تحميل رواية «بك احيا» PDF
بقلم ناهد خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
إبليس حين أراد أن يثبت أفضليته تمرد وخرج عن طاعة الله لأنه رأى ذاته مميزًا فأراد أن يظل هكذا. حين ترغب نعجة في أن تظهر ذاتها تشرد عن القطيع فتُسلط الأنظار عليها. وإن أراد الممثل أن يلفت الأضواء ما عليهِ سوى الخروج عن النص. ولأني ذكرت جنون "التميز"، دعوني أذكر جنون آخر يمكن أن يقودك لنفس الطريق ألا وهو "التحرر". ولأنني ذكرت الجنون، فحين أذكر التحرر سأذكر التحرر الجنوني الذي يأتي بعد كبتٍ قاسٍ. بعد أن كنت تفعل كل شيء صواب كما ذكره الكتاب، تفعل كل شيء خطأ كما لم يعرفه أحد من قبل. كأسد جائع حُبس في...
رواية بك احيا الفصل الأول 1 - بقلم ناهد خالد
إبليس حين أراد أن يثبت أفضليته تمرد وخرج عن طاعة الله لأنه رأى ذاته مميزًا فأراد أن يظل هكذا.
حين ترغب نعجة في أن تظهر ذاتها تشرد عن القطيع فتُسلط الأنظار عليها.
وإن أراد الممثل أن يلفت الأضواء ما عليهِ سوى الخروج عن النص.
ولأني ذكرت جنون "التميز"، دعوني أذكر جنون آخر يمكن أن يقودك لنفس الطريق ألا وهو "التحرر".
ولأنني ذكرت الجنون، فحين أذكر التحرر سأذكر التحرر الجنوني الذي يأتي بعد كبتٍ قاسٍ.
بعد أن كنت تفعل كل شيء صواب كما ذكره الكتاب، تفعل كل شيء خطأ كما لم يعرفه أحد من قبل.
كأسد جائع حُبس في قفص كريه لسنوات ثم كُتب له التحرر، تُرى كيف ستكون حالته؟
وذِكري للتميز والتحرر لم يكن عبثًا، فكلا الشعورين كانا سببًا أساسيًا في نشأة "الشيطان الأول".
***
منتصف مارس لعام ١٩٨٠.
فتحت باب الشقة بوجهًا شاحبًا وهي تتلفت حولها بذعر، في حين تفتح الباب بكل حرص كي لا تصدر صوتًا يكشفهما.
اتسعت عيناها حين ظهر شاب في مقتبل العشرينات يصعد درجات السلم، لتهمس شفتاها بحدة:
_ اخلص يلا، ده الي اتفقنا عليه يا حسن!
سئم وجهه وهو يدلف من باب الشقة مرددًا بضيق جلي:
_ هو احنا في حضانة! سهرت مع صحابي مفيهاش حاجة يعني.
أغلقت الباب بروية وهي توبخه:
_ أنتَ عارف طبع أبوك، وعارف أنه محدد مفيش تأخير بعد ٩.
ذم شفتيهِ حانقًا وقال بسخرية:
_ ٩ دي بنبقى لسه بنفكر هنخرج فين! ده أنا لو عيل عندي ١٥ سنه هتأخر عن كده.
وضعت سبابتها على فمها تلزمه الصمت:
_ هش، اسكت بقى وادخل غير ونام قبل أبوك ما يحس بينا.
_ ونعمة التربية، بقى بتداري عليه بدل ما تسمعيه كلمتين في عضمه على تأخيره!
انتفضا بذعر حين تهادى صوت والده لهما، ليضرب التوتر جسد الأم وهي تحاول النطق لتبرر فعلتها:
_ م.. ماهو أصل... هو يعني...
كانت ملامحه صلبة، تتجلى بها القسوة بوضوح. أب تقليدي يمثل نموذجًا للأب الذي يريد لكل شيء أن يسير بنظام دقيق، لا يوجد مجال للخطأ. أرستقراطي منمق، يهتم بمظهره بين العائلات الراقية التي تعد عائلته احدهن، لذا فهو متشدد لأبعد حد في تربية أولاده "حسن، ونبيل"، فلن يسمح لأي منهما بأن يكون مثالاً للشاب الفاسد، سيء الخُلق.
بجموده المعهود كان يعقب:
_ عرفتِ ليه مبسمحش لكِ تتدخلي في تربيتهم! عشان أنتِ أم فاشلة، مش مهتمة بمصلحة عيالها، وفالحة بس تدلعيهم وتداري وراهم. كل مرة بتثبتيلي إن كان اختياري ليكِ غلط زي ما أمي كانت شايفة. كان لازم اختار واحدة قد المسؤولية وتقدر تشيل اسم عيلة "وهدان".
أغمضت عيناها بسأم ووجع، فكالعادة من غيرها سيناله الجزء الأكبر من التوبيخ. وعن "حسن"، فرغم خوفه من بطش أبيه الذي يدركه جيدًا وقلقه مما سينتهي إليهِ الأمر، إلا أنه شعر بالحزن على والدته المسكينة التي لطالما تحملت هي الجزء الأكبر من كل شيء، حتى العقاب أحيانًا.
استمع لجملة والده التي قرر بها إنهاء النقاش:
_ رحلة أوروبا اتلغت، وبعد كده مشوفش عليك غير قمصان بدل المنظر المقرف ده.
وبالطبع لم يفوته التعليق على القميص الشبابي الذي يرتديه "تيشرت"، فلطالما تحكم في كل شيء يخصهما وعليهما التنفيذ دون جِدال.
اختفى من أمامهما ليتحرك "حسن" بعنف نحو غرفته ووالدته تتبعه. ما إن دلفَ الغرفة حتى خلع قميصه ملقيًا إياه أرضًا بهمجية لتعلم والدته أنه قد حان وقت انفجاره.
_ هو بيعمل معانا كده ليه؟ احنا مش صغيرين! بيتحكم في كل حاجة نلبس ايه وايه لأ، نخرج ولا منخرجش، نرجع امتى، ناكل ازاي، ونتكلم ازاي، نصاحب مين، ونقاطع مين.. ده ناقص يتحكم في النفس الي بنتنفسه!
وضعت كفها على فمه كي لا يصل صوته لوالده وهي تقول:
_ يابني وطي صوتك ليسمعك.
أزاح يدها بضيق وهو يقول بهياجٍ:
_ يسمع، مبقاش يهمني.
وللحقيقة هو كاذب كبير، فكيف لا يهمه وهو يرتعب منهُ! كيف لا يهمه وهو يرتجف أمامه، حتى أنه لا يستطيع التحدث بطبيعية دون لجلجة! والده هو النقطة السوداء التي لا يستطيع تخطيها مهما كبر.
عاتبته وهي تقول:
_ ما أنتَ لو بس تعمل زي أخوك وتسمع الكلام.
اغتاظ أكثر ليصرخ بها:
_ أنا مش زي حد.. ومش هبقى تابع زيه، أنا أحسن منه، على الأقل بعبر عن شخصيتي مش ضعيف زيه.
هزت رأسها يائسة:
_ وهو أنجح، يمكن ضعيف، بس مع شخصية زي أبوك الضعف قوة. هو ضعيف فبيعمل كل الي أبوك بيقوله، في المقابل أبوك حابه وبيعمله الي هو عاوزه، وأخوك أهو بقى عنده شغل خاص بيه ومعاه فلوس حلوه بعيد عن أبوك. أنتَ بقى حياتك ايه؟ معاك ايه؟ ومستقبلك فين؟ أنتَ لدلوقتي مستني المصروف الي أبوك بيدهولك، ولما بيعاقبك ويقطعه بتلف حوالين نفسك.. مين بقى الذكي فيكوا؟
اشتعلت عيناه بالغضب وهو يسمعها تعدد مزايا شقيقه وما أصبح يملكه، ليضغط على أسنانه بقسوة وقال:
_ مهما حاول يعمل أنا برضو احسن منه، وبالنسبه لمستقبلي بكره تشوفي الفرق بيني وبينه.
طفرت عيناها بالدموع على الوضع البائس الذي تعيشه منذُ أكثر من عشرين عامًا مع زوجها، ومؤخرًا أصبحت تقع في المنتصف بينه وبين أولادها. غمغمت بتعب:
_ مش عاوزه اشوف الفرق، أنا عاوزه ارتاح من المشاكل بينكوا وبينه، ارحموني بقى لوجه الله.
أنهت حديثها وانسحب من أمامه تبكي رثاءً على حياتها التي لم تنعم فيها بالراحة قط ومازالت الالام مستمرة.
رمى بجسده فوق الفراش ناظرًا لسقف الغرفة ليتصلب وجهه وتحتد عيناه وهو يردد لذاته:
_ بكره يعرفوا أنا اقدر اعمل ايه، وإني احسن من الكل.. بكره الباشا يعرف إن المكانة مش بس باسم العيلة ولا بكونه لواء، بكره يعرف إن الشاطر هو الي يخلق لنفسه مكانة بين الناس بشخصيته والاعيبه الخاصة.. تيجي بس الفرصة وأنا هدفع كل واحد استقل بيَّ في يوم التمن.
وكان وعدًا قطعه على ذاته في لحظة غضب. وحينها لم يكن يعرف سبيل الوفاء بوعده هذا، لكن القدر وضع أمامه فرصة من ذهب للوفاء بهذا الوعد بعد ثلاثة أعوام تحديدًا.
***
أوائل نوفمبر لعام ١٩٨٥.
إن نظرت على الشقة وأنت واقف فوق الدرج المواجه لها لن تتخيل أبدًا أن من بالداخل تلقوا للتو خبر وفاة رب الأسرة أثر أزمة قلبية مفاجئة مكث على أثرها يومان فقط في المستشفى، وفي يومنا الثالث هذا توفته المنية.
هذا السكون الغريب في موقف كهذا يثير بداخلك الكثير من التساؤلات حيال الأمر. هل هدوئهم هذا من الصدمة؟ أم الميت لا يشكل أهمية لهم؟ هل يكنون له كرهًا كبيرًا لدرجة أنهم لم يحزنوا لوفاته؟
وبالانتقال لداخل الشقة التي دُون على بابها من الخارج من خلال يافطة صغيرة "شقة اللواء/ منصور محمد وهدان".
وفي صالتها نجد باقي أفراد الاسرة المتمثلين في الأم، وحسن، ونبيل الذي يكبره بعامان فقط. كلاً منهم يجلس على كرسي منفرد وشارد.
وخلف هذا الشرود أمور مبهمة، حتى نطق "حسن" بعدما وقف:
_ اعتقد المفروض نروح نستلمه وندفنه، ولا مش ناويين؟ أنا عن نفسي مش فارق معايا كتير.
رفعت والدته رأسها وعيناها قد مُلئت بالدموع الصامتة، وحدثته بصوتٍ خافتٍ يدل على ارهاقها أو عدم رغبتها في الحديث:
_ ميصحش الي بتقوله ده يا حسن، ده مهما عمل أبوك.
ابتسامة قاسية زينت ثغره وهو يحدقها بحدة قائلاً:
_ ابويا! انهي أب ده!؟ الي حرمني من البنت الوحيدة الي حبتها وراح لبس ابوها تهمة عشان يبعدها عني، ولا الي حرمني ادخل الكلية الي بحبها وقضى على حلمي؟ ولا يكون قصدك على ابويا الي بسببه قطعت علاقتي بصديق عمري؟ ولا الي كان بيتخانق معايا وبيضربني اكتر ما بيقولي صباح الخير؟ وليه كل ده، فاكره يوم جدي ما مات لما شافني بعيط عليه عمل ايه؟ فاكره هاني ازاي قدام الناس وضربني بالقلم مرعاش إني كان عندي عشرين سنة مش صغير وقالي "أنتَ مش حُرمه!". ده من كتر قسوته مزعلش على ابوه! دلوقتي عوزاني ازعل عليه؟ طب ليه؟ ده طول عمره لافف طوق حولين رقبتي منفكش غير دلوقتي.. أنا عمري ما اعتبرته ابويا ولا عندي أي مشاعر له.
هنا قرر شقيقه الهادئ، المطيع "نبيل" الخروج عن صمته معقبًا بضيق:
_ تزعل عليه عشان أنتَ إنسان، عشان مهما عمل هو أبوك، ميصحش برضو تتكلم عليه كده، هو كان بيعلم أي حاجة شايف فيها مصلحتك.
لم يكن عليهِ التحدث أبدًا، لم يكن عليهِ الدفاع عنهُ، فتدخله في الأمر جعل شياطين الجن تتراقص أمام أعين "حسن" الذي أحمر وجهه من فرط الغيظ وهو يهتف بحركات جسد متعصبة:
_ طبعًا لازم تدافع عنه، مش ابنه الحيلة، المفضل الي مش شايف غيره.. بس نصيحة مني بقى خليك في حالك عشان مزعلكش.
لم يُعجب "نبيل" بطريقته في الحديث خصوصًا حين رُسخت برأسه فكرة أنه الأكبر ولا يجب عليهِ السماح لشقيقه الأصغر بالتحدث معه هكذا دون احترام، فنهض قائلاً باحتجاج:
_ حسن متنساش إني أخوك الكبير، ثم أنا بتكلم في الصح.
وبهياج أكثر ردَ "حسن":
_ وأنا مش عاوز اسمع منك حاجة، وأقولك مش أنتَ ابنه المفضل روح يلا وصله لمثواه الأخير، كده كده هو مش هيحب إني أكون موجود، زيي تمام.
انهى حديثه متجهًا صوب باب الشقة لتوقفه والدته متسائلة ببكاء:
_ رايح فين يابني بس؟ استهدى بالله مينفعش الي بتعمله ده.
التف نصف التفاته وهو يردد بملامح كارهه:
_ استهدوا انتوا.. كفاية الزوجة المثالية الي بتعيط على جوزها، والابن المثالي الي هيروح يدفنه. أنا بقى مليش في حوارات الأفلام دي، هروح اقعد مع صحابي على القهوة.
انهى جملته وخرج دون الالتفات لحديث وصراخ والدته خلفه.
"القسوة حين تحتل القلب ستتحول بكل جوارحك لشيطان صغير، لن تجد الإنسانية طريقًا إليكَ لا في مواقفك ولا مشاعرك. القسوة من أكثر المشاعر القادرة على تدمير العلاقات بل وتحوليها لعلاقات مأساوية. ربما نتحمل الشخص العصبي، العنيف بعض الشيء، المتهور، أو حتى بارد المشاعر، ولكن الشخص القاسي قسوته تولد داخلنا شعور بالمقت له يزداد مع الوقت حتى يصل للذروة فينشأ جدار منيع بيننا وبينه يمنع عودة أي مشاعر جميلة تجاهه."
***
أوائل اغسطس لعام ٢٠٠٠.
ركض لوالدته التي تعد له عصير المانجو الطازج لكي ينعشهم في مثل هذا الجو شديد الحرارة. صعد على كرسي وُضع أسفل رخامة المطبخ العالية ليصبح الآن في طول والدته تقريبًا فقال بحماس طفولي:
_ عاوز ادوق المانجا قبل ما تعصريها.
نظرت لطفلها الشقي ذو الخمس سنوات، ورغم شقاوته إلا أنه يأسرها بحديثه وابتسامته وعيناه التي تجمع بين اللونين الأخضر والرمادي فأعطت مزيج رائع ورثه من والدها. كلما نظرت له تتذكره فورًا وكم كان عزيزًا على قلبها فأزاد من عزية الصغير لديها. ابتسمت له بلطف وهي تقول:
_ عمرك ما هتبطل طباعك دي صح؟ كام مرة قولت أكل المانجا كتير غلط؟ مش لسه واكل الصبح.
وبفطنته المعتادة كان يقطب جبينه متسائلاً باستنكار:
_ يعني أكلها غلط وشربها صح؟!
رفعت حاجبها بتحدي وهي تقول:
_ صدق أنتَ صح، يبقى لا أكل ولا شرب.
شهق بطفولة وهو يستمع لحديثها ثم قال بترجي:
_ لا يا مامي بليز نفسي فيها.
وقبل أن يصدر منها ردة فعل كانت تستمع لصوت الباب يُفتح فعلمت أنه بالطبع قد أتى زوجها المصون، فتركت ما بيدها خارجة للصالة وخلفها الصغير الذي اتبعها بملامح عادية فهو لم يكن يومًا قريبًا لوالده بالشكل الذي يدفعه للتهليل حين يرى قدومه.
خرجت للصالة لتجده قد أتى بالفعل ولكن معه سيدة تبدو في أواخر العشرينات ومعها فتاتان، أحدهما ربما في الثانية من عمرها والأخرى مازالت رضيعة تحملها والدتها يبدو أن عمرها لم يتخطى الشهر بعد.
ما إن أبصر "حسن" زوجته قد خرجت حتى قال بفظاظة:
_ دي الخدامة الي قولتلك عليها.
اغتاظت من اللفظ الذي نعته بكل غرور دون رفق بتلك السيدة التي نكست رأسها أرضًا بانكسار، فقالت بضيق:
_ قولتلك مش محتاجة حد.
رفع منكبيهِ ببرود:
_ يمكن مش محتاجة هنا عشان في النهاية دي شقة حتى لو واسعة شوية، لكن احنا كمان يومين هننقل لفيلا اعتقد وقتها هتحتاجي.
اتسعت عيناها دهشًة وسألته:
_ هننقل لفيلا؟ بس أنتَ معرفتنيش قبل كده!
بملل ظهر بعيناه كان يجيبها:
_ مجتش مناسبة.
ارتفع صدرها من قوة تنفسها وهي تهتف من بين أنفاسه المتسارعة:
_ مجتش فرصة! وافرض مش عاوزه اسيب الشقة ومرتاحة فيها!
زفر أنفاسه بقوة متحليًا بكل ما لديهِ من صبر:
_ مش بمزاجنا، مكانتي الاجتماعية بتحتم عليَّ أعيش في مكان مستواه اعلى من ده.
كادت تتحدث ثانيًة تخبره أنها لا تهتم لمكانته تلك التي تفرض عليهم أشياء لا يرغبونها، لكنه قاطعها بنظرة حادة:
_ خلاص يا ليلى الموضوع منتهي.
وصمتت "ليلى" فهي تعلم هذه اللهجة جيدًا بعدها لا يوجد مكان للمجادلات. ضغطت على ذاتها وهي تتقبل الوضع مُرغمه، وأردفت بتساؤل:
_ وعيالها؟
_ هي قالت أنها هتقدر تشتغل بيهم، عمومًا هنجربها أسبوع لو مش تمام في ألف غيرها، بس أنا اخترت دي عشان جوزها هيشتغل جنايني في الفيلا الجديدة وفيها اوضة في الجنينة قولت تبقى لهم.
تبعته السيدة وهي تقول سريعًا:
_ صدقيني يا هانم مش هتحسي بالعيال خالص ولا هأثر معاكوا في شيء.
زفرت "ليلى" بضيق مغمغمه:
_ أتمنى، اسمك ايه؟
ردت سريعًا:
_ دينا.
ألقت نظرة سريعة على الطفلتين وتسائلت:
_ وهما؟
أشارت "دينا" على الفتاة الواقفة جوارها وقالت:
_ دي سارة.
ثم أشارت على الرضيعة وهي تقول:
_ ودي خديجة.
اومأت "ليلى" برأسها وهي تعود أدراجها للداخل بعد أن قالت:
_ تعالي ورايا أوريكِ شغلك وكمان في اوضة جنب المطبخ تقدري تستخدميها لحد مانمشي.
وعلى الفور كانت تتبعها "دنيا" بتلهف على تلك الوظيفة التي تأمل أنها ستكون سبيلاً لرفع دخلهم.
ظل الصغير واقفًا محله تحت نظرات أبيهِ المتفحصة والذي تسائل:
_ عملت ايه مع الولد الي قولتلك عليه؟
ابتلع الصغير ريقه وهو يقول:
_ مبقتش اكلمه خلاص.
_ شاطر.
رَدَدَها ببرود، ليتشجع الصغير قليلاً ويسأله:
_ بس ليه حضرتك قولتلي اقطع علاقتي بيه، هو كان my best friend "صديقي المفضل" وكمان هو كان كويس وباباه ضابط زي مانا عاوز أكون لما اكبر.
اقترب خطوتان كبيرتان منه حتى أصبح أمامه تمامًا مما فزع الصغير قليلاً لينحني "حسن" ممسكًا بذراع الصغير بقوة غير مباليًا بضعفه، وهتف بنبرة قاسية:
_ قولتلك ميت مرة شيل حكاية الضابط من تفكيرك خالص، لا هتطلع ضابط ولا زفت، ولما اقولك تقطع علاقتك بحد تنفذ من غير نقاش سامع؟
لم يرد الصغير من خوفه فصرخ بهِ "حسن" وهو يهزه:
_ ساااامع؟ رُد.
وهنا انفجر الصغير باكيًا من ضغط والده عليهِ وقسوته. وبعد ثانيتين استمع لصوت منقذته وهي تهتف بعجالة قبل أن تجذبه بعيدًا عن أبيه:
_ في ايه يا مراد؟ مالك يا حسن بتزعقله كده ليه؟ ده لسه صغير!
استقام ناظرًا لها بجمود قبل أن يردف:
_ الواد ده هتبوظيه بدلعك، بس لكل شيء حد، وهييجي وقت اقولك ملكيش علاقة بتربيته خالص.
هزت رأسها بعدم استيعاب:
_ ده طفل!
التوى فمه متهكمًا:
_ من شبَ على شيء شاب عليه، ومش هقف اتفرج لحد ما يكبر ويكون شاب مستهتر ولا فرفور. (ترى أنرى حسن بالفعل أم والده الآن!!)
لم تعقب على حديثه يأسًا من إقناعه، ولم ينتظر أن تعقب أساسًا فانسحب من أمامهما. فهبطت لمستوى صغيرها واحتضنت وجهه قائلة بحنو:
_ حبيبي كفاية عياط بقى، معلش بابا عنده مشكله في الشغل عشان كده اتعصب عليك.
بشهقات متقطعة من بين بكاءه كان يجيبها:
_ هو على طول بيزعقلي.
ذمت شفتيها بحزن وقالت:
_ عشان على طول عنده مشاكل في الشغل، سوري يا حبيبي متزعلش.
بدأ يهدأ قليلاً لكن توقف عن البكاء تمامًا حين استمع لصوت صغير يشبه مواء القطط يبكي، ليكتم أنفاسه يستمع للصوت حتى مرَ عدة ثواني، فنظر لوالدته يسألها بتعجب:
_ هو ايه ده؟
ابتسمت له بهدوء:
_ البيبي بيعيط.
صمت لثانية واحدة قبل أن يردف بحماس:
_ ينفع اشوفها؟
مسدت على كتفه بحنو وهي تقول:
_ ينفع يا حبيبي روح.
ركض من أمامها متشوقًا لرؤية ذلك الكائن شديد الصِغر غير مدركًا أن هذه النظرة التي ستقع عليها ستفتح باب الشقاء.
وعنها فنظرت لأثره بضيق وحزن وهي تغمغم:
_ استغفر الله العظيم، ربنا يهديك يا حسن.
ونتائج القسوة شطرين، الشطر الأول أن الذي عانى من القسوة لا يسمح لغيره بأن يعيش نفس المعناة فيسعى جاهدًا أن يكون حنونًا قدر المستطاع. وهذا انسان سوي!
والشطر الثاني أن يكن الأمر بالنسبة له مسألة انتقام، فيسعى لأن يذوق الجميع ما ذاقه. وهذا إنسان اختلط الشر بدمائه! كحسن! الذي اطبع نهج والده وأسوء في تربية طفله!
رواية بك احيا الفصل الثاني 2 - بقلم ناهد خالد
انتهت مراسم الدفن، ووقف أمام قبر والده بملامح جامدة، عيناه تحكي الكثير لكنه صامت.
شريط ذكرياته مع والده يمر أمامه، ليرى كل موقف جمعه به يومًا. وأكثر ما يحزنه أنه مؤخرًا لم يكن بأحسن حال معه. كانت خلافاتهما كثيرة، منذ واقعة حكايته هو وخديجة، ولم تعد علاقته بوالده كسابق عهدها. ويكفي أنه لم يكن يراه سوى مرة واحدة كل ستة أشهر تقريبًا. ليأخذه الموت فجأة قبل أن يراه منذ آخر مرة، والتي كانت من سبعة أشهر.
ولسخرية القدر، أنه بالأمس كان يفكر أن يقوم بزيارة سريعة بنهاية الأسبوع. زيارة عُجلت بخبر غير سار بالمرة.
انتبه لكف إبراهيم الذي وُضع فوق كتفه ليلتف له، فسمعه يقول:
_ هِم بينا يا باهر، ملهاش عازة الوجفة دي.
قطب ما بين حاجبيه وهو ينظر له بتفحص، وأردف متسائلاً:
_ چرا إيه يا إبراهيم؟ كأن الميت مش أبوك!
قطب إبراهيم ما بين حاجبيه هو الآخر، ولكن بضيق، وأجابه:
_ وه! مش أبويا كيف يعني؟
احتدت ملامح باهر وهو يقول:
_ يعني مشوفتش حزنك، ولا حتى فكرت توقف جدام قبره تجراله الفاتحة ولا تدعيله!
رفع جانب شفته العليا ساخرًا وقال:
_ الحزن في القلب يا ولد أبوي، مش لازم الناس كلها تشوف حزني عشان أكون حزين. وإن كان على قراية الفاتحة، جرتها في سري.
أنهى جملته والتف راحلاً، وقد قرر تركه. فليقف هو ينعي والده كما يحب.
التفت باهر ونظر لقبر والده بنظرات حزينة قائلاً:
_ واضح إن قسوة قلبه مش بس على الحريم زي ما كنت دايمًا تقولي، قسوة قلبه طبع فيه حتى على أقرب الناس له.
ظل واقفًا لبعض الوقت، ينعي والده أحيانًا، ويدعو له أحيانًا أخرى. وبين هذا وذاك، تفيض عيناه بدمع الحزن، ويصرخ قلبه شوقًا للغائب من الآن.
***
في بيت منصور وهدان.
اجتمع النساء بساحة المنزل، ومن بينهن العمة وابنتها وابنة شقيقها التي لم تدلف لهذه البلد منذ سنوات. لكنها اضطرت أن تفعلها حين أتاها خبر وفاة عمها. أتت مع ابنة عمتها، لاحقين بباهر الذي شق طريقه قبل وصول الخبر إليهما.
رفعت عيناها تتابع أفعال عمتها بصمت، التي لم تكف عن النواح. لم يخيل عليها كل ما تفعله، تشعر أنها تصطنع الحزن وبداخلها الله وحده هو العليم به. لكنها تعلم جيدًا أن عمتها لا تحزن على أحد، ولا تهتم لأحد. فإن كانت ابنتها نفسها لا تفرق معها، سيشكل آخر الفارق.
أشاحت بنظرها جانبًا لتجد نظرات فريال المتورمة عيناها من البكاء تتابعها، فسألتها باستغراب:
_ بتبصيلي كده ليه؟
وبصوت مبحوح كانت تجيبها بخفوت:
_ مش ناوية تكلميها؟ أنتِ حتى مفكرتيش تعزيها.
قلبت عيناها بعدم رضا وأجابت:
_ أعزيها في مين؟ هو اللي مات مش خالي برضو!
هزت فريال رأسها بحزن جم:
_ مش واضح يا خديجة، شكلك مش فاكرة له حاجة حلوة عملها معاكِ، كأنك قاعدة في عزا حد غريب!
وبجفاء كانت تجيب:
_ لا فاكرة، وربنا يعلم إني زعلانة عليه، بس أعتقد برضو عشر سنين بُعد كفيلة تغير في العلاقة. بس ده ميمنعش إني بجد زعلانة عليه. بس يمكن همي ووجعتي مخلياني مش حاسة بحاجة أصلًا.
رددتها بسخرية وهي تعود بنظرها للأمام مرة أخرى، فاشفقت عليها فريال، التي وضعت كفها على كتف الأخرى تواسيها وهي تقول:
_ هو جه معانا ليه؟
تنهدت بخنقة وهي تجيبها:
_ على أساس إنك محضرتيش الخناقة اللي حصلت.
صمتت فريال وهي تتذكر كم تجادلت معه لكي لا يأتي معهما، ولكن كل محاولاتها باءت بالفشل وهو يعلن انتصاره رغمًا عنها.
أما خديجة، فنظرت أمامها بشرود وهي تتذكر آخر جدالهما، والذي لم تحصد منه نتيجة.
***
بعدما تلقت صدمة صحة أوراق الزواج، ظلت لثواني صامتة بصدمة لم تستطع تجاوزها إلا بعد بعض الوقت. وحين بدأت تستوعب الصدمة، كان أول ما قالته:
_ بس كده جواز باطل، أنتَ اتجوزتني باسم غير اللي أنا وافقت عليه، مش مهم يكون الورق سليم، أنا وأنتَ عارفين إنك لعبت عليَّ واتجوزتني بالخداع.
اقترب خطوتين ليصبح أقرب منها وأردف بابتسامة متكاسلة:
_ بالضبط، أنا وأنتِ عارفين.
اتسعت عيناها بذهول وهي تسأله:
_ قصدك إيه؟ قصدك إنك هتمشي الموضوع عشان ميعرفوش غيرنا!
أومأ بصمت، لتهز رأسها عدة مرات نافية بعدم تصديق وهي تخبره:
_ وربنا؟ ربنا اللي شايفنا وعارف إنه جواز باطل!
قطب ما بين حاجبيه بعدم اهتمام لحديثها وهو يسألها بهدوء بارد:
_ وايه الحل؟
نهضت واقفة في مواجهته وقالت بملامح صارمة ونبرة لا تقبل التراجع:
_ عاوزة أطلق، إحنا استحالة نكمل مع بعض، اللي اتبنى على كدبة عمره ما هيستمر.
رفع حاجبيه ضاحكًا بسخرية وهو يقول:
_ أطلقك؟ واضح إن الحقيقة أثرت على دماغك، ببساطة أنا معملتش كل ده عشان في الآخر أطلقك! إنك تلمسي السحاب بإيدك أقرب لك من الطلاق.
ارتفع صوتها ونفرت عروق وجهها وهي تصرخ به بغضب تملك كل ذرة بها:
_ أنا مستحيل أفضل على ذمتك، ولو أنتَ مش خايف من ربنا بجوازنا الباطل ده، أنا خايفة منه ولو عملت إيه مش هكمل في حكاية خايبة زي دي. وصحيح أنتَ هتخاف من ربنا إزاي وأنتَ قتّال قتلة.
الصوت العالي يثير غضبه ويستفزه لدرجة بالطبع هي لا تعرفها، لذا هدأ من انفعالاته بالكاد وهو يبتسم باقتضاب قائلاً بنبرة ساخرة، سرعان ما تحولت للجدية واختفت ابتسامته:
_ قتّال قتلة! ده عشان جريمة حصلت زمان وأنا لسه عيل ١٣ سنة! بتحاسبيني على إيه أنتِ؟ لا بجد بتحاسبيني إزاي على حاجة أنا مكنتش قاصدها؟ هو لما اتنين عيال يلعبوا مع بعض وواحد يزق التاني يفتح له دماغه، بيحاسبوا العيل آه عشان يعرف إن ده غلط، لكن بيفضلوا يفكروه بذنبه العمر كله؟ محدش بيحاسب طفل يا خديجة.
أدمعت عيناها بشدة وهي تهمس باختناق:
_ بس دي ماتت! دماغها متفتحتش وبس!
جمدت معالم وجهه وهو يقول:
_ سيان، أكيد الذنب أكبر، بس في الحالتين طفل. مكنتش أعرف إن حبسها هيأذيها أصلًا. أنا عملت ده عشانك! عشان كنت خايف عليكِ ومبتحملش حد ييجي جنبك! أنتِ ليه مش قادرة تفهمي ده؟ أنا أي حاجة عملتها عشانك، ولولا خوفي عليكِ عمري ما كانت جيت جنب سارة أصلًا!
أصدرت صوت ساخر من حنجرتها وهي تهز قدمها اليمنى بعصبية بالغة بينما تردد:
_ يعني أنا السبب في اللي حصل لأختي في الآخر! أنا مقولتلش روح أأذيها! مقولتلش تعملها حاجة أصلًا، أنتَ اللي يومها فضلت تقولي مينفعش تسيبي حقك ولما حاولت أخرجها أنتَ اللي منعتني.
_ عشااانك..!
صرخ بها بعدما ضاق ذرعه من عدم محاولتها لتقبل الحقيقة حتى، وصوته كان أعلى من صوتها بكثير، حتى أنها انتفضت في وقفتها من صرخته المفاجئة. وخرج على إثرها مصطفى، الذي فضل الصمت منذ البداية وعدم التدخل، ولكن يبدو أن الأمر سيخرج عن السيطرة. وكذلك فريال، التي خشيت أن يتطور الأمر أكثر، فاسرعت في الخروج للصالة هي الأخرى.
والاثنان صمتا وهما يريان اللذان خرجا للتو. وخديجة، التي شحب وجهها وهي تدرك الآن أن سرها قد كُشف وعلم شقيقها وابنة عمتها به. وكان همها الأكبر هو شقيقها، لذا نظرت له بقلق وهي تزدرد ريقها بصعوبة، بينما لملامحه غير المقروءة. وما إن حاولت التحدث حتى وجدته يقاطعها وهو يباشر بالحديث متسائلاً:
_ أنا محتاج أفهم تفسير للي سمعته، أي الحكاية؟ هو إزاي قتل اختنا؟
بهتت ملامحها أكثر وانعقد لسانها عن الرد، ليتولى هو ضفة الحديث وهو يقول بهدوء تام:
_ أنا هحكيلك يا مصطفى.
وسرد كل شيء على مسامع الواقفين. وأثناء سرده، كان يُعاد كل مشهد أمام أعين خديجة مرة أخرى. ففي منتصف حديثه، وضعت كفيها فوق أذنيها رافضة سماع المزيد. حتى شعرت به قد انتهى، فأزالت كفيها وحل الصمت لدقائق، لا يقطعها سوى صوت الأنفاس. حتى هتف مصطفى أخيرًا:
_ قضاء ربنا.
ابتسامة ماكرة ونظرة منتصرة زينت عيني صاحبنا، ونظرات مندهشة غير مصدقة كانت تنبعث من عيني صاحبتنا، التي نطقت بدهشة:
_ إيه؟ يعني إيه؟
بدى مصطفى أكبر من عمره بكثير الآن وهو يتحدث بهذه العقلانية والجدية:
_ يعني أكيد الموضوع مش سهل، وأكيد هو مذنب، بس هتحاسبي مين يا خديجة؟ هتحاسبي حد كان بيتصرف بعقلية طفل وقتها؟ أكيد مش هتحاسبيه بالشكل ده طول العمر كأنك بتحاسبي واحد كبير!
ضحكت باستنكار شديد وهي تستمع لحديثه، بينما نظرت بعدها لفريال كأنها تحثها على قول رأيها هي الأخرى، فقالت:
_ سارة ربنا يرحمها، بس يا خديجة لو كانت الشرطة عرفت مين مرتكب الجريمة وعرفت التفاصيل بالضبط بالأدلة، ما كانش هيتحبس، لأنه أولاً طفل، ثانيًا قتل غير عمد. القانون بيعاقب الأطفال فوق سن الـ ١٥ سنة، والأقل من كده لما بيرتكب جريمة عن قصد، ياما بيسلموه لمدرب تأهيل أو مؤسسة إصلاح، أو في مستشفى لو لقوا عنده مشكلة نفسية. يعني في أي حال مبيتعاقبش زيه زي الكبير. وقتها هو أكيد ما كانش فاهم حاجة في القانون، ياما كان سلم نفسه لأنه أكيد كان هيخرج. بس في نفس الوقت مين كان شاهد على اللي حصل فعلاً عشان يتبرأ والحكومة تصدق إنه قتل خطأ؟ مفيش حد غيرك، ويا عالم كانوا هياخدوا بشهادتك ولا هيعتبروكِ شريكة له وتحتاجوا للي يشهد ليكوا انتوا الاتنين. وكده كده في الآخر كنتِ هتخرجي عشان ٨ سنين مستحيل تتحبسي، وهو كان آخره هيودوه مؤسسة إصلاح سلوك.
_ أنتِ بتبرريله إيه؟ أنتوا مالكوا؟ إزاي بتفكروا كده؟
صرخت بهم بعدم تصديق لموقفهما تجاه الأمر، لتجيبها فريال:
_ على فكرة أنا لسه عند رأيي فيه، وكونه كدب عليكِ وزور هويته كفيل يخليه يطلقك مقولتش حاجة، بس أنا بتكلم في الأمر التاني وبقول اللي العقل يقوله.
_ ما كنتِ كملتِ جميلك للآخر!
رددها بصوت غير مسموع وهو ينظر لفريال بضجر، وانتبه لصوت خديجة وهي تقول بإصرار:
_ سمعت! أنتَ ياسيدي بريء وأنا ظلماك، بس أنا مش هكمل معاك، فطلقني بالذوق أحسن لك.
رفع حاجبه الأيسر يسألها بتحدٍ خفي:
_ بالذوق؟ ولو مكنش بالذوق هيكون بأيه يا خديجة هانم؟!
وقبل أن تجيبه، ارتفع رنين هاتف فريال الذي بيدها. عقدت حاجبيها باستغراب حين أبصرت رقم باهر. ألم يذهب منذ ساعات قليلة!
أجابته بقلق، لتصرخ بعد ثواني وهي تردد:
_ أنتَ بتقول إيه؟ مات إزاي؟
لم تستمع بعدها سوى لصوت إغلاق المكالمة، لتنسدل دموعها فورًا. فدب الذعر في قلب خديجة، التي اقتربت تسألها بخوف:
_ مين اللي مات؟…. رُدي!
صرخت بها بعد أن ظلت فريال تبكي فقط دون إجابة، فقالت من بين بكائها:
_ عمك.. خالي مات.. يا خديجة.
رددتها من بين شهقاتها وركضت للغرفة لتغير ثيابها. وقفت لبعض الوقت لا تستوعب الخبر الذي سقط فوق رأسها، لم تتوقع أن يكون هو المتوفي! حركت رأسها بعجز وهي تردد:
_ لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.
_ خديجة هنعمل إيه؟
خرج صوت مصطفى، الذي بالكاد يتذكر عمه ذلك، ولكن يريد أن يعرف هل ستطأ قدماهما أرض تلك البلدة مرة أخرى بعد كل هذا الغياب!
_ هنروح يا مصطفى، لازم نكون جنب باهر.
رددتها خديجة بحزن، ودلفت خلف فريال دون أن تلقي بالاً للواقف، متوقعة أنها ستخرج لن تجده.
لكن خاب توقعها حين خرجت هي وفريال بعد قليل، لتجده يجلس على أحد الكراسي براحة بالغة. اقتربت قليلاً حتى وقفت على بُعد مناسب تسأله بضيق:
_ أنتَ لسه هنا ليه؟ هو مفيش دم! مش سمعت إن عندنا حالة وفاة وماشيين!؟
نهض بتكاسل بعد أن أغلق هاتفه الذي كان يتصفحه وقال:
_ آه سمعت، عشان كده ممشيتش، مانا هوصلكوا، بعدين لازم أكون جنب باهر، مش قريب مراتي! أنا ميفوتنيش الواجب خدي بالك.
_ ياريته يفوتك ياخويا، اسمع يا جدع أنتَ لو فاكر إنك هتيجي معانا تبقى بتحلم، سامع؟
رددتها بعصبية وهي تشير له بسبابتها، ليقلب عيناه بملل مرددًا:
_ مهو للأسف مش هتروحوا لوحدكوا.
صرخت به وهي تشيح بيدها بعصبية:
_ أنتَ ملكش حكم عليَّ.
_ أنا جوزك.
_ أنتَ صدقت نفسك! أنا وأنتَ عارفين اللي فيها، فمتعملش الدور ده أحسن لك.
_ أنتِ كل شوية تقوليلي أحسن لك، أنتِ بتهدديني ولا حاجة؟ بعدين مفيش خروج من غيري، مش عايزاني معاكوا تمام، بس مفيش سفر لحتة.
رددها بجدية بحتة وهو ينظر لها بعينيه الملونتين التي غامت بالرمادية الداكنة.
_ بس بقى، مش وقته يا خديجة على فكرة!
