تحميل رواية «اسيره في مملكة عشقه» PDF
بقلم سيليا البحيري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في فصل من الفصول بمؤسسة "جاسر الحديدي" انترناشونال سكول، كانت غزل واقفة قدام السبورة بكل ثقة. في إيديها الطبشورة، وعينيها الزرقاء الفاتحة زي السماء بتلمع بذكاء وتركيز، وشعرها البني الحريري متساب على كتفها بخفة. بشرتها البيضا الناعمة كانت بتخلي الكل مش قادر يبطل يبصلها. غزل بدأت تكتب الحل على السبورة بخط واضح ومنظم، صوتها هادي لكن مليان ثقة وهي بتحلل المعادلة خطوة خطوة. الأبلة بصتلها وهي مبتسمة بفخر وقالت: "برافو يا غزل! حلك صح ميه في الميه، شاطرة أوي ما شاء الله." أما الطلبة، ردود فعلهم كانت مخت...
رواية اسيره في مملكة عشقه الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سيليا البحيري
بعد عدة أيام، في المدرسة كانت حور تجلس حزينة عابسة.
جاء أمجد إليها وجلس أمامها وأردف قائلاً بقلق:
"مالك يا حور؟"
حور بحزن: "نسيت اللانش بوكس بتاعي في البيت وأنا جوعانة أوي."
أمجد بابتسامة: "متعيطيش، أنا هديلك من بتاعتي، ماما حطتلي كتير وأنا مش هقدر أكملها كلها."
حور بسعادة: "بجد؟"
أمجد: "أيوه، اتفضلي."
قالها وهو يعطي حور واحدة من السندويتشات بتاعته.
أخذتها حور وكانوا يأكلون بسعادة.
*******************
في المطار، كانت غزل مع سليم وميار في انتظار أوس وشغف، فهما سيعودان لمصر اليوم.
غزل بحماس: "تفتكروا هيتعرفوا علينا؟"
سليم بسخرية: "وليه لا يا أذكى أخواتك."
غزل بغباء: "لأنه مرت 4 سنين وممكن نكون اتغيرنا."
ميار بسخرية: "معاكي حق، بس 4 سنين مش كافية عشان نتغير للدرجة دي."
كانت غزل ستجيبها، لكن قاطعهم صوت رجولي مميز قائلاً بمرح:
"مرحباً يا جماعة، وحشتونا أوي."
غزل بسعادة: "أوس!"
أوس بإعجاب: "اتغيرتي أوي، وصرتي مزة."
بعد كلام أوس، ضحك كل من سليم وميار، وابتسمت له غزل بخجل.
لكن قطع اللحظة صوت أنثوي غاضب:
"مين دي اللي مزة يا خاين؟"
اختبأ أوس خلف سليم وصاح قائلاً بخوف مصطنع:
"الحقوني يا جماعة هتموتوني."
ليضحك الجميع، وتبتسم شغف بسعادة.
شغف: "وحشتوني أوي."
غزل بحزن مصطنع: "ده عمل يا شغف، سبتينا أربع سنين من غير ما تسألي علينا."
شغف: "والله آسفة، بس كنت مشغولة أوي ومكنش عندي وقت عشان أفتح نت كتير."
غزل: "مش مشكلة، المهم إننا مع بعض دلوقتي."
كان أوس يصافح سليم ويحتضنه بشوق.
أوس: "عامل إيه يا برنس؟"
سليم: "كويس، وأنت؟"
أوس: "نحمد ربنا."
ثم تذكر شيئاً ما وصاح قائلاً بخبث:
"اعترفت بحبك لغزل وله لسه؟"
أغلق سليم فم أوس بسرعة وأردف قائلاً بهمس:
"أنا اكتشفت إني بحب واحدة تانية."
أوس بفضول: "مين؟"
سليم وهو ينظر لميار التي تتحدث مع شغف: "هقولك بعدين."
قاطعتهم غزل قائلة بمرح:
"يلا بينا قبل ما سليم بيه يبعت لينا رجاله ويحبسونا في المخزن."
شغف: "لسه عمو سليم زي ما هو؟"
غزل: "بابا هو نفسه من ساعة ما سبتوا مصر، مش هيتغير أبداً."
ليتجهوا جميعاً نحو فيلا الشرقاوي.
وبعد فترة قصيرة، كان الجميع في انتظارهم.
ميار (والدة غزل) بسعادة: "ياه، كبرتي أوي يا شغف وبقيتي أجمل عروسة."
شغف بخجل: "شكراً يا طنط ميار."
ميار: "غرام عاملة إيه؟"
شغف: "هي كويسة وبتسلم عليكي."
ميار: "مجاتش معاكم ليه؟"
شغف: "عندهم أشغال وأول ما يخلصوها هينزلوا مصر كلهم."
تدخل الجد نادر قائلاً:
"إن شاء الله، يلا اتفضلوا للسفرة."
اتجهت حور نحو شغف وأردفت قائلة بطفولة:
"إنتي حلوة أوي يا شغف، أحسن من البومة غزل."
ضحك الجميع على كلام حور ما عدا غزل التي كانت تنظر لها بصدمة.
غزل بصدمة وعدم تصديق: "أنا بومة يا حور؟"
حور بجدية طفولية: "آه."
غزل: "بقى كده يا حور، تبيعي أختك عشان شغف، ماشي، متتكلميش معايا تاني."
ليتجهوا جميعاً نحو الطاولة وقضوا وقت لطيف في جو عائلي جميل.
حتى انتبه الجد نادر على غياب زينب.
نادر: "محمد، مراتك فين؟"
محمد بخجل واعتذار: "هي في المول، نزلت تجيب شوية حاجات."
شغف بمرح: "لسه تيتا زينب زي ما هي؟"
غزل: "آه، والله ساعات بحسدها على صحتها دي ونشاطها الدايم."
********************
في مكان آخر، كان غيث يعمل في المطعم وبيده طبق الشوربة وشارد في غزل.
حتى اصطدم بسيدة ما ووقعت الشوربة عليها.
استفاق من شروده وصاح قائلاً باعتذار:
"أنا آسف."
زينب بغضب: "يا متخلف، بوظتلي هدومي."
رواية اسيره في مملكة عشقه الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سيليا البحيري
زينب (بغضب شديد وهي تقف بسرعة): آه! يا لهوي! إنت مجنون ولا إيه؟! إنت عارف البالطو ده بكام؟!
غيث (مصدوم، ينزل بسرعة الصينية ويحاول يمسح الشوربة بمنديل): والله آسف جدًا، ما كانش قصدي خالص، غلطة مني، سامحيني.
زينب (تبعد يده باشمئزاز): إبعد عني! إنتو بتجوا منين أصلاً؟! إزاي يشغلوا حد زيك هنا؟! المكان ده بقى أي كلام!
غيث (منكسر الرأس ومحرج بس بيحاول يتمالك نفسه): يا فندم، والله آسف، ممكن أدفع تمن تنظيف البالطو.
زينب (تضحك بسخرية): تنظيف إيه؟! إنت عارف البالطو ده تمنه قد إيه؟ ده إنت مش هتجيب حقه لو اشتغلت عشر سنين! مش عايزة اعتذارك، هاتلي مديرك حالاً! المكان ده واضح إنه مبقاش محترم زي زمان، بقى بيشغل أي حد والسلام!
في اللحظة دي، مدير المطعم بيجري عليهم، وشه متوتر، بيحاول يهدي زينب، وغيث واقف على جنب بيحاول يمسك نفسه، بس جواه غليان من الإهانة اللي خدها.
***
في اللحظة اللي زينب بتصرخ فيها، بييجي مدير المطعم بسرعة، وراه مصطفى، صديق غيث، اللي كان شايف الموقف من بعيد وحاسس إن الدنيا هتقلب. المدير شكله متوتر، عارف إن زينب زبونة مهمة وممكن تعمل مشكلة كبيرة.
المدير (بصوت مرتبك وهو بيحاول يبتسم): مساء الخير يا فندم، أنا آسف جدًا على اللي حصل، أكيد غيث ما كانش يقصد، وإحنا مستعدين نعوض حضرتك بأي طريقة.
زينب (بغضب وهي لسه ماسكة طرف البالطو المبقّع): تعوضني؟! هو ده اللي عندك؟ الولد الغبي ده بوّظلي لبسي، وإنت بتقول تعويض؟! أنا مش هسكت على قلة الأدب دي!
غيث (بحزم وهو بيحاول يمسك أعصابه): أنا قلت لحضرتك إني آسف، وكان غلطة غير مقصودة.
زينب (باحتقار): ومين قال إني مستنية أسفك أصلاً؟ أنا عايزة أشوف العقاب اللي هتاخده، النوع ده ماينفعش يفضل في أماكن زي دي!
مصطفى (اللي كان ساكت طول الوقت، أخيرًا بيتكلم وهو بيبص لزينب بضيق): مع احترامي لحضرتك، بس غيث مش خدام عند حد، هو شغال هنا بشرف، وكلنا بني آدمين وممكن نغلط.
زينب (بدهشة وسخرية): بني آدمين؟! إنت كمان جاي تدافع عنه؟! الظاهر إن المكان كله محتاج يتغير!
المدير (بلغة دبلوماسية وهو بيحاول يهدّي الموقف): يا فندم، أكيد حضرتك حقك علينا، وإحنا ممكن نبعت البالطو للتنظيف على حسابنا، وكمان نقدّم لحضرتك أي حاجة تعويض.
زينب (بعجرفة): إنت فاكرني محتاجة تعويضكم التافه؟ أنا هتصل بصاحب المكان بنفسي، وأشوف شغلي معاكم!
بتاخد شنطتها، تبص لهم نظرة احتقار، وتتحرك ناحية الباب وهي بتكلم حد في التليفون، بينما المدير بياخد نفس عميق وهو باصص لغيث اللي واقف وشه متوتر، ومصطفى جنبه بيحاول يسنده.
مصطفى (بهمس لغيث): متخليش كلامها يهدّك، إحنا مش أقل من حد، فاهم؟
غيث (بهدوء لكنه جواه بركان): فاهم، بس في ناس مش عايزة تفهم.
***
في غرفة فخمة داخل فيلا عائلة الشرقاوي، حيث الأثاث الراقي والإضاءة الدافئة. تجلس غزل على سريرها الكبير، مرتدية بيجاما أنيقة، بينما تجلس شغف على الأريكة بجانبها، وميار على كرسي هزاز بالقرب من النافذة. الجو مليء بالمرح والضحك، خاصة مع حماس غزل الزائد لحفل زفاف شغف.
غزل (بحماس وهي تلوّح بيدها): يا بنتي أنا مش مصدقة إنك راجعة أخيرًا بعد كل السنين دي! وأحلى حاجة إنك راجعة عشان نحتفل بفرحك هنا!
شغف (تضحك وهي تمسك بيد غزل): وأنا كمان مش مصدقة! بس فعلاً وحشتوني كلكم، حسيت إن السنين عدت بسرعة، بس بمجرد ما شوفتكم حسيت كأننا ما افترقناش لحظة!
ميار (بمزاح وهي تعقد ذراعيها): طبعًا، وإحنا هنسمح لكِ تنسي الأيام الجميلة اللي عشناها سوا؟ مستحيل!
غزل (بمرح وهي تشير إلى شغف): بس على فكرة، إنتي السبب في إني مش ناوية أنام النهاردة! الفرح ده لازم يكون أسطوري! فستانك، تسريحتك، المكياج… كل حاجة لازم تبقى بيرفكت!
شغف (تضحك): غزل، إهدي شويه! إحنا لسه عندنا وقت.
ميار (بخبث): لا يا شغف، واضح إن غزل ناوية تقلب الدنيا، ويا عالم إيه الأفكار المجنونة اللي في دماغها!
غزل (تغمز بمكر): طبعًا! ماينفعش فرحك يعدي عادي، أنا عندي خطط لازم تتنفذ، وهتكون ليلة أسطورية!
شغف (تضع يدها على رأسها بمزاح): يا ساتر، خطط إيه تاني؟ أنا المفروض أفرح ولا أقلق؟
ميار (تضحك): لأ تقلقي طبعًا، غزل لما تقول "عندي خطة" يبقى في حاجة هتحصل وهنقلب الفرح حفلة مفاجآت!
غزل (بمرح): استعدي يا عروسة، لأن الليلة دي هتفضل في التاريخ!
يستمر ضحك الفتيات وحماسهن، وأجواء المرح تملأ الغرفة بينما شغف تنظر إلى صديقتيها بحب، سعيدة بعودتها إليهن بعد كل هذه السنوات.
***
في حديقة الفيلا في المساء، الأجواء هادئة، والنجوم تلمع في السماء. يجلس أوس وسليم على كراسي خشبية بجانب طاولة صغيرة، يحتسيان القهوة بينما تهب نسمات باردة منعشة. الحديقة مضاءة بأنوار خافتة تضفي جواً دافئاً على المكان.
أوس (يأخذ رشفة من قهوته ويبتسم): مش مصدق إننا قاعدين كده تاني بعد كل السنين دي! كأننا رجعنا الإعدادية تاني، بس الفرق إننا دلوقتي كبرنا وبقينا رجالة متجوزين بقى!
سليم (يضحك وهو يهز رأسه): آه فعلاً، بس الفرق إنك إنت الوحيد اللي متجوز، أنا لسه في السكة!
أوس (بمزاح): هو إحنا نضحك ولا نقلق على العروسة اللي هتقع في إيدك؟
سليم (يبتسم وهو ينظر إلى القهوة في يده): لأ خالص، بالعكس… المرة دي أنا عارف أنا عايز إيه بالضبط.
أوس (يرفع حاجبه باهتمام): أها! واضح إن في تطورات… خليني أخمن، غزل؟
سليم (يهز رأسه نافيًا بابتسامة هادئة): لا… غزل كان مجرد إعجاب زمان، بس مع الوقت فهمت إن مشاعري ليها كانت مجرد فكرة أكتر منها إحساس حقيقي. إنما دلوقتي… أنا قلبي مع حد تاني.
أوس (بفضول): بجد؟ مين؟
سليم (يبتسم وهو يحرك الملعقة في فنجانه): ميار.
أوس (بدهشة وهو يضحك): ميار؟! طب والله توقعتها، كنت دايمًا بشوفكوا مع بعض، بس عمري ما تخيلت إن الموضوع كبر معاك كده!
سليم (بتنهيدة خفيفة): هي مختلفة… عقلها حلو، طريقتها في الكلام، تفكيرها، وحتى جنانها اللي بيطلع أوقات بيخليني مش عارف أفكر كويس! بس بحس إني على طبيعتي معاها، مش مضطر أكون شخص مثالي أو متصنع.
أوس (يضحك): آه طبعًا، ميار وغزل وشغف… ثلاثي الجنون الرسمي! أنا اتجوزت شغف، يعني أقدر أقولك من دلوقتي، حياتك مش هتكون هادية لو دخلت ميار حياتك بشكل رسمي!
سليم (يبتسم): بالعكس، يمكن ده أكتر حاجة عجباني فيها، إن حياتي معاها مش هتكون مملة أبدًا.
أوس (يمد يده ويصافح سليم): خلاص، اتوكل على الله، وخلينا نشوف خطوة جدية قريب، عشان الفرح الجاي يكون فرحك إنت بقى!
سليم (يضحك وهو يهز رأسه): قريب جدًا، بس خلينا نخلص جنان فرحك الأول، لأن غزل شكلها ناوية على مصيبة!
أوس (بتنهيدة مسرحية): آه، أنا حاسس… وربنا يستر!
يضحكان معًا، بينما الهواء يعبث بأوراق الأشجار من حولهما، والذكريات القديمة تلمع في عيونهما، ممزوجة بحماسة المستقبل.
***
أوس يأخذ رشفة من قهوته ثم ينظر إلى سليم بمكر، وكأنه تذكر شيئًا فجأة.
أوس (بفضول وهو يبتسم بمكر): طب قولي بقى… غزل عندها حد في حياتها؟ ولا لسه زي ما هي؟
سليم (يهز رأسه نافيًا): لأ، مفيش حد، بس بصراحة… أنا عندي حد في دماغي ليها.
أوس (يرفع حاجبه باهتمام): بجد؟ مين؟
سليم (يبتسم بخبث): شاب اسمه غيث… زميلنا في الجامعة، بس غير أي حد عرفته قبل كده.
أوس (بفضول): غيث؟ مش سامع عنه قبل كده، حكايته إيه؟
سليم (يستند للخلف وهو يشرح): غيث شاب بسيط جدًا، وسيم، مجتهد، من عيلة متوسطة، وبيشتغل جنب الدراسة عشان يساعد أهله. شخصيته قوية وعنده مبادئ، مش زي شباب العائلات اللي حوالينا، وده اللي عاجبني فيه.
أوس (يهز رأسه بإعجاب): شكله حد يعتمد عليه… بس إزاي ناوي تقرّبه من غزل؟ دي مش أي حد يعجبها كده وخلاص.
سليم (يبتسم بذكاء): عارف، بس أنا مش ناوي أفرض حاجة، أنا بس عايزهم يقربوا، يشوفوا بعض، يمكن يحصل بينهم حاجة طبيعية… وغيث، بصراحة، هو أكتر حد شايفه مناسب لها.
أوس (يضحك وهو يومئ برأسه موافقًا): عجباني فكرتك، ومش هسيبك لوحدك في الموضوع ده!
سليم (ينظر له بريبة): يعني إيه؟
أوس (بابتسامة واسعة): يعني بما إن غيث زميلكم في الجامعة، يبقى لازم تلاقوا فرصة تجمعوه مع غزل… وأهو أنا هساعدك نخلي الموضوع طبيعي ومن غير ما تحس إنها متراقبة!
سليم (يضحك وهو يهز رأسه): إنت عارف إنك خطر؟ بس بصراحة… دي أول مرة حس إن عندي شريك مناسب للجريمة!
أوس (يغمز له): بس طبعًا، إحنا أصدقاء الطفولة، ماينفعش حد غيري يساعدك في المهمة الخطيرة دي!
يضحكان معًا، بينما في داخلهما، يخططان لكيفية جمع غزل وغيث بطريقة طبيعية، غير مدركين أن الأقدار قد تكون أسرع منهما في لعبتها الخاصة.
***
في منزل عائلة غيث، غيث يدخل المنزل بعد يوم طويل في العمل، وجهه غارق في الحزن. الباب مفتوح والجو في الداخل دافئ، حيث ينتظره والده رمزي، والدته شيرلين، وشقيقه الأصغر أمجد، الذي يركض نحوه بمجرد أن رآه يدخل.
أمجد (بفرح وهو يركض نحوه): أخيرًا رجعت يا غيث! شفت النهاردة أكتر مسلسل حلو على التلفزيون!
غيث (يبتسم ابتسامة حزينة وهو ينحني ليحمل أمجد): برافو عليك يا بطل، عارف إني كنت مستني أفهم النهاية.
رمزي (والده، وهو يبتسم من بعيد): إيه ده؟ مش شايفين إن غيث متعب؟ مالك يا ابني؟
غيث (يرتدي قناع الابتسامة وهو يضع أمجد على الأرض): مافيش حاجة، شوية تعب بس.
شيرلين (والدته، تلاحظ الحزن في عينيه وتقترب منه): غيث، في حاجة؟ ملامحك مش طبيعية النهاردة.
غيث (يتنهد وهو يجلس على الأريكة): مافيش يا ماما، بس اليوم كان صعب شويه.
رمزي (يقترب منه ويجلس بجواره): صعب إزاي؟ قل لي يا ابني.
غيث (بتنهدة عميقة، يبتعد عنهم بنظرات حائرة): كنت في مطعم النهاردة، وشفت قد إيه الدنيا بتكون قاسية… في واحدة، اسمها زينب، كانت جاية، وعشان شوية شوربة اتسخت على معطفها، عملتني زي العبد، زي ما مافيش كرامة ليّا. أنا حاسس إني مش إنسان بالنسبة ليهم.
شيرلين (بقلق): يا حبيبي، إنت عارف إن الناس دي مش زي الناس اللي إحنا نعرفهم. هم مش فاهمين حاجة عن معاناتنا.
غيث (يحاول أن يخفف عن نفسه): بس اللي بيحصل ده كل يوم يا ماما. كل مكان بروح له، كل حاجة بعملها، دايمًا بيتعاملوا معايا على إني أقل منهم. لأني مش غني زيهم، لأني مش عندي فلوس، مش عندي رفاهية الحياة زيهم.
رمزي (وهو يضع يده على كتفه، يحاول أن يواسيه): مش كل الناس زيهم يا غيث. في ناس محترمة وفي ناس قلبها طيب، وعمر ما الفلوس كانت مقياس لقيمة الإنسان.
غيث (يحرك رأسه بحزن، وهو يرفع عينيه نحو والدته): عارف يا بابا، بس بيحصل كده في كل مكان. إحساسك إنك عايش تحت رحمة الناس الأغنياء، وإنت مجرد شخص بيشتغل عشان يعيش. إحساس صعب…
أمجد (بحماس وهو يقترب منهم): بس إنت قوي يا غيث، ولازم تفضل قوي علشاننا، أنا عارف إنك هتوصل للي إنت عايزه!
غيث (يبتسم بحزن وهو يربت على رأس أمجد): شكرًا يا صغيري، إنت دايمًا بتشجعني.
رمزي (بصوت حازم): بلاش تحبط نفسك يا غيث، الدنيا مش دايمًا زي ما بيشوفها الأغنياء. أهم حاجة إنك تبقى مرتاح مع نفسك، وفي النهاية الكرامة هي اللي بتدوم.
غيث ينظر لوالده، ثم يغمض عينيه قليلاً، يحاول أن يجد بعض الراحة في كلمات والديه، لكنه لا يستطيع التخلص من الإحساس المرير الذي يشعر به من الإهانة التي تعرض لها.
***
في اليوم التالي، داخل أحد المولات الفاخرة، حيث الأضواء اللامعة والمحلات الفخمة، تسير غزل، شغف، وميار بحماس بين المتاجر، بينما يسير خلفهن أوس وسليم متذمرين، يحملان بعض الأكياس وكأنهما مُجبران على هذه المهمة الشاقة.
غزل (بحماس وهي تمسك بفستان أنيق): بصوا ده! مش تحفة؟ لازم أجربه!
شغف (تضحك وهي تنظر لأوس): أوس، ما تيجي تختار لي حاجة، ولا هتفضل عامل نفسك مش موجود؟
أوس (بتنهيدة وهو يمرر يده في شعره): بصراحة؟ أنا جاي هنا عشان أشيل الشنط، الاختيارات دي مسؤوليتكوا إنتوا!
ميار (بمكر وهي تشير لسليم): طيب وسليم؟ مش هيختار لي حاجة هو كمان؟
سليم (برفع حاجب وهو ينظر لها بسخرية): أنا؟ إنتي عايزة ذوقي في اللبس؟ ده أنا حتى لما أشتري حاجة لنفسي بحتاج استشارة!
غزل (تغمز لشغف): طيب بما إنكم جايين تهزّروا، يبقى عقابكم… تنتظرونا برا محل الفساتين النسائية!
أوس (بعينين متوسلتين): غزل، بالله عليكي! حرام عليكم، إحنا رجالة عندنا كرامة!
شغف (تضحك): كرامة إيه؟ إحنا دخلين نقضي وقت جميل، وأنتوا يا إما تستمتعوا معانا يا إما… تستنونا ساعتين على الأقل!
سليم (يضع يده على جبينه بيأس): أوه لأ، بليييز، خلّوا معانا رحمة!
ميار (تلوّح بيدها وهي تدخل المتجر مع الفتيات): الرحمة ممنوعة النهاردة!
أوس وسليم يتبادلان النظرات، ثم يجلسان على مقاعد قريبة، ينظران إلى بعضهما بيأس بينما الفتيات يبدأن في تجربة الملابس بحماس، غير مباليات بمعاناة الشابين.
أوس (بسخرية وهو ينظر لسليم): إحنا ضحايا، بس محدش مقدّر حجم مأساتنا!
سليم (يتنهد): عادي، أنا استسلمت، أي حاجة تطلّعنا من هنا بسرعة، أنا موافق عليها!
أوس (يضحك): طيب، إيه رأيك في فكرة مجنونة؟ لو نجحنا في خطتنا مع غيث، ممكن نخلي غزل تشغله لدرجة تنسى تجرّنا لتجارب التسوق دي!
سليم (يضحك وهو يهز رأسه موافقًا): خلاص، دلوقتي بقت معركة شخصية، ولازم ننجح فيها!
يضحكان بينما من داخل المتجر، تتعالى أصوات غزل وشغف وميار وهن يطلبن منهن إبداء رأيهم في الفساتين، ما يجعل أوس وسليم يضعان أيديهما على وجهيهما بيأس، مستعدين ليوم طويل من المعاناة.
***
أوس وسليم ما زالا يجلسان خارج المتجر، يراقبان الفتيات وهن يتنقلن بين الفساتين. فجأة، يلمح سليم شخصًا مألوفًا يسير في المول وهو يبدو شارد الذهن ومحبطًا.
سليم (باندهاش وهو يحدّق): غيث؟!
ينظر أوس إلى الاتجاه الذي يشير إليه سليم، ليرى شابًا وسيمًا يسير ببطء، ملامحه حزينة وكأنه في عالم آخر.
أوس (مستغربًا): هو ده غيث اللي كنت بتكلمني عنه؟
سليم (ينهض وينادي): غيث!
يلتفت غيث متفاجئًا عند سماع اسمه، ثم يرى سليم يلوّح له، فيتجه نحوهما.
غيث (بدهشة): سليم؟! إنت هنا؟
سليم (يبتسم ويربت على كتفه): آه يا صاحبي، أنا وأوس مع الفتيات في رحلة تعذيب… قصدي تسوق.
أوس (يمد يده مصافحًا غيث): أوس، صديق سليم وغزل، و—الضحية اللي شغف قررت تعذّبه طول عمره!
يبتسم غيث مجاملة، لكن الحزن لا يزال واضحًا في عينيه.
سليم (يلاحظ ذلك ويعبس): مالك؟ شكلك مش تمام.
غيث (بتنهيدة): اتطردت من شغلي في المطعم امبارح. الست زينب اللي حصلت معها المشكلة، اشتكت للإدارة، وهم ما استحملوش وجابوها عليّ وطردوني.
أوس (باندهاش): إيه ده؟ مش معقول!
سليم (بغضب): والله الست دي متكبرة جدًا! كل ده عشان شوية شوربة؟
غيث (يهز رأسه بيأس): مش موضوع الشوربة، الموضوع إني كنت مجرد عامل بسيط، وده كان كفاية يخليهم يستغنوا عني في ثانية. أنا هنا بدوّر على شغل، لازم أساعد أهلي بأي طريقة.
قبل أن يرد أي منهما، تخرج غزل وشغف وميار من المتجر، وغزل تحمل فستانًا بحماس.
غزل (بحماس): أنا لقيت فستان ها— تتوقف فجأة عندما ترى غيث، ثم تبتسم بلطف.
غزل (بهدوء واحترام): غيث؟؟
غيث (ينظر لها بتفاجؤ، غير معتاد على هذا القدر من الاحترام من شخص مثلها): آه…
ميار (تبتسم): أخبارك إيه؟
ينظر غيث إلى سليم.
غيث (بتنهيدة): بصراحة، طردوني بسبب الشكوى اللي حصلت امبارح، والنهاردة كنت بدوّر على شغل جديد.
غزل (بجدية وهي تعقد ذراعيها): الناس دي مستفزة! بس متقلقش، إحنا مش هنسيبك كده.
غيث (باندهاش): "إحنا"؟
أوس (يضع يده على كتف غيث): طبعًا! ما تعرفش إنك وقعت في وسط عصابة دلوقتي؟
شغف (بابتسامة مطمئنة): هنلاقي لك شغل مناسب، متقلقش.
غزل (تفكر ثم تبتسم فجأة): أنا عندي فكرة! بابا عنده شركة كبيرة، ودايمًا بيدور على ناس مجتهدين يشتغلوا معاه. ممكن أكلّمه عنك!
غيث (مترددًا): بس… أنا مش متعود آخد حاجة بالشكل ده، أنا بحب أعتمد على نفسي.
سليم (يربت على ظهره): محدش قال إننا بنديك حاجة من غير مقابل، ده مجرد باب هنفتحه لك، والباقي عليك.
غزل (تبتسم بحماس): بالظبط! وبعدين إنت زينا، مفيش فرق بيننا.
ينظر غيث إليها باندهاش، وكأن كلماتها أثرت فيه أكثر مما يتوقع. ابتسامة صغيرة تظهر على وجهه لأول مرة منذ يومين، بينما يشعر أن هذا اللقاء قد يكون بداية جديدة لحياته.
***
غيث ما زال ينظر إلى غزل باندهاش، غير مصدق أنها تتحدث معه بهذا الاحترام والتلقائية. قبل أن يتمكن من الرد، تتحدث غزل مجددًا بحماس.
غزل (تبتسم وهي تشير للمحال من حولهم): طيب بما إنك خلاص قابلتنا، يبقى لازم تنضم لينا في جولة التسوق!
غيث (يرتبك وهو يرفع يديه معتذرًا): لا لا، مش هينفع، أنا كنت همشي أكمل البحث عن شغل…
ميار (تتظاهر بالاستياء): يعني إحنا كلنا بنتعب معاك عشان نلاقي لك شغل، وإنت مش هتدينا ساعة واحدة بس؟
شغف (تهز رأسها بمكر): بصراحة مش عادل، ده حتى أوس وسليم مجبرين على التسوق معانا، وأنت جاي بكيفك!
أوس (يعقد ذراعيه بتمثيل الجدية): آه بالظبط! تعال شاركنا المعاناة بدل ما تهرب!
سليم (يضع يده على كتف غيث وهو يضحك): بجد بقى، إحنا مش هناخد منك "لأ" كإجابة، يلا يا صاحبي، فرصة تاخد استراحة بدل ما تفضل شايل هم الشغل طول اليوم.
غيث (ينظر إليهم محرجًا، لكنه يشعر بالدفء وسط هذا الجو): بس… أنا مش مناسب لمكان زي ده، وأكيد مش مناسب لجولتكم دي.
غزل (تضع يديها على خصرها وتبتسم بثقة): أولًا، إحنا مش فارق معانا مين مناسب لمين، إحنا كلنا زملاء وأصدقاء، وثانيًا… مش حاسيبك تمشي!
غيث (يضحك بخفة رغم إحراجه): ماشاء الله، واضح إنكِ عنيدة جدًا!
ميار (تغمز له بمكر): إنت لسه ما شفتش حاجة!
غيث (يتنهد مستسلمًا وهو يهز رأسه): خلاص، أنتم كسبتم، هاجي معاكم.
شغف (تصيح بحماس): هاااااااي! ضحية جديدة انضمت للمعسكر!
أوس (يمسك كتف غيث متظاهرًا بالجدية): كان الله في عونك يا صاحبي، احنا دخلنا دوامة لا خروج منها.
سليم (يضحك وهو يدفعهم للأمام): يلا بقى، مش هتخلصوا اختيار الفساتين النهاردة ولا إيه؟
يتحرك الجميع داخل المول، غيث يراقبهم وهو لا يصدق أنه انضم إليهم بسهولة، وكأنه ينتمي لهذا المكان… لأول مرة منذ فترة طويلة، شعر أن الفارق بينه وبينهم قد يكون مجرد أوهام زرعها المجتمع، وليس حقيقة مطلقة.
***
في إيطاليا، مدينة روما، في مقهى صغير بالقرب من نافورة تريفي، يجلس ماركو على إحدى الطاولات الخارجية، ينظر إلى هاتفه بقلق. يمرر أصابعه على الشاشة، يتصفح أخبار الشرق الأوسط، وكلما وجد شيئًا عن سوريا، يشعر بأن قلبه يتوقف لثوانٍ.
ماركو (يتمتم بقلق): غزل… أين أنتِ؟
يفتح بريده الإلكتروني مرة أخرى، يبحث عن أي رسالة قد تكون وصلته منها، لكن لا شيء. يزفر بضيق، ثم يفتح تطبيق المراسلة، آخر محادثة بينه وبين غزل كانت منذ شهور، قبل أن تسافر إلى سوريا. يضغط على رقمها، يرن الهاتف، لكن لا إجابة… كالمعتاد.
ماركو (يحدث نفسه وهو يمرر يده في شعره): مستحيل تكون اختفيتِ كده… لازم أعرف أي حاجة عنكِ.
ينهض فجأة، يخرج محفظته، يترك بعض النقود على الطاولة ثم يخرج من المقهى بسرعة. يتجه إلى زقاق ضيق، حيث يوجد مكتب سياحي صغير يعمل فيه صديقه "لوكا"، الذي لديه علاقات مع صحفيين ومسافرين دوليين.
ماركو (يدخل بسرعة ويخاطب لوكا الجالس خلف المكتب): لوكا، أحتاج مساعدتك!
لوكا (يرفع رأسه متفاجئًا من توتر ماركو): ماركو؟ مالك؟
ماركو (بصوت مضطرب): تتذكر الفتاة المصرية التي كنت أحكي لك عنها؟ غزل؟
لوكا (يفكر قليلًا ثم يومئ): آه، الصحفية الجميلة اللي كنت معجب بيها، صح؟ إيه اللي حصل؟
ماركو (بقلق): كانت في سوريا، تعرضت للقصف، وبعدها انقطعت أخبارها تمامًا! هاتفها مغلق، لا ترد على رسائلي، ولا أجد أي خبر عنها!
لوكا (يعبس وهو يفتح حاسوبه): انتظر لحظة، دعني أبحث في بعض المصادر، ربما أجد شيئًا.
يقف ماركو متوترًا، يراقب لوكا وهو يبحث في المواقع الإخبارية وقوائم الصحفيين الذين غطوا الحرب مؤخرًا. تمر دقائق ثقيلة قبل أن يتوقف لوكا فجأة.
لوكا (يرفع حاجبه): وجدت شيئًا…
ماركو (يقترب بسرعة): ماذا؟ أخبرني!
لوكا (يقرأ من الشاشة): هناك خبر قديم عن مجموعة صحفيين تعرضوا للقصف في سوريا، بعضهم قُتل، وبعضهم عاد إلى بلاده للعلاج… انتظر، هذا الاسم… "غزل الشرقاوي"، مصرية…
ماركو (بعينين متسعتين): هذا هو اسمها! وماذا حدث لها؟
لوكا (يتابع القراءة): لا تفاصيل كثيرة، لكنها لم تمت، عاد بعض المصابين إلى مصر لتلقي العلاج… ربما هي واحدة منهم؟
ماركو (يتنفس الصعداء قليلاً لكن القلق لا يزال يسيطر عليه): إذن هي على قيد الحياة؟ لكن لماذا لم تتواصل معي؟
لوكا (ينظر إليه بجدية): ربما تمر بوقت صعب… أو ربما لا تستطيع استخدام هاتفها الآن…
ماركو (بإصرار): يجب أن أجد طريقة للوصول إليها! هل تعرف أي شخص في مصر يمكنه مساعدتي؟
لوكا (يفكر قليلًا ثم يهز رأسه): لدي بعض المعارف هناك، سأرى إن كان بإمكانهم معرفة شيء عنها.
ماركو (يمسك كتف صديقه بامتنان): لوكا، أرجوك، افعل كل ما تستطيع، يجب أن أتأكد أنها بخير!
لوكا (يبتسم): سأفعل ما بوسعي، لكن استعد، قد يستغرق الأمر بعض الوقت.
يهز ماركو رأسه بتوتر، ثم يخرج من المكتب، يسير في الشوارع الإيطالية لكنه يشعر أن قلبه في مكان آخر… في مصر، حيث ربما تكون غزل الآن، لكنه لا يعرف إن كانت تتذكره أو حتى إن كانت بخير تمامًا.
***
ماركو يخرج من المكتب وهو لا يزال شارد الذهن، يمشي في الشارع بسرعة، عقله مشغول تمامًا بغزل ومحاولته الوصول إليها. فجأة، يسمع صوت كعب عالٍ يقترب منه بسرعة، ثم يأتي صوت أنثوي متصنع خلفه.
تارا (بابتسامة مغرورة): ماركوو! وأخيرًا وجدتك!
يتوقف ماركو للحظة، يغمض عينيه بضيق، ثم يستدير ببطء ليرى تارا تقف أمامه بفستانها الضيق وحذائها اللامع، تمسك بحقيبة فاخرة وكأنها قادمة من عرض أزياء.
ماركو (بفتور): تارا… ماذا تريدين؟
تارا (تتظاهر بالدهشة): ماذا أريد؟ أوه، ماركو، لا تكن باردًا هكذا! سمعت أنك كنت هنا، فقلت لنفسي، لمَ لا أمر لأراك؟ أنت تعلم أنني أشتاق إليك دائمًا.
يحاول ماركو الحفاظ على هدوئه، لكنه يشعر بالاشمئزاز من طريقة حديثها المصطنعة.
ماركو (بصوت جاف): حسنًا، رأيتني، هل انتهى الأمر الآن؟ لدي أشياء مهمة لأفعلها.
تارا (تضع يدها على صدرها بمبالغة): ماركو، هذا يؤلمني! أنت دائمًا تعاملني بهذه القسوة، رغم أنني الوحيدة التي تهتم لأمرك حقًا.
ماركو (يضحك بسخرية): "تهتمين"؟ تارا، أنتِ تهتمين فقط بنفسكِ، وبكيفية جعل الجميع يدورون حولكِ مثل الكواكب حول الشمس.
تارا ترفع حاجبها بغرور، ثم تميل عليه قليلًا، متظاهرة بأنها لم تسمع إهانته.
تارا (بإغراء): ولمَ لا تدور حولي أنت أيضًا؟ صدقني، ستكون حياتك أسهل لو توقفت عن مطاردة أشياء مستحيلة، وركزت على شيء… قريب منك.
تضع إصبعها على صدره، لكنه يبتعد فورًا وكأنه لمس نارًا.
ماركو (باردًا): لا تلمسيني، تارا.
تارا (باندهاش وغضب مكبوت): ماركو! لماذا تصر على معاملتي بهذه الطريقة؟! أي فتاة تتمنى أن تكون مكاني، وأنت تعاملني وكأنني…
ماركو (يقاطعها بنفاد صبر): وكأنكِ ماذا؟ كأنكِ شخص متعجرف لا يهتم إلا بمصلحته؟ لأن هذا بالضبط ما أنتِ عليه.
تارا تضيق عينيها، تحاول الحفاظ على برودها، لكنها تغلي من الداخل.
تارا (بصوت منخفض لكنه مليء بالغضب): كل هذا بسبب تلك الصحفية، أليس كذلك؟ تلك الفتاة المصرية… ماذا كان اسمها؟ غزل؟
يشتد فك ماركو، ونظرته تصبح أكثر حدة.
ماركو (يحذرها): لا تتحدثي عنها.
تارا (تضحك بسخرية): أوه، فهمت الآن! لقد فقدت عقلك بسبب فتاة اختفت في الشرق الأوسط، بينما لديك امرأة مثلي أمامك، حقيقية، موجودة هنا.
ماركو (بهدوء لكنه حاد كالسيف): تارا، وجودكِ لا يعني أنكِ تستحقين الاهتمام.
تصمت تارا للحظة، ملامحها تتجمد من الصدمة، ثم تتحول إلى الغضب القاتل.
تارا (تصرخ بغضب): ماركو! أنت نادم على هذه الكلمات! لا أحد يرفضني! لا أحد!
