تحميل رواية «بعد فقدان الامل» PDF
بقلم مروة فتحي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد الأحياء السكنية، أمام منزل كبير لعائلة الدسوقي، كانت تجلس تلك الصغيرة بحزن على الدرج والدموع رفقتها. لكن أتى منقذها، أو خلينا نقول إنه محامي الدفاع اللي بيحاميلها ويجيب لها حقها وهي حاطة رجل على رجل. وجدها بهذه الحالة، ركض إليها بفزع وخوف عليها، فهي بالنسبة له ابنته. تحدث وقال: "ريتال، مالك بتعيطي ليه؟ مين زعلك؟" ريتال ببكاء: "كنت بلعب كورة مع علي وحازم ومنال بنت خالي مصطفى، واحنا بنلعب منال وقعتني واتعورت في رجلي ودراعي." مالك بحنية: "بس بس، خلاص متعيطيش. هي فين وأنا هزهقها لك وأجيب لك ح...
رواية بعد فقدان الامل الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم مروة فتحي
ريتال بصراخ وخوف: ماااااالك حاسب، في عربية!
نظرت أمامه بخوف، وجدت أنهم اقتربوا من الموت.
أغمضت عيونها وصرخت بقوة: مااااااااالك!
واصطدمت رأسها بالسيارة بسبب انعطاف مالك بسرعة لتفادي الاصطدام بالشاحنة.
أوقف سيارته واقترب منها بقلق. رفع رأسها إليه ثم التقط أنفاسه المهدرة. ضمها لصدره بارتياح بعدما تأكد من سلامتها. ثوانٍ فقط وارتفعت أصوات بكائها، فضمها أكثر لقلبه وقال:
مالك: أنا آسف، ما كنتش في وعيي، أنا آسف. انتِ كويسة؟ حاسة بوجع أو حاجة تعباكي؟
ريتال ببكاء: اوعي تبعد، متكلمنيش. ارتحت كدا؟ كنا هنموت بسببك. فضلت أصوت وأقولك وقف وانت مش سامعني.
زاد بكاؤها عندما تذكرت هول الموقف ورهبته.
قاوم مالك حركاتها لإبعاده، لكنه رفض أن يبعد وشدد على أحضانه لها. قام بتهدئة روعها وقال وهو يربت بلطف وحنان على رأسها:
مالك: خلاص أهدي، أنا آسف يا عمري، أهدي. عدت الحمد لله. انسي اللي حصل تمام.
انتظمت أنفاسها وعادت طبيعية، ثم اتجه بسيارته للمستشفى ليطمئن على ريتال لأن رأسها اصطدمت. وصل أمام المستشفى فقال:
مالك: ريتال يلا يا حبيبي انزلي.
ريتال: ليه؟
مالك: عشان أطمن عليكي.
ريتال: أنا كويسة، مافيش حاجة فيا. روحني أنا عاوزة أرتاح بس.
مالك: بعد ما أطمن عليكي الأول.
أمسك يدها ودخل بها للمستشفى. فحصتها الطبيبة وقامت بعمل الأشعة والإجراءات اللازمة.
الطبيبة ليليان: الحمد لله يا جماعة، الأشعة مفيهاش حاجة والمدام سليمة، مفيش حاجة تستدعي القلق. ألف سلامة على حضرتك يا مدام.
ريتال: الله يسلمك يا دكتورة. أنا قولته أصلاً إني كويسة ومافيش حاجة. هي الخبطة وجعتني شوية وخفت.
ليليان بمهنية: من حقه يطمن، لأن في حالات كتير ممكن تكون الإصابة داخلية وتعمل نزيف داخلي، وده أخطر لأنه مش بيظهر عليهم غير متأخر وبيسبب مضاعفات لا قدر الله.
مالك: شكراً يا دكتورة، تعبناكي معانا.
ليليان بمهنية: على إيه، أنا عملت واجبي.
قطع حديثهم اقتراب زين زوجها منهم، الذي تفاجأ بوجود صديقه فقال:
زين: مالك، بتعمل إيه هنا؟ حصل حاجة ولا إيه؟
ليليان: انتوا تعرفوا بعض؟
زين: آه، مالك صاحبي وعشرة سنين. خير يا ابني، حد عندكم جراله حاجة؟
مالك: لا أبداً، بس كنت جاي أطمن على المدام، والحمد لله طلعت كويسة. المدام دي صح؟
ابتسم زين ثم حاوط كتف ليليان بذراعه يقربه إليه وقال:
زين: اعرفكم الدكتورة ليليان الحسيني، المدام بتاعتي.
مالك: يا راجل، أخت أدهم الحسيني. تشرفنا بمعرفتك يا دكتورة.
أومأت ليليان برأسها كرد بسيط.
بسطت ريتال يدها لتصافح ليليان وقالت:
ريتال: تشرفت بمعرفتك يا دكتورة.
ابتسمت ليليان وقالت:
ليليان: بلاش دكتورة، ممكن تقوليلي ليليان من غير ألقاب.
بادلتها ريتال الابتسامة وقالت:
ريتال: تمام يا ليليان، وأنا ريتال الأدهم.
نظرت ليليان لزوجها وابتسمت.
ريتال: إيه، في حاجة ولا إيه؟ الاسم غريب ولا حاجة؟
ليليان: لا بالعكس يا حبيبتي، اسمك حلو. بس أنا ابتسمت لأن أخويا وابني اسمهم أدهم.
ريتال: ربنا يخليهم لك يا رب.
ليليان: يا رب يا حبيبتي.
زين: عاوز مساعدة أو محتاج حاجة يا صاحبي؟ قولي لو حصل حاجة، أخوك موجود.
مالك: تسلم يا صاحبي، كله تمام. الدكتورة عملت الواجب، تتردلكم في الأفراح إن شاء الله.
ودع مالك صديقه وعاد المنزل. بدل كلٌ منهم ثيابه وذهب للنوم. وجدها تعطيه ظهرها، فاقترب وأخذها بأحضانه وقال وهو يربت بحنان على شعرها:
مالك: أنا آسف، خلاص مش هيحصل كدا تاني.
ثم قبّل رأسها وخلدا للنوم سوياً.
عاد جميع أفراد العائلة للمنزل.
في منزل عائلة الدهشان.
كاد الجد أن يفرغ خزينة سلاحه بيوسف الذي وقف مزهولاً لا يستوعب أي ثأر هذا، لا يفهم كيف تم كشفه.
وقفت جميلة أمام يوسف وصرخت بانهيار، ترفض الابتعاد من أمامه. حاول أن يبعدها حسن ولكن قاومته وتمسكت بيوسف الذي حاول هو أيضاً إبعادها حتى لا تتأذى، فصرخت بقوة وسقطت مغشي عليها.
ركع يوسف على ركبتيه يحاول إفاقتها، لكنها لم تتجاوب معه، فصرخ بقوة وقال بخوف:
يوسف: دكتوررر، حد يجيب دكتور بسرعة!
نظر في الوجود وصرخ بقوة وقال بعنف: بسررررعة، حد يطلب دكتورررر.
استفاق والد جميلة من صدمته وتذكر ما حدثه به يوسف عن مرض ابنته، فاخرج هاتفه وطلب الطبيب وجلس أرضاً يحاول إفاقتها فقال:
الدكتور جاي. جميلة، بنتي.
حملها يوسف بين يديه وتوجه بها للداخل.
محمد: هاتها هنا يا ابني.
وضعها بإحدى الغرف. قام بنثر بعض قطرات المياه على وجهها. قامت بفزع، نظرت للوجوه حولها فصرخت بقوة وهستيريا. حاول والدها تهدئتها هو ويوسف ولكن دون فائدة. لم تتوقف عن الصراخ. رافق كريم الطبيب إلى غرفتها.
وبعد قليل خرج الطبيب من الغرفة بعدما فحصها ومعه يوسف الذي يبدو عليه الحزن والوجع.
محمد: خير يا دكتور، بنتي مالها؟
الطبيب: صدمة نفسية. أنا أعطيتها حقنة منومة عشان تنام وتهدى. إيه اللي حصلها؟
مهران: ما فيش يا دكتور، شوية مشا مشاكل.
الطبيب: طيب يا جماعة، بلاش تعرضوها للضغط والتوتر على الأقل الفترة دي، لأن حالتها مش كويسة وممكن تطول في الصدمة. ولو فضلت في حالة الحزن الشديد اللي هي فيها دي، هتتعرض لأزمة قلبية.
غادر الطبيب.
تحدث يوسف وقال:
يوسف: ارتحتوا كدا؟ برافو عليكم، عزبتوا بنتكم بإيديكم ودمرتوها. بس لحد هنا وكفاية، أنا مش مستعد أخسرها. إحنا ملناش قعاد هنا تاني، أنا هاخد مراتي وأمشي.
كاد يرحل، فاوقفه والد جميلة وقال:
محمد بحزن: تمشي؟ تروحوا فين وبنتي بالحالة دي؟
يوسف: حضرتك شفت الدكتور قال إيه؟ وأنا معنديش استعداد أخسر مراتي. كنت فاكر إني لما أجيبها وسطيكم هقدر أصلح علاقتكم ببعض، بس كنت غلطان إني جبتها أصلاً.
مهران بحدة: عاوز إيه انت؟ قولي. جيت وعشت معانا في قلب دارنا، وانت عيلتك يدها متلطخة بدم ولدي. وفوقيها ضحكت على بت ولدي وعاوز تاخدها معاك؟ دا لو آخر يوم في عمرك مش هاتاخدها من هنا.
يوسف وهو يحاول أن يتحكم بغضبه لأنه أمام رجل كبير قال:
يوسف: مش عاوز حاجة. والتار اللي بتقول عليه أنا معرفش عنه حاجة. أنا لو نيتي وحشة ما كنت جيت ورميت نفسي وسطيكم وقعدت. على الأقل كنت أذيتكم وهربت. كنت عملت اللي أنا عاوزه في بنتكم وسبتها، لكن أنا حبيتها واخترت أقف معاها وصدقتها، لكن انتوا مصدقتوهاش. وانتوا اللي وصلتوها للحالة دي. جميلة مراتي على سنة الله ورسوله، وأقدر آخدها مكان ما أنا عاوز.
مهران: وين اللي يثبت؟ وين القسيمة؟ فاكرها لعبة ودخلت دماغي ذي ما كذبت عليا وقلت إنك ولد ولدي؟ فاكرني معرفش إن بت ولدي هي اللي جابتلك الصورة وهي اللي ساعدتك؟ لكن حسابها عندي.
محمد: يا بوي كفايا، البت فيها اللي مكفيها. حرام أشق خلجاتي، كفاية اللي حصل لبتي. كفايــــــــــة.
مهران بحدة: اسكت انت، خلينا نشوف آخرتها إيه مع ولد المصري.
هز يوسف رأسه وملامح وجهه تملؤها الجمود.
يوسف: تمام، عاوز تعرف الحكاية كلها؟ تمام. دقيقتين وأوريك القسيمة.
واتصل بمالك.
يوسف: الو؟ مالك، صورلي قسيمة جوازي من عندك بسرعة.
أجاب مالك على الطرف الآخر وقال: ليه؟ في إيه؟
يوسف: حصل معاك حاجة؟ قولي، انت كويس.
يوسف: تمام، ابعتلي الصورة دلوقتي وأنا هكلمك تاني. يلا سلام.
أرسل مالك له صورة عقد الزواج.
أمسك يوسف هاتفه ورفعه بوجه مهران ووالد جميلة وقال:
يوسف: تأكدتوا إنها مراتي. وبما إنكم لسه مكذبين بنتكم وعاوزين تعرفوا الحقيقة، اسمعوا بنفسكم الحقيقة. عاوزين تعرفوا انتوا عايشين مع مين وأنتم مش عارفين. عارفين مين ملي قلبكم بالقسوة والكره لبنتكم.
محمد بإدراك عندما تذكر أن يوسف كاد يقول شيئًا مهمًا في الصباح ولكن غير حديثه:
محمد: تقصد إيه يا يوسف؟
شغل يوسف تسجيل الصوت الذي سجله لرباب زوجة والد جميلة وهي تحدث جميلة بطريقة سيئة.
فلاش باك.
كان يوسف يمشي من أمام المطبخ وبالصدفة استمع حديث رباب مع جميلة وكان كالآتي:
رباب: فاكرة نفسك فوزتي أكده يا سلمى؟ متقوية بحتة العيل اللي جايباه معاكي؟ ههههه. مستحيل أخليكي تعيشيه هنا وتفضلي في خلقتي. وزي ما قدرت أكرههم فيكي زمان، هقدر أكرههم فيكي دلوقتي وأخليهم يرموكي برا البيت عشان يتقطع نسل سلمى، فاهمة يا بت سلمى؟
جميلة: اسمي جميلة محمد الدهشان، إذا كان عاجبك أو معاجبكيش. ودا بيتي وبيت أهلي ومش همشي منه غير وأنا ميتة. يا رباب، أنا معرفش ليه بتموتي وتتقهري مني ليه؟ ما لقيتش سبب يفسرلي اللي بتعمليه دا غير إنك واحدة مريضة ومحتاجة تروحي العباسية.
امسكت رباب الملعقة التي كانت في مقلاة الطعام والزيت يغلي بها ووضعتها بسرعة على يد جميلة التي صرخت بتفاجؤ لأنها لم تتوقع فعلتها تلك، فهي أدارت وجهها لتكمل ما كانت تفعله.
جميلة بألم: انتِ اتجننتي؟ إيه اللي عملتيه دا؟
رباب بابتسامة: مش بتقولي عليا إني عيانة وعاوزة أروح السرايا الصفرا؟ ده رد بسيط مني يا بت سلمى. وإياكي تغلطي فيا تاني، ولا أشوفك جنب عيالي، سامعة؟ شكلك نسيتي اللي عملته فيكي زمان، فاكرة ولا أفكرك إني...
ثم استندت على الطاولة خلفها وأكملت حديثها وقالت:
رباب: فاكرة اليوم إياه لما جيتي البيت وكنتي مبهدلة واتبهدليتي وقولتيلي اللي حصل معاكي عشان أخبيكي قبل ما حد في البيت يعرف حاجة؟ ههههه. وأنا كملت. قطعت كمالبسك وجريتك لنص البيت وفضحتك. خليتهم يكرهوكي وقولت إنك كنتي هتهربي مع واحد عشقاه وهو اللي عمل فيكي كده.
عادت هذه الذكرى المؤلمة لجميلة.
رباب: إني اللي عملت كل ده من أوله لآخره، وإني اللي اتفقت مع الولد إنه يعمل أكده، بس طلع حمار معرفش يعمل اللي إني عاوزاه. بس إني قدرت أخليهم يصدقوا إنك بوظتي سمعة وشرف العيلة. قولت أهو بعد ده كله يرموكي ويتبروا منك، بس لا. قعدوكي في خلقتي. حتى بعد ما اتبليت عليكي وقولت إنك شتمتيني وضربتيني، برضو خلوكي. ما لقيتش غير التور حسن، أقنعتهم يجوزوكي ليه، وهو العبيط حبك، معرفش ليه. شايف فيكي إيه؟ بس تعرفي اخترت حسن ليه؟ عشان عارفة إنه واعر وهو اللي هيربيكي ويغورِك بعيد عني وأرتاح منك يا سلمي.
ونظرت لها بحقد وغِل.
جميلة بعدم تصديق للحقد والسواد الذي يملؤها: كيف لإنسان أن يؤذي إنسانًا آخر بهذه الطريقة؟
جميلة ببكاء: انتِ إزاي كدا؟ ليه عملتي فيا كدا؟ أنا عملتلك إيه؟ قوللي. حتى بعد اللي عملتيه معايا أنا حبيت عيالك واتعاملت معاهم كويس، وانتِ اللي بعدتيني عنهم وعن حضن أبويا. ثم صرخت بها وقالت: لييييه؟ ليه الحقد والكره دا؟
اقتربت رباب وقالت: عشان انت شبه أمك، وعشان أمك تبقى سلمى. عشان كل ما أشوفك أفتكر أمك اللي سرقت مني أول حد حبيته. سرقته مني. سرقت عمري وأنا قاعدة مستنية أبوكي يتجوزني ويشوف حبي ليه، بس مشافش. سابني أنا اللي من توبة وبقالى سنين قاعدة معاه ومتربين سوا، واتجوزها هي اللي مش من توبة ولا من بلده ولا من مقامه. فضلها هي عليا وخدته وسافرت مصر. وبتقوليلي بكرهك انتي وأمك ليه؟ يا بت ********.
وجهت سبّات لوالدة جميلة.
باك.
أغلق يوسف هاتفه بعدما انتهى التسجيل الصوتي وقال وهو يرى الصدمة على وجوههم:
يوسف: وتخيلوا بعد الأذى والألم اللي سببتهولها ده، جميلة رفضت إني أفضحها وأكشفها قدامكم. مهانش عليها إن إخواتها يعيشوا زيها ويتحرموا من أبوهم وأمهم.
انهار والد جميلة وسقط أرضاً لا يصدق ما حدث لابنته على يد زوجته، وهو كان يظلمها ولا يصدقها. صرخ بقوة ينادي زوجته التي أتت من غرفتها. تقدمت منهم وهي متوترة من نظرات الجميع لها، الكل ينظر لها باشمئزاز. وقبل أن تنطق بحرف واحد تلقت صفعات متكررة بغضب.
محمد بغضب وعيون حمراء صرخ بها وقال:
محمد: انتِ طالق! انتِ طالق بالتلاتة! مش عاوز أشوف وشك في البيت ده، غوري من قدامي وعيالك مش هتشوفيهم تاني، غوري!
نظرت بصدمة ووجه شاحب. نظر لها يوسف بشماتة وتردد ذهنها حديثه لها بأنه سينهي لعبتها عن قريب ويرد الأذى لكل من أذى زوجته، وكان حديثه لها تهديد مبطن. لم تأخذه بعين الاعتبار أنه سيأتي هذا اليوم بعد كل هذه السنوات. فعلت فعلتها ونسيت وجود الله. نسيت أن الله اسمه العدل لا يقبل بالظلم لعباده. الدنيا دوارة وسيسقي كل ساقٍ بما سقي.
