تحميل رواية «بكل الحب» PDF
بقلم ناهد خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داليا كنت عاوز أقولك أني كتبت كتابي أنا وريهام امبارح. قالت بصدمه: اتجوزتوا؟ ايوه، مالك ما أنا معرفك من يوم فرحنا إني بحبها وهنتجوز، مش مفاجأه يعني! ابتلعت ريقها بصعوبه وهي تشعر بنفسها يختنق: لا مش مفاجأه، بس متوقعتش أنكوا هتتجوزوا بسرعه كده، عمومًا مبروك ياسليم، قلت لعمي؟ زفر بضيق وقال: بابا مش موافق أنت ِ عارفه ومضايق، مبيكلمنيش أصلاً. يعني محضرش معاك امبارح؟ لأ.. المهم الدور دلوقتي هيبقي عليكِ، عاوزك تبينيله أنك مش مهتمه والموضوع مش فارق معاكِ، أنا عارف أن فعلاً الموضوع مش فارق معاكِ بس قصدي...
رواية بكل الحب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ناهد خالد
هزها بعنف بين يده وهو يصرخ بها:
_ رُدي، إيه علاقتك بصاحبي؟ وليه يبعتلك صور ريهام وحسن قبل ما يورهالي؟ وكمان يقولك قربنا أوي، قربتوا من إيه ها! بتلعبوا عليا في إيه انتوا كمان!؟ انطقييي بقولك..
كانت كعصفور كُسر جناحه فأخذ يتخبط بالهواء حتى استقر على الأرض أخيرًا مُعلنًا سقوطه، كسقوطها بين يده في اللحظة التالية.
أسرع بإسنادها وقد أنتابه القلق حيالها رغم غضبه العاصف منها. حملها يضعها برفق فوق الفراش يحاول السيطرة على أعصابه وكبت غضبه حتى يطمئن عليها وتفيق.
اتجه للسراحه وجلب زجاجة عطره، قربها من أنفها ثوانٍ وبدأت تتململ بنومتها وهي تهمهم بخفوت. فتحت عيناها حين شعرت بأحد أمامها، وجدته يجلس على الفراش وبيده زجاجة العطر ويطالعها بجمود.
تذكرت على الفور ما حدث فنهضت سريعًا تعتدل بنومتها. ابتعلت ريقها بتوتر جلل وهي تنظر له بصمت.
وقف مبتعدًا يضع زجاجة العطر محلها وقال وهو يعطيها ظهره:
_ لو ال show (العرض) بتاعك خلص، مستني إجابة أسئلتي.
يظنها أدعت الإغماء، يظنها تخدعه، ولكن لا يعرف أنها فقدت الوعي حقًا، حين رأت كل ما فعلته ينهار أمامها، حين أيقنت أن اللحظة التي تخشاها قد أتت، حين شعرت أنه اليوم الأخير لوجودها بحياته. لماذا لا تستطيع الحديث؟ لماذا لا ترد على أسئلته؟ وكأن لسانها انعقد ولا تجد ما ترد به من الأساس.
انتفضت على صوت انكسار زجاجة عطره التي كان يمسكها بيده بعد أن أطاح بها لتصطدم بالحائط. التف لها بأعين حمراء من الغضب وهو يصرخ بها بنفاذ صبر:
_ ورحمة أمي أنا ماسك نفسي بالعافية، ردي عشان متندميش إنك مردتيش من اللي هعمله فيكي.
لو تعلم كم الأفكار التي تتأجج بعقله أثر صمتها هذا لما صمتت دقيقة واحدة، لو تعلم لما وصلت أفكاره لنطقت لتنجد نفسها منها.
استمع لدقات فوق باب الجناح، زجره بنظرة حادة قبل أن يتجه للخارج. وقف أمام الباب يلتقط أنفاسه الثائرة، يحاول تهدئة أعصابه التي أشبهت بنزين يقترب منه عود من الكبريت فأوشك أن يحرق المكان بأكمله.
فتح الباب ليجد أبيه أمامه. هتف باستغراب:
_ حضرتك لسه هنا! أنا فكرتك نزلت الشركة!
_ لا أصل صحيت متأخر النهارده على غير العادة مش عارف ليه! معتصم كلمني كان بيسأل علينا عشان اتأخرنا إحنا الاتنين وبيرن عليك تليفونك مقفول.
_ فاصل شحن.
_ طيب أنا هنزل آخد الورق بتاع الاجتماع وهروح أنا أحضره، مفضلش غير ساعة، وأنت ابقي انزل على اجتماع آخر النهار.
_ تمام، أنا كنت لسه هكلم حضرتك أسألك عن الورق لأني ملقتوش عندي.
_ خدته امبارح عشان كنت مقرر أحضر اجتماع الصبح عشان العصر عندي معاد دكتور.
تساءل بقلق:
_ دكتور ليه؟ حضرتك تعبان؟
ابتسم بهدوء يطمئنه:
_ لأ، ده عشان يشوف الفحوصات الشهرية اللي بعملها، متقلقش.
كاد يرد عليه حين قاطعه خروجها من الغرفة بعد أن أبدلت ثوب الاستحمام لثوب منزلي مناسب. اتجهت بخطى بطيئة متثاقلة وعيناها وشحوب وجهها يحكي الكثير.
هتف محمد بقلق:
_ مالك يا داليا؟
رد سليم سريعًا:
_ مفيش يا بابا، كانت تعبانة شوية.
وزجرها بنظرة محذرة بأنه لا يريد أن يعرف أبيه شيئًا.
اقتربت حتى وقفت أمام والده وهنا تساقطت دموعها بعجز وهي تنظر له بحسرة.
اقترب منها سريعًا لرؤيتها بهذه الحالة وقال:
_ مالك يا بنتي في إيه؟
زفر سليم بعنف وكاد يتحدث حين قاطعته هي وهي تقول ببكاء:
_ سليم عاوز يعرف إيه علاقتي بمعتصم.
قطب سليم حاجبيه بشدة متفاجئًا من حديثها. أيعلم أباه علاقتها به؟
ابتلع محمد ريقه بتوتر وهو ينظر لها ثم ينقل بصره له. وهتف:
_ مفيش ياسليم، ده مجرد شغل وأنا عارف.
صرخت بتعب وكأنها لا تريد أن تفوت هذه الفرصة لتزيل من على كاهلها حمل خداعها له:
_ لأ، مش شغل. أنا تعبت ومش هكذب تاني ولا هخبي تاني. أيًا كانت النتيجة هتبقى أرحملي من اللي أنا فيه.
_ هو في إيه؟
صرخ بها سليم بنفاذ صبر وغضب وهو يشعر نفسه أبله بينهما.
ردت هي بتماسك ضعيف:
_ اتصل على معتصم ييجي يا عمي.
مرت نصف ساعة عصيبة على الجميع، بين توتر من محمد عما سيؤول إليه الأمر بعد كشف الحقائق، ويرتب ما سيبرر به كل ما فعله، ويخشي رد فعل ابنه مع زوجته وصديقه أكثر ما يخشى رد فعله معه. وسليم الذي تتضارب الأفكار في رأسه عدا فكره أن تكون هناك علاقة غير أخلاقية بينهما، فأباه على علم بالأمر.
ينظر لأبيه لحظة... ويتوقف عندها لحظات. حالتها توجع قلبه حقًا. يتمنى لو كان الأمر لا يخصه لكانت بين أحضانه الآن يهدهدها ويخفف من روعها، ويتمنى أن يكون الأمر لا يستدعي كل هذه الجلبه. فينتهي بها بين أحضانه وهو يتمتم بعبارات اعتذارية لها.
أما عنها... فيا ويل معاناتها. دموعها لم تتوقف. تتذكر كل كوابيسها عن هذه اللحظة، وجميعها تنتهي بانتهاء علاقتها به. ليتها أخبرته الحقيقة من يوم عقد قرانهم، قبل أن يعاملها بلطف ويحاول إسعادها ويفعل كل ما فعله سلفًا. أزاد من تعلقها به وكأنها كانت تحتاج. أزاد من حبه، أزاد من آمالها في الاستمرار معه. نعمت في حبه الذي وإن لم يظهر ولم يعترف به لكنها استطاعت رؤيته في الكثير من الأحيان. ليتها لم تعش معه تلك الذكريات الرائعة التي ستظل تداهم عقلها لآخر عمرها.
_ إيه يا جماعة، أنتوا ناسين الاجتماع؟ وجايبني لي؟
قالها معتصم ما إن دلف عليهم بعد أن انتقلوا للطابق الأسفل في انتظاره.
وقف سليم واقترب منه حتى أصبح أمامه تمامًا وسأله بجمود:
_ بعت صورهم لداليا ليه؟ وإيه علاقتك بيها؟
وهنا وقف محمد يقول بحزم:
_ أنا هحكيلك كل حاجة ياسليم.
مرت فترة انتهى فيها سليم من سماع كل ما أرادوا قوله، أو بمعني أدق كل ما حدث سابقًا. كان صامدًا جامدًا لا يظهر عليه أي تأثر، وكأنه لا يسمع والده الذي تولى مهمة سرد كل ما حدث.
وحين انتهى والده، رفع رأسه بعد أن كان محنيها وهو يستمع له. وتشكلت ابتسامة ساخرة على وجهه وهو يبدأ بالحديث بنبرة ساخرة ومتألمة في الوقت ذاته:
_ كالعادة، بتتحكم في حياتي وبترتبها زي ما أنت عاوز، مش مهم أنا عاوز إيه.
صمت ثوانٍ ثم قال:
_ عاوز أعرف إنتوا اتصرفتوا كده بناءً على إيه، وليه قررتوا ترتبولي حياتي وتدخلوا فيها عنوة.
قال الأخيرة وهو يرمي نظرة لتلك المنزويه بآخر ركن في الغرفة على كرسي بعيد عنهم وكأنها لا تريد الحضور من الأساس.
بدأ محمد بتبرير يقول:
_ سليم، أقسم لك أني كنت خلاص موافق على ريهام لأنها اختيارك وشيلت موضوع داليا من دماغي وأنا قلت لك أني قولتلها ده بعدين. يعني مكنتش ناوي أتدخل في حاجة. بس لما معتصم حكالي عن ريهام خوفت عليك وحسيت أن مش دي اللي تستاهلها. أنت تستاهل حد أحسن منها. تصرفت بناءً على إني عاوز لك الأحسن. أنت ابني وأنا خايف عليك ومش عاوزك تقع ولا تتوجع، عشان كده قررت أدخل داليا حياتك، عشان تحبها ولما تكتشف حقيقة ريهام تكون مش فارق لك ومتوجعكش. ولو حتى محبتهاش عارف أنها كانت هتبقى جنبك وهتخفف عليك. أنا والله عمري ما تعمدت أدخل في حياتك. بس أنا دائمًا بحاول أبعد عنك أي حاجة ممكن توقعك أو تأذيك. دائمًا بحاول أحميك من الدنيا. أنا شايف أن ده دوري طول ما أنا عايش وربنا مديني عمر.
رفع حاجبيه بسخرية وهو يقف مواجهًا له:
_ سيبني أقع وسيبني أتوجع. هتعلم إزاي من غير ما أمر بتجارب صعبة. طب أنت عايش لي طول العمر؟ عاوز تعيشني طول ما أنت معايا مُرفه وتمام وميحصلش معايا أي مشكلة أو أمر بتجربة صعبة. وبعدين... لو جه وقت وبقيت لوحدي واتواجهت بالدنيا... عارف، ساعتها أقل حاجة هتوقعني ومش هقوم تاني. لأني متعودتش على الصعب. أنت دورك مش تحميني وتبعد عني كل اللي ممكن يواجهني فـ تتصرف بناءً على ده وترتب لي حياتي، أنت دورك تسندني لما أقع وتقومني لما أيأس. تكون جنبي بس مش تمشي حياتي على مزاجك.
نظر لـ داليا وهو يقول بسخرية:
_ فاكرة لما قولت لك أبويا السبب في إني اتجوز ريهام؟
نظر لأبيه ليجد عينيه تتسع بدهشة وكأنه اتهمه بجرم ما.
_ أنا ياسليم؟!
أومأ بتأكيد وهو يكمل بتحسر:
_ آه أنت. عندت معاك عشان كده اتجوزتها. عارف قبل ما تيجي لي وتقولي ع الوصية كنت أنا جايلك أقولك خلاص يابابا ألغي موضوع ريهام أنا مش مرتاح وحاسس أنها مش الاختيار الأفضل ليا وهيبقى بينا مشاكل كتير في المستقبل. و Guess what (خمن ماذا)...
قالها بطريقة مسرحية ثم أكمل:
_ اكتشفت أني مجرد معجب بيها. وملهاش جوايا الحب الكافي اللي نبني بيه حياة ونعدي مشاكلنا عشانه. بس صدمتني لما لقيتك بتفرض علي بنت صاحبك. ومصمم. رغم أنك فاهم أني لسه بحب ريهام وعاوزها. سألت نفسي هو أنت إزاي أنا مش هامك للدرجادي! مش هامك مشاعري ورغبتي وأهم حاجة أنت عاوز إيه مش أنا عاوز إيه! وكأنك جبتني الدنيا عشان أنفذ رغباتك! عارف اتوجعت أوي وأنت بتقولي لو متجوزتهاش اعتبرني مت. بتنهي علاقتنا عشان تلوي دراعي وتجبرني اتجوزها. وقلبي ده في داهية. أسيب حبيبتي مش مهم. اتجوز واحدة مخترتهاش مش مهم. المهم أنت عاوز إيه. فاكر... فاكر أيام الابتدائي لما نقلتني من مدرستي اللي كان فيها كل صحابي لمدرسة تانية لمجرد أنها أقرب لشغلك فـ ناوي تنقل حياتك هناك. ولما اتعودت عليها وحاولت أتأقلم جيت قولت لي يلا يا سليم سيب صحابك الجداد وتعالى انقل لمدرسة International (لغات)، عشان أنا بقى معايا فلوس وحالتي المادية اتيسرت وأنت لازم تواكب تقدمنا ده! واتنقل سليم وساب صحابه للمرة التالتة. حتى في الثانوي لما كنت عاوز أدخل أدبي وحابب ده وكانت أمنية حياتي أني أدخل كلية آثار لحبي فيها. رفضت وأصرت أدخل علمي عشان أدخل هندسة. وأنا كالعادة لبيت. ودخلت وجبت هندسة. ووقتها حسيت أني اتعلقت بحلم جديد. الشرطة! ولما طلبت أقدم فيها... قولت لي والشركات اللي عندنا مين هيمسكها بعدي. وفضلنا شهر في نقاش انتهى لصالحك كالعادة وخسرت حلمي للمرة الثانية. ولما جيت قولت لك آخد الهندسة من إنجلترا. رفضت وقولت لي مينفعش تسافر وتسيب والدتك لوحدها افرض احتاجتك وأنا مش موجود. وضغطت عليا أنزل الشركة معاك وأنا لسه في أولى. ملحقتش أتهنى بأي مرحلة في حياتي. حتى معتصم كنت رافض صداقتي له. كنت بتختار لي أصاحب مين ومصاحبش مين. أخرج امتى وارجع امتي. أتكلم إزاي وأتعامل مع الناس إزاي. أنت كنت بتقرر لي حتى البس استايل إيه وملبسش إيه. عمرك ما سبت لي حرية الاختيار. عشان كده لما لقيتك أنك عاوز كمان تجوزني على مزاجك رفضت وعندت. وفي الآخر... رضخت. زي كل مرة. يمكن الحاجة الوحيدة اللي عرفت أعملها مخالفة لرغبتك... جوازي من ريهام. عرفت ليه بقى أنت السبب.