ماركو (يبتسم بسخرية وهو يستدير ليغادر): يبدو أنني أول شخص يكسر هذه القاعدة… اعتادي على الأمر.
تارا تبقى في مكانها، يشتعل الغضب في عينيها، تنظر إلى ماركو وهو يبتعد، وتهمس لنفسها بحقد.
تارا (بغضب): ستندم… سأجعلك تندم، ماركو.
***
ماركو يبتعد دون أن ينظر خلفه، تاركًا تارا تشتعل غضبًا في مكانها. تقبض على حقيبتها بقوة، وأظافرها المطلية بالأحمر تكاد تمزق الجلد. تأخذ نفسًا عميقًا وتحاول تهدئة نفسها، لكن الغضب بداخلها كان يغلي مثل بركان على وشك الانفجار.
تارا (تتمتم بغضب وهي تعض شفتيها): غزل… كل هذا بسبب تلك الحقيرة!
تستدير بسرعة، تمشي بخطوات سريعة إلى سيارتها الفاخرة، تجلس خلف المقود، تضرب عجلة القيادة بيدها بغضب.
تارا (بحقد شديد): غزل الشرقاوي… الصحفية المسكينة التي جاءت من العدم وخطفت انتباه ماركو! أعتقدتِ أنكِ ستختفين للأبد؟ كان يجب أن تبقي هناك في سوريا تحت القصف!
تسحب هاتفها بسرعة، تفتح تطبيق البحث، تبدأ في كتابة اسم غزل بالعربية والإنجليزية، تقرأ الأخبار القديمة عنها، تتابع صورها في المظاهرات والتغطيات الصحفية… عيناها تزدادان ظلمة مع كل صورة تراها.
تارا (بابتسامة باردة): إذًا، عدتِ إلى مصر، أليس كذلك؟ رائع… هذا يعني أنني أستطيع الوصول إليكِ بسهولة.
ترفع الهاتف، تتصل بأحد معارفها في مصر، شخص معتاد على تنفيذ المهام المشبوهة.
تارا (بصوت ناعم لكنه سام): مرحبًا، لديّ مهمة صغيرة لك في القاهرة… اسم الفتاة؟ غزل الشرقاوي. أريدك أن تراقبها، تعرف كل شيء عنها… نقاط ضعفها… وأعدك بمكافأة سخية.
تغلق المكالمة، تضع هاتفها جانبًا، ثم تميل برأسها إلى الخلف وهي تبتسم ابتسامة خطيرة.
تارا (بهمس): استعدي يا غزل… سأجعلك تندمين على اليوم الذي قابلتِ فيه ماركو.
رواية اسيره في مملكة عشقه الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سيليا البحيري
الشمس تتسلل من ستائر الغرفة الفاخرة، تنعكس أشعتها الدافئة على جدرانها المزينة بلمسات ناعمة. فجأة، يُسمع صوت رنين منبه عالي، ثم يد تمتد بضيق لتغلقه، قبل أن تتحرك الأغطية ويتبعها صوت فتاة تتثاءب بحماس.
غزل: وأخيـــــرًااااااااا! اليوم المنتظررر!
تدور في الغرفة بحماس، تمسك هاتفها بسرعة، تفتح الدردشة مع شغف وترسل لها عشرات القلوب والورود ورسائل مثل:
"يا عروستنااااا، اليوم يومكِ يا أجمل عروس!"
"استعدي، هنعملك أجمل زفاف في التاريخ!"
ثم تترك الهاتف على السرير، تركض إلى المرآة، تنظر إلى انعكاسها وتبتسم بحماس.
غزل: مش مصدقة إن اليوم جه أخيرًا! شغف وأوس هيتجوزوا رسميًا… ياااااه، من كتر ما حلمنا باللحظة دي زمان!
فجأة، يُسمع صوت طرق على الباب، ثم تدخل ميار وهي تحمل كوب قهوة في يدها، تبدو مستيقظة لكنها أقل حماسًا بكثير من غزل.
ميار: صباح الخير يا مجنونة… إيه كل الحماس ده؟ الساعة لسه 8 الصبح!
غزل: مياااار! كيف مش متحمسة؟ اليوم يوم تاريخي! لازم نكون في قمة النشاط!
ميار: حماس حماس، بس برضو بدري أوي… إحنا هنبدأ التحضيرات العصر، ليه صاحيانا من دلوقتي؟
غزل: لأننا هنقضي يوم كامل من المرح والاستعداد! المكياج، الفساتين، الصور، الضحك، الحركات المجنونة… لازم كل حاجة تكون مثالية!
ميار تنظر إليها للحظة، ثم تهز رأسها بيأس وتجلس على الأريكة في الغرفة.
ميار: ربنا يعين أوس… العيش مع شغف وجنونها وجنونك هيكون تحدي العمر.
غزل: تحدي؟ بالعكس، دي مغامرة!
تتحمس فجأة وتقفز لتفتح الخزانة، ثم تخرج صندوقًا يحتوي على إكسسوارات العروس، ترفعه بحماس.
غزل: شوفي شوفي! الطرحة اللي هنحطها لشغف بعد شوية… مش هيحصل لها حاجة غير إنها هتكون أجمل عروس في الكون!
تنظر إليها ميار بابتسامة ناعسة، ثم تهز رأسها وتبتسم بخبث.
ميار: وبالنسبة ليكي… إمتى هييجي يومك بقى، يا آنسة غزل؟
غزل تتجمد للحظة، ثم ترمي وسادة على ميار وهي تضحك بخجل.
غزل: بلاش الحوارات دي دلوقتي! خلينا في شغف وأوس، وبعدين نفكر في الباقي.
ميار تضحك وهي تحمي رأسها من الوسادة، بينما غزل تستدير للمرآة، تأخذ نفسًا عميقًا ثم تبتسم بحماس.
غزل: اليوم ده هيكون أجمل يوم في حياتنا… استعدي يا ميار، الليلة حفلة مش عادية.
***
في فيلا الشرقاوي – طاولة الإفطار
تتحرك غزل بسرعة، تهبط الدرج كالعاصفة، عيناها تلمعان بالحماس، وشعرها البندقي يرقص مع خطواتها السريعة. خلفها، تسير ميار بهدوء أكثر، لكنها تضحك على حماس غزل الذي لا حدود له.
غزل: صبااااح الخييييير يا أجمل عايلة في الدنياااااا!
يرفع الجميع رؤوسهم نحوها، بعضهم يبتسم، والبعض الآخر ينظر إليها بدهشة. الجد الأكبر نادر الشرقاوي يضع كوب الشاي على الطاولة ويضحك بهدوء.
نادر: صباح الخير يا روح جدو… إيه الحماس ده؟ هو إحنا اللي هنتجوز ولا شغف؟
غزل: بس هو مش فرح شغف لوحدها، ده فرحي أنا كمان! أخيرًا الحفل اللي مستنيينه من زمان… لازم يبقى أحلى يوم في التاريخ!
يضحك أدهم شقيقها الأصغر ويهز رأسه بسخرية، بينما مازن وحور ينظران إليها بحماس.
مازن: غزووول! هتاخدينا معاكي الفرح صح؟
حور: عاوزة فستان زي بتاع العروسة!
غزل: طبعًا يا قمر! هنكون كلنا نجوم الحفلة!
سليم والدها يهز رأسه بابتسامة متسلية، بينما جدها عادل والجدة صفاء ينظران إليها بحب.
عادل: بس متنسيش تاكلي، الحماس مش هيشبعك.
صفاء: خدي يا حبيبتي، مش عاوزاكي تتعبي من كتر الجري اليوم.
ميار والدة غزل تبتسم لها، بينما أدهم خالها ينظر إليها بمكر.
أدهم: أنا شايف إنكِ متحمسة أكتر من العروس نفسها… مش ناوية تفاجئينا بفرحك قريب؟
غزل تتوقف فجأة، تحدق فيه بصدمة، ثم تمسك تفاحة وترميها عليه بلعب.
غزل: أنتوا كلكم متفقين عليَّ ولا إيه؟ مافيش جواز دلوقتي، خلونا في شغف وأوس.
يضحك الجميع، بينما زين عمها يرفع حاجبه بسخرية.
زين: طب ما العرسان موجودين، ليه مش شايفينهم متحمسين زيك؟
غزل: لأنهم باردين! بس ما تقلقوش، بمجرد ما يخرجوا من البيت النهارده، هيتحولوا لنسخة مني.
يتبادل الجميع النظرات ويضحكون، بينما تواصل غزل تناول فطورها بسرعة، مستعدة ليوم مليء بالحماس والمغامرات.
***
في منزل عائلة غيث
تتسلل أشعة الشمس من نافذة صغيرة في الغرفة المتواضعة، تضرب وجه غيث النائم. يتقلب قليلًا ثم يتثاءب وهو يفتح عينيه ببطء. ينظر إلى السقف للحظات قبل أن يتذكر فجأة… اليوم هو يوم زفاف شغف وأوس، وهو مدعو للحفل!
غيث: أوه… النهاردة الفرح!
يقفز من السرير وينظر إلى هاتفه، يرى رسالة من غزل تؤكد له الدعوة، يبتسم بخفة ثم ينهض متجهًا إلى الحمام. بعد دقائق، يخرج إلى غرفة المعيشة حيث يجلس والده رمزي يقرأ الجريدة، ووالدته شيرلين تحضر الفطور، بينما أمجد يلعب بسيارته الصغيرة.
رمزي: أخيرًا صحيت… شكلك كنت بتحلم بحاجة حلوة؟
غيث: مش حلم، بس خبر حلو… النهاردة فرح أوس وشغف، وغزل عزمتني.
شيرلين تضع طبق الفول على الطاولة وتنظر إلى ابنها باستغراب.
شيرلين: عزموك؟ قصدك أصحابك الأغنياء؟
غيث: أيوه يا أمي، هما فعلاً عزمني، وقالولي إني واحد منهم مش أقل… وفعلاً حسيت بكده لما كنت معاهم.
رمزي يضع الجريدة جانبًا وينظر إلى ابنه بجدية.
رمزي: يا بني، إحنا ناس بسيطة، وأنت عارف الفوارق اللي بيننا وبينهم… مش عايزك تحس إنك غريب أو تتحط في موقف مش مريح.
غيث: أنا عارف يا بابا… بس غزل وأصحابها عمرهم ما حسسوني إني مختلف عنهم. بالعكس، معاملتهم كلها احترام، وأنا مرتاح معاهم.
أمجد ينظر إلى أخيه بحماس، يقفز على الطاولة بحيوية.
أمجد: يعني هتروح فرح فيه فساتين وبدل وحاجات جميلة؟ ها تاخدني معاك يا غيث؟
يضحك غيث وهو يربت على رأس شقيقه الصغير.
غيث: لا يا بطل، المرة دي للكبار بس، لكن أوعدك أحكيلك كل حاجة بعد ما أرجع.
شيرلين تجلس بجانبه وتنظر إليه بحنان ممزوج ببعض القلق.
شيرلين: بس عندي سؤال… هتروح بإيه؟ عندك بدلة مناسبة؟
يصمت غيث للحظة، ثم يبتسم بخفة.
غيث: لا، بس مش هخلي حاجة زي دي تمنعني… هشوف حل.
ينظر إليه رمزي للحظة ثم يبتسم بفخر.
رمزي: دايمًا كنت عارف إنك هتعرف تتصرف… بس لو احتجت حاجة، إحنا هنا.
يبتسم غيث ممتنًا، بينما أمجد يقفز بسعادة.
أمجد: أخويا رايح حفلة كبيرة! لازم نعمل حفلة هنا كمان!
يضحك الجميع، بينما يأخذ غيث نفسًا عميقًا… يعلم أن هذا اليوم سيكون مميزًا في حياته.
***
في شقة ماركو – إيطاليا – صباحًا
ماركو يقف أمام حقيبته المفتوحة، يلقي فيها ملابسه بسرعة، عينيه مليئتان بالإصرار والتصميم. يمسك بجواز سفره، ينظر إليه للحظة قبل أن يضعه في جيب حقيبته. في الخلفية، نسمع صوت طنين هاتفه، لكنه يتجاهله، ثم فجأة يُفتح باب الغرفة وتدخل صديقه ماتيو، ينظر إليه بصدمة.
ماتيو: ماركو؟ إنت بتعمل إيه؟ مسافر فين فجأة؟
ماركو يشد سحاب الحقيبة بقوة، ثم يلتفت إلى صديقه.
ماركو: مسافر لمصر.
ماتيو: مصر؟ ليه؟
يصمت ماركو للحظة، يأخذ نفسًا عميقًا، ثم ينظر إلى ماتيو بجدية.
ماركو: غزل… لازم ألاقيها.
ماتيو: غزل؟ البنت المصرية اللي كنت بتحكي عنها؟ مش قلت إنها اختفت؟
ماركو: أيوه، بس عندي إحساس إنها رجعت لمصر… أنا دورت عليها في كل مكان هنا ومفيش أي أثر، لكن مش هقدر أرتاح غير لما أعرف إنها بخير.
ماتيو ينظر إليه بقلق، ثم يتنهد.
ماتيو: ماركو… انت متأكد من ده؟ مصر مش جنبنا، دي رحلة طويلة، ولو مالقيتهاش هناك؟
ماركو: يبقى على الأقل حاولت، بدل ما أعيش طول عمري وأنا مش عارف الحقيقة.
يصمت ماتيو للحظة، ثم يبتسم بخفة، يربت على كتف صديقه.
ماتيو: تمام يا بطل… بس خد بالك من نفسك، وأول ما توصل كلمني.
ماركو: أكيد… شكرًا ماتيو.
ماركو يرفع حقيبته، يأخذ آخر نظرة حول غرفته، ثم يخرج بعزيمة لا تتزعزع، مستعدًا للرحلة التي قد تغير كل شيء.
***
في قاعة فاخرة مزينة بالورود والأضواء
تنبض القاعة بالحياة، الأضواء الذهبية تنعكس على الثريات الضخمة، والطاولات مزينة بزهور بيضاء وأرجوانية، والموسيقى تعزف أنغامًا رومانسية دافئة. في المقدمة، يجلس أفراد عائلتي الشرقاوي والصاوي في أماكنهم المميزة، متحمسين لانطلاق الاحتفال.
غزل تدخل القاعة بفستانها الفضي اللامع، تتلألأ كأنها أميرة حقيقية، وإلى جانبها سليم بإطلالته الأنيقة، وميار بفستانها العنابي الراقي.
ميار: شايفة الناس؟ كلهم مبسوطين وفرحانين… بس مش أكتر منك!
غزل: أكيد! دا فرح شغف… كأنه فرحي أنا!
سليم: أيوه واضح جدًا! مش بس هتقولي الكلام دا، إنتِ داخلة القاعة كأنك العروسة!
تضحك غزل وهي تضربه بخفة على ذراعه، بينما تقترب الجدة صفاء وتمسك بيد حفيدتها بحنان.
صفاء: عيون تيتة… ما شاء الله، القمر كله طالع فيكي.
نادر الشرقاوي: بس برضو مش أحلى من شغف النهاردة، هي اللي هتبقى ملكة الحفلة!
غزل: طبعًا يا جدو… بس أنا الوصيفة!
تصل عائلة الصاوي ويبدأ الجميع في تبادل التحيات والضحكات، بينما تقف ميار الصغرى (ابنة خال غزل) بجانبها بحماس.
ميار الصغرى: أظن النهاردة في حد تاني هيبقى مشغول بيكي غير شغف… مش كده؟
غزل: مش فاهمة قصدك، مين ده؟
ميار الصغرى: غيث طبعًا!
تلتفت غزل لترى غيث يدخل القاعة في بدلته السوداء البسيطة، يبدو متوترًا بعض الشيء لكنه وسيم للغاية، تلتقي عيناه بعينيها للحظة، فتبتسم له بحرارة، مما يجعله يبتسم بدوره، وإن كان بتوتر.
بعد دقائق، تهدأ الأضواء قليلًا، وتتجه الأنظار نحو مدخل القاعة حيث تقف شغف بفستانها الأبيض الفخم، يدها في يد والدها وهي تنظر إلى أوس بعيون مليئة بالحب. أوس ينتظرها عند المذبح، يرتدي بدلته الكلاسيكية السوداء، يبتسم وهو يراها تقترب منه ببطء وكأن الزمن توقف.
حين تصل إليه، يأخذ يدها برقة، ينظر في عينيها وهمس لها بصوت دافئ:
أوس: وأخيرًا… بقت شغفي كلها ليا.
تبتسم شغف بخجل وتهمس بدورها:
شغف: كنت ليك من الأول يا أوس… بس دلوقتي رسميًا.
يضحك أوس بخفة، ثم يرفع يدها ويطبع قبلة على ظاهرها بلطف، فيما تتعالى الهتافات والتصفيق من الحضور.
يرقص العروسان على أنغام موسيقى هادئة، يقترب أوس منها وهمس في أذنها:
أوس: عارف إننا متجوزين من زمان، بس الليلة دي… كأنها البداية الحقيقية لحياتنا.
شغف: وأحلى بداية… لأننا مع بعض.
يقترب أكثر ويهمس بحب:
أوس: دايماً.
تغمض شغف عينيها للحظة، تستمتع بالإحساس الدافئ الذي يغمرها، بينما الحفل يستمر حولهما، وكأنهما في عالمهما الخاص… حيث لا يوجد إلا الحب.
***
في زاوية هادئة من قاعة الحفل
غزل تقف مع غيث بالقرب من إحدى الطاولات، تتحدث معه بلطف بينما يحاول هو أن يبدو مرتاحًا، رغم أن ملامحه تعكس توترًا خفيفًا. فجأة، تلمح غزل والدها سليم قادمًا نحوهما بخطوات ثابتة، مرتديًا بدلته الرسمية، بهيبته المعتادة ونظرته الجادة التي تجعل الجميع يأخذون حذرهم. تلتفت لغيث وتهمس له قبل أن يصل والدها:
غزل: بابا جاي… متوترش، هو بس شكله كده بس مش مرعب زي ما الناس بتفتكره.
ينظر غيث إلى سليم الذي يقترب أكثر، فيشعر بأن قلبه بدأ يضرب بسرعة، ويبتلع ريقه بتوتر.
سليم: غزل، مش هتعرفيني بالشاب اللي واقف جنبك؟
تبتسم غزل وتحاول تخفيف التوتر بينما تشير لغيث الذي يقف منتصبًا كأنه جندي أمام قائد صارم.
غزل: أكيد، بابا… ده غيث، صديقي من الجامعة.
يحاول غيث التصرف بطبيعية، فيمد يده إلى سليم باحترام، لكن الأخير ينظر له بنظرة تحليلية للحظات قبل أن يمد يده ويصافحه بقوة.
غيث: تشرفت بمعرفتك، باشمهندس سليم.
سليم: وأنا كمان، سمعت إنك زميل غزل في الجامعة… وشغال كمان.
غيث: أيوه، بشتغل عشان أقدر أوفر مصاريفي وما أبقاش عبء على أهلي.
ينظر سليم إليه نظرة تقييم، ثم يهز رأسه ببطء وكأنه أعجب برده، لكن ملامحه تبقى جادة.
سليم: اجتهادك حاجة كويسة، بس أهم حاجة إنك متنساش هدفك… الشغل مهم، لكن دراستك هي اللي هتحدد مستقبلك.
غيث: أكيد يا فندم، بحاول أوفق بين الاتنين.
تنظر غزل لوالدها، تلاحظ أنه رغم جديته، إلا أن طريقته ليست قاسية كما توقعت، فتنظر إلى غيث وتغمز له بخفة لطمأنته، مما يجعله يبتسم قليلًا رغم ارتباكه.
غزل: خلاص بابا؟ ولا هتعمله تحقيق كامل عن حياته؟
سليم: لسه، بس خليني أراقبه الأول… وبعدها نحكم عليه.
يبتلع غيث ريقه مرة أخرى، بينما تضحك غزل وهي تربت على كتفه، وسليم ينظر له بنظرة ذات معنى قبل أن يتركهما ويرحل، مما يجعل غيث يطلق زفرة ارتياح بعد ابتعاده.
غيث: أبوكي عامل زي رئيس المخابرات… لو كنت عارف إنه كده، كنت جهزت نفسي كويس!
غزل: قلتلك مش مرعب، بس واضح إنك شايف العكس.
غيث: إنتي أكيد بنت راجل تاني غير اللي أنا لسه مكلمه.
يضحكان معًا، لكن رغم ارتياحه، يعلم غيث أنه تحت مراقبة سليم… وأنه إذا أراد البقاء قريبًا من غزل، فعليه أن يثبت أنه يستحق ذلك.
***
بعد أن غادر سليم، تنفست غزل الصعداء وهي تضحك بخفة على ارتباك غيث. لكنه لم يكن قد استعاد هدوءه بعد، فما زالت رهبة والدها تسيطر عليه. فجأة، قبل أن يتمكن من قول شيء، يسمعان صوتًا دافئًا ومرِحًا خلفهما:
ميار: وأنا بقى مش هتعرفوني على صاحبكم اللطيف ده ولا إيه؟
تلتفت غزل بحماس، بينما ينظر غيث نحو الصوت، ليجد امرأة في غاية الجمال، ذات شعر أسود فاحم وعيون زرقاء فاتحة جدًا، تشبه غزل إلى حد كبير، لكن ملامحها تبدو أكثر دفئًا وطيبة. كان واضحًا أنها والدة غزل، ميار الصاوي.
غزل: طبعًا يا ماما! ده غيث، صاحبي من الجامعة، و…
ميار: والنادل اللي سكب الشوربة على زينب الشرقاوي؟
يتجمد غيث للحظة، عاقدًا حاجبيه في ارتباك، بينما تضحك غزل بخبث.
غيث: آه… حضرتك سمعتي بالقصة؟
ميار: طبعًا، عيلتنا بتعرف الأخبار أسرع من القنوات الإخبارية! بس بصراحة… موقفك كان أسطوري!
يبتسم غيث بتوتر، لكنه يشعر براحة غريبة أمام طيبتها، فهي عكس زوجها تمامًا.
ميار: غزل قالتلي عنك، وإنك شاب مجتهد وبتشتغل مع دراستك… ده شيء نادر اليومين دول، وأحترمه جدًا.
يحمر وجه غيث قليلًا من الإطراء، ويشعر بسعادة داخلية، فقد كانت كلماتها مختلفة تمامًا عن نظرة سليم الجادة.
غيث: شكرًا يا فندم، أنا بحاول أعمل اللي أقدر عليه عشان ما أبقاش عبء على أهلي.
ميار: وده بالضبط اللي مخلي غزل معجبة جدًا بشخصيتك… وخلاني أنا كمان معجبة بيها.
ينظر غيث إلى غزل التي تبتسم بمكر، بينما يحاول هو أن يخفي خجله.
غزل: شايف؟ مش كل العيلة مخيفة زي بابا!
ميار: أكيد! سليم عنده طريقته الخاصة في الحكم على الناس، بس لو كنت شخصًا مش كويس، كان زمانه خرجك برا الحفلة من أول ما شافك.
غيث: أظن إني نجوت بأعجوبة.
ميار: وأتمنى تفضل ناجح كده دايمًا… ونصيحة من أختك الكبيرة، متخليش أي حد يحسسك إنك أقل منه، قيمتك مش بالمادة، قيمتك بأخلاقك وشخصيتك.
يشعر غيث بدفء كلماتها، ويرد عليها بابتسامة امتنان.
غيث: كلامك فرق معايا جدًا يا مدام ميار، بجد متشكر.
ميار: مدام إيه بس؟ قُلّي طنط على الأقل، ده لو ما كنتش عايز تقولي ميار عادي.
غيث: حاضر… طنط ميار.
تبتسم ميار له بلطف قبل أن تلتفت إلى غزل وتغمز لها بخفة، ثم تتركهما وترحل، بينما يراقبها غيث وهو يشعر براحة كبيرة… وكأن وجودها قد أزال جزءًا من توتره تجاه العائلة.
غزل: ارتحت شوية؟
غيث: كتير… طنط ميار لطيفة جدًا.
غزل: أكيد، دي أمي بقى!
يضحكان معًا، بينما غيث يشعر لأول مرة أنه ليس غريبًا وسط هذه العائلة… بل ربما بدأ ينتمي إليها بطريقة ما.
***
بعد أن غادرت ميار، تبادل غيث وغزل نظرات مرتاحة، لكن قبل أن ينطق أحدهما بكلمة، ظهر أمامهما ثلاثة أطفال، تتصدرهم فتاة صغيرة ذات شعر أسود فاحم وعيون زرقاء واسعة، تقف بجرأة رغم قصر قامتها.
حور: أنت غيث؟
يرمقها غيث بدهشة قبل أن يبتسم بلطف وينحني قليلًا ليكون في مستواها.
غيث: أيوه، وانتي أكيد حور، مش كده؟
تنفرج ملامحها في سعادة لأنها أخيرًا قابلته، ثم تلتفت بحماس نحو شقيقيها الأكبر، أدهم ومازن، وكأنها انتصرت في مهمة عظيمة.
حور: شايفين؟ قلتلكم هو لطيف مش وحش!
يضحك مازن، بينما أدهم يظل متجهمًا وهو ينظر إلى غيث بنظرة تقييمية، تشبه كثيرًا نظرة والده سليم.
أدهم: بس إحنا لسه مش عارفين إذا كان يستاهل يعرف غزل ولا لأ.
غزل: أدهم! إيه الكلام ده؟
مازن: سيبك منه، أنا قررت! انت صديقي الجديد، وتعالى نسيب غزل وندخل نلعب في الحفلة.
ينفجر الجميع ضاحكين، حتى أدهم نفسه يبتسم بخفة، بينما غيث ينظر إلى الأطفال الثلاثة بإعجاب ودفء.
غيث: كنتِ عايزة تقابليني ليه بقى؟
حور: أصل… غزل بتحبك، فحبيت أشوفك!
يتجمد غيث في مكانه، بينما غزل تفتح فمها في صدمة، ثم تسرع بحمل حور وإبعادها وهي تحاول تدارك الموقف.
غزل: آه… حور طفلة، مش بتفهم الكلام اللي بتقوله!
حور: بس ماما قالتلي إن غزل بتتكلم عنك كتييير!
يضحك مازن وأدهم، بينما غزل تشعر أن الأرض ستبتلعها، أما غيث فقد تحول وجهه إلى اللون الأحمر، لكنه لم يستطع منع نفسه من الابتسام.
مازن: شكلها كانت محضرة لك مفاجآت النهاردة!
يضحك الجميع، بينما غزل تحاول التهرب من النظرات المحيطة بها… لكنها رغم إحراجها، لم تستطع إنكار الشعور الدافئ الذي بدأ يتسلل لقلبها.
***
على طاولة في زاوية القاعة – زين وتقى يجلسان معًا
كانت الأجواء صاخبة حولهما، لكن زين لم يكن يرى سوى تقى، التي كانت تتابع الحفل بابتسامة رقيقة، بينما هو يراقبها بنظرة ماكرة مليئة بالعشق.
زين: عارفة يا تقى؟ كل العرسان اللي هنا فاكرين نفسهم عايشين قصة حب أسطورية… بس لو عرفوا إحنا بقالنا 21 سنة ولسه بنحب بعض أكتر من الأول، كانوا انسحبوا بهدوء.
تقى تحمر وجنتاها قليلًا، وتحاول التركيز على كوب العصير أمامها لتتجاهل نظرته الواثقة.
تقى: بس بلاش تبالغ قدام الناس…
زين: بالعكس، دي حقيقة! وكل يوم بيعدي، بحبك أكتر، لدرجة إني ساعات بفكر أكتب قصتنا وأبيعها كقصة حب خرافية… بس خايف يعتبروها خيال علمي، عشان محدش هيصدق إن فيه حب كده.
تقى تزداد احمرارًا وتحاول تغيير الموضوع، لكنها تعرف أن الهروب مستحيل مع زين.
تقى: بطل كلامك ده، إحنا كبرنا على الحاجات دي…
زين: كبرنا؟! ده أنا لسه شايفك زي يوم ما اتجوزنا… بالعكس، زاد جمالك، وزاد جناني بيكِ!
تحاول تقى كتم ابتسامتها، لكنها تفشل، وتخفض رأسها بخجل، مما يجعل زين يضحك بانتصار.
زين: عارفة إيه أجمل حاجة فيكِ؟ إنك لسه بعد 21 سنة بتكسفي من كلامي… ولسه بتخليني أعشق خجلك ده أكتر وأكتر.
تقى تضربه بخفة على يده، لكنها لا تستطيع إخفاء سعادتها، بينما زين يضحك وهو يمسك بيدها ويقبلها أمام الجميع بلا مبالاة، مما يجعلها تنتفض وتهمس بحدة.
تقى: زين! الناس هتشوفنا!
زين: وأحلى حاجة إنهم هيشوفوا راجل بيحب مراته بقاله 21 سنة ولسه بيعاملها كأنها عروسته الجديدة… يلا يا ستّي، خلينا نديهم درس مجاني في الرومانسية!
تقى تدفن وجهها بين يديها بخجل، بينما زين يضحك ويضع يده على كتفها بفخر، مستمتعًا بإحراجها المعتاد، وكأنهما لم يكملا عقدين من الحب، بل للتو بدآ حكايتهما من جديد.
***
على طاولة جانبية – إياد يجلس مسترخيًا، يراقب الحفل بعينين لامعتين
كان إياد يتأمل الأجواء بحماس، وكعادته، لم يستطع منع نفسه من الدخول في مغامرة صغيرة. عينه وقعت على فتاة جميلة تجلس بالقرب منه، ترتشف عصيرها بهدوء.
إياد: مساء الجمال، ولا أقول صباح القمر بما إنك منوّرة المكان؟
ترفع الفتاة حاجبها وتنظر إليه ببرود، قبل أن تعود لشرب عصيرها دون اهتمام.
الفتاة: مساء الخير.
يتظاهر إياد بأنه لم يلاحظ تجاهلها، ويضع يده تحت ذقنه متظاهرًا بالاهتمام الشديد.
إياد: معقول الجمال ده يكون حقيقي؟ ولا أنا دخلت فيلم رومانسي فجأة؟
تنظر إليه الفتاة بنظرة فارغة قبل أن تزفر بضجر.
الفتاة: ده أسوأ أسلوب غزل سمعته في حياتي.
إياد: آي، كسرتِ قلبي! ده أنا كنت ناوي أطلب منكِ الزواج دلوقتي حالًا!
الفتاة: طبعًا… بعد خمس دقايق من معرفتنا؟!
إياد: إيه المشكلة؟ الحب من أول نظرة موجود، وأهو أنا حبيت، ناقص بس أنتِ تحبي!
تنظر إليه الفتاة وكأنها ترى مخلوقًا فضائيًا، ثم تقف وتضع كوب العصير على الطاولة.
الفتاة: محتاجة هوا نقي… وبعيد عنك تحديدًا.
يشهق إياد وكأنه تلقى طعنة في قلبه، يضع يده على صدره وينظر نحوها بحزن مصطنع، ثم يلتفت إلى أقرب شخص بجانبه، والذي كان زين يراقبه من بعيد ويضحك بصوت مكتوم.
إياد: ليه كده بس؟ أنا كنت ناوي أبني معاها حياة… وبيت… وحلم جميل!
زين: يا مسكين! شكلها كسرتلك قلبك النهارده!
إياد: آه يا زين… كل يوم قلبي بيتكسر، بس مفيش مشكلة، أنا عندي قطع غيار كتير!
ينفجر زين ضاحكًا بينما إياد يغمز له، ثم ينهض مستعدًا لبحثه الجديد عن "ضحية" أخرى لمغازلاته، رغم يقينه التام أن النتيجة لن تختلف كثيرًا.
***
على طاولة جانبية في الحفل – مازن وملك يجلسان معًا، بينما ماجد يلعب بالقرب منهما
كانت الأضواء الساطعة تضيء القاعة، والجميع مشغول بالحفل، لكن مازن وملك لم يباليا بشيء. كانا يبتسمان لبعضهما بشغف، وكل نظرة بينهما تروي قصة حب عمرها سنوات.
مازن: ما عارف إزاي الوقت بيعدي بسرعة لما تكوني جنبي… يمكن ده سحرِك.
ملك: ما فيش سحر يا حبيبي، ده بس لأنك شخصيتي الوحيدة اللي بيكتمل فيها كل شيء.
ماجد، ابنهما الصغير، يركض نحوهم وهو يضحك، ولكن ملك تلتقطه بحنان وتضمه إليها قبل أن تعيده إلى الأرض ليكمل لعبه.
مازن: شوفه كده، ده أكبر نعمة جت في حياتنا.
ملك: وأنت إيه؟ مش نعمة؟
مازن يضحك بحب، ويضع يده على خدها بلطف.
مازن: معكِ كل شيء أكمل، ملك. لو جبتِ لي الدنيا، هتبقى أقل من اللي عندي.
ملك: مش عارف إزاي لسه بتقول كده بعد كل السنين اللي مرّت…
مازن: دي الحقيقة… مهما مرّ الزمن، هفضل أشوفك زي أول مرة شفتك فيها، وأشعر إننا لسه مع بعض من أول يوم.
تبتسم ملك وتقترب منه أكثر، ثم تقبّله على جبينه بحب، بينما ماجد يركض حول الطاولة، يضحك، مما يجعل الجو أكثر حيوية.
مازن: هو ده الحب الحقيقي مش مجرد كلام. هو يوم بيفوت وبيثبت إنك مع الشخص الصح.
ملك: وإحنا مع بعض… لسه هنبني حكاية طويلة.
يبتسم مازن ويمسك يدها بإحكام، يلتفت إليها وينظر في عينيها بإعجاب وحنان، قبل أن يعود للتركيز على ماجد وهو يلعب، بينما تظل ملك بجانبه، تشاركه اللحظة.
***
مازن وملك يجلسان سويا يتبادلان الحديث والضحك عندما فجأة، يقترب أحدهم منهم. مازن يلتفت سريعًا ليرى غزل، التي كانت تحمل ماجد بين يديها بابتسامة ماكرة على وجهها.
غزل: هيا يا خالو مازن، شوف ماجد بقى عامل إزاي!
مازن ينتفض فجأة من فزع، عينيه تضيء بالغضب، بينما ملك تكاد تقهقه لكن تشعر بنوع من الإحراج. مازن يتنهد محاولًا كبح أعصابه.
مازن: غزل! أنتِ لسه مش عارفة الحدود دي من إمتى؟
غزل: إيه، ما فكرتش تعطيه شوية حنية؟ ماجد أكيد يحبك!
مازن: ماجد مش لعبة، ومش مجال تفرغي فيه حركاتك دي. كفاية بقى يا غزل!
غزل تواصل الابتسام، لكنها تلاحظ توتره وقررته في نظرته. ملك تنظر إلى غزل بتأنيب، بينما مازن يلتفت بعيدًا وهو يضيق عينيه، غير قادر على كبح ضيقه.
مازن: بصي يا غزل، لو سمحتي، خليكي بعيد عن ماجد شوية. ده طفل مش لعبة.
غزل: أوه، خالو مازن، ليه كده؟! كنت متوقع منك حاجة أقل تشددًا!
ملك تتدخل بسرعة، تحاول تهدئة الموقف، بينما مازن يظل يحدق في غزل بجدية، مشيرًا إلى أنه يتحدث عن شيء جاد.
ملك: غزل، يلا بقى، مازين مش طايق الحركات دي دلوقتي، خليها بوقت تاني.
غزل: خلاص يا خالي، بس خلي بالك المرة الجاية!
تبتعد غزل بخفة مع ماجد في يديها، مازن يراقبها بعينين مشدودتين ثم يلتفت إلى ملك مع sigh عميق.
مازن: لسه ما بتعرفش حدودها، مش كده؟
ملك: مع غزل كل شيء ممكن.
***
على طاولة سليم وميار في الحفل - الأجواء احتفالية والموسيقى تعزف في الخلفية
كانت الأضواء تنير القاعة بينما كان الجميع في الحفل يتبادلون الأحاديث والضحك. سليم وميار يجلسان معًا، كل واحد منهما يتبادل الحديث بحذر، رغم أن الجو بينهما بدأ يملؤه التوتر اللطيف.
سليم: الحقيقة، أنا مش متعود على الأماكن دي، كنت متخيل إن الحفل هيبقى في مكان أقل... باين إن عائلتك شغالة مع بعض بشكل قوي.
ميار: إنت مش لوحدك، أنا كمان مش متعودة على الأماكن دي، لكن العيلة كلها بتحب الاحتفالات دي، كل واحد فينا بيشيل حتة من الحمل.
سليم ينظر إلى ميار، عينيه تلمعان بتساؤل. شعر بشيء غريب بداخله نحوها، رغم أنهم دائمًا كانوا أصدقاء، إلا أن هناك شيئًا مختلفًا في طريقة حديثهما هذا المساء.
سليم: ميار... دايمًا بتحبي الحياة كده؟ كل حاجة بشغف؟
ميار: لو كنت عايز تعرف أكتر عني، لازم تشوفني وأنا في بيتنا، في وسط عائلتي. ده أكتر حاجة بتخليني أستمتع بالحياة.
تتأمل ميار سليم وتلاحظ كيف تغيرت تعبيراته، كيف أصبح أكثر هدوءًا، وأكثر اهتمامًا بما تقوله. هي تبتسم له في صمت، ولكن نظراتها تظهر له ما لا تقوله كلماتها.
سليم: والله؟ يمكن بديت أكتشف حاجات فيك ما كنتش عارفها قبل كده.
ميار تشعر بحرج خفيف ولكنها تحاول إخفاءه بابتسامة هادئة. في تلك اللحظة، يقترب منهما أحد المدعوين فتنتبه ميار وتنظر بعيدًا، بينما يراقب سليم تعبير وجهها وكأنه يحاول أن يفهم ما الذي يخبئه قلبها.
ميار: حفل زفاف شغف وأوس كان حاجة جميلة. مين كان يصدق إننا هنشوفهم مع بعض بعد كل السنين دي؟
سليم: دايمًا بيبقى في المفاجآت، خصوصًا لما نكون مع ناس قريبين مننا.
ميار تلتفت إليه سريعًا، تشعر بشيء خفيف من الحنين في كلامه، وفي قلبها بدأت تدرك أنها قد تجد فيه شيئًا أكثر من مجرد صديق. سليم لاحظ النظرة في عينيها، لكنه تراجع في لحظة ليحاول أن يكون طبيعيًا.
سليم: أعتقد إنك مش هتستني لحد ما تحكيلي عن كل تفاصيل حياتك.
ميار: صحيح، يمكن الوقت مش مناسب دلوقتي.
لكن سليم لا يستطيع أن يتجاهل ما شعر به. كان يشعر بشيء غريب يدفعه ليقترب منها أكثر، وبينما يتحدثون مع بقية المدعوين، بقيت عيونهم تلتقي بين الحين والآخر، وكل منهما يشعر بشيء لم يفهمه بعد.
رواية اسيره في مملكة عشقه الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سيليا البحيري
في قاعة الجلوس في فيلا عائلة الشرقاوي بعد انتهاء الحفل
كانت العائلة بأكملها قد عادت إلى الفيلا بعد ليلة زفاف رائعة.
جلس الجميع في غرفة الجلوس الواسعة، حيث الأجواء مريحة، ورائحة القهوة والشاي تنتشر في المكان.
الجد الأكبر نادر الشرقاوي جلس في منتصف المجلس، ممسكًا بعصاه بينما يراقب الجميع بنظراته الحكيمة والمكر الخفي يلمع في عينيه.