رباب ببكاء: أمسكت يده وقالت بعدم تصديق: لا.. لاااا، متعملش أكده يا امحمد، لا.. حرام عليك عيالك لسه صغيرين، متحرمناش منهم.
محمد: حرمت عليكي عيشتك، ومتحرمتش ليه اللي عملتيه في بنتي؟ أذتك في إيه عشان تعملي فيها أكده؟ بدل ما تاخديها في حضنك وتعوضيها عن أمها، يلا امشي، غوري!
توجهت لعمها تبكي. أمسكت يده وقبلتها وهي تقول:
رباب: عمي، عشان خاطري يا عمي، قوله حاجة. قوله ما يبعدنيش عن عيالي.
لم ينظر لها. استند على عكازه بثبات.
رباب: عمي، ده أنا بت أخوك. هتسيبه يرميني برا البيت عشان البت المفعوصة دي؟ هي قالتلكم إيه؟ دي كدابة.
فجأة صفعها بقوة على وجهها فسقطت وهي تضع يدها على وجهها وقال بغضب:
مهران: اخرسي، مسمعش حِسك. لمي خلجاتك وامشي، متخلينيش أنسى إنك بت أخوي. طول السنين دي كلهامكرهانا في البت وخلتيني ظلمناها؟ ليه السواد ده؟ لييييه؟ طلعتي حية وإحنا مش داريين (عارفين). غوري من وشي بدل ما آخد روحك بيدي. غوري، وإياكي رجلك تخطي البيت ده تاني، سامعة؟
نزل محمد من الأعلى وألقى لها حقيبة جمع بها أشياءها وألقاها إليها ثم قال بجمود:
محمد: يلا برا. اللي يعمل في بنتي أكده مليهوش الحق إنه يعيش وسطنا. كنت غلطان لما فكرت إنك تحابي على بنتي وتكوني زي أمها، لكن لو متي متقدريش تكوني زي أمها أبداً.
أخذت الحقيبة ورحلت وهي تنظر للوجوه حولها، لا ترى أي شفقة أو تعاطف. حتى لم تجد سوى الغضب والاشمئزاز والكره.
الآن فقط أدركت مشاعر أن يكرهها الجميع وينظر لها بنظرات الاشمئزاز هذه.
يوسف بشماتة: إيه يا مراتي عمي؟ ثم أكمل بسخرية: ولا مرات عمي؟ أنا مش العيلة دي أصلاً. شوفتي إحساس إنك تكوني مكروهة من الكل وبيحتقروكي بيوجع إزاي؟ بس الفرق إنها كانت مظلومة، أما انتِ الظالمة. ربنا مش بيسيب حق حد.
حسن: أول مرة تقول حاجة صح يا ولد البندر. ثم نظر لها وقال: كنتي واخداني في صفك عشان تحققي غايتك. سممتي عقولنا بكلامك وافتريتي على بت عمي، خليتينا نظنوا فيها الظن العفش. حرام عليكي اللي حصلها بسببك، وكنتي عاوزة تحمليني ذنبها في رقبتي. روحي.. روووحي يا شيخة ارحمينا من شرّك.
مرت ساعات وساعات ينتظرها تستيقظ، وأخيراً قرر أن يأخذها بالصباح ويرحل.
وفي صباح اليوم التالي، توجه يوسف للأعلى. جهز حقيبته وحقيبة جميلة ونزل. توجه لغرفتها، وهو في طريقه إليها أوقفه والدها وقال:
محمد: على فين يا يوسف؟
يوسف: أنا آسف يا عمي، أنا لازم أمشي عشان مليش قعاد هنا تاني. ده لو تسمحلي يعني إني أقولك عمي.
محمد: تقول إيه؟ أنت دا أنت ولدي يا يوسف. كفاية وقوفك مع بنتي في وقت زي ده.
يوسف: ده شرف ليا، بس أنا لازم آخد جميلة وأمشي عشان حالتها متسؤش أكتر.
محمد: عشان خاطري يا ولدي، اديني فرصة أصلح علاقتي ببنتي. ساعدني أرجع بنتي لحضني، متخليهاش تبعد عني.
اقترب يوسف واحتضنه بتأثر وقال:
يوسف: تمام، دي في الأول والأخير بنتك وأنا مقدرش أبعدك عنها.
نظر له محمد بامتنان وقال:
محمد: متزعلش يا ولدي من اللي حصل هنا. حقك عليا إني...
يوسف: لا عادي يا عمي، أنا مقدر اللي حصل، وأكيد فيه سوء تفاهم وهيعدي.
ربت محمد على كتف يوسف وقال:
محمد: أنا هدخل أشوف جميلة.
أماء له يوسف برأسه. دخل محمد وجدها تنكمش على نفسها كطفل صغير يشعر بالبرد. غطاها وجلس بجوارها. مسح على شعرها بحنان ونظر لوجهها الذي ذبل وأصبح شاحب. تألم قلبه عندما استمع همهمتها وهي تنادي لوالدتها ألا ترحل وتتركها. ثم توترت أنفاسها واضطربت. قالت بصوت ضعيف:
جميلة: لا.. لا سيبوه، لا يوسف.. يوسف.. لا لااااا.
استيقظت وجدت والدها بوجهها. زادت أنفاسها اضطراباً وارتفعت نبضات قلبها. تذكرت كل ما حدث بالأمس. نظرت بخوف وهلع وقالت:
جميلة: لا.. لاااا! يوسف فين؟ انتوا قتلتوه؟ ليه يا بابا ليييه؟ يوسف!
وانفجرت في البكاء. حاول والدها تهدئة روعها وقال:
محمد: يوسف كويس، محدش لمسه. أهدي.. أهدي يا حبيبتي، كل حاجة كويسة، أهدي.
جميلة بصراخ: لاااا! انتوا قتلتوه! يوووووسف!
وقامت من مكانها تصرخ بهستيريا وابتعدت عن والدها وتنادي باسم يوسف. دخل الجميع، وعندما رأت جدها ازداد صراخها وبكاؤها.
جميلة: يوسف فين؟ انتوا قتلتوه؟ ليه؟ ليييه؟ يوووووسف.
أتى يوسف وهو يركض بخوف، دخل الغرفة ينظر بفزع حوله، فرآها تجلس أرضاً منكمشة على نفسها تضع رأسها بين يديها تخبئ وجهها وتبكي. توجه إليها ليهدأها.
يوسف: جميلة، أهدي. حصل إيه؟
جميلة برفض: لا، انتوا كدابين. قتلتوا يوسف وعاوزين تقتلوني أنا كمان. اقتلوني.. اقتلوني.
اقترب والدها منها وقال:
محمد: اهدي يا حبيبتي، محدش يقدر يعمل كدا. قومي معايا.
ابتعدت بفزع وقالت بصراخ:
جميلة: لاااا! ابعدوا عني.
اقترب يوسف بحزن لسوء حالتها وقال:
يوسف: جميلة، اهدي. أنا اهو عايش، ما متتش. أنا كويس، أهدي.
نظرت له. مد يده لها ليساعدها على القيام من الأرض. فاستجابت له. أخذها ووضعها بسريرها. فتحرك حسن وأخوه ووالده ووالدته للخارج. لم يتبق سوى يوسف ووالدها وجدها بالغرفة. سطحها على السرير وأزاح عنها حجابها ثم مسح بحنان على شعرها حتى هدأت وسكنت.
خرج والدها من الغرفة وهو حزين، فابنته كرهته وتهاب رؤيته، لا تشعر بالأمان بوجوده. ما أسوأ من هكذا شعور.
لحظ يوسف ملامح الحزن على وجهه، متفهم حزنه وموقفه.
قام يوسف من مكانه، فامسكت جميلة يده وقالت بحزن:
جميلة: يوسف، ما تسيبنيش.
ونظرت لجدها.
يوسف: ما تخافيش، أنا جنبك. ارتاحي انت دلوقتي، يلا نامي.
نظر الجد لهدوئها وسكونها عندما رأت يوسف وشعورها بالأمان معه، فأدرك أنه هو فقط من يستطيع أن يشفي جروحها ويعوضها عن كل ما مرت به.
مهران: خليك جارها، ما تهملهاش.
وخرج من الغرفة.
جلس يوسف بجوارها، أخذ يمسح على شعرها بلطف وحنان حتى هدأت تماماً وغاصت في النوم وهي تمسك يده وكأنها تخشى أن يبتعد لمكان بعيد. ابتسم بخفة وهو يراها تتمسك بيده كالطفل الصغير، فجلس معها ينظر لها ويتأمل وجهها، فتذكر أول مرة رآها بها.
جلس والد جميلة بالحديقة وهو حزين على ما وصلت ابنته إليه. ذهب له والده يواسيه، وضع يده على كتفه وقال بمؤازرة:
مهران: متزعلش يا امحمد، هتطيب (هتخف) يا ولدي، متزعلش روحك يا ولدي.
صرخ محمد بوجع وقال باستنكار:
محمد: مزعلش روحي وأنا كسرت بتي عشان خاطرك؟ مزعلش روحي وبنتي مطايقاش تشوفني وتخاف مني؟ يا ريتني ما سمعت كلامك يا بوي، يا ريتني ما سمعته. اديني اتجوزتها بت عمي، وفي النهاية إيه؟ شوف أذت بتي كيف وعملت فيها إيه؟ ذنبها إيه عشان يحصل فيها أكده؟ وأنا كنت زي الأعمى مصدق كذبها وأعبيتها. شوفت يا ابااه القريب إيه يعمل؟ شوفت.
اقترب أخيه منه يهدئه فقال:
هاشم: اهدي يا خوي، مش أكده. كل حاجة هتتصلح، وبتك ربنا هيشفيها، والدنيا هتروق. هدي نفسها بس.
محمد: اطلع من خلجاتي، سبوني.. سبوني في حالي، كفاية اللي جرالي، كفايــــــة.
ثم تركهم وغادر من المنزل بأكمله.
جلس مهران يبكي بحزن على حال ابنه وحفيدته وندم أنه في يوم من الأيام أجبره على الزواج من ابنة عمه ولم يرضَ على زيجته الأولى ولم يتقبلها، وندم على سوء معاملته لحفيدته وقسوته معها.
هاشم: متزعلش منه يا أبوي، زعلان على بتّه، متزعلش. شوية وهيروق وييجي يصالحك.
مهران بكسرة: أنا غلطت في حق أخوك يا هاشم. قسيت عليه لما غضبت ورفضت جوازه من بت البندر. كسرت فرحته لما جالي وهو في أول شبابه وقال لي إنه حب واحدة زميلته وعاوز يتجوزها، بس أنا عارضته وغضبت عليه لما اتجوزها. حتى لما جاني ومعاه حفيدتي على يده، كسرت بخاطره وقولتله يخلفله ولد يسنده بدل البت. حتى بعد ما مرته اتوفت، بدل ما أكون جاره، غصبته يتجوز رباب. كنت فاكر إني أكده بسعده مع اللي تستاهله، وأهي من لحمه ودمه، تربيله بتّه على عاداتنا وتقاليدنا. وفي الآخر حصل إيه؟ الغُرب طلعوا أحن على عيالنا منينا اللي من دمنا. مصانش وعملت أكده واحنا كنا على عمايا، يا هاشم. أذت بت أخوك طول السنين اللي فاتت دي وإحنا محاولناش نسمعها حتى. كيف ترضي تبص في وشي دلوقتي؟ اااااخ يا بت ولدي.
سالت دموعه بندم.
في وسط الأراضي الزراعية كان يجلس والد جميلة والحزن والألم رفقته. تذكر كل ما حدث معه وذكرياته مع فقيدته زوجته وحبيبته التي عارض والده وخرج عن طوعه لأجل الزواج بها. تذكر قبل وفاتها عندما أوصته بابنتهم. صرخ بألم وقال:
محمد: سامحيني، معرفتش أبقى حنين عليها، معرفتش أحميها وأكون سندها.
تذكر كل ذكرياته معها منذ التقى بها لأول مرة حتى لحظة وداعها التي لم تغب عن باله عندما حملها بين يديه ووضعها أسفل التراب ودفن قلبه معها حينها.
في نفس اليوم كان علي يجلس مع رفاقه في المدرسة الثانوية، فتحدث أحمد عندما خرج أستاذ اللغة العربية وهو يدندن ويقول: حبيبي ليه غيب وتسيبني لحالي؟ حبيبي أنا ليك حبيت.
علي: هههههه، حبيبي وحبيت، ولعة معاك يا أبا. ثم غمز له وتابع وقال: مووودك رايق يعني.
أحمد بابتسامة: آه والدنيا وردي وردي. ثم وضع يده على كتف صديقه حاتم وقال: ياااه، الحب طلع طعمه حلو. ثم غنى وقال: ده الحب حلو اااه حلو اووي اوي. الحب حلو اااه حلو اوي اوووي. ههههه.
حاتم بسخرية: تعريف الحب يا عزيزي؟ معروف أنه فعل ماضي مبني على كلام فاضي، مرفوع بالكذب، منصوب بالخيانة.
علي: هههههه، الله، الوااد بقى أستاذ في الحب والنحو.
أحمد: طب بقولكم إيه؟ خلينا نغير السيرة عشان الأستاذ حِتو هيقلب عيشتنا سواد. ثم تحدث بمرح: إلا صحيح، قولولي ناوين تدخلوا إيه بعد ما نخلص الثانوية؟ أنا عن نفسي عاوز أدخل شرطة، وانتوا؟
حاتم بتفكير: أهلي عاوزيني أبقى مهندس وأنا عاوز أبقى لعيب كورة، بس مش مقتنعين بيها.
أحمد: طب وانت يا علي؟ عاوز تبقى إيه؟
علي: محامي. عشان لو في حد ما عجبنيش ألبسه قضية سنتين تلاتة أربعة كدا لحد ما يروق.
أحمد: بتتكلم جد؟ عاوز تدخل حقوق عشان كدا ولا عشان مجموعها قليل يا سطا.
علي: سطا، مش عشان المجموع. أنا حابب أبقى محامي وعشان أنصر المظلوم في زمننا اللي فيه القوي على الضعيف بيستقوى.
أحمد بتصفيق: أووه، جدع يااااد يا علي، فنان، فنان.
علي: يا أبو مخ تخين، مبهزرش. أنا فعلاً عاوز أبقى محامي وإن شاء الله هدخلها الكلية.
أحمد: ده انت بذات نفسك عاوزلك محاميين. كل يومين في مصيبة وخناقة يا ابني.
علي: سطا، أنا على المبدأ ثابت، لا أتزحزح ولا أميل. أنا أصلاً مخي اتكيف خلاص إني أبقى محامي قد الدنيا.
حاتم: يا أخي نفسي في نص ثقتك في نفسك دي وأشقلب العالم.
أحمد: هههههه، حصل. بس مش عارف بيحب المرمطة والصعوبة ليه يا ابني؟ ما كنت دخلت أدبي أسهل؟ كنت هتجيبها برضو كدا كدا الكلية مش قمة ومجموعها مش عالي. بدل ما كنت دخلت علمي رياضة يا غبي.
علي: ما فيش حاجة اسمها كلية قمة وكلية قاع. أنت اللي بتحدد بمستواك وشطارتك المكان اللي فيه. ثم وضع علي قدم فوق الأخرى بثقة وقال: وبعدين يا ابني، دي كلية البشوات، إيش فهمك انت.
حاتم بمرح: عيني ع الكاريزما، عيني ع الثبات. هبقى أجي عندك أرفع قضية على الكلبة الخاينة اللي سابتني وراحت تمشي مع معاذ اللي شبه المعيز. بس تصدق، لايقين على بعض لأنهم من نفس القطيع.
ضحك أحمد وعلي، الذي قال:
علي: الجبهة طارت هههههه. لو مدايقك يا سطا، أظبطهولك من دلوقتي عادي.
حاتم: لا سطا، فكك. هعمل راسي براس معيز.
دخل أستاذ الرياضيات وبعدما انتهت الحصة خرج الشباب لفناء المدرسة في وقت الاستراحة، فتحدث حاتم بحنق وقال:
حاتم: يا أخي، أنا مش عارف إيه لازمته الامتحان دلوقتي. مش لسه اللي عاملين امتحان من يومين؟ ولا هي مرمطة وخلاص.
علي: أوماال يا حبيبي؟ دول هيمتحنوك ومش بس كدا، دول هيحاولوا يفشلوك. ويشيلوك ويسقطوك. خليك دايما جامد. اهبد حاول عاند، أنا ابن مصر وبنام للعصر. أنا كاشف راسي وداعي عليكم ظهر وعصر هههههه.
أحمد: والله تنفع مغني وبتلحن كمان ههههه.
حاتم: هههههه، رايق والله انت.
وأثناء حديثه مع رفاقه، مر بجانبه نفس الشخص الذي كان يتحدث عنه، معاذ، واصطدم بكتفه.
حاتم: إيه يا أبا؟ إيه يا حبيبي؟ متفتح إيه؟ مش شايف؟
ابتسم له الشاب ثم قال ببرود: سوري، مخدتش بالي.
أحمد: إيه اللي مخدتش بالك دي؟ هو كيس لب ومش شايفه.
معاذ: تصدق؟ يمكن.
ثم ارتدى نظارته وأكمل طريقه هو ورفاقه.
لحق به علي بعدما نظر لأحمد لكي يمسك صديقهم حاتم حتى لا يذهب ويحطم أسنان هذا المسمى معاذ. صدم كتفه بعنف، وفي حركة سريعة منه وضع قدمه أمام الشاب فتعثر وسقط أمام الجميع الذين ضحكوا على ما حدث.
نظر الشاب لعلي بغيظ.
علي ببرود: أووه، سوري، أصلية مشوفتكش.
ثم اقترب منه ربت على كتفه بعدما قام من الأرض وقال:
علي: بلاش شغل العيال ده يا سطا. وما تلعبش معانا إحنا بالذات، فاهم يا كوتش؟ يلا زق عجلك يا حبيبي.
