تحميل رواية «أسير عينيها» PDF
بقلم دينا جمال
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
«عائلة البطل» خالد محمود السويسي: 30 سنة، عقيد شرطة. طويل القامة، مفتول العضلات، دائمًا ما يمارس التدريبات الشاقة منذ صغره. شعره أسود كثيف، عيناه بلون البندق الغامق. قاسٍ، مغرور، متعجرف، عنيد، يكره جميع النساء إلا هي. محمود السويسي: 58 عامًا. طويل القامة، بشوش الوجه، يمتلك مصنعًا لصناعة الأقمشة. زينب محفوظ: والدة خالد. كل ما يقال عنها أنها أم مصرية أصيلة بكل ما تحمله من طيبة وعطف على أبنائها. 50 عامًا. ياسمين السويسي: 27 عامًا. خريجة كلية آداب قسم لغة إنجليزية، تعمل مترجمة. مخطوبة لدكتور أنور مح...
رواية اسير عينيها الفصل 0 0 - بقلم دينا جمال
- خالد
صاحت بها لينا محتدة ... ليلقي عليها خالد نظرة قلقة عاود النظر لانجليكا يبعدها عنه ابتسم يتمتم في حسرة مضحكة :
- ابعدي يا بنتي دا أنا قد ابوكي
ابتعدت انجيلكا خطوة واحدة للخلف تنظر لخالد تعقد ما بين حاجبيها لا تفهم لما هو قلق في حين اندفعت لينا بسرعة مذهلة ناحية زوجها وقفت أمامها عينيها تقدح شررا وغيظا عاد خالد خطوة واحدة للخلف يرفع كفيه وكأنه يستسلم ...اشار لانجليكا سريعا يتمتم سريعا :
- هي والله اللي حضتني ... دي قد بنتي يا حبيبتي
وقفت أمامه ترميه بنظرات غيظ تكاد تحرقه حتي هو لم يكد يصدق أن نظرات لينا الغاضبة يمكن أن تقلقه لتلك الدرجة كادت أن تشهر سبابتها أمام جهه ولكن الجمع الواقف خارجا يحدق فيهم جعلها تقترب منه ...وكأنها تنفض الغبار عن سترة حلته ابتسمت تهمس له بصوت خفيض حانق هو فقط من سمعه :
- قد بنتك قد اختك ما تفرقش معايا صبرك عليا لما نروح يا خالد يا سويسي
رفعت حاجبيه مندهشا ينظر لها في ذهول القصيرة تهدده ...حمحم بخشونة يبتسم في خبث ... انتظري إلي أن ينتهي الزفاف يا قصيرة .... امسك بيدها يقترب منهم ... نظرت انجليكا لهما بأسف تهمس بصوت خفيض :
- أنا آسفة لو آملت هاجة وهشة ... عمو هالد بيهبك كتير صدقيني ... أنا بس مش شوفته من كتير
نظرت لينا لها مشفقة تبدو كطفلة صغيرة وهي تتحدث بتلك العربية المهشمة التي تخرج من بين شفتيها ... ابتعدت عن خالد تقترب من انجليكا ربتت علي رأسها برفق تحادثها :
- عاملة زي الاطفال يا انجليكا عفوية اوي .. وعفويتك بتتفهم غلط ...
في تلك اللحظات اقترب ماكس منها ينظر لها قلقا يحادثها بالروسية إن كانت هناك مشكلة لتحرك رأسها بالنفي ... اشارت لزيدان تعرفه عليه ... ليبتسم ماكس في حبور مد يده يصافح زيدان يشكره بالانجليزية :
- thank you .... I am really grateful for what you did for her in my absence ....Ang is like a baby ... she told me everything you did and I
really thank yo
( أشكرك أنا حقا ممتن لما فعلته لها في غيابي ... انج كالأطفال ... هي اخبرتني بكل ما فعلته وأنا حقا اشكرك )
ابتسم زيدان في هدوء يصافح ذلك الماكس الواقف أمامه هو من البداية يعرف أن انجذاب له لأن عينيه تشبه عيني ماكس لكنه لم يتوقع أن الشبه في الأعين سيكون حقا بتلك الدرجة المرعبة ... تنهد يردف في هدوء :
- no need to thank me ... I just did my duty .... take care of her ..... she really loves you
ابتسم ماكس يعده أنه لن يتخلي عنها مجددا ... انتقل بنظره ناحية لينا التي تقف جوار زيدان بفستان زفافها ابتسم لها اقترب منها يود معانقتها ظنا منه أنه هكذا سيصافحها !!!! ... ما كاد يقترب خطوة واحدة منها رأي ذلك الرجل يقف أمامه عينيه تحترق من الغضب ... نظر له مدهوشا قبل أن ينطق بحرف واحد وجد زيدان يزمجر فيه :
- what were you about to do
توسعت عيني ماكس يرمش عدة مرات قبل أن يرفع كتفيه لاعلي يتمتم متعجبا من غضب ذلك الواقف :
- why you look angry ... I am just hugging the bride
توسعت عيني لينا في دهشة ذلك الأحمق كان يريد أن يحتضنها .... زيدان كان ليقتله إن فعل ويولد الطفل يتيما ... جذب زيدان لينا يخفيها بالكامل خلف ظهره يصيح محتدا :
- you can't do that ... she's a red line .... l don't let you go near
قطب ماكس جبينه مندهشا من حالة الهجوم المبالغ فيها الذي تحدث أمامه ليسأله مدهوشا :
- why
تنهد زيدان بقوة قبل أن تنثني شفتيه بابتسامة صغيرة يتمتم بقوة :
- because she is my wife, my lover , my soul and my blood .....l will not allow you to come near
توسعت عيني لينا تنظر لزيدان في هيام تكاد تقسم أن دقات قلبها تكاد تصرخ من سعادتها .. في حين لاحت ابتسامة صغيرة علي شفتي خالد ... ذاك الشبل نشأ علي يدي هذا الأسد ... حاوط خالد ذراعي لينا زوجته الواقفة جواره يحثهم علي الرحيل :
- يلا يا جماعة اتاخرنا والمعازيم زمانهم بيسألوا اختفوا فين ...
ابتسم ماكس يصافح زيدان من جديد يفصح له عن مدي إعجابه بغيرته علي زوجته ... تحرك الجميع ... لمح زيدان بطرف عينيه ذلك الذي يتقدم ناحيتهم يدخل من باب القاعة من الخارج طلب من لينا أن تسبقه في حين وقف هو وحيدا ضحك عاليا ما أن اقترب الفتي منه سردد ضاحكا :
- صديق الغردقة القديم كنت هولع فيك لو ما جتش
تعالت ضحكات باسل ليقترب منه يعانقه بقوة يربت علي ظهره يتمتم مبتهجا :
- ألف مبروك يا صاحبي وأنا اقدر بردوا ما اجييش ...
ابتعد زيدان عن صديقه بعد لحظات ينظر له مبتسما تحركا ليدخلا معا حين حمحم باسل يردف سريعا قبل أن يدخلا الي قاعة الزفاف من جديد :
- زيدان في حاجة عايز اقولك عليها قبل ما ندخل القاعة
وقف زيدان ينظر لباسل قطب ما بين حاجبيه لما يبدو متوترا قلقا لتلك الدرجة حمحم باسل يتفادي النظر لعيني زيدان يتمتم بصوت خفيض متوتر :
- بصراحة يا زيدان عشان ما ابقاش مخبي عنك حاجة ... أنا واحد من تلاميذ خالد باشا خالك ... هو اللي حجزلك شقتك جنبي لما جيت الغردقة ... وكلمني ووصاني اني ما اسيبكش ابدا عشان حالتك النفسية كانت سيئة وقتها ...
ارتسمت ابتسامة صغيرة علي شفتي زيدان .. خاله دائما هنا حوله يخبره أنه قلق عليه حتي وإن لم يكن متواجدا يسعي بكل الطرق لحمايته ، التخفيف عنه في أحلك الأوقات ... مد يده يربت علي كتف باسل يحادثه مبتسما :
- كنت حاسس والله يا باسل اصل الرزالة دي مش طبيعية
ضحك باسل بخفة ... يحرك رأسه بالإيجاب ... كمش زيدان ما بين حاجبيه يتمتم فجاءة :
- يعني انجليكا تبع خالي ؟!
حرك باسل رأسه بالنفي سريعا ... الفتاة ليس لها دخل إطلاقا ... ليردف متلهفا :
- لالا ابدا ... معرفتك بانجليكا وكل اللي حصل بينكوا بعد كدة لا خالد باشا ولا أنا لينا علاقة بيه
تنهد زيدان في ارتياح ... كان حقا سيبدو احمقا أن كان خاله يتلاعب به بتلك الفتاة طوال تلك الفترة .... عاد بصحبة باسل الي داخل الغرفة توجه ناحية لينا يجلس جوارها ... ليضحك بخفة حين رأي انجليكا تتحرك ناحية باسل تحتضنه تلك الفتاة حقا غريبة بشكل لا يُنسي ... توجه بعينيه ناحية لينا ليراها تنظر إلي الفراغ ... استطاع أن يري غطاء شفاف من الدموع يغشي حدقتيها ... لينتفض قلبه قلقا امسك كف يدها يسألها مذعورا :
- مالك يا لينا ... انتي كويسة ... ردي عليا يا حبيبتي ... تحبي نروح طيب
التفتت له رغم غطاء الدموع التي جعل الرؤية أمامها مشوشة بالكامل الا أن ملامح القلق التي ارتسمت علي وجهه رأتها بوضوح تااام ... كيف كانت عمياء لتلك الدرجة كيف هربت من عشقه وكيف لا زال يعشقها لتلك الدرجة لم ينقص عشقه مقدار ذرة ... لم تشعر بنفسها الا وهي تلقي بنفسها بين أحضانه وهو كالعادة تلاقها بين ذراعيه يشدد علي عناقها لا يهم من حوله وكيف ينظرون له لا أحد يعشق بقلبه هو ... كانت تود بشدة أن تبكي بحرقة بين ذراعيه ... لكن الموقف كان ليصبح كارثيا .. فقط ظلت بين أحضانه تسمعه صوته يسألها قلقا يلح عليها أن تطمئن قلبه الخائف عليها ... ظلت هي تتمسك بيه تخفي وجهها بالكامل داخل صدره تستشعر دقات قلبه العنيفة ... لم تجفل سوي علي صوت حمحمة والدها القوية انتفضت تبتعد عن أحضان زيدان ...رماها خالد بنظرة غير راضية تماما عما فعلت ليهمس يعاتبها :
- ما ينفعش كدة يا لينا ...هيقولوا العروسة بتتحرش بالعريس ...
ابتسمت لينا خجلة تخفض انظارها ارضا ... امسك زيدان كف يدها يشدد علي عناقه بين أصابعه يحادث والدها مبتسما في هدوء :
- ما حصلش حاجة يا خالي ... لينا بس داخت ...ما حصلش مصيبة يعني لما سندت رأسها في حضني دي مراتي ...
ابتسم خالد زيدان اليوم حقا يبهره بتصرفاته هو دائما يبهره ولكنه الجرعة اليوم زائدة .... جذب يد لوجين الواقفة جواره تنظر لولدها تغرق عينيها الدموع قام زيدان من مكانه يتمني فقط لو يتخلص من تلك الغصة التي تخنقه حين يراها ... تنهد بعمق هي والدته أولا واخرا حتي لو لم يرضي قلبه لا يهم .. اقترب منها يقبل جبينها ويديها سمع شهقتها المتتابعة لتهمس له فرحة :
- مبروك يا حبيبي ألف مبروك يا ابني ربنا يسعدك يا ابني ... مسامحني بجد يا زيدان
ابتسم أجبر شفتيه علي الابتسام رغما عنها يحرك رأسه بالإيجاب في هدوء تام ... في اللحظة التالية اختفت ابتسامته فجاءة حين رأي كيف تنظر لينا زوجة خاله له ... للحظات شعر بالخيانة وكأنه يخون والدته التي ربته ... نغز مؤلم صدع بقلبه ... قاطع تواصله البصري مع لينا صوت منظم الحفل يدعو العروسين لأول رقصة لهما سويا .. في لحظات بدأت موسيقي هادئة تغزو القاعة من كل مكان ... أمسك خالد بيد لوجين يعود بها إلي الطاولة ... التفتت زيدان للينا امسك بكف يدها يجذبها معه إلي ساحة الرقص ... ليفعل حسام المثل ... ولكن الفارق بين العروسين كان كالسماء والأرض ... سارة بالكاد لامست أطراف اصابعها سترة حلة زيدان جسدها ينتفض تنظر أرضا وجنتيها ستنفجران الآن من الخجل ... أما لينا فتلف ذراعيها حوا عنق زيدان تستند برأسها علي صدره كلتا ذراعيه يحاوطنها ...اقترب زيدان برأسه من لينا يهمس لها جوار اذنها بصوت خفيض قلق :
- مالك يا لينا ... في حاجة حصلت ضايقتك
حركت رأسها بالنفي عدة مرات تنهدت بحرقة تريح رأسها علي صدره تهمس له بخفوت متوتر :
- أنا بس افتكرت حاجة وحشة
رفع يده يمسح علي شعرها برفق يشعر بها تغرق رأسها في صدره وكأنها تود أن تختفي داخله ابتسم في هدوء يحادثها برفق :
- انسي يا لينا ... مش عايزك تفتكري اي حاجة وحشة تاني ابدا سواء كنت جنبك أو لاء
أدمعت عينيها تحرك رأسها بالإيجاب لا تعرف حقا كيف تشكره ...
جوارهم مباشرة حسام الذي يحاول أن يلقي نظرة واحدة علي وجه زوجته الخجول من بداية الزفاف وهي تتحاشي النظر إليه ... والآن شقيقته ترمي حرفيا بين ذراعي زيدان وهو بالكاد يمسك أطراف أصابعها ... تنهد حانقا ورغم ذلك ابتسم في اتساع ... زوجته اخيرا زوجته ... الكلمة فقط تجعل دقات قلبه تتصارع ... ملاك نقي بحجاب أبيض أمامه له هو فقط .... لا سعادة يمكن أن تفوق سعادته الآن وهي بين ذراعيه تقريبا ...أصبحت له اخيرا بعد طول صراع فكرة أنها ستعيش معه تحت سقف واحد سيتشاركان معا نفس الغرفة تطيح الباقي من ثباته الواهي يود أن يصرخ معبرا عن فرحته ولكن والده في الغالب سيعبر عن غضبه هو الآخر وينتهي به الليلة جريحا في العناية المركزة ... حمحم بخفة يهمس باسمها يحاول جذب انتباهها له :
- سارة ... سارة بصيلي طيب ... يا بنتي مش كدة أنا زي جوزك
سمع صوت ضحكة خافتة للغاية تخرج من شفتيها ... ليبتسم عابثا علي حين غرة احكم إمساك اطراف أصابعها ليجذبها لصدره شهقت مذعورة رفعت وجهها تنظر له بأعين جاحظة مما فعل في حين ابتسم هو بهيام ينظر لقسمات وجهها الجميلة التي تخبئه عنه ... جميلته الساحرة ... انثتي جانب فمه بابتسامة خبيثة يهمس لها بمكر :
- بقالي ساعة ونص بقولك بصيلي ... بتداري عينيك ليه لما بتيجي في عينيا ... هااا ... ردي بسرعة ... قبل ما بابا يجي يعلقني
ضحكت سارة خجلة تحاول دفعه بعيدا قليلا ... التفتت برأسها سريعا تنظر ناحية والدها لتراه ينظر لحسام في غيظ علي وشك أن يهرول إليهم ويخلع قلبه من مكانه .. في اللحظة التالية تأوه حسام متألما حين لكزه خالد بمرفقه في ظهره بعنف ... التفت حسام خلفه ليجد والده يمسك بيد زوجته كأي زوجين علي ساحة الرقص ... ابتسم خالد في هدوء يهمس له خلف تلك الابتسامة الهادئة :
- قسما بالله يا ابن الكلب أنت والحيوانة اختك لو ما لميتوا نفسكوا ما هيفرق معايا الفرح وهتلاقي الحزام نازل علي وشك إنت وهي
حمحم حسام مرتبكا يحرك رأسه بالإيجاب سريعا ... كرامته باتت قاب قوسين أو أدنى من أن تصبح ممسحة للارضيات أن أغضب والده من جديد ... عاد يرقص مع سارة علي طريقة التلامس عن بعد ... قام كل زوج في اللحظة التالية يصطحب زوجته يشاركون في الرقص أدهم ومعه مايا ... عثمان ومعه سارين. ... حمزة ومعه بدور ...محمد ومعه رانيا ... جاسر ومعه سهيلة ... وماكس ومعه انجيلكا وفارس وياسمين
... علي طاولة باسل وغيث وشهاب وبعض الشباب العُذاب تنهد باسل بحرقة ينظر لساحة الرقص يهمس في نفسه :
- مش كانت مني جت معايا بدل ما أنا قاعد كدة
نظر للمقعد الفارغ جواره ليتمتم ساخرا :
- ما اتبقاش غيري أنا والمروحة
ضحك الشباب عاليا ... في حين كان غيث يراقب في هدوء بالكاد ابتسامة صغيرة تعرف طريقها لشفتيه ... ينظر للعروسين يرسم عقله صورة مشابهة له هو وصبا !! ... تنهد بحرقة يغرز أصابعه في خصلات شعره سينتظر حتي يحين الوقت المناسب
علي الطاولة القريبة منهم يجلس عمر جوار تالا ينظر لعثمان وحسام حانقا ارتشف كوب العصير دفعة واحدة يعاود النظر لهم بحدة كن جديد وكأنهم ألد اعدائه نظر لتالا يهمس لها مغتاظا :
- سرقوا البنات مني أنا كان عقلي فين وأنا بوافق علي الجوازات دي ... أنا عايز بناتي
ضحكت تالا عاليا لتشرع بألم بشع ضمت شفتيها بقوة تحاول الا تصرخ تتنفس بعنف لحظات وهدأ الألم لتحمد الله في نفسها أنه انتهي اخيرا ... لن تلد في حفل زفاف ابنتها ابدا لن يحدث ... نظرت تالا للوجين وزينب التان يجلسان متجاورتين بتابعن ما يحدث في صمت عيني لوجين تزرف الدموع بلا توقف تراقب طفلها وهو يتزوج ... في حين تبتسم زينب سعيدة وكأنها امتلكت الدنيا عينيها مثبتة علي حسام ...
علي ساحة الرقص ... كل عروس تتمايل مع زوجها ... بالقرب منهم كان هناك حمزة ومعه مايا تتمايل معه في خجل تبتسم في توتر ... ترفع عينيها بين حين وآخر تختلس النظرات إلي زوجها .... تشعر بدقاتها تتقافز وكعادتها دائما ما تجري مقارنات عقيمة في رأسها ... إن كانت لا تزال زوجة أسامة علي الأرجح كان ستظل جالسة تتابع زوجها وهو ينظر لكل سيدة في الزفاف بأعين لامعة نظرات مقززة ... في حين يتجاهلها هي تماما ... وإن طلبت منه الرقص سيسخر منها بأحدي كلماته اللاذعة ... أما الآن حمزة هو من جذبها من يدها مصرا أن تراقصه ... لم يخجل ولم يدعها تخجل ... حمزة كان ولا يزال حالة خاصة لا يهتم بالمجتمع والعادات يمشي حسب تياره هو حتي وإن خالف الجميع ... تنهدت بقوة تهمس له ممتنة :
- شكرا يا حمزة .. شكرا على كل اللي عملته عشاني أنا والولاد ... بجد شكرا أوي
بسط يده أسفل ذقنها يرفع وجهها إليه التقت عينيها بغابات عينيه ... اه من عينيه لحن غريب موسيقي بطعم الزيتون الأخضر في طوره الأول أخضر قاني تشرق الشمس من خلف أوراقه ... تثاقلت أنفاسها حين ابتسم يهمس لها :
- شكرا علي ايه يا بدور .. شكرا ليكي انتي رغم عدم المنطق في علاقتنا دي .. الا أنك لسه مكملة فيها .. انتي عارفة كان دايما عندي هاجس أني هموت لوحدي وما حدش هيحس بيا ... مش هلاقي حوليا لما أدهم ومايا يتجوزوا ... وجودك جنبي انتي والولاد دي أحسن حاجة ممكن تحصلي ... شكرا ليكي يا بدور مش ليا ابداا
أدمعت عينيها لأول مرة هي من تبادر وضعت رأسها علي صدره تغمض عينيها في راحة تغمر كيانها .... كيف يمكن لرجل أن يكن بمثل تلك الروعة والهدوء التعقل ... علي الرغم من أنه تؤام خالد والدها الروحي الا أن خالد دائما مندفع عصبي تخشي غضبه .. أما حمزة لا ... حمزة حتي غضبه هادئ يتصرف بتعقل في أحلك الظروف ... لا تصدق ما يشعر به قلبها تعني أنها تعلم أن زيجتهم مبنية علي الاحتياج اولا واخرا ... احتياجه لشخص ما يؤنسه ... واحتياجها لأب لأطفالها وسند لها بعد ما فعله زوجها السابق ... ولكنها قلبه المتعب من الصدمات القديمة بدأ يتعافي ويحبه !!! أيضا
بالقرب منهم حيث الثعلب الهادئ يراقص زوجته الجميلة رانيا ... نظر محمد لعيني زوجته مبتسما يحادثها مشتاقا :
- بقالنا كتير ما خرجناش .. أنا دايما مشغول في شغلي وانتي في رسالة الدكتوراة وشغل البيت ورعايتك لوالدي حقيقي مش عارف اشكرك ازاي علي كل اللي بتعمليه يا رانيا
حركت رأسها بالنفي بسطت كفها علي خده تنظر لعينيه تهمس مبتسمة :
- ما تشكرنيش يا محمد ... أنت أحلي زوج في الدنيا ... أحن راجل في الوجود ... جدع وصاحب صاحبه ... شايل ناس كتير علي كتافك ... أنا يا دوب بحاول أساعد علي قدي
قبل باطن يدها التي تبسطها علي وجهه يهمس التمعت عينيه يهمس لها بصوت خفيض حالم عاشق :
- تعرفي أن أنا بحبك أوي ... يا زوجة الصبا والشباب والعجز
ضحكت رانيا بخفة تعانق محمد بقوة تهمس له برنات خفيضة تمطر عشقا :
- وأنا بحبك أوي يا ثعلبي الهادئ العجوز
ضحك محمد عاليا يشدد علي احتضان رانيا يتمايل معها علي أنغام الموسيقي ... بالقرب منهم عند أدهم ومايا ...تنهد أدهم يآسا ينظر لزوجته العابسة ... تلوي شفتيها بشكل مضحك حقا ... لا يصدق حقا أنها غاضبة منه لانها تريده أن يقيم لها زفاف آخر مثل لينا ابنه عمها ... ابتسم أدهم يغمغم في مكر برئ :
- حاضر مايا هعملك فرح تاني زي لينا ...
توسعت ابتسامتها تنظر له فرحة ... سرعان نا اختفت الابتسامة وجحظت مقلتيها حين اكمل قائلا بأسف :
- بس للأسف لازم اطلقك ... وبعدين ارجع اردك عشان نتجوز من اول وجديد واعملك فرح تاني زي لينا
شخصت مقلتيها أكثر ... تنظر له مدهوشة ... كيف نسيت أن لينا وزيدان انفصلا وبعد عذاب طويل عادا من جديد لذلك يقيم لها زيدان حفل زفاف ثاني .... لا لا لا لن تبتعد عن أدهم لن تتحمل نصف المعاناة التي تحملتها لينا ابدا لن تقدر علي ذلك من الأساس ... حركت رأسها نفيا سريعا ابتسمت تتمتم ببلاهة :
- مين قالك أن أنا عايزة فرح تاني ... هو في احلي من فرحنا بردوا ... ما قولتليش ايه رأيك في فستاني
ضحك أدهم عاليا بملئ شدقيه انخفض برأسه يلصق جبينه بجبين زوجته المجنونة التي لم يعشق أحد بقدرها ... يهمس لها عابثا :
- قمر ... انتي كلك علي بعضك سكر محلي محطوط عليه كريمة ... ياااه بتفكريني باللذي مضي كنتي بتلبسي كل فستان والتاني وتدخلي الأوضة عندي تفضلي تلفي زي الفراشة .... ايه رأيك يا أدهم في الفستان ... حلو يا أدهم الفستان .... دا من باريس ... دا من مش عارف ايه ... كنت ببقي هتجنن بسببك انتي وفساتينك يا حتشبسوت
ضحكت مايا عاليا تداعب خصلات شعره بأصابعها إلي الآن لم يخبرها ما هي حكاية حتشبسوت تلك ... استشفت أن كلمة حتشبسوت ترتبط عند أدهم بأشياء أخري لا علاقة لها بحكاية حتشبسوت الحقيقية ... نظرت له بامتعاض تغمغم حانقة :
- علي فكرة إنت لحد دلوقتي ما قولتليش حكاية حتشبسوت دي ...
ارتسمت ابتسامة ماكرة لئيمة علي شفتيه دني برأسه جوار اذنها يهمس لها عابثا :
- عيوني يا ام حتشبسوت ... نروح التابوت وأنا هحكيلك حكاية حتشبسوت ...
ضحكت من جديد تتمايل معه علي أنغام الموسيقي .... بالقرب منهم كثيرا حيث ... عشق الجاسر لقلقاسته ... سهيلة وجاسر يتحركون في تناغم خاص بهم ... توجهت عيني سهيلة تنظر ناحية ابنها المستقر علي قدمي والدها تنهدت بارتياح طفلها بخير .... عادت تنظر لجاسر لتراه يبتسم لها تلك الابتسامة التي حرفيا تسلب لبها تبعثر شتات نفسها بنعومة لم تقاومها أبدا ... ارتسمت إبتسامة ناعمة سعيدة علي شفتيها تتذكر ما فعله قبل بضعة أشهر
Flash back
يوم عادي كباقي الأيام استيقظت صباحا علي بكاء طفلها الصغير لتحمله بين ذراعيها تنظر له سعيدة وكأنها تحمل سعادة الدنيا كلها بين يديها ... اطمعته وبدلت ثيابه بأخري نظيفة ... اخذته تنزل لأسفل جلست مع والدها اليوم بطوله .... جاسر مختفي بشكل مخيف مقلق ... أين هو ... حاولت الاتصالت به مرارا وتكرارا بلا فائدة .... إلي أن هبطت الشمس وحل الليل سمعت صوت سيارته يقف في الحديقة ... اعطت الصغير لوالدها لتهرول للخارج ارتمت بين أحضانه ما أن رأته تصيح بلوعة :
- كنت فين يا جاسر طول النهار بحاول اتصل بيك من بدري ... حرام عليك يا أخي ... رعبتني عليك
ابتسم لها في عبث تلك الابتسامة تعرفها جاسر يخطط لشئ ... لذلك ابتعدت عنه قليلا تنظر له بترقب رفعت حاجبها تشهر سبابتها تردف سريعا :
- المفاجأة اللي قولتلي بتحضرها من كام يوم صح
توسعت ابتسامته يحرك رأسه بالإيجاب زوجته الذكية كما يحب ذكائه توجه معها للداخل ودع والدها ... في حين بدلت هي ثيابها وثياب الصغير جلست جواره في السيارة يتوجهان حيث المجهول ... لا تعرف أين تذهب ولا تهتم هي تثق به ثقة عمياء ... لن يؤذيها ... وجهت انظارها طوال الطريق إلي صغيرتها النائم علي قدميها إلي أن وقفت السيارة في تلك اللحظة فقط رفعت وجهها ... لتري أن سيارة وقفت في باحة مطعم كبير ... رفعت رأسها سريعا تنظر للافتة المطعم ... مطعم الحورية هنا في القاهرة كيف .... هل باع مطعمه الآخر ...وقبل أن تسأل حتي اجاب جاسر عن أسئلة توقع أنها ستسألها :
- ما بعتش مطعم إسكندرية ... بس اشتريت المطعم دا شريك فيه أنا وبابا هنا في القاهرة عشان ابقي جنب شغل العيلة ... مطعم إسكندرية بيديره استاذ تهامي راجل محترم أعرفه من سنين .... شايفة العمارة اللي قدام المطعم دي
اشار لها لعمارة سكنية علي الناحية الاخري من المطعم ... نظرت لما يشير لتحرك رأسها بالإيجاب ليبتسم هو يتمتم :
- شقتنا هنا ... مش عايزة تطلعي تشوفيها
توسعت حدقتيها في دهشة منزلهما ... منذ بداية زواجها وهي لم يكن لها بيت لهما سوي الشقة الصغيرة في الإسكندرية بعد ذلك عند والده ثم عند والدها .... لا تصدق تكاد تطير من الفرحة ادمعت عينيها تحرك رأسها سريعا بالإيجاب ... نزلت من السيارة تلحق به إلي اعلي توجها معا إلي المصعد دقات قلبها تتصارع شوقا لرؤية منزلهما .... وقف المصعد في الطابق الخامس .... انفتح بابه ليمسك جاسر بيدها برفق تحركا معا الي باب المنزل دس به المفتاح فتحه يتقدم للداخل بضع خطوات يضئ إنارة المنزل ... ارتجفت ساقي سهيلة حين أبصرت صالة منزلها الواسعة بألوانها المتناغمة ... تقدمت للداخل اعطت الصغير لأبيه تتحرك تتفحص الغرف الشقة لم تكن كبيرة كمنزل والدها ولكنها لم تكن صغيرة ابدا ... صالة واسعة غرفة لاستقبال الضيوف .... مطبخ كبير له بالطبع ... وغرفة نوم لهما وغرفتين للأطفال وغرفتين للضيوف وحمامين .... المكان كامل حتي ثيابها موضوعة في دولاب ملابسهم ... ضمت كفيها لصدرها تنظر لمنزلهم تبكي من السعادة ... في حين كان هو يراقب سعادتها بابتسامة كبيرة واسعة ... كم يعشق رؤيتها سعيدة ... التفتت له تزقزق فرحة :
- دا بيتنا أنا وأنت يا جاسر ... حلو اوي بجد ... أحلي مما كنت أتخيل ...
اقترب منها يحمل الصغير ...علي أحد ذراعيه ليلف ذراعه الآخر حول كتفيها قبل قمة رأسها يتمتم مبتسما :
- من النهاردة دا بيتنا أنا وانتي وأحمد ... يكون في علمك أنا قدمت شهادة مرضية في الجامعة وعمي خالد ساعدني ... بس هتعيدي سنة خامسة من الاول .. مش مهم .. المهم أنك مش هتسيبي دراستك يا سهيلة ماشي
ابتسمت له تحرك رأسها بالإيجاب لازال هناك ترم ثاني واجازة طويلة قبل أن تعود لدراستها من جديد ...
امسك بكف يدها يجذبها معه إلي شرفة المنزل دخلت إليها ليشير إلي المطعم أمامها موقع المنزل استراتيجي حقا يمسح لها برؤية واجهة المطعم كاملا ابتسمت سعيدة لسعادته .. اخيرا استطاع جاسر أن يحقق حلمه ويرضي والده في آن واحد
Back
اجفلت من شرودها السعيد علي صوته يهمس جوار اذنها عابثا :
- قلقاستي الحلوة سرحانة في اي
ابتسمت ترفع وجهها إليه لتلتحم مقلتيها بمقلتيه تنهدت تهمس له :
- في الطباخ الغلبان اللي بيحب القلقاس من زمان
ضحك جاسر عاليا جملته المميزة كم يحبها وهي تطنقها ... كم يحب في كل حالتها من الأساس ...لا يصدق حتي أنه احبها هكذا فجاءة حين تزوجها كانت مشاعره ناحيتها لا تتعدي المسؤولية فهي صديقة شقيقته التي تربت معهم أولا واخرا ... وكان أحمق لم يكن يعرف أن ذلك الخوف وشعوره المتواصل بالمسئولية ليس سوي نبتة صغيرة لشجرة عشقهما التي طرحت اولي ثمارها .. احمد الصغير
هناك واخيرا النهاية حيث البداية عند خالد ومعه لينا ... تعجبت لينا حقا من صمت خالد منذ متي وخالد يراقصها بذلك الصمت دائما ما كان يشاكسها بكلماته يغازلها بأشعاره لكنه الآن صامتا بشكل غريب فقط يبتسم لها ... تراه يختلس النظر الي ساعة يده بين لحظة وأخري ... نظرت له متعجبة كانت علي وشك أن تسأله عما به حين اظلمت القاعة فجاءة وبدأت الهمهات من الجميع عن سر ما يحدث ... شعرت به يبتعد عنها ليصدح بصوته يهدئ الجميع :
- اهدوا يا جماعة أكيد في عطل ...