نادر
الحفل كان جميل... بس أنا عندي سؤال كده، وغالبًا محدش هيرد عليه غيري!
التفت الجميع إلى الجد، بينما غزل التي كانت تحتسي كوب العصير، توقفت عن الشرب ونظرت إليه بحذر.
سليم (والد غزل)
سؤال إيه يا حاج؟
نادر
هو أنا بس اللي لاحظت إن حفيدتي غزل كانت مبسوطة زيادة عن اللزوم بوجود حد معين في الحفل؟
غزل كادت تختنق بعصيرها وهي تنظر إليه بعينين متوسعتين، بينما بدأت ميار (والدتها) تضحك بخفة.
لكن قبل أن ترد غزل، تدخل سليم (ابن عمها) بحماس واضح، وابتسامة مشاغبة على وجهه.
سليم (ابن عمها)
أخيرًا جدو جاب سيرة الموضوع! أنا بقى كنت مستني اللحظة دي!
غزل
لحظة إيه بالضبط؟
سليم (ابن عمها)
لحظة الحديث عنك إنتِ وغيث، حبيبتي، اللي المفروض من دلوقتي أفكر في طريقة أخليكم تتجوزوا بيها!
اتسعت عينا غزل بذهول، بينما انفجر إياد (عمها الأعزب) وزين (عمها الآخر) في الضحك.
إياد
الله عليك يا ولد! مخططلها حياتها من غير ما تعرف!
غزل
سليم! أنت اتجننت؟!
سليم (ابن عمها)
لا، بس يا حبيبتي إنتي مش شايفة كمية اللطافة اللي بينكم؟ نظراتك ليه، ونظراته ليكي؟ وإزاي بيبصلك كأنك حاجة مقدسة؟!
نادر
أهو ده الكلام! بصراحة يا غزل الولد واضح إنه محترم وجدع.
سليم (ابن عمها)
وجميل جدًا! ما شاء الله عليه، مش معقول إنك مش واخدة بالك!
كانت غزل تنظر له بصدمة، ثم تحولت إلى والدها سليم، الذي كان يراقب المشهد بصمت بنظرة جادة.
سليم (والد غزل)
محدش هيتكلم في الموضوع ده دلوقتي. غزل تركز في دراستها الأول.
ميار (والدتها)
يا حبيبي ما إحنا بس بنتكلم، مش هنكتب الكتاب دلوقتي!
زين (عم غزل)
بس بصراحة يا سليم، أنا شايف إن ابنك عنده حق. غيث ولد محترم.
سليم (ابن عم غزل)
يا جماعة، أنا مش هرتاح غير لما أشوفهم مع بعض! غزل وغيث... اسمهم حلو على بعض كمان!
نظرت إليه غزل بتهديد واضح، ثم قامت من مكانها فجأة وهي تحاول السيطرة على احمرار وجهها.
غزل
يا جماعة، الحفل خلص، وأنا عندي محاضرات الصبح، تصبحوا على خير!
هربت إلى غرفتها وسط ضحكات العائلة وتعليقاتهم المرحة، بينما سليم كان يضحك بمكر وهو يقول:
سليم (ابن عمها)
أنا وراها لحد ما تحب الولد ده غصب عنها!
ابتسم نادر بمكر، وكأنه متأكد أن هناك قصة لم تبدأ بعد لكنها ستبدأ قريبًا...
بعد أن غادرت غزل، ظل الجميع يضحكون على ردة فعلها، بينما كان الجد نادر يراقبهم بنظرة مليئة بالمكر والدهاء.
سليم (ابن زين) استغل الفرصة ونظر إلى والده زين أولًا ثم وجه حديثه إلى عمه سليم والد غزل، بنبرة جادة لكن مليئة بالحماس.
سليم (ابن زين)
على سيرة غيث، أنا عاوز أقول حاجة مهمة.
سليم (والد غزل)
اتفضل، سامعك.
سليم (ابن زين)
غيث دلوقتي بيدور على شغل، واتطرد من المطعم اللي كان بيشتغل فيه بسبب… جدتي زينب.
زين (والده)
لا جديد تحت الشمس…
نادر (الجد الأكبر)
زينب؟ عملت إيه تاني؟
سليم (ابن زين)
دخلت المطعم، وغيث كان سرحان لحظة، حصل سوء تفاهم، وسكب الشوربة عليها بالغلط… طبعًا عملت حفلة، وطلبت من صاحب المطعم يطرده فورًا!
سليم (والد غزل)
تصرف متوقع منها.
ميار (والدة غزل)
ربنا يهديها، هو الولد ذنبه إيه؟
سليم (ابن زين)
عشان كده بفكر… ليه ما نساعدوش ونوظفه في الشركة؟
سليم (والد غزل)
في الشركة؟
سليم (ابن زين)
أيوه، غيث ولد محترم، ذكي، وعنده طموح. وأنت بنفسك شفته في الحفل وعرفت أد إيه هو مؤدب وجاد. وكمان ماما (تقى) و طنط ميار حبوه جدًا، ماما حتى كانت بتقول إنه يستاهل فرصة حقيقية.
ميار (والدة غزل)
ده حقيقي، الولد قلبه طيب، ومكافح، ولازم ياخد فرصة، مش كل واحد ظروفه صعبة معناه إنه أقل مننا.
نادر (الجد الأكبر)
وأنا شايف إن الفكرة ممتازة، خاصة إن العيلة دي دايمًا بتحتوي اللي يستحق.
ظل سليم (والد غزل) صامتًا للحظات، يفكر، ثم عقد ذراعيه وهز رأسه ببطء.
سليم (والد غزل)
لو هو كفء، ما عنديش مانع. بس مش هيشتغل عندنا لمجرد المجاملة. لازم يثبت نفسه.
سليم (ابن زين)
سيبه علينا، هتشوف إنه قدها وقدود.
زين (عم غزل)
متأكد إن نيتك صافية في الموضوع ده، يا سليم؟ ولا الحكاية كلها مجرد مخطط لجمعه مع غزل؟
سليم (ابن زين)
والله؟ أنا؟ أنا مجرد إنسان طيب عايز يساعد صديقه الغلبان!
نادر (الجد)
طبعًا طبعًا... أنا عارف ولاد العيلة دي كويس!
ضحك الجميع بينما هز سليم (والد غزل) رأسه ببطء، وكأنه يدرك أن هناك أمورًا كثيرة ستحدث قريبًا…
غزل كانت تجلس على سريرها، تدفن وجهها في وسادتها محاولةً كتم شهقات الإحراج.
ما حدث في الأسفل كان أشبه بكابوس! الجميع يتحدث عن غيث وكأنها بالفعل مخطوبة له، والجد نادر لم يكن يخفِ مكره الواضح…
على الجانب الآخر، كانت حور الصغيرة تقف عند حافة السرير، تتأرجح بقدميها الصغيرة، وعيناها الواسعتان تلمعان بفضول طفولي.
حور
غزول، هو صحيح هتتجوزي غيث؟
شهقت غزل، رفعت رأسها بسرعة ووجها محمر كالطماطم، ثم رمشت عدة مرات محاولةً استيعاب السؤال.
غزل
إيه؟؟ أكيد لا
حور
بس ليه يا غزول؟ هو وسيم ولطيف، وأنا بحبه!
غزل
يا بنتي، إنتِ حتى لسه متعرفيهوش كويس! وبعدين، إحنا مش… مش مرتبطين ولا أي حاجة، كل ده كلام الكبار تحت.
حور
بس جدو نادر كان بيضحك بخبث، ولما بيضحك كده يبقى ناوي على حاجة! وكمان سليم قال إنه لازم نخلّيه يشتغل معانا عشان يفضل قريب منك.
شهقت غزل، ثم وضعت يديها على وجهها محاولةً استيعاب ما سمعته للتو.
غزل
إيه؟! سليم كمان؟! مش كفاية جدو؟!
حور
أيوة، وبابا كمان كان موافق! وماما شكلها مبسوطة أوي بيه، حتى قالت إنه شبه خالو مازن لما كان صغير.
حدّقت غزل في أختها الصغيرة بصدمة، تشعر وكأن الأرض تميد تحت قدميها.
أهلها بالكامل يخططون في الخفاء وكأنها مجرد ورقة في لعبة شطرنج!
غزل
أنا لازم أنزل وأوقف المهزلة دي حالًا!
حور
لأ استني، الأول قوليلي… هو قلبك دق لما شُفتيه؟
تجمدت غزل مكانها، وجنتاها أصبحتا أكثر احمرارًا، بينما حور كانت تراقبها بعيون فضولية لامعة.
غزل
حور! روحي نامي بقى بدل ما أكلك!
انفجرت حور ضاحكة، ثم قفزت من على السرير وهربت من الغرفة، بينما رمت غزل نفسها على السرير، تدفن وجهها في الوسادة، وتتمتم:
غزل
يا نهار أبيض… هما ناويين عليّ بجد!
لم تمر سوى لحظات حتى فُتح باب الغرفة فجأة، وظهرت ميار وهي تستند إلى الباب، تضع يديها على خصرها وتبتسم بمكر واضح.
ميار
سمعت كل حاجة… غزول بتحب غيث!
شهقت غزل وجلست بسرعة، عيناها متسعتان بصدمة، بينما صرخت حور بحماس، تقفز في مكانها.
حور
بجد؟؟ عرفتِ إزاي، يا ميار؟
ميار
بسيطة جدًا، وشها اللي شبه الطماطم، وارتباكها كل ما نجيب سيرة غيث، ورد فعلها لما سألتيها عن قلبها!
غزل
إنتِ كنتي واقفة بتسمعي من ورا الباب؟؟
ميار
طبعًا! كنت عارفة إنك هتتعترفي بحاجة لو فضلتِ لوحدك مع حور. بس بجد بقى… غيث لطيف جدًا، وأنا شايفة إنك معجبة بيه، حتى لو مش عايزة تعترفي!
تشعر غزل أن وجهها سيشتعل من كثرة الإحراج، نظرت إلى ميار بحقد طفولي، بينما كانت حور تهز رأسها بحماس موافقة على كل كلمة تقولها ميار.
غزل
أنا مش بحبه!
ميار
مش بتحبيه؟ تمام… طيب عادي لو رحت أقوله إنك شايفاه مجرد زميل ومفيش أي مشاعر بينكم، صح؟
تجمدت غزل مكانها، فاغرة فمها، ثم نهضت بسرعة وأمسكت بيد ميار مانعة إياها من التحرك.
غزل
إنتِ هتعملي إيه؟! ميار، ما تقوليهوش حاجة!
ميار
ليه؟ مش إنتِ مش بتحبيه؟ المفروض مش هتفرق معاكي، صح؟
عضت غزل شفتها بتوتر، تبحث عن مخرج من هذا الفخ الذي نصبته لها ميار.
حور
غزل بتحب غيث، غزل بتحب غيث!
أطلقت غزل أنّة إحباط، بينما انفجرت ميار وحور ضحكًا، تستمتعان بمشهد ارتباكها.
غزل
أنا مش هسيبكم، يا شياطين!
قفزت غزل من مكانها محاولة الإمساك بحور، لكن الصغيرة كانت أسرع، تركض نحو الباب وتخرج ضاحكة، بينما جلست ميار تراقبها بسعادة، وكأنها وجدت أخيرًا نقطة ضعف غزل.
ميار
متقلقيش، مش هقول له حاجة… بس متأكدة إنك هتكوني زوجة غيث المستقبل عاجلًا أم آجلًا!
أطلقت غزل صرخة إحباط، بينما خرجت ميار من الغرفة، تاركة إياها تغرق في خجلها أكثر
في الصالون الفسيح داخل فيلا الشرقاوي، كان الجميع متجمعين يتحدثون ويضحكون، حتى قطع حديثهم دخول الحارس الشخصي بخطوات ثابتة، وملامح متحفظة.
الحارس
معلش يا باشا، بس في حد عالبوابة طالب يقابل الآنسة غزل.
سادت لحظة صمت، تبادل فيها الجميع النظرات باستغراب، قبل أن يقطب سليم الشرقاوي حاجبيه بحدة، ناظرًا إلى الحارس.
سليم
مين؟
الحارس
واحد اسمه ماركو… أجنبي.
ازدادت الدهشة في أعين الجميع، وساد توتر غير مبرر للحظات.
سليم ابن زين، ابن عم غزل، نظر إلى عمه وكأنه يحاول تحليل الوضع.
زين
ماركو؟ الاسم لوحده مش مريحني.
إياد (عم غزل الثاني)
يمكن يكون فارس أحلام غزل اللي هربت منه وجاي يطالب بحقه!
أطلق مازن خال غزل ضحكة ساخرة، بينما عبس عامر، زوج رهف عمة غزل، قليلًا.
عامر
إيطالي؟ وغزل كانت في إيطاليا قبل كام شهر… ده معناه إنه يعرفها.
سليم الشرقاوي (والد غزل)
خلوه يستنى، أنا اللي هطلع له الأول.
وقف سليم الشرقاوي بثبات، واضعًا يديه في جيبي بنطاله، وعيناه تعكسان مزيجًا من الشك والانزعاج.
لكن قبل أن يتحرك، قاطعته زوجته ميار بابتسامة هادئة، رغم أن عينيها تحملان نفس التساؤل الذي يعتري الجميع.
ميار
خد بالك، سليم… غزل مش صغيرة، بس لازم نعرف الراجل ده عايز إيه منها.
أومأ سليم برأسه، ثم تحرك بخطوات واثقة، وسار خلفه ابن أخيه سليم ابن زين، وكذلك زين وإياد، بينما بقية العائلة تبادلت النظرات المتوترة.
صفاء (الجدة)
قلبي مش مطمئن للموضوع ده، يا عادل.
أما نادر الشرقاوي، فكان يراقب الموقف بصمت، عينيه تضيقان قليلًا قبل أن يقول بمكر هادئ.
نادر
هنعرف دلوقتي… إيه حكاية الضيف اللي نازل علينا من السما دي.
أما في الأعلى، لم تكن غزل تعلم بعد أن ماضيها الإيطالي قد طرق باب منزلها بهذه المفاجأة الغريبة
في بهو الفيلا الكبير، كان ماركو يقف أمام عائلة الشرقاوي والصاوي، محاطًا بأحد عشر رجلاً يحدقون فيه بعيون حادة، وكأنه متهم في محكمة عسكرية.
سليم الشرقاوي، والد غزل، جلس على الأريكة بملامح صارمة، يراقب الشاب الإيطالي الذي بدا متوترًا وهو يبلع ريقه بصعوبة.
سليم
قولّي بقى يا مستر ماركو… إيه اللي جابك لحد هنا؟
نظر ماركو حوله، محاولًا أن يجد وجهًا متفهمًا بين الرجال المحيطين به، لكن حتى سليم ابن زين، الذي بدا أقل حدة، كان ينظر إليه بتركيز شديد.
ماركو
أنا… كنت صديقًا لغزل عندما زارت إيطاليا. وبعدها، سمعت عن الحادث الذي تعرضت له في سوريا، لكن لم أتمكن من الوصول إليها… كنت قلقًا عليها، لهذا أتيت للبحث عنها.
زين
آه، يعني مش لاقي أي طريقة تطمّن بيها عليها غير إنك تسافر بلد تانية وتيجي لحد بيتها؟ مش كتير شوية؟
إياد
ولا يكون جاي بقى علشان حاجة تانية غير الاطمئنان؟
ابتلع ماركو ريقه، يشعر أن الموقف يزداد تعقيدًا.
أدهم، خال غزل، كان يحدق فيه وكأنه يدرس كل حركة يقوم بها.
أدهم
إنت شايف غزل إيه بالنسبة لك يا ماركو؟
تجمد ماركو للحظة، محاولًا أن يبدو طبيعيًا، لكنه لم يستطع منع احمرار وجهه الطفيف.
ماركو
غزل… إنها فتاة رائعة، قوية وذكية… وأنا أكنّ لها مشاعر… احترام وتقدير.
سيف
احترام وتقدير؟ ده كلام كبير أوي.
مازن الكبير خال غزل
وإنت كنت متوتر كده ليه لما سألك أدهم؟
شعر ماركو أن العرق بدأ يتصبب من جبينه، أما هشام، خال غزل ، فكان يراقب الموقف باستمتاع قبل أن يتدخل بسخرية.
هشام
باختصار يا بُني… بتحبها ولا لأ؟
ساد الصمت للحظة، الجميع ينتظر الإجابة، بينما شعر ماركو أن هذه أكبر محاكمة مر بها في حياته.
ماركو
نعم… أنا أحب غزل.
في هذه اللحظة، تبادل الرجال النظرات، وكأنهم توقعوا الإجابة بالفعل.
عامر، ابن عم سليم والد غزل، كان يطالع ماركو بتركيز قبل أن يسأل بجدية.
عامر
وغزل؟ تعرف بالكلام ده؟
ماركو
لا… لم أخبرها أبدًا.
عادل (جد غزل)
كويس إنك ما قلتش… لأنها لو كانت حاسّة بأي حاجة ناحيتك، كنا هنكون عارفين.
محمود (جد غزل من ناحية الأم)
عيلتنا مش سهلة يا بني، وإحنا بنعرف كويس مين اللي قلبه فين… وأظن غزل قلبها مش معاك.
شعر ماركو أن الأرض تهتز تحته، لم يكن يتوقع أن يكون اللقاء بهذه الصعوبة، لكنه كان يعلم أن العائلة لن تسهّل عليه الأمور أبدًا.
سليم الشرقاوي، والد غزل، نهض من مكانه، يسير ببطء نحو ماركو قبل أن يضع يده على كتفه، ثم يهمس ببرود.
سليم
مشاعرك تخصّك، بس غزل تخصّنا.
رفع ماركو عينيه لينظر إلى الرجل الطويل الصارم، بينما بقي بقية الرجال في أماكنهم، يراقبونه كما لو كانوا مجموعة من الأسود تحيط بفريستها.
سليم ابن زين
نصيحة يا ماركو… غزل مش لأي حد.
شعر ماركو أن الرسالة وصلت بوضوح، لكنه لم يكن مستعدًا للاستسلام بهذه السهولة
ساد صمت ثقيل بعد كلمات سليم الشرقاوي الأخيرة، ورغم محاولة ماركو التمسك بعزيمته، إلا أن نظرات الرجال المحيطين به، وخاصة نظرة سليم الحادة، جعلته يشعر أن فرصته تكاد تكون معدومة.
تردد قليلًا، ثم زفر ببطء، محاولًا الحفاظ على ما تبقى من كرامته.
ماركو
فهمت… لا أريد إزعاجكم أكثر. لكن على الأقل، أريد أن أراها لمرة واحدة وأتحدث معها…
تحولت النظرات حوله من الترقب إلى الجمود، وكأن طلبه زاد الطين بلة.
أدهم، خال غزل، تبادل نظرة سريعة مع سليم والدها، قبل أن يميل بجسده للأمام واضعًا مرفقيه على الطاولة.
أدهم
يعني إحنا قولنا إن الموضوع منتهي… وإنت لسه بتطلب تشوفها؟
إياد
عندك جرأة مش طبيعية بصراحة…
ابتلع ماركو ريقه، وهو يشعر بالحرج من الطريقة التي ينظرون بها إليه، لكنه لم يستطع التراجع الآن.
إلا أن فجأة… قُطع الصمت بصوت طفولي حاد.
مازن (10 سنوات)
هو ليه مش عايز يفهم إن غزل مش بتحبه؟
أدهم (12 سنة)
آه والله! لو كانت غزل بتحبك، كانت قالت لنا، إحنا بنعرف كل حاجة عنها.
نظر ماركو إلى الصغيرين بصدمة، لم يكن يتوقع أن يتدخل الأطفال في هذا التحقيق المصغر.
سليم والد غزل لم يمنع ولديه من الحديث، بل بدا وكأنه يستمتع برؤية ماركو محاصرًا حتى من الأطفال.
مازن (يلوح بيده بعفوية)
يا عمو ماركو، غزل ما بتحبش الرومانسية دي اللي إنت بتعملها… هي لو عايزاك، كانت كلمتك، صح يا بابا؟
سليم الشرقاوي، والد غزل، لم يجب، لكنه اكتفى بإعطاء نظرة جانبية لماركو، كأنه يقول له "شفت حتى العيال فاهمين؟".
أما ماركو، فقد شعر بالإحباط يتسلل إليه، لم يكن يتوقع أن يواجه رفضًا بهذه القوة من الجميع، حتى الأطفال!
ماركو
حسنًا… فهمت. لن أضغط عليها.
ابتسم مازن وأدهم بانتصار، بينما تبادل البالغون النظرات، وكأنهم يعترفون بأن الطفلين أدارا الموقف بشكل أفضل منهم.
أما سليم، فاكتفى بالنظر إلى ماركو ببرود قبل أن يرفع حاجبه قائلاً بحزم:
سليم
كان لازم تفهم ده من بدري… ولو سمعت اسمك حوالين بنتي تاني، مش هيكون في كلام. واضح؟
شعر ماركو بقشعريرة تسري في جسده، فهز رأسه بسرعة قبل أن يهم بالمغادرة، وهو يدرك تمامًا أن معركته قد انتهت… بالخسارة
بعد مغادرة ماركو، تنهد الرجال بارتياح، لكن قبل أن يتمكنوا من استيعاب ما حدث، دخلت ميار، والدة غزل، إلى الغرفة بسرعة، تتبعها الجدة صفاء، وبدت علامات القلق واضحة على وجهيهما.
ميار
إيه اللي حصل؟! سمعت إن في حد كان عايز يشوف غزل؟
صفاء
أنت كنت هتقول لنا ولا كنت ناوي تحلها بطريقتك المعتادة؟
تبادل الرجال النظرات، قبل أن يتنحنح أدهم، شقيق ميار، متدخلًا قبل أن يشتعل الموقف.
أدهم
ماركو… الإيطالي اللي كانت غزل تعرفه في رحلتها، جه يدور عليها، بيقول إنه كان قلقان عليها بعد اللي حصل في سوريا.
ميار
ماركو؟! اللي كانت بتحكي لي عنه؟
أدهم
أيوه، بس الراجل كان واضح إنه مش جاي بس علشان يطمن… كان عايز يقابلها و… صرّح إنه بيحبها.
شهقت ميار بينما وضعت صفاء يدها على قلبها، تنظر إلى سليم والد غزل الذي كان يقف عاقدًا ذراعيه بصمت، وكأن الأمر لم يؤثر فيه أبدًا.
صفاء
و… غزل تعرف؟
إياد
لا، لسه فوق، ولو عرفت، أكيد هتحس إنها محاصرة…
ميار
وأنت عملت إيه؟
نظر إليها سليم نظرة جانبية، ثم أجاب بهدوء شديد، لكن بنبرة قاطعة:
سليم
ما حصلش حاجة… بس الراجل فهم رسالتي كويس ومش هيرجع هنا تاني.
تبادلت ميار وصفاء النظرات، وكأنهما تشعران بأنه استخدم أساليبه المعتادة في "التخويف"، لكن قبل أن تتمكن ميار من الحديث، انطلق صوت حماسي من الجهة الأخرى من الغرفة.
مازن (10 سنوات)
إحنا اللي خليناه يمشي في الآخر!
أدهم (12 سنة)
أيوه، إحنا قولنا له إن غزل مش بتحبه، ولو كانت بتحبه كنا عرفنا!
نظرت ميار إلى الصغيرين بدهشة، ثم إلى بقية الرجال الذين اكتفوا بمشاهدة المشهد بصمت، ثم وضعت يدها على جبينها وكأنها تستوعب الكارثة.
ميار
يا نهار أبيض… حتى العيال دخلوا في الموضوع؟!
صفاء
واضح إنه خرج من هنا وهو مش ناوي يجي تاني.
ميار
طبعًا مش ناوي! مين اللي يقدر يرجع بعد ما يتعامل معكم كلكم دفعة واحدة؟!
ضحك البعض، بينما اكتفى سليم بهز رأسه، وكأنه غير مهتم بالحديث عن ماركو أكثر من ذلك.
أما ميار، فتنهدت واستقامت، ثم قالت بحزم:
ميار
أنا هطلع عند غزل… أكيد سمعت إن في حاجة غريبة حصلت، ولازم أطمنها.
صفاء
وأنا جاية معاكِ، البنت أكيد محتاجة حد يطمنها بعد اللي حصل.
تحركت الاثنتان بسرعة باتجاه الطابق العلوي، بينما بقي الرجال في الأسفل، بعضهم مرتاح لأن المشكلة انتهت، وبعضهم يتساءل عما ستفعله غزل حين تكتشف الأمر…
بعد مغادرة ميار وصفاء، ساد الصمت لثوانٍ في الصالون، وكأن الجميع يستوعب ما حدث.
لكن فجأة، انطلق صوت الجد الأكبر، نادر الشرقاوي، الذي كان صامتًا طوال الوقت، يراقب الموقف بعين الحكمة والتروي.
نادر
أنا مش مرتاح للولد ده… الإيطالي.
رفع الجميع رؤوسهم نحو الجد الذي جلس مسترخيًا، لكنه كان يحدق فيهم بنظرة جادة، نظرة جعلت الجميع ينصت باهتمام.
نادر
مش عاجبني اللي حصل النهارده، وغزل مش محتاجة حد زي ده يقلب حياتها. لازم تتجوز قريب.
اتسعت أعين الجميع، لكن لم يجرؤ أحد على مقاطعته، بينما تابع نادر كلامه بلهجة حازمة جعلت الجميع يجفلون:
نادر
وأفضل عريس ليها هو غيث.
عمّ الصمت في المكان، وكأن أحدهم ألقى قنبلة في وسط الصالون.
سليم والد غزل عقد حاجبيه، وكأنه غير قادر على استيعاب ما سمعه للتو، بينما كانت ميار، التي كانت على وشك الصعود للطابق العلوي، توقفت في مكانها وهي تنظر إلى والدها بصدمة.
سليم
جدو… أنت بتتكلم جد؟
نادر
أنا عمري ما بهزر في الحاجات دي، الولد كويس، وعاجبني.
ميار
بابا… أنت بتقول إيه؟!
زين (عم غزل)
يعني إحنا من شوية كنا بنتخلص من العريس الأول، دلوقتي بندبر لعريس جديد؟!
إياد
وأنت يا ولد، شكل الفكرة عاجباك، مش كده؟
سليم ابن عم غزل
أنا؟ بالعكس، مش عاجباني خالص…
نظر إليه الجميع بشك، لكن لم يعلق أحد، بينما بقيت ميار وسليم والدا غزل مصدومين من قرار الجد المفاجئ.
أما نادر، فاكتفى بالابتسام بحكمة وهو يراقب ردة فعل الجميع، وكأنه ألقى قنبلة وقرر الاستمتاع بالفوضى التي أحدثها.
نادر
فكروا في كلامي، لأن الموضوع محسوم بالنسبة لي.
نظر الجميع إلى الجد بدهشة، لكن لم يجرؤ أحد على الرد…
انتهى المشهد عند صدمة الجميع، خصوصًا سليم وميار، والدي غزل، اللذين لم يتوقعا أبدًا هذا القرار المفاجئ!
ساد الصمت للحظات، قبل أن ينفجر سليم والد غزل غاضبًا، ناظرًا إلى جده وكأنه فقد صوابه.
سليم
جدو! غزل لسه صغيرة، وغيث كمان! لسه بيدرسوا، إحنا ليه بنفتح مواضيع زي دي دلوقتي؟!
نظر إليه نادر بهدوء، بينما كانت ميار تحدق في والدها بصدمة، لم تعتد رؤية زوجها يفقد أعصابه بهذه الطريقة.
نادر
سليم، مش دايماً العمر هو اللي بيحدد إمتى الواحد يكون جاهز للزواج، أنا شايف إن غيث ولد كويس ومحترم، ومش هسمح لحد تاني ييجي يدور ورا غزل زي الإيطالي ده.
سليم
طب حتى لما يخلصوا دراستهم! مش هينفع نرميهم في حاجة زي دي دلوقتي!
نادر
ما حدش قال إن الجواز هيكون بكرة، لكن الخطبة ممكن تحصل قريب.
اتسعت عينا ميار بينما ضرب زين كفًا بكف وهو يهمس لإياد الذي اكتفى بالتصفير بدهشة.
سليم
جدو… أنت دايماً قراراتك حكيمة، بس المرة دي…
نادر
أنا قلت اللي عندي، وغيث هو العريس المناسب، القرار محسوم.
نظر الجميع إلى الجد في صدمة، سليم شعر بالغضب المكبوت، وميار كانت مصدومة، وزين وإياد تبادلا نظرات جانبية وكأنهما يستمتعان بالفوضى التي أشعلها الجد.
أما نادر، فبقي في مكانه، متمسكًا برأيه كأنه لا مجال للنقاش بعد الآن…
المشهد ينتهي عند نظرات الصدمة التي علت وجوه الجميع، بينما ظل الجد الكبير نادر ثابتًا على قراره، وكأنه يرى المستقبل بوضوح لا يدركه البقية
رواية اسيره في مملكة عشقه الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سيليا البحيري
بعد عدة أيام، في مكتب الجد نادر.
داخل مكتب فخم يحمل في زواياه عبق التاريخ والأصالة، جلس الجد الأكبر نادر على كرسيه الوثير خلف مكتبه العتيق، وأمامه ابنه عادل، وإلى جانبهما محمود الصاوي، يتبادلون الحديث بصوت خافت.
فجأة، يُفتح الباب بعنف، ليظهر سليم، ملامحه كانت متجهمة وعيناه تحملان إصرارًا لا يمكن تجاهله.
سليم
(بصوت حازم وهو يتقدم إلى منتصف الغرفة)
جدي… بابا… عمي محمود… خلاص، طفح الكيل! لازم أعرف السبب الحقيقي ورا إصرارك على زواج غزل من غيث!
نظر إليه الثلاثة بهدوء، لكن لم يُجب أحد، كأنهم كانوا يتوقعون قدومه بهذه الطريقة.
سليم
(متابعًا بنبرة أكثر حدة)
أنا مش غبي، وعارف إنك ما بتاخد قرارات اعتباطية يا جدي… فيه سبب، وسبب كبير كمان، وإلا ما كنت تصرفت بالطريقة دي!
تنهد محمود بعمق بينما ظل عادل صامتًا، وكأنهما تركا الأمر لنادر ليكون هو من يتحدث.
أما الجد نادر، فبقي هادئًا، ينظر إلى حفيده كما لو كان يزنه بعينيه، قبل أن يميل إلى الأمام مستندًا إلى المكتب، ثم قال بصوت منخفض لكنه حمل ثقل السنين:
نادر
سليم… أنت رجل ذكي، وبتفكر بعقلانية، عشان كده هفهمك حاجة… أحيانًا، فيه أمور لازم تحصل قبل ما يجي وقتها… حمايةً لأشياء أهم…
سليم
(بحدة)
كلامك غامض! أي حماية؟ غزل مش بحاجة لحماية! إحنا موجودين، أنت موجود، العيلة كلها واقفة معاها!
نادر
(بنظرة ثابتة)
أيوه، لكن في حاجات أكبر مننا يا سليم… حاجات إحنا حتى الآن ما نعرفش كل أبعادها…
عبس سليم، بينما تبادل محمود وعادل نظرات متوترة، وكأنهما يعرفان ما سيقوله نادر، لكنه شيء لا يريدان الحديث عنه.
نادر
(متابعًا ببطء وكأنه يزن كلماته بعناية)
غيث مش مجرد شاب محترم، ولا مجرد اختيار مناسب… هو المفتاح، سليم. المفتاح لحماية غزل… وحماية العيلة كلها.
سليم
(متراجعًا قليلًا وهو يحدق بجده بصدمة)
حماية؟ من إيه؟
نادر
(ينظر إليه مباشرة بنظرة قوية)
من شيء… لو عرفته دلوقتي، مش هتقدر تتعامل معاه، ولا هتفهمه، لكن لما ييجي الوقت… هتعرف إن القرار ده كان الصح.
ساد الصمت، صوت عقارب الساعة كان الشيء الوحيد الذي يُسمع في الغرفة، بينما كان عقل سليم يعمل بسرعة، يحاول الربط بين كلمات جده الغامضة، إحساسه الداخلي يخبره أن الأمر خطير… لكنه أيضًا يعلم أن جده نادر لم يتخذ هذا القرار إلا لسبب وجيه.
سليم
(بصوت منخفض لكنه حازم)
طيب… هثق فيك، وهثق في قرارك، بس لو فيه خطر فعلاً… لازم أكون عارف كل التفاصيل وقتها.
نادر
(بابتسامة خفيفة تحمل الكثير من المعاني)
لما ييجي وقته يا سليم… هتعرف كل حاجة.
نظر سليم إلى والده عادل ثم إلى محمود، لكنه لم يجد إجابة مختلفة في وجوههم، فقط صمت ثقيل، وكأنهما يعلمان أن الجد قال كل ما يمكن قوله في الوقت الحالي.
أخذ نفسًا عميقًا، قبل أن يمرر يده في شعره بتوتر، ثم استدار ليغادر، لكن وهو يضع يده على مقبض الباب، سمع صوت جده مجددًا:
نادر
(بصوت هادئ لكن يحمل ثقلًا رهيبًا)
خلي عينك على غزل، كويس.
توقف سليم لثانية، قبل أن يخرج، وهو يشعر بأن هناك شيئًا أكبر بكثير مما يتخيله، لكن الوقت لم يحن بعد ليُكشف الستار عنه…
***
في غرفة غزل.
تجلس غزل على سريرها، يديها مشدودتان في كفيها، وجهها محمر من الغضب، عيناها الزرقاوان تشتعلان رفضًا. أمامها يقف سليم ابن عمها، واضعًا يديه في جيبيه، بينما تجلس ميار ابنة خالها على كرسي بجوارها، تحاول التحدث معها بلطف، لكن غزل كانت كالقنبلة الموقوتة.
غزل
(بانفعال وهي تنهض واقفة)
مستحيل! مش هتجوز! لا غيث ولا غيره!
سليم
(بهدوء لكن بحزم)
طب ليه مش غيث بالذات؟ أنتِ أصلاً شايفاه شخص كويس.
غزل
(بحدة)
غيث طيب جدًا، ومحترم، وراجل يعتمد عليه… بس مش معنى كده إني أتجوزه! أنا مش مستعدة، ولا عمري فكرت في الجواز أصلاً!
ميار
(بتنهيدة وهي تحاول تهدئتها)
طب ممكن تهدي؟ ماحدش قال إن الجواز هيتعمل بكرة الصبح، بس جدو نادر مصر، وأنتِ عارفة لما يقرر حاجة… صعب يتراجع.
غزل
(تضع يديها على رأسها بعصبية)
ده اللي مجنني! ليه جدو مصمم بالشكل ده؟ إيه اللي مخليه مستعجل كده؟ أنا لسه صغيرة، عندي أحلامي، حياتي، شغلي، مستقبلي!
سليم
(يقترب منها ويضع يده على كتفها بلطف)
غزل، محدش قال إن الجواز هيوقفك عن تحقيق أحلامك. بالعكس، غيث مش من النوع اللي هيقيدك، أنتِ عارفاه كويس… ده حتى أكتر واحد بيشجعك دايمًا.
غزل
(تبعد يده بانفعال)
مش فاهمين قصدي! أنا مش ضد غيث، بس مش عايزة الارتباط ده دلوقتي! مش عايزة حد يحط لي حدود لحريتي، ولا حد يتحكم في قراراتي، حتى لو كان أطيب إنسان في الدنيا!
ميار
(برجاء)
غزل، إحنا فاهمين إنك مستقلة وعايزة تعيشي حياتك بطريقتك، بس الزواج مش نهاية العالم! ممكن تلاقوا طريقة تخلي الجواز ده مناسب ليكم الاتنين.
غزل
(بإصرار وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها)
ومين قال إني لازم ألاقي طريقة أصلاً؟ أنا مش موافقة، وأول ما أشوف جدو هقوله إني مش هعمل حاجة غصب عني!
سليم
(يرفع حاجبه بمكر)
هتقفي قدام جدو نادر وتقوليله "لأ"؟
توقفت غزل، وشعرت للحظة بأنها قد دخلت معركة لا تملك كل أسلحتها فيها، لكنها لم تكن من النوع الذي يستسلم بسهولة.
غزل
(بجموح)
أيوه، هقوله!
تبادل سليم وميار نظرات تحمل الشك في كلامها، لكنهما يعرفان أنها عنيدة ولن تستسلم بسهولة.
ميار
(بابتسامة صغيرة)
حلو، وهنشوف جدو هيقول إيه.
سليم
(وهو يهز رأسه)
بس أنا متأكد إن غيث مش الشخص اللي المفروض ترفضي الجواز منه بالشكل ده، لأنه فعلاً واحد يستاهل.
غزل
(تشيح بوجهها)
هو يستاهل كل خير، بس أنا مش هغير رأيي.
ساد الصمت للحظات، قبل أن تتنهد ميار وتنهض، ثم نظرت إلى سليم الذي هز رأسه باستسلام.
ميار
(بهدوء)
طيب، إحنا حاولنا… بس أتمنى تفكري كويس، لأن شكل الموضوع أكبر من مجرد "جواز عادي".
سليم
(بصوت منخفض لكنه جاد)
وأتمنى لما تواجهي جدو… تكوني مستعدة للرد على اللي هيقوله.
نظر إليها نظرة طويلة قبل أن يغادر مع ميار، تاركين غزل في غرفتها، تفكر بكلماتهم… لكن عنادها كان أقوى من أي شكوك قد تراودها.
***
خرج سليم وميار من غرفة غزل وهما يتبادلان نظرات محبطة، لم يتمكنا من إقناعها ولو قليلًا. وبينما يسيران في الممر، فوجئا بظهور إياد، عم غزل وسليم، الذي كان يسير بخطوات واثقة، مرتديًا قميصًا مفتوح الزر العلوي بابتسامة مرحة على وجهه.
إياد
(بمرح وهو يضع يديه في جيبيه)
مالكم يا أولاد؟ شكلكم طالعين من معركة؟
ميار
(بتنهيدة مرهقة)
مش غلط، فعلاً كانت معركة!
سليم
(وهو يعقد ذراعيه)
غزل رافضة الجواز نهائيًا، مهما حاولنا نقنعها.
إياد
(يرفع حاجبه بمكر)
أهااا… يعني بنت أخويا العزيزة عاملة دراما؟
ميار
(تتأفف)
دراما؟ لا، دي كابوس!
إياد
(يضرب كفه ببعضه بحماس)
طيب، خلي المهمة على عمكم إياد، أنا عندي أسلوبي الخاص.
سليم
(بسخرية)
قصدك أسلوبك اللي بيستخدمه مع البنات في كل مكان؟
إياد
(بمزاح وهو يشير لنفسه)
ولمَ لا؟ يمكن أكون أنا الحل السحري!
نظر إليه سليم وميار بعدم اقتناع، لكنه تجاهلهما ودخل غرفة غزل بكل ثقة.
***
المشهد: غرفة غزل – مواجهة إياد.
وجد إياد غزل جالسة على سريرها، وذراعاها معقودتان أمام صدرها، وعيناها تعكسان عنادًا لا جدال فيه. أدار إياد عينيه في الغرفة وكأنه يدرس الموقف، ثم اقترب منها بخطوات هادئة وجلس على الكرسي أمامها.
إياد
(بابتسامة جانبية)
سمعت إن عندنا عروس عنيدة؟
غزل
(بجفاف)
مش عروس، ومش هكون.