التف لمعتصم يقول بابتسامة ساخرة:
_ إيه مش عندك اللي تدافع بيه عن نفسك أنت كمان! قول سامعك.
تنهد معتصم قبل أن يقول:
_ أنا معنديش إخوات، ومن لما عرفتك وأنا بعتبرك أخويا اللي مش من دمي بس الدنيا هدتهولي. عمري ما حسيت ناحيتك بغيره أو أي مشاعر سلبية، دايمًا كنت ببقى مبسوط بكل الحلو اللي بيحصلك. كنت بخاف عليك كأنك أخويا الصغير، عشان كده كنت دايمًا بتخانق أيام الثانوي عشانك، لأنك كنت سلبي ومبتأخدش موقف وأنا مبستحملش، فاكر كام مرة روحت مضروب بسببك، بدخل أتخانق عشانك ورغم إني بضرب ببقى مرتاح إني عملت حاجة عشانك حتى لو فشلت فيها. فاكر لما اتفصلت أسبوع عشانك. كان عشان مدرس سقطك في امتحان شهر وأنا متأكد أنك حليت كله صح. كان مستقصدك عشان بتنافس ابنه دايمًا، يومها وقفت قدام الفصل كله وزعقت معاه عشانك. رغم إني كنت جايب 18 من 20، لكن مفرحتش بدرجتي وأنت واخد صفر. وظلم. سليم أنا أي حاجة عملتها صدقني كانت عشانك. لما نادية قالت لي ع ريهام مكنش عندي معلومات كافية أجي أقولها لك. وخوفت متصدقنيش، كنت شايفك متعلق بيها، ومحبتش أكسر فرحتك وأنت أول مرة تدخل في علاقة غير لما اتأكد أنها مش كويسة، بس مع ذلك مكنتش بحبها ولا كنت قابلها ليك، عشان كده روحت لوالدك، لما طلب مني أساعده في موضوع داليا. ساعدته، يمكن عشان كان كل همي أبعد ريهام عنك، وفكرت أنك لما تتجوز داليا ريهام هتبعد وتسيبك. فساعدته، وكنت ناوي أبعد عن أي حاجة تخصك تاني. بس جوازك من ريهام رجعنا لنقطة الصفر. وبدأت أتواصل مع عمي وداليا عشان نشوف هنتصرف إزاي، وبدأت أراقبها وأحاول أمسك عليها أي حاجة أقدمها لك. ده كل الموضوع. أي حد فينا عمل حاجة كانت عشانك والله.
نظر في عينيه مباشرةً وهو يسأله بجمود:
_ مين سرب خبر جوازي من ريهام؟
توترت حدقتي معتصم وهو ينظر لمحمد الذي أشار له بأن يقول فيجب أن ينهوا كل شيء الآن وتتضح جميع الحقائق:
_ عمي طلب مني أصوركم في كتب الكتاب، مكنتش عارف ليه، بس بعد ما صورتكم طلب مني أسربها لحد من الصحافة.
_ إيه؟!
كانت هذه الكلمة الوحيدة التي نطقتها داليا وهي تفتح عينيها لهم! أهُم من سربوا الخبر وجعلوا الجميع يتحدث بشأنها!
نظر لها سليم بسخرية وقال:
_ إيه!؟ مكنوش معرفينك!
_ داليا في حاجات كتير متعرفهاش ياسليم، وكل حاجة عملناها كانت بتعرف بيها بعد ما نعملها، حتى حوار تعبي والوصية كل ده هي مكنتش تعرف بيه غير لما روحت وحكيت لها.
استدار بجسده واتجه لها حتى أصبح أمامها تمامًا وقال:
_ غريبة! كنا نسمع أن الراجل هو اللي بيغصب البنت على الجواز، أو بيجري وراها ويخطط وينفذ عشان يوقعها بشباكه، لكن أول مرة أشوف بنت هي اللي بتوقع راجل في شباكها ده غير طبعًا البنات التانية اللي شغلتهم كده أصلاً.
أغمضت عينيها بشدة وهي تستمع لكلماته التي تعلم أنها ستكون قاسية حد... حد الموت!
_ كرامتك فين وأنتِ بتتجوزي واحد وأنتِ عارفة أنه مغصوب عليه يتجوزك، ومعمول عليه فيلم عشان توقعوه! فين كرامتك قدام نفسك وأنتِ بتقبلي تتجوزيني وأنتِ عارفة أني بحب غيرك!؟ أنا عمري ماشوفت انعدام كرامة وبجاحة زي بجاحتك، كنتِ بتقعدي معايا وتحطي عينك في عيني وأنا بقولك أننا مغصوبين على الجواز عشان الوصية وعشان...، وأنتِ لا مغصوبة ولا نيلة، وبتخدعيني وبتمثلي عليا أني مش هامك وعادي أتجوز وعادي ننفصل بعد كام شهر وماله، وأنتِ مخططة إزاي تخليني أحبك عشان تضمني أني مسبكيش. طب معملتيش حساب أني أعرف كل حاجة في يوم؟!
وقفت باهتزاز وهي تنظر لعينيه بعينيها الدموية ودموعها تتجمع بها وبدأت الحديث بنبرة بدت أقرب لشخص يتحدث آخر كلماته في الحياة وهو على مشارف الموت:
_ الفقد هو عنوان حياتي. كلمة كتبتها على ورقة من كام سنة، يمكن سبعة ويمكن عشرة مش فارقة، بس اللي يفرق المضمون، كل حد حبيته واتعلقت بيه، فقدته، من أول أمي لحد أختي. أيوه كان عندي أخت أصغر مني بسنتين خسرتها وهي يدوب مكملتش سبع شهور، يمكن ملحقتش أعرفها ولا كنت واعية كفاية وقتها، بس بفتقدها وبتخيل لو كانت موجودة أكيد حاجات كتير كانت اتغيرت. وصاحبتي... صاحبة عمري من واحنا لسه في الحضانة وكانت جارتي. فضلنا مع بعض لحد تانية ثانوي وفجأة... عملت حادثة وفقدتها. يمكن عشان كده مليش صحاب ولا عمري فكرت يبقى ليا، بس... من أول ما بدأت أفهم الدنيا والناس... وأفهم يعني إيه حب وأحس بمشاعر جوايا... كان يمكن عندي 12 سنة وقتها... يعني من 13 سنة... حبيت، واتعلقت، وبقيت عاوزة الشخص ده ميفارقنيش ولما أكبر يكون هو شريك حياتي ومنسبش بعض أبدًا. الشخص اللي كنت براقبه من ورا الحيطان لما ييجي عندنا. ولما ألاقي نفسي قدامه أتوتر وأتلخبط ومعرفش أقول كلمة واحدة، ولما أسمع صوته... أفرح. مجرد ما سمعت اسمه كان بيفرحني ويخلي قلبي يرقص. الشخص ده هو اللي منعني أبص لأي شاب غيره أو اسمح لأي حد يقرب مني، رغم أنه عمره ما اتكلم معايا ولا قالي كلمة حلوة. وأنا عارفة أنه يمكن مش شايفني أصلاً. بس كنت دايمًا أقول فرصة... فرصة بس تجيلي وآنا هخليه يشوفني ويحبني كمان. ولما جت لي الفرصة اتعلقت بيها. الشخص ده كان أنت ياسليم.
تجمدت ملامحه وهو يطالعها بعدم تصديق. لوهلة ظنها تتحدث عن شخص آخر. واشتعلت النيران بقلبه بكنه بقي ثابتًا. ظنها ستخبره أنها حاولت إيجاد العوض به عن ذلك الحبيب. لكن أكان الحبيب هو!!
_ كنت دايمًا أقول هخليه يحبني من حبي له. بكل الحب اللي في قلبي هتعامل معاه، بكل الحب اللي شلته السنين اللي فاتت ههتم بيه وهخاف عليه، بكل الحب... هخليه يحبني. وبكل الحب... اتنازلت عن أي شيء وقبلت عرض باباك واتجوزتك. وبكل الحب وقفت أحارب عشان مأسيبكش لغيري واللي ياريتها تستاهلك. أنا مش وحشة ياسليم ولا عديمة الكرامة. أنا واحدة فقدت كتير وأنت كنت آخر شخص فاضلي بعد بابا. لو كنت فقدتك أنت كمان... كنت... كنت خسرت كل حاجة.
أصدر صوتًا ساخرًا وهو يلتفت لأبيه يقول:
_ جايب لي واحدة تطلع عقدها عليا! فقدت كل اللي اتعلقت بيهم فـ مسكت فيا بقى!
وكأنه أخذ سهمًا وغرزه بقلبها ليدميه! عقد! أهذا كل ما استنتجه من حديثها! أهذا رده! استدار ينظر لها وكاد يكمل حديثه حين توقف فجأة ينظر لعيناها. آلمه نظرتها لأبعد حد. كانت نظرة معاتبة لائمه. متألمة بشكل أثار الاضطراب بنفسه لكنه ابتلع ريقه وأكمل:
_ عارفة، محدش بيخسر حاجة إلا إذا كان يستاهل أنه يخسرها. مفكرتيش ليه بتخسري كل حاجة بتتعلقي بيها؟ طب مجربتيش تصفي من جواكِ وتتعاملي مع الناس من غير غش ونفاق يمكن تكسبى حاجة واحدة. أنتِ أنانية. أتجوزتيني وأنتِ عارفة أن قلبي مع غيرك. وبكل أنانية كنت عاوزه تاخديه ليكي، مش مهم أنا بحبها قد إيه ولا هيحصل إيه لما تفرقي بينا. المهم عقدك متزدش بعقدة خسارتي مش كده!
رد معتصم بضيق:
_ سليم هي وافقت لما عرفت أن ريهام مش كويسة ومش اختيار صح ليك.
رد بغضب عاصف:
_ وهي مالها! هي أمي! هي مالها اختيار صح ولا لأ، ملهاش تدخل نفسها في حياتي...
التف لها يكمل:
_ مكنش من حقك تتدخلي بين اتنين المفروض مرتبطين وبيحبوا. وغرضك تفرقينا وتفوزي بيا لمجرد أنها مش كويسة ولا مش مناسبة ليا! أنتِ مش من بقية أهلي عشان تدخلي نفسك في أموري الشخصية! عارفة لو كنتِ قولتي له أنا مش موافقة، ابعد ابنك عنها الأول من غير ما تدخلينا طرف وبعدين لو عاوزني أحاول أقرب منه وأظهر في حياته يمكن يحبني أنا موافقة كنت احترمتك. تحاولي تقربي مني ها. مش تتجوزيني وكمان وهي موجودة في حياتي! كنتِ خايفة تخسريني فتتعقدي أكتر؟ طب اهو خسرتيني روحي اتعقدي بقى أكتر ما أنتِ معقدة. أقولك اقفلي على نفسك ومتتعرفيش على أي حد لأحسن تخسريه هو كمان بعد ما اتعلقتي بيه. أو أقولك روحي اقعدي في مصحة وهما هيعرفوا يقفلوا عليكِ كويس أو يعالجوكِ وتطلعي كويسة.
_ سليم!
كانت صرخة محمد باسمه وهو يري ابنه يجرح فيها دون أي حسبان متجاوزًا كل الحدود.
نطقت بخفوت هادئ وكأن صوتها يأتي من بعيد:
_ سيبه يا عمي، معاك حق. أنا معقدة. معاك حق والله مبتريقش. أنا آسفة إني دخلت حياتك. وآسفة إني اعتبرت نفسي ليا الحق في اللي مليش حق فيه. آسفة إنك بسببي اختلفت مع باباك وصاحبك. عارفة أن أكتر حاجة مضايقاك الفيلم اللي عملوه عشان نتجوز أكتر من اللي حصل في موضوع ريهام. كنت عارفة أن اليوم ده هييجي. وكنت دايمًا بتخيله بنفس النهاية دي بس أكيد مش بنفس الكلام. دايمًا فرحتي كانت ناقصة. كنت عايشة في رعب بسببه. واهو جه. وعرفت اللي عندك. وعرفت اللي عندنا. هسألك سؤال أخير يا سليم.
أخذت نفس عميق. عميق جدًا قبل أن تلفظه وهي تقول:
_ ممكن في يوم تسامحني ويكون لينا فرصة تانية؟
نظر لها بصمت وملامحه لم تتغير. ظاهريًا. أما داخليًا كل شيء ينتفض الآن. لا يعلم بما يجيبها. القلب يرفض البعد، والعقل يحتمه، القلب يطلب الغفران لها، والعقل يرفض المسامحة والتفاوض. القلب يؤلمه ضعفها وانهيارها الوشيك، والعقل يراها تستحق. وما بينهما وقف هو حائرًا. وبالأخير نطق بجمود:
_ لأ.
أغمضت عينيها وكأن كلمته سكين ذبحها ببطء آلمها أكثر. ظلت على وضعها للحظات، وهو يطالعها ويتمعن النظر بها. يعلم أنه سيشتاق لرؤيتها.
فتحت عينيها وضغطت على شفتيها بعنف كي لا تنفجر بالبكاء، وقالت بهمس منكسر:
_ تمام. أنا آسفة لك للمرة الأخيرة. وأوعدك مش هحاول أقرب لحياتك تاني.