رددها مصطفى وهو يقترب من شقيقته، ومال عليها يهمس لها:
_ افتكري إننا رايحين للعقربة عمتك، وإحنا مندمنش غدرها، وجوده معانا هيكون أمان لينا.
ابتعد عنها ليراها تكبح غضبها وتلتزم الصمت، فقال لمراد:
_ أنا بقول يلا يا أبيه، عشان منتأخرش، كده الراجل هيتحاسب قبل ما نوصل.
_ أنتَ يا زفت!
صرخت بها خديجة حين سمعته مازال يناديه بنفس الاحترام، ليعقد مصطفى حاجبيه بضيق مصطنع مرددًا:
_ ما يلا يا مراد بقى!
ذهبا أمامها وخرجا من الباب يسبقان لأسفل، لتهتف هي:
_ روحي وراهم يا فريال هجيب حاجة وجاية.
دَلفت لغرفتها وفتحت درفة الخزانة الخاصة بها وأسفل بعض الملابس أدخلت كفها ليخرج وهو يحمل بعض شرائط الأدوية، أخذت من اثنان منهم وابتلعتهما بالماء، واغمضت عيناها بقوة تحاول الهدوء، تشعر أن أعصابها على وشك التلف.
_ قدر يكسبهم في صفه؟ وياترى هيقنعك أنتِ كمان بحججه الخايبة دي إمتى؟
_ بس بقى! اسكتي، أنا مش متحملة أسمع حاجة، اسكتي يا سارة، وارحميني حرام عليكِ.
صرخت بها وهي تحادث سارة، التي تراها هي فقط، والأخرى تبتسم باستفزاز، لتهرول خارجة من الغرفة، ومنها لباب الشقة كأنها تهرب من شبح يطاردها.
***
عادت من شرودها وهي تشعر بأعين مسلطة عليها. نظرت حولها لترى سرية تنظر لها بنظرات مليئة بالغل والحقد، ابتسمت في وجهها ببرود وهي تطالعها بسخرية كأنها تخبرها أنها لا تهتم لأمرها.
***
مساءً وبعد ذهاب جميع من جاء لواجب العزاء، اجتمع جميع أفراد العائلة في بهو منزل منصور.
وهم الآتي ذكرهم بترتيب الجلوس على الكراسي المتراصة في البهو: سرية، وفريال، ومصطفى، ومراد، وباهر، وأخيرًا خديجة.
خرجت سرية من صمتها وهي تسأل باستنكار واضح:
_ واتجوزتي ميتا يا معدولة؟ وكيف من غير علم عمك، كبيرك، ولا أنتِ ملكيش كبير ووشك مكشوف.
نظرت لها خديجة وهي تقول بحدة:
_ كبير كان باهر، ابن عمي، واتجوزت بعلمه وموافقته، غير كده.. آه أنا مليش كبير.
_ أما عيلة جليلة الحيا بصحيح، مهوش جديد عليكِ جلة الحيا، مأنتِ معروفة بيها من زمان.
_ عمتي، مش وقته ولا إيه؟
رددها باهر وهو يُمسد رأسه بتعب حقيقي، ولكنها لم تصمت وهي تكمل مسائلة:
_ وجبتيه منين؟ باين عليه قيم وسيما، إيه اللي يخليه يبصلك إلا لو كنتِ ماشية على حل شعرك.
وقبل أن تأخذ خديجة، التي فار دمها غضبًا وأدمعت عيناها من قسوة الحديث، رد فعل. وقبل أن يفعل أي شخص آخر، كان يخرج عن صمته بعد أن غمرها بنظراته المتفحصة كل هذه المدة وعلم حقيقة المرأة الجالسة أمامه:
_ لا الحقيقة أنا مكنتش أطول أتزوج واحدة زي خديجة، زي ما قولتي تمام، ليَّ قيمة وسيما، ومن طبقة اجتماعية عالية أوي، فكل اللي فيها واللي قابلتهم في حياتي ميستاهلوش يرتبطوا باسمي، لكن خديجة هي الوحيدة اللي شوفتها تستاهل بصرف النظر عن الطبقات والكلام الفارغ ده. بعدين معذورة يا حاجة أصلك متعرفيش أنا لفيت حواليها قد إيه عشان توافق، طلعت عيني.
أردف بالأخيرة وهو ينظر لخديجة مبتسمًا، ثم عاد بنظره للأخرى وهو يكمل:
_ بعدين نسيت أقولك شدي حيلك، هو اللي مات مش أخوكِ وكده؟ أكيد الحزن مؤثر عليكِ.
أحمر وجه سرية غضبًا، واتسعت عيناها من تبجح الجالس أمامها وهي تدرك معنى جملته الأخيرة، ولكنها أدركت أنها لن تأخذ معه مجرى حديث يصبو لصالحها، فالتزمت الصمت ولأول مرة تفعل.
لا تنكر أنها ارتاحت بداخلها من حديثه لعمتها البغضاء، ولولا معرفتها بحقيقته لكانت شكرته الآن ولا مانع من عناق يوثق شكرها لاحقًا، لكن الوضع يختلف. لذا لم تلقي له بالاً، وهو لم ينتظر.
_ أمي لسه ناعسة يا عمتي؟
تسائل بها إبراهيم فور دخوله للتو من الباب، لتجيبه:
_ أيوه، كل ما تقوم تصرخ باسم أبوك وتنعس تاني، ربنا معاها يا ولدي.
نهضت فريال واقفة واتجهت له حتى أصبحت أمامه فقالت بنبرة حزينة:
_ البقاء لله يا إبراهيم، معرفتش أشوفك من وقت ما جيت عشان أعزيك، ربنا يصبرك ويرحم خالي برحمته.
نظر لها بجفائه المعتاد الذي لم يتغير رغم مرور عامين على آخر مرة رآه، فهي كانت قد امتنعت عن الزيارات للبلدة حتى لا تقع في خلاف مع والدتها:
_ ونعم بالله، تشكري.
فقط، واتجه للكرسي الفارغ بجوار عمته وجلس فوقه بلا اهتمام بها، وحين شعرت بحرج موقفها عادت لكرسيها بصمت حزين.
_ باهر،
ادعيله بالرحمة وادعي ربنا يصبرك، وقوم ريح شوية شكلك مرهق أوي.
تحدثت بها خديجة بصوت لم يسمعه سوى باهر ومراد الجالس في المنتصف بينهما ينظر لها بسخرية غير واضحة. استمع لرد باهر:
_ يارب، شوية وهقوم، مستني بس ماما رباح تفوق أواسيها بكلمتين.
_ أومال جاسمين فين؟ مجبتهاش معاك ليه؟
تنهد بتعب وهو يجيبها:
_ في شوية خلافات.
رفعت حاجبيها باندهاش فلم تسمع عن خلاف دار بينهما من قبل، وسألته:
_ هي سايبة البيت؟
أومأ برأسه دون حديث، لتهتف بعدم رضا:
_ ليه كده يا باهر؟ مكنتش توصل الأمور بينكوا للدرجادي.
_ ياعاقلة.
رددها مراد ساخرًا بصوت وصل لها، لتحدقه بنظرات حارقة، بينما ابتسم هو ببرود.
_ هي اللي كبرت الموضوع ومشيت، أنا مقولتلهاش تمشي، بعدين مش وقته يا خديجة، فيَّ اللي مكفيني.
_ صحيح، مش وقته يا خديجة.
رددها مراد بعقلانية زائفة، لتزفر بضيق من تدخله وهي تعاود النظر للأمام ملتزمة الصمت، حتى هتف هو يهمس لها:
_ هنمشي ولا إيه؟
_ آه، أنا أكيد مش هبات هنا.
قالتها وهي تنظر لعمتها بضيق، فسمعته يقول:
_ طيب يلا، الساعة ١٢.
نهضت قائلة:
_ هنمشي إحنا يا باهر، وأن شاء الله نجيلك بكرة.
نهض هو الآخر يقول:
_ لا يا خديجة متجيش، مفيش داعي، أنا أصلًا بكرة بليل هرجع القاهرة.
_ بس..
_ خلاص يا خديجة، قولتلك متجيش بلاش شحطته.
_ وأنتِ متقعديش ليه تقضي أيام عزا عمك، ولا هو مش عمك؟
قالتها سرية بضيق واضح، ليهتف باهر بنفاذ صبر:
_ ملهاش داعي القاعدة، ارجعوا انتوا يا زين، وشكراً على واجبك تعبناك معانا.
أردف مراد بهدوء:
_ لا تعب ولا حاجة، ده واجب.
_ يلا؟
قالتها خديجة وهي تشير ل فريال ومصطفى. وقفت فريال بحيرة وهي تشعر بعدم استحباب ذهابها الآن، فلا يجب ترك زوجها في يوم وفاة والده هكذا، والراحل خالها، ولكن تذكرت امتحان هام لديها غدًا في جامعتها فقالت بأسف:
_ معلش يا أماهم أنتِ وابراهيم، لازم أرجع معاهم، عندي بكرة امتحان مهم، لولا كده مكنتش اتحركت من هنا أصلًا لحد آخر الأسبوع كمان، حتى كان بودي أشوف مرات خالي وأعزيها.
_ وأنتِ مين جالك إنك هترجعي؟
خرج السؤال من إبراهيم، الذي ينظر لها بنظرة مبهمة، لم تفسرها، لكنها خشيتها. حركت رأسها بعدم فهم تسأله:
_ يعني إيه مفهمش؟
_ يعني مفيش سفر للقاهرة تاني، مكان هنا في بيت جوزك.
قطبت حاجبيها بعدم استيعاب وبقلب وجل سألته:
_ وعلامي وكليتي يا إبراهيم؟
_ بكفايا علام أكده، مأصبرش أنا ٣ سنين لحد ما الدكتورة تتخرج، مهياكلش معايا دور جواز مع وقف التنفيذ اللي عايشينه ده.
شهقت بذعر وهي تردد بعدم تصديق:
_ أنتَ هتحرمني من علامي!؟
أجابها ببرود تام:
_ الله ينور عليكِ، افهميها كيف ما تفهميها، المهم إن آخر الشهر هتيجي بيتي هنا وأنتِ عروستي، بس مهنعملش فرح لأجل موت أبوي.
هزت رأسها نافية بعدم استيعاب وهي تشعر بتحطم صخرة أحلامها لقسوة الواقع المتمثل في زوجها.
رواية بك احيا الفصل الثالث 3 - بقلم ناهد خالد
“ترتيب القطع!”
“قبل البدء في اللعبة يجب عليك ترتيب القطع أولاً، فتضع كل قطعة في مربعها المخصص لها.”
توترت الأجواء واحتدت ملامح البعض بعد جملة “إبراهيم” وحديثه الذي خرج منه ليفاجئهم برغبته. أنتهز فرصة موت “منصور” بهذه السرعة؟ لم يمر على دفنه سوى القليل، فقط بضع ساعات، وهذا ما نطقت به فريال بعجز ودموعها تغرق وجنتيها:
_ أنت ما صدجت خالي مات عشان تعمل ما بدالك! كان الموضوع مكانش على هواك من الأول وخالي هو اللي جبرك؟
_ أنا محدش يجدر يجبرني، لكن أبوي كان رايد الموضوع ومحبش يمنعك عن علامك فمحبتش أزعله، لكن إن كان عليّ شايفه كلام فارغ ملوش عازة.
قالها إبراهيم ببرود ونبرة مستهزئة زينت آخر حديثه.
نهض “باهر” معربًا عن رفضه:
_ إبراهيم! إيه الكلام اللي بتجوله ده، أنتَ واعي لحديتك! كيف يعني بعد سنتين في الجامعة رايدها تهمل دراستها؟
_ كل الحديت ده مفارجش معاي، أنا جولت اللي عندي.
استفز حديثه “خديجة” فقبضت حاجبيها بغضب وهي تهتف:
_ هو إيه يعني فرض سيطرة وخلاص! بعدين حرام تسيب دراستها بعد ما قضت فيها سنتين، ولو التعليم مش فارق معاك فهو فارق معاها هي ومن حقها ت…
قاطعها “إبراهيم” بحنق وهو ينظر لها نظرات كادت تحرقها:
_ لما الرجالة تتحدت الحريم ميدخلوش واصل، ولا أنتِ متعلمتيش الأصول؟ هتجوليلي حج ومحجش، أنا اللي أجول تكمل ولا له، أنا جوزها يعني متخطتيش خطوة من غير إذني.
_ إيه أصله ده هو استعباد يا جدع أنتَ، ولا أنتَ متعلمتش غير إنك تدوس على الست وتقلل منها؟
كان قد انتابتها موجة غضب مبررة هي الأخرى، السبب الأول لخوفها على مصير فريال، والسبب الثاني حديثه المستفز، والسبب الثالث نظراته التي كانت تحدقها باشمئزاز وكأنها.. وكأنها قطعة قماش بالية!
اقترب خطوتين وقد تشنج جسده بغضب لصوتها المرتفع وحديثها الذي أشعل غضبه، وهتف بهياج:
_ اجفلي خشمك يا حرمة، وشوفي أنتِ هتتحدتي مع مين!
ورغم شجاعتها التي كانت منذ قليل، إلا أنها تبخرت أمام غضبه فارتدت خطوة للوراء برهبة تلقائية، ورفرفت بأهدابها بقلق، لكن هدأت حين وجدت “مراد” قد وقف أمامها وهو يقول ل”إبراهيم” بجمود وصوت ينذر بالشر:
_ شوف أنتَ بتتكلم مع مين ومتنساش إن جوزها واقف.
_ وهيعمل إيه جوزها عاد؟
_ إبراهيم! بكفايك اللي بتعمله ده، مالك طايح في الكل أكده ليه!
رفع “مراد” كفه بهدوء موقفًا “باهر” عن الحديث وهو يردف:
_ استنى أنتَ ياباهر، أما أعلم الأخ إزاي يتكلم مع مراتي في حضوري.
برقت عين “إبراهيم” وهو يهتف بازدراء:
_ وه! منجاصش غيرك يعلمني كيف أتحدت، وويا مين؟ دي؟ متنساش إنها بنت عمي ولو عاوز أجطم رجبتها هعملها ومحدش يجدر…
_ تقطم رقبة مين يالا! أنتَ شارب حاجة على المسا؟ ده أنا كنت أكسر إيدك قبل ما تفكر تعملها.
قاطعه “مراد” بعنفوان كبير، وقد علا صوته لأقصى حد حتى زلزل أرجاء البيت، وانتفض جميع الواقفين بما فيهم “إبراهيم” الذي لم ينكر أنه قد خشي جموح الذي أمامه، فقد كانت عيناه كبركة من الدماء من شدة الغضب، وقوة بنيانه مع اشتداد جسده أعطى له مظهر خطير، فرفع رأسه بشجاعة زائفة ولكن التزامه الصمت أكد على توتره.
لم يعجب الوضع “سُرية” التي نهضت بضيق وهي تشيح بيدها:
_ الزم حدودك يا جدع أنتَ، أنتَ بتعلي صوتك علينا في بيتنا؟
_ بس يا ولية أنتِ…
أردف بها “مراد” بعنف وهو يزجرها بنظراته، فشهقت بتفاجئ وهي لا تصدق وقاحته، في حين كتمت كلا الفتاتين شهقاتهما، واتسعت أعينهما بصدمة، فلم يجرؤ أحد على الحديث مع “سُرية” هكذا من قبل، بينما لم يهتم “باهر” بالحديث الدائر وقد يأس تهدئة الطرفين فجلس مكانه يتابع بصمت كما فعل “مصطفى”.
و”إبراهيم” ازداد غضبه من تطاوله على عمته لكنه لم يعقب وهو يسمعه يكمل:
_ أنتوا شكلكوا عيلة متعرفش الأصول ولا الأدب، واحدة مش فارق معاها موت أخوها وعمالة تلقح بكلام زي السم على بنت أخوها، والتاني واقف يتمطع أوي ويتخانق ويعلي صوته، احترموا حتى الراجل اللي لسه قبره مبردش.
_ ويحترموه كيف؟ هم دولا يعرفوا احترام من أساسه، ولا بيحزنوا على ميت؟
التف الجميع على الصوت الذي ظهر فجأة ليصدح في المكان، فرأوا امرأة ربما في أواخر عقدها الرابع، تقف على باب إحدى الغرف بوهن رغم قوة صوتها، بجلباب أسود وعصبة رأس من نفس اللون، ودموعها تركت أثرًا واضحًا على وجنتيها.
_ ماما رباح!
ردها “باهر” وقد نهض متجهًا لها ليمسك كفها طابعًا قبلة فوقه بحنو، فقبلته هي قمة رأسه تباعًا، وأسندها حتى وصلت لمحل وقوف الجميع ورددت بصوت ضعيف:
_ كيفك يا خديجة أنتِ وفريال؟ وه، كبرت يا مصطفى وبقيت راجل زين.
أنهت جملتها بحنو وهي تفتح ذراعيها ل”مصطفى” الذي نهض متجهًا لها بتردد، لكنها استشعرت حنان هذه المرأة، فوقف أمامها بهدوء حتى جذبته لاحضانها تقبله بترحيب، وما إن ابتعد حتى نظرت للجميع وبالأخير لإبراهيم تردد:
_ خليت الغريب يعيب عليك في بيتك، ويتهمك بجلة الأصل، ومعاه حق، واجف تناطح الكل ومحدش هامك، ولا هامك موت بوك اللي مفاتش عليه كام ساعة؟
_ أمااه، اخرجي أنتِ من الحكاية دي، ملكيش صالح.
رددها بقلة ذوق بالغة، وهو يشيح بوجهه عنها، ليبتسم “مراد” ساخرًا فإن كان لا يحترم والدته سيحترم أحد!
_ نسيت تجول إنه جليل الرباية كمان.
رددتها “رباح” وهي تنظر ل”مراد” الذي عقب بوقاحة:
_ لا مانا جولت في سري.
نكزته “خديجة” في ذراعه واقتربت خطوتين حتى أصبحت جواره فهمست له:
_ لِم نفسك ومتسوقش فيها بقى.
وهل تعنفه الآن! لقد فقد الكثير من شموخه وكبريائه في السويعات القليلة التي قضاها معها! لِمَ لا تراعي مركزه وهيبته؟ اشاح بوجهه نازقًا والتزم الصمت كالعادة أمامها.
_ معاوزش فريال تكمل تعليم ليه يا إبراهيم؟
_ ملوش عازة.
_ مين جال؟
_ إني جولت، مسيرها هتتجوز، ومهتحتاجش العلام.
_ وليه؟ ليه متفتحش لها عيادة هنا تساعد الناس وتشفيهم.
_ فاضي إني اياك؟ بعدين هتكسبني إيه العيادة؟
رددها بسخرية واضحة، فعقبت “رباح” بدهشة:
_ هتكسبك إيه؟ هتكسبك ثواب إنك فاتح مكان يعالج الناس وأنت شايف بلدنا عاملة إزاي ومحتاجة حاجات كتير.
_ لا أنا أروح أصليلي ركعتين ولا أصوملي يومين وأخد بيهم ثواب أحسن ما أضيع فلوسي على الأرض.
هزت “رباح” رأسها بيأس، وأيقنت من فشل المجادلة معه، فقالت بأمر:
_ فريال هتكمل علامها يا إبراهيم وده آخر كلام عندي.
_ وأنا جولت مهتكملش، وده بردك آخر كلام عندي.
رددها بوقاحة كأنه يخبر “رباح” من خلال كلماته بأن حديثها لا يعنيه، ولن يشكل فارق، معه وللحقيقة أن “رباح” طوال حياتها معه لم تكسب معركة واحدة، في كل مرة تناطحه في شيء لا يستمع لها، ولأنه لم يعتاد على الرضوخ لرغبتها كما يفعل مع والده، لذا أدركت أنها هذه المرة أيضًا لن تستطيع الانتصار.
فصمتت، وابتسم “إبراهيم” بانتصار، وملَ “مراد” من الوضع، وانهارت “فريال” باكية وهي تدرك أن مستقبلها قد انتهى، تابعتها “خديجة” بشفقة، وأدمعت عيناها تأثرًا بها، وهمست ل”باهر”:
_ باهر اتصرف!
نظر لها “باهر” بقلة حيلة، وهز رأسه مردفًا:
_ مقدرش أعمل حاجة، ده جوزها، وإبراهيم مبيكبرش لحد.
_ نورتوا يابهوات، يدوب تلحقوا طريجكوا.
هتف بها “إبراهيم” بنزق وهو يطردهم بالمعنى الواضح، ليتحرك “باهر” على الفور غير قادر على رؤية “فريال” بهذا الانهيار ولا يستطيع التصرف، وانسحب خلفه “مصطفى”، واتجهت “خديجة” ل”فريال” تحتضنها بتوديع، وانهار الاثنان في البكاء، والذي طال لدقائق حتى ابتعدت “خديجة” وهي تردف:
_ أنا.. أنا آسفة، مش في إيدي حاجة أعملهالك.
أومأت “فريال” برأسها تفهمًا، ولم تتحدث، فقط استمرت في البكاء.
فانسحبت “خديجة” من أمامها سريعًا للخارج، وخلفها “مراد” الذي ألقاهم بنظرة أخيرة مشمئزة.
********
الثانية عشر ليلاً.. في إحدى الفلل الموجودة بالقاهرة والتي تخص “دياب الحلاوني”
كان قد عاد للتو من عمله، صعد درجات السلم وهو يفك أزرار قميصه بإرهاق، وحين مر بغرفتها هي وصغيره سمع صوته يعلو بالبكاء دون توقف، قطب حاجبيه مستغربًا فلم يسمعه يبكي باستمرار هكذا من قبل، هل هي ليست بالداخل؟! وقف لثواني قليلة لعله يسمع صوتها أو ينقطع بكاء الصغير لكن لم يحدث شيء، ففتح الباب ودلف للداخل يبحث في الغرفة بعينيه عنها ولم يجدها، اتجه لفراش الصغير يلتقطه بحنو يهدهده ويمسد على خصلات شعره بحنو، وهو يهمس له:
_ بس يا عُمر، بس يا حبيبي اهدى خلاص.
بدى “دياب” مختلفًا تمامًا عن المعروف أمام الجميع، بدا حنونًا على غير العادة، مختلفًا مع طفله!
ولأن الصغير كان قد فاق من نومه ولم يكمل نومته بعد فسرعان ما عاد للنوم مرة أخرى، قبل رأسه بحنان بالغ وهو يستنشق رائحته الطفولية.
دلفت من باب الغرفة وبيدها كوب عصير، ليتهجم وجهها وهي تهتف بضيق:
_ أنتَ إيه اللي دخلك أوضتي؟
نظر لها بجانب عينيه باستنكار:
_ ابنك كان بيعيط، كنت أسيبه يتفلق من العياط؟
وضعت كوب العصير على طاولة قريبة، واقتربت منه بعصبية جاذبة “عُمر” من بين أحضانه وهي تردف:
_ ابعد عن ابني، وقولتلك متدخلش الأوضة دي أبدًا.
_ على فكرة دي أوضة ابني، يعني يحق لي أدخل مادام فيها، وبعدين هو عشان مشيت على هواكِ ومدخلتش هنا قبل كده هتسوقي فيها؟
_ مش الأوضة بس اللي متدخلهاش، ابني متحاولش تقرب منه أصلاً سامع؟ أنا عمري ما هسمح لابني يطلع زيك.
ابتسم ثغره ابتسامة واثقة وهو يعقب:
_ ابني مش هيطلع شبهي بس يارنا، ابني هيكون امتداد ليّ وهتشوفي..
غامت عيناها بنظرة حارقة وهي تهتف بعصبية بعد أن وضعت الطفل في الفراش:
_ ده بعينك، أنا مهربتش زمان بيه عشان في الآخر يطلع شبهك، ولو حكمت ههرب بيه تاني.
وعيناه اختلفت نظراتها وهو يجذبها من ذراعها بقوة غاشمة حتى كتمت تأوهها بصعوبة، وهو يهمس لها بفحيح مخيف:
_ بتفكريني بعملتك السودة، بلاش يارنا عشان أنتِ اللي هتندمي، خليني ساكت ومتغاضي، وحياة ابني ده لولاه لكنت وريتك جحيم ربنا على الأرض، لولاه كان زمانك بتشربي المر في كاسات، بس هو اللي خلاني اتنازل عن عقابي.
لا تنكر خوفها منه ومن نبرته واقترابه الخطر هذا، ولكنها توهمت الشجاعة وهي تردف:
_ ماتسأل نفسك ليه، مين السبب في اللي عملته؟ أنا هربت بيه عشان أحميه من طريق الشر اللي أبوه ماشي فيه، عشان ميطلعش متمرمغ في الوحل زيك، متلومنيش قبل ما تلوم نفسك، ولو بايدي كنت هربت منك تاني ومفضلتش معاك لحظة واحدة، بس برضو خوفي عليه اللي مانعني.
ترك ذراعها بعنف وهو يردف بتهكم:
_ اللي يسمعك دلوقتي ميشوفكيش زمان وأنتِ مبتتحمليش ابعد عنك!
مرت سحابة حزينة متحسرة بعيناها وهي تقول:
_ وقتها مكنتش أعرف غير دياب صاحب الشركة اللي لسه في بدايتها وبيبني نفسه، مكنتش أعرف دياب الحلاوني تاجر السلاح واللي شغال مع المافيا، لكن بعد ما عرفت حقيقتك كرهت اليوم اللي حبيتك فيه واتجوزتك، ويارتني هربت قبل ما اكتشف حملي وأعرفك بيه، ياترى وقتها كنت هتدور عليّ برضو؟
فرد ظهره بشموخ وهو يجيبها:
_ آه، عشان مش دياب الحلاوني اللي مراته تهرب منه ويسيبها، مش أنا اللي أسيبك تتهني بحياتك وأنتِ هربانة مني ولسه على ذمتي، وعشان للأسف مقدرتش أدخل واحدة غيرك حياتي، وأنا راجل معرفش أعيش مترهبن.
التوى فمها ساخرًا وهي تردف:
_ مترهبن! لا مانتَ هتعيش مترهبن في وجودي برضو…
غمز لها بعبث وهو يردف بوقاحة:
_ مهو مش كل الاحتياج زي اللي جه في بالك، أنا احتياجي ده أي ست تقدر تسده، لكن أنا بتكلم عن احتياجي لوجود ست في حياتي وفي بيتي، وقلبي يتقبل وجودها، وده محدش عرف يعمله غيرك.
ارتخت ملامحها تمامًا ونظرت له بهدوء تسأله بنبرة مختنقة:
_ هو أنتَ حبتني بجد؟
أجابها بهدوء وثقة:
_ تفتكري لو محبتكيش اتجوزتك ليه؟ زي ما أنتِ شايفة لو شاورت لأي واحدة هتكون تحت رجلي، ووقت ما اتجوزتك أنتِ برضو سألتيني نفس السؤال ده، وقولتيلي إيه يخلي واحد زيك يتجوز واحدة حالها على قده زيي، ووقتها قولتلك عشان أنتِ الوحيدة اللي دخلتي قلبي وشغلتي عقلي، ولا كلامي ولا شعوري اتغيروا يارنا، تصبحي على خير.
أنهى حديثه وذهب من أمامها ولكن توقف على باب الغرفة وهو يقول:
_ بلاش تبعدي عُمر عني، متنسيش إنه ابني وليّ حقي فيه، وأنتِ معاكِ لآخر الأسبوع ياتتعاملي معايا كزوجة، ياما براحتك.. بس وقتها عُمر هيكون معايا وأنتِ هتكوني بره حياتنا وبره القصر كله، أعتقد سنتين مهلة كبيرة أوي أنا اديتهالك، وكده جبت أخري.
وها قد بدأ “دياب” بوضع قطعة الشطرنج الخاصة بهِ في مربعها المحدد له.
أغلق الباب خلفه لتغمض عيناها بقوة مانعة نوبة بكاء كادت تزورها، وهمست باختناق:
_ أنتَ اللي وصلتنا للوضع ده، أنتَ اللي قلبت حياتي جحيم.
وجملة قالها لها منذُ أربع سنوات ونصف تردد في أذنيها الآن حين عرفت حقيقته وواجهته طالبة منه الابتعاد عن ذلك الطريق وترك ذلك العمل:
“بتحلمي يارنا، أنا لو فكرت أبعد عنهم هيصفوني، وأنا معنديش استعداد أخسر كل حاجة وأخسر حياتي بسبب أفكارك العقيمة.”
أفكارها العقيمة! التي كانت رافضة لأعماله المشبوهة، التي كانت رافضة لبركة الشر التي انغمس فيه، التي رفضت فيها أمواله غير المشروعة، والتي رفضت أن تكون هذه الحياة بيئة يعيش فيها طفلها فيما بعد… أفكار عقيمة بالفعل!
********
طوال الطريق الصمت كان هو السائد في سيارة “مراد” والتي بعث يحضرها قبل سفرهم، سيارته التي لم يظهرها من قبل كي لا تُكشف حقيقته، ولم يفت الأمر على “باهر” الذي سأله باستغراب:
_ هي عربية مين دي؟
أجابه بهدوء تام:
_ هبقى أفهمك بعدين.
نظر للمرآة الوسطى ليرى “خديجة” تنظر له بضيق واضح، فابتسم بجانب فمه وهو يراها تلتزم الصمت قسرًا.
وصلا للقاهرة بعد فترة، وتحديدًا أمام بيت خديجة، أوقف “مراد” السيارة وهو يقول:
_ باهر عاوزك في موضوع.
انتبه له “باهر” من بين شروده وسأله:
_ بتقول حاجة؟
نظر له بحرج مصطنع:
_ عارف إنه مش وقته بس.. يعني كنت عاوز أقولك إن أنا وخديجة قررنا منعملش فرح عشان وفاة والدك، أنتَ عارف إن فرحنا كان المفروض بعد أسبوع، بس طبعًا عشان نعمل فرح مش أقل من شهرين عشان الظروف دي، فقولنا بلاش فرح خالص وأخدها على بيتها على طول ونبقى نعوضه بسفر في أي مكان كام يوم.
نظر له “باهر” بصمت وهو يستمع له، وما إن أنهى “مراد” حديثه حتى قال:
_ والله دي حاجة تخصكوا زي ما تحبوا اعملوا.
نظر “مراد” بجانب عينيه ل”خديجة” الجالسة بالخلف والذي نزل عليها الحديث كالصاعقة، لكنها لم تنطق، خاصة حين أكمل حديثه يقول بنبرة ذات معنى:
_ وكمان مصطفى هاخده يعيش معانا..
والمعنى لم يكن في عيش مصطفى معهم فقط!
ويبدو أن “مراد” أخذ أولى خطواته في ترتيب قطعة الشطرنج خاصته!
رواية بك احيا الفصل الرابع 4 - بقلم ناهد خالد
حدقت بها "سارة" بأعين تموج بالغيظ الدفين الموجه لهذه المسكينة.
وقالت بنبرة ضائقة:
- أنتِ لسه بتلعبي مع مراد ليه؟ مش قولتلك متلعبيش معاه تاني؟
تجعدت ملامحها حزنًا واردفت تبرر بشفتين مزمومتين:
- أصل هو معملش حاجة وحشة، بعدين أنا بحب ألعب معاه، كمان لو ملعبتش معاه هيزعل.
عقبت بغضب:
- ما يزعل، يعني خايفة على زعله ومش خايفة على زعل اختك؟
سألتها بحيرة:
- أنا مش عارفة أنتِ زعلانة منه ليه؟ وليه بتقوليلي ملعبش معاه؟
زفرت بملل وهي تخبرها:
- قولتلك مية مرة هو مش كويس، وأنا خايفة عليكِ منه.
والحت "خديجة" في الاستفسار أكثر وهي تقول:
- يعني إيه مش كويس؟ بعدين أنا بشوفك بتلعبي معاه وأنتِ الي بتروحي تكلميه، ليه بقى أنا لأ؟ وهو لو مش كويس بتكلميه ليه؟
تفاقم غضبها ويئست من إيصال مرادها للصغيرة وجعلها تنصاع لرغبتها.
فرمته بنظرة قاتمة، غاضبة، وهي تقول قبل أن توليها ظهرها لتنام:
- براحتك، بس بكرة بقى تحصلك مصيبة بسببه وبسبب مشيك وراه، ده لو قالك تولعي فينا هتعمليها، غبية.. بتسمعي كل كلمة يقولهالك، براحتك أنا نصحتك عشان أنتِ اختي برضه، وخايفة عليكِ.
"خديجة" لم تلقي لها بالاً وقتها، ببساطة لأنها اعتادت على سماع ما هو أكثر من هذا من شقيقتها، وكانت تنسبه إلى أن شقيقتها لا تحب وجود مراد حولهما، وقربه منها، ربما لأنها تراه يأخذ مكانًا هو حقها في حياة الأخرى.
ولكن كانت تعود لتسأل ذاتها، إن كان الأمر هكذا، إذًا لِمَ تسعى دومًا للتقرب منه؟ الحديث معه واللعب؟ لِمَ لا تفعل هذا معها هي؟ أليست هي بالأحق؟!
***
يبدو أن "سارة" كانت على صواب، فقد زج بها في مصيبة لم تستطع الخروج منها من يومها.
ليتها استمعت لها وابتعدت عنه، لِمَ عانت كل ما عانته للآن.
ترجل من سيارته حين زاد قلقه عليها وعلى صمتها وشحوبها هذا.
والتف سريعًا ليفتح الباب المجاور لها، فتحه وطلَ برأسه عليها وهو يسألها بنبرة لهوفة:
- خديجة؟ ردي عليَّ أنتِ كويسة؟
شهقت بقوة وهي تفيق من شرودها على صوته القريب جدًا منها، القريب حد الخطر!
فنظرت له بأعين زائغة غير مدركة متى أصبح وجهه مقابل وجهها بهذا الشكل.
انتفضت بجسدها تبتعد للجانب الآخر قدر استطاعتها وقد لمعت عيناها بخوف غير مبرر بالنسبة له.
وهي تهتف بارتعاش:
- أنتَ عاوز إيه؟ أنتَ مقرب كده ليه؟
ضيق ما بين حاجبيهِ غاضبًا وهو لا يصدق مدى خوفها.
ربما توقعه منها في أول الأمر، لكن بعد مرور ساعات من التعامل الذي كان أفضل من توقعاته بكثير ظن أن الأمر أهون مما توقعه، لكنها الآن تثبت العكس وكأنها لم تكن قد استوعبت حقيقته بعد، أو لم يكن قد أخذ عقلها رد الفعل المناسبة!
- هكون عاوز إيه؟ أنا بقالي كتير بنادي عليكِ مبترديش شكلك قلقاني.
لم تجيبه ولم تعطيه أي اهتمام فقط ترجلت من السيارة من الجهة الأخرى، وأسرعت في خطواتها تجاه باب المنزل.
ولكنه كان أسرع، فأمسك بذراعها في مدخل المنزل وهو يديرها له بنزق مرددًا:
- ده بجد؟ أنتِ بتهربي زي العيال؟
ارتعشت تحت قبضته وخيم الرعب على ملامحها أكثر وهي تحاول انتزاع ذراعها منه مرددة بارتعاش:
- ابعد، سبني أنا عاوزة أطلع.
وتحت محاولتها للفرار ظهر إصراره وتعنته وهو يخبرها بقوة:
- مش هسيبك، لازم تفهمي الأول، لازم نصلح علاقتنا ببعض.. خديجة في أحلامك بس ممكن تحلمي إني أبعد عنك أو أطلقك، إحنا عمرنا ما هنبعد، عشان كده لازم نصلح الأمور بينا.
صرخت بهِ ولم تهتم لأي شيء آخر وهي تتملص من قبضته:
- ابعد قولتلك، أنا مش عاوزة أبقى كويسة مع حد.. ابعد أرجوك أنا مش طايقة أشوفك.
- لييه؟ ليه كل ده؟ قولتلك مية مرة مقصدتش أأذيها، هفضل أبرر لامتى وأنتِ امتى هتفهمي؟ كفاية يا خديجة بقى كفـــــاية..
صرخ بها بسأم واضح، فلم يعد لديه ما يشرحه لها، وتبريراته لتلك الحادثة انتهت، وهي تصر على أفكارها ولم تتزحزح عن موقفها تجاهه.
جحظت عيناه المظلمة مع صرخته الأخيرة، وتلون وجهه بحمرة الانفعال والغضب.
فزاد رعبها، ولم تعد قدميها تحملها، لم تستطع التحمل أكثر، فكل ما لاقته اليوم أكثر من قوة تحملها.
زاغت عيناها بغير هدى، وارتخت أعصابها وأعلنت الاستسلام.
فسقطت أمامه عيناه التي جحظت أكثر ولكن بخوف هذه المرة.
وأسـرع يحتضنها بذراعيهِ قبل أن تلامس الأرضية الصلبة، ردد اسمها أكثر من مرة ولكن لم تستجيب.
فحملها بين ذراعيهِ متجهًا لسيارته، ووضعها في المقعد الأمامي برفق محيطًا إياها بحزام الأمان.
وقبل أن يستقل مكانه ضرب السيارة بقبضته يسب بعنف فقد نسي شقيقها الماكث بالأعلى.
أغلق الباب وركض بخطوات سريعة للمنزل صاعدًا درجاته بسرعة، حتى وصل لباب شقتها فدقه على عجالة.
حتى فتح "مصطفى" الباب وعلى وجهه التعجب من قوة الدق.
لم يمنحه فرصة للحديث فقط أخبره:
- تعالى معايا.
والرغبة في اصطحابه كانت أمانًا له إن فاقت "خديجة" في أي وقت فهو يعلم جيدًا أنها ستطمئن بوجود شقيقها.
***
- حرام عليكِ ياما، أنتِ هتعملي معايا أكده ليه؟ مش بتك أنا أكده!
هتفت بها "فريال" بسأم ونفاذ صبر، فها هي منذ ساعتان تجلس نفس الجلسة تحاول استمالة والدتها لتقف في صفها ضد إبراهيم لتكمل تعليمها.
لكنها لا تُستمال، كالصخر الجامد لا تلين، تستمع لها بملامحها الجامدة دون رد فعل.
حتى صرخت بها أخيرًا:
- رُدي ياما متسكتيش أكده! رُدي الله يكرمك أنا أعصابي متحملش.
تخلت عن جمودها وقد نفذ صبرها هي الأخرى وأردفت بضيق واضح:
- وه! ماخلصنا بجى، بكفياكِ لت ولعجن، حديثك لا هيجدم ولا هيأخر، إبراهيم جوزك واللي هيجوله هيمشي، لاهو بحديثي ولا بحديث غيري، فريحي نفسك يابنت بطني.
تهاوت دموعها أكثر وأكثر وهي تسألها بنبرة وجع:
- أنتِ متأكدة إني بنت بطنك؟ مابينش ياما.
رفعت حاجبها ساخرة وسألتها بفظاظة:
- وأثبت لك كيف يا حلوة، بأني أقف جدام جوزك وأعارضه، وياريت هعارضه في الغلط لا ده أنا هعارضه في الصح، وجتها أبقى أمك!
- صح! فين الصح اللي هتتكلمي عنه؟ مش شايفاه ياما، كيف عاوزني أهمل علامي بعد سنتين، كيف يا عالم عاوزين تضيعوا سنتين من عمري أكده؟
قالتها بقهر حقيقي، وهي تشيح بذراعيها معبرة عن يأسها وقلة حيلتها.
وانتفضت واقفة حين سمعت "سرية" تقول بينما تحدقها بتحدي:
- شكلك اتوحمك ضربي، وماله مانتي من زمان محدش جابك من شعرك.
وقبل أن تذهب من أمامها هاربة لغرفتها حدقتها بنظرة أخيرة.
نظرة خيبة، ويأس، ويزينها سؤال لِمَ؟ سؤال لن تجد إجابته.
وتكملته هو لِمَ لا تعاملها والدتها كأم تعامل ابنتها؟
لِمَ تشعر بأن والدتها تكمن لها كرهًا حقيقيًا غير مبررًا؟
والنظرة لم تؤثر بمقدار انشٍ واحدٍ بهذا الحجر الجامد، بل بالعكس رددت بخفوت بعدما ذهبت "فريال" من أمامها:
- ياريتني خلصت منك كيف ما سويت في اللي جابلك، كان زمان راسي ارتاحت.. جال خلفة بنات جال، مبيجلبوش غير الهم والغم.
***
اقتربت منه ببطء تحيط عنقه بذراعيها وهي تهمس له بدلال:
- وحشتني.