عاد علي لأصدقائه وهو يبتسم، وضع ذراعيه على أكتافهم وقال بابتسامة:
علي: الشلة اللي مفيهاش صايع حقها ضايع، وإحنا التلاتة ما شاء الله علينا صيع ههههه.
أحمد: شكلنا هنزور القسم النهاردة بعد المدرسة يا حبايبي ههههه. أدهم جوز أختي، شكلي وحشته وهنوّره القسم النهاردة.
ضحك حاتم وعلي.
في الجامعة.
انتهى حازم من محاضرته وتوجه لمكتبه، وبعد دقائق استمع أصوات طرقات على باب مكتبه فأذن الطارق بالدخول.
طلت ريتال من الباب وهي تقول:
ريتال: دكتور، هل يا ترى فاضي ولا مشغول؟
ابتسم حازم وقام من مكانه يرحب بها. أشار لها بالجلوس وجلس مقابلها وقال:
حازم: مش مصدق، هما أخواتك كويسين ولا حد حصله حاجة؟
ريتاج باستغراب: إيه؟ أخواتي؟ ليه مالهم؟
حازم: مش كانوا عاملين إضراب ومش راضين ينزلوك الجامعة تقريباً.
ريتاج: ههههه، ربنا فرجها وسابوني أخرج.
حازم: يبقى أكيد باعتين معاكي مخبر. إلا صحيح، فينه؟
ريتاج: ههههههه، لا، المرة دي عصام اللي مستنيني برا الجامعة.
حازم: ههههههه، وربنا كنت عارف. يلا، سيبنا من الكلام ده دلوقتي. تشربي إيه؟
ريتاج: أي حاجة.
حازم: تشربي عصير فراولة.
أماءت برأسها بهدوء.
طلب لها العصير وعاد جلس مقابلها وقال:
حازم: اتكلمي، ساكتة ليه؟ ريتاج اللي أنا أعرفها، راحة فين؟
ريتاج: لا أبداً، أنا زي ما أنا.
توترت من نظراته التي تحدثت بحبه لها، فقالت بخجل:
ريتاج: أنا.. أنا اتأخرت، لازم أمشي.
حازم: استني، اشربي العصير طيب. اقعدي عشان تشوفي نتيجة امتحان الأسبوع اللي فات بالمرة. خلصتهم لو عاوزة تعرفي درجتك.
ريتاج: إيه دا بجد؟ جبت كام؟
قال وهو يتحرك إلى الباب يأخذ العصير من العامل:
حازم: عندك الورق على المكتب.
نظرت للورق تبحث عن ورقتها، وبينما تبحث عنها سقط منها بعض الورق. جمعته من الأرض ورتبته كما كان. لمحت ورقة مطوية بقرب المكتب، امسكت بها. كانت ستضعها مع بقية الأوراق، ولكن وجدت اسم حازم عليها، فانتَابها الفضول لمعرفة ماذا يوجد بهذه الورقة، وكانت الصدمة جواب غرامي من فتاة لحازم.
عاد حازم وضع أمامها أكواب العصير وقال:
حازم: اتفضلي.
تجمعت الدموع بعيونها وقالت:
ريتاج: إيه دي؟
ورفعت الورقة بوجهه. قرأ حازم الورقة وقال بكل بساطة:
حازم: معرفش مالها يعني.
ريتاج: أنا لقيتها عندك هنا. مين بعتها؟
حازم: وأنا أعرف منين اللي بعتها؟ أنا مشوفتهاش أصلاً.
ريتاج بدموع: يعني حضرتك عشان أخواتي مبيخلوناش نتكلم أو نخرج سوا، تروح تتعرف على بنات تاني وتحبها؟
وكادت ترحل، فامسك يدها يوقفها. نظرت له وعيونها مليئة بالدموع. ترك يدها وقال:
حازم: استني، انتِ بتقولي إيه؟ أنا معرفش الورقة دي جات مكتبي إزاي أصلاً ولا أعرف مين كتبها.
ريتاج: والله ما هو مكتوب سما. لو أنا مش عاجباك وما بقاش حاجة بالنسبالك، سيبني أحسن بدل اللي حضرتك بتعمله ده، عشان عيب أوي إنك تعمل كدا وأنت خاطب يا دكتور.
ثم تحركت من مكانها وذهبت لأخيها الذي ينتظرها أمام الجامعة.
لحق بها حازم، حاول أن يصل لها، ولكنها استقلت سيارة أخيها. فتوجه حازم إلى السيارة.
طرق بخفة على زجاج النافذة، فأنزله عصام ونظر له.
انحنى حازم ليبقي قريب منه، استند على السيارة وقال:
حازم: عيب عليك والله يا أبو نسب، بقيت هنا في الجامعة وما تجيش عندي أضيفك حاجة تشربها عندي في المكتب.
عصام بابتسامة مصطنعة: تتعوض مرة تاني.
حازم: يا راجل، مكتبي قريب، تعالي متبقاش بخيل، انزل.
عصام: كفاية انت كريم يا حبيبي. إن شاء الله المرة الجاية هتلقاني عندك، مش هلحق أوحشك عشان هتلقاني هنا كل يوم. يلا سلام عشان ورايا شغل. عاوز مني حاجة؟
وابتسم بالاستفزاز لحازم.
استرق حازم النظر لريتاج، ولكنها لم تنظر إليه. عاد بنظره لعصام دون أن يلاحظ عليه وقال بابتسامة باردة:
حازم: تنورني يا أبو نسب. يلا معطلكش، زمانك مستني من الصبح. يلا مع السلامة يا حبيبي.
شغل عصام سيارته وتحرك بها وهو ينظر لحازم الذي ينظر لهم. أشار له بتوديع وقال حازم:
حازم: سلام يا عصعص.
وابتسم عندما نظر له عصام بغضب.
خرج يوسف للحديقة عندما اتصل به مالك. أجاب عليه.
مالك: الو؟ إيه يا يوسف؟ في إيه؟ رنيت عليك امبارح ومردتش، إيه الحكاية؟
تنهد يوسف وقال:
يوسف: معلش، الدنيا كانت بايظة معايا امبارح معرفتش أرد عليك.
مالك: ليه؟ حصل إيه؟
يوسف: اللي حصل إني حظي فقري. بعد ما صدقت إننا اتجمعنا أنا وهي وبدأت تحن، طلع عليا تار. فقري أنا صح؟
مالك بقلق: بطل هزار بقى واحكيلي حصل إيه وليه طلبت أصوّرك القسيمة؟ أوعى يكونوا كشفوا اللعبة.
يوسف: بتكلم جد. عيلتها ليهم تار على عيلتي وعاوزين يخلصوه فيا.
مالك بقلق: تار؟ انت كويس؟ أنا جايلك.
يوسف: لا، خليك متقلقش، أنا كويس.
ثم أكمل له ما حدث.
مالك: طب وهتعمل إيه؟
يوسف: يومين وهاجي القاهرة، وهاجيبها معايا. مش هسيبها. أشوف نكمل علاجها هناك.
مالك: ربنا يشفيها يا رب. متقلقش، هترجع زي الأول إن شاء الله.
يوسف بحزن: يارب يا صاحبي.
مالك: فك يااد يا جو ومتزعلش، إن شاء الله كل حاجة هتتظبط.
يوسف: مش شايف حظي المنيل؟ أظبطها من هنا، تبوظ من هنا.
مالك: يا ابني، ده انت تحمد ربنا وتبوس إيدك وش وضهر إنك اتجوزتها. غيرك بيعافر وبيطلع عينيه عشان يكتب الكتاب ويستنى سنتين الخطوبة وبعدين يكتب.
يوسف: مين دا؟
مالك: حازم. تقولش حد دعا عليه وهو صايم ابتلاه بتلات مصايب يصعبوا عليه الجوازة.
يوسف: هو عنده تلات نسايب؟
مالك: آه، واقفين له ع الوحدة.
يوسف ببلاهة: هي اتحققت إمتى؟ أنا بقيت مستجاب بالسرعة دي.
مالك: إيه دي؟ انت بتقول إيه؟
يوسف: أصلي أنا اللي دعيت عليه يتجوز وحدة أخواتها كلهم ولاد ويقرفوه في عيشته، بس مكنتش أعرف إنه هيتحقق. هههههههه.
مالك: بتضحك؟ ده حازم هيحطك في البلاك ليست معاهم.
يوسف: ههههههه، لا خلاص، خليني قاعد هنا أحسن.
أنهى حديثه وتوجه لغرفة جميلة.
في المساء كان علي يجلس بغرفته يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، فوجد صديقه حاتم يكتب على الواتس أب: "دعواتكم لي بالشفاء العاجل، تعبان في دماغه وفاكر كل الناس طيبين".
ابتسم علي ثم كتب له:
علي: الجدع مع الجدع شطارة، لكن الجدع مع الكل خسارة يا أخويا. وبعدين قولتلك قبل كدا حاجتين في جسمك مرتبطين ببعض، قلبك وقفاك. تفتح قلبك تاخد على قفاك.
رد حاتم وقال: مش كانوا علمونا في المدرسة إزاي نتعامل مع الناس المنافقة بدل أعرب ما تحته خط.
أجاب علي وقال: كان يبقى أحسن والله. بس فكك يااد، متقلبهاش مناحة. كل ده على واحدة كانت مبتحبكش أصلاً.
رد حاتم وقال: للأسف، أنا حبيتها وهي محبتنيش.
أجاب علي وقال: يا ابني، أنت لسه مراهق، يعني يومين تلاتة بالكتير وتنسى اسمها. ولو شفتها مش هتفتكرها أصلاً.
أنهى علي حديثه وأكمل تصفح هاتفه على الفيسبوك، وجد منشور لشاب في جروب عام محتواه فيديو مكتوب عليه: "مستعد، لا مكان هنا لأصحاب القلوب الضعيفة". ضغط "علي" لمشاهدة الفيديو، فوجد مكتوب: "بلاش، افتكر إني قولتلك بلاش". بدأ الفيديو، كانت الخلفية مقابر وظلام فقط مع موسيقى رعب. تحرك شيء فجأة بسرعة، فاقترب الشخص المصور من المقبرة ببطء وازداد الرعب والحماس في الموسيقى. نظر علي للهاتف بدقة، وفجأة خرج شيء من المقبرة بسرعة يقفز في وجه الكاميرا. انتفض علي للخلف وقال بغيظ:
علي: أبو شكلك يا أخي.
بعدما وجد الشخص الذي قفز شخصية كرتونية بوجه لطيف يرقص ويغني: "مين اللي سرق الجزمة؟ اااااااااه، مين اللي سرق الجزمة؟". وفي نهاية الفيديو مكتوب: "مش قولتلك بلاش يا حته". ووجه مضحك. فكتب علي تعليق على المنشور وقال:
علي: يوجد في جسم الإنسان من 6.5 لتر من الماء، فلا تبخل بتفة على صاحب المنشور، وجزاكم الله خيراً.
ثم ترك الهاتف وتوجه لوالدته في المطبخ وقال:
علي: ماما، أنا جعان.
مديحة: ثواني والأكل يكون جاهز.
أخذ ثمرة تفاح من الثلاجة وخرج ينتظرها تعد الطعام.
بينما حازم كان بغرفته، اتصل بها كثيراً لم تجب عليه، فاتخذ قراره للذهاب إليها. أخذ مفاتيح سيارته وخرج من غرفته ليذهب. أوقفته والدته وقالت:
مديحة: رايح فين يا حازم؟ مش هتاكل معانا؟
حازم: لا، مليش نفس. كلوا انتوا، أنا نازل عندي مشوار.
مديحة: يا ابني، كله الأول وبعدها انزل.
حازم: معلش يا ماما، مستعجل. هبقى آكل لما أرجع.
ثم قبّل رأسها وخرج لوجهته. اتصل بها، لكن هذه المرة لم تقم بكتم المكالمة بل فصلتها بوجهه.
حازم: البت دي مخها حجر وهتغلبني معاها، ماشي يا ريتاج.
فأرسل لها رسالة وقال: ردي يا أستاذة وبطلي تكنسلي في وشي، لحسن وربنا أروح لأخوكي وأقوله إني بحبك وإنك بتحبيني.
أجابت بغيظ على مكالمته وقالت:
ريتاج: انت بتقول إيه؟ انت بتهددني؟ أنا مبتهددش يا حضرة الدكتور ياللي بيتبعتله جوابات غرامية.
أجاب حازم بقلة حيلة:
حازم: جوابات إيه يا ستي انتِ؟ والله ما أعرف عنه حاجة. وبعدين أنا لو عاوز أعرف بنات وأصاحبها مكنتش استنيت لما أخطب حضرتك وأصاحب. افهمي يا ترعة المفهومية انتِ. أنا بحبك انتِ.
زادت نبضات قلبها وكادت تلين، فتذكرت محتوى الرسالة التي وجدتها بمكتبه، فقالت:
ريتاج: اومال إيه اللي جابه في مكتبك؟
ثم تحدثت ببكاء وقالت: أنا عارفة إنك زهقت من تصرفات إخواتي ويمكن مني، بس لو سمحت يا حازم، لو عاوز تبعد، متستغفلنيش وتخليني أحس إني تقيلة ومليش مكان عندك.
حازم: انتِ بتقولي إيه؟ أنا كنت عارف إنك هبلة وهتقولي كدا. طب اطلعي بصي من البلكونة وانتِ هتعرفي ليكي مكان في قلبي ولا لأ.
ريتاج: قصدك إيه؟
حازم: بصي، أنا تحت بيتكم.
ريتاج: بتهزر؟
خرجت للشرفة تنظر للأسفل، وجدته أسفل منزلها يستند على سيارته وينظر لها بابتسامة زادته وسامة. فابتسمت وكادت تنسى كل ما حولها لوهلة، فقالت بتوتر:
ريتاج: امشي بسرعة، لحد يشوفك وتحصل مصيبة. امشي.
حازم: مش همشي غير لما تسمعيني الأول.
ريتاج وهي تنظر حولها: بعدين.. بعدين، مش وقته، امشي، لا أخواتي يعملوا مصيبة.
حازم: تمام، لو مش هتسمعيني، هفضل قاعد هنا للصبح، عادي. ولا أقولك، أدخل لأخواتك التيران اللي جوا، أصلهم وحشوني.
ريتاج: لاااا! خلاص اتكلم، هسمعك بس بسرعة.
ابتسم حازم بنصر وقال:
حازم: أولاً، الورقة اللي شوفتيها دي، أنا معرفش عنها حاجة ولا أعرف مين اللي بعتها. ثانياً، أنا مزهقتش منك ولا من إخواتك. أنا لو مش عاوزك في حياتي، كنت سبتك عادي، مش أروح أعرف بنات. عليكي الكلام ده مش في قاموسي ولا من طبعي، وأظن واضحة بالنسبالك إنك أول وحدة في حياتي وعارفة انتِ تبقي ليا إيه.
ابتسمت وتبخر حزنها، فتابع حديثه وقال:
حازم: خلاص، خلصنا كدا وكل حاجة وضحت. ولا أفرش وأقعد تحت بيتكم.
ضحكت بخفة وقالت وهي تنظر له بسعادة:
ريتاج: لا، وضحت خلاص.
حازم: طيب، همشي أنا عشان معملكش مشكلة. افتحي التليفون، ولو كنسلتي ولا فصلتي في وشي تاني، هتلقيني تحت بيتكم. ماشي؟ سلام يا جيجي يا أم راس حجر.
فصل المكالمة ولوح لها بيده، ثم استقل سيارته وغادر.
استندت بيدها الاثنين على سور الشرفة واستنشقت الهواء بسعادة وصدر رحب واسع.
دخلت غرفتها، دارت حول نفسها وهي تطير من السعادة وتراجع كلماته داخل عقلها مجدداً. تسطحت على سريرها تتصفح هاتفها، وكلما تذكرت حديثه ابتسمت.
وبعد فترة قليل رن هاتفها، وهي تمسكه، أخذت ترمي الهاتف بين يديها بتوتر، ثم أخيراً تغلبت على توترها وأجابت عليه.
حازم: الو، السلام عليكم. في حد هنا؟
أجابت بخجل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
حازم: المجنونة هديت ولا عاوزة شرح زيادة مني؟
ريتاج بحنق: على فكرة أنا بفهم من أول مرة، مش هبلة يعني. وكمان مش مجنونة.
حازم: هههههههه، خلاص يا ستي، أنا المجنون. مجنون بيكي.
لم تستطع التحدث من الخجل وفضلت الصمت. ثم غير حديثه وتحدث معها عن دراستها، وفي نهاية حديثه قال بتعجب:
حازم: مالك يا ريتاج؟ حاسك متغيرة. هو أنا قولت حاجة من غير ما أقصد وضايقتك؟
ريتاج: لا أبداً، أنا زي ما أنا أهو.
حازم: مش عارف، بس أحيانا تتكلمي كتير وتضحكي وتهزري، وأحيانا تسكتي خالص ومتتكلميش معايا.
ريتاج: لا لا، ما فيش حاجة. أنا لما بيكون عندي كلام بقوله، ولم ميكنش بسكت.
حازم: طيب، الحمد لله. طمنيني عليكي. هقفل أنا دلوقتي، عاوزة حاجة؟
ريتاج: لا، شكراً. انت وصلت البيت؟
حازم: ااه، يلا مع السلامة.
ريتاج: مع السلامة.
ابتسمت وقالت: تصبح على خير.
حازم: وانتِ من أهلي.
خجلت وألقت الهاتف على السرير من هزل مشاعرها التي تزداد في قلبها له.
في منزل عائلة الدسوقي في المساء.
كانت ريتال في شقتها تقوم بغسل الملابس ومالك ينهي عمله على الحاسوب وهو يجلس على الأريكة.
أنزلت سلة الملابس، التقطت أنفاسها وهي تضع يدها على ظهرها الذي ألمها، ثم عادت لتحمل الملابس لنشرها.
أوقفها مالك وقال:
مالك: تقيل عليكي يا حبيبتي.
ريتال: عادي، هعمل إيه يعني عشان أخلص.