سارت خطوات بطيئة كسير السلحفاة حتى مرت بجانبه وتخطته، وقفت بعد خطوات قليلة والتفت له فقالت:
_ عنوان قصتك في حياتي مش الفقد يا سليم.
التف لها يطالعها بهدوء فأكملت!:
_ أنت وشخص كمان من اللي ذكرتهم عنوان قصتكم في حياتي مش الفقد. عنوانها التخلي. أنتوا اتخليتوا عني بإرادتكم مش القدر اللي جبرنا. وللأسف أنتوا أكتر اتنين كنت محتاجهم. بس متقلقش مش هكرهك زي ما كرهته. لأن تخليك عني من حقك. لكن تخليه مكنش من حقه. والنهاية واحدة. عمي لو سمحت بلغ السواق يجهز العربية هلم حاجتي وأنزل.
التفت. وهذه المرة اختفت من أمامهم بسرعة البرق.
هتف معتصم بحذر:
_ سليم، أنت هتسيبها تمشي؟
صرخ بهِ بصوت جهوري:
_ أنا مش عاوز أسمع كلمة واحدة. متفتكروش أنكم عديتوا. أنا بعزكم صحيح. بس حتى هي بعزها. وزي ماقدرتش أسامحها. معتقدش أني هقدر أسامحكم.
نظر لوالده وأكمل:
_ بس للأسف متأكد أنه هييجي يوم وأسامحك أنت. عشان أنت في الآخر أبويا.
صمت قليلاً وقال بجمود لأبيه:
_ يا ريت تبدأ ترتب أمورك وتشوف إزاي هتدير ممتلكاتك، أنا مسافر ومعتقدش أني هرجع دلوقتي. وقبل ما تعترض المرة دي مش أنت اللي هتقرر لي أعمل إيه. أنا هسافر دبي أدير فرع الشركة اللي هناك.
رواية بكل الحب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ناهد خالد
فتحت باب الفيلا الخاصه بها والتي كانت تسكنها مع أبيها.
أضائت الأنوار ليظهر المكان بوضوح والاتربه قد طغت عليهِ بشكل كبير.
أغلقت الباب واستندت بظهرها عليهِ.
عادت وحيده كحالها دومًا ولكن وحدتها هذه المره قاسيه.
فهي وحيده تمامًا كحالها الآن بين أرجاء الفيلا الواسعه.
وهنا سقطت أرضًا ودموعها تسبقها في السقوط.
تتذكر كل حرف قاله.
تتذكر كيف آلمها حديثه.
كم كان قاسيًا عليها.
لم يضع لها عزرًا أو مبرر.
لم يشفع لها حبها له الذي أبدته بكل وضوح.
لم يفرق معه أي شئ!
حديثه يتردد بأذنها فيزيد وجعها.
وآهٍ من وجعًا يأتي من أحب الناس إلي قلبك.
تشعر وكأنه اكتشف موضع جرحها فظل يضغط عليهِ يدميهِ أكثر ويؤلمها أكثر.
وكأنه أتي بحفنه من الملح ووضعها بكل قسوه علي جرح قديم ظنته التئم لكن اكتشفت أنه مازال حيًا.
تشعر أن أحدهم يمسك بآله حاده ويُشرح في جسدها بكل قسوه كلما تتذكر حديثه لها.
وفجأه...
صوت شهاقتها يعلو في المكان فيتردد صداه بالأرجاء.
ظلت تنتحب لأكثر من ساعه لم تهدأ فيها لحظه واحده، حتي شعرت برأسها يكاد ينفجر من قوة الصداع.
تشعر بجسدها يتراخي وعيناها تنغلقان عنوه.
وقد كان...
سقطت مستسلمه لسلطان النوم ليسحبها له دون أي مقاومه تُذكر.
حتي لم تنهض من محلها.
جلس في غرفتهما ينظر أمامه بشرود.
ولكن ملامحه ظهر عليها الألم بوضوح.
بين يده استقرت ساعه يدويه أنيقه تخصها يبدو أنها سقطت منها دون أن تنتبه.
خفض بصره لها وهو يضغط عليها برفق وكأنه يخشي أن تنكسر فيزول آخر تذكار بقي منها.
ارتسمت ابتسامة ساخره علي شفتيهِ.
من رآها سيظنه غير مهتم لما حدث ولم يفرق معه.
لكن، لم تدم تلك الابتسامه لأكثر من ثوانِ.
انمحت تمامًا وظهر الألم جليًا علي وجهه.
و...
ظهر طيف لأدمع قريبه لتغزو عينيهِ.
أخذ نفس عميق شعر وكأنه خرج من أضلعه.
تحدث للساعه وكأنها شخص ما!
بنبره متألمه، خافته، يسكنها الحزن:
عارف أني وجعتها، بس أنا كمان اتوجعت.
لو كنت عرفت الي عملوه قبل شهرين من دلوقتي مكنش ده هيبقي رد فعلي.
كنت هزعل وهغضب بس مكنتش هقف قدامها وأنا بغلي كده.
فالبتالي مكنتش هوجعها كده.
بيقولوا علي قد المحبه بيكون الزعل.
وأنا حبيتها.
أغمض عيناه بشده يعتصر جفنيهِ يمنع تجمع المزيد من الدموع بهما.
زفر بعنف يشعر بشئ ثقيل يقف بحلقه.
وشئ أثقل يجثو فوق صدره يكاد يمنع تنفسه!
حبيتها.
هو أنا كان ممكن محبهاش أصلاً!
ضعفت قدامها.
قدام حاجات رجعتهالي بعد ما فقدتها.
قدام روحها الي خلت البيت أجمل وكأنه مش بيتي!
قدام احتوائها ليا وأنا نايم علي رجلها وبحكيلها عن حاجه وهي بتسمعني بكل شغف عمرها ما قدرت تداريه.
قدام قلبي الي بيرتاح معاها وبوجودها.
قدام عنيها الي بتقفل لما بتضحك وفرحتها الي بتلمع فيها لما اعمل حاجه تفرحها.
قدام حضنها ليا لما ارجع من بره.
قدام صوتها الي حاسه بيرن في ودني دلوقتي.
نبرتها كانت بتدخل في قلبي كأنه هو الي بيسمعها مش ودني.
قدام حاجات كتير أوي.
بعترف أنها أجمل بنت قابلتها في حياتي.
ومش جمال شكل وبس جمال مضمون أكتر.
عارف أنها عملت الي عملته بدافع حبها ليا.
وعارف أن عمري ما هلاقي حد يحبني ويخاف عليا زيها.
والحقيقه أنا عمري ما هعرف أعيش من غيرها ولا أحب غيرها.
هما شهرين بس.
بس حاسس أن حبها في قلبي من سنين مش من كام شهر!
أوقات بستغرب نفسي.
هو أنا ازاي حبيتها للدرجادي في الفتره القصيره دي!
بس برجع وأقول الحب مش بالمده.
تنهد وهو يكمل حديثه:
عارفه، أنا قولتلها الي قولته من غضبي وحزني.
أنا كنت ناوي أعترفلها بحبي بكره وكنت بخطط لسهره حلوه.
حسيت أنهم هدوا كل خططي للمستقبل الي خطط له أني أعيشه معاها.
حسيت نفسي قليل أوي بينهم وكأني عيل بيتحكموا في حياته!
فرحت بخفوهم عليا واهتمامهم بيا وعارف أني مش هلاقي ناس زيهم.
بس كمان اتصدمت واتغاظت من الي عملوه من غير علمي.
غضبي وحش ومبسامحش اي حد بيستغفلني او يلعب بيا وبحياتي أيًا كان المبرر.
بس هم مش هقدر مسامحهمش.
بس برضو لازم أخد موقف واطلع عينهم شويه عشان ارتاح ولما ارجع لهم هبقي ناسي اي حاجه عملوها.
معتصم عبيط وطيب وبيحبني.
وأنا عارف أنه عمره ما فكر يضايقني بالي عمله.
صاحب وأخ جدع وعمري ما هلاقي زيه.
وعمري ما هسيبه.
وبابا.
رغم كل الي عمله معايا في حياتي إلا أنه أبويا في الآخر.
يمكن لما ابقي مكانه في يوم أخاف علي ابني زيه!
وداليا.
ابتسم للساعه وهو ينظر لها:
متقلقيش هرجعلك صاحبتك.
بس مش دلوقتي.
شوية كده اكون نسيت فيهم الي عرفته واحس أنها خدت عقابها علي كذبها عليا.
في الآخر مش هقدر اكمل من غيرها!
ضب أغراضه في حقيبة سفره ووضع ساعتها فيها.
انتهي ونظر للغرفه من حوله وهو يقول:
مش هينفع اقعد فيكِ من غيرها.
هقعد في اوتيل لحد معاد الطياره بكره.
بس وعد لقلبي يوم ما هدخلك تاني هتبقي معايا.
حتي لو بعد سنين!
وقال جمله عابره من باب المبالغه فهو لا يخطط للبعد أكثر من شهرين وربما يقسو قلبه قليلاً ويجعلهم ثلاث!
ولكن لم يعلم أن جملته العابره بمبالغتها ستتحق!
صباحًا.
استيقظت علي شعاع النور الذي دلف للفيلا.
فتحت عيناها بألم صارخ في جميع أنحاء جسدها.
وقفت بألم من نومتها هكذا.
جرت حقيبتها لتصعد للأعلي.
مرت علي مرآه في منتصف الصاله.
توقفت حين وقع نظرها علي صورتها في المرآه.
وجه شاحب بأعين منتفخه من البكاء تكاد تنغلق.
أعين حمراء، شارده، حزينه، متألمه من قسوة الحياه عليها.
مظهرها هذا يذكرها بمظهرها في وقت بعيد مر عيلهِ عشرون عامًا وربما أكثر.
حين وقفت أمام نفس المرآه اللعينه.
ولكنها كانت أقصر بكثير مما هي عليه الآن فكانت فتاه ذات خمسه أعوام وربما أربعه وبضعة أشهر!
ولكن رأت وجهها لأن المرآه بطول الشخص.
نفس الوجه الذي تراه الآن بنفس الملامح.
ونفس الضياع الظاهر في عينيها.
وكان ذلك بعد.
ركضت حين رأت والدتها تخرج من غرفة المكتب بعدما انهت حديثها القاسي مع والدها.
ماما.
هتفت بها بلوعه وهي تتمسك بثيابها.
التفت والدتها تهبط بنظرها لها وردت متأفأفه:
نعم!؟
بكل براءه وعيون لامعه قالت:
هتمشي؟
طب خديني معاكِ.
لوت شفتيها بتهكم وقالت:
أخدك!
ده أنا هربان من قوقعتك أنتِ وأبوكِ تقومي تقوليلي أخدك معايا!
تسائلت ببراءه طاغيه:
يعني ايه قوقعه؟
زفرت بضيق وهي تقول بنزق:
يعني قرف، يعني همكوا الي عاوزين تدفنوني بين حيطانه.
أخدك اهبب بيكِ ايه.
هو أنا هسرف عليكِ القرشين الي طلعت بيهم!
روحي لأبوكِ عنده كتير خليه يصرف عليكِ.
ثم أنا عندي خطط كتير وسفر وخروجات مش هينفع أشيل همك وأخدك تكتفيني!
ذمت شفتيها بحزن رغم جهلها في فهم بعض الكلمات لكنها فهمت عدم رغبة والدتها في أخذها وتعلق الأمر بالمال! والخروجات!
ماما أنا معايا سلسله بابا الي جبهالي.
هي هتجيب فلوس كتير هاكل بيهم ومش هطلب منك مصروف المدرسه.
I promise you ( أوعدك ).
والخروج أنا هقعد اتفرج علي الكارتون ومش هزعجك خالص.
بس خديني معاكِ.
باباي عطول في شغله ومش هلاقي حد اقعد معاه.
ردت بلامباله:
خليه يجبلك ناني ياختي ماعلي قلبه فلوس قد كده.
أدمعت عيناها بشده وهي تقول برجاء:
أنا عاوزاكِ معايا.
كل صحابي عندهم ماماي مش ناني.
ردت بضجر:
اوف بقي.
أنا مليش في كل الي بتقوليه ده روحي حلي مشاكلك مع أبوكِ.
التفت لتذهب لتسرع هي تتمسك بها:
ماماي خديني معاكِ please.
أبعدت يدها بقسوه جاحده وقالت:
بت متزهقنيش بقي الله!
متبقيش زنانه.
نزلت دموعها بغزاره وهي تنظر بعيناها الصغيره لها وتقول:
طب هتيجي تشوفيني؟
أشاحت بيدها وهي تذهب وقالت:
لو فضيت.
ولم تجد وقت فارغ طوال العشرون عام لرؤيتها!
ذات مره قالت لها زميلتها بالمدرسه والتي كانت تكن لها بغضًا غير مبرر:
داليا هو أنتِ هتجيبي ايه لمامتك في عيد الأم.
ثم شهقت بتصنع وأكملت:
سوري يا حبيبتي نسيت أنك مش عندك مامي.
عادت لواقعها تنظر للمرآه بغضب عاصف.
اتجهت ناحيتها وبكل قوه وغيظ زجت بها لتصطدم بالأرضيه مصدره صوتًا عنيفًا معلنه انكسارها.
لكن لم يشفي غليلها بعد.
ظلت تسير علي الزجاج تحطم فيه بكعب حذائها بكل غضب وفجأه بدأت تصرخ.
صرخات عنيفه متتاليه تخرج من صميم قلبها الملكوم.
أوقفت صراختها تقول:
أنا بكر"هكوا.
أخرجوا من حياتي بقـــي.
ركضت بكل قوه للأعلي تجاه غرفتها.
فتحت باباها واتجهت لخزانه صغيره مغلقه بمفاتيح خاصه.
اتجهت لجلب المفاتيح من أحد الأدراج.
وفتحتها لتظهر الخزانه مكتظه بهدايا كثيره، كثيره جدًا.
أخرجتهم بعنف وهي تلقي بهم أرضًا وهي تقول ببكاء:
عشرين سنه بجيبلك هدايا عيد الأم وهدايا عيد ميلادك.
مستنيه اليوم الي ترجعي فيه عشان أوريهملك وتعرفي أني عمري ما نسيتك.
كنت عاوزه اعمل زي اصحابي وانزل معاهم اشتري هدايا لأمي الي مش موجوده أصلاً.
كنت عاوزه أحس إحساسهم وفشلـــــــت.