قبل أن يقدم أحدهم علي أن يضئ مصباح هاتفه انُيرت شاشة كبيرة تتوسط الحائط المقابل لهم بدأت تعرض مقاطع فيديو لها وهي طفلة صغيرة ... هي هناك تحاول المشي تتجه ناحية ذلك الفتي الذي يفتح ذراعيه لها يحثها علي التقدم ... وهي تضحك ووالدتها تقف هناك تنظر لها بأعين دامعة ... وصوت والده الذي يمسك الكاميرا يحادثه ..ومطقع آخر لها وهي تحاول ركوب الدراجة وهو يقف بعيدا يصورها تلوح هي له ... والارجوحة في منزلهم وهو يدفعها ووالدتهم تصورها ... تضحك لا شئ يغلب في تلك المقاطع بقدر ضحكاتها البريئة ... أدمعت عينيها تخرج ضحكة خافتة من بين شفتيها ... تقف بزيها المدرسي وذلك ( الكولون ) التي كانت تكرهه تكشر وجهها لأنهم ايقظوها باكرا ... مقاطع عدة لم ترها قبلا ... من أين حصل عليها .... ومن ثم مقاطع من زفافهم الأول والثاني ... صور لها وهي تحمل الصغير وهو بجانبهم وصور لهم جميعا في وجود زيدان ... الكثير والكثير من المقاطع ...دقات قلبها لم تتعد تتحمل دموعها تنهمر بلا توقف .... لحظات وانطفئت الشاشة ليظهر هو يمسك في يده مكبر صوت حمحم بصوت قوي يردف متسألا :
- هو البتاع دا شغال ... شكله شغال ... اااه اقول ايه بس ... والله الكلام خلص ... وعشقي ليها ما خلصش ... زي النهاردة مش هقولكوا من كام سنة طبعا مالكوش دعوة أساسا ... اتولدت أجمل واحن واحلي بنوتة في الدنيا ... زي النهاردة وأنا عيل عنده خمس سنين كنت شايل علي ايدي لفة صغيرة فيها حاجة أنا مش فاهمها كل اللي عارفة أن عينيها كانت حلوة اووي
ضحك البعض علي ما قال خالد ليحمحم بقوة ينهرهم غاضبا :
- بس يا حيوان منك ليه ... عيال ناقصة رباية صحيح ...
في حين اقترب هو منها إلي أن وقف أمامها مباشرة يري دموعها المراقة بعنف تغرق خديها بعنف ... تنظر له مذهولة لم تتذكر يوم ميلادها وهو لم ينساه أبدا ... رمي المكبر من يده بعيدا لا يهم ... لا أحد يهم هنا غيرها ... احتضن وجهها بين كفيه يهتف بانفعال صادق :
- أنا بحبك ... بحبك لدرجة ما بقتش قادر اوصفها ... بحبك بشكل مؤلم ... كل ذرة في روحي بتحبك ... عشانك مستعد اعمل اي حاجة في الدنيا ... عشان انتي بالنسبة لي كل الدنيا .... عمر ما حد قدر ينافسك ابدا ... حتي عيالي ... انا روحي ودي مش مجرد كلمة انتي فعلا روحي يا لينا ...
انهي كلامه ليعتصرها بين ذراعيه بعنف وتشبثت هي بأحضانه تخبره بحرقة كم تعشقه هي الاخري .... في حين تعالت الصيحات وعلا صوت التصفيق من كل مكان ...
اخيرا انتهي الزفاف وبدأ الجمع بالرحيل ... في الخارج احتضنت لينا والديها تودعهم ما تعرفه أنهم سيقضون الليلة في أحدي الفنادق قبل السفر غدا ... اقتربت لينا تحتضن والدها ليتقدم زيدان من والدته لينا ... عانقها رغم أنه يعرف أن خاله سيقتله ...عانقها بقوة يهمس لها بصوت خفيض صادق :
- عمر ما في حد في الدنيا هياخد مكانك في قلبي يا ماما حتي لو كان مين صدقيني انتي اغلي عندي من حياتي
أدمعت عيني لينا فرحا تشدد علي عناق صغيرها قبل أن تشهق بعنف تشعر بيد خالد تجذبها بعيدا عنه ينظر لزيدان غاضبا ابتسم يتمتم في هدوء مخيف :
- تاخد مراتك وتمشي قبل ما ادفنك مكانك يلا يا حبيب خالك غور في داهية
ضحك زيدان يمسك بيد لينا يودعهم متوجها مع زوجته إلي سيارتهم ... ودعت سارين شقيقتها قبل أن تتوجه لسيارة زوجها ... احتضن عمر ابنته لأول مرة يشعر بأنه علي وشك البكاء ولما علي وشك أدمعت عينيه حقا يعانق ابنته يقبل رأسها يهمس لها بصوت مبحوح :
- خلي بالك من نفسك يا سرسورة ... ماشي يا حبيبة بابا
حركت سارة رأسها بالإيجاب سريعا تمسح دموعها المتساقطة اقتربت لتعانق والدتها لتطلق تالا صرخة عالية لم تستطع احتمال الألم من ذلك اندفع الجميع إليها ليتلاقها عمر بين ذراعيه قبل أن تسقط أرضا صاح حسام منفعلا :
- أنا كنت عارف إن الليلة دي مش هتعدي سالكة ... جااسر وصل دكتورة لينا وسارة البيت ... شيل مراتك يا عمي وورايا بسرعة
أدمعت عيني سارة تحاول اللحاق بوالدتها ليصيح حسام فيها غاضبا :
- هتيجي فين بالفستان علي البيت يا سارة يلا يا جاسر خدهم
حرك جاسر رأسه بالإيجاب سريعا حقا يشفق علي ذلك الحسام ... إن تبرئ حسام من العائلة سيعطيه كامل العذر الرجل حرفيا يلاقي الأمرين معهم .... خلع حسام رابطة عنقه يستقل سيارة الزفاف جواره أبيه وبالخلف تالا التي تبكي من الألم تنظر لابنتها نادمة حزينة لكنها حقا لم تستطع التحمل أكثر ... شق حسام بهم الطريق متوجها إلي مشفي الحياة ... في حين اصطحب جاسر سارة ولينا مع سهيلة ووالدها في سيارته ... عائدا بهم الي البيت ... ارتمت سارة بين أحضان لينا تبكي قلقا علي والدتها والأخيرة تحاول جاهدة طمئنتها :
- ماما هتبقي كويسة يا سارة ما تخافيش هيبقي عندك أخ ولا اختت صغننة زي أحمد كدة ...
ربتت سهيلة الجالسة جوارها علي رأسها تحاول تهدئتها هي الأخري وصل جاسر أمام منزل عز الدين ... نظر الأخير له راجيا يحادثه :
- بقولك ايه يا جاسر ما تكسفش طلبي وتخلي سهيلة تبات معايا النهاردة وحشتني هي والواد أحمد اووي
لم يكن جاسر أبدا يرفض طلب حماه العجوز الرجل مريض بالقلب ... ابتسم لها يحرك رأسه بالإيجاب يتمتم في هدوء :
- اكيد يا عمي ما فييش مشكلة
التفتت برأسه لسهيلة يحادثها مبتسما :
- أنا هرجع المطعم لأن في حسابات مهمة لازم تتقفل قبل السنة الجديدة وهجيلكوا الصبك
اومأت سهيلة بالايجاب ودعت سارة ولينا لتنزل بصحبة والدها ... أكمل جاسر طريقه إلي منزل خالد ... اوصلهم لداخل حديقة المنزل ... نظر لعمته يحادثها قلقا :
- تحبوا أفضل معاكوا لحد ما يجيوا ..
ابتسمت لينا له تحرك رأسها بالنفي ربتت علي كتفه تحادثه :
- لا يا حبيبي ما تقلقش روح شوف شغلك ..
نزلت لينا تصطحب سارة معها للداخل لوحت لجاسر قبل أن يغادر ... دخلتا معا إلي المنزل ارتمت لينا علي الأريكة تجذب سارة تجلسها جوارها تضمها بين ذراعيها تحادثها برفق :
- ماما هتبقي كويسة يا حبيبتي ما تخافيش ... بطلي عياط بقي في عروسة تعيط يوم فرحها بردوا ...
_______________
في المستشفي تخلص حسام من حلة زفافه الفاخرة يرتدي ذلك الزي الازرق المخصص لهم ... تحرك يهرول لغرفة العمليات حين اخبرته الطبيبة المساعدة له أن المشيمة انفصلت حالة تالا حجرة كيف استطاعت تحمل ذلك الألم كل تلك المدة ... اوقفه عمر قبل أن يدخل إلي غرفة العمليات رأي في عيني عمه الكثير من الكلمات التي يعجز لسانه عن تجميعها من خوفه ... ليربت علي كتفه يطمأنه :
- ما تقلقش يا عمي ... مراتك في ايد امينة لاء هي في ايد حسام بصراحة
مزحة سخيفة اراد بها التخفيف عن عمه ... اكمل طريقه الي غرفة العمليات وقعت عينيه علي والده يقف ينظر له بفخر ... تلك النظرات جعلت صدره ينتفخ وكأنه محارب شجاع في معركة ما ... غاب حسام خلف باب غرفة العمليات في حين تحرك عمر يزرع الممر ذهابا وايابا يستمع إلي صوت صرخات تالا تشق قلبه بلا رحمة ... اقترب خالد منه يحاول التخفيف عنه :
- اهدي يا عمر هتبقي كويسة ... صدقيني كلها شوية ومحروس هيوصل
أنهمرت دموع عمر يحتضن أخيه كطفل صغير يختبئ بين أحضان والده ... ليربت خالد علي ظهره يحاول تهدئته وصرخات تالا لا تتوقف
__________________
أخذ جاسر الطريق عائدا إلي مطعمه نظر لساعة يده الواحدة والنصف ليلا عليه أن يصل في أسرع وقت لم تعد له القدرة علي القيادة لميل آخر يشعر بالتعب ودوار خفيف اوقف السيارة في منطقة فارغة نزل منها يقف جوارها لم يتناول الطعام اليوم لما قد نسي ذلك ... حتي فئ الزفاف ... الوضع كان كارثي البوفية كما يقولون عنه كان مزدحم بشكل لا يوصف ... جلس علي أحد الحجارة الكبيرة جوار شاطئ النيل ... يشعر برأسه يلتف ... أحمق يا جاسر .... حاول القيام حين رأي رجلين يتحركان ناحيته خطاهم المترنحة تخبره بأنه حقا في ورطة خاصة في حالته تلك ... اقترب الرجلين منه ليفتح أحدهم مادية أمام وجهه يحادثه ساخرا :
- قلب ياض نفسك وهات كل اللي معاك يا حيلتها
احتدت عيني جاسر حين ذكر اسم والدته كان علي وشك لكمة حين سمع صوت يعرفه تقريبا الرؤية أمامه كانت بدأت تختفي شيئا فشئ ولكن الصوت حقا مألوف .. كل ما رآه رجل يقف هناك يحمل مادية نصلها يلمع يزمجر في شراسة مخيفة :
- أنا بقول تخلعوا قبل ما اضحي بيكوا بدل الخرفان وانتوا عارفين العيد كبير قرب ...
هيئة الفتي المخيفة ونصل ماديته الحاد أمام سكرهم الواضح جعلهم يتراجعون هاربين ... حاول جاسر القيام ينظر لذلك الرجل يريد شكره ما أن تحرك خطوة واحدة زاد الدوار وتشوشت رؤيته كاد أن يسقط أرضا حين شعر باحدهم يمسك به قبل أن يقع آخر ما سمعه صوت مألوف يعرفه يهمس له :
- مش هسيبك تقع تاني يا صاحبي !!!
_____________________
ساعة كاملة من القلق تحرق أوصال ذلك الواقف خارجا ... قلق تبدد فجاءة مع صوت صرخات الطفل ... توسعت عيني عمر في دهشة في حين اندفع خالد يعانقه بقوة يردف ضاحكا :
- ألف ألف مبروك يا ابو محروس
تحرك عمر يهرول الي باب غرفة العمليات في لحظة خروج حسام يحمل رضيعين كل واحد علي ذراع نظر لعمر يغمغم بامتعاض :
- علي فكرة مش طبيعي ابدا أن كل خلفتك تؤام ... أنا كدة هعلي عليك ازاي ... اجيب هاترك
ضحك خالد عاليا ينزر لوالده في سخرية ... توقفت دقات عمر عن الخفقان في اللحظة التي وقعت عينيه فيها علي طفليه ... انهمرت دموعه بعنف يلتقط احدهم من بين ذراعي حسام يعانق برفق يشتم رائحته البريئة ... يكبر جوار إذنه ... نظر عمر لخالد يطلب منه أن يفعل المثل ... اخذ خالد الطفل الآخر يشعر بدقات قلبه تتسارع افتقد ذلك الشعور حقا .. شعور أن تحمل نطفة صغيرة من دمك بين يديك شعور جميل لا يوصف قبل رأس الصغير يهمس بالاذان جوار إذنه ...قاطع تلك اللحظات صوت حسام وهو يغمغم :
- طيب بما اني الدكتور اللي ولدهم واللي ليلة فرحه اتضربت ... فأنا من حقي أن واحد منهم يتسمي حسام ... والتاني حسامين عادي يعني
ضحك خالد وعمر ... لينظر الأخير لحسام يسأله قلقا :
- تالا كويسة طمني عليها
حرك حسام رأسه بالإيجاب يطمأن عمه إن زوجته علي خير ما يرام فقط نائمة ... في غرفة أخري ... عاد ينظر للطفلين يتمتم بامتعاض :
- ها هتسموه حسام صح
ضحك خالد يحرك رأسه ياسا في حين نظر عمر للصغير الذي يحمله خالد يتمتم مبتسما :
- اللي أبوك شايله هسميه محمود علي اسم ابويا الله يرحمه ... أما بقي دا فللاسف مضطر هسميه حسام
توسعت ابتسامة حسام يحتضن عمر يغمغم منتصرا :
- يا حبيبي يا عمي روح اللهي تبقي ظابط
مرت ساعة اطمأنا فيها علي الطفلين وتركا عمر مع زوجته ... ليخرج حسام بصحبة خالد إلي البيت ادار حسام محرك سيارته ينطلق بها ب بسرعة البرق ... في حين ينظر له خالد ساخرا يتمتم متهكما :
- لا كدة ماشي براحة شد شوية واقلبنا
تنهد حسام حانقا لما لا ينتهي ذلك الطريق ... اخيرا بعد طول صراع وصلت السيارة إلي منزل والده نزل منها سريعا وخلفه والده ... حين دخل إلي صالة المنزل بدأ يبحث بعينيه عنها في كل مكان نظرة لزوجة أبيه يتمتم متوجسا :
- اومال سارة فين
تجاهلت لينا ما قال تسأله قلقة :
- طمني تالا عملت ايه
اقترب منها خطوة اخري يعيد سؤاله من جديد :
-سارة فين يا دكتورة
زفرت لينا حانقة لما لا يجبب ذلك الفتي عن سؤالها ... تنهدت تردف سريعا :
- سارة نامت من بدري ... المهم تالا طمني عليها
توسعت عيني حسام في دهشة يكاد يصدم رأسه في الحائط في حين انفجر خالد في الضحك ينظر لحسام شامتا يردف من بين ضحكاته :
- أحسن عشان تبقي تزعقلها تاني ... تعيش وتاخد غيرها يا دكتور
_________________
«للعشق قيوده الخاصة»
«الجزء الرابع من أسير عينيها»
الفصل الحادي والسبعون
الجزء الثاني
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
ما بين ضحكات خالد الشامتة ونظرات لينا المتعجبة من قسمات وجه حسام المتنشجة غضبا وحسرة ... رفع حسام رأسه لأعلي يصيح مقهورا :
- أنا مبتلي .. أنا ايييه ... مبتلي ... كان يوم ما طلعتوش شمس لما قررت ابقي دكتور نسا
شد علي أسنانه يطحنها بعنف يلقي سترة حلته فوق كتفه صعد لأعلي يغمغم بكلمات عديدة مبعثرة تعبر عن غضبه وقهره ... في حين نظرت لينا لخالد تسأله عن سبب غضب ذلك الفتي :
- هو ماله حسام متعصب ليه كدة
ضحك خالد عاليا حتي بانت نواجزه لف ذراعه حول كتفي زوجته يحرك رأسه يتمتم ضاحكا :
- لا يا قلبي ما تاخديش في بالك تعالي مطلع يلا اوضتنا
حركت رأسها بالإيجاب تحركت بصحبته إلي حيث عرفتهم ... بينما في غرفة حسام دخل حسام إلي الغرفة ليجد الغرفة تعم في الظلام وضوء خافت فقط يأتي من شرفة الغرفة الشبه مفتوحة ... أضاء إنارة الغرفة لتقع عينيه علي عروسه التي تنام باريحيه علي التخت بأكمله بفستان زفافها ... فقط تخلصت من حجاب رأسها ليسترسل شعرها الأسود المصفف ... تنهد يشد على أسنانه غيظا ... اقترب من الفراش يبحث عن جزء صغير فارغ يجلس حتي فيه فستانها يحتل ثلثي الفراش ... جلس اخيرا في مساحة صغيرة للغاية ... مد يده يربت علي وجنتها بخفة يحاول إيقاظها :
- سارة ... سارة اصحي يا سارة ... اصحي مش عايزة تطمني علي ماما طيب ... سارة انتي كدة مش نايمة انتي كدة في غيبوبة ...
اولته ظهرها تهمهم بصوت ناعس :
- بس بقي يا سارين بطلي رخامة ..
أغمض عينيه متحسرا ... سارين تظنه سارين شقيقتها .... زفر أنفاسه حانقا ...حين فتح عينيه من جديد ... مسح علي شعرها برفق قبل أن يتحرك من مكانه صوب المرحاض بدل حلة عرسه الكارثي ب (بيجامة) زرقاء من القطن ... توجه إلي الفراش يزيح القليل قماش الفستان يبحث عن مكان فارغ للنوم ... استلقي علي ظهره ينظر لسقف الحجرة يتنهد حانقا بين حين وآخر ... شعر بها تتقلب في نومها ليصبح وجهها مقابلا له ... نام علي جانبه الأيمن ينظر لها يبتسم في عشق جارف ... مد يده يداعب خصلات شعرها تنهد يهمس لها بعشق :
- زي القمر ... احلي من القمر كمان ... ينفع المقلب دا يا سرسورة ... بس مش مهم فداكي .... أنا اصلا مش مصدق أن أنا وانتي اتجوزنا أخيرا ... عديت ال30 وأول مرة أعرف يعني ايه حب لما شوفتك ... اه والله أنا كنت فاكر أن قلبي باظ من الركنة ... بس طلع شغال ..
صمت للحظات ينظر لها يبتسم قبل أن تلمع عينيه بفكرة ماكرة ... جذب هاتفه سريعا يبحث بين الأرقام إلي أن وصل لرقم عمه الحبيب ... يحاول الإتصال به مرة تليها أخري وأخري وأخري إلي أن اجاب الأخير بصوت ناعس قلق :
- في ايه يا حسام بتتصل دلوقتي ليه ... سارة كويسة
ارتسمت ابتسامة واسعة متشفية خبيثة علي شفتي حسام قبل أن يردف ساخرا :
- آه يا عمي ما تقلقش أنا بس كنت متصل بيك اقولك حاجة مهمة اووي
- حاجة ايه يا حسام خير يا ابني قلقتني
غمغم بها عمر بصوت متلهف خائف مذعور ... لتشق ابتسامة كبيرة شفتي حسام ضحك يغمغم شامتا :
- أنا حاضن بنتك دلوقتي يا عمي سلام
قالها وأغلق الخط سريعا قبل أن يلقي عليه عمر وابل من السباب لن ينتهي قريبا ... ضحك عاليا متمنينا أن تستيقظ سارة علي صوت ضحكاته ولكن دون فائدة كان وكأنه ينفخ في بوق أجوف سارة نائمة كالقتلي جواره ... ارتمي بجسده علي الفراش مجدد ... جذبها بجفة ليضمها لاحضانه وهو نائم يغمغم مذهولا :
- دي مش نايمة دي مقتولة !
_____________________
علي صعيد آخر قريب من غرفته في غرفة أبيه تحديدا تجلس لينا فوق الفراش أمامها شاشة التلفاز تعرض مقطع الفيديو ذاك مرارا وتكرارا تنظر لكل تفصيلة فيه تنهمر دموعها ... غص قلبها لحظات حقدا علي والدها ... لو لم يكن ابعدها منذ البداية لما حدث كل ما حدث ... كانت ستتغير حياتها تماما ... ولكنه القدر لا يمكن تغييره او الندم عليه الآن ... في تلك اللحظات دخل خالد من الغرفة يضحك عاليا ويبدو وكأنه سمع أكثر نكتة مضحكة في العالم وقبل أن تسأله عما يضحك بادر هو يغمغم من بين ضحكاته :
- حسام المتخلف بيكلم عمر ويقوله أنا حاضن بنتك ... عمر بيكلمني وهو علي أخري ... عيل سافل طالع لأبوه
ضحكت لينا بخفة رفعت يديها تمسح ما سقط من دموعها أمسك خالد جهاز التحكم يغلق شاشة التلفاز ... ليتوجه إلي دولاب ملابسه يخرج صندوق كبير توجه يجلس جوارها يربع ساقيه تنهد ينظر لها مبتسما يتمتم :
- أنا جبتلك كل الهدايا اللي ممكن تبقي كريتيف ..مش لاقي حاجة جديدة شوفت عيال السوشيال ميديا بيجبوا صناديق زي دي قولت يمكن يعجبك
خرجت ضحكة خفيفة من بين شفتيها ... رفعت يمناها تبسطها علي خده زفرت أنفاسها بهدوء ترسم ابتسامة عاشقة علي شفتيها لمعت عينيها تتمتم بولة :
- أنت هديتي يا خالد كفاية اللي عملته عشاني النهاردة ... بجد مش قادرة اوصفلك فرحتي بالفيديوهات والصور دي عاملة ازاي ... ربنا يخليك ليا
ابتسم كلماتها تعود بهما بالزمن لسنوات وسنوات ... عشق بدأ من الصفر ويستمر حتي الممات ... قبل باطن كفها الموضوع علي وجهه يهمس لها بشغف :
- ويخليكي ليا يا حبيبتي ...افتحي يلا هديتك
حركت رأسها بالإيجاب تفتح الصندوق الكبير تغوص بيديها بين الكور الصغيرة الملونة تبحث عن هديتها داخلهم ... تخرج هدية تليها أخري
ألوح الشكولاتة السويسرية التي تحب ... زجاجات عطر يلتصق علي سطح كل زجاجة منهم ورقة صغيرة كتب عليها بيده
( ما يتحطش برة البيت ) ضحكت تكمل بحثها داخل مثلث برمودا .... لتلتقط رفيعة تلك العلب تعرفها علب الحلي ... بالتأكيد داخلها قلادة فتحتها لتبصر داخلها ورقة صغيرة مكتوب فيها ( لا أنا علبة فاضية عادي ) ضحكت عاليا تنظر له تهز رأسها من أفعاله الغريبة ... أمسكت يدها قلادة من الذهب يتوصها علامة النبض واسمه محفور داخل تلك النبضات يتجانس معاها يلتف حولها ورقة كتب عليها ( ايوة أنا اللي كنت جوا العلبة )
ابتسمت تدمع عينيها ... امسكت القلادة تضعها في علبتها ... أخرجت العديد من الهدايا الي أن شعرت بأنها تمسك شئ ثقيل في نهاية العلبة موضوع جذبته بكلتا يديها لتتوسع عينيها في دهشة حين رأت طبق من الحلوي الشرقية مغلف وضعته علي قدميها تفتح خيوطه التي تغلفه لترفع حاجبيها حين رأت قطع الحلوي تتراص جوار بعضها البعض قبل أن تردف بحرق اقترب من اذنها يهمس ضاحكا :
- جبتلك بسبوسة يا احلي بسبوسة ...
نظرت له للحظات قبل أن تنفجر في الضحك ... قطعت قطعة حلوة صغيرة تضعها في فمه لينفجر هو الآخر في الضحك وعلبة الحلوي تراقبهم مدهوشة لا تعرف علي ما يضحكان
________________
في صعيد آخر في أحدي الفنادق الفاخرة صاحبة النجوم الكثيرة في غرفة العروسين تتمايل لينا بين أحضان زيدان علي أنغام الموسيقي الهادئة ... ترمي نفسها بين ذراعيه تحاول طرد ذكريات الماضي التي هاجمتها فجاءة بعيدا ... بعيدا للغاية ....لن يحدث شيئا آخر ... انتهي الشر ... انتهي وللابد ... اجفلت علي صوت زيدان يسألها قلقا :
- مالك يا لوليا من ساعة ما كنا في الفرح وأنا حاسس أنك خايفة او قلقانة ... في حد زعلك طيب ...
حركت رأسها بالنفي دون أن ترفع رأسها عن صدرها ظل صامتا ينتظر منها إجابة ... ليسمع تنهيدة قلقة متوترة خائفة للغاية خرجت من قلبها قبل شفتيها ... شدت علي عناقه تهمس بصوت خفيض مختنق :
- افتكرت يا زيدان ....واضح أن عمري ما هنسي أبدا ... وأنت واقف قدامي ورافض أن ماكس يقرب مني ... بتقوله أن أنا مراتك وحبيبتك وروحك مش هتسمح لحد ابدا يقرب مني ...مر قدامي سنين عمري اللي عيشتها في كره وخوف منك بسببه ... كان المفروض اكرهه واخاف منه هو ... لعب بيا عيشني في ذعر من الناس كلها ... قلبي بيتكوي لما بفتكر السجن الازاز اللي عيشت فيه سنين عمري بسببه ...
توقف زيدان ليبعدها عنه قليلا فقط قليلا بسط يده أسفل ذقنها يرفع وجهها إليه يري دموعها المراقة بلا توقف ... مسح دموعها يبتسم ابتسامة قاتمة سوداء غمزها بطرف عينيه يغمغم في وعيد قاسي :
- تيجي نعمل حاجة مختلفة ليلة فرحنا غيري هدومك ... وتعالي معايا
حين نظرت لعينيه فهمت ما يفكر فيه لم تكن لتفرض وقلبها يصرخ يكوي بنيران قهر لم تنطفئ ابدا ... تحركت سريعا تبدل ثيابها .... في حين نزع هو سترة حلته ورابطة عنقه التقط مفاتيح سيارته ... أمسك بيدها ما أن انتهت ليجذبها معه إلي خارج الفندق ... تحت نظرات الدهشة الموصبة ناحيتهم من قبل موظفين الاستقبال لماذا قد تخرج عروس بصحبة زوجها راكضة في ذلك الوقت ... استقلت لينا السيارة جوار زيدان يشق طريق الليل إلي مخزن الصحراء ... دقات قلبها تتصارع كلما اقتربوا أكثر وأكثر في جوف الليل وقفت سيارة زيدان امام المخزن الكبير ... نزل أولا يفتح لها باب السيارة ... امسك بكف يدها المرتعش يشد عليه برفق يصطحبها إلي الداخل أضاء الأنوار المغلقة لتقع عينيها علي ذلك الشيطان الجالس فوق فراش قديم مهترئ ابتسامته الخبيثة التي احتلت ثغره ما أن رآها ارجفت قلبها عادت بعدها لذكريات قديمة وقف نائل بالكاد يخطو علي قدميه فتح ذراعيه ضحك يغمغم ساخرا :
- ايه دا لوليا حبيبة القلب هنا وحشتيني لا حقيقي وحشتيني
تسارعت أنفاسها تلك المرة غضبا ... تشعر بالنيران تحرق خلاياها أجمع ... يقف هنا علي بعد خطوات منها يفصلهم باب من الحديد مد زيدان لها مفتاح الباب لتلتقطه منه فتحت القفل جذبت المزلاج الكبير وزيدان جواره يلصقها به خوفا عليها ... ما إن دخلت إلي الغرفة تحرك نائل ناحيتهم يفتح ذراعيه علي اتساعهما يغمغم ساخرا :
- حبيبة قلبي تعالي في حضن جوزك حبيبك
كاد زيدان أن يهشم عظام وجهه حين أمسكت لينا بذراعه تنظر له تتوسله الا يفعل ... هي من ستفعل ... ضحك نائل عاليا حين امسكت لينا بذراع زيدان ليغمغم متشفيا :
- شوفت ، شوفت لسه بتحبني أنا ...
ارتسمت ابتسامة سوداء مخيفة علي شفتي لينا تحرك رأسها بالإيجاب تقدمت ناحية نائل إلي أن صارت بالقرب منه تنظر له كارهه وكأنها تري شيطان من الجحيم في حين أنه كان يبتسم ذلك الفتي مختل مريض نفسي ... رفعت يدها لتنزل علي وجهه بعنف صفعة قوية تلتها اخري واخري واخري تصرخ فيه بشراسة :
- أنا هموتك ... هقتلك ... هاخد حقي منك ...
لم يستطع نائل المقاومة خاصة وأن جسده بالكاد يحمله سقط أرضا تخرج الدماء من فمه وأنفه ... يسعل الدماء بعنف ... داست لينا بكعب حذائها علي اصابع يسراه ليصرخ من الألم ... بدأت تركله بقدميها تصرخ بحرقة :
- حس بكل لحظة عذاب أنا عيشتها بسببك ... موت أنت شيطان ... شيطان لازم يموت
بعنف تركله في بطنه صدره رقبته وجهه بحذائها الضخم اختارته خصيصا والأخير يصيح من الألم ... سالت دمائه بعنف من وجهه زاغت عينيه يهمس لها بصوت ضعيف :
- ارحميني
هنا تأجتت نيرانها المشتعلة احمرت عينيها نفرت عروقها تصرخ فيه بقهر:
- وأنت ما رحمتنيش لييه وأنت عيشتني عمري كله في عذاب وأنت بتقتل ابني وأنا بتدمر حياتي ...