لم تلين معالم وجهه، ولم يتخلى عن جموده، حتى أنه لم يكلف نفسه عناء إحاطتها بذراعيهِ هو الآخر.
تنهدت بهدوء وهي تخبره بضيق مصطنع:
- مش معقول قساوة قلبك يا طارق، بقى بقولك وحشتني وأنتَ ولا اتهزيت حتى! مستكتر تقولي أنتِ كمان؟
ابتسم ابتسامة سمجة وهو يخبرها بغير رضا:
- وأنتِ كمان، كويس كده؟
قالها وازال ذراعيها من حوله ليتجه لأحد الكراسي وجلس فوقها بهدوء ووجوم.
زفرت بضيق بدأ يتسلل لها وهي تراه صلد الرأس هكذا، هي تعرفه، وتعرف أنه صعب الخصام، وحين يأخذ موقفًا يحتاج لوقت ومجهود كي يُصالح.
لذا اتجهت له بابتسامة صادقة قبل أن تجلس فوق قدميهِ عنوة.
وزادت ابتسامتها وهي تراه يشيح بوجهه للجانب رافضًا أي محاولة منها.
وما يشفع له عندها أنها تعلم جيدًا أن رفضه ظاهري، وإلا لِمَ ألحت عليهِ لتراضيه.
- طروقتي، طقطوقة..
التفت لها يحدقها باشمئزاز مرددًا بضيق:
- طقطوقة!
أحاطت وجهه بكفها وهي تقرب رأسها له هامسة بابتسامة:
- ممكن أعرف ليه الزعل ده كله؟
قرر إنهاء الصمت ومواجهتها فعقب بغضب وعقله يستعيد تلك الدقائق السخيفة:
- يعني مش عارفة! محتاجة تسألي؟ معتقدش إن شغلك معاه بيحتاجك تقربي كده.
رفعت حاجبيها بدهشة وهي تجيبه:
- طارق متكبرش الحكاية، كل ده عشان مالك عليَّ يهمسلي بحاجة؟
انتفض واقفًا فسبقته واقفة بطبيعة الحال، وأردف بضيق بالغ:
- ده بجد؟! ده أنا مكنتش شايفك منه، عاوز يهمسلك بحاجة يميل عليكِ الميلة دي؟ ده كان كأنه حاضنك!
عذرت غضبه وهي تتخيل كيف رأى الوضع من بعيد، لذا أخبرته بهدوء:
- ده اللي يبان من بعيد، لكن أقسم لك يا طارق إنه كان في space "فراغ" بيني وبينه، هو آه مش كبير بس مش زي ما أنت متخيل والله، أكيد مش هسمحله يقرب بالشكل ده، يمكن عشان هو بس أطول وأعرض مني فلما وقف قدامي ومال شوية طلع الوضع بالشكل ده، أرجوك متكبرش الموضوع بقى.
زفرة قوية صدرت منه قبل أن يبتعد وهو يهدر بها:
- أنا تعبت.. تعـبت ومبقتش متحمل الوضع ده.
اقتربت منه ووضعت كفها فوق كتفه تهدئة وهي تهتف برفق:
- هانت يا طارق، هانت.. باقي شهرين بس وبعدها كل حاجة هتنتهي.
التف لها وهو يهتف بسخرية:
- ولو غلطنا غلط واحد، إحنا اللي هننتهي.
قطبت ما بين حاجبيها بضيق وهي تسأله:
- في إيه يا طارق؟ أنتَ عمرك ما كنت متشائم كده، ده أنتَ اللي كل مرة كنت بيأس أو بمل فيها كنت بتهون عليَّ وتطمني!
غامت عيناه بسحابة تعب حقيقي وهو يردف:
- تعبت، مش من حقي أتعب؟ أنتِ عارفه بقالي كام سنة في الدوامة دي؟ وعارفة بقالنا قد إيه مخبيين علاقتنا بسبب الحوار ده.
مدت ذراعيها تمسك كفيهِ بتشجيع وهي تجيبه:
- عارفه، بس بعد الصبر نصر.. إيه مش كنت دايمًا تقولي الجملة دي!
أومئ برأسه بإرهاق حتى من الحديث.
ليجدها تقترب أكثر وهي تغمز له بعينيها اليسرى تحاول إخراجه من حالة اليأس التي تلبسته وهي تقول بدلال:
- بعدين قولتلك وحشتني، هو أنا موحشتكش بجد ولا إيه يا طقطوقة؟!
حرك رأسه يائسًا منها وهو يخبرها بصدق:
- وحشتيني يا عيون طقطوقة..!
***
وصل بها لمستشفى خاصة يعرفها.
ترجل سريعًا والتف لجهتها حاملاً إياها بلطف وكأنها قطعة زجاج يخشى كسرها، ودلف بها للمستشفى.
ليطلب من الممرض الذي قابله أن يسرع بجلب طبيب، ودلف بها لغرفة الطوارئ الذي يعلم مكانها.
وضعها فوق الفراش ووقف جوارها محتفظًا بكفها في يده، يمسكه بقوة وكأنها ستهرب، هذا ما يبدو.
لكن الحقيقة أنه يستمد الثبات منها، فقلبه ينتفض خوفًا عليها.
أتى الطبيب وهو لم يتحرك من موضعه، ليهتف الأول بهدوء:
- لو سمحت تتفضل بعيد شوية عشان أكشف.
نظر له بجمود وهو يردف بنبرة وقحة:
- هو أنا مضيق المكان؟ ماتكشف!
من نظرته ورده أدرك أن الواقف أمامه ربما وجه إجرام!
وهو رأى الكثير من الشخصيات المماثلة والتي يفضل تجنبها.
لذا اكتفى برميه بنظرة ضائقة قبل أن يبدأ في الكشف.
والأخير يقف كمن يقف على الجمر، رافضًا التلامس الطفيف الذي يحدث بين الطبيب وبينها.
لكنه يكبح لجامه فقط كي يطمئن عليها.
ثواني وانتهى الطبيب من الكشف، ليطلب من الممرضة أن تأتي بمحلول ملحي وحقنة ما.
- خير؟
أردف بها "مراد" باقتضاب واضح.
لينظر له الطبيب بضيق من طريقته الفظة، لكنه أجاب بعملية:
- غيبوبة سكر.
رمش باهدابه غير مستوعبًا ما سمعه، ليسأله بملامح متأرجحة بين الخوف وعدم الاستيعاب:
- إيه؟
وهنا صدح صوت "مصطفى" يسأل هو الآخر بخوف:
- سكر إيه؟ هي معندهاش سكر!
تعجب الطبيب من جهلهم بالأمر، ليهتف:
- انتوا متعرفوش! لا عندها مرض السكري، وواضح إنه بقاله فترة معاها.
صدمة.
لن ينكر أنه صُدم بهذه المعلومة، فعامان كاملان قريبًا منها ولم يعلم بإصابتها بمرض كهذا!
خفتت انفاسه وهو يشعر بقرب فقد سيطرته على ذاته.
لكن بضغطة واحدة على كفها امدته بالسيطرة دون أن تعلم، فهدأ ذاته وسأل الطبيب بجمود واضح:
- أنا عاوز أفهم أكتر.
لم يفهم جملته فسأله هو الآخر:
- تفهم عن إيه؟
أجابه باقتضاب:
- عن المرض.. ليه جالها والمفروض أتعامل معاه إزاي؟
ضيق الطبيب عيناه باستغراب يسأله:
- تتعامل؟ هو حضرتك اللي هتتعامل مع المرض! المفروض المريض هو اللي يفهم ويعرف خطورة المرض وإزاي يتعامل معاه.
أغمض عيناه بنفاذ صبر، ولازمته زفرة قوية منه.
ثم فتحهما وهو يقول:
- هي مش مهتمة بصحتها، فقررت أهتم أنا، فيه مشكلة؟
تنحنح الطبيب بحرج وهو يسأله:
- حضرتك تقربلها إيه؟
أجابه بحنق:
- جوزها، ويا ريت التحقيق يكون خلص، عشان صبري فنذ.
جاءت الممرضة بما طلبه الطبيب فأسرع يعطيها حقنة الأنسولين ويدعم جسدها الذي يبدو أنه لم يتغذى منذ وقت بالمحلول.
وهو يجيبه:
- حضرتك سبب المرض بيكون متعدد، ياسبب وراثي، أو بسبب حمل وده بيكون مؤقت، أو بسبب اضطرابات في وظائف الجسم، وممكن بسبب الحالة النفسية السيئة المستمرة لفترة طويلة أو الاكتئاب و..
- كلمني أكتر عن السبب الأخير..
- ده بيكون مرض من النوع الثاني، بيكون بسبب الحزن الشديد لفترة طويلة أو مشاكل نفسية، بتسبب لخبطة في الجسم فممكن وقتها يصاب بالسكري، وعمومًا لازم تاخد بالها من صحتها أكتر، تنظم أكلها وتبعد عن النشويات والسكريات، ومتبذلش مجهود جامد، وكمان تلاحظ مستوى السكر باستمرار، لما تحس بأي بوادر لأن مستوى السكر واطي أو عالي لازم تاخد حقنة الأنسولين قبل ما يحصلها إغماء، ويفضل تبعد عن الزعل والعصبية أهم حاجة، لأنها بتلعب في مستوى السكر بسرعة فيسبب إغماء وميلحقش المريض ياخد الأنسولين.
طفق الحزن على ملامحه وهو يسأله بنبرة مهزومة خفية:
- تعرف إزاي إن فيه مشكلة في مستوى السكر؟
- هتحس بأعراض زي الدوخة أو الهبوط الشديد، أو العرق الغزير، أو الصداع الشديد اللي بيصاحبه شعورها بالتقيؤ، وممكن كمان تشتري جهاز قياس السكر، وده هيفيدها كتير أوي.
- إيه الجهاز ده؟
- ده جهاز فيه منه أنواع كتير بيبقى له سلكين وبلزق بيتلزق في البطن والجهاز نفسه، جهاز لوحي عادي قد كف الإيد بيتحط في جيب المريض وبيقيس مستوى السكر باستمرار وفي حالة الارتفاع أو الهبوط بيدي إنذار.
- إيه أفضل نوع له؟
- هقولك على نوع كويس جدًا لسه منزلش مصر تقدر تطلبه من ألمانيا، وأسهل في الاستخدام، هو مجرد لاصق بيتحط على الدراع أو في أي مكان والجهاز منفصل مش متصل بيه، بس غالي شوية، يعني ممكن يوصل ل....
قاطعه وهو يخبره بحزم:
- ميهمنيش السعر، اطلبلي الجهاز ده فورًا، واطلب ييجي في أسرع وقت حتى لو هيكلف مصاريف مضاعفة.
أومئ برأسه موافقًا وانسحب من أمامه تاركًا إياه معها و"مصطفى" يقف بالقرب من الباب.
عيناه ممتلئتان بالدموع، وهو ينظر لشقيقته بخوف حقيقي يشعر بهِ لأول مرة.
يخشى أن تتركه يومًا كما فعل الجميع، فلم يعد لديه غيرها.
ربما يتشاجران كثيرًا، لكنه يقسم أنه يحبها أكثر مما تتخيل.
وكيف لا وهي والدته التي اعتنت بهِ، ووالده الذي سعى ليحقق له مطالبه ويمنحه حياة مستقرة، وشقيقته التي تخشى عليهِ وتحاول دومًا أن تدفعه ليكن في حال أفضل، وصديقته التي تتفهمه حين يحكي لها عن مشاكله وأزماته.
هي كل شيء له، فكيف لا يفعل!
- متخافش يا مصطفى، هتكون كويسة.
نظر له وقد سقطت دموعه تعبر عن عجزه، ليهتف بخوف:
- هي مقالتش قبل كده، أنا خايف تسيبني.
أخبره بقوة ناهرًا إياه عن التفكير بهذا الشكل:
- متقولش كده، مش هسمح يحصلها حاجة وحشة، كن متأكد أنها هتكون بخير.
حرك "مصطفى" رأسه بلا معنى وعيناه مسلطة عليها.
كما فعل "مراد" الآن، حين نظر لها وقد نجح في كبح دموعه وحبسها في مقلتيهِ.
وردد بسخرية لذاته "مصرة تعذبيني يا خديجة، حتى من غير ما تقصدي"!
***
صباح اليوم التالي...
نزلت درجات السلم الداخلي للفيلا بسرعة رهيبة كادت تسبب سقوطها عدة مرات.
لكنها لم تهتم، فكل ما يهمها أن تلحق ذلك المجنون الذي يجالس صغيرها في حديقة الفيلا، كما طلب!
فقد طلب منها في صباح اليوم أن يجالس صغيره بحرية دون وجودها، والآن ومن شرفة غرفتها رأته من بعيد يكاد يرتكب كارثة.
أسرعت في ركضها لتصل للصغير تلتقطه من فوق قدمه بعنف وتعانقه بقوة لهوفة، جعلته يغضب وهو ينظر لها بسأم.
ولم يمنع نفسه من التعقيب على فعلتها وهو يقول بسخرية:
- إيه ناقص إيد ولا رجل!؟
نظرت له بشرار منبعث من عينيها وهتفت بغضب:
- أنتَ كمان بتتريق! أنتَ كنت هتعمل مصيبة دلوقتي، عُمر عنده حساسية من الشيكولاتة اللي حضرتك رايح تاكلهاله من غير ما تسألني.
اختفت سخريته وقطب حاجبيهِ بقلق متسائلاً:
- حساسية؟
- أيوه حساسية، جسمه كله بيورم لو كل شيكولاتة، فهمت ليه جيت جري وصرختلك من فوق.
زفر انفاسه بضيق معقبًا:
- ياريت تبقي تبلغيني بكل التفاصيل اللي تخصه عشان منحطش في موقف زي ده تاني.
رفع صوته مناديًا على المربية الخاصة التي جلبها خصيصًا للاعتناء بهِ في صباح اليوم رغم رفض "رنا".
- ماري.
أتت الشمطاء المسماة بماري، لتنظر لها "رنا" بضيق وحنق.
لِمَ عليها أن تكون جميلة ومقسمة بهذا الشكل، أي مربية هذه!
أنها تشبه ممثلات هوليود بدون منازع.
أخذت الطفل من بين ذراعيها تحت ملامحها الرافضة.
وما إن ذهبت حتى قالت مبدية رفضها:
- أنا مش محتاجة مربية لابني، ده من كتر مشاغلي يعني! مانا فاضية ومش ورايا حاجة.
ابتسم ابتسامة غير مفهومة وهو يسألها:
- مين قالك إنك فاضية!؟
قطبت ما بين حاجبيها باستغراب:
- يعني إيه؟
ابتسم لها وهو يقترب حتى أصبح على بُعد عدة خطوات قد يجتازها في خطوة واحدة من قدميهِ الواسعتان.
فزاغت عيناها رغمًا عنها وهي تشعر بهيمنته عليها، لطالما أسرتها طِلّته وهيمنته هذه قديمًا.
والآن وبعد غياب وعودة زادت فيهم طِلّته وأصبحت تأسر أكثر، بدا الأمر مربكًا.
فقد أصبح أكثر ضخامة وهيبة، وهي تضعف أمام هذه الهيبة.
لكن ليس الآن.. ليس الآن..
رددتها أكثر من مرة وهي تشيح بنظرها عنه.
ولكنه لم يغفل أبدًا عن نظراتها له.
ولأنه أراد أن تأخذ حريتها في التعامل معه لم يعقب.
بل قال بهدوء:
- أنا عملتلك أتيليه لفساتين الأفراح والسهرة.. مش أنتِ كان دايمًا نفسك تعمليه؟
جحظت عيناها وهي ترفع رأسها له على الفور، وتجمدت ملامحها من الصدمة.
بينما لسانها يسأل:
- بس.. بس أنتَ رفضت وقتها.
أومئ برأسه وهو يخبرها بصدق:
- خفت حاجة تشغلك عني، ومكنتش عاوز الناس تشوفك.. مكنتش عاوزك تكوني فاضية لحد غيري، بس حاليًا، أنتِ أوردي انشغلتِ بسي عُمر، وأنا كمان انشغلت أكتر ومبقتش موجود أغلب بالنهار وبرجع بليل متأخر، فأيه المانع تشغلي نفسك وتحققي حلم حياتك.. افتكر إنك قولتيلي على الأتيليه ده من أول ما اتجوزنا وقولتي كمان إنه حلمك من زمان.
نظرت له في حيرة، بين السعادة والجمود، فها هو حلم حياتها يتحقق ولكن.
والأزمة في ولكن!
فهل تقبل أن يتحقق حلمها بماله الذي تعلم مصدره جيدًا، أو هل تقبل أن يتحقق حلمها وهي تعلم يقينًا أنه يفعل هذا فقط ليجلبها لصفه مرة أخرى ويكسب جانبها.
نظرت له بنظرات حائرة ولكنها حسمت قرارها أخيرًا وهي تقول بينما عيناها لا تفارق عيناه.
رواية بك احيا الفصل الخامس 5 - بقلم ناهد خالد
فتحت عينيها بعد نوم هادئ استمر لساعات، هكذا ظنت. حين بدأت تتحرك وتفتح عينيها، ظنت أنها تستيقظ من نومها كما اعتادت. لكن ما إن رأت عيناها سقف الغرفة واشتمت انفها لروائح غريبة تعود لمستحضرات طبية، مالت برأسها للجانب لتبصر حاملًا معدنيًا معلقًا عليه محلول متصل بكفها. وحينها أدركت أنها في مستشفى ما. وقذف بذهنها المشاهد الأخيرة قبل الإغماء.
مصطفى!
كان الاثنان يقفان أمام باب الغرفة من الداخل، و"مراد" يحادثه في أمر ما. لكنه التف فورًا حين سمع همسها. فالتفت فورًا ناحيتها ليجدها قد استفاقت. فأوقف حديثه مع شقيقها وخطى نحوها بخطوات واسعة متلهفة. و"مصطفى" الذي لم يسمعها، لكنه انتبه لحركة "مراد". تحرك على الفور هو الآخر ما إن أبصرها تحرك رأسها بوهن.
"خديجة أنتِ سمعاني؟"
هتف بها "مراد" وهو ينحني قليلاً وعيناه تتفحص ملامحها بلهفة. كانت قد أغمضت عينيها حين شعرت بقربه. والآن ربما حُبس نفسها وهي تشم رائحته وتشعر به بهذا القرب. وبالفعل لم تخطئ. فحين فتحت عينيها مجبرة، أبصرته يطل عليها من علو. لتشيح برأسها للجهة الأخرى فوجدت شقيقها يناظرها بابتسامة سعيدة لاستفاقتها. فغمغمت بضيق:
"هو إيه اللي حصل يا مصطفى؟"
اختفت ابتسامته رويدًا ونظر لمراد بتوتر. فليس لديه القدرة على إخبارها بما تعانيه. أشار له "مراد" بعينيه بحركة فهمها على الفور. فأخبرها بعدما انحنى يقبل جبهتها بحنو:
"معلش يا حبيبتي هروح بس أجيب حاجة آكلها. أصل ما أكلتش من وقت ما جينا هنا. وأبيه مراد هيحكيلك اللي حصل. مش هتأخر."
"مصطفى!"
نادته وهي ترى هرولته للخارج. لكنه لم يجيبها. ولم يلتفت لها حتى. قطبت ما بين حاجبيها غاضبة، وقررت عدم السؤال. لا تريد أن تعرف. أو ربما يأتي الطبيب الآن وتعرف ما تجهله منه. لا داعي للتواصل مع هذا الكائن الذي لا تتقبل وجوده من الأساس.
ظل ينظر لها بضع ثوانٍ فاستشعر قرارها في عدم الحديث. خاصة وهي لم تعد برأسها تجاهه. ولكنه ماكر. يعرف كيف يجعلها هي من تحثه على الحديث.
اعتدل واقفًا واصطنع الضيق والجدية وهو يسألها بصوت به نبرة حادة:
"إزاي ما تصارحنيش بحاجة زي دي؟ مش شايفه إن كان من حقي أعرف؟ مش معقول بعد ما أبقى جوزك تفاجئيني كده."
رمشت بأهدابها عدة مرات بعدم فهم. على ماذا يتحدث هو؟ أي شيء هذا الذي لم تخبره به! ظلت صامتة لثوانٍ لكنها لم تستطع بعد أن آكلها فضولها. فسألت وهي على نفس الوضعية:
"تقصد إيه؟ إيه اللي خبّيته؟ محدش هنا خبّى حاجة غيرك."
رفع رأسه معتزًا بنفسه وقد نجح في لفت انتباهها. وأجابها بوضوح وجدية خالية من أي مكر أو دهاء:
"أنتِ متعرفيش موضوع تعبك؟"
لفت رأسها له هذه المرة وهي تخبره بتقطيبة حاجب:
"اتكلم بوضوح."
تردد قليلاً في إلقاء الخبر عليها. فقد شعر أنها ليست على دراية بالأمر. نظر لها قليلاً بصمت، يحاول انتقاء كلماته. وأخيرًا لفظ أنفاسه وهو يخبرها:
"بصي هو.. أنتِ وقعتِ واحنا بنتكلم وجبتك هنا. الدكتور كشف عليكِ وقال إن دي كانت غيبوبة."
وصمت. علها تدرك ما يريد إيصاله من كلمته الأخيرة. وإن لم تفعل سيضطر آسفًا للتوضيح. والغريب كان رد فعلها. حين تنهدت تنهيدة عميقة قبل أن تقول براحة:
"فكرت حاجة تانية."
رفع حاجبه الأيسر بدهشة يسألها:
"أنتِ كنتِ عارفة بجد؟"
أغمضت عيناها بسأمٍ تجيبه باقتضاب:
"أيوه."
"من إمتى!؟"
"من كذا سنة. بعد موت ماما على طول."
"إزاي بجد مقولتليش؟"
رددها بتساؤل مستنكر، غير مصدقًا أنها لم تخبره بأمر كهذا. أمر بالغ الأهمية. فتحت عيناها ونظرت له بسخرية مريرة مردفة:
"مابلاش أنتَ."
أدرك مغزى جملتها. فقلب عيناه بضيق وهو يخبرها:
"الموضوع مختلف. أنتِ كان لازم تبلغيني. لأن ببساطة من حقي كجوزك أعرف. عشان أبقى دايمًا ملاحظك وألحقك لو حصل حاجة. النهاردة لما وقعتِ كده لو كنت أعرف كنت فهمت إنها لها علاقة بيه. بعدين إزاي مقولتيش طول فترة الخطوبة. يعني كنتِ ناوية تخبي لامتى وتخبي ليه أصلًا؟"
احتدمت ملامحها وهي تجيبه:
"أنا مخبتش قاصدة. أنا بس الموضوع عندي مش لدرجة تخوف. تقريبًا ممكن يحصل مرة كل شهرين أو أكتر. غير كده سكري منتظم على الأغلب. وعمري ما دخلت في غيبوبة. كنت بلحق نفسي على طول. عشان كده مشوفتش الموضوع مهم للدرجة. بعدين أنتَ آخر واحد تلومني إني خبيت حاجة. على الأقل يوم ما خبيت، خبيت حاجة تخصني لوحدي. عدم معرفتك بيها مش هتأذيك في حاجة."
هز رأسه موافقًا حديثها وقال:
"أنا فاهمك على فكرة. بس اللي أنتِ خبيتِ عليه زين مش مراد. زين اللي كان طبيعي جدًا يعرف إن خطيبته عندها مرض زي ده. يعني متبرريش لنفسك. فاكرة لما خرجنا وجبتلك مولتن كيك. وقتها أكلتي معلقة واحدة ورفضتي تكملي. وقولتلي إنك مبتحبيش الحلويات. رغم إني عارف إنك من صغرك كنتِ بتعشقيها. بس وقتها قولت يمكن اتغيرتي. لكن دلوقتي فهمت.. وفهمت برضو الكميات القليلة اللي كنتِ بتاكليها من أي نشويات. كان ممكن في أي مرة من دول تقوليلي الحقيقة.. عرفتي بقى إن مفيش حاجة اسمها مجتش فرصة."
وقبل أن تتحدث قطع حديثها فتح الباب ودخول شقيقها ومعه الطبيب. الذي ألقى نظرة أخيرة عليها ليخبرهم بعدها:
"لأ تمام كده. هكتبلك على خروج فورًا. مستوى السكر بقى عال وثابت بقاله شوية كويسين."
"دكتور ياريت متنساش طلبي."
أومأ موافقًا يخبره:
"بالفعل كلمتهم، وهيتشحن من بكرة. خلال يومين هيكون عندك. وده أحدث نوع نزل وكل الدكاترة بيشكروا فيه جدًا. بس هو له مدة وبعدها لازم تجدده. يعني غالبًا هتحتاجي واحد كل شهرين. ودي مدة طويلة بالنسبة لصالحية باقي الأجهزة المشابهة عشان كده غالي شويتين."
هز رأسه بلامبالاة وعقب:
"اطلبلي ١٠ واول ما يوصلوا بلغني."
اتسعت عينا الطبيب بذهول الجمه لثوانٍ. ثم حرك رأسه باستنكار يقول:
"١٠ إيه! لأ حضرتك مش متخيل سعره. ا..."
"جرا إيه يا دكتور! أنا عارف أنا بقولك إيه؟"
هتف بحدة وقد ضاق صدره. لتمرر "خديجة" أنظارها بينهما وقد أدركت أن الحديث الدائر حول شيء يخصها. فنظرت للطبيب تسأله:
"هو إيه ده؟"
نظر لها الطبيب ومازالت ملامحه مدهوشة، مستنكرة:
"جهاز لقياس السكر، عشان يعرفك إذا كان عالي ولا واطي. وكمان بيدي تحذير قبل ما تتتعبي بوقت كافي عشان تلحقي نفسك. بس الأستاذ مش عاوز حتى يسمع السعر مني. لأنه أكيد مش هيطلب العدد ده بعدها."
"بكام؟"
سألته بفضول. ليقاطعها "مراد" قائلاً:
"مفيش داعي نعرف."
"لأ في..."
حولت أنظارها له وهي تخبره بتحدي وكبرياء:
"فيه إني مش هسمح إنك تجبهولي. أنا هجيبه لنفسي. شكرًا لخدماتك بس مستغنيين عنها."
أعادت ببصرها للطبيب تسأله بإلحاح:
"بكام يا دكتور؟"
رأى الطبيب الإصرار يلمع في حدقتيها فاضطر لإخبارها وقال:
"الجهاز الواحد بـ ٤٥٠ دولار لأنه لسه حديث."
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تسأله بأعين زائغة:
"هو الدولار بكام دلوقتي؟"
ابتسم لمظهرها وهو يجيبها:
"بـ ١٦ ألف ج. بصي الجهاز تكلفته ٧٢٠٠ج. عشان كده بقول إن الـ ١٠ أجهزة هيكون مبلغ. يعني هيكون ٧٢ ألف جنيه. فده اللي كنت عاوز أوضحه."
بُهتت وهي تستمع لتلك الأرقام الخيالية. يا للسخرية! سعر الجهاز الواحد يكفي معيشتها لثلاثة أشهر كاملة! (افتكروا أننا في عام ٢٠٢٠). إن حاولت التدبير لشراءه ستحتاج لستة أشهر ربما! وستدبرهم بعناء. ابتلعت ريقها لتذهب تلك الغصة التي انتابتها وهي تقول:
"شكرًا يا دكتور متطلبش حاجة."
رفع الطبيب نظره لـ "مراد" الذي أشار له بعينيه بألا يهتم لحديثها. وهي فهمت ملامح الطبيب حين هز رأسه بلا معنى وذهب. ليتأجج غضبها وتطيح بهِ وهي تقول:
"على فكرة فهمت إنك غمزتله.."
قاطعها مشيرًا لنفسه بذهول، مرددًا باستنكار، ناهيًا بنبرة عبثية:
"أنا أغمز لده؟ أنا مغمّزتش لحد غيرك يا جميل."
شهقت بتفاجئ من جملته الأخيرة، والتي اتبعها بغمزة حقًا من عينه اليسرى! هل هذا وقته! وكيف يتعامل بارتياحية هكذا!
"على فكرة لو جبته مش هاخده. فوفر فلوسك."
ابتسم ببساطة يخبرها بصدق واضح:
"فلوس إيه بس. هي دي فلوس! على فكرة لو كان قالي الواحد بمليون كنت هجيب ١٠ برضو ومش ببالغ ولا بفتح صدري على الفاضي. بس أنا عمومًا مبهتمش للفلوس ولا بركز معاها. هركز بقى وهي مصروفة في حاجة تخصك! المهم متخضنيش عليكِ تاني كده."
قال جملته الأخيرة وقد تجعد جبينه بالحزن، كما ظهر التأثر جليًا على وجهه. لتشيح برأسها وهي ترى صدق شعوره، وتوقن مصداقية حديثه.
"يلا عشان نخرج ولا إيه؟"
قالها "مصطفى" منهيًا الحديث في ذلك الموضوع الشائك. فليكفي قبل أن يتحول النقاش لشجار وتتعنت شقيقته أكثر.
"آه يلا أنا اتخنقت."
رددتها وهي تعتدل محاولة الاستناد على ذراعيها للنهوض بعد أن أزال الطبيب الإبرة من كفها. وأسرع شقيقها يساندها. بينما وقف "مراد" مانعًا ذاته بالكاد من الاقتراب. فقط كي لا يخلق مشكلة. وهو يعلم رفضها، ويعلم أنها لن يتقبل الرفض صراحة هكذا.
استندت على ذراع شقيقها وسارت معه وأمامهما "مراد" حتى وصلا لسيارته. فاستقلت المقعد بالخلف بصمت. ولم يعقب أحد. واستقل "مصطفى" المقعد المجاور لـ "مراد".
***
ترجلت من سيارتها ودلفت للمستشفى على الفور. أخذت تشق طريقها الذي تعلمه جيدًا حتى تصل لمكتبه. ولكن حين وصلت لم تجده. ظلت تلتفت حولها حتى وجدت ممرضة تمر من جانبها فاوقفتها تسألها بعجالة:
"لو سمحتِ دكتور باهر فين؟"
"الدكتور بيمر على مريض. خمس دقايق وهتلاقيه هنا. تقدري تنتظريه."
وانسحبت لتجلس "جاسمين" أمام باب غرفة مكتبه، تنتظر مجيئه. وأحنت رأسها بإرهاق جلي، تشعر بالأرض تدور بها من فرط مجهودها ربما منذ أن علمت الخبر.
دقائق قليلة وكان يقف أمامها. لتنتبه له. فرفعت رأسها تواجهه. ونهضت بعدها تقف أمامه. طالت النظرات الصامتة بينهما. وكلاهما يتفحص الآخر. هو يبدو مرهقًا، شاحبًا، تائهًا! وهي تبدو متعبة، حزينة، يائسة. الأعين خلت من العتاب من جهتها. لكنها شعرت أن عينيه تعاتبها هي. فعضت شفتها السفلى بتوتر وبعدها هتفت بارتعاش:
"أنا.. أنا مكنتش أعرف.. لسه عارفة. البقاء لله."
منذ رآها وأدرك أنها علمت بالخبر. لا يهم من أين. لكنها علمت وأتت لتواسيه. هز رأسه قليلاً وهو يقول بجمود:
"الدوام لله وحده."
أصابها التوتر أكثر لتفرك كفيها ببعضهما باحثة عن حديث مناسب. حتى قالت:
"ا.. يعني مكانش المفروض تنزل الشغل. كان المفروض ترتاح."
هز رأسه نافيًا وقال:
"مفيش داعي."
حركت رأسها باتجاه مكتبه لتهتف بنفس التوتر:
"ينفع ندخل بدل وقفتنا دي؟"
وبدون أن يجيبها تقدم يفتح الباب لتتبعه وأغلقت الباب خلفها. بينما اتجه هو للأريكة وجلس فوقها بارهاق واضح. وثبت نظره على الأرضية اللامعة. اقتربت وجلست على المقعد المجاور له تنظر له تارة وتتنهد تارة أخرى. ظلت هكذا لدقيقتين على الأغلب حتى قررت الحديث:
"باهر.. أنتَ كويس؟"
أومأ برأسه والتزم الصمت. لكن تأكيده لم يفرق معها. فهي تدرك كذبه. لذا أصرت على الضغط عليه. فقالت بكلمات تبدو سخيفة:
"كويس إزاي! أنتَ والدك لسه متوفي امبارح! طبيعي تكون كويس يعني!؟"
رأته يغمض عينيه وتهتز جفناه بشكل مبالغ. لا تعلم هل من العصبية أم يحاول التحكم في نفسه. وسمعته يقول بنبرة ارتعدت في آخرها:
"أعمل إيه يعني؟ أقعد أنوح زي النسوان؟ ولا أروح أدَفن نفسي جنبه!؟"
"مقولتش كده بس..."
قاطعه حين فتح عينيه وهو يردف بصوتٍ مرتفع قليلاً:
"هو مدانيش فرصة لأي حاجة أصلًا. راح فجأة من غير حتى ما أودعه.. راح من غير ما.."
صمت وأخذ يتنفس بسرعة. وقد علت صوته تنفسه وكأنه يلهث. لتنهض على الفور وجلست بجواره تشاركه الأريكة. ودون تردد وضعت كفها فوق ذراعه تمسد فوقه بمؤازرة وتقول:
"خرج اللي جواك يا باهر.. كتمانك ده وحش وهـ.."
قاطعها حين تشنج جسده فجأة أسفل كفها. ورفع كفيهِ يغطي وجهه. لتسمعه ينخرط في نحيبٍ حارٍ. لتتساقط دموعها فورًا بتألم. وهي تجذبه لحضنها تحيطه بذراعيها بقوة وهي تقبل رأسه تارة. وتمسد بكفيها على ظهره تارة أخرى علّه يهدأ.
فقدان الأب شعور لا يوصف مدى بشاعته. وهذا في العموم. أما بالخصوص إن كان رجلاً صالحًا، حنونًا، متفهمًا، رحيمًا بأولاده. يكن غيابه جرحًا غائرًا لا يلتئم مهما مر الزمن. ولحظة فقدانه تكون كسرة حقيقية لظهر أولاده. كسرة لن تعالجها العمليات الجراحية ولا أمهر الأطباء. وتشعر أنك قفزت بسنوات عمرك لتصل لسنوات مضاعفة من المسؤولية. والهم، والحزن، والتشتت. وتقذفك الحياة لحيثما تشاء. فلا تجد من يواجه تخبطها بدلاً منك. وتحتمي أنتَ بظهره.. بظله.
***
توقفت السيارة ففتحت عينيها وقد ظنت أنها وصلت لحارتها المألوفة. لكنها قابلت مكانًا غريبًا لا تعرفه. مبنى معماري غريب عليها، جميل وأنيق، بشكل آثار قلقها. حتى المنطقة السكنية جميعها على نفس السياق. تلتفت حولها وهي بالسيارة ليزداد ذعرها وهي تدرك أنها في أحد الأحياء الراقية المنتمية للطبقة المخملية. عادت برأسها له في حدة تسأله بنظرات تطلق شرارًا:
"أنتَ جبتنا فين؟"
نظر لها عبر المرآة الوسطى، وأجابها بهدوء:
"بيتك يا حبيبتي."
استشاطت أكثر لتضرب جانب مقعده بكفها بعنف وهي تصرخ بهِ:
"بيت مين! أنتَ شارب حاجة! أنا لا يمكن أقعد هنا. رجعني بيتي فورًا. أنتَ سامع."
"صوتك عالي أوي يا حبيبتي ومزعج بصراحة."
قالها ببرود تام. فتعالت أنفاسها الغاضبة. وما كادت تطيح بهِ مرة أخرى حتى أوقفها حديث شقيقها:
"خديجة، مش هتفرق كتير دلوقتي من آخر الأسبوع. مش كنتوا هتيجوا هنا آخر الأسبوع؟"
ارتفع صوتها أكثر وهي تجيبه:
"ده كان قدام باهر الكلام ده. لكن عمري ما كنت هسمحله يحصل. أنا بس سكت عشان مش وقته وباهر فيه اللي مكفيه. لكن كنت ناوية أكلمه وأفهمه كل حاجة قبل الأسبوع ما يخلص."
رفع مراد إصبعه وهو يردد بمرح زائف:
"شوفي عشان نيتك دي. حصل موضوع تعبك ومينفعش أسيبك تكوني في البيت لوحدك."
"ليه نوغة! رجعنا قولتلك."
صرخت بالأخيرة ليضع كفه فوق أذنه بتأفف زائف. وعقب "مصطفى":
"معاه حق. أنا نفسي هبقى خايف عليكِ وأنا رايح الدروس أو المدرسة. وجودك هنا آمن. ده كمان فيه خدمة يعني حتى لو أنا وأبيه مش موجودين في عشرة غيرنا موجودين هياخدوا بالهم منك. ويلحقوكي لو حصل حاجة."
"أنا بقالي سنين عايشة لوحدي وعارفة وضعي كويس مش محتاجة حد ياخد باله مني متعصبنيش أنتَ كمان. دي مش حاجة جديدة عليَّ!"
رفع منكبيهِ بعدم اهتمام بحديثها:
"أنا مش هبقى مرتاح بعد ما عرفت. وهفضل قلقان عليكِ..."
وقبل أن تتحدث كان يسأل "مراد" مبتسمًا:
"قولي يا أبيه فيه pool جوه؟"
حرك رأسه ببساطة:
"طبعًا."
"أنا بقول أنزل أشوفه لأحسن هموت وأشوفه على الحقيقة. مش في الصور وبس."
أنهى حديثه وفتح باب السيارة مترجلاً منها. تحت نظرات الدهشة من "خديجة" التي صرخت باسمه بعصبية بالغة والحقته بسبة بذيئة لحد ما. قبل أن تحاول فتح بابها للنزول خلفه. لكن لم يفتح.
"افتح الزفت ده أحسنلك."
قالتها وهي تشب على الباب بعصبية وقد أدركت أنه من أغلقه. ليلتفت بنصف جسده لها وهو يخبرها بنظرات ثابتة:
"مش قبل ما نتفق."
"نتفق!"
"سر من الماضي"
"بعض الخبايا تظل سرًا لسنوات حتى يأتي الوقت الذي تُكشف فيهِ، وبعضها يظل سرًا أمد العمر، كالاسرار تمامًا فبعضها يُكشف وبعضها يُدفن مع صاحبه"
"نتفق على إيه؟ مفيش اتفاق ممكن يجمعنا."
قالتها بعدائية واضحة. ليرفع حاجبيهِ مع زفرة قوية منه. يبدو أن الطريق سيكون أطول مما توقعه معها. ولكن هو نفسه أطول. تحدث بنبرة هادئة قدر المستطاع:
"حبيبتي تعرفي إن..."
صرخت بهِ وهي تنهره على ما تلفظ بهِ:
"متئولش حبيبتي دي. أنا..."
قاطعها وهو يقول باستفزاز:
"ماشي يا عمري. المهم خلينا في موضوعنا. تعرفي إن مصطفى بنفسه اللي طلب مني نييجي هنا النهاردة. يعني الحقيقة الموضوع كان في بالي بس هو سبقني وطلب مني ده. وأنتِ شوفتِ اهو سبقنا لجوه. فياترى هترجعي البيت لوحدك؟"
"أنا استحالة أسيب أخويا معاك."
كان يتوقع ردها. كان متأكدًا من عدم تركها لشقيقها لذا كان هو ورقته الرابحة. حدقته بنظرات غاضبة وتطاير منها شرارات الغيظ قبل أن تضرب بقبضتها الباب وهي تهتف:
"افتح الزفت ده."
ضغط على زر فتح الباب وهو يخبرها بابتسامة ساحرة:
"حسني ملافظك يا ضي. عيب كده."
قطبت ما بين حاجبيها بتعجب وهي تسمع هذا الاسم منه. ولم تستطع كبح فضولها وهي تسأله:
"ده إيه ده كمان؟"
غمز لها بعينيه اليسرى وهو يخبرها:
"هتفهمي بعدين. يلا انزلي خليني أفرجك على البيت."
ضغطت على أسنانها وهي تردف بغيظ:
"ده أنا اللي هفرج الناس عليك لو مبطلتش استفزاز."
ضحك بخفوت وهو يردف قبل أن يترجل من السيارة:
"أول مرة أكتشف إن لسانك طويل."
ترجلت هي الأخرى واستدارت حول السيارة لتقول ما إن وصلت له:
"عشان زين مكانش يستاهل أوريه طولة اللسان دي. لكن أنت حتى طولة الإيد تستاهلها."