إياد
(يضع يده على صدره بمبالغة)
أوف، كسرتي قلبي، كنت متخيلكِ هتفرحي وتعملي حفلة عشان غيث وقع في شباككِ.
غزل
(بحدة)
غيث مش وقع في أي شباك! وأنا مش هتجوز، مش عايزة، مش مستعدة، ومش مقتنعة بالفكرة أصلًا!
إياد
(يميل للأمام وهو يضع مرفقيه على ركبتيه)
طيب، فهمنا إنكِ مش عايزة، بس جدو نادر مش هيقرر حاجة من فراغ.
غزل
(تعقد حاجبيها)
ده اللي مجنني! ليه كل الناس مقتنعين إني لازم أقبل كده وخلاص؟ محدش عنده إجابة غير "جدو قرر"؟
إياد
(بهدوء غير متوقع)
بصراحة… عندكِ حق. بس برضو، في حاجة إنتِ مش شايفاها، أو يمكن مش عايزة تشوفيها.
غزل
(تتراجع قليلًا)
زي إيه؟
إياد
(بابتسامة دافئة)
إن غيث واحد من أفضل الناس اللي ممكن تفكري ترتبطي بيهم. راجل بمعنى الكلمة، محترم، طيب، مش بيتلاعب بالمشاعر، ودايمًا بيكون جنبك.
غزل
(بتنهيدة وهي تنظر للأرض)
أنا مش بقول إنه مش كويس، بس الزواج… الزواج حاجة كبيرة، ومش حاسة إني جاهزة ليه.
إياد
(يميل إليها هامسًا بمكر)
بس غيث مش أي حد… يمكن هو بالذات اللي هيخلي فكرة الجواز مناسبة ليكِ.
نظرت إليه غزل بحدة، لكنها لم تجد ردًا مناسبًا، فقط زفرت بضيق وأشاحت بوجهها بعيدًا، فعلم إياد أنها لن تقتنع بسهولة.
إياد
(ينهض ويرفع يديه باستسلام)
تمام، تمام، مش هضغط عليكي أكتر. بس فكري في كلامي، لأن لو كان عندي بنت… كنت هتمناها تتجوز واحد زي غيث.
نظر إليها بنظرة أخيرة قبل أن يخرج من الغرفة، تاركًا غزل وحدها، غارقة في أفكارها المتشابكة…
***
بعد فترة قصيرة، في قصر عائلة الشرقاوي – قاعة الضيافة.
كان أفراد عائلة غيث يجلسون متقابلين في قاعة الضيافة الفاخرة، تحيط بهم أجواء الهيبة والرُقيّ التي تميز قصر عائلة الشرقاوي. رمزي، والد غيث، بدا متحفظًا بعض الشيء، بينما شيرلين والدته كانت تنظر حولها بإعجاب، وأمجد الصغير يجلس بينهما، يتأمل المكان بفضول بريء. أما غيث، فكان جالسًا في صمت، وجهه متجهم لكنه يخفي توترًا واضحًا.
دخل الجد نادر بخطوات واثقة، يتبعه والدا غزل – سليم وميار – ومعهم بقية رجال العائلة. جلس في مكانه المعتاد على الكرسي الفخم في صدر القاعة، ثم نظر إلى رمزي وشيرلين بابتسامة هادئة، قبل أن ينطق بصوته الحكيم.
نادر
(بهدوء وهيبة)
أهلًا وسهلًا بيكم في بيتنا، نورتونا.
رمزي
(باحترام)
الشرف لينا يا حاج، بس مش عارفين سبب الدعوة المفاجئة؟
نادر
(بابتسامة مطمئنة)
دعوتكم لأن عندي أمر مهم يخص ابنكم غيث… وحفيدتي غزل.
تبدلت تعابير عائلة غيث إلى الدهشة والاستغراب، فيما تبادل رمزي وشيرلين نظرات متسائلة. أما غيث، فشعر بانقباض غريب في صدره، وكأن قلبه أخبره بما سيُقال تاليًا.
نادر
(بهدوء حاسم)
قررت إن غيث هيتجوز غزل… قريبًا.
ساد الصمت… الصدمة شلّت الجميع، حتى أمجد، الذي كان يلعب بأصابعه، توقف وحدق بذهول في جده. رمزي وشيرلين لم ينطقا بكلمة، وكأن عقولهم تحتاج إلى وقت لاستيعاب ما سمعوه. أما غيث، فقد شعر وكأن قلبه توقف للحظة.
شيرلين
(بتوتر وارتباك واضح)
ج-جواز؟ حضرتك بتتكلم جد؟
رمزي
(يحاول استعادة توازنه)
بصراحة… إحنا مصدومين!
غيث
(بصوت متردد لكنه قوي)
جدي نادر… حضرتك متأكد من القرار ده؟ أنا… مش فاهم ليه؟
ابتسم الجد نادر، وكأنه كان يتوقع ردود الفعل هذه. نهض من مكانه وسار ببطء نحو غيث، ثم وضع يده على كتفه بتلك الهيبة الأبوية التي يمتلكها.
نادر
(بلطف وحكمة)
فاهم استغرابك يا بني، وحقك تسأل. لكن أنا مش من الناس اللي بياخدوا قرارات عشوائية… عندي أسبابي، وأسباب قوية كمان.
شيرلين
(بتوجس)
بس… غيث وغزل لسه بيدرسوا، وزواجهم المفاجئ… مش هيكون صعب عليهم؟
نادر
(يبتسم مطمئنًا)
أنا مش طالب منهم يسيبوا دراستهم، بالعكس، هيكملوا حياتهم مع بعض ويدرسوا سوا. أنا شايف إنهم مناسبين لبعض أكتر من أي حد، وغيث شاب محترم وشريف، ودي الحاجة اللي تخلي أي أب يثق إنه هيحمي بنته.
نظر رمزي إلى نادر بتمعن، ورغم صدمته، لم يجد أي أثر للطمع أو المصالح في كلام الرجل، بالعكس، بدا الأمر وكأنه يرى شيئًا أكبر من الجميع. التفت إلى غيث، الذي كان لا يزال في صدمة، ثم إلى شيرلين، التي كانت تعض شفتيها بتوتر.
رمزي
(بعد لحظات صمت)
إحنا ناس بسيطين، وعمرنا ما طمعنا في حاجة، لا مال ولا سلطة… بس القرار ده كبير، ومحتاج وقت للتفكير.
نادر
(بابتسامة مطمئنة)
وأنا مقدر ده، بس صدقني، القرار في صالحهم هما الاتنين… وأنت أكتر واحد عارف إن غيث راجل يعتمد عليه.
كان غيث لا يزال يحاول استيعاب الأمر، عيناه تائهتان، لكن جزءًا منه شعر بشيء غريب… وكأنه في أعماقه لم يكن رافضًا الفكرة كليًا، بل فقط لم يستوعبها بعد.
شيرلين
(بصوت هادئ بعد تفكير)
إحنا نثق في ابننا، ولو هو موافق… يبقى إحنا موافقين.
أمجد
(بحماس طفولي غير مدرك لوقع الأمر)
يعني غزل هتبقى مرات غيث؟! هتبقى أختي؟!
ضحك الجد نادر بينما نظر إليه الجميع بدهشة، أما غيث، فاكتفى بالنظر إلى شقيقه الصغير بنظرة معقدة، وكأن عقله لم يقرر بعد كيف يشعر حيال ذلك.
رمزي
(بهدوء وهو ينظر لابنه)
القرار الأخير ليك يا غيث، إنت شايف إيه؟
ارتبك غيث، لم يكن مستعدًا لإجابة مباشرة… لكن نظرات الجميع كانت تنتظر رده.
***
ساد الصمت لثوانٍ بعد سؤال رمزي لغيث، لكن قبل أن يتمكن الأخير من الرد، انطلق صوت حاد وجاد كالرعد في القاعة.
سليم
(بصوت صارم وهو ينظر إلى غيث بحدة)
قبل ما تفكر ترد، لازم تعرف حاجة كويسة، يا غيث. زواجك من غزل مش مجرد قرار بسيط، دي مسؤولية… وأي خطوة غلط منك، مش هتعدي بسهولة.
اتسعت عينا غيث قليلًا، لكنه بقي صامتًا، يحاول الحفاظ على هدوئه رغم التوتر الذي بدأ يتسلل إلى صدره. أما أمجد الصغير، الذي كان يجلس بجوار والدته، فقد تقلص جسده قليلًا، وبدأت شفتاه ترتجفان وهو ينظر إلى سليم برعب.
أمجد
(يهمس بخوف وهو يتمسك بيد والدته)
ماما… الراجل ده مرعب!
انتبه سليم إلى الطفل الصغير المرتعب، فزفر بضيق قبل أن يشيح بوجهه عنه. أما شيرلين، فاحتضنت ابنها بحنان، بينما رمزي حاول تهدئة الأجواء بابتسامة صغيرة.
رمزي
(بهدوء لتخفيف التوتر)
سليم بيه، إحنا ناس متواضعين وبسيطين، وفاهمين كويس إن غزل بنتكم الغالية… بس غيث مش هيفرط فيها، لو وافق، هتكون على رأسه من فوق.
نادر
(مقاطعًا بهدوء وحزم)
وأنا واثق في غيث، وإلا ما كنت قررت القرار ده. لكن كلام سليم برضه صحيح… دي مش حاجة بسيطة.
عاد الجميع بنظراتهم إلى غيث، الذي كان يحاول جاهدًا أن يبقى متماسكًا رغم الضغط. أخذ نفسًا عميقًا، ثم نظر إلى نادر مباشرة، وكأنه يبحث عن تفسير أكثر لهذا القرار.
غيث
(بصوت ثابت لكن مليء بالتوتر)
حضرتك عارف إني عمري ما أفكر أؤذي غزل أو أسبب لها أي ضرر، بس… أنا عايز أفهم السبب الحقيقي ورا القرار ده.
نادر
(بنبرة هادئة لكن غامضة)
الأسباب عندي يا بني، ومش كل شيء لازم يتقال في وقته… بس صدقني، لما ييجي اليوم اللي تفهم فيه، هتشكرني.
لم يكن ذلك الجواب كافيًا لغيث، لكنه أدرك أن الجد نادر ليس من النوع الذي يتراجع عن قراراته أو يكشف كل أوراقه بسهولة. زفر بصمت، قبل أن يرفع عينيه ببطء إلى سليم والد غزل، الذي لا يزال ينظر إليه بصرامة.
غيث
(بهدوء وجدية)
لو وافقت، هتعامل مع غزل باحترام، وهفضل دايمًا محافظ عليها… دي وعدي ليكم.
سليم
(بصوت بارد محذرًا)
أتمنى إنك تفهم معنى كلامك ده كويس، لأن أي غلطة… ثمنها هيكون غالي.
تصلبت ملامح غيث للحظة، لكنه لم يتراجع، فقط أومأ برأسه بثبات. أما أمجد، فظل متشبثًا بوالدته وهو يرمق سليم بنظرات مرتعبة، قبل أن يهمس بصوت صغير:
أمجد
(بخوف)
بابا… متأكد إن غيث عايز يتجوز عندهم؟ المكان ده مخيف!
كتمت شيرلين ضحكتها، بينما رمزي ضرب رأس ابنه بخفة، في حين ظل سليم والد غزل ينظر إلى غيث نظرة طويلة قبل أن يحوّل عينيه إلى الجد نادر، الذي اكتفى بالابتسام برضا، وكأن الأمور تسير تمامًا كما خطط لها…
***
بعد لحظات من الصمت الثقيل، الباب اتفتح بعنف بسيط، وظهر خيال غزل وهي داخلة بخطوات واثقة. وقفت في نص القاعة، إيديها متشابكة على صدرها، وعينيها الزرقا لونهم كله سخرية واضحة.
غزل
(بابتسامة ساخرة وهي بتبص للكل)
الله! يعني قعدتوا واتفقتم على مستقبلي من غير حتى ما تفكروا تسألوني؟ بجد تصرف عبقري! عبقري جدًا كمان!
غيث بصّ لها بسرعة، باين عليه التوتر، بينما سليم أبوها زفر بضيق، أما الجد نادر فاكتفى يراقبها بصمت وابتسامة خفيفة على وشه كأنه متوقع رد فعلها ده.
سليم والد غزل
(بصوت حاد)
غزل، خدي بالك من كلامك!
غزل
(بتهكم وهي بتميل رأسها)
آه طبعًا، لازم أخد بالي! طب قولولي كده، إزاي المفروض أعبّر عن رأيي "بأدب"؟ أشكركم جدًا على اتخاذ القرار عني؟ ولا أصفقلكم عشان قررتوا جوازي من غير حتى ما أفتح بوقي؟
الكل ساب عينه تنزل للأرض للحظة، ورمزي، والد غيث، حاول يتدخل بهدوء عشان يهدّي الموقف.
رمزي
(بلطف)
آنسة غزل، إحنا طبعًا بنحترم رأيك، بس الجد نادر كان واضح… وأكيد عنده أسبابه.
غزل
(مقاطعة بحدة وهي بترفع حاجبها)
أسبابه؟ آه، طبعًا! طب ينفع بقى حد يتكرم ويقولي الأسباب دي؟ ولا نخمن؟ يمكن مثلا لقيتوني عبء ولازم تتخلصوا مني؟ ولا قررتوا إني مش هعرف أحقق حاجة في حياتي غير الجواز؟
سليم والدها شد فكّه وهو بيبص لها بنظرة حادة، بينما غيث أدار وشه في إحراج من طريقتها اللاذعة.
الجد نادر
(بهدوء، قاطعًا كلامها)
غزل، محدش هنا هيجبرك على حاجة من غير سبب… بس بكرر، إنتِ مش مضطرة تفهمي كل حاجة دلوقتي.
غزل بصّت لجدها بغضب، وبعدها ضحكت بسخرية وهي بتحط إيديها على وسطها.
غزل
(ببرود)
آه، طبعًا… الجملة السحرية "مش مضطرة تفهمي كل حاجة دلوقتي." شكرًا جدًا على الشرح العظيم يا جدي! طب خلاص، بما إن الاجتماع العائلي العظيم خلص، أقدر أمشي؟ ولا المفروض أمضي على عقد الجواز وأنا واقفة؟
سليم والد غزل
(بصوت محذر)
غزل، بلاش قلة أدب.
غزل طنّشت تحذيره، وبصّت لغيث للحظة قبل ما تاخد نفس عميق وتلفّ بسرعة خارجة من القاعة، رافعة دقنها بعناد واضح. أما سليم ابن عمها وميار بنت خالها، اللي كانوا واقفين بيتابعوا المشهد من بعيد، تبادلوا نظرات قلق.
أمجد الصغير
(يهمس لوالدته وهو باصص على غزل الراحلة بخوف)
ماما… العيلة دي كلها مرعبة، مش بس الراجل ده-يشير نحو سليم -
شيرلين كتمت ضحكتها بالعافية، بينما الكل فضل ساكت، بيتابعوا غزل وهي خارجة تاركة وراها توتر في المكان… وقرار شكله مش هيكون سهل أبدا.
***
بعد خروج غزل بعناد، ساد الصمت للحظات، ثم زفر الجد نادر بهدوء، وهو يلتفت إلى رمزي، والد غيث، الذي كان لا يزال في حالة صدمة.
الجد نادر
(بحزم)
على بركة الله… هنتفق على الإجراءات النهارده، والجواز هيكون قريب.
نظر له الجميع باندهاش، بينما رمزي وشيرلين تبادلا نظرات مترددة.
رمزي
(بتوتر)
بس… بس يا حاج نادر، مش شايف إن الأمور سريعة شوية؟ غزل واضح إنها مش موافقة…
الجد نادر
(بثقة)
غزل بنتي، وأنا عارف مصلحتها أكتر منها… هتفهم مع الوقت.
سليم والد غزل
(بجدية)
وبالنسبة للإجراءات، إحنا هنتكفل بكل حاجة… الفرح هيكون في القصر، ومفيش داعي لأي تكاليف تقل عليكم.
غيث كان ساكت طول الوقت، مش قادر يفهم إزاي حياته قلبت بالشكل ده، لكنه اضطر يتكلم أخيرًا.
غيث
(بتوتر وهو بيبص للجد نادر)
بس يا جدي… يعني، أنا مستعد لأي حاجة تطلبوها، بس غزل… لو مش موافقة، إزاي هنكمل؟
سليم ابن عم غزل
(بابتسامة خفيفة وهو يربت على كتف غيث)
اوعى تفتكر إن غزل هتسيبك بسهولة، هتقاوم شوية بس في الآخر هتقتنع، إحنا هنبقى معاك.
ميار ابنة خال غزل
(بمرح وهي بتغمز لغيث)
حظ سعيد يا عريس، عندك عروسة عنيدة جدًا!
ضحك البعض بخفوت، لكن غيث لم يكن قادرًا على الابتسام، لا يزال يشعر بثقل القرار.
شيرلين
(بقلق وهي تنظر إلى زوجها رمزي)
إحنا مش عايزين أي حاجة غير رضاهم، وإحنا نثق في قراركم بس… ياريت الموضوع يبقى بالهدوء…
الجد نادر
(بثقة)
كله هيتم زي ما قولت… وإحنا اللي هنتكفل بكل حاجة، من أول الشبكة لحد الفرح.
مازن
(أخو غزل الصغير، بحماس)
يا سلام، يعني هنشوف غزل بفستان الفرح قريب؟ دي هتبقى حاجة تضحّك!
ضحك أمجد الصغير أيضًا، لكن غيث كان لا يزال متوترًا، فيما نظر سليم والد غزل لوالديه، عادل وصفاء، ثم إلى الجد نادر.
سليم والد غزل
(بحزم)
تمام، نبدأ الإجراءات فورًا، وأتمنى إن غزل تتقبل الموضوع بأقل عناد ممكن.
الجد نادر
(بهدوء حاسم وهو ينهض من مجلسه)
متقلقش… العند ده جزء من شخصيتها، بس في الآخر، كل شيء هيمشي زي ما أنا شايفه.
نظر الجميع لبعضهم البعض، مدركين أن الجد حسم الأمر… وأن زفاف غيث وغزل أصبح أمرًا واقعًا، سواء وافقت غزل بسهولة، أو قاومت حتى النهاية.
***
بعد أن حسم الجد نادر القرار، خيّم الصمت للحظات، قبل أن يُفتح الباب فجأة، وتقتحم القاعة فتاة صغيرة بشعرها البني المرفوع في ضفيرتين وعينيها الواسعتين المليئتين بالبراءة. كانت حور، شقيقة غزل الصغرى، تلهث قليلًا من الركض، وعندما وقعت عيناها على أمجد، تجمدت في مكانها للحظة قبل أن تهتف بسعادة.
حور
(بحماس وهي تشير إلى أمجد)
أمجد! إنت هناااا!
التفت الجميع نحو الطفلة الصغيرة التي ركضت مباشرة نحو أمجد، بينما وقف الأخير مذهولًا.
أمجد
(بدهشة وهو يشير لنفسه)
إيه ده! حور؟!
حور
(بحماس شديد)
أيوه أنا! أنت بتعمل إيه هنا؟!
نظر أمجد نحو والديه في ارتباك، بينما ضحكت ميار ابنة خال غزل بخفوت، أما الجد نادر فابتسم وهو يراقب التفاعل الطفولي.
رمزي
(والد غيث، وهو يربت على رأس أمجد)
إحنا جينا علشان موضوع مهم يا أمجد…
أمجد
(مقاطِعًا باندهاش)
لحظة… حور، إنتِ ساكنة هنا؟!
حور
(تهز رأسها بفخر)
طبعًا! ده بيتي… إنت اللي إزاي جيت هنا؟!
نظر أمجد نحو والديه مجددًا، ثم إلى غيث الذي بدا وكأنه يتمنى لو يختفي من الموقف بالكامل.
أمجد
(يفكر للحظة، ثم يهتف بدهشة)
أووه! لحظة… ده معناه إنك أخت غزل اللي المفروض تتجوز أخويا؟
اتسعت عينا حور بصدمة بريئة، ونظرت إلى الجميع في دهشة قبل أن تلتفت لغيث، ثم إلى أمجد، ثم همست بحماس وكأنها اكتشفت سرًا خطيرًا.
حور
(بصوت منخفض ولكن بحماس)
يعني… يعني غيث هيبقى جوز أختي؟!
انفجر الجميع في الضحك، حتى غيث نفسه ابتسم رغم توتره، بينما ارتبك سليم والد غزل ومسح وجهه بضيق.
سليم والد غزل
(بصرامة لكن بنبرة ساخرة)
هي حور كمان بقت معترضة على الجواز؟!
حور
(بحماس وهي تلوّح بيديها)
لأ، لأ! بالعكس، أنا مبسوطة! غيث لطيف، وأنا بحبه… يعني مش بحبه حب الكبار، بحبه حب الأصدقاء!
ضحكت شيرلين والدة غيث وهي تنظر إلى الطفلة اللطيفة، بينما مال أمجد نحو حور وهمس لها بسرية.
أمجد
(بخبث)
إنتِ عارفة إن ده معناه إنك هتبقي شبه أختي؟
اتسعت عينا حور بحماس أكبر، ثم قفزت بحركة طفولية سعيدة وهي تهتف بسعادة.
حور
(تصيح بسعادة)
يااااي! يعني هبقى أختك! ده أحلى يوم في حياتي!
انفجر الجميع ضحكًا على عفوية الطفلة، بينما نظر سليم ابن عم غزل إلى غيث بغمزة ماكرة.
سليم ابن عم غزل
(يضحك وهو يربت على كتف غيث)
على الأقل، عندك حور موافقة على الجوازة!
ضحك الجميع مجددًا، بينما كان غيث لا يزال غير مستوعب لكل ما يحدث حوله، في حين كانت حور الصغيرة تقفز في مكانها بسعادة، وكأنها وجدت أخًا جديدًا بالفعل.
***
بعد ساعات من الاجتماع في قصر الشرقاوي، عاد غيث وعائلته إلى منزلهم المتواضع. كان المنزل هادئًا، لكن الجو كان مشحونًا بالدهشة والارتباك. جلس رمزي، والد غيث، على الأريكة وهو يخلع سترته بتعب، بينما كانت شيرلين، والدته، تمسك بكوب ماء تحاول استيعاب ما حدث. أما أمجد، فقد جلس على الأرض متربعًا وهو ينظر إلى الجميع بحماس واضح، في حين وقف غيث بجوار النافذة، يعقد ذراعيه أمام صدره، وعيناه شاردتان تمامًا.
أمجد
(بحماس وهو يلوّح بيديه)
بصراحة، أنا شايف إن ده أحلى يوم في حياتي!
رمزي
(ينظر إليه بتعب)
أحلى يوم في حياتك؟! يا ابني إنت كنت معانا ولا في قصر تاني؟!
شيرلين
(بتنهيدة وهي تضع يدها على رأسها)
بصراحة، أنا لسه مش مستوعبة اللي حصل… معقول فعلاً نادر باشا قرر إن غيث لازم يتجوز غزل؟!
أمجد
(بمرح وهو يهز رأسه)
أيوه، وكمان حور مبسوطة جدًا علشان هتبقى أختي!
غيث
(بصوت منخفض لكنه يحمل دهشة واضحة)
الموضوع مش منطقي خالص… ليه أنا بالذات؟! ليه الجد نادر مصر على الجوازة دي؟!
نظر رمزي إلى ابنه بتمعن، ثم تنهد وأشار إليه بالجلوس.
رمزي
(بهدوء لكنه جاد)
اسمع يا ابني، إحنا مش عيلة طماعة، وأنت عارف ده… صحيح الجوازة دي غريبة، بس الراجل عنده أسبابه، وواضح إنه مش بيهزر.
شيرلين
(تهز رأسها بموافقة)
إحنا ناس بسيطين، عمرنا ما تخيلنا نرتبط بعيلة الشرقاوي… بس من اللي شوفناه النهارده، واضح إنهم مش بيتعاملوا معاك كحد غريب.
ظل غيث صامتًا للحظات، قبل أن يتنهد ويضع رأسه بين يديه.
غيث
(بصوت منخفض لكنه مثقل بالأفكار)
غزل أصلاً مش عايزة الجوازة دي… شفتوا نظرتها؟ شفتوا كلامها؟ هي شايفة إنها مسجونة وسط عيلتها، و جوازي منها هيكون القيد الأخير ليها.
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يتحدث أمجد بحماس وهو يرفع يده وكأنه اكتشف الحل السحري.
أمجد
(بابتسامة واسعة)
بسيطة! ما تتجوزهاش!
رمزي
(بتنهيدة وهو ينظر لابنه الصغير)
يا بني، إنت فاكرها لعبة؟!
شيرلين
(تنظر إلى غيث بجدية)
بص، إحنا عمرنا ما هنجبِرك على حاجة، القرار في إيدك… بس خليك عاقل، فكر كويس قبل ما تاخد أي خطوة.
ظل غيث صامتًا، بينما أفكاره تتلاطم بعنف في رأسه… الزواج من فتاة لا تريده، ولكن لعائلة تضع ثقتها فيه. لماذا هو؟ وما السر وراء هذا الإصرار؟
***
في غرفة غزل – فيلا الشرقاوي.
غزل جالسة على سريرها، عيناهما تغرق في الحزن، شعرها البني الفاتح مبعثر حول وجهها النحيف. كان الصمت يلف الغرفة، فقط همسات الهواء تداعب الستائر. فجأة، يُفتح الباب وتدخل شخصية صلبة لكنها محبة: سليم، والد غزل. خطواته الواثقة تتوقف أمام الباب لحظة، ثم يدخل بهدوء، يتوقف عند طرف السرير وهو يراقب ابنته بصمت لثوانٍ.
سليم
(بصوت حنون وهو يقترب منها)
غزل… يا حبيبتي، في حاجة مش مظبوطة هنا؟
غزل ترفع عينيها نحوه، وتتأمل ملامحه الجادة، ثم تنهدت وأخفضت رأسها من جديد.
غزل
(بصوت منخفض، مليء بالحزن)
مش عارفة، يا بابا. أنا مش عايزة الجواز ده. أنا مش جاهزة ليه. مش هقدر أكون زي باقي البنات وأحط نفسي في الحتة دي…
سليم يقترب منها أكثر، يجلس على طرف السرير بالقرب منها، ثم يضع يده على كتفها برفق.
سليم
(بحنان، وهو يربت على كتفها)
أنا فاهم يا غزل، فاهم إنك مش عايزة تتحملين المسئولية دي، أو إنك تحسّين إن حياتك هتتغير. بس زي ما أنا عايزك تحققي أحلامك، عايزك كمان تشوفي الصورة الكاملة.
غزل ترفع رأسها لتلتقي عيناها بعيني والدها، ترى فيهما حبًا صادقًا وخوفًا عليها.
غزل
(بقلق)
بس الزواج ده هيوقفني عن تحقيق أي حاجة يا بابا. أنا مش عايزة أكون مقيدة بحياة مفيهاش حرية.
سليم ينظر إليها بعينين مليئتين بالحكمة والحنان، ثم يتنهد، وكأنه يريد أن يشاركها شيئًا يخفف من قلقها.
سليم
(بصوت هادئ)
الزواج مش قيد يا غزل… مش معناه إنك هتسجني نفسك. الحقيقة، الجواز مش بيعني إنك تخسري نفسك أو أحلامك. في ناس بتقدر توازن بين حياتها الشخصية، وبين حاجات تانية في حياتها. وبعدين، غيث مش أي حد. هو شخص محترم جدًا، هيسندك ويشجعك.
غزل تلتزم الصمت، عيونها مليئة بالتساؤلات بينما والدها يواصل الحديث بحب وحنان.
سليم
(بابتسامة محبّة)
أنا عارف إنك لسه شايلة الهم ده في قلبك، وإنك مش متأكدة. بس خليكي قوية. غيث مش هيفرض عليك أي حاجة، وهتكونوا فريق واحد. وأنا واثق إنك هتلاقي طريقة توازن فيها بين حياتك وحياته، وتحققي كل حلم ليكي.
غزل تبقى صامتة لبرهة، تفكر في كلام والدها، ثم تنظر إليه، وفي عينيها لمحة من التردد.
غزل
(بصوت منخفض)
يعني… إنت شايف إن ده الصح؟
سليم يبتسم بلطف، ويرتفع صوته وهو يجيبها بحنان.
سليم
(بإصرار هادئ)
أكيد، يا غزل. أنا واثق إنك هتكوني سعيدة. وإحنا كلنا هنا عشانك، هنسندك في كل خطوة.
غزل تأخذ نفسًا عميقًا، ثم تبتسم بابتسامة صغيرة، على الرغم من الحزن الذي لا يزال في عيونها.
غزل
(بهمسات خفيفة)
خلاص، بابا. هحاول أقبل ده… بس لازم أعرف إزاي أحقق أحلامي برضه.
سليم يبتسم بحب، ويعطيها قبلة على رأسها، قبل أن ينهض ليغادر الغرفة، وهو يتركها تفكر في القرار الذي سيكون له تأثير كبير على حياتها القادمة.
سليم
(وهو يغادر الغرفة)
هتنجحي في كل حاجة يا غزل، وأنا واثق فيك.
رواية اسيره في مملكة عشقه الفصل السادس عشر 16 - بقلم سيليا البحيري
بعد عدة أيام، في مقهى هادئ في وسط المدينة.
جلست غزل في أحد الأركان، تحرك ملعقة صغيرة داخل كوب قهوتها ببطء، بينما تتأمل الطاولات من حولها. المكان مزدحم لكن ضجيجه لا يصل إلى عقلها، فهي تفكر فيما ستقوله لغيث.
وبعد دقائق قليلة، دخل غيث، يبحث عنها بنظراته حتى وقعت عيناه عليها. ابتسم بخفة، وتقدم نحوها، وجلس أمامها.
غيث
(مبتسمًا بلطف)
أهلاً، أتأخرت؟
غزل
(بهدوء وهي تنظر إلى ساعتها)
سبع دقائق وخمس ثوانٍ… بس مش مشكلة، لسه متسامحة النهارده.
ضحك غيث بخفوت، لكنه شعر أن هناك أمرًا جديًا يدور في عقلها. جلس مستقيمًا، وأخذ رشفة من قهوته قبل أن ينظر إليها بتركيز.
غيث
(بهدوء)
طيب، قلتيلي إنك عايزة تتكلمي معايا عن حاجة مهمة قبل الفرح.
غزل وضعت كوب القهوة أمامها، وشبكت أصابعها ببعضها ثم نظرت إليه بجدية مصطنعة.
غزل
أيوه، بصراحة… أنا عندي شوية شروط قبل ما نتجوز، وحابة إنك تعرفها من دلوقتي، عشان تبقى مستعد.
رفع غيث حاجبه قليلًا، لكنه لم يتفاجأ. توقع أن غزل لن تتزوج بهدوء مثل أي فتاة أخرى.
غيث
(بابتسامة خفيفة)
شروط؟ تمام، اسمعك.
تنحنحت غزل قليلًا، ثم بدأت في تعداد شروطها وكأنها تقرأ من ورقة رسمية.
غزل
(بجدية)
أولًا، مش هتناديني بمراتي أو زوجتي أو أي لقب تقليدي، اسمي غزل، مفهوم؟
غيث
(رافعًا حاجبه)
طيب، تمام…
غزل
ثانيًا، مش هتطلب مني أطبخ كل يوم، لأن أنا مش طباخة، ولو جعنا هنطلب دليفري، ولو عايز أكل بيتي، يبقى تتعلم معايا ونتعاون.
ضحك غيث بخفوت، وهز رأسه موافقًا.
غيث
تمام، نطبخ سوا.
غزل
(مكملة بجدية)
ثالثًا، لو اتخانقنا في المستقبل، مش مسموح لك تنام برا البيت، حتى لو كنت زعلان. ولو أنا اللي زعلانة، هتسيبني على راحتي لحد ما أقرر أتصالح معاك.
غيث
(مازحًا)
ولو حضرتك زعلانة لمدة شهر؟
غزل
(ببرود)
هتبقى تسأل نفسك إيه الغلطة اللي عملتها وتصلحها!
ضحك غيث، لكن سرعان ما كتم ضحكته عندما رأى نظراتها الجادة.
غزل
(تكمل بشراسة)
رابعًا، يومين في الشهر لازم نسافر فيهم، حتى لو مكان قريب، أي حاجة تغير جو.
غيث
معقول ده شرط؟ ده طلب ممتاز!
غزل
(بصوت حاد)
خامسًا، مش مسموح إنك تحاول تتحكم في حياتي المهنية، أنا عايزة أكمل شغلي، وأسافر وقت ما أحتاج.
غيث
(بإيماءة جادة)
موافق، طالما إن ده بيسعدك.
غزل
وأخيرًا… مش مسموح أبدًا تنسى عيد ميلادي أو ذكرى جوازنا، ولو نسيت…
غيث
(مقاطعًا بابتسامة)
هتبقى كارثة؟
غزل
(مهددة بمرح)
بل كارثة كونية.
نظر إليها غيث للحظة، ثم تنهد وهو يهز رأسه بابتسامة مستسلمة.
غيث
(بنبرة هادئة)
طيب، أنا موافق على كل حاجة… بس عندي شرط واحد.
ضيّقت غزل عينيها بحذر.
غزل
شرط؟ إيه هو؟
غيث
(بنبرة جادة وناعمة في نفس الوقت)
إنك تكوني سعيدة… معايا.
نظرت إليه غزل للحظة، وشعرت بقلبها ينبض بسرعة لم تفهم سببها. أخذت رشفة من قهوتها محاولة إخفاء ارتباكها، ثم أشاحت بوجهها بعيدًا.
غزل
(بخفوت)
ماشي… بس متنساش بقية الشروط.
غيث
(بابتسامة دافئة)
عمري ما هنسى.
بعد لحظات من الصمت، وضعت غزل كوب قهوتها على الطاولة ونظرت إلى غيث بجدية.
غزل
طيب، بما إننا خلصنا موضوع الشروط، خلينا نتكلم عن التجهيزات.
غيث
(بهدوء)
تمام، قوليلي إنتِ عايزة إيه، وأنا هعمل كل اللي أقدر عليه.
تنهدت غزل قليلًا، ثم ابتسمت وهي تسند ذقنها على يدها.
غزل
بص، أنا عارفة ظروفك وظروف عيلتك، وعارفة إنك راجل مسؤول وعمرك ما تقصر في حقي، عشان كده مش عايزاك تحس بأي ضغط مادي بسببي.
نظر إليها غيث بدهشة، فهو كان يتوقع أن غزل ستطلب مهرًا كبيرًا كأي فتاة من عائلة ثرية، لكنها كانت تتحدث ببساطة وكأن الأمر لا يشغلها.
غيث
(بهدوء ممتن)
غزل، أنا عارف إنك متفهمة، بس برضه المهر ده حقك، وأنا مش هقبل غير لما أدفعه بنفسي.
غزل
(بابتسامة خفيفة)
وده اللي أنا متأكدة منه، بس مش عايزاك تبالغ، ادفع اللي تقدر عليه، وده مش هيقلل منك ولا مني. المهم إنك تكون واثق في نفسك ومش شايل هم.
أخذ غيث نفسًا عميقًا، وشعر براحة لم يكن يتوقعها، ثم ابتسم وهو ينظر إليها بإعجاب.
غيث
أنتِ عارفة إنك مختلفة؟
غزل
(مازحة وهي ترفع حاجبها)
آه طبعًا، ده واضح جدًا، بس قوللي إيه اللي حسيته في اللحظة دي؟
ضحك غيث وهز رأسه، ثم أمسك بكوب قهوته ورشف منه بهدوء.
غيث
حسيت إني محظوظ… جدًا.
شعرت غزل بحرارة خفيفة في وجنتيها، لكنها تظاهرت بعدم الاهتمام وهي تعود لتقليب قهوتها بملعقتها.
غزل
المهم، بالنسبة للقاعة والفستان والحاجات دي… أنا مش عايزة حاجة مبالغ فيها، حاجة بسيطة وأنيقة تكفيني.
غيث
(مبتسمًا)
وإنتِ عارفة إن عيلتك مستحيل يعملوا حاجة بسيطة، القصر نفسه هيبقى عامل زي قاعة ملكية يوم الفرح.
غزل
(بضحكة خفيفة)
آه عارفة، بس أنا على الأقل هحاول أقنعهم إن الفرح يكون هادي ومش استعراض.
نظر إليها غيث بامتنان، ثم قال بنبرة دافئة:
غيث
غزل… أنا فعلًا ممتن ليكي، ومهما كان اللي بيحصل غريب ومفاجئ، أنا عارف إنك شخص مش سهل وإنك مش هتوافقي على حاجة إلا لما تقتنعي بيها.
صمتت غزل للحظة، ثم ابتسمت بخفة وهي تنظر إلى كوب قهوتها.
غزل
مش عارفة ده مدح ولا محاولة تحليل لشخصيتي، بس… شكرًا يا غيث.
التقت نظراتهما لثوانٍ، قبل أن يبتسم كلاهما بهدوء، وكأنهما يبدآن بتقبل فكرة أنهما قريبًا سيكونان معًا، رغم كل شيء.
أمام فيلا الشرقاوي – مساءً.
توقفت السيارة أمام البوابة الكبيرة، ونزلت غزل أولًا، بينما استدار غيث ليغلق باب السيارة بهدوء. كان الجو لطيفًا، والهواء المسائي يلفح وجهيهما برقة. لكن قبل أن تتقدم غزل نحو الباب، جاءهما صوت مألوف، مليء بالمكر والتسلية.
سليم
(مبتسمًا بمكر وهو يقف عند المدخل، مستندًا على الحائط بيديه المتقاطعتين)
آه، بصراحة أنا مش عارف مين اللي كان بيقول إنها مش عايزة تتجوز وإنها مش مقتنعة… شكلها كانت بتمثل علينا كلنا!
توقفت غزل في مكانها، وضاقت عيناها وهي تنظر إلى ابن عمها الذي كان يبتسم وكأنه اكتشف سرًا عظيمًا.
غزل
(بتكشيرة وهي تضع يدها على خصرها)
سليم، بطل غلاسة!
سليم
(بضحكة خفيفة)
غلاسة إيه بس؟ أنا فرحان جدًا، وأخيرًا غيث معاكِ، يعني كنت بقول لنفسي، كام سنة كمان وهتعترفي إنك عاوزاه!
أشاح غيث وجهه قليلًا، محاولًا إخفاء إحراجه، بينما غزل زفرت بضيق وهي تعبر بجانبه لتدخل الفيلا.
غزل
(بحدة وهي تمر بجانبه)
والله لو فضلت تكلمني كده، هخلي موضوع الجواز ده كله ينتهي قبل ما يبدأ!
سليم
(ضاحكًا وهو يلحق بها بخطوات هادئة)
لأ بقى، ده لو حصل، أنا اللي هبقى أول واحد يعيد إقناعك بغيث!
توقفت غزل عند الباب ونظرت إليه بحدة، بينما غيث ظل واقفًا بجوار سيارته يراقب المشهد بابتسامة صغيرة. اقتربت غزل من ابن عمها ورفعت حاجبها بتهديد وهمي.
غزل
مش هتبطل بقى؟
سليم
(بمكر وهو يغمز لها)
ولا هي اللي مش هتبطل تمثيل؟
زفرت غزل بغضب مصطنع ثم دفعت كتفه بخفة ودخلت الفيلا، بينما ظل سليم يضحك، قبل أن يلتفت إلى غيث الذي كان يراقبهما بصمت ممتن.