وضعت حذائها فوق صدره تضغط عليه بعنف ابتسمت تغمغم في قوة :
- أنا مش هقتلك الموت رحمة ليك ... صدقني هتشوف عذاب سنين عمري اللي عذبتهالي
ركلته للمرة الأخيرة ليصيح من الألم يغمض عينيه فاقدا للوعي ... وقفت هي تلهث بعنف تتنفس بصعوبة دقاتها تتصارع تشعر وكأنها كانت تحترق جوار النار وسقطت في نهر بارد نيران غضبها هدأت انطفأت مؤقتا ... نظرت له باشمئزاز قبل أن تبصق عليه ... التفتت ناحية زيدان تبتسم في ارتياح ... ليبتسم هو مد يده لها لتقترب منه سريعا تضع رأسها علي صدره لف ذراعيه حولها يسألها :
- أحسن ؟
حركت رأسها بالإيجاب سريعا تتنهد بارتياح ليبعدها عنه قبل جبينها ابتسم يهمس جوار اذنها :
- طب يلا نرجع الفندق ... ما كملناش رقصتنا
ابتسمت بخفة تحرك رأسها بالإيجاب تتحرك بصحبته إلي الخارج دون أن تلقي نظرة واحدة علي ذلك الملقي أرضا ... فلا أحد ينظر للقمامة بعد أن يُلقيها
__________________
كان يجلس علي ضفاف النيل ... باتت تلك عادته منذ أشهر ما أن ينهي عمله .. يذهب للنيل يجلس هناك ينظر لسطحه يتنهد بين حين وآخر يتذكر ماضيه بالكامل منذ أن كان طفلا لم يعرف معني الحنان إلي أن بات رجل لا يملك لا قلب لا ضمير لا شئ فقط حقد وكره علي الجميع المجتمع الناس حتي الاصدقاء ... او بمعني ادق الصديق لم يكن له يوما سوي صديق واحد تآمر بشتي الطرق ليدمره وهو لم يلاقي منه شرا أبدا ... كلما تذكر ما فعله به ... وكاد يفعله بشقيقته يشعر بنيران بشعة تحرق صدره في تلك الليلة تحديدا اطال الجلوس مر الوقت دون أن يشعر لم تكن من عادته أن يتأخر ولا يعلم لما تأخر لذلك الحد ... مرت صورة جاسر أمام عينيه لتدمع مقلتيه رفع وجهه ينظر للسماء يتنهد بحرقة يهمس راجيا :
- يااارب
رفع يديه يمسح دموعه قام من مكانه ... يتحرك يود المغادرة حين رأي ضوء سيارة تقف بعيدا ... نزل منها جاسر !!! ... توسعت عينيه في دهشة ماذا يفعل جاسر هنا ولما يبدو مريضا يترنح في مشيته وقف يراقب صديق العمر لم يشعر بدموعه التي أغرقت خديه ينظر له بحسرة ... في تلك اللحظة رأي رجلين من ملامحهم علم أنهم سكاري ... كان عليه أن يتدخل الحمقي هربوا كالكلاب الضالة اقترب جاسر منه يريد شكره رآه كيف ترنح كان علي وشك أن يسقط ... في حين اندفع مراد يسنده سريعا ... شد جسده يعيده إلي سيارته بجلسه علي المقعد المجاور للسائق ... جلس جواره ادار المفتاح الذي تركه جاسر عالقا في السيارة ... يبحث عن أقرب مستشفي إلي أن أن وصل إلي إحداها ... نزل سريعا يصيح في الممرضين خائفا :
- بسرعة بالله عليكوا اغمي عليه فجاءة
تحرك الممرضين ومعهم مراد يضعون جاسر علي سرير متنقل إلي أحدي غرف الطوارئ ... وقف مراد خارجا قلبه يتفتت من الخوف كان أحمق غبي حاقد أعماه حقده وطعن صديقه ... عض أنامله ندما مر الوقت بطيئا مخيفا إلي أن خرج طبيب شاب من الغرفة هرع مراد إليه يسأله مذعورا :
- طمني يا دكتور جاسر ماله
ابتسم الطبيب في هدوء يردف :
- ما تقلقش دا هبوط مش أكتر ... أنا علقتله محلول شوية وهيفوق
شكر الطبيب مرارا وتكرارا قبل أو يتوجه إلي غرفة جاسر رآه وهو مسطح علي الفراش ملامح وجهه مجهدة يغمض عينيه نائما ... محلول موصل بعرق يده ... جذب مقعد يجلس جواره امسك بكف يده ينظر له للحظات قبل أن ينفجر باكيا يتمتم بحرقة نادما :
- سامحني يا جاسر سامحني يا صاحبي .. أنا آسف ... كنت شيطان اذيتك كتير اووي وحاولت ااذي اختك الصغيرة وهي مالهاش ذنب ... ما كانش في قلبي غير الحقد والكره والطمع ... بس والله أنا اتغيرت عارف اتغيرت ازاي كنت في الحبس مرمي ... بخطط ازاي لما اخرج انتقم منك ... علي اللي عملته ... كان مكاني جنب الباب بتاع الحجز كنت ساند علي رأسي بحاول أنام سمعت صوت عسكري من برة عمال يقول طول ما هو واقف او قاعد أنا مش عارف ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) وكان عمال يكررها كتير لدرجة اني بدأت اكررها وراه من غير ما احس ... لساني بيقولها وأنا مش دريان ... لحد ما بدأت أحس بيها ... ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) ايوة أنا فعلا ظالم حاقد مؤذي ... اذيت ناس كتير واتجبرت علي ناس أكتر ... عارف لما تحس أنها رسالة بفرصة تانية ... لسان فضل يقولها لوحده ومن غير أحس دموعي بدأت تنزل ... بيمر قدام عينيا كل اللي عملته في حياتي .... كنت واثق أن واحد زيي مالوش توبة ... رغم كدة فضلت ارددها كتير ... لحد ما سمعت آذان الفجر كانت أول مرة في حياتي ادعي يا جاسر .... أول مرة ادعي .... بعدها بكام يوم جيت إنت وادهم وخرجتوني ... نن بعدها توبت والله العظيم توبت وبدعي ربنا ليل مع نهار يقبل توبتي ... ونفسي تسامحني يا صاحبي
رفع مراد وجهه ينظر لجاسر النائم ما أن انهي حديثه دموعه النادمة تغرق وجهه توسعت حدقتيه حين رأي جاسر ينظر له ... نظرات فارغة لا حياة فيها ... نظرات صماء ... نزع جاسر يده من يد مراد بوهن شديد ... اشاح بوجهه في الإتجاه الآخر يحادثه بصوت خفيض متعب :
- امشي اطلع برة ... أنا حذرتك لو شوفتك تاني هموتك ... امشي من هنا ... ما تطلبش حاجة مستحيل هتاخدها ... أنا عمري ما هسامحك .. لما يتغدر بك من حد بيكرهه ... بتبقي متوقع دا ... إنما لما يبقي صاحب عمرك هو اللي يطعن بتموت ألف مرة من الوجع والقهر ... امشي يا مراد ... امشي من هنا ... أنا اللي آسف بس مش هقدر اسامح ولا انسي
اخفض مراد رأسه أرضا تنهمر دموعه بعنف ... ماذا كان يتوقع أن يأخذه جاسر بين أحضانه يخبره بأنه سامحه بعد أخطائه البشعة ... تنهد بحرقة يحرك رأسه بالإيجاب رفع رأسه للمرة الأخيرة يهمس بصوت مختنق من البكاء :
- ممكن اسألك سؤال ... هو ممكن يجي يوم وتسامحني
أدمعت عيني جاسر لا يعرف حتي لما وشعر حقا بالغضب من نفسه حين شعر بالدموع تتجمع في مقلتيه مشفقا علي حال ذلك الذي كان يوما صديقه ... حبس أنفاسه يتمتم بصوت جاف بارد :
- يمكن مين عارف
ارتسمت ابتسامة أمل كبيرة علي شفتي مراد يحرك رأسه بالإيجاب رفع يديه يمسح دموعه بعنف يهمس ممتنا :
- شكرا يا جاسر ... أنا هستني اليوم دا حتي لو كان آخر يوم في عمري عن إذنك ... خلي بالك من نفسك
قام من مكانه يتحرك لخارج الغرفة التفت برأسه ينظر ناحية جاسر الذي يشيح بوجهه ينفر من رؤيته ...أغمض عينيه ندما كم يتمني ان يذهب إليه يعانقه يطلب منه السماح ولكنه سينتظر فبعض الأخطاء لا تغتفر بسهولة ابدا ... حرك المقبض ليخرج من الغرفة يأخذ طريقه مشيا عائدا لبيته ... مرت عدة دقائق علي جاسر قبل أن يشعر بأنه أفضل حالا ..انتصف جالسا يضغط علي الزر المجاور له يستدعي الممرضة ... التي جاءت سريعا سألها عما حدث لتخبره بالتفاصيل كاملة مدي خوف وهلع صديقه عليه حين جلبه .. حتي أنه دفع حساب المشفي قبل ان يرحل .. تركته وخرجت ليبقي جاسر ينظر للمقعد الفارغ الذي كان يجلس مراد علي سطحه تنهد بحرقة يتمتم مع نفسه :
- ما كنتش بس صاحبي يا مراد ... كنت اخويا ودراعي اليمين وعكازي ... مش سهل انسي اللي عملته يا صاحب عمري ...
____________________
في صباح اليون التالي يوم الجمعة يوم العطلة ... في غرفة حسام حيث ينام العروسين في هدوء ... انزعجت سارة من أشعة الشمس التي صدمت وجهها فجاءة لتفتح لتعقد جبينها فتحت مقلتيها بقدر بسيط سرعان ما توسعت عينيها فزعا حين رأت حسام أمامها مباشرة صرخت مذعورة لينتفض الأخير من مكانه يصيح مفزوعا هو الآخر :
- ايه في ايه مين مات ... مين اتقتل ... حصل ايه
لم يكد يعي صدمته الأولي وجدها تصرخ فيه مذعورة تدفعه بعيدا عنها :
- أنت قليل الأدب ومش متربي ... بابا هيقتلك ... أنت ازاااي نايم جنبي ... ياباااابااا ... الحقووووني
امسك ذراعيها التي لا تتوقف عن ضربه يصيح فيها محتدا :
- بسسس ايه سارينة وفتحت ... يخربيت الجواز علي اللي عايز يتجوز ... أنتي مجنونة يا سارة ... احنا اتنيلنا اتجوزنا امبارح ... بصي علي الفستان اللي انتي لابساه كدة
اخفضت رأسها سريعا تنظر لفستان زفافها الأبيض لتتوسع عينيها في دهشة .. صحيح كيف نسيت أنهما قد تزوجا بالأمس ..اخفضت رأسها في حرج احمرت وجنتيها خجلا ... ليصدح في تلك اللحظات صوت دقات عالية علي باب غرفتهم وصوت خالد يحادث حسام محتدا :
- حسام ... أنت يا حيوان اوعي تكون بتضربها ...
ترك ذراعيها ينظر لها حانقا ... جذبت بصوتها الرنان والده وطبعا ظن أن ولده الاحمق يضرب عروسه ... تنهد يزفر أنفاسه تحرك يفتح الباب ليبصر والده بصحبة زوجته التي بادرت تصيح فيه محتدة :
- في اي يا حسام إنت بتضربها عشان نامت امبارح لا أنت مش طبيعي
توسعت عيني في دهشة انظروا من بات الوغد الدنئ الآن اشار لنفسه مذهولا يحرك رأسه نفيا بعنف ليصيح فيهم محتدا :
- ايييه في ايييه حد قالكوا اننا دراكولا ... سارة هانم نسيت اننا متجوزين أول ما شافتني نايم جنبها رقعت بالصوت ... ولا كأنها شافت حرامي جاي يسرق أعضائها
أصفر وجه لينا حرجا من ظنها السئ بالفتي ولكنها فقط ارتعبت من صرخات سارة ... تقدمت سارة من الباب تمسك طيات فستان زفافها بين يديها وقفت خلف حسام ابتسمت متوترة تتمتم في حرج :
- أنا آسفة أنا اللي عملت المشكلة دي ... بس الوضع جديد عليا وكنت صاحية مش مركزة
ابتسمت لينا في اتساع ما أن رأتها لتقترب منها تعانقها بقوة تغمغم في حبور :
- صباح الفل يا عروسة .. ولا يهمك يا حبيبتي ... يلا اجهزوا انتوا وحسام ... عشان ساعة وهنسافر زيدان ولينا جايين في السكة
نظر حسام بطرف عينيه الي خالد رأي ابتسامة الأخيرة المتشفية ... اقترب خالد من حسام وقف جواره مباشرة يهمس له بصوت خفيض ساخر متشفي :
- دا أنا همسكها عليك زلة العمر كله ... عارف هخليك تعملي عجين الفلاحة
نظر حسام لسارة حاقدا الحمقاء والده سيجعله عبدا بلا أجر بسببها ... انسحبت لينا تجذب خالد من الغرفة نظر الأخير لحسام يبتسم له متشفيا ... ليصيح الأخير متحسرا :
- أنا مبتلي ومني لله عشان بقيت دكتور نسا ... ياريتني كنت دخلت صنايع
مرت ساعة نصف تقريبا قبل أن تتحرك الثلاث سيارات في طريقهم للقرية السياحية الشهيرة ... مرت بضع ساعات إلي أن وصلت السيارات ... استقبلهم صديق خالد يعطي لكل واحد منهم مفتاح غرفته تحرك الشابين أمامه قبل أن يتوجه كل منهما لجناحه سمعوا صوت خالد يردف :
- أنت رايح فين يا باشا منك ليه ... هنروح نتغدي الأول أنا حاجز ترابيزة في مطعم هايل
حرك زيدان رأسه بالنفي تثأب يتمتم ناعسا :
- لا يا خالي خليها بعدين أنا تعبان وعايز أنام
فعل حسام المثل تماما يغمغم سريعا :
- ايوة أنا كمان عايز أنام
نظر خالد لحسام يرفع حاجبه الأيسر ابتسم يغمغم متوعدا :
- بتقول حاجة يا حسام
شد حسام علي اسنانه كور قبضته يطحنها تنهد يتمتم بحسرة :
- جعان ... أنا جعان ... يلا نروح نتغدي وحسبي الله ونعم الوكيل
«للعشق قيوده الخاصة»
«الجزء الرابع من أسير عينيها»
الفصل الحادي والسبعون
الجزء الثالث
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
توجهوا جميعا إلي ذلك المطعم الذي اختاره خالد وأجبرهم للذهاب إليه ... جلس حسام حانقا يتململ في جلسته بين حين وآخر يزفر أنفاسه حانقا ... يختلس النظرات لزوجته الحبيبة بين حين وآخر ليراها منشغلة للغاية في الحديث مع شقيقته وزوجة أبيه ... في حين زيدان يناقش مع والده عدة أمور خاصة بالعمل ... لم يعد يحتمل الوضع أكثر تأفف بقوة يهتف حانقا :
- هو أنا عاطف قاعد معاكوا ولا ايه ... أنا حاسس اني شفاف في القعدة
توجهت أنظار الجميع إليه الموقف لم يكن مضحك شعر خالد من نظرات حسام أنه حقا غاضب ... قام من مكانه يتحرك للخارج أشار له بعينيه أن يتبعه ... زفر حسام أنفاسه مختنقا يوجه نظرة خاطفة ناحية سارة قبل أن يتحرك يلحق بأبيه .. نظر الجميع إليه مدهوشا منذ متي وحسام الفتي الغاضب ... نظرت لينا لزيدان تسأله متعجبة :
- ماله حسام شكله متضايق
رفع زيدان كتفيه لأعلي كأنها يخبرها أنه حقا لا يعلم بينما توسعت ابتسامته الداخلية حسام يسير وفق الخطة كما رسمها تماما .... لف ذراعه حول كتفي لينا يحادثها مبتسما :
- هتلاقي في حاجة مضيقاه دلوقتي نعرف
في حين توجهت أنظار سارة ناحية باب المطعم الذي خرج منه حسام توا ... اضطربت حدقتيها قلقا هل تري هو غاضب منها ... تنهدت بارتباك هي حقا لا تعلم ...
في الخارج جلس خالد علي طاولة صغيرة أمام المطعم ملحقة به ليجلس حسام أمامه يتحاشي النظر لوالده بأي شكل كان ... يحرك ساقه اليسري بعنف يبدو متوترا قلقا غاضبا من شئ ما ... حمحم خالد يجذب انتباهه يحادثه مترفقا :
- مالك يا حسام شكلك متضايق ... لو الكلام اللي أنا قولته الصبح مضايقك فأنت اكيد عارف إن أنا بهزر
حرك حسام رأسه بالإيجاب زفر بقوة يحاول أن يقول شيئا يجد عذرا ولكن لا شئ حين يآس عاد يزفر من جديد يتمتم باختناق :
- مش عارف يا بابا حاسس أن أنا مخنوق متضايق ... وفرحان مش عارف حاسس أن أنا متلغبط
ارتسمت ابتسامة هادئة علي شفتي خالد ليمد يده يربت علي كتف حسام برفق يحادثه مبتسما :
- أنا مش هقولك ليه يا ابني وايه االي حصل وكل الهري ... ساعات بتحس أنك مخنوق وأنت حتي مش عارف ليه ... بس أنت لسه عريس يمكن الضغط الفترة اللي فاتت .. أنا بس مش عايزك تشيل هم وأعرف أن أنا دايما معاك وفي ضهرك
ارتسمت ابتسامة صغيرة علي شفتي حسام يحرك رأسه بالإيجاب ... ليمد خالد يده يربت علي رقبته بعنف أبوي يحادثه ساخرا :
- ما تفك بقي ياض ... دا أنت يكفيك فخرا أنك إبن خالد السويسي ... دا أنت المفروض تمشي فرحان طول عمرك عشان أنا أبوك
تعالت ضحكات حسام يحرك رأسه بالإيجاب يصدق علي كلمات والده ... عادا معا المطعم ليعاود كل منهما الجلوس إلي مقعده ... نظر الجميع في دهشة إلي حسام التي تغزو ابتسامة واسعة شفتيه ... غمز زيدان لحسام خفية كأنه يخبره أن كل شئ يسير حسب الخطة المتفق عليها ... لتتوسع ابتسامة حسام لف ذراعه حول كتفي سارة يقربها منه يهمس لها بصوت خفيض عابث :
- اخيرا هنطلع شهر العسل ... يا سعدية يا سوسو
قطبت سارة ما بين حاجبيها تنظر لحسام مدهوشة هم أساسا في شهر العسل ماذا يقصد حسام بكلامه ... في ذلك الغداء اللطيف تصرف الجميع بتلقائية ... حتي لا يشك أي منهم في الآخر ... اكثر مشهد عبثي حدث حين ازاح خالد أكمام قميصه للخلف بشكل عشوائي ... يخلي الأسماك عن اشواكها ... يضعها في طبق لينا التي تنظر له محرجة مما يفعل ... لم تعد تلك الطفلة ابتسامة ابنتها الخبيثة التي توجهها إليها تجعلها تود أن تنشق الأرض وتبتلعها ... خالد منشغل في حديثه مع زيدان وحسام ويديه تعمل بسلاسة علي اخلاء الأسماك من الشوك ووضع الكثير منها في طبقها والبعض الآخر في فمها ... أمام الجميع دون أن يهتم !!! ومنذ متي وهو يهتم ... خالد هو خالد لن يتغير ابدااا ... انتهي الغداء الكارثي اخيرا .... توجهت لينا إلي سيارة خالد ستحبس نفسها في غرفتها الي أن ينتهي شهر العسل ... نظر حسام لزيدان كل منهما للآخر ليحرك كل منهم رأسه بالإيجاب وكأنه فهم علي الآخر ... توجه الجميع إلي سيارتهم ...قبل أن يدير خالد محرك السيارة شقت سيارتي حسام وزيدان الطريق في الإتجاه المعاكس لاتجاههم ... قطبت لينا ما بين حاجبيها تنظر لما يحدث مدهوشة نظرت لخالد تتمتم في ذهول :
- هو في ايه ؟!
في حين ابتسم خالد في خبث يحرك رأسه متستمعا الحمقي سيتمتع كثيرا بما سيفعله بهم
علي الطريق تشق سيارات الشباب الغبار بسرعة البرق ... نظرت لينا ناحية زيدان سريعا تسأله مدهوشة :
- زيدان في اي إنت بتجري كدة ليه وبعدين احنا مش هنرجع القرية
حرك رأسه بالنفي بعنف يبتسم باستمتاع حقيقي انتفخ صدره يعتد بانتصاره يتمتم بزهو :
- قرية مين لا طبعا ... دا أنا والواد حسام اتشقلبنا لحد ما عرفنا نخلع من ابوكي ...
سألته بعينيها قبل أن تفعل بشفتيها ليجيب هو سؤالها قبل أن تقوله :
- فاكرة في المطعم لما حسام كان شكله متضايق
حركت رأسها بالإيجاب لتتسع ابتسامته يكمل :
- أنت عارفة ابوكي ما حدش يقدر يقوله لاء .. اتفقنا أنا وحسام أنه يعمل متضايق لما يروح المطعم عشان اخرج ابوكي منه .. فاكرة لما قومت اعمل تليفون كنت بأكد الحجز ... لما ادينا الشنط لعمال الفندق عشان يحطوها في الأوض اديناهم شنط فاضية ...
توسعت عيني لينا في دهشة لم تستطع أن تخفي تلك الابتسامة الواسعة من ثغرها مساكين حقا والدها سيطحن عظام الجميع !!
في سيارة حسام رفع كفيه لأعلي يتنهد بارتياح يغمغم بتلهف :
- الحمد لله يارب الحرية أخيرا ... دا كان هيبقي شهر عسل أسود
نظر بجانب عينيه ليجد سارة تنظر له مدهوشة لا تفهم ما يحدث ... ليضحك بخفة سيخبرها كل شئ حين يصلوا أن وصلوا ؟!
في اللحظة التالية رن هاتف حسام برقم والده حمحم يفتح الخط بعد لحظات ليجد أن المكالمة ثلاثية بينه وبين والده وزيدان ... صمت قصير للغاية قطعه ضحكات خالد الساخرة وهو يتشدق مستمعا :
- مبروم علي مبروم ما يرولش يا بهوات .. انتوا فاكرني صدقت الفيلم الهابط اللي عمله حسام باشا ... ابقي خلي بالك بعد كدة يا زيدان عشان انعاكاسك وأنت بتغمز لحسام كان ظاهرلي في الشباك ... آه نسيت اقولكوا يا حبايب ... الشنط اللي معاكوا هي اللي فاضية .... في كمين عند الكيلو 200 أنا اللي مبلغ عنكوا .... انكوا معاكوا مخدرات ... لاء ومش كدة وبس خالد السويسي بيضحي أنا حاططلكوا كيسين دقيق في العربيات علي ما بيثبتوا بقي أنه دقيق تكونوا بيتوا ليلتين تلاتة علي البرش ... سلام يا حبايب بابا هبقي اجي القسم أخد لينا وسارة
وأغلق الخط ليخرج من المكالمة في حين شحب وجه حسام فرت الحياة منه رفع وجه للسماء يغمغم بحرقة :
- أنا مبتلي ... لف يا باشا وأرجع ... واستحمل بقي اللي هيجرلنا !!
___________________
أنه الجمعة صحيح يوم عطلته أخيرا له كامل الحق في أن يأخذ قسط راحة طوويل ولكنها حقا قلقة عليه ... في الليلة الماضية عاد قرب الفجر ملامحه حزينة مجهدة تعبة .. حين حاولت الاطمئنان عليه أخبرها أنه فقط مجهد من العمل ... باتت تعرفه حين يكذب وهو كان يكذب ... توجه إلي غرفة النوم ومن وقتها وهو نائم وكأنه يهرب في النوم من شئ ما ... حتي صلاة الجمعة حاولت إيقاظه ولكنه لم يستجب سوي بهمهات متعبة لم يفتح مقلتيه حتي .... نظرت لساعة الحائط الصغيرة اقتربت صلاة العصر وهو إلي الآن لم يستيقظ ... نظرت لملك الصغيرة التي تؤرجحها علي ساقيها برفق ابتسمت لها .. حين تراها تشعر بقلبها يدق بعنف تلك الفتاة ابنتها تشعر بها في كل جزء من روحها ... حملتها برفق بين ذراعيها تحادثها مبتسمة :
- تعالي نروح نصحي بابا عشان يلحق يصلي الضهر قبل ما العصر يأذن
تحركت بصحبة الصغيرة ... دخلت إلي غرفة نومهم لتري مراد نائما علي ظهره ملامح وجهه منقبضة وكأنه يصارع كابوس بشع جبينه يغرق في العرق ... اقتربت منه قلقة لتراه يحرك رأسه بالنفي بعنف يتمتم بهذيان :
- سامحني يا جاسر .. سامحني يا صاحبي ... لاء ما تمشيش ... جاسر سامحني يا جاسر
حركت روحية برفق تمسح علي شعر مراد وهو نائم ليتوقف عن هذيانه وضعت الصغيرة جالسة فوق صدره تمسك بها برفق حتي لا تقع تعالت زقزقات الصغيرة حين رأت والدها ... لتندفع بجسدها الصغير إليه سقطت نائمة علي صدره يسيل اللعاب من فمها يغرق وجهه ... لتضحك روحية عليهم بخفة ... مدت ملك يدها تجذب شعر ذقن والدها تحاول خلعه تقريبا ... لم تجد منه استجابة ايضا لتصيح عالي لم يفهم منه حرف واحد ولكنها تبدو غاضبة من تجاهل والدها ... فتحت مراد مقلتيه في تلك اللحظات ينظر لصغيرته التي ابتسمت ما أن أستيقظ تحاول أن تضع أصابعها في عينه ليهب جالسا يحملها بين ذراعيه كشر قسمات وجهه يحادثها حانقا :
- ريالة وهريتي وشي وعمالة تشدي في دقني وتزعقي فيا ... ودلوقتي عايزة تدخلي صوابعك في عيني
بدأت الصغيرة تصيح بلغة غريبة مضحكة لتتعالي ضحكات مراد حملها بين كفيه يقذفها لأعلي قليلا لتتعالي ضحكات الصغيرة ايضا في حين شهقت روحية مذعورة اندفعت ناحيتهم تأخذ الصغيرة منه تتمتم مذعورة :
- لا يا مراد ما تعملش كدة أنا شوفت دكتور في التليفزيون بيقول أن الحركة دي خطر جداا علي الأطفال ...
ابتسم ارتسمت ابتسامة كبيرة واسعة علي شفتيه ... لم يكن يظن أبدا في أسعد أحلامه أن يحظي بزوجة وطفلة ومنزل سعيد دافئ جميل ... أحلامه أجمع كانت تتمحور حوله هو فقط الآن فقط عرف سعادة الحلم وسط الأسرة ... أحلامه الآن تختلف تماما عن سابقها ... يحلم كيف يجعل الجميع سعداء كيف يرتقي في عمله ... يجمع النقود لشراء منزل أوسع في منطقة أخري غير هذه يحلم بالكثير ويعزم علي تحقيق أحلامه أجمع .. هو يثق أن المولي عز وجل سيساعده .. فأحلامه الآن نبيلة شريفة سيسعي إليها بكل السبل الحلال الممكنة ..توجهت عينيه ينظر لروحية وهي تبدل الحفاض الخاص بالصغيرة ...تضعها علي الفراش ... رفعت عينيها تنظر له لتري عينيه اللامعة ... نظراته الهادئة رغم ذلك رأت غيوم الحزن تختبئ خلف مقلتيه ... أرادت حقا أن تسأله ما به الا أنها تراجعت تحادثه سريعا :
- مراد العصر قرب يأذن وأنت لسه ما صلتش الضهر
توسعت حدقتيه ليقفز من مكانه يهرول ناحية المرحاض ...توضأ يفترش سجادة الصلاة أدي صلاة الضهر ... حين انتهي اغتسل يبدل ثيابه وقفت خلفه وهو يمشط خصلات شعره يرش بعض من عطره ... رفعت يدها تضعها علي كتفه لتتحرك مقلتيه ينظر لها من خلال سطخ المراءة ابتسم لها لتتنهد تهمس قلقة :
- مالك يا مراد من ساعة ما جيت امبارح وأنت شكلك متضايق ، زعلان ... حصل حاجة
أغمض عينيه يحرك رأسه بالنفي وضع الفرشاة من يده التفت لها يرسم ابتسامة علي ثغره يردف بمرح باهت :
- ابدا منفوخ في الشغل بس ... أنا هلحق العصر في الجامع وهروح المحل شوية ... عايزة حاجة اجبهالك وأنا جاي
لم تقتنع بإجابته ولكنها ابتسمت تحرك رأسها بالنفي تنهدت تهمس له بخفوت :
- عايزة سلامتك
ابتسم يتحرك للخارج وقف عند باب الغرفة التفت لها ينادي باسمها التفتت له لتتوسع ابتسامته يردف :
- عايز صينية بطاطس بالفراخ من ايديكي الحلوين دول بتعمليها قمر زيك
أخجلها أحمرت وجنتيها تحرك رأسها بالإيجاب ليلوح لها وداعا ... أخذ طريقه لأسفل ... في حين جلست هي علي حافة الفراش تفكر في حاله منذ أن قابلته اول مرة في المخبز وتشاجرا إلي أن انتهي بهما الأمر في منزل واحد ... لن تنكر مراد مساوئه كثيرة معها ولكنها حقا يحاول بجد أن يعوضها عن كل ما فات ... مدت يدها تداعب خاتم زوجها من الذهب الأصلي صدق مراد حين توفرت معه النقود أخذها الي اقرب محل لبيع الذهب الأصلي واشتراه لها اسمها محفور علي إطار الخاتم من الداخل ... ارتسمت ابتسامة صغيرة باهتة علي شفتيها كانت تظن قديما أن نهايتها الحتمي الانتحار من قسوة ما تلاقي من لطمات الحياة ... لم يعرف قلبها معني السعادة قبلا ... حقا لم تعرف مسبقا معني الضحكات سوي بضحكات الصغيرة ملك ... معني الحنان سوي بحنان السيدة منيرة لها ... معني الحب !! ... قلبها يدق بشكل غريب حين تري مراد حين يغازلها بكلامه حين يمتدح أي شء تفعله .. هل تري أحبته ... تنهدت بقوة ترفع رأسها لأعلي لتقع عينيها علي ورقة النتيجة التي تخبرها ما اليوم الذي هم فيه ... قطبت ما بين حاجبيها تعد علي أصابع يدها لتتوسع عينيها في دهشة تنفي برأسها فغرت فاهها ... هرعت إلي المرحاض تمسك اختبار الحمل الهدية التث جلبتها لها منيرة مع ابتسامة واسعة :
- جبتلك البتاع اللي بيعرفوا منه هي حامل ولا لاء ... يومين والاقيكي بتقوليلي أنا حامل
مرت دقائق تنظر لسطح الشاشة بترقب لحظة تليها أخري إلي أن تلون السطح بخطين من اللون الأحمر ... وضعت يدها اليسري علي فمها تكبح شهقتها ... في حين بسطت اليمني علي بطنها ... هل حقا ينمو الآن بين احشائها طفل .. طفلها هي ومراد
_______________
في المستشفى ... في غرفة تالا ... استيقظت أخيرا رغم أنها خاضت ألم المخاض من قبل تعرفه جيدا ... الا أنه حقا بشع مؤلم يحرق الروح يفتت الجسد ... كم حاولت أن تظل صامدة حتي لا تُفسد زفاف ابنتها ولكن للأسف انتهي بها الأمر تنهار من الألم تتمزق من شدته تصرخ من أعماق روحها ...حين فتحت عينيها عملت انها حقا نامت فترة طويلة للغاية ...تحركت رأسها تبحث عن طفليها زوجها ... لا أحد ... تأوهت متألمة استندت بكفيها علي سطح الفراش اعتدلت جالسة في لحظة دخول عمر وهو يحمل الطفلين ... ابتسمت وهو ايضا ... أدمعت عينيها حين سمعته يغمغم فرحا :
- ماما اللي في غيبوبة صحيت أهي ...
ضحكت متألمة ليتحرك عمر بالأطفال ناحيتها أخذت أحد الأطفال منه تضمه لصدرها بحنو ... تنظر لعينيه البنية الشبيهه بعيني والده نظرت للطفل بين ذراعي عمر ... عينيه سوداء كعينيها هي ... رقص قلبها فرحا كل ذرة فيها تصرخ من سعادتها ألم المخاض اختفي أمام أمواج سعادتها الهادرة ... انهمرت دموع الفرح من مقلتيها نظرت لعمر تسأله بصوت مبحوح باكي :
- سميتهم ايه يا عمر
مد يده الحرة يمسح ما سقط علي وجهها من دموع يزيح خصلاتها خلف اذنيها يتمتم مبتسما :
- اللي علي دراعك سميته محمود علي اسم أبويا ... أما الأستاذ دا سميته حسام ...جوز بنتك كان هيتشل لو ما سمتهوش علي اسمه
ضحكت تالا بخفة ...تحرك رأسها بالإيجاب علي الرغم من أنها كانت لا تطيق ذلك الفتي في بداية تعارفهم ولكنه حقا أثبت العكس بمواقفه ..بحبه الكبير لابنتهم ... نظرت لعمر حين سمعته يحادثها .. حين رفعت وجهها رأت ابتسامته الكبيرة عينيه اللامعة هناك تري دمعات في مقلتيه ليتحدث بصوت خفيض متوتر :
- نفس فرحتي بسارة وسارين لما اتولدوا ... كان نفسي يبقي ليا ذكريات معاهم وهما أطفال ... الحمد لله مش هنفكر في اللي فات .. رجلي علي رجلك في كل لحظة من هنا وجاي ... مش هتبعديني عنهم هما كمان يا تالا صح
انهمرت دموعها تحرك رأسها بالنفي بعنف تخبره كم هي آسفة نادمة وضعت الصغير علي قدميها لترتمي بين أحضان زوجها تشدد عري عناقه شهقت باكية تغمغم بصوت مختنق :
- سامحني يا عمر ... أنا آسفة ... أنا
قاطعها حين أبعدها عنه وضع كف علي فمها برفق يحرك رأسه بالنفي يردف مبتسما :
- ما تتأسفيش يا تالا ...أنا اللي المفروض اتأسف ... أنا غلطت وغلطي أنا أكبر ... بس خلاص دا كله ماضي مش هيرجع تاني ... من النهاردة حياتنا هتبقي زي الضفيرة مترابطة عشان ولادنا سارة وسارين وحسام ومحمود ... أنا فرحان أوي يا تالا فرحان لدرجة أن أنا عايز اصرخ من فرحتي
قبل أن يردف بحرف سمعا دقات علي باب الغرفة ... ربما الممرضة ما أن سمع للطارق حتي صدح صوت غاضب حانق يصيح مغتاظا :
- لاء دا مش عدل يعني ايه يسمي حسام علي اسم جوز سارة وما يسميش عثمان علي اسمي
صاح بها عثمان مغتاظا وهو يدخل إلي غرفة تالا في المشفي يحمل باقة ورد وعدة علب هدايا ... وسارين تلحق به تحمل حقيبة ملابس لوالدتها والصغار ... قام عمر ما أن رأي ابنته فتح عثمان ذراعيه حين رأي عمر يقترب منه يغمغم مبتسما :
- عمي حبيبي بالأحضان يا أبو العيال
تجاوزه عمر وكأنه غير موجود من الأساس مما أعطاه شعور بأنه هواء لا يُري ... اقترب عمر من ابنته يعانقها بقوة يتمتم سعيدا :
- حبيبة قلب بابا من جوا منورة الدنيا يا سيرو ... تعالي يا حبيبتي شوفي إخواتك
امسك كف يدها يجذبه معه إلي فراش والدتها ليعطيها حسام الصغير تحمله بين ذراعيها بحرص .... ليكتف عثمان ذراعيه أمام صدره يغمغم ساخرا :
- هذه لوحة ... هو أنا شفاف ولا ايه
ضحكت تالا بخفة أشارت له بأن يقترب ليضع ما في يده علي طاولة صغيرة ... اقترب منهم لتعطيه تالا الصغير يحمله بين ذراعيه تحادثه :
- عقبال ما اشوف عيالكوا إنت وسارين يا حبيبي
نينيننيني .... سخر منهم عمر لينفجر الجميع في الضحك ... اقترب عثمان من سارين وهو يحمل الصغير وقف جواره ينظر للرضيع في يدها ابتسم يغمغم لها عابثا :
- عقبالنا يا قمر ...