صرخت بالأخير وهي ترتمي بجوار الهدايا أرضًا.
ظلت تبكي لدقائق، بكاء حاد يفطر القلوب.
حتي وقفت متجهه للأسفل قاصده المطبخ.
جلبت منه علبة من عيدان الكبريت وصعدت لغرفتها.
رمت الأعواد بغضب فوق الهدايا التي تحتوي علي بعض الثياب فاشتعلت النيران بهم سريعًا.
وقفت تنظر لاشتعال النيران أمامها وأردفت:
النهاردة أقدر أقولك أني مبكر"هش حد في حياتي قدك.
بحق وجع قلبي السنين الي فاتت دي كلها عمري ماهسامحك ولا هنسالك الي عملتيه.
ويوم ما هفتكرك مش هفتكرلك غير قسوتك.
وجحـ ودك عليا.
ده لو افتكرتك تاني أصلاً.
نظرت بجانبها لتجد صورة سليم التي تحتل المكتب الخاص بها.
اتجهت لها وأمسكتها بين يدها ونظرت لها بأعين مشتعله:
وحق قلبي الي قتلـ ته امبارح بأيدك لأمحي كل حبي ليك من جوايا.
واقف علي رجلي ومحتجش لأي حد معايا.
ولا هسمح أنك تنجح في كسر"تي.
بحق كل الحب الي اديتهولك ومقدرتوش لأبقي أقوي من داليا الي عرفتها.
ومن النهارده أنا الي هتخلي مش انتوا.
أنا الي هبقي الجا" ني مش الضحيه.
( حبة ظروف اتجمعت على شكل واحده قلبها مجروح
حبت تعيش بين البشر مالقتش بينهم اي باب مفتوح
كل اللي جاي جاي بوجع ياخد مكانه وفرحها يروح
ومن النهارده ياروح ما في بعدك روح
ويعيني علي لف السنين بتهد مين وتعلي مين
علي التاني شر الحليم مش من مافيش
وهعيش لمين لو مش هعيش علشاني
حررني من كل الحاجات والخوف في قلبي لما زاد قواني
كل شئ باوانه والنهارده اوانها
اسرار في قلبي لا تتكتم ولا تتحكي
ولا يفهموها الناس بس اللى لازم يتعرف
كتر الالم بيموت الاحساس
مش كل ماضي بنعشقه في ماضي
لازم يتنسي ويتداس وكفايه انه اتعاش وقت ماسبناش ) .
أخذت تدندن بكلمات الأغنيه وهي ترتب أغراضها في الخزانه.
وما إن انتهت حتي رددت بشرود وابتسامه شريره لا تليق بوجهها البرئ:
ومن النهارده ياروح ما في بعدك روح.
بعد أسبوع.
فهمت يا محمود.
قالها سليم وهو يتحدث في الهاتف مع أحد حراسه المقربين منه ويقومون بما يريد فعله دون أن يظهر في الصوره.
طبعًا ياباشا.
هراقب المدام وكل آخر يوم هكلم سعادتك اقولك اي الي حصل في يومها.
جدع.
ولو حسيت بأي خطر حواليها من اي حد بلغني فورًا.
ولو حصل معاها حاجه وحشه لاقدر الله تبلغني بيها ع طول متستناش آخر اليوم.
طب حضرتك هترجع امتي؟
هتفرق معاك!
لا ياباشا أنا آسف.
هقفل أنا عشان هي خرجت اهي.
قالها محمود الرابض أمام فيلتها من بعيد.
ضغط سليم علي شفتيهِ يحاول كبح ما يريد قوله لكن لم يقدر فقال بلهفه:
محمود صورها وابعتلي الصوره عاوز اشوف حاجه كده.
عنيا ياباشا.
وللحقيقه هو لم يرد رؤية شئ غيرها هي.
اشتاقها من أسبوع واحد.
اشتاقها كثيرًا.
وكم فكر في أن يضرب بعقابه عرض الحائط ويعود لمصر ولكنه يرجع ليهدئ نفسه ويقول:
هي كلها 3 شهور وارجع بلاش تسرع بقي.
التقط هاتفه بلهفه حين أعلن عن رساله.
فتح تطبيق الواتس آب ليجد محمود بعث له الصوره.
كانت فاتنه جدًا في ثيابها الغريبه عليها.
لأول مره يراها بهذه الرسميه.
بنطال أسود ضيق يعلوه كنزه بيضاء وفوقها جاكت أسود مماثل للبنطال.
وحقيبه يد سوداء وحذاء أبيض ذو كعب عالٍ.
ونظارة شمس سوداء وضعتها فوق عيناها.
وما هذا!
لقد قصت شعرها لتجعله أسفل أذنها بقليل!
يالها من غبيه ألم تكن تعرف أنه يعشق شعرها الطويل!
وأيضًا لقد ازدادت فتنه بشعرها القصير هذا!
تمتم بغضب وعيناه تأكلها حرفيًا:
لا شكلي هخليهم شهر.
ماشي ياداليا لما أرجعلك.
أمرك يافندم؟
قالها مدير الشركه وهو يجلس أمامها.
قالت بجديه:
لو سمحت يابشمهندس عاوزاك تبعت لشركات المنشاوي تتطلب فصل إدارة شركتنا عنهم.
أومئ:
حاضر يافندم.
صمتت قليلاً وتنهدت بعمق قبل أن تقول بحزن فشلت في مداراته:
أنا.
عاوزاك تعمل حاجه كمان.
تحت أمرك.
ضغطت علي يدها بعنف، وزفرت بخفه.
ابتلعت غصه مريره في حلقها وهي تقول:
عاوزاك تبدأ في إجراءات تصفية الشركه.
جحظت عيناه وسألها:
هتبيعي الشركه؟
أومأت بدموع خفيه:
آه، ياريت تبدأ تعمل ده.
أنا ههاجر ومش عاوزه اسيب حاجه هنا.
ياريت كمان تشوف بيعه للفيلا والعربيه.
وياريت يكون في خلال اسبوعين مش اكتر.
والموضوع يكون سري من فضلك.
رد بغضب:
حضرتك هتبيعي شركة معتز بيه الي عملها في سنين عمره وتعب فيها!
أنتِ بتهدي كل الي عمله!
احتدت نظراتها وقالت:
بشمهندس ياريت تنفذ المطلوب من غير كلام كتير.
وزي ما قلت معاك اسبوعين.
وتشترط علي الي هيشتري ميغيرش الموظفين والعمال.
اتفضل.
خرج بغيظ ولكن ليس له سلطه ليتحدث.
هوت دموعها وهي تنظر لصورة والدها وقالت:
أنا آسفه.
بس طول ما أنا هنا هفضل اتوجع وهضيع يابابا.
لازم ابعد واداوي نفسي.
بعد شهر واسبوعان.
كانت أخبارها اليوميه وتحركتها تصل له عن طريق محمود.
وهي كانت تتابع أمور بيع ممتلكاتها سرًا.
لعدم رغبتها في أن يعلم محمد الأمر كي لا يقف لها فيه أو يعرض عليها شرائهم وهي لن تعطيهم له مهما حدث.
لن تكون أملاكها ملكًا لسليم يومًا ما.
انتهت من بيع كل ممتلكتها سرًا.
وحجزت تذكره طيران ل " إيطاليا ".
قاصده العاصمه " روما ".
بعدما استطاعت أن تتواصل مع شخص تعرفه عن طريق العمل يعيش هناك.
وجعلته يشتري لها منزل وسياره ويبحث لها عن شركه صغيره تبدأ بنقل أعمالها لها وتكون بدايتها هناك.
وقفت في أمام الطياره.
التفت تنظر خلفها تمشط المكان بعيناها وهي تعلم أنها تلقي النظره الأخيره علي موطنها الأصلي.
لن تعود إلا لزياره قبر والدها كل عام.
هكذا قررت.
نورهان.
نعم يابشمهندس.
خلال الاسبوع ده تبعتيلي كل الورق المهم الي واقف علي الأمضه حتي لو مش هتحتاجوه دلوقتي.
وابعتي للمدير العام قوليله اجازته آخرها الاسبوع الجاي ويرجع عشان هيمسك الشركه.
وحضرتك؟
ابتسم بهدوء وقال بشوق:
أنا هرجع مصر اخر الاسبوع الجاي.
كفايه الشهرين الي قعدتهم هنا.
تمام يافندم هنفذ الي حضرتك قولته.
أتاه اتصال من محمود فأشار لها بالخروج بقلق:
أيه يا محمود داليا كويسه؟
أنت مبتتصلش بالنهار!
والله ياباشا هي المدام سافرت.
قطب حاجبيه يسأله:
سافرت فين؟
والله مش عارف بس هي دخلت المطار قدامي من نص ساعه ومعاها شنط كتير اوي.
بس في حاجه غريبه حصلت.
اي هي؟
كنت شوفتها قدام الفيلا بتدي المفاتيح لناس غريبه وكان الفرش بيخرج من الفيلا علي عربيات عليها اسم محل موبيليا شكلها بتبيعه.
أغلق معه دون أن يستمع لحديثه أكثر حين وجد هاتفه يعلن عن رساله منها!
فتحها بلهفه لتجحظ عيناه ويثقل نفسه وينبض قلبه بعنف صاخب وهو يقرأ مضمونها.
رواية بكل الحب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ناهد خالد
"يمكن مبقاش بينا حاجة تتقال، بس أنا عندي اللي معرفتش أقوله وأنا واقفة قدامك. رفقاً بالقلوب يا سليم، أنا معملتش اللي يأذيك، بس أنت قلت اللي يأذيني ويعلم فيا. كان معاك حق لما قلت إني معقدة نفسيًا، بس محدش بيقول للأعور أنت أعور في وشه! رغم إني عارفة إن تعقيدي اللي قلت عليه مش بإيدي، ويمكن مش للدرجة اللي وصفتني بيها، بس مهما وصفتلك كلامك ده عمل فيا إيه مش هقدر أوصلك إحساسي وقتها، ولحد دلوقتي، ولكتير قدام! أنا للأسف مبنساش. في حد قالي كلام أثر فيا من 20 سنة ولسه لحد دلوقتي فكراه، وكل ما أفتكره بحس بنفس إحساسي وقتها. كنت مدياك كل الحق إنك تزعل وتغضب وتقرر تطلقني حتى، وكنت هلتَمِس لك العذر عشان عارفة إني غلط، وكمان كنت هسعى إنك تسامحني. بس اللي قولته متوقعتوش أبدًا. أنا مش بحاسبك، بس زي ما أنت قلت اللي عندك من غير أي مراعاة لأي شيء، أنا كمان محتاجة أقول اللي عندي. قررت أعمل بنصيحتك يا سليم لما قلت لي كانت فين كرامتك؟ قررت أدور عليها وأحفظ اللي باقي منها. وقررت كمان مدخلش حد تاني في حياتي أيًا كان صفته عشان مش ذنبه يعاني من عقدي. وعدتك إني مش هتدخل في حياتك تاني، ودلوقتي بقولك ومش هتشوفني تاني. أنا بعدت، بعدت أوي عشان أحاول أبني شخصيتي من أول وجديد وأقف على رجلي. عارفة إن كل ده ميخصكش ولا يهمك، بس أنا بقولك كده عشان أقولك لما تطلقني مش هكون موجودة، بس تقدر تطلقني غيابي، وتبعت ورقة الطلاق لمدير شركتي، أكيد عارفه. وتقريبًا هتلاقيه في الشركة لو أصحابها الجداد التزموا بالعقود. بالتوفيق في حياتك، وأتمنى تقابل حد ميكونش معقد ولا أناني زيي.
داليا غريب"
سقط الهاتف من يده على سطح المكتب، وتوقف نفسه لبرهة، ثم عاد ليتحدث بشرود ضائع:
"يعني إيه؟!"
التقط هاتفه سريعًا وقرر مهاتفة محمود:
"محمود، إيه اللي حصل الفترة اللي فاتت من غير ما تبلغني بيه؟"
"والله يا سليم باشا محصلش حاجة غير اللي بلغتك بيها."
ضرب بيده على سطح المكتب بعنف غاضب:
"يعني إيه؟ أنت بتستهبل؟ أنا مش قايلك تتابع كل حاجة؟ إزاي معرفتش إنها هتسافر؟"
"يا باشا وأنا أعرف إزاي، بس كله حصل فجأة."
أغلق الهاتف معه بغضب وقرر مهاتفة معتصم عله يعلم شيئًا:
"سليم، كنت متأكد إني مش ههون عليك. اسمعني، والله أنا..."
"مش وقته يا معتصم، أنا عاوز أعرف إيه اللي حصل مع داليا؟"
"حصل إيه؟ مش عارف!"
هتف سليم بغضب وصوت جهوري:
"هو أنا كل ما أسأل حد يقولي مش عارف؟ أنتوا عندكوا بتعملوا إيه!"
"طب اهدى يا سليم بس، مالها طيب؟ ولا أنت بتسأل عن إيه بالظبط؟"
"داليا سافرت، وعرفت إنها تقريبًا باعت الشركة، عاوز أتأكد من الخبر، وعاوز أعرف إيه اللي حصل معاها في الفترة الأخيرة، وراحت فين وعملت إيه؟ عاوز أعرف كل حاجة يا معتصم. روح لمدير الشركة واسأله، هو أكيد عارف."
"حاضر، هروح فورًا وهكلمك لما أخلص."
أغلق معه وضغط زر استدعاء السكرتيرة الخاصة به:
"نعم يا بشمهندس."
"احجزيلي في أقرب معاد طيارة لمصر، وكلمي مدير الشركة قوليله يقطع إجازته ويرجع عشان مضطر أسافر."
"تحت أمرك."
ساعة مرت وهو يجول في الغرفة ذهابًا وإيابًا بتوتر وغضب يكتمه بداخله. أفكار وتساؤلات كثيرة تتردد في ذهنه. تُرى أين ذهبت؟ وماذا تقصد بأنه لن يراها ثانيةً؟ ألن تعود مرة أخرى؟ مسح وجهه بكف يده وهو يزفر بغضب. انتفض راكضًا لهاتفه حين استمع لرنينه:
"ها يا معتصم؟"
أتاه صوت معتصم الحزين:
"داليا باعت الشركة والفيلا والعربية. داليا هاجرت يا سليم، ومحدش عارف راحت فين."
