منها تقبل يدها وتقول.
"كل سنة وانت سند لينا."
كانت توزع نظراتها بينهم بعيون دامعة ووجه تعلوه ابتسامة كبيرة فرحًا بصنيع فتياتها.
"اطلبي أمنية يا ماما قبل ما تطفي الشمع."
لتطفئ ورد الشموع وسط تصفيق فتياتها.
"اتمنيتي إيه يا ماما؟"
سؤال طرحته هدى.
"اتمنيت أن ربنا يحفظكم ويسعدكم ويرزقكم بابن الحلال اللي يعوضكم عن حنان أبوكم."
كملت لتفتح ورد ذراعيها وتقول.
"تعالو يا بنات."
لتقترب هدى وشمس ويرتمون في أحضانها، تتبعهم ندى بعد أن وضعت قالب الحلوى جانبًا.
"ربنا يحفظكم ويسعدكم ويرضى عنكم، أوعوا تتفرقوا، خليكوا إيد واحدة وافتكروا دايمًا أنكم بنات ورد اللي تعبت عشان تفضلوا إيد وحدة وتحبوا بعض."
لم يستطع الفتيات السيطرة على دموعهن التي انسابت وهن يسمعن دعائها لهن، وخرجن من أحضانهن يقبلن يدها ورأسها بتناوب.
ثم نظرت إحداهن للأخرى ليمسحن دموعهن ويبتسمن ويبدأن بالغناء والتصفيق، ثم قطعن قالب الحلوى وبدأن يتناولن الحلوى وسط مشاكسة هدى وشمس التي أضحكت والدتهن.
"ماما، انت بتحبي مين فينا أكتر؟"
سؤال طرحته هدى عليها لتجيب شمس بالنيابة عنها.
"أكيد أنا ياهدى."
لتدعي الانزعاج وتضع يدها على خصرها وهي تهتف.
"نعم، وليه مش أنا ياشمس هانم؟"
لتضحك شمس بسخرية وتقول.
"وهو فيه وسطاني بيتحب أكتر ياهبلة؟ أكيد الصغير هو اللي يتحب أكتر."
ثم رفعت رأسها بشموخ مداعبة إياها.
"وأنا الصغيرة."
"وليه مش الكبيرة يامشمش؟"
قالتها ندى وهي تجلس بجانب والدتها وترفع يدها تقبلها لتقول ورد.
"ربنا يرضى عنك ياحبيبتي."
للتزم هدى وشمس شفتيهم مدعين الانزعاج لتقول شمس لهدى.
"أنا منسحبة، أحنا قدام ندى ولا حاجة."
لتهز هدى رأسها توافقها.
"عندك حق يامشمش، ندى الغالية."
لتقهقه ورد ضاحكة على تعابير وجهها وتقول.
"يامجانين، في أم بتحب حد أكتر من حد؟ أنا بحبكم كلكم زي بعض."
"وأحنا بنموت فيك يا ورد."
قالتها هدى وشمس بصوت واحد قبل أن تحملا الأطباق وقالب الحلوى نحو الخارج.
لتنهض ندى هي الأخرى مغادرة.
"ندى؟"
"نعم ياماما."
"أنت مخبية عني حاجة يابنتي؟"
لترتبك ندى وتقول بتوتر.
"لا أبداً يا ماما، هكون مخبية عليك أي يا ورد؟"
"أمال عينك بتهرب مني ليه؟ كأنك مخبية حاجة، اتكلمي يابنتي…"
رواية بنات ورد الفصل السابع 7 - بقلم رشا عبد العزيز
لم يكن يوماً عادياً، فلقد دنت ساعة الفصل. كانت تدور هنا وهناك، ما بين غرزات الإبر وأوراق التحاليل واختبارات العينات. قدمها تخطو الطريق الصحيح، وعقلها مشرد بين المخاوف والأفكار، تائهه في طرقات بعيدة عن الواقع.
وقفت بعين دامعة أمام ذلك الشاب الذي سوف يضحي بقطعة من جسده من أجل النقود. حياة بائسة يعيشها، لم تترك له حلاً سوى أن يخوض هذه التجربة كي يحيى بكرامته. طالعته من بعيد، تحيطه بنظرات ملأتها الشفقة. يا إلهي رحماك، شاب في مقتبل العمر، تفتح الحياة لها ذراعيها بجرح غائر يفقده جزءاً من جسده. تباً للفقر كم أذل صاحبه، وعوزه لم يرحمه.
أحاطه الأطباء يعدونه للعملية، كان يطيع الأوامر بسلاسة. لتقترب منه. التفت نحوها الدكتور معتصم.
– دكتورة شمس، هشام المتبرع سيكون جاهزاً. الحمد لله الأمور تمام.
ومئت لاستاذها، ثم دنت منه حتى التقت عينه بعينها لتقول بنبرة امتنان:
– متشكّرة يا أستاذ هشام، أنت هتنقذ والدتي. أنت مش عارف هي إيه بالنسبالي، متشكّرة لحضرتك أوي.
صمت لحظات، ربما لا يعرف ماذا يجيبها، لكنه ابتسم ابتسامة بسيطة وأجابها:
– الحمد لله أن حصل تطابق.
ثم أكمل ساخراً:
– وبعدين متشكرنيش يا دكتورة، أنتِ دفعت لي حق كليتي، يعني أنا مش متفضّل عليكِ.
ابتلعت غصة مرة بعد أن استشعرت الكسرة في كلامه، لتقرر الانسحاب بعد أن شعرت بالاختناق.
وقبل أن تخطو خارج الغرفة، سمعته يقول:
– ربنا يحفظها لكِ يا دكتورة. أنا فقدت أمي من سنتين وحاسس بشعورك. يارب تتم العملية على خير وترجع لكِ بسلامة.
التفتت له وقالت كلمة واحدة لم تستطع أن تزيد عليها:
– متشكّرة.
***
وصلت إلى الغرفة التي تمكث فيها والدتها، وقبل أن تدخل، رسمت تلك الابتسامة المزيفة، تخفي خلف ستارتها خوفها وقلقها.
– وردتي الجميلة.
هتفت بها عندما فتحت الباب مبتسمة، لتتوقف عندما وجدت طارق يقف أمام والدتها، لتلقي عليه التحية:
– أهلاً يا دكتور.
بادلها طارق الابتسامة:
– أهلاً يا دكتورة، كويس إنكِ جيتي. كنت لسه بقول للحاجة متخافش، أنتِ قايمة بالواجب وبتطمنّي على كل الإجراءات.
– أمال هو أنا عندي أغلى من وردتي.
قالتها شمس وهي تقترب تقبّل رأس والدتها.
التي قالت:
– ربنا يرضى عنكِ يا بنتي.
– أدي الدعوة دي تتوزن بالذهب، خلي بالك.
قالها طارق وهو يراقب المشهد بتأثر.
– على فكرة يا ورد، أنتِ بتدلّعي علينا. التحاليل تطمّن، إن شاء الله، يبقى خايفه ليه؟
ثم أكملت تشاكسها:
– دي حتى النيرس بتقول أختك الصغيرة هتعمل العملية.
– يا بكّاشة.
قالتها ورد وهي تضرب ذراعه بخفة.
– أنا بكّاشة يا ورد؟ طب أهو دكتور طارق ونحكّمه، أي رأيك يا دكتور؟ اللي يشوفها مش يقول أختهم مش أمهم.
– الصراحة آه، أنا افتكرت كده أول ما شفتك يا حاجة.
لتضحك ورد على تعقيبه وتدعو له:
– ربنا يجبر بخاطرك يا ابني.
ليشير طارق لشمس نحو الباب:
– لو سمحتي يا شمس، ممكن ثواني؟
– حاضر.
خرجت تتبعه، ليقف بالقرب من الباب يسألها عن المتبرع والعملية، حتى وجدوا ندى تخرج وتقترب منهم تسأل شقيقتها بقلق:
– فيه حاجة يا شمس؟
لتمسح شمس على ذراعها تطمئنها:
– ما تخافيش يا ناندوش، دكتور طارق بس بيطمن على الإجراءات.
ليؤكد لها طارق:
– ما تخافيش يا ندى، كل حاجة بخير.
لتضحك شمس مازحة وهي توزع نظراتها بين طارق وشقيقتها:
– أهي هي كده، ندى ديما قلقانة على الكل. ندى أمنا الصغيرة.
ثم أسبلت شمس عينها وقالت بامتنان:
– ده لولا هي والقرض اللي أخذته من البنك، ما كناش نقدر نعمل العملية لماما.
ليتعجب طارق من حديثها، فلقد أخبره جده أنه قد أعطى لندى ثمن عملية والدتها. انتبهت ندى لتعجب طارق، فعلمت أنه يعلم الحقيقة، لتواجه عينها عينه تتوسله أن لا يتحدث.
ليقول طارق بارتباك:
– ربنا يحفظها لكم.
ثم تنهد بحيرة وقال:
– طب يا شمس، حاولي دلوقت تتابعي بقية التحاليل، أكيد دلوقتي خلصوا عشان تتأكدي.
هزت له شمس رأسها بالموافقة وقالت وهي تغادر:
– عن إذنكم.
نظر طارق لندى بتسأل:
– ممكن نتكلم يا ندى؟
تبعته حتى وصلت لمكتبه، دخل وأزاح جسده يشير لها بالدخول، بخطى مترددة دخلت، ليدخل خلفها ويغلق الباب مشيراً لها بالجلوس:
– اتفضلي يا ندى.
وبجسد أنهكته الهموم، جلست كأنها تحمل جبلاً فوق أكتافها أثقل كاهلها. جلس أمامها وكأنه ينتظر تفسيرها، ليسألها مما هو متأكد منه:
– هي شمس متعرفش إن جدو هو اللي اداكم فلوس العملية؟
تكراره لما حصل أعاد لها تلك الذكرى الأليمة التي يحاول عقلها تناسيها، لتتنهد بفتور وتجيبه:
– أيوه، شمس رفضت الفكرة دي.
لتغمض عينها، تعتصرها، تسكت صوت كرامتها المهدورة، لتقول بصوت مختنق:
– ولا أنا كنت هوافق آخد حاجة من بدران.
لتصمت، تلتقط أنفاسها، وعينها معلقة على وجهه، تبرر له فعلتها مسترسلة بحرقة:
– بس أعمل إيه، مكنش قدامي غير الحل دا عشان أنقذ أمي.
لتنساب دموعها الحبيسة على وجنتها وهي تخبره:
– عمري ما تخيلت في يوم إني أطلب حاجة من بدران. عمري ما فكرت إن هيجي اليوم اللي أمد له فيه إيدي وأقوله ساعدني. ده إحنا ما عملناهاش وإحنا صغيرين وفي عز حاجتنا.
– بس جدو مش وحش أوي كده.
قالها مقاطعاً لها مدافعاً عن جده.
نظرت إليه بسخط وقالت ساخرة:
– ده بنسبالك يا دكتور، أنت عشت حياة مرفّهة وسط أهلك وناسك. بدران بنسبالك مصدر قوة وأمان. لكن أنا... بدران كان بنسبالي مصدر لخوف وظلم.
لترفع يدها تفتح أصابعها الواحد تلو الآخر وهي تحسب له ما قاسته في حياتها:
– عمرك حسيت بالجوع؟ عمرك حسيت بالنقص؟ عمرك رحت مدرسة بجزمة مقطوعة أو شنطة مترقعة؟ عمرك، عمرك اشتغلت ودرست؟ إحنا يا دكتور عشنا على صوت المكنة وحسنّة الناس.
ثم ارتعتشت شفتيها كما ارتعتش جسدها لتقول كلماتها بحرج وكسرة:
– كل دا يهون قصاد نظرة مخيفة من راجل غريب لما يعرف إنك من غير سند تتحامي بيه. تعرف كان بيحصلي إيه؟ كنت بترعب وأخاف أشكي لأمي عشان مزودش همومه.
لتنهار وهي تردد كلماتها:
– عرفت دلوقتي إحنا عشنا إزاي؟
أغمض عينيه يشعر بالخزي أمامها، صادقة في كلماتها التي جرحت رجولته، فكم قاسوا وهم منعمين. نهض وأحضر لها كأساً من الماء يمد يده لها به:
– اشربي يا ندى.
رفعت عينها الحمراء نحوه، تزيد شعور الذنب لديه، والتقطت كأس الماء بيد مرتعشة حتى تساقطت منه بعض القطرات، لترتشف منه القليل. جففت دموعها بالمنديل الذي تحمله ومسحت عبراتها، لتنهض بعد أن ارتدت قناع الثبات:
– عند إذنك يا دكتور.
وصلت أمام الباب لتفتحه، أمسكت المقبض، ثم التفتت إليه قائلة:
– ياريت شمس متعرفش حاجة.
ثم أردفت بسخرية:
– على فكرة، جدك ضايني على وصل أمانة قصاد الفلوس.
لتغادر، تاركة إياه تتملكه الدهشة من فعله جده، ليفكر بمشاعر الخذلان التي شعرت بها. ثم انتبه إلى ذلك المنديل الذي سقط منها، لينحني يلتقطه وقد بللته دموعها:
– باين إنك شايلة كتير يا ندى؟
***
لم يستطع أن لا يكون بقربها في هذه اللحظات العصيبة. بحث عنها في المكان الذي وصفه طارق ليجدها تقف تسند رأسها على الجدار بعين باكية وشفاه تردد الأدعية.
– إزيك يا هدى؟
لتجيبه بصوت بح من شدة البكاء:
– أهلاً يا علي.
ليسألها مستفسراً وعينه تترقب إجابتها:
– دخلت العملية؟
– أيوه.
– إن شاء الله خير.
– يارب.
ظل يحدق بها، ليته يستطيع احتضانها والتخفيف عنها، ليته يحمل عنها حزنها، ليته يستطيع مسح تلك العيون الجميلة. قلبه يتألم لألمها.
اقتربت ندى عندما رأته يقف أمامها، فلم يسبق لها أن رأيته، لتقف بجانبها. فهمت هدى قصدها لتعرفها به:
– علي ابن عمي حسن يا ندى.