سليم
(بابتسامة هادئة وهو يربت على كتف غيث)
خد بالك منها، غزل عنيدة بس قلبها طيب… وأنا واثق إنك الوحيد اللي تقدر تحتويها.
نظر إليه غيث للحظة، ثم أومأ بابتسامة هادئة، يشعر بشيء من الراحة وهو يسمع تلك الكلمات من سليم، وكأن الأمر أصبح أكثر وضوحًا الآن.
غيث
هعمل كده، متقلقش.
أومأ له سليم بإعجاب، قبل أن يودعه ويتجه إلى الداخل، تاركًا غيث واقفًا للحظات، ينظر نحو الباب الذي دخلت منه غزل، متسائلًا عن الأيام القادمة وما تخبئه لهما…
بعد فترة قصيرة.
جلس غيث في ركن هادئ من المقهى، ينظر إلى ساعته بين الحين والآخر، حتى ظهر مصطفى من بعيد وهو يسير بخطوات سريعة نحوه. كان واضحًا على وجهه علامات الصدمة وعدم التصديق.
مصطفى
(باندهاش وهو يجلس أمام غيث مباشرة)
أنا مش مصدق! غيث… إنت بتقوللي إنك هتتجوز بنت الشرقاوي؟! بنت العيلة اللي الناس كلها بتتكلم عنها؟
غيث
(يبتسم بهدوء وهو يقلب فنجان القهوة بين يديه)
أيوه، هي نفسها.
مصطفى
(يضرب الطاولة بخفة وهو يضحك بذهول)
لا، لا، مستحيل! هو إنت فجأة اكتشفت إنك أمير بقى ولا إيه؟ إزاي ده حصل؟
غيث
(يضحك قليلًا ثم يهز رأسه)
صدقني لو قلتلك إن الموضوع كله حصل فجأة… أنا كنت آخر واحد يتوقع إن حياتي تاخد المنعطف ده.
مصطفى
(يرمقه بريبة وهو يضع يده على ذقنه)
طب والله العظيم كنت حاسس إنك مخبي علينا حاجة! يعني فجأة لقيتك بتختفي شوية، وبعدين تيجي تقوللي إنك داخل على جواز؟ إيه الحكاية؟
تنهد غيث وأخذ رشفة من قهوته، ثم بدأ يروي القصة باختصار، كيف أن الجد نادر هو من أصر على الزواج، وكيف أن الأمور تصاعدت بسرعة حتى وجد نفسه في هذا الوضع.
مصطفى
(ينظر له بذهول بعد أن انتهى من الحديث)
طب بجد… غزل وافقت بسهولة؟
غيث
(يضحك بسخرية)
بسهولة؟! أنت بتتكلم عن غزل الشرقاوي… دي لو كانت تقدر تهرب كانت هربت!
مصطفى
(يقهقه وهو يصفق بيديه)
الله يكون في عونك، واضح إنك داخل على زواج ممتع جدًا!
غيث
(يبتسم وهو يهز رأسه)
ممتع دي كلمة قليلة… بس هي محترمة وطيبة، حتى لو عنيدة وصعبة.
نظر مصطفى إلى صديقه للحظة، ثم ابتسم بهدوء وربّت على كتفه.
مصطفى
بص يا صاحبي، المهم إنك تبقى سعيد، وغزل تبقى سعيدة معاك… وأنا واثق إنك هتقدر تخليها تحبك بطريقتك.
غيث
(يبتسم بخفة)
أتمنى… المهم، هتيجي الفرح ولا هتقعد مستغرب لحد يوم القيامة؟
مصطفى
(يضحك وهو يرفع يديه باستسلام)
أكيد جاي! بس هاجي علشان أشوف إزاي غيث المسكين هيتعامل مع الأميرة غزل!
ضحك الاثنان، بينما شعر غيث بشيء من الطمأنينة، فوجود مصطفى بجانبه في هذا اليوم المهم يعني له الكثير. أما مصطفى، فظل غير مصدق أن صديقه الذي عاش حياته ببساطة، على وشك أن يصبح جزءًا من واحدة من أكبر العائلات في البلاد…
في اليوم التالي.
في مول فاخر – قسم فساتين السهرة.
أضواء المتاجر تلمع بانعكاسها على الأرضية الرخامية، ورائحة العطور الفاخرة تملأ المكان. تتنقل غزل ورفيقاتها بين المحلات، كل واحدة منهن منشغلة بشيء معين، بينما كانت الصغيرة حور وسارة الأكثر حماسًا وسط هذا الحشد النسائي.
حور
(تقفز بحماس وهي تمسك يد والدتها ميار)
ماما، ماما! بصي الفستان ده، شبه فساتين الأميرات اللي في الكارتون! ممكن آخده؟
سارة
(بتدلل وهي تنظر لنفسها في المرآة الكبيرة)
مفيش أجمل مني في لبس الفساتين! بس برضه محتاجة أجرب أكتر وأكتر، الجمال عاوز اختيارات كتير!
ميار الأم
(تضحك وهي تمسح على رأس حور)
طيب حبيبتي، خلينا نخلص فساتين العروسة الأول وبعد كده نشوف فساتينكم.
ميار ابنة خال غزل
(تنظر إلى غزل بمكر)
أيوه، نرجع لموضوعنا الأساسي… العروسة الجميلة، حضرتك اخترتي فستان الفرح ولا لسه؟
غزل
(تتنهد وهي تتأمل الفساتين على الرفوف)
يا جماعة، أنا مش متحمسة خالص للفستان! خدو أنتم القرار عني.
شغف
(تضع يدها على كتف غزل بمكر)
مش متحمسة؟! ده يوم زفافك يا بنتي! لو مش متحمسة النهاردة، إمتى هتكوني متحمسة؟
حبيبة
(بهدوء وهي تنظر إلى أحد الفساتين)
طيب نجرب كام واحد، ولو معجبكيش ولا واحد، نسيب الموضوع لحد ما تلاقي اللي يناسبك.
رهف
(وهي تمسك بفستان أبيض راقٍ مرصع باللؤلؤ)
طب بصي على ده، بسيط وأنيق، وأحس إنه هيكون مناسب لشخصيتك.
غزل نظرت إلى الفستان، لم يكن ضخمًا ومبالغًا فيه مثل الفساتين الأخرى، لكنه كان يحمل لمسة راقية جذبت انتباهها للحظات.
غزل
(بهدوء وهي تتأمله)
ممم… يمكن أجربه.
سارة
(تتنهد وهي تضع يديها على خصرها)
مش معقول! إزاي العروسة مش متحمسة، وأنا اللي أصغر منها داخلة جوايا نار حماسية؟!
شغف
(تضحك وهي ترفع حاجبها)
شوفتوا؟ سارة فاهمة أكتر من العروسة نفسها!
حور
(تمسك يد غزل وتهزها بخفة)
غزل، ممكن تعملي فستان شبه اللي لباربي؟
غزل
(تضحك وهي تجلس لتكون في مستوى حور)
طيب يا أميرتي الصغيرة، لما تكبري هعملك فستان أحلى من بتاع باربي، اتفقنا؟
حور
(تصيح بسعادة)
اشطاااااا!
ضحكت النساء جميعًا، وبدأت غزل في تجربة بعض الفساتين وسط دعم وتشجيع صديقاتها وعائلتها، بينما كانت الصغيرة سارة تحلل كل تفصيلة في كل فستان، وكأنها خبيرة موضة محترفة.
داخل محل الفساتين – وسط الأجواء المليئة بالحماس.
بينما كانت غزل تجرب أحد الفساتين، وتحيط بها النساء بالملاحظات والتعليقات، فُتح باب المتجر ودخلت شيرلين، والدة غيث، بابتسامتها الدافئة وملابسها البسيطة، لكن أناقتها الراقية كانت واضحة.
شيرلين
(تنظر حولها بلطف)
السلام عليكم، يا بنات! قولت أجي أشوف العروسة وأشارككم الحماس.
حور
(تجري نحوها بسعادة)
طنط شيرلين!
شيرلين
(تحتضنها بحنان)
حبيبتي يا حور، عاملة إيه؟
سارة
(بتأمل وهي تضع يدها على ذقنها)
أهااا… إذن أنتِ الحماة المستقبلية؟ لازم أخد انطباعاتي منكِ بسرعة!
ضحك الجميع على تعليق سارة العفوي، بينما اقتربت شيرلين من غزل التي خرجت من غرفة القياس وهي ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا، لكن فخم التفاصيل.
شيرلين
(تنظر إليها بإعجاب)
ما شاء الله، غزل… شكلك ملاك! غيث محظوظ جدًا.
غزل
(تبتسم بخجل بسيط قبل أن تمسك طرف الفستان)
أنا لسه مش عارفة… بس الفستان مريح.
ميار ابنة خال غزل
(بحماس وهي تنظر إلى شيرلين)
تانت شيرلين، عندك ذوق؟ عاوزين رأيك، أي فستان أحلى؟
شيرلين
(تبتسم برقة)
بصراحة، كل الفساتين حلوة، بس المهم العروسة تكون مرتاحة وسعيدة في اللي هتلبسه.
رهف
(تغمز لغزل بمكر)
سمعتي؟ سعيدة! مش تقوليلنا إنك فرحانة بقى؟
غزل
(تتنهد وهي ترفع حاجبها)
أنا مش معترضة، بس مش مستوعبة فكرة إن بعد كام يوم هكون متجوزة!
شيرلين
(تضحك وهي تمسك يدها بحنان)
دي مش حاجة تخوف يا حبيبتي، الجواز شراكة جميلة، وإنتِ وغيث هتكونوا أحسن سند لبعض.
ابتسمت غزل بخجل، بينما نظرت شيرلين نحو الفساتين على الرفوف، ثم مدت يدها وأمسكت بفستان بسيط التصميم لكنه يحمل لمسة أنيقة.
شيرلين
(بحماس ناعم)
أنا شايفة إن الفستان ده هيليق عليكِ جدًا يا غزل، رقيق وبسيط بس في نفس الوقت فيه لمسة فخامة.
حبيبة
(بابتسامة)
شيرلين عندها ذوق، جربيه يا غزل!
نظرت غزل إلى الفستان، ثم تنهدت وهي تأخذه من يد شيرلين، ثم دخلت غرفة القياس من جديد، بينما جلست النساء يواصلن الحديث والضحك، وشيرلين تشاركهن الأجواء بحب وألفة، لتشعر غزل لأول مرة ببعض الراحة تجاه فكرة الزواج… ربما لن يكون الأمر سيئًا كما كانت تتوقع.
بينما كانت غزل في غرفة القياس، تتابع الفتيات الحديث بحماس، دخلت شغف على الخط بابتسامة ماكرة، وهي تضع يديها على خصرها وتنظر للجميع بنظرة ذات مغزى.
شغف
(بخبث وهي ترفع حاجبها)
طيب طيب… كله بيتكلم عن الفستان، بس إحنا نسينا الأهم!
ميار
(تغمز لها بمكر)
آه طبعًا، إحنا فاهمينك… عاوزة نعرف حاجة تانية خالص، مش كده؟
شغف
(تقاطعها بسعادة)
أكيد! يا عروسة، مش هتحكيلنا عن رومانسية خطيبك العريس بقى؟ ولا كل حاجة لسه رسمية؟
اتسعت عينا غزل فور خروجها من غرفة القياس وهي ترتدي الفستان الذي اختارته شيرلين، ثم رمقت شغف بنظرة تحذيرية، لكنها لم تكن كافية لإيقافها.
غزل
(ببرود مصطنع)
رومانسية إيه بس؟ إحنا بنتكلم عن غيث، مش عن بطل رواية رومانسية!
رهف
(تضحك)
ده لو سمعك، هيزعل منك يا بنتي!
شغف
(تضع يدها على ذقنها بمكر)
بس بس بس… غيث ده هادي وعاقل، بس أكيد في لحظات خاصة حصلت بينكم، صح؟ يلا اعترفي، هو قالك كلام حلو ولا لأ؟
شعرت غزل بحرارة خفيفة تزحف إلى وجنتيها، لكنها تماسكت سريعًا ورفعت ذقنها بعناد.
غزل
(بثقة زائفة)
بصراحة؟ لأ، كله كان عملي جدًا، إحنا متفقين على أساسيات الجواز وبس.
سارة
(بعينين متسعتين)
لاااااااا! إزاي يعني؟ مفيش لحظة رومانسية واحدة؟ حتى نظرة؟ كلمة حلوة؟ أي حاجة؟
حور الصغيرة
(ببراءة)
هو مش المفروض العرسان يحبوا بعض؟
شيرلين
(تبتسم وهي تهز رأسها)
يا بنات، الحب مش بس كلام، ممكن يكون أفعال صغيرة، اهتمام، خوف، حتى الصمت أحيانًا بيقول كتير.
نظرت غزل إلى شيرلين للحظة، ثم زفرت بضيق، مدركة أن الجميع يتآمر عليها اليوم.
غزل
(بجدية وهي ترفع حاجبها)
بصراحة؟ غيث طيب جدًا، ومحترم، وبيتعامل معايا كويس… بس إحنا مش في فيلم رومانسي، ومش مستنية منه يبعتلي ورد كل يوم ولا يكتبلي شعر!
شغف
(تغمز لها بمكر)
بس لو عمل كده مش هتعترضي، صح؟
ميار
(تضحك وهي تضرب كفها بكفها)
هاااا، وقعتِ يا غزل!
حاولت غزل التهرب، لكنها عرفت أن لا مفر من التعليقات الساخرة طوال التسوق، وسط ضحكات الفتيات وتعليقاتهن الماكرة، أما شيرلين فاكتفت بابتسامة هادئة، وكأنها تعرف أن الأيام القادمة ستحمل لغزل مفاجآت لم تكن تتوقعها…
في المساء.
في فيلا الشرقاوي – غرفة الجلوس الفسيحة.
كان سليم جالسًا على الأريكة، ساق فوق الأخرى، كفه مستند إلى ذقنه، وعيناه تحملان شرودًا غريبًا. أمامه كوب قهوته الذي برد تمامًا، لكنه لم يلحظ، فقد كان غارقًا في ذكرياته… يتذكر غزل الصغيرة، تلك الطفلة التي كانت تجري في أنحاء القصر بضحكاتها البريئة، تملأ حياته صخبًا وحيوية… ثم الآن، ها هي تستعد للزواج، وكأن العمر مرّ في غمضة عين.
بينما هو غارق في أفكاره، انفتح باب الغرفة فجأة، ليدخل إياد بخطوات واسعة وحماسية، وخلفه زين الذي كان يضحك على شيء ما قاله إياد للتو.
إياد
(بصوت عالٍ ومرح)
بصوا مين اللي سرحان وعامل فيها الأب الحزين! يا ساتر يا سليم، هو إيه الجو الكئيب ده؟
انتبه سليم من شروده، ونظر إلى شقيقيه بملامح جامدة، قبل أن يزفر ببطء.
سليم
(بهدوء وهو يعيد ظهره إلى الأريكة)
مفيش حاجة… بس بفكر.
زين
(يرفع حاجبه وهو يجلس بجواره)
يا راااجل! إنت بتفكر؟ حاجة غريبة فعلًا… طب قل لنا بتفكر في إيه؟
إياد
(يجلس قبالتهما وهو يغمز بخبث)
أكيد في غزل… الطفلة اللي كانت بتلعب فوق دماغك بقت عروسة، صح؟
ظل سليم صامتًا للحظات، ثم هز رأسه ببطء.
سليم
(بصوت منخفض)
فعلاً… مش قادر أستوعب إن بنتي الصغيرة كبرت وهتتجوز.
زين
(يضع يده على كتف سليم ويضحك)
وده طبيعي جدًا… المشكلة إنك واخدها بجدية كأنك هتبعتها الحرب مش الجواز!
إياد
(يغمز بسخرية)
أنا بصراحة مستغرب حاجة تانية… غزل دي كانت شبهك في العصبية والعند، إزاي وافقت على الجواز كده فجأة؟
ضحك زين بينما سليم أطلق زفرة قصيرة، ثم نظر إلى إياد نظرة ذات معنى.
سليم
(بهدوء محذر)
إنت فاكر إن الموضوع كان سهل؟ غزل ما وافقتش بسهولة… وأنا كنت لازم أقنعها بنفسي.
زين
(بمزاح)
ده أكيد حصل بعد مفاوضات دامت أسابيع وحروب نفسية، صح؟
إياد
(يضحك وهو يرفع يديه بمبالغة)
وأكيد استخدمت أساليب الضغط النفسي والكلام الحازم اللي بيخلي أي حد يوقع على أي حاجة من غير ما يقرأ العقد!
نظر إليهما سليم نظرة باردة، قبل أن يهز رأسه بيأس.
سليم
(بجدية)
مش عارف إنتو إزاي إخواتي بصراحة… أنا في لحظة أبوية حساسة وإنتو عاملينها مسرحية هزلية!
زين
(يغمز له وهو يضحك)
طب ما هو لازم نهون عليك، إحنا برضه خايفين عليك من الصدمة!
إياد
(يميل للأمام بمكر)
بس بصراحة… متحمس أشوفك وأنت واقف في الفرح بتسلم بنتك لغيث، متأكد إن عيونك هتملا دموع!
ارتفع حاجبا سليم بضيق، بينما انفجر زين في الضحك، وإياد صفق بحماس، مستمتعًا باستفزاز شقيقه الأكبر.
سليم
(يحاول التماسك)
أنا مش هعيط يا إياد، خليك في حالك!
إياد
(بمرح وهو يغمز له)
هنشوف… بس أوعدني لو دمعت، هتبص لينا على الأقل عشان نأخذ لقطة للذكرى!
نظر له سليم بحدة، ثم التفت إلى زين الذي كان يضحك بقوة.
سليم
(بهدوء متوعد)
أنت ساكت ليه؟ مش هتنقذ أخوك قبل ما أطبق عليه؟
زين
(يرفع يديه باستسلام)
لااا، أنا مستمتع بالمشهد… بس لو هتطبق عليه، استنى لما أصور الأول!
ضحك إياد وزين بصوت عالٍ بينما سليم هز رأسه بيأس، لكنه لم يستطع إخفاء ابتسامة صغيرة شقت طريقها إلى شفتيه… فرغم كل شيء، كان ممتنًا لوجود أخويه بجانبه في هذه اللحظة المهمة من حياته.
في غرفة ميار – فيلا الشرقاوي.
جلست ميار على أريكتها في زاوية الغرفة، تحتضن كوبًا من الشاي، وعيناها سارحتان في الفراغ. كانت مشاعرها خليطًا بين الفرحة والحزن… فرحة لأنها ترى طفلتها الصغيرة غزل تستعد لبدء حياة جديدة، وحزن لأنها ما زالت غير مستوعبة أن تلك الطفلة التي حملتها بين يديها وهي مراهقة قد كبرت وأصبحت عروسًا الآن.
قبل أن تتمادى في أفكارها، انفتح باب الغرفة فجأة، ليظهر إخوتها الثلاثة، أدهم وسيف ومازن، وملامحهم تكشف أنهم لاحظوا شرودها.
أدهم
(وهو يضع يديه في جيبيه ويتأملها)
إحنا مش عايزين دراما بقى، يا ميار… كفاية سليم سرحان لوحده، مش معقول تبقوا الاتنين تايهين كده!
رفعت ميار رأسها ببطء، ونظرت إليهم بنظرة متأثرة قبل أن تبتسم بخفة.
ميار
(بصوت دافئ)
أنا مش تايهة… بس مش مستوعبة إن غزل كبرت وهتتجوز.
مازن
(يتقدم ليجلس بجانبها مازحًا)
طب ما إحنا برضه مش مستوعبين إن أختنا الصغيرة بقت أم لعروسة! يعني إحساسنا مش بعيد عن إحساسك.
سيف
(يغمز بمكر وهو يقف بجانب أدهم)
وخصوصًا إنك كنتِ شبه غزل في العند أيام زمان… فاكرة لما قررتِ تتجوزي سليم وإنتِ عندك 15 سنة؟ إنتِ أسرع واحدة فينا كلها خدت خطوة الجواز!
ضحكت ميار بخفة، وهي تهز رأسها، ثم نظرت إليهم بعينين لامعتين.
ميار
(بحنين)
كان زمان… كنت صغيرة ومندفعة، بس ما ندمتش لحظة إني اخترت سليم، وهو دلوقتي بيحس بنفس المشاعر اللي حسّيت بيها لما غزل جت لحياتي… إحساس غريب، بس جميل.
أدهم
(بابتسامة دافئة)
طيب إحنا مش عايزين دموع بقى، يا ميار… دي ليلة فرح، مش ليلة نواح!
مازن
(ممازحًا وهو يضع يده على كتفها)
أوه لاااا، ما تقولش كده، ده إحنا هنلاقيها في الفرح قاعدة مع سليم يعيّطوا سوا ويمسكوا منديل واحد!
انفجرت ميار ضاحكة وهي تضرب مازن على ذراعه بخفة.
ميار
(بمزاح)
إنت قليل الأدب يا مازن، بجد!
سيف
(يضع يديه على صدره بمسرحية)
خلاص، إحنا كإخوتك الكبار بنقرر رسميًا إنك ممنوعة من البكاء في الفرح… ولو عيطتي، هنطلب من الفرقة الموسيقية تعزف أغاني مهرجانات بدل الرومانسيات عشان نقلب الجو!
ضحكت ميار مجددًا، وشعرت أن وجود إخوتها بجانبها كان بالضبط ما تحتاجه لتخفيف التوتر الذي تشعر به. ورغم كل شيء، كانت ممتنة لأنها لم تعش هذه اللحظة وحدها.
بينما كانت الضحكات تملأ الغرفة، انفتح الباب ببطء، ليظهر منه أدهم الصغير، ابن سليم وميار، وهو يعقد ذراعيه أمام صدره بجدية واضحة، ملامحه رغم صغر سنه تعكس شخصية قيادية تشبه والده كثيرًا.
أدهم الصغير
(بصوت هادئ لكن حازم)
أنتو قاعدين بتتكلموا وتضحكوا عادي كده، وكأن غزل مش هتسيبنا بعد كام يوم؟
سكت الجميع للحظة، ثم تبادلوا نظرات مسلية، بينما سيف ومازن حاولا كتم ضحكتهما بسبب أسلوب أدهم الصغير الجدي جدًا.
مازن
(بمزاح وهو يرفع حاجبه)
إيه ده؟ هو فين سليم الأب؟ ده شكله بعت نسخة مصغرة منه تتأكد إن مامتك مش بتعيّط!
أدهم الصغير
(ينظر إليه بجدية أكبر)
مازن، أنا بتكلم جد.
أدهم الكبير
(يضع يده على كتف أدهم الصغير بابتسامة هادئة)
وإحنا كمان بنتكلم جد يا بطل… بس الجواز مش معناه إن غزل هتسيبنا للأبد، دي هتفضل أختك الكبيرة، وهتيجي كل يوم تتخانق معاك عادي جدًا.
أدهم الصغير
(يشبك ذراعيه بإصرار)
بس مش هتفضل معانا في البيت، وده اللي مضايقني… وبعدين غيث ده، هو كويس وكل حاجة، بس أنا مش مقتنع إنه يقدر يوقف قدام غزل لو اتخانقت معاه!
انفجر الجميع بالضحك، بينما وضعت ميار يدها على جبينها بحنان وهي تنظر إلى ابنها الصغير الذي يتحدث وكأنه رجل ناضج.
ميار
(بابتسامة دافئة)
يا حبيبي، غيث راجل ومسؤول، وبيعرف يتعامل مع غزل… وبعدين إنت عارف أختك، حتى لو جوزناها لرجل مخابرات، برضه هتفضل متحكمة!
سيف
(بضحكة)
هو ده اللي كان لازم الجد نادر ياخده في الاعتبار، بدل ما يقرر الجواز بسرعة كده!
أدهم الصغير
(يتنهد وهو يهز رأسه بجدية)
طيب خلاص، أنا هديكم فرصة تراقبوا الوضع… بس لو غزل زعلت، أنا مش هسكت!
تبادلت ميار وإخوتها نظرات مسلية، بينما أدهم الصغير كان جادًا تمامًا في كلماته. اقتربت منه ميار واحتضنته بحنان، وهي تربت على ظهره.
ميار
(بهمس حنون)
يا حبيبي… غزل هتكون كويسة، وهنفضل كلنا جنبها، حتى لو بقت متجوزة.
أدهم الصغير
(يغمغم وهو يدفن وجهه في كتفها)
بس هتوحشني…
أحاطه اخواله الثلاثة بذراعيهم في عناق دافئ، ليختفي التوتر من وجهه أخيرًا، بينما سيف ومازن يبتسمان بحنان، وأدهم الكبير يربت على رأسه بفخر.
مازن
(بمرح)
لا يا جماعة، بصراحة الولد ده لازم يقود العيلة بعدنا، دماغه شغالة صح!
انفجر الجميع بالضحك مجددًا، بينما أدهم الصغير رفع رأسه، محاولًا أن يخفي ابتسامته الصغيرة، لكنه لم يستطع… فوسط كل مشاعر الحنين، كان دفء العائلة دائمًا هو ما يجعل الأمور أسهل.
رواية اسيره في مملكة عشقه الفصل السابع عشر 17 - بقلم سيليا البحيري
رواية اسيره في مملكة عشقه الفصل السابع عشر 17 - بقلم سليا البحيري
فصل 17
في غرفة غزل – يوم الزفاف
ضوء الشمس يتسلل بخفة من نافذة الغرفة، لينعكس على فستان الزفاف الأبيض المزين بالدانتيل الفاخر. وقفت غزل أمام المرآة، تتأمل انعكاسها بصمت، عيناها الزرقاوان تائهتان في مزيج من المشاعر المتضاربة. كانت جميلة… بل مذهلة، لكن داخلها لم يكن مستعدًا بعد لاستيعاب ما سيحدث خلال ساعات قليلة.
غزل (بهمس لنفسها وهي تلامس قماش الفستان برفق):
"هو ده بجد؟ أنا فعلًا هتجوز النهاردة؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم مررت أصابعها على الطرحة الموضوعة جانبًا، قبل أن تزفر ببطء.
غزل (بابتسامة صغيرة ساخرة):
"يا بنتي إنتي كنتي بتزعقي وبتقولي مش عايزة أتجوز، أهو… دلوقتي لابسة الفستان الأبيض ومستنية حد ياخدك من هنا، إيه الإحساس العجيب ده بقى؟"
رفعت عينيها إلى المرآة مجددًا، حدقت في ملامحها… هل هذه هي الفتاة العنيدة التي أقسمت أنها لن تتزوج أبدًا؟ هل هذه هي غزل الشرقاوي التي رفضت حتى التفكير في الارتباط؟
غزل (بصوت خافت):
"يمكن… يمكن الموضوع مش مخيف زي ما كنت متخيلة، يمكن غيث فعلًا الشخص اللي يقدر يتحملني… بس برضه، الجواز مسؤولية، وحرية أنا مش متأكدة إني مستعدة أتنازل عنها."
توقفت قليلًا، ثم ضحكت بخفة وهي تهز رأسها.
غزل (بغمغمة):
"بس برضه، لو في حد هيتعامل مع جنوني وشروطي العجيبة، فهو غيث… الغلبان وقع معايا!"
*مررت يدها على شعرها المصفف بعناية، ثم أخذت نفسًا عميقًا، محاولة تهدئة التوتر الذي بدأ يتسلل إلى قلبها. قبل ساعات، كانت مجرد فتاة حرة، والآن… هي عروس.
نظرت لنفسها مجددًا في المرآة، ثم عضّت شفتها بتردد.*
غزل (بهمس أخير لنفسها):
"خلاص يا غزل، المركب مشيت… يلا بقى، نتصرف كعروسة محترمة، مش كحد هارب من حكم إعدام!"
قبل أن تواصل حديثها مع نفسها، انفتح الباب فجأة، مما جعلها تستدير بسرعة، محاولًا إخفاء ابتسامتها الصغيرة… فاليوم، رغم كل شيء، هو يومها
***********************
كانت غزل لا تزال تحدق في انعكاسها في المرآة، تحاول استيعاب الموقف، عندما انفتح الباب فجأة، وانطلقت منه ضحكة طفولية بريئة.
حور (بصوت طفولي مليء بالحماس):
"غززززززلللل!!"
التفتت غزل بسرعة لتجد شقيقتها الصغيرة، حور، تركض نحوها بفستانها الوردي المنفوش، عيناها البريئتان تلمعان بالحماس. لم تستطع غزل منع نفسها من الابتسام وهي تجثو على ركبتيها لتستقبل الصغيرة بين ذراعيها.
غزل (بحب وهي تضمها):
"إيه ده كله؟ فين كنتي يا مشاغبة؟"
حور (بضحكة صغيرة وهي تلمس فستان غزل بيدها الصغيرة):
"كنت بدور عليكي! واااااااو، إنتي شبه الأميرات في الحواديت! بس إنتي أحلى من كل الأميرات!"
ضحكت غزل بحنان، ثم طبعت قبلة على جبين أختها الصغيرة، لكن قبل أن ترد عليها، سمعت صوتًا عميقًا مألوفًا خلفها.
سليم (بصوته الجاد لكنه دافئ هذه المرة):
"حور مش قادرة تستوعب إنك هتبقي عروسة بعد شوية، بس الصراحة… أنا كمان مش مستوعب."
ارتفعت عينا غزل لتلتقي بوالدها، سليم، الذي وقف عند الباب بثوبه الرسمي، تبدو عليه مزيج من الجدية والمشاعر المكبوتة. كان رجلًا صارمًا بطبعه، لكنه الآن، وهو يراها بفستان الزفاف، بدا وكأنه يحاول كتم مشاعر كثيرة لا يريد أن يُظهرها.
غزل (بابتسامة دافئة، وهي تقترب منه):
"وأنا كمان مش مستوعبة يا بابا… بس خلاص، المركب مشيت."
سليم (بتنهيدة وهو ينظر إليها بفخر):
"المركب مشيت، بس أنا كنت بتمنى تفضلي طفلتي الصغيرة للأبد."
نظرت إليه غزل بحنان، ثم أمسكت بيده برقة، وضغطت عليها بخفة.
غزل (بصوت خافت لكنه مؤثر):
"وهفضل طفلتك يا بابا… حتى وأنا متجوزة."
نظر إليها سليم للحظة، ثم رفع يده ومسح على رأسها برفق، كما كان يفعل عندما كانت صغيرة.
سليم (بصوت ثابت لكنه دافئ):
"يلا يا عروسة… العريس مستني تحت، ولازم أسلمك بنفسي."
شعرت غزل بوخزة غريبة في قلبها، لم تكن حزينة، لكنها مزيج من الرهبة والتأثر. التفتت لحور التي كانت تتابع المشهد ببراءة، ثم انحنت وطبعت قبلة على وجنتها الصغيرة.
غزل (بهمس وهي تبتسم):
"خلي بالك من بابا لما أمشي، أوك؟"
حور (بحماس وهي ترفع إبهامها الصغير):
"أوك، بس هو مش هيبقى زعلان، لأنه بيحب غيث، وأنا كمان بحبه!"
ضحكت غزل بينما تنهد والدها بخفة، ثم مدت يدها له بثقة، ليأخذها من يدها بحنان نادر، ويقودها خارج الغرفة… نحو بداية جديدة تمامًا في حياتها
********************
في قاعة الاستقبال – فيلا الشرقاوي
كانت القاعة مزينة بأجمل الديكورات الفاخرة، الأضواء الهادئة تضيء المكان، والكل في انتظار نزول العروس. صوت الهمهمات يملأ الأجواء، بين أفراد العائلة والأصدقاء، بينما تقف ميار وسط القاعة تبحث بعينيها عن ابنتها الصغيرة.
ميار (وهي تنظر حولها بقلق):
"حد شاف حور؟ كانت معايا من شوية واختفت!"
شغف (بهدوء وهي تبتسم):
"أكيد مع غزل فوق… مستحيل تسيبها في يوم زي ده."
ميار (تزفر بضيق):
"يا بنتي عارفة، بس البنت دي مش بتقعد في مكان واحد، وخايفة تكون عاملة مصيبة فوق."
أوس (وهو يضع يده على كتف زوجته شغف):
"اهدي يا ميار، غزل معاها، يعني في أمان، دي أختها الكبيرة."
رمزي (والد غيث، وهو يتحدث بهدوء إلى شيرلين زوجته):
"أنا مش قادر أصدق إننا هنا… ومستنيين ابننا يبقى عريس وسط العيلة دي."
شيرلين (تبتسم بلطف وهي تنظر إلى العائلة حولها):
"فعلاً، كلهم طيبين، حسّيت كإني وسط أهلي بجد."
أمجد (الصغير وهو يشد ذراع غيث بحماس):
"غيث! غيث! هو إنت خايف؟"
غيث (يضحك وهو يربت على رأس شقيقه الصغير):
"ليه بقى؟"
أمجد (بجدية طفولية):
"أصل كل العرسان في الأفلام بيكونوا خايفين."
مصطفى (وهو يضحك ويضع يده على كتف غيث):
"والله مش عارف يا أمجد، بس أهو غيث وشه بيقول إنه متوتر."
ضحك الجميع بينما هز غيث رأسه بابتسامة، محاولًا إخفاء توتره الحقيقي.
سليم الابن (ابن عم غزل، وهو ينظر إلى الدرج بمكر):
"يلا بقى، العروسة فين؟ الناس بدأت تقلق."
رهف (بمزاح وهي تضحك):
"أكيد قاعدة فوق تفكر تهرب!"
حبيبة (تغمز بمكر):
"غزل مستحيل تهرب، بس أكيد عاملة فيلم درامي مع نفسها في المراية."
وسط ضحكات الجميع، التفتت ميار إلى الدرج مجددًا، ثم تنهدت براحة عندما رأت سليم والد غزل يهبط أخيرًا ممسكًا بذراع غزل، وخلفهما حور الصغيرة تمشي بخطوات سريعة لتلحق بهما…
ميار (تبتسم أخيرًا):
"أهو جايين… وطبعا حور كانت فوق معاهم."
التفتت العيون كلها نحو العروس، وتوقفت الهمسات… فقد حان الوقت أخيرًا ليبدأ الحفل المنتظر
********************
بدأت همسات الجميع تخفت تدريجيًا، وتحولت الأنظار إلى أعلى الدرج، حيث ظهرت غزل في فستانها الأبيض الفاخر، تمسك بذراع والدها سليم، بينما تسير بخطوات هادئة. حور الصغيرة تقفز بجانبهما بسعادة، بينما ميار تراقب المشهد بعينين دامعتين من الفرح.
غيث كان واقفًا في مقدمة القاعة، يحدّق في غزل باندهاش واضح… وكأنه يراها لأول مرة. لم يستطع منع نفسه من ابتسامة صغيرة وهو يراها تقترب منه ببطء.
سليم (بصوته العميق وهو ينظر إلى غيث بجدية):
"وصيتك يا غيث… غزل بنتي، قلبي، حياتي… أمانة في رقبتك."
شعر غيث بثقل المسؤولية في صوت سليم، لكنه أومأ برأسه بحزم، وعيناه تشعان بالاحترام والجدية.
غيث (بصوت ثابت):
"في عنيا، يا عمي."
نظرت غزل إلى والدها، لأول مرة تشعر بثقل اللحظة… هذا الرجل الذي كان دائمًا سندها، وها هو الآن يسلّمها لشخص آخر. حاولت أن تخفي مشاعرها، لكنها شعرت بقبضة والدها على يدها وهي تشتد للحظة قبل أن يتركها لغيث.
سليم (بصوت أكثر هدوءًا، لكنه يحمل معاني كثيرة):
"خلي بالك منها… هي عنيدة شوية، بس قلبها أبيض."
غيث (يبتسم بخفة وهو ينظر إلى غزل):
"عارف، ومش هخلي حد يزعلها أبدًا."
شعرت غزل بقلبها ينقبض للحظة، ثم تنهدت بخفة وهي ترفع رأسها، تنظر إلى والدها بعينين ممتنّتين… لكنه لم يمهلها فرصة للكلام، فقط ربت على يدها، ثم استدار ليعود إلى ميار التي كانت تراقبه بمشاعر مختلطة بين السعادة والدموع.
أما غيث، فقد مد يده نحو غزل بلطف، وكأنه ينتظر منها أن تمسك بها… بعد لحظة من التردد، وضعت يدها في يده أخيرًا.
تعالت الزغاريد في القاعة، وهتف الجميع بسعادة، بينما وقف الجد نادر يراقب المشهد بنظرة مليئة بالفخر والرضا.
"الآن… بدأ فصل جديد في حياة غزل وغيث."
*********************
بدأت الأضواء الخافتة تملأ القاعة بألوانها الدافئة، بينما انطلقت الموسيقى الرومانسية في الأجواء، معلنة بدء الرقصات بين الأزواج والأقارب. وسط تصفيق الحضور، بدأ كل ثنائي يتحرك بانسجام على أنغام الموسيقى، يحملون مشاعرهم المختلفة في تلك اللحظات السحرية.
1. غزل & غيث
غزل كانت تحاول أن تبقى متماسكة، لكن لمعة عينيها فضحت تأثرها وهي تمسك بيد غيث، الذي لم يرفع عينيه عنها طوال الوقت.
غيث (بابتسامة هادئة وهو يهمس لها):
"لسه مصدقة اللي بيحصل؟"
غزل (تتظاهر باللامبالاة وهي ترفع حاجبها):
"مش عارفة… بس متأكدة إنك ناوي تخليني أندم على كل شروطي اللي فرضتها عليك!"
غيث (يضحك):
"أنتِ بس استعدي، أنا همشيك عليها بالحرف!"
ضحكت غزل، رغم كل شيء، شعرت بشيء مختلف… شيء يشبه السعادة الحقيقية.
2. سليم (والد غزل) & ميار (والدتها)
كان سليم يمسك بيد ميار برقة، ينظر إليها نظرة مليئة بالحنان.
سليم (بهدوء وهو يتأملها):
"شايفة يا ميار؟ بنتنا كبرت… امبارح بس كنتِ بتقوليلي مش مصدقة إنك بقيتِ أم."
ميار (بدموع خفيفة وهي تبتسم):
"وكأنها لسه طفلة في حضني… بس هي دلوقتي في أمان، متأكدة من ده."
سليم:
"طول ما إحنا معاها، هتفضل في أمان."
3. زين & تقى
زين جذب زوجته تقى بلطف، وهو يراقبها بعينين تملؤهما المودة.
زين (بابتسامة):
"لسه متذكر أول مرة رقصنا مع بعض في فرحنا؟"
تقى (تضحك بخجل):
"طبعًا، كنتَ بتدوس على رجلي كل شوية!"
زين (بمرح):
"أنا كنت مركز في وشك مش في رجلي!"
4. رهف & عامر
رهف كانت تضع رأسها على كتف زوجها عامر، تشعر بلحظة من الصفاء.
رهف:
"فاكر لما كنا بنتخانق على أبسط حاجة؟ دلوقتي حتى لما بنتخانق، بحس إنها مش حاجة كبيرة."
عامر (يبتسم):
"عشان حبنا بقى أقوى…"
5. حبيبة & هشام
حبيبة كانت تضحك وهي تحاول أن تتماشى مع إيقاع هشام العشوائي.
حبيبة:
"أنتَ أكيد مش بتعرف ترقص، اعترف!"
هشام (بمزاح):
"أنا مش عايز أرقص… أنا عايز أضحكك بس!"
فضحكت حبيبة، وهي تشعر بمدى حظهما لأنهما معًا.