"ده من كرم أخلاقك."
أردف بها وسبقها للداخل تطأ قدماه فوق البساط الأخضر الممتد بمسافة كبيرة قبل أن يصل لدرجات قليلة تصل به لباب الفيلا الأبيض.
كانت تتفحص معالم المكان وهي تسير خلفه. مساحة خضراء لا بأس بها، مريحة للعين والنفس. والفيلا بأكملها طُليت باللون الأبيض "لونها المفضل في المنازل" تشعر أنه يبعث سلامًا من نوع خاص. بدا كالقصر رغم صغر حجمه. صعدت الدرجات القليلة وتخطت بابها لتنبهر بالتصميم الداخلي. كل شيء راقٍ بشكل لا يوصف. بعيد عن أي بهرجة أو مظاهر مستفزة للترف. مجرد ردهة صغيرة على الحائط الأيمن بها ثلاث طاولات متجاورات بعد الباب وفوقهم فازات بها ورود جميلة. والحائط المقابل مرآة بطول الشخص. وعلى الحائط الأيمن أيضًا فتحة مدخل توقعت أنه للمطبخ ربما. والردهة تنتهي لردهة أخرى أكبر. واسعة وبها صالون فخم، وشاشة عرض ضخمة. وبمنتصفها درج عالٍ يصل للأعلى. بينما تحاط بزجاج يعكس الرؤية للخارج. ومنه استطاعت رؤية "مصطفى" وهو يقف على حافة المسبح الكبير. والذي يحاط بخضرة وكراسي طويلة وشمسية وبجواره حوض ملئ بالزهور. وقفت في منتصف الردهة تنظر للذي التف لها وهو يخبرها بينما يشير خلفها:
"الطرقة اللي دخلتِ منها على يمينك المطبخ وحمام وأوضتين للخدم. ودول أصلًا مش هيكون ليكِ أي علاقة بيهم بس حبيت أعرفك. والخدم ليهم باب على الجنينة على طول مش هيطلعوا من الباب ده. ولا هتشوفيهم في الفيلا غير لو طلبتيهم. وده الـ pool زي ما أنتِ شايفة وله باب خاص من الصالة. والباب ده.."
أشار على باب آخر لم تكن منتبهة له يقبع على يمينها.
"هيخرجك على طريق فيه كل المولات والمعارض والنوادي الموجودة في الكمبوند. أي حاجة هتلاقيها هناك. تعالي نشوف فوق."
"ناديلي مصطفى."
أردفت بها وهي تهز ساقها بعصبية واضحة. وبدا أنها لم تهتم بأيًا مما قاله. رضخ لرغبتها ونادى على شقيقها الذي أتى فورًا وهو يهتف بسعادة وابتسامة واسعة لم تراها على وجهه من قبل:
"خديجة شوفتِ الفيلا حلوة إزاي. دي فيها كل حاجة. وال pool يجنن. ولا الورد اللي بره ريحته تحفة ومالية المكان. تعالي شوفيه مش أنتِ بتحبي الورد."
تلجمت في الحديث وهي ترى حماسة شقيقها وسعادته. حاولت أن تتحدث أكثر من مرة لكنها أخفقت وهي ترى الفرحة تشع من عينيهِ. والجمها أكثر حين أكمل:
"بقولك إيه إحنا أصلًا مش محتاجين نروح الشقة ولا نجيب منها حاجة. إحنا ممكن نجيب بس الورق المهم والحاجات دي. لكن حتى اللبس مش محتاجينه. أبيه مراد قالي إنه هياخدنا بليل وننزل المولات هنا نجيب كل اللبس اللي عاوزينه... خديجة ده فيه هنا بلاستشين.. وفيه نادي كمان هقدر ألعب فيه كرة السلة اللي كنت هموت وأتعلمها."
كيف لها أن تحطم آماله؟ كيف لها أن تحرمه من السعادة بعد أن حُرم منها طوال عمره؟ مصطفى لم يعش طفولته ولا صباه. دومًا أراد أشياء لم يحصل على القليل منها حتى. دومًا كان لديه طموحات كان موقنًا أنها مستحيلة النيل. حتى أبسط حقوقه في الطعام أو الملبس لم يحصل عليهِ كما أراد. وترددت في أذنيها القليل من شكواه سابقًا حين كان يفيض بهِ الكيل..
"نفسي آكل إيه؟ ده على أساس إني لو قولتلك عاوز آكل لحمة هتعرفي تجيبيها! دي مبنشوفهاش غير كل عيد. إحنا آخر الشهر يا خديجة ومعروف إننا في الوقت ده مبناكلش غير الجبنة فبتسأليني في إيه!"
"أيوه يعني أروح ألعب كورة مع صحابي بالشبشب! ولا آخد الكوتشي الجديد عشان ينقطع وميبقاش عندي غير الشبشب برضو!"
"عشان من حقي أعيش زي صحابي. ده أنا حتى الكتب بيطلع عيني على ما بجيبها. وبتمرمط إني أروح لده وده أنقل منه الواجب على ما تعرفي تجيبيلي الكتب."
"مش هينفع أروح أتمرن كرة سلة في النادي اللي جنبنا. هم طالبين في الشهر ١٥٠ج اشتراك. هتدفعيهم إزاي ده أنتِ بتجيبي معظم طلباتنا بالقسط. والأكل بتدبري فلوسه بالعافية."
"خديجة أنا مش بلومك والله. بس أنا نفسي أعيش حياة أحسن من دي. لكن أنتِ كتر ألف خيرك بتعملي كل اللي تقدري عليه. بس الحياة صعبة يا خديجة خصوصًا لما تكون اللي متحملة المسؤولية بنت صغيرة زيك وأنا مش عارف أساعدك."
"خديجة مبترديش ليه؟"
هتف بها "مصطفى" لتستفيق من شرودها. وابتسمت له بالكاد. بينما قد أخذت قرارها. ستضحي.. ستضحي للمرة التي لا تعلم عددها من أجل شقيقها. أمانة والدها لها. فوجهت نظرها لـ "مراد" تقول بجمود:
"هطلع أتفرج فوق.."
واستدارت صاعدة الدرجات بخطوات كارهة. وما إن غابت عن أنظارهما حتى شقت البسمة وجه "مراد" الذي تنهد براحة لم يظن أنه سيدركها. ثم نظر لـ "مصطفى" ورفع ذراعه يحيطه بهِ بحميمية بينما يثني على فعلته:
"جدع. عملت المطلوب منك واحسن كمان."
"عجبتك؟ أنا عملت زي ما قولتلي بالظبط وبينتلها قد إيه فرحان ومتمسك بحياتنا الجديدة."
أنزل ذراعه من عليهِ وأخرج محفظته ملتقطًا بعض العملات الورقية بينما يقول:
"عجبتني جدًا. وادي مكافأتك زي ما وعدتك."
التقطهم منهُ، وقال بجدية وصدق:
"أبيه أنتَ أكيد عارف إن لو مش متأكد إنك هتحافظ على أختي وبتحبها عمري ما كنت أوافق أتفق معاك ولا أقف في صفك. أنا كل ده مبيسواش حاجة قصاد سعادة أختي. بس أنا كنت شايف قد إيه كانت تعبانة وشقيانة في حياتنا القديمة. وعاوز أوفرلها هي حياة أحسن قبل ما أوفرها لنفسي. عاوزها تكون مرتاحة وتعيش حياتها أحسن من الأول لأنها عانت كتير أوي."
ربط "مراد" على كتفه وهو يخبره:
"أوعدك إنك عمرك ما هتندم إنك وقفت في صفي وشوفتني الخيار الصح لأختك. أختك هتكون معززة، مكرمة معايا. وبكره تشوف سعادتها بعينك. بس الموضوع محتاج شوية وقت لحد ما تتقبل الحياة دي.."
أومأ متفهمًا. وحاول تغيير الجو الكئيب. ليبدأ في عد المال وهو يسأله بمرح:
"قولتلي دول كام؟"
ابتسم "مراد" ابتسامة صغيرة وهو يخبره:
"١٠٠٠ جنيه يا خفيف. مش كان اتفاقنا!"
أومأ مؤكدًا وقال:
"أصل أنا أكبر مبلغ مسكته في حياتي ٤٠٠ج وكانوا بتوع الدروس. فتلاقيني مرتبك."
"المهم. أنا لازم أروح مشوار ضروري. مش هوصيك. عينك على خديجة عشان أنا مضمنهاش لحد باب الفيلا ده."
وضع "مصطفى" كفه على رقبته وهو يردد ببسالة:
"رقبتي. اتكل أنتَ على الله وهتيجي تلاقيها قاتلاني بعون الله."
هز "مراد" رأسه يائسًا قبل أن يخطو للخارج مرة أخرى. فلديها أمر بالغ الأهمية يجب عليه إتمامه..
***
وبالداخل..
بالأعلى، سارت في ممر طويل متعرج حتى وصلت لآخر غرفة بهِ وقد مرت على سبعة غرف قبلها. قررت الدخول لها بما أنها لن تعود كل هذه المسافة مرة أخرى. وما إن حاولت فتحها لم تُفتح. فزفرت بضيق على حظها التعيس قبل أن تقرر فتح الغرفة التي تسبقها. ونجحت بفتحها. دلفت لتجدها غرفة جميلة وهادئة بشكل أراحها. فقررت البقاء فيها ولم تجد فضولاً لتفحص باقي الغرف. فاغلقت الباب وحرصت أن تغلقه بالمفتاح خلفها. وتحركت في الغرفة التي لم تحتوي سوى على فراش وثير وسراحة ومرآة طويلة وخزانة من الزجاج متوسطة الحجم. وأريكة بنية. وطاولتان أحدهما صغيرة قرب الفراش والأخرى متوسطة أمام الأريكة. وباب مغلق أدركت أنه للحمام الملحق.
خلعت نعليها وصعدت فوق الفراش لتنام ببطء فوقه كأنها تختبر تحمله لجسدها. وما إن أراحت رأسها حتى أغلقت عيناها... وبعد ثوانٍ كانت دموعها الغزيرة تنسدل على جانبي وجهها وصدرها يعلو ويهبط بتنفس سريع.. وشهقاتها بدأت في العلو رغمًا عنها...
***
وصل لمنزله الآخر.. منزل والده على الأحرى..
دلف للداخل باحثًا عن والدته. لكنه اصطدم بمن لم يرد الاصطدام بهِ الآن.. والده الذي كان يخرج من مكتبه في طريقه للخروج من الفيلا..
توقفا الاثنان ونظراتهما لبعضهما تنم عن عاصفة ستندلع. والتي بدأها "مراد" وهو يقول:
"ارتاحت؟ هديت لما عرفتها. ولا ده كان من قهرك إنك ملحقتش تبوظ جوازتي!؟"
بدى وجه "حسن" باردًا وهو يجيبه:
"كنت فاكر إني هسكت بعد ما روحت اتجوزتها من ورانا؟"
"والي عملته ريحك يعني؟"
"مش هيريحني غير لما ترجعها للمكان اللي جت منه."
ابتسم بقسوة لا تظهر عليهِ كثيرًا ألا حينما يتعلق الأمر بشيء لا يقبل فيهِ التفاوض. وقال بابتسامة ساخرة ملتوية:
"حسن بيه. احتمالية إنك تدخل الجنة هي نفسها احتمالية إنك تعرف تبعدها عني."
وبالطبع دخوله للجنة احتمالية صفرية بحتة! فأي جنة سيشم ريحها وهو لم يترك محرمًا إلا وفعله! ولا ينوي التوبة حتى. هز رأسه بلامبالاة بحديث الأول وقال:
"هنشوف يا مراد بيه."
تحرك "مراد" خطوتان وقال بعدها بخطورة متوحشة:
"بس نصيحة متحاولش.. عشان اللي هيفكر يقربلها مش هبقى عليه. وأنتَ عارفني محدش عزيز عليَّ... غيرها."
أردف بكلمته الأخيرة مصححًا. ليستشيط "حسن" غضبًا والتزم الصمت. فلن يجدي الحديث نفعًا ولكن لنرى من سينتصر في الأخير.
رأى والدته تدلف بكرسيها من الحديقة الخلفية. ليخبرها على الفور:
"يلا يا ماما عشان هنمشي."
"على فين؟"
سألته "ليلى" بجهل. ليجيبها وهو ينظر لوالده بثبات:
"لبيتي.. هتعيشي معايا ومع.. مراتي."
"نعم ياروح أمك!"
أردف بها "حسن" بعد أن خطى الخطوة الفاصلة بينهما جاذبًا "مراد" من ياقة قميصه بعنف. وقد تحولت ملامحه للشراسة كأنه سيفتك بهِ أمام ملامح الأخير الباردة.
"سيبه يا حسن."
هتفت بها "ليلى" بذعر وهي ترى تناطح الاثنان كأسدين يتقاتلان على فريسة للفوز بها.
***
واثناء إغمض عينيها لاحت بذاكرتها ذكرى قديمة... تعود لها بعد وفاة شقيقتها..
"نعم؟"
"قوليلي يا خديجة أنتِ مبقتيش تقعدي مع مراد زي الأول ليه؟"
توترت وفركت كفيها الصغيرتان بتردد. وكذبت وهي تجيب:
"م... مفيش."
"قولي يا خديجة متخافيش."
هزت رأسها ثابتة على موقفها بالنفي. ليخبرها المتحدث:
"أقولك أنا؟ عشان هو اللي قتل سارة مش كده؟"
شهقت بصدمة وجحظت عيناها وهي تضع كفها فوق فمها بذهول. ولم تنطق. ليكمل المتحدث..
"يبقى صح. عمومًا أنا مقدر خوفك. خايفة ليقتلك في يوم زي اختك صح؟"
لم تجب لفترة. ليصرخ بها بغضب:
"ردي!"
هزت رأسها سريعًا بخوف موافقة على حديثه. ليبتسم بمكر مرددًا:
"ده وارد يحصل فعلاً.."
واتسعت ابتسامته حين رأى ذعرها يزداد. وأكمل متلاعبًا بها:
"أصل اللي يقتل مرة يقتل ألف. وخصوصًا إن مراد مبيشوفش وقت غضبه. واديكِ شوفتي النتيجة. عشان كده أنا حابب أساعدك وأنقذك."
تلهفت للحل وللمساعدة التي كانت ترجوها طوال الليالي الماضية. فانتبهت له واحسنت الإنصات لحديثه وهو يقول:
"لازم تمشي من هنا. كلمي أبوكِ وامشوا من هنا في أقرب وقت. قوليله إنك خايفة من المكان ومش قادرة تفضلي فيه. واطلبي منه ترجعوا بلدكوا. ومتسبيهوش غير لما يوافق. حتى لو اضطريتي تمثلي إنك تعبانة وبتشوفي كوابيس كل يوم عشان يمشي. المهم تهربي يا خديجة سامعة؟"
سألته بتردد وتوتر في آنٍ واحدٍ:
"طب ومراد لو عرف..."
"مراد مش هيعرف.. مش لازم يعرف حاجة. هتتعاملي معاه عادي جدًا وهتمشي من غير ما يعرف. وإلا مش هيسيبك وهتخسري فرصتك في إنك تهربي وتنجدي بنفسك. ها قولتي إيه؟"
صمتت لثوانٍ تفكر. قبل أن تدرك أنه الحل الوحيد والأصوب لها. فهزت رأسها موافقة وهي تقول:
"حاضر..."
عادت من ذاكرتها لتهمس وكأنها مازالت في الماضي:
"حاضر..... حاضر يا حسن بيه."
وها قد كُشف "سر من الماضي"...!!!
رواية بك احيا الفصل السادس 6 - بقلم ناهد خالد
"خطواتك التي تخطوها نحو الهلاك لربما تكن بعلمك وربما تكن على غفلة منك"
نعم ياروح امك!
أردف بها "حسن" بعد أن خطى الخطوة الفاصلة بينهما جاذبـًا "مراد" من ياقة قميصه بعنف، وقد تحولت ملامحه للشراسة كأنه سيفتك بهِ أمام ملامح الأخير الباردة.
سيبه يا حسن.
هتفت بها "ليلى" بذعر وهي ترى تناطح الاثنان كأسدان يتقاتلان على فريسة للفوز بها.
ازاح يده القابضه على ياقته ببرود وهو يهتف:
استني يا ماما، اما نشوف حسن بيه ناوي يعمل ايه.
كشر عن انيابه وهو يجيبه بحدة:
حسن بيه ده قادر يكسر رقبتك لو فاكر انك كبرت عليَّ وهتعمل حاجه غصب عني.
ارتفع جانب شفتيهِ ساخرًا وهو يردف:
متأكد! اصل شكلك ناسي حاجات كتير تخليني اعمل الي انا عاوزه حتى لو أنتَ مش موافق.
رفع حاجبه باستنكار وقال:
ده بجد؟ ليه يا روح امك ماسك عليَّ زِلة؟
اقترب حتى أصبح لا يفصل بينهما مسافة، ومال على أذنه يهمس له بعدة كلمات جعلت التوتر يضرب وجهه وهو يستمع لحديثه، وما ان ابتعد الآخر ورأى ملامحه حتى ابتسم بمكر وشماته، وهو يبتعد عنه متجهًا ل "ليلى" يخبرها:
جهزتي حاجتك؟
٥ دقايق وهتكون جاهزه، اصل متوقعتش اني امشي بالسرعة دي.
ابتسم لها برفق وهو يخبرها:
ليه! من امتى طلبتي مني حاجة واتأخرت عليكي!
ابتسمت هي الأخرى وعيناها لامعة بالدموع:
عمرك ما عملتها يابني، هخليهم يحضروا حاجتي بسرعة.
اومئ برأسه وهي تنسحب من امامه متجهه لباب المصعد الكهربائي الذي صُنع خصيصًا لها ليقلها للطابق العلوي، اما هو فعاد ببصره ل "حسن" الذي لم ينطق بعدها، وضحك له باستفزاز مرددًا:
بتتحمق أنتَ بسرعة يابو علي! طب مش تراجع حساباتك الأول!؟
ضغط على أسنانه بغيظ وهو يردف:
أنتَ فاكر لو حاولت تعمل حاجه بالي تعرفه ده هم هيسبوك؟ أنتَ عارف كويس ان وقتها هتتصفى بمجرد ما اتحبس أنا.
ضحك بخفوت ساخرًا وهو يعقب:
اقدر اعملها من غير ماحد يعرف أن انا الي وراها، وأنتَ عارف كده، والا مكنتش اتهتيت بتهديدي.
تهديد مين يالا أنتَ صدقت نفسك!؟ انا سكت بس عشان شوفت رغبة ليلى انها تمشي.
هز رأسه وهو يرفع شفتيهِ بسخرية:
اومال! مشيها كده عشان نفسيتك متتأثرش.
يابن ال...
قاطعه وهو يرفع كفه موقفًا اياه:
ها يابن ايه!
كبح غضبه وهو يكمل بابتسامة صفراء:
يابن وهدان..
ساد الصمت قليلاً اسفل تململ "مراد" في وقفته، وأخرج سيجاره من سجائرة يشعلها بقداحته الذهبية الأنيقة التي تتخذ قمتها رأس حصان، انتبه لحديث "حسن" الذي قال فجأة:
اوعى تكون فاكر يا مراد اني بضايق من تصرفاتك دي، بالعكس...
نظر له بحاجب مرفوع ساخرًا وهو يردد كلمته الأخيرة:
بالعكس!
أكد حديثه وهو يخبره:
اه بالعكس، على فكرة انا ببقى مبسوط بتصرفاتك دي، وبلطجتك، وقلة ادبك، وانك مبتقدرش حد.. واعتقد ده ظهر من زمان لما وقفت قدامي وزقتني عشان امك، وقتها أي أب غيري كان رزعك جوز قلام فوقك، بس انا معملتش كده بالعكس يومها قولتلك انك دلوقتي بس ابني.. فبلاش تفكر ان وقوفك قدامي وتفوقك عليَّ بيضايقني بالعكس.. ده بييجي على هوايا.. واوي كمان.
رفع حاجبيهِ مندهشًا وزفر زفرة طويلة يائسة قبل أن يكمل سيجارته وكأنه لم يسمع شيء.
في سوهاج...
كانت تنتظره في بمنزله منذ ساعتان مضوا، أتت خصيصًا للحديث معه، مرة أخرى، لعلّها تستطيع اقناعه، لكنها اوهمت والدتها انها أتت للاطمئنان على زوجة عمها "رباح"، التي تجلس بجوارها الآن، تنظر لها بشفقة واضحة، وعجز، فقد حاولت أن تثني ولدها عن قراره لكنها لم تستطع ولم يقتنع بحديثها.
بلاش يا بتي، بلاش حديت وياه لا هيجدم ولا يأخر، انا حدته كتير ومسمعش مني، وراكب راسه.
طفرت الدموع من عينيها الذابلة وهي تهتف بمرار:
بس اكده حرام، ميرضيش ربنا، كيف يعني اتحرم من حاچة بحبها وريداها، كيف اتچبر ابعد عن حاچة تخصني وغيري بيتحكم فيها!
ضربت "رباح" فخذيها بكفيها وهي تردد:
هنعلم ايه، دماغه صلدة كيف الحجر الصوان، ومجوياه امك، الله في سماه هي الي خربتت دماغ الواد ده ووصلته للي هو فيه.
ضحكت بمرار ساخرة:
أمي! دي اكتر واحده واقفة في صفه ضدي.. ومن زمان مش دلوقت، ولولا خالي الله يرحمه مكنتش كملت علام، مخبراش ليه بتكره البنات اكده، وكأني مش بتها، عمري ما حسيتها حنينة عليَّ.
جلبها جاسي من يومها يابتي، طالعة لمين مخبراش، ده جدتك كانت تتحط على الجرح تطيب، لكن نجول ايه، ادي الله وادي حكمته.
انتبها لفتح باب المنزل ودلوف "ابراهيم" من خلفه الذي ابتسم ساخرًا مرحبًا بتودد زائف:
وانا اجول الدار منورة ليه! اتاري ست فريال اهنه.
ولم تدرك هي سخريته، ولكن أدركتها والدته على الفور، فنظرت له معاتبة لكنه لم ينظر لها حتى، واجابت "فريال" بعد ان مسحت دموعها:
منور بناسه يا ابن خالي، انا جيت رايدة اتحدت معاك لو عندك وجت.
هز رأسه بترحيب زائف:
اكيد فاضي، ولو مفاضيش افضي حالي، هيكون في ايه اهم من حديتك.
نهضت "رباح" وهي تقول بحدة ناظره له:
هروح اصلي المغرب، وادعي ربنا يهدي العاصي.
ليهتف ببرود لها:
وادعيلي معاكِ ياما.
وكأنه لم يكن العاصي الذي قصدته!
نظرت له ولم تعقب وانسحبت من أمامهما بعدم رضى.
خير؟
قالها بعد أن جلس أمامها متمطعًا بجسده بارهاق، لتبدأ هي في الحديث بتوتر من رد فعله:
انا بس رايده نتفاهم في موضوع الجامعة، يعني لو كان المشكلة في روحتي لمصر ممكن احاول ارتبها.
رفع حاجبه ساخرًا وهو يسألها:
ازاي بجى؟
يعني ممكن اروح هناك في شهرين الامتحانات بس اجعدهم مع خديجة، وباجي السنة هبجى اروح في اليوم الي عندي فيه حاجة مهمة وارجع في نفس اليوم، يعني ممكن يومين في الاسبوع ولا حاجة، جولت ايه؟
رفع عينيهِ لأعلى بملل:
ده على اساس ان المشكلة في مرواحك مصر؟
اعتدل مستندًا على فخذيهِ بكوعيهِ فأصبح قريب منها:
الحكاية مش اكده واصل، كل الحكاية ان العلام من اصله ملوش عازة، فليه الشحطتة وجلة الراحة.
ادمعت عيناها وهي تخبره بنبرة حزينة:
لأني ريداه يا ابراهيم، رايده اكمل علامي حتى لو هجعد بشهادتي، على الاقل ولادي يفتخروا ان امهم دكتورة.
لوى فمه بسخرية قاسية وهو يردد بأعين تطق بها الشرار كأنها سبته للتو:
وابوهم معاه دبلوم مش اكده؟ ده الي جاصده تجوليه، على الاقل يفتخروا بحد فينا.
نفت برأسها سريعًا تخبره بصدق:
يتجطع لساني ان جولتها، ومجصدش الي فهمته والله، انا بس بجول...
قاطعها ناهضًا يقول بانهاء للجدال:
وانا جولت لا، ولو مريداش تجعدي بالثانوية، خلاص جدمي في معهد جريب من اهنه وخدي شهادته ومتخوتيش دماغي.
نهضت تواجه وهي تسأله باستنكار:
اجدم في معهد خدمة اجتماعية ولا معهد تجاري بعد ما اطلع من الطب؟ والله حرام الي بتجوله ده.
ده الي عندي.
انهى حديثه وذهب من امامها، لتجلس فوق الكرسي مرة اخرى وقد سالت دموعها بغزارة فوق وجنتيها وهي تدرك ان حديث "رباح" كان صحيحًا.. لا فائدة من الحديث.
مينفعش كده يا حبيبي لازم تاكل حاجة.
قالتها "جاسمين" وهي جالسة بجوار "باهر" منذ اكثر من نصف ساعة تحاول معه أن يتناول بعض اللقيمات، ازاح كفها بهدوء وهو يردف بنبرة حزينة:
مليش نفس.
يا باهر الحزن ملوش علاقة بالاكل والشرب، ولو اضرابك ده هيرجع اللي فات مكنش حد غِلب.
نظر لها بجانب عيناه وهو يخبرها بحزن حقيقي وعيناه الباهتة تحكي الكثير:
مش اضراب، بس لما الحزن بيتمكن من الإنسان بيخنقه، كأن واحد ماسكه من رقبته، لا عارف ياكل ولا يشرب، حتى النفس خارج بصعوبة.
مسدت بكفها على ظهره وهي تخبره بمواساة:
ربنا يرحمه يا حبيبي، ادعيله.
خانته دموعه وانسدلت فوق وجنتيهِ وهو يردف بتأثر بالغ:
عارفه كام سنه بينا خلاف بسبب عمتي، من وقت ما خديجة جت القاهرة، كنت بتكلم معاه عادي جدا مش زي اب وابنه، مش زي الأول، وجعني انه موقفش في وشها يومها وقالها ده ابني وانا واثق انه ميعملش الي بتقولي عليه، سكت.. سكت وجه بعد كده يقولي سكت عشان اتفاجأت بالي حصل لكن انا مكنتش مصدقها.. طب يفيد بايه؟ انا كنت عاوزه يقف جنبي وقتها مش بعدين، مقدرتش اتخطى انس خرجت من البلد وقتها وانا قلبي والع بالي قالته عني والمشكله الي ملهاش لازمه الي عملتها وخلت عمي وعياله يسيبوا البلد ويمشوا، وعملت قطيعة بين عمي وبين ابويا، حاول معايا كتير ارجع اقعد في البلد زي الاول بس مقدرتش.
حاولت تهوين الأمر عليه لتردف:
أنتَ حكتلي قبل كده عن الموضوع ده، وانا شايفه ان كان من حقك تزعل، لانك كنت متعشم ان والدك هو الوحيد الي طبيعي يقف في صفك وينصفك، فزعلك منه كان على قد المحبة والعشم، بعدين أنتَ مخاصمتوش ولا حاجه، يعني احمد ربنا انكوا كنتوا بتتكلموا وبتتواصلوا مع بعض، فهو اكيد مش زعلان منك.
تفتكري؟
سألها بأعين دامعة كالغريق الذي يتعلق بأي أمل في النجاة، لتبتسم له وهي تخبره بتأكيد:
اكيد طبعًا، والدليل على كده انه كان دايمًا يقولك ارجع البلد لو كان زعلان منك مكانش طلب منك ده، وبعدين عمرك حسيت وهو بيكلمك انه زعلان ولا شايل منك؟
نفى برأسه، لتكمل براحة:
شوفت، يبقى متشيلش نفسك فوق طاقتك.
تنهيدة عميقة صدرت منه تلاها قوله:
ليه الموت بيخطف منا الناس فجأة؟ تفتكري لو كنا على علم بانهم هيروحوا الوضع كان يبقى احسن؟
ضحكت ساخرة وهي تخبره بحزن:
أومال لو مكنتش شايف معايا الي بيحصلي، مفيش اسوء من انك تعرف بموت حد ومتقدرش تعمله حاجه، ما بالك لو اقرب الناس ليك، ربنا رحيم بينا يا باهر وكل حاجه في الدنيا دي ليها حكمة لو فكرنا فيها كويس هنوصلها ونحمد ربنا عليها.. الفراق بيوجع اه، بس العجز بيوجع اكتر.
حديثها هدأ من نفسه قليلاً، بعث لروحه بعض الراحة، جعل عقله يهدأ من افكاره المتضاربة، ارجع رأسه للخلف يسترح على ظهر الاريكة، ويغمض عيناه يستنجي بعض الصفاء..
نظرت له بشفقة تعلم ما يمر بهِ جيدًا، ومن واجبها ان تظل بجانبه الآن، ولكن هذا لا يمنع انها لم تصفى له، لم تنسى حديثه السابق لها وقسوته فيهِ، بقلبها غصة لا تزال متعلقة بهِ منذ سمعها لحديثه يومها وما قاله، وشعورها انها عبء ثقيل عليه، رغم انها تقدر تعبه و مجهوده معها ووقف لجوارها، ولكن لن يمحى هذا شعورها بالحزن منه.
انتبه لرنين هاتفه للمرة الثالثة دون انقطاع، فاستفاق من غفوته التي لجأ لها بعد سهره طوال الليل في عمله، التقطه يفتح عيناه نصف فتحه ليرى من المتصل، فوجدها هي، اجابها بصوت خامل:
ايوه يا حبيبتي.
ط، الحقني.
انتفض جالسًا حين اتاه صوتها الباكي وجملتها المستنجدة، فهتف وهو ينتفض من فوق الفراش يركض لخزانته يخرج اول ثياب تقابله:
في ايه يا هاجر؟ ايه الي حصل؟ حد عرف حاجة!
وبنفس نبرتها اجابته:
لا، بس.. مصيبة يا طارق.. مصيبة.
هتف بعصبية وهو يلتقط الثياب بين يده يشيح بها بعصبية:
ما تنطقي يا هاجر سيبتِ اعصابي، في ايه؟؟
انا... انا حامل.
تجمد محله وسقطت الثياب من يده وهو يردد بصدمة غير مستوعبًا ما قالته:
ايه؟
زادت في بكائها وهي تكرر جملتها بصوتٍ عالٍ وعصبية:
بقولك حامل.. حامل.
انتابته موجة من العصبية هو الآخر، ليصرخ بها وهو يضرب الفراش بقدمة:
حامل ازاي يعني؟ أنتِ بتستهبلي! مش المفروض متنيلة عاملة احتيطاتك!
اجابته بصوت متهدج:
اتنيل! يعني ايه ازاي؟ اهو الي حصل، واه كنت متنيلة بس اعمل ايه يعني! بعدين أنتَ بتزعقلي ليه؟ ومتكلمنيش كده.
اومال اكلمك ازاي! المفروض اقولك ايه يعني؟ ازغرط وافرح بيه ولا اقولك بسيطة روحي نزليه!
صرخت بهِ هي الأخرى وهي تخبره بغضب:
متقولش.. ومتتكلمش معايا اصلاً.
انهت جملتها واغلقت الخط دون ان تعطيه فرصة لأي رد منه، القى بالهاتف فوق الفراش بغضب وهو يطوف ارجاء الغرفة بعصبية مشبعة بالحيرة والتخبط.
وصلا امام بيته الجديد، ليوقف سيارته ويلتفت لوالدته وقد قرر ان يوضح لها كيفية تعاملها مع زوجته، كي لا تزيد الوضع سوءً، فبدأ في الحديث وهو يقول:
ماما، عاوز بس افهمك كام حاجة قبل ما ندخل جوه.
نظرت له بصمت تحثه على الحديث، ليسألها اولاً:
قوليلي الأول أنتِ صدقتيني؟ صدقتِ إني مكنتش قاصد اي حاجة من الي حصلت زمان؟
ابتسمت بمرارة وهي تخبره باستسلام:
للاسف يا مراد، الأم حتى لو شاكه في كلام ابنها، بتقنع نفسها بيه وبتصدقه عشان تريح قلبها، ومتدوقش مرار ان تعبها فيه راح على الأرض.
صمتت قليلاً ترتب حديثها، ثم اكملت وهي تضع كفها على كفه المسنود بجوارها:
بس انا مصدقاك، مش عشان اريح بالي لا، عشان متأكدة ان تعبي فيك مراحش على الأرض، ومقدرة انك كنت عيل واكيد مقصدتش تقتلها.
ابتسامة صغيرة زينت ثغره وهو يبدأ في الحديث:
طيب بصي يا ست الكل، البت الي جوه دي دماغها انشف من الحجر الصوان، ولابس في دماغها اني السبب في موت اختها ومحملاني الذنب، بقالها سنتين مدوخاني وراها وقلبت قرد عشان بس اوصلها واضمنها في ايدي الاول، عشان كده عرفتها عليَّ اني شخص تاني وخفيت هويتي، بس من وقت ما عرفت وهي مش طيقاني طبعًا، وطبيعي هي هتتعامل معاكي، بصراحة معرفش هتتعامل ازاي بس الاكيد مش هسمحلها تعاملك بطريقة متعجبنيش..
قاطعته وهي تعقب بهدوء:
اعذرها يا مراد، الي هي فيه مش سهل، عارف البت دي يمكن لو كانت الحادثة حصلت وهي كبيرة شوية مكانتش سببتلها الأزمة دي، ويمكن كانت اتفهمت الموضوع شوية، لكن عشان حصل في وقت كانت صغيرة اوي فيه، فهي لحد دلوقتي شايفه الموضوع بعين البنت الصغيرة الي يدوب مكملتش تسع سنين.
اومئ برأسه متفهمًا حديثها، وقد اقتنع بهِ تمامًا، ومن البداية هو يقدر وضعها، وربما هذا ما يزيد من صبره:
معاكِ حق، طب بصي بقى، انا معرفش ان كانت ممكن تحكيلك عن حادثة اختها ولا لا، بس عاوزك لو حكتلك...
قاطعته وهي تقول:
هعمل نفسي معرفش حاجة.
لا طبعًا غلط، بالعكس هي لازم تعرف انك عارفه، وتقنعيها بوجهة نظرك، لو قولتيلها معرفش حاجه هتشوف ان الموضوع كارثة عشان كده خبيت عليكِ، لكن لما تلاقيكِ عارفه هتفهم ان الحكاية مش ذنب ارتكبته بداريه، دي حاجة حصلت في حياتي عادي وحكيتهالك.. فهمتي قصدي؟
اومأت متفهمة وهي تقول:
فهمت اه.
رفع حاجبه بحماس وهو يخبرها:
حلو، ندخل بقى على باقي التفاصيل....
اتچوز؟ أنت متأكد؟
استمع لرد الطرف الآخر، ليبتسم بخبث وهو يقول:
اخيراً، اخيراً جه تحت ايدي، بقالي سنتين مش عارف اخد حقي منه وجه الوقت الي بقاله فيه حاجه امسكه منها، اسمع عاوزك تجبلي كل تفصيلة عن البت دي، وتعرفلي كل الي بيحصل في يومها، نوع الفطار الي بتفطره عاوز اعرفه فاهم؟
اغلق الهاتف وهو يتنهد بابتسامة ساخرة:
بقى مراد وهدان يتجوز! لا وواحده عادية كده، يبقى الحكاية فيها إن، واكيد هتفدني.
صمت قليلاً ينظر امامه بشرود قبل أن يقول:
والله وجه الوقت الي اخد حقي فيه، سنتين مش عارف اضربك في الشغل زي ما عملت معايا، ومكانش ليك نقطة امسكك منها، بس ادينا وصلنا للنقطة دي.. محتاج بقى اصبر واسوي الموضوع على نار هادية، عشان يوم ما اضرب ميبقاش عارف الضربة جياله منين.
شعر بنقرات فوق باب مكتبه المغلق، ليقطب بين حاجبيهِ باستغراب متجهًا للباب وفتحه، ليرفع حاجبيهِ بذهول وهو يبصر "عُمر" يقف امام الباب وبيده قلم يخط بهِ فوقه بعشوائية، والذي توقف ما إن فُتح الباب، ليرفع "دياب" حاجبه وهو ينظر للباب الذي اصبح بهِ خطوط سوداء اللون واضحة، ونظر للصغير يسأله:
بتعمل ايه يا عُمر؟
اجابه ببرائة وملامح تجمع بها كل اللطف:
برسم.
بترسم ايه يا حبيبي؟ ملقتش غير الباب وترسم عليه؟ بعدين مانا جايبلك اسكتشات رسم كتير فوق مبترسمش فيها ليه؟
حرك منكبيهِ بجهل:
كده.
هز "دياب" رأسه يائسًا، وهو يعقب:
هي مرازية يعني! طب ايه رأيك نلعب كوره في الجنينة.
قلب شفتيهِ بتفكير قبل أن يخبره:
ماشي.. بس بشرط.
قول يا باشا.
عاوز ايس كريم.
بس كده، بعد ما نلعب هخليهم يجبولك، يلا اجري هات الكورة..
ركض الصغير ذو الأربع سنوات ليجلب الكورة حتى يلعب مع والده، وخرج "دياب" يسبقه للحديقة ليجدها جالسة هناك في البرجولة الموضوعة على جانب الحديقة، وقف أمام الباب الذي خرج منه ينظر له وهي شاردة، ناظرة في اتجاه آخر، يعلم جيدًا الصراع الناشب بداخلها الآن، ف المهلة التي أعطاها لها ستنتهي بعد يومين، واليوم الثالث يجب أن تخبره بقرارها والذي ينتظره على أحر من الجمر.
جاء الصغير من الداخل وهو يصيح بسعادة وحماس:
يلا يابابا اقف جون ..
قالها وهو يلقي الكرة في وسط المسطح الأخضر ويركض ناحيتها متخطيًا "دياب" الذي صاح باستنكار ووصل صوته لها بعد ان انتبهت على صياح صغيرها:
جون؟ بقى دي اخرتها!
اتجه له يبدأن في اللعب والصغير تعلو ضحكاته لتصدح في الارجاء بسعادة وهو يركض هنا وهناك تارة خلف ابيه الذي يستحوذ على الكرة وتارة يتركها له ليركض هو خلفه مراعيًا خطواته المتعثرة.
تابعتهم بنظراتها واعينها الدامعة، وقد زادت حيرتها، لن تنكر ابنها يلقى حظ وفير من السعادة والرفاهية هنا، ستحرمه من اشياء كثيرة إن قررت البعد بهِ، وستُحرم منهِ إن قررت البعد هي بدونه، فقط لو تستطيع ان ترجع دياب عن الطريق الذي سار فيهِ لكانت هناك فرصة كبيرة في النجاة بأسرتهما الصغيرة، تنهدت بحيرة وعقلها لا يتوقف عن التفكير في فرصته الأخيرة لها، منذ أن أخبرها ولم تتوقف عن التفكير في حل وسط، لكنها تعجز عن ايجاده، وفي خضم تفكيرها تذكرت شخص ليته موجود الان لكانت اخذت رأيه، ليتها تستطيع الايصال له...
خديجة!
دلفا للمنزل يدفع كرسي والدته امامه ليجد "مصطفى" يجلس امام التلفاز والذي هب واقفًا يصيح:
أنتَ فين يا أبيه، انا زهقت من القاعدة لوحدي ومش عارف حاجة في البيت ده حتى التلاجة مش عارف افتحها.. انتوا قافلينها بالقفل ولا ايه؟ هي بتتسرق!
ضحكت "ليلى" على طريقته في الحديث وأردفت متسائلة:
ده اخوها الصغير؟
ايوه هو.
كان صغير اوي لما مشي، بس نسيت اسمه.
مصطفى.
اومأت متذكرة وهي تنظر له مبتسمة:
ازيك يا مصطفى؟
اجابه بارتباك:
الحمد لله، ازيك أنتِ يا حَجة؟
ضحكت بصوت مسموع، وابتسم" مراد" ابتسامة صغيرة، بينما قالت هي:
مش ممكن.. حَجة! لا انا مش كبيرة للدرجادي، تقدر تقولي يا طنط هتكون احسن.