– أهلاً.
– ندى أختي الكبيرة يا علي.
– أهلاً يا ندى، ألف سلامة للوالدة.
– شكراً.
ابتعد يقف في مكان بعيد يراقبها، فقلبه قد منعه من المغادرة وتركها.
***
أما في الداخل، وقفت شمس أمام والدتها قبل أن تأخذ جرعة المخدر، لتقبل رأسها وتقول:
– أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه.
أمسكت ورد يدها، سألتها بترجّي:
– شمس؟
– أيوه يا روح شمس.
– مش هوصيكي على خواتك، خلي بالك منهم.
قبلت يدها وقالت تلومها:
– ليه الكلام دا دلوقتي يا ورد؟ وبعدين فيه حد يوصي الصغير.
ابتسمت ورد ابتسامة باهتة وضغطت على يدها:
– كل شيء جايز. أنا داخلة لعملية وجايز ما أخرجش.
– إششش، بلاش الكلام دا. هتخرجي وأنا هستناكي أنا وإخواتي.
– يا بنتي.
– ورد، مش عاوزة أسمع. أنتِ هتخرجي وتسمعينا الوصايا.
لتشاكسها مازحة:
– رغم إني حافظاهم، تحبي أسمع لكِ؟
لتضحك ورد على حديثها:
– خلي بالك من نفسك يا مشمش.
انحنت شمس تقبّل يدها:
– ربنا يحفظك يا أمي.
– دكتورة، لازم المريضة تأخذ جرعة البنج.
خرجت، ليركض نحوها شقيقاتها يسألانها بلهفة:
– طمّنينا يا شمس؟
نظرت إليهم نظرات ضائعة، تود أن تخبرهم أنها تحتاج من يطمئنها، تود لو تصرخ أنها لم تعد تتحمل. قد أتعبتها نظراتهم المتوسلة، لكنها عاودت تتصنع تلك الابتسامة التي باتت تتعبها وتجبر لسانها على الكذب:
– الحمد لله، العملية بدأت والوضع تمام.
ابتعدوا عنها، يزفرون أنفاسهم بارتياح، وإن كان مؤقتاً، ويرمون أجسادهم على المقاعد القريبة بعد أن أتعب أقدامهم الانتظار. أما هي، فلم تستطع الجلوس، لتتكأ بجسدها على الجدار، ترمي بثقل جسدها مستندة عليه، ولسانها يردد الأدعية. رفعت نظرها لتلمحه يقف بعيداً، ليمتعض وجهها، يبدو أنه لم يفِ بوعده لها. أشاح ببصره بعيداً عنها عندما التقت عينها بعينه، التي كانت مصوبة نحو شقيقتها قبل قليل، لتتنهد بيأس، فيبدو أن محاولتها في إبعاده عن شقيقتها قد باءت بالفشل.
كانت الدقائق وحركة عقارب الساعة البطيئة تمر عليهم كالسنين. قلوبهم التي كانت تخفق بقلق، وألسنتهم التي لم تتوقف عن الدعاء، عيونهم التي لم تقاوم دموعها التي رسمت طريقها على وجوههم، أنهكت قواهم، لتجد شمس نفسها تقترب من ندى وتجلس بجانبها، تلقي برأسها على كتفها، ربما استطاعت أن ترمي بحملها عليها. شعرت ندى بشقيقتها، لترفع يدها وتضم جسدها. كانت تشعر أنها طفلة تائهة تبحث عن حضن والدتها. ورغم أن ندى كانت تحتاج من يواسيها، لكنها ظلت تمسح على رأسها ووجهها، تزيل تلك الدموع التي علقت بين أهدابها، كما كانت تفعل لها عندما كانت صغيرة.
لتخرج من أحضان ندى بفزع عندما وجدت باب الغرفة يفتح ويخرج الطبيب، لتركض نحوه:
– طمّني يا دكتور؟
ليجيبها الطبيب بعملية:
– العملية نجحت.
ليشرق وجه هدى وندى بابتسامة كبيرة، مرددين الحمد لله. لكنها حافظت على جمدها، تترقب باقي كلامه:
– لكن أنتِ عارفة يادكتورة، إحنا لازم نراقب تقبل الجسم للكلية الجديدة واستقبال الجهاز المناعي ليها، وإن شاء الله خير. عن إذنك.
ثم رحل، تاركاً إياها تفكر في امتحانها الجديد. تلاشت تلك الابتسامة التي رسمت على وجه شقيقاتها، واتجهت أنظارهم نحوها، ينتظرون أن توضح لهن. لتمسك ندى ذراعها تسألها بخوف:
– يعني إيه يا شمس؟ معناه الكلام اللي قاله الدكتور؟ هو مش قال العملية نجحت؟
زفرت نفساً طويلاً حمل معه الحيرة والقلق:
– العملية نجحت كزراعة يا ندى، لكن فاضل جسم ماما يتقبل الكلية الجديدة ويتعايش معاها بسلام. المرحلة دي بيخافوا إن الجهاز المناعي يرفض الكلية ويعتبرها جسم غريب، وده ممكن يأذي الكلية.
زاغت أبصارهم بخوف من القادم، حتى قطعتها شمس بابتسامة:
– ما تخافوش يا بنات، دي حاجة طبيعية أوي بتتقال لكل مريض عادي، يعني خوف دكاترة.
منحتهم الأمل، لتبتهج ملامحهم ويسألونها:
– جد يا شمس؟
– أيوه يا ندى.
– وده؟
لتتعالى ضحكاتهم وهم يضربونها بخفة، تحت أنظار ذلك العاشق الذي أسعدته ضحكاتها.
***
جلس أمام جده يجيبه عن أسئلته:
– يعني هي كويسة؟
– هي العملية نجحت، لكن فاضل استقبال الجسم، وده محتاج وقت عشان نفهمه، يعني هي لسه قدامها فترة نقاهة.
– وبنات عمكِ إزيهم؟
طالعته بعدم استيعاب، منذ متى وهو يهتم لأمرهن؟ لماذا الآن بعد كل تلك السنين؟ هل ندم أم بماذا يفكر؟ استجمع شجاعته وكاد أن يسأله السؤال الذي يحيره منذ أن انهارت أمامه تشكو له ما قاسته، فصورتها المكسورة تأبى مفارقة عقله، وهم بالحديث لولا دخول شقيقه المفاجئ الذي هتف فور دخوله:
– جدي الباشا… الجوهري الكبير… وحشتني.
ليقترب من جده يقبّل يده، مع سعادة الجد بحفيده المقرب وضحكاته التي انطلقت لرؤيته وسماع كلماته، ليربت على كتفه ويقول:
– حمد الله على السلامة، رجعت إمتى يا غالي؟
– من المطار على هنا.
ثم التفت نحو شقيقه يلقي عليه التحية:
– إزيك يا دكتور؟
– أهلاً يا فارس، الحمد لله على السلامة. السفرية طولت المرة دي.
ليجلس فارس يصف له تلك الرحلة:
– بس كانت رحلة أتجنن، ما بين إيطاليا وفرنسا وتركيا. في كل بلد أخوك خد له كام يوم.
– وعلى كده سبع وإلا ضبع؟
سألها بدران مشاكساً له، ليضيق فارس نظره ويقول مفتخراً:
– أنت تعرف إيه عن فارس الجوهري؟ أكيد سبع.
قهقه بدران ضاحكاً ويقول:
– طول عمرك مش بتخيب ظني فيك.
– تربيتك يا كبير.
– بس أكيد أخذت راحتك هناك، سهر وشرب؟
توترت نظراته وتلجلجت الكلمات على لسانه ليجيبه بارتباك:
– أنا يا جدي، أبداً. أنا وعدتك.
ليقول بدران بتهكم وبنبرة صوت امتزجت بالحدة:
– هعمل نفسي صدقتك، بس مش هفضل مصدقك على طول يا ابن محسنة.
هز طارق رأسه بقله حيلة وزفر أنفاسه بيأس بعد أن لاحظ الارتباك على شقيقه، ليكمل بدران مستطرداً:
– كويس إنك جيت عشان تروح بكرة أنت وأخوك المستشفى تزور مرات عمك، وخذوا علي معاكم يا طارق.
اتسعت أعينهم بدهشة ونظر أحدهم للآخر بتعجب، ازداد عندما أكمل الجد حديثه:
– وبلاش أبوك وعمك يعرفوا حاجة عن الحكاية دي يا طارق.
– حاضر.
خرج الاثنان والدهشة تتملك منهم، ليمسك فارس يد طارق قبل أن يتجاوزه مغادراً:
– هو من إمتى وجدك بيعترف بورده أو يهتم بيها؟
هز طارق رأسه بحيرة ليمط شفتيه بتعجب قائلاً:
– مش عارف، جدي الأيام دي تصرفاته غريبة.
رفع فارس كتفه بلا مبالاة:
– يا خبر، النهارده بفلوس، بكرة يبقى ببلاش. سلام.
ثم هم بالمغادرة، ليوقفه طارق:
– تعالى، رايح فين؟ أنت مش لسه راجع من السفر؟
– رايح المحلات.
ليتجهم وجه طارقه فيصرخ به قائلاً:
– المحلات وإلا شلة الصيع اللي أنت مصاحبهم؟
ليلتف فارس بتذمر:
– وحياتي يا دكتور، بلاش حكاية ولي أمري دي واسطوانة صحابك والصيع. بلاش أبوك يسمع، مش ناقص وجع دماغ. أنا راجع من السفر مبسوط، مش عاوز مزاجي يتعكر بكلمتين ملهمش معنى.
ازداد غضب طارق ليمسك ذراعه بقوة:
– أنت إيه؟ ما فيش فايدة فيك؟
– أيوه، ما فيش فايدة. أنا عاجباني حياتي كده. لو مش عاجباك، اتبره مني.
– بكرة تندم يا فارس.
ليزيح فارس ذراعه بقوة وهو يقول مغادراً:
– وأنا عاوز أندم يا دكتور.
***
غمرتهن السعادة بعد نجاح العملية، ووعوده الأمل لهن. رغم مكوث والدتهن في العناية المركزة، كانت تجلس بجانب هدى تحرك رأسها يميناً ويساراً وتدلك رقبتها بإرهاق:
– ما تروحي البيت يا شمس تريحي شوية، شكلك تعبان.
لتدعك عينيها وتقول بتعب:
– مش هقدر أروح البيت، أحسن ماما تحتاج حاجة. هريح لي ساعة في غرفة النبطشية.
نهضت محاولة المغادرة. سارت بضعة خطوات لتلتقط عينها هذا المشهد، وهي ترى أبناء عمومتها يتحدثون مع ندى في ممر المستشفى، لتعود بسرعة إلى هدى تخبرها بعجب:
– ولاد الجوهري هنا!
قطبت هدى حاجبيها وقالت:
– تقصدين مين؟
– علي وطارق وأخو…
– فارس!
ارتفع حاجبها بدهشة لتجلس بجانبها وتسألها مستنكرة:
– الله الله، وكمان عارفة اسمه؟
– يا بنتي، طلب مني أعمله بوكيه ورد من فترة.
نظرت لها باستهجان وقالت ساخرة:
– الظاهر محل الورد خلاكي تتعرفي على العيلة كلها.
علمت هدى ما ترمي إليه، لتقول باستياء:
– يعني أطردهم يا شمس؟ بعدين المحل مش ملكي عشان أقول مين اللي يدخلوا ومين لا.
– خلاص يا هدى، مش وقت نتناقش في الحكاية.
لكنها نظرت لها نظرة تحدي وقالت:
– بس أكيد هنتناقش بعدين.
تنهدت هدى، ثم نظرت لها لتقول بتعجب:
– بس فارس جاي معاهم، غريبة!
– وغريبة ليه؟
– أصل فارس ده مشغول ومسافر ديمًا.
لتقول شمس ساخرة:
– ليه؟ هو بيشتغل إيه؟ طيار؟
لتمط هدى شفتيها بانزعاج وتقول:
– طيار إيه، ده معندوش شهادة.
قطبت حاجبيها وقالت مستهزئة:
– أمال مشغول بأي؟
– يا بنتي، دا عنده محلات للملابس المستوردة، بس ناجح أوي، فبيسافر عشان الماركات اللي بيشتريها ويبيعها، فهمتي.
قالتها هدى وهي تضرب بسبابتها على جبهة شقيقتها، التي التفتت لها بحنق تسألها:
– وأنتِ عرفتي المعلومات دي منين؟
علمت هدى بخطئها، فمصدر معلوماتها لم يكن سوى علي، لتتحمحم بحرج، وقبل أن تجيبها، رحمها دخول الثلاثة، تتبعهم ندى:
– مساء الخير.
قالها علي، الذي كانت نظراته مسلطة نحو هدفها:
– إزيك يا هدى؟ إزيك يا شمس؟
– أهلاً.
قالتها شمس باقتضاب:
– أهلاً يا علي.
قالتها هدى بارتباك وهي تتحاشى نظراته المحدقة بها:
– الحمد لله على سلامة الوالدة.
كان صوته الذي أثار فضولها، لترمقه بنظرات خاطفة ترضي فضولها عن المعلومات التي علمتها عن لتلتقط عينها ملابسه الأنيقة وهيئته المنمقة ونظراته الغربيه، لتتجنب الرد الذي كان من نصيب هدى مجاملة له:
– أهلاً يا فارس، الله يسلمك، شكراً.
بضع دقائق كانت مدة هذا اللقاء، كانت هي تحاشى الحديث فيها مع الجميع، واكتفت بالإجابة عن أسئلة طارق فقط. تلك الأسئلة التي أتاحت لفارس الفرصة للتمعن فيها، رغم حنقه من جفاف استقبالها، لكن شيئاً ما يجذبه نحوها، مع أنه يحاول تجاهله. انتهى اللقاء وغادر الثلاثة، لتنظر لشقيقتها وتسألها باستغراب:
– هما من إمتى ولاد الجوهري كان عندهم الاهتمام ده؟ وإلا بيعرفوا الأصول؟
لتنظر هدى نحو ندى، التي بدأ الخوف يتسلل إليها من ماهو قادم.