مالك: لا، مش عادي يا روحي. مفروض تاخدي بالك ومتشيليش حاجة تقيلة. افرض كنتي حامل هنعمل إيه ساعتها.
ريتال بخجل: انت إزاي واخد بالك من الحاجات دي وعرفتها إزاي أصلاً؟
مالك: هههههه، يا حبيبتي، أنا جوزك ولازم آخد بالي منك.
حمل سلة الغسيل وقال:
مالك: ويا ستي أنا اهو معاكي، هساعدك. عاوزة تحطي سلة الغسيل دي فين؟
ريتال بابتسامة: في البلكونة عشان هنشرهم.
ابتسم لها مالك وذهب ووضعه حيث قالت. نظرت له بابتسامة واسعة، فقال:
مالك: لا يا حبيبتي، لحد هنا وستوب عشان عقلك ميصورلكيش إني هنشر أنا الغسيل.
ريتال: هههههه، لا طبعاً، ده حتى مجرد التفكير في كدا مضحك. كفاية إنك شيلتيلي السلة ههههه.
جلس مالك مقابلها على المقعد وأمامه الطاولة يتحدث معها وهي تنشر الملابس.
مالك: الجو حلو في البلكونة، هروح أعملنا شاي بالنعناع وأجي نكمل كلامنا.
وبعد قليل أتى مالك ومعه أكواب الشاي. وبعدما انتهت ريتال جلست معه وارتشفت الشاي ثم قالت:
ريتال: تسلم إيدك.
مالك: بالهنا يا قلبي.
ابتسمت ريتال وأكملت احتساء الشاي برفقته في هدوء الليل وسطوع نجوم السماء. نظرت للسماء وله، ثم وضعت الكوب من يدها وقالت بتساؤل:
ريتال: مالك، هو أنت مستعجل على الخلفة؟
مالك: لا، عادي يا حبيبتي. الموضوع ده بإرادة ربنا. بس انتِ عارفة إني بحب العيال، فعشان كدا بتكلم عنهم ومتحمس إني أشوف عيالنا.
لمعت عيناها وقالت:
ريتال: مالك، هو إحنا لو مخلفناش هتفضل تحبني ولا هتسبني؟
نظر لها بتعجب. وأخفضت رأسها.
مالك: إيه دا؟ انتِ بتعيطي؟
اقترب، جلس بجوارها، ضم رأسها لصدره، وضحك بخفة وهو يقول:
مالك: يا عبيطة، وأنا اللي كنت فاكرك كبرتي وعقلتي.
وضع يديه الاثنين على وجهها ونظر في عينيها وقال:
مالك: مش معنى إني بحب الولاد هتخلي عنك. لو ربنا مرزقناش بيهم، الحاجات دي بإيد ربنا. وبعدين اللي بيني وبينك مش الولاد بس، اللي بيني وبينك حب ومودة ورحمة. والولاد هيقوّوا الصلة دي. وحتى لو ما جوش، أنا هكتفي ببنتي الأولى والوحيدة.
ثم قبّل جبينها بحنان. نظرت له وما زالت الدموع بعيونها وقالت:
ريتال: أنا حاسة إني مش هعرف أكون أم كويسة، ولا هعرف أتعامل معاهم زي أي أم.
مالك: يا قلبي، مين قال كدا؟ ده إنتِ أجمل وأحلى أم في الدنيا. وعلى فكرة، هتكوني أم حنونة وكيوت أوي ومش عصبية، بس أم مفترية ومستبدة ههههه. بتخلي زياد ياكل خضار مسلوق ههههه.
ضحكت معه ريتال. أكمل وقال:
مالك: مش قادر أنسى الحلم ده أبداً، ولا الحلم إياه خالص. ههههههه.
ريتال: بتضحك ليه؟ وإيه الحلم إياه؟ حكيتلي عنه قبل كدا.
مالك بابتسامة: لا، ياااه على أحلام شرم دي كانت أحلام. كنت كل ما أغمض عيني أحلم بيكي، وكله كوم والحلم اللي حلمته أول يوم لما وصلنا شرم.
ريتال: ده في شهر العسل؟
مالك: لا، لما كنا مسافرين عشان الشغل.
ريتال بفضول: طب احكيلي، كنت بتحلم بيا بإيه؟
مالك: بلاش، لحسن تفهميني غلط.
ريتال بتعجب: أفهمك غلط ليه؟ ده حلم يا مالك، هو انت اللي هتألفه؟ احكيلي بس، ومليش دعوة.
مالك: حلمتك بتصحيني عشان أقوم أفسحك في شرم، وأنا كنت نعسان وعاوز أنام. مرضيش أصحى، روحي زعلتي مني وكنتي هتمشي، وأنا وقفتك وصالحتك.
ثم أكمل لها بقية الحلم.
اتسعت عيون ريتال وقالت:
ريتال: يا قليل الأدب.
مالك: هههههه، ما قولتلك بلاش. بس تعرفي، حسيت بتأنيب الضمير، كنت بقوم مخنوق من نفسي أوي وأحاسبها على أي شيء، حتى لو مجرد حلم. استغفرت كتير لأني كنت بشوفك في أحلامي بشعرك، وعشان بو.ستك، وفي الوقت ده كنت شايفك أختي. وغير كدا، كنت بشوفك كل يوم قدامي وخايف إنك تعرفي حلمت بإيه. متخيلة صعوبة موقفي؟
ريتال: يا لهوووي، ده لو أنا اللي حلمت، مكنتش هقدر أشوفك تاني. يادي الكسوف. عشان كدا كنت متغير معايا وبتتجاهلني؟ وقف صعب الصراحة.
مالك: كانت إشارة إنك هتكوني ليا.
ثم تنهد وقال: مكنتش أعرف إنك في اليوم اللي دخلتي فيه أوضتي وكسرتي لعبتي هتبقي نفسي اللي بتنفسه.
ابتسمت ريتال على هذه الذكرى وقالت:
ريتال: ساعتها خوفتني، كنت بخاف آجي لمك ولا أعدي من جنب أوضتك أصلاً.
ضحك مالك بخفة وقال:
مالك: وكنتي بتروحي أوضتك إزاي من غير ما تعدي جنب أوضتي؟ هههههه.
ريتال: ما هو عشان أوضتي جنب أوضتك، مكنتش بهوب ناحيتها هي كمان. كنت بفضل قاعدة معاهم برا لحد ما أنام وأصحى ألاقي خالو وداني أوضتي.
مالك: ههههههه، أنا اللي كنت بشيلك وأجيبك أوضتك وأحطلك الشوكولاتة تحت المخدة.
ريتال بتعجب: انت! مش مصدقة. ده انت كنت بالنسبالي وحش الأطفال ساعتها قبل ما نبقى أصحاب.
مالك: هههههه.
ثم تحدث بجدية وقال: مش عارف كنت بتعامل معاكي كدا ليه، بس من ساعة اليوم ده وأنتِ بقيتي بالنسبالي بنتي ومسؤلة مني، رغم إني كنت صغير يومها، بس معرفش إزاي لعبتي في إعداداتي وخلبطيها مع أول حضن حضنتهولي لما دافعت عنك وزعقت لمنال عشان زعلتك. هههههه.
ضحكت ريتال أيضاً وتذكرت طفولتها معه.
ريتال: بقالنا فترة مقعدناش كدا. الفترة اللي فاتت كنت مشغول أوي في الشركة والشغل خدك مني.
مالك: معلش، كنت مضغوط في الشركة، والقرية اللي في شرم زودت عليها شوية حاجات وهي قيد التنفيذ. لكن مهما الشغل ياخدني ويشغلني عنك، أنتِ في قلبي. كفاية بنسي تعبي وهمي لما أرجع البيت، آخدك في حضني وأنام وأنا مطمن إنك جنبي ومعايا.
ابتسمت له بحب.
رواية بعد فقدان الامل الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم مروة فتحي
مر أسبوعان، تحسنت صحة جميلة، واستطاع يوسف أن يصلح علاقتها بوالدها، وتحسنت الأمور إلى حد ما. كان يوسف يخرجها للحديقة لتستنشق الهواء، وكتغيير جو، بدلاً من بقائها طيلة الوقت في الغرفة. كما أنه عاد يتعامل معها مثلما كان من قبل، يمزح ويمرح، وهذا ساعد في تحسنها لشعورها باهتمامه وفعله لأي شيء لأجل إسعادها.
"شكراً أوي يا يوسف على كل اللي عملته معايا، أنا مش عارفة أشكرك إزاي."
قاطعها يوسف وقال بمرح:
"حبيني، وكده يبقى شكرتيني وزيادة."
ابتسمت جميلة بخجل وقالت:
"يوسف، أنت..."
قاطعها وقال:
"يوسف إيه؟ أنا جريت وراكي كتير، جه دورك أنتِ اللي تجري ورايا يا جيمي."
وحرك أصبعيه على وجنتها.
أرادت الهرب من نظراته، فطاوعها الحظ، فإذا بالباب يطرق، وبعدها دخل الجد ببطء، ينتظر رد فعل حفيدته، هل ستتقبله مثلما تقبلت أباها وتسامحه، أم تصرخ وتعود لنوبة صراخها وهلعها منه. تقدم عندما وجدها صامتة، لم تصرخ ولا تبكي.
"كيفك دلوك يا بتي، عاملة إيه."
وجلس بجوارها. ابتعدت قليلاً بعيداً عنه، ونظرت له بتعجب لنبرة صوته وحديثه. نظرت ليوسف وكأنها تستمد الأمان منه وتحتمي به من جبر وقسوة جدها. ولكن حدث ما كسر توقعاتها عندما تحدث الجد وقال:
"عارف إنك زعلانة مني، ويمكن معودتيش تحبيني، بس أنا مقدرش على زعلك مني. أنتِ وأبوكي، كفاية اللي راح مني، متبعدوش عني أنتوا كمان. أنا جدك يا جميلة، أقر إني غلطت في حقك وحق أبوكي. أبوكي مالهوش ذنب يا بتي، أنا اللي غصبته يتجوز سامحيني يا بت ولدي، سامحيني. مش عاوز أموت وأنتوا لساكم زعلانين مني."
ثم تساقطت دموعه. نظرت جميلة ليوسف لتستشيره، هل تفعل ما خطر ببالها أم لا، وكأنها طفل صغير يستشير والده قبل فعل أي شيء. أومأ يوسف برأسه كتشجيع لها.
"خلاص يا جدو، أنا مسامحاكم كلكم. أنا مش زعلانة منكم خلاص."
نظر لها ليتحقق مما سمع منها، فقالت:
"أنا خفيت خلاص ومبقتش زعلانة من حد. انسى اللي فات و..."
قطعت حديثها عندما التقطها بين أحضانه. نظرت بصدمة ليوسف، ثم نظرت لجدها الذي يحتضنها بحنان. لا تصدق كم الحنان واللين الذي يملأ قلبه وحرمت منه. فانسابت دموعها دوناً عن إرادتها. ابتعد الجد وقال وهو يمسح دموعها:
"سامحيني يا بتي، سامحيني. وأنا هعوضك على كل السنين اللي راحت. عاوز أعوضك قبل ما أموت، عاوز أشوف الفرحة على وشك أنتِ ومحَمد."
"متقولش كده يا جدو، ربنا يخليك لينا. طبعاً مسامحاكم، أنا سامحتكم من زمان أصلاً."
ابتسم الجد بسعادة والتقطها بين أحضانه مجدداً بحب وحنان. ابتسم يوسف وتذكر عائلته، فخرج من الغرفة ليترك لهم بعض المساحة الشخصية. تحدث مع شقيقته وطفلها لأنه اشتاق لهم، فهم منذ فترة ليست بالقليلة خارج البلاد، سافرت مع زوجها لمحل عمله. وبعدما انتهى، عاد الغرفة، وجد الابتسامة والسعادة على وجه جميلة والجد.
"جهز نفسك ياااد المصري، فرحك بكرا."
"والله حضرتك الرأي رأي جميلة، أنا معنديش مشكلة لو هي موافقة، فـ أنا موافق طبعاً."
"حضرتك! إيه ياااد؟ قولي يا جدي كيف ما كنت تقول. هو أنا مش جدك برضو ولا إيه."
"طبعاً يا جدي، دا شرف ليا."
"زين، يبقى فرحك بكرا إن شاء الله وجميلة موافقة. هسيبكم أنا وأروح أخلي الرجالة يجهزوا الصوان للفرح."
ابتسم يوسف ونظر لها، ثم قال بتذكر:
"جدي."
استدار إليه الجد، فقال يوسف:
"ينفع نأجله لبعد بكرا عشان على بال ما أقول لناسي في مصر."
"بكيفك يا ولدي، أومال ده لازم تتصل تقولهم ييجوا والبيت مفتوح ليهم، يا مرحب بيهم ينوروا يا ولدي."
"شكراً يا جدي، أنا مش عارف أقولك إيه."
"متقولش يا ولدي، أنا اللي لازم أشكرك. اللي عملته معانا ومع بت ولدي مش قليل."
ثم احتضنه ورّبت على ظهره. نظر لهم بسعادة ثم غادر الغرفة.
***
في المدرسة الثانوية، كان علي ورفاقه يجلسون سوياً في استراحة الغداء. رن هاتف أحمد، فأخذ هاتفه وابتعد عنهم قليلاً.
"شُكمان الصبر مفوّت، أكمن حبيبتي احلوّت."
"بس ياااد."
وبعد قليل عاد وهو حزين بعض الشيء.
"مالك؟ نكدت عليك ولا إيه؟"
"يا خيبتك لما تكون واثق إنك ما تهونش وتهون. قالتلك خلينا أخوات، صح؟"
"آه."
ثم زفر ونظر للأمام بلا مبالاة.
"ههههههه، قالتلك خلينا أخوات؟ هههههه، لا لا، أكيد حِتو عداك."
وبعد قليل قال عندما لاحظ عبوس وجه رفيقه:
"إيه دا، أنت زعلان ولا إيه؟"
"لا أزعل إيه، الواحد خلاص مبقاش حاسس بأي إحساس من الإحساس اللي كان بيحسها أيام ما كان بيحس..."
"علي" بخفة على كتف أحمد وقال بمرح:
"يا ابني، قلتها لحاتم قبل كده وهرجع أقولهالك تاني. لا عنتر اتجوز عبلة، ولا قيس اتجوز ليلى، ولا حتى روميو اتجوز جولييت. وحتى كلمة مرتبطين، أولها "مر" وآخرها "طين". فاتهدوا بقى، هو أنتوا عايزين توجعوا راسكم وخلاص؟"
"أيوا يسطا، ما أنت مش كرفرلك قبل كده عشان تجرب والدنيا ماشية معاك زي السكينة في الحلاوة."
"هههههه، كفاية اتنين بائسين في الشلة. أنا اللي يكرفلي بقول لنفسي، سيبك، اللي خلع كان فقري ومش وش دلع. وانسي هي مين أصلاً يا ابني. أنا لما هتجوز هتجوز واحدة تحبني وأحبها، مش واحدة بتجري ورا الفلوس والمال. دي متربيالكش عيال يا أخويا، اسمع مني. وده درس جديد علمتهولكم ببلاش. يلا بقى نروح الكنتين."
"يسطا، ما أنت ماشي تحب كل البنات؟ إيه هتتجوز كل اللي بتكلمهم ولا إيه حكايتك."
"بص يا عزيزي، كن كريمًا وأسكن جميع الخلق في قلبك، ثم خذ قلبك كله و امنحه شخصًا واحدًا يستحقه. فهمت يا آشك."
"آشك إيه؟ ومالك بتقولها بلسان معوج كده."
"هههههه، دي كلمة تركي، لغتي الجديدة اللي بتعلمها."
"يا جدع، علي بيطور نفسه وبيتعلم تركي؟ أنا مش مصدق عيني، قصدي وداني."
"يا ابني، إحنا في عصر التكنولوجيا والسرعة، لازم تطور نفسك وتنفتح على العالم وتتعرف على الثقافات حواليك."
"الكلمة اللي قولتهالي معناها إيه؟"
"معناها 'حبيبي'."
"متأكد يعني مش شتيمة ولا حاجة."
"لا يا راجل، شتيمة إيه بس."
"اشطا، طب اتكلم تركي كده."
"'Günaydın' يعني صباح الخير، و 'Hoşgeldiniz' يعني أهلاً وسهلاً."
"طب لو عايز أرد عليك بالتركي أقولك إيه؟"
"'Hoşbulduk' يعني أهلاً بك."
"يعني أهلاً وسهلاً (هوش قالديناز) وأهلاً بك (هوش بولدوك)... نطقتهم صح كده؟"
"Evet."
"يعني إيه؟"
"يعني أيوه، نعم."
"من بكرة هروح أتعلم تركي، الموضوع حلو، حمسني."
"أنا عرفت بتلفت البنات إزاي يا صايع، بتتكلم معاهم بالتركي عشان يحبوك، والبنات بتموت في التركي."
"هههههه، طب يلا ياااد نجيب أكل قبل ما الجرس يرن، خلينا نلحق ناكل."
توجه الشاب لإحضار الطعام، وبعدما أحضروه، جلسوا سوياً على المقاعد أسفل الشجرة وهم يضحكون. قطع ضحكهم عندما أتى الشاب معاذ ومعه رفاقه. نظر لهم بتوعد وغيظ، ثم جلس مقابلهم. فتصرف علي وكأنه لم يره من الأساس، وأكمل تناول طعامه، بينما حاتم غضب من استفزاز الشاب له.
تحدث علي وهو يمسك حاتم، يمنعه من التوجه لذلك المعتوه الذي يستفزه:
"أهدي، ده بيستفزك عشان تقوم تضربه في المدرسة وتأخد فصل عشان يلبسك السنة. فـ أهدي كده وكأنك مش شايفه، ماشي؟ كمل أكلك يا زميكس."
ثم قطم على من الساندويتش الذي بيده، ونظر للشاب مقابله وهو يبتسم. وهذا أثار استفزاز الشاب، فقال الشاب لعلي:
"والهدوء اللي أنت فيه ده، غرور ولا ثقة بنفسك؟"
نظر علي حوله، ثم قال ببرود:
"الكلام ده ليا أنا."