ابتسم بحرج وقد شعر بسخريتهما منه:
اه.. معلش مقصدش.
لا عادي ولا يهمك.
قالتها بلطف بعدما شعرت بحرجه، ليسأله "مراد" وعيناه تجوب في الارجاء:
قاعد لوحدك ليه؟ اومال خديجة فين؟
فوق، من وقت ما طلعت وأنتَ هنا منزلتش.
وأنتَ مطلعتش لها ليه؟
رفع ذراعيهِ باستسلام:
لا، مطلعش عشان هي مش طايقة نفسها دلوقتي، ففي الحالات دي تجنبها احسن او اسلم.
هز "مراد" رأسه وهو يخبر والدته:
هطلع اشوفها ونازلك.
ماشي يا حبيبي.
اتجه ناحية الدرج ليتوقف على نداء "مصطفى" له:
خير يا مصطفى.
انا كنت عاوز اسألك لآخر مرة.
اسأل!
بدى التوتر على وجهه وهو يسأله:
أنتَ بتحبها بجد يا أبيه مراد؟
تنهد بملل وهو يجيبه باجابة مختصرة لكنها تعني الكثير:
كأنك بتسألني أنتَ بتتنفس!
اراحته الإجابة قليلاً، لكنه أصر على توصيل المعلومة له وهو يقول:
انا لو في يوم حسيت اني اذيتها لما وقفت في صفك هيبقى الموت اهونلي، مش عاوز ييجي يوم تعايرها فيه بفرق المستوى، الي انا شايفه زي الفرق بين السما والأرض، او تكون الحكاية مجرد وقت وتبدأ تزهق منها بعد شوية وترميها، انا مش عاوز اختي تعاني تاني، هي عانت بما فيه الكفاية.. الكلام سهل.. لكن الفعل هو الي بيفرق.
ابتسم له وهو يربط على كتفه واردف:
يبقى سيب الفعل يبين الي الكلام ماقنعكش بيه.
التف صاعدًا درجات السلم، لينتبه "مصطفى" لصوت ليلى" تقول:
تحب اوريك التلاجة بتفتح ازاي؟
التف لها يبتسم بحماس:
اه وحياة ولادك يا طنط لاحسن عصافير بطني ماتت.
ضحكت وهي تهز رأسها وتقول:
ماشي، يلا قدامي على المطبخ، قالتها وهي تدير كرسيها وتستعد لدلوف المطبخ معه..
فتح باب الغرف واحدة تلو الأخرى حتى وجدها أخيرًا، نائمة فوق الفراش على جانبها ومغمضة عيناها بسلام، ولكن ما إن تحرك خطوة واحده حتى استفاقت ونهضت على الفور واقفة أمامه تنظر لعيناه بتحدي وهي تردف باصرار:
مش هتجبرني ابقى معاك، مفيش حاجة بالعافية، اقصر الشر وسبني امشي انا واخويا.
رفع كفيهِ باستسلام مردفًا:
اعتقد أنتِ شوفتي ان اخوكي قاعد بكيفه، واعتقد برضو انك سكتي لما شوفتي قد ايه هو فرحان بحياته الجديدة.
وضعت كفها في خصرها وهي تهتف بحدة:
كانت لحظة عمى، زي ما قولت اتاخدت من فرحة اخويا ومحبتش اكسر بخاطره، بس لما فكرت لاقيت اني هدمر حياتي وحياته عشان شوية مظاهر كدابه، اخويا لا عمره داق العز ولا عاش فيه، والفرحة الي شافها دلوقتي سهل ينساها لما نمشي من هنا، لكن مش هستنى لحد ما يدوق طعم العز واجي احرمه منه، عشان كده بقولك سبنا نمشي يابن الناس وطلقني بالذوق.
عقب ساخرًا:
طب اسمعي يابنت الناس، لا هتمشي ولا هطلق، واحسنلك تتأقلمي على الوضع ده، وعشيلك يومين أنتِ واخوكِ ولا متبتة في المرمطة والبهدلة والشقا!
انزلت كفها وهي تقول بضيق:
ملكش فيه، اه انا متبتة في الفقر ومستموته، انتَ مالك! بعدين ايش تعمل الفلوس في عيشة فاشلة من اولها، هتعملي ايه الفلوس وانا عايشه مع حد مش طيقاه ولا طايقه افضل على ذمته دقيقة كمان! غنى ايه وزفت ايه، ده انا عيشتي مع الشحات هتكون احسن من عيشتي معاك حتى لو هقعد في عشة.
استفزه حديثها فكور قبضته يبتلعه بصعوبة كي لا يسوء الوضع بينهما، وسألها بنبرة هادئة:
عاوزه ايه يا خديجة وتلمي الدور؟
نظرت له باشمئزاز واجابت:
مش عاوزه منك حاجه، ابعد عني بس وانا هرتاح.
اخبرها باصرار:
المستحيل اقربلك من الي بتطلبيه.
هاجت، وصرخت بهِ بأعين جاحظه من الغضب:
وانا مستحيل اكمل مع الي قتل اختي ولو على موتي..
اعملك ايه تاني عشان ترضي؟ انا عملت كل حاجة ممكن تتعمل واتحملت حاجات كتير في العادي مكانش ممكن اتحملها ولا اعملها عشان حد، مطلوب مني ايه تاني اعمله ومعملتوش؟
صرخ بها بعدما ضاق ذِرعه، صرخ بها قلبه قبل أن ينطقها لسانه، والألم لونَ حدقتيهِ بوضوح، حتى معالمه الصلبة باتت هشة وقد قاربت على الانهيار، وردها لم يتوقعه حين نظرت لعيناه بجمود وأردفت بنبرة باردة كالصقيع، هادئة كالنسيم:
مطلبتش منك تعمل اولاني، انا رفضي ليك عمره ما هيتغير حتى لو عملت ايه، هفضل مش قابلاك في حياتي.. إلا بقى لو رجعت اختي تاني الي أنتَ قتلتها.. ازاي عاوزني أآمنلك وأنتَ قاتل، اطمن على نفسي معاك ازاي؟ قتلت اختي لمجرد انها وقعتني! على كده لو اتخانقنا في يوم ونرفزتك ولا غلط فيك هتقتلني؟ احمد ربنا اني مبلغتش عنك وقتها لولايا كان زمانك في السجن طول عمرك.
والعقل غاب بعد سماع حديثها، وتحكمت بهِ شياطينه، ليلقي كل حديث للقلب وراء ظهره وهو يقترب منها الخطوتان الفاصلتان حتى أنها لم تلحق أن تأخذ رد فعل وتبتعد، فقط جحظت عيناها وهي تراه يقبض على ذقنها يعتصره بين كفه العريض القاسي، ولكن لم يؤلمها قدر ما فزعتها نظراته التي تراها لأول مرة، بكل هذا الغضب والشر الكامن داخلها، وردد هامسًا بهمس كالفحيح:
ولولايا كان زمانك هتقضي الباقي من عمرك في السجن، لو كانت مشكلتك معايا إني قت*لت، فانتِ كمان عملتيها، وإن كنتِ زمان سكتي واتسترتي معايا على الجر*يمة، فانا رديتلك الي عملتيه، ولا أنتِ بقيتِ بتنسي بسرعة ونسيتِ الراجل الي قت*لتيه! ولولايا كان زمانك مقبوض عليكِ ومكانش الجن الأزرق هيعرف يخرجك منها، بقينا متعادلين يا خديجة.. بقينا متعادلين!!
ماذا!! هل افشى عن سر كارثي للتو!
جحظت عيناها وشحب لونها وهي تسأله بفاه فاغر:
ايه! قتلته؟ أنا قتلته فعلاً!
والآن ادرك خطأه، تركها وارتد للخلف وهو يسب نفسه بهمس، عامان واكثر حافظ فيهم بكل الطرق على هذا السر ولم يجعلها تشك في حقيقة قتل ذلك الوحش، عامان حرص فيهما على ألا يصلها أي خبر عن اختفاءه الغريب، كي لا تسوء حالتها النفسية مرة أخرى..
اقتربت منه تجذبه من ياقة قميصه تتعلق بها وهي تصرخ بهِ وقد صعدت الدماء لرأسها:
رُد علـــيَّ! أنتَ قولتلي انه سافر، قولتلي انهم بيقولوا ساب الحارة وهج عشان نصب على واحد في فلوس ومرجعش فلوسه.. والحارة كلها كانت عارفة ده وبتتكلم فيه.. أنتَ كنت بتكدب؟ يعني.. يعني انا مكنتش بتخيل وهو اتهجم عليَّ بجد وقتلته؟ يعني انتَ جيت يومها فعلاً وخفيت جثته!! رُد... ابوس ايدك رُد وقول انك بتكدب وان كل ده محصلش، قول انه هرب زي ما قولتلي.. قولي إني مقتلتوش.. ابوس ايدك قولي اني مقتلتوش...
هي ليست على حافة الانهيار.. لقد سقطت من فوق الحافة بالفعل!!
رواية بك احيا الفصل السابع 7 - بقلم ناهد خالد
قالت وهي تشير لذاتها بعصبية وعدم تصديق في آنٍ:
"أنا قتلته! طب ليه! أنا مكنتش عاوزة أبقى كده."
وجلست فوق الأرضية الباردة بتعب وإرهاق نفسي، وهي تبكي بمرار. وهو يتابعها بقلة حيلة، فأي حديث قد يقوله يمكن أن يخفف عنها. لقد زل لسانه وانتهى الأمر. أصبحت الآن على دراية بما استطاع خفيه لعامين وأكثر. والحق أن كل شيء لابد له أن يُكشف يومًا.
اقترب منها يقف أمامها، ثم جثى على ركبتيه أمامها يتابعها بتأثر، قبل أن يقول بنبرة حنونة يحاول فيها تخفيف صدمتها وآلامها:
"أنتِ مبقتيش كده بمزاجك. أنا لو حد دخل عليَّ دلوقتي وحاول يسرقني وقاومته، ولاقيته كان هيقتلني فسبقت وقتلته. وقتها محدش يلومني، ده في بيتي وبيتهجم عليَّ. ولو مكنتش قتلته كان سبقني وعملها، والقانون يبرئني."
نظرت له تسأله بإدراك:
"والقانون مبرأنيش ليه! ليه اتصرفت من دماغك وخفيت الجثة رغم إن القانون كان هيبرأني!؟"
رفع رأسه بثبات وهو يجيبها:
"عشان وقتها خوفت عليكِ، وحالتك وانهيارك اللي كنتِ فيه مخلانيش أفكر. بعدين مكنتش أعرف عن القانون لأن عمري ما قريت عنه ولا دخلت في مشكلة قانونية عشان أفهم. أنا فهمت ده بعدين لما واحد صاحبي اتعرض لمشكلة مشابهة."
وصدقته لأنها ليست بحال يسمح لها بالمجادلة أو الشك. ولكن حتى وإن كان خارجًا عن إرادتها، حتى وإن كانت قتلته بلا جرم، فهي في النهاية قتلته.
ارتعش كفها وتجعدت ملامحها ببكاء وهي تنظر له وتخبره بانهيار:
"بس قتلته.. حتى لو مش مذنب، قتلته ودمه على إيدي.. إزاي قدرت أعمل كده؟"
أمسك ذراعيها بكفيه يضغط عليهما برفق وهو يخبرها بالحقيقة التي يغفل عنها عقلها الآن:
"قتلتيه عشان تعيشي.. عشان كان هياخد منك شرفك، كنتِ بتدافعي عن نفسك يا خديجة."
رفعت نظرها له وبعينيها نظرة لم يفهمها، وظلت صامتة لثوانٍ قبل أن تلقي بقنبلتها المدوية وهي تقول:
"زي ما كنت بتدافع عني زمان!"
فغر فاهه وظل كالصنم أمامها لثوانٍ أخرى يستوعب جملتها ويربطها بنظراتها، ليتأوه بقوة وهو يقول بعدم تصديق وتعب كمن ركض ظهرًا باحثًا عن مخرج وبالأخير رأى نورًا يأتي من بعيد:
"أخيـــــرًا، فهمتِ أخيرًا يا خديجة! صدقتِ إن أنا كمان مش مذنب والي عملته كان بنية الدفاع عنك ومكنتش أعرف إنها هتوصل لكده."
حركت رأسها باستسلام، وأردفت:
"فهمت.. عشان بقيت في نفس الموقف، فهمت عشان بقيت زيك، بقينا متعادلين زي ما قولت."
احتضن وجهه بكفيه يتلمس رد فعلها، ليجد الهدوء فقط هو ما قابله. لم تبتعد ولم تنفر ككل مرة. فتشجع وانتفخ صدره بالراحة وهو يقول بنبرة تجسد بها كل معاني الرفق والاحتواء:
"لا يا ضيَّ، لا مش متعادلين. وعاوزك تنسي خالص اللي حصل. لو عاوزة تفتكري ذنبي أنا بس أنا موافق بس متحسيش إنك بقيتي زي اللي بقالك سنين شايفاه مذنب. متسامحنيش عشان بقيتِ زيي، سامحيني عشان فهمتِ وقدرتِ موقفي.. غير كده أنا مش عاوز مسامحتك."
تنهدت بقوة قبل أن تخبره بصدق نبع من عينيها:
"مسامحتكش عشان بقيت زيك، سامحتك عشان فهمت.. فهمت اللي بقالي سنين مش عارفة أفهمه. أنا كمان مكنتش أقصد أقتله وكنت بدافع عن نفسي، زي ما أنتَ عملت! بس هو ليه دايماً مقابل حياتي يكون فيه خسارة لحياة شخص تاني! أنا مش عاوزة أكون مؤذية للي حواليا بالشكل ده."
ابتسامة صغيرة زينت ثغره، ابتسامة حنونة أكثر من كونها سعيدة، وصوته يتسلل لها وهو يقول بنبرة هادئة:
"أوعي تقولي كده تاني. أنتِ عمرك ما كنتِ أذى للي حواليكِ، بالعكس، يعني كفاية إنك معيشة بني آدم ولا دي حاجة هينة يعني؟"
قطبت حاجبيها بتعجب وهي تمسح دموعها بكفيها بينما تقول بنبرة باتت هادئة:
"معيشة بني آدم إزاي يعني؟"
هز رأسه بتأكيد وهو يخبرها:
"آه، معيشة بني آدم اللي هو أنا، معيشاني... يعني إنك سبب إني لسه عايش، معيشاني يعني كل حاجة في حياتي مرتبطة بوجودك.. حتى النفس اللي بتنفسه، فمن غيرك... أكيد فهمتِ إيه اللي هيحصل، يبقى معيشاني ولا لأ!"
غامت عيناها بنظرة مقدرة. كيف له أن يسرق نفسها منها بكلماته هكذا! تلك الكلمات التي لطالما سمعتها من "زين" اليوم تسمعها من "مراد" وهي مرحبة بها! لم تكرهها لأنه يسمعها منه بعد أن علمت حقيقته، بالعكس.. تدرك الآن مدى صدقها، تعلم أنه لا يبتذلها، هو بالفعل يشعر بكل حرف يقوله. من ركض ورائها سنوات يبحث عنها ويزيف هويته لأجلها يستحق أن تعطيه فرصة. لأول مرة عقلها يدرك تضحياته الكثيرة من أجلها. لتجد لسانها يقول بموافقة عقلها وقلبها:
"تعرف إن عمري مانسيتك.. طول الوقت كنت في خيالي وفي منامي، كنت في خيالي بفتكر ذكرياتي اللي عقلي فضل حافظها معاك، وف منامي كنت بتخوفني وبترعبني، كل مرة كنت بشوفك بتقتلني.. ودلوقتي بس أدركت قد إيه كان حلم سخيف وغبي.. إزاي كنت بشوفك بتقتلني وأنتَ قتلت عشاني! طب أقولك سر...."
لابد أنه يحلم! وياله من حلم جميل، "خديجة" هي من تقول هذه الكلمات! والادهى أنها تسترسل معه في الحديث وستخبره سرًا! وعلى رأس كل هذا أنها ستفعل وهي تدرك أنه "مراد".
وبحالمية كان يخبرها:
"قولي سر.."
تنهدت بهدوء قبل أن تبدأ حديثها:
"أوقات كتير كنت بتبقى الجندي المجهول في حياتي، ساعات كتير كنت بفتكر كلامك معايا وأنا صغيرة وتشجيعك ليَّ في موقف معين وده يشجعني، وخصوصًا كلامك المحفز اللي كنت دايماً تفضل تقولهولي."
قطب حاجبيهِ بعدم تذكر مصطنع:
"كلام إيه مش فاهم؟"
أجابته باستغراب:
"مش فاكر إزاي ده أنتَ كنت دايماً تقولهولي!"
أصر على موقفه وهو يخبرها بحجة واهية:
"مانتِ عارفة بقى يا ديجا، يعني أوقات الواحد بيعدي على ذاكرته حاجات بتسقط منه."
"ماكر أنتَ يابن وهدان!" رمى بكلمته المحببة التي تبغضها في وسط حديثه ليرى أثرها عليها. أستغضب كالعادة! أم أن اليوم هو يوم سعده!
وقد كان. هي لم تغفل عنها، وشعرت ببعض المرار بحلقها فور سماعها لها، لكن تخطتها. تجاوزتها لأنها يجب أن تفعل، بعد أن أدرك عقلها حقائق كان يغفلها.
"أوعى في يوم تضعفي، متسمحيش لحد يكون سبب كسرتك أو يحط صباعك تحت ضرسه، لازم دايماً تكوني حرة.. محدش يقدر يجبرك على حاجة."
"خذي حقك حتى لو من مين، متعمليش حساب لحد مادام هو وهو بيظلمك معملش حساب ليكِ ومفرقتيش معاه."
"شوفي نفسك دايماً كبيرة، ساعتها هتجبري الكل يشوفك كده."
أنهت الثلاث جمل التي قالتهم تذكره بحديثه معها سابقًا، ليُدهش وتتسع عيناه ذهولاً، لا يصدق أنها مازالت تتذكر! لقد كانت صغيرة، ومرت الكثير من السنوات كيف تتذكر للآن!
"أنتِ لسه فاكرة؟ إزاي؟ أنتِ كنتِ صغيرة و..."
قاطعتها تخبره:
"بس كل جملة من دول كان فيها موقف عمري ما هنساه، ويمكن هو اللي مخليني لسه فاكرة.. أول جملة لما باباك ضربك في مرة عشان خسرت بطولة، وقتها بعد ما فضلت تعيط شوية قلت لي الكلام ده، عشان أنتَ أصلاً مكنتش حابب الرياضة دي.. والثانية لما باباك حبسك في الأوضة أربع أيام عشان عرف إنك لسه بتكلمني.. بعد ما خرجت قلت لي الكلام ده وحلفت لتاخد حقك منه، فسرقت ورق شغل مهم وحرقته.. ومهديتش غير لما شوفتُه هيتجنن على الورق ده.... وآخر جملة.. لما حصلت مشكلة في مدرستي وواحدة شتمتني وقالت لي إن مستوايا أقل منها، وقتها فضلت أعيط وأقولك إن كلامها صح عشان كده مردتش عليها.. وساعتها قلت لي لا، مينفعش تشوفي نفسك قليلة.. لازم تشوفي نفسك كبيرة عشان الناس تشوفك كده..."
هزت رأسها باستسلام تقول:
"كل مرة كان بيحصل موقف مشابه، كنت بفتكر كلامك.. وبيقويني."
"وأنا كل لحظة كنت بتمنى نفسي إني هلاقيكِ، وإن هييجي اليوم اللي تكوني فيه قدام عيني وأكلمك وأنتِ قدامي بجد مش في خيالي، وده بقى كان بيخليني أكمل يومي."
نظرت له بتمعن قبل أن تسأله باستفسار:
"هو أنتَ إزاي قدرت تسيب كل ده وتروح تشتغل في مطعم وتخدم الناس! أكيد كان صعب عليك."
"بالعكس أنا كنت بعمل ده وأنا مرتاح."
رفعت حاجبها بتعجب تسأله:
"- مرتاح!"
أومأ مبتسمًا ابتسامة صغيرة:
"أيوه مرتاح... عشان بعمل كل ده عشانك، وعشان أنتِ جنبي.. إزاي بقى مش هكون مرتاح! أنا كان عندي استعداد أعمل أي حاجة توصلني ليكِ."
أغمضت عيناها بارهاق وقالت:
"أنا حاسة إني عاوزة أنام.. دماغي مصدعة أوي."
سألها باهتمام جلي:
"تحبي أجيب لك مسكن."
"لا، أنا بس عاوزة أنام وهكون كويسة."
أنهت حديثها ونهضت عن الأرضية متجهة للفراش وفورًا ألقت بجسدها عليهِ مغمضة عيناها، دون أن تعبأ بوجوده.
طالعها لثوانٍ بصمت، قبل أن يتحرك ليغلق باب الشرفة المفتوح، وأمسك بجهاز التحكم ليشغل المبرد الهوائي كي تنعم بنوم جيد في ظل الأجواء الحارة التي تجتاح شهر يوليو. ثم تحرك للخارج مغلقًا الباب خلفه بهدوء.
***
"إيه يا مراد منزلتش معاك ليه؟"
تسائلت بها "ليلى" فور رؤيته وبجانبها يجلس "مصطفى" ممسكًا بطبق بها سندوتش ما يتناوله بتروي. ليبتسم لها وهو يجيبها:
"نامت، تشوفيها لما تصحى بقى."
"أكيد؟"
سألته بشك وهي تضيق عيناها، ليؤكد عليها وهو يقول:
"أكيد.. يلا بقى أوديكِ أوضتك تشوفيها."
"هو أنتَ لسه مجبتش خدامة؟"
"لا لسه، بس هتيجي بكرة."
قالها وهو يقود كرسيها المتحرك لطرقة صغيرة بها المصعد الكهربائي الذي صُمم خصيصًا من أجل والدته كما كان في الفيلا القديمة.
"إيه ده أنتَ كنت عامل حسابي وأنت بتصمم البيت؟"
"أكيد يا لولة.. تتخيلي يعني إنك مش أول واحدة جيتِ في بالي وأنا بصمم البيت."
سألته باستغراب:
"بس أنا مكنتش قولت لك لسه عن رغبتي إني أسيب بيت أبوك."
"أيوه، بس أنا معملتش ده بنية إنك تقعدي معانا هنا، عملته لأني كنت ناوي كل أسبوعين أجيبك أسبوع تقعدي معانا هنا وتغيري جو."
وضعت كفها على كفه الموضوع على ظهر الكرسي تربط عليهِ بامتنان:
"ربنا يرزقك الخير يابني ويكرمك يارب زي ما أنت كارمني."
وكالعادة لم يعقب على دعائها، فقط قال:
"هسيبك تريحي شوية في الأوضة، عشان لما تصحوا اجيب أكل لينا كلنا."
***
فتحت باب شقتها لتراه أمامها واقفًا بملامحه الواجمة التي تخفي غضبًا هائلاً. كادت تغلق الباب ليضع قدمه مانعًا، ودلف للداخل قسرًا، فسبقته للصالة واقفة في منتصفها واضعة كفها في خصرها بتحفز وعيناها المتورمة من البكاء تحكي حالها. وحالما أصبح أمامها هدرت بهِ بغضب:
"إيه اللي جابك؟ نسيت كلمتين في التليفون جاي تقولهم؟ ولا جاي تاخدني عشان نروح نسقطه؟"
أغمض عينيه بقوة مستمدًا الهدوء ثم قال:
"لا ده ولا ده. أنا لما عرفت الخبر مقدرتش أتحكم في أعصابي.. ويمكن رد فعلي كان..."
رفعت حاجبها بغضب أكبر، ليحمحم بتوتر قبل أن يعيد حديثه:
"أكيد رد فعلي كان بايخ، بس غصب عني، مكنتش اتوقع حاجة زي دي، وأنتِ عارفة الوضع اللي احنا فيه."
ضغطت على أسنانها بغضب وهي تعقب:
"مش محتاجاك تقولي... أنا عارفة الوضع كويس، وأعتقد كان واضح من رد فعلي لما كلمتك.. لكن أنتَ حتى مقدرتش حالتي اللي أنا فيها.."
اقترب خطوتين يحاول إمساك ذراعيها لتشيح يده بعيدًا وتتراجع هي للخلف برفض تام.
فقال بأسف حقيقي:
"أنا آسف والله... مقصدش.. حقك عليَّ، بس أنا دماغي بتودي وتجيب ومش عارف أعمل إيه.. هنتصرف إزاي، أنا خايف عليكوا وهموت لو اتعرضتوا لأذى."
أشاحت وجهها بإباء وهي تقول:
"قولت لك ننزلُه..."
خطى الخطوات الفاصلة، وأصبح أمامها ممسكًا ذراعيها رغم رفضها ونفورها الواضح، وهو يقول:
"مش ده الحل، افهمي.. أنا فعلاً في حيرة ومش لاقي حل وسط."
جمدت ملامحها وهي تسأله بسخرية:
"وإيه هو بقى الحل الوسط؟!"
ترك ذراعيها مرددًا بعجز:
"مش عارف... أنتِ مش هينفع تكملي في شغلك بالوضع ده."
تنهدت بقوة وهي تقول:
"عارفة.. ومش لاقية حل.. ومستحيل أخليهم يعرفوا إني متجوزة، أنتَ عارف إن وقتها هيدوروا ويعرفوا أنا متجوزة مين... وساعتها..."
أكمل بالنيابة عنها:
"ساعتها هيصفونا إحنا الاتنين... من أول ما اشتغلنا معاهم واحنا عارفين إن من قوانين المنظمة إن مينفعش اتنين شغالين فيها يتجوزوا.. قال إيه عشان ميبقوش خطر ع المنظمة."
"أكيد هيبقوا خطر.. لما أنا أكون عارفة حاجات كتير من شغلي مع دياب.. وأنت عارف حاجات كتير تانية من شغلك مع مراد.. تخيل بقى لو إحنا الاتنين قررنا نقول لبعض الأسرار اللي نعرفها.. هيكون معانا أسرار توديهم في ألف داهية.. عشان كده حرموا إن اتنين يرتبطوا حتى مش يتجوزوا ويخلفوا!"
"وبعدين؟ هنعمل إيه؟ حتى مش عارفين ننفصل عنهم، بقالنا سنتين بنحاول ندبر مكان نهرب له ونبعد عنهم ومش عارفين."
أغمضت عيناها بألم وهي تبوح بالحقيقة المرة:
"مش هيسبونا.. ده لهم عين في كل دولة، لو خرجنا بس من المطار هيعرفوا."
طال الصمت لبعض الوقت... والألسنة تعجز عن إيجاد حل... حتى قطعته هي وهي تقول بتعب:
"طارق... أنا مبقولش ننزلُه عشان زعلانة من طريقتك ولا غضب من رد فعلك.. أنا بقولك ننزلُه عشان لو روحنا شمال ولا يمين مش هنلاقي حل.."
هز رأسه رافضًا بقوة، وهو يقول بإصرار:
"مش هنقتل ابننا عشانهم.. كفاية المرار اللي شايفينه بقالنا سنين واحنا مش عارفين نعيش حياتنا طبيعي بسببهم... كفاية بقى."
سألته بقلق:
"وهتعمل إيه؟ طارق... أي خطوة غلط هيكون تمنها حياتنا."
أجابها وهو ينظر أمامه بغموض:
"مفيش غير حل واحد...!"
***
صباح اليوم التالي...
كانت واقفة في المطبخ تعد الإفطار بعد أن تركته جالسًا في شرفة غرفته كعادته كل يوم صباحًا، يجلس شاردًا بأفكاره هناك، وهي تتركه يخرج همه بينه وبين نفسه دون تدخل، حتى تنتهي من تجهيز الإفطار فتدعوه للدخول. ولكن اليوم تفاجأت بهِ خلفها في المطبخ، فابتسمت بتكلف قبل أن تعاود استكمال ما تفعله.
"أنا آسف."
التفت له تسأله باستغراب:
"آسف؟ على إيه؟"
تحرك ناحيتها حتى وقف أمامها تمامًا وقال بصدق:
"آسف عشان خزلتك.. آسف عشان ضايقتك بكلامي، بس أنا كنت مضغوط.. كنت مضايق عشانك، وكنت حاسس إن في ضغط كبير من كل جهة، أنا الفترة دي بجد مكنتش ملاحق يا جاسي، ما بين الشغل لمشوار كل يوم معاكِ لمكان شكل، لعجزي عن إني أساعدك، حتى المساعدة اللي عرضتها عليكِ رفضتيها من غير ما أفهم سبب رفضك!"
تجمعت الدموع في عيناها وهي تقول بوجع:
"عارفة إن تعبتك معايا، وعارفة إني ضغطت عليك بزيادة من غير ما أحس، كان كل همي ألحق الناس اللي بشوفها في أحلامي ومفكرتش في اللي ممرمطاه معايا، بس كلامك كان صعب يا باهر... عارف لما تكون كل ما يحصل معاك مشكلة تجري تشكيها لأمك وأنت مش شايل هم إنها ممكن تزهق من كتر شكواك.. إحساسك هيكون إيه لو في يوم اتخنقت وقالت لك قرفتني بمشاكلك.. وقتها هتحس إنك اتخذلت، الشخص الوحيد اللي كنت بتحكيله وأنت متأكد إنه مش هيتأفف منك، طلع زهقان منك ومن شكاويك.."
اقترب منها مكوباً وجهها بين كفيهِ، وقد أدمعت عيناه تأثرًا بحديثها وشعورها الذي جعلها تشعر بهِ دون قصد.
"إيه بس اللي بتقوليه ده، يشهد ربنا إني مزهقتش منك ولا من مشاكلك زي ما بتقولي، أنا كانت كل مشكلتي إنك رافضة تشوفي حل.. رافضة تتعالجي يا جاسي، كأنك حابة تفضلي في الوجع ده واللخبطة دي."
بدأت في البكاء وهي تقول:
"مش حابة.. بس حاسة إن دي حاجة ربنا مكلفني بيها، إني أحاول أحمي الناس دي، لما أروح أتعالج منها يبقى أنا كده بقضي عليها ومش هعرف أنقذهم."
نظر لها يتعجب من تفكيرها، ليردف باستنكار:
"هو إيه ده؟ يا حبيبتي دي حاجة بتأذيكِ، وأنتِ معرفتيش تنقذي غير واحد بس من كل اللي شوفتيهم في حلمك، لا وإنقذتي وهو أصلاً كان هيعدي منها من غيرك.. الحادثة اللي كانت هتموته هو أصلاً مكنش هيروح المشوار عشان اتلغى واحنا واقفين.. يعني برضو كان ربنا هينجيه، لكل أجلٍ كتاب يا جاسي، واللي ربنا كاتبه له يعيش هيعيش من غيرك.. لازم تفهمي ده عشان تريحي نفسك وترتاحي."
أغمضت عيناها لثوانٍ بقوة تحاول التماس الهدوء النفسي أولاً، ثم فتحت عيناها وهي تقول باستسلام:
"ماشي.. شوف أنتَ عاوزني أعمل إيه وأنا أعمله."
ضمها لصدره بحنان ورفق، وقبل أعلى رأسها وهو يتمتم لها:
"إن شاء الله كله هيعدي وهنرجع نعيش حياتنا من تاني زي باقي الناس."
أغمضت عيناها ورأسها تستكين على صدره ولم ترد. فقط اكتفت بالصمت.
***
جلس فوق الفراش بجوارها ينظر لها بهدوء، ولكن داخله يعج بالمشاعر الموجهة لها هي فقط. عيناه تفيض حبًا وحنانًا، واحتواءً. مد كفه يتلمس كفها برفق وهو يناديها.
"ديجا... خديجة اصحي يا حبيبتي.."
تململت بعدم راحة وفتحت عيناها ببطء حتى طالعته أمامها. فنظرت له بصمت.
"صحي النوم.. بقالك خمس ساعات نايمة، وماكلتيش.. فطلبت أكل وجبت لك البيتزا اللي بتحبيها... مارجريتا الغريبة اللي معرفش بتاكليها إزاي دي."
توقع أن تعارضه مدافعة عن طعمها المفضل في البيتزا، كعادتها. ولكنها لم تفعل، ليسألها بقلق بدأ يتسلل إليه:
"في إيه يا خديجة.. ساكتة ليه يا حبيبتي؟"
"مفيش."
قالتها بصوت مبحوح من كثرة انفعالاتها اليوم، ليقطب ما بين حاجبيهِ بقلق يسألها:
"صوتك ماله؟"
ابتلعت ريقها ببطء وهي تجيبه بنفس البحة:
"مش عارفة.. حاسة زوري بيوجعني شوية."
"طب يلا عشان تاكلي واجبلك دوا يريحك، بس أنتِ كويسة صح؟"
سأل بالأخيرة بقلق واضح، لتبتسم له بهدوء:
"كويسة متقلقش."
"طبعًا لازم تكوني كويسة مش بقيتِ شبهه!"
نظرت خلفه لترى سارة واقفة وملامحها تفزع، حتى أنها انتفضت جالسة شاهقة بخضة. واتسعت عيناها بشكل مخيف.
ترى سارة بأعين حمراء كالدم، وملامحها لم تكن جميلة أبدًا بل مليئة بالتشوهات. لم تظهر لها بهذا الشكل المرعب من قبل.
"إيه يا خديجة سامحتيه؟ سامحتي في حق اختك؟ نسيتِ إنه سبب موتي، ولا بقيتِ تبررين له كمان؟ أنتِ أبشع واحدة في الدنيا وأكثر واحدة أنانية شوفتها.. بتسامحي في دم اختك عشان حبيب القلب."
نفت برأسها بقوة ودموعها نسيتها، وأخذت تردد بصوت عالٍ ونبرة مفزوعة:
"لا.. لا أنا معملتش كده.. أنا بس فهمت."
"فهمتِ؟ فهمتِ إزاي تسامحي في حقي؟ ضحك عليكِ يا خديجة؟ ولا أنتِ كنتِ بتتلككي مستنية أي مبرر تافه عشان تسامحيه."
طفح الكيل بها، فصرخت بوجع وهي تشيح بذراعيها بهياج:
"مش من حقي؟ مش من حقي أرتاح بقى بعد كل العذاب ده... أنتِ اللي أنانية يا سارة مش أنا، استكترتي عليَّ أعيش مرتاحة.. نكدتي عليَّ وعيشتيني في غم وهم طول عمري بسببك.. مش من حقي أرتاح بقى! حرام عليكِ... حراااااام.."
فجأة شعرت بنفسها مقيدة، ذراعيها المتحركتان أصبحا تحت قبضة أحدهم، لتعي لنفسها وتسمع صوته وهو يهدر:
"خديجة فوقي... في إيه؟ خديجة... اهدي.. اهدي يا خديجة."
وهو يحتضنها بقوة كي تكف عن الحركة.
"سارة."
رددتها وهي تشير بإصبعها في اتجاه ما، فنظر لتلك الناحية فوجدها فارغة. ولم يكن يحتاج النظر من الأساس.
"مالك يا خديجة؟ سارة مين اللي شيفاها؟!!!!!"
***
انتهى الفصل
رواية بك احيا الفصل الثامن 8 - بقلم ناهد خالد
انتبهت لحالتها فأغمضت عيناها بقوة لتستفيق منها، وبالفعل ما إن فتحتها مرة أخرى وجدت سارة قد اختفت، ووعت لحالتها بين ذراعي مراد وهو كاد أن يبتلعها داخل احضانه أو يكسر عظام قفصها الصدري من شدة ضغطه عليها، وبالطبع لم يكن هذا سوى محاولة منه لتقليل فرط حركتها والتي كادت تؤذي بها نفسها.
همست تنبهه:
_ أنا كويسة، ابعد شوية عضمي وجعني.
انتبه لعودتها لرشدها، فابتعد عنها فورًا وهو يردد بملامح وجهه الشاحبة:
_ أنتِ كويسة؟
أومأت دون حديث، وهي تتهرب من النظر له، ليهتف مرة أخرى:
_ أنا آسف لو ضغطت عليكِ ووجعتك، أنا بس كنت بحاول أوقف حركتك عشان متأذيش نفسك.
حركت رأسها مرة أخرى متفهمة قبل أن تقول:
_ محصلش حاجة.
جمدت ملامحه وهو يقول:
_ بس أنا عايز أفهم اللي حصل ده.
رفرفت باهدابها بتوتر وهي تسأله:
_ تقصد إيه؟
_ قصد انهيارك ده سببه إيه؟
حركت رأسها للجهة الأخرى وهي تقول بتوتر:
_ عادي.. هتلاقي بس أعصابي تعبانة شوية.
ضيق عيناه بشك يسألها:
_ وإيه علاقة تعب أعصابك بأنك تشوفي سارة، وتشاوريلي عليها!؟
ابتلعت ريقها بتوتر وأجابته بتلجلج:
_ لا.. أنا مش شاورتش على حد.. سارة مين اللي شفتها؟
ابتسم ابتسامة صغيرة ساخرة يقول:
_ يعني على الأقل قوليلي كدبة تانية، لكن تنكري إنك شاورتي عليها أصلاً!
حاولت الهرب من الموضوع بحيلة ما فاصطنعت الملل من حديثه وقالت بضيق:
_ ما خلاص بقى هو تحقيق؟
كان جالسًا الآن أمامها والبُعد بينهما عدة سنتيمترات، مستندًا بكوعه على فخذته وأحد أرجله مرفوعة فوق الفراش والأخرى مُثبتة فوق الأرضية، فاقترب أكثر بجسده وخاصًا رأسه مما جعلها ترتد للوراء بتوتر، وهو يقول بابتسامة مُهلكة رغم نبرته الساخرة:
_ بلاش مبدأ قلب الطربيزة معايا عشان مبيجبش سكة، ورُدي على سؤالي عِدل عشان كده كده هاخد الإجابة اللي ترضيني.
ارتفع تنفسها قليلاً وهي تسأله بغضب ظهر بوادره على وجهها:
_ أنتَ بتهددني!؟
رفع كفه يلمس وجنتها برفق وهو يخبرها بنظرة عاشقة:
_ ما عاش ولا كان اللي يهددك وأنا عايش، حتى لو كان أنا.. بس أنا عايز أطمن عليكِ.
لم تنكر أن حديثه أثر بها، لكنها لم تجد الجرأة لتخبره بهلاوسها ومرضها النفسي الذي تعاني منه لسنوات، فلجأت للفرار من إجابة السؤال للمرة الثانية وهي تقول:
_ أنا جعانة أوي، مش قولت طالب أكل؟
_ اممم، طالب.. زمانه على وصول.
نهضت عن الفراش وهي تقول:
_ هغسل وشي وأحصلك.
نهض هو الآخر وقد أدرك طردها له بالأدب، فقال بتروي أربكها:
_ تمام... هنزل أنا أسبقك.. ولينا كلام تاني.
اتجه للباب ليقف عنده والتف لها يقول:
_ جهزي نفسك بعد الأكل هننزل نشتري شوية حاجات.
أومأت دون حديث، ليغلق الباب خلفه، فتهاوت فوق الفراش لا تصدق ما وضعت نفسها بهِ، هل كُشف سرها الذي حرصت على إخفائه طوال الفترة السابقة؟ طوال فترة معرفته بها وخطبتهما، الآن كُشف أمامه، فمراد ليس بأحمق ليصدق أي كذبة قد تخلقها، وحتمًا سيكتشف الحقيقة لا محال.
مسحت وجهها بكفها بضيق، وتأففت عدة مرات بنزق، قبل أن تنهض دالفة للحمام لتغسل وجهها.
***
كانا يجلسان حول طاولة الطعام والوضع مُضحك!
لكنه مُحزن لقلب البعض!
فالطاولة الكبيرة والتي تحوي أكثر من خمسة عشر فردًا، يجلس اثنان فقط حولها، وبينهما ما يقرب من خمسة كراسي فارغين.. وهذا ما جعله يرفع صوته وهو يقول:
_ مش ناوية تتنازلي عن الهبل اللي بتعمليه ده.
فالأمر المضحك والمُحزن في الوقت ذاته، أن كلًا منهما يأكل من طعام مختلف، هي أمامها طبق من الأرز وطبق آخر به بعض الخضروات المطبوخة، وقطعة دجاج متوسطة الحجم، وكأس عصير فريش.. أما هو فأمامه قطعة لحم كبيرة الحجم مشوية، وطبق بهِ بعض المعكرونة بالصوص الأبيض الذي يفضله، وطبق سلطة فواكه لطالما فضل تناولها بعد الوجبة مباشرةً.. واستبدل كأس المشروب المعتاد له، بعصير برتقال بدون سكر.. فإن لمحت كأس المشروب لربما ستقلب مائدة الطعام فوق رأسه.. لذا اختار الحل الأمثل.