كمن سقط من أعلى طابق في بناء شاهق الارتفاع. منذ ساعات كان يخطط لما سيفعله عند عودته. كان يريد أن يلاعبها قليلاً ويشفي غليله منها، ومن ثم حين يستكفي سيخبرها بحبه لها ويعيشون حياة طبيعية خالية من الكذب والتلون. ولكن الواقع ليس هكذا! وبكل أسف لم تتفق أحلامه مع واقعه. فتبخرت أحلامه وبقي واقع مر مؤلم.
ردد بخفوت متألم:
"ليه يا داليا؟ ليه تحطمي كل اللي كنت بخطط له للمرة التانية؟ للمرة التانية بتوفقيني من أحلامي على كابوس!"
تذكر ما قالته في رسالتها فأكمل بحزن طاغي وندم بدأ يزحف لجوارحه:
"للدرجادي كلامي أثر فيكِ! لدرجة إنك تبيعي كل حاجة وتهاجري! عارف إني كلامي كان جارح ووجعك، بس متخيلتش إنه وجعك أوي كده! تخيلت هرجع ألاقيكِ زي ما أنتِ، هقرب منك وألاعبك شوية، ولما أعترف لك بحبي وأقولك إننا نكمل مع بعض هتوافقي من غير تفكير! هو أنتِ مش قلتي إنك بتحبيني؟ إزاي قدرتي تبعدي أوي كده!"
وظنها قطعة أثاث تركها وعندما يعود سيجدها كما هي، وتتحمله كما كانت تفعل دومًا. ولكن ما لم يضعه في حسبانه أنها إنسانة. تغضب وتثور، تتمرد وتمل، تقرر وتثأر، تهجر ولا تعود إن أرادت.
***
بعد شهران..
دلفت بخطى واثقة بهو الشركة الواسع. اتجهت لمكتبها بثقة وجلست فوقه. أخرجت هاتفها وبدلت الشريحة التي به لأخرى. دقت رقم أحدهم وانتظرت الرد:
"السلام عليكم."
"وعليكم السلام. ازيك يا بشمهندس."
"الحمد لله يا بشمهندسة."
"ها، في جديد؟ سليم كلمك؟"
"لأ، هو من وقت ما جه وسألني عنك من شهرين تقريبًا مشفتوش."
"تمام، شكراً."
أغلقت معه وأزالت الشريحة وأعادت الأولى. نظرت أمامها وهي تتنهد بشرود.
لما لم يتمم سليم إجراءات طلاقهما للآن؟! ولما ذهب لمدير شركتها السابق وسأله عنها في اليوم التالي لسفرها وأخبرها أنه كان متعصبًا وغاضبًا وفلت منه بأعجوبة بعدما أنكر معرفته لمكانها الحالي...؟ ماذا كان يريد منها؟ ولما بحث عنها! أسئلة كثيرة بعقلها لا تجد لها أي إجابات!
زفرت بحزن وهي تتمتم:
"بعدين بقى، هو أنا مش مكتوب لي أشيلك من تفكيري خالص!"
عن أي نسيان تتحدث وهي تتذكره كل يوم قبل أن تخلد للنوم، وأثناء يومها تجد نفسها شردت به فجأة. وكأن لعنته لن تتركها حتى بعدما تركت البلدة بأكملها!
***
"عاوزة إيه يا معتصم دلوقتي؟"
قالها سليم بملل ونفاذ صبر وهو يتحدث لصديقه.
"أنا اللي عاوزة إيه؟ أنت اللي بتعمل إيه؟ هتفضل لأمتى قاعد في فندق ورافض ترجع البيت؟ وليه أصلًا؟ سليم، أنت لسه مسامحتش باباك؟"
"هو أنت مكنتش موجود وأنا بقالي إني مسامحه؟!"
"أومال ليه مش عاوز ترجع البيت بقالك شهرين قاعد في الفندق!"
تنهد بحزن وهو يقول:
"مش عشان بابا يا معتصم، الموضوع خاص بيا."
رد بإصرار:
"اللي هو إيه؟"
زفر باختناق يقول بشرود ظاهري:
"أنا وعدت نفسي مش هدخل الجناح إلا وداليا معايا."
هدأت ثورة معتصم ونظر لرفيقه بحزن وقال:
"طيب أنت قلت الجناح مش الفيلا! ارجع وعيش مع عمي في الدور اللي تحت."
تنهد يقول:
"هفكر."
"لسه مفيش أخبار؟"
"لأ."
أكمل بغضب وقسمات وجهه تحتد:
"الحيوانات اللي بعتهم روما مجابوش ليا معلومة واحدة من هناك. حاسس إن كل اللي عملته على الفاضي. يعني روحت بقسيمة الجواز المطار وكلمت ظابط معرفة لحد ما عرفت إنها حجزت في الطيارة اللي رايحة روما، وبعتهم عشان يحاولوا يوصلولها بس مفيش فايدة."
"أيوه يا سليم، بس روما مش شارعين، ده عدد سكانها 2 مليون ونص يا ابني. أكيد هياخدوا وقت وكبير كمان، يعني مش شهر ونص وعاوزهم يقولوا لك لقيناها. بعدين يمكن تكون اتنقلت جوه البلد ومفضلتش في روما!"
أغمض عينيه بتعب وقال:
"يمكن."
هتف معتصم بجدية:
"سليم، أنا عارف إنك بتحبها ومتأثر جدًا بغيابها، بس الشغل ملوش ذنب. أنت منزلتش الشركة غير عشر أيام في الشهرين اللي فاتوا وده غلط. لازم تنزل تساعد عمك وتتابع شغلك."
هز رأسه بتعب مسيطر عليه:
"معنديش شغف لحاجة، ومعنديش خلق أتابع حاجة ولا إنهك نفسي في حاجة. كفاية تفكيري اللي مبينمنيش."
"ماهو عشان كده لازم تنزل. الشغل أكتر حاجة هتلهيك عن التفكير، صدقني وهيفيدك."
أمسك رأسه بكفيه وهو يفركها بقوة وقال:
"أجل كلام دلوقتي، أنا عندي صداع رهيب ومش قادر أتكلم."
"من قلة النوم أكيد، وأعتقد إنك مهمل في أكلك، ده أكيد يعني..."
تجاهل حديثه وهو يقول بشرود:
"تفتكر عايشة إزاي هناك وهي لوحدها ومتعرفش حد؟ تفتكر عارفة تمشي حياتها؟ خايفة من الغربة أكيد وهي في مكان غريب ومتعرفش حد فيه. مش عارف حالتها إيه دلوقتي!"
"أكيد حالها صعب، ربنا معاها يا صاحبي، إن شاء الله خير."
قالها معتصم بحزن وهو يربت على كتف سليم بمواساة.
***
كانت تتحرك بأرجاء المطبخ برشاقة وهي تدندن:
"و أديني سيبته وشوفت أهو محصلش حاجة
و الوضع فعلاً مختلفش في أي حاجة
بآكل بضحك بشتغل و بعمل كل حاجة
لأ لأ مش زعلانة و كئيبة
مش ماسكة صورته و بتقهر زي العبيطة
و لا ماشية و بخبط دماغي في كل حيطة
مبردش عاللي يقولي كلمة جت بسيطة
بعدك مش متصنف مصيبة
بالعكس حتى أنا حاسة مرتاحة و سعيدة
مطلعش إنها حاجة وحشة أعيش وحيدة
هبدأ حياتي بصفحة فاضية ولسه بيضا
بشنطة شخصيات جديدة
أنا عارفة إنه زمانه ماشي يقول عليا
أنا واحدة شريرة وقوية ومفترية
شايفين يا ناس الست دي عملت إيه فيا
كدبك سامعاه من وأنا بعيدة"
صمتت وهي تضع المقلاة فوق النار. نظرت لها بشرود وهي تبتلع غصة بكاء احتلت حلقها وأكملت بنبرة حزينة:
"مقدرش أنكر إني لسه في جزء فيا بيقولي طب كنتي استنيتي عليه شوية
متمثليش إنك عايشة طبيعي و عادية
متمثليش إنك سليمة"
ازداد تنفسها وهوت دموعها التي احتلت عيناها سريعًا لا تعرف متى. كاذبة هي تعلم. تريد أن تتصنع القوة لكنها تفشل! تريد أن تكذب على ذاتها وتوهمها أنها قد نسيته. ولكن يشهد عليها الليل ويشهد عليها فراشها الذي تظل تتقلب به لساعات قبل النوم وهو فقط من يشغل تفكيرها. وهل ستنسى حب اثني عشر عامًا في شهران!؟ وتخشى أن تحتاج لاثني عشر عامًا آخرين لتفعل!
استمعت لرنين جرس الباب. قطبت حاجبيها بتعجب فمن هنا يعرفها ليدق عليها حتى الشخص الذي ساعدها يسكن في "روما". بينما هي انتقلت لتعيش في "ميلانو" بعدما أخبرها بأنه لم يجد لها شركة بالمواصفات المطلوبة في روما ووجدها في ميلانو. فتحت الباب لتجد رجل أشقر وسيم يقف أمامها. هتف ما إن رآها:
"كيف حالك؟"
"بخير."
ردت بها باقتضاب. تنحنح بحرج قبل أن يقول:
"ظننت أنك ستحبين أن تنضمي لحفلتي التي ستُعقد غدًا مساءً بالفيلا المجاورة. أنها حفلة تجمعيه مفتوحة نقيمها كل عام لنتعرف على المزيد من الأشخاص ولا مانع من تكوين بعض الصداقات الجديدة، سيكون جيد أن حضرتي ستحصلين على بعض الرفقاء الجدد."
قلبت عيناها بملل وقالت:
"أنا امرأة عملية لا تشغلني هكذا تفاهات، اعذرني فقد تركت الطعام على النار."
نظر لها بغضب لم يستطع مداراته وهو ينعتها بينه وبين نفسه بامرأة ليس لديها أي ذوق.
"حسنًا، أعتذر لإزعاجك أيتها المرأة ال..."
قال الأخيرة بسخرية وذهب.
أغلقت الباب واستندت عليه، تغمض عيناها بضيق. قد قررت أنها لن تتعرف على أحد خارج نطاق العمل. حياتها الشخصية لن يكون بها غيرها هي. ستبقى وحيدة للأبد ليس لديها مانع. لكن لا تعاني من مرارة الفقد مرة أخرى.
***
"خير يا بشمهندس، عرفت إنك طلبتني."
قالها مدير شركتها السابق وهو يقف في مكتب سليم الذي بعث بطلبه.
وقف عن مقعده واتجه له حتى أصبح أمامه وقال بهدوء مصطنع:
"اتفضل اقعد يا بشمهندس."
جاس وجلس سليم أيضًا:
"ها، تشرب إيه؟"
"لأ، شكرًا مش عاوز."
"أحسن."
جحظت عين الأخير بتفاجؤ لكنه صمت. رفع أكمام قميصه تحت نظرات المهندس المتفحصة. اعتدل في جلسته واقترب بجسده قليلاً وقال:
"ها يا بشمهندس، سامعك."
بلع ريقه بتوتر وقال:
"سامع إيه حضرتك؟ اللي طلبتني!"
ضغط على شفتيه يكبح غيظه وقال:
"طيب خلينا نعدي استعباطك... مراتي فين يا بشمهندس؟"
قالها وهو ينظر لعينيه مباشرةً.
توتر الأخير وهو يقول:
"معرفش."
"مش سامع."
قالها سليم بتحذير وكأنه يعطيه فرصة أخيرة.
"م... معرفش."
انتفض حين وجد سليم ينتفض من مقعده ويتجه له ليقبض على لياقة قميصه ويهتف به بصوت جهوري وأعصاب مشدودة:
"مراتي فين يالا؟ مادام الذوق مش نافع معاك نبقى نستخدم قلة الأدب."
ارتعش المهندس بين يده وهو يقول بلجلجة:
"حضرتك... مينفعش كده. سيبني لو سمحت. قولت معرفش مكانها والله ما أعرف."
ضرب قبضة يده بقوة في صدر الآخر ومازال يمسكه بيده الأخرى. شعر الأخير بألم صارخ في صدره وهو يستمع لصراخ سليم به:
"ورحمة أمي لو ما قلت هي فين لتطلع من هنا على قبرك."
"سليم!"
صدح هذا الصوت فجأة ليقطع صراخ سليم بالآخر.
رواية بكل الحب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ناهد خالد
وكيف أبدأ من جديد والأمس مازال بداخلي؟
"_سليم.
صرخ بها معتصم وهو يركض تجاهه ليفض الاشتباك بينه وبين المهندس.
اعترض سليم بغضب وهو يحاول إبعاد معتصم:
_اوعي يامعتصم، مش هسيبه غير لما يقول مراتي فين، أنا عارف إن الو* ده عارف مكانها.
هتف معتصم بغضب:
_ياجدع اوعي ميصحش كده، اوعي ياسليم بقي واهدي ياخي.
_سليم.
قالها محمد الذي دلف للتو علي صوت الشجار العالي وأكمل بحده:
_سيبه فورًا.
زفر بغضب وهو يدفع بالأخير ليرتد للخلف، اعتذر منه معتصم ووالده وفر هاربًا قبل أن يثور عليه مره أخري.
اقترب منه والده حتي أصبح أمامه هتف بحده:
_هو أنت بقيت بلطجي علي آخر الزمن؟
زفر بعنف وهو يقول بغضب:
_بابا لو سمحت أنا علي أخري ياريت بلاش كلام معايا دلوقتي.
_هو ايه الي علي أخرك؟ أيه ذنب الناس عشان تطلع فيهم غضبك وتبهدلهم بالشكل ده.
رد بغضب مازال متمكن منه:
_اطلع فيهم ايه! ده عارف مكانها وأنا متأكد بس مش عاوز ينطق.
_وهو كده هينطق!، اسمع ياسليم أتحكم في أعصابك وفوق لنفسك ولشغلك.
اعتقد كانت رغبتك في الانفصال وسألتك إذا كان ممكن يبقي في فرصه تانيه بينكوا ولا لأ وأنت قولت لأ.
متلومهاش بقي أنها بعدت، واتحمل نتيجة كلامك الي قولته يومها.
لكن أنا مش هتحمل تصرفاتك الطايشه دي كتير، من بكره ترجع الفيلا مفيش قعاد في فنادق، وترجع تتابع شغلك زي الاول مش يوم كل اسبوعين!
في شغل كتير متعطل لأنه تحت إدارتك، وهقولك تاني اتحكم في أعصابك وبلاش مشاكل.
مادام مش عاوز يقول مكانها يبقي اكيد دي رغبتها وياريت تحترمها.