6. أدهم (خال غزل) & زهرة
كان أدهم ينظر إلى زوجته زهرة بإعجاب، وهي تبتسم برقة.
أدهم:
"عارفة إني عمري ما كنت بحب الزحمة؟ بس في وجودك، كل حاجة ليها معنى."
زهرة:
"أنا هنا دايمًا… في زحمتك وهدوءك."
7. سيف & دنيا
دنيا كانت تحاول كتم ضحكتها بينما سيف يرقص بجديّة وكأنه في مهمة رسمية.
دنيا:
"ليه مكشر كده؟ حد مجبرك على الرقص؟"
سيف (جديًا):
"أنا مركز، متستهونيش بقدراتي!"
ضحكت دنيا وأرخت رأسها على كتفه.
8.مازن&ملك
مازن جذب زوجته ملك بخفة وهو يهمس لها بمكر.
مازن:
"هتعملي إيه لو خطفتك دلوقتي وهربنا من الزحمة دي؟"
ملك (تضحك):
"أكيد هتودي نفسك في ورطة!"
9. إياد & فريدة
إياد كان يراقب فريدة بدهشة، لم يكن يتوقع أن يجد نفسه مستمتعًا برقصه معها.
إياد:
"أنتِ مين بالظبط؟ وليه حاسس إنك أول مرة تظهري في حياتي بالطريقة دي؟"
فريدة (بثقة):
"يمكن لأنك عمرك ما حاولت تبص أبعد من دايرتك الصغيرة"
10. رمزي & شيرلين
رمزي كان يحرك زوجته بلطف، بينما شيرلين تبتسم بسعادة.
شيرلين:
"غيث كبر يا رمزي… بقى راجل بجد."
رمزي:
"وأتمنى يكون أسعد واحد في الدنيا."
11. سليم (ابن عم غزل) & ميار (ابنة خالها)
سليم كان يراقب ميار بخفية، بينما هي تحاول تجنب نظراته.
سليم (يهمس بمكر):
"لو حد سألني دلوقتي عن أكتر لحظة بستناها، هقول لما تشوفي في عيني اللي مش قادر أقوله."
ميار (متوترة):
"أنت بتقول إيه؟"
سليم (يبتسم):
"ولا حاجة… بس هتعرفي قريب."
12. مصطفى & سهى
مصطفى كان مرتبكًا بعض الشيء، بينما سهى تراقبه بابتسامة مسلية.
سهى:
"إيه؟ أول مرة ترقص ولا إيه؟"
مصطفى:
"بصراحة؟ آه!"
13. الأطفال
أمجد & حور: كانوا يقفزون بدل الرقص، يضحكون كالأطفال المشاغبين.
ادهم & ميار الصغيرة: ادهم كان يرقص بطريقة تقليدية، بينما ميار تحاول إقناعه بأن يكون أكثر مرحًا.
مازن & زينة: زينة الصغيرة كانت تضحك وهي تحاول تقليد الكبار.
محمد & سارة: محمد كان يحاول إقناع سارة أن تترك شعرها و تركز على الرقص معه، بينما هي رفضت ذلك
عمر & رنا: كانا يرقصان بحماس، وكأنهما أبطال في قصة خيالية.
كان الجميع يرقصون ويضحكون، وفي هذه الليلة، شعر الجميع أن الحب والسعادة يملآن الأجواء… وأن هذا الزفاف لم يجمع فقط غزل وغيث، بل وحّد القلوب من حولهما أيضًا
*******************
وسط الأجواء الرومانسية، كانت شغف تتمايل بخفة بين ذراعي زوجها أوس، الذي كان يراقبها بنظرة مليئة بالعشق، وكأنهما وحدهما في القاعة رغم ازدحامها بالحضور.
أوس (بابتسامة وهو يهمس):
"مش مصدق إنكِ بقيتِ زوجتي فعلًا… ولسه مش متعود إننا مش بنتخانق زي زمان!"
شغف (تضحك):
"احتمال كبير ده يكون مؤقت، فاستغل اللحظة قبل ما أرجع لنشاطي الطبيعي!"
أوس (يميل نحوها بمكر):
"طب لو قلتلك إني بحب خناقاتنا؟"
شغف (تغمز له):
"مش أكتر مني!"
أوس شدّها إليه أكثر، يدور بها بخفة، فتضحك وهي تشعر وكأنها تعيش في حلم جميل. لم تكن تتخيل يومًا أنها سترقص معه كزوجته، لكنها الآن هنا، بين يديه، سعيدة أكثر مما توقعت.
أوس (بنبرة دافئة وهو ينظر في عينيها):
"تعرفي إيه أحلى حاجة في زفاف غزل؟"
شغف:
"إيه؟"
أوس:
"إنه فكرني بأحلى يوم في حياتي… يوم ما بقيتِ مراتي."
شغف شعرت بقلبها يخفق بقوة، لم تجبه بكلمة، فقط وضعت رأسها على صدره، وهي تبتسم، مستمتعة بكل لحظة بجانبه
********************
بعدما بدأ الضيوف في المغادرة، اجتمع الجد نادر مع عائلة غيث في ركن هادئ من القصر، بينما كانت غزل واقفة بجوار غيث، تراقب ما يحدث بصمت. رمزي وشيرلين، والدا غيث، بدت عليهما الحيرة، بينما غيث نفسه لم يكن قادرًا على استيعاب الأمر تمامًا.
الجد نادر (بابتسامة هادئة وهو ينظر إليهم):
"أنا عارف إنكم ناس كرام وعندكم عزة نفس، وعشان كده مش هقول إن ده تفضل مننا… لكن خليني أقولها ببساطة، غيث بقى واحد من عيلتنا، وإحنا لازم نوفر له كل حاجة زي أي ابن لينا."
رمزي (بقلق وهو ينظر لزوجته ثم للجد):
"بس يا حاج… إحنا… يعني… مش متعودين ناخد حاجة مش بتعبنا."
سليم (بصرامة وهو يضع يده على كتف رمزي):
"محدش قال إنكم هتاخدوا حاجة ببلاش، إحنا بنقدّر تعبكوا ونقدر موقفكم، لكن بنتي مش هتعيش في مستوى أقل من اللي كانت فيه، ودي مش إهانة، بالعكس… ده حقها علينا."
شيرلين نظرت إلى غزل، التي اكتفت بإيماءة صغيرة تؤكد كلام والدها، بينما غيث كان لا يزال مصدومًا، غير قادر على النطق.
غيث (بصوت منخفض وهو ينظر إلى غزل ثم إلى الجد نادر):
"طيب… الفيلا… ليه؟"
الجد نادر (بحكمة وهو يضع يده على كتف غيث):
"عشان تبدأ حياتك الجديدة براحة، وعشان تبقى قادر تركز على دراستك وعلى مراتك، بدل ما تفضل شايل هم مصاريف أهلك ومسؤوليتهم."
سليم (مقاطعًا بحزم لكن بنبرة مطمئنة):
"والدك هيشتغل معانا في الشركة، براتب محترم، وأمجد الصغير مصاريف دراسته على حسابنا، وإنت… مش مطلوب منك غير تهتم بغزل ومستقبلك."
غيث شعر أن الكلمات أكبر منه، كل شيء يحدث بسرعة لم يستوعبه بعد، لكنه يعرف جيدًا أنه لو اعترض أكثر، سيبدو كمن يرفض نعمة لم يكن يتوقعها.
غيث (بصوت متردد لكنه صادق):
"أنا مش عارف أشكركم إزاي… بس بوعدكم… عمري ما هخذل غزل."
غزل نظرت إليه، لأول مرة ترى في عينيه نظرة مختلفة، ليست فقط الصدمة… بل الإصرار.
الجد نادر (بابتسامة وهو يربت على كتفه):
"إحنا عايزينك تشوف شغلك وتعيش مبسوط… وكفاية إنك تكون سند لغزل، ده أكبر شكر لينا."
شيرلين أمسكت يد زوجها، وابتسامة ممتنة على وجهها، بينما أمجد الصغير الذي كان نصف نائم، سأل ببراءة:
أمجد:
"يعني هنعيش في بيت كبير زي بيت غزل و حور؟"
ضحك الجميع، بينما غيث زفر نفسًا طويلًا، وأدرك أن حياته على وشك أن تبدأ بشكل مختلف تمامًا عما تخيله… لكنه قرر أن يقبل ذلك، من أجل غزل، ومن أجل نفسه
*******************
بعدما وافقت عائلة غيث على العيش في الفيلا الجديدة، ظن الجميع أن المفاجآت قد انتهت، لكن الجد نادر كان لديه شيء آخر في جعبته.
الجد نادر (بابتسامة هادئة وهو يخرج ظرفًا من جيبه):
"في حاجة تانية كنت مجهزها، بس كنت مستني اللحظة المناسبة."
الجميع نظر إليه بترقب، بينما غيث شعر بأن قلبه ينبض بسرعة، فقد كان واثقًا أن أي شيء سيقوله الجد لن يكون عاديًا.
الجد نادر (موجهًا حديثه لغيث):
"إنت كنت دايمًا بتحلم بالسفر لفرنسا، مش كده؟"
غيث عقد حاجبيه بدهشة، بينما غزل نظرت إليه باستغراب.
غيث (بصوت متردد):
"آه… بس أنا… إزاي حضرتك عرفت؟"
رمزي والد غيث ابتسم وهو ينظر إلى ابنه بفخر.
رمزي:
"لأنك ابني، وأنا حافظ كل حاجة بتحلم بيها حتى لو عمرك ما طلبت مني حاجة."
الجد نادر مد يده بالظرف إلى غيث، الذي أخذه ببطء وفتحه، ليجد تذكرتين إلى باريس، مع حجز فندقي فاخر لمدة شهر!
غيث (بصدمة وهو يرفع عينيه للجد نادر ثم لوالده وسليم والد غزل):
"إيه ده؟!
سليم (بابتسامة جانبية وهو يضع يده على كتف غيث):
"ده شهر العسل بتاعك إنت وغزل، وسفركم كمان يومين."
غزل (باندهاش):
"إيه؟!
غيث (ما زال غير مستوعبًا):
"بس… بس أنا… فرنسا؟ بجد؟!
الجد نادر (بهدوء):
"طبعًا بجد، كنت متأكد إنك مش هتطلب حاجة زي دي بنفسك، فقررت أحقق لك الحلم ده بنفسي."
عيون غيث امتلأت بالدهشة والامتنان، لقد كان يحلم بالسفر إلى فرنسا طوال حياته، لكنه كان دائمًا يعتبره مجرد حلم بعيد المنال. أما غزل، فنظرت إليه بابتسامة صغيرة، كان واضحًا أن هذه المفاجأة جعلته سعيدًا حقًا.
غيث (بصوت ممتن لكنه لا يزال غير مصدق):
"مش عارف أقول إيه… بس… شكرًا، والله شكرًا."
سليم (بمزاح وهو ينظر لابنته):
"غزل، أوعي تعذبيه هناك، خليه يستمتع بشهر العسل بدل ما يندم إنه اتجوز!"
غزل (بضحكة وهي ترفع حاجبها):
"أنا؟ ده اللي هيتعب هو أنا!"
ضحك الجميع، بينما غيث ظل يحمل التذاكر في يده، وهو يشعر وكأنه في حلم جميل لا يريد أن يستيقظ منه. أخيرًا… سيسافر إلى فرنسا، ولكن هذه المرة، ليس وحده… بل مع زوجته و حبيبته
*********************
بعد فترة قصيرة ،
وصلت السيارات إلى الفيلا الجديدة، فتحت الأبواب ونزل الجميع، غيث ما زال غير مصدق أن هذا المكان الفخم أصبح منزلهم. رمزي وشيرلين تبادلا النظرات بدهشة، بينما أمجد الصغير كان يقف في مكانه، يفتح عينيه باندهاش شديد.
أمجد (بصوت مرتفع وحماسي وهو يركض نحو البوابة):
"إييييه! البيت دا بتاعنا بجد؟ مش هزار؟"
رمزي (بتأثر وهو ينظر للفيلا الضخمة):
"يبدو أن هذا حلم، لكنه حقيقي."
شيرلين (تغالب دموعها وهي تنظر لزوجها):
"عشنا عمرنا كله في شقة صغيرة… دلوقتي عندنا بيت زيه زي القصور!"
غيث نظر لزوجته غزل، التي كانت تبتسم له بحنان، بينما أمجد الصغير بدأ يركض في الحديقة الواسعة بسعادة لا توصف.
أمجد (بحماس):
"الحديقة كبيرة! عندنا أشجار! ونافورة! وعصفور كمان!"
ضحك الجميع على رد فعله البريء، بينما غزل اقتربت منه وربتت على رأسه بحنان.
غزل (بابتسامة دافئة):
"وعندك غرفة لوحدك كمان، مش هتضطر تشارك حد."
أمجد توقف فجأة ونظر إليها بعينين واسعتين من الدهشة، ثم قفز بسعادة.
أمجد (بحماس شديد):
"أنا؟ عندي غرفة؟ مش هنام مع غيث؟"
غيث (مازحًا وهو يعبس):
"ليه؟ كنت بتحب تنام جنبي؟"
أمجد (يضع يده على خده بحزن مصطنع):
"كنت بحب أخد نص المخدة بتاعتك!"
انفجر الجميع ضحكًا، بينما غيث أمسك بأمجد ورفعه بين ذراعيه وهو يضحك.
غيث:
"مش مهم نص المخدة، المهم إنك مبسوط!"
أمجد (وهو يلف ذراعيه حول رقبة غيث بحب):
"مبسوط أوي أوي! دا أحلى يوم في حياتي!"
رمزي وشيرلين تبادلا نظرة ممتنة، ثم نظرا إلى غزل، التي ابتسمت لهما بود. لقد كانت هذه العائلة تستحق السعادة، وقد حصلوا عليها أخيرًا
**********************
جلس غيث مع زوجته غزل على الأريكة، بينما رمزي وشيرلين كانا يجلسان بالقرب منهما، لا يزالان في حالة من الامتنان والدهشة لما حدث في الأيام الأخيرة.
شيرلين (وهي تنظر إلى غزل بحنان):
"بجد، مش عارفة أشكرك إزاي يا بنتي… إنتي مش بس بقيتي زوجة لابني، إنتي نعمة دخلت بيتنا."
غزل (بخجل وابتسامة دافئة):
"يا طنط، إحنا بقينا عيلة واحدة، وصدقيني أنا حاسة إني بين أهلي هنا."
رمزي (وهو ينظر لغيث بفخر):
"أنا لسه مش مستوعب اللي بيحصل، كأننا في حلم… غيث، عمرك ما تخيلت إنك هتوصل للي إنت فيه النهاردة، صح؟"
غيث نظر حوله، إلى الفيلا الفخمة، إلى زوجته غزل، ثم إلى والديه… لقد تغير كل شيء في حياته في لحظات.
غيث (بتنهيدة عميقة وابتسامة صغيرة):
"بصراحة… لا. عمري ما توقعت ده. كنت فاكر إن حياتي هتفضل كفاح وشقى على طول… بس ربنا رزقني بغزل، وهي غيرت كل حاجة."
غزل (مازحة وهي تميل رأسها):
"مش ناوي تقول كلام حلو عني شوية؟"
ضحك الجميع، بينما غيث أمسك بيد غزل بلطف ونظر في عينيها بحب.
غيث (بابتسامة صادقة):
"إنتي أجمل وأغلى حاجة حصلتلي في حياتي."
شيرلين وضعت يدها على قلبها بسعادة، بينما رمزي ابتسم وهو ينظر إليهما.
رمزي:
"أنا مش خايف عليكوا… متأكد إنكم هتكونوا سند لبعض، وده أهم حاجة في الجواز."
غزل (بحماس):
"طبعًا! وإحنا هنا عشان نعيش أحلى حياة مع بعض."
شيرلين نظرت إليها بحب، ثم وقفت وربتت على رأسها بلطف.
شيرلين:
"أنا رايحة أنام، اليوم كان طويل، وبكرة عندكم رحلة لشهر العسل."
غزل (بحماس وهي تلتفت لغيث):
"صح! لسه مش مصدقة إننا رايحين فرنسا!"
غيث (مبتسمًا وهو يراقب حماسها):
"وأنا لسه مش مصدق إن حلمي أخيرًا هيتحقق."
رمزي وقف وربت على كتف ابنه بفخر.
رمزي:
"خد بالك من مراتك، وفرحها على قد ما تقدر."
غيث (بابتسامة واثقة):
"دي حياتي كلها دلوقتي."
ابتسمت غزل بخجل، ثم ودّعهم رمزي وشيرلين وذهبا للنوم، تاركين غيث وغزل معًا، يستعدان لرحلتهما وبداية جديدة في حياتهما
********************
غرفة النوم بسيطة ولكن أنيقة، مليئة بالألوان الدافئة، مع نافذة تطل على الحديقة الكبيرة. غيث دخل أولاً، ثم تبعته غزل وهو يغلق الباب وراءه. الجو هادئ وهادئ للغاية بعد اليوم الطويل.
غيث (وهو ينظر إلى غزل بابتسامة دافئة):
"إيه رأيك في المكان؟"
غزل (تنظر حولها وتبتسم، ثم تنظر إليه بحب):
"أنا مش قادرة أصدق إن ده بقى بيتنا... كل شيء هنا جميل."
غيث اقترب منها بهدوء، ثم رفع يده ليلمس خصلات شعرها بلطف.
غيث (بصوت هادئ):
"مهمتي دلوقتي هي إنك تبقي سعيدة، وإننا نبدأ حياتنا مع بعض من غير أي هموم."
غزل ابتسمت بلطف، وعينها مليئة بالحب والامتنان. ثم جلست على السرير ووضعته رأسها على الوسادة، معبرة عن الراحة.
غزل (بصوت ناعم):
"بجد أنا مش قادرة أصدق"
غيث جلس بجانبها، وضع يده حولها بلطف واحتضنها برفق.
غيث:
"وأنا كمان... في يوم من الأيام، كنت بحلم إني أكون معك هنا. مش بس زوجين، كمان أصدقاء، نساعد بعض في كل حاجة."
غزل رفع رأسها إليه، فالتقت أعينهما للحظة طويلة، ثم ابتسمت بحب.
غيث:
"أنتِ بتخلي حياتي أحلى من أي حلم. مش مهم أي حاجة تانية طالما أنتِ معايا."
أمسكت غزل بيده وأخذت نفسًا عميقًا، وكأنها تشعر لأول مرة أنها قد وجدت المكان الذي تنتمي إليه.
غزل:
"إحنا مش لوحدنا هنا... دي بداية جديدة لينا. دي بداية لحياة مليئة بالحب والصداقة."
غيث (بتفكير عميق):
"وأنا مستعد أعيشها معاكِ، ونكتب كل فصل مع بعض... ونحقق كل أحلامنا."
ابتسمت غزل، ثم نظرت إلى نافذة الغرفة وهي تعكس الضوء الدافئ من الخارج، بينما كان غيث بجانبها، يشعر أنه وجد المكان الآمن في هذا العالم.
غزل (بهمس):
"مفيش حاجة الدنيا تقدر تفرقنا."
غيث (وهو يمسك يدها برفق):
"أكيد... لأنه أنتِ حياتي، وأنا هكون دايمًا هنا ليكي."
ثم احتضنها برفق، و أصبحت زوجته قولا و فعلا و فتحا صفحة حياتهما الجديدة، وهما يعرفان أنهما معا الآن، وهذا هو كل ما يحتاجان إليه ، هل ستدوم سعادتهما أم أن للقدر رأي آخر ؟؟
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية اسيره في مملكة عشقه الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سيليا البحيري
في اليوم التالي، في مطار القاهرة الدولي.
كانت صالة المطار مزدحمة، صوت الإعلانات المتكررة والركاب الذين يسيرون في كل اتجاه يملأ الأجواء. غزل واقفة بجانب غيث، تمسك بيده بحماس، بينما يقف حولهما عائلتاهما لتوديعهما.
ميار (والدة غزل، وهي تمسك بيد ابنتها بحنان):
"دي مش أول مرة تسافري، بس دي أول مرة تسافري كزوجة... احنا متعودين على غزل الصحفية المغامرة، بس دلوقتي هتعيشي تجربة جديدة تمامًا."
غزل (تبتسم بثقة):
"أنا متحمسة جدًا، بس المرة دي مختلفة... المرة دي مش بس سفر شغل، المرة دي هكون مع جوزي!"
سليم، والد غزل، يقف بجوار زوجته، ينظر إلى ابنته نظرة مختلطة بين الفخر والحنان، ثم يضع يده على رأسها بلطف.
سليم (بصوته الجاد لكن مليء بالحب):
"خدي بالك من نفسك، عارفة إنك قوية ولفيتي بلاد كتير، بس دي حياة جديدة ليكِ، ومسؤولية جديدة."
غزل تبتسم وتومئ برأسها، ثم تنظر إلى غيث الذي يبدو متحمسًا لكنه يخفي بعض التوتر.
رمزي، والد غيث، يربت على كتف ابنه بابتسامة مشجعة.
رمزي:
"دي أول مرة ليك تسافر، صح؟ متوتر؟"
غيث (بصوت متحمس لكنه مرتبك قليلًا):
"جدا! عمري ما تخيلت إن أول سفرية ليا بره مصر هتكون لفرنسا… وعلى طيارة درجة أولى كمان!"
شيرلين، والدة غيث، تمسك بيده بحنان وتبتسم.
شيرلين:
"استمتع بكل لحظة يا حبيبي، دي فرصة عمرك، وخد بالك من نفسك ومن غزل."
غيث ينظر إلى غزل، التي تبتسم له بمكر.
غزل:
"جاهز للمغامرة؟ ولا عايز تراجع القرار؟"
غيث (يبتسم بثقة رغم توتره):
"معاكِ؟ عمري ما هراجع أي قرار!"
الجميع يضحك، بينما يعلن المطار عن موعد صعود رحلتهم.
غزل (بحماس وهي تمسك بيد غيث):
"يلا، باريس مستنيانا!"
غيث (بابتسامة واسعة وهو يشد على يدها):
"حلم حياتي بيتحقق... ومع أجمل زوجة!"
يودعان الجميع، ثم يسيران معًا نحو البوابة، مستعدين لبدء فصل جديد من حياتهما في مدينة الأحلام، باريس.
في قصر مظلم في ضواحي روما، إيطاليا.
في غرفة واسعة ذات إضاءة خافتة، يجلس زعيم المافيا "لورينزو فيراردي" خلف مكتبه المصنوع من الخشب الأسود الفاخر، يُدخن سيجاره الفاخر بينما يتأمل شاشة أمامه عليها صور لغزل في عدة أماكن التقطتها عدسات مراقبيهم.
أمامه يقف رجاله، بعضهم يجلسون على الكراسي الفاخرة، بينما آخرون واقفون في انتظار التعليمات.
لورينزو (بصوت هادئ لكنه ينضح بالقوة والخطر):
"كيف سمحتم لها بالاختفاء؟ أخبروني، هل نحن مافيا أم مجموعة هواة؟!"
أحد رجاله، "ميشيل"، يتقدم خطوة إلى الأمام وينحني قليلاً احترامًا.
ميشيل:
"سيدي، لقد كانت في إيطاليا لعدة أشهر، لكن فجأة اختفت تمامًا. آخر مرة شوهدت فيها كانت في مطار روما متجهة إلى القاهرة. ومنذ ذلك الحين لم نتمكن من تتبعها."
لورينزو يضغط على سيجاره في المنفضة بعنف، فتتناثر بعض الرماد على المكتب.
لورينزو (بعينين ضيقتين):
"القاهرة... الشرقاوي... كنت أعلم أن هذه العائلة لن تتركها وحدها. لقد أدركوا أننا نلاحقها."
يتدخل "نيزو"، رجل آخر يبدو أكثر دهاءً، يجلس مسترخيًا بينما يداعب كوبًا من النبيذ في يده.
نيزو (بابتسامة ساخرة):
"لا عجب، جدها نادر الشرقاوي ليس رجلًا يُستهان به، يبدو أنه تحرك بسرعة لحمايتها."
لورينزو ينظر إليه بنظرة قاتلة، قبل أن يتحدث ببطء شديد، وكأنه يزن كلماته بعناية.
لورينزو:
"لا يهمني من يقف خلفها. غزل الشرقاوي ليست مجرد فتاة مدللة، إنها ابنة واحد من أكبر رجال الأعمال في الشرق الأوسط، واستهدافها سيجعل الشرقاوي يركع لنا!"
رجل آخر يدعى "فيدريكو" يفتح ملفًا أمامه ويمرر بعض الصور الحديثة لغزل مع غيث، التقطتها عدسات مخبرٍ سري في مصر.
فيدريكو:
"لدينا معلومات جديدة، سيدي. يبدو أنها تزوجت مؤخرًا من رجل يُدعى غيث... ليس من نفس مستواها، لكنه أصبح عقبة بيننا وبينها."
لورينزو (بصوت ساخر):
"زواج؟ هل تظن أن حلقة معدنية حول إصبعها ستمنعنا من الوصول إليها؟" (ثم ينظر لرجاله بحدة) "أريدها! حيّة إن أمكن، ميتة إن لزم الأمر. ابحثوا عن أي أثر لها في القاهرة... ولا تخذلوني مرة أخرى."
الرجال ينحنون بإجلال قبل أن يخرجوا بسرعة لتنفيذ أوامره، بينما يبقى لورينزو جالسًا، يرفع كوب النبيذ إلى شفتيه بابتسامة خبيثة.
لورينزو (بهدوء شديد لكن مليء بالتهديد):
"لن تختبئي مني طويلًا يا غزل الشرقاوي..."
بعد أن غادر رجاله، بقي لورينزو جالسًا في كرسيه الفاخر، يحتسي نبيذه ببطء وهو يتأمل في أمر غزل الشرقاوي. لكن قبل أن يغرق في أفكاره أكثر، يفتح الباب فجأة دون استئذان، وتدخل "تارا" بخطوات واثقة، تتمايل بإغراء واضح، ترتدي فستانا أحمر ضيقًا، وعيناها تتلألآن بمكر مخيف.
تارا (بصوت ناعم متصنع):
"أوه، لورينزو.... لماذا كل هذا التوتر؟ هل تحتاج إلى.... شخص يخفف عنك؟"
تقترب منه وتجلس على حافة مكتبه، تلعب بشريط شعرها الطويل وتبتسم ابتسامة ماكرة.
لورينزو (بابتسامة باردة دون أن ينظر إليها):
"لا وقت لي لهذه التفاهات تارا. إما أن تقولي شيئا مهما، أو اخرجي."
تارا تضحك بصوت منخفض وهي تميل نحوه تمرر أصابعها على طرف قميصه، لكنه يمسك معصمها فجأة بقوة، يجبرها على التوقف.
لورينزو (بعينين قائمتين):
"قلت لك، لست في مزاج يسمح لي بالاستماع إلى ترهاتك."
تارا تسحب يدها ببطء وتعدل جلستها، لكنها لا تبدو غاضبة، بل مسلية بما يحدث.
تارا:
"حسنا، حسنًا، كما تشاء أيها الزعيم... لكن لدي شيء مثير للاهتمام لك."
لورينزو يرفع حاجبًا، يشير لها بيده أن تتكلم.
تارا (بابتسامة خبيثة):
"ماركو روسي... صديقك الصحفي الفضولي، هل تعلم أنه يحب غزل؟"
لورينزو يحدق بها بعيون ضيقة، بينما تارا تضحك بخفة.
تارا (بتهكم):
"لطالما كنت أراقبه، ذلك الوغد يتصرف وكأنه بطل نبيل، لكنه مجرد أحمق آخر وقع في سحر فتاة شرقية مدللة. والجزء الممتع ؟ أنه لم يهتم بي أبدا، رغم أنني... أكثر إثارة بكثير من تلك الطفلة."
لورينزو يبتسم ابتسامة جانبية، مستمتعًا بما يسمعه.
لورينزو:
"إذن، أنت غاضبة لأنه لم يقع في شباكك؟"
تارا تعض شفتها السفلية، لكن سرعان ما تستعيد هدوءها، وتلعب بأطراف شعرها بإغراء.
تارا:
"أنا لا أغضب، لورينزو، أنا فقط ... أنتقم."
لورينزو يضحك ضحكة قصيرة، يضع كأسه جانبًا وينظر إليها مباشرة.
لورينزو:
"هل أفهم أنك تريدين التخلص من غزل ؟ "
تارا تقترب أكثر، تهمس بجانب أذنه بصوت يحمل مزيجا من الغواية والجنون.
تارا:
أريد أن أجعل ماركو يعاني... وأفضل طريقة؟ القضاء على تلك الفتاة التي سلبت انتباهه."
لورينزو ينظر إليها للحظات، ثم يميل إلى الخلف يراقبها وكأنه يزن الأمور في رأسه.
لورينزو (ببرود):
"أعجبني تفكيرك، تارا. لكننا لا نريد قتلها الآن.... نريدها حية أولا، ثم سنرى ما سنفعله بها لاحقا."
تارا تتنهد بتصنع، ثم تبتسم ابتسامة واسعة وهي تنهض ببطء.
تارا:
"كما تشاء، لورينزو. لكن عندما يحين الوقت، أريد أن أكون أنا من تنهي حياتها."
لورينزو يراقبها وهي تغادر، قبل أن يرفع كأسه من جديد، يتمتم بسخرية.
لورينزو:
"يبدو أن الأمور ستصبح أكثر إثارة قريبًا ..."
داخل الطيارة – كراسي الدرجة الأولى.
غزل قاعدة جنب غيث، عينيها على الشباك، بتبصّ للسماء الواسعة وكأنها سرحانة في عالم تاني. شكلها هادي، بس جواها مليون فكرة وفكرة. على الناحية التانية، غيث قاعد مستقيم، بيحاول يبان عادي، بس الحقيقة إنه حاسس بتوتر غريب. لسه مش مستوعب إنه في الطيارة رايح باريس... ومعاه البنت اللي كان بيحبها في السر طول عمره، بس هي ماكانتش عاوزة الجوازة دي أصلاً.
غيث (يبصّ لها بابتسامة خفيفة):
"متحمسة لباريس؟ سمعت إنك زرتيها قبل كده."
غزل بتلفّ له ببطء، بتشد إيديها على صدرها، وتردّ ببرود:
"آه، رحتها كذا مرة قبل كده... السفر مش حاجة جديدة بالنسبة لي."
غيث (يبصّ لتحت شوية وبعدين يبتسم بحرج):
"أما أنا... فدي أول مرة أسافر بره مصر."
غزل لأول مرة من ساعة ما قعدوا تبصّ له، تلاحظ لمعة في عينيه... نفس اللمعة اللي بتكون في عيون العيال الصغيرة لما يشوفوا حاجة مبهرة لأول مرة.
غزل (بهدوء مستغرب):
"بجد؟ عمرك مسافرت قبل كده؟"
غيث (يهزّ راسه ويبتسم بصدق):
"لا، ماكانش عندنا المقدرة على كده، بس كنت دايمًا بحلم إني أزور باريس... ماكنتش متخيل إن أول مرة هاروحها هتكون في شهر العسل."
غزل سكتت شوية، عينيها بتتنقل عليه وهو بيتفرج على المنظر من الشباك، باين عليه كأنه عيل صغير شايف الدنيا لأول مرة. هي ماكانتش عاوزة الجوازة دي، ماكانتش عاوزة حد يفرض عليها حاجة، بس دلوقتي، هي هنا، معاه... ومش قادرة تنكر إنه شخص كويس... يمكن أكتر مما كانت متخيلة.
غيث (بصوت هادي وواثق):
"غزل، أنا عارف إنك ماكنتيش موافقة على الجوازة دي... بس أنا بوعدك بحاجة."
غزل بتبصّ له بحذر، فيكمل كلامه بثقة:
غيث:
"مش هاجبرك على حاجة، ولا هحاول أفرض نفسي عليكي. كل اللي بطلبه منك إننا نحاول نعيش سوا، على الأقل الفترة دي... وبعدها، لو كنتي لسه مش عاوزة العلاقة دي، عمري ما همنعك."
كلامه كان صادق، مش محاولة استعطاف أو كسب تعاطفها، وده خلّى غزل تفضل باصة له أكتر من اللازم. بعدين أخدت نفس هادي، ورجعت راسها ورا، وسكتت لحظة قبل ما تهمس:
غزل:
"مش عارفة إيه اللي مستنينا قدام، بس... ماشي، نحاول."
غيث ابتسم بخفة، وبصّ لها للحظة قبل ما يرجع يبصّ للشباك، بيتأمل السما الزرقا اللي ممدودة قدامه... يمكن، يمكن بس، الجوازة دي يبقى ليها فرصة حقيقية.
في مكتب سليم – فيلا عائلة غزل.
يجلس سليم خلف مكتبه الضخم، عينيه مثبتة على شاشة اللاب توب، بينما يراجع بعض التقارير. ملامحه جادة كعادته، لكنه لا يبدو متوتراً، فهو رجل يعرف كيف يسيطر على الأمور. فجأة، يُفتح الباب بهدوء، وتطل ميار برأسها، تبتسم بخفة وهي تراه غارقًا في عمله كعادته.
ميار (بمزاح ناعم):
"هو أنا منافسة للأوراق دي؟ ولا ممكن آخد شوية من وقتك؟"
يرفع سليم نظره فورًا، وبمجرد أن يراها، تتبدل ملامحه، تتلاشى الصرامة لتحل محلها نظرة دافئة لا يراها أحد غيرها. يبتسم ابتسامة صغيرة لكنه لا يرد، فقط يشير لها بأن تقترب.
تدخل ميار وتغلق الباب خلفها، ثم تتقدم إليه بخطوات هادئة قبل أن تتكئ على مكتبه، تنظر إليه بحب واضح، بينما يعقد هو ذراعيه مستمتعًا برؤيتها أمامه.
سليم (بصوت منخفض لكنه دافئ):
"إنتِ عارفة إنكِ الوحيدة اللي أسمح لها تعطلني عن شغلي، صح؟"
ميار (تغمز بعفوية):
"أكيد، وإلا كان زماني مطرودة برا المكتب."
يضحك سليم بصوت خافت، ثم يمد يده ويمسك بكفها، يعبث بأصابعها برقة كما اعتاد دائمًا عندما يكونان بمفردهما.
سليم (بهدوء وهو ينظر لعينيها):
"عارفة، لسه مش مستوعب إن بنتنا الكبيرة اتجوزت... وكأنها كانت بتجري في البيت من يومين بس."
تنظر له ميار بحنان، ثم تجلس على حافة المكتب قريبة منه، تميل نحوه قليلًا وهي تهمس:
ميار:
"وأنا كمان حاسة بنفس الشعور... فاكرة أول يوم جبتها فيه للدنيا، كنت خايف عليها أكتر مني!"
سليم (يبتسم وهو يتذكر):
"كنت صغيرة أوي... كنت خايف عليكم انتوا الاتنين، كنت بحس إني مسؤول عنكِ أكتر من أي شيء تاني."
ميار (تضع يدها على يده برقة):
"وأنا دايمًا حسيت بالأمان معاك، يا سليم... رغم فرق السنين بينا، عمري ما حسيت إنك أكبر مني، كنت دايمًا راجل بقلب شاب، راجل كنت بحبه من وأنا بنت صغيرة... ولسه بحبه أكتر النهارده."
يبتسم سليم وهو يشدّ يدها إليه، يجذبها نحوه حتى تقع بين ذراعيه، ثم يطبع قبلة خفيفة على جبينها، همساته تلامس روحها قبل أن تلامس أذنها.
سليم (بصوت منخفض وعميق):
"وأنا عمري ما حبيت حد في حياتي قدك، إنتِ مراتي، أم ولادي، و... حياتي كلها."
تشعر ميار بوجنتيها تحترقان رغم سنوات زواجهما الطويلة، لكنه دائمًا يعرف كيف يجعلها تشعر وكأنها وقعت في حبه لأول مرة. تبتسم وهي تخفي وجهها في صدره، بينما يحتضنها بقوة وكأنه يعدها أن يكون دائمًا سندها، كما كان منذ اليوم الأول.
في ساحة الجامعة.
تقف ميار مع زميلها في الكلية، تتحدث معه عن المحاضرات والمشاريع القادمة، ملامحها هادئة وعادية، لا شيء غير طبيعي. لكن من بعيد، يقف سليم يراقب المشهد، عيناه تضيقان وهو يرى ميار تبتسم أثناء الحديث. قلبه يشتعل، غضبه يتصاعد، وهو لا يعرف حتى لماذا يشعر بهذا الجنون! لكنه لم يستطع منع نفسه، وتقدم نحوهما بخطوات سريعة وعينين تشتعلان بالغيرة.
سليم (بصوت حاد وهو يقترب منهما):
"ميار!"
تستدير ميار بصدمة، تفاجأت بنبرته الغاضبة ونظراته التي تحمل عاصفة، بينما زميلها يلاحظ التوتر فورًا ويحاول التراجع قليلًا.
ميار (بدهشة):
"إيه في إيه؟!"
سليم (يحدق في زميلها بحدة):
"مين ده؟ وبتتكلمي معاه في إيه؟"
ترفع ميار حاجبيها بعدم تصديق، قبل أن تضع يديها على خصرها وترد بحدة مماثلة:
ميار:
"إنت بتسأل بجد؟ ده زميلي في الكلية، وكنّا بنتكلم عن الدراسة، فيه مشكلة؟"
يضحك سليم بسخرية، لكنه لا يبدو مستمتعًا أبدًا، عيناه ما زالتا تشتعلان غضبًا.
سليم:
"أيوه فيه مشكلة! مش عاجبني المنظر، إنتي واقفة بتتكلمي وبتضحكي معاه كأنكم أصحاب من سنين!"
تزداد ميار غضبًا، تشعر بالإهانة من طريقته وكأنها طفلة تحتاج لمراقبة.
ميار (تعقد ذراعيها بغضب):
"بجد؟! ومن إمتى بقيت وصي عليَّ؟ ولا هو ممنوع أتكلم مع زملائي عادي؟"
سليم (يرفع صوته أكثر):
"أيوه، ممنوع! ميار، إنتِ متفاهمة؟ متتكلميش مع أي حد بالطريقة دي تاني!"
تشهق ميار بصدمة، لم تتوقع أن يصل به الأمر لهذا الحد، تشعر بالإحراج والغضب في آنٍ واحد، خاصة أن زميلها انسحب فورًا من الموقف محاولًا تجنب المشاكل.
ميار (تصيح وهي تلوّح بيديها بغضب):
"إنت بتهزر، صح؟ إنت مالك؟ ليه بتتصرف كأني ملكك؟!"
يتجمد سليم لوهلة، كلماتها تصيبه مباشرة، لكنه لا يستطيع التراجع الآن. يقترب أكثر، يخفض صوته لكنه يظل غاضبًا.
سليم (بصوت منخفض لكنه يحمل تهديدًا):
"عارفة كويس إني مش قادر أشوفك مع حد غيري... متحاوليش تستفزيني أكتر من كده، لأنكِ مش هتحبي النتيجة."
تنظر إليه ميار بغضب، لكن قلبها ينبض بعنف من كلماته، تشعر بالحيرة بين الغضب والخجل، لكنه لم يعطها فرصة للرد، استدار ورحل، تاركًا إياها واقفة هناك، مشوشة تمامًا.
في بهو الفندق الفاخر في باريس.