_ هبل! ماشي اعتبره هبل، بس الهبل ده اللي مقعدني هنا لحد دلوقتي.
_ هو أكلي فيه سُم يعني!
نظرت له وبدون تردد قالت:
_ من فلوس حرام.. يعني لو فيه سُم كان هيبقى أهون.
رفع جانب فمه العلوي يردد بسخرية:
_ فقررتِ تجيبي أكلك وشربك ولبسك من فلوسك، مبتفكريش تدفعي أجرة سكنك بالمرة؟
رفعت حاجبها المنمق له وقالت بينما تمسك بالملعقة بقوة:
_ لو قاعدة بمزاجي كنت عملتها، لكن أنا قاعدة بالإجبار.
أخبرها بنبرة ذات مغزى:
_ افتكري طيب إن مهلتك قربت تخلص، بكرة بليل هستنى ردك.
كادت أن تقول شيئًا مُعلقة ليقاطعها وهو يسألها:
_ نويتِ تنزلي الأتيليه إمتى؟ أنا مأجل الافتتاح لحد ما تكوني موجودة بنفسك.
أشاحت بنظرها عنه ناظرة للأمام، تفكر في الأمر مرة أخيرة قبل أن تقول قرارها.. هي بالفعل حددته من كثرة تفكيرها بالأمر من وقت أن أخبرها، فكرت بهِ من كافة النواحي، هي ترفض أي إنفاق مالي يأتي من جهته، وهي تعلم حقيقة أمواله الفاسدة، لكن تحتاج للخروج من عرينه حتى ولو لبعض الوقت يوميًا تستعيد فيه طاقتها، ولربما يتيح لها فرص لن تأتيها وهي تجلس بين قضبان منزله الكئيب، وهذا ما جعلها تحدد موقفها بوضوح... أغمضت عيناها تضغط عليهما بتردد قبل أن تقول أخيرًا وعيناها تتجنب النظر له:
_ هنزل من بكرة، هروح من المغرب للساعة ١١ كده.
ضيق عيناه يسألها رغم معرفته للإجابة التي لن تبوح بها:
_ وليه الوقت ده بالذات؟
أجابته متسائلة بتوتر:
_ وليه مش الوقت ده؟ أنا بس حسيته مناسب.
ابتسم ساخرًا من جانب فمه وهو يقول:
_ يمكن عشان الوقت ده هو اللي بكون موجود فيه في البيت.. أنتِ عارفة إني برجع الساعة ٥ من الشركة، بتغدى وبخلص شوية شغل، وبرتاح شوية وعلى الساعة ١٢ بخرج تاني.. أنتِ بقى قررتِ تهربي من وجودي مش كده؟
كادت تجيبه نافية ليقاطعها بحديثه:
_ مفيش داعي تجاوبي، عمومًا.. أنا مش موافق على المواعيد دي، وأنا اللي هحطلك مواعيدك اللي تروحي وترجعي فيها.
وهنا تخلت عن تجنب النظر إليه، ونظرت له غاضبة مستنكرة، تقول:
_ نعم؟ هي فيها تحكمات من أولها ولا إيه؟ حتى مواعيدي عايز تحددهالي؟
رد ببرود:
_ بالضبط كده، عشان ببساطة مش هسيبك تفضلي في الأتيليه لحد ١١ بليل دي.
رفعت جانب شفتيها باستنكار:
_ ليه محسسني إني بقولك هرجع واحدة! ١١ دي بدري جدًا أنتَ عارف الناس هنا بيفضلوا سهرانين لبعد الفجر.
_ فإيه؟ ترجعي الفجر عادي يعني! إحنا مالنا ما يسهروا إن شاء الله للصبح، أولًا مش هسمحلك تهربي مني بالطريقة دي، ثانيًا وجودك بره البيت بليل انسيه تمامًا.
صمت لثانية قبل أن يكمل:
_ هتروحي في مواعيد الشغل الطبيعية، مش هقولك الصبح لأن ده أتيليه يعني هيبدأوا يفتحوا بعد الضهر، فانتِ هتروحي ٢ وترجعي ٦.. معاكِ ٤ ساعات تتابعي فيهم شغلك وتتابعي الناس اللي شغالين هناك كمان، مش هتحتاجي تبذلي مجهود الـ staff "طاقم العمل" كله جاهز ومستني الافتتاح عشان يبدأوا يشتغلوا.
سألته ساخرة:
_ ومادام كده أنا لازمتي إيه؟ ما تخلي الـ staff بتاعك ده يفتح الأتيليه ويشغله.
_ هم كده كده هيفتحوا، ويشغلوه كمان.. أنتِ عمرك شوفتي صاحب أتيليه كبير زي اللي هتشوفيه لما تروحي بيروح هو يفتح الأتيليه ويبيع للزباين! ده كده ناقص يرش ميه قدامه.
_ أنتَ بتتريق؟
تفوهت بها غاضبة ليخبرها بهدوء:
_ أبدًا، بس طبيعي أي صاحب شغل كبير، بيروح يقعد في مكتبه، يتابع شغل العمال من الكاميرات، يخلص ورق، يعمل طلبات، يحل مشكلة زبون، ينظم المكان لو فيه حاجة مكانها مش عاجبه ينقلها لمكان تاني، في ناس ممكن ييجوا يطلبوا تصميمات خاصة وقتها لازم يقابلوكِ أنتِ عشان تفهمي طلبهم بالظبط، وهكذا.. لاحقي أنتِ بس على الشغل وبعدين ابقي شوفي ليكِ لازمة ولا لا.
أشاحت بنظرها عنه والتزمت الصمت، لتسمعه يقول بنبرة ظهر بها المكر جليًا:
_ لكن أعتقد إني عرفت قرارك التاني.
ضيقت مابين حاجبيها تسأله بعدم فهم بعدما نظرت له ورأت لمعت عيناه الماكرة كالذئب:
_ قرار إيه؟
وبابتسامة ملتوية أخبرها:
_ لو كنتِ قررتِ متكمليش معانا، مكنتيش قررتِ تنزلي الأتيليه.
"معانا" وال" نا" عائدة عليهِ هو وولده، وكأنه يلفت نظرها للمرة الأخيرة أن الصبي معه في نفس الاختيار، إما كلاهما إما لا أحد.. تجمدت ملامحها ذهولاً فلم يخطر ببالها تلك الحسبة التي قام بها للتو، فرددت بجدية:
_ ملهاش علاقة، عادي مانا ممكن أنزل الأتيليه يوم وأجي أقولك مش هكمل معاك ومنزلوش تاني.. هو عقد احتكار!
وحديثها لم يكن مقنع بالمرة، فابتسم بلؤم وهو يعقب:
_ يمكن.. عمومًا إن غدًا لناظره قريب.
_ مامي.
أتاهما صوت الصغير الذي وقف على باب حجرة الطعام، يفرك عينه بقبضة يده الصغيرة فلقد استيقظ من نومه للتو..
_ حبيبي تعالى.
اتجه لها لتلتقطه بين ذراعيها تقبل رأسه بحنان، وأشارت للطعام وهي تسأله برفق:
_ حبيبي تاكل معايا؟
وعينا الصغير فورًا ركضت تُجري مقارنة بين نوعي الطعام المتواجدان فوق السفرة.. طعام والدته، وطعام والده.. وقد لاحظا حيرته، لتنظر له منتظرة قراره بتوتر جلي، ربما الأمر في ظاهره سخيفًا ولا يحتاج للمبالغة بالشعور.. لكن في باطنه يكمن الكثير.
***
جلست بالأسفل بتوتر، تنتظر والدته التي ستحضر في أي وقت، فقد مرَّ عليها وأخبرها أن تنزل لتناول الطعام الذي بالمناسبة تفوح رائحته الآن بشدة لتعم الأرجاء، وهذا ما جعل مصطفى يهتف وعيناه لا تفارق علبة الـ "بيتزا" خاصته:
_ هو إحنا هنستنى كتير؟ أنا عصافير بطني ماتت..
عقب مراد بمرح:
_ بجد؟ وعلبة النوتيلا اللي كنت رايح جاي بيها من شوية، وسندوتشات الجبنة الرومي اللي قبلها، كل ده راح فين؟
نظر له بضيق مصطنع:
_ إيه ده أنتَ بتحسبلي الأكل؟ مكانش العشم يا ابيه!
خرجت خديجة عن صمتها تقول بحدة:
_ إيه يا مصطفى أنتَ عمرك ما شوفت أكل في حياتك؟
وقبل أن يجيب مصطفى الذي توتر قليلاً من طريقة شقيقته في الحديث واستشعر ضيقها منه، كان يقول مراد:
_ فيه إيه يا خديجة، سبيه براحته، أنا بهزر معاه.
_ مش بتكلم عشانك، بس طريقته مستفزة مش كده يعني.
نهض مصطفى عن الطاولة وهو يقول بضيق حقيقي:
_ أنا كنت بهزر، أنا شبعان أصلًا، عن إذنكم.
وقبل أن يتحرك أوقفه مراد يقول بحدة:
_ اقعد يا مصطفى، إيه لعب العيال اللي بتعملوه ده! واحدة قلبت الموضوع دراما، والتاني اتحمق أوي واتقمص.. الموضوع مش مستاهل كل ده.. بعدين هو في بيته يعمل اللي يعمله، بلاش حزازية زيادة يا خديجة.
شعرت بمبالغتها فقالت بحرج:
_ خلاص يا مصطفى متزعلش، مكانش قصدي..
جلس مرة أخرى وهو يقول بنبرة عادية:
_ حصل خير مزعلتش.
نظر لها مراد بعتاب، لتشيح بنظرها عنه، وعاد توترها ما إن رأت السيدة ليلى قد وصلت أمام الطاولة، فنهض مراد فورًا يقترب منها ليوجهها لمكانها على رأس الطاولة بعد أن أزال الكرسي الموجود هناك ليحل كرسيها المتحرك محله، وقفت خديجة بتوتر، تنظر للسيدة بأعين دامعة.. ذكرتها بطفولتها، بتلك الفترة التي قضتها في ذلك المنزل الذي كانت سيدته، شعرت أن ذكريات الماضي تُعاد بقوة ما إن وقع بصرها عليها، مازالت بنفس الهيئة حتى وإن ترك الزمن بصماته على ملامحها.. مازالت تشعر بالراحة أيضًا في ملامحها الحنونة، لكن التوتر يغلب على أي شعور آخر الآن.
التف لها مراد يفتح كفه ويمد لها ذراعه لتقبل عليهِ، ففعلت رغم خطواتها المترددة.. مدت كفها له، ليمسكه بحنان وهو يجذبها لتقف جواره تمامًا، ويشير لوالدته يقول:
_ دي بقى لولا، والدتي.. أكيد فاكراها.
أومأت برأسها إيجابًا، وقالت بتوتر ظهر واضحًا:
_ آه.. إزي حضرتك؟
مدت ليلى كفها لها، لتقترب، ففعلت بعد أن تركه مراد، لتلتقطه والدته وهي تقول بابتسامة:
_ حضرتي كويسة.. مالك متوترة ليه؟ قالك إيه الواد ده عني وترك كده؟
أردف مراد بمرح:
_ ولا قولت حاجة، هي متوترة لوحدها.
_ ليه يا حبيبتي هو أنا بعض؟
ابتسمت خديجة بتوتر طفيف وهي تقول:
_ لا أبدًا، أنا كويسة.
مسدت على كفها وهي تقول:
_ عمومًا لسه هنقعد مع بعض وناخد على بعض أكتر، وإن شاء الله يعني تحبيني وتعرفي إن مفيش داعي تقلقي مني.
هزت رأسها بابتسامة، لتقول ليلى ثانيًة:
_ إيه مش هتسلمي عليَّ بقى؟
اقتربت منها تحتضنها بهدوء، لتمسد على ظهرها بكفها تعطيها القليل من الحنان لكسر الحاجز بينهما، وما إن ابتعدت حتى قالت ليلى:
_ يلا بقى ناكل.
اتجه كل منهما إلى مقعده، ف مراد يترأس الطاولة مقابلًا لوالدته، وعلى يمينه تقبع خديجة ومقابلها شقيقها..
انتهوا من الطعام في هدوء، وقد حرص مراد على الاهتمام بطعام خديجة فكان من وقت لآخر يطعمها بيده بعد ان تتوقف عن الطعام متعللة بالشبع، فظل يطعمها بإصرار، وتحت إصراره ترضخ هي رغمًا عنها... وبالمرة الأخيرة ردت يده بخجل واضح من أفعاله معها تحت نظرات شقيقها ووالدة زوجها، وهي تقول:
_ عشان خاطري كفاية.. مبقتش قادرة.
أعاد قطعة الـ "بيتزا" من يده وهو يخبرها بنزق:
_ بس أنتِ كده مكالتيش حاجة!
رفعت حاجبيها مندهشة تقول:
_ ماكلتش! ده مبقاش غير قطعتين في البيتزا بتاعتي.
نفى برأسه قائلاً:
_ لا الأكل المِرع ده مينفعش معايا، بس هسيبك المرة دي عشان لسه متعودتيش على نظام أكلك الصح، فمش هضغط عليكِ.
_ على فكرة خديجة أكلتها ضعيفة أوي، يعني ده إنجاز إنها كلت كل ده.
أردف بها مصطفى بعد ان انتهى من تناول طعامه والتهم قالب البيتزا خاصته باكمله، ليعقب مراد:
_ مهو واضح مش محتاج تقول.. دي لو حد نفخها هتطير.
قالت بتذمر وهي ترفض أن تصبح هي موضوع حديثهم:
_ على فكرة أنا مش رفيعة، أنا ٦٠ كيلو.. يعني وزني كويس.
_ وطولك كام؟
تساءلت بها ليلى التي قررت التدخل في الحديث، لتجيبها:
_ طولي ١٦٤.
_ المفروض وزنك المثالي يكون ٦٤.. بس مادام ٦٠ فهو still "مازال" perfect.
عقبت بها ليلى لتبتسم لها خديجة برضا، لم يدم سريعًا حين سمعت تعقيب مراد:
_ مش بالوزن المثالي يا لولا، المهم الشكل، يعني المفروض الست تكون... تكون كيرڤي شوية.
_ بطاية يعني!
قالها مصطفى بتلقائية، لتتسع عينا خديجة حرجًا من جملته، في حين انطلقت ضحكات ليلى المرحة، واكتفى مراد بالابتسام على جملته وهو يشيد بها:
_ بالضبط.. بطاية، يعني أعتقد محتاجة تكوني أكتر من ٦٥ كيلو يا خديجة عشان تكوني كيرڤ.. أقصد بطاية.
تذمرت وهي تقول:
_ بس أنا بقى عاجبني وزني كده.
نظر لها بأعين محبة، ونظرة راضية على أي حال وقال مبتسمًا بصدق:
_ وأنتِ عجباني على أي حال.
تلونت وجنتيها بحمرة الخجل، والتزمت الصمت بعدما أحرجها ردُّه المفاجئ، ليعقب مصطفى مازحًا:
_ معلش يا ابيه مراد تخف شوية من الرومانسيات دي لأحسن بيجيلي حموضة، وأنا استحملتكم فترة الخطوبة بالعافية.
_ بس يالا.
زجره بجانب عيناه، ليرفع كفه على فمه مشيرًا له أنه التزم الصمت.. بينما قال مراد بجدية وهي يتطرق للحديث في موضوع أهم أراد ان يخبرهم بهِ:
_ قوليلي يا خديجة، تحبي تعملي فرحك فين.
نظرت له بصدمة وهي تسأله بحاجبين معقودين:
_ فرحي!
أومأ بجدية:
_ آه فرحك.. إحنا معملناش الفرح لسه، ولا فكرتي عشان ما جيتي بيتك يبقى ما فيش فرح!
هزت رأسها نافية تقول بتردد:
_ مش فكرة كده.. بس أنا مش فارق معايا كتير موضوع الفرح، يعني عادي مادام الظروف جت كده مش شايفه أنه ضروري يتعمل، وخصوصًا إن ما ليش صحاب ولا حتى أهل فهعمل فرح لمين!
مد كفه يمسك كفها الذي تفركه مع الآخر من أسفل الطاولة، وضمه بقوة وهو يخبرها:
_ مين قال إننا بنعمل الفرح للأهل والصحاب! الفرح إحنا بنعمله عشان العريس والعروسة هم اللي يفرحوا ببعض، وبيتبقى ذكرى حلوة ما بينهم بيفتكروها طول العمر... وعلى فكرة بقى الفرح اللي بيبقى فيه دوشة كتير ما بيبقاش حلو أصلًا.. يعني أنتِ تجيبي الاثنين اللي من طرفك، وأنا أجيب لولا ونعمل أحسن فرح.
ترددت في الموافقة فقالت:
_ بجد شايفة إن مفيش داعي.. ممكن نتغاضى عنه عادي، يعني الجواز إشهار.. وأهلي وأهلك عارفين يبقى خلاص.
خرجت ليلى عن صمتها تقول بعدم رضا:
_ هو إيه اللي خلاص! أنا نفسي أشوف ابني عريس.. ده أنا طول عمري مستنية اليوم اللي أشوفه فيه ببدلة فرحه.. وبعدين يا حبيبتي أي واحدة بتحلم تلبس فستان فرحها، في حد يرفض إنه يتعمل له فرح؟ على فكرة لو ما عملتيش فرح دلوقتي صدقيني هترجعي بعدين تندمي إنك ضيعت يوم زي ده من إيدك.
نظرت ل مراد وأكملت:
_ وليه يا حبيبي تعمل فرح تعزم فيه أربعة ولا خمسة! ما تعمل فرح زي ما كل الناس بتعمل، ويليق بمقامك.. أنت لازم فرحك يحضره كل الناس كل رجال الأعمال وصفوة المجتمع من أصغر واحد لأكبر واحد، ولا أنتَ عايز الصحافة بعد كده تنزل خبر جوازك وإنك عملت فرح على الضيق ويبدأوا بقى يخترعوا أسباب إنك معزمتش حد في فرحك، وأنتَ عارفهم مبيتوصوش.. وتجيب لنفسك القيل والقال.
أجابها بعدم اهتمام:
_ أنتِ عارفة إن مبيفرقش معايا كلام صحافة ولا غيره، فدي آخر حاجة ممكن أشغل بالي بيها، أهم حاجة إن اللي هيتعمل هو اللي يريح خديجة.
ابتسمت له ليلى ابتسامة صغيرة قبل أن تسألها:
_ قولتي إيه يا خديجة؟ يارب تكوني اقتنعتِ بكلامي.
أجابتها بتردد بالغ فهي لم تحسم قرارها بعد:
_ والله يا...
صمتت لبرهة تحتار فيما تناديها، لتقول أخيرًا:
_ والله يا ماما أنا كنت بقول..
_ طنط.
عقدت مابين حاجبيها بعدم فهم تسألها:
_ نعم؟
ابتسمت ليلى ببساطة تعيد كلمتها موضحة:
_ طنط، قوليلي طنط أحسن أو لولا حتى.. بلاش ماما.
بُهتت ملامحها وهي تسمع حديثها، وشعرت بالخطر يدق باب قلبها تجاه هذه السيدة، التي أقلقتها للتو..
***
_ بس أنا عايز أكل من هناك.
حسم الصغير قراره وهو يشير لطعام والده، لتحاول هي إثناءه عن رأيه وهي تحببه في طعامها:
_ حبيبي الفراخ هنا أهي، مش أنتَ بتحبها؟
أومأ برأسه مؤكدًا بينما قال بطفولة:
_ أيوه، بس أنا مبحبش ده "قالها مشيرًا على طبق الخضروات واكمل: بحب المكرونة واللحمة.
_ تعالى يا حبيبي كُل معايا.
أردف بها دياب بعدما ترك لها الفرصة ليعلن عن انتصاره، تحرك الصغير فورًا تاركًا والدته واتجه لوالده الذي استقبله بكل سعة، واجلسه فوق فخذه يقبل وجنته بحب.
_ ميادة.
نادى بصوته على محضرة طاولة الطعام، والتي أتت مهرولة فهي تقف بالقرب من باب حجرة الطعام استعدادًا لأي طلب منه.
_ أمرك ياباشا.
_ هاتي لعُمر أكله وهاتيله كوباية لبن.
_ حاضر يافندم.
قالتها وانسحبت من أمامه تنفذ طلبه على الفور.
نظر ناحيتها ليجد ملامحها تكسوها الحزن، وقد توقفت عن تناول طعامها، يعلم جيدًا فيما تفكر، لذا أردف بصوتٍ عالٍ يصلها:
_ كملي أكل ومتفكريش في حاجات مش منطقية.
نظرت له رافعة حاجبها الأيسر بتحدي:
_ وإيه الحاجات اللي مش منطقية دي؟
نظر لها يجيبها:
_ مش عشان اختار ياكل معايا، يبقى انضم لصفّي، متخليش الموضوع ياخد أكبر من حجمه عشان متتعبيش، ومتنسيش إن عُمر ابني.. ومسيره في يوم هيكون في صفي بجد وبعي منه، فياريت تعيدي حساباتك قبل اليوم ده.
نهضت عن الطاولة مُلقية المحرمة القماش فوقها بضيق:
_ مش أنا اللي محتاجة أعيد حساباتي يا دياب باشا..
أنهت حديثها وتحركت للخروج من الغرفة، ليتنهد بسأم.. يبدو أن الطريق معها لا ينتهي، وصبره قد بدأ ينفذ بحق، ويخشى عليها من وجه دياب الآخر.. والذي لن تتحمله..
_ متنسيش إني لسه محاسبتكيش على هروبك بابني، لو كنتِ تعرفي أنا كنت بفكر أعمل فيكِ إيه لما ألاقيكِ، كنتِ دعيتي ربك ليل نهار إني ملاقيكيش.. كان عندي شوية أفكار كفيلة تكرهك في حياتك وتخليكِ تلعني اليوم اللي فكرتِ تهربي فيه... لكن للأسف لما لقيتك، معملتش أي حاجة من اللي كانت في دماغي وشيطاني كان بيوزني ليها... وأنتِ عارفة السبب، لكن أنا ليا طاقة يا رنا.. لو خلصت هتلاقيني بحاسبك على القديم قبل الجديد.
التفت له واقتربت بخطواتها حتى أصبح الفاصل بينهما كرسي واحد فقط، وقالت بأعين دامعة ونبرة راجية:
_ ابعد عن شغلك الشمال، وأنا أكونلك الزوجة اللي تتمناها.. هرجع رنا اللي اتجوزتها قبل ما تعرف حقيقتك، هرجع حبيبتك وصاحبتك وأمك اللي كانت بتخاف عليك من الهوا، في إيدك ترجع كل ده ونعيش مرتاحين وفي سلام، بس أنتَ توافق.
ابتلع غصة في حلقه وهو يتذكر تلك الأيام التي قضوها سويًا قبل ان تكتشف حقيقة عمله صدفة، كان أقل من عام بأيام قليله.. ما بين خمسة أشهر خطبة، وستة أشهر ونصف بعدهم زواج.. كانوا النعيم الحقيقي حينها، نعيم انقلب لجحيم بين ليلة وضحاها بعدما أدركت حقيقته.. كانت حينها تغدقه بحنانها وحبها واحتوائها.. كانت حياتهما أكثر من رائعة، وليتها تعود..
تنتظر تعقيبه على أحر من الجمر، وقطع خلوتهما دلوف الخادمة بالطعام وكوب الحليب كما أمر سيدها، ووضعتهم بعجالة بعدما شعرت بتوتر الأجواء وانسحبت على الفور ، ليقول هو بعدها:
_ ماشي يا رنا، هعمل ده، لو كان هيريحك.
نظرت له بشك تسأله:
_ وإيه هيثبتلي إنك عملته!
سألها ساخرًا:
_ تحبي أجيبلك تسجيل صوتي من زعيم المافيا وهو بيعلن اعتزالي!
نفت برأسها وهي تقول:
_ لا في حل أسهل.
كان قد تناول الشوكة والسكين ليقطع قطعة اللحم الخاصة بطفله، والتقط قطعة صغيرة يدسها في فمه وهو يقول:
_ ابهريني.
_ تبيع كل أملاكك.. الفلل والعربيات والشركات.. حتى الفلوس اللي في البنك.
دس قطعة صغيرة أخرى في فم الصغير وهو يدرك أن القادم لن يروقه وقال:
_ اممم، وبعدين، هودي الفلوس دي كلها فين؟
استجمعت شجاعتها وهي تجيبه بجدية:
_ تتبرع بيها للجمعيات الخيرية.. ونجيب شقة صغيرة نسكن فيها، وندور على شغل مناسب وإن شاء الله ربنا هيكرمنا.. ونبدأ من جديد وعلى نضافة.
نظر لها رافعًا حاجبه باستنكار واردف ساخرًا:
_ يعني عايزاني أتبرع بأكتر من ٢٠ مليار جنيه تمن ثروتي ده غير فلوسي المتجمدة في حسابات بره، وأروح أشتري شقة صغيرة وأشتغل وأبدأ من جديد.. ويا ترى هشتغل في بنزينة ولا جرسون في مطعم!
تنهدت وهي تهز رأسها بسأم وقالت:
_ مفيش فايدة..
أنهت جملتها وتركت الغرفة بأكملها، ليلتقط شوكة بها بعض المعكرونة يدسها في فم الصغير وهو يردد:
_ أمك شكلها لسعت يا عُمر.. معرفش التخلف اللي ظهر عليها فجأة ده كان موجود من الأول ولا مكتسباه جديد!
***
_ بس أنا عايز أكل من هناك.
حسم الصغير قراره وهو يشير لطعام والده، لتحاول هي إثناءه عن رأيه وهي تحببه في طعامها:
_ حبيبي الفراخ هنا أهي، مش أنتَ بتحبها؟
أومأ برأسه مؤكدًا بينما قال بطفولة:
_ أيوه، بس أنا مبحبش ده "قالها مشيرًا على طبق الخضروات واكمل: بحب المكرونة واللحمة.
_ تعالى يا حبيبي كُل معايا.
أردف بها دياب بعدما ترك لها الفرصة ليعلن عن انتصاره، تحرك الصغير فورًا تاركًا والدته واتجه لوالده الذي استقبله بكل سعة، واجلسه فوق فخذه يقبل وجنته بحب.
_ ميادة.
نادى بصوته على محضرة طاولة الطعام، والتي أتت مهرولة فهي تقف بالقرب من باب حجرة الطعام استعدادًا لأي طلب منه.
_ أمرك ياباشا.
_ هاتي لعُمر أكله وهاتيله كوباية لبن.
_ حاضر يافندم.
قالتها وانسحبت من أمامه تنفذ طلبه على الفور.
نظر ناحيتها ليجد ملامحها تكسوها الحزن، وقد توقفت عن تناول طعامها، يعلم جيدًا فيما تفكر، لذا أردف بصوتٍ عالٍ يصلها:
_ كملي أكل ومتفكريش في حاجات مش منطقية.
نظرت له رافعة حاجبها الأيسر بتحدي:
_ وإيه الحاجات اللي مش منطقية دي؟
نظر لها يجيبها:
_ مش عشان اختار ياكل معايا، يبقى انضم لصفّي، متخليش الموضوع ياخد أكبر من حجمه عشان متتعبيش، ومتنسيش إن عُمر ابني.. ومسيره في يوم هيكون في صفي بجد وبعي منه، فياريت تعيدي حساباتك قبل اليوم ده.
نهضت عن الطاولة مُلقية المحرمة القماش فوقها بضيق:
_ مش أنا اللي محتاجة أعيد حساباتي يا دياب باشا..
أنهت حديثها وتحركت للخروج من الغرفة، ليتنهد بسأم.. يبدو أن الطريق معها لا ينتهي، وصبره قد بدأ ينفذ بحق، ويخشى عليها من وجه دياب الآخر.. والذي لن تتحمله..
_ متنسيش إني لسه محاسبتكيش على هروبك بابني، لو كنتِ تعرفي أنا كنت بفكر أعمل فيكِ إيه لما ألاقيكِ، كنتِ دعيتي ربك ليل نهار إني ملاقيكيش.. كان عندي شوية أفكار كفيلة تكرهك في حياتك وتخليكِ تلعني اليوم اللي فكرتِ تهربي فيه... لكن للأسف لما لقيتك، معملتش أي حاجة من اللي كانت في دماغي وشيطاني كان بيوزني ليها... وأنتِ عارفة السبب، لكن أنا ليا طاقة يا رنا.. لو خلصت هتلاقيني بحاسبك على القديم قبل الجديد.
التفت له واقتربت بخطواتها حتى أصبح الفاصل بينهما كرسي واحد فقط، وقالت بأعين دامعة ونبرة راجية:
_ ابعد عن شغلك الشمال، وأنا أكونلك الزوجة اللي تتمناها.. هرجع رنا اللي اتجوزتها قبل ما تعرف حقيقتك، هرجع حبيبتك وصاحبتك وأمك اللي كانت بتخاف عليك من الهوا، في إيدك ترجع كل ده ونعيش مرتاحين وفي سلام، بس أنتَ توافق.
ابتلع غصة في حلقه وهو يتذكر تلك الأيام التي قضوها سويًا قبل ان تكتشف حقيقة عمله صدفة، كان أقل من عام بأيام قليله.. ما بين خمسة أشهر خطبة، وستة أشهر ونصف بعدهم زواج.. كانوا النعيم الحقيقي حينها، نعيم انقلب لجحيم بين ليلة وضحاها بعدما أدركت حقيقته.. كانت حينها تغدقه بحنانها وحبها واحتوائها.. كانت حياتهما أكثر من رائعة، وليتها تعود..
تنتظر تعقيبه على أحر من الجمر، وقطع خلوتهما دلوف الخادمة بالطعام وكوب الحليب كما أمر سيدها، ووضعتهم بعجالة بعدما شعرت بتوتر الأجواء وانسحبت على الفور ، ليقول هو بعدها:
_ ماشي يا رنا، هعمل ده، لو كان هيريحك.
نظرت له بشك تسأله:
_ وإيه هيثبتلي إنك عملته!
سألها ساخرًا:
_ تحبي أجيبلك تسجيل صوتي من زعيم المافيا وهو بيعلن اعتزالي!
نفت برأسها وهي تقول:
_ لا في حل أسهل.
كان قد تناول الشوكة والسكين ليقطع قطعة اللحم الخاصة بطفله، والتقط قطعة صغيرة يدسها في فمه وهو يقول:
_ ابهريني.
_ تبيع كل أملاكك.. الفلل والعربيات والشركات.. حتى الفلوس اللي في البنك.
دس قطعة صغيرة أخرى في فم الصغير وهو يدرك أن القادم لن يروقه وقال:
_ اممم، وبعدين، هودي الفلوس دي كلها فين؟
استجمعت شجاعتها وهي تجيبه بجدية:
_ تتبرع بيها للجمعيات الخيرية.. ونجيب شقة صغيرة نسكن فيها، وندور على شغل مناسب وإن شاء الله ربنا هيكرمنا.. ونبدأ من جديد وعلى نضافة.
نظر لها رافعًا حاجبه باستنكار واردف ساخرًا:
_ يعني عايزاني أتبرع بأكتر من ٢٠ مليار جنيه تمن ثروتي ده غير فلوسي المتجمدة في حسابات بره، وأروح أشتري شقة صغيرة وأشتغل وأبدأ من جديد.. ويا ترى هشتغل في بنزينة ولا جرسون في مطعم!
تنهدت وهي تهز رأسها بسأم وقالت:
_ مفيش فايدة..
أنهت جملتها وتركت الغرفة بأكملها، ليلتقط شوكة بها بعض المعكرونة يدسها في فم الصغير وهو يردد:
_ أمك شكلها لسعت يا عُمر.. معرفش التخلف اللي ظهر عليها فجأة ده كان موجود من الأول ولا مكتسباه جديد!
***
_ بس أنا عايز أكل من هناك.
حسم الصغير قراره وهو يشير لطعام والده، لتحاول هي إثناءه عن رأيه وهي تحببه في طعامها:
_ حبيبي الفراخ هنا أهي، مش أنتَ بتحبها؟
أومأ برأسه مؤكدًا بينما قال بطفولة:
_ أيوه، بس أنا مبحبش ده "قالها مشيرًا على طبق الخضروات واكمل: بحب المكرونة واللحمة.
_ تعالى يا حبيبي كُل معايا.
أردف بها دياب بعدما ترك لها الفرصة ليعلن عن انتصاره، تحرك الصغير فورًا تاركًا والدته واتجه لوالده الذي استقبله بكل سعة، واجلسه فوق فخذه يقبل وجنته بحب.
_ ميادة.
نادى بصوته على محضرة طاولة الطعام، والتي أتت مهرولة فهي تقف بالقرب من باب حجرة الطعام استعدادًا لأي طلب منه.
_ أمرك ياباشا.
_ هاتي لعُمر أكله وهاتيله كوباية لبن.
_ حاضر يافندم.
قالتها وانسحبت من أمامه تنفذ طلبه على الفور.
نظر ناحيتها ليجد ملامحها تكسوها الحزن، وقد توقفت عن تناول طعامها، يعلم جيدًا فيما تفكر، لذا أردف بصوتٍ عالٍ يصلها:
_ كملي أكل ومتفكريش في حاجات مش منطقية.
نظرت له رافعة حاجبها الأيسر بتحدي:
_ وإيه الحاجات اللي مش منطقية دي؟
نظر لها يجيبها:
_ مش عشان اختار ياكل معايا، يبقى انضم لصفّي، متخليش الموضوع ياخد أكبر من حجمه عشان متتعبيش، ومتنسيش إن عُمر ابني.. ومسيره في يوم هيكون في صفي بجد وبعي منه، فياريت تعيدي حساباتك قبل اليوم ده.
نهضت عن الطاولة مُلقية المحرمة القماش فوقها بضيق:
_ مش أنا اللي محتاجة أعيد حساباتي يا دياب باشا..
أنهت حديثها وتحركت للخروج من الغرفة، ليتنهد بسأم.. يبدو أن الطريق معها لا ينتهي، وصبره قد بدأ ينفذ بحق، ويخشى عليها من وجه دياب الآخر.. والذي لن تتحمله..
_ متنسيش إني لسه محاسبتكيش على هروبك بابني، لو كنتِ تعرفي أنا كنت بفكر أعمل فيكِ إيه لما ألاقيكِ، كنتِ دعيتي ربك ليل نهار إني ملاقيكيش.. كان عندي شوية أفكار كفيلة تكرهك في حياتك وتخليكِ تلعني اليوم اللي فكرتِ تهربي فيه... لكن للأسف لما لقيتك، معملتش أي حاجة من اللي كانت في دماغي وشيطاني كان بيوزني ليها... وأنتِ عارفة السبب، لكن أنا ليا طاقة يا رنا.. لو خلصت هتلاقيني بحاسبك على القديم قبل الجديد.
التفت له واقتربت بخطواتها حتى أصبح الفاصل بينهما كرسي واحد فقط، وقالت بأعين دامعة ونبرة راجية:
_ ابعد عن شغلك الشمال، وأنا أكونلك الزوجة اللي تتمناها.. هرجع رنا اللي اتجوزتها قبل ما تعرف حقيقتك، هرجع حبيبتك وصاحبتك وأمك اللي كانت بتخاف عليك من الهوا، في إيدك ترجع كل ده ونعيش مرتاحين وفي سلام، بس أنتَ توافق.
ابتلع غصة في حلقه وهو يتذكر تلك الأيام التي قضوها سويًا قبل ان تكتشف حقيقة عمله صدفة، كان أقل من عام بأيام قليله.. ما بين خمسة أشهر خطبة، وستة أشهر ونصف بعدهم زواج.. كانوا النعيم الحقيقي حينها، نعيم انقلب لجحيم بين ليلة وضحاها بعدما أدركت حقيقته.. كانت حينها تغدقه بحنانها وحبها واحتوائها.. كانت حياتهما أكثر من رائعة، وليتها تعود..
تنتظر تعقيبه على أحر من الجمر، وقطع خلوتهما دلوف الخادمة بالطعام وكوب الحليب كما أمر سيدها، ووضعتهم بعجالة بعدما شعرت بتوتر الأجواء وانسحبت على الفور ، ليقول هو بعدها:
_ ماشي يا رنا، هعمل ده، لو كان هيريحك.
نظرت له بشك تسأله:
_ وإيه هيثبتلي إنك عملته!
سألها ساخرًا:
_ تحبي أجيبلك تسجيل صوتي من زعيم المافيا وهو بيعلن اعتزالي!
نفت برأسها وهي تقول:
_ لا في حل أسهل.
كان قد تناول الشوكة والسكين ليقطع قطعة اللحم الخاصة بطفله، والتقط قطعة صغيرة يدسها في فمه وهو يقول:
_ ابهريني.
_ تبيع كل أملاكك.. الفلل والعربيات والشركات.. حتى الفلوس اللي في البنك.
دس قطعة صغيرة أخرى في فم الصغير وهو يدرك أن القادم لن يروقه وقال:
_ اممم، وبعدين، هودي الفلوس دي كلها فين؟
استجمعت شجاعتها وهي تجيبه بجدية:
_ تتبرع بيها للجمعيات الخيرية.. ونجيب شقة صغيرة نسكن فيها، وندور على شغل مناسب وإن شاء الله ربنا هيكرمنا.. ونبدأ من جديد وعلى نضافة.
نظر لها رافعًا حاجبه باستنكار واردف ساخرًا:
_ يعني عايزاني أتبرع بأكتر من ٢٠ مليار جنيه تمن ثروتي ده غير فلوسي المتجمدة في حسابات بره، وأروح أشتري شقة صغيرة وأشتغل وأبدأ من جديد.. ويا ترى هشتغل في بنزينة ولا جرسون في مطعم!
تنهدت وهي تهز رأسها بسأم وقالت:
_ مفيش فايدة..
أنهت جملتها وتركت الغرفة بأكملها، ليلتقط شوكة بها بعض المعكرونة يدسها في فم الصغير وهو يردد:
_ أمك شكلها لسعت يا عُمر.. معرفش التخلف اللي ظهر عليها فجأة ده كان موجود من الأول ولا مكتسباه جديد!
***
_ بس أنا عايز أكل من هناك.
حسم الصغير قراره وهو يشير لطعام والده، لتحاول هي إثناءه عن رأيه وهي تحببه في طعامها:
_ حبيبي الفراخ هنا أهي، مش أنتَ بتحبها؟
أومأ برأسه مؤكدًا بينما قال بطفولة:
_ أيوه، بس أنا مبحبش ده "قالها مشيرًا على طبق الخضروات واكمل: بحب المكرونة واللحمة.
_ تعالى يا حبيبي كُل معايا.
أردف بها دياب بعدما ترك لها الفرصة ليعلن عن انتصاره، تحرك الصغير فورًا تاركًا والدته واتجه لوالده الذي استقبله بكل سعة، واجلسه فوق فخذه يقبل وجنته بحب.
_ ميادة.
نادى بصوته على محضرة طاولة الطعام، والتي أتت مهرولة فهي تقف بالقرب من باب حجرة الطعام استعدادًا لأي طلب منه.
_ أمرك ياباشا.
_ هاتي لعُمر أكله وهاتيله كوباية لبن.
_ حاضر يافندم.
قالتها وانسحبت من أمامه تنفذ طلبه على الفور.
نظر ناحيتها ليجد ملامحها تكسوها الحزن، وقد توقفت عن تناول طعامها، يعلم جيدًا فيما تفكر، لذا أردف بصوتٍ عالٍ يصلها:
_ كملي أكل ومتفكريش في حاجات مش منطقية.
نظرت له رافعة حاجبها الأيسر بتحدي:
_ وإيه الحاجات اللي مش منطقية دي؟
نظر لها يجيبها:
_ مش عشان اختار ياكل معايا، يبقى انضم لصفّي، متخليش الموضوع ياخد أكبر من حجمه عشان متتعبيش، ومتنسيش إن عُمر ابني.. ومسيره في يوم هيكون في صفي بجد وبعي منه، فياريت تعيدي حساباتك قبل اليوم ده.
نهضت عن الطاولة مُلقية المحرمة القماش فوقها بضيق:
_ مش أنا اللي محتاجة أعيد حساباتي يا دياب باشا..