***
هاقد مر شهر الآن، منذ أن عادت ورد إلى منزلها. تحيطها عناية صغيراتها، فهي تحتاج إلى رعاية خاصة، وتولت شمس فيها الاهتمام بدوائها وعزلها عزل تام بعيداً عن أي مصدر للتلوث. ارتدت الكمامة والقفازات ودخلت تلك الغرفة المعقمة المخصصة لها تعطيها الدواء:
– يلا يا ماما عشان علاجك.
التقطت الدواء بتعب تدعو لها:
– ربنا يرضى عنكِ يا بنتي.
– حبيبتي يا ورد، بالهنا والشفاء.
لتغمض عينها بوهن، فتدثرها وتخرج، تخلع عنها كمامتها وقفازاتها، واتجهت نحو المطبخ لتجد ندى تغسل الصحون. جلست على أحد المقاعد ونادت عليها:
– ندى؟
– أيوه يا مشمش، ثواني.
جففت يدها بالمنشفة وجلست أمامها لتمد شمس لها يدها بالنقود:
– أنا استلمت مرتبي النهارده. أخذت اللي أحتاجه واتفضلي، خذي أنتِ الباقي. هو صح قليل، بس أهو يساعد عشان تسددي القرض. متنسيش المدة اللي فاضلة مش طويلة.
التقطت منها النقود لتغادر شمس، تاركة ندى تتوه في أفكارها، وقصرة المدة المتبقية أرعبها، لتشرد بين تزاحم أفكارها، حتى أنها غفلت عن احتراق أصابع البطاطا، التي جذبت رائحتها هدى، لتأتي مسرعة وهي تقول:
– فيه ريحة حرق!
لتتجه نحو الموقد وتطفئ النار، ثم قالت لندى تلومها:
– مش تخلي بالك ياندى، كنا هنتحرق.
تعجبت من عدم انتباهها، لتجلس أمامها وتحرك يدها أمام وجهها:
– ندى… ندى، أنتِ سامعاني!
رمشت بعينها كأنها عادت من عالم آخر، لتقول:
– مالك يا هدى؟
– كنا هنتحرق، مش تخلي بالك. وبعدين إيه الفلوس اللي في إيدك دي؟
نظرت لها، ثم نظرت إلى النقود القابعة بين يديها، لتقول بخفوت:
– ده مرتب شمس ادتهولي عشان أكمل تسديد القرض.
ثم رفعت عينها لتواجه عينها هدى، التي تصرخ خوفاً، لتقول ساخرة:
– ياترى شمس هتعمل إيه لماتعرف إن الفلوس فلوس بدران؟
رواية بنات ورد الفصل الثامن 8 - بقلم رشا عبد العزيز
جلست بذهن شارد تفكر بحال ندى الذي تغير هذه الأيام. باتت شارده الذهن معظم الوقت، وأصبح يقلقها همسها المتكرر مع هدى وصمتهم بمجرد حضورها. لكن ليس هذا ما يقلقها، ما يقلقها أكثر هو حال والدتها التي أصبح تظهر عليها علامات الخطر. رغم أنها تتابع مع طبيبها المختص هذه التغيرات واهتمامها الكامل بها، إلا أن خيوط الخوف نسجت شباكها حول هذا القلب المنهك، يضغط ويحكم خناقه حتى صار النوم يجافيها.
خرجت بخطوات متعبه نحو المطبخ لتشرب كأس ماء. اقتربت من المطبخ لتجد الضوء منيره وندى تجلس شارده الذهن كعادته.
تناديها بصوت منخفض:
- ندى؟!
لكن ندى كان منغمسه في عالمها المظلم تفكر في ما هو قادم ومصيرهن، وماذا إن علمت والدتها؟ هل ستغفر لها؟ هل يعقل أن يزج بها بدران في السجن إذا لم تسدد؟ أيصل به الكره إلى هذا الحد؟
تتذكر كلمات طارق:
- جدو مش وحش.
ياترى هل سيكون معهم مختلف؟ هل سيكون الجلاد الذي ينهي شبابها داخل أروقة السجن؟ وماذا إن علمت شمس؟ تلك المجنونه ستقت*لها لو علمت بالأمر.
- ندى!
كان صوت شمس تناديها، لكنها ظنت أنها تتخيلها لتقول ساخرة:
- اتجننت وبقيت بسمع صوتها. قادرة يابنت الجوهري.
- ندى…… ندى!
هتفت بها شمس بصوت أعلى لتلتفت ندى وتشهق بفزع عندما رأتها تقف بجانبها. أغمضت عينيها وقالت:
- بسم الله الرحمن الرحيم… انت هنا من امتى؟
ضحكت شمس بقوه وقالت تشاكسها:
- من ساعه. بنت الجوهري.
بلعت ندى ريقها بتوتر وقالت بتلعثم:
- هو أنا قلت أي؟
لتمط شمس شفتها وترفع كتفها بعدم معرفة:
- مش عارفه. كل اللي سمعته بنت الجوهري.
- هي مين بنت الجوهري يابنت ورد؟
زفرت أنفاسها بارتياح وقالت بسخط:
- يجعل كلامنا خفيف عليها. بتيجي على السيرة.
أشارت شمس على نفسها بتعجب وقالت مستنكره:
- وأنا عملتلك أي ياابله؟
- عملك أسود ومهبب. حد يخض حد كده. وبعدين أي اللي مسهرك لغايه دلوقتي؟ أنتِ مش عندك شغل بكره؟
- ياسلام. يعني أنتِ اللي معندكش شغل ولسه صاحيه؟ متحاسبي نفسك يا مس.
- أنا مش جايلي نوم.
سحبت شمس كرسي وجلست بوهن وتمت بتعب:
- ولا أنا.
دب القلق في قلب ندى لتسألها بذعر:
- هي ماما تعبانة؟
حركت شمس عينيها يمينًا ويسارًا في حيرة وقالت بخفوت:
- أيوه ياندى. وضع ماما مش مطمئن.
شهقت ندى تضع يدها على فمها يصدمها كلام شقيقتها لتنحني نحوها تسألها بتوسل:
- يعني الوضع خطير اوي؟
تنهدت بألم ولم تستطع الإجابة واكتفت بإماءة.
- يعني ممكن جسمها يرفض الكلية الجديدة؟
أغمضت شمس عينيها ثم فتحتها تأخذ نفسًا عميقًا وتدفعه بقوة تقاوم دموعها لتخبرها وهي ترحل نحو غرفة والدتها:
- أهو دا اللي أنا خايفه منه ياندى.
نظرت ندى إلى أثر شمس التي غادرت المكان لتلوم نفسها:
- أنا السبب يا أمي. كأن جسمك عرف إن الكلية بفلوس بدران.
ليصيبها الذعر عندما سمعت صراخ شمس ومناداتها عليها. هرولت إلى غرفة والدتها لتجد شمس شبه منهارة وهي تطلب منها الاتصال بالإسعاف.
- مالك ياشمس؟ ماما مالها؟
- أطلبي الإسعاف. مافيش وقت. ماما سخنة.
أويركضت بتعثر تبحث عن هاتفها حتى وجدته بصعوبة وهي تصرخ تنادي هدى التي استيقظت بفزع هي الأخرى.
أمسكت ندى الهاتف بيد مرتجفة ولاتعلم كم مرة تحاول الاتصال وتنسى الرقم حتى خطفت هدى الهاتف من يدها واتصلت بالإسعاف.
وقفت أمام غرفة والدتها تستمع إلى الخبر الذي رسم النهاية المفجعة. لقد دخلت والدتهم في غيبوبة.
انهمرت دموعها التي حاولت كتمها وهي تسمع كلمات الطبيب الذي أخبرها أن الجسم رفض الكلية المنزرعة وهاجمها جهاز المناعة كونها جسم غريب لتدخل والدتهم في غيبوبة.
اتجهت شقيقاتها إليها وكأنها طوق نجاتهم. اقتربو منها يسألونها بهلع:
- أي ياشمس؟ حصل اي؟
- ماما مالها ياشمس؟ أنتِ بتعيطي ليه؟
نظرت إليهم نظرة تائهة لاتعلم هل تخبرهم الحقيقة وأن النهاية قد دنت أم تكذب كما كانت تفعل في السابق. لِتجد نفسها تختار طريق ضائع وهي تقول:
- مش عارفة.
عادت ندى بصدمة إلى الوراء حتى اصدمت بجدار خلفها تسند جسدها تمنعه من الانهيار. فأجابه شقيقتها تعني شيء واحد لا تريد تخيله.
هدى التي كانت لا تفهم شيء نقلت نظرها بين شقيقاتها تسألهم برعب وهي تصرخ:
- مالكم؟ اتكلمو؟
أمسكت كتف شمس برجاء تسألها:
- ماما بخير يا شمس؟
لتحرك رأسها بتوسل تحثها على تأييد كلامها:
- هتبقى كويسة عشان العملية نجحت مش كده؟
أزاحت شمس يدها بضعف ورددت:
- مش عارفة. قلتلك مش عارفة.
صدمة شلت جسدها وهي ترى انهيار شقيقاتها لكن شفتاها المرتعشة رددت:
- ماما مش هتسبنا. هي قالتلي امبارح أنا هفضل معاكم على طول.
لتتجه نحو ندى تجلس بجانبها وتخبرها بهستيرية وكلمات متقطعة:
- دي حتى قالتلي خليكي قوية. الضعف في الزمن دا بيتعب صاحبه.
لتهز رأسها بعنف وهي تقول:
- والله ياندى قالتلي كده. ماما مش هتموت ياندى. ماما مش هتموت.
ورغم ضعف ندى أصابها الخوف عليها. أمسكت رأس شقيقتها وأحاطت وجهها تنظر لعينها:
- اششش… ماما هتكون بخير. اهدي.
تحدثم، ضمتها بقوه تحرك يدها على ظهرها تحاول تهدئتها حتى استكانت.
***
سمحو لها أخيرًا بالدخول. اقتربت منها وقلبها يرتجف. تلك الأجهزة التي تحيطها، جهاز التنفس الذي يكبل وجهها يمنعها من رؤية وجهها الجميل، الأسلاك التي وصلت بجسدها، أصوات الأجهزة التي كان تزيدها رعب، ودقات قلبها الضعيفة كأنها تودعهم.
جثت على ركبتيها أمامها وأمستكت بيدها التي غرزت فيها إحدى الإبر لتقبلها وتقول معاتبة:
- ليه ياورد؟ ليه كده؟ مش وعدتيني إنك هتفضلي جنبي؟ مش كنت دايما بتقولي نفسي أشوفكم عرايس؟ عاوزة تهربي ياورد وتسيبينا، وتسيبينا لمين من بعدك؟ مش خايفة الزمان يغدر بينا؟ مش خايفة الناس تأذينا؟ استعجلتي ليه وعاوزة تروحي بسرعة؟
مش لسه بدري يا ورد.
دا إحنا لسه مشبعناش من حضنك.
عاوزاني أحضر لحظة وداع تانية؟ مش كفاية دمه اللي لسه على هدومي؟ مش كفاية اللي شفته يا ورد.
لتعلو شهقاتها وتتساقط دموعها وهي تكمل:
- طب أقول لأخواتي دلوقتي أي؟ أقلهم أمكم بتموت؟ دول بيستنجدوا بيا يا ماما. أقولهم اختكم فشلت إنها تعالج أمها؟ أقلهم اختكم معرفتش تعمل حاجة؟ بقيت عاجزة يا ورد.
شمس اللي دايما بتقولي عليها قوية بقت عاجزة.
ثم أخذت تضرب على صدرها وتقول:
- أنا من غيرك جبانة يا ماما. أنا من غيرك جبانة يا سندي. يلا اصحي. بناتك مستنينك.
رفعت عينيها الحمراء وأزالت كمامتها وأخذت تقبل يدها وذراعها. تأخذ نفسًا عميقًا لتجد رائحة الدواء تطغى على رائحة والدتها لتقبل رأسها وتقول:
- اصحي يا أحلى أم في الدنيا. اصحي. هنضيع من بعدك.
ثم نظرت لها وقالت كأنها تهددها:
- هنضيع يا ورد. أنتِ سمعاني؟ الناس هتاكلنا.
ثم صمتت تلتقط أنفاسها وعينها معلقة على وجهها لتقول بلا وعي:
- هنتفرق يا ورد. هنتفرق من بعدك.
لتجد دقات قلبها تتسارع وكأنها تحذرها. وربما تسمعها لتقرب وجهها منها حتى تلامست شفتها جبينها لتقول:
- ما تخافيش يا ورد. هنفضل إيد واحدة. وعد.
ظلت جوار والدتها تحاورها كأنها تسمعها.
***
أما في الخارج، رحلت هدى نحو المسجد القريب تصلي وتدعو الله لوالدتها.
وندى التي لم تنم منذ يومين أنهكها التعب لتتكأ برأسها على ظهر الكرسي وتغلق عينها.
وما هي إلا بضعة دقائق خطفهم النعاس حتى شعرت بيد توقظها:
- ندى… ندى.
فتحت أجفانها المتورمة ببطء لتجده يقف أمامها. اعتدلت بفزع تسأله:
- ماما جرالها حاجة؟
ليقطب حاجبه ويسألها مستفسرًا:
- هي والدتك هنا؟
لتخبره بنبرة صوت يائسة:
- أيوه. دخلت في غيبوبة. الجسم رفض الكلية.
رفع حاجبه بصدمة وتأثر. فهو هكذا فهم النهاية الأقرب. ليشير لها:
- طب تعالي يا ندى.
- أروح فين؟ أنا مش هقدر أسيب ماما.
ليقاطعها بترجي ويقول متوسلًا:
- طب تعالي يا ندى. مش حلو نومتك هنا على كرسي الانتظار في الممر قدام الرايح والجاي.
أومأت له فلم تعد تتحمل. لقد تملك الإجهاد منها.
تبعته نحو مكتبه ليفتح الباب ويقول:
- ادخلي يا ندى. اتفضل.