"أيوا أنت يا حبيبي. مش عامل فيها زعيم العصابة ونافخ سدرك."
"كسل وحياتك يا غالي."
نفخ الشاب بغيظ عندما تذكر شجاره معهم بعد دوام المدرسة، فجهز عدد أكبر من أصدقائه ليرد لهم الشجار والضربات التي تلقاها هو وأصدقاؤه منهم. فقال بغضب:
"وديني لأخليكم تزعلوا وجامد كمان يا ننوس أنت وهو."
"هههههه، ألحق! ده بيقولك هيزعلنا جاامد. لول، حِتو سمعتوا اللي أنا سامعه ولا أنا بيتهيألي إن دبانة بتزن؟ أكيد دبانة رزلة بتزن."
توجه الشباب بغضب نحو الثلاثي المرح بتحفز. أوقفهم علي وهو يضع يده على كتف معاذ وقال:
"بص يا حبيبي عشان أنا..."
ثم تحدث اللغة التركية وقال:
"سيني هيج سيفميووم" (لا أحبك أبداً). لله في لله كده من الأول، وعشان أنت "آداب سيز" (قليل الأدب) وعايز تتربي، ولأنك "آلجاك" (واطي)، حبيت البنت اللي صاحبك بيحبها، ودا لأنك واحد "تشيركين" (قبيح). ومن الآخر، ابعد عننا لو مش عايز أنت تزعل. سمعت يا "آشك أولو آشك".
وبعدما انتهى من حديثه، قال باللغة التركية:
"Evet."
نظر له الشاب باستغراب لتلك الكلمات التي تحدث بها، نصف الحديث عربي والنصف الآخر بلغة يجهلها. ولكن، رغم جهله لتلك الكلمات، أدرك أنه يسبه ويوجه له الشتيمة صراحةً. فقال بغضب:
"تمام، أنتوا اللي طلبتوه. استنوني بقى بعد المدرسة ونشوف مين هيزعل مين يا عم الأمور. فاكر نفسك من أوروبا عشان برطمتلي كلمتين إنجليزي؟ فاكرني مش فاهم ولا إيه."
تدخل أستاذ بينهم عندما أخبره أحد الطلاب، فقال:
"خير يا شباب، إيه اللي بيحصل هنا؟ أنتوا بتتخانقوا ولا إيه؟"
"أبدا يا مستر، ده أنا بكلم معاذ بالتركي، فكرني بشتمه وزعل مني، فـ بترجمله. قولت إيه؟"
ثم نظر لمعاذ وقال:
"'Hoşça kal' معناها مع السلامة، مش شتيمة يا ميزو هههههه."
ابتسم الأستاذ وقال:
"اتعلمت تركي امتى يا علي؟"
"من فترة قريبة كده، وقولت أتكلم بيها مع زمايلي عشان تثبت معايا، وادي حاجة بنتعلمها، يمكن في يوم من الأيام أسافر تركيا، مين عارف."
ربّت الأستاذ على كتف علي وقال:
"برافو يا علي، لازم تطور من نفسك ويبقى عندك لغة عشان لما تسافر برا مصر تعرف تتواصل مع الناس وتحقق ذاتك."
"حضرتك بتعرف تتكلم تركي؟"
"يعني مش أوي، قول نص ونص. مهتمتش بيها أوي، اهتميت بالإنجليزية أكتر، ودخلت تربية عشان أدرسها. طيب، أمشي أنا بقى، مدام الدنيا تمام. شدوا حيلكم السنة دي، آخر سنة، يعني هتحدد كل واحد فيكم عايز يروح فين وطموحه إيه. سامعين يا ولاد؟ وبطلوا لعب عيال شوية، أنت كبرتوا وبقيتوا رجالة. عاوز أشوفكم ناجحين ومحققين أحلامكم، ماشي؟ يلا، السلام عليكم."
رد الطلاب السلام. رحل معاذ وأصدقاؤه بعدما نظر بحدة لعلي وأصدقاؤه، الذين ضحكوا. فتحدث حاتم وقال:
"ترجملي بقى قولته إيه من الألف للياء."
"هههههه، يا ابني أكيد شتيمة، ما شوفتش بيقوله أنت عايز تتربي؟ أكيد الكلمة التركي اللي بعدها شتيمة يا غبي."
"هههههه، حصل. نبيه الواااد ده."
ثم ترجم لهم ما قاله بالضبط، ونسي شيء لم يأخذ احتياطه.
"آخر حاجة قولتهاله قبل ما المستر ييجي، ترجمتها إيه؟"
"Evet؟!"
"لا اللي قبلها."
"آه تقصد 'آشك أولو آشك'."
"آه، يعني إيه؟"
"حمار ابن حمار."
"إيييه؟!"
"مش أنت! يخرب بيتك، دي ترجمة الجملة."
"هههههههه، والله أنت يا علي طلعت مش سهل، وأول ما المستر جه قولتلُه بقوله مع السلامة هههههه."
"لا بجد، كلمة 'هووش كال' معناها مع السلامة."
دقائق استغرقها حاتم في التفكير وربط الكلمات ببعضها، ثم قام كالملسوع يصرخ في علي وهو يقول:
"يا كلب البحر يا علي! بقي أنا تضحك عليا وتقولي يا حمار ومفهمني إنها حبيبي؟ يا أخي حبك برص!"
ركض علي وهو يضحك بصخب، وحاتم يركض خلفه يتوعد له. ركض خلفهم أحمد وهو يضحك عليهم.
"يا ابن اللعيبة يا علي، ده أنت طلعت زعيم هههههه."
توقف علي يلتقط أنفاسه، فأمسك به حاتم وقال:
"بقي بتستغفلني ياااد؟ ده طلع معاهم حق اللي قالوا المحامين يتخاف منهم بجد، عشان ديابة ومكارين زيك يا كلب."
"هههههههه، كلب! يا حيوان، ده أنا كنت بهزر معاك، وبعدين أنت تطول يبقى معاك صاحب محامي يا جزمة؟ ده اللي صاحبه محامي يبقى ضهره محمي يا بتاع حنان هههههه."
ضحك أحمد وقال:
"لا، إحنا كده ضمنّا مستقبلنا مع حضرة المستشار علي، اللي هيبقى في ضهرها وضهر الغلابة هههه."
"أومال يا حبيبي، ألعب بالنار ومتلعبش مع المستشار."
"اضررررررب هههههه، يااه، عليك حِكم يسلام."
ثم غمز لحاتم وقال:
"حنان مين ياااد؟ مش كان اسمها ريناد؟"
"لا، ما دي اللي بعدها."
"أنت لحقت ياااد؟ مش كنت بتمووف اون."
"لا، ما هو بيموف اون منهم هما الاتنين دلوقتي هههههه."
"يا سلام على الدم. إلهي تفركش يا علي أنت والبت بتاعتك يارب."
ضحك علي وقال:
"ياااد متبقاش بصرم، بقي بطل نق. الله..."
ولم يكمل حديثه، فوجد رسالة على هاتفه من صديقته محتواها أنها تريد الانفصال عنه. قرأها علي، ثم نظر لأصدقائه، فاقتربوا منه ونظروا للهاتف، ثم أعادوا النظر إليه مجدداً، وانفجر ثلاثتهم في الضحك، حتى سقطوا أرضاً من الضحك.
"نقيت فيها يا عم حِتو، أهو بقينا تلات متاعيس بائسين ضايعين."
"متنساش صيع وهنروح القسم عند أدهم جوز أختي، شكله بيحبني موت، كل يومين لازم أكون عنده هههههه."
"هههههه، وزود أننا هنبقى مشردين كمان. أنا بعد خناقة المرة اللي فاتت أبويا قالي لو اتخانقت مع حد تاني مش هيدخلني البيت."
"ابقى تعالي عندي."
"ده على أساس إن أبوك وإخواتك هيدخلوك أنت البيت يا فالح لو سقطت وعدت السنة."
"خلاص، نيجي نبات عندك أنت."
"أوماله، أهو ألقي حد يونسني في الزنزانة اللي هيحبسني فيها أخويا وجوز أختي الغالي هههههه."
"يعني إيييييه؟ مستقبلنا وشبابنا ضاع؟ اااه يا زهرة شبابي يا أما."
"هههههه، متقلقش يزميكس، العبد لله موجود."
"إيه يا زعيم، والخناقة اللي بعد ساعتين دي إيه؟ هنعمل فيها إيه."
"هنحلها ودي ونمشي الأمور. ونلم نفسنا كده ونلم المواد اللي علينا عشان الامتحانات قربت، خلي السنة تعدي على خير، ماشي زميكسات؟ وفكنا بقى من حنان وبتنجان، تمام يا جدعان."
وضعوا أيديهم في يد واحدة وقالوا:
"تمام يا زعيم."
"بانانا."
"إيه؟"
"بطاطس سوري وبانيه... بهزر.. بهزر، ده أنا اللي مقرّر القرار ده، إزاي منفذوش؟ ههههههه."
دق الجرس يعلن عن انتهاء وقت استراحة الغداء، فعادوا للفصل خاصتهم للاستماع لحصة اللغة العربية.
***
في المساء، أخذ يوسف جميلة لحقل الأرض لتغيير جو ولتحسين نفسيتها. ساروا معاً وسط الأراضي الزراعية الخضراء والهواء المنعش. أغمضت عينيها وبسطت ذراعيها تستقبل الهواء بسعادة، وكأنها أصبحت طير حر طليق بدون قيود تقيده. فتحت عيونها، وجدت يوسف ينظر لها والسعادة تبدو في عينيه. ابتسم لها، فأصبح أكثر جمالاً في عينيها. استمرت بالنظر إليه وهي تتذكر ما فعله وقدمه لأجلها. استفاقت على قوله:
"عارف إني حلو ومسمسم."
نظرت له بخجل، فقال:
"أنا مش هقبل أقل من إنك تجري ورايا وتطلبيني للجواز، أه، أصلي أنا ياااما جريت وراكي عشان أنول الرضا."
رفعت إحدى حاجبيها.
"ما تبصليش كده، خلاص موافق أتجوزك من غير ما تتقدميلي بنفسك."
ضحكت جميلة، فنظر لها بابتسامة ترتسم على وجهه لرؤية ضحكتها من جديد.
"يوسف، أنتِ موافقة بجد إنك تبقي مراتي؟ يعني عندك مشاعر ليا؟ بصي، أنا مش هغصبك على حاجة، ولو مش موافقة، أنا ممكن أكلم جدك وأقوله إني مش موافق لو مش عاوزاني في حياتك و..."
قطع حديثه ونظر لها بصدمة وهو يراها تسكن أحضانه. ارتفعت نبضات قلبه وهو يشعر بها تحتضنه.
"أنا موافقة يا يوسف، وقولت الكلام ده لجدي. أنا موافقة نعمل فرحنا وأكمل حياتي معاك. شكراً أووي على كل اللي عملته معايا، أنا مش عارفة أشكرك إزاي وأقولك إيه."
"متقوليش، أنتِ بالنسبالي أكبر وأحلى هدية جاتلي. أنا يكفيني إنك معايا يا جميلة ومش عايز حاجة تاني."
"بسببك عيلتي رجعتلي وعلاقتي بيهم بقت أحسن. شكراً أوي يا يوسف، أنت أحسن حاجة حصلتلي في حياتي."
لف يوسف ذراعيه حولها وقال:
"وأنتِ عوض السنين يا جيمي. أخيراً حسيتي بيا وبمشاعري."
ارتبكت، ثم ابتعدت عنه بخجل وقالت بتوتر:
"أنا... أنا آسفة، مقصدش أعمل كده."
"عادي عادي يا حبيبتي، أنا جوزك، احضنيني براحتك، ولا يهمك."
"إيه؟!"
"احترم نفسك."
"الله! هو أنا قولت إيه؟ ده حضن مش حاجة يعني. وبعدين أنا جوزك، ده أنتِ تحمدي ربنا إني محترم نفسي وأنتِ مش مقدرة ده. أنا لما ببص في عينيكي بتوه وبغرق، وأنتِ ولا في بالك يا حجة."
تحركت بعيداً عنه وابتسمت، وعندما لاحظت أنه كاد يصبح بجوارها، أسرعت بالخطى حتى دخلت المنزل وهربت من أمامه سريعاً. اتبعه يوسف، وجدها دخلت المنزل، لا يعلم كيف اختفت بهذه السرعة، ومنذ قليل كانت أمام عينيه. دخل المنزل وهو يبتسم، فوجد حسن بالحديقة الأمامية للمنزل، فتوجه للسلم المؤدي لباب المنزل، ولكن توقف على صوت حسن يناديه. اقترب يوسف منه، وانتظر أن يخبره ماذا يريد منه.
"سمعت إن جدي حدد فرحك أنت وبتك عمي بعد بكرا، مبروك."
"الله يبارك فيك."
ثم تحرك من أمامه.
"وقف مستعجل ليه يا ولد العم."
استدار يوسف وقال:
"نعم؟ عايز تقول حاجة تاني يا أبو علي."
"إني عارف إنك زعلان مني على أسلوبي وكلامي معاك، وغلطان عشان حكمت على بت عمي من غير ما أعرف الحقيقة، متزعلش مني إني كنت غلطان."
"لا طبعاً مزعلتش. أنا عارف إنك قليل الذوق ومش متربي وعندك مشاكل نفسية ومقدر ده."
عبس وجه حسن وقال بغيظ:
"أكده؟ طب والله إني جيت أراضيك."
كاد يرحل، فأوقفه يوسف وقال بمرح:
"وقف بس يا أبو عمو، بضحك معاك، متبقاش قافل. أومال."
ثم ضيق عينيه وقال:
"لكن لو طلعت غشيم زي ما أنت وهتكمل اللي بدأته، فـ اعذرني يا ابن عمي، جميلة دلوقتي مراتي ومش هسمحلك تبصلها، فاهم؟"
ضحك حسن وقال:
"مقدرش أرفع عيني وأبص لبت عمي، جميلة خلاص بقت أختي وعلى ذمة راجل. وأظن أنت خابر زين إن اللي خرب ما بينا وبين بت عمي هي مرت عمي، وكانت مفهمانا عنها حاجات مش زينة، وإني كنت أنعمل أكده عشان أحافظ على سمعة وشرف العيلة. إني مش وحش لدرجة دي عشان مصنش بت عمي اللي من دمي ولحمي وأحميها. جميلة دلوك أمانتك يا ولد البندر."
ربّت يوسف على كتف حسن وقال:
"كنت عارف إن جواك إنسان بيحس زينا، مش الهمجي اللي كنت مصدرهولنا."
ربّت حسن بقوة على كتف يوسف وقال:
"تحب تشوف الهمجي اللي صوح."
"هههههه، لا وعلى إيه يا عم، ده إحنا لسه اللي متصالحين."
"زين. جميلة عاملة إيه دلوك."
"الحمد لله، أحسنت كتير عن الأول. ولما نسافر القاهرة هتابع معاها الكشف مع دكتورة هناك، وإن شاء الله هتخف نهائياً."
"ربنا يشفيها ويعافيها يارب."
"يارب. أنا مبسوط إنك اتغيرت يا حسن."
ابتسم حسن وقال:
"هروح أنا دلوك أشوف العيال، عاوز مني حاجة لو محتاج حاجة قولي، اعتبرني أخوك، متتكسفش."
ابتسم يوسف وقال:
"تسلم يا حسن."
تحرك حسن بعض الخطوات تجاه البوابة الرئيسية للمنزل ليخرج، فأوقفه يوسف وقال:
"حسن."
نظر له حسن، فتابع يوسف حديثه وقال:
"على فكرة، جميلة كانت رافضة الجواز عشان خايفة على عيالك، مكنتش عايزة أخوك يكسر خاطرهم هما والمدام عشانها. محبتش إنهم يعيشوا نفس اللي هي عاشته، وتبقى سبب في بعد أمهم عنهم."
نظر له حسن بتفهم وتقدير لابنة عمه، وقال:
"قول لجميلة حسن بيقولك متزعليش مني يا بت عمي، حقك عليا. قولها بيت الدهشانة مفتوحلك العمر كله يا خيتي، وأبوكي وجدك وعمك وإخواتك في ضهرك وانتظارك طول العمر."
ابتسم يوسف بحب أخوي وتقدير لما قاله حسن، فابتسم له حسن ثم غادر. توجه يوسف لداخل يبحث عن جميلة، حتى وجدها بالغرفة بالطابق الأرضي. دخل وهو يبتسم، عليها تدندن بكلمات أغنية. دخل الغرفة وهي لم تلاحظه، فكانت منشغلة بالتفكير. تركت ما بيدها وقامت من مكانها تدور حول نفسها وهي تغمض عيونها وتحرك يداها بغنج على ألحان الموسيقى التي تدندنها. ابتسم واقترب عندها، فاصطدمت بصدره وهي تدور. أمسكها قبل سقوطها، فتحت عيونها بفزع، وجدته يبتسم لها، فقالت بحنق:
"خضتني يا يوسف؟ ليه معملتش صوت وأنت داخل."
"محبتش أقطع العرض السعيد ده، قولت أشاركك فيه."
رفعت عيونها الزرقاء إليه، فنظر بدقة داخل عينيها وقال وهو يقترب:
"لا، ما هو أنا لازم أشوف حل لعيون البحر بتوعك دول."
تراجعت للخلف وهي تقول بتوتر:
"ليه؟ مالهم؟"
استمر بالاقتراب حتى حاصرها بذراعيه وقال وهو ينظر لزرقاويتها:
"بيخلوني أغرق في حبهم زيادة. عاملين زي الياقوت الأزرق، وفيهم من صفاء البحر. مش عارف، يمكن يشبهوا السما الصافية أكتر."
ثم قال بتفكير:
"أو لا، هما شبه البحر عشان بغرق فيهم كل ما أبصلك أكتر."
صدحت أصوات الطبول والأجراس داخل عقلها، تنبئها بأن القادم خطر على قلبها، فيوسف استطاع أن يتخطى كل حصونها وبجدارة. احمرت وجنتاها من تغزله بعينيها، فقالت بارتباك:
"هروح أشوف بابا كان عايزني."