أنهت حديثها وتحركت للخروج من الغرفة، ليتنهد بسأم.. يبدو أن الطريق معها لا ينتهي، وصبره قد بدأ ينفذ بحق، ويخشى عليها من وجه دياب الآخر.. والذي لن تتحمله..
_ متنسيش إني لسه محاسبتكيش على هروبك بابني، لو كنتِ تعرفي أنا كنت بفكر أعمل فيكِ إيه لما ألاقيكِ، كنتِ دعيتي ربك ليل نهار إني ملاقيكيش.. كان عندي شوية أفكار كفيلة تكرهك في حياتك وتخليكِ تلعني اليوم اللي فكرتِ تهربي فيه... لكن للأسف لما لقيتك، معملتش أي حاجة من اللي كانت في دماغي وشيطاني كان بيوزني ليها... وأنتِ عارفة السبب، لكن أنا ليا طاقة يا رنا.. لو خلصت هتلاقيني بحاسبك على القديم قبل الجديد.
التفت له واقتربت بخطواتها حتى أصبح الفاصل بينهما كرسي واحد فقط، وقالت بأعين دامعة ونبرة راجية:
_ ابعد عن شغلك الشمال، وأنا أكونلك الزوجة اللي تتمناها.. هرجع رنا اللي اتجوزتها قبل ما تعرف حقيقتك، هرجع حبيبتك وصاحبتك وأمك اللي كانت بتخاف عليك من الهوا، في إيدك ترجع كل ده ونعيش مرتاحين وفي سلام، بس أنتَ توافق.
ابتلع غصة في حلقه وهو يتذكر تلك الأيام التي قضوها سويًا قبل ان تكتشف حقيقة عمله صدفة، كان أقل من عام بأيام قليله.. ما بين خمسة أشهر خطبة، وستة أشهر ونصف بعدهم زواج.. كانوا النعيم الحقيقي حينها، نعيم انقلب لجحيم بين ليلة وضحاها بعدما أدركت حقيقته.. كانت حينها تغدقه بحنانها وحبها واحتوائها.. كانت حياتهما أكثر من رائعة، وليتها تعود..
تنتظر تعقيبه على أحر من الجمر، وقطع خلوتهما دلوف الخادمة بالطعام وكوب الحليب كما أمر سيدها، ووضعتهم بعجالة بعدما شعرت بتوتر الأجواء وانسحبت على الفور ، ليقول هو بعدها:
_ ماشي يا رنا، هعمل ده، لو كان هيريحك.
نظرت له بشك تسأله:
_ وإيه هيثبتلي إنك عملته!
سألها ساخرًا:
_ تحبي أجيبلك تسجيل صوتي من زعيم المافيا وهو بيعلن اعتزالي!
نفت برأسها وهي تقول:
_ لا في حل أسهل.
كان قد تناول الشوكة والسكين ليقطع قطعة اللحم الخاصة بطفله، والتقط قطعة صغيرة يدسها في فمه وهو يقول:
_ ابهريني.
_ تبيع كل أملاكك.. الفلل والعربيات والشركات.. حتى الفلوس اللي في البنك.
دس قطعة صغيرة أخرى في فم الصغير وهو يدرك أن القادم لن يروقه وقال:
_ اممم، وبعدين، هودي الفلوس دي كلها فين؟
استجمعت شجاعتها وهي تجيبه بجدية:
_ تتبرع بيها للجمعيات الخيرية.. ونجيب شقة صغيرة نسكن فيها، وندور على شغل مناسب وإن شاء الله ربنا هيكرمنا.. ونبدأ من جديد وعلى نضافة.
نظر لها رافعًا حاجبه باستنكار واردف ساخرًا:
_ يعني عايزاني أتبرع بأكتر من ٢٠ مليار جنيه تمن ثروتي ده غير فلوسي المتجمدة في حسابات بره، وأروح أشتري شقة صغيرة وأشتغل وأبدأ من جديد.. ويا ترى هشتغل في بنزينة ولا جرسون في مطعم!
تنهدت وهي تهز رأسها بسأم وقالت:
_ مفيش فايدة..
أنهت جملتها وتركت الغرفة بأكملها، ليلتقط شوكة بها بعض المعكرونة يدسها في فم الصغير وهو يردد:
_ أمك شكلها لسعت يا عُمر.. معرفش التخلف اللي ظهر عليها فجأة ده كان موجود من الأول ولا مكتسباه جديد!
***
_ بس أنا عايز أكل من هناك.
حسم الصغير قراره وهو يشير لطعام والده، لتحاول هي إثناءه عن رأيه وهي تحببه في طعامها:
_ حبيبي الفراخ هنا أهي، مش أنتَ بتحبها؟
أومأ برأسه مؤكدًا بينما قال بطفولة:
_ أيوه، بس أنا مبحبش ده "قالها مشيرًا على طبق الخضروات واكمل: بحب المكرونة واللحمة.
_ تعالى يا حبيبي كُل معايا.
أردف بها دياب بعدما ترك لها الفرصة ليعلن عن انتصاره، تحرك الصغير فورًا تاركًا والدته واتجه لوالده الذي استقبله بكل سعة، واجلسه فوق فخذه يقبل وجنته بحب.
_ ميادة.
نادى بصوته على محضرة طاولة الطعام، والتي أتت مهرولة فهي تقف بالقرب من باب حجرة الطعام استعدادًا لأي طلب منه.
_ أمرك ياباشا.
_ هاتي لعُمر أكله وهاتيله كوباية لبن.
_ حاضر يافندم.
قالتها وانسحبت من أمامه تنفذ طلبه على الفور.
نظر ناحيتها ليجد ملامحها تكسوها الحزن، وقد توقفت عن تناول طعامها، يعلم جيدًا فيما تفكر، لذا أردف بصوتٍ عالٍ يصلها:
_ كملي أكل ومتفكريش في حاجات مش منطقية.
نظرت له رافعة حاجبها الأيسر بتحدي:
_ وإيه الحاجات اللي مش منطقية دي؟
نظر لها يجيبها:
_ مش عشان اختار ياكل معايا، يبقى انضم لصفّي، متخليش الموضوع ياخد أكبر من حجمه عشان متتعبيش، ومتنسيش إن عُمر ابني.. ومسيره في يوم هيكون في صفي بجد وبعي منه، فياريت تعيدي حساباتك قبل اليوم ده.
نهضت عن الطاولة مُلقية المحرمة القماش فوقها بضيق:
_ مش أنا اللي محتاجة أعيد حساباتي يا دياب باشا..
أنهت حديثها وتحركت للخروج من الغرفة، ليتنهد بسأم.. يبدو أن الطريق معها لا ينتهي، وصبره قد بدأ ينفذ بحق، ويخشى عليها من وجه دياب الآخر.. والذي لن تتحمله..
_ متنسيش إني لسه محاسبتكيش على هروبك بابني، لو كنتِ تعرفي أنا كنت بفكر أعمل فيكِ إيه لما ألاقيكِ، كنتِ دعيتي ربك ليل نهار إني ملاقيكيش.. كان عندي شوية أفكار كفيلة تكرهك في حياتك وتخليكِ تلعني اليوم اللي فكرتِ تهربي فيه... لكن للأسف لما لقيتك، معملتش أي حاجة من اللي كانت في دماغي وشيطاني كان بيوزني ليها... وأنتِ عارفة السبب، لكن أنا ليا طاقة يا رنا.. لو خلصت هتلاقيني بحاسبك على القديم قبل الجديد.
التفت له واقتربت بخطواتها حتى أصبح الفاصل بينهما كرسي واحد فقط، وقالت بأعين دامعة ونبرة راجية:
_ ابعد عن شغلك الشمال، وأنا أكونلك الزوجة اللي تتمناها.. هرجع رنا اللي اتجوزتها قبل ما تعرف حقيقتك، هرجع حبيبتك وصاحبتك وأمك اللي كانت بتخاف عليك من الهوا، في إيدك ترجع كل ده ونعيش مرتاحين وفي سلام، بس أنتَ توافق.
ابتلع غصة في حلقه وهو يتذكر تلك الأيام التي قضوها سويًا قبل ان تكتشف حقيقة عمله صدفة، كان أقل من عام بأيام قليله.. ما بين خمسة أشهر خطبة، وستة أشهر ونصف بعدهم زواج.. كانوا النعيم الحقيقي حينها، نعيم انقلب لجحيم بين ليلة وضحاها بعدما أدركت حقيقته.. كانت حينها تغدقه بحنانها وحبها واحتوائها.. كانت حياتهما أكثر من رائعة، وليتها تعود..
تنتظر تعقيبه على أحر من الجمر، وقطع خلوتهما دلوف الخادمة بالطعام وكوب الحليب كما أمر سيدها، ووضعتهم بعجالة بعدما شعرت بتوتر الأجواء وانسحبت على الفور ، ليقول هو بعدها:
_ ماشي يا رنا، هعمل ده، لو كان هيريحك.
نظرت له بشك تسأله:
_ وإيه هيثبتلي إنك عملته!
سألها ساخرًا:
_ تحبي أجيبلك تسجيل صوتي من زعيم المافيا وهو بيعلن اعتزالي!
نفت برأسها وهي تقول:
_ لا في حل أسهل.
كان قد تناول الشوكة والسكين ليقطع قطعة اللحم الخاصة بطفله، والتقط قطعة صغيرة يدسها في فمه وهو يقول:
_ ابهريني.
_ تبيع كل أملاكك.. الفلل والعربيات والشركات.. حتى الفلوس اللي في البنك.
دس قطعة صغيرة أخرى في فم الصغير وهو يدرك أن القادم لن يروقه وقال:
_ اممم، وبعدين، هودي الفلوس دي كلها فين؟
استجمعت شجاعتها وهي تجيبه بجدية:
_ تتبرع بيها للجمعيات الخيرية.. ونجيب شقة صغيرة نسكن فيها، وندور على شغل مناسب وإن شاء الله ربنا هيكرمنا.. ونبدأ من جديد وعلى نضافة.
نظر لها رافعًا حاجبه باستنكار واردف ساخرًا:
_ يعني عايزاني أتبرع بأكتر من ٢٠ مليار جنيه تمن ثروتي ده غير فلوسي المتجمدة في حسابات بره، وأروح أشتري شقة صغيرة وأشتغل وأبدأ من جديد.. ويا ترى هشتغل في بنزينة ولا جرسون في مطعم!
تنهدت وهي تهز رأسها بسأم وقالت:
_ مفيش فايدة..
أنهت جملتها وتركت الغرفة بأكملها، ليلتقط شوكة بها بعض المعكرونة يدسها في فم الصغير وهو يردد:
_ أمك شكلها لسعت يا عُمر.. معرفش التخلف اللي ظهر عليها فجأة ده كان موجود من الأول ولا مكتسباه جديد!
***
_ بس أنا عايز أكل من هناك.
حسم الصغير قراره وهو يشير لطعام والده، لتحاول هي إثناءه عن رأيه وهي تحببه في طعامها:
_ حبيبي الفراخ هنا أهي، مش أنتَ بتحبها؟
أومأ برأسه مؤكدًا بينما قال بطفولة:
_ أيوه، بس أنا مبحبش ده "قالها مشيرًا على طبق الخضروات واكمل: بحب المكرونة واللحمة.
_ تعالى يا حبيبي كُل معايا.
أردف بها دياب بعدما ترك لها الفرصة ليعلن عن انتصاره، تحرك الصغير فورًا تاركًا والدته واتجه لوالده الذي استقبله بكل سعة، واجلسه فوق فخذه يقبل وجنته بحب.
_ ميادة.
نادى بصوته على محضرة طاولة الطعام، والتي أتت مهرولة فهي تقف بالقرب من باب حجرة الطعام استعدادًا لأي طلب منه.
_ أمرك ياباشا.
_ هاتي لعُمر أكله وهاتيله كوباية لبن.
_ حاضر يافندم.
قالتها وانسحبت من أمامه تنفذ طلبه على الفور.
نظر ناحيتها ليجد ملامحها تكسوها الحزن، وقد توقفت عن تناول طعامها، يعلم جيدًا فيما تفكر، لذا أردف بصوتٍ عالٍ يصلها:
_ كملي أكل ومتفكريش في حاجات مش منطقية.
نظرت له رافعة حاجبها الأيسر بتحدي:
_ وإيه الحاجات اللي مش منطقية دي؟
نظر لها يجيبها:
_ مش عشان اختار ياكل معايا، يبقى انضم لصفّي، متخليش الموضوع ياخد أكبر من حجمه عشان متتعبيش، ومتنسيش إن عُمر ابني.. ومسيره في يوم هيكون في صفي بجد وبعي منه، فياريت تعيدي حساباتك قبل اليوم ده.
نهضت عن الطاولة مُلقية المحرمة القماش فوقها بضيق:
_ مش أنا اللي محتاجة أعيد حساباتي يا دياب باشا..
أنهت حديثها وتحركت للخروج من الغرفة، ليتنهد بسأم.. يبدو أن الطريق معها لا ينتهي، وصبره قد بدأ ينفذ بحق، ويخشى عليها من وجه دياب الآخر.. والذي لن تتحمله..
_ متنسيش إني لسه محاسبتكيش على هروبك بابني، لو كنتِ تعرفي أنا كنت بفكر أعمل فيكِ إيه لما ألاقيكِ، كنتِ دعيتي ربك ليل نهار إني ملاقيكيش.. كان عندي شوية أفكار كفيلة تكرهك في حياتك وتخليكِ تلعني اليوم اللي فكرتِ تهربي فيه... لكن للأسف لما لقيتك، معملتش أي حاجة من اللي كانت في دماغي وشيطاني كان بيوزني ليها... وأنتِ عارفة السبب، لكن أنا ليا طاقة يا رنا.. لو خلصت هتلاقيني بحاسبك على القديم قبل الجديد.
التفت له واقتربت بخطواتها حتى أصبح الفاصل بينهما كرسي واحد فقط، وقالت بأعين دامعة ونبرة راجية:
_ ابعد عن شغلك الشمال، وأنا أكونلك الزوجة اللي تتمناها.. هرجع رنا اللي اتجوزتها قبل ما تعرف حقيقتك، هرجع حبيبتك وصاحبتك وأمك اللي كانت بتخاف عليك من الهوا، في إيدك ترجع كل ده ونعيش مرتاحين وفي سلام، بس أنتَ توافق.
ابتلع غصة في حلقه وهو يتذكر تلك الأيام التي قضوها سويًا قبل ان تكتشف حقيقة عمله صدفة، كان أقل من عام بأيام قليله.. ما بين خمسة أشهر خطبة، وستة أشهر ونصف بعدهم زواج.. كانوا النعيم الحقيقي حينها، نعيم انقلب لجحيم بين ليلة وضحاها بعدما أدركت حقيقته.. كانت حينها تغدقه بحنانها وحبها واحتوائها.. كانت حياتهما أكثر من رائعة، وليتها تعود..
تنتظر تعقيبه على أحر من الجمر، وقطع خلوتهما دلوف الخادمة بالطعام وكوب الحليب كما أمر سيدها، ووضعتهم بعجالة بعدما شعرت بتوتر الأجواء وانسحبت على الفور ، ليقول هو بعدها:
_ ماشي يا رنا، هعمل ده، لو كان هيريحك.
نظرت له بشك تسأله:
_ وإيه هيثبتلي إنك عملته!
سألها ساخرًا:
_ تحبي أجيبلك تسجيل صوتي من زعيم المافيا وهو بيعلن اعتزالي!
نفت برأسها وهي تقول:
_ لا في حل أسهل.
كان قد تناول الشوكة والسكين ليقطع قطعة اللحم الخاصة بطفله، والتقط قطعة صغيرة يدسها في فمه وهو يقول:
_ ابهريني.
_ تبيع كل أملاكك.. الفلل والعربيات والشركات.. حتى الفلوس اللي في البنك.
دس قطعة صغيرة أخرى في فم الصغير وهو يدرك أن القادم لن يروقه وقال:
_ اممم، وبعدين، هودي الفلوس دي كلها فين؟
استجمعت شجاعتها وهي تجيبه بجدية:
_ تتبرع بيها للجمعيات الخيرية.. ونجيب شقة صغيرة نسكن فيها، وندور على شغل مناسب وإن شاء الله ربنا هيكرمنا.. ونبدأ من جديد وعلى نضافة.
نظر لها رافعًا حاجبه باستنكار واردف ساخرًا:
_ يعني عايزاني أتبرع بأكتر من ٢٠ مليار جنيه تمن ثروتي ده غير فلوسي المتجمدة في حسابات بره، وأروح أشتري شقة صغيرة وأشتغل وأبدأ من جديد.. ويا ترى هشتغل في بنزينة ولا جرسون في مطعم!
تنهدت وهي تهز رأسها بسأم وقالت:
_ مفيش فايدة..
أنهت جملتها وتركت الغرفة بأكملها، ليلتقط شوكة بها بعض المعكرونة يدسها في فم الصغير وهو يردد:
_ أمك شكلها لسعت يا عُمر.. معرفش التخلف اللي ظهر عليها فجأة ده كان موجود من الأول ولا مكتسباه جديد!
***
_ بس أنا عايز أكل من هناك.
حسم الصغير قراره وهو يشير لطعام والده، لتحاول هي إثناءه عن رأيه وهي تحببه في طعامها:
_ حبيبي الفراخ هنا أهي، مش أنتَ بتحبها؟
أومأ برأسه مؤكدًا بينما قال بطفولة:
_ أيوه، بس أنا مبحبش ده "قالها مشيرًا على طبق الخضروات واكمل: بحب المكرونة واللحمة.
_ تعالى يا حبيبي كُل معايا.
أردف بها دياب بعدما ترك لها الفرصة ليعلن عن انتصاره، تحرك الصغير فورًا تاركًا والدته واتجه لوالده الذي استقبله بكل سعة، واجلسه فوق فخذه يقبل وجنته بحب.
_ ميادة.
نادى بصوته على محضرة طاولة الطعام، والتي أتت مهرولة فهي تقف بالقرب من باب حجرة الطعام استعدادًا لأي طلب منه.
_ أمرك ياباشا.
_ هاتي لعُمر أكله وهاتيله كوباية لبن.
_ حاضر يافندم.
قالتها وانسحبت من أمامه تنفذ طلبه على الفور.
نظر ناحيتها ليجد ملامحها تكسوها الحزن، وقد توقفت عن تناول طعامها، يعلم جيدًا فيما تفكر، لذا أردف بصوتٍ عالٍ يصلها:
_ كملي أكل ومتفكريش في حاجات مش منطقية.
نظرت له رافعة حاجبها الأيسر بتحدي:
_ وإيه الحاجات اللي مش منطقية دي؟
نظر لها يجيبها:
_ مش عشان اختار ياكل معايا، يبقى انضم لصفّي، متخليش الموضوع ياخد أكبر من حجمه عشان متتعبيش، ومتنسيش إن عُمر ابني.. ومسيره في يوم هيكون في صفي بجد وبعي منه، فياريت تعيدي حساباتك قبل اليوم ده.
نهضت عن الطاولة مُلقية المحرمة القماش فوقها بضيق:
_ مش أنا اللي محتاجة أعيد حساباتي يا دياب باشا..
أنهت حديثها وتحركت للخروج من الغرفة، ليتنهد بسأم.. يبدو أن الطريق معها لا ينتهي، وصبره قد بدأ ينفذ بحق، ويخشى عليها من وجه دياب الآخر.. والذي لن تتحمله..
_ متنسيش إني لسه محاسبتكيش على هروبك بابني، لو كنتِ تعرفي أنا كنت بفكر أعمل فيكِ إيه لما ألاقيكِ، كنتِ دعيتي ربك ليل نهار إني ملاقيكيش.. كان عندي شوية أفكار كفيلة تكرهك في حياتك وتخليكِ تلعني اليوم اللي فكرتِ تهربي فيه... لكن للأسف لما لقيتك، معملتش أي حاجة من اللي كانت في دماغي وشيطاني كان بيوزني ليها... وأنتِ عارفة السبب، لكن أنا ليا طاقة يا رنا.. لو خلصت هتلاقيني بحاسبك على القديم قبل الجديد.
التفت له واقتربت بخطواتها حتى أصبح الفاصل بينهما كرسي واحد فقط، وقالت بأعين دامعة ونبرة راجية:
_ ابعد عن شغلك الشمال، وأنا أكونلك الزوجة اللي تتمناها.. هرجع رنا اللي اتجوزتها قبل ما تعرف حقيقتك، هرجع حبيبتك وصاحبتك وأمك اللي كانت بتخاف عليك من الهوا، في إيدك ترجع كل ده ونعيش مرتاحين وفي سلام، بس أنتَ توافق.
ابتلع غصة في حلقه وهو يتذكر تلك الأيام التي قضوها سويًا قبل ان تكتشف حقيقة عمله صدفة، كان أقل من عام بأيام قليله.. ما بين خمسة أشهر خطبة، وستة أشهر ونصف بعدهم زواج.. كانوا النعيم الحقيقي حينها، نعيم انقلب لجحيم بين ليلة وضحاها بعدما أدركت حقيقته.. كانت حينها تغدقه بحنانها وحبها واحتوائها.. كانت حياتهما أكثر من رائعة، وليتها تعود..
تنتظر تعقيبه على أحر من الجمر، وقطع خلوتهما دلوف الخادمة بالطعام وكوب الحليب كما أمر سيدها، ووضعتهم بعجالة بعدما شعرت بتوتر الأجواء وانسحبت على الفور ، ليقول هو بعدها:
_ ماشي يا رنا، هعمل ده، لو كان هيريحك.
نظرت له بشك تسأله:
_ وإيه هيثبتلي إنك عملته!
سألها ساخرًا:
_ تحبي أجيبلك تسجيل صوتي من زعيم المافيا وهو بيعلن اعتزالي!
نفت برأسها وهي تقول:
_ لا في حل أسهل.
كان قد تناول الشوكة والسكين ليقطع قطعة اللحم الخاصة بطفله، والتقط قطعة صغيرة يدسها في فمه وهو يقول:
_ ابهريني.
_ تبيع كل أملاكك.. الفلل والعربيات والشركات.. حتى الفلوس اللي في البنك.
دس قطعة صغيرة أخرى في فم الصغير وهو يدرك أن القادم لن يروقه وقال:
_ اممم، وبعدين، هودي الفلوس دي كلها فين؟
استجمعت شجاعتها وهي تجيبه بجدية:
_ تتبرع بيها للجمعيات الخيرية.. ونجيب شقة صغيرة نسكن فيها، وندور على شغل مناسب وإن شاء الله ربنا هيكرمنا.. ونبدأ من جديد وعلى نضافة.
نظر لها رافعًا حاجبه باستنكار واردف ساخرًا:
_ يعني عايزاني أتبرع بأكتر من ٢٠ مليار جنيه تمن ثروتي ده غير فلوسي المتجمدة في حسابات بره، وأروح أشتري شقة صغيرة وأشتغل وأبدأ من جديد.. ويا ترى هشتغل في بنزينة ولا جرسون في مطعم!
تنهدت وهي تهز رأسها بسأم وقالت:
_ مفيش فايدة..
أنهت جملتها وتركت الغرفة بأكملها، ليلتقط شوكة بها بعض المعكرونة يدسها في فم الصغير وهو يردد:
_ أمك شكلها لسعت يا عُمر.. معرفش التخلف اللي ظهر عليها فجأة ده كان موجود من الأول ولا مكتسباه جديد!
***
_ بس أنا عايز أكل من هناك.
حسم الصغير قراره وهو يشير لطعام والده، لتحاول هي إثناءه عن رأيه وهي تحببه في طعامها:
_ حبيبي الفراخ هنا أهي، مش أنتَ بتحبها؟
أومأ برأسه مؤكدًا بينما قال بطفولة:
_ أيوه، بس أنا مبحبش ده "قالها مشيرًا على طبق الخضروات واكمل: بحب المكرونة واللحمة.
_ تعالى يا حبيبي كُل معايا.
أردف بها دياب بعدما ترك لها الفرصة ليعلن عن انتصاره، تحرك الصغير فورًا تاركًا والدته واتجه لوالده الذي استقبله بكل سعة، واجلسه فوق فخذه يقبل وجنته بحب.
_ ميادة.
نادى بصوته على محضرة طاولة الطعام، والتي أتت مهرولة فهي تقف بالقرب من باب حجرة الطعام استعدادًا لأي طلب منه.
_ أمرك ياباشا.
_ هاتي لعُمر أكله وهاتيله كوباية لبن.
_ حاضر يافندم.
قالتها وانسحبت من أمامه تنفذ طلبه على الفور.
نظر ناحيتها ليجد ملامحها تكسوها الحزن، وقد توقفت عن تناول طعامها، يعلم جيدًا فيما تفكر، لذا أردف بصوتٍ عالٍ يصلها:
_ كملي أكل ومتفكريش في حاجات مش منطقية.
نظرت له رافعة حاجبها الأيسر بتحدي:
_ وإيه الحاجات اللي مش منط
رواية بك احيا الفصل التاسع 9 - بقلم ناهد خالد
اللي يشوف بلاوي الناس تهون عليه بلوته.
تلك الجملة التي رددتها بعد أن وصلت بتفكيرها لما سبق، ومن حينها وهي راضية.. او مستسلمة!
لكنها غير مستعدة للتعامل مع أحد.. فاكتفت بالانفراد في غرفتها، تتجنب الحديث مع والدتها بالأخص، فهي لا تجني من حديثها معها سوى "حرقة الدم" كما تهمس بها دومًا بعد كل حديث يجمعهما.
وعلى ذكر والدتها ها هي تقتحم خلوتها وهي تصيح بنزق:
ما تيلا يا عروسة، ولا ناسية إن الليلة دخلتك.
التفت لها بعد أن أغلقت النافذة وخرجت من شرودها، تجيبها بسخرية واضحة:
يلا على إيه! هسوي إيه يا حسرة، ده يدوب هييجي ياخدني من دار لدار.
عقبت بنفس السخرية:
أومال إنتِ رايدة إيه يا حزينة! مش كفاية إنه كتر خيره الراجل جابلك فستان وخلاكِ تروحي تنجي العفش وتفرشي الأوضة على جوزك "ذوقك" كمان، رايدة إيه تاني عشان ترضي وتبطلي فراغة عين.
فغر فاهها وهي تنظر لها غير مصدقة ما تسمعه، هل أصبح له الفضل في القليل الذي فعله! وماذا عن حقوقها المهدورة والتي هي أكثر بكثير من تلك التفاهات التي نالتها!
هزت رأسها مستنكرة وهي تجيبها:
فراغة عين! بجى عشان بتكلم في حقي تبجى عيني فارغة!.. لا، لا ياما مش فراغة عين، ده أنا متنازلة عن حقوق كتير قوي عشان المركب تمشي، يكش يكون الفستان والعفش اللي نقيته هو ده اللي ليا! طب والفرح والزفة، والفستان اللي بحق وحقيقي اللي بتلبسه أي بت في يوم فرحها، أنا لا هعمل زفة ولا هلبس فستان كيف الخلج ولا عملت حنة ولا نزلت اشتريت جهازي زي باقي البنات، وحتى العفش اللي اخترته يا حسرة، عفش أوضة.. أوضة في دار كاملة ماليش أعدل فيها كرسي.. وتجوليلي فراغة عين! ده أنا حتى عريسي ييجي أسبوع مش شفته ولا بيسأل عليا حتى بالتليفون..
وضعت كفها في خصرها وتمايلت في وقفتها وهي تحدقها بجمود مرددة:
مهوش قاعد على جد الكلام وياكِ، جوزك الله يعينه على حاله بعد ما مسك كل حاجة بعد موت خالك، عنده هم ما يتلم، ننجو نعذره ولا ندجج وياه في كلام فارغ.. يحدتك ليه، مانتوا من الليلة هتكون سوا وفي وش بعض ليل نهار.. ولا حكايات البنات وأكلت عقلك ورايدة تعملي كيفهم!
قعدت ملامحها بضيق وهي تشيح لها بلامبالاة:
بقولك إيه ياما.. جفلي على الكلام، الكلام ممنوش عازة.. قولي ريداني أسوي إيه وأسويه.
اعتدلت في وقفتها وابتسمت لها باصفرار مرددة:
أهو كده الكلام.. ربنا يكملك بعقلك، يلا قومي عشان تجهزي وتلبسي فستانك.. إبراهيم كلمني وقال لي إنه نص ساعة وجاي.
سألتها بسخرية خفية:
وهو كان فين؟
كان بيشرف على عشا الرجالة..
قطبت مابين حاجبيها بعدم فهم تسألها:
عشا إيه؟
ابتسمت باتساع وهي تتحدث كأنها تخبرها بأمر سيسعدها!
فكرك يعني يوم فرحكوا هيعدي كده عادي! طب ده دابح خمس عجول بحالهم وجامع أهل البلد كلهم قدام بيت خالك وبيعشيهم.. لأجل ما الناس كلها تعرف إن الليلة فرحكوا.
ابتسمت بالكاد وهي تعقب:
كتر خيره.
يلا همي بقى.. لازم ييجي يلاقيكِ جاهزة ومستنياه.
وقامت بتكاسل أشبه بقيام مريض بعد عام كامل من ملازمته الفراش..
ما يحركنا هو الحماس، والطاقة، وهي تفتقد الاثنان.. وثالثهما الشغف!
وسبحان من يبدل حال بحال، فهي نفسها من كانت تنام وتستيقظ على حلم رؤيته أو الحديث معه.. من لم تحلم يومًا بأن ينظر لها بنظرة عادية بدلاً من نظراته الساخرة والماقتة التي لطالما حدقها بها، اليوم تتزوج منه.. تنتقل للعيش في كنفِه.. ولا تملك شغفًا لفعل هذا!
تشعر وكأنها زهدته! فجأة! وتخشى أن يتزايد هذا الشعور بالوقت.. فتزايده سيجعل حياتها بائسة وهي تعلم، رغم أن حبه لم يقل مثقال ذرة في قلبها، ولكن الآن فقط بدت تعي أن الحب وحده لا يكفي.. فالحب مقترن بأشياء أخرى... كثيرة.
مساء الخير ياباشا.
قالها "طارق" بتوتر طفيف، وهو يستقبل "مراد" الذي خرج من الشركة للتو، يستقل سيارته للعودة للمنزل، ليحدقه الآخر بنظرة من جانب عيناه وهو يستقل مقعده في السيارة كانت كفيلة لجعل الأول يشعر بتوتر أكثر، فيبدو أن الأمر ليس على ما يرام بالدرجة التي ظنها..
أغلق باب السيارة خلفه، واستقل هو الآخر مقعده في الأمام جوار السائق، وطال الصمت طوال طريق العودة، حتى وصلوا لمنزله الجديد، فترجل "طارق" سريعًا يقوم بمهمته وفتح له باب السيارة متنحيًا جانبًا باحترام..
ترجل "مراد" بهيبته المعتادة وظهره المفرود بحدة تليق بهِ، ووقف محله دون أن يتحرك، ينظر ل"طارق" بجانب عيناه قبل أن تنطق شفتاه القاسيتان:
تجبلي أوراقها كلها بكرة، وقولها تتعامل عادي اليومين دول لحد ما أبلغك.
رفع نظره متفاجئًا من حديثه، ولمعت عيناه بالأمل وهو يسأله بلهفة:
يعني ياباشا وافقت تساعدنا؟
حرك رقبته بكبر وهو يغمغم:
مش عشانكوا.. عشان متستاهلوش.. بس عشان الطفل اللي جاي، ملوش ذنب في كل اللي هيحصل لو متدخلتش.
ابتسم ابتسامة واسعة بعدم تصديق، وأخيرًا رأى مخرجًا لما هو فيه!
يعلم أن "مراد" مادام سيساعده سينتهي كل شيء كما يرغب.. بسلام.
باشا أنا مش عارف أشكرك إزاي والله، أنا كنت واثق إن حضرتك مش هتتخلى عني.
جعد أنفه المستقيمة باشمئزاز وهو يقول:
إيه تتخلى عني دي! هو أنتَ مراتي! اظبط يا طارق وبلاش هلفته كلام، متخلنيش أرجع في كلامي.
رفع كفيهِ باستسلام وما زال ثغره يبتسم بسعادة:
آسف ياباشا، هسكت أهو.
تحرك من أمامه وعقله يعيد مشهد الأمس...
بعد أن عاد من الخارج وقد انتهى هو وخديجة من شراء ما يلزمها وما يفيض عن حاجتها أيضًا، كان على اتصال ب "طارق" الذي ما إن وصل للمنزل رآه ينتظره أمام بابه..
توقف بسيارته وهي بجواره تلتقط أنفاسها بعد ثلاث ساعات من الشراء.. رغم أن جميع ما اشترته كان من مكان واحد، ولكن ما أرهقها أنه أراد رؤية كل قطعة عليها قبل أن يوافق على شرائها، فجعلها ترتدي جميع الملابس التي اشترتها ليقيمها وكأنها بعرض أزياء!
وكم كان الأمر محرجًا لها.. لكنه لم يهتم وبالأخير كانت جميع المشتريات مطابقة لما أراد.
أتمنى تكوني انبسطتي.
انتبهت لجملته التي قالها للتو، لتنظر له بجانب عيناها وهي تجيبه:
لا المهم تكون أنتَ انبسطت.
التواء طفيف ظهر في جانب فمه يشبه الابتسام، وهو يسألها:
هو أنا مخرجك عشان انبسط أنا؟
قول لنفسك.
داعب مقدمة أنفه بسبابته وهو يردف:
واضح إن الأمور ممشيتش زي ماخططتلها.
تنهدت بهدوء قبل أن تعقب:
مش فكرة كده، بس يعني أنتَ اشتريت كل حاجة على مزاجك تقريبًا.
سألها بجدية:
كان في حاجة نفسك تشتريها ومجبتيهاش؟
نفت برأسها موضحة:
مقولتش كده، بس أنتَ كل حاجة علقت عليها، وكل حاجة اختارها لازم أقيسها الأول... فالموضوع مرهق.
مش لازم نتأكد إن اللبس مناسب! مش يمكن يكون ضيق شوية ولا مش مظبوط عليكِ.
عقبت بعدم اقتناع:
ده لو هشتري طقمين ولا تلاتة، لكن.. أنتَ تقريبًا شاريلي فوق العشرين طقم.. ومش عارفة ليه كل ده؟ مانا عندي هدومي مش محتاجة لكل ده!
حاول انتقاء كلماته بعناية وهو يجيبها بحذر:
خديجة.. لبسك مش مظبوط عليكِ، ومن أول ما اتخطبنا أصلًا وأنا كنت دائمًا بلفت نظرك لده، وكنت من وقت للتاني باصر أجيب لك فستان ولا طقم هدية عشان شايف إن فيه كتير عندك مش مناسب، فاعتقد مبقاش في داعي دلوقتي لأي حاجة منهم.
هي تعلم.. ثيابها لم تعد تناسبها البتة، وهذا ليس بجديد، فهي لا تناسبها منذُ مدة، فجسدها قد تغير، نضجت أكثر، وامتلئت بعض المناطق والتي لم تكن على هذا النحو من قبل، وثيابها لم تتغير، فبالتالي باتت ضيقة.. قصيرة قليلاً.. ناهيك عن رثاء بعضها، وشحوب البعض الآخر.. لذا لم تفهم معنى حديثه خطأ بل بالعكس.. فهمت المعنى المقصود من حديثه تمامًا.
هزت رأسها واكتفت بالصمت، لتتوقف عيناها على الواقف بجوار درج الفيلا الخارجي، قطبت ما بين حاجبيها بعدم فهم وهي تسأل:
هو مش ده أستاذ طارق؟ إيه اللي جابه هنا؟
ولم تنتظر ردًا بل ترجلت من السيارة وتبعها "مراد" في صمت، اقترب "طارق" منهما وهو يردد بتحية:
مساء الخير..
مساء النور.
أجابا بها، لتسبق هي في الحديث متسائلة بفضول لا تستطيع كبحه:
أستاذ طارق هو حضرتك بتعمل إيه هنا؟ وعرفت مكان البيت إزاي؟
تنحنح "طارق" بخفة بعد أن أدرك أنها لم تعلم الحقيقة كاملة... أو بالأصح لم تعلم تفاصيلها.. ليهتف وهو ينظر ل"مراد":
أنا جاي لمراد باشا يا خديجة هانم.
قطبت حاجبيها مرة أخرى باستغراب جلي، ورمشت بأهدابها غير مستوعبة صفته للتو، فضلاً عن الارتباك الذي انتابها لدعوها ب" الهانم!"
هانم إيه وباشا مين! أنا مش فاهمة حاجة!
تبادلا النظرات بينهما لثوانٍ قبل أن يتطوع "مراد" بالحديث وهو يقول معرفًا بالأخير:
طارق حربي.. دراعي اليمين، وأكتر حد بعتمد عليه في شغلي.
دراعك اليمين!
رددتها مستنكرة، وهي تنظر لهما بعدم تصديق، ثم قالت:
يعني إيه؟ كل اللي حواليا كان كدبة! مفيش مطعم! مفيش مدير!
تولى "طارق" توضيح الأمر وهو يقول:
المطعم ملك الباشا، أنا يدوب كنت بأدي دوري.
رمقه "مراد" بنظرة غاضبة جعلته يبتلع باقي حديثه ويشيح بنظره بعيدًا، رآها تنظر له بنظرة لائمة قبل أن تنسحب متجهة للداخل....
كان لازم تنسحب من لسانك وتجود!
حاول التبرير وهو يقول:
باشا والله....
آخرص بقى، استناني في الجنينة على ما أصلح اللي هببته.
قالها بنزق قبل أن يتبعها للداخل محاولاً إصلاح ما يمكن إصلاحه.. فللتو أصبحت الأمور في طريقها للسير على ما يرام!
خديجة استني.
توقفت قبل أن تخطو قدماها باب غرفتها، والتفت له تطالعه بحدة وإنفة، كأنها تخبره بالصمت أنها لا تريد الحديث معه.
وقف أمامها يقول بهدوء بعد أن التقط أنفاسه من صعود الدرج ركضًا:
حاسس إنك زعلتي وشكلك اتغير!
حركت رأسها ساخرة وهي تقول:
حاسس! لا أبدًا هزعل ليه يعني.
قلب شفتيهِ بحركة رتيبة وهو يقول:
تمام.. مش حاسس.. أكيد زعلتي، بس ليه يعني! أصل أنتِ عرفتي الحقيقة!
أخبرته بنزق:
عرفت الحقيقة آه، لكن ماشاء الله كل مدى بكتشف حقيقة جديدة، يعني مكنتش أعرف إني مغفلة وكل اللي حواليا كانوا بيشتغلوني.
أوضح لها الأمر:
على فكرة محدش كان فاهم حاجة غيري... طارق اشترى المطعم بناءً على رغبتي، وقولتله هتعمل كذا وكذا.. عمل من غير ما يسأل، ومكانش فاهم بعمل كل ده ليه أصلًا...
وطبعًا الناس اللي اشتغلوا معانا كانوا تبعك!
نفى برأسه موضحًا:
لا خالص.. كانوا ناس عادية لا يعرفونا ولا نعرفهم.
ورنا!؟
رفع منكبيهِ بلامبالاة:
ولا نعرفها.
عمومًا أنا تعبانة وعايزة أدخل أرتاح شوية.
أنهت حديثها والتفت متجهة لداخل الغرفة، لتتوقف حين أمسك برسغها وهو يقول:
ومين قالك إن دي أوضتك!؟
توقفت ملتفة له، وطالعته بجهل، ليكمل:
يعني قررتي إن دي أوضتك بناءً على إيه؟
قلبت شفتيها بلامبالاة:
آه هي اللي جت في وشي، مش هتفرق يعني.
جذبها من رسغها الممسك بهِ لتسير خلفه، وهو يتحرك بها في ممر الغرف الطويل لحد ما، بينما يقول:
لا يا حبيبتي هتفرق كتير أوي.... أومال أنا عامل أوضتنا لمين؟ عشان أقعد فيها لوحدي!
تسمرت قدماها على باب الغرفة التي توقف أمامها، وحاولت جذب رسغها منه وهي تقول:
استنى بس.. أصل...أصل مش هينفع.
كبح ضحكته بصعوبة بالغة وهو يرى ذعرها وكأنه يقنع طفل بأن يجرب لعبة مرعبة فبدى خائفًا من الفكرة.. جاحظ العينين ومصفر الوجه كما هي الآن!