ذهب محمد بعدما ألقي كلماته علي مسامع سليم الذي هتف بضجر وهو يقول بعد ذهابه:
_احترم رغبتها آه. ده في المشمش.
هز معتصم رأسه بيأس وهو يقول:
_ياسليم لازم تهدي شويه مينفعش كده.
نظر له وهتف بلامباله:
_معتصم شوف أنت رايح فين.
زفر الأخير بيأس واتجه للخارج، ذم شفتيهِ بتوعد وهو يقول:
_هلاقيكِ حتي لو بعد سنين.
وساعتها مش هسمحلك حتي تفكري في البعد تاني.
دلفت السكرتيره الخاصه بمكتبها وهي تقول:
_السيد أمير بالخارج يريد مقابلتك.
رفعت نظرها باستغراب وقالت:
_السيد أمير عثمان؟
_نعم.
قطبت حاجبيها باستغراب ما الذي جاء بهِ لهنا؟
_دعيه يدخل.
ثواني ودلف أمير بابتسامه واسعه هتف ما إن رآها.
_اوووه. هو القمر بيطلع بالنهار!
ابتسمت بمجامله وردت:
_مش شايف أن دي معاكسه قديمه شويه.
غمز لها وهو يجلس ويقول:
_مانا اخاف اقول الجديد تزعلي.
رفعت حاجبها بسخريه وقالت بجراءه لم تعهدها:
_يبقي اكيد فيها وقاحه.
ضحك بمرح وقال:
_لا كله إلا كده أنا مليش في الوقاحه.
ردت بسخريه:
_اه اومال. لكن اي جابك من روما فجأه كده.
_أبدًا أنتِ عارفه إني جاي هنا الكام شهر دول اتابع الشركه الي بعملها هنا، خلاص بشطب فهرجع شهر كده مصر اتابع الي هناك وهاجي تاني، قولت اعدي عليكِ يمكن تحتاجي حاجه.
صمتت قليلاً تفكر، ثم قالت:
_لأ، مش عاوزه، بس هطلب منك لو اي حد سألك عني حتي لو صدفه. أنت مشوفتنيش.
رغم عدم معرفته للسبب لكنه أومئ قائلاً:
_تمام، متقلقيش.
_تمام توصل بالسلامه.
_شكرًا.
ثماني أشهر كامله مرت.
كم كانت صعبه علي الجميع. وأقصد الجميع بالفعل.
فسليم أصبح أكثر عصبيه وأسرع غضبًا، وأكثر إهمالاً في عمله بشكل أو بآخر. لم يعد يهتم بنفس القدر الماضي، تشتعل النيران بداخله كلما هاتفه من كلفهم بالبحث عنها وأخبروه بعدم إيجادهم لها. وأخيرًا ومنذ شهر واحد فقط جعلهم يتوقفون عن البحث فثمانية أشهر ونصف لم تأتي بأي نتيجه. قاربت علي العشرة أشهر منذ قررت الهجر. حاول كثيرًا بعث أي رسائل لها علي شريحة الموبايل ولكن لم يُفتح الخط مره أخري من وقت أن بعثت له بالرساله.
وبالطبع معتصم و أبيه يعانون من غضبه الذي يسبب لهم الكثير من المشاكل. فيوميًا تقريبًا يتشاجر مع أحد الموظفين ويقفون هم بينهما لفض الشباك.
أما عن داليا فالعشرة أشهر لم يكونوا كافيين لها كي تنساه. كانت تتسلل لمواقع التواصل الإجتماعي كي تتابع آخر أخباره خلسه. لا تعلم متي ستكف عن هذا ومتي ستساعد ذاتها للخروج من قوقعة سليم المنشاوي. تمر الأيام وتشعروكأنها تركت موطنها بالأمس القريب.
منهمك بين أوراق عمله فهو لم يأتي بالأمس فتراكم العمل عليهِ وللأسف يجب أن ينتهي من التصميم ليبدأو بتنفيذه. ووالده ترك له التصميم ولم يقبل أن يصممه غيره. كأنه يعجزه ليرضخ للعمل مُرغمًا. ولا يصدق أنه الآن يقول مُرغمًا ألم يكن هذا عمله الذي يكن له الكثير من الشغف.
ولكن الحقيقه أن شغفه ذهب معها.
_بشمهندس سليم.
_في ايه يافاتن؟
_في واحده بره عاوزه تقابل حضرتك.
_مين؟
_مش عارفه يافندم بتقول عاوزه حضرتك في شغل مهم.
تأفف وهو يقول:
_وديها لمعتصم.
_بس هي مصممه تقابل حضرتك.
رد بزهق:
_دخيلها خلينا نخلص.
دلفت امراءه في كامل أناقتها، جميله لحد جاذب، مرتديه بنطال طويل أبيض وكنزه سوداء مكتوب عليها بالأبيض وحذاء أسود ذو كعب وحقيبه يد بيضاء. وشعرها الأسود الذي عصقته علي شكل ذيل حصان، ومكياج بسيط جدًا.
_أهلاً.
قالها باقتضاب وهو يمد يده ليصافحها، صافحته بجمود وهي ترفع رأسها بشموخ تقول:
أماني نصار،
hotel manager (مديرة فندق) رويال.
(بطلة الحكايه الجديده).
_أهلاً اتفضلي.
أردفت بحده:
_الحقيقه أني أصريت أقابل حضرتك لأن عندي شكوي من الشركه.
رد بجديه:
_شكوة ايه اتفضلي.
سردت له بعض التفاصيل التي أزعجتها من تعامل الشركه معها أثناء تجديد ديكور الفندق المسؤله عنه وختمت حديثها:
_أنا مش أول مره اتعامل مع حضراتكم، بس الحقيقه اتضايقت من الأخطاء الي حصلت.
رد بضيق:
_حقك طبعًا، بعتذر عن الي حصل، وبكره إن شاء الله هيوصلك ربع المبلغ الي دفعتيه كاعتذار منا.
ردت بجديه:
_بشمهندس أنا آخر حاجه تهمني الفلوس ومش هقبل بالي حضرتك بتقوله أنا بس جيت أبلغك عشان تاخد بالك من الي بيحصل عشان ميكونش آخر تعامل بيني وبين الشركه.
رغم أنه شعر بنبرة تهديد تبطن حديثها لكنه تغاضي عنها وهو يقول بجمود:
_تمام، أوعدك أن ده مش هيتكرر.
وقفت تأخذ حقيبتها وهي تتجه للخروج:
_شكرًا لتفهمك.
وأثناء خروجها اصطدمت بالسكرتيره التي كادت تدق الباب أفسحت لها المجال وخرجت لتجد رجل يجلس أمام مكتب السكرتاريه وما أن رآها حتي طالعها من رأسها لقدميها. كادت تتجه للخروج لكنها توقفت حين استمعت لهمسه الوقح:
_مهلبيه بالقشطه ياناس.
قطبت حاجبيها بغضب وهي تلتفت له بأعين مشتعله، وبجرأتها التي اكتسبتها مؤخرًا اتجهت له وقالت بحده:
_بتقول ايه؟
وقف ببرود وهو يضع كفيهِ في جيب بنطاله:
_مقولتش.
رفعت زاوية فمها وهي تقول بسخريه:
_طب مادام مش قد الكلام بتقوله ليه؟
حسنًا استطاعت استفزازه ونجحت:
_قلت مهلبيه بالقشطه.
أما عنها فاحتل الغضب كيانها وردت بحده:
_مين دي؟ أمك!.
كادت عيناه أن تخرج من محلها وهو يستمع لما قالته، اشتعل الغضب بهِ وهي تطالعه بقوه ولم تهتز شعره منها، كاد يقترب منها حين قاطعته السكرتيره تقول:
_بشمهندس سليم منتظرك يا أستاذ أمير.
التف لها وحين التف للتي تجرأت عيلهِ لم يجدها واقفه، نظر للسكرتيره وقال بغضب:
_مين دي؟
_مش عارفه مقالتش اسمها.
جز علي أسنانه بضيق ودلف لسليم.
بعد دقائق.
_تمام هتستلم الشركه آخر الأسبوع.
_طيب كنت عاوز أعدل حاجه في الوجهه الخارجيه.
_ايه هي؟
سأله سليم بغيظ فهو بالكاد يتحمل هذا السمج!
أخرج هاتفه وأراه لسليم وهو يقول:
_عاوز أعمل التصميم ده.
نظر للتصميم لتتسع عيناه بشده وهو يدقق بهِ، أنه لها، لن يخطأ بهِ، من المستحيل أن يفعل، هو يعلم شكل تصاميمها جيدًا ومازاد تأكيده ال DM التي تكتبها دومًا في اي تصميم.
وقف سريعًا واتجه لأمير يسأله بلهفه:
_هي فين؟
وقف أمامه يسأله بجهل:
_هي مين؟
رد بغضب:
_داليا، هي الي عملالك التصميم هي فين؟
توتر أمير قليلاً وهو يسأله:
_عرفت منين إن هي؟
زفر بغضب:
_مش وقته، هي فين؟
رد الأخير بهدوء:
_معرفش.
اقترب منه سليم بغضب:
_أنت كداب ولو حلفت من هنا لبكره مش هصدقك، هي فين.
علم سليم أن هذه الطريقه لن تأتي نفعًا مع العنيد الذي أمامه فهدأ من نبرته يقول:
_بجد محتاج أعرف مكانها، بقالها 10 شهور مختفيه ومعرفش عنها حاجه، بسبب مشكله حصلت بينا بس هي فهمتها غلط ولما روحت افهمها ملقيتهاش.
نظر له أمير بتردد وقال:
_وأنا ايه الي يضمنلي أن كلامك صح وأنه مجرد سوء تفاهم يعني مش أذيتها في حاجه كبيره.
_تعالي معايا.
أخذه واتجه لمكتب والده الذي أكد علي حديثه فهو يريد أن يُلم الشمل مره أخري يكفي كل هذه المده.
وقف أمير محتارًا بينهما حتي قال سليم بغضب خفي:
_اعتقد راجل كبير زي بابا مش هيكدب.
تنهد أمير بهدوء وقال:
_إيطاليا، ميلانو.
قال سليم بلهفه طاغيه:
_العنوان بالضبط.
بعد ثلاثة أيام.
كانت جالسه مساءً في مكتبها تراجع أخر أعمالها قبل الانصراف حتي دلفت السكرتيره تقول:
_مهندسه داليا، يوجد شخص بالخارج يريد مقابلتك.
_من؟
_يقول أنها مفاجئه.
قطبت حاجبيها بتفكير وقالت:
_دعيه يدخل.
عادت للعمل بأوراقها حتي استمعت لصوت الباب يُفتح ببطئ، رفعت نظرها لتري الزائر.
شهقت واقفه وعيناها متسعه بعدم تصديق وهي تراه أمامها بعد كل هذا الغياب وتمتمت بدهشه:
_سليم!
زفر أنفاسه طويلاً وكأنه كان يحتبسها كل هذه الأشهر وقال بتعب ونبره معاتبه:
_الله يسامحك طلعتِ عيني.
رواية بكل الحب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ناهد خالد
تماسكت نفسها بقوه لا تعلم من أين اكتسبتها وهي تفرد ظهرها بجمود وقالت بنبره ظهرت مرتعشه رغمًا عنها:
اتفضل يابشمهندس.
هتف سليم بخبث وهو يتجه لها:
مانا هتفضل.
قطبت حاجبيها باستغراب وهي تراه يقترب منها متخطيًا المكتب حتي أصبح أمامها تمامًا.
وفجأه.. وجدت نفسها في أحضانه عنوه.
ما إن وقف أمامها حتي ارتمي بجسده عليها يحتضنها بقوه بغرضان.
الأول كي يتأكد أنها حقًا تقف أمامه.
والثاني كي يروي شوقه لها الذي أضناه.
كان عناق قوي علي جسدها الضعيف، لكنها ولتفاجئها لم تستطع إبعاده.
من الأساس لا تصدق أن سليم يحتضنها هكذا!
أما عنه فتنهد براحه شديده وهو يشعر بها بين أحضانه بعد أشهر من الغياب.
يشعر بدقات قلبه تتراقص بسعاده لقربها منها.
وكالعاده تأتي هي لتقطع كل لحظاته الفريده الممتعه حين دفعته بصدره تبعده عنها ونجحت.
تنهد بغيظ لكنه سيتحلى بالصبر هكذا حدث نفسه.
نظر لها بصمت ينتظر حديثها ولم تجعله ينتظر كثيرًا حين قالت بغضب:
أيه العشم الي عندك ده! أنت ازاي تحضني كده؟
تنهد بهدوء وهو يرد:
ايه الي فيها أنا جوزك لو ناسيه!
أحمر وجهها غضبًا وكادت تصرخ بهِ، لكنه قاطعها يقول:
داليا أرجوكِ لازم نقعد ونتكلم بهدوء.
أشاحت بوجهها وهي تقول بخوف، نعم خوف.
تخشي أن تسمعه فتلين.
تخشي أن يعتذر فتقبل.
تخشي أن يغازلها فتخجل.
تخشي أن يطلب منها العوده...فتعود!
لأ، مفيش كلام بينا، أنت بنفسك قولت ده في آخر كلام بينا وأنا...
قاطعها بصدق:
كنت غبي، أنا قولت كلام كتير مكنش ينفع أقوله.
أرجوكِ خلينا نتكلم عشان كل واحد يعرف الي له واللي عليه.
أنا غلط و أنتِ غلطي.
التفت تهتف بحده:
أنا مغلطش، أنا كانت نيتي خير.
هتف برجاء ظهر في عيونه:
خلينا نتكلم ونتفاهم، عشان أعرفك غلطي ولا لأ.
والفضول بداخلها جعلها تقبل.
الفضول لما سيقوله والرغبه منها في مجادلته وإصرارها أنها لم تُخطئ جعلها تدعوه للجلوس والتحدث.
أخذ نفس عميق قبل أن يبدأ في الحديث بتعقل:
خلينا ناخد الموضوع من أول خالص، ماشي؟
أومأت بموافقه فأكمل بنبره هادئه ورزينه:
الأول أنتِ ليكِ في الدين؟ يعني عندك معلومات كتير فيه؟
قطبت حاجبيها باستغراب وقالت:
أيه علاقة موضوعنا بالدين؟
رد بنبره عاديه:
ملوش علاقه أنا بس عاوز اسألك عن حاجه.