دخلت بإحراج وخطوات مثقلة. ليشير نحو الكرسي المخصص له:
- دا أريح وممكن تسندي على المكتب. غرفة النبطشية مشغولة كنت خليتك ترتاحي فيها.
اتجهت نحو الكرسي وجلست على استحياء. وقبل أن يخرج سمع همسها المبهم وهي تقول:
- أنا السبب.
ليعود إليها ويسألها:
- انت السبب في أي؟
- أكيد جسمها ما استحملش فلوس بدران. ليه ياندى بتقولي كده؟
لترفع نظرها وتقابل عينها عينه بتحدي وتقول:
- لأن دي الحقيقة. فلوسه هي السبب.
لتنهار منتحبة وتلطم وجهها:
- أنا اللي هاموت أمي. أنا السبب. يارتني ما رحت. يارتني ما طلبت منه حاجة.
اقترب منها بخطوات سريعة وأبعد يدها يوقفها عن لطم نفسها:
- بس يا ندى. اهدي. اهديلها.
لكنها ظلت تردد كالمغيبة وتكرر بلا وعي:
- أنا السبب… يارتني ما رحت… أنا السبب.
جثى على ركبته أمامها وصرخ بها:
- بصيلي يا ندى. بصيلي.
ظلت شهقاتها تعلو وجسدها يرتعش. ليكرر طلبه بصوت أعلى:
- بصيلي.
لتصمت وتنظر عينه لعينها بعمق:
- أنتِ عملتي الصح. انت ما كانش قدامك غير الحل دا.
- بس أمي بتموت.
قالتها بصوت منكسر بح من شدة البكاء.
- ولو ما أخدتيش الفلوس كمان كانت ممكن تموت. دي أقدار ياندى وصدقيني كنت كمان هتندمي. وكنت هتلومي نفسك أكتر لأن كان هيكون في إيدك تنقذيها وما أنقذتهاش.
ليصمت ينتظر ردة فعلها التي لم تكن سوى السكوت والتحديق نحوه. ليسترسل:
- أنتِ عملتي الصح.
- قولي يا ندى.
ليهز رأسه يحثها على تكرار ما يقول. وكتلميذة تطيع أوامر أستاذها كررت:
- أنا عملت الصح.
ابتسم لها كأنها اجتازت الاختبار بنجاح. ثم استقام واقفًا يحضر لها كوب ماء:
- أشربي يا ندى.
التقطته منه وتناولته جرعة واحدة فقد تشقق جوفها من شدة نحيبها. كم شعر بالشفقة والحزن لأجلها ولام جده على ما أوصلهم إليه. ليبتسم ابتسامة هادئة ويقول:
- ارتاحي ياندى.
ثم تركها ورحل. لتضع يدها على المكتب تتوسدها وتغفو قليلًا.
***
ها هو اليوم الثالث ووالدتها لم تفق من غيبوبتها. ذهبت مع هدى تحضر كوب قهوة لعله يوقف الصداع الذي يضرب رأسها. ليعود الاثنان يحملون القهوة ويسيرون نحو الغرفة التي تقطن فيها والدتهم.
كانتا تسيران بخطوات بطيئة تشبه تلك الساعات التي باتت تسير ببطء. حتى اقتربتا من الممر لتسمع شمس صوت خطوات الأطباء والممرضات المتسارعة عبر الممر. اضطربت لتسرع خطواتها حتى وصلت بالقرب من غرفة والدتها ليصيبها الهلع وهي تراهم يتراكضون نحو غرفتها وندى تقف أمام الباب بوجه مرتعب.
وقفت في صدمة لتفلت يدها القهوة فيسقط الكوب. تناثر محتواه على الأرض كما تناثرت أجزاء قلبها الخائف. ثواني من الاستيعاب كانت تحتاجها قبل أن تندفع نحو الغرفة تجد الأطباء يحاولون إسعافها. وقفت متجمدة في إحدى زوايا الغرفة تضع يدها على فمها تكتم صرخاتها. عينها متسعة، شفتها ترتعش كما ارتعش سائر جسدها. تحرك رأسها يمينًا ويسارًا وهي تردد:
- لا… ارجوك يا أمي لا. متسبنيش.
لكن صوت ذلك الصفير أنهى كل شيء. ليتوقف الأطباء عن استخدام جهاز الصدمة وتسمع أسوأ جملة سمعتها من أحد الأطباء:
- أعلن ساعة الوفاة.
ليصرخ قلبها:
- لا تعلن. ارجوك لاتفعل. لازال الوقت مبكر. حاول ارجوك. ربما تعود.
لينسحب الأطباء بحزن لفقدانها. وسمعت صراخ هدى والممرضات يمسكون بها يمنعونها من الاقتراب وصرخاتها تمنعهم من إسدال الغطاء على وجه أمها:
- ماما ما ماتتش. أنتو بتكدبوا عليا. متغطوش وشها. هي هتصحى بعد شوية.
وندي ساقطة على الأرض تلطم وجنتيها وهي تردد:
- سامحيني… سامحيني.
اقتربت من والدتها وأزاحت ذلك الغطاء الذي حجبها عنها وجثت على ركبتها لتلاحظ تلك الدمعة التي سالت من عين والدتها المغلقة. لِتمد يدها المرتعشة تمسح تلك الدمعة باناملها وترفعها نحو فمها تقبلها وهي تعاتبها:
- عملتيها يا ورد ومشيتي. سبتي بناتك يا ورد؟ ليه لازم أعيش لحظة الوداع؟ لازم أعيشها تاني؟ ليه يا ورد؟
ثم رفعت نفسها ونثرت قبلاتها على صفحات وجهها لتقبله. ظلت تقبلها وأنهت وداعها بقبلة طويلة على جبينها:
- مع السلامة يا أمي. السلام أمانة لحبيبي وحبيبك.
هتوحشيني يا ورد.
ابتعدت بعد أن اندفعت ندى وهدى يحتضن جسدها وينتحبون بالبكاء. ليدخل خلفهم طارق يحاول تهدئتهم وإبعادهم عنها بعد أن أصبن بالانهيار. وهي لم تكن سوى متفرجة للمشهد الذي لا تعرف ماذا حدث بعده. ولم تعي بحالها إلا وهي تجلس وسط نسوة متشحات بالسواد يعلو صوتهم بالبكاء والعويل. وأخواتها يذرفن الدموع. أما هي كأن دموعها جفت. لم تبكي ولم تسقط دمعة واحدة من عينها. أغمضت عينيها ثم فتحتها لتجد النسوة قد اختفوا بل وحل محلهم أبناء عمومتها الذين كانوا يحدقون بها. لِتنهض تتبعها أعين الجميع وتدخل غرفتها.
- هي كده من امبارح ياندى؟
سؤال طرحه طارق بقلق لتجيبه بخوف وصوت متحشرج بالكاد يفهم لانهيارها هي الأخرى:
- أيوه. كانها في عالم تاني. أنا خايفة عليها أوي. دي دي متكلمتش ولا كلمة ولا حتى عيطت.
- طبيعي ياندى. الصدمة مش قليلة.
وكأنها تذكرت مالم تنساه لتنساب دموعها التي صارت جزءًا من وجهها:
- صلي على النبي يا ندى وادعيلها.
قالها علي وعينه تنظر بحزن نحو حبيبته الصامتة. أجفانها المتورمة وأنفها الأحمر تسقط منه دموعها التي سالت بلا توقف وخطت آثارها على وجنتيها. ليتمزق قلبه حزنًا عليها. ود لو يستطيع حمل هذا الحزن بدلًا عنها.
قطع تأمله بها صوت الباب يفتح وتخرج شمس من غرفتها تحمل شيء وتدخل غرفة أخرى. لتهب ندى واقفة بفزع وارادت أن تذهب نحوها لكن قاطع تقدمها صوت هدى المبحوح:
- سيبيها يا ندى.
أثار ما تحمله فضول فارس الذي كان يراقبها ليسأل:
- هي شايلة أي؟
لتجلس ندى بجسد أثقلته الهموم وتجيبه بألم:
- دا فستانها اللي عليه دم بابا. أصل شمس كانت معاه يوم الحادثة.
اتسعت أعين الثلاثة بدهشة وأصابتهم الشفقة عليها. وشيء ما جعل قلب ذلك المغرور يرتجف. لتهرب دمعة من عينه مسحها خلسة قبل أن يراه أحد.
- كده صدمة مكررة ياندى. لو فضلت على الحالة دي تبقى محتاجة طبيب نفسي.
قالها طارق بعملية. لتوضح له:
- مهو عشان كده أنا خايفة. شمس فضلت متتكلمش بعد بابا عشر أيام. لولا ماما مثلت إنها وقعت وقالتلها نادي ندى أنا اتعورت مكانتش هتتكلم تاني.
ثم نظرت نظرات خائفة وقالت متوسلة:
- أنا خايفة عليها أوي. أنت متقدرش تعمل حاجة.
تنهد بحيرة وأجابها يعطيها بصيص أمل:
- كل اللي أقدر اعمله أديها حقنة مهدئة وهستشير دكتور نفسي.
- أنا هجبلكم الحقنة. يلا يا فارس.
لكن فارس هو الآخر كان في عالم ثاني. ليكرر علي ندائه:
- فارس… فارس!
رمشت عينه بعد أن انتبه لنداء علي:
- أيوه يا علي.
- خلينا نجيب الدوا.
أماء له برأسه ونهض يتبعه. حتى إذا وصلوا السيارة ناوله المفاتيح وقال:
- سوق أنت ياعلي.
- ليه؟ دي عربيتك؟ مش أنت اصريت نجي بيها؟
قالها علي متعجبًا.
- سوق ياعلي. أنا عندي صداع.
ركب الاثنان السيارة ليعيد فارس رأسه إلى الخلف ويغمض عينه. نظر له علي باستغراب فلم يكن هذا حاله عند قدومهم. وبعد مضي مدة ساله:
- هي شمس كان عندها كم سنة لما عم حسين مات؟
ليوزع علي نظراته بينه وبين الطريق يجيب على تسأله بعدم تأكيد:
- أعتقد عشرة أو اتناشر سنة.
ثم صمت قليلًا وأكمل:
- يعني أكيد فاكرة الحادثة. ربنا يعينها.
- محدش بينسى حادثة حصلت قدامه مهما كان عمره.
قالها فارس وهو لا يزال مغمض العينين.
***
أعطاها الحقنة ولم تشعر بها رغم أن عينها مفتوحة. يبدو أنها لا تزال في حالة اللا وعي. فقد كانت تحتضن فستانها وتنام على سرير والدتها.
- لو احتاجتي حاجة ياندى أنا موجود.
- متشكرة ياطارق. تعبناك معانا.
- متقوليش كده. إحنا أهل.
ظلت تحدق به ولسان حالها يقول بسخرية: أهل مرة واحدة. لكن لسانها نطق:
- متشكرة.
اقترب منها بخوف ممزوج بالحزن ليمد يده لها بعلبة الدواء التي جعلتها تنظر له بتعجب:
- دا مهدئ ياهدى. بس ماتخديش كتير. نص حباية كويس.
- متشكرة. مبشربش الحاجات دي.
لتتبهت ملامحه من جوابها ليسرع مفسرًا:
- لا انت فهمتيني غلط. دا بس عشان أعصابك ترتاح.
وبنبرة حزن وانكسار تمتمت:
- معادش فيه راحة بعدها.
ثم تركته ورحلت لينظر لإثرها بأسى.
***
أسبوع مر على وفاة والدتهم ولا زالت لا تتكلم. عينها فقط من تتحرك. حتى الطعام ترفضه. ليشحب وجهها وترتسم الهالات السوداء حول عينها. ليعلق لها طارق المحاليل. وتعجب عندما لم تصدر تأوهًا وهو يغرس الإبرة في يدها.
- كتر خيرك ياطارق.
قالتها ندى بامتنان.
- أنا معملتش حاجة. دا واجبي.
ثم نظر نحوها ثم أعاد نظره نحو ندى:
- ربنا يقومها بالسلامة.
لتغمض عينها بعد أن رحل الجميع. فشعرت بيد توقظها:
- شمس… شمس.
فتحت عينها لتجد والدتها تقف أمامها فتنهض بفزع تسألها بلهفة:
- ماما أنتِ هنا؟
- أيوه يا روح ماما.
- يعني أنا كنت بحلم؟
أمستكت يدها وقالت:
- أنا مرتاحة هنا وأنا مع حبيبي. متعيطيش.
ليمد لها يده ويسحبها وسط ابتساماته الكبيرة. وعندما رأت أنهم يبتعدون أصبحت تنادي عليهم:
- ماما بابا استنوني!
مدت يدها وكادت أن تمسك يد والدتها لتتلمس أصابعها وتتشبث بها لولا والدها الذي سحبها نحوه بقوة. لِتلتفت إليها وتقول بوجه أشرق بابتسامة كبيرة:
- أنا مع حبيبي يا شمس.
لتنادي عليها وهي تبتعد حتى اختفت:
- ماما… ماما.
تفتح عينها وهي لا تزال تردد:
- ماما… ماما.
تنهدت بيأس عندما علمت أنها كانت تحلم وأنها لن تعود. أنه مجرد حلم. لتنهار بالبكاء على تلك الحقيقة المرة. لكنها توقفت فجأة عندما تذكرت وجه والدتها المنير وابتسامتها. ثم رن كلامها في أذنها. لتمسح دموعها هي الأخرى وتبتسم. يبدو أن والدتها سعيدة وفي مكان أفضل. وربما لم يكن الحلم سوى رسالة منها. فهي تسمع دائمًا أن رؤية الشخص الميت صادقة. فهو في دار الحقيقة.
كانت هدى وندى يجلسان يتناولان فنجان القهوة عندما رآها. تخرج من الغرفة وتقف أمامهم:
- صباح الخير. في قهوة ليا يا هدى؟
ابتهجت الأختان رغم حزنهما بعودتها للكلام. لتتهلل أسارير هدى وهي تقول لها فرحة:
- بس كدا. حالا تكون عندك أحلى قهوة.
***
ستة شهور مرت على رحيل ورد. كانت مظلمة بالنسبة لهن. فقد انطفأت الحياة برحيلها وغادرت البسمة أفواههن. ليخيم العبوس والحزن على أروحهن. لا يهنؤهن سوى وجودهن معًا.