احمرت وجنتي سارين خجلا ليحمحم عمر في خشونة اقترب يمسك بيد ابنته يجلسها جوار والدتها يحادثها مبتسما :
- تعالي اقعدي يا حبيبتي عشان رجلك علي ما توجعكيش ...
ابتسم عثمان في مكر ليتحرك يجلس جوار عمر اعطي الصغير لوالدته يحتضن عمر يقبله يغمغم ضاحكا :
- وأنا كمان يا عمي عايز اقعد جنبك .. يا عمي يا حبيبي يا جد العيال
مسح عمر خده بعنف ينظر لعثمان متقززا ... في حين يبتسم عثمان كطفل صغير عابث ...لحظات وتعالت ضحكات الجميع ... من مشاكسات عثمان وعمر التي لا تنتهي
________________
وصلت السيارتين أخيرا بعد طريق طويل هو قصير في الحقيقة ولكن كل منهم كان يقود علي أقل سرعة عل الليل يحل قبل أن يصلوا ... توقفت السارتين في المرآب الخاص بالقرية السياحة نزل كل منهم يمسك بيد زوجته يلتف كل منهم حوله وكأنه لص محترف علي وشك أن يُقبض عليه ... تحركا إلي صالة استقبال القرية ليتنفسوا الصعداء حين لم يجدوا خالد في انتظارهم جذب كل منهم يد زوجته يجذبها خلفه سريعا إلي عرفتهم ليتصنموا فجاءة حين خرج خالد من المصعد أمامهم يبتسم في خبث ما أن رآهم ... اشار لهم يأصباعيه السبابة والابهام أن يلحقوا به ... لينظر كل منهما للآخر في هلع ... تحركا خلف خالد تلك غرفة حسام الذي يقف أمامه رجلين ضخام الجثة يحرسان الباب ... اقترب خالد يمسك يد ابنته في أحدي كفيه وسارة في الكف الآخر ... اشار للحارسين ليفتحا الباب ادخلهم خالد إلي الغرفة يغلق الباب عليهم نظر للحارسين يحادثهم آمرا :
- لا حد يدخل ولا يخرج مفهوم
التفت خالد ناحية زيدان وحسام يشير لهم من جديد أن يتبعاه إلي حيث غرفة زيدان لا يوجد حارسين هنا .. دخل خالد اولا يجلس علي أقرب مقعد قابله يضع ساقا فوق أخري انثنني جانب فمه بابتسامة ساخرة يردف متهكما :
- بتستغفلوني دا أنا خالد السويسي .... أنا أغفل بلد منكوا ... عقابا ليك يا كلب أنت وهو علي اللي عملتوه هتقعدوا هنا وشكوا في وش بعض ولما يجيلي مزاج ابقي رجع لكل واحد مراته ...ما تحاولوش تروحوا اوضتهم أنا مدي الجارد أمر أنهم يضربوا الأول وبعدين يسألوا ...
توسعت عيني حسام فزعا كاد أن يصرخ أن ما يحدث ظلم ... وافتراء إلا أن زيدان شد علي يده يخبره أن لا يتحدث .... القي خالد عليهم نظرة اخيرة شامتة قبل أن يخرج من عرفتهم صافعا الباب خلفه ...ليصرخ حسام في غيظ :
- لاء بقي دا ظلم وافتراااا ... اييييه أنا عايز مراتي والله اصورلكوا قتيل هنا
ابتسم زيدان ساخرا يلقي بجسده علي الفراش يتابع فقرات حسام الفلكورية وهو يصرخ كالهنود الحمر
______________
في الحارة جلس مراد علي مقعد صغير داخل المحل تشرد عينيه في الفراغ ... يتذكر كلام أمام المسجد :
- بص يا ابني من كلامك أن صاحبك مش عايز
يسامحك واضح انك اذيته أوي ... ادعي ربنا ان يصفي من ناحيتك وحاول مرة واتنين وعشرة ... والأهم أنك تاخد من اللي حصل عبرة وما تأذيش حد تاني يا ابني اذية العباد مش سهلة ...كسر الخواطر بشع يا إبني ربنا يصلح حالك
تنهد بحرقة يحرك برأسه بالإيجاب سيحاول مرارا وتكرارا إلي أن ينال سماح صديقه .. خرج من شروده وابتسامة واسعة تعرف طريقها لثغره حين رأي سيارة أخيه تقف أمام منزلهم ... أدهم هنا بعد غياب طويل قام من مكانه يخرج من المحل خرج أدهم من سيارته توجه ناحية يعانقه بقوة يردف ضاحكا :
- أبو ملك الغالي واحشني يا جدع والله
ضحك مراد يصدم أدهم علي رأسه بخفة يردف حانقا :
- بقي يا ندل شهر كامل ما نشوفش خلقتك
ابتعد أدهم عن مراد يمسد رأسه برفق كشم ملامحه كطفل صغير غاضب يتمتم ضاحكا :
- يا جدع برستيجي قدام مراتي مش كدة ... وبعدين ما أنت عارف سحلة الشغل ...كان عندنا صفقة ويا دوب خلصت الأربع قضيت الخميس كله نوم وقولت اقوم اجيلكوا النهاردة ..قولي اخبار جدتي وروحية وملك ايه
ابتسم مراد يربت علي كتف يغمغم :
- ربنا يعينيك ... كلهم كويسين يا حبيبي ... تعالا يلا نطلع
حرك مراد رأسه بالإيجاب ليتوجه ناحية السيارة يحمل عدة حقائب طُبع عليها اسم محل مشهور رفعهم في وجه مراد يردف ضاحكا :
- بما اني جيت علي فجاءة قول نتغدي كلنا سوا جايبلك شوية كفتة انما ايه خيال
أعطي الحقائب لمراد ليضحك الأخير يردف ساخرا :
- كل أنت يا مراد الكفتة بتاعتك أنا هاكل صينية البطاطس بالفراخ اللي مراتي عملاها
توسعت عيني ادهم قليلا ليضحك مراد علي منظره أخذ طريقه لأعلي يردف ضاحكا :
- هات منيرة ومراتك وحصلني يالا
صاح أدهم سريعا قبل أن يغيب مراد عن انظاره :
- مررراد علي الله تيجي جنب صينية البطاطس أنا بقولك أهو
ضحكت مايا بمرح حقيقي علي ذلك المشهد الغريب بين أدهم وشقيقته حمل أدهم علب الحلوي من السيارة ليمسك بيدها يصعدان إلي منزل جدته
في الأعلي في منزل مراد ... فتح باب المنزل بمفتاحه الخاص ... لترتطم في أنفه رائحة طعامها الشهي وضع الحقائب من يده علي الطاولة ... يتحرك ناحية المطبخ ليراها تخرج صينية الدجاج المميزة حمحم بخفة حتي لا يُفزعها ... التفتت له تبتسم في ارتباك تغمغم متوترة :
- حمد لله علي السلامة أنا خلاص خلصت الأكل خمس دقايق وهحطه
ابتسم لها يحرك رأسه بالإيجاب اقترب منها أكثر فأكثر كل خطوة منه للأمام تتبعها خطوة منها إلي الخلف الي أن ارتطم ظهرها بحافة حوض المطبخ ... نظرت له متوترة خجلة في حين كان هو يبتسم في عبث ... اقترب خطوة أخري لتغمض عينيها خجلا شعرت به يرفع يده لأعلي ... نظرت لما يفعل لتجده يلتقط عدة صحون من أعلي نزل بأنظاره إليها يغمغم مبتسما :
- أدهم ومراته تحت .. وهيطلعوا دلوقتي مع منيرة هنتغدي كلنا سوا روحي إنت غيري هدومك وأنا هحط الأكل
حركت رأسها بالإيجاب سريعا لتهرع إلي خارج المطبخ دخلت إلي غرفتهم وضعت يدها علي قلبها تلهث بعنف ذلك المراد يعبث علي أوتار قلبها ببراعة عازف محترف ... وضعت يدها علي بطنها تبتسم كانت ستخبره بعد الغداء عليها الآن الإنتظار قليلا ... توجهت سريعا تبدل ثيابها بجلباب بيتي من اللون الأصفر الداكن وحجاب أبيض به ورود صفراء ... بدلت ثياب الصغيرة ايضا لفستان وردي جميل ... خرجت من الغرفة تحمل الصغيرة علي ذراعها لتري مراد قد صف الطعام علي الطاولة بنظام جميل ... ابتسمت سمعا صوت دقات الباب ليتوجه مراد يفتحه يحتضن شقيقه من جديد دخل مراد بصحبة زوجته ومنيرة ...اطلق أدهم صفيرا طويلا يعبر عن إعجابه حين نظر لطاولة الطعام يردف مبتسما :
- ايش ايش ايش ... دا الجمال عدي الكلام عن صينية الفراخ ايه العظمة دي
ضحك مراد عاليا يلف ذراعه حول كتفي روحية يغمغم في زهو :
- ما تعرفش أنت تعمل صينية البطاطس دي عمايل ايدين روحية
ابتعدت روحية خجلة عن مراد اقتربت من مايا تعانقها بقوة لتأخذ منها مايا الصغيرة تداعبها بين أحضانها بعد سلام قصير التف الجميع حول مائدة الطعام الصغيرة ... نظرت مايا لروحية تردف مبتسمة :
- لاء حقيقي فعلا صينية البطاطس حلوة اوي ممكن تبقي تقوليلي بتعمليها ازاي
ابتسمت روحية في ود تحرك رأسها بالإيجاب سريعا ...
نظر أدهم لصديقه ابتسم يشاكسه :
- ما تاكل يا أبو ملك ... اكلتك قلت خالص كلت نص الأكل بس
ضحك مراد عاليا يلاعب حاجبيه عبثا يغيظ شقيقه كأنهم أطفال ... لتردف منيرة في تلك اللحظة توجه حديثها لادهم :
- طب هو وبقي أبو ملك ... أنت بقي مش ناوي تبقي أبو حمزة ولا مبلط في الخط كتير والله بالشبشب علي وشك
غص أدهم في طعامه في حين انفجر مراد ضاحكا ينظر لشقيقه شامتا ليذق قليلا مما تفعله منيرة به ... احمرت اذني أدهم حانقا يحادث جدته :
- يا تيتا برستيجي قدام المدام بقي في الأرض خالص
نظرت منيرة له ساخرة لتتوجه برأسها ناحية مايا تحادثها في تهكم :
- بت يا مايا ابقي هاتي البتاع دا اللي اسمه برستيجه من الأرض وحطيه في كيس وادهوله
لم يستطع اي منهم كبح ضحكاته حتي أدهم نفسه انفجر ضاحكا علي كلمات جدته ... سهرة سعيدة ضاحكة لن يشوبها شئ
__________________
في المطعم الخاص بجاسر القابع أمام منزله هو وسهيلة في غرفة المكتب يجلس جاسر علي سطح مقعده يستند برأسه إلي ظهر المقعد يغمض عينيه ظهور مراد من جديد في حياته أعاده لذكريات قديمة لهما وهم أصدقاء حقا أصدقاء ... قبل أن يملئ الحقد قلب مراد ... قبل ان يعميه الطمع ليطعن صديقه في قلبه بلا رحمة ... تنهد بقوة يمسح وجهه يرغب بشدة في أن يسامح مراد ولكن عقله وقلبه يرفضان رفضا قاطعا ليس بعد كل ما فعله لا مستحيل .. إن توقف الأمر عليه كان سيسامحه ... ولكن إقحام شقيقته الصغيرة محاولة الإعتداء عليها وتدنيس شرفها وشرفه لالا لن يسامحه إطلاقا ... تنهد بعنف يزفر أنفاسه اعتدل جالسا حين سمع دقات علي باب المكتب دخلت سهيلة تدفع برفق جعلة للرضع يرقد فيها طفلهم الصغير .. ابتسم ما أن رآهم قام من مكانه يتوجه لسهيلة يعانقها بقوة يستند بجسده الخائر القوي علي روحها علها تُعينه ... رفعت سهيلة يديها تضم رأس جاسر إليها تسأله قلقة :
- مالك يا جاسر ... أنا واثقة أن في حاجة متضايقاك من ساعة ما جيت تاخدني من عند بابا الصبح وأنا حاسة أنك متغير .. مالك يا حبيبي فضفضلي
زفر أنفاسه المختنقة يحرك رأسه بالإيجاب هو حقا بحاجة لأن يخرج ما يجثم علي صدره تنهد بعنف امسك بيدها يجذبها معه لتجلس علي الأريكة الكبيرة في غرفة مكتبه وضع رأسه علي قدميها يخبرها بكل ما فعله به مراد وهي فقط تسمع ... شعرت بأنه يبكي وهو يتحدث ولم تُعقب تريده أن يخرج كل ما يجيش يصدره يزعجه الي أن انتهي أخبرها بما فعله به صديق العمر كاملا انتهاءً بما حدث له الليلة الماضية رفع وجهه ينظر لها ليراها تبكي في صمت تضع يدها علي فمها ... اعتدل جالسا لترتمي بين ذراعيه تشهق في البكاء تعاتبه :
- حرام عليك اغمي عليك إمبارح في الشارع وكان في ناس عايزة تأذيك
توسعت عينيه في ذهول حقا بعد كل ما قاله لم يلفت انتباهها سوي تلك الجملة فقط يكاد يجب منها قلقاسته الحمقاء ... ابتسم يحرك رأسه يأسا يمسح علي حجابها برفق ... لحظات إلي أن هدأت لتبتعد عنه تمسح وجهها بكفيها حمحمت تحادثه مترفقة :
- أنا عارفة أن اللي عمله فيك صعب ... صعب أوي يا جاسر ... بس أنا واخده بالي أنك عمال تقول علي موافق حلوة بينكوا إنت مش ناسيه يا جاسر ... أنت بس موجوع أوي من خيانته ... لو مش عايز تسامحه دا حقك ... بس أنا عارفة أنك من جواك عايز كدة ... مش لازم حتي دلوقتي يا جاسر ... بكرة الأيام تثبتلك هو فعلا ندمان وعايزك تسامحه ولا بيقول اي كلام وخلاص
ابتسم ... زوجته العاقلة ..... سهيلة حقا ابهرته بكلامها ... توسعت ابتسامته يحرك رأسه بالإيجاب جذبها لأحضانه يشدد علي عناقه يهمس لها بصوت خفيض شغوف محب :
- بحبك يا أحلي قلقاسة في عمري ... بحبك يا أم أحمد
ضحكت بخفة تشدد علي عناقه تهمس له بخفوته خجول :
- جاسر أنت أول وآخر حب في حياتي من وأنا عيلة صغيرة في ثانوي بتحب أخو صاحبتها بينها وبين نفسها ... كنت فاكرة أنه حب مراهقة بس ما كنش كدة ابدا ... كل ما يتقدملي عريس اشوفك أنت مكانه .. ما كنتش هقدر اتجوز واحد وأنا قلبي متعلق بيك
ابتعدت عنه لتندمج حدقتيها بمقلتيه ينظر لينابيع دموعها التي هطلت فجاءة تشهق في بكاء خافت :
- كانت اسوء لحظات حياتي لما لقيت نفسي مجبرة اني اتجوز واحد تاني بسبب جدي كنت هموت حرفيا ... فكرت اموت نفسي ساعتها ... ليلتها فضلت اصلي وادعي ربنا كتتير .... أنت مش متخيل فرحتي لما لقيتك أنت العريس ... فاكر انا فضلت اعيط إزاي ... كنت حاسة اني بحلم
مدت يدها تمسح دموعها المتساقطة رسمت ابتسامة صغيرة علي شفتيها تضحك بخفة :
- كنت بتغاظ منك جداا بما بتقعد تقولي أنا زي اخوكي وانتي زي لينا ... كنت غبي اوي يا جاسر
ضحكت ليشاركها في الضحك لف ذراعه حول كتفيها يقبل قمة رأسها التحمت مقلتيها بعينيه يهمس لها بصوت خفيض عاشق :
- بحبك يا سهيلة
فاض العشق من حدقتيها ابتسمت في اتساع تحرك رأسها بالإيجاب تهمس له :
- بحبك يا جاسر
أصدر الصغير صوت عالي معترض كأنه يخبرهم الا تروني أنا هنا ... ضحك جاسر يتحرك يلتقط الصغير من فراشه يقبل وجنته الحمراء يحادثه ضاحكا :
- لاء مش بنحبك يا استاذ احمد يا مزعج
في اللحظة التالية تبللت ثياب جاسر من حفاض الصغير توسعت عيني جاسر هلعا في حين انفجرت سهيلة في الضحك
_______________
في منزل حمزة السويسي
علي الأريكة تجلس بدور علي ساقيها سيلا الصغيرة تطعمها بخليط الأطفال والكبار معا ذلك الذي يدعي ( سيرلاك ) ... في حين أن خالد الصغير يمسك بطائرة لعبة يتحرك بها هنا وهناك يصيح بحماس طفولي :
- أنا طياار... لما اكبر هبقي طياار... فوووف
ضحكت بدور تراقب حماس صغيرها نظرت للساعة اقتربت من الثامنة أين حمزة للآن ألم تنتهي صفقتهم الرابحة يوم الاربعاء أين هو لما تأخر ... عدة دقائق وسمعت صوت الباب ها هو عاد ... اندفع خالد إليه ما أن رآه ليضحك حمزة بخفة يحمله علي ذراعه يداعب خصلات شعره يحادثه مبتسما :
- محضرلك حتة مفاجأة يا أستاذ خالد ... اطلع مع الدادة هتغيرلك هدومك وانزلي بسرعة
صفق الصغير بحماس يهرول لأعلي يلحق بمربيته ... تملصت سيلا من بين ذراعي بدور تنزل لأسفل تتحرك بخطي متعثرة ناحية حمزة الذي اقترب كثيرا لتصل إليه يحثها أن تقترب إلي أن وصلت اليه حملها بين ذراعيه يقبل وجنتها المنتفخة يردف بحنو :
- حبيبة قلبي يا سيلا
ابتسمت بدور بدورها تتحرك ناحيته قطبت جبينها تنظر لما يحدث بعض الخادمات يتحركن الي الخارج ... علب حلوي كثيرة تدخل إلي البيت ... علي طاولة الطعام كعكعة عيد ميلاد كبيرة عليها صورة خالد الصغير والكثير من الحلوي تلتف حولها شهقت بدور متفاجاءة تضع يدها علي فمها أدمعت عينيها حين سمعت حمزة يتمتم بحنو :
- النهاردة عيد ميلاد خالد الصغير تم ست سنين ومع بداية الدراسة هقدمله في مدرسة انترناشونال هايلة
نظرت بدور له متفاجاءة تذكر عيد طفلها والده نفسه لم يكن يذكر يوم ميلاد صغيرهم لم يقيم له حفل واحد منذ ولادته ... انهمرت الدموع من عينيها تهمس له ممتنة :
- أنا متشكرة أوي يا حمزة متشكرة اوي أوي علي كل اللي بتعمله عشاني أنت والولاد
ابتسم يحرك رأسه اقترب منها خطوتين يمسح بيده دموع عينيها يحادثها مبتسما :
- لحد امتي هفضل اقولك ما ينفعش تشكريني علي حاجة بعملها لمراتي ... وولادي دا واجبي ... حقكوا عليا ... ماشي يا بدور
حركت رأسها بالإيجاب سريعا تنظر له ممتنة في اللحظة التالية صدح صوت خالد الصغير وهو ينزل راكضا علي درجات السلم يصيح من سعادته نظرت له بدور لتراه يرتدي حلة طيار صغيرة علي مقاسه ... حتي تلك اللفتة الصغيرة لم يغفل عنها ... الصغير دائما يحلم بأن يصبح طيار فاشتري به حلة طيار في عيد ميلاده ... اندفع الصغير يركض ناحية حمزة يعانق ساقه يصيح فرحا :
- أنا بحبك يا بابا ... بحبك اووي
ارجفت الكلمة قلبها فرحة صغيرها كل ما يحدث حقا اسعدها بشكل لا يوصف ها هي تقف علي رأس الطاولة جواره بينهما الصغير الذي يقف علي أحد المقاعد يغنون معا أغاني عيد الميلاد ... عينيها معلقتين بذلك الذي يقف علي الجانب الآخر بالقرب منها ... لم تندم حين وافقت علي الزواج منه لأجل أطفالها ما فعله لأجلها هي وأطفالها حقا لا يكفيه سنوات شكر
اقترب حمزة من الصغير يقبل جبينه يحادثه مبتسما :
- شايف بدلة الطيار دي .... لازم تخليها هدف قدامك .. توصل لحلمك ... تبقي احسن وأشهر طيار ... مدني بقي ولا حربي ... أسمع كلامي كويس يا خالد ... خليك فاكره ... ماشي يا حبيبي
ابتسم الصغير يحرك رأسه بالإيجاب ليبعثر حمزة خصلات شعره يقبل رأسه حان وقت حلوي عيد الميلاد !
__________________
عودة الي منزل مراد ... في السمر الجميع هنا يجلسون علي الأرائك روحية ومايا ومنيرة سويا ... وادهم ومراد ... تتحدث النساء عن أحدث وصفات الطعام التي أعدها الشيف الماهر في التلفاز بالأمس في حين يتحدث مراد وادهم في أمور شتي ... مبارة كرة القدم ... المصارعة الحرة ... البورصة ... نظر مراد للساعة يحادث أخيه :
- بقولك ايه العشا اذنت بقالها شوية تعالا ننزل نصلي ... ونتمشي شوية
أيد أدهم فكرة أخيه ليتوجهوا لأسفل ... ما إن أغلق مراد باب المنزل التفتت روحية لهم تنظر لهما في تردد للحظات تنهدت تهمس مرتبكة :
- ففي حاجة حصلت
توجهت نظرات الفضول والترقب ناحيتها من مايا ومنيرة ابتلعت روحية لعابها الجاف فركت يديها في ارتباك تهمس متوترة :
- اا ... اأنا ... أنا حامل
شهقت منيرة متفاجاءة سرعان ما شقت ابتسامة واسعة شفتيها لتطلق زغرودة عالية في حين عانقتها مايا تهنئها سعيدة :
- مبروك يا رورو ألف مبروك ... حبيبتي أنتي طيبة وتستاهلي كل حاجة حلوة في الدنيا
لكزت منيرة مايا بمرفقها في ذراعها لتتأوه الأخيرة تنظر لجدة زوجها في حيت امتصت الأخيرة شفتيها تتمتم حانقة :
- وانتي يا موكوسة مش ناوية انتي كمان تستاهلي كل حاجة حلوة في الدنيا ...
ضحكت مايا بخفة تمسد ذراعها بكف يدها الآخر ... زمت شفتيها ترفع كتفيها تبرئ ذمتها :
- أدهم مش راضي بيقولي انتي فاضلك سنة وتخلصي ما جاتش علي السنة دي ... اضربيه هو أنا ماليش دعوة
احتدت عيني منيرة تمسك بخفها المنزلي ستلقن حفيدها الاحمق درسا لن ينساه أبدا ما أن تراه ... قامت تمسك بيد مايا تجذبها معها ... :
- طب تعالي ننزل شقتي ... بت يا روحية ... روحي كدة اتشيكي والبسي عباية حلوة عشان لما مراد يجي تقوليله الخبر في وشه علي طول
ابتسمت روحية خجلة تخفض رأسها أرضا جذبت منيرة مايا رغما عنها معها لأسفل لتلوح الأخيرة لروحية قبل أن تغادر قصرا بصحبة جدة زوجها العجوز الوقحة ... تريد من احفادها أن يحضروا لها أحفاد ألم تكتفي باحفادها فقط ...
__________________
علي صعيد آخر بعيد كتيرا في القرية السياحية ... لازال حسام ينوح يلتف حول نفسه يصيح أن ما يحدث ظلم جائر وأنه يريد زوجته الآن ... صاح زيدان به ما أن طفح به الكيل :
- ما تهمد بقي يا حسام صدعتني كفاية ولولة يا إبني جبتلي السكر
وقف حسام أمامه ينظر إليه بأعين حمراء غاضبة ليصيح هو الآخر :
- ما هو اللي أيده في الماية ... بقولك إيه أنا هنفجر ... أنا عايز مراتي دلوقتي ... عايز اخش دنيا يا ناااااااااس
ضحك زيدان ساخرا ليحاول الاتصال بوالدته مرة أخري اخيرا أجابت ليغمغم متلهفا :
- انتي فين يا ماما بقالي خمس ساعات بحاول اتصل بيكي
تثأبت لينا ناعسة تحاث زيدان بحنو :
- معلش يا حبيبي كنت نايمة والموبايل صامت ... خير يا زيزو ... أنت كويس يا حبيبي
زفر زيدان أنفاسه في ضيق يحرك رأسه بالنفي كأنها ستراه مثلا يحاول اللعب علي أوتار حنان الأم داخلها :
- لا يا ماما مش كويس خالص عجبك اللي خالي عمله دا ... دا شهر عسلنا يا ماما ... الواد حسام بدأ يتصرف تصرفات غريبة ... أنا خايف يتحرش بيا
صاح حسام حانقا ... فاض به الكيل :
- دا هيحصل لو ما رجعتلويش مراتي
توسعت عيني زيدان في ذهول ليقلب حسام عينيه ساخرا يهمس له بأنه فقط يجاريه حتي يؤثرا علي لينا ... حمحم زيدان يحادث والدته قلقا :
- سامعة يا ماما ... بالله عليكي خلي خالي يرجع لكل واحد مراته بقي
لحظات صمت قليلة تبعها صوت لينا وهي تغمغم في ثقة :
- حاضر يا حبيبي سيبها عليا ... سلام عشان خالك هيخرج من الحمام دلوقتي ... الحق أكلمه
اغلق زيدان الخط مع لينا ينظر لحسام يبتسم في ثقة :
- ربع ساعة بالكتير وهتبقي في أوضتك ولينا هتيجيلي
رفع حسام كفيه لأعلي يدعو أن تنجح زوجة والده في إقناع أبيه ....
في غرفة خالد ولينا ... خرج خالد من المرحاض يجفف خصلات شعره بمنشفة صغيرة ابتسمت لينا في نعومة اقتربت منه ترفع يدها تجفف هي خصلات شعره بالمنشفة الصغيرة ... رفع وجهه لها وابتسم في عشق كعادته أبعدت المنشفة بعيدا تطوق رقبته بذراعيها تبتسم له ابتسامة ناعمة تردف بدلال :
- حبيبي خلاص بقي كفاية علي حسام وزيدان ... رجع لكل واحد مراته ... هما عيال وبيلعبوا ...
حرك رأسه بالنفي ... لتشب علي أطراف أصابعها تطبع قبلة صغيرة علي وجنته تهمس له متدللة :
- طب وعشان خاطر لينا حبيبتك ... ما تنكدش عليهم في شهر العسل يا لودي ... يلا بقي عشان خاطري يا حبيبي ... والله ازعل أنا كدة ماليش خاطر عندك
طوقها بذراعيه يقربها منه أكثر ينظر بمقلتيها تنهد يهمس بولة :
- انتي عارفة انتي ليكي خاطر عندي ولا لاء ... وعارف أنك بتدلعي عليا عشان خاطر ولاد الكلب دول ... بس عشان خاطر عيونك هعملك اللي انتي عيزاه
ابتسمت سعيدة تعانقه بقوة ... حادث الحارسين بأن يبتعدوا عن الغرفة ... في حين حادثت لينا زيدان تخبره أن خالد وافق ... ليهرع الشابين الي غرفة حسام تقدم حسام ليدخل فمن فئ الداخل شقيقته وزوجته ... اقترب من غرفة النوم ليجد لينا وسارة يناما في هدوء تام وكأن شيئا لم يكن عض علي شفتيه يغمغم حانقا :
- نايمين ولا علي بالهم واحنا هنتشل هناك
تقدم ناحية شقيقته يحملها بين ذراعيه وللعجيب لم تستيقظ ... ولكنه لم يتعجب فلينا نومها اتقل من حجارة الجبل ... تحرك بها ناحية زيدان الذي ينتظره خارجا ليدفعها إليه دون أن ينطق بحرف اغلق الباب في وجهه ليتنهد زيدان حانقا يشتم حسام في نفسه ... ابتسم في توسع حين نظر للينا النائمة بين ذراعيه ... من الجيد أنها نائمة بملابس السفر والا كان الوضع كارثي الآن ... تحرك بها إلي غرفتهم
في غرفة حسام دخل إلي الغرفة منها إلي غرفة النوم الملحقة بها رأي زوجته أخيرا استيقظت تجلس علي الفراش تفرك مقلتيها ناعسة توسعت عينيها تنظر له مدهوشة ما أن رأته تسأله بصوت متحشرج ناعس :
- ايه دا اومال لينا فين
ارتسمت ابتسامة واسعة عابثة علي شفتي حسام دخل إلي الغرفة يغلق الباب خلفه .. تقدم من سارة التي تحركت سريعا من الفراش تتوجه ناحية المرحاض تغلق الباب عليها وقف حسام للحظات ينظر لباب المرحاض المغلق ليبتسم في خبث ... توجه ناحية باب الغرفة يفتحه يردف بصوت عالي :
- أنا هطلب العشا يا سارة
اغلق الباب ليتوجه علي أطراف أصابعه يقف جوار باب المرحاض مرت عدة لحظات قبل أن تفتح سارة باب المرحاض فيختفي حسام خلفه ... اطلت سارة برأسها تبحث عنه لتتنهد بارتياح حين لم تراه ... ما كادت تتقدم خطوتين حين شعرت بأحدهم يحتضنها ... وصوته العابث يدوي جوار أذنيها :
- مفاجأة مش كدة .. بتهربي مني يا سوسو
تنفست الصعداء للحظات تشير لنفسها ببراءة تحرك رأسها بالنفي كأنها تقول ببراءة شديدة أنا لا أفعل ... في حين توسعت ابتسامة حسام يردف ساخرا :
- ايوة ايوة مش انتي خالص يا بريئة ... بصي أنا هقولك كلمة واحدة
التفت إليه تنظر له بفضول لتتوسع ابتسامته غمزها بطرف عينيه يغمغم في خبث عابث :
- لسه الإنسان جوا العالم طماع واناني ... طماع واناني وشهواني .. ايه علاقة الكلام دا باللي احنا فيه مش عارف
ضحكت سارة عاليا لتشهق متفاجاءة حين حملها بغتة بين ذراعيه يغمغم عابثا :
- عارفة الفرق بين ال DNA وال RNA !!
___________
في غرفة لينا وزيدان .. توجه زيدان يضع زوجته برفق علي الفراش توجه إلي المرحاض يبدل ثيابه .. لتفتح لينا عينيها تبتسم في عبث .... قامت سريعا تأخذ حقيبة ثيابها إلي الغرفة الاخري ... بدلت ثيابها إلي فستان من اللون الاسود اللامع تسدل خصلات شعرها ... ها هو العشاء اتي ... وضعت ملمع للشفاه تحدد عينيها كل ذلك في لحظات سريعة قبل أن يخرج ... الي مشغل الموسيقي وضعت أسطوانة لاغنية فرنسية يحبها ... خرج زيدان من المرحاض ينظر لها وللغرفة مذهولا ينظر لساعة الحائط لم يغب في الحمام سوي خمس عشر دقيقة كيف استطاعت أن تفعل كل ذلك بتلك السرعة ... تقدمت لينا ناحيته تبسط كفها إليه تهمس له مبتسمة :
- ممكن ترقص معايا
ضحك بخفة يشد يدها إليه يقربها منه يتحرك معها علي أنغام الموسيقي ينظر لحدقتيها مباشرة يتمتم عابثا :
- الموسيقي اللي بحبها وفستان أسود ومكياج وعشا ... لحقتي عملتي كل ده في ربع ساعة يا سوسة
ضحكت بخفة ترفع رأسها لأعلي قليلا في غرور أنثي لتتعالي ضحكاته يرفع يده يبسطها علي وجنتها ابتسم يهمس لها سعيدا :
- عارفة يا لينا لما بشوفك بتتصرفي بحرية بانطلاق كدة بفرح أوي ... بجد بفرح بحيوتك وروحك المتمردة بفرح بتلقائيتك وجنانك ... أحسن ألف مرة من الصندوق بتاع زمان ... عاملة زي الطير الشارد مالوش دعوة بالسرب بيطير علي راحته ... بيرجع يفرد جناحه علي صدري ... عشه جوا قلبي ...
توسعت ابتسامتها تنظر له في عشق يمتزج بامتنان لتترك يديه تلتف حول نفسها أمامه يتطاير حولها فستانها الاسود يتناغم مع حركاتها تتعالي ضحكاتها السعيدة في حين ينظر هو لها يبتسم دقات قلبه تتضارب تصرخ بعشقها
____________________
رواية أسير عينيها الفصل الأول 1 - بقلم دينا جمال
«عائلة البطل»
خالد محمود السويسي: 30 سنة، عقيد شرطة. طويل القامة، مفتول العضلات، دائمًا ما يمارس التدريبات الشاقة منذ صغره. شعره أسود كثيف، عيناه بلون البندق الغامق. قاسٍ، مغرور، متعجرف، عنيد، يكره جميع النساء إلا هي.