أعادها يوسف مكانها وقال بابتسامة:
"تؤتؤ، مش قبل ما تقوليها الأول. عايز أسمعها منك."
"هي إيه دي؟"
"بحبك."
صمتت، وزاد توترها.
"ههههه، لا مش كده يا جيمي، دي هي كلمة من أربع حروف. قوليها على مهلك، عادي، خدي وقتك، أنا مش مستعجل، بس مش هتخرجي من الأوضة دي غير لما تقوليها. أنا سامعك أهو يا قلبي."
"يوسف."
"أيوااا."
"اممم، كملي."
"اممم، كملي."
"حد يجي يقول علينا إيه."
"ههههههه، على فكرة أنتِ مراتي ويلا بقى قوليها، يا أما مش هتخرجي. ها، قولتي إيه؟"
"طب... طب غمض عينيك."
"أغمض عيني ليه؟ هتديني بو...سة."
"يووووسف."
"ههههه، وربنا، يوسف اللي قولتيها دي خلتني عايز أطلب أكتر من كلمة."
وجدها تنظر له بتحذير، فقال:
"خلاص تمام، طب أغمض ليه طيب؟ مكسوفة يعني؟ ماشي يا ستي، وادي إيدي أهي، غمضتها. يلا قولي."
وبعد ثوانٍ قليلة، لم يستمع صوتها، فقال:
"هااا، مطولة؟ هي صعبة لدرجة دي."
لم يجد رداً سوى صوت غلق الباب بسرعة. فتح عينيه، لم يجدها أمامه. وضع يديه على خصره وابتسم بعدم تصديق، لقد خدعته للتو وهربت منه حقاً.
"ههههه، دي هربت!! ماشي يا جيمي، أنا وأنتِ والزمن طويل."
ثم خرج من الغرفة.
***
في منزل عائلة الدسوقي، نزل مالك وريتال، تناولا العشاء مع العائلة في تجمع عائلي جميل. أخبرهم مالك بحفل زفاف يوسف وقرر السفر في الصباح، وبعدما جلس مع عائلته بعض الوقت، صعد لشقيقته ليرتاح لأنه سيسافر في الصباح الباكر.
توجه مالك للنوم، استند بظهره على السرير ينتظر قدوم ريتال، وعندما وجدها تأخرت بالمرحاض، نادى عليها لتخرج. أجابته بأنها قادمة، ولكن لم تخرج بعد. قلق، وقرر التوجه إليها. فتح باب المرحاض بقلق، فانتفضت بتوتر لأنه فاجأها بدخوله للمرحاض. نظر لها، وجد بيدها عبوة كريم طبي. اقترب وقال:
"أنتِ كويسة يا حبيبتي؟ مالك؟"
"آه كويسة، بس اتخضيت لما فتحت الباب بسرعة."
"اومال الكريم ده لأي؟"
"لا، مفيش، دا كريم لضهر عادي."
أدرك مالك أن إصابة ظهرها عادت تؤلمها، فقال بحنان:
"وليه ما قولتيليش؟ كنا روحنا المستشفى."
"يا حبيبي، عادي، مش تعبانة. أنا هدهن الكريم اللي دكتور كان كاتبهولي وهيخف، متشغلش بالك، روح نام وأنا هاجي وراك بعد ما أدهنه."
"هاتي، أدهنهولك."
وبسط يده لها.
"لا، هدهنه أنا."
"مش هتعرفي، خليني أساعدك."
"هدهنه أنا قدام المراية."
"هاتي دا وتعالي."
ثم ابتسم وقال:
"أنتِ لسه بتتكسفي مني."
أخذ منها عبوة الكريم وأمسك يدها وخرج للغرفة، أجلسها على السرير، ثم جلس مقابلها وقال:
"لفي."
استدارت بظهرها إليه بإستسلام. كشف عن ظهرها، فظهرت ندبة جرحها عندما أُصيبت بالطلق الناري. وضع يده برفق على تلك الندبة التي حفرت جرحاً بقلبه. تذكر كل ما حدث خلال تلك السنة الماضية، حمد ربه على وجودها بجواره الآن. وضع لها من الكريم وحرك يده برفق على ظهرها في مساج، وبعدما انتهى، أخذها بأحضانه ورّبت بحنان على ظهرها حتى نامت باسترخاء.
***
في الصباح، استعد مالك وإخوته وزوجته للسفر. قال مالك:
"السيارة و"بجوارها ريتال، وبالخلف حازم وعلي."
"متشغلنا حاجة نسمعها يا أبو المماليك."
"اقعد يا علي، مش ناقصة صداع، خلينا نوصل على خير."
أخرج علي السناكس والمشروبات والحلوي، وأعطى ريتال بالامام، وأعطى حازم الذي كان يتواصل مع ريتاج عبر الواتس اب. مال "علي" ينظر في هاتف أخيه، فلاحظ حازم وابتعد بهاتفه عنه. مصمص علي شفتيه في حركة شعبية شهيرة بين الشعب المصري وقال:
"بتخبي إيه يا حصرة؟ بتخبي مني الشات اللي هو عبارة عن "عاملة إيه؟ في حاجة واقفة معاكي في المنهج؟" هههههه، يا شيخ اتنيل، وأنا اللي فاكر إني هلقي حب وغرام وكلام تقيل. اتنيل يا عم."
ضحك مالك وريتال على حديث علي، بينما حازم نظر له بغيظ وقال:
"اتلك ياااد، وربنا أقوملك."
"لا، وعلى إيه؟ والله ما أنت قايم. أنا هشغل سماعتي وفشاري في إيدي، ولا كأني جيت جنبك يا هريدي."
ضحكت ريتال على مشاكساتهم، وابتسم مالك. وبعد قرابة 6 ساعات، وصل أمام منزل عائلة الدهشان. استقبلهم يوسف بسعادة عندما أخبره كريم بقدومهم. نزلت جميلة أيضاً تركض على الدرج بسرعة لتستقبل ريتال. سلم يوسف عليهم.
"ألف مبروك يا صاحبي، أخيرا."
واحتضنه بحب أخوي صادق.
"الله يبارك فيك يا حبيب أخويا."
توجه يوسف لحازم وعلي وسلم عليهم، وكذلك ريتال، ولكن دون أن تسلم عليها بالأيدي.
"ريتال."
استدارت ريتال، وجدت جميلة، فابتسمت. احتضنت الفتيات بعضهن بسعادة، وألقت السلام عليهم، ثم اصطحبت ريتال معها للداخل، وكذلك فعل يوسف مع الشباب. عرفهم على الجميع، وبالداخل استقبلهم الجد بالترحاب، وأمر بتجهيز غرف الضيوف ليرتاحوا بها من عناء السفر.
"أنتِ يا بت، جهزي الوكل وشهلي عشان يطلعوا يرتاحوا قبل العشية عشان الليلة."
"لا، ما فيش داعي حضرتك، إحنا أكلنا وإحنا جايين في الطريق."
"وه يا ولدي كيف؟ دي تاجي برضك تبقوا في ضيافتنا ومعاوزش تأخد واجبك، متقول حاجة لقرايبك يا يوسف يا ولدي."
"إيه يا مالك؟ اقعد يا راجل، أومال. استنى خد واجبك الأول، متزلوش منك."
وبعد قليل، جهزت الطاولة بأصناف متعددة من أطباق الطعام التراث الشرقي.
"يلا يا يوسف، الوكل جاهز، هات قرايبك وتعالى يا ولدي."
"حاضر يا عمي. يلا تعالي يا مالك وهات مراتك، يلا يا حازم، يلا يا علي."
جلسوا تناولوا طعامهم، ثم أخذهم يوسف للأعلى لغرفهم ليستريحوا قبل بدأ حفل الزفاف بالمساء. تشارك حازم وعلي في غرفة، ومالك وريتال في غرفة.
"تمام كده؟ لو عاوزتوا حاجة أنا موجود، متترددوش، متترددوش، ماشي؟ يلا هسيبكم ترتاحوا من السفر."
غادر يوسف وجميلة، وهو بطريقه للنزول للأسفل، نظر لها بمشاكسة وقال:
"سلام يا جيمي، أشوفك بالليل وأنتِ عروستي."
ثم غمز لها. خجلت منه ودخلت غرفتها بسرعة تختبئ خلف الباب، تحاول السيطرة على قلبها. استمعته يقول من الخارج:
"أهربي، أهربي، خلاص النهاردة هتكوني مراتي قدام كل الناس، وساعتها بقى مش هتعرفي تهربي يا جيمي، والكلمة أم أربع حروف هسمعها منك برضه، مش هتتنازل عنها."
ثم رحل وهو يبتسم. ابتسمت هي الأخرى، لا تدري ماذا فعل بها وغير حالها لهذا الحال.
***
نظر مالك من النافذة هو وريتال، التي أعجبتها موقع المكان والهواء المنعش ووجود المنزل وسط الأراضي الزراعية.
"نفس اللي كنت عاوز أعمله، الفيلا تكون حواليها مساحات خضرة، قدامها جنينة ووراها جنينة أكبر نزرع فيها اللي إحنا عايزينه."
"فين دي؟ ده مشروع جديد؟"
"ده تصميم الفيلا بتاعتنا، كنت عايز أعمله من زمان، بس خالك معجبوش إننا نسيب البيت اللي كبرنا واتربينا فيه. قالي يا ابني، أنا مش هسيب البيت اللي كبرت واتربيت فيه، فـ صرفت النظر عن الفيلا. لكن بعد ما اتجوزنا، فكرت في المشروع وبدأت أشتغل على التصميم."
ثم ابتسم وتابع حديثه:
"عشان القرود ولادنا لما يجوا، أكيد هيفضلوا يتنططوا والشقة مش هتسعهم، إيه رأيك؟"
"طب وخالي ودودي وعلي وحازم؟ هنبعد عنهم ونعيش لوحدنا؟ لا، معاه حق خالي كده هنتفرق وكل واحد هيروح مكان. لا، خلينا مع بعض أحسن. أنا عايزة عيالنا يكبروا وسط عيلة كبيرة بيحبوهم."
ابتسم مالك وقال:
"مين قالك هنتفرق؟ أنا أصلاً هعمل تصميمها كبير عشان هنعيش فيها كلنا، وهصمم لكل واحد جناح خاص بيه عشان حازم وعلي لما يتجوزوا يكونوا معانا. وكده عيالنا هيكبروا بين جدهم وجدتهم وعمامهم وولاد عمهم إن شاء الله. يعني مش هنبقى لوحدنا."
ابتسمت ريتال باستحسان وقالت:
"دايماً بتبهرني بحنانك وتفكيرك في العيلة. بحب حنيتك دي أوي. تعرف مبقتش خايفة إننا نجيب عيال، لأن حتى لو أنا كنت مش مستعدة، فأنا مطمئنة ومتأكدة إنك هتكون أب حنين أوي وهتحبهم جدا."
قبّل يدها بحب وقال وهو يأخذها بأحضانه:
"وأنا متأكد إنك هتكوني أم قمر وحنونة بزيادة."
حل المساء ورفقته السعادة، كل شيء جاهز والترتيبات على أتم الاستعداد. الأنوار والإضاءة في مكان، وأشرطة الإضاءة تتدلى من أعلى المنزل إلى أسفله، وأصوات الطلقات النارية في الهواء احتفالاً بهذه المناسبة السعيدة، ورقص الخيل على نغمات ودقات الطبول، والمباركات والتهاني. مظاهر الأفراح الصعيدية في أبهى ما يكون. ارتدى يوسف جلباب باللون الأبيض. ابتسم مالك بسعادة لصديقه ورفيق دربه، لأنه تحقق ما كان يرجوه. سعد بسعادة صديقه والذي يكون أخاه وليس فقط مجرد صديق. احتضنه ورّبت على ظهره وهو يقول:
"ألف مليون مبروك يا أخويا، ربنا يتمملك على خير."
بادله يوسف العناق بقوة وقال:
"الله يبارك فيك يا حبيب أخويا."
"مبارك يا غالي."
"الله يبارك فيك يا زوما، عقبالك يا حبيبي، ربنا يفك الضيقة ويهدي التيران اللي معاك هههه."
"أنت عرفت والله يا أخي، مش عارف مالي معاهم، تقول لي كلت ورثهم."
"ههههههه، آه عارف، ما مالك قالي. يلا ربنا يعينك على ما بلاك أو يتجوزوا عشان تخلص منهم."
دخل علي الغرفة بحماس وقال:
"ألف مبروووك يا جووو. أنتوا لسه هنا؟ يسطا دي الدنيا مقلوبة تحت، ضرب نار وخيل بيرقص والدنيا والعة نار تحت."
ضحك يوسف وقال:
"الله يبارك فيك يا لول. كويس الفرح عجبك يعني."
"عجبني، بس شكل اليوم مش هيعدي النهاردة على خير."
"بتشوم ليه يا بعيد؟ هو أنا لحقت؟ سيبني أكمل فرحتي."
"اعذرني يا زميكس، مكنتش عايز أبوظ فرحتك، بس جدك ماسك في خناق واحد تحت وهيطلع روحه، يا إما هيديه طلقتين في رأسه ويخلص عليه."
"هههههههه، بطل هزار يا أخي."
نظر حازم من النافذة ثم قال:
"ده بيتكلم بجد، في خناقة تحت وجدك شاهر السلاح في وشهم."
"إيه!"
***
"كل الأوجاع هدايا ربانية. إما تكفير للذنوب، وإما سعادة مؤجلة لدار البقاء، فدائماً ردد الحمد لله."
"بقيَ القليلُ حتَّى تُفرَجَ المِحَنُ."
"أرأيتَ مُمتحَنًا طُولَ العُمْرِ يُمتَحَنُ."
"هَون عَليِكَ يا صَاح، فهناك أَقْدَارٌ جَمْيِلةَ فِي إنْتِظَارُك، فَقْط ثِقْ بِقُدرَة الملك سبحانه و تعالي، فإنه يدبر لك أمرك."
رواية بعد فقدان الامل الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم مروة فتحي
يوسف: إيه ده؟ بتقول هيقتل مين؟ لا أنا متأكد إنها لعنة مش حظ.
ركض إلى الأسفل، وكذلك لحق به الشباب. عندما وصل إلى الأسفل، وجد مهران منفعلًا ويشهر سلاحه بوجه أحد الرجال أمامه.
مهران: عيلة المصري مش هما اللي قتلوا ولدي، وتار ولدي خدته بيدي. وفي الحال، من اللي عمل أكده، مش انت اللي هتعلمني أعمل إيه وأسوي إيه يا ولد المركوب؟ انته فاهم؟ اللي يغلط في بيت الدهشان يبقى جني على روحه.
يوسف: جدي، اهدي يا جدي، خلاص حصل خير.
هاشم: خلاص يا أبوي، هو ميعرفش بيقول إيه، ما وعيش لروحه.
مهران بانفعال: اللي ميعرفش يغورررر يتعلم بعيييد عنينا.
ثم اقترب من الرجل الذي ارتعب من غضب وانفعال الجد.
مهران: وقسماً عظماً يا وصفي، لو سمعتك بتقول حديتك ده تاني، لكون مفضي البندقية دي في نافوخك، فاهم؟
اقترب يوسف من الجد ليهدأه، فقال مهران بصوت مرتفع وبحدة ليُسمع جميع المتواجدين: ولد المصري ده يبقى جوز بت ولدي، يعني يبقى حفيدي هو كمان. واللي هسمعه يقول كلمة عفشة في حقه، ولا يتهمه بالتار، أنا اللي هقفله، سامعين؟ اللي قتل ولدي مش من عيلة المصري، وأني صفيت حسابي مع اللي عملها. أني قولت كلامي، واللي كلامي معاجبوش يقوم يمشي. والناس اللي جاية تبارك وتفرح معانا، يا مية مرحب بيهم، يتشالوا فوق الرأس.
تحدث بعض المتواجدين لتهدئة مهران من عاصفته، وباركوا له، حتى أنهم شاركوه سعادته. وعادت تدق الطبول من جديد.
سحب مهران يوسف من يده إلى وسط ساحة الصوان، وقال بسعادة: العريس وصل يا ولِد. غني موال للعريس يا واااد.
بدأت الفرقة الغنائية بالغناء، المواويل الصعيدية مع دقات الطبول والمزمار البلدي. رقص يوسف بسعادة عندما سحبه محمد للرقص. ودخل علي يرقص معهم بحماس، فأشار يوسف لمالك بالقدوم. توجه مالك بعدما أعطاه أحد الرجال عصا، وكذلك دخل الشباب حازم وحسن وكريم ليشاركوا معه في الرقص. كان محمد يرقص بسعادة مقابل أخيه الكبير هاشم، والسعادة مرسومة على وجهه. ابتسم مهران بسعادة وقرر أن يشاركهم، وأمسك عصاه ورقص معهم أيضًا. صاح الجميع بتهليل وسعادة. وبعدما انتهى من رقصته، اقترب مهران واحتضن يوسف، وربت بقوة على ظهره، وقال: مبروك يا ولدي، يا مرحب بيك في عيلة الدهشان يا يوسف.
ابتسم يوسف وبادله العناق بسعادة، وقال: الله يبارك فيك يا جدي، متشكر على وقوفك معايا ورد غيبتي. وشكراً على قبولك ليا كفرد من عيلتك.
مهران: إيه متشكر دي يا واااد؟ دا انت ولدي يا يوسف.
ثم صاح وقال: يلا يا رجالة على المندرة، العشا جاهز. هاشم امحِمد، عشوا الناس زين، أوعي حد يقوم من على الوكل وهو مكملش وكله. متخلوش حد يمشي من غير ما يتعشى وياخد واجبه.
***
كانت الفتيات يتابعن ما يحدث بالأسفل، وينظرن لرجال العائلة وهم يرقصون الرقص الصعيدي الأصيل على الطبل. وكل واحدة تنظر لشريك حياتها بسعادة، وأولهن العروس التي كانت حقًا كاسمها جميلة، وهي كذلك ترتدي فستان الزفاف الأبيض محتشم وراقي، تتدلى أكتافه بانسياب إلى الأسفل مثلما "الرداء" مع حجاب راقٍ بسيط، والقليل من مستحضرات التجميل والتي لم تغير ملامحها واحتفظت بجمالها الطبيعي، وزرقاوية عيونها التي تلمع بهما السعادة.