كانت عائدة من المستشفى عندما لمحته يقف مستندًا على سيارته الحديثة ينفث دخان سيجارته عاليًا في الهواء. لتبتسم ساخرة. فغروره ليس بالغريب. يحق له. أليس حفيد بدران الجوهري.
اعتدل في وقفته عندما رآها قادمة. لكن ارتسم العبوس على وجهه عندما تجاوزته كأنها لم تره.
دخلت لتجد علي يخرج من الباب ليقابلها بابتسامة:
- أهلاً. ازيك ياشمس؟
لتجيبه باقتضاب قبل أن تتجاوزه هو الآخر:
- أهلًا.
وصل علي إلى فارس لتلتقي أعينهم بتعجب من تصرفها. التفت علي ينظر لإثرها وهو يخبره:
- ربنا يستر لما تعرف جدو بعتنا ليه.
تأفف فارس بتذمر وهو يتمتم بحيرة:
- جدك بقت تصرفاته غريبة.
***
ظلت شاردة تفكر بكلام علي وما أخبرها به أن جدها يريد رؤيتهم غدًا. تعلم أن المدة قد انتهت منذ أشهر. لكن حزنها على والدتها جعلها تنسى بدران ودينه. ليعاود الخوف يستوطن فكرها. ونصيحة علي تروق لها. فعلي قد نصحها بأن تخبر جدها أن النقود ليست سوى حقهم في الميراث. وأن حصتهم من إرث والدهم تساوي الكثير. وهذه النقود ليست سوى جزء صغير منها.
أفاقها من شرودها صوت شمس وهي تهتف بغضب:
- شكل ولاد الجوهري اتعودوا على المكان. هما كل شويه هينطولنا هنا؟ مش خلاص وقفو معانا وشكرناهم وخلصت الحكاية؟ لازمتها إيه مجيتهم النهاردة؟
نظرت لها ندى وابتلعت ريقها. حان الوقت لتعلم. فلا مفر من المواجهة.
- جدك عاوزنا نروحله بكرة الفيلا.
أدهشتها كلمات ندى لتقول باستنكار:
- نعم… نعم… هو مين اللي عاوزنا؟ وليه إن شاء الله؟
تنهدت ندى بخوف من القادم. لكن لابد من الإكمال:
- بدران عاوزنا عشان فلوس عملية ماما. أنا استلفتهم منه ومضيت على وصل أمانة مدة خلصت من شهور.
تحجرت عيناها بدهشة. لقد صعقها ما تفوه به شقيقتها. هل ما سمعت حقيقة أم أنه مجرد كابوس سوف تستيقظ منه بعد قليل؟ لكن عين شقيقاتها المحدقة بها ومناداة هدى لها جعلها تعلم أنها حقيقة.
انحسر الهواء من حولها حتى أصبحت تشعر بالاختناق. اقتربت منها ببطء وقلبها يخفق برعب. تسألها بشفاه مرتعشة:
- بتقولي جبتي الفلوس منين يا ندى؟
اخفضت ندى عينها بندم وقالت بكسرة:
- من بدران الجوهري.
مجرد ذكر اسمه أيقظ جروح الماضي وأوقد ثورة غضبها لتصرخ بها:
- أنتِ اتجننتي؟ إزاي تعملي كده؟ إزاي تكدبي علي؟
لتصرخ ندى هي الأخرى. تخرج قهرها وقلة حيلتها وتلعن ضعفها الذي أذلها له.
انسابت دموعها بندم وجرح الخذلان الذي طعنها به الزمن زاد من مآسيها:
- ما كانش قدامي غير كدا عشان…
صمتت تبتلع غصة مرة تجرعت مرارتها تكمل:
- عشان أنقذ أمي.
احتدمت ملامحها وهي تلومها بغضب:
- تقوم تسلمينا لبدران وتخلي رقبتنا تحت إيده؟
تسارعت أنفاسها بانفعال ترد عليها:
- لا. دا حقنا وحق أبويا اللي دفعه عمره وشبابه وقهرته وذله. الفلوس والورث. دا عوض اللي خسرناه.
التقاطتها متهكمة:
- وهو اللي خسرته هيعوضه فلوس؟
رواية بنات ورد الفصل التاسع 9 - بقلم رشا عبد العزيز
أنفاسهما تتعالى ونظرات عتاب تبادلتها إحداهما للأخرى، وهدى تقف تائهة لا تعلم تقف مع من، فالاثنتان على حق في نظرها.
"يعني تقصدي إيه يا شمس؟"
"أقصد إن فلوسه بالنسبالي ولا تسوى، لكن لو حضرتك شايفاها مهمة يبقى انسيني."
بهتت ملامحها وارتجف قلبها لتسألها مستفسرة:
"يعني أي؟"
ألقت عليها بنظرة تحدٍ وقالت بصوت ثابت:
"يعني كل واحد يتحمل نتيجة قراراته، وخرجيني من حساباتك يابنت ورد."
تحديها واجه تحديًا أكبر من ندى، لتهتف بغضب:
"إنت بتلوميني؟ كنت عاوزاني أعمل إيه وأنا شايفة أمي بتموت؟"
"كنت عملت أي حاجة، كنا استلفنا من الغرب، كانو أحن علينا ولا مدينا إيدينا للي مابيرحمش، كنا عملنا أي حاجة، ولا سكة بدران إذا كان ما رحمش ابنه هيرحمك إنت يابنت ورد."
ذكرها لاسم والدتها زاد من خوفها، فهي تعلم مدى كرهه لها، لكن فكرة علي منحتها الطمأنينة لتعاود المحاولة مع شقيقته بأسلوب آخر، لتزفر أنفاسها المثقلة وقالت بهدوء عكس الفوضى التي تعتلي صدرها:
"يا شمس ياحبيبتي، إحنا لينا عنده فلوس، إنت ناسية ورث بابا…"
وقبل أن تكمله جملتها قاطعتها بحده:
"طظ في ورث بدران، الله الغني عنه وعن فلوسه، ما إحنا عشنا سنين من غير فلوسه، ليه دلوقتي؟"
"إحنا هنضحك على بعض ياشمس، ما إنت عارفة إحنا عشنا إزاي."
"بس إحنا وضعنا دلوقتي اختلف، إحنا كلنا بنشتغل."
"وإنت فاكرة إن بدران هيسكت عن دينها؟"
اقتربت شمس منها تحاول إقناعها:
"ندى، إحنا نحاول نسدد أي مبلغ ونطلب منه يمدد المدة، علي أو طارق ممكن يضغطوا عليه."
حركت عينيها يمينًا ويسارًا لحظات أخذتها تفكر، لكن عادت كلمات علي تسطو على تفكيرها: "هذا حقهم، إذا لماذا الخوف؟"
نظرت لها تصطنع القوة وقالت:
"ده حقنا، سنين عمرنا اللي ضاعت في الفقر وهو متنعم في خير أبويا وتعبُه، إحنا أحق دلوقتي."
ظلت تحدق بها بدهشة وكأن من أمامها شخص غريب عنها، هذه ليست ندى شقيقتها.
"ندى، إنت بتتكلمي بجد؟ أنا حاسة إني قدام واحدة تانية غير ندى اختي اللي ربتني."
لتبتسم ندى بسخرية تجيبها:
"أيديكي قلتيها، اللي ربتني."
لترفع كف يدها تضرب صدرها وتتحدث بقهر:
"أنا اللي شفت مع أمي اللي شافته، أنا اللي سهرت ليالي أخيط معاها، أنا اللي رحت المدرسة بـهدوم مرقعة، أنا اللي عشت الكلية بـلبس واحد، أنا اللي كنت بشتغل ونسيت يعني إيه بنت في الجامعة لازم تهتم بنفسها، أنا اللي كنت بشوف نظرة الشفقة بعيون الناس وهم بيساعدوا أمي، أنا يا شمس…"
لتصمت تلتقط أنفاسها المتسارعة وعيناها لا تزال معلقة بها لتكمل وسط دهشة الاثنين مما تكتمه شقيقتهم:
"يبقى يا شمس إحنا أحق إننا نتعوض عن اللي شفناه."
رغم تأثرها بكلماتها وانهيارها، لكنها أجابتها بإصرار وهدوء:
"يبقى خليني خارج حساباتك مع جدك."
"بس هو عاوزنا إحنا التلاتة."
قالتها هدى بعفوية غافلة عن نيران الغضب المتاججة داخلها، لتصرخ:
"يعني إنتو مصرين تروحوا خلاص؟ روحوا وقولوا له ينسى إن عنده بنت ابن اسمها شمس، أنا شمس بنت ورد، ويا ريت أقدر أمسح اسمه من اسمي."
لتتحرك بخطى سريعة وهي تتمتم:
"بكرة تندموا."
نظرت هدى نحو ندى بأسف واقتربت منها تربت على كتفها تواسيها:
"ماتزعليش منها، هي خايفة علينا. بيني وبينك أنا كمان خايفة، ربنا يستر."
ودت ندى أن تخبرها أنها هي أيضًا خائفة، لكنها اكتفت بالطبطبة على يدها.
***
اجتمع الثلاثة في انتظار جدهم، أحدهم ينظر للآخر في حيرة، ترى لماذا جمعهم؟ ماذا يريد منهم؟ نظرت علي لفارس ثم رفع حاجبه يحرك نظره نحو طارق ويشير له أن يسأله عن سبب وجودهم، فأومأ فارس له بالموافقة:
"طارق، هو جدو عاوز مننا إيه؟"
التفت له طارق بوجه جامد وقال بتعجب:
"وأنا أيش عرفني؟ أنا زي زيكم."
نظر له علي نظرة جانبية وقال:
"طروقة عليا أنا يا دكتور؟ دا إنت بير أسرار جدو، إشمعنا المرة دي؟"
ليجيبه بانزعاج ارتسمت على قسمات وجهه:
"عشان أنا مش عارف ياعلي."
ثم وزع نظره بينهم ليقول بسخرية:
"وبعدين إنتوا مستعجلين تعرفوا ليه؟ شوية وجدو يوصل ونفهم منه هو عاوزنا ليه."
ليسمعوا صوت عكازه تتقدم نحوهم، لـيهب الثلاثة لاستقباله واحد تلو الآخر يقبلون يده ورأسه، جلس أمامهم ينظر إلى عيونهم المتسلطة عليه ليسألهم:
"أزيكم يا ولاد؟"
"الحمد لله يا باشا."
قالها فارس مشاكسًا جده الذي ابتسم له وعاد يرسم الجدية وهو يقول:
"أنا جمعتكم النهاردة يا ولاد عشان عاوزكم في موضوع مهم."
تأهبت حواسهم يستمعون له بترقب ليكمل:
"إنتوا عارفين بنات عمكم بعد ما أمهم ماتت بقوا لوحدهم ومن غير سند، عشان كده أنا عاوزكم تكونوا إنتوا سندهم."
صمت ليرى عين طارق التي اتسعت فقد فهم مغزى كلام جده، لكن ظل علي وفارس ينظران له ببلاهة وعدم استيعاب:
"يعني إيه يا جدو؟"
سؤال طرحه علي الذي كان يتبادل نظرات الدهشة مع فارس، ليكمل بدران مفسرًا:
"يعني أنا عاوزكم تتجوزوا بنات عمكم عشان تحافظوا عليهم، وكمان عشان نلم شمل العيلة ونطمن إن الورث ميطلعش لحد غريب."
هناك من أبهجه الخبر وهناك من صعقه، فقد ألجم قراره لسان طارق، وكل ما يفكر فيه: "لماذا الآن؟ الآن ورد ماتت؟ أي غريمته قد رحلت؟ أم بسبب الإرث؟ لماذا ينساهم طيلة السنين الماضية ويتذكرها الآن؟" انتشله من تفكيره سؤال علي الذي ارتسمت على وجهه علامات الفرح:
"طب يا جدي، إنت مختار حد محدد لكل بنت ولا هتسيب الاختيار لينا؟"
لينظر له بدران بنظرة جانبية وسأله بخبث:
"يعني إنت موافق؟"
"أيوه يا جدي، وأرفض ليه؟"
تنهد بارتياح وقال:
"كويس، حيث كده أنا اخترت ندى لطارق وشمس لعلي وفارس لهدى."
تبخرت سعادته وتلاشت الابتسامة التي كانت تزين ثغره، لتلتقي عينه بعين فارس الذي كان حاله أسوأ منه، والدهشة ترتسم على قسمات وجهه، عيني علي التي تستنجد به، لن يرضى أن يكون سبب في تعاسة أقرب شخص له، ولن يعيش مع شخص هو متأكد أنه ملك لغيره. استجمع قوته ثم نظر لجده الذي كان يحدق بهم ينتظر ردة فعلهم على اختياره الذي ظن أنه سيرضيهم، ليفاجئه فارس وهو يقول:
"بس أنا عاوز أتجوز شمس بعد إذنك يا جدي، شمس عجبتني أوي وحاسس إننا شبه بعض."
ضربات قلب علي التي تسارعت ونظراته المشتتة، عقله يرفض مجرد الخيال أنها تكون لغيره، ظل ينظر لجده الذي بهتت ملامحه من طلب فارس، وذلك الصمت المريب الذي أطبق على المكان، نظرات فارس له تطمئنه. أنه لن يوافق، لكن صمت جده وكأن الكلمات هربت منه، يطالع فارس فقط، حتى كسر فارس الصمت عندما كرر سؤاله لجده:
"قلت إيه يا جدي؟"
تنهد بدران بارتباك لكنه يجب أن يفصح عن مخاوفه:
"بس يابني شمس دكتورة وإنت…"
توقف بدران عن استرساله خشية أن يجرح حفيده الغالي، لكن فارس أكمل وهو يبتسم ابتسامة مجروحة:
"وأنا معنديش شهادة، عارف يا جدي إنت تقصد إيه، بس إنت دايما بتقول إن الشهادة مش مقياس نجاح، والراجل مـبيـتعـيـبـش، وأنا ناجح يا جدي، يبقى إيه المشكلة؟"
ثم توقف واخفض عينه ثم رفعها بفخر يتمتم:
"ولو شايفني قليل على حفيدتك ياباشا، خلاص عادي، أنا فارس الجوهري، ألف من تتمنى."