محمود السويسي: 58 عامًا. طويل القامة، بشوش الوجه، يمتلك مصنعًا لصناعة الأقمشة.
زينب محفوظ: والدة خالد. كل ما يقال عنها أنها أم مصرية أصيلة بكل ما تحمله من طيبة وعطف على أبنائها. 50 عامًا.
ياسمين السويسي: 27 عامًا. خريجة كلية آداب قسم لغة إنجليزية، تعمل مترجمة. مخطوبة لدكتور أنور محروس الذي يكره أخيها بشدة لأسباب سنعرفها لاحقًا.
عمر السويسي: أصغر أفراد أسرة السويسي. 23 سنة، في كلية هندسة. شاب وسيم ولكنه مهمل وفاشل. هوايته الوحيدة السهرات والفسح التي لا تنتهي. في كلية هندسة (دخلها إزاي ما أعرفش). يخاف من أخيه أكثر حتى من خوفه من أبيه.
«عائلة البطلة»
لينا جاسم الشريف: 25 عامًا. طبيبة حديثة التخرج، حصلت على شهادتها الطبية من جامعة هارفارد بأمريكا. قصيرة القامة، يبلغ طولها 157 سم. بشرتها حليبية تشبه بشرة الأطفال، وشعرها بني يتدرج ألوانه. عيناها زرقاء ساحرة وكأن البحر قد عانق السماء في عينيها. مرحة، رقيقة، عنيدة، حساسة جدًا.
جاسم الشريف: 54 عامًا. والد لينا، محامي شهير. صعيدي الأصل، يحب ابنته بجنون وعلى استعداد أن يفعل أي شيء من أجلها.
فريدة نور: والدة لينا. لبنانية من أصول تركية. 48 عامًا. تحب ابنتها كثيرًا، فقد أصيبت بمشكلة في الإنجاب ولم تستطع الإنجاب بعده.
أل بني فريد نور: أخت فريدة من الأب. 26 عامًا. جريئة، وقحة، معقدة، سليطة اللسان. شعرها بني قصير بالكاد يغطي رقبتها، عيناها سوداء واسعة. تعمل صحفية في أخبار الحوادث، تعيش مع فريدة منذ عدة سنوات.
بعض الشخصيات المهمة
اللواء رفعت محفوظ: 55 عامًا. لواء شرطة، خال خالد ورئيسه في العمل.
محمد محفوظ: 30 عامًا. صديق خالد منذ الطفولة وأخوه في الرضاعة. توأم مختلف في الطباع، متشابه في الشكل إلى حد ما. متزوج من خمس سنوات ولديه ابنة صغيرة.
علي رفعت محفوظ: ابن اللواء رفعت الثاني. مهندس معماري في شركات الرحاب للمقاولات. طويل القامة كمعظم أفراد عائلته. يتميز بعينيه الخضراء وشعره الكستنائي.
يوسف الخياط: الضلع الثالث في مثلث الأصدقاء. أصغرهم سنًا، 27 عامًا. مرح جدًا عكس خالد الغاضب دائمًا ومحمد الهادئ دائمًا. خاطب ابنة خالته.
المقدمة
قال أبو تمام في واحدة من أروع قصائده:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوي
ما الحب إلا للحبيب الأول
نظرة واحدة من عينيها الساحرتين جعلت فؤاده أسير حبه. تيم بعشقها حتى بات يدمنه. احتلت خلايا جسده حتى أصبحت تجاور دمه. فشاء القدر فراقهم، حاول نزع أغلال عشقها فوجد نفسه ما زال متيمًا بها.
أطلت بزرقتيها من خلال نافذة الطائرة الصغيرة المغلقة، تتطلع إلى الغيمات القطنية الكبيرة. ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها عندما تذكرت كم كانت تود الصعود إلى السماء وهي صغيرة حتى تعانق الغيمات.
عادت برأسها تستند على ظهر مقعدها، تغمض عينيها بهدوء وعلى ثغرها تلك الابتسامة الصغيرة الدافئة.
Flash back
كانت تلك الصغيرة ذات السبعة أعوام تجلس على الأرضية العشبية تتطلع إلى السماء الصافية بانبهار عندما سمعت ذلك الصوت يهتف وهو يجلس بجانبها:
"بتبصي على السما كده ليه يا لوليتـا؟"
نظرت له الصغيرة بابتسامة واسعة:
"نفسي أطلع السما وأحضن السحاب."
ضحك بقوة على براءتها:
"وعايزة تحضني السحاب ليه بقى يا ست لوليتـا؟"
ردت سريعًا ببراءة وهي تفتح يديها على اتساعهما:
"عشان السحاب كبيررررر أوي."
"طب يا ستي إيه رأيك أجيب لك دبدوب كبير أوي تحضنيه وإنتي نايمة؟"
هزت رأسها نفيًا سريعًا، فأكمل هو:
"لأ ليه؟"
ردت بابتسامة واسعة:
"عشان أنا بليل بنام في حضنك وإنت أحلى من الدبدوب."
فاقت من شرودها على تلك اليد تربت على كتفها بهدوء. فتحت عينيها تنظر للفاعل فوجدت إحدى المضيفات تنظر لها وعلى شفتيها ابتسامة صغيرة.
المضيفة: "دكتورة لينا، حضرتك كويسة؟"
هزت لينا رأسها إيجابًا بابتسامة صغيرة.
فأكملت المضيفة بعملية:
"يا ريت حضرتك تربطي حزام الأمان عشان خلاص الطيارة على وشك الهبوط."
هزت رأسها إيجابًا باقتضاب وأمسكت طرفي الحزام الجلدي لتحكمه حولها في الكرسي.
لتتذكر صوته وهو يقول: "يا لوليتا هفضل أعملك لحد امتى تربطي الحزام؟ امسكي ده ودخلي فيه الجزء ده، شوفتي يا ستي سهلة إزاي."
ابتسمت وهي تفعل ما علمه بهدوء. مضت اثنا عشر عامًا على آخر مرة رأته فيها، ولكنها مع ذلك لم تستطع نسيان كلمة واحدة مما قالها. ربما لا تتذكر شكله جيدًا، فقط صورة مشوشة هي كل ما تملك له في ذاكرتها، ولكنها لم يمكنها أبدًا إخراجه من عقلها وقلبها وروحها.
«»
"سما، سمسم، يا سوسو، قومي يا حبيبتي كفاية نوم، هتتأخري على المدرسة."
فتحت تلك الفتاة الصغيرة ذات السبعة أعوام عينيها بنعاس:
"سبيني شوية كمان يا ماما."
"لأ يا سما، يلا قومي هتتأخري على المدرسة."
نهضت الصغيرة وهي تتم بضيق من استيقاظها مبكرًا للمدرسة بعد تلك العطلة الصيفية الطويلة.
هزت والدتها رأسها بيأس ثم اتجهت ناحية دولابها الصغير تخرج رداءها المدرسي.
بعد قليل خرجت الصغيرة من غرفتها تركض ناحية جدها الجالس بجوار الشرفة يحتسي الشاي.
سما بسعادة: "جدوووو!"
سيد ضاحكًا: "حبيبة جدو، ها جاهزة للمدرسة؟"
هزت سما رأسها إيجابًا بحزن بادئ على قسمات وجهها البريء.
سيد: "مالك يا حبيبتي زعلانة ليه؟"
سما بحزن: "كل البنات باباهم بيوديهم أول يوم المدرسة وأنا بروح لوحدي، هو بابا هيرجع امتى يا جدو؟"
أدمعت عينا سيد حزنًا على حفيدته الصغيرة. كاد أن يتكلم، ولكن قاطعته خروج رحاب من المطبخ تحمل حقيبة صغيرة بها بعض السندويشات للصغيرة.
رحاب بعتاب: "وبعدين يا سما مش قولنا بابا مسافر عشان عنده شغل كتير؟"
سما بحزن: "بس هو وحشني أوي، أنا عمري ما شفته، نفسي أشوفه مرة واحدة، نفسي يوديني المدرسة زي أصحابي، بيفضلوا يضايقوني ويقولولي إن هما عندهم بابا وأنا لأ."
دنت رحاب إلى مستواها ووضعت حقيبة السندويشات الصغيرة داخل حقيبتها المدرسية.
رحاب: "خلاص يا ستي ما تزعليش، لما بابا يتصل هخليه يجي عشان تشوفيـه."
تهلل وجه الصغيرة بسعادة: "بجد يا ماما؟"
رحاب مبتسمة: "بجد يا حبيبتي، يلا بقى عشان ما تتأخريش على المدرسة."
أسرعت الصغيرة ناحية الباب لتذهب لتلك المدرسة القريبة من البيت. عندما استوقفها صوت جدها.
سيد: "استني يا سما، فين بوسة جدو؟"
عادت له الصغيرة سريعًا وقبلته على وجنته ثم ذهبت إلى مدرستها.
سيد: "هتفضلي مخبية عليها لحد امتى يا رحاب؟"
رحاب بضيق: "ما أعرفش يا بابا، ما أعرفش."
سيد بحدة: "حرام عليكي يا شيخة، ما بيصعبش عليكي بنتك نفسها يبقى عندها أب زي باقي البنات؟"
رحاب غاضبة: "لأ، ما بيصعبش، كفاية أوي اللي أبوها عمله فيـا."
سيد غاضبًا: "إنتي اللي غلطانة يا رحاب، أنا عارف وإنتي عارفة البلوة السودا اللي عملتيها، احمدي ربنا إنه ما قتلـكيش."
رحاب غاضبة: "أوووووف بقى يا بابا، مش هنخلص من السيرة دي أبدًا، دي بنتي وأنا الوحيدة اللي أقرر أعمل معاها إيه."
ثم تركته وذهبت إلى المطبخ غاضبة.
تنهد سيد بيأس: "ربنا يهديكي يا رحاب."
«»
كان جالسًا على مكتبه بشموخه المعتاد، يطالع القضية التي أمامه بتركيز. ممسكًا قلمًا أزرق بين أصابع يده اليمنى، بينما يحرك سبابته وابهامه في يده اليسرى على ذقنه النامية يفكر.
في الحقيقة، لم يكن يفكر في القضية التي أمامه، فقد وجد لها حلاً في دقائق. ذلك القاتل الأحمق ترك بصمات يده على سلاح الجريمة. انتهى الأمر.
ولكن ما يقلق تفكيره حقًا، جنيته الصغيرة. تلك النداهة التي قيدته بأغلال عشقها واختفت. يبحث عنها منذ أعوام ولم يجدها. آخر ما توصل إليه أنها تدرس في الخارج، ولكن أين لا يعرف.
فاق من شروده على تلك اليد تلوح أمام وجهه، فاحتدت نظراته بغضب.
محمد بهدوئه المعتاد: "إيه يا ابني، روحت فينا؟"
غمض عينيه بضيق، أخذ نفسًا عميقًا وبدأ يزفره ببطء، فتلك الحركة نصحه بها طبيبه النفسي حتى يسيطر على غضبه.
عاد بجسده يستند على ظهر مقعده الوثير، واضعًا قدمًا فوق الأخرى.
خالد باقتضاب: "بفكر في القضية."
محمد ساخرًا: "قضية؟ آه، واضح إنها قضية صعبة أوي، بقالك 12 سنة مش عارف تحلها."
كاد أن يفجر بركانه الغاضب على رأسه عندما انفتح الباب فجأة.
يوسف بمرحه المعتاد: "حماده، وأبو الخلد هنا؟ دا أنا قالب عليكوا الدنيا."
أوقفه خالد بإشارة من يده قائلًا باقتضاب:
"اطلع برة وخبط الباب، ولما أسمح لك تدخل تبقى تدخل. إحنا مش في سوق هنا."
نظر يوسف لمحمد بدهشة، فهز الأخير كتفيه باستسلام.
فخرج يوسف وأغلق الباب وبدأ يدق على الباب من الخارج، وخالد صامت تمامًا.
محمد بضيق: "ما تدخله يا ابني."
خالد: "تعالى يا زفت."
فتح يوسف الباب ودخل.
يوسف بمرح: "حلو كدة يا سيدي؟"
محمد بهدوء: "خير يا يوسف؟"
يوسف بتوتر: "أنا خلصت شغلي وكنت عايز أستأذن بدري شوية."
خالد باقتضاب: "ليه؟"
يوسف بتوتر: "أصلـي عازم ساندرا على الغدا ومش عايز أتأخر عليها."
خالد بهدوء: "خلصت القضية اللي معاك؟"
ازدرد يوسف ريقه بتوتر: "هااا، بصراحة مش أوي يعني."
خالد بحدة وهو يصفع سطح المكتب بغضب: "إحنا هنـهزر؟ يعني إيه مش أوي يعني؟"
يوسف: "ما هو بصراحة الواد مش راضي يعترف."
مال خالد برأسه يسارًا قليلاً ليهتف وكأنه لم يسمعه: "مش إيه يا أخويا؟"
رد عليه يوسف مبررًا موقفه محاولًا مغالبة خوفه: "مش راضي يعترف، حاولت معاه كتير ومش راضي."
در بغضب حانق: "وسيادتك لازمتك إيه؟ اطلع برة يا يوسف! واعمل حسابك مش هتتحرك من هنا غير لما الواد ده يعترف، إن شاء الله تبات هنا."
يوسف: "يا خالد، ما ينفعش، أنا عازم ساندرا وهتزعل لو اتأخرت."
كبت خالد غضبه بصعوبة، فنظر ناحية محمد وأردف بغضب مكبوت: "مشيه من قدامي يا محمد، هقتله والله هقتله."
محمد سريعًا: "خلاص يا خالد، سيبه يمشي، وإن كان القضية هشيلها أنا وأنت."
خالد غاضبًا: "إنت هتجنني؟ إنت كمان؟ بشتغل مع شوية معاتيه؟ غور في داهية لما نشوف يا محمد بيه هتعمل إيه."
رحل يوسف سريعًا قبل أن يقتله خالد.
نظر محمد ناحية خالد بهدوء: "براحة على يوسف شوية يا خالد."
خالد غاضبًا: "هتنقطني ببرودك؟ والله في يوم يا محمد."
محمد: "أنا مش فاهم، إنت اديت القضية دي ليوسف ليه؟ دا إنت طلع عينك على ما مسكت الواد ده."
خالد بمكر: "أنا عارف أنا بعمل إيه."
محمد باستفهام: "مش فاهمك."
خالد بلا مبالاة: "مش لازم تفهم."
محمد بحدة: "يعني إيه مش لازم تفهم؟ زيدان كان صاحبي أنا كمان، إنت مش شغال في القضية دي لوحدك."
احمرت عينا خالد بغضب: "لآخر مرة تتكلم معايا بالطريقة دي. أنا قولتلك قبل كده، شيل نفسك من القضية دي. حق زيدان أنا اللي هجيبه."
محمد ساخرًا: "ما هو واضح بأمارة إنك روحت أديت القضية ليوسف اللي لسه متعين جديد."
خالد بخبث: "دي لعبة يا غبي. هما أكيد عرفوا إن الراجل بتاعهم اتمسك، وإن اللي بيحقق معاه ظابط جديد، فهم مطمنين وحاطين في بطنهم بطيخة صيفي."
ثم أكمل غاضبًا: "لكن سيادتك ويوسف بيه بهدلتوا الدنيا."
محمد بحدة: "المفروض تقولي أنت بتفكر في إيه."
تحرك من خلفه مكتبه بهدوء لخارج الغرفة، فاستوقفه محمد بضيق: "إنت رايح فين؟"
انثنى جانب فمه بابتسامة ساخرة: "هجيب الاعتراف يا محمد بيه."
خرج من الغرفة بهدوء وأغلق الباب.
محمد: "هانت يا خالد، هانت يا صاحبي."
«»
بعدما أنهت المعاملات الخاصة بأوراق وصولها بالمطار، ذهبت لتستقل سيارة أجرة.
لينا وهي تلوح بيديها: "تاكسي!"
والمضحك في الأمر أن ما يزيد عن خمس سيارات أجرة وقفت أمامها.
اتسعت عينا لينا بدهشة عندما وجدت ذلك العدد الغفير أمامها. ذهبت إلى السيارة القريبة منها وركبت فيها.
السائق مبتسمًا باتساع: "دا أنا أمي دعت لي في كل أدان، يا بركة دعاكي يا أمي. أصل انتي منين يا عسلية؟"
قطبت لينا حاجبيها بدهشة: "!!!"
السائق بترحاب: "أجدع ناس الواطوطة دول، محسوبك من قلعة الكبش."
لينا بضيق: "Please, go."
السائق: "هااا، يعني إيه؟ طب انتي رايحة فين يا عسلية؟"
لينا بضيق: "فيلا جاسم الشريف في..."
السائق: "الله الله الله، ما إنت بتتكلمي عربي أهو، على العموم نورتي مصر."
لينا مبتسمة باقتضاب: "شكرًا."
بعد مدة طويلة نوعًا ما، وقفت السيارة أمام فيلا جاسم الشريف. تطلعت إلى الفيلا بانبهار. لم تكن تتخيل أن فيلا والدها بهذه الفخامة. فهي قد سافرت قبل سبعة أعوام، وقبلها كانوا لا يستقرون في مكان أكثر من شهر واحد. دائمًا تشعر أن والدها يهرب من شيء، لكنها لا تعرف ما هو.
فاقت على صوت السائق وهو يهتف: "وصلنا، هو ده البيت؟"
هزت رأسها إيجابًا سريعًا، فتحت الباب ونزلت من السيارة.
وضعت يدها في حقيبتها وأخرجت بعض الدولارات.
لينا للسائق: "اتفضل."
السائق: "لأ والله العظيم، أبداً."
لينا بضيق: "اتفضل حضرتك خد الفلوس."
السائق: "أنا حلفت والله، خلاص."
نظرت لينا للسائق بدهشة: "بس ده حقك، ليه مش عايز تاخد الفلوس؟"
السائق: "عشان تعرفي بس إن المصريين جدعان."
لينا مبتسمة: "شكرًا."
أحضر لها السائق الحقائب ورحل إن تأكد أنها دخلت من بوابة الفيلا، حتى أخرج هاتفه واتصل برقم ما.
السائق: "حصل ووصلت لحد البيت، انتظر ثواني..." يستمع إلى الطرف الآخر. "لأ كويسة، ما تقلقش. لأ ما شكتش في حاجة. تمام."
«»
تتطلع حولها بانبهار. تلك الحديقة الضخمة، حمام السباحة تتلألأ مياهه تحت أشعة الشمس الدافئة، أشجار الفاكهة العالية، أحواض الأزهار الملونة. يبدو أن قرار والدها في العودة لم يكن سيئًا كما كانت تعتقد.
وصلت إلى باب الفيلا الكبير ودقت الجرس عدة مرات. دقائق ووجدت الباب يفتح لتتسع ابتسامتها البريئة عندما رأتها تلك السيدة العجوز الطيبة، مربيتها وهي صغيرة.
لينا بسعادة: "دادة رحمة، وحشتيني أوي أوي أوي."
تهللت أسارير رحمة بفرحة عندما رأتها بعد تلك المدة الطويلة. فهي تبقى ابنتها التي تولت رعايتها منذ أن كانت طفلة.
احتضنت رحمة لينا بحنان: "وإنتي كمان يا حبيبتي وحشتيني أوي. كل دي غيبة يا لينا؟ مصر ما وحشتكيش؟"
لينا بمرح: "اديني جيت أهو وهفضل قاعدة على قلبكوا على طول."
رحمة بحنان: "يا حبيبتي، إنتي قاعدة جوه قلوبنا ومربعة كمان."
لينا مبتسمة: "ربنا يخليكي ليا يا دادة. صحيح، قوليلي فين جاسم باشا؟"
رحمة: "في المكتب."
لينا: "وماما فين؟"
رحمة: "في المطبخ."
لينا بصوت منخفض: "هي لسه بتحاول تطبخ من ساعة ما سافر؟"
رحمة ضاحكة: "آه، وبرضه لسه ما اتعلمتش. بس إنتي ليه ما قولتيش إنك جاية؟"
لينا: "عشان أعملهالكوا مفاجأة."
رحمة بحنان: "أحلى مفاجأة والله."
لينا: "قوليلي بقى مكتب جاسم باشا أركب له منين؟"
رحمة ضاحكة: "مش هتعقلي أبداً. امشي يمين هتلاقي باب كبير في وشك."
قبلت لينا رحمة على وجنتها: "حبيبتي يا دادة. بصي أنا هروح المكتب عند بابا، وإنتي روحي قولي لماما جاسم باشا عايزك في مكتبه."
تطلعت رحمة في أثرها بحزن.
رحمة في نفسها بحزن: "لسه الخوف مالي عينيكي يا بنتي، رغم إنك بتحاولي تداريه. ربنا يسامحك يا جاسم."
اتجهت لينا ناحية مكتب والدها بخطى سريعة مشتاقة إلى أن وصلت إليه. ففتحت الباب بهدوء. وجدت والدها جالسًا خلف مكتبه منكباً على بعض الأوراق يراجعها بتركيز شديد.
فتسللت على أطراف أصابعها إلى أن وقفت خلفه.
لينا بمرح: "لـك دخيلك يا خيي، ما بتمل من الشغل؟"
استدار جاسم بكرسي مكتبه بلهفة قلبه الملتاع ليرى صغيرته التي افترقت عنه سبعة أعوام.
جاسم بسعادة: "لوليتا! يا بنت الذين! إنتي وصلتي إزاي وإمتى؟ وما قولتيليش ليه عشان أستناكي في المطار؟"
لينا بمرح: "كل دي أسئلة؟ أنا مش هتكلم إلا قدام المحامي بتاعي."
ضمه جاسم لصدره في عناق أبوي دافئ احتاجه هو أكثر من حاجتها هي إليه.
جاسم بلوعة: "وحشتيني يا زردة، وحشتيني أوي أوي. وحشتني لمضتك أوي. ما فيش سفر تاني، مفهوم؟"
لينا بخوف: "حاضر يا بابا، بس على فكرة أنا زعلانة منك، بقيت تتصل بيا وتقولي لو ما رجعتيش لأ هتبقي بنتي ولا أعرفك؟"
جاسم بحزم: "دي الطريقة الوحيدة اللي كنتي هترجعي بيها. كفاية بعد بقى يا لوليتا، أنا مش هعيش قد اللي عيشته وعايزك تكوني جنبي في آخر أيامي."
لينا بحزن: "بعد الشر عليك يا بابا. اديني جيت أهو."
جاسم بحزم: "ما فيش سفر تاني يا زردة إنتي."
لينا بمرح: "علم وينفذ يا أفندم. بس عشان خاطري بطل تقول لي يا زردة."
جاسم ضاحكًا: "أعملك إيه، إنتي اللي قصيرة."
دقت فريدة الباب.
فردت لينا: "مين هناك؟"
فتحت فريدة الباب سريعًا وأسرعت تنتشل ابنتها من بين ذراعي جاسم تطوقها بين ذراعيه وهي تبكي من شدة سعادتها بعودة ابنتها الغائبة.
فريدة باكية: "اشتقتلك يا عمري، اشتقتلك كتير."
لينا بدموع: "وأنا كمان يا ماما اشتقتلك كتير."
جاسم ضاحكًا: "اتكلموا مصري يا زردة إنتي وهي."
فريدة بحزم وهي تجفف دموعها: "ما فيش سفر تاني، فاهمة؟"
لينا: "فاهمة والله فاهمة. أطلع أنا بقى أرتاح شوية عشان جايه من السفر هلكانة. صحيح، فين خالتوا لبنى؟"
فريدة: "في الجرنان، عندها تحقيق صحفي. اطلعي إنتي ارتاحي شوية على ما تيجي."
وبالفعل تركت لينا والديها وصعدت إلى غرفتها وارتمت على سريرها بملابسها وغطت في نوم عميق.
«»
نصف ساعة مرت، عاد خالد إلى غرفة مكتبه.
محمد بترقب: "اعترف؟"
خالد مبتسمًا بثقة: "إنت عندك كام؟"
محمد ضاحكًا: "لأ طبعًا يا رجل المستحيل، إنت."
خالد بضيق: "محمد، ما تستظرفش تاني عشان ما أقومش أشلـف وشـك."
محمد: "احم، ماشي يا سيدي، المهم هو اللي قتل."
خالد بحدة: "أنا عبيط ولا بتستعبط؟ ما أنت عارف إنه بأوامر من الزفت إياهم."
محمد غاضبًا: "أوعى يكون..."
خالد مقاطعًا: "هو، شاكر مهران."
محمد غاضبًا: "تاني شاكر مهران؟ أي مصيبة لازم يكون هو اللي وراها."
خالد بثقة: "ما تقلقش، نهايته قربت أوي، وعلي إيدي إن شاء الله."
«»
في المدرسة عند سما، دخلت المعلمة إلى الحصة الأخيرة.
المعلمة مبتسمة: "أنا اسمي ميس شيماء، كل واحد يقوم يقولي اسمه رباعي ونفسه يبقي إيه لما يبقي يكبر."
بدأت الطالبات تقف يعرفن عن أنفسهن ويقلن ما يرغبن فيه. إلى أن وصلت إلى سما.
سما بحماس: "نفسي أبقى دكتورة كبيرة."
المعلمة مبتسمة: "إنتي اسمك إيه؟ مش قولنا نقول الاسم الأول."
سما بابتسامة واسعة: "سما خالد محمود السويسي."
رواية أسير عينيها الفصل الثاني 2 - بقلم دينا جمال
بعد عدة ساعات في فيلا جاسم الشريف.
دخلت تلك الفتاة صاحبة الشعر البني القصير والعيون السوداء الواسعة، مرتدية بنطال أسود وقميص جينز أزرق، تسير بثقة، خطوات لا تمت للأنوثة بصلة.
جذب انتباهها تلك الرائحة الشهية المنبعثة من ناحية المطبخ، فاتجهت ناحيته دون تردد.
فوجدت الكثير من أصناف الطعام الشهية التي تجعل اللعاب يسيل جوعًا.
بينما تقف فريدة في منتصف المطبخ تشرف على تحضيرات الطعام بحماس.
لبنى: إيه يا فريدة الأكل ده كله؟ إحنا عندنا عزومة ولا إيه؟
فريدة: لينا رجعت يا لبنى، أخيرًا رجعت.
اتسعت عيني لبنى بفرحة: بسكوتة رجعت، بنت الـ*** دي وحشتني أوي.
فريدة ضاحكة: عشان خاطري بطلي تقوليلها يا بسكوتة، إنتي عارفة إنها بتكره الاسم ده.
لبنى ضاحكة: أعمل إيه يعني؟ ما بنتك اللي عاملة زي بسكوت نواعم، تخافي تلمسيها لتتكسر. المهم، هي فين؟
فريدة: في أوضتها، اطلعي يلا صحيها على ما نحضر السفرة.
لبنى بحماس: فُريرة.
صعدت لبنى إلى غرفة لينا وظلت تحاول جاهدة إيقاظها.
لبنى: بسكوتة يا بسكوتة، اصحي بقى يا بسكوتة.
بعد مدة طويلة، أخيرًا بدأت لينا تستيقظ متذمرة.
لينا بضيق: لبنى بليز سيبيني أنام، أنا جاية تعبانة من السفر وبطلي تقوليلي يا بسكوتة.
لبنى ضاحكة: طب يا بسكوتة يا بسكوتة يا بسكوتة يا بسكوتة.
انتفضت لينا بغضب وجلست على الفراش تعقد حاجبيها بغيظ.
لينا غاضبة: بطلي يا لبنى، إنتي عارفة إني بكره الاسم ده، والله هقول لخالد.
نطقتها بعفوية لتغيم زرقتها بسحابات الدموع الحبيسة.
جلست لبنى بجانبها تداعب خصلات شعرها برفق.
لبنى: مش بقولك بسكوتة.
لينا بدموع حبيسة: وحشني أوي يا لبنى.
لبنى بضيق: كان سأل عليكي هو يعني يا لينا؟
لينا باكية: ما هو ده اللي واجعني، كنت فاكراه بيحبني، بس ده حتى ما فكرش يسأل عني. وبابا قالي إنه اتجوز مرتين. وحشني أوي.
ضمت لبنى ابنة أختها بحنان، على الرغم من أنها أكبر منها بعام واحد، ولكنها تشعر دائمًا أنها ابنته.
لبنى بمرح: يا أختي بلا نيلة، خدنا إيه من الرجالة غير وجع القلب.
ضحكت لينا ضحكة خافتة من بين دموعها.
فأبعدتها لبنى عنها برفق وأمسكت كتفيها تنظر لها بجد.
لبنى: لوليتا، ما توقفيش حياتك على حد. إنتي دكتورة، معاكي شهادة من أكبر الجامعات. كلها يومين وتفتحي المستشفى بتاعتك، إنتي مش محتاجاه يا لوليتا.
لينا بدموع: كان حياتي كلها يا لبنى، أنا فتحت عينيّ في الدنيا دي عليه. هو اللي علمني كل حاجة.
لبنى بضيق: وفي الآخر سابك وشاف نفسه. زيه زي كل الرجالة، ما بيحبش غير نفسه. ما بيهتمش بحد. نفسه الست عندهم شهوة مش أكتر. انسيه يا لينا، هتلاقيه أصلًا مش فاكرك. يلا قومي اغسلي وشك يلا، أنا واقعة من الجوع.
لينا مبتسمة: حاضر.
بدلت لينا ملابسها ونزلت إلى الأسفل مع لبنى لتشارك عائلتها في طعام العشاء في جو أسري دافئ افتقدته لمدة طويلة.
***
محمد: كفاية كده يا خالد، مش هتروح؟
خالد: لاء، قوم روح إنت، أنا لسه هقعد شوية.
محمد: يا ابني كفاية، إنت ما تعبتش.
خالد بضيق: لاء يا محمد، ما تعبتش.
محمد: هتمشي ولا هتقعد؟
خالد: خلاص يا عم، ما تتعصبش كده، أنا ماشي. سلام.
خالد: سلام.
بعد رحيل محمد، أخرج خالد من جيبه صورة لفتاة صغيرة.
خالد بألم: وحشتيني أوي يا حبيبتي. هتجنن يا لوليتا من غيرك. عشان خاطري ارجعي بقى.
أغمض عينيه لتهاجمه واحدة من أبشع ذكريات ماضيه البشعة.
قضى عدة ساعات في مكتبه تهاجمه ذكرياته كالوحوش الضارية.
فقرر العودة إلى منزله.
***
مصيبة يا باشا، مصيبة وحلت على دماغنا.
هتف بها ذلك الشخص بذعر وهو يدخل إلى غرفة رئيسه.
الشخص: مصيبة إيه يا زفت؟ إنت ما يجيش منك خبر عدل أبدًا.
خالد السويسي غاضبًا: خالد السويسي، خالد السويسي، خالد السويسي. ما فيش في الدنيا غيره. عمل إيه البيه؟
الشخص: الواد اعترف.
اتسعت عيني زعيمه بصدمة: اعترف؟ يعني إيه اعترف؟ إنت مش قولت إن القضية ماسكها واحد اسمه يوسف؟ ما تنطق يا شاكر، يعني إيه اعترف؟
شاكر: بالظبط. القضية كان ماسكها الرائد يوسف الخياط، وشكله كده ما عرفش يطلع مع الواد بعقد نافع. راح مسلم القضية لابن السويسي، وإنت طبعًا عارفه. الواد ما خدش في إيده نص ساعة وكان اعترف عليا ابن الـ***. إنت عارف خالد السويسي حاططني في دماغه من ساعة ما قتلت صاحبه ده اللي اسمه زيدان. أنا لو وقعت تحت إيده مش هيرحمني. ولو وقعت مش هأقع لوحدي، عشان تبقى عارف.
عاد ذلك الرجل بجسده مستندًا على ظهر الكرسي، وعلى شفتيه تتراقص ابتسامة شيطانية.
الزعيم: أنا عندي فكرة هتخلصنا من ابن السويسي خالص.
شاكر بلهفة: الحقني بيها، أبوس إيدك.
الزعيم مبتسمًا بخبث: اسمع...
***
في صباح اليوم التالي، في بيت كبير (سرايا) في محافظة أسيوط.
تنزل تلك الفتاة ذات القامة المتوسطة والبشرة القمحية والعينتان العسليتان الواسعتان، تهرول على سلم البيت الكبير.
فاطمة: على مهلك يا فرح يا بتي، متستعجلة كده ليه؟
فرح مبتسمة: رايحة لشروق يا أما، هذاكر وياها.
فاطمة: ماشي يا بتي، قولتي لأبوك؟
فرح: أيوه يا أما، وهو وافق.
فاطمة بحنان: خلي بالك من حالك زين يا فرح.
فرح مبتسمة: حاضر يا أما، ما تقلقيش. يلا، سلام عليكم.
فاطمة: وعليكم السلام يا بتي، تروحي وترجعي بألف سلامة.
خرجت من السرايا الكبيرة تتلفت حولها بحذر، فإن رآها أحد ستكون في مشكلة، أو بمعنى أصح مصيبة.
تسير بخطى مسرعة ناحية تلك الأرض المهجورة منذ سنوات، لا يذهب أحد إليها بسبب تلك الإشاعات التي أخرجها هو! إن بها أشباح تقتل من يقترب من تلك الأرض الملعونة.