يدخل غيث و غزل الفندق المذهل الذي يطل على برج إيفل، الديكورات الفخمة تملأ المكان، والهواء يحمل رائحة العطور الفرنسية الفاخرة. ينظر غيث حوله بانبهار، هذه أول مرة يرى فندقًا بهذه الفخامة، بينما غزل تبدو معتادة على المكان، تتقدم بثقة نحو مكتب الاستقبال.
يبتسم مدير الفندق، رجل خمسيني أنيق، فور رؤيته لغزل، يخرج من خلف المكتب ليحييها بحرارة.
مدير الفندق (بفرحة صادقة):
"مدام غزل! يا لها من مفاجأة جميلة! لقد سمعنا عن زواجكِ، تهانينا القلبية!"
تبتسم غزل بخفة، تهز رأسها بامتنان.
غزل:
"شكرًا لك، مونسيو فيليب، لم أتوقع أنك سمعت بالخبر."
يضحك المدير بود، مشيرًا إلى أحد الموظفين ليأخذ الحقائب.
مدير الفندق:
"عائلتكِ من أهم شركائنا، كيف لا نعلم؟ لقد جهزنا لكِ ولزوجكِ جناحًا خاصًا يليق بكما. وأنت، سيد...؟"
ينظر إلى غيث، الذي يشعر ببعض التوتر لكنه يمد يده ليصافح المدير.
غيث:
"غيث الراوي، زوج غزل."
يبتسم المدير باحترام، يلاحظ لمعة المفاجأة في عيني غيث، وكأنه لم يعتد بعد على هذا المستوى من الحياة.
مدير الفندق:
"تشرفنا، سيد غيث، ونتمنى لكما إقامة سعيدة هنا."
يشير إلى أحد الموظفين، الذي ينحني قليلاً قبل أن يتحدث باحترام شديد.
الموظف:
"سيدي، سيدتي، اسمحا لي بمرافقتكما إلى جناحكما الفاخر."
يتبع غيث و غزل الموظف، لكن قبل أن يبتعدا، يضيف مدير الفندق بابتسامة:
مدير الفندق:
"سيد غيث، لديك زوجة رائعة، وأثق أنكما ستقضيان وقتًا ممتعًا هنا."
تنظر غزل إلى المدير بابتسامة مجاملة، لكن غيث يشعر بغرابة، كما لو أنه يذكّره بأن غزل معتادة على هذه الحياة الفاخرة، وهو مجرد وافد جديد عليها. يزفر بصمت، ثم يتبع زوجته نحو المصعد، حيث تبدأ رحلتهما في مدينة الأحلام.
بعد عدة أيام ، في أحد شوارع باريس الجميلة – بالقرب من برج إيفل.
تسير غزل و غيث جنبًا إلى جنب وسط أجواء باريسية ساحرة، غيث يبدو مستمتعًا بكل شيء حوله، بينما غزل معتادة على هذه الأجواء لكنها تستمتع برؤية ردود أفعاله المتحمسة.
غيث (ينظر حوله بحماس كطفل صغير):
"يا لهوي! بصي يا غزل، الناس هنا بتمشي رايقة إزاي، ولا حد عنده هم زي عندنا!"
غزل (تضحك بخفة):
"غيث، إحنا في باريس! طبيعي الناس تبقى رايقة، ده مش مترو الساعة 7 الصبح في مصر!"
غيث (يهز رأسه وهو يفكر):
"هو أنا لو قعدت هنا شوية ممكن أبقى رايق زيهم؟"
غزل (بخبث):
"مستحيل، مصري أصلي، مستحيل تتغير!"
فجأة، يقف غيث أمام أحد الأكشاك التي تبيع الكرواسون الفرنسي الشهير، ينظر إليه بتركيز وكأنه يكتشف كنزًا جديدًا.
غيث (بصوت منخفض لكن حماسي):
"غزل، شايفة الكرواسون ده؟ ده مش كرواسون عادي… ده كرواسون فرنسي أصلي! عاوز أجربه، بس مش عاوز أبين إني سائح مصري غلبان."
غزل (ترفع حاجبها بسخرية):
"يعني ناوي تكلمني دلوقتي بلكنة فرنسية؟"
غيث (بثقة زائدة):
"طبعًا، ركزي معايا!"
يتقدم غيث للبائع بثقة مفرطة، يحاول أن يبدو وكأنه محترف في الفرنسية، ثم يأخذ نفسًا عميقًا ويقول بأفضل طريقة ممكنة:
غيث (بلكنة كارثية):
"بونجور مسيو... آه... آه... عاوز كرواسون سيل فو بليه!"
ينظر إليه البائع للحظة ثم يرد عليه بإنجليزية واضحة:
البائع:
"كم عدد الكرواسون الذي تريده، سيدي؟"
يصمت غيث، ينظر إلى غزل التي تكاد تنفجر ضحكًا، ثم يعود للبائع بوجه جاد:
غيث:
"آه، انت بتتكلم إنجليزي؟! وأنا اللي عمال أتمرن عالجملة دي بقالى ساعة!"
يضحك البائع بلطف، بينما غزل تحاول كتم ضحكتها بصعوبة.
غزل (تغمز له مازحة):
"على الأقل حاولت، مونامور!"
غيث (بفخر زائف وهو يأخذ الكرواسون):
"أنا عالمي يا بنتي، عالمي!"
تضحك غزل، بينما يأخذ غيث قضمة من الكرواسون، لكنه فجأة يتوقف وينظر إليها بصدمة.
غيث:
"إيه ده! ده طعمه شبه اللي في مصر بالظبط! إحنا بنتضحك علينا ولا إيه؟!"
تنفجر غزل ضحكًا، بينما يستمر غيث في مضغ الكرواسون بحيرة، مقتنعًا أنه اكتشف أكبر مؤامرة غذائية في التاريخ.
رواية اسيره في مملكة عشقه الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سيليا البحيري
بعد عدة أيام، في فيلا عائلة غزل – الصالون الكبير
تجلس عائلة غزل مع عائلة غيث في جلسة عائلية دافئة، الجميع يتحدث ويتسامر، لكن الموضوع الأساسي في النقاش هو غزل وغيث اللذان لا يزالان في باريس بعد مرور عدة أيام من شهر العسل.
سليم: يعني بقالهم قد إيه دلوقتي في باريس؟
ميار: بقوا تقريبًا 10 أيام هناك... باين عليهم مستمتعين على الآخر!
رمزي: غيث عمره ما سافر برا مصر قبل كده، طبيعي يكون مبسوط، لكن السؤال المهم... هو ناوي يرجع ولا خلاص قرر يستقر في باريس؟
الجميع يضحك، بينما أمجد الصغير (7 سنوات) يجلس متحمسًا بين والديه، ممسكًا بهاتفه وهو يحاول التحدث مع غيث عبر الفيديو لكنه لا يرد.
أمجد: أخويا غيث بقى بيعمل نجم علينا ومش بيرد! أنا كده زعلان منه!
شيرلين: سيبه ينبسط يا أمجد، لما يرجع هيعوضك!
أدهم: أنا متأكد إن غيث هو اللي مش عايز يرجع، أكيد غزل جرّته لكل الأماكن السياحية في باريس وخلاص اتوه هناك!
مازن: طب متى هيرجعوا؟ أنا عايز أشوف الهدايا اللي جايبنها!
تبتسم ميار وهي تنظر لزوجها سليم الذي يكتفي بالاستماع بصمت، لكنه يبدو مرتاحًا لرؤية الجميع سعيدًا.
سيف: أنا مش مستغرب إنهم لسه في باريس، غيث كان بيحب غزل من الأول... أكيد دلوقتي مش مصدق نفسه إنه أخيرًا اتجوزها!
تتورد خدود ميار قليلًا عندما سمعت الكلام، فهي أيضًا تجلس بجوار سليم ابن عمها الذي يراقبها بنظرة جانبية، لكنه لا يتكلم.
زهرة: السؤال هو... غزل بقت بتحبه ولا لسه بتحاول تستوعب الموضوع؟
تضحك ميار وهي ترد بثقة:
ميار: بنتي قلبها طيب، حتى لو كانت معترضة في الأول، أنا واثقة إنها دلوقتي مرتاحة معاه.
بينما يستمر الحديث عن غزل وغيث، يرن هاتف سليم فجأة، فينظر إليه ثم يرفع حاجبه.
سليم: غزل أخيرًا افتكرتنا... بتتصل!
فجأة، يعم الصالون الصمت، ثم يندفع الجميع ليقتربوا من الهاتف بحماس، فيرد سليم على المكالمة وهو يضعها على مكبر الصوت، والجميع ينتظر ما ستقوله غزل من باريس.
***********************
يضع سليم الهاتف على مكبر الصوت، والجميع يقترب بحماس لسماع صوت غزل.
سليم: أخيرًا افتكرتِ إن لكِ أهل؟
غزل: باباااا، ما تبقاش درامي! أنا كنت لسه هتصل بيكم، بس كنا مشغولين طول الوقت!
أدهم: آه طبعًا مشغولين، أكيد بتاكلوا كرواسون وبتتصوروا عند برج إيفل طول اليوم!
مازن: غزل، جبتيلي هدية؟
حور: وأناااا!
غزل: طبعًا جبت لكم هدايا، استنوا بس لما أرجع!
ميار: حبيبتي، إنتِ عاملة إيه؟ مبسوطة؟
تسكت غزل للحظة، ثم ترد بنبرة صادقة:
غزل: آه ماما... أنا مبسوطة.
يبتسم سليم بخفة، بينما ينظر رمزي وشيرلين لبعضهما بسعادة لأن غيث وغزل يعيشان شهر عسل رائعًا.
رمزي: وغيث فين؟ مش هيسلم علينا؟
غزل: غيث، أهلي عايزين يسمعوا صوتك!
يأتي صوت غيث من بعيد، وكأنه مشغول بشيء:
غيث: دقيقة، دقيقة، بس أخلّص هنا...
أمجد: هو بيعمل إيه؟ بيطبخ؟
غيث: لا يا أمجد، كنت بحاول أفهم قائمة الطعام الفرنسي اللي كلها كلام صعب!
الجميع يضحك، ثم تتحدث ميار بمكر:
ميار: يبدو إنك بقيت فرنسي خلاص يا غيث، مش ناوي ترجع؟
غيث: بفكر في الموضوع بصراحة!
سيف: غزل مش هتسيبك، هتجرك راجع غصب عنك!
الجميع يضحك، ثم يسود الصمت للحظة قبل أن يتحدث سليم بجدية لكن بحنان:
سليم: خد بالك منها يا غيث.
غيث: أكيد يا عمي، غزل في عيني.
تنظر غزل إلى غيث الذي يبتسم لها، فتشعر بارتباك بسيط لكنها لا تعلق. ثم تضحك بخفة وتغير الموضوع.
غزل: طيب خلاص يا جماعة، هنرجع قريب! جهزوا نفسكم لاستقبال ملكة فرنسا!
أدهم: لااا، إحنا هنقفل الباب ونقول مش هنا!
الجميع يضحك، ثم تودعهم غزل قبل أن تنهي المكالمة. بعد انتهاء المكالمة، ينظر الجميع لبعضهم البعض بابتسامة، ويقول رمزي بسعادة:
رمزي: واضح إنهم فعلاً مبسوطين.
شيرلين: وده أهم حاجة.
في تلك اللحظة، يغمز سيف لسليم ابن عم غزل الذي كان صامتًا طوال الوقت، ويقول بمكر:
سيف: وأنتَ يا سليم، امتى نفرح بيك؟
يحمر وجه ميار على الفور، بينما يكتفي سليم بإلقاء نظرة جانبية حادة على سيف قبل أن يرد بجفاء مصطنع:
سليم: لما تخلّصوا كلام في الفاضي!
يضحك الجميع، بينما يظل سليم وميار يتبادلان نظرات جانبية دون أن يجرؤ أي منهما على قول ما في قلبه...
بعد*********************
يعتدل الجميع في جلستهم عندما يتدخل الجد عادل، والد سليم الأب، بصوته الهادئ لكن القوي، وهو يضع كوب الشاي على الطاولة وينظر إلى سليم نظرة مليئة بالمعرفة والخبرة.
عادل: مش غلط الواحد يفكر في مستقبله يا سليم... خاصة لو في حد معين في باله.
يقطب سليم حاجبيه قليلًا، يشعر بالحرج من النظرات الموجهة إليه، بينما تزداد حمرة وجه ميار التي تحاول إشغال نفسها بتقليب هاتفها، لكن الجميع لاحظ ارتباكها.
سيف: صح يا عم عادل، خاصة لما يكون الحد ده قريب منه جدًا، وطول الوقت في حياته.
يرمقه سليم بنظرة تحذيرية، لكن الجد عادل يضحك بخفة، ثم يتحدث بحكمة:
عادل: الحياة قصيرة يا بني، ولو الواحد لقى حد قلبه متعلق بيه، ما يستناش كتير... أهو غيث وغزل كانوا بيهربوا من بعض، وسبحان الله بقوا مع بعض دلوقتي وسعيدين.
تصمت ميار تمامًا، تكاد تشعر بأنفاسها تتسارع، بينما يضغط سليم فكّيه، ينظر بعيدًا وكأنه يحاول تجاهل الحديث، لكن الجميع يلاحظ توتره.
شيرلين: وأنا ورمزي كنا مترددين في الأول، لكن بصراحة، الجواز لما يكون عن حب واحترام بيكون نعمة كبيرة.
رمزي: ده صحيح، الحب حاجة جميلة، بس لازم حد يكون عنده الشجاعة ويعترف بيه بدل ما يفضل يتفرج على اللي بيحبه من بعيد!
يشعر سليم بأنه على وشك الانفجار من كثرة التلميحات، فيقف فجأة وينظر للجميع بجفاء مصطنع:
سليم: إنتو مالكم النهارده قاعدين بتتكلموا في الجواز وكأننا في لجنة زواج جماعي؟! سيبوني في حالي!
ثم يخرج بسرعة من الصالون، بينما يظل الجميع يحدق في أثره للحظة، ثم ينفجر سيف وأدهم ومازن في الضحك، بينما تحاول ميار السيطرة على خجلها وتتمتم وهي تنهض أيضًا:
ميار: أنا داخلة أوضتي، مليش دعوة بالكلام ده.
يبتسم الجد عادل وهو يراقبها تبتعد، ثم يقول بحكمة وهو يأخذ رشفة أخرى من الشاي:
عادل: العناد مش هينفع مع الحب... عاجلًا أم آجلًا، لازم واحد منهم يعترف.
ينظر الجميع لبعضهم البعض، ويبتسمون، فقد بات واضحًا للجميع أن الأمر لم يعد سرًا... سوى عن سليم وميار نفسيهما.
*******************
يضع الجميع أكوابهم فور سماع صوت الجد الأكبر نادر، الذي كان يستمع بصمت طوال الوقت، لكنه قرر أخيرًا التدخل. يجلس بوقاره المعتاد، عينيه تحملان نظرة صارمة لكنها مليئة بالحكمة. يأخذ نفسًا عميقًا ثم يتحدث بنبرة هادئة ولكنها تحمل ثقل الخبرة.
نادر: العناد شيء معروف في عيلتنا، بس اللي ما تعرفهوش يا سليم، إن العناد عمره ما كسب معايا قبل كده.
تتسع أعين البعض، بينما يحاول سليم الذي عاد إلى الغرفة بعد لحظات أن يبدو غير متأثر بكلام جده، لكنه يعلم أن أي حديث من نادر الشرقاوي لا يُستهان به.
سليم: وأنا مالي ومال العناد يا جدي؟ إنتو اللي قاعدين تلمحوا لحاجات غريبة!
نادر: مش غريبة أبدًا... إحنا بس شايفين اللي إنت مش عايز تشوفه.
ترتجف يد ميار قليلاً، لكنها تحاول التظاهر بالانشغال بهاتفها مجددًا، أما سليم فينقل نظراته بين جده نادر وجده عادل، ثم يتمتم بضيق:
سليم: أنا مش فاهم إنتو عايزين توصلوا لإيه.
يضحك الجد نادر ضحكة قصيرة، ثم ينظر إليه نظرة مباشرة تحمل من السلطة ما يجعل أي شخص يعيد التفكير في كلماته.
نادر: عايزين نوصل لحقيقة واحدة... الحب مش ضعف، ومش عيب إن الواحد يعترف بمشاعره قبل ما يضيع منه اللي بيحبه.
يجد سليم نفسه عاجزًا عن الرد هذه المرة، بينما تسرع ميار بالنهوض متظاهرة بأنها تلقت رسالة مهمة:
ميار: أنا داخلة أوضتي، شكلي نسيت حاجة مهمة لازم أراجعها.
يبتسم الجد نادر بخفة وهو يتابعها بنظره، ثم يعود ليركز على سليم الذي لا يزال يحاول استجماع أفكاره.
نادر: عارف يا سليم، الحياة علمتني حاجة مهمة... الفرص مش بتيجي كتير، ولو ما أخدتهاش في وقتها، هتندم.
يصمت الجميع، يدركون أن الجد نادر قد وضع النقطة الأخيرة في هذا النقاش. أما سليم، فبينما يحاول التظاهر بعدم الاهتمام، يعلم في داخله أن كلام جده أصاب كبد الحقيقة... لكنه فقط لم يكن مستعدًا للاعتراف بها بعد.
*******************
بعد لحظات من الصمت، يضحك زين بصوت خافت، وهو يهز رأسه متسليًا، ثم ينظر إلى سليم الذي بدا وكأنه يحاول استيعاب كلام الجد الأكبر.
زين: عارف يا سليم، أنا مش عارف أنت مستني إيه بالظبط! يعني لو كنت عايز تصريح رسمي من الدولة عشان تعترف، قوللي وأنا أتصرف!
يرفع سليم عينيه بحدة نحو عمه، بينما ينفجر إياد في الضحك، محاولًا كتم صوته تحت أنظاره الحادة.
سليم: يا بابا، ما تسيبني في حالي بقى! أنتو عاملين حفلة عليا النهاردة ولا إيه؟
يتدخل ادهم، والد ميار، بضحكته الهادئة، وهو يضع كوب الشاي على الطاولة، ثم يتكئ للأمام مستندًا على ركبتيه، متأملًا سليم بنظرة ذات مغزى.
ادهم: بص يا سليم، أنا مش هدخل في اللي بتحسه، لإنك أدرى بنفسك... بس اللي هقولهولك حاجة واحدة، لو كنت شايف إنك مش بتحب ميار، ليه بتتخانق مع أي حد يقرب منها؟
يحاول سليم الرد، لكنه يتوقف، يتذكر موقفه في الجامعة حين رأى ميار مع زميلها وكيف اشتعلت غيرته دون تفكير... يحاول التظاهر بالهدوء، لكنه لا يجد كلمات مناسبة.
يبتسم زين ابتسامة جانبية، ويضرب كتف ادهم بمرفقه مازحًا:
زين: خلاص يا أدهم، الراجل وقع، بس مش راضي يعترف!
يضيق سليم عينيه، ويرد بنبرة متوترة:
سليم: أنا ما وقعتش ولا حاجة، والموضوع ملوش علاقة بالحب، أنا بس... ميار زي أختي!
يصيح ادهم وزين وإياد معًا بصوت واحد:
الجميع: أختك؟!
يهز ادهم رأسه ضاحكًا، ثم يضع يده على كتف سليم بطريقة أبوية:
ادهم: بص، أنا أبوها، وأنا شايف اللي إنت مش شايفه... مش عايزك تخسرها عشان عنادك.
يحاول سليم الرد، لكنه يصمت. كلمات ادهم أصابته في الصميم، لكنه لا يزال غير مستعد للاعتراف بالحقيقة، ليس الآن على الأقل.
أما الجد نادر، فيكتفي بالنظر إلى حفيده بابتسامة حكيمة، وكأنه ينتظر بفارغ الصبر اللحظة التي يدرك فيها سليم ما يعلمه الجميع بالفعل...
********************
داخل جناح الفندق – باريس
غيث يجلس على الأريكة، يضع جهاز التحكم على الطاولة بعد أن أطفأ التلفاز، ثم يلتفت إلى السرير حيث تنام غزل بعمق تحت الغطاء. ينظر إليها بقلق، فقد أصبحت تنام كثيرًا في الأيام الأخيرة، وتشعر بالدوار والغثيان أحيانًا. في البداية، ظن أنها متعبة بسبب السفر، لكن الأمر بدأ يثير قلقه.
يتنهد، يقترب منها، يجلس على حافة السرير، ثم يلمس جبينها بلطف.
غيث: غزل... حبيبتي، انتي كويسة؟
غزل: أنا بخير، بس حاسة بنعاس غريب...
غيث: غزل، بقالك تلات أيام وانتي نايمة أغلب الوقت، وكل يوم بتشتكي من غثيان ودوخة! إحنا لازم نروح لدكتور.
تجلس غزل ببطء، تفرك عينيها وتتنهد، ثم تنظر إليه بابتسامة خفيفة، محاولة تهدئته.
غزل: غيث، متقلقش، ممكن يكون الجو متغير عليا، أو يمكن أكلت حاجة مش تمام... مش لازم نبالغ.
يرفع غيث حاجبيه بعدم اقتناع، يعقد ذراعيه وينظر إليها بنظرة فاحصة.
غيث: متأكدة؟ لأن لو الموضوع مش الأكل، لازم نشوف حد متخصص.
تضحك غزل بخفة، ثم تضع يدها على خده برقة، مما يخفف توتره قليلًا.
غزل: يعني يا دكتور غيث، خلاص قررت إني عندي مرض خطير؟
غيث: أنا مش بلعب، لو تعبانة بجد، لازم نتصرف.
تشعر غزل بوخزة خفيفة من الذنب لرؤيته بهذا القلق، لكنها لا تشعر أن الأمر يستحق كل هذا التوتر. فتبتسم له بثقة، تميل للأمام لتقبل جبينه بلطف.
غزل: أنا كويسة، بس لو فضلت تعبانة، بوعدك نروح لدكتور... اتفقنا؟
ينظر إليها غيث للحظة، ثم يتنهد مستسلمًا، رغم أن القلق لا يزال واضحًا في عينيه.
غيث: اتفقنا، بس على شرط... لو حسيتِ بأي حاجة تانية، مش هنستنى.
غزل: حاضر، حاضر، دلوقتي ممكن أنام شوية كمان؟
يتنهد غيث مجددًا، ثم يسحب الغطاء عليها بحنان، ويهمس وهو ينظر إليها:
غيث: نامي حبيبتي، بس أوعي تصحي تلاقيني واقف فوق راسك بتأكد إنك لسه بتتنفسي!
تضحك غزل بخفوت قبل أن تغلق عينيها، بينما يجلس غيث بجانبها، لا يزال غير قادر على طرد القلق الذي يتسلل إلى قلبه.
*******************
داخل حانة فاخرة في إيطاليا – زاوية معزولة
تجلس تارا على أريكة جلدية حمراء، تمسك بكأس من النبيذ وتحركه ببطء بين يديها، بينما تتحدث مع صديقتها جوليا، وهي فتاة عاهرة مثلها، بشعر أشقر مجعد وملابس ضيقة.
تارا عابسة، تملأ عينيها الكراهية بينما تتحدث عن غزل، الفتاة التي سرقت اهتمام ماركو منها.
جوليا: إذن، ما قصة تلك الفتاة المصرية؟ تبدين وكأنكِ تريدين خنقها بيديكِ.
تارا: غزل؟ تلك المدللة المتعجرفة؟! لا أعرف ماذا يرى فيها ماركو! إنها مجرد فتاة مملة، محافظة، ترتدي دائمًا ملابس محتشمة وكأنها قديسة! لكنه ينظر إليها وكأنها ملاك نازل من السماء!
جوليا: ماركو؟! لا تقلبي معدتي! ذلك الرجل بالكاد يبتسم لأي شخص... لكنه معجب بها؟!
تارا: ليس فقط معجب بها! لقد كان يعاملني وكأني نكرة منذ أن ظهرت في حياته! كلما حاولت الاقتراب منه، يتجاهلني... لكنه معها؟! كان مستعدًا ليخاطر بحياته فقط ليحذرها من المافيا! هل تصدقين هذا؟!
تميل جوليا للأمام، تداعب خصلة من شعرها بإصبعها، ثم تهمس بمكر:
جوليا: إذن، ماذا ستفعلين؟ لا تبدين كشخص سيترك الأمر يمر هكذا.
تبتسم تارا ابتسامة خبيثة، عيناها تتلألآن بدهاء.
تارا: بالطبع لن أتركها! تلك الفتاة تعتقد أنها بأمان الآن لأنها غادرت إيطاليا، لكن العالم صغير جدًا، وصديقي العزيز لورينزو لديه طرقه في إيجاد من نبحث عنهم... عاجلًا أم آجلًا، سأجعلها تدفع الثمن!
تبتسم جوليا بمكر، وترفع كأسها لتصطدم به بكأس تارا، وكأنهما تتفقان على إعلان الحرب.
جوليا: إذن، لحربكِ الصغيرة ضد القديسة المصرية!
تبتسم تارا ابتسامة باردة، ترفع كأسها وتشرب منه رشفة صغيرة، بينما تفكر في خطوتها القادمة... غزل لن تنجو بسهولة.
********************
داخل غرفة ميار – فيلا العائلة
تجلس ميار على سريرها، تمسك بهاتفها وتتصفح صور سليم، عيناها تتأملان ملامحه بضعف، وقلبها ينبض بسرعة كلما وقعت عيناها على ابتسامته في إحدى الصور. تحاول أن تقنع نفسها بأنها مجرد إعجاب عابر، لكنها تعلم الحقيقة... هي تحبه، تحبه أكثر مما ينبغي.
تتنهد بهدوء، ثم تقرب الهاتف إلى صدرها، وكأنها تحاول أن تخفي مشاعرها حتى عن نفسها. فجأة، يُفتح باب غرفتها بعنف، ويدخل أحمد، شقيقها الصغير ذو الأربع سنوات، وهو يمسك بسيارة لعب صغيرة بين يديه.
أحمد: ميار! ميار! بصي عربيتي الجديدة!
تفزع ميار بسرعة وتحاول إخفاء هاتفها، لكن أحمد كان أسرع منها، فقفز بجانبها على السرير ومدّ رأسه ليحاول النظر إلى الشاشة.
أحمد: إيه ده؟ صورة سليم؟
تتسع عينا ميار في صدمة، وتخطف الهاتف بسرعة وهي تحاول أن تبدو طبيعية.
ميار: آه؟ لا لا، دي... دي صورة قديمة، كنت بشوفها بس!
يحدق أحمد فيها بعينيه الواسعتين، ثم يرفع حاجبه الصغير بطريقة لا تتناسب مع سنه، ويضع يده على ذقنه وكأنه يفكر بعمق.
أحمد: بس إنتي كنتي بتبصي ليها كتييير، وشك كان عامل زي اللي بيحب...
تقاطعه ميار بسرعة وهي تحمر خجلًا، وتضع يدها على فمه بلطف.
ميار: أحمد! اسكت بقى، وإلا هخبي عربيتك الجديدة!
يضحك أحمد بسعادة، ثم ينزل من السرير ويركض في أرجاء الغرفة.
أحمد: ميار بتحب سليم! ميار بتحب سليم!
تضع ميار يديها على وجهها وهي تشعر أن قلبها سيتوقف من الإحراج، ثم تسرع خلفه محاولة إسكاته قبل أن يسمع أحد، لكنها تعلم أن هذا الطفل الصغير قد يكون أكبر تهديد لمشاعرها السرية.
********************
بعد أن تمكنت أخيرًا من إسكات أحمد وإخراجه من الغرفة، جلست ميار على سريرها، تحاول تهدئة نبضات قلبها. لكنها تفزع مرة أخرى عندما يُطرق الباب، ثم يُفتح بهدوء، ليظهر والدها أدهم، بابتسامته الهادئة ونظرته الدافئة التي لطالما منحتها شعورًا بالأمان.
أدهم: مش هتطرديني زي أحمد، صح؟
تبتسم ميار بخجل وهي تنزل عينيها إلى الأرض.
ميار: بابي... طبعًا لأ، اتفضل.
يجلس أدهم على الكرسي بجانبها، ينظر إليها قليلًا قبل أن يتحدث بلطف، كأنه يقرأ أفكارها دون أن تنطق بها.
أدهم: كنتي بتفكري في إيه قبل ما يدخل أحمد؟
تتجمد ميار قليلًا، تحاول أن تتظاهر بعدم الفهم، لكنها تعلم أن والدها ليس من السهل خداعه. تبتلع ريقها، وتلعب بأطراف شالها بخجل.
ميار: مفيش، كنت بس بفكر في حاجات كتير... الجامعة، الحياة، المستقبل...
أدهم: و سليم؟
ترتفع عينا ميار بسرعة نحوه، يتسع بؤبؤاها من الصدمة، وكأن قلبها توقف للحظة.
ميار: إيه؟ سليم إيه؟
يضيق أدهم عينيه وهو ينظر إليها وكأنه يعرف كل شيء، ثم يضع يده على رأسها بحنان ويضحك بخفة.
أدهم: حبيبتي، أنا أبوكي، يعني لو الدنيا كلها معرفتش، أنا هعرف. نظراتك، توترك، طريقة كلامك لما حد يجيب سيرته، وحتى أحمد الصغير كان بيجري وهو بيقول ‘ميار بتحب سليم!’... تحبي أقوله إيه ده بقى؟
تضع ميار يديها على وجهها، تشعر أن وجهها احترق من الإحراج، بينما يضحك أدهم بحنان.
ميار: بابي... بجد؟ حتى إنت؟
أدهم: ميار، الحب مش حاجة تخجل منها، بالعكس، ده أجمل حاجة في الدنيا... لكن سؤالي ليكي، هل إنتي مستعدة تعترفي لنفسك الأول قبل ما تعترفي له؟
تصمت ميار، تشعر أن والدها أصاب قلبها مباشرة، فلطالما أخفت مشاعرها، حتى عن نفسها. تنظر إليه، إلى عينيه التي تشبه عينيها، وترى فيه الدعم الكامل.
ميار: أنا... مش عارفة... خايفة.
يبتسم أدهم، ثم يربّت على يدها بحنان.
أدهم: الحب دايمًا بييجي مع شوية خوف، لكن لو كان صادق، الخوف ده بيختفي مع الوقت. خدي وقتك، بس متخليش خوفك يمنعك من السعادة اللي ممكن تكوني مستنياها.
تنظر ميار إلى والدها، وتشعر بدمعة صغيرة في عينيها، ليس حزنًا، بل امتنانًا. لم يكن هناك أحد يفهمها كما يفعل والدها، وكأن قلبه متصل بقلبها بطريقة سحرية.
ميار: بابي... أنا بحبك أوي.
أدهم: وأنا بحبك أكتر، يا حتة من قلبي.
*******************
يجلس سليم على سريره، ممسكًا بهاتفه، يتنقل بين صور ميار التي التقطها لها دون أن تدري، وأخرى جمعها من حساباتها. نظراته مليئة بمشاعر لا يستطيع البوح بها، مزيج من الحب والغيرة والخوف... يتوقف عند صورة لها وهي تضحك مع زميل لها في الجامعة، ليشتعل الغضب في عينيه. قبل أن يفكر في شيء، يُفتح الباب فجأة، ويدخل زين، والده، دون استئذان.
زين: بتعمل إيه يا سليم؟
يفزع سليم قليلًا، لكنه سريعًا ما يحاول التظاهر بالهدوء، يغلق هاتفه ويرميه بجانبه على السرير.
سليم: ولا حاجة، كنت بس بتفرج على... على صور عادية.
يرفع زين حاجبه، ثم يسير نحو السرير، يلتقط الهاتف قبل أن يتمكن سليم من منعه، وبنظرة سريعة يلمح صورة ميار على الشاشة قبل أن يُطفئ الهاتف ويبتسم بمكر.
زين: آه، صور عادية جدًا... صور ميار!
يعض سليم شفتيه بانزعاج، ثم ينهض ليأخذ هاتفه، لكن والده يرفعه بعيدًا عنه بمكر.
سليم: بابا، رجّع التليفون، مش وقته.
زين: يعني أخيرًا اعترفت؟
سليم: اعترفتش بحاجة.
يضحك زين، ثم يجلس على الكرسي بجانب المكتب، واضعًا الهاتف على الطاولة، وينظر إلى ابنه بتمعن.
زين: سليم، أنا أبوك، يعني لو هتقدر تخدع الدنيا كلها، مش هتقدر تخدعني. نظراتك، عصبيتك لما حد يتكلم عنها، غيرتك اللي مش بتعرف تخبيها... كل حاجة بتقول إنك بتحبها.
يخفض سليم نظره، يعلم أن والده على حق، لكنه عنيد، لا يريد الاعتراف بسهولة.
سليم: حتى لو... حتى لو كنت بحبها، هي عمرها ما هتشوفني كده، أنا بالنسبة لها مجرد ابن عمها اللي بيزعق فيها طول الوقت.
زين: وإنت فاكر إن الحب دايمًا بيكون لطيف وناعم؟ الحب ساعات بيكون شد وجذب، خوف وغيرة، بس اللي بينك وبين ميار مش حاجة عادية. أنا شايف نظرتها ليك، وصدقني، لو كانت مجرد بتشوفك ابن عمها وبس، مكنتش هتتوتر كل ما تقرب منها.
يرفع سليم نظره فجأة، تتسع عيناه قليلًا.
سليم: إنت شايف كده؟
يضحك زين وهو يربّت على كتف ابنه.
زين: شايف وعارف... بس السؤال، هتفضل واقف مكانك مستني، ولا هتاخد خطوة قبل ما حد تاني يدخل حياتها؟
يضيق سليم عينيه، وعادت صورة زميل ميار في الجامعة لتلمع في ذهنه، ليشعر بغيرة قاتلة... وكأن والده وضع يده على الجرح تمامًا.
سليم: مش هسمح لحد ياخدها مني.
يبتسم زين برضا، ثم ينهض وهو يضع الهاتف في يد سليم.
زين: خد وقتك، بس متتأخرش قوي، الحب محتاج جرأة، ومش كل مرة هتلاقي القدر مستنيك.
يخرج زين من الغرفة، تاركًا سليم غارقًا في أفكاره، ينظر إلى صورة ميار مجددًا... هذه المرة، وهو مصمم على فعل شيء حيال مشاعره.
رواية اسيره في مملكة عشقه الفصل العشرون 20 - بقلم سيليا البحيري
بعد عدة أيام، في بهو الفندق – باريس
سير غزل بجانب غيث وهما متجهان نحو باب الفندق، تستند على ذراعه قليلاً لكنها تحاول إخفاء تعبها. أمتعتهما جاهزة، والرحلة إلى مصر تنتظرهما.
فجأة، تشعر غزل بدوار شديد، يتأرجح جسدها للحظة، وتفقد توازنها. قبل أن تهوي أرضًا، تمتد يد غيث بسرعة ويمسك بها، يسندها إليه بقلق بالغ.
غيث (مذعورًا وهو يمسك وجهها بيديه):
"غزل! إنتِ كويسة؟ إيه اللي حصل؟"
تغلق غزل عينيها للحظة، تحاول استعادة توازنها بينما تستند إلى صدره، تشعر بالدوار وكأن الأرض تدور بها.
غزل (بصوت ضعيف):
"مش عارفة... حسيت بدوخة فجأة."
يحدّق فيها غيث بقلق، ثم يضع يده على جبينها ليختبر حرارتها.
غيث (بقلق متزايد):
"إنتِ حاسة بتعب؟ سخونة؟ صداع؟ لازم نروح لدكتور!"
تحاول غزل التظاهر بأنها بخير، لكنها تشعر بغثيان مفاجئ، تضع يدها على فمها وتحاول التنفس بعمق.
غزل (وهي تبتعد عنه قليلًا):
"غيث، أنا بخير... يمكن بس من قلة النوم أو إني صايمة الصبح."
يعقد غيث حاجبيه بعدم اقتناع، لكنه يضع يده على كتفها برفق ويجعلها تجلس على أقرب كرسي في بهو الفندق.
غيث (بحزم):
"لا، مش هنسافر وإنتِ كده. هنروح لدكتور الأول، أنا مش مستعد آخد أي مخاطرة بصحتك."
تضحك غزل بخفة رغم التعب، وتنظر إليه بملامح مرهقة لكنها ممتنة لاهتمامه.
غزل:
"غيث، أنا مش هموت، دي بس دوخة عابرة... ما تهوّلش الأمور."
غيث (بإصرار):
"لأ، أنا مش ههدي غير لما أطمن عليكِ. هنأجل الطيارة ونروح لدكتور، ولا هتروحي معايا دلوقتي من غير مقاومة؟"
تنظر إليه غزل للحظة، ترى الجدية المطلقة في عينيه، فتزفر مستسلمة.
غزل:
"حاضر، زي ما انت عايز... بس أوعدني ما تعملش دراما قدام الدكتور."
يبتسم غيث رغم قلقه، ثم يمسك يدها بلطف ويساعدها على النهوض.
غيث (بمزاح خفيف وهو يحاول تخفيف التوتر):
"أنا؟ أعمل دراما؟ إنتِ مش عارفاني لسه؟"
تبتسم غزل، لكن في داخلها، لم تستطع تجاهل القلق الذي بدأ يتسلل إلى قلبها... ما الذي يحدث لها؟ ولماذا تشعر بهذا التعب المفاجئ؟
***
داخل عيادة الطبيب – باريس
يجلس غيث وغزل أمام الطبيب، الذي ينظر إليهما بابتسامة وهو يحمل بعض الأوراق الطبية. كان غيث ممسكًا بيد غزل بحذر، وعيناه مليئتان بالقلق.
الطبيب (بهدوء وبابتسامة مطمئنة):
"السيدة غزل، تهانينا... أنتِ حامل."
ساد الصمت للحظات... ثم تسمرت عينا غيث على الطبيب وكأن الكلمات لم تصل إلى عقله بعد، بينما وسّعت غزل عينيها بصدمة.
غزل (بذهول وهي تشير لنفسها):
"أنا إيه؟"
الطبيب (بابتسامة هادئة):
"حامل، في الشهر الثاني تقريبًا. الأعراض اللي كنتِ بتحسي بيها طبيعية جدًا في بداية الحمل."
تبادل غيث وغزل نظرات صامتة، ثم فتح غيث فمه لينطق لكنه لم يستطع، رفع إصبعه وكأنه يحاول استيعاب الأمر.
غيث (بصدمة وهو ينظر للطبيب ثم لغزل):
"إنتِ... حامل؟"
غزل (ببطء وهي تحاول استيعاب الأمر):
"أنا... حامل؟"
ثم فجأة... وكأن صاعقة من الفرح ضربتهما في نفس اللحظة!
غيث (ينهض فجأة ويصرخ بحماس):
"إنتِ حامل!!!"
غزل (تضع يديها على فمها بذهول وسعادة):
"أنا حامل!!!"
يقف غيث ويبدأ بالقفز في مكانه كالأطفال، بينما غزل تضحك وتدمع عيناها من الفرحة. يركض غيث نحو الطبيب ويصافحه بعنف شديد.
غيث (بحماس جنوني وهو يهز يد الطبيب):
"دكتور، والله العظيم بحبك! أنت أحسن واحد في العالم!"
يضحك الطبيب ويحرر يده بلطف، بينما تقف غزل وتضع يديها على بطنها بخفة، غير مصدقة أنها تحمل حياة داخلها.
غزل (بصوت مرتجف من التأثر):
"غيث... هنكون أبو وماما!"
لم ينتظر غيث، اندفع نحوها واحتضنها بحب وسعادة غامرة، رفعها عن الأرض وأدارها في الهواء وسط ضحكاتها.