تنهدت بصبر وهي تقول:
آه، أكيد مش مُلمه بكتير بس عندي معلومات.
أومئ برأسه يقول:
كويس، طيب هقولك علي موقف وتقوليلي رأي الدين فيه أيه لو تعرفيه؟
ردت بفضول وحماس:
تمام.
أنا زمان أول ما اشتغلت عند بابا في الشركه كنت باخد فلوس من مكسب الشركه من غير علم بابا وكنت بطلعهم للفقراء كل شهر، ده غلط.
أومأت بـتأكيد تقول:
طبعًا، في مره كنت بسمع برنامج ديني وكانت متصله بتسأل الشيخ بتقوله أن جوزها كل شهر بيديها مرتبه عشان تتصرف فيه يعني تاخد الي يكفي البيت ولو حد من الولاد عاوز حاجه وجزء للقساط الي عليهم، فبتقوله أنا كنت بشيل مبلغ ع جمب بس من غير ما اعرفه يعني بحوش عشان لو جه وقت والفلوس قصرت معاه أخرجهمله لأنه مصرف شويه ولما بيعرف أن لسه في فلوس بيضيعهم في اي حاجه، فكده حرام ولا لأ ع العلم أن الفلوس في الآخر له هو، قالها لازم يكون جوزك عارف بالمبلغ الي بتحوشيه لازم يكون بعلمه يأما يبقي حرام.
هي كمان نيتها كانت خير بس مادام من غير علمه مينفعش، فأنت كان لازم تعرفه لأنها فلوسه في الآخر تخصه هو حتي لو أنت ابنه.
ابتسم بهدوء وقال:
والفلوس متختلفش عن الحياه، يعني زي ما مينفعش أتصرف في فلوسك من غير علمك مينفعش اتصرف في حياتك من غير علمك.
ده اسمه التدخل في شئون الآخرين، ولو قرأتي عنه شويه هتعرفي إن الاسلام حرمه.
معتقدش أن في حاجه الإسلام بيحرمها إلا لو كانت غلط.
الرسول صلي الله عليهِ وسلم قال "من حسن إسلام المرء ترك ما لايعنيهِ".
والرسول كان بيتكلم هنا عن التدخل في حياة الغير بأي شكل كان، ومهما كنتوا قريبين مني في النهايه دي حياتي أنا مش حياتكوا تخصني أنا مش تخصكوا.
خايفين عليا علي عيني وعلي راسي، كلموني انصحوني ياستي ادخلوا في حياتي بس بعلمي لما أنا اسمح بده وأشوركوا وأسألكوا اعمل ايه وقتها اتدخلوا واقترحوا وأنا برضو الي انفذ مش انتوا خالص.
اكيد عارفه ان ربنا سبحانه وتعالي قال "ادعي الي سبيل ربك بالحكمه والموعظه الحسنه وجادلهم بالتي هي أحسن".
مقالش اجبرهم علي ده.
يعني لو شخص مبيزكيش مثلاً هل ينفع أني أخد من فلوسه غصب واروح اذكي بيها واقوله أصل ده غلط وأنا خايف عليك فبعمل كده!
اكيد ربنا مأمرناش بكده بالعكس اكلمه مره واتنين وعشره واجادله براحه بس مجبروش ولا اخد الموضوع عنوه ولوي دراع.
يمكن تشوفي ان المواضيع دي بعيده شويه عن موضوعنا بس صدقيني كلها واحد.
واقولك كمان لو اخويا هيتجوز واحده أنا عارف انها مش كويسه واجبي اروح اقوله واحذره مش افرق بينهم او اتصرف انا بطريقتي!
ده مش من حقي.
مفيش آيه ولا حديث ربنا أمرنا فيه أننا لم نشوف شخص بيغلط في حياته أوبيعمل حاجه ممكن تأذيه فنقوم نتدخل في حياته ونقوله اركن أنت بقي واحنا هنحددلك تكلم مين وتتعامل مع مين.
وده طبعًا بيُستثني منه الحاجات الي بنضطر فيها للتدخل، زي مدمن مثلاً فبندخل لحد ما نعالجه وممكن نعالجه غصب عنه ونفرض عليه ده ونمنعه من صحابه الي شجعوه علي كده وهكذا، لأن ده شخص عقله مُغيب مهما اتكلمتي معاه مش هيستوعب.
تقدري تقوليلي ليه محاولتوش تتكلموا معايا!
بدل كل الي حصل ده!
أنتِ ليه مجتيش حكتيلي ياستي في أول جوازنا حتي، ساعتها كنت هقدرك وأقدر أنك مش قابله تبدأي حياتك بكدب ومش قادره تعيشي معايا وأنتِ بتخدعيني.
لكن لو مكنتش اكتشفت الموضوع مكنتيش هتقولي وهتكملي في خداعك.
وآه تحت أي مسمي فهو في الآخر خداع.
الي بيسرق بسبب حوجه، زي الي بيسرق لأنه طبع، زي اللي السرقه مرض فيه، زي الي شايفها أحسن حاجه تجبله فلوس، كلهم حراميه في الآخر رغم اختلاف الأسباب.
لو أنتِ مكاني وفجأه لاقيتِ كل الي حواليكِ كانوا متفقين مع بعض وعاملين فيلم عليكِ وأنتِ زي المغفله وسطهم هتزعلي ولا لأ؟
حتي لو كان ده لمصلحتك، الإحساس واحد.
آه مبيكونش زي الي بيعملوا ده عشان يأذوكِ بس برضو بتزعلي وتتضايقي وتحسي أنهم مش من حقهم يعملوا ده.
لو مكاني مش هتحسي ده؟
صممت وهي تتذكر حينما كانت تتحدث مع أبيها عن والدتها وتراه مصمم علي الكذب وإخبارها أنها قد توفت كي لا تحزن إن علمت الحقيقه.
رغم معرفتها بغايته لكنها كانت تتضايق حقًا وكثيرًا ما أرادت أن تصرخ بوجهه وتخبره أنها تعلم الحقيقه ولا داعي لخداعها.
كانت تشعر بالسوء رغم معرفتها بحسن نية والدها.
وللحقيقه بالفتره الماضيه وحينما فكرت جيدًا بالأمر بعيدًا عن المشاعر أدركت خطأها، ولكن لم تغفر له حديث رغم هذا.
تنهدت تقول:
وأنا عارفه أني غلط ومش من دلوقتي لأ، وكنت مدياك العذر في أي حاجه هتعملها بس متجرحنيش بكلامك الي قولته.
رد بعقلانيه:
طب قوليلي لو كان حد تاني مكاني مش وارد لما شاف رقم صاحبه عندك وبينكوا مكالمات كتير ورسايل يفكر أنك بتخو. نيه، وخصوصًا أنه لسه خارج من موضوع مشابه ومكتشف خيا. نة صاحبه الأولاني.
وفضلت اسألك وأنتِ مبترديش عليا ومتبرريش، مش كان ممكن الدم يغلي في عروقه وغضبه يعميه وميتفاهمش معاكِ أصلاً ويضر. بك لحد ما يطلع عينك وفي الآخر يطلقك، ده مش كان وارد؟
أنا مش برر لنفسي، بس أنا بوريكِ أني بجد اتحكمت في أعصابي لأقصي درجه.
وعارف أني غلط في كلامي ليكِ بس أعتقد المفروض تلتمسيلي العذر يعني دي اللحظه الوحيده الي انفجرت فيها.
وأقسملك أني متخيلتش كلامي هيوجعك للدرجادي، عارف أنه يضايق ويوجع بس مش لدرجة احساسك الي وصلتهولي في الرساله.
آلمها لأنه وبجهل منهِ ضغط علي الجرح الذي تركته لها والدتها.
لو لم تكن قصتها لما آلمها لهذه الدرجه التي يستغربها.
حديثه عن كرامتها علي حق، فهي نفسها تسآلت لاحقًا أين كانت كرامتها وهي تتفق مع والده كي يغصبوه علي زواجها منهِ ويضعونه أمام الأمر الواقع.
لما لم تعزز نفسها!؟
إذًا ما يألمها حديثها عن كونها مُعقده تحتاج لمصحه وما شابه.
والأمر معها متعلق بقصة والدتها.
التي لايعلم عنها شئ!؟
أوليس الإنسان في وقت غضبه يُفلت لسانه أحيانًا.
أوليس هي أيضًا بوقت غضبها ممكن أن تجرح أحدهم ثم تندم أشد الندم؟
أوليس هذا أول خطأ يخطأه بحقها!؟
أوليس العفو عند المقدره!؟
وهي تشعر أنها تقدر رُبما تحتاج لقليل من الوقت بعد لتقدر تمامًا لكن عالأقل لديها بوادر القدره.
نحن لسنا ملائكه.
نحن بشر.
نستحق فرصه ثانيه وثالثه وعاشره مادُمنا نقدر علي إعطائهم.
وإن كانت قدرتها تتوقف عند الثانيه فلتعطيها له إذن.
وإن لم يقتنصها فسيكون هو الجاني علي نفسه.
تسائلت بهدوء:
أنت عاوز أيه دلوقتي ياسليم؟
رد بلهفه:
تسامحيني علي الي قولته ليكِ.
أومأت بإيجاب تقول:
سامحتك، وأنا كمان غلط أتمني تسامحني.
ابتسم باتساع وقال:
أنا مسامحك من زمان يا داليا.
طيب أنت ليه مطلقتنيش لدلوقتي؟
سألها بمراوغه:
أنتِ ليه مطلبيتهاش؟
ردت بصدق:
مكنش عندي استعداد اتواصل معاك تاني، ولا مع معتصم ولا مع عمي الحقيقه، بس كنت بتابع دايمًا مع مدير شركتي السابق وبسألها إذا كنت بعتله الورقه ولا لأ.
لوي شفتيهِ بضيق:
وأنا الي فكرتك هتقولي عشان مقدرش ابعد عنك!
راوغته في الحديث وتسائلت:
مفيش أخبار عن حسن وريهام؟
جاراها في تهربها وهو يقول:
عرفت أن حسن باع بيته وسحب فلوسه من البنك وسافر دبي، تقريبًا هيستقر هناك عشان يعرف يشتغل.
وريهام الإتيليه بتاعها قفل، وفي مشاكل كتير بينها وبين أبوها، ومن بعدها مبقتش اسأل عن اي حاجه تخصهم.
أحسن، ربنا يسهلهم.
حمحم بتوتر وهو يعتدل في جلسته ونظر لها بأعين صافيه وقال بنبره مُحبه صادقه:
داليا أنا... أنا بحبك.
انحبست أنفاسها وهي تستمع لحديثه.
لا تصدق أنها وبعد عناء سمعتها منه أخيرًا!
كتائه في صحراء جرداء لا زرع فيها ولا ماء وأخيرًا وبعد أن أضناه العطش عثر علي بئر ماء ليروي بهِ عطشه.
شعرت بانتشاء كبير وكلمته تتسلل علي استحياء لأذنيها لتدلف بعدها لقلبها فتزلزله وتُسرع دقاته حتي يكاد... يتوقف!
أنا بحبك بجد، وكنت عارف أني مش هقدر أكمل من غيرك.
مش هقدر أدخل حياتي حد غيرك ولا أشوف ست تانيه في بيتي ومراتي وعلي اسمي.
في حاجات كتير اوي حسيتها معاكِ مش هقدر احسها مع حد تاني.
لو كنت استنيتي اسبوع واحد كنتِ هتلاقيني جايلك وبعتذرلك وبقولك ندي لبعض فرصه تانيه.
أنا أصلاً كنت ماشي من مصر وانا ناوي أني هرجع وهعمل ده، ووعدت قلبي أني مش هدخل جناحنا تاني إلا بيكِ.
صدقيني أول مره أحب حد اوي كده بعد أمي الله يرحمها.
أقدر أقولك أنك خدتي مكانها عندي.
طبعًا محدش بيعوض الأم، بس أنتِ بديل ليها بنسبة 95% مثلاً.
ودي حاجه عمري ما اتخيلت أني هلاقيها مع حد.
أنا عرفت ارجع لحياتي تاني الي افتقدتها بعد موت أمي لمدة 5 سنين بسببك ومعاكِ.
أرجوكِ وافقي نرجع ومتخليش كلام في وقت غضب يهد حياتنا ويضيع حبنا.
أنا مش هعرف أعيش إلا بيكِ.
ابتسمت بهدوء تقول:
الكلام الي بتقول عليه وقت غضب ده معلم فيا وممرش بالساهل عليا، وعمري ماهعرف انساه.
احتل الحزن معالم وجهه وهو يقول:
طب قوليلي اعمل ايه عشان تنسيه؟
ردت بهدوء:
أنا عمري ماهنساه مهما عملت، احنا مش بننسي يا سليم، احنا بنتناسي.
وأنا ممكن اتناساه لو عملت الي هقولك عليه.
رد بلهفه حقيقيه:
قولي وأكيد هعمله.
زفرت أنفاسها ببطئ وقالت:
قرر نهائي.
طلقني يا سليم.
رواية بكل الحب الفصل السادس عشر 16 - بقلم ناهد خالد
اتسعت عيناه وهو ينظر لها بدهشة. أحقًا بعد كل ما قاله تطلب الطلاق؟ بعدما شعر بقرب مسامحتها له، تفاجأه بطلبها هذا! متى ستكف عن جعله يرفرف في سقف الأحلام ومن ثم توقعه على الواقع المرير!
نظر لها بضياع حقيقي انعكس في عينيه وهو يتمتم:
"ليه؟ بعد كل الي قولته وقولتي أنك سامحتيني وهتتناسي الي حصل، ليه يكون ده ردك!"
تنهدت تقول:
"جوازنا من الأول كان غلط، ومابُني على باطل فهو باطل."
"وأنا قولتلك هنفتح صفحة جديدة وكأننا لسه متجوزين، وقولتلك مش هعرف أعيش من غيرك."
ردت ببرود:
"دي مشكلتك أنت، حلها مع نفسك. أنا عن نفسي هعيش عادي جدًا."
صدر الجمود على ملامحه رغم آلامه الداخلية وهو يقول:
"أنتِ ليه بتتعاملي كأنك مغلطيش!"
ردت ببرود كسابقه:
"مين قال! أنا غلطانة وعارفة ده، بس أنت قدرت تسامحني وإن نكون سوا معندكش مانع، أنا مش قادرة نكون سوا. سامحتك ماشي بس مش حاسة نفسي قادرة دلوقتي نكون مع بعض."