تشتت أفكاره ما بينه وبينها، ماذا يخبره وهو من كان دوما يشجعه على نجاح تجارته ويلغي أهمية الشهادة؟ أم هي التي لا يريد أن يكسرها أكثر؟ ألا يكفيها الإجبار؟ ليزيده بأن اختار لها من لا يوازي شهادته؟ ربما هذه المرة الأولى التي يشعر فيها أنه لا يعلم ماذا يفعل، كأنه في منتصف طريق بين صوت قلبه وعقله، قرر أن ينحي نفسه عن المسؤولية:
"أنا ماقلتش كده يابني، إنت في عيني أحسن حد في الدنيا، لكن… أنا مش عارف ردها أي."
"شمس مش هتوافق في كل الأحوال."
قالها علي لأنه يعلم رفضها، وربما كي يبعدها عن مرمى الاختيار. نظر له بدران بريبة:
"وإنت عرفت إزاي؟"
"ندى امبارح قالت إنها رافضة أصلًا، حتى إنها تقابل حضرتك."
عفوية علي في كلامه الذي غفل فيه عن عقلية جده، التي زاد كلامه التحدي لديه وأشعل فتيل حرب بينه وبين حفيدته، ليقول بغضب:
"يبقى تيجي غصب عنها وتوافق على فارس كمان."
نظر طارق نحوه نظرات عتاب، فقد أوصلوا جدهم إلى طريق اللاعودة وأصبح أمام تحدٍ بينه وبينهم، طأطأ علي رأسه بعد أن أحس بخطأ كلماته التي لم يدرك تأثيرها على جده.
خرج كل منهم بذهن شارد، كل منه يفكر في اتجاه مختلف، ذهب طارق لغرفته، وكل ما يفكر فيه ليس الزوجة المستقبلية، فندى من غيرها لن تفرق معه، لكن ما يشغله باله الخطوة بحد ذاتها، فكرة الزواج لم تكن ضمن خططه، فهو طبيب لا يزال في مقتبل عمره وفي بداية طريقه، كان يطمح أن يثبت وجوده في مجاله قبل أن يفكر في الزواج أو إنشاء أسرة، لكن جده وضعه في زاوية لا يستطيع الفرار منها، هل يرفض ندى ويزيد جرحًا لجراحها وربما يورطها مع جده، وقد يخسر هو جده أيضًا إن رفض؟ وخسارة جده تعني خسارة عيادة وعدة بها في أفضل الأماكن. زفر أنفاسه بحيرة، لا يملك سوى الانصياع لمطالبه، ليلوح طيفها أمامه ومشهد انهيارها الذي ألمه، ليغمغم:
"خايف أكون الجرح الجديد ليك يا ندى."
***
سار أحدهما بجانب الآخر متجهين نحو الحديقة، ليجلس أحدهما مقابل الآخر يتبادلان النظرات، لا يعلمان ما هي الكلمات التي ممكن أن تفي موقفهم هذا، ليبادر علي:
"آسف يا فارس على الموقف اللي اتحطيت فيه بسبب…"
رفع فارس حاجبه بسخرية وقال:
"بسببك إيه يا ابني؟ هو إنت فاكر إني ممكن أتجوز واحدة عينها من حد تاني وبتحبه؟ ليه يلا؟ فاكرني سوسن؟"
انكسر علي رأسه بأسف وقال:
"ماكنش نفسي أتجوزها بالطريقة دي."
ربت فارس على كتفه وقال ساخرًا:
"احمد ربنا لو ماكنتش هتتجوزها بالطريقة دي عمرك ماكنت هتتجوز أصلًا، كنت قضيت حياتك زي عمك حسين."
"تفتكر هتفرق معاها الطريقة يا فارس؟"
"بصراحة يا علي، أعتقد هتفرق، وجايز ترفض واحتمال تنتحر."
ثم قهقه ضاحكًا وهو يرى علامات الانزعاج على وجه علي الذي قال ساخطًا:
"تعرف الحق مش عليك، الحق عليا أنا اللي بسأل حد زيك."
ثم رفع الوسادة خلفه وقذفها عليه لترتطم بجسد فارس المهتز من شدة الضحك، ليتوقف يمسح دموعه ويقول:
"وإعملك إيه؟ عمال تسألني أسئلة غريبة، هو حد قلك إني هدى؟"
"يووو يا فارس، بطل هزارك البايخ."
ليقذف فارس الوسادة عليه مرة أخرى:
"أنا مش بهزر، الموقف غريب، لكن هي أكيد هتتقمص، بس بتحبك، هتقبل الوضع في الآخر."
رغم أنه ابتهج بعد كلام فارس الذي أراحه قليلاً، لكنه استطرد في شيء آخر يشغله:
"حاسس بذنب ناحية شمس، خايف جدو يأذيها."
وعند ذكر اسمها لا يعلم ما هي المشاعر التي انتابته، للمرة الأولى يشعر أنه ضئيل أمام أحد، ربما هي فعلاً تستحق شخص أفضل منه، لكن غروره الذي استيقظ نهره، فماذا ينقصه هو والكثير من النساء يتمنين نظرة منه.
"فارس… فارس يابني، رحت فين؟"
نظر نحو علي ثم نهض مستقيمًا ينوي الرحيل:
"مروحتش في مكان، بس افتكرت إني اتأخرت، الشلة بتستناني دلوقتي."
زفر أنفاسه بحده ليلومه قائلاً:
"تاني الشلة يافارس؟ يابني إنت مش بتحرم؟ مابلاش جدك راضي عنك الأيام دي."
"معلش يا علي، النهاردة بالذات ما أقدرش، لازم أشوفهم."
ماذا يخبره؟ أي يخبره أنه يريد أن ينسى؟ أو ربما ينساها هي؟ خاصة تلك الشرسة التي يبدو أن القدر يرسم لهم طريقًا معًا، ليرحل تاركًا علي وسط أحلامه الوردية وهو يتخيل زفافهم، بل وتـمادى أكثر وهو يتخيل أطفالهم وحياتهم معًا.
***
وقفت أمام باب تلك الفيلا مرة أخرى، واليوم قلبها يخفق بخوف أكثر من المرة السابقة، فاليوم عليها المواجهة، يجب أن تكون قوية، نظرت نحو هدى التي كانت أكثر خوفًا منها وتمسك بيدها كأنها تستمد قوتها منها، وربما العكس.
وقفت أمامه بعد أن سمحوا لها بالدخول، وربما وجود طارق اليوم معه منحها القليل من الأمان، أشار لها بالجلوس، لـ تجلس تترقب حديثه:
"إزيك ياندى؟"
"الحمد لله."
صمت بعد تحيتها زاد من توترها، وكاد أن يضرب ثباتها المزعوم، لتنظر نحو طارق الذي أومأ لها كأنه يدعمها، لتعيد نظرها نحو جدها الذي قال بصوت بارد:
"المدة خلصت يا ندى."
"عارفة."
اليوم صوتها ثابت يحمل نبرة تحدٍ، فلم يعد هناك ما تخسره.
"بس إنت لسه ماسددتيش الفلوس اللي عليكي."
"ومش ناوية أسدد، أبقى اخصمه من حقنا في الورث."
احتـدت ملامحه بغضب ليصرخ في وجهها:
"أنا لسه مامتش عشان تورثوني."
صراخه أفزعها وكاد أن يزعزعها، لكنها تمسكت بثباتها أمامه:
"ندى مش قصدها كده يا جدو، ندى بتفسرلك عدم إمكانيتها للدفع وبتطرح البديل."
صوته الداعم لها عزز من قوتها المصطنعة، لكن بدران لم يعجبه الأمر ليقول ساخرًا:
"بس شكلها محضرة نفسها كويس، والمحامي بتاعك شاطر أهو، فهم الاثنين سخريته المبطنة، ليكمل:
"إنتِ نسيتي الشرط الجزائي؟"
ارتبكت قليلاً ونظرت نحوه، لتجده هذه المرة يهرب بعينيه بعيدًا، ما أقلقها، ليمد جدها لها بتلك الورقة.
التقطتها منه وعادت تجلس بجانب هدى لتقرأ ما كتب فيها، فتتسع عيناها وهي تقرأ شرطه بالزواج من أبناء عمومتها، بل وحدد لها عريسها الآن، علمت لماذا عينه تهرب منها، نظرت نحو هدى التي كان حبيبها من نصيبها، لكن الطريقة جرحتها، هي ليست سلعة لـتباع وتشترى، لتتفاجأ شقيقتها عندما قالت:
"بس إحنا مش موافقين."
نظرت ندى نحوها لتجد الإصرار الذي أعطاها القوة لتقول:
"وإن رفضنا هيحصل إيه؟"
"السجن طبعًا."
صاعقة ضربت الجميع، حتى طارق الذي استنكر حديثه، لكنه ضحك ضحكة استفزت الجميع وقال:
"مش أنا يا ندى اللي أدخل بنت ابني السجن، لكن إنت هتوافقي على شرطي، أنا متأكد."
"بس أنا…"
لم يدعها تكمل لينهال عليها بمغرياته، كأنه يحاول تغييب عقلها:
"زواجكم قصاد الورث بتاعكم، إنتوا والولاد، يعني حياة متكاملة ليكم، لكن بعد سنتين من دلوقتي، أضمن فيهم إن الزواج تم والوضع استقر بينكم، والأفضل لو كان فيه حفيد كمان، يعني حياة متأمنة ليكي ولأخواتك."
ثم نظر نحو طارق الذي تتخبط الأفكار في رأسه، ليستطرد:
"وأظن ولاد عمك معندهمش اللي يعيبهم ياندى، فكري."
أغمضت عينها، فقد أصبحت كالتائه في غابته، لا تعلم هل يحاول إنقاذها أم افتراسها. لم تجرأ على النظر باتجاه طارق، لكنها نظرت باتجاه هدى التي لم يكن حالها مختلف عنه.
انهضت تحاول المغادرة هي وشقيقتها، حتى وصلت إلى الباب لتسمعه يقول:
"أختك فين يا ندى؟"
***
"كانتا تجوبان الشوارع هائمتين لا تعلمين أين تذهبا، لتسألها هدى:
"هنقول لشمس إيه؟"
لتتنهد ندى وتنظر لها نظرات ضائعة:
"مش عارفة."
"جدك اختار لها فارس، دي لو عرفت هتتجنن."
"وبسخرية أجابتها:
"ده لو اعترفت بجدك أصلًا."
أمسكت هدى ذراعها توقفها وتسألها:
"إنت هتوافقي على عرض جدك ياندى؟"
لم تعلم بماذا تجيبها، هل ستوافق أم لا؟ عقلها يقودها نحو الموافقة فهذا حقهم، وقلبها يسوقها نحو الرفض، فهذا بدران الذي كان سبب تعاستهم.
***
دخل محلات والده كعاصفة هوجاء أخافت حسن ليسأله:
"مالك يا محسن؟ فيه إيه؟"
ليلهث أنفاسه ويسأل بغضب:
"أبوك فين؟"
"جوه."
اندفع نحو مكتبه، يتبعه حسن بقلق، ليهتف بغضب:
"إنت هتخلي ولادي يتجوزوا بنات ورد؟"
ليسأله بدران ببرود:
"مين اللي قلك؟"
"طارق… يعني الكلام حقيقي؟"
"أيوه."
أزعجه بروده ليقول بسخط:
"عاوز ولادي يتجوزوا بنات ورد!!"
"اقعد يا محسن."
ليجلس بـجسد أشعله الغضب وملئه الحقد:
"اسمع يامحسن، ورد ماتت خلاص، ودول دلوقتي بنات أخوك، دا أولًا، ثانيًا إنت ناسي إن أخوك متسجل باسمه حاجات كتير، إنت ناسي الأراضي اللي متسجلة باسمه عشان الضرائب."
حرك عينيه بتفكير يحاول التذكر، وتطلع لحسن الذي تعجب من كلام والده، فوالده قد نقل ملكية كل شيء له بموجب وكالة من حسين أجبره على توقيعها بنفسه، إذا لماذا يكذب على محسن؟
"مهو إنت السبب يا حج، ياما قلتلك خليه يتنازل."
"مكنتش عارف إنه هيموت بسرعة."
رددها بدران بتأثر وحسرة، ثم نظر لولده وقال بحدة:
"محسن، بنات أخوك أحسن بنات، دا كفاية إن دكتورة هتتجوز ابنك اللي معندوش شهادة."
لمعت عين محسن بخبث، فبعد كل شيء ستكون صاحبة أعلى شهادة من نصيب ابنه الفاشل.
***
عاد من العمل منهك وجلس على السرير يخلع عنه حذائه، لتندفع نحوه بغضب وهي تصرخ بانفعال:
"صح الكلام اللي بيقوله أبوك؟ عاوز يجوز ابني الوحيد لبنت بياعة الفول؟"
امتعضت ملامحه وهب يصرخ بوجهها:
"حاسبي على كلامك ياصفاء، دي بنت أخويا."
"بس دا ابني الوحيد، وهي بياعة ورد، طب كان يختارله الدكتور، على الأقل."
"صفاء، دا قرار أبويا ومش هنـاقـشـه فيه."
"ودعاء بنت اختي؟"
زفر حسن أنفاسه بملل وقال:
"مالها دعاء؟"
"مالها إيه ياحسن؟ دا إحنا متفقين من وهما صغيرين إن دعاء لعلي."
تحرك بلا مبالاة وبدأ يفك أزرار قميصه وأردف:
"دي مشكلتك ياصفاء، محدش طلب منك تتكلمي الكلام ده، والولد صغير، عشمتي نفسك وأختك وجايز بنتها بحاجة مش في إيدينا، دا نصيب، هتعترض؟"
اقتربت منه تحمل ملابسه النظيفة وتقترب منه تتلمس صدره وذراعه بدلال وهي تقول:
"إنت متقدرش تأثر على والدك ياحبيبي؟"
أزاح ذراعها والتقط منها الملابس بقوة:
"أنا مش هخسر أبويا عشان وعودك ياهانم."