غيث (بصوت مبحوح من الفرح):
"ياااااه غزل، مش مصدق! هنكون أب وأم! هبقى بابا! بجد بجد!!"
تتدخل الممرضة فجأة، تطرق الباب وتطل برأسها باندهاش بعد سماع الضجة:
الممرضة (بتعجب):
"حضراتكم بخير؟"
غيث (بحماس وهو ما زال يحمل غزل في الهواء):
"إحنا بقينا بابا وماما!!!"
يضحك الطبيب والممرضة، بينما تحاول غزل تهدئته وهي تضحك بسعادة.
غزل (بمزاح):
"غيث، نزلني قبل ما الدكتور يغير رأيه!"
يضعها غيث بحذر على الأرض، ثم يمسك يديها وينظر إليها بحب لا يمكن وصفه.
غيث (بصوت دافئ وهو يلمس خدها):
"أنا مش مصدق إن ربنا رزقني بيكي وبابننا... أو بنتنا... يارب تكون بنت شبهك!"
غزل (تبتسم وهي تمسح دموع فرحها):
"وأنا مش مصدقة إنك هتبقى أبو طفلي."
يضمها غيث إليه برفق، ويهمس لها بحب:
غيث:
"أحلى هدية في حياتي، هي إنتِ... وابننا اللي جاي."
ويظلان في عناق دافئ، بينما الطبيب والممرضة يبتسمان بسعادة لمشهدهما العاطفي، ويبدو أن باريس لن تكون فقط مدينة الحب بالنسبة لهما... بل مدينة البداية الجديدة لعائلتهما الصغيرة.
***
في فيلا عائلة غزل – الصالون الرئيسي
العائلة كلها متجمعة، يجلس سليم وميار والدا غزل مع الجدود نادر، عادل وصفاء، وأشقائها أدهم، مازن وحور، بالإضافة إلى أعمامها وأبناء عمومتها، بينما على الجانب الآخر تجلس عائلة غيث – والده رمزي، ووالدته شيرلين، وشقيقه الصغير أمجد. الجميع ينتظر اتصال غزل وغيث بحماس، وفجأة يرن الهاتف، فيفتح سليم المكالمة المرئية، ويظهر غيث وغزل على الشاشة بابتسامات مشرقة.
سليم (بحماس وهو يمسك الهاتف جيدًا):
"غزل! غيث! أخباركم إيه؟ يلا قولوا، مستنيين نعرف، إيه المفاجأة اللي عايزين تقولوهالنا؟"
تنظر غزل إلى غيث الذي يبتسم بحماس ويأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول:
غيث:
"بابا، ماما، عائلتنا الجميلة كلها... جه الوقت اللي نقول لكم فيه إنكم مش هتشوفونا قريب..."
تعلو الوجوه علامات القلق، فيعقد سليم حاجبيه ويقول بجدية:
"إيه؟ ليه؟ في حاجة حصلت؟"
تضحك غزل بسعادة، ثم تضع يدها على بطنها قائلة بحماس:
"لأننا هنرجع ومعانا فرد جديد في العيلة!"
يعم الصمت لثوانٍ، وكأن العقول تحاول استيعاب الخبر، ثم فجأة... تنفجر القاعة بالصراخ والفرح!
ميار (تضع يدها على فمها والدموع تملأ عينيها):
"بنتي... حامل!!"
أمجد (يقفز من الفرح):
"يعني هبقى عمو؟! عمو أمجد!!!"
رمزي (يضرب كتف شيرلين بحماس):
"شفتي يا شيرلين؟! هنكون جد وجدّة!!"
شيرلين (تمسح دموعها بسعادة):
"مش مصدقة، غيث، غزل"
يقف نادر الجد الأكبر فجأة وينظر للجميع بفخر، ثم يرفع يديه قائلاً بحماس:
"دي أكبر فرحة في حياتي! حفيد جديد للعيلة! أنا عايز حفلة كبيرة!"
عادل (يضحك ويهتف وهو يصفق):
"لازم نعمل حفلة استقبال ضخمة، غزل وغيث راجعين ومعاهم هدية العمر!"
يضحك غيث وغزل بسعادة، ثم يتحدث سليم الأب وهو يمسح دموع فرحته:
"غزل حبيبتي، ربنا يحفظك إنتي والبيبي، إحنا مستنيينكم على أحر من الجمر!"
غيث (مازحًا):
"بس خلي بالك يا عمي، إحنا مش راجعين قريب... غزل لازم ترتاح الأول."
يضحك الجميع، بينما يقف مازن وأدهم وحور يصفقون ويقفزون بحماس:
"هنكون خال وخالة!!"
***
بعد أن هدأت موجة الفرح، اعتدل سليم الأب في جلسته، وعاد إلى جديته المعهودة، ونظر إلى غيث وغزل بصرامة، قبل أن يقول بصوت حازم:
سليم:
"دلوقتي اسمعوني كويس، أنتو مش هتقعدوا في الفندق ولا يوم كمان، لازم تروحوا على بيت العيلة في فرنسا فورًا!"
يتفاجأ غيث قليلًا من نبرة الأمر، فينظر إلى غزل التي لم تبدُ مستاءة، بل على العكس، كانت تبتسم برقة وكأنها تتوقع هذا القرار.
غيث (بحيرة وهو يحاول تهدئة الموقف):
"عمي، إحنا مرتاحين هنا، والفندق خمس نجوم، كل حاجة متوفرة..."
ميار (تقاطعه بإصرار الأم الحنون):
"فندق إيه بس يا غيث؟! غزل حامل ومحتاجة راحة تامة، وبيت العيلة هناك واسع، والخدم هيهتموا بيها كويس، مش زي الفندق!"
رمزي (والد غيث، يضحك):
"غيث، واضح إنك خسرت المعركة، استسلم وخلاص."
ينظر غيث إلى الجميع وهو يشعر بأنه محاصر، ثم يلتفت إلى غزل، ليرى نظرتها المتحمسة... كانت تريد الذهاب فعلًا.
غيث (يضع يده خلف رقبته ويتنهد باستسلام):
"طيب... موافق، هنروح بيت العيلة."
تبتسم غزل بسعادة، بينما تهتف حور الصغيرة في الخلفية ببراءة:
"هيييه! يعني هنشوفكم في ڤيديوهات بجنينة بيتنا هناك؟!"
مازن (يضحك وهو يغمز لغيث):
"بس خد بالك، في بيت العيلة الكاميرات في كل حتة... يعني مفيش لحظات رومانسية براحتكم!"
يحمر وجه غيث قليلًا بينما تضحك غزل بخفة، ثم يلتفت غيث مجددًا نحو الهاتف قائلًا:
"خلاص يا عمي، هنجهز حالًا ونروح هناك."
سليم (بابتسامة راضية):
"كده أحسن، منتظركم أول ما توصلوا، وطبعًا، لو احتجتوا أي حاجة، كلمونا فورًا!"
تنتهي المكالمة وسط ضحكات الجميع، وينظر غيث إلى غزل التي تنهض بحماس وهي تقول:
"يلا، خلينا نرتب شنطنا... بيت العيلة في انتظارنا!"
يهز غيث رأسه مبتسمًا وهو يراقبها... كان يعلم أن الأيام القادمة ستكون ممتعة، لكن أيضًا، ستكون مليئة بالمفاجآت.
***
بعد أن أغلقت العائلة المكالمة مع غيث وغزل، ساد جو من السعادة والفرح، الضحكات تتعالى، والتهاني تتبادل بين الجميع.
فجأة، يدخل سليم إلى الصالون، ينظر إليهم بحيرة وهو يرى وجوههم المضيئة بالسعادة، ثم يعقد حاجبيه متسائلًا:
سليم (ينظر حوله باستغراب):
"إيه الحكاية؟ إنتو فرحانين كده ليه؟ في حاجة حصلت؟"
تتقدم منه ميار بسعادة وهي تقول بحماس:
ميار (بعينين متألقتين):
"غزل حامل يا سليم!"
يتسع فم سليم من الدهشة، ثم سرعان ما تتحول صدمته إلى فرحة كبيرة، يفتح ذراعيه بسعادة وهو يهتف:
سليم:
"إيه الكلام ده؟ بجد؟ غزولة حامل؟!"
يضحك سليم الأب وهو يرى ردة فعل ابن اخيه، بينما تقول ميار بمرح:
"بجد طبعًا، هو إحنا بنهزر في حاجة زي دي؟"
يضع سليم الابن يده على رأسه وكأنه لا يصدق، ثم يقول بحماس:
"أنا مش مصدق! غزل حامل! ده أحلى خبر سمعته النهاردة!"
حور (تقفز بحماس):
"وأنا كمان! أنا كده هبقى خالة!"
يضحك الجميع على رد فعل حور، بينما يقول زين، والد سليم الابن، بمزاح:
"إنت فرحان كده ليه، هو إنت اللي هتبقى أب؟"
يرد سليم الابن بسرعة، وهو يحاول السيطرة على سعادته:
"لا طبعًا، بس غزل مش مجرد بنت عمي، دي أختي التانية، وأكيد فرحان ليها!"
سليم الأب (يبتسم برضا وهو يربت على كتف ابنه):
"ربنا يسعدها هي وغيث، ويقومها بالسلامة، ويديهم طفل جميل زيها."
تضحك ميار وهي تنظر إلى سليم الابن قائلة بمزاح:
"خلاص، بقى عندك سبب تاني للسفر باريس، تروح تشوف بنت عمك الحامل."
يغمز سليم الابن لها قائلاً بمكر:
"ويمكن أشوف حاجات تانية كمان..."
تحمر وجنتا ميار من كلامه، لكن قبل أن ترد، يتدخل مازن ضاحكًا:
"كفاية رومانسية بقى، إحنا في احتفال مش فيلم عربي!"
تعم الضحكات المكان، والجميع يواصل الاحتفال بخبر حمل غزل، بينما سليم الابن لا يزال مبتسمًا، يشعر بسعادة غامرة وكأن الخبر يعنيه شخصيًا، فهي في النهاية أخته التي لم تلدها أمه.
***
بعد لحظات من الضحك والسعادة بخبر حمل غزل، ساد صمت بسيط، وكأن الجميع ينتظر ما سيحدث بعد ذلك. عندها تقدم سليم الابن خطوة للأمام، وقف بثبات لكن قلبه كان ينبض بسرعة، يعلم أن هذه اللحظة لا يمكن أن تضيع، عليه أن يتحلى بالشجاعة الآن أو يندم لاحقًا.
سليم الابن (بصوت جاد لكنه دافئ):
"بما إننا عايشين فرحة حلوة النهاردة، حابب أشارككم حاجة مهمة كمان."
التفتت العائلة نحوه، الجميع بدا مهتمًا، بينما اتسعت عينا ميار بصدمة، تشعر بشيء غريب في قلبها، وكأنها تعرف ما سيقوله لكنه لا يزال غير حقيقي بالنسبة لها.
نظر سليم الابن مباشرة إلى أدهم، والد ميار، ثم أخذ نفسًا عميقًا وتحدث بثبات:
سليم الابن:
"يا عمي أدهم، أنا مش هطول في الكلام... أنا بحب ميار، ومش شايف حياتي من غيرها، وعاوز أتقدم ليها بشكل رسمي، وبطلب إيدها منك دلوقتي."
ساد الصمت للحظات، ثم تعالت شهقات المفاجأة من بعض أفراد العائلة، بينما ابتسم سليم الأب بفخر، وزين نظر إلى ابنه بدهشة ممزوجة بالسعادة. أما ميار، فكانت أشبه بمن تجمدت في مكانها، قلبها يدق بعنف، لم تصدق ما سمعته للتو.
أدهم (يبتسم وهو ينظر إلى سليم بمزيج من الفخر والمودة):
"وأخيرًا نطقت يا سليم! بصراحة أنا كنت مستني اللحظة دي من زمان، والجواب عند ميار."
التفتت العيون إلى ميار، التي كانت في حالة صدمة كاملة، عيناها تلمعان، ولم تستطع أن تنطق بكلمة واحدة.
حور (بمزاح وهي تقترب من ميار وتهمس لها):
"هتفضلي ساكتة كده لحد ما سليم يغيّر رأيه؟"
ضحك الجميع، بينما احمر وجه ميار بشدة، نظرت إلى سليم الابن، وجدت في عينيه صدقًا مطلقًا، لم يكن يمزح، لم يكن يقول هذا بدافع الجو الحماسي، بل كان يعنيه حقًا.
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت بصوت منخفض لكنه مسموع:
ميار:
"موافقة."
تعالت الهتافات والفرحة في المكان، وصفق مازن بحماس، بينما قفز أمجد بسعادة وهو يهتف:
"يعني هنحضر فرح كمان؟ ياه! البيت كله هيبقى مليان عيال قريب!"
ضحك الجميع على تعليق أمجد، بينما تقدم سليم الابن نحو ميار، ونظر في عينيها وهمس بهدوء، لا يسمعهما أحد:
سليم الابن:
"عارف إننا كنا عنيدين أوي، بس كويس إنك سبقتِ واعترفتي بحبك ليا."
نظرت إليه ميار بدهشة وهمست بانفعال:
"إيه؟! أنا ما قلتش إني بحبك!"
سليم الابن (يغمز لها بمكر):
"بس وافقتِ تتجوزيني، وده معناه إنك بتحبيني، صح؟"
لم تستطع ميار الرد، فقط نظرت إليه بغضب مصطنع قبل أن تبتسم، بينما كانت العائلة لا تزال تحتفل بهذا الخبر السعيد، حيث تحول اليوم من الاحتفال بحمل غزل إلى الاحتفال بخطوبة سليم الابن وميار، ولم يكن هناك ما يمكن أن يزيد هذه الليلة روعة وسعادة.
***
بعد لحظات من الفرح والاحتفال بخطوبة سليم الابن وميار، ارتفع صوت ضحكة متعجرفة في الأجواء، ليُعلن دخول زينب، التي كانت تجلس طوال الوقت تراقب الأحداث بعينين ضيقتين، وكأن كل هذا لم يعجبها أبدًا. كانت ترتدي مجوهراتها الباهظة وثوبًا فاخرًا، وتحركت ببطء إلى وسط الغرفة، تتأمل الجميع بنظرة متعالية، قبل أن تتحدث بنبرة ساخرة تحمل في طياتها الكثير من اللؤم.
زينب (تصفّق ببطء):
"يا سلام! حفلة في البيت، حمل، خطوبة... ناقص بس نلاقي جوايز تُوزّع، ومسابقة أجمل عيلة!"
ساد صمت غريب للحظة، فقد كان الجميع يعلم طبيعة زينب ولسانها اللاذع، حتى أن محمد، زوجها، شعر بتوتر شديد وهو ينظر حوله محاولًا توقع ما ستقوله بعد ذلك.
زينب (تغمز بمكر وتلتفت نحو رمزي والد غيث):
"بس طبعًا مش كل الأخبار تستاهل الاحتفال... يعني، الواحد كان متوقع حاجة زي كده تحصل، لما البيت بقى مفتوح لأي حد!"
نظرت إلى عائلة غيث باشمئزاز واضح، بينما احمر وجه رمزي وشيرلين خجلًا، ولم يفهم أمجد الصغير سبب هذا التوتر المفاجئ، لكنه أمسك بيد والده بحيرة.
شيرلين (بهدوء لكن بحزم):
"تقصدين إيه بكلامك يا مدام زينب؟"
زينب (ترفع حاجبها بتصنع):
"ولا حاجة، يا حبيبتي، بس مش غريبة شوية؟ يعني غزل بنت العز والترف تتجوز واحد... ماشي الحال؟ وبعدين فجأة نلاقيها حامل، ويا عيني عمي نادر مبسوط، ومش ملاحظ حاجة غريبة؟ أنا مش بقول إنه فيه سحر أو حاجة، بس... سبحان الله، كل حاجة بقت في صالح الفقرا، صح؟"
ساد التوتر المكان، بينما اشتعل الغضب في عيون الكثيرين. كان محمد، زوج زينب، يشعر بالإحراج الشديد، لم يكن موافقًا على أفكار زوجته العنصرية، لكنه لم يكن يعرف كيف يسكتها بدون أن يثير مشكلة.
محمد (يضحك بتوتر وهو يضع يده على كتف زينب):
"زينب يا حبيبتي، إنتِ عارفة إننا في قعدة عائلية جميلة، واللي حصل ده مش موضوع نقاش، إحنا فرحانين بحمل غزل وبخطوبة حفيدنا سليم، مالوش داعي نبوظ الجو."
زينب (تتتملص من يده وتتحدث بنبرة حادة):
"يعني أنت شايف إن اللي بقوله غلط؟ ما هو إنتو كلكم طيبين أوي على قلوبكم، ماشي، أنا بس قلت رأيي، واللي مش عاجبه عنده الباب يفوت جملين مش واحد!"
حاول سليم الأب التدخل لإنهاء الموقف، بينما نادر الجد الأكبر كان يراقب بصمت، لكن نظرته القوية كانت كافية لجعل الجميع يدرك أنه لن يسمح لزينب بتجاوز حدودها أكثر.
نادر (بحزم ونبرة قاطعة):
"زينب، كفاية كلام فاضي. غزل بنتي، وهي اختارت غيث، وأنا وافقت، واللي عنده اعتراض يتفضل يشرب مية!"
نظرت زينب إلى نادر بغيظ، لكنها لم تجرؤ على الرد، بل اكتفت برفع حاجبها والتقاط حقيبتها الفاخرة، قبل أن تهمس ببرود:
"أوكي، تمام، بس لما تتأكدوا من الحقيقة، ابقوا افتكروا كلامي."
ثم استدارت وغادرت الغرفة بخطوات غاضبة، تاركة وراءها جوًا مشحونًا، بينما محمد تنهد بأسف ومسح على وجهه، قبل أن يلتفت إلى الجميع قائلًا بحرج:
محمد:
"أنا آسف، والله إنتو عارفين طبعها ولسانها، بس متقصدش حاجة..."
لكن الجميع تجاهله تقريبًا، حيث بدأت ميار وحور في محاولة إعادة البهجة للمكان، بينما رمزي وشيرلين قررا تجاهل الكلام تمامًا والتركيز على سعادة ابنهما.
***
بعد دقائق من مغادرتها، عادت زينب إلى الغرفة، لكن هذه المرة بنبرة مختلفة تمامًا. كانت ملامحها مليئة بالتصنع، وكأنها قررت فجأة أن تغير رأيها، جلست على الأريكة برفاهية، ونظرت إلى الجميع بنظرة جديدة تمامًا، ثم ابتسمت بخفة وهي تتحدث بنبرة مختلفة عن سخريتها السابقة.
زينب (بابتسامة مريبة):
"طيب، بعد ما فكرت شوية... أنا شايفة إن خطوبة سليم وميار حاجة حلوة جدًا!"
التفت الجميع نحوها باندهاش، فقد كانت منذ لحظات تثير المشاكل، والآن أصبحت تدعم الخطوبة؟ رفع محمد حاجبيه بذهول وهو ينظر إليها بحذر.
محمد:
"إنتِ كويسة يا زينب؟ فجأة غيرتي رأيك؟"
زينب (تبتسم بمكر وتعدل من جلستها):
"أكيد بخير! ميار بنت عيلة الصاوي الراقية، واحدة من أغنى العائلات، يعني حفيدي مش هيروح بعيد أبدًا، بالعكس ده جوازه ده أنسب حاجة ليه!"
نظرت إلى الجميع ثم أردفت بنبرة متفاخرة:
"يعني بصراحة، لو نقارن بين زواج سليم وميار وبين زواج... حد تاني، الفرق واضح! سليم هيتجوز بنت عز، بنت ناس، مش حد أقل من مستواه!"
ساد صمت ثقيل، وكانت شيرلين على وشك الرد، لكن سليم الأب سبقها ببرود وهو ينظر إلى زينب بحدة.
سليم الأب:
"قصدك إيه يا زينب؟"
زينب (تتظاهر بالبراءة وهي ترفع يدها):
"لا أبداً، أنا بس بقول الحقيقة، يعني... حد يتجوز بنت مليونيرات وحد تاني يتجوز... حد الله أعلم جه منين!"
التوى فم رمزي بمرارة، بينما غيث الذي كان لا يزال على اتصال مع العائلة عبر مكالمة فيديو شعر بالانزعاج من حديثها ( مكالمة الفيديو لسه مفتوحة و غيث و غزل سمعوا كل حاجة قالتها زينب), لكن قبل أن يتمكن من الرد، تدخل نادر الجد الأكبر بصوته العميق الذي جعل الجميع يصمتون.
نادر (بحزم):
"زينب، كفاية بقى. الجواز مش بفلوس العيلة، الجواز بالعِشرة والاحترام. غيث راجل وأثبت نفسه، وغزل بتحبه، وده اللي يهمني. أما ميار وسليم، فهم بيحبوا بعض، وده برده اللي يهمني. فلو عندك كلام تاني غير الفلوس، اتفضلي قولي، ولو معندكيش، يبقى اسكتي."
حدقت زينب في نادر، لكنها لم تستطع الرد عليه، فالتفتت إلى محمد وكأنها تنتظر منه دعمًا، لكنه اكتفى بهز رأسه بحرج.
محمد:
"بصراحة يا زينب، الموضوع بقى ممل. سيبينا نفرح بدل ما نضيع وقتنا في الكلام الفاضي."
تنهدت زينب بضيق، لكنها قررت ألا تصعّد أكثر، فرفعت كتفيها باستسلام وهي تتمتم بنبرة متصنعة:
"ماشي ماشي، أنا كنت بس بعبّر عن رأيي... بس أهم حاجة إن فرحي بحفيدي سليم لا يوصف!"
ثم نظرت إلى ميار وابتسمت لها وكأنها لم تكن منذ قليل تقلل من شأن غيث وعائلته، مما جعل ميار تشعر ببعض التوتر لكنها لم تعلق. أما سليم الابن فقد أمسك بيد ميار بحماية، ثم نظر نحو جدته ببرود قبل أن يرد بهدوء لكنه يحمل رسالة واضحة:
سليم الابن:
"المهم يا تيتة، مش مهم الفلوس قد ما المهم إن الجواز يكون عن حب وتفاهم... مش كده؟"
لم تجد زينب ما ترد به، فاكتفت بابتسامة متكلفة وهي ترتشف من عصيرها، بينما تبادل الجميع النظرات، متفقين ضمنيًا على أنهم لن يسمحوا لها بتعكير فرحتهم مجددًا.
***
بعد حديث زينب المتفاخر، كان الجميع قد بدأ يتجاهلها، لكن فجأة جاء صوت صغير بريء يكسر الصمت...
أمجد (7 سنوات، يعبس وهو ينظر إلى زينب):
"إنتِ مش طيبة زيهم... إنتِ ست وحشة!"
اتسعت عينا الجميع بصدمة، بينما شهقت زينب بغضب وهي تحدق في الطفل وكأنه تفوه بكفر عظيم!
زينب (بحدة وهي ترفع حاجبها):
"إيه؟! أنتَ بتقول إيه يا ولد؟!"
لم يتراجع أمجد بل عقد ذراعيه وأردف بعفوية تامة، غير مدرك لصاعقة كلامه:
"كل العيلة بتحبنا، حتى جدو نادر و جدو عادل، والكل فرحان عشان غيث وهيكون عنده بيبي! بس إنتِ الوحيدة اللي وشك مكشر وكأنك زعلانة، ومش بتحبينا... عشان كده إنتِ شريرة!"
تحولت ملامح زينب للغضب الشديد، فاستدارت فورًا نحو شيرلين ورفعت يدها بتهكم واضح.
زينب (بسخرية واحتقار):
"شايفة يا شيرلين؟ ده اللي بتربيه! ولد قليل الأدب، بدل ما تحمدي ربنا إنه قاعد وسط عيلة كبيرة ومحترمة، جاي يتطاول على اللي أكبر منه"
انقبض قلب شيرلين من كلمات زينب الجارحة، نظرت إلى ابنها الصغير بحنان ثم إلى زوجها رمزي، الذي بدا واضحًا أنه يحاول السيطرة على غضبه.
شيرلين (بهدوء مكسور):
"أمجد مش قليل الأدب... هو بس طفل، وبيقول الحقيقة بدون تجميل."
لكن زينب لم تتوقف، بل زادت من تعجرفها، وهي تلوح بيدها باستنكار.
زينب:
"أنا مش عارفة إزاي بتسمحي لابنك يتكلم كده؟ لو ابني كان قال كده زمان، كنت علمته الأدب فورًا!"
في تلك اللحظة، جاء صوت نادر الجد الأكبر قوياً وحاسماً، جعل الجميع يصمتون على الفور.
نادر (بصوت منخفض لكن يحمل ثقلًا هائلًا):
"كفاية يا زينب."
بلع الجميع ريقهم، بينما نظرت زينب إلى نادر بترقب، ثم حاولت التبرير بصوت متوتر:
"بس يا عمي نادر، الولد غلطان، ولازم..."
لكنه قاطعها بصرامة، وهو يحدق فيها بعيونه النافذة:
نادر:
"الغلطان الحقيقي هنا هو إنتِ."
اتسعت عينا زينب بصدمة، بينما أكمل نادر بصوت ثابت لا يقبل الجدال:
"بدل ما تهاجمي الطفل، فكري ليه قال كده عنك؟ يمكن لأنه حس بحقيقتك اللي بتحاولي تلميعيها بكلامك المعسول. أمجد طفل، ودايمًا الأطفال عندهم قدرة يشوفوا اللي الكبار بيحاولوا يداروه."
أرادت زينب أن ترد، لكن نظرات نادر كانت كافية لجعلها تصمت، ثم أكمل بحدة:
نادر:
"وعشان كده، لازم تعتذري... تعتذري لرمزي، ولشيرلين، وللصغير أمجد، لأنك تجاوزتِ حدودك."
شهقت زينب وكأنها لم تصدق ما سمعت، تحركت شفتاها محاولة الرفض، لكنها رأت كيف كان الجميع يحدقون بها منتظرين، والأهم... كيف كان نادر يراقبها بحزم. كانت تعلم أن أي تمرد على كلامه سيكلفها مكانتها في العائلة، فابتلعت كبرياءها على مضض.
زينب (بصوت متكلف ومليء بالقهر):
"أنا... آسفة."
نظر إليها نادر نظرة صارمة، وكأنه يعلم أنها لا تعني اعتذارها تمامًا، لكنها قالتها على الأقل. ثم التفت إلى أمجد، الذي كان ينظر إلى زينب بريبة، وكأنه لا يصدق أنها تعتذر!
أمجد (ببراءة وهو يميل برأسه):
"مش عارف إذا كنتِ فعلا آسفة... بس أوك!"
ضحك الجميع بخفوت على رد أمجد البريء، بينما انكمشت زينب في مكانها، تحاول أن تخفي إحراجها. أما شيرلين، فشعرت ببعض الراحة عندما رأت أن هناك من دافع عنها وعن ابنها، لكن لا تزال مرارة كلمات زينب تؤلمها في أعماقها...
***
في المساء، كان الجو هادئًا ودافئًا داخل الجناح الفاخر في الفندق. غيث وغزل يجلسان على السرير، متقابلين، بينما يضع غيث يده برفق على بطن غزل، يلامسها بحنان وكأنهما يحييان معجزة صغيرة تنمو بداخلهما.
غيث (بصوت خافت مليء بالعاطفة):
"مصدقين يا مجنونة؟ بعد كم شهر هيمسك طفلنا بأصابعه الصغيرة إيدي... هيبكي، وهيضحك، وهيقول 'بابا' و 'ماما'!"
ابتسمت غزل برقة، ووضعت يدها فوق يده على بطنها، نظرت إليه بحب، وعيناها تلمعان بشعور الأمومة الذي بدأ ينمو داخلها.
غزل (بصوت ناعم):
"لسه مش مستوعبة... حاسه إن كل ده حلم، حلم جميل قوي مش عايزة أصحى منه أبداً."
ضحك غيث بخفوت، ثم انحنى ليضع قبلة طويلة على بطنها، مغرقًا طفلهما الصغير بحبه حتى قبل أن يأتي إلى الدنيا.
غيث (بهمس وهو يغمض عينيه):
"يا صغيري، أنا باباك... ، أمك الجميلة، هنحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا."
شعرت غزل بقلبها يذوب، ووضعت يدها على شعره لتداعبه بلطف.
غزل (بمكر خفيف):
"شكل البيبي هيبقى نسخة منك، لأنه شكلك خلاص استولى على حب الدنيا كلها!"
رفع غيث رأسه لينظر إليها بمكر، ثم اقترب أكثر حتى كاد أنفاهما يتلامسان.
غيث:
"نسخة مني؟ لا لا، مستحيل... أنا عايزه نسخة منك، بنفس العيون، بنفس الابتسامة اللي بتنور حياتي."
شعرت غزل بوجنتيها تزدادان احمرارًا، فحاولت إخفاء خجلها وهي تدفن وجهها في صدره.
غزل (بخجل):
"إنتَ هتفضل تذوبني بالكلام ده طول حياتنا؟"
ضحك غيث وضغطها أكثر إلى صدره، ثم همس في أذنها بحب:
غيث:
"طول حياتنا... وحتى بعد ما العمر يعدي، هفضل أحبك، وهنحب صغيرنا، وهنعيش أحلى قصة حب عرفها الزمن."
ابتسمت غزل وأغمضت عينيها، تستسلم لدفء اللحظة، بينما في داخلها، كانت تشعر أنها أسعد امرأة في العالم.
***
تجلس زينب على كرسيها المخملي الفاخر، تعابير وجهها غاضبة، عيناها مشتعلة بالحقد وهي تردد في رأسها كيف تجرأ الجد نادر على إهانتها، وكيف أصبحت العائلة تفضل غيث وعائلته الفقيرة على حفيدها سليم! فجأة، يُفتح الباب وتدخل دارين، تبدو مترددة بعض الشيء لكنها مصممة على الحديث مع والدتها.
دارين (بهدوء وحزم):
"ماما، ممكن أفهم لحد إمتى هتفضلي كده؟ كل ما يفرحوا بحاجة، لازم تقلبي الدنيا وتعكري الجو!"
زينب (تشتعل غضبًا وتضرب بيدها على الطاولة):
"إنتِ داخلة تدافعي عنهم يا دارين؟ إنتِ شايفة إني غلطانة يعني؟ ولا شايفة إن حفيد عيلة الشرقاوي اللي مش ناقصه حاجة يتساوى مع الواد اللي طالع من حارة؟"
تنظر دارين لوالدتها بيأس، ثم تتقدم خطوة وتجلس على طرف الكرسي المقابل لها.
دارين:
"ماما، مش مهم إحنا جايين منين... المهم إحنا مين، وبنعامل الناس إزاي. غيث راجل محترم، وبيحب غزل، وبيعملها زي الملكة، وإنتِ عارفة ده كويس!"
زينب (باحتقار):
"حب! الكلام الفاضي ده! هو اللي عمله سحر، وجرّ نادر وراه! بس لا... الزمن طويل، وهشوف النهايات!"
تتنهد دارين وهي تهز رأسها، تشعر أن أمها تزداد عنادًا بدلًا من أن تفهم.
دارين (بهدوء لكن بلهجة جادة):
"ماما، المشكلة مش فيهم... المشكلة فيكي إنتِ. طول عمركِ بتشوفي الدنيا من منظور الفلوس والمظاهر، حتى معايا ومع سارة! بنتي مش لازم تطلع نسخة منك، عايزاها تركز على دراستها، مش الماركات والموضة بس!"
زينب (ترفع حاجبها بسخرية):
"وإيه المشكلة لما تتعلم الشياكة؟ حفيدتي مش ناقصها عقل ولا ذكاء، وسارة لازم تبقى سيدة مجتمع راقية، مش واحدة تشتغل ولا تتعب، إحنا أغنياء، والفلوس تحكم!"
تتنهد دارين بعمق، تشعر بالحزن على تفكير والدتها، وعلى ما تحاول غرسه في ابنتها الصغيرة.
دارين:
"بس ماما، الفلوس مش كل حاجة... والعيلة دي، مهما حاولتي تنكري، كلهم ناس طيبين... ولو فضلتي تزرعي الكره ده، هتفضلي وحيدة، وسارة هتكبر وهتفهم كل حاجة!"
تحاول زينب تجاهل كلمات ابنتها، لكنها تشعر بوخزة خفية في قلبها. تصمت لوهلة، ثم تشيح بوجهها بعيدًا، بينما تنهض دارين بتنهيدة طويلة، وتغادر الغرفة وهي تشعر بالأسف على والدتها التي تزداد عنادًا وكبرياءً دون أن تدرك أنها تخسر الجميع من حولها.
***
بعد خروج دارين، تجلس زينب على كرسيها المخملي، تعبيراتها ممتلئة بالضيق والعناد. فجأة يُفتح الباب، ويدخل محمد، وجهه متجهم وعيناه تحملان نظرة حازمة، وكأن صبره بدأ ينفد. يسير نحوها بخطوات هادئة لكنه يضبط نفسه كي لا ينفجر.
محمد (بصوت هادئ لكن حازم):
"زينب... لحد إمتى؟"
تلتفت زينب إليه ببرود، ترفع حاجبها وتعبس قليلاً.
زينب:
"لحد إيه؟ لو جاي تدافع عنهم يبقى مفيش داعي للكلام، أنا خلاص تعبت من الهري ده!"
يتقدم محمد خطوة أخرى، يضع يديه في جيب بنطاله، ويأخذ نفسًا عميقًا وكأنه يحاول كبح غضبه.
محمد:
"مش دفاع عن حد، أنا باتكلم عنك إنتِ، وعن الطريقة اللي بقت تزهق. زينب، إحنا متجوزين بقالنا أكتر من 44 سنة، وأنتِ لسه نفس الإنسانة العنيدة، نفس الغرور، نفس التكبر... لحد إمتى؟"
تشبك زينب ذراعيها وترد بنبرة ساخرة:
زينب:
"وأنا المفروض أكون إيه يعني؟ لطيفة وحنونة مع اللي أقل مني؟ مع الناس اللي شايفة نفسها علينا؟"
يهز محمد رأسه بإحباط، ثم يجلس على الكرسي المقابل لها وينظر إليها مباشرة.
محمد:
"مش أقل منكِ، زينب. الناس دي عندها كرامة وعندها قلوب، عكس اللي إنتِ مصرة تشوفيه. غيث وعيلته ناس محترمين، و بابا نفسه حاططهم في مقامنا، بس إنتِ... إنتِ مش قادرة تشوفي غير الفلوس والألقاب."
تتنهد زينب بضيق وتلوح بيدها باستخفاف.
زينب:
"اسمعني يا محمد، أنا مش عبيطة زيكم، وأنا عارفة إن العيلة دي عملوا حاجة لغزل وعمي نادر، يمكن سحر، يمكن تمثيل، بس غيث ده مستحيل يكون يستاهلها! وبعدين، إحنا ناس راقية، مش المفروض نتعامل مع ناس زيهم."
يضع محمد يده على جبينه لثانية، وكأنه لا يصدق ما يسمعه، ثم ينهض واقفًا، يضع يديه خلف ظهره، وصوته يصبح أكثر صرامة.
محمد:
"زينب، لو كملتي بالطريقة دي، هتخسري الكل. دارين زهقت، حفيدك سليم مش بيطيق تفكيرك، وأحفادك الصغيرين كمان بدأوا يفهموا إنك مش بتحبي غير الفلوس. عيب يا زينب،احنا كبرنا، وفاتنا العمر، مش معقول تفضلي بنفس التفكير ده!"
ترفع زينب ذقنها بعناد، لكنها لا تستطيع الرد بسهولة، فتكتفي بالتمتمة بسخرية.
زينب:
"لوحدي؟ أنت ناسي نفسك؟ أنت اللي سايبني أواجه العيلة دي لوحدي، وانت عامل فيها الطيب والملاك!"
يتنهد محمد ويقترب منها، ينظر إليها نظرة طويلة تحمل كل الإحباط والتعب.
محمد:
"لأن الفرق بيني وبينك، إني فهمت إن الفلوس مش كل حاجة، وإننا في الآخر عيلة. لكن إنتِ... إنتِ لسه شايفة الدنيا بطريقة غلط."
يسود الصمت للحظات، ثم يستدير محمد ويبدأ بالخروج من الغرفة، لكن قبل أن يغلق الباب، يوجه إليها تحذيرًا أخيرًا.
محمد:
"فكري كويس يا زينب... لأن اليوم اللي هتلاقي نفسكِ فيه لوحدكِ، هيكون متأخر جدًا."
ثم يغلق الباب بهدوء، تاركًا زينب وحدها في الغرفة، رغم عنادها، إلا أن كلماته تركت أثراً بداخلها... لكنها ترفض الاعتراف بذلك.
***
في فيلا فاخرة في ضواحي روما – مكتب زعيم المافيا الإيطالية
المكان مهيب، مكتب فخم بأضواء خافتة، وجدران مزينة بلوحات كلاسيكية. خلف المكتب الكبير يجلس لورانزو فيروني، زعيم المافيا الإيطالية، رجل في منتصف الخمسينات، أنيق ببدلته السوداء، لكن مظهره القاسي وعينيه الحادتين تعكسان خطورته. في يده سيجار كوبي، ينفث دخانه ببطء، بينما يُمعن النظر في أحد الملفات أمامه.
يُفتح الباب، ويدخل مساعده المخلص ريكاردو، رجل طويل القامة ذو ملامح باردة، يتقدم بخطوات ثابتة ويقف أمام مكتبه باحترام.
ريكاردو (بصوت منخفض وجاد):
"سيد لورانزو، لدينا أخبار."
يرفع لورانزو عينيه ببطء، ينفث الدخان قبل أن يضع السيجار في المنفضة.
لورانزو:
"تكلم."
يُخرج ريكاردو هاتفًا ويعرض صورة على الشاشة، لقطة حديثة لـغزل الشرقاوي مع زوجها غيث، وهما في باريس، يداً بيد، يبتسمان بسعادة.
ريكاردو:
"عثرنا عليها. إنها في فرنسا، تقضي شهر العسل مع زوجها المصري."
يحدّق لورانزو في الصورة للحظات، ثم يبتسم ابتسامة خفيفة لكنها تحمل معنى خبيثًا، يُرجع رأسه للوراء مستمتعًا بالمعلومة.
لورانزو (بهدوء مريب):
"غزل الشرقاوي... ظننتِ أنكِ بعيدة عن متناولي؟"
يلتقط سيجاره مجددًا، يأخذه بين أصابعه وينظر إلى الدخان المتصاعد وكأنه يخطط لشيء شرير.
لورانزو (بصوت واثق وحاد):
"لم أنسَ ما فعلته، ولم أنسَ كيف وقفتِ ضدي. حان الوقت لتسديد الدين."
ريكاردو:
"ماذا تريدنا أن نفعل؟"
يصمت لورانزو للحظة، ثم ينظر إلى مساعده بنظرة قاتلة، يبتسم ابتسامة جانبية قبل أن يقول بصوت منخفض لكنه مليء بالتهديد:
لورانزو:
"راقبوها... لا تتحركوا بعد. أريدها أن تشعر بالأمان أولًا... ثم ننقض عليها حين لا تتوقع ذلك."
يهزّ ريكاردو رأسه بتفاهم، ثم يغادر، تاركًا لورانزو في مكتبه، حيث يجلس مستمتعًا بسيجاره، وعيناه تلمعان بخطة لا تحمل أي خير لغزل وزوجها...