وصلت خلف ذلك الكوخ المصنوع من الخوص، والذي من المفترض أن تقابله هنا.
تنهدت بضجر عندما طال انتظارها، لتشهق فجأة وهي تضع يدها على فمها لتمنع صرختها عندما ظهر فجأة أمامها بدون سابق إنذار.
فرح غاضبة: خرعتني يا عزام.
عزام مبتسما بوله: سلامتك يا قلب عزام.
تفجرت شلالات الدماء تغزو وجنتيها الصغيرتين بخجل.
تلمعت عيني عزام بخبث: يا ابوووووي، تفاح أمرياكاوي عاوز قطفه.
فرح بخجل: وبعدهالك يا عزام، والله همشي.
عزام سريعًا: لع لع، خلاص، ده أنا اللي مصدقت أشوفك، وأملي عنيكي منك يا لهطة القشطة.
فرح بضيق لتداري خجلها: أكده؟ طيب أنا ماشية.
ما كادت تتحرك خطوتين حتى شعرت بيده تقبض على رسغ يدها ليعيدها مكانها مرة أخرى.
عزام غاضبًا: رايحة فين يا مجنونة؟ حد يشوفنا؟ إنتي اتخبلتي عاد؟
نزعت يدها من يده بضيق: بعد يدك يا عزام، خبرتك قبل سابق ما تمسكش يدي قبل ما نتجوز.
قطب عزام حاجبيه الكثيفين بغيظ ليهدر بضيق: ما هو على يدك يا فرح، اتقدمت لأبوكي 3 مرات ورفضني، آخرتهم كانت امبارح.
ثم أكمل بغيظ كأنه يحادث نفسه: إني عزام السويسي اللي بنات البلد كلياتهم بتتمنى نظرة واحدة منه، اترفض.
ضيقت عينيها ترمقه بغضب وقد زمّت شفتيها وبدأت بتحريك قدمها اليسرى بضيق.
فرح: بقي كده؟
تدارك عزام نفسه سريعًا عندما سمع صوتها الغاضب، لترتسم على شفتيه ابتسامة غابثة.
عزام: واه واه واه، هتغيري يا موهجة القلب؟
نظرت فرح أرضًا بخجل لتهمس بصوت خفيض بالكاد سمعه: اومال عاد.
كانت تنظر أرضًا وجنتيها تكاد أن تنفجران من شدة خجلها.
فلم تلحظ تلك النظرة الخبيثة التي احتلت مقلتيه، تلك الابتسامة الشيطانية التي زينت ثغره.
ها قد اقترب من نيل مراده، وكيف لا يفعل أمام تلك الساذجة البريئة التي تراهن مع أصدقائه على نيلها.
مد أصابعه الغليظة لتستقر أسفل ذقنها، رفع وجهها ببطء ليقابل بحر الزمرد في عينيها الواسعتين.
عزام مبتسما بحنان: إنتي اللي في القلب يا موهجة القلب.
لاحظ ارتجاف بحر الزمرد بحزن وهي تهتف بأسى: والعمل عاد يا عزام؟
تكلم ببراءة ذئب وديع: إني خبرتك قبل سابق، بس إنتي اللي ما عيزاش.
هدرت سريعًا وقد اتسعت عينيها بفزع: لع يا عزام، كيف يعني أتزوج من ورا أبويا؟ ده لو عرف...
قاطعها عزام سريعًا: ومين بس اللي هيقوله يا موهجة القلب؟
فرح برفض قاطع: لع يا عزام، إني مستحيل أعمل كده.
قطب حاجبيه بغضب ليردف بحزن مصطنع وهو يوليها ظهره: إنتي ما بتحبنيش يا فرح.
التفتت له تنظر إلى وجهه بدموع حبيسة: إنت عارف زين إني أحبك قوي.
عزام ساخرًا: اللي يحب حد بيبقى عايز يفضل معاه.
ازدرقت ريقها بتوتر لتكمل بصوت مرتعش: هفكر يا عزام.
عزام مبتسما بحنان: فكري يا موهجة القلب، فكري براحتك، بس عايزك تعرفي زين إنك ما حدش هيحبك ولا هيخاف عليكي قدي، حتى أبوكي.
هزت رأسها إيجابًا بلا وعي منها.
سرعان ما تذكرت شيئًا لتتسع ابتسامتها السعيدة.
فتحت ذلك الكتاب الذي كانت تحتضنه وأخرجت منه شهادة تقدير باسمها.
فرح بسعادة: شوف دي يا عزام.
نظر عزام للورقة باستغراب، فهو أمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة.
عزام: إيه دي يا فرح؟
فرح بسعادة: دي شهادة تقدير عطتهالي المدرسة بتاعت التاريخ عشان جبت الدرجات النهائية في الامتحان. تعرف يا عزام، كان امتحان صعب قوي قوي. تعرف كمان أنا أحب التاريخ قوي عشان كده ناوية أخش كلية الآثار.
التوى جانب فمه بابتسامة ساخرة، تركها تثرثر كما تريد ليلقي بقنبلته فجأة وبدون مقدمات.
عزام بجمود: بس أنا ما عايزكيش تكملي علامك بعد ما نتجوز.
اتسعت عينيها بفزع، شعرت وكأن صفعة قاسية نزلت على وجهها.
كادت أن ترد عندما وضع عزام إصبعه على شفتيها يمنعها من الكلام.
عزام بحنان يقطر من بين حروفه من شدة فيضانه: عارف إنك مصدومة يا موهجة قلبي، وفكراني عبيط.
هزت رأسها إيجابًا سريعًا وهي ترجوه أن يكون فقط يمزح.
فأكمل وهو يغرقها بطفوان كلامه المعسول: يا فرح، إنتي فرحة قلبي. أنا ما عرفتش يعني إيه فرحة غير لما قابلتك يا فرح. كيف عاويزة أسيب العلام يشغلك عني؟ إني ابنك يا فرح، في أم تهمل والدها؟ ردي عليّ، في أم تهمل ولدها؟
هزت رأسها نفيًا بتوتر، فأكمل هو بانتشاء من قرب وصوله لهدفه: يبقي كيف عايزة تسبيني؟ إنتي حبيبتي ومرتي وخيتي وأمي اللي انحرمت منها قبل ما أشبع من حنانها، عايزة تحرميني من حنانك إنتي كمان يا فرحة.
هزت رأسها نفيًا سريعًا، فأبعد إصبعه عن شفتيها لتتحدث هي بلهفة ودموعها تأخذ طريقها على وجنتيها.
فرح: لع يا عزام، إني ما هملهكش واصل. خلاص، زي ما تحب، مش هكمل علام.
أومأ برأسه يقبل جبينها بحنان.
عزام: ربنا يخليكي ليا يا موهجة القلب.
فرح مبتسمة: ويخليك ليا يا رب. امشي أنا بقى أحسن، أنا كده هتأخر على خالتي والبت شروق.
عزام بحنان: خلي بالك من نفسك يا موهجة القلب.
هزت رأسها إيجابًا بابتسامة واسعة، ثم تركته ورحلت.
عزام في نفسه بخبث: هانت يا فرح، هانت قوي.
***
نزل إلى الأسفل بعدما استعد للذهاب إلى عمله.
نزل على سلم البيت الكبير بعجرفته المعتادة.
ألقى بجسده على أول كرسي قابله، يشعر بأن رأسه سينفجر.
ذلك المشروب الذي أصبح يدمنه حتى يستطيع النوم دون أن يفكر فيها، يشعره صباحًا بأن هناك حممًا من النيران تأكل عقله.
أغمض عينيه عائدًا برأسه إلى ظهر الكرسي.
خالد بصوت عالٍ: عنياااا.
جاءت الخادمة تهرول من المطبخ سريعًا.
الخادمة: أفندم يا باشا.
خالد باقتضاب: فين القهوة؟
الخادمة سريعًا: حالًا يا باشا.
في غرفته، بعدما تأكد من هيئته للمرة العاشرة تقريبًا.
وقف يقيم ذلك التيشيرت الأزرق والسروال الأسود من خامة الجينز، وتلك القلادة الفضية التي تأخذ شكل ساري السفينة.
شعره الأسود الكثيف الطويل مصفف بعناية يكاد يلمع.
وضع عطره المفضل بغزارة.
نظر إلى نفسه وابتسامة مغتره مرتسمة على شفتيه.
خرج من غرفته ينزل على سلم البيت سريعًا عندما وجده جالسًا على الكرسي مغمض العينين.
بدأ يتحرك بخفة حتى لا يسمعه، ولكنه ما كاد يخطو خطوة واحدة حتى سمعه يهتف ساخرًا.
خالد ساخرًا: والله عيب على الرجالة يتسحبوا كده.
تمتم عمر بضيق: بيشوف وهو مغمض؟ ده بيشوف بقفاه أساسًا.
خالد ساخرًا: تعالا يا موري، تعالا يا حبيبي، ما تتكسفش.
عض عمر على شفتيه بغيظ ليتجه ناحية أخيه، إلى أن وقف أمامه.
عمر: صباح الخير يا بي.
أشار له بطرف عينيه إلى الكرسي المقابل له: اقعد.
جلس عمر على الكرسي بارتباك.
عمر: خير يا بي، أصل أنا مستعجل، عندي محاضرات كتير النهاردة.
خالد ضاحكًا: محاضرات كتير؟ لا الله يكون في عونك. إنهي محاضرات دي يا عمر اللي إنت ما بتحضرهاش صح؟
عمر سريعًا: ما بحضرهاش إيه بس يا بي؟ اللي قال لحضرتك الكلام ده بيضحك عليك.
تجهّم وجهه بغضب ليهتف غاضبًا: إنت شايفني أهبل قدامك عشان يتضحك عليا؟ الدكاترة بتوعك هما اللي قالولي يا فالح، وقالولي على المصايب والخناقات اللي بتعملها كل يوم والتاني. ولولا يا حلو كان زمانك مرفود من زمان.
ازدرد عمر ريقه بخوف ظاهر، فهو يخاف من أخيه أكثر حتى من خوفه من أبيه.
عمر: أنا آسف يا بي، أوعدك إن دي آخر مرة.
خالد ببرود كالصقيع: أنا عارف إنها مش هتبقى آخر مرة، فما تحاولش تقنعني. بس عايزك تعرف كويس، لو وقعت تحت إيدي يا عمر، الله في سماه ما حد هيعرف ينجدك من إيدي. اللهم بلغت، اللهم فاشهد. أظن فاهم.
ارتجفت أوصاله بذعر ليهز رأسه إيجابًا سريعًا دون تردد.
عمر: ففـ-فاهم يا بي، فاهم.
تعلقّت أنظار خالد على رقبة عمر، يطالعه بجمود ثانية، اثنتين، ثلاثة.
وقبل أن يستوعب عمر ما يحدث، مد خالد يده ونزع تلك القلادة من على رقبته بعنف، حتى أنها جرحت رقبته جرحًا سطحيًا.
خالد بحدة: رجالة السويسي ما بيلبسوش سلاسل.
شعر عمر بوخز مؤلم في رقبته، فوضع يده عليها يمسدها برفق متمتمًا بألم.
عمر: حاضر يا بي.
خالد: يلا قوم شوف إنت رايح فين، وابعد عن جنس حوا يا عمر، صدقني ما بيجيش من وراهم غير الوجعة.
هز عمر رأسه إيجابًا وهو يرحل سريعًا، وأخيرًا انتهت جلسة العذاب.
كان يشرب فنجان قهوته الثاني ولا يزال ذلك الصداع يعصف برأسه، عندما وجد هاتفه يرن.
إن انفتح الخط حتى وجد محمد يهتف سريعًا.
محمد: إنت فين يا خالد؟
خالد: في البيت.
محمد: يا ابني، إنت عارف الساعة كام؟ اللوا رفعت سأل عليك يجي خمسين مرة.
خالد بضيق: بقولك إيه، ما تقرفنيش إنت وأبوك. ساعة وأنا جايم.
محمد غاضبًا: هترفدنا كلنا والله.
وبدون كلمة أخرى، أغلق خالد الخط في وجهه.
قام من مكانه عندما وجدها تنزل بخفة على سلم المنزل.
ابتسمت باتساع عندما رأته.
تقدمت ناحيته بخطى واسعة إلى أن ذهبت إليه فقبلته على وجنته.
ياسمين: صباح الخير.
خالد بابتسامة صغيرة: صباح النور. رايحة فين بدري كده؟
ياسمين بحماس: رايحة الشغل، وبعد كده هنروح أنا وأنور نتغدى، وبعدين نشوف الأنتريه وصل ولا لسه.
خالد بضيق: قللي خروجتك مع سي زفت ده. ولو عاوزتي تروحي في حتة أوديكي أنا.
زمّت شفتيها بعبوس: يووه يا خالد، بطل تشتمه. ما تنساش إنه خطيبي ومكتوب كتابنا، يعني جوزي.
خالد ساخرًا: ماشي يا ست جوزي. خلي بالك من نفسك.
ياسمين: حاضر.
خالد: لو الواد ده ضايقك، اتصلي بيا.
ياسمين مبتسمة: حاضر.
خالد: معاكي فلوسي؟
ياسمين مبتسمة: أيوة، بابا اداني الصبح قبل ما يروح المصنع.
وضع يده في جيب بنطاله وأخرج لها حفنة كبيرة من الأوراق النقدية.
خالد: خلي دول معاكي احتياطي. السواق بره.
هزت رأسها إيجابًا فأكمل هو سريعًا قبل أن يغادر.
خالد: ما تسوقيش إنتي مهما حصل، إنتي ما بتعرفيش تسوقي. ولما سي زفت ده يركب معاكي، يركب قدام جنب السواق، وإنتي تركبي لوحدك ورا. ولو عاوزتي حاجة كلميني.
كانت تستمع له وهي تهز رأسها إيجابًا دون توقف.
تحب اهتمامه بها كثيرًا، يشعرها أنها ما زالت تلك الطفلة الصغيرة.
***
صباح الخير يا بابا.
جاسم مبتسمًا بحنان: صباح الورد والفل والياسمين. نمتي كويسة؟
هزت رأسها إيجابًا بابتسامة واسعة.
جاسم: جدا.
جلست على الكرسي بجانبه تفرك يديها بتوتر.
جاسم ضاحكًا: عايزة تقولي إيه يا بنت الشريف؟
لينا ببلاهة وهي تشير إلى نفسها: ها أنا هو. يعني هو ما سألش عليا.
أرمقها جاسم بشك ليكمل بحذر: هو مين؟
ازدردت ريقها بتوتر لتهتف بصوت منخفض متلعثم.
لينا: خـ-خالد.
ما إن نطقتها حتى مر أمامها عدة مشاهد سريعة متتالية.
(لينا فين يا جاسم؟ إنت فاكر إنك هتقدر تبعدها عني؟ بنتك فين؟ مش هسيبها يا جاسم. لو آخر يوم في عمري مش هسيبها.)
هز جاسم رأسه نفيًا بعنف ليكمل ببرود.
جاسم: لاء، ما سألش. هتلاقيه نسيكي أصلًا يا لوليتا. كنتوا عيال يا لوليتا، وبعدين أنا قولتك إنه اتجوز بدل المرة اتنين. لو كنتي في دماغه ما كانش فكر إنه يتجوز، ولا إيه؟
همست بأسى: عندك حق.
مسد جاسم على شعرها البني الطويل وهو يهتف بحنان.
جاسم: لوليتا، إنتي ما بتحبهوش. كنتي لسه عيلة في فترة المراهقة وما تعرفيش غيره، عشان كده كنتي فاكرة نفسك بتحبيه. ده إنتي كنتي بتقوليله يا بابا.
لينا بابتسامة صغيرة وهي تحتضن والدها: عندك حق. أنا مش بحبه، أنا بحبك إنت وبس يا بابا.
جاسم بحنان: وإنتي أغلى حاجة عندي يا لوليتا، وعشان خاطرك مستعد أعمل أي حاجة.
مسد على شعرها بحنان وهو يتمتم بداخله: آسف يا لينا، ما كانش ينفع أسيبه جانبك بعد اللي عمله ابن الـ... كان مسيطر عليكي يا حبيبتي وإنتي بريئة ومش فاهمة حاجة.
فاق من شروده على صوت لينا تهتف.
لينا: بابا، سرحان في إيه؟
جاسم مبتسمًا: أبدًا يا حبيبتي.
دقت الخادمة ودخلت.
الخادمة: جاسم باشا، الأستاذ عامر بره.
جاسم: خليه يتفضل.
هزت الخادمة رأسها إيجابًا ورحلت، ليدخل بعدها بقليل رجل متوسط الطول، بدين بعض الشيء، يرتدي نظارة كعب كوباية.
جاسم: تعالا يا عامر. لوليتا، ده الأستاذ عامر مدير أعمالي. أنا هسلفهولك 48 ساعة بس. الراجل شايل الشغل كله، أنا من غيره أغرق.
لينا بغيظ طفولي: ماشي يا سي بابا، ما تقلقش مش هاكله.
ثم اتجهت ناحية عامر بابتسامة واسعة.
لينا: يلا يا عمو، لسه عندنا شغل كتير قبل ما نفتح المستشفى.
***
وصل خالد إلى عمله قبل أن يدخل مكتبه وجد محمد يجذبه من ذراعه.
محمد سريعًا: إنت لسه هتدخل مكتبك؟ اللوا رفعت قالب عليك الدنيا، وشكلها كده فيها جزاء.
خالد ضاحكًا بثقة: يبقى يعملها كده ويشوف مين اللي هيجيب له العيال بتوع قضايا المخدرات.
محمد: لاء، الموضوع المرة دي شكله مختلف.
خالد ساخرًا: مختلف في إيه بقى؟ ما هو لقتل، لسلاح، لآثار، لخطف، لاغتصاب، لمخدرات. إيه الجديد يعني؟
محمد بضيق: يا عم روح وإنت تعرف.
خالد بضيق: أما نشوف آخرتها معاك إنت وأبوك.
تحرك خالد ناحية مكتب اللوا ودق الباب، أدار المقبض ودخل عندما سمع الإذن بالدخول.
خالد وهو يؤدي التحية: صباح الخير يا أفندم. معاليك طلبتني.
رفعت غاضبًا: لسه بدري يا بيه. إنت عارف أنا سألت عليك كام مرة؟ إيه اللي أخرك؟
خالد ببرود: راحت عليا نومة.
رفعت بحدة: يا ابني، اللي بتعمله ده غلط. إنت كده بتضيع نفسك وبتهد اسمك اللي بنيته في مدة قصيرة بيحسدك عليها ناس كتير.
خالد في نفسه بضيق: مش هنخلص بقى الأسطوانة بتاعت كل يوم.
خالد بابتسامة صفراء: حاضر يا أفندم، هبقى أظبط المنبه.
تنهد رفعت بيأس: ما فيش فايدة فيك. اقعد.
جلس خالد أمام مكتب رفعت، فوضع رفعت أمامه ملف أزرق.
خالد: إيه ده؟
رفعت: زي ما إنت شايف، قضيتك الجديدة.
خالد: أيوه، بس القضية اللي معايا لسه ما خلصتش.
رفعت: ما أنا عارف. إنت هتشتغل في القضتين مع بعض.
خالد ساخرًا: ليه؟ هو أنا سوبر مان؟
رفعت بمكر: ما تستعجلش على رزقك. مش تعرف القضية الأول.
رفع خالد حاجبه الأيسر باستفهام.
(أيوه، زي ما إنتوا عملتوا كده بالظبط 😂😂😂)
تناول الملف من على المكتب، فتح صفحته الأولى ليجد صورة فتاة جميلة بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
دقق النظر في ملامح وجهها المألوفة، وخاصة في عينيها، لتجحظ عيناه بصدمة، لا بل دهشة، بالتأكيد سعادة ممزوجة بقلق.
خالد: لينااااا.
رواية أسير عينيها الفصل الثالث 3 - بقلم دينا جمال
تناول الملف من على المكتب، فتح صفحته الأولى ليجد صورة فتاة جميلة بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
دقق النظر في ملامح وجهها المألوفة، وخاصة في عينيها، لتجحظ عيناه بصدمة، لا بل دهشة. بالتأكيد سعادة ممزوجة بقلق: "لينااااا."
***
منذ أن تركته بعدما ألقى قنبلته المعسولة في وجهها، وهي تسير هائمة، تحبس دموعها بصعوبة. تفكر فقط، تفكر أن وافقت على الزواج منه دون علم والدها، ستجلب العار لعائلتها بأكملها. سيقتلها والدها، وإن استبعدت ذلك فهي ابنته أولاً وآخراً، سيقتلها أحد إخوتها أو عمها، سيفعل ذلك بدون تردد. ما ستفعل؟ ستكون السبب في حرب دماء بين العائلتين لا نهاية لها.
"ياااااارب الهمني الصواب."
كانت شاردة، فلم تنتبه إليه حتى اصطدمت به فجأة، فوقعت الكتب من يدها.
سمعت صوت أخيها يهتف:
"فرح مبتسمًا: إيه يا فرحتي، سرحانة في إيه؟ سيبيهم، أنا وسامح هنلمهم."
انحنى رشيد ومعه صديقه يلتقطان الكتب من على الأرض. فوقعت في يد سامح شهادة التقدير، فأمسكها يطالعها بفخر وكأنها تخصه.
"سامح بفخر: مبروك ألف مبروك يا آنسة فرح، من نجاح لنجاح إن شاء الله."
"رشيد مبتسمًا: فرح طول عمرها سوسة في المذاكرة."
التفت حولها بحذر، فلو رآها عزام لن يمر أمره لها على خير أبداً.
"رشيد مبتسمًا: فرح، دا دكتور سامح زميلي وصاحبي، ودي يا سيدي فرح، آخر العنقود في تلاتة ثانوي السنة دي."
"سامح مبتسمًا: تشرفنا."
"فرح بتوتر من أن يراها عزام: شششكرًا."
"رشيد: إنتي رايحة فين كده يا فرح؟"
"فرح بتوتر: هااا، إني راحة عند البت شروق أذاكر معاها."
عند نطق اسمها، تسارعت دقات قلب رشيد بشدة، فنطق سريعاً:
"طب أنا هاجي أوصلك، اسبقني يا سامح على المستشفى وأنا هحصلك."
هز سامح رأسه إيجاباً، فأخذ رشيد أخته ورحل، بينما ظل سامح ينظر لمكانها، وعلى شفتيه ابتسامة بلهاء عاشقة.
"سامح في نفسه: بتعرفني على مين بس يا رشيد؟ آه يا فرح، من ساعة ما شوفتك مع أخوكي صدفة من سنتين، كنتي لسه عيلة في أولى ثانوي، وإنتي مش راضية تخرجي من عقلي. خلصي إنتي بس السنة دي وأنا مش هسيبك تضيعي من إيدي أبداً."
بينما على جانب آخر، وصل رشيد مع فرح إلى بيت خالتهم. دقت فرح الباب، فأسـرعت تلك الفتاة تفتح الباب سريعاً وهي تصيح بحنق.
"شروق غاضبة: أكده يا فرح؟ كل دا تأخير يا حيوان..."
قطعت باقي كلمتها عندما وجدته يقف أمامها، فـ شعّت وجنتاها خجلاً.
"رشيد ضاحكًا: طب أسيبكم أنا بقى، تولعوا في بعض."
"شروق بخجل: ما بدري يا سي رشيد."
"رشيد مبتسمًا: معلش عشان متأخر على المستشفى. احم، خلي بالك من نفسك يا فرح، هبقى أعدي عليكي وأنا راجع."
"فرح مبتسمة: ماشي يا أخوي."
ما كاد يتحرك خطوتين حتى سمعها تهتف بخجل:
"سي رشيد."
التفت لها، وعلى شفتيه ابتسامة صغيرة عاشقة لم تلحظها، لأنها كانت تنظر أرضاً من شدة خجله.
"رشيد مبتسمًا: خير يا شروق؟"
"شروق بخجل: لا إله إلا الله."
"رشيد مبتسمًا: محمد رسول الله."
تركها ورحل، فبقيت تتطلع إليه وهو يرحل بلهف.
"فرح بمرح: احم احم، نحن هنا."
"شروق بغيظ: رخمة، يلا يا أختي نطلع نذاكر."
***
"استووووووووب."
(رشيد راشد الشريف: 33 عاماً، دكتور أمراض نساء، شاب طويل القامة، بشرة برونزية، شعر أسود به بعض الشعيرات البيضاء، عينان سوداء. يعشق ابنة خالته ولكنه غير قادر على التصريح بحبه لأنه أكبر منها بخمسة عشر عاماً.)
(فارس راشد الشريف: 30 عاماً، مهندس ذراعي، والذراع الأيمن لأبيه في عمله، مطلق، يتميز عن باقي أفراد عائلته بعينيه الزرقاء التي ورثها عن والدته.)
(شروق خيري شلبي: ابنة خالتهم في الثامنة عشر من عمرها، في الصف الثالث الثانوي.)
"رشيد في نفسه بأسى: يا رب ارحمني من العشق ده، استغفرك ربي وأتوب إليك."
***
كان ما زال ينظر إلى صورتها، تلتهم عينيه كل شبر من صورتها. تجمعت الدموع في عينيه فرحاً، شوقاً. صغيرته كبرت، لم تتغير تلك الملامح البريئة، الابتسامة العفوية التي تجعل قلبه يطرب فرحاً. خصلات شعرها البنية، يكاد يقسم أنه ما زال يشعر بملمسهم الناعم بين أصابعه.
استفاق من نشوة سعادته على صفعة أقلقته. "ماذا يوجد صورتها في ملف قضية؟ ماذا فعلت صغيرتي؟ مستحيل أن تكون فعلت شيئاً خاطئاً."
تحرك برأسه ناحية رفعت الذي ينظر له بأسى، ليهتف بذعر:
"للللينا، لينا! مستحيل تكون عملت حاجة غلط، أنا عارفها لينا، دي لينا بتخاف من الضلمة، بتخاف من العصافير. إنت مش فاهم لينا حساسة جداً، دي بتخاف من أي حاجة، مستحيل تكون عملت حاجة."
"رفعت سريعاً: اهدي يا خالد، اهدي يا ابني، كده هيحصلك حاجة. أنا ما قلتلكش إنها عملت حاجة."
أخذ نفساً عميقاً وزفره على مهل، محاولاً تنظيم دقات قلبه التي على وشك الانفجار من شدة قلقه وسعادته.
"رفعت: بص يا خالد، إنت ابن أختي قبل ما تكون تلميذي، وعلى رأي المثل الخال والد. أنا مش عاجبني حالك، كنت فاكر إنه حب مراهقة وهيروح لحاله، بس الموضوع طلع أكبر من كده. إنت هتضيع مستقبلك بسبب اللي إنت فيه، عشان كده قررت أساعدك."
"خالد سريعاً: سيادة اللواء، أوعدك أول ما أرجع هسمع اللي إنت عايزه كله، أنا لازم أمشي دلوقتي."
"رفعت: اهدي يا خالد واسمعني، إنت فاكر إن جاسم هيخليك تقرب منها؟"
"خالد غاضباً: ده أنا أقتله لو فكر يبعدها عني."
صفق رفعت بيده ساخراً:
"برافو، هايل. روح اقتله وضيع مستقبلك، وكره لينا فيك، ما إنت قاتل باباها."
"خالد غاضباً: إنت عارف جاسم بيكرهني قد إيه؟"
"رفعت مبتسماً بثقة: وأنا عندي الحل اللي هيخلي جاسم هو اللي يتـرجـاك عشان تتجوزها."
"خالد بشك: أنا مش هأذيها يا رفعت، شيل الفكرة دي من دماغك."
"رفعت: مش ده اللي في دماغي، اسمع يا فهد..."
"خالد: وليه ده كله؟ ما أروح أتـجـوزها أسهل، تأمين وحفلة. أنا هروح أكتب عليها وآخدها معايا البيت، ويبقى جاسم يوريني هيعمل إيه."
"رفعت بحدة: يا خالد، ما تجننينيش. ومن امتى وأنت متسرع كده؟ ده إنت بتفكر في القضية ميت مرة ومن كل الجوانب قبل حتى ما تبدأ فيها."
انتفض غاضباً من مكانه:
"لينا مش قضية، لينا ملكي، بتاعتي أنا، اللي ربيتها على إيدي ومش هسمح لأي حد يبعدها عني تاني."
"رفعت غاضباً: يا خالد يا ابني، أنا كل اللي عايزاه منك شوية صبر. استنيت 12 سنة، ما جتش على كام يوم."
"خالد بضيق مكتوم: ماشي يا خالي، أما نشوف آخرتها."
"رفعت ضاحكًا: آخرتها بدلة سودا وفستان أبيض وأحلى فرح."
رفع خالد كفيه داعياً برجاء:
"يااااااارب."
"رفعت: جهز بقى يا بطل عشان هتأمن افتتاح مستشفى الحياة، ومبروك مقدماً يا عريس."
***
في مكتب صغير للترجمة، كانت منكبة على الكتاب الذي أمامها لتنهي ترجمته سريعاً، عندما سمعت صوته يهتف.
"أنور بمرح: مسا مسا يا ياسمين."
رفعت نظرتها تنظر له مبتسمة:
"مساء النور يا أنور."
"أنور بضيق مصطنع: يا بنتي لاغيني، أقولك مسا مسا يا ياسمين تقوليلي مسا مسا يا أنور. يلا بقى، مسا مسا يا ياسمين."
"ياسمين ضاحكة: مسا مسا يا أنور."
"أنور: خلصتي ولا لسه؟"
"ياسمين مبتسمة: آه خلصت، هنروح نشوف الأنتريه."
"أنور: هنتغدى الأول وبعد كده هنروح نشوفه، اشطـا."
"ياسمين ضاحكة: مربـا."
أخذ يدها متجهين إلى سيارتهم.
"ياسمين باحراج: احم، أنور هو يعني خالد..."
تجهم وجهه بضيق عندما سمع اسمها:
"ماله؟"
"ياسمين بتوتر: قالي يعني ما تركبش جنبي."
عقد أنور ذراعيه بضيق أمام صدره:
"ده على أساس إني جربان وهعديكي، والا أكون مش قد المستوى عشان ما أعيش ملايين زي البيه أخوكي."
"ياسمين سريعا: لا والله العظيم يا أنور، خالد مش قصده كده خالص، وبعدين أنا كمان ما وافقتش."
"أنور بضيق: اركبي يا ياسمين، أنا جوزك وأنا الوحيد اللي تسمعي كلامه."
هزت رأسها إيجاباً سريعاً، صعدت على الكنبة الخلفية، فصعد أنور بجانبها وأحاط كتفيها بذراعه، ينظر لها مبتسماً بحنان.
"أنور في نفسه بغل: صبرك عليا يا ابن السويسي، إن ما كسرتك إنت والمحروسة أختك، ما بقاش أنا أنور محروس."
كان يحترق غلاً بداخله، ومن الخارج ابتسامة حنونة دافئة، تداري خلفها طيات من الحقد والغل.
***
"جاسم: ها يا حبيبتي جاهزة للافتتاح؟"
"لينا بحماس: جاهزة جداً، أنا بجد فرحانة أوي أن بكرة الافتتاح. أنا ما كنتش متخيلة أن كل حاجة جاهزة كده، ده ما فضلش غير الافتتاح بس. تعرف يا بابا، السيفيهات بتاعة الدكاترة اللي اتقدموا للمستشفى معظمهم شباب مجتهد وشاطر ودرجاته ممتازة."
"جاسم بفخر: طبعاً يا لوليتا، كل التقدم اللي شوفتيه بره معظمه، إن ما كانش كله، فكر وإبداع مصري."
"لينا: صحيح، أومال لبنى فين؟ أنا ما شوفتهاش النهاردة."
"فريدة: عندها تحقيق صحفي في أسوان، سافرت الصبح."
"جاسم بضيق: وإزاي تسافر من غير ما تقولي؟ أنا مش فاهم أختك بتتعامل معايا كده ليه؟ ده أنا اللي مربيها، بذمتك أنا عمري فرقت بينها وبين لينا؟"
"فريدة بحزن: إنت عارف لبنى يا جاسم، اللي شافته عقدها، ربنا يسامحه بابـ..."
تنهد جاسم بحزن:
"ماشي يا فريدة، بس برضه أنا ليا كلام معاها لما تيجي."
التفت ناحية ابنته يهتف بحنان:
"اطلعي إنت يا حبيبتي نامي، عندك يوم طويل بكرة."
"فريدة: استني يا جاسم، تنام إزاي دي؟ من صباحية ربنا ما كلتش ولا لقمة. لينا إيه ده؟ هي راحت فين؟"
نظرت فريدة حولها بدهشة:
"هي راحت فين؟"
"جاسم ضاحكًا: إنتي عارفة لينا لما بتكون متوترة ما بتعرفش تاكل."
تنهدت فريدة بيأس من تصرفات ابنتها الطائشة.
"فريدة برجاء: فينك يا خالد؟"
ما إن انطلقت تلك الجملة حتى شعرت أن عيني جاسم ستحرقها من شرارات الغضب الملتهبة المنبعثة منها.