وبجوارها ريتال، التي كانت ترتدي فستان سواريه ستان باللون الزيتي الفاتح، واستاييله ينزل باتساع. لم تضع من مستحضرات التجميل سوى الكحل، رسمت به عيونها فبرزت جمال عيونها البنية واتساعهم مع رموشها الكثيفة التي أعطتها مظهراً جمالياً. تنظر لزوجها وقرة عينها بسعادة، وهي تراه يرقص بمهارة، ولكن خشيت عليه من أعين الفتيات، وخاصةً أنه كان وسيمًا بذلك الجلباب الصعيدي باللون "البيج".
وعلى بعد قليل منها، كانت تقف زوجة حسن الأولى، وبجوارها والدة حسن. وعلى الجانب الآخر تقف زوجة حسن الثانية، وبعض الفتيات وعمتين جميلة وبناتهما أيضًا.
عادت الفتيات لحفلتهم، يرقصن ويضحكن معًا ويحتفلن بالعروس، حتى انتهى الحفل.
دخل رجال العائلة المنزل. توجه محمد بسعادة وهو يحبس الدموع بعينيه، وقال: ألف مبروك يا حبيبتي. احتضنها بحب، وبداخله حزن وسعادة في نفس الوقت. سعيد باختيار ابنته لزوج كـ يوسف، يحبها ويراعيها ويحفظها. وفي نفس الوقت حزين بفراق زوجة سلمى، حب حياته الأول والأخير. وتمنى وجودها في يوم مثل هذا لتكمل فرحته بزواج ابنتهم الوحيدة. قبّل جبينها بحنان، وقال: مبروك يا نور عيني.
احتضنته جميلة بقوة، وقالت وهي تحبس دموعها: الله يبارك فيك يا بابا. ولكم تمنت هي الأخرى وجود والدتها في يوم مثل هذا.
محمد: خد بالك منها يا يوسف.
ابتسم يوسف، وقال: متقلقش يا عمي، هفديها بروحي لحد آخر نفس فيا.
اقترب محمد، احتضن يوسف، وقال: متأكد يا يوسف؟ ربنا يباركلي فيكم ويحفظكم لبعض يا ولدي. مبروك يا حبيبي.
بادله يوسف العناق، وقال: الله يبارك فيك يا عمي.
مهران: وهننقضها مباركات يااك؟ سيبوا العريس ياخد عروسه. يلا يا ولدي خد مرتك واطلع شقتك.
مالك: طيب سلام احنا بقي يا يوسف، أشوفك في القاهرة إن شاء الله. ألف مبروك يا صاحبي.
يوسف: الله يبارك فيك، بس إيه هتمشي دلوقتي؟
مالك: آه، عشان نلحق نوصل.
مهران: تمشوا وين في عز الليل يا ولدي؟ وبعدين انتوا لسه مخدتوش واجبكم.
مالك: متشكر جدًا يا حج، والله بس إحنا لازم نسافر. وحضرتك عملت معانا الواجب وزيادة.
يوسف: خليكم طيب لحد ما الصبح يصبح، وابقي سافروا.
مهران: اطلع لمرتك انت يا ولدي، وأنا هشوف قريبك اللي شكله رأسه يابسة ده. اطمن انت أني مش هخليهم يمشوا.
صعد يوسف شقته ليرا جميلته التي سبقته للأعلى. أما الجد، فأقنع مالك بالبقاء معهم والسفر في اليوم التالي.
دخل يوسف شقته بحماس وسعادة، لا يصدق حقًا الأمور ظبطت. وأخيرًا حبه وقرة عينه أصبحت زوجة وبرضاها. تنهد يوسف، وقال: أخيرًا كان حلم بعيد. لعبة يا واااد يا جووو. ثم قال بغناء: وأخيرًا اتجوزت ومحدش ليه عندي حاجة. ثم توقف، وقال بجدية وهو يعدل من جلبابه: احم احم، اعقل يااد كدا وخليك ليك هيبة وتقيل في نفسك كدا. ثم قال بحنق: تقيل إيه في يوم زي دا؟ دا أنا هروح أبوسه! أنا هموت وأعمل كدا من زمان.
توجه للغرفة بعدما طرق الباب برفق ودخل بهدوء. لاحظ توترها، فكانت تجلس على الفراش تفرك يديها بتوتر وتضع وجهها بالأسفل بخجل. اقترب يوسف بسعادة، وقال: أخيراً يا جيمي. اقترب، جلس أمامها، وضع يده أسفل وجهها، رفعه إليه وهو يقول: لا مش وقت كسوف خالص، أنا عاوز أقولك كلام كتير في قلبي ومستني اللحظة دي عشان أقوله. رفعت وجهها إليه، فتقابلت عينيها بعينيه.
يوسف: بقي بذمتك يا شيخة، وأنا راضي ذمتك؟ ينفع تخبي عيون البحر دول عني؟
ابتسمت ونظرت للأسفل بخجل.
يوسف: لا.. لا بوصيلي.
جميلة: مش أنت قولتلي قبل كدا إنهم بيتوهوك وبيغرقوا؟
يوسف: يا ستي ملكيش صالح، أنا بحب أغرق فيهم. البحر الوحيد اللي عندي استعداد أغرق فيه من غير ما أطلب أي حاجة تنجيني.
رقص قلبها طربًا من كلماته التي تغلغلت داخل قلبها وسرقته. اقترب يوسف منها، قبّل جبينها بحب، وقال: مبروك علينا يا جيمي.
جميلة: الله يبارك فيك.
ارتبكت عندما وجدته يميل بوجهه نحوها، فأغمضت عيونها. فتحتهم على إثر قبلة رقيقة على خدها، ثم ابتعد وهو يبتسم وعيونه توحي بمقدار حبه لها. فركت يديها، وقالت بتوتر: يوسف، أنا..
لاحظ توترها، فقال بمرح ليخفف من توترها: إيه يا بت الجمال دا! قمر يا أخواتي. ثم غمز لها وقال: نوسه، بحبك. والله بحبك يا بت بطريقة اللمبي.
فلتت ضحكة من جميلة على تصرفات يوسف وحديثه، وقالت: أنت بتقولها كدا ليه؟
يوسف: إيه مش عاجبك اللمبي؟ طب أغنيهالك زي توو لييتو لا زي..
قاطعته جميلة وقالت: عاوزاها تكون بطريقتك انت يا يوسف، أنا بحبك بشخصيتك انت وبروحك انت وقلبك انت.
ثم تنهدت بارتياح، وقالت: أنا بحبك يا يوسف و..
قاطعها بقبلة بث فيها حبه لها. وبعد قليل ابتعد عنها وهو يستند بجبينه على جبينها، وقال: أخيرًا قولتيها! ياااه بس تعرفي كويس إنك مقولتهاش لما طلبتها منك.
ثم مال بوجهه نحوها، فهمست له بخجل: يووسف، الصلى.
قبلها بوجنتها، وقال وهو يضحك: ما أنا كنت ناوي، بس انتِ اللي خربطي الحسبة وخلبطيني معاكي.
قامت جميلة لتبدل ملابسها حتى تجهز للصلاة، فقالت: أنا هدخل أغير الفستان عشان نصلي، وانت روح اتوضى.
جلس يوسف على الفراش، وقال بمشاكسة: أجي أفتحلك السوستة يا موزتي؟ وغمز لها.
جميلة: موزتي! لا أنا هعرف لوحدي.
يوسف بمكر: يا حبيبتي، أنا قلبي عليكي، خليني أساعدك. أنا عارف مش هتعرفي تخلعيه لوحدك.
جميلة: إيه دا..؟
يوسف: الفستان.
جميلة: لا شكرا.
تمدد يوسف على الفراش، وقال: طيب لو عاوزتيني أنا موجود، قولي يا يوسف بس وهتلقيني عندك.
فهمت قصده، فقالت بخجل: يوووسف، روح غير عشان الصلي.
يوسف: طب وربنا انتِ برقتك دي بوظتي الدنيا، اخلصلي خلينا نصلي.
ضحكت جميلة، وبعد قليل خرجت بأسدال أبيض، وجدت يوسف بانتظارها. وضع سجادة الصلاة له ولها. وقفت جميلة خلفه، كان إمامها في الصلاة. ابتسمت بسعادة وهي تستمع صوته العذب في تلاوة القرآن. أبصرت به جانبًا جميلًا لم تكن تعلمه. وبعدما فرغ من الصلاة، استدار إليها، وجدها تبتسم بسعادة.
جميلة: صوتك حلو ما شاء الله.
يوسف: انتِ أحلى.
جميلة: يوسف، أنا.. أنا مش عارفة أوصفلك كمية شكري وامتناني ليك قد إيه. انت غيرتلي حياتي. شكراً لوجودك فيها.
يوسف: شكراً لوجودك انتِ في حياتي.
***
عند مالك وريتال في الغرفة، كان يتحدث معها بحدة، وقال: قولتلك إيه أنا؟ أنا مش قولتلك متحوطيش نقطة ميكب في وشك؟ لا وكمان واقفة عادي بعد ما حسن وأخوه دخلوا البيت.
ريتال: يا مالك، وأنا إيش عرفني إنهم داخلين؟ أنا كنت مستنياك. وبعدين أنا محطتش ميكب زي ما قولت.
مالك بغضب: واللي في عيونك دا إيه؟
ريتال: والله ما حطيت غير كحل، محطتش روج عشان تتنرفز عليا. ثم ارتفع صوتها وقالت: وبعدين أنا معملتش حاجة غلط.
مالك: بلاش تبرري غلطك بغلط. صوتك ميعلاش عليا، فهمت؟
ريتال: لا مفهمتش يا مالك.
مالك بضيق: ريتال، روحي نامي، خلي الليلة دي تعدي على خير، ولينا بيت نتحاسب فيه.
ريتال: انت بتحاسبني؟ وأصلاً محدش رفع عينه عليا. أما انت يبصوا عليك براحتهم عادي. ما البقرة ملهاش الحق تغير مثلاً. حلو ليك، وأنا لا.
مالك: بتقولي إيه أنتِ؟ ومين يبص؟ وبعدين قولتلك مية مرة متحطيش أي زفت ميكب برا البيت. أنتِ مبتعرفيش نظرات الرجالة بتبقى إزاي؟
تذكرت نظرات ابنة عمة جميلة له، فقالت: وأنا كمان فاهمة وعارفة نظرات البنات ليك كويس أوي.
مالك: بنات مين إن شاء الله؟
ريتال: البت الملزقة الهايفة اللي كانت واقفة عند الباب تبوصلك.
مالك بعدم فهم: بنت مين؟ أنا مخدتش بالي.
ريتال: بنت عمة جميلة كانت واقفة تبوصلك، واقفة قريب منك.
ابتسم مالك على جنانها، وقال: عشان كدا جيتي قفشتي فيا أول ما دخلت البيت. هههههه، على فكرة مكانش ليه لزوم دا كله، عشان أنا أصلاً مشوفتهاش ولا انتبهتلها من الأساس.
ريتال بغيظ: انت بتضحك وأنا بولع؟ أنا غلط إني مجبتهاش من شعرها. وزي ما حضرتك بتحاسبني على الوحدة، لو حد بصلي، يبقى من حقي أنا كمان أحاسبك. ومتقولش أنا حاجة وانتِ حاجة. قالت آخر حديثها بعصبية وصوت مرتفع.
نظر لها بحدة واقترب منها، فتراجعت للخلف بخوف من مظهره الغاضب. قالت بعند: إيه هتضربني يعني؟ مش خايفة منك.
اقترب منها بشدة، وقال بغضب دفين: آه مش خايفة مني؟ ما هو مش عيبك، العيب على اللي سابلك السايب في السايب وعودك على كدا.
سيطر مالك على غضبه بصعوبة حتى لا يؤذيها بحديثه أكثر، وقرر معاقبتها بالصمت. تركها وجلس في الفارندة. وبعد قليل، توجهت إليه بحزن، وقالت: مالك.
لم يجيبها، واستمر بوضعيته ينظر للأمام بصمت.
ريتال: أنا آسفة، أنا مش عارفة مالي اتعصبت كدا ليه. متزعلش مني.
استمر بصمته.
ريتال: مش عاوز تبوصلي؟ طب أنا آسفة خلاص، متزعلش. أنت مشوفتش نظراتها ليك. وحياتي عنك متزعل مني.
توجهت إليه، جلست على قدمه، ووضعت يديها خلف عنقه وهي تتوسل له أن يسامحها.
مالك: ادخلي نامي عشان هنسافر بكرة.
مالت على خده، قبلته، وقالت بدلع: خلاص يا مالك بقي، متبقاش قماص كدا. كل دا عشان بغير عليك.
تنفس مالك بعمق، وأغمض عينيه، ثم قال: قومي ادخلي نامي.
ريتال: لا مش عارفة أنام وأنا مش في حضنك.
أزاح يديها عنه، وتحدث بغضب: أنتِ ليه ما بتسمعيش الكلام من أول مرة؟ قولت ادخلي زفت نامي، لازم أزعق عشان تفهمي.
تجمعت الدموع بعيونها، دخلت، ارتمت على الفراش تبكي بصمت، بينما مالك زفر بضيق.
دخل الغرفة في منتصف الليل، وجدها نائمة. توجه للفراش، أراد الاطمئنان عليها ويعتذر لها عن أسلوبه وغضبه، ولكن كبرياؤه منه من ذلك، وخاصةً أنه ما زال غاضبًا. تمدد على الجانب الآخر للفراش. لم يستطع النوم، استدار إليها، وانتظرها حتى غفت. سحبها إليه، وضع رأسها على ذراعه، وقبّل خدها، ثم ضمها إليه وأغمض عينيه.
"الجهد النفسي والعقلي الذي يبذله الإنسان للسكوت عن أشياء كثيرة تضايقه أكبر بكثير من مجهود الكلام."
"لا أحد يكره شخصًا كان يحبه. كل ما في الأمر أنه قد يحزن منه، ربما يقسو عليه أو يهجره أو يتجاهله، ولكن هذا ليقومه ويعيده للطريق الصحيح."
***
في غرفة علي وحازم، كان حازم يتحدث مع ريتاج شات عبر الواتس أب. غمز له علي، وقال: أيوا بقي يا دووك، بتقولوا إيه بقي؟ وريني.
أبعده حازم، وقال: ابعد يا حيوان، مالكش فيه.
ابتعد علي، وقال: الحق عليا، عاوز أطمن عليك وأديك نصائح وإرشادات. بس الظاهر ما لكش في الطيب نصيب.
حازم بحنق: أنا آخد نصائح وإرشادات منك انت؟ امشي يااد.
علي: ماشي يا عم، هتطردني من الجنة يعني؟ خليك زي ما انت يا نيرم، اللي تصحى فيه تنام فيه.
حازم بحنق: خد يااد، إيه نيرم دي؟ شتيمة. وأمسكه من ملابسه.
علي: يووك.
حازم: وإيه دي كمان؟
علي: طب سيب التيشيرت وأنا أقولك.
تركه حازم، فتابع علي وقال: الأولى يعني إنك قديم في السوشيال، تقليدي، ملكش في الجديد.
حازم: يعني؟
علي: هبسطهالك بمثال. عارف الاستيكرز اللي بتقول صباح الخير في الواتس، المسدج اللي بتجيلك ويقولك بعتها لـ 20 شخص؟ اهي الحاجات دي اسمها نيرم، زي كلامك مع الاكس.
حازم: لا اتظبط بدل ما أظبطتك دي خطيبتي مش شاقطها.
علي: الله! دا انت بتعرف شاقطها؟ يبقي انت كدا صايع من ورانا يا خلبوص.
حازم: ولااا، وربنا أربيك من أول وجديد.
علي: يسطا، بطريلك الجو شوية. يعني بدل ما تكلمها وتقولها عاملة إيه وإيه اللي واقف معاكي في المنهج، قولها كلمتين حلوين من القلب الكبير دا. وأشار بإصبعه على قلبه.
تابع علي حديثه وقال: مش انت بتحبها وعاوز تتجوزها؟
حازم: آه.
علي بمرح: الشارع اللي وراه. هههههه.
حازم بغيظ: تصدق أنا اللي غلطان إني واقف بسمعك يا تافه.
علي: بهزر يا عم، خلاص تعالي أقولك. أنا عندي خطة عشان تتجوزها من غير ما تستنى السنتين اللي بيقول عليهم أخوها.
انتبه له حازم، وقال: إزاي دا؟ أنا قربت أمسك في خناق أخواتها من كتر ما قرفيني.
علي: حاسس بيك يا ضنايا. بص انت خليك معايا وأنا أظبطك. أولًا كدا بالصلاة على النبي، لما تكلمها، طري الجو، قولها كلمتين حلوين، واهتم أوي أوي لحد ما تعلقها بيك. قوم انت تعمل إيه بقي؟
حازم: إيه؟
علي: لا لا، فتح دماغك معايا كدا، أومال دا مستقبل الوطن يا حبيبي.
حازم بعدم فهم: إيه اللي دخل الوطن في جوازي؟
علي: هنسيب مستقبلك ونتكلم؟ تؤتؤ، متشتتنيش، نكمل بقي.
حازم: كمل.
علي: وصلنا لإيه؟ اتعلقت بيك. قوم انت بقي تضغط عليها عشان توافق على الجواز، وتبدأ تنسحب بالتدريج. بدل ما كنت بتكلمها فيديو كول، كلمها شات، بعدها مرة تكلمها ومرة متكلمهاش، وبعدين متكلمهاش وترد على رسائلها متأخر، واتحجج إنك مشغول، وروح اطلب من أخوها التقيل الجواز. والله ما عارف البت منال وافقت عليه إزاي، دا كان الله في عونها معاها تلات تيران.
حازم: وهوافق إزاي؟ مهو مش موافق أصلًا من الأول.