ثم انحنى يهمس في أذنها:
"هو إنت عاوزاه يعمل فيا زي ماعمل في حسين؟"
بهتت ملامحها وهي تتخيل حرمانهم من كل شيء وأن يعيشون منبوذين مثل حسين.
***
عادت شمس من المستشفى بتعب، تتحرك نحو الباب بثقل، أدارت المفتاح ودخلت، ليشل جسدها وتتجمد بوجه شاحب من هول الصدمة وهي تجده يجلس أمامها، لـ تردد اسمه بدهشة:
"بدران!!!!"
رواية بنات ورد الفصل العاشر 10 - بقلم رشا عبد العزيز
هل توقف الزمن وعاد الماضي بأشباحه يطاردها هل ما تخشى عوده تراه امامها الآن نعم انه هنا امامها
طيفه الذي كان بطل كوابيسها طيله تلك السنين تجسد امامها لم يغيره الزمن ولاحتى تلك التجاعيد التي زادت
بين تقاسيم وجهه ازالت قسوته ولا الشيب الذي صبغ شعره كسر جبروته ورغم استناده على عكازه الخشبي لكن قوته لاتزال طاغيه و نظره عينه البغيضه لازالت كما هي
وإذا كان هو لم يغيره الزمن فهي أصبحت اليوم شخصا آخر بالأمس كانت طفله تترجى عطفه
واليوم هي دكتوره تكره حتى رؤيته
رغم أن نظرات عينها كانت مصوبه نحوه لكنها لمحت من كان معه هو هنا مع أولاده واحفاده
لتبتسم ساخره الملك وحاشيته هنا والتقطت عينها شقيقتيها تقفان في أحدى الزوايا تنظران لها
بقلق يبدو أنهما تخشيان عليها من المواجهه
وبكل ثبات وقوه تقدمت نحو الداخل وهي ترى دهشت أعمامها الذين يطالعونها بتعجب ينظر أحدهم للآخر
حتى غمغم محسن بهمس …ورد.
فلم تكن هي سوى نسخه مصغره من والدتها وكأن ورد عادت للحياه والماضي عاد يرون ورد التي كانت تقف مع والدها على عربه الفول لكن بملابس أنيقه
وصلت أمامه مباشرةووقفت بكبرياء وشموخ تسأل شقيقتها متهكمه وكأن لاوجود لهم
-مش تقولي ياندى أن عندنا ضيوف
لتبتسم وتردد أسمه بستهزاء
-أي دا بدران الجوهري بجلاله قدرو عندنا هنا أي كنت تايه ودلوك على عنوانا النهارده
امتعض وجهه كما امتعض وجه الجميع من سخريتها لكنها أكملت بحده
-خير أي سر تشريفك عندنا؟
دق بعصاه الأرض غاضبا وهتف بحنق
-هو دا ترحيبك بجدك
-جدي اه.. معلش سامحني ياجدي ماشفتكش من سنين ومعرفكش الي مايعرفك يجهلك مش بيقولو كده؟
قالتها ساخره تجلده كلماتها تعيد له فكره أنه لم يعترف بهم تحلى بدران بصبر وسيطر على انفعاله يعلم أنها صادقه وهذا ليس وقت للمحاسبة هو هنا في مهمه يجب أن يتمها لينظر لها ويقول ساخطاً
-أنا هتجاوز عن كل كلامك يابنت حسين عشان أنا هنا مش بتحاسب أنا جاي هنا أبلغك قراري الي هيتنفذ
عادت لسخريتها مره أخرى وقالت:
-يااا أي الثقه دي قرارك وهنفذو كمان
لينظر بتحدي لها ويكرر بتأكيد
-ايوه هتنفذيه ياشمس أوعدك بصي وركزي معايا. (بقلم رشا عبد العزيز)
نظرت له بستهزاء وعين شقيقتيها تترقب رده فعلها بقلق على كلامه لتتشبث هدى بيد ندى التفتت ندى لها
بنظرات مضطربه وهي تشعر بارتعاش يد هدى الممسكه بها لينصتو لكلامه
-بصي يابنت حسين أختك جتني وترجتني أساعدها وساعدتها واديتها فلوس وهي ماسددتش عشان كده وجب تنفيذ الشرط الجزائي
نظرت شمس إلى عين ندى بلوم وكأنها تخبرها أن هذا ماحذرتها منه نكست ندى عينيها تشيحها عن مواجهه عين شقيقتها
سألته بثبات وقوه
-وإيه هو الشرط الجزائي؟
ليخبرها بهدوء وتسلسل
-تتجوزو ولاد عمكم واتنازلكم عن الورث في المقابل بعد سنين من الجواز والخلفه
اتسعت عينها بدهشه وقبل أن تنطق كلمه أكمل هو
-وانا اختارتك لفارس حفيدي
تسارعت أنفاسها بغضب وازدا د. اتساع عينها
التفتت نحوه لتجده يجلس بغرور يضع قدما فوق الأخرى كطاووس ينفش ريشه لتسأله متهكمه. (بقلم رشا عبد العزيز)
_هو البيه عارف أن جدو اختارلو عروسه عندها شهاده قدو مرتين؟
احتدت نظارته نحوها و أجابها بتحدي. وكأنها لم تقلل منه رغم ان وصفها قد هزه لكنه
ادعى الامبالا
_أيوة وأي يعني شهادتك قصاد نجاحي أنتِ عارفه أني
بكسب قد مرتبك في الشهر عشر مرات
ثم استطرد
_والي يقول عليه جدي أوامر
ضحكت مستهزه و استطاعت ان تستفز الجميع بضحكتها
التي انهتها بكلمات ساخره وهي تمد شفتها لامام
_حلوه المقارنه بين شهادتي ونجاحك.. بمقياس الفلوس لا شاطر تربية بدران صحيح
_ما تحترمي نفسك يابنت أنتِ محدش مالي عينك
صاح بها محسن بعد أن استطاعت استفزازه
لكنها استمرت بسخريتها المصطنعه وهي تنظر له بكره
_تؤ تؤ كده غلط أنا محترمه نفسي وعارفه حدودي... يا عمي
لتضغط على اخر كلمه وهي تصحبها بضحكها مستهزئه
_لا ماهو واضح احترامك بس ميتعتبش عليك تربيه ست
استطاع إشعال غضبها واستنفاذ اخر مراحل الصبر لديها لتصرخ بوجهه وهي ترفع سبابتها امامه
_إياك تجيب سيره أمي. أمي ست بمية راجل ربنتا أحسن تربيه... أمي أحسن من رجاله كتير رمو لحمهم زيك وزي أبوك
رفع يده ليصفعها وهو يقول:
_لان أنتِ متربتش وعاوزه الي يربيكي من أول وجديد. (بقلم رشا عبد العزيز)
تجمدت يده في الهواء. بعد أن امسكت هي بها تمنعه قبل أن تهوى صفعه منه على خدها
ليفزع الجميع من فعلته. نهض أولاد عمومتها لمنعه قبل أن يتوقفون متعجبين وهم يرون يدها تمنعه وعينه تنظر لها بدهشه وتتطاير شرارات الغضب منها
لتنظر له بتحدي قبل أن تنفض يده بعنف وهي تقول بحده
_مش بنت ورد الي تضرب ولا تربية ورد الي تشكك فيها ورد ربت تلاث بنات أنتو رميتوهم لكلاب السكك مش دلوقت افتكرتو أن عندكم بنات اخ
كان يراقبها من بعيد ورغم انزعاجه من أفعالها وكلامها لكنه أبتسم ابتسامه جانبيه
وهو يرى نسخه منه في العناد والتحدي كنمره مزقت مخاوفها وحفرت في وجوههم حقيقه الماضي
لكن هل يتركها تفعل ماتشاء أم سيصطادها كما يصطاد الصياد الماهر فريسته ويجعلها تذعن له رغما عنها
اعادت نظرها نحو جدها لتقول:
-شوف يابدران ياجوهري طز في فلوسك وورثك أنا مستغنيه عنهم وقرارك دا تنساه مش أنا الي يتولى دراعي وأعمل مابدالك
كادت أن تخطو مبتعده لتسمع صوته يقول:
-وأختك مافكرتيش فيها؟
نظرت له نظره جانبيه وابتسمت بمكر
-أي يابدران هتسجنها عادي اسجنها
اتسعت أعين الجميع ينظر احدهم لاخر يحاولون استيعاب ماتقوله وندى لاتصدق ما قالته لتقترب منه وتقول وابتسامتها لاتزال تعتلي وجهها
-بس شوف لما الصحافه والناس في الحسين تسمع أن بدران الجوهري المليونير الكبير الي بيدعي الخير
والفضيله يسجن حفدته على شويه ملالييم أنت متخيل هيحصل أي بلاش ورقه ندى محروقه عندي من زمان مش هتعملها انت أذكى من كده. (بقلم رشا عبد العزيز)
الجميع ينظر لها بذهول حتى شقيقاتها لم يتوقعو طريقه تفكيرها أبتسم ابتسامه هادئه وعينه تواجه عينها بتحدي
فهو محق ليست فقط نسخه منه بل تقرأه بوضوح لكنه قال:
-برافو ياشمس أنتِ صح أنا مش هعملها بس أنا مقصدتش السجن
هنا ترقبت حواسها حديثه
-اناقصدت لو أخواتك كانو موافقين؟
التفتت بسرعه نحوهم تتحرى صدقه لتجد عين ندى تهرب منها وهدى تنظر لها بقله حيله ارتبكت لكنها استجمعت قوتها بسرعه وقالت:
-يبقى أنا خارج حساباتك لوهما عاوزين الورث حلال عليهم أنا أنساني
-يبقى تنسي اخواتك
عقدت حاجبها بغضب كما فعلت ندى أيضا لتقول:
-يعني أي؟. (بقلم رشا عبد العزيز)
-يعني يا تكوني مع اخواتك ياتنسيهم
-يعني هتعمل فيها زي ماعملت في أبويا تنفيني؟
-أيوه
نظرت نحوه لتجد الخبث في حديثه علمت انه يريد تفرقتهم لترن كلمات والدتها في ذهنها بدران يريد تفرقتهم
-لا هي هتوافق
كان هذا صوت ندى الذي شق الصمت الذي ساد المكان
تسارعت أنفاسها وقلبها يخفق بقوه لقد احكو خناقهم حول رقبتها هو يريد تفرقتهم وندى تبحث عن حياه منعمه
تنسيها الماضي وماعاشته ،،،وصوت واحد طغى على كل هذه الأصوات صوت والدتها وهي تخبرها أن لايتفرقو ووعد قطعته أن تصون تلك الوحده لكن الثمن باهض جدا حياتها بأكملها هل تضحي من اجلهم
هل تنسى حلمها تكسر طموحها تسحق كرامتها تحت قدمها وترضخ له
وزعت نظرها بينهم لتجده ينظر لها بإنتصار ثم نظرت نحو ندى لتلتقي عيونهم في حديث عتاب لتتحجر الدموع في عينها
حتى أجبرت لسانها على قول كلماته المتلعثمه وعينها لاتحديد عن عين شقيقتها
-الي تقولو ندى سيف على رقبتي وكلامها أمر مطاع
أغمضت عينها بعد أن أصابت كلماتها قلبها كخنجر يشعرها بأنها أنانيه دفعت شقيقاتها داخل نفق مظلم على أمل ان النور في نهايته كان طارق يراقبهم ويشعر بالاسى يعلم ان أرواحهم تتمزق مابين طموحاتهم وأحلامهم
فتحت عينها لتجدها لازالت تحدق بها وكأن المكان قد انحسر عليهم هما الاثنتان حتى أنهما لم يسمعا حديث بدران المتبقي ان زواجهم بعد شهر من الآن ولم يشعرا بانصراف الجميع
حتى هتفت هدى
-شمس ندى قصدها مصلحتنا كلنا أحنا كلنا هنستفاد من فلوس بدران
ثم أكملت ندى
-أيوه ياشمس أحنا أولى بالفلوس دي الفلوس دي عوض لينا عن الي شفناه خلينا نعيش حياتنا ونتمتع زيهم دا تعب أبونا وأحنا أحق فيه
لتدخل في نوبه ضحك حتى أقلقتهم لتقترب منها ندى بتوجس أوقفتها هي بحركه من يدها وهي تقول:
-أوعي تقربي. (بقلم رشا عبد العزيز)
ليثور بركان غضبها عليهم فتصرخ بهم وهي تحرك يدها نحو هدى وتقول:
-الهانم أكيد هتجوز حبيب القلب مش كده ماهو الرضا دا باين مش ببلاش
لتخفض هدى عينها بحزن
ثم حولت يدها نحو ندى وقالت:
-والهانم هتجوز دكتور ناجح
لتصيح بقهر وهي تضرب صدها بقوه
-أنا الي خسارنه في الصفقه دي يابنات ورد أنا الي مستقبلي ضاع أنا الي هتسجن مع واحد فاشل كل كلامه الفلوس
تساقطت دموعها بحسره
-أنا الضحيه وكبش الفداء أنا الي بعتوني وقضيتو على أحلامي
ليختنق صوتها وهي تخرج آخر كلماتها
-أنا الي اتظلمت يا اخواتي
ثم اتجهت نحو غرفتها تتبعها ندى يتملكها الندم بعد أن رأت انهيارها لتمنعها من الدخول وهي تصرخ بكل قوتها
-أطلعي بره…اطلعي بره…مش عاوزه أشوف وشك
شهقت ندى ثم وضعت يدها على فمها تكتم شهقاتها ورحلت من أمامها لتصفع شمس الباب بقوه وتركض نحو صوره والدها تمسكها كانها تشكو له
-باعوني يأبه أبوك وأخواتك باعوني حتى بناتك يأبه باعوني عاوزين يسرقو حلمي وحلمك
اه…اه…يابابه …لو كنت موجود …ماكنوش عملو فيا كده ……تعالى يأبه …تعالى وشوف أبوك وأخواتك عملو بحبيبتك أي
ظلت دموعها تتساقط على صوره والدها حتى صمتت فجاه ومسحت دموعها بعنف قائله:
-لا مش هيضيعو حلمي …مش هسمحلهم حتى لو اضطريت …أخسر سنتين من عمرى
لتستلقي على السرير وهي تحتضن صوره والدها تردد
-مش هيخنقو طموحي مش هضيع أنا الدكتوره شمس غصب عن الكل
ثم أغمضت عينها علها تهرب من هذا الكابوس بالنوم
***********************************
أما في الخارج جلست ندى منكسه الرأس تبكي على حال شقيقتها يخنقها شعور الندم ثم جلست هدى التي كانت
تبكي مثلها لترفع ندى نظرها نحوها
-احنا ظلمناها ياهدى هي عندها حق أنا أنانيه فكرت بنفسي بس فكرت أعوض تعب السنين وأعيش حياة مرتاحه من غير فقر من غير ما أشغل شغلتين من غير ما احسب القرش بيروح فين وأقصر على نفسي من غير ما أشوف النظره الدونيه من زمايلي وهما بيبصو على هدومي القديمه
كان نفسي أشتري أغلى الماركات واقعد في مطاعم غاليه واصور ستوري زي ماهمه بيعملو أنا مش تافهه ياهدى بس نفسي أعيش زي الي بسني ماعايشين
ربتت هدى على كتفها تواسيها وقالت :
-مش هلومك ياندى أنتِ تعبتي كتير لكن ياندى شمس عندها حق حتى لونسينا بدران عمل فينا اي في الماضي
لكن فيه حاجه تانيه أن أنتِ هتجوزي طارق وطارق ماشاءالله دكتور و وسيم ومن الأيام لي عشناها في المستشفى الكل كان بيشكر فيه
وأنا علي مش هنكر أني بحبه رغم أن الطريقه جرحتني وحسستني أني رخيصه وزي البضاعه الي بتتباع وتشترى لكن في النهايه علي دكتور صيدلي ومؤدب وبحبه يبقى أنا هكسب
لكن احنا نسينا شمس هتجوز واحد بالنسبه لشهادتها فاشل دا غير سلوكه الي مش باين كويس والا لا رغم أن كلامه يبين أنه مغرور
تنهدت بحرقه تزفر أنفاسها الحزينه وتمسح دموعها
-أحنا ظلمناها ياندى لكن معادش ليه فايده الكلام بس يارب يطلع فارس مش وحش زي مابيبان عليه
********************************
عاد يتسطح على فراشه وصورة رفضها له لم تغاد ذاكرته حتى تلك الظلمه التي غشيت عينها كأن سحر قوتها قد أنطفئ وهي توافق
كل شيئ يجثو على صدره يكتم أنفاسه لماذا تشعره بأنه ظئيل لماذا يخسر دائما أمامها منذ أول مره لمحها فيها
وهي تسكن عقله هناك شيء يجذبه إليها
هل كونها ممنوعه زاد رغبته فيها أم …
نهر عقله عن الاسترسال في تلك الأفكار والانسياق خلفها هو بالنسبه لها ليس سوى شخص ستغضب
عليه ترى كيف سيكون شكل الحياة بينهم كيف ستمضي هذه السنتين
********************************
تعمدت أن تغادر مبكراً حتى لاتواجههم وذهبت نحو المستشفى تهرب إليها علها تنسى لمحها طارق من بعيد يعلم
أنها رأته لكنها أشاحت نظرها عنه مبتعده كانها لم تراه
راحل نحو مكتبه يراجع بعض الأوراق عندما شعر باهتزاز هاتفه ليتفاجأ بهويه المتصل لايعلم ماهي المشاعر التي شعر بها عندما رأى أسمها على شاشه هاتفه ربما لإنها الآن أصبحت تخصه ضغط على زر الإجابه
-الو
أتاه صوتها متعب مثقل بألم تخرج كلماتها بحرج
-إزيك يا طارق. (بقلم رشا عبد العزيز)
-أهلا ياندى إزيك
-الحمد الله أسفه أني إتصلت بيك في الوقت دا عارفه أنك مشغول…
-لا ولايهمك ندى أنتِ كويسه مال صوتك شكلك تعبان
-أنا …أنا
اقلقه ترددها وتلعثم كلماتها
-مالك ياندى أنتِ تعبانه ؟
لامت نفسها لأنها اتصلت به لكنها قلقه على شقيقتها وليس أمامها سواه إذا ماباليد حيله فلتخبره بالحقيقه
-كنت عاوزه اسألك عن شمس أصلها خرجت قبل ما أشوفها هي كويسه؟
-أنتو تخانقو؟
صمتت لاتعلم ماذا تجيبه وهل يفترض أن تخبره تنهدت بيأس وقالت:
-أيوه أنت عارف…
وقبل ان تسترسل في تبريرها و توضيحها قاطعها هو
-طبيعي ياندى تتخانق حقها برضوه المفاجئه وصدمتها كانت واضحه أمبارح
-هو أنا غلطانه ؟
أبتسم مع سماعه لسؤالها يبدو أنها تائه وأعجبه أن تسأله عن طريقها
-لو هنشوف الموضوع من ناحيتك ياندى يبقى أكيد مش غلطانه لكن لوبصينا من ناحيه
شمس فأكيد هتكون شايفه الموضوع بشكل تاني
-قصدك أني أنانيه؟
ضحك رغما عنه وأثار حنقها لتقول:
-أنت بتضحك ليه؟
-متأسف ياستي بس ليه فهمتي من كلامي أني با تهمك بلانانيه أنا قصدت أن كل واحده فيكم شايفه الموضوع من زاويه فأكيد الرؤيه هتختلف
ليمازحها محاولاً التخفيف عنها
-أصل بصراحه أنتِ حقك توافقي عريسك لقطه دكتور ووسيم وطيب وعمله نادره والا أي رايك؟
ضحكت بخفوت وسألته
-واسمي دا أي غرور والا ثقه زايده؟
وبانزعاج مصطنع هتف
-يعني أفهم من كده أن العريس مش عاجبك يا أستاذه؟
ارتبكت بحرج وقررت أن تغير مجرى الحديث
-معلش ياطارق اصل رصيدي قرب يخلص لوسمحت لو شفت شمس ممكن تطمني عليها
أبتسم على مراوغتها وأجابها
-ماشي ياندى هعدي إجابه السؤال بمزاجي المره دي واسيبك تهربي و متخافيش ياستي أنا شفت شمس من شويه
وكويسه مفهاش حاجه شمس قويه ياندى ميتخافش عليها
-متشكره
-على أي انا معملتش حاجه
-مع السلامه
-مع السلامه
أغلق الهاتف ونظر إليه مبتسما
************************************
وقف أمام باب المحل ينظر لها من بعيد بدت منكسره وضعيفه بهتت روحها كانت تشبه الطفل الصغير في برائتها لكنه الآن يرى أمراه أثقل كاهلها الزمن لام نفسه يجب عليه أن يواجهها عليه أن يعترف لها
تقدم نحوها بخطوات بطيئه ليخفق قلبها بعد أن داعب عطره الذي سبقه أنفاسها لكنها حافظت على جمودها تكمل ترتيب الزهور وكأنها لم تشعر بوجوده
-إزيك ياهدى عامله أي؟
-أهلا
قالتها مقتبضه وأكملت عملها بلا مبالا
لتحديقه بها ابتلع ريقه الذي جف بعد سمعاه جفاء جوابها
ليقول متوجساً
-هدى أنا عاوز أتكلم معاكِ في موضوع
لتجيبه دون النظر اليه وبنبره صوت بارده
-خير اتفضل؟
-هدى لوسمحتي بلاش البرود دا أنا عاوز أتكلم معاكي
رفعت رأسها عما كانت تفعله ونظرت له بوجه عابس وقالت بحده
-أتكلم ياعلي أنا سمعاك
-أنا آسف
-على ايه؟
-على أسلوب جدي معاكم وطريقه جوازنا أنا …
قاطعته هي بصوت غاضب لم يعهده منها
-مسموش جواز أسمه بيع وشره يادكتور جدكم اشترنا بالفلوس
ليهز رأسه رافضا وقال ماجعلها تنظر له متفاجئه
-أنتِ أغلى من أنك تتباعي ياهدى أنتِ غاليا عليا أوي أنا بحبك ياهدى
ثم عاد يكرر جملته مؤكد لها وسط دهشتها التي امتزجت بالخجل
-أيوه ياهدى بحبك ومن زمان من قبل حتى ماوالدتك تتعب من أول ما اشتغلت هنا وجيت أشتري ورد
شفت بنوته رقيقه زي نسمه الهوه البارده ضحكتها بريئه وقلبها طيب
لما عرفت من طارق أنك بنت عمي فرحت اوي وبقيت أتحجج بالورد عشان أجي واشوفك
بس كنت خايف اعترفلك وأعلقك بيا وأنا مش عارف هقدر أوفي وأكون آد الحب دا
لحد ماجدي طلب مننا أننا نتجوز فرحت أوي وعرفت أننا قدر بعض
ليضحك وهوينظر لها
-تعرفي يومها اتخيلت حياتنا مع بعض وفرحنا وولادنا
ثم انطلقت ضحكاته ساخره
-دا أنا حتى اختارت أسمائهم
ثم توقف ليقترب منها أكثر و يسألها بترجي
-هدى أنا حاسس أن أنتِ كمان بتحبيني مش كده ؟
ثم حرك رأسه يحثها متوسلا أن تعطيه الأجابه
-أنتِ بتحبيني صح؟
تخضب وجهها بحمرة الخجل وخفق قلبها بشده لم تستطيع أن تنطق بكلمه لكنها أماءت له بنعم
ضحك من شده الفرح وقال :
-ربنا يقدرني وأقدر أسعدك ياحبيبتي
*******************************.
خمسه عشر يوما مضت على قرار جدهم تجنبت فيها شمس اللقاء بندى وادعت دوما أنها لديها شفت مسائي
وعليها المبيت في المستشفى رغم أن كل ادعائاتها كاذبه لكنها لازلت جريحه تتجرع مر الخذلان منها رغم أن موقفها من هدى مختلف لأنها تعلم أن هدى سلبيه ولاتستطيع إتخاذ القرار والقرار لم يكن سوى قرار ندى
وقفت أمام محل الزهور وابتسمت بعفويه وهي تجد هدى تجلس مع علي يتبادلون الحديث وكل منهم وجهه يشع بالحب رغم ألمها لكنها سعيده حتى لوكانت هي الخاسره يكفي أنها ترى شقيقتها سعيده
اقتربت منهم أكثر والقت عليهم التحيه لتتطلع لها أعينهم بضطراب
-مساء الخير
ليجيبها علي مرتبكاً
-اهلا ياشمس إزيك
وأخفضت هدى عينها بحرج تجيبها
-أهلا ياشمس
-أسفه لو جيت في وقت مش مناسب بس كنت محتاجه بوكيه ورد صغير عشان نجوى النهارده عيد ميلادها
لتلطم هدى جبهتها وتقول متذكره
-أيوه فعلا دا النهارده إزاي نسيت الحكايه دي هعملك واحد حالاً أنتِ هتاخديه لبيتهم
-لا مالوش داعي خليكي مكانك أنا هعملو بنفسي نجوى عندها نبطشيه النهارده وأنا عاوزه أعملها مفاجئه
لتضع حقيبتها جانبا وتذهب تلتقط الزهور التي تريدها تنسق ألوانها وتختلس النظر نحو
هدى التي عادت لتجلس مكانها تنظر لعلي بحرج وهو يريها ترتيبه للجناح الذي سيقيمون فيه يأخذ رأيها
ا
في الألوان التي اختارها ابتسمت شمس مره أخرى وهي ترى اختها تزداد احمراراً وهي توزع نظرها بين علي وهاتفه تاره ونحوها تاره أخرى
-ها قلتي أي ياهدى عجبك وألا أغيره
كانت هي تنظر نحو شمس وتجيبه بعقل مغيب
-هاااااا…اه……براحتك
قطب حاجبه بانزعاج وهو يردد كلامها ساخراً
-هو أي الي هااا…برحتك ما تديني رأيك ياهدى
لتنفجر شمس ضاحكه وهي تقترب منهم تقول ساخره
-معلش ياعلي هدى بالها مشغول
نظر علي نحو شمس وقال مشاكساً بحنق مصطنع
-والله ياشمس الظاهر كده وأنا الي كنت فاكر أن مفيش حاجه تشغلها عني
-معلش ياعلي سماح المره دي أنا شغلتها وشوشت تفكرها
-لا إذا كان أنتِ خلاص عفونا عنها
-أي دا انتو بتتفقو عليا؟
قالتها هدى وهي توزع نظرها بينهم تزعم الغضب
-لانتفق عليكي ولا حاجه إديني شرايط ملونه عشان أمشي عندي نبطشيه وابقي ادفعي أنتِ فلوس البوكيه لعم نعيم
نظرت هدى نحوها بلوم قائله
-نبطشيه النهارده كمان ياشمس مش كنتِ نبطشيه أمبارح
-معلش زميلتي تعبانه وأنا أخذت مكانها
تعلم أن شقيقتها كاذبه لكن تعلم أيضا انها تتسم بالعناد لكنها اقتربت منها تمسك ذراعها متوسله وقالت ترجوها
-كفايه ياشمس وحياتي دي تعبانه أوي وأنت بعيده عنها
-هدى أديني الشرايط خليني أمشي
هتفت بها شمس بحده لتنظر هدى نحو علي عله يساندها ليقول:
-شمس ندى زيها زيك هي كمان مكانش قدامها…
لتقاطعه بسرعه
-أرجوك ياعلي مش عاوزه إتكلم في الموضع دا أديني ياهدى الشرايط لوسمحتي
ذهبت هدى تحضر لها ماتريد عندما سمعو
-مساء الخير أنت هنا ياعلي وأنا بدور عليك؟!
ليتوقف متسمراً عندما رأها تقف أمامه لتردد أسمه مندهشه من لقائه
-فارس!!!!!