استنى إيه! في إيه يا حبيبي هو أنا واخدك المعتقل!
نفت برأسها وهي تقول بتوتر:
لا.. مش قصدي بس.. مش حاسة إني هبقى مرتاحة.
ضحك بخفة وهو يسألها باستنكار:
مش مرتاحة! هو أنتِ نسيتِ إننا متجوزين!؟
لا بس... حابة آخد وقتي.
اقترب منها الخطوة الفاصلة وعيناه تنضح بمشاعره الفياضة نحوها، وقال بتفهم لحالتها:
مش مطلوب منك أي حاجة غير إنك تكوني معايا في نفس الأوضة.. خدي وقتك اللي عاوزاه زي ما تحبي.. بس جوه، متحلميش إني أسيبك تنامي في أوضة وأنا في أوضة! أنتِ متعرفيش أنا مستني اللحظة دي من إمتى.
وكأنها أمسكت بهِ بالجرم المشهود، فإشارت له بسبابتها وهي تردد:
شوفت.. شوفت كلامك يقلق إزاي.
ارتدت رأسه للخلف ضاحكًا بصخب فلم يستطع منع ضحكته هذه المرة، وهي تشير إليه هكذا كالقطة المذعورة..
هل لها أن تخبره كم أن ضحكته رائعة! بل ساحرة.. لا أنها أجمل ضحكة قد سمعتها على الإطلاق.. ويالجماله وهو مبتسم بشدة هكذا.. حتى ظهرت تلك الحفرة البيضاوية المسماة لديه ب "الغمازة" على جانب خده الأيمن، والتي لم تراها سوى مرتان فقط طوال فترة خطوبتهما.. وها هي تراها للمرة الثالثة.
انتبه لتحديقها بهِ ويبدو عليها الشرود، فاكتفى بالابتسام ولم يقاطع شرودها، لأنه لم يرد أن يفعل، فتركها تروح وتغدى بملامحه كما تشاء، حتى استفاقت هي بعدما شعرت أن الصمت قد طال فجأة، لتحرك رأسها بحرج وهي تتململ في وقفتها، وقالت بارتباك:
هدخل أنا بقى... إيه ده إحنا مجبناش الشنط!؟
قالتها فجأة بعدما تذكرت أمر الحقائب التي ما زالت في السيارة.. ليخبرها بهدوء متجاهلاً حرجها عمدًا:
أنا هجبهملك، ادخلي خدي شاور على ما أشوف طارق وأرجع لك.
كلماته العادية تربكها! أي تلميح بحقيقة قربه منها يشعرها بالتوتر الزائد.. حركت رأسها بصمت ودلفت للغرفة تلتقط أنفاسها الهاربة في حضوره.
في حديقة المنزل...
اخلص يا طارق بقالك خمس دقايق بتلف وتدور وأنا خُلقي ضيق ومش فاضيلك.
هدر بها "مراد" بحدة بعدما نفذ صبره القصير من مراوغة "طارق" في الحديث، ليبتلع الأخير ريقه بتوتر أكبر وهو يقول:
يا باشا مانا بقول لحضرتك إني يعني اتجوزت.
هز رأسه يقول بنفاذ صبر:
ماشي وقولتلك مبروك.. فين المشكلة!؟ عاوز مساعدة؟
أومئ متلهفًا وهو يجيبه:
أيوه، محتاج مساعدتك.
تمام قولي محتاج إيه؟ عاوز فلوس؟
نفى برأسه والتزم الصمت، لينهض "مراد" فجأة وهو يشيح بيده في وجه الذي نهض أمامه:
لا مانتَ مش هتعملي زي النسوان أسالك وتهز راسك.. ما تخلص يا جدع أنتَ بدل ما أطلع وأسيبك.
ابتلع إهانته مضطرًا، ويدعو أن تكن هي كل ما في الأمر فهو أكثر ما يخشاه ما سيحدث تاليًا...
باشا أنا اتجوزت هاجر.. اللي شغالة مع... مع دياب.
جذبه من ياقة قميصه بقوة وقد نفرت عروقه وذراعيهِ وهو يصرخ بهِ..
نعم يا روح أمك!!!!!
ردد من بين قبضته:
باشا اسمعني بس..
هزه بين قبضته وهو يهدر:
اسمع إيه يالا! ملقتش غير ال**** ده واللي شغالين عنده؟
ياباشا والله ما بكيفي.. وسيادتك سيد من يعرف الحب وعمايله، غير إني كنت أعرفها من قبل ما تشتغل عنده لما كانت شغالة مع المنظمة بتخلص حاجات ليهم قبل ما دياب يطلب تكون من رجاله.
ضغط على أسنانه يسحقها بغضب:
أنتَ عارف أنا بكره الواد ده قد إيه!
حاول التحرر من قبضته وهو يومأ:
أيوه عارف.. بس غصب عني والله، لقيتني حبيتها واتجوزتها.. ومش عارف أبعد عنها ولا أنهي علاقتي بيها.
لفظه من قبضته بقوة ارتدى على أثرها للوراء محاولاً حفظ توازنه، وهو يلتقط أنفاسه ببعض الهدوء..
واتنيلت قولتلي دلوقتي ليه؟ إيه كشفوكوا؟ بس لو كشفوكوا مكنتش زمانك واقف قدامي أصلًا.
لا، محدش عرف حاجة لسه، بس.. أصلها حامل.
رفع "مراد" حاجبه الأيسر متفاجئًا وساخرًا بالوقت ذاته وأردف بضحكة زائفة:
لا وقررتوا تبنوا أسرة وتستقروا كمان! طموحكوا حلو أوي.. عاجبني.
أوضح تفاصيل الأمر وهو يقول:
والله ياباشا ما كان في نيتي.. ومكنتش ناوي أخلف دلوقتي خالص، بس حصل غصب عنا وفجأة، وده خلانا ارتبكنا ومبقتش عارف المفروض أتصرف إزاي.. وهي لازم تبطل شغل عند دياب عشان خطر عليها وعلى اللي في بطنها.
حدقه بجانب عيناه ازدراءً وانهى الحديث قائلاً:
مش عملت فيها راجل واتجوزتها وأنتَ عارف المخاطر، لا وحملت كمان.. كمل بقى راجل للآخر واحمي مراتك وابنك بمعرفتك.
باشا.. ياباشا اسمعني بس..
قالها "طارق" بصوتٍ عالٍ محاولاً إيقاف "مراد" بعدما أخذ خطواته للداخل غير عابئًا بهِ..
ضرب الأرض بقدمه غاضبًا وشد خصلات شعره بكفه بعصبية بعدما شعر بأن ورطته قد زادت للتو...
عودة
دلف للفيلا يمرر نظره على الأرجاء باحثًا عن قاطنيها لكنه لم يجد أحد.. ولكن جذبه صوت يأتي من أحد الزوايا.. فاتبع الصوت حتى وصل للمطبخ فوجد الصوت منبعث منه بالفعل والذي لم يكن سوى صوت زوجته..
وجدها تجلس على مقعد مرتفع أمام طاولة وُضعت في منتصف المطبخ واسع المساحة، وبيدها سكين وبعض حبات البطاطس تقوم بتقطيعها بوتيرة سريعة، متوترة، وتتحدث!
تتحدث لأحد، بعصبية، ويبدو هذا جليًا على نبرة صوتها الغاضبة وحركة يدها السريعة وهي تقطع البطاطس..
وقف عند مدخل المطبخ، ينظر لها بحاجبين مقطبين بعدم فهم، ولكنه آثر الصمت حتى يفهم حديثها.. وهل هو موجه لأحد أم تتحدث مع ذاتها بصوتٍ عالٍ فقط.
وهي كانت تسمع صوت "سارة" تحدثها في أذنها بإلحاح.. استمر الحديث بينهما طويلاً هذه المرة على غير المعتاد، فهي تتحدث معها منذُ خمس دقائق تقريبًا..
- وهفضل أعمل مش شايفاكِ لحد ما تبعدي عني بقى.
- مبقتش حاسة بذنب ناحيتك خلاص، ومعرفش ليه لسه بتظهري.. هو قالي لو اعترفت إني مش مذنبة في حقك هتختفي.
علاقتي بيه شيء ميخصكيش.. ومش هسمحلك تتدخلي فيه.
زادت عصبيتها وارتفع صوتها أكثر وهي تهدر بجملتها الأخيرة، وأخذت تتنفس بعدها بسرعة كأنها تكبح غضبها بالكاد... وأخذت تهز قدمها بسرعة مقلقة.. ووجهها أصبح عبارة عن كتلة دماء حمراء..
مع وتيرة تقطيعها لقطعة البطاطس المسكينة الواقعة تحت يدها، أخذت تردد بطريقة غريبة ورأسها تتحرك للجانب هذا وذاك:
هعيش حياتي، مش هسمحلك تدمرى باقي عمري، أنا مش مذنبة، أنا مليش ذنب في موتك، أنتِ ملكيش وجود أصلًا.. مش هسمعك.. مش هرد عليكِ.. مش..
قطعت حديثها صارخة بوجع وقد نالت السكين من إصبعها بدلاً من قطعة البطاطس المسكينة! تحت نظرات الصدمة والاندهاش والخوف من الواقف بالقرب منها...
رواية بك احيا الفصل العاشر 10 - بقلم ناهد خالد
دلفت من باب الفيلا وهي تخلع حذائها ذو الكعب العالي بتعب، فاليوم كان مرهقًا لها.
كانت تستلم طلبية عمل طلبتها من فرنسا خصيصًا، والأمر أخذ منها فوق الأربع ساعات لتنهي استلامها ونقلها للأتيليه الخاص بها والإشراف على ترتيبها بالمكان المناسب بداخل الأتيليه.
كان يومًا حافلاً بالأعمال، ولم يكذب دياب حين أخبرها أن تستطيع فقط مجاراة العمل، فها هي على يومين متتاليين لا تنتهي من العمل.
منذ وطأت قدماها أرضية الأتيليه وحتى تنصرف لا يتوقف العمل، وتذمرها الذي كان في أول أيام أسبوع عملها، تبخر بعد أيام قليلة جدًا، حتى أنها باتت لا تعود في موعدها الذي حدده.
الأمس عادت بعد الثامنة مساءً، واليوم أعلنت الساعة عن وصولها للتاسعة مساءً، وهي للتو دلفت من باب الفيلا.
أمسكت حذائها بيدها وهي تسير بتعب، ليتبخر تعبها فور وقوع عيناها على طفلها وهو يركض ناحيتها يصيح بحماس:
"ماما جت."
التقطته في أحضانها تقبل رأسها بحب بالغ وهي تغمغم:
"روح قلب أمك أنتَ، وحشتني."
أبعد رأسه عن صدرها الذي دفنه فيهِ قبلاً، وقال بنزق طفولي يجعلها تريد أكله:
"لو وحشتك مكنتش اتاخرتي."
"والله وحشتني، بس معلش غصب عني كان عندي شغل لازم يخلص، وبعدين أنا جايبالك اللي يصالحك."
همست بالأخيرة إغراءً له، ونجحت حين ابتسم باتساع يسألها بفضول ولهفة:
"إيه؟"
وضعته أرضًا وفتحت حقيبتها تخرج لوحًا كبيرًا من الشوكولاتة وهي تقول:
"جبتلك شوكولاتة كبيرة."
صاح بحماس وفرحة وهو يقبلها على وجنتها بحب وقال وهو يلتقط اللوح منها:
"أنتِ أحسن مامي."
داعبت وجنته بحب تخبره:
"وأنتَ أحسن ابن في الدنيا، بس مش هتاكل كتير من الشوكولاتة عشان متتعبش، هتاكل جزء صغير ماشي.. الشوكولاتة دي بتاعت أسبوع."
أومأ متحمسًا.
ابتسمت هي بحنان ما إن رأت سعادته الواضحة، ولكن لم تدم ابتسامتها حين سمعت صوته يأتي من مكان ما وهو يقول:
"طب هو ضحكتي عليه بالشوكولاتة، وأنا هتضحكي عليَّ بإيه عشان اسكت؟"
نهضت مستقيمة ونظرت للجانب حيث خرج من غرفة مكتبه، لتنادي بصوتٍ عالٍ:
"ماري."
أتت مهرولة من الداخل وهي تجيب بلكنة أجنبية:
"نعم مدام؟"
أخبرتها "رنا" بنفس اللكنة:
"من فضلك خذي عمر لغرفته، ولا تدعيه يأكل كثيرًا من لوح الشوكولاتة، ثم اغسلي أسنانه لينام."
"حسنًا مدام، هيا سنيور عمر."
"تصبح على خير يا حبيبي."
قالتها وهي تنحني لتقبله على وجنتيهِ تباعًا، ليردف بحب:
"تصبح على خير مامي."
واتجه بعدها لوالده الذي رفعه لاحتضانه ليطبع الصغير قبلة على وجنته وهو يردف بهدوء:
"good night dady."
رفعت "رنا" حاجبها باستنكار، فصغيرها يتعامل مع والده كأنه من طبقة أخرى غيرها! يغير من طريقته في الحديث و"يعوج لسانه" كما تطلق عليهِ دومًا، كأنه يعامل كل شخص حسب المكانة التي يراه فيها.
"good night يا قلب أبوك."
أنهى "دياب" جملته وهو يطبع قبلة على وجنته بحب، ثم أنزله أرضًا وهو ينظر لماري ويقول:
"خذيه."
أخذته وصعدت درجات السلم الداخلي للفيلا متجهة لغرفته.
التفت على الفور لها وهو يقول بتجهم:
"لسه بدري، كنتِ فضلتِ لنص الليل بره."
نظرت له بضيق وهي تعقب:
"عشان جيت ٩ تبقى نص الليل!"
احتدت نبرته وهو يقول:
"الفكرة مش في إنك جيتي ٩ ولا ١٠، أنتِ بتكسري كلامي، أنا قايلك شغلك من ٢ لـ ٦، قوليلي إمتى جيتي في الميعاد؟ من وقت ما اشتغلتِ يا تيجي ٧ يا ٨ والنهاردة ٩، يبقى أنتِ بتعاندي معايا!"
تنهدت بقوة وهي تجيبه:
"مش عِند، بس مفيش حاجة اسمها محدد لي وقت، أنا مش صغيرة يا دياب."
"أنتِ مراتي، ومن حقي أحدد وقت خروجك ورجوعك."
جعدت ملامحها بضيق وهي تقول باستنكار:
"مراتك مش بنتك، إيه ليك حق دي؟ مين فهمك كده؟"
رفع حاجبه مستنكرًا واقترب منها لحد الخطر وهو يقول:
"مين اداني الحق؟ مراتي ليَّ الحق أتصرف في كل شيء يخصها.. ومش أنا اللي بقول كده، اسألي أي حد هيقولك كده.. ده أنتِ متخرجيش من الباب ده غير لما أأذن لك."
أثار أعصابها، وأشعل نار الغضب بداخلها بطريقة حديثه واستفزازه الواضح لكونها أنثى تثور دفاعًا عن حقها، لترفع زاوية فمها باستعلاء وهي تقول:
"حيلك حيلك.. مين ضحك عليك وفهمك كده؟ أنتَ مش وصي عليَّ، وأنا ليا شخصيتي وكياني كبني آدمة، ملكش تتعداهم."
ابتسم ابتسامة مقلقة، ثم جذبها من عضدها وسار بها نحو أحد الأرائك تحت نظراتها المتعجبة والمستفهمة، حتى جلس فوق الأريكة وجذبها من عضدها بقوة لم تستطع صدها، لتعلو شهقتها حين أصبحت تجلس فوق فخذه الأيسر، فقد ظنت أنها سيجلسها لجواره، لكن خاب ظنها، فاخذت تتلوى وهي تحاول أن تنهض وتهتف بتوتر بالغ:
"أوعى يا دياب ميصحش كده."
ضحك ضحكة خافتة قصيرة وهو يسألها باستنكار:
"هو إيه اللي ميصحش!؟ ده أنتِ مراتي، هو أنا شاقطك!"
"إيه شاقطك دي! بلاش ألفاظك دي معايا قولتلك كذا مرة، بعدين مش قصدي كده، بس حد من الشغالين يشوفنا هيكون شكلنا وحش."
أجابها بلامبالاة:
"وحش ليه عادي! واحد ومراته إيه الغريب في كده!"
"شكلنا مش لطيف، وأنا مش هكون مرتاحة، أوعى بقى."
قالت الأخيرة بضيق حقيقي، ليضطر أن يتركها.
نهضت فورًا، وجلست على الكرسي المقابل للأريكة، تتجنب النظر له، في حين بدأ هو في الحديث.
"أنتِ ناسيه إن حتى دينك بيأمر الزوجة تطيع جوزها، وبيملك الزوج كل الحقوق في إنه يتحكم فيها، هو مش برضه في الدين مينفعش الزوجة تاخد تصرف أو تخرج من غير علم وموافقة الزوج."
"يتحكم فيها!؟ لا أنتَ فاهم الموضوع غلط خالص، ديننا مبيخليش الزوج يتحكم فينا زي ما بتقول.. وكل حاجة في الدين ليها سبب مش لمجرد التحكم، وكمان الزوجة ليها حقوق، ولا أنتَ تعرف اللي على مزاجك وبس."
"مقصديش، أنا فاهم إن الموضوع مش تحكم، على قد ما هو حقوق وواجبات، وكل حاجة ليها سبب فعلاً وحكمة. سمعت زمان أبويا قال إن السلطة اللي الدين أدهالنا بتفيد الست أكتر ما تفيد الراجل، لأنها حماية ليها وأمان ورحمة لضعفها الفطري اللي ربنا خلقها بيه، وعشان المفروض إن الراجل هو نقطة قوتها... بس ده طبعًا لو الناس عملت باللي المفروض يتعمل."
ضحكت ساخرة وهي تنظر له بذهول مرددة:
"يعني فاكر كلام والدك، ومبتعملش بيه."
عقد ما بين حاجبيه برفض:
"ليه؟ هو أنا أذيتك؟ رنا.. أنا حتى لما لقيتك بعد ما هربتي بابني وكان الطبيعي إني أأذيكِ وقتها وآخد حقي منك معملتهاش.. قوليلي بقى إمتى أذيتك!"
"أنتَ مأذيتنيش.. أنتَ قتلتني، قتلتني لما نمت وصحيت لقيت نفسي متجوزة واحد معرفش عنه أي حاجة، لما فجأة اتصدمت بحقيقتك، بعد حياة وردي أشوف اللون الأسود اللي بجد، بعد ما كنت فاكرة إني اخترت الراجل الصح لحياتي ألاقيني مع تاجر م.... لا مع راجل مافيا! أنتَ متخيل! وتقولي مأذيتنيش! إزاي طيب! هربت وإحساسي كل يوم كان بيبقى رعب إنك تلاقيني.. كنت بنام مغمضة عين ومفتحة التانية.. كنت بمشي في الشارع أتلفت حواليا... ويوم ما لقيتني ورجعت ليك تاني كنت حاسة زي اللي فضل يجري في طريق طويل على أمل إنه يخرج من متاهة وفجأة بعد كل الجري ده لاقى آخر الطريق هو البداية، ورجع لنفس المكان اللي بدأ يجري منه.. متخيل بقى إحساس الفشل! متخيل خوفي وقتها إنك تاخد ابني وتحرمني منه كعقاب، أو تأذيني بأي شكل.. بعد كل ده مأذيتنيش!"
صمتت تلتقط أنفاسها ومن ثم قالت بقهر حقيقي، ودموع ظهر بها عجزها ومقتها، ولوم عيناها يجلده:
"أنتَ خلتني زوجة ليك تاني وأنتَ عارف إني مش قابلة، خلتني أكون في حضنك وأنا من جوايا رافضة، أجبرتني أديك حقوقك وأنتَ عارف إني مش عايزة أعمل ده."
ألمه قلبه من حديثها، وغص حلقه من نظرتها اللائمة، يعلم أنه أجبرها على علاقتها معه، وكان هذا جليًا من ردود أفعالها وهي بأحضانها، على الأغلب كانت متبلدة لا تبادله أي شعور ولا أي لمسة منه، وكل حين وآخر تحاول محاولة ضئيلة أن تشعره بأنها مرحبة، ولكنها لم تكن تدري أنها تفشل.. وهو يلاحظ.
"أنا ما جبرتكش تكوني معايا، خيرتك."
نزلت دموعها بضعف وهي تقول باستنكار:
"خيرتني! بين ده وبين ابني.. أنا جحيمك جنة ليا عشان بس ابني فيه.. إزاي بتعتبره خيار!؟ أنا طبيعي هختار ابني.. بس قولي أنتَ إزاي قادر تكون معايا وأنتَ عارف إن ده بيحصل بدون أدنى مشاعر.. أنتَ عارف إني بكون مش متقبله ده."
شد من قامته بكبرياء زائف، فحديثها في معناه جارح لكرامة أي رجل يسمع حديث كهذا، تخبره صراحة أنها تُجبر على علاقتها معه، وتجاهله لهذه الحقيقة المرة لن ينفع الآن وهي تلقي بها في وجهه، ولكنه هو أيضًا مُجبر.. وهنا مربط الفرس، هو يعلم أنه يُجبرها، ولكن إن انتظر أن يأتي الأمر برغبتها فلن يحدث.. لن يعيشا حياة طبيعية كأي زوجين، وهو تحمل كثيرًا... لأكثر من أربع سنوات تحمل أن يبقى بدون امرأة، ومنهم عامان كانت أمامه.. بجواره، لكنها محرمة عليهِ، وفاض كيله... ومن يلومه؟ لقد حفظ حبها لسنوات ولم يلجأ لامرأة غيرها ويا كثرتهم، ولكن لمتى سيحفظ هذا الحب؟ لمتى سيبقى محروقًا بنيران الشوق والهجر؟ اتخذ موقفًا لينهي كل هذا... حتى وإن كان سيُحرق بنيران أخرى... وهي الرفض!
"عشان لو استنيت مشاعرك مش هطولها، لو استنيتك ترضي يبقى هستنى عمري كله، وأنا ليا طاقة.. واللي طلباه عشان ترضي مش هقدر أنفذهولك، يبقى رضاكِ مستحيل، ولو سبتك تعيشي بنفس الوضع الأولاني يبقى حياتنا زايفة.. حتى الطبيعي مش موجود فيها، الطبيعي اللي هو إنك مراتي.. فطبيعي نقرب من بعض ونعيش حياة عادية مش طالب أكتر من كده.. وعشان الحياة العادية تكمل.. ياريت ترمي الحبوب اللي في الدرج فوق."
اتسعت عيناها، ورمشت بأهدابها بتوتر وهي تسأله:
"حبوب إيه؟"
لمعت عيناه بنظرة وجع، واختنقت نبرته وهو يجيبها:
"حبوب منع الحمل اللي بتاخديها من ورايا، أنا شفتها امبارح ومرضتش أنكد وأعمل مشكلة، فياريت تترمي ومتحصلش تاني، عشان لو اكتشفت إنك لسه بتاخديها، وحياتك عندي لهتزعلي مني جامد."
انتفضت واقفة وهي تشيح بيدها بجنون:
"مش من حقك تجبرني على الخلفه كمان! مش من حقــــك...!!!"
صرختها الأخيرة جعلته ينتفض هادرًا هو الآخر:
"قولتلك أي حاجة في حياتك من حقي أتحكم فيها، الخلفه دي مش تخصك لوحدك، ده قرار يخصنا إحنا الاتنين، وأنا عايز أخلف عيل تاني."
اشتعلت غاضبة وتنفست بسرعة وهي تقول بعصبية:
"وأنا قلت مش هخلف تاني منك.. واعلى ما في خيلك أركبه.. هو أنا بطلت أندم على خلفتي الأولى عشان أجري أخلف تاني، ده أنا أبقى حمارة لو عملتها."
التقط معصمها يقبض عليه بقوة بكفه حتى ابيضت مفاصله وهو يهدر بفحيح مرعب:
"تمام، اعمليها بقى.. اعمليها وكملي على كده وخذي الحبوب، عشان وقتها محدش يلومني.. واعلى ما في خيلي هركبه فعلاً."
ثم لفظها بعيدًا بقوة حتى اختل توازنها لكنها تماسكت وهي تنظر له بأعين مذعورة، وسمعت صوته يهدر وهو يتخذ خطواته للخارج:
"وبعد كده ٦ بالدقيقة تكوني في البيت."
تهاوت على الكرسي تبكي بانهيار على حالها، كيف تنجو منه؟ كيف تتخلص من عبء ما تعيشه؟ لقد قربت طاقتها على النفاذ، لم تعد تستطع الصمود أكثر، لو فقط تجد حلاً مناسبًا... لو يسمع لها حتى ويفعل ما يرضيها... وآهٍ من كلمة لو التي لا تتحقق.
***
"خلاص يا زين بقى قولتلك جرح بسيط!"
رفع رأسه لها بعدما كان جاثيًا على ركبته أمامها يطهر جرحها بقلق واضح عليها، ظهر العتاب في نظرته وهو يسألها بيأس:
"برضه زين؟"
أشاحت بنظرها بعيدًا قائلة بتوتر:
"مانا قولتلك على ما أتعود بس."
زفر بضيق ولم يعلق وهو يعاود تطيب جرحها البسيط، وبعد ثوانٍ سمعته يقول دون أن ينظر لها:
"مش ناوية تحكي؟"
"احكي إيه؟"
سألته مستغربة، ولم تفهم معنى جملته بأول الأمر، ليوضح وعيناه الحادتان تنظر لها بتدقيق:
"تحكي اللي مرضتيش تحكيه قبل كده وقولت أسيبك براحتك، لكن بعد اللي شوفته النهاردة ده.. مش هسيبك غير لما أفهم، إيه حكاية الناس اللي بتشوفيها وبتكلميها دي؟ فيكِ إيه يا خديجة؟"
أدمعت عيناها بشدة، وكتمت شهقاتها بزم شفتيها بقوة، ليحتضن وجهها بكفيهِ وعيناه يملأها الحزن عليها، بينما يغمغم بنبرة متألمة:
"مالك بس يا ضي، فيكِ إيه يا نور عيني؟"
وكانت جملته إذنًا لها بالانفجار، لتنهار باكية وصوت نحيبها يرتفع، فأسرع يحتضنها بقوة ويده تتحرك صعودًا ونزولاً على ظهرها، وقد أدمعت عيناه من صوت نحيبها الذي مزق نياط قلبه.
خمس دقائق كاملة وهي على هذا الوضع، وبعدها بدأت تهدأ تدريجيًا حتى هدأت تمامًا بعد عشر دقائق أخرى، ليبعدها عن أحضانه بهدوء ما إن سمعها تقول:
"قوم من على الأرض أكيد ركبتك وجعتك."
ليومئ لها برأسه وهو ينهض جاذبًا إياها معه:
"تعالي نطلع أوضتنا."
سارت خلفه بهدوء حتى وصلا لغرفتهما فاتجه بها للكنبة الموجودة في الركن الأيمن من الغرفة، وجلس عليها وأجلسها بجواره ملاصقة له تمامًا، وما زال معتقل كفيها بين كفيهِ وبدأ بالحديث وهو ينظر لها بتمعن وبسؤال مباشر فاجأها:
"أنتِ بتشوفي سارة؟ بمعنى أدق بتتخيلي وجودها؟"
أغرورقت عيناها بالدموع وهي تجيبه بقهر:
"بشوفها! دي يعتبر عايشة معايا.. أنا سارة مختفتش من حياتي ولا يوم.. من سنين وهي عايشة معايا ومهما حاولت أبعدها معرفتش.. وأهي هم تاني بيزيد من همومي."
"بتشوفيها إزاي؟ وبتقولك إيه؟"
شردت بنظرها بعيدًا وكأنها تستحضر كل مرة ظهرت فيها أمامها:
"بتلومني، دايمًا بتلومني وبتتهمني إني السبب في موتها، بتجلدني بكلامها، وبتخليني أفقد أعصابي وأحس إني فعلاً مذنب."
"ليه مفكرتيش تتعالجي منها؟"
نظرت له باستنكار مجيبة:
"مفكرتش! طب ده أنا أبويا خدني بعد موت أمي على طول وجه القاهرة مخصوص عشان يعالجني، وفضلت أتعالج مع الدكتور اللي جبته له من غير أي نتيجة.. ٣ سنين من غير نتيجة لحد ما يأست، وأول أبويا ما مات بطلت أتعالج عنده، واشتغلت في العيادة بس أوهمته إني بقيت كويسة ومش محتاجة أتعالج."
"وهو ملاحظش ولا مرة إنك بتكذبي؟"
ابتسمت بسخرية مؤلمة وهي تجيبه:
"لا مهو أنا كنت اتأقلمت مع وجودها، فمبقتش زي الأول، يعني كنت أشوفها وأسمعها بتكلمني وأنا قاعدة ثابتة ولا كأني سمعاها، ولا كأنها موجودة، فده اللي خلاه ميلاحظش، أو أنا فكرت كده لحد ما اكتشفت إنه كان متأكد إني بكذب عليه وإني مخفتش، ورجعت أتعالج معاه تاني يمكن أخلص منها.. وبرضه بقالي سنتين ونص أهو لدلوقتي ومفيش نتيجة.. كان قالي إن بداية العلاج إني أقتنع إنك مش مذنب، وإن أنا وأنتَ ملناش ذنب في موتها، بس مانا اقتنعت أهو، ليه لسه بشوفها!؟"
ابتسامة غريبة ظهرت على وجهه، جعلتها تقطب ما بين حاجبيها مستغربة، وأحنى رأسه قليلاً يطالع كفيها الممسك بهما وهو يقول بنبرة ظهرت مختنقة:
"معقول أذيتك كده! معقول يبقى أنا السبب في معاناتك بالشكل ده!؟؟ طب ده أنا أكتر واحد يهمني راحتك ويهمني إنك تكوني بخير تحت أي تمن.. إزاي أبقى أنا السبب في عدم راحتك؟!!"
"محدش فينا كان قاصد أي حاجة حصلت.. لو بس يرجع الزمن بينا، واليوم ده نقدر نغير فيه اللي حصل، كل ما أفكر مبقدرش أستوعب إزاي يوم واحد يكون السبب في تغيير حياتنا كلها، يقلب حياتنا بالشكل ده، أنتَ متخيل لو مكانش اليوم ده موجود، واللي حصل مكانش حصل.. مكنتش حاجة اتغيرت، مكنتش بعدت، ومكنتش عانيت من هلاوس سارة اللي تعبتني نفسيًا وجسديًا فوق ما تتخيل، ومكانش أبويا اضطر يروح بلده ونشوف المر من أهله، ولا كنت عيشت أنا وأخويا في حياة صعبة ومرينا بأسوأ ظروف واحنا لوحدنا، كانت حاجات كتير أوي اتغيرت."
كان يتابعها بنظراته وهو يستمع لحديثها بتمعن، وما إن انتهت حتى ظهرت ابتسامة بسيطة حالمة ولمعت عيناه لمجرد التخيل:
"لو مكانش حصل مكنتيش بعدتِ عني، كنتِ فضلتِ معايا وكبرتِ قدام عيني يوم بيوم، مكنتش اتكويت بنار فراقك، مكنتش أنام وأصحى على أمل إني ألاقيكِ، مكنتش بقيت...."
قطع حديثه وتنهد تنهيدة قوية ثم أكمل:
"فعلاً، كانت حاجات كتير أوي اتغيرت."
ساد الصمت بينهما للحظات، قبل أن يقطعه وهو يسألها:
"معاكي رقم الدكتور اللي كنتِ متابعة معاه؟"
"لا، بس أنا عايزة أروح البيت أجيب تليفوني القديم، عشان الخط عليه أرقام تهمني، وكمان متنساش إني شغالة عنده وبقالى ٨ أيام مروحتش أكيد اتصل عليا كتير، و عايزة أكلم رنا معرفش عنها حاجة بقالي أسبوع، وكمان عايزة أعرف صاحب البيت إني هسيب الشقة وأجيب الحاجات الضرورية من هناك."
"خلاص، نروح بكرة نعمل كل ده، بس أنتِ لسه مشغلتيش تليفونك الجديد؟"
"هشغله أعمل بيه إيه؟ ممعيش أرقام حد."
"هسجلك عليه رقمي."
رفعت جانب فمها ساخرة وهي تقول:
"واتصل عليك وأنتَ في الجنينة! مهي دي أبعد مكان بتروحه، غير النهاردة بس اللي روحت الشغل ساعتين ورجعت، أنا عايزة أفهم هو أنتَ معندكش شغل زي الناس الطبيعية!؟"
ابتسم ابتسامته المهلكة وهو يردد بعبث:
"عندي، بس أعمل إيه مش قادر أبعد عنك."
أشاحت بنظرها بخجل، واحمرت وجنتيها قليلاً وهي تقول:
"هو أنا يعني هروح فين، مانت هتروح شغلك وترجع تلاقيني، ما برضو أكيد شركتك محتاجاك."
هز رأسه بلامبالاة:
"لا كبري دماغك، بابا هناك هيمشي الأمور في غيابي، أنا روحت النهاردة بس لحاجة مهمة، بعدين أنا لو روحت الطبيعي بتاعي مش هتعرفي تتلمي عليَّ، واسألي لولا.. كنت بخرج من الصبح مبرجعش غير ٨ بليل، وأوقات بضطر أخرج بليل تاني لو في شحنة أخلصها في المينا."
"أيوه بس أكيد مش هتفضل معطل مصالحك وقاعد جنبي."
"أكيد لا، بس أرتبلك الدنيا الأول، أنتِ شايفة عاوزه تروحي البيت وعاوزين نروح للدكتور بتاعك محتاج أسمع منه عن حالتك، ونشوف طرق تانية غير اللي اتبعها معاكي السنين اللي فاتت، وكمان عاوز أطمن إن الأمور بينك وبين لولا تمام عشان أبقى مطمن إنك هتبقي مرتاحة لما أسيبك معاها لوحدك."
توترت على ذكر والدته وقالت:
"أنا مش عارفة أحدد موقفها ناحيتي، أوقات بحسها كويسة جدًا، وأوقات بحسها متضايقة من وجودي."
عقب بجدية:
"بصي يا ديجا، هقولك حاجة لو فهمتيها كويس هتفهمي تصرفاتها ناحيتك."
هزت رأسها تشجعه على الحديث باهتمام، ليقول:
"بصرف النظر عن إني ابنها، وإن أي أم بيكون في جواها غيرة على ابنها لما بتشاركها فيه واحدة تانية، بس علاقتي بماما غير، طول الوقت معاها وقريب منها وبحكيلها كل حاجة، وهي حياتها متمركزة عليَّ خصوصًا بعد ما علاقتها ببابا شبه انتهت، هي شاهدة على حبي ليكِ آه، بس ده وأنتِ مش موجودة، لكن لما هتبقي موجودة هتحس أوقات بالغيرة، وإحنا المفروض نتفهم شعورها ده، ولا إيه؟"
أومأت بتفهم وهي تقول:
"أكيد طبعًا، حقها خصوصًا وهي شايفة كمهتم بيا للدرجادي، هتحس إنها مبقتش عندك بنفس الأهمية، عشان كده المفروض أي اهتمام زايد تجاهي متحسسهاش بيه."
ابتسم لها بحب واقترب طابعًا قبلة فوق جبينها ثم ابتعد وهو يردد بفخر:
"مكنتش أعرف إن حبيبتي عاقلة أوي كده."
توترت، وعلىَ تنفسها وهي تشعر بقربه لهذه الدرجة وحديثه الذي دومًا يصيبها بالارتباك، لتبتلع ريقها وتبتسم له دون تعليق.
أراد إزالة حرجها وارتباكها، ليقول مقترحًا:
"إيه رأيك سيبك من العشا اللي كنتِ بتعمليه تحت ده وتعالي نطلب من بره، هو لولا ومصطفى فين؟"
"مصطفى نام عشان هيصحى بدري بكرة عنده امتحان، وطنط قالت إنها حاسة بصداع فخدت مسكن ونامت."
نهض وجذبها معه يقول بحماس:
"واحنا هنقعد نعمل إيه! إحنا نخرج نتعشا بره أحسن."
جذبته ليجلس مرة أخرى وهي تقول:
"طب أنا هقولك اقتراح أحسن، إحنا نطلب عشا ونقعد تحت في الجنينة، حوض الزهور اللي تحت ده حلو أوي، نقعد جنبه ويبقى القمر فوقنا والهوا حوالينا وبراحتنا مفيش أحسن من كده."
"نقعد فين؟ حوض الزهور مفيش جنبه كراسي دول الناحية التانية."
رفعت حاجبها بتحدي وهي تجيبه:
"نقعد على النجيله، ولا عندك اعتراض!"
نفى برأسه فورًا كأنه يبعد تهمة ما عنه، ليقول بعدها:
"بس عارفة القعدة هتحلى بإيه."
"إيه؟"
تنهد وقال بتمني:
"لو بس تعتبريني جوزك وتشيلي الحجاب، مش هطلب منك تغيري البيجامات المقفولة دي، بس يعني على الأقل شيلي الحجاب، ده بيحسسني إني قاعد مع واحدة غريبة عني مش مع مراتي."
أجابته بهدوء:
"هو أنا في البداية مش كنت بلبس فساتين حتى وأنا نايمة، وبعدها بدأت ألبس البيجامات، أنا قولتلك إني واخداها تدريجي، أنا طول عمري مبتعاملش مع حد، غير مصطفى.. حتى باهر كان بعيد عني ومبشوفوش، ففكرة إني أقعد بحريتي قدام حد تاني بحس إني مش قادرة أعمل كده."
"طب ما تعتبريها بداية من النهاردة، وخذي الخطوة اللي بعدها، حتى عشان تنامي براحتك، أنا مش فاهم بتنامي إزاي وأنتِ مخنوقة بالبتاع ده."
طال الصمت لدقيقتين وهي تفكر في حديثه وتتشجع لأخذ خطوة جديدة، تنهدت أثناء تفكيرها لثلاث مرات تقريبًا وهي كثيرًا ما تفعلها حين تشعر بتوتر زائد، قبل أن تنظر له وهي تقول:
"طيب، اطلب الأكل واستناني تحت في الجنينة هحصلك."
لم يريد أن يبدي أي رد فعل قد يزيد توترها كي لا تتراجع في قرارها، اكتفى بالابتسام رغم أنه أراد الصراخ بوجهها معبرًا عن فرحته لتخطيها حاجز جديد معه، ونهض في هدوء خارجًا من الغرفة.
***
خرجت من بيت والدها لبيت زوجها المصون، هكذا دون أي مراسم تُذكر، تتذكر شفقة "رباح" عليها وهي تربط على كتفها وتقول بحزن "متزعليش يا بتي بكرة ربنا يعوضك باللي أحسن من الفرح والزفة، ومتحسيش نفسك أقل من أي بت، ده انتِ ست البنات، يكش بس الظروف، والمخ الصلد" هي بالفعل تشعر بأنها أقل من أي فتاة تتزوج، وحديث والدة زوجها لم يفرق معها، ولم يحسن شعورها.
تجلس على الفراش تتابع تحركاته داخل الغرفة بقلب يدق وجلاً، تريد الحديث معه في أمر هام لكنها تخشى رد فعله، فظلت تتابعه حتى انتهى من الاستحمام وتغيير ثيابه، فتشجعت وهي لا تجد وقتًا أكثر للصمت، وقالت:
"إبراهيم، أنا رايدة أتحدت وياك في موضوع مهم."
نظر لها مستنكرًا وهو يقول:
"ده وقته؟"
نهضت تواجهه وأجابت:
"مفيش أنسب من الوقت ده."
ظهر الملل على ملامحه وهو يقول:
"جولي."
فركت كفيها بتوتر وهي تقول بلجلجة واضحة خشية من رد فعله:
"أنا كنت عايزة آخد وقتي.. يعني بلاش يكون في جُرب بينا الليلة."
تجمدت ملامحه بشكل مخيف وهو يسألها:
"بتجولي إيه؟"
ارتفع تنفسها وارتدت بجسدها للوراء قليلاً وقد تمكن الخوف منها أكثر:
"بجول... يعني أنا... كنت محتاجة وقت نتعود على بعض، إحنا مكنناش بنشوف بعض كتير، وحاسة إني مخضوضة.. ومخدتش وقتي.. يعني مش لازم يحصل بينا حاجة الليلة.. الأيام بينا كتير."
ورد الفعل لم تكن تتوقعه أبدًا....