مسد جبهته بيده بعد أن شعر بصداع يجتاحه، سألها بإجهاد:
"يعني مفيش لينا فرصة تانية؟"
ردت بجمود مماثل لجموده تلك الليلة:
"لأ."
أومأ عدة مرات برأسه إيجابًا وقال بهدوء لا يعلم كيف يتحكم بأعصابه حقًا، ولكن لن يفعل ما يوجعها منه هكذا. وعد نفسه من قبل:
"ماشي، بس أنا مش هطلق. ده قرارنا احنا الاتنين مش قرارك لوحدك، وأنا رافض الطلاق."
تلاعبت بالقلم الموضوع على مكتبها وهي تقول:
"عرفت مكاني منين؟"
رد باشتعال داخلي حين ذكرته بالأمر:
"الكازانوفا أمير بيه."
ذمت شفتيها تقول:
"توقعت، تعرف أنه هو اللي ساعدني من أول ما جيت هنا."
تستفزه، تستفزه ليخطأ فتثبت له أن هذا طبعه ولن يتغير، لكن بالفعل لم يكن طبعه يومًا.
وقف عن مقعده يقول:
"أعتقد أنتِ محتاجة تفكري في اللي عملتيه تاني، مكنش يصح تطلبي منه المساعدة وأنا محذرك منه قبل كده. ومتنسيش أنك متجوزة، يعني المفروض يكون فيه حدود في كل شيء."
أنهى حديثه وذهب! أهذا كل شيء! استسلم لرغبتها أم ماذا؟
ولكنها لاحقًا علمت أنه لم يستسلم أبدًا. لمدة أسبوع كامل كان يأتي لها يوميًا بعد أن قرر البقاء في ميلانو عدة أيام، وها هو اليوم السادس تقريبًا لوجوده، متحليًا بكل السماجة التي بالعالم، وهو يتطفل عليها بشكل غير طبيعي، بل وجلس معها في منزلها! أو أراد هذا ولكنها رفضت رفضًا قاطعًا فاضطر للمكوث بفندق.
كان يجلس فوق مكتبها نصف جلسة وهو يعبث بأوراق عملها كطفل صغير. رفعت رأسها بحدة له تقول:
"بس أنت بتعمل ايه! هو مرة الورق ومرة الديكور وامبارح غير وضع المكتب من غير علمي، هو فيه إيه؟ واخده ابن اختي معايا!"
ابتسم ببراءة يقول:
"زهقان، وأصلاً ميعاد الغدا عدى وأنا جعان."
رفعت حاجبيها بغيظ:
"ما تروح تاكل يا سليم المطعم جنبنا! أصلاً ما تفكر كده تتفسح وتشوف البلد بدل ما أنت فوق راسي طول اليوم كده!"
عقد حاجبيه برفض يقول:
"لا يا أختي أخاف حد يتحرش بيا.."
ضحكت بشدة على تعابير وجهه الجادة والمنافرة لحديثه في الوقت ذاته، ولكن تجمدت ابتسامتها وهو يكمل:
"والبنات هنا زي القمر كده، بيلمعوا ما شاء الله."
نظرت له بأعين تشتعل بشرارات الغيرة، وهي تقول ببرود ظاهري:
"ده أنت اللي بتتحرش بيهم مش هم!"
أشار على نفسه باستنكار:
"أنا، أعوذ بالله! ليه اتعميت عشان أبص بره وأنا معايا ال...."
قاطعته وهي تقف عن مقعدها بتوتر تقول:
"يلا نروح نتغدى أحسن أنا جعانة."
ابتسم بخبث وهو يشير لها لتسبقه.
أصبحت تعرفه جيدًا، ففي الأسبوع المنصرم لم يمرر فرصة دون أن يغازلها أو يلقي عليها الكلمات المحببة التي تتسلل لقلبها وجوارحها بكل سهولة. يتبعها في كل مكان من صباح اليوم إلى مساءه وهو يجلس فوق رأسها مدعيًا الملل! وحين تخبره أن يعود لمصر يرفض قائلاً أنه يريد قليلًا من الاستجمام! ماهذا التناقض! يناغشها ويتدلل عليها أحيانًا كطفل صغير! ويلقي عليها كلماته المتغزلة كشاب بالغ!
"سليم بقالك ربع ساعة باصص في المنيو وساكت!"
رفع بصره لها ورد بهدوء:
"أعمل إيه؟"
جزت على أسنانها بغيظ:
"اطلب، هتعمل إيه يعني. يلا ورايا شغل!"
نظر لها باستغراب يقول:
"اطلب إيه! اطلبي لي أنتِ زي كل يوم! ولا هو لازم كل يوم خناقة لحد ما تطلبي لي!"
ردت بضيق:
"أومال بتبص في المنيو ليه؟"
ابتسم باقتضاب يقول:
"بتسلى لحد ما تطلبي!"
جزت على أسنانها بغيظ تقول:
"يخرب بيت غبائي!"
اقترب قليلاً بجسده يقول:
"ألف بعد الشر عليكي يا روحي. إن شاء الله أنا وإنتي لأ، يا رب ا..."
"بس، بس."
صرخت به ليصمت. فبعث لها بقبلة في الهواء وعاد يطالع القائمة من جديد.
أتاه اتصال منذ دقائق وكان معتصم. بعدما أنهى، لاحظت تهجم وجهه الواضح. حاولت كبح فضولها لكنها فشلت فقالت بتساؤل:
"في حاجة؟"
زفر بضيق يقول:
"لازم أرجع مصر. الديزاين الأساسي في عرض باريس لازم أبدأ تصميم فيه، ميفضلش غير شهر على العرض."
ردت بضيق واضح:
"بجد؟ أنت بتهزر؟ يعني عرض مهم زي ده مخلصتش الديزاين بتاعه لحد دلوقتي؟ المفروض تعمله قبلها بـ 3 شهور على الأقل!"
رد بصدق وجدية:
"دماغي مكانتش مظبوطة خالص، ومعرفتش أركز الفترة اللي فاتت ومكنش عندي شغف لحاجة فمقدرتش أعمله."
تساءلت بغباء:
"ليه كل ده؟"
نظر لها بصدق قائلاً:
"كنت مشغول بيكي، دماغي كانت معاكي طول الوقت. وكون أني ممكن معرفش ألاقيكي ومتكونيش جنبي باقية حياتي كان كفيل يقفلني من كل حاجة."
حمحمت بتوتر وهي تشعر بالخجل ينتابها أثر حديثه. لم تتوقع أن تكون هي السبب في الحالة التي تحدث عنها.
"أعتقد أنت لازم تنزل النهارده لو عرفت، والفترة الجاية هتحتاج شغل كتير جدًا عشان تلحق تخلصه."
نظر لعيناها بعمق متسائلاً:
"مش هترجعي معايا؟"
أخفضت بصرها عنه تقول:
"أنت عارف أني نقلت حياتي هنا، مبقاش ليا حاجة هناك."
قال بأمل:
"يعني هو ده السبب؟"
نظرت له وردت بهدوء:
"لأ، بس هنزل ليه؟ ولمين! احنا حكايتنا خلصت ياسليم."
ابتسم بسخرية يداري بها حزنه وقال:
"واضح أن الـ 85 ساعة اللي قضيتهم معاكي مكنش لهم أي تأثير. أنا هقوم عشان أجهز حاجتي وأحجز الطيارة. مع السلامة."
أنهى حديثه وأخذ متعلقاته وذهب دون نظرة أخرى لها. تعلم أنها تزودها ولكن لا تريد أن تخدعه مرة أخرى، لا تريد أن تعود ولديها قلق منه أو مازالت كلماته تتردد بداخلها.
***
شهر كامل مر... وللعجب كان يحدثها كل يوم ليطمئن عليها. وكم أدهشها بفعلته، فقد ظنت أنه "سيرمي طوبتها" كما يقولون بعد آخر حديث بينهم. رغم أن المكالمة لم تتجاوز الدقائق الخمس، لكنه يفعلها. وربما يكون مشغول. علمت في أحد مكالماته أنه لا ينام سوى ساعتين في اليوم، وابتعاده عن التصميم لمدة عام كامل جعله يحتاج لوقت كي يستعيد أفكاره. ورغم ما به من مشاغل لم ينساها. والأعجب أن طوال هذا الشهر لم تتصل به مرة واحدة، فدومًا هو من يحدثها. وذات مرة حينما تجرأت وسألته لما لم يفعل مثلها ولا يحدثها إن لم تحدثه قال لها: "أنا مبطمنش عليكي، أنا بطمن على نفسي، عشان أعرف أكمل يومي". ولو رأيتها يومها لوجدت أعينها تفجر قلوب، وقلبها ينبض بصخب، وكأنه يستبدل حديثه لها سابقًا بأحاديث أخرى تتوغل في أعماقها.
ارتدت فستانًا أحمر طويلًا على حذاء من ذا اللون ذو كعب، وتركت شعرها حرًا ووضعت القليل من مستحضرات التجميل. وكم بدت جميلة. واتجهت لمقصدها.
كان جالسًا وبجواره معتصم يتابعان العرض بدقة شديدة، مرتدياً بدلة سوداء أنيقة، ومصفف شعره بطريقة جذابة. هو من الأساس جذاب! هكذا حدثت نفسها قبل أن تتجه للمقعد الفارغ بجواره وتجلس عليه. لم يلتفت لها وهو يتابع العرض بتركيز. سمعته يقول لمعتصم بهمس:
"حاسس أن العرض مش أفضل حاجة، قلقان كمان من البنت اللي هتعرض الديزاين الأساسي لو اتلخبطت في حاجة هتبقى مشكلة وكمان ال..."
قاطعته وهي تمد يدها لتحتضن يده المجاورة لها وقالت بنفس اللحظة:
"العرض يجنن ومتأكدة أنه هيتباع كله واللجنة هتحبه أوي."
نظر لها بدهشة وقال:
"داليا؟!"
نظرت له مبتسمة وقالت:
"عيونها."
فرغ فاهه وهو يستمع لها. أيعقل أن تكون جواره بالفعل أم أنه يتخيل! مدت يدها تغلق فمه وهي تميل عليه وتهمس:
"أنا هنا فعلاً، مكنش ينفع أعدي يوم مهم زي ده، ركز في العرض بقى."
قالت الأخيرة وهي تبتعد، ولكن أي عرض يركز به! وهي بجواره، يشعر بقلبه يرفرف بين أضلعه.
انتهى العرض وحاز على إعجاب الجميع. أخذها وخرجوا من المكان. وقف بها في الخارج ينظر لها بلهفة يقول:
"يعني قبلتي نرجع؟"
ابتسمت تقول:
"مش هتتنازل عن الطلاق."
ظهر الإحباط والحزن جليًا على وجهه، ولكنها قاطعته حين أكملت:
"ونجوز من جديد."
سكنت السعادة وجهه، وهو ينظر لها بفرحة طاغية وأعين لامعة. كاد يحتضنها، لكنها ابتعدت تقول:
"ها!"
امتعض وجهه وهو يسألها:
"ليه الفرهدة يعني! ونتجوز من جديد وبتاع!"
"بص يا سليم، أنت اتجوزتني مجبر، وكان جواز سلق بيض، وعشان نعرف نعيش حياتنا صح لازم نصلح كل حاجة. أولها نطلق، ثانيها نتخطب، وبعدين نبقى نتجوز."
"نعم يا أختي خطوبة إيه!"
ابتسمت بدلال تقول:
"سنتين يا سولي."
صرخ بوجهها يقول:
"نعـــم؟! سنتين ليه؟ هنتعرف على بعض من جديد! ولا لسه هكون نفسي!"
ردت ببرود:
"آه، هو أنا أعرفك! هكتشفك من جديد وأنت كذلك. وكمان لازم تقنعني أتوزجك عشان منفركش لاسمح الله."
جحظت عيناه بصدمة وهو يطالعها بعدم تصديق، بينما أكملت:
"أنا مش بعاقبك على فكرة، بس إحنا لازم نبدأ كل حاجة صح. وفترة الخطوبة كويسة نتعرف فيها على بعض. أنت فعلاً في حاجات كتير أوي متعرفهاش عني، وكمان تساعدني أنسى كلامك ليا، عشان لما نتجوز تبقى قلوبنا صافية."
رد بضيق:
"سنتين كتير ياداليا، خليها 6 شهور."
نظرت له بجدية:
"لأ."
اقترب قليلاً يقول بهمس وصوت دافئ:
"وحياتي عندك، خليها 6 شهور وأنا هحبك أكتر."
توترت قليلاً وهي تنظر للرجاء بعينيه. زفرت بضيق وقالت:
"سنة يا سليم، ووالله ما هنزل يوم."
ركل الأرضية بقدمه يقول:
"أمري لله، ربنا يصبرني."
هتفت بتحذير:
"بتقول حاجة يا سولي!"
"لا ياروحي أبدًا، لكن قررتي امتى تعفو عني؟"
"لأ، من وقت ما جتلي في ميلانو."
قطب حاجبيه باستغراب وقال:
"بجد؟ اومال إيه طلاق ومش طلاق!"
رفعت كتفيها بدلال تقول:
"أنا كان قصدي نتجوز تاني. أنا وقتها اقتنعت بكلامك، بس مكملتش وسكت عند الطلاق عشان أشوف رد فعلك. وبصراحة اتوقعت هتغلط أو هتمشي وتطلقني، متخيلتش كل اللي عملته بعدها."
هتف بغيظ:
"يعني كل ده كان ضغط عليا!؟ بتختبريني؟"
"مش من حقي أطمن لجوزي المستقبلي، وأشوف العصبية والتهور طبع فيه ولا كان وقتها وراح."
رد بتهكم:
"واطمنتي؟"
هزت رأسها نافيه بابتسامة:
"مش بس كده، واتأكدت."
"من إيه؟"
ردت بخجل:
"أنك بتحبني بجد."
ابتسم بعبث وقال:
"بحبك بس! مش بعشقك!"
تغاضت حديثه وهي تقول:
"يلا نمشي."
اقترب حتى أمسك ذراعيها ونظر لعيناها يقول:
"مش قبل ما تعترفي."
ردت بخجل:
"أعترف بإيه؟"
نظر لها بمغزى وصمت. رفعت وجهها له وقالت بهمس طقته بسهولة:
"أنت حب عمري ياسليم.. بكل الحب سامحتك وبكل الحب مش عاوزة غيرك في حياتي."
ابتسم بعشق يقول:
"بكل الحب... حبيتك."