علي: ما انت هتقولهم إنك مسافر تركيا عشان جاتلك فرصة شغل هناك ومش هتنزل البلد لفترة كبيرة.
حازم: هكدب عليهم يعني؟ أنا شغلي هنا إيه اللي هيخليني أسافر؟ وبعدين دا كدا في صالحه، هيخلص مني، وأبسط ما فيها يقولي روح انت بالسلامة، ولم ترجع ابقي تعالي اتجوزها.
علي: يا حبيبي، ما احنا علقناها بيك ليه؟ عشان هتأثر على كلام أخوها ويوافق. وذات لو قولتلها إنك مسافر تركيا، ياااختيييي، دي البنات بتموت في حاجة اسمها تركيا. ساعتها هتخليه يوافق، وانت بقي اتجوزها وسافر تركيا، قضي شهر العسل، وبعدها انزل أحرق دمه وأقعد في خلقته.
حازم: يا ابن الإيه يا علي، عليك دماغ خطيرة وربنا يااد. لو حصل لأراضيك يا لول.
علي بفخر: أومال الدماغ شغالة عشان الرجالة بتعافر.
حازم: والكلمة التانية اللي قولتها تركي، مش كدا؟
علي: كلمة يووك، أه تركي، اتعلمت شوية فيه.
حازم: وانت بتتعلم تركي ليه؟
علي: عشان أشقط بنات.
حازم: وانت بتقولها في وشي يا كلب؟ وربنا انت عاوز تتربى من جديد يا حيوان.
ركض علي بسرعة للحمام، أغلقه عليه، وقال من الداخل: براحتك، بس ابقي شوف مين هيساعدك توصل لحبيبة القلب يا زوما العاشق، ههههه.
***
في الصباح، استيقظ يوسف، وجد جميلة نائمة بجواره وشعرها مفرود على الوسادة. مرر أصابعه على شعرها الأسود الناعم وهو يبتسم. استيقظت جميلة على مداعبته لشعرها، فتحت عيونها، وجدته قريبًا منها.
جميلة بتوتر: هتعمل إيه؟
يوسف: كنت هبو.سك.
جميلة: بتقولها عادي كدا؟ انت قليل الأدب على فكرة.
أكمل يوسف ما كان سيفعله، قبّل خدها برقة، وعاد ينظر إليها، وقال: بقي في عروسة قمر تقول لجوزها في الصباحية أنت قليل الأدب؟
جميلة: أنا آسفة، مقصدش. أصلي لما ببقى لسه اللي صاحية مبكنش مركزة ونسيت إننا اتجوزنا.
يوسف: نسيتي إيه يا قلبي؟ مش مشكلة، تعالي أفكرك أنا مين.
ابتعدت جميلة، وقالت: يوووسف.
يوسف: عيون يوسف. أرسل لها قبلة في الهواء.
جميلة: اطلع برا.
يوسف: مين دا؟ أنااا! ليه عملت إيه بس يا جيمي؟
جميلة: بتوترني.
اقترب منها وهو يضحك، يناظرها بمكر، فجأة وجدته يحملها بين يديه.
جميلة: انت واخدني فين؟ نزلني.
يوسف: هاخطفك.
وبعدما وصل بها المرحاض، أنزلها، وقال: يلا اجهزي عشان نلحق نسلم على مالك مسافر هو ومراته والشباب النهاردة.
جميلة: إيه دا؟ ليه مقولتلهمش يقعدوا معانا يومين؟
يوسف: مرضيش، عنده شغل الشركة كله عليه، لأن أنا عريس واخد إجازة مفتوحة، فهو لازم يشوف الشركة. وبعد ما نقضي أسبوع مع أهلك هنا، هنسافر نشوف شهر عسلنا بقي، أقصد شهرين العسل، أو أقولك سنة حلوة، صح؟
جميلة: هههههه، هو مش كان شهر تقريبًا؟
يوسف: أصلي مالك لما اتجوز سافر وقعد شهر بحاله وسابني أنا شايل الشغل. ومن ساعتها قولت: سيبه يا وااد يا يوسف، ولما تتجوز البت جيمي ابقي عليي عليه وخليها شهرين عسل.
ضحكت جميلة على مرحه.
***
استيقظت ريتال، وجدت نفسها بأحضان مالك، تحتضنه وتتوسد ذراعه. كادت تقترب تطبع قبلة على وجنته، فوجدتة استيقظ، فتراجعت للخلف. نظر لها بحنق، وقال: أنتِ نايمة ليه في حضني؟
ريتال: أنا فكرتك انت اللي نومتني في حضنك.
رد باقتضاب: لا مجبتكيش. ممكن تبعدي عني بقي عشان عاوز أقوم.
ابتعدت عنه بحزن.
مالك: قومي غيري لبسك وبسرعة، مش عاوز تأخير.
ثم توجه إلى الحمام، بدل ملابسه، وخرج، وجدها تجلس مكانها وشاردة في صمت.
مالك: أنتِ لسه ما قومتيش من مكانك.
ريتال: حاضر، هقوم بسرعة.
وقفت فجأة، شعرت بوجع في بطنها مع دوار بسيط. وقفت مكانها حتى تتزن. نظر لها عندما استمع تأوهها بصوت منخفض.
مالك: مالك، في إيه؟
ريتال: لا ما فيش.
مالك: أومال وقفتي ليه وحاطة إيدك على بطنك ليه؟
ريتال: ما فيش. شوية مغص من أكتر.
نظر لها بدقة، ثم خرج ليرى أخويه استيقظا أم لا. وبعد نصف ساعة، جهز الجميع واستعدوا للرحيل. وقف يوسف بجوار مالك، وقال: مالك يااد، مبوز ليه كدا ومركب الوش الخشب؟
مالك: بقولك إيه يا عم، سبني. ما كله من تحت راسك.
يوسف: وأنا عملت إيه؟ أنا كنت فوق مش فاضيلكم أصلاً. اسكت يا مالك، الجواز طلع حلو يااد.
مالك: بس يا سافل! أه يا أخويا، ما انت مبسوط فوق وأنا متنكد تحت.
يوسف: هههههه، متنكد ليه بس؟
ثم تحدث بجدية، وقال: هو حد ضايقك ولا قال كلمة زعلتك؟
مالك: لا، كانوا ذوق معانا. بس اتخانقت أنا وريتال.
يوسف: ليه؟ حصل إيه عشان تتخانقوا؟
مالك: عشان بنت عمة مراتك يا خويا، بتبص لي، فاتخانقنا وشديت معاها.
غمز له يوسف، وقال: اااوه، وقعت البت في حبك يااد من أول نظرة. هههههه، مش سهل انت يا مالك.
مالك: ولااا، وربنا أقطع إجازتك وأخليك تنزل الشركة.
يوسف: ابقي قابلني. هكتب استقالتي. دا أنا نادرها يا حبيبي، هعلي عليك وأخليهم شهرين مش شهر.
مالك بحنق: دا على أساس إنك مكنتش معايا في شهر العسل بتاعي، كل شوية ناطط بمكالمات وشات. دا اللي كان ناقص تطلع لي من الفون.
يوسف: هههههه، أعمل إيه؟ الشغل اللي كان عاوزك. خلاص يا عم، بعد ما أنا أرجع من شهر العسل بتاعي، ابقي سافر انت وعيد شهرك. ثم تحدث بجدية، وقال: ابقي طري الدنيا، بتغير عليك مفهاش حاجة يعني. اتصالحوا بقي.
مالك: إن شاء الله. يلا سلام، أشوفك إمتى في القاهرة؟
يوسف: هههههه، مش هتشوف وشي خالص.
مالك: فلاتي وربنا.
يوسف: هههههه، هقعد أسبوع هنا وبعدها أسافر.
ودع مالك صديقه، وكذلك ريتال، وعادوا إلى القاهرة.
***
في منزل عائلة الدسوقي، رحب محمد وزوجته بأولادهم، ثم ذهب للشركة. أعدت لهم مديحة الطعام، وتحدثت معهم عن تفاصيل رحلتهم.
مديحة: احكولي، عملتوا إيه؟ عجبكوا الفرح؟
مالك: ادينا الواجب، وكان فرحهم حلو ما شاء الله. الكل كان مبسوط، ويوسف طيب وابن حلال يستحق يبقى فرحان.
مديحة: ربنا يسعدهم ويهنيهم يا حبيبي.
مالك: يا رب يا أمي.
نظرت مديحة إلى ريتال التي تحرك الملعقة في الطعام ولا تأكل. فقالت: مالك يا ريتال؟ بتلعبي في الأكل ومش راضية تاكلي يا حبيبتي.
التفت مالك إليها.
ريتال: لا أبدًا، مفيش، بس ماليش نفس أكل.
فجأة ركضت إلى المرحاض تستفرغ. خرجت وهي تضع يدها على بطنها، وملامحها تظهر عليها التعب. وجدت مالك ومديحة في انتظارها.
مديحة: مالك يا حبيبتي، انتِ كويسة؟ ثم قالت بسعادة: ريتال، انتِ حامل؟
ريتال: دي معدتي رجعت توجعني تاني، مش أكتر. عن إذنك يا مرات خالو، هطلع أنام وأرتاح شوية.
مديحة: ماشي يا حبيبتي. لو تعبانة، قولي يودوكي المستشفى.
ريتال: لا ما فيش داعي يا مرات خالو. أنا لما هطلع أنام هرتاح، متقلقيش يا حبيبتي، أنا كويسة.
مديحة: على راحتك يا بنتي. مالك، خد مراتك طلعها ترتاح.
أخذها مالك وصعد لشقتهم. توجهت ريتال للفراش وضمت نفسها إليها، انكمشت على نفسها أسفل الغطاء.
مالك: أنتِ متأكدة إنك كويسة؟
ريتال: ااه.
وكن مظهرها عكس ذلك.
مالك: قومي نروح المستشفى.
ريتال: لا مفيش داعي، أنا كويسة. متشغلش بالك.
اشعل بغضب من أسلوبها وعنادها، فصرخ بها بغضب، وقال: هو إيه زفت عناد وخلاص؟ لما أقولك قومي، يبقى قومي، سامعة ولا لأ؟
قامت، وقفت أمامه، وتحدثت بحزن: مش عناد، أنا بريحك مني، مش عاوزة أتعب حضرتك معايا.
مالك: إيه حضرتي دي؟ أنا جوزك.
ريتال: زي ما حضرتك بتعاملني برسمية. وبعدين، يهمك صحتي فيه إيه؟ ما أنا هونت عليك، سايبني طول الليل بعيط، وحتى بعد ما صالحته واتأسفتله، زعقت فيا. دا حتى لما صحيت أصبح، لقيتني نايمة في حضنك، فرحت وفكرت انت اللي خدتني في حضنك واتصالحت، قومت كاسر خاطري، وقولتلي: إيه اللي منيمك في حضني؟ أوعي عاوز أقوم.
حاولت التحكم في دموعها حتى لا تظهر بهذا الضعف أمامه.
مالك: خلصتي؟ أسلوبي معاكي رد فعل للي صدر منك، وانتِ عارفة غلطك كويس، وعارفة إن عنادك بيعصبني، ولما أتعصب مبشوفش قدامي. فهمتي؟ بتجاهلك ليه؟
ريتال: ما أنا اعتذرت وجيتلك اتأسفت، مسبتكش تتفلق زي ما حضرتك عملت.
مالك: الاعتذار كان يتقبل عادي لو الغلطة كانت أول مرة، مش متكررة. وبعدين الاعتذار إنك تبطلي تعملي الحاجة الغلط، مش تعيديها وتقولي.
قطع حديثه عندما لاحظ نظرات الحزن داخل عيونها. وجدها انحنت للإمام، تضع يدها على بطنها بألم، فكف عن معاتبتها.
"من حسن الود أن يتوقف الجدال عندما يحتل الحزن والألم عين الطرف الآخر."
اقترب منها بقلق، وقال: مالك، إيه اللي تاعبك؟
ريتال بألم: لا ما فيش.
أجلسها على طرف الفراش، وجلس بجوارها، أخذها بأحضان، وقال: خلاص، متزعليش.
فجأة انفجرت في البكاء.
ازداد قلقه، فأبعدها قليلًا ينظر لها، وقال: مالك، فيكي إيه؟ قومي نروح المستشفى.
أمسكت يده، وقالت برفض: لا، خليني في حضنك.
ضمها لصدره بقلق، وجدها تحتضنه بقوة ولا تكف عن البكاء.
شعر بالحزن لمعاملته معها وقسوته. قبّل رأسها، وقال: أنا آسف على أسلوبي معاكي. قومي يا قلبي خلينا نطمن عليكي.
ريتال: لا خلاص، أنا كويسة.
مالك: أومال بتعيطي ليه؟
ريتال: عشان زعلانة منك. وحشني حضنك. كنت فاكرة إني هعرف أعيش من غيره، بس حلمت حلم وحش. قلبي اللي كان واجعني أكتر، مش بطني.
مالك بحزن: يا قلبي انت، أنا آسف، أنا حمار وغبي عشان زعلتك.
ريتال: عاوزة أطلب طلب.
مالك: اطلبي يا قلبي، وأنا تحت أمرك.
ريتال ببعض التعب، قالت: عاوز أنام في حضنك من غير ما أصحى تقولي: إيه جابك عندي.
أخذها مالك بأحضان، وتمدد على الفراش، وقال: يا قلب مالك، انت دا حضنك انتِ. نامي فيه براحتك. محدش يقدر يقولك حاجة. حتى لو أنا اللي قولتلك ابعدي، متبعديش، وقوليلي: دا ملكي أنا.
ربت بلطف على شعرها، ثم تابع وقال: على فكرة، أنا اللي خدتك في حضني وانتِ نايمة.
ريتال: يعني مش أنا اللي اتقلبت وجيت عندك؟
مالك: اااه، مش انتِ.
ضربته بخفة، وقالت: والله انت نصاب كبير. تاخدني في حضنك وأنا نايمة، وبعدها تقولي: انتِ نايمة ليه في حضني؟
ضحك مالك بخفة، وقال: عشان أنا أناني فيكي. تعرفي حاولت أقسي عليكي أكتر، معرفتش. وفي النهاية انتِ اللي فوزتي.
ريتال بحنق: والله! وانت كدا مقستش يا مالك يا أبو المماليك.
مالك: هههههه، إيه دا بقي؟ انتِ اتعلمتي من علي.
ريتال: إيه دا؟ تصدق صح، دا أنا كرفت عليه.
نظر لها، وضحك، ثم قال بجدية: ريتال يا حبيبتي، أنا لما منعتك تحطي ميكب برا البيت، دا عشان بغير عليكي يا قلبي. بس انتِ كسرتي كلامي. والبنت اللي بتقولي بتبص لي وبتحاول تلفتني، كانت هتقضي عمرها كله ولا تعرف تلفتني ليها، عشان أنا معايا ست البنات، ومستحيل أبص لغيرها.
ابتسمت ريتال على آخر حديثه، ثم قالت: طب مش عاوزني ليه أحط ميكب؟ انت عاوزني يبقى شكلي مش حلو؟
مالك: مين قال إن شكلك وحش من غير ميكب؟ انتِ قمر على فكرة من غير ميكب، ولو عاوزة تحطي، حطيه هنا في البيت.
ريتال: طب ليه برا؟ لا. مش بعاند والله، بس فهمني، ليه؟ عشان حقيقي معرفش سبب رفضك.
مالك: بيخلي منظر حلو ومغري لأي راجل، وأنا مش عاوز حد يبصلك. مع إن شايفك أحلى من غير ميكب ومغرية أكتر. هههههه.
ريتال: طب قولي شايف إيه في شكلي حلو من غير ميكب؟ يمكن أنا مبشوفش مثلاً.
مالك: يا سلام، عيوني توصفلك. وبعدين يا حبيبتي، جمال الروح بيغلب الشكل. بدأ وصف ملامح وجهها، ومع كل وصف يعطيها قبلة رقيقة للشيء الذي وصفه.
"الروح بتغلب الشكل، فاهتم إنك تحسن من روحك ونفسك قبل مظهرك وشكلك."
مالك: عيون واسعة لونهم زي القهوة، متحاوطين برموش سود طويلة. ثم قبّل عينها. تابع وقال: لما ببصلهم بلقي فيهم لمعة وحب ودفا. اليوم بيبقى حلو لما أصحى أصبح، وأول حاجة تشوفها عيني هما عيون القهوة دول اللي بيفوقوني. ثم قبّل عينها الأخرى، وقال: ومناخير صغنطوطة. وداعب أنفها بإصبعه بلطف، ثم مال، طبع قبلة على خدها الأيمن، وقال: وخدود قمر مليانة بتحمر، هي والكريزة لما بقرب منهم. ومال قبل خدها الآخر. وبعدما انتهى من قبلاته، قال: آآه، بحبك.
احمر وجهها بخجل، فدفنت وجهها بصدره. ضحك مالك، وقال: لسه قاعدة بتتكسفي مني.
ريتال: مااالك، بس بقي.
ابتسم مالك عليها، وضمها لصدره أكثر، ثم قال: لسه بطنك بتوجعك؟
ريتال: يعني خفت شوية.
مالك: بتوجعك فين؟
أشارت له على مكان الألم، فوضع يده عليه، يمررها بلطف مكان الألم.
ريتال بخجل: بتعمل إيه؟
مالك: بعمل مساج، يمكن الوجع يخف.
وبعد دقائق، وجدها تنظر له.
مالك: هههههه، يا بنتي نامي، والله ما هعمل حاجة غلط، أنا جوزك على فكرة.
أخذ يمسد بلطف على منطقة الألم حتى غفت ونامت بارتياح.
"تستطيع أن تتخاصم مع من تحب، لكنّك لا تستطيع أن تراه يتأذّى."
رواية بعد فقدان الامل الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم مروة فتحي
مالك : هههههه يا بنتي نامي و الله ما هعمل حاجة غلط انا جوزك على فكرة … اخد يمسد بلطف على منطقة الألم حتي غفت و نامت بارتياح …” تستطيع أن تتخاصم مع من تحب ، لكنّك لا تستطيع أن تراه يتأذّى … “