"جاسم صارخاً بغضب: خالد تاني؟ مش قلت سيرة الزفت ده ما تجيش في البيت أبداً. فينك يا خالد؟ إييييييه؟ عايزاه عشان يرجع يتحرش بيها؟ ويا عالم كان ممكن يعمل إيه تاني لو إحنا ما شفناهوش؟"
أسرعت فريدة تحاول تهدئته، فـ أمسكت يديه برجاء وهتفت بتوسل:
"جاسم عشان خاطري، وطي صوتك، أنا آسفة والله آسفة، مش هجيب سيرته تاني."
كان يتنفس بعنف، صدره يعلو ويهبط بقوة، كأنه كان في سباق للركض. كور قبضة يده وضغط عليها بقوة حتى نفرت عروقه الزرقاء تعبر عن غضبها.
هتف من بين أسنانه:
"آخر مرة يا فريدة، آخر مرة تيجي سيرة الزفت ده في بيتي ولا حتى قدام لينا."
"فريدة سريعا: حاضر، والله العظيم حاضر."
***
"2"
"يا عم محممممممممد، يا عم محمممممد."
هتف بها ذلك الشاب وهو يقوم بإطالة تلك الحروف الخارجة من فمه عمداً، وهو يقف أسفل عمارة سكنية بأحد الأحياء الشعبية المتوسطة.
خرج على أثر صياحه رجل في أواخر الخمسينات إلى شرفة منزله هاتفا له بغضب:
"محمد: اطلع يا وليد."
تنهد وليد براحة عندما تأكد من وجود حماه العزيز في منزله. سريعاً كان يصعد درجات السلم حتى وصل إلى غايته المنشودة، ليقابل حماه واقفاً عند باب الشقة المفتوح، يعقد ذراعيه أمام صدره بضيق، ينظر له شرزاً.
"وليد بابتسامة بلهاء واسعة: حمايا حبيبي، وحشتني واللهمـ..."
"محمد بضيق: إيه السياح اللي إنت عامله ده يا وليد؟"
تقدم وليد منه يدفعه برفق إلى داخل المنزل هاتفا بمرح:
"إحنا هنفضل واقفين على السلم؟ خش، خش يا راجل، ده البيت بيتكم."
"محمد ضاحكًا: ما جمع إلا ما وفق، مجنون وهبلة."
"وليد ضاحكًا: أومال فين الهبلة؟ قصدي بنتكم."
"محمد بجد: مش لما تقولي الأول إيه سر الزيارة الليلية المفاجئة دي؟ وواقف تزعق في الشارع؟ ما اتصلتش بيا ليه؟"
حك وليد شعره باحراج ليهتف بابتسامة صغيرة:
"أصلي بصراحة يعني مش معايا رصيد."
"محمد بود حتى لا يزيد احراجه: طب يا ابني، كنت ابعتلي حتى كلمني شكراً وأنا هكلمك."
"وليد بضيق: لاء يا عمي، أنا مش نتن عشان أعمل كده. أنا كنت عايز عزة وما كنتش أعرف حضرتك موجود ولا لاء عشان أطلع، فـ نديت على حضرتك ولما اتأكدت إن حضرتك موجود طلعت."
"محمد مبتسماً: تعرف يا وليد، كل يوم بتكبر في نظري أكتر."
ربط وليد براحة يده على صدره هاتفا بمرح:
"إن شاء الله يخليهوملك يا حج. ممكن بقى تنادلي عزة؟ عندي ليها خبر بمليون بوسة."
ليهتف محمد بغضب:
"إنت بتقول إيه يااض؟"
"وليد سريعا: جنية يا عمي، مليون جنية."
نظر محمد إلى وليد شرزاً ثم صاح بصوت عالي:
"يا عزة، عزة!"
جاءت تلك الفتاة تركض من الداخل، فمن سرعتها تعثرت في حرف السجادة المقلوب، لتنقلب هي أرضاً على وجهها، لينفجر وليد ضاحكاً عليها، بينما ضرب محمد كفاً فوق أخرى هاتفا بيأس:
"أنا قلت ما جمع إلا ما وفق. قومي يا هبلة قومي."
قامت عزة من على الأرض تنظر إلى وليد الغارق في الضحك شرزاً.
"عزة غاضبة: اطلع برة يا وليد."
قطب والدها حاجبيه بغضب ليهدر فيها بضيق:
"عزززة! إنتي اتجننتي ولا إيه؟ اعتذري لخطيبك حالا."
احمرت وجنتاها بغيظ لتهتف من بين أسنانها على مضض:
"أنا آسفة يا وليد."
"وليد بابتسامة صغيرة: أنا اللي آسف عشان ضحكت، بس بصراحة كان شكلك مسخرة لما وقعت."
كادت أن تنفجر فيه غاضبة، فأسرع هو قائلاً:
"عندي ليكي خبر."
"عزة بلهفة: خبر إيه؟"
"وليد: فاكرة إعلان المستشفى اللي شوفناه أنا وإنتي من مدة وفضلتِ تقولي مش هيقبلونا؟"
"عزة: آه فاكرة، بس إنت إيه اللي فكرك؟"
"وليد بابتسامة واسعة: اتقبلنا يا هبلة، ولسه أستاذ عامر متصل بيا عشان نحضر حفل الافتتاح بكرة."
"صرخت عزة وبدأت تقفز في مكانها من السعادة: احلف كده!"
"وليد ضاحكًا: والله العظيم يا مجنونة، اتقبلنا. أومال فين سمية عشان نفرحها؟"
"عزة صارخة: سميييية يا سمييييية!"
جاءت تلك الفتاة تمشي بهدوء، ألقت السلام عليهم.
"سمية مبتسمة بهدوء: إزيك يا وليد."
وقبل أن يتحدث وليد، صرخت عزة فيها بسعادة:
"اتقبلنا يا عزة، اتقبلنا!"
"سمية: اتقبلنا في إيه بالظبط؟"
"وليد: فاكرة؟ بما طلبت منكم تجيبوا السيفيهات بتاعتكم عشان أقدمها عشان نشتغل في المستشفى الخاصة اللي بتفتح جديدة."
"سمية مبتسمة: بجد؟ اتقبلنا؟ الحمد لله."
"وليد: الحمد لله، ربنا عالم بحالنا. بكرة بإذن الله هعدي عليكوا عشان نروح الحفلة، ده طبعاً بعد إذنك يا عمي."
"محمد: ماشي، بس ما تتأخروش. مبروك يا أولاد."
"وليد: الله يبارك فيك يا عمي. استأذن أنا بقى."
***
"استووووووب."
(العائلة المجنونة: وليد شهاب: طبيب شاب في السابعة والعشرين من عمره، من أسرة بسيطة، حديث التخرج، تقدم لخطبة لعزة منذ عامين. محمد سليمان: أبو عزة وسمية، يعمل موظف في إحدى المصالح الحكومية، توفيت زوجته منذ عدة سنوات، يعيش في شقة صغيرة مع ابنتيه. عزة وسمية: التوأم المختلفين شكلاً وطباعاً في الخامسة والعشرين من ربيعهما. فعزة: قصيرة، قمحية البشرة، ذات لسان طويل، مرحة في الخامسة والعشرين، خطبت لوليد قبل عامين، تخرجت بتفوق من كلية الطب. سمية: أطول من شقيقتها ببعض السنتيمترات، هادئة، خجولة، قليلة الكلام، تحب شقيقتها كثيراً. أدخلت هي وشقيقتها كلية الطب وتخرجت هي الأخرى بتفوق.)
"عزة بحماس: يلا يا عزة، إنتي لسه واقفة؟ تعالي نشوف هنلبس إيه بكرة."
ضحكت سمية ضحكة خافتة على حماس أختها، ثم ذهبت معها إلى غرفتهما.
***
في صباح اليوم التالي، كان يقف في حديقة المستشفى، ينظم التأمين الخاص بالحفلة على قدم وساق. كلما مر بباله أنها سيراها اليوم، تتصارع دقات قلبه بسعادة وشوق وغضب من أنها ستكون أمامه ولن يستطيع الذهاب.
"خالد يا خالد، إنت يا ابني سرحان في إيه؟"
انتبه من شروده على صوت صديقه بجانبه.
"خالد: إنت إيه اللي جابكم؟"
"محمد بثقة وهو يعدل ياقة قميصه: جاي أساعدك، أنا عارف إنك ما بتعرفش تعمل حاجة من غير..."
رمقه خالد بغضب، فاكمل محمد بابتسامة واسعة بلهاء:
"احم، اللوا رفعت هو اللي بعتني عشان عارفك عصبي ومجنون وممكن تبوظ الدنيا."
وعلى عكس ما توقع أن خالد سيصب غضبه عليه، إلا أن ابتسامة شيطانية ارتسمت على شفتي خالد.
ازدرد محمد ريقه بتوتر وهو ينظر:
"مش مطمنلك."
رواية أسير عينيها الفصل الرابع 4 - بقلم دينا جمال
على عكس ما توقع أن خالد سيصب غضبه عليه، إلا أن ابتسامة شيطانية ارتسمت على شفتي خالد.
ازدرد محمد ريقه بتوتر وهو ينظر: مش مطمنلك.
خالد ببراءة مصطنعة وهو يشير إلى نفسه: عيب عليك، دا أنت حبيبي. بص بقي يا حمادة، بما إنك جاي تساعدني، الجزء الشرقي ظبط الحراسة بتاعته، والجزء الغربي بعتنا نجيب بتاع الصيانة عشان الكاميرات مش شغالة. خد بالك من اللي داخل واللي خارج، وما تدخلش حد من غير ما يوريك الـ ID بتاعه، وابقي اشرف على العمال اللي جوة.
فغر محمد فاهه بصدمة حتى وصل إلى الأرض: لما أنا هعمل كل ده، أنت هتعمل إيه؟
خالد ببراءة: هروح أشتري بدلة جديدة للحفلة. ربنا معاك يا صاحبي. أشوفك بالليل.
محمد بحسرة: أنا اللي جبته لنفسي.
البس يا معلم.
عندما حل المساء في فيلا جاسم.
تألقت هي بفستان أزرق غامق بربع كم يصل إلى ما بعد ركبتيها بقليل. تركت شعرها حراً طليقاً، ووضعت مكياجاً هادئاً يلائم الفستان.
نزلت لأسفل فوجدت والدها يرتدي بدلة سوداء بقميص أبيض وربطة عنق سوداء.
جاسم مبتسماً: إيه القمر ده.
لينا: بجد شكلي حلو.
نظر جاسم لفريدة بمشاكسة: طبعاً يا حبيبتي، طالعة لأمك.
قلبت لينا شفتيها بعبوس: برضه يا ماما مش هتيجي معانا.
فريدة بحنان: إنتي عارفة يا حبيبتي إني ما بحبش الدوشة والزحمة. روحي إنتي وبابا معاكي، ولبنى هتخلص شغل وتحصلكوا.
جاسم: يلا يا لوليتا عشان ما نتأخرش. سلام يا فيري، خلي بالك من نفسك.
فريدة: خلي بالك أنت من لوليتا.
ثم أكملت بصوت منخفض: وربنا يستر.
وقف أمام مرآته يرتدي سترته السوداء فوق قميصه الأسود. يكره بشدة ربطات العنق، فترك أزرار قميصه الأولى مفتوحة.
عندما وجد هاتفه يرن، فخط على شاشته اسمها. فتح الهاتف على صورة فتاة صغيرة، ضغط على زر قبول المكالمة وفتح مكبر الصوت، يتابع المكالمة وهو يكمل ارتداء ملابسه.
علي بمرح: السلام عليكم. أخيراً رديت، دا التليفون بيزغرط من الفرحة.
خالد بضحكة صغيرة وهو يصفف شعره: إنت وأخوك دمكوا عسل. عايز إيه يا زفت.
علي بضيق: يا ابني الشغل نصه تقريباً واقف بسببك.
خالد ببرود: إنت عايز إيه يعني.
علي بضيق: يا ريت بعد إذن حضرتك جنابك تتفضل في الشركة عشان تمضي ورق الصفقات المتعطلة.
خالد بضيق: طيب طيب. بكرة ولا بعده هكون عندك. اقفل بقى ما تصدعني.
علي بحذر: خالد، أنا عارف إنك بتكره الشركة دي بسببها، بس الشركة مالهاش علاقة بيها. ما تهدمش اللي بنيته بتعب وشقا سنين.
خالد بحدة: اقفل يا علي.
وبدون كلمة أخرى أغلق الخط في وجهه.
وبينما هو يرتدي ساعة يده السوداء، سمع صوت دقات على الباب.
خالد: ادخل.
دخلت تلك السيدة على شفتيها ابتسامة حنونة: مساء الخير يا خالد.
خالد مبتسما: مساء الفل يا ست الكل.
تفحصته زينب بمكر: عيني عليك باردة. متشيك كده ورايح فين.
خالد ضاحكاً: إيه يا أمي، إنتي حيساني إني كنت معفن قبل كده.
زينب سريعاً بفخر: فشر. دا أنت سيد الناس. بس مستغربة، بتضحك ومتشيك وما اتخانقتش النهارده. خير اللهم اجعله خير.
رفع خالد حاجبيه بذهول: لا كده عاجب ولا كده عاجب. في الأول أنت كشري وبتخانق دبان وشك، ودلوقتي هادي وما بتتخانقش.
زينب بمكر: أنا بس عايزة أعرف سر التغيير.
التفت إلى مرآته مرة أخرى، يضع عطره المفضل.
ثم تقدم ناحيتها بخفة ودنى برأسه يقبل جبينها.
ويهمس لها: مرات ابنك رجعت.
غادر هكذا بكل هدوء، تاركاً والدته خلفه جاحظة العينين بصدمة.
زينب بذهول: مرات ابني مين؟ ورجعت منين؟ يالهوي، الواد اتجوز من ورانا ولا إيه؟ واااد يا خالد.
خرجت سريعاً من غرفته تحاول اللحاق به، ولكنه قد غادر بالفعل.
جاء صوت محمود من خلفها: في إيه يا زينب.
زينب بصدمة: خالد يا محمود، الواد اتجوز عرفي من ورانا.
محمود ضاحكاً: إيه يا زينب الكلام اللي إنتي بتقوليه ده؟ ابنك مش عيل يا زينب عشان يعمل كدة.
ضيقت زينب عينيها واقتربت من محمود تهمس له بصوت منخفض: أصل أنت ما سمعتوش قال إيه؟
فَكَّحَ محمود ضحكاته بصعوبة وأردف بنفس الطريقة: قال إيه.
زينب بثقة وكأنها اكتشفت حل للغز مبهم: كان واقف عمال يسب وأنا شعره. الضحكة من الودن دي للودن دي. أنا مش معترضة، ربنا يسعده دايماً، بس إيه بقى كان بيتكلم مع حد في التليفون وأول ما دخلت قفل. ولا أقولك إيه كمان، مرات ابنك رجعت.
قطب محمود حاجبيه باستنكار: مرات ابنك مين.
زينب بغل: هتلاقيها عيلة من بتوع اليومين دول. ضحكت عليه. آه لو تقع تحت إيدي هجيبها من شعرها.
محمود بشك: لأ ما افتكرش. ابنك مش أهبل عشان يضحك عليه. الموضوع فيه سر.
اتسعت عيني زينب بترقب لتهتف بلهفة: سر إيه.
تصنع محمود اللامبالاة: الله وأنا أعرف منين يا زينب. وعلي رأي المثل: يا خبر النهاردة بفلوس، بكرة يبقى ببلاش.
أمام المستشفى.
وقفت سيارة تاكسي. خرج منها عزة وسمية ووليد.
عزة بحماس: يا حلاوة يا ولا، إحنا هنشتغل في المستشفى دي.
بسط وليد كف يده أمام وجهها: لا إله إلا الله، الله أكبر. في إيه يا عزة، حرام عليكي. المستشفى هتولع قبل ما نلحق نشتغل فيها. يا بنت الناس، عايز الحق أجمع قرشين عشان نفرش الشقة ونتجوز.
عزة سريعاً: لالا خلاص أنا هسكت. دا أنا احتمال أجيب بخور وأبخرها بس أتجوّز.
لكزتها سمية بكوعها في كتفها لتهتف بخفوت من بين أسنانها: عيب يا عزة. الراجل يقول عليكي مدلوقة. هتموتي وتتجوزي.
عزة بصوت عالٍ: صح صح، عندك حق. لازم أبين له البرستيج بردوا.
وليد ضاحكاً: طب يلا يا برستيج.
وصل خالد بسيارته إلى باب المستشفى الخلفي. ترجل منها إلى غرفة الحراسة الصغيرة. وجد محمد يقف مع عامل الصيانة.
خالد: كله تمام.
العامل: تمام يا باشا. الكاميرات اتوصلت وشغالة.
خالد: طب اتكل.
انصرف العامل سريعاً. فذهب خالد يجلس على كرسي أمام تلك الشاشات الصغيرة التي تعرض كل جزء من الحديقة.
لاحظ محمد نظراته المتفحصة لكل جزء.
محمد: لسه ما وصلتش.
هز رأسه إيجاباً. كان يشعر بأن النيران تندلع في صدره. فقط بحر عينيها هو ما سيخمد نيران شوقه.
سيارة فضية اللون وقفت أمام المدخل، جعلت أنظاره تتوجه ناحية بوابة المدخل سريعاً. نزل جاسم من السيارة ثم مد يده ليساعدها على النزول.
راقب عينيه كف يدها وهو يستقر في يد جاسم برفق.
صدره يعلو ويهبط بجنون. يكاد قلبه يصرخ شوقاً. راقب ترجلها برفق من السيارة. تلك الابتسامة البريئة التي لم ولن ينساها أبداً. خصلات شعرها المتمردة فوق صفحة وجهها الصافية. عادت من جديد ليحي هو من جديد.
على الرغم من أن سعادته في تلك اللحظة كانت لا توصف، إلا أن غضبه أيضاً كان على وشك أن يدمر تلك الحفلة فوق رأسها.
احتقنت عينيه بغضب أعمى. قام من مكانه متجهاً إلى خارج غرفة الحراسة. فاعترضه محمد سريعاً.
محمد: إنت رايح فين يا مجنون.
خالد غاضباً: أوعي يا محمد.
محمد بدهشة: في إيه يا خالد؟ دا أنت المفروض تبقى فرحان إنك شفتها.
خالد غاضباً: فرحان إيه وزفت إيه. أوعي، أنا هجيبها من شعرها. اللي فرحانة بيه.
دفعه محمد عن الباب يصيح فيه بضيق: يا ابني في إيه.
خالد غاضباً: إنت مش شايف هي مهببة إيه؟ بس العيب مش عليها، العيب على جاسم بيه اللي سابها تخرج من البيت بالمنظر ده.
محمد سريعاً: معلش، اهدي يا ابني، اهدي. هتبوظ الدنيا. عديها المرة دي، كلها كام يوم وابقى لبسها ملحفة لو عايز. اهدي بقى.
خالد بتوعد: ماشي يا لينا. تبقي على ذمتي بس. أما أعدي تربيتك من أول وجديد.
في الحفلة.
مرت لينا وهي ممسكة بيد جاسم أمام عزة والبقية.
عزة بإعجاب: وليد مين المزة دي.
وليد ضاحكاً: الله يخربيت دماغك. دي يا ستي دكتورة لينا الشريف، صاحبة المستشفى.
ضيقت عزة عينيها ترمق وليد بتحذير: عارف يا وليد لو عاكستها هعمل فيك إيه.
مال وليد على أذنها يهمس بهيام: إنتِ اللي في القلب يا جميلة.
تلك الجريئة طويلة اللسان تصبح كالقطة الصغيرة المبتلة أمام تلك الكلمات التي تداعب أوتار قلبها الخجول.
فبدأت تتلعثم من شدة خجلها: اااااننت اااننننا هقول لبابا.
وليد مبتسما: خلاص خلاص. ما تقلبيش طماطم كده. تعالوا يلا نتعرف عليها.
على الجانب الآخر كانت تقف هي. يعرفها عامر على طاقم العمل في المستشفى.
وليد: احم. السلام عليكم.
عامر مبتسماً: تعالا يا دكتور وليد. دكتورة لينا، دا دكتور وليد، ودكتورة عزة، ودكتورة سمية.
صافحت كل منهم بود: أهلاً بيكوا.
وعلى الجانب الآخر كان يقف ذلك الشاب يراقبها بهدوء.
بعد قليل ذهب جاسم إليها: لوليتا، أنا لازم أمشي دلوقتي يا حبيبتي، عندي ميعاد مهم. السواق هيروحك.
هزت رأسها إيجاباً. فتركها جاسم وغادر.
محمد باستفهام: الحق، دا جاسم مشي.
خالد: أوعي بقى.
محمد بشك: إنت رايح فين يا مجنون إنت.
خالد غاضباً: مش كنت قلقان من جاسم؟ أهو جاسم مشي. أوعى بقى.
زاحه تلك المرة بعنف وخرج إلى حديقة المستشفى، ينظر إليها من بعيد. قبل أن يناديه أحد الحراس.
لينا بإعجاب: بس أنا شايفة إن الحفلة متأمنة جامد.
عامر باستفهام: بالظبط. مع إننا ما اتفقناش مع شركة حراسة تيجي تأمن. مش عارف مين ظبط كل ده.
لينا: عن إذنك.
عامر: اتفضلي.
تركت ذلك الجمع الغفير واتجهت ناحية أحد الحراس.
لينا: لو سمحت.
الحارس: أفندم يا هانم.
لينا: مين اللي اتفق معاكوا إنكوا تأمنوا الحفلة.
الحارس: لا والله يا هانم، ما أعرفش. عندك الباشا واقف هناك أهو، ممكن حضرتك تسأليه.
نظرت إلى ما يشير الحارس، فوجدت رجلاً طويلاً القامة يوليهم ظهره يتكلم مع أحد الحراس.
لينا مبتسمة: شكراً.
تركت الحارس متوجهة إليه. إلى أن أصبحت خلفه تقريباً.
لينا في نفسها بذهول: يا نهار أبيض، هو ماله طويل ليه كده.
هزت رأسها نفياً بعنف: احم احم، حضرة الظابط.
سمعت صوته يهتف وهو يتحدث مع الحارس: ثواني.
كان يتحدث بشأن بعض الكاميرات المعطلة. وهي تقف خلفه تعقد ذراعيها أمام صدرها بضيق عندما طال انتظاره.
لينا بضيق: إنت يا أستاذ.
التفت إليها يهتف بغضب أفزعها: هو أنا مش قلت...
صمت، علقت الكلمات داخل فمه وهو يراها واقفة أمامه مباشرة. يقسم بأنها على وشك سماع دقات قلبها التي تطرق بعنف، يكاد صدره يتشقق منها. عينيه البنية التهمت ببطء واشتياق، لهفة ملامح وجهها الصغير.
حمحم بارتباك عندما شعرت بنظراته المتفحصة: احم احم، حضرة الظابط.
أغمض عينيه يضغط عليهما بقوة، يحاول التقاط أنفاسه التي خطفتها تلك الصغيرة.
لينا بارتباك: حضرتك كويسة.
هتف من بين أسنانه بصعوبة: كويس. خير.
لينا مبتسمة: أنا كنت جاية أشكر حضرتك على تأمين الحفلة. ومعلش، عندي سؤال، هو مين اللي طلب من حضرتك تأمن الحفلة.
ارحلي ارحلي ارحلي، أنا بالكاد أمسك زمام نفسي قبل أن أقتلك بسبب ذلك الفستان الفاضح.
خالد بضيق: مش شغلك مين اللي قالي. ومالوش لازوم شكرك ده، شغلي اللي بقبض عليه مرتبه، يعني لازم أعمله حتى لو مش طايقه.
عقدت حاجبيها بغضب: إنت قليل الذوق. أنا اللي غلطانة إني جيت أشكرك أصلاً.
رفعت رأسها تنظر له بغرور: ابقى شوف شغلك كويس. الحراسة مش عاجباني.
فرت سريعاً من أمامه عندما لاحظت كتلات الجمر التي احتلت عينيه.
لينا في نفسها: ماما، هو بيعمل كده ليه؟ معقول لونه هيخضر ويبقى ضخم زي Hulk.
سخرت من نفسها ومن أفكارها السخيفة تلك.
بدأ دوار طفيف يهاجمها بسبب قلة تغذيتها الفترة الأخيرة، ولكنها تحاملت على نفسها إلى حين انتهاء الحفل.
وأخيراً بدأ المدعوون بالرحيل.
جاء السائق إليها يهتف بارتباك: دكتورة لينا.
نظرت لينا له بابتسامة ودودة: خير يا عم صابر.
صابر بقلق: معلش يا دكتورة، أنا لازم أمشي دلوقتي. مراتي اتصلت بيا وقالتلي فيه خناقة جامدة أوي بين أختي وجوزها.
لينا مبتسمة: ما فيش مشكلة يا عم صابر. ولو عايز تاخد العربية معاك، ما فيش مشكلة.
صابر سريعاً: لالا يا بنتي، ربنا يخليكي. أنا هاخد أي حاجة من على أول الشارع. خلي بالك من نفسك يا بنتي.
لينا مبتسمة: حاضر يا عم صابر. مع السلامة.
اتجه صابر إلى باب الخروج وهو يلتفت حوله بارتباك يبحث عنه. إلى أن وجده يقف هناك ينظر له. فهز صابر رأسه إيجاباً سريعاً ليرد عليه الأخير بابتسامة واثقة كعادته.
بينما على الجانب الآخر، بعدما رحل الجميع، بدأت تسير بخطى بطيئة إلى سيارتها. ذلك الدوار يعصف برأسها. وصلت أخيراً إلى سيارته.
ما لبثت أن سقطت أرضاً فاقدة للوعي على ذراعيه.
هو من اتفق مع السائق حتى يرحل لتسنح له الفرصة بقضاء بعض الوقت معها وهو يوصلها. عندما وجدها تذهب إلى سيارتها، ذهب خلفها ليعرض عليها إيصالها. ولكن المفاجأة حينما وجدها تتهاوى أرضاً. أسرع يلتقطها بين ذراعيه قبل أن تصطدم رأسها في الأرض.
خالد بقلق وهو يربت على وجنتها برفق: لوليتا، لوليتا. فوقي يا حبيبتي. لوليتا، لوليتا.
أخذ مفتاح السيارة من يدها، فتح باب السيارة وهو يحملها على ذراعيه. وضعها برفق على الكرسي ليهرول سريعاً يجلس على مقعد القيادة.
بعد قليل وبسرعة قصوى وصل إلى إحدى المستشفيات. ضغط على المكابح بقوة فتوقفت السيارة. خرج سريعاً ليفتح الباب من ناحيتها.
حملها بين ذراعيه ودخل يركض إلى المستشفى.
خالد صارخاً: بسررررعة.
هرع الممرضات سريعاً يحضرون السرير النقال. وضعها عليه برفق، فاخذوها منه إلى غرفة الكشف. بينما بقي يحترق هو في الخارج، يأكل الممرض أمام الغرفة ذهاباً وإياباً.
خالد في نفسه بقلق: يارب يا رب، إنت عالم بحالي يا رب. إنت عارف أنا استنيتها قد إيه، يا رب ما تبعديش عني تاني يااااارب يااااارب.
أخيراً جاء أمر الإفراج وخرجت تلك الطبيبة من الغرفة.
خالد بلهفة: هي كويسة.
الطبيبة: الحمد لله، كويسة.
خالد: إيه اللي حصل.
الطبيبة بعملية: مبدئياً، حضرتك لازم تعرف حاجة مهمة. الآنسة اللي جوه عندها حالة ضعف شامل، وواضح إنها مش من قريب خالص. يعني ممكن نقول إنها كانت بتحاول تنتحر، فما بتاكلش خالص.
قطب خالد حاجبيه بغضب: إيه اللي إنتي بتقوليه ده؟ ولينا هتعمل كده ليه؟
الطبيبة بعملية: والله يا أفندم ما أعرف. دي نتيجة التحاليل اللي طلعت. جسمها ضعيف جداً، وتحت "جداً" دي مليون خط. أما الإغماء اللي حصل ده، نتيجة إنها تقريباً بقالها يومين ما أكلتش. أنا علقتلها محلول، ويا ريت تستريح لحد الصبح.
هز رأسه إيجاباً بشرود. فاكملت الطبيبة: هو حضرتك مين.
خالد بشرود: جوزها.
الطبيبة: يا ريت حضرتك تاخد بالك منها أكتر من كده.
هز رأسه إيجاباً مرة أخرى وعينيه تغيم بحزن. تحرك من مكانه، ذهب ناحية باب غرفتها. فتح الباب بهدوء ودخل.
وجد ممرضة تقف بجانب فراشها.
خالد بجمود: برة.
نظرت له الممرضة بدهشة، فصرخ فيها بحدة: برررررة.
انتفض جسد تلك الممرضة بفزع، فاسرعت تهرول خارج الغرفة وأغلقت الباب خلفها.
أخذ ذلك الكرسي ووضعه بجانب فراشها.
أمسك كف يدها يحتضنه برفق بين راحتي يده.
خالد بحزن: ما كنتيش بتاكلي ليه بقى يا ست لوليتا؟ يعني لازم أجري وراكي بالأكل عشان تاكلي؟ عاجبك كده؟ ضعف حاد ليه يا لوليتا.
شعر بها تحرك جفنيها ببطء، تحاول فتح عينيها. فترك يدها ومسح دموعه العالقة في عينيه.
لينا بتعب: آه. أنا فين.
الحمد لله على السلامة يا دكتورة.
التفتت إلى مصدر الصوت: إنت. إيه اللي حصل.
خالد ببرود: أغمي عليكي.
ابتسمت له ابتسامة مرهقة: شكراً.
خالد ببرود: قولتلك دا شغلي، مش عايز عليه شكر.
لينا بضيق: كان عندي حق لما قولت خسارة فيك كلمة شكر.
صمتت ألسنتهم عن الكلام، بينما بقيا يرمقان بعضهما بتحدي وغضب للحظات. ليسرح هو في بحر عينيها الذي أسره منذ رآها أول مرة، بينما تنظر له بحيرة. ملامحه مألوفة. لا، لا يستحيل أن يكون هو.
لينا بحيرة: هو أنا ما شفتكش قبل كده.
خالد ساخراً: ما أعتقدش يا سمو الأميرة.
لينا بغيظ: تنح.
ابتلع ضحكته بصعوبة على منظرها الغاضب. جال بعينيه على ملامحها الغاضبة باشتياق رغماً عنه. نزلت عينيه إلى ذلك الفستان اللعين.
بالكاد يغطي ركبتيها. كيف لها أن ترتديه؟ يتذكر عندما كانت صغيرة، زيّ مدرستها الأحمق. (جيبته) الغبية كانت تصل أيضاً إلى ما بعد ركبتيها بقليل. هل تظنون أنه كان سيسمح لها بالخروج بهذا الشكل؟ ذهب واشترى لها ذلك الجورب الأبيض الطويل (الكولون) الذي كان يغطي قدميها بلونه الأبيض الحليبي.
فاق من شروده وهو يتخيل ذلك الجورب الآن يغطي قدميها الظاهرتين بسخاء.
لاحظت لينا نظراته المثبتة على قدميها العاريتين، فاسرعت تشد غطاء السرير تضعه على قدميها.
لينا غاضبة: إنت بتبص على إيه يا قليل الأدب إنت.
نظرت له بسخرية وابتسم بوقاحة: هو عيب إني أبص ولا إيه.
لينا غاضبة: آه طبعاً عيب.
خالد ساخراً: طالما عيب إني أبص على رجلك، معرياها ليه.
لينا غاضبة: إنت مالك إنت. أنا حرة.
نظر لها ببراءة مصطنعة: وأنا كمان حر. وزي ما إنتي فاكرة إن العُري حرية، ما تزعليش لما تلاقي الناس كلها بتنهش في جسمك.
لينا غاضبة: إنت مالك إنت. امشي اطلع برة.
نظر لها بطرف عينيه، ثم رجع بظهره إلى الكرسي يجلس عليه بارتياح، واضعاً قدماً فوق أخرى ببروووووووود.
انتصفت لينا على فراشها تنظر له بحنق: إنت يا بني آدم إنت، ما سمعتش إنت قلت إيه؟ اطلع برة.
ظل ينظر لها ببرود ظاهري، وأعصابه تغلي كالمراجل، متقدة بنار غضبه من لسانها السليط. انتظري حبيبتي، ساقصّه لكِ قريباً جداً.
لينا غاضبة: إنت يا أستاذ إنت، دا إيه البرود ده يا كائن الدب القطبي إنت؟ اطلع برة.
رمقته بنظرات غاضبة متقدة: يعني مش هتطلع.
هز رأسه نفياً بهدوء.
لينا غاضبة وهي تنزل المحلول الوريدي من يدها: طيب، أنا اللي هطلع.
ما كادت تتحرك خطوة واحدة حتى شعرت بقبضة يد تعتصر معصمها. وبهدوء شديد، وكأنها لا تزن شيئاً، جذبها ليجلسها على قدميه.
شهقت بفزع وبدأت تمطره بوابل من السباب: يا قليل الأدب، يا سافل، يا مش محترم، وعمال تتكلم عن الأخلاق، يا معدوم الأخلاق. سيبني.
له صوت وألم عليك المستشفى.
وضع إصبعه على شفتيه: هششششش.
ثبت رأسها بكف يده وقرب رأسه من رأسها بهدوء.
خالد بهدوء: أنا آسف على اللي هعمله.
وقبل أن تعي ما يقول، صدم رأسه برأسها، ففقدت الوعي.
رواية أسير عينيها الفصل الخامس 5 - بقلم دينا جمال
كاد ضحكة صغيرة تخرج من فمه عندما شاهد عينيها المتسعتين بسبب تلك الضربة التي تلقتها على رأسها لتعود لتسدل جفونها على زرقتيها فاقدة للوعي. حملها برفق بين ذراعيه متجهاً إلى سيارتها، وضعها فيها ثم ذهب وركب على مقعد القيادة.
أخرج هاتفه واتصل بصديقه.
"خالد: أيوه يا محمد."
"محمد: إيه يا ابني أنت فين؟ أنا قالب عليك الدنيا و…"
"خالد مقاطعاً بضيق: محمد مش وقت رغي، قابلني بعد عشر دقايق في…"
"محمد بإيجاز: ماشي تمام."
أغلق الخط ثم انطلق. بعد مدة قصيرة وصل إلى المكان المحدد. لم يكن صديقه قد وصل بعد، فأطفأ محرك السيارة والتفت إلى تلك النائمة وعلى شفتيه ابتسامة سعيدة.
"خالد بضحكة صغيرة: لسانك طول أوي يا لوليتا وشعرك كمان طول عن الأول تقريباً عشرة سنتي. فاكرة لما كنتي عايزة تقصي شعرك وانتي صغيرة عشان يبقي شبه شعري؟ يااااه يا لوليتا نفسي أوي آخدك في حضني بس معلش هانت، كلها كام يوم وتبقي على ذمتي."
وقفت سيارة محمد أمام سيارة خالد، فنزل الصديقان.
"محمد بقلق: خير يا خالد؟ أنت كويس؟ في حاجة حصلتلك ولا إيه؟"
"خالد ضاحكاً: يا ابني بطل دور أمي اللي أنت متقسمه ده."
"محمد بضيق: تصدق أن أنا غلطان. أولع."
صمت واشاح بوجهه. بعديا لم تمر ثانيتين حتى عاد ينظر لصديقه بقلق: "ما قولتش بردوا مالك؟"
"خالد ضاحكاً: مش هتتغير أبداً. المهم هتركب عربية لينا وتوصلها فيلا جاسم."
"محمد بقلق: ليه؟ هي لينا مالها؟"
"تنهد خالد بحزن: اغمي عليها. المهم توصلها لجاسم وتقوله إنها تعبت وإنك وديتها المستشفى وهتفضل نايمة لحد الصبح."
"محمد: ماشي يا صاحبي."
تبادلا مفاتيح السيارات، فركب خالد في سيارة محمد بينما ركب محمد في سيارة لينا متجهاً إلى فيلا جاسم.
بعد مدة وصل محمد إلى فيلا جاسم فوجد جاسم على وشك الخروج باحثاً عن ابنته عندما تأخرت.
"محمد: احم، جاسم باشا."
"التفت جاسم له يهتف باستفهام: أنت مين؟"
"محمد برسمية: حضرتك أنا الرائد محمد محفوظ. الدكتورة تعبت في الحفلة فوديتها المستشفى. الدكتور قال إنها هتفضل نايمة لحد الصبح بس هي كويسة، ما تقلقش."
"تنهد جاسم براحة: يعني لينا معاكم؟"
"محمد: آه يا أفندم، في العربية."
"جاسم بامتنان: متشكر أوي يا ابني. أنا كنت هموت من القلق وكنت لسه هخرج أدور عليها."
"محمد مبتسماً: العفو يا أفندم، على إيه دا واجبي."
لمعت في رأس جاسم فكرة ماكرة فسأل محمد بحذر: "هو أنت متجوز يا ابني؟"
تفاجأ محمد من سؤاله المباغت.
"محمد في نفسه: يا نهار أسود! أنت بتفكر في إيه يا عم؟"
"محمد: احم، أيوه يا أفندم، متجوز من 5 سنين وعندي بنوتة زي القمر."
"جاسم في نفسه بضيق: يا أدي الحظ، طلع متجوز. أنا لازم أجوزها بسرعة قبل ما الزفت اللي اسمه خالد يعرف إنها رجعت."
"محمد: طب عن إذنك."
ذهب جاسم ناحية باب سيارة لينا وفتحها وحملها على ذراعيه.
"جاسم مبتسماً: متشكر مرة تانية وتقدر تخلي العربية معاك وتبقي تجيبها في أي وقت."
"محمد سريعا: لالالا، قصدي متشكر، أنا هتصرف."
وتركه ورحل مسرعاً، بينما أخذ جاسم ابنته ووضعها في فراشها.
على مقربة من بيت جاسم كان خالد ينتظر محمد في سيارته.
"خالد: أوعى يكون شك في حاجة؟"
"هز محمد رأسه نفياً: لا ما افتكرش. ثم أكمل ضاحكاً بسخرية: ده بيسألني أنت متجوز ولا لأ؟ شكله كده عايزني أبقى عريس بنته."
نظر خالد له نظرة أخرصته لبقية الطريق. ذهب كل إلى بيته وأخيراً مر هذا اليوم بسلام.
***
في صباح اليوم التالي.
وضعت يدها على رأسها تدلك جبينها مغمضة العينين بألم.
"لينا بألم: آه يا دماغي."
دخل جاسم عليها مبتسماً.
"جاسم: صباح الفل يا حبيبة بابا."
"لينا بألم: صباح النور يا بابا. هو إيه اللي حصل؟ أنا جيت هنا إزاي؟"
"جاسم: جابك واحد اسمه محمد وقالي إنه ظابط وإنك اغمي عليكي ووداكي المستشفى وبعد كده جابك على البيت."
انكمشت ملامحها بغضب عندما تذكرت ما حدث بالأمس.
"لينا بغضب وهي تمسك رأسها: آه يا حيوان يا سافل يا قليل الأدب! أما أوريك."
"اتسعت عيني جاسم بصدمة ليهتف بغضب: انتي بتشتميني يا لينا؟ انتي اتجننتي؟"
"هزت رأسها نفياً سريعاً: لالالالا، والله العظيم يا بابا مش قصدي حضرتك، أنا قصدي على الحيوان اللي جابني هنا."
"جاسم باستنكار: ماله بقى إن شاء الله؟ ده شاب محترم ومهذب جداً."
"اتسعت عيني لينا بدهشة: هو مين ده اللي محترم؟ ده قليل الأدب وسافل! دي التربية ما عدتش على باب بيتهم."
"جاسم بضيق: مش هتبطلي الكلام البيئة ده؟ بقالك كام سنة عايشة برة وبردوا بتتكلمي بنفس الطريقة الغلط اللي البيه عودك عليه."
"لينا بملل: I am sorry dad."
"جاسم: هتروحي المستشفى النهاردة؟"
"لينا بحماس: of course، النهاردة أول يوم."
"جاسم: طب يلا يا حبيبتي اجهزي."
***
على صعيد آخر.
وكالعادة ذهب متأخراً إلى عمله.
"رفعت بضيق: اتأخرت ليه؟"
"خالد بملل: راحت عليا نومة."
"رفعت بيأس: عملت إيه في القضية اللي معاك؟"
"خالد: النهاردة بليل هطلع مع قوة وهنجيب واحد من الديلر بتوعهم."
"رفعت بإعجاب: عرفت توصله بالسرعة دي؟"
"التوى جانب فمه بابتسامة واثقة: هو أنت فاكرني بلعب؟"
"رفعت بحزن: يا ريت يا خالد لوجين حالتها وحشة أوي."
"اغمض عينيه بمرارة حزن ليردف بتصميم: قسماً بربي اللي خلق الكون لهجيب حقك يا زيدان لو آخر نفس في عمري."
"رفعت: عملت إيه مع لينا؟"
"خالد بضيق: وانت مالك ومال لينا؟"
"رفعت: أنا عايز تقارير يا خالد عشان جاسم ما يشكش."
"خالد: لو على التقارير أمرها سهل، ليك عليا أسلمك كل أسبوع تقرير حلو كده."
"رفعت بإيجاز: تمام."
"خالد: طب استأذن أنا بق."
"رفعت بشك: رايح فين؟"
"عدل خالد من وضع ياقة قميصه بغرور: هاخد لينا ونروح نتغدى بره."
"رفعت بضيق: يا ابني أنت هتجنني؟ أنت مش قلت هتروح تجيب الواد النهاردة ودلوقتي بتقول رايح اتغدى؟"
"خالد ضاحكاً بثقة: ما تقلقش يا باشا، أنا عارف أنا بعمل إيه."
"رفعت بمكر: وتفتكر لينا هترضي بعد الروسية اللي ادتهالها امبارح؟"
"خالد ضاحكاً بثقة: وحياتك هترضي، لوليتا ما تقدرش ترفض لخالد طلب."
"رفعت: أنت ناوي تكشف لها عن شخصيتك؟"
"هز خالد رأسه إيجاباً: أيوه، امبارح كانت شاكة فيا وأنا كده كده النهاردة رايح لجاسم، سلام يا سيادة اللواء."
***
في الغرفة الخاصة بها تشعر بسعادة كبيرة. لطالما عشقت ذلك المجال. جلست تخطط كيف ستجعل تلك المستشفى ذات صيت عالٍ وشهرة واسعة. عندما سمعت صوت دقات على باب الغرفة.
(مش خالد 😜😜😜)
دخل ذلك الشاب الذي كان يقف في الحفلة يراقبها بصمت.
"عصام: احم، سلام عليكم."
"لينا مبتسمة: وعليكم السلام. مين حضرتك؟"
"عصام مبتسماً: أنا يا ستي دكتور عصام نور الدين. هكون مع حضرتك هنا في قسم الجراحة العامة."
"صافحته لينا بحماس: وأنا دكتورة لينا الشريف. يشرفني أننا نشتغل مع بعض."
"عصام مبتسماً: الشرف ليا يا دكتورة. ممكن حضرتك تتفضلي معايا؟ الشغل بدأ يا دكتورة."
"لينا بحماس: آه طبعاً، let’s go."
خرجت لينا مع عصام لمباشرة عملها.
***
"شاكر بخبث: صبح يا باشا……"
"........: عايز إيه يا شاكر؟"
"شاكر بمكر: عندي ليك خبر بمليون جنيه……"
"........ بضيق: أخبارك كلها زي وشك. خبر إيه؟"
"شاكر: نقطة ضعف خالد السويسي……"
"........ ضاحكاً: وهو ده ليه نقطة ضعف؟ ده مستبيع يا ابني، ده بيطلع عمليات من غير واقي رصاص حتى."
"شاكر بخبث: اسمع بس اللي عندي. خالد السويسي من وهو صغير بيحب بنت الجيران. اللي حصل أن ولما تم 18 سنة خطبها من أبوها. اللي حصل أن أبوها شافه مرة كان بيبوسها تقريبا، فخد البنت وسافر. فضل صاحبك يدور 12 سنة……"
"........ بملل: أيوه وبعدين يعني؟ أخرة الفيلم الهندي ده إيه؟ هندور إحنا عليها؟"
"شاكر: ندور على مين؟ البت رجعت وخالد كان معاها امبارح……"
"........ بضيق: ما تخلص يا شاكر وتخش في الموضوع على طول."
"شاكر: بص بقي، البت دي هي الشوكة اللي هتكسر ضهر ابن السويسي وأنا عندي بدل خطة عشرة. هنقدر نستخدم حبيبة القلب فيهم……"
"........: تعجبني يا شاكر."
"شاكر بثقة: تلميذك يا باشا."
***
وقف بسيارته أمام تلك المستشفى الفخمة.
"خالد ساخراً: لاء، واضح أن جاسم صارف ومكلف."
ترجل من سيارته متجهاً إلى مكتب الاستقبال.
"خالد: مكتب دكتورة لينا الشريف."
"الموظف: الدور الثالث، أول أوضة على اليمين."
هز رأسه إيجاباً بإيجاز. اتخذ طريقه عبر المصعد إلى أن وصل إلى الطابق الثالث. كان يستمع إلى تهمسات الممرضات المعجبات بوسامته فيزداد غروراً. وصل إلى غرفة مكتبها. دق الباب عدة مرات فلم يتلق رداً، ففتح الباب ودخل. جال بعينه في أرجاء الغرفة فوجدها فارغة. فذهب ناحية أريكة جلدية سوداء وجلس عليها بارتياح واضعاً قدماً فوق أخرى، يعبث بهاتفها الذي وجده فوق سطح المكتب.
***
"عزة صااارخة: أخيراً استراحة الغدا. ده أنا هموت من الجوع."
"لينا ضاحكة: والله يا عزة أنتي عسل خالص. أنا بجد مش مصدقة أن انتي وسمية تؤام. سمية هادية خالص عكسك تمام."
"وليد ضاحكاً: بسرعة يا جماعة هاتولها أي حاجة تاكلها دي ممكن تأكل المرضى."
"عصام مبتسماً: مش تيجي معانا يا دكتورة؟"
"لينا مبتسمة: هجيب موبايلي وأحصلكوا."
ذهب عزة ووليد وعصام وسمية إلى الكافتيريا.
بينما كالعادة يعبث بهاتفها. ظلت تنظر له للحظات عقدت الصدمة لسانها عن الكلام، إلى أن سمعته يهتف بسخرية: "هتفضلي متنحة كده؟"
انكمشت ملامحها بغضب فهتفت فيه: "أنت إيه اللي جابك هنا يا بتاع أنت؟ وإزاي تدخل مكتبي من غير إذن؟ يا نهارك مش فايت! وكمان ماسك موبايلي؟ ده أنت بجح أو."
رفع نظره عن شاشة هاتفها وقد ألوي جانب فمه بابتسامة ساخرة ليهتف ببرود: "دي طريقة بتعاملي بيها الضيوف."
عضت على شفتيها بغيظ: "امشي اطلع برة يا كائن الديب فريز أنت."
"خالد مبتسماً باستفزاز: قهوة مظبوط."
"لينا غاضبة: لاء، ده أنت مجنون رسمي."
"خالد ضاحكاً: يا بنتي اهدي، هتفرقعي."
احمر وجهها من الغضب: "بقولك إيه اطلع برة يا بارد أنت وهات موبايلي."
"قام من مكانه ومد كف يده بهاتفها: تعالي خديه."
تقدمت ناحيته تدبدب على الأرض بغضب، مدت يدها لتخطف هاتفها من يده سريعاً، ولكنه كان أسرع حين أبعد يده سريعاً.
فصرخت فيه غاضبة: "هااااات الموبايل."
رفع حاجبيه ببراءة مصطنعة: "الله، ما تاخديه، حد حايشك."
مد يده مرة أخرى بالهاتف، وعندما حاولت أخذه قبض على كف يدها برفق. نظرت له بغضب كادت أن تصرخ فيها، ولكنها صمتت تماماً عندما هتف بحنان: "وحشتيني يا لوليتا."
اتسعت عينيها حتى كادت تملأ وجهها. تسارعت دقات قلبها بشدة. خرجت الأحرف من بين شفتيها بصعوبة: "خخخال."
"هز رأسه إيجاباً: وحشتيني يا لوليتا."
"هزت رأسها نفياً سريعاً: لا لا مستحيل يكون أنت."
"خالد ضاحكاً: وليه مستحيل يا ست لوليتا؟"
"لينا بضيق: عشان خالد اللي أنا عرفاه كنت بجري أستخبي في حضنه لما حد يزعلني، لكن انت……"
"خالد مقاطعاً: حيوان وبارد وغلس ورخم وكائن الدب القطبي والديب فريز، صح يا لوليتا؟ فاكرة كنتي بتحبي اللوليتا قد إيه؟"
"ضيقت عينيها بغيظ لتهتف بضيق طفولي: آه. فروحت مسميني لوليتا."
"خالد ضاحكاً: اعملك إيه؟ ما انتي اللي كنتي بتاكلي لوليتا أربعة وعشرين في اليوم وكنتي مقلبظة وبخدود كده مش خلة السنان اللي قدامي."
"لينا بحزن: ليه بقيت كده يا خالد؟"
"خالد مبتسماً لأول مرة بحزن: الزمن يا لوليتا، ما فيش حد بيفضل على حاله. بقولك إيه تيجي نخرج نتغدى؟"
"لينا بضيق: لاء يا راجل، ده أنت ادتني روسية امبارح وجاي النهاردة تقولي تعالي نخرج."
"خالد بحدة: احمدي ربنا إني ما ولعتش فيكي بالفستان اللي كنتي لابساه."
"لينا بضيق: ماله بقى الفستان إن شاء الله؟ ده قمر أحلى من القمر فيه."
"خالد ضاحكاً: لاء يا حبيبتي، انتي بالظبط كنتي عاملة بلالين المولد."
"اتقع وجهها بغضب من سخريته كادت أن ترد عندما عاجلها هو وهتف بغضب: ما فيش راجل امبارح في الحفلة إلا وكل جسمك بعينيه. قسماً بربي يا لينا لو شفتك لابسة الزفت ده تاني هعلقك. اللهم بلغت."
"المهم يلا عشان إحنا اتأخرنا وأنا واقع من الجوع."
وبدون كلمة أخرى سحب يدها برفق خلفه وأخذها وخرج من المستشفى.
***
"……: خدها وخرج من المستشفى. لاء بصراحة البت مزة تستاهل. لاء أنا وراه ما تقلقش. يا عم خلاص هنفذ اللي قلت عليه ما تقلقش. البت مزززززة بصراحة. طب سلام بق."
"أغلق ذلك الشخص الخط وانطلق بسيارته خلف سيارة خالد."
بعد قليل وقف خالد بسيارته أمام مطعم فخم يطل على النيل. خرج من سيارته والتف حولها ليفتح الباب لها. (لاء الواد چنتل ما فيش كلام 😂)
أخذها ودخلا المطعم. أرشدهما النادل إلى إحدى الطاولات فاتجه إلى إياها. سحب لها الكرسي فجلست عليه. (أنا قلت إنه چنتل) ثم ذهب وجلس أمامها.
"النادل: تحبوا حضرتكوا تطلبوا إيه؟"
"خالد: اتنين استيك وخضار سوتيه وشوربة كريمة."
"النادل: تمام يا أفندم. تحبوا تشربوا حاجة على ما الأكل يجهز؟"
"خالد: واحد مانجا وواحد قهوة مظبوط."
أخذ النادل الطلبات ورحل.
"خالد: ساكتة ليه؟"
"ابتسمت لينا بسخرية: طب الحمد لله إنك شايفني."
"خالد ضاحكاً: إيه الهبل اللي انتي بتقوليه ده؟"
"لينا غاضبة: هبل والله الهبل اللي أنت بتعمله. أنت إزاي تطلبلي من غير حتى ما تقولي؟"
"خالد ببراءة: هو أنت كنت هتطلبي حاجة تانية؟ تحبي أغيرلك الأوردر؟"
"لينا بغيظ: لاء، كتر خيرك شكراً."
"خالد مبتسماً باستفزاز: العفو يا حبيبتي. المهم أنا مش عايزك تقولي لجاسم إنك شوفتيني. أنا كده كده رايحله النهاردة."
"لينا بترقب: رايحله ليه؟"
"خالد: هيكون ليه يعني؟ هطلب إيدك."
"لينا: ومين قالك إن أنا موافقة؟"
"خالد غاضباً: نعم يا أختي؟"
"لينا: لو سمحت وطي صوتك، إحنا في مكان عام وفي ناس."
"خالد غاضباً: طظظظ. إيه حكاية مش موافقة دي؟"
"لينا: أنت عايزني أتجوز واحد متجوز اتنين. بص يا خالد خلينا أصحاب أحسن."
ظل يفتش في ملابسه بضيق: "هو فين راح فين؟"
"لينا: بتدور على إيه؟"
"خالد بضيق: نسيته في العربية."
"لينا باستفهام: هو إيه ده؟"
"خالد غاضباً: المسدس اللي هفرتك بيه دماغك. بصي يا لينا عايزك تعرفي حاجة مهمة. انتي بتاعتي ومن زمان وما فيش مخلوق على وجه الأرض هيقدر يبعدك عني تاني. أظن واضح."
"لينا غاضبة: لاء مش……"
"قاطعها خالد: هششش. انتي لسه هترغي؟ الموضوع انتهى. اشربي العصير يلا."
"اتسعت عينيها بصدمة. مجنون؟ هي دي الكلمة الوحيدة التي ترددت داخل عقلها."
أحضر لهم النادل الطعام فبدأ يأكل بهدوء ينظر لها بين الحين والآخر ليتأكد أنها بالفعل أمامه. دقات قلبه ترقص فرحاً. لاحظ تجهم وجهها بضيق، فهتف بقلق: "مالك؟ انتي تعبانة ولا إيه؟"
"هزت رأسها نفياً: أنا كويسة."
عاد يأكل مرة أخرى وعينيها تنظر له. لاحظ أنها لا تنظر له بل تنظر خلفه، فتلقائياً نظر خلفه. لتشتعل عينيه بغضب عندما وجد شابين جالسين على الطاولة خلفه يغازلان لينا بطريقة مقززة. وبدون كلمة أخرى اندفع ناحية طاولتهما. استطاع أحدهما الهروب من براثنه، بينما وقع الآخر بين براثن الوحش.
"خالد غاضباً وهو يضربه: أنا هحرمك تبص لأي بنت تاني يا ابن ال……"
"انطلق أعاصير غضبه تصعق ذلك الشاب حتى سقط أرضاً غارقاً في دمائه، بينما تصرخ لينا فيه."
"لينا صارخة: كفاااااية يا خالد! سيبه يا خالد كفاية! سيبه مش هو والله مش هو! يا خالد هيموت في إيدك حرام عليك! كفاية!"
"صرخ خالد غاضباً في النادل: هاتلي الزفت مدير المطعم."
"هرول النادل سريعاً عاد بعد ثواني ومعه المدير."
"المدير: خير يا أفندم؟"
"خالد غاضباً: المفروض إن ده مطعم محترم وما ينفعش أبقى قاعد مع خطيبتي وألاقي عيل زي الكلب ده بيعاكسها."
"نظر المدير ناحية الملقى أرضاً ليتنهد براحة في نفسه: الحمد لله مش هو."
"المدير: إحنا آسفين يا أفندم وأوعد حضرتك إنها مش هتتكرر تاني."
"خالد بتوعد: أحسن لك ما تتكررش تاني."
وضع يده في جيب بنطاله وأخرج بعض النقود وألقاهم على الطاولة، ثم قبض على رسغ يدها يجرها خلفها إلى سيارته. ولكنها بصعوبة أن تفلت يدها من يده.
"لينا صارخة بغضب: أنت بني آدم متخلف ومجنون وهمجي وحيوان!"
"خالد غاضباً: كنتي عايزاني أعمل إيه وأنا شايفة بيعاكسك؟"
"لينا غاضبة: في مليون طريقة تانية غير إنك تضربه بالوحشية دي."
"ابتسم لها بسخرية ليهتف بتهكم: ده الموضوع كان عاجبك بقى وأنا مش واخد بالي؟"
"احتقنت عينيها بغضب. لقد تجاوز حده كثيراً. وبدون تفكير كان كف يدها يهوي على وجنته بصفعة قوية."
يتبع…
رواية أسير عينيها الفصل السادس 6 - بقلم دينا جمال
ابتسم لها بسخرية ليهتف بتهكم:
دا الموضوع كان عاجبك بقي وأنا مش واخد بالي.
احتقنت عينيها بغضب، لقد تجاوز حده كثيراً، وبدون تفكير، كان كف يدها يهوي على وجنته بصفعة قوية.
اشتعلت عيناه من الغضب، بالتأكيد جنت تلك الفتاة لتفعل ذلك.
صرخ فيها بغضب أفزعها:
انتي اتجننتي؟ انتي عارفة أنا ممكن أعمل فيكي إيه بعد اللي عملتيه دا؟ أنا أبويا وأمي عمرهم ما مدوا أيديهم عليّ.
ردت بثقة عكس دقات قلبها التي كادت أن تنفجر من شدة خوفها:
كان المفروض يعملوا كده ومن زمان بدل ما أنت متفرعن وشايف نفسك أوي كده.
رفعت سبابتها أمام وجهه تهتف بتحذير:
مش عايزة أشوف وشك تاني، أنت فاهم؟ وانسي إنك في يوم كنت تعرف واحدة اسمها لينا.
هتفت بألم:
أنا اللي غلطانة إني في يوم حبي… عرفت واحد حيوان زيك.
تركته ورحلت سريعاً، هي واثقة من أنها لو بقيت ثانية أخرى سيقتلها دون تردد. أوقفت سيارة أجرة لتذهب إلى منزلها، فكفى ما حدث اليوم.
بينما يقف هو كالتمثال يضغط على قبضة يده بشدة حتى ظهرت عروقه الزرقاء النافرة، تصرخ بغضب. استطاع السيطرة على غضبه بمعجزة، لو كانت شخصاً آخر لكان قتله دون تردد.
خالد في نفسه بتوعد:
حسابك تقل أوي يا حبيبتي، بس هانت، كلها أيام وهتبقي تحت إيدي وهدفعك تمن القلم دا غالي أوي.
استقل سيارته وانطلق يشق غبار الطريق من سرعته. ذهب إلى صالة تدريباته ليخرج غضبه في تلك الآلات المسكينة.
***
في فيلا جاسم.
دخلت لينا راكضة إلى غرفتها.
فريدة بقلق:
لوليتة مالك يا حبيبتي؟
صعدت خلف ابنتها سريعاً فوجدت ملقاة على الفراش تبكي.
فريدة:
مالك يا لوليتا؟
لينا باكية:
أنا بكرهه، بكرهههههه أوي.
فريدة:
هو مين ده؟
هزت رأسها نفياً وهي تمسح دموعها بعنف:
ما فيش يا ماما، لبنى كان عندها حق، دا ما يستاهلش حتى إني أفكر فيه.
فريدة:
يا حبيبتي، انتي بتتكلمي عن مين؟ أنا مش فاهمة منك حاجة.
لينا:
ما فيش يا ماما، أنا بس تعبانة وعايزة أنام.
فريدة بحنان:
طب يا حبيبتي نامي دلوقتي ولما تصحي نبقى نتكلم.
تسطحت على الفراش تحتضن ساقيها، لتدثرها فريدة جيداً وقبلت جبينها بحنان. خرجت وتركتها وهي تنظر لها بحزن.
نزلت إلى أسفل فوجدت جاسم كالعادة منشغل في مكتبه، العمل يأخذ كل وقته كعادته. إن ذهبت وأخبرته أن ابنته تبكي سيرد عليها بجملته المعتادة: "دلع بنات، مش لو كنتي خلفتي ولد ما كنتش هفضل شايل همه، روحي يا فريدة أنا مش فاضي".
تنهدت بحزن، فجاسم لم يكن أبداً حنوناً على ابنته منذ أن كانت طفلة، ذلك ما جعلها متعلقة بخالد بشدة، فقد كان يعوضها عن حنان الأب الغائب عنها. أين أنت يا خالد؟
سمعت صوت دقات على باب المنزل، ذهبت ناحية الباب وفتحته لتتسع عيناها بصدمة. هل خرج من أفكارها ليتجسد لها أمام عينيها؟
فريدة بصدمة:
خااالد!
خالد مبتسماً:
أيوه يا فيري، خالد.
فريدة ضاحكة:
هههههه يا ضنا، مش هتبطل الاسم دا أبداً.
خالد ضاحكاً:
أبداً، لوليتا نايمة صح؟
فريدة بدهشة:
صح؟ أنت عرفت إنها رجعت؟
ارفع ياقة قميصه بغرور:
مصادري الخاصة، جاسم فين؟
فريدة بحذر:
في مكتبه.
خالد:
بالله عليك من غير خناق.
خالد:
ما تقلقيش، المرة دي هنتفاهم بالعقل وأنا واثق إني هقنعه.
فريدة:
طب تعالا معايا.
اصطحبت فريدة خالد إلى مكتب جاسم.
خالد:
ممكن تتفضلي انتي، أنا عايز أتكلم معاه لوحدي.
هزت فريدة رأسها إيجاباً وتركتهم ورحلت. دق خالد الباب.
جاسم من الداخل:
ادخلي يا فريدة.
فتح الباب بهدوء ودخل. وجد جاسم جالساً خلف مكتبه يطالع أوراق إحدى القضايا باهتمام.
خالد:
صباح الخير يا عمي.
رفع جاسم عينيه ينظر للواقف أمامه بغضب:
أنت! إيه اللي جابك هنا؟
***
الله يخربيتك، دا مجنون! أنت مش شايف عمل إيه في حتة؟
هتف بها ذلك الشخص بغضب وهو يتحدث في هاتفه.
شاكر ساخراً:
وأنا اللي فاكرك هتعرف تعلق البت وعمال تقولي أنا دنجوان وثق فيا ومش هتاخد في إيدي عشر دقايق...
غاضباً:
بقولك إيه، أنت عارف إن أنا مش مجبر أعمل كده وإني بعمل كده تسلية مش أكتر، أنت عارف أنا مين كويس.
شاكر:
عارف يا سيدي، هتكمل ولا أشوف واحد غيرك...
سريعاً:
لأ طبعاً، أنا مش هسيب المزة دي تعدي من تحت إيدي، هما يومين وهضمها لقائمة حريمي.
شاكر ضاحكاً:
تعجبني يا زوز، enjoy يا برنس.
***
خالد:
محمد، ارمي الواد دا في حجز انفرادي، خد بالك هيحاولوا يقتلوه.
محمد بدهشة:
انت جبته إزاي؟
خالد ضاحكاً:
ما شوفتنيش وأنا عامل إبراهيم الأبيض.
Flash back.
بعد بحث مكثف استطاع خالد أن يعرف مكان عضو مهم من أعضاء تلك العصابة يعمل في توزيع المخدرات في إحدى المناطق الشعبية. دخل المنطقة متخفياً في صورة بائع أنابيب ليستطيع دخول العمارة السكنية التي يسكن فيها ذلك الرجل.
ما كاد يخطو خطوة واحدة داخل العمارة حتى سمع صوت يهتف من خلفه بخشونة:
أنت مين ياض ورايح فين؟
خالد:
أنا راجل على باب الله وطالع أسترزق.
الحارس:
تتفتش الأول يا حيلته.
بدأ الحارس بتفتيشه فلم يجد معه شيئاً.
الحارس:
غور وما تتأخرش.
خالد:
حاضر يا بيه.
صعد إلى الشقة المطلوبة ودق الباب.
خالد بصوت عالٍ:
أنااااابيب!
يفتح له شاب في أواخر العشرينات يرتدي (فانلة حملات بيضاء وسروال كحلي).
الرجل:
عايز إيه يا جدع أنت؟
خالد بطريقة سوقية:
محسوبك برعي أنابيب يا بيه.
الرجل غاضباً:
غور ياض من هنا.
خالد برجاء:
ليه بس كده يا بيه؟ دا أنا لسه بستفتح، بالله عليك ما تكسر بخاطري، دا أنا بجري على كوم لحم.
الرجل بانزعاج:
يووووه، دا أنت رغاي قوي، خش حط الأنبوبة وغور.
دخل خالد إلى المنزل وهو يحمل الأنبوبة على كتفه.
خالد:
احم احم، يا رب يا ستار.
الرجل:
حط الأنبوبة عندك وغور يلا.
خالد:
حاضر يا بيه.
وضع خالد أسطوانة الغاز جانباً ووقف يتفحص ذلك المنزل الصغير بعينيه. لفت نظره مجموعة من الصناديق الصغيرة مختفية في أحد الجوانب.
فاق على صوت الرجل وهو يهتف فيه بحنق:
خد الفلوس أهيا.
أخذ منه النقود وقبلها ووضعها في جيبه:
توشكر يا بيه، بقولك يا بيه، الهي ربنا يسترك دنيا وآخرة، تقولي بس دورة الماية فين؟ أصل بعيد عنك عندي السكر و...
الرجل بضيق:
بس بس، أنت لسه هترغي؟ عندك آخر الطرقة على اليمين.
خالد سريعاً:
توشكر يا بيه.
دخل خالد إلى المرحاض سريعاً. دقائق وبدأ يصرخ، فهرع له الرجل سريعاً يهتف فيه بغضب:
أنت بتصرخ ليه ياض؟
خرج خالد من المرحاض، جسده يرتجف، يمسك رأسه بكفيه، يضع عليه بقوة، يصرخ بألم، صدره يعلو ويهبط بسرعة.
الرجل غاضباً:
مالك ياض أنت ملبوس ولا إيه؟
خالد بألم:
البرشامة، البرشامة، همووووووت، اااااااااااه!
الرجل ضاحكاً:
هو أنت منهم؟ طب تعالا تعال.
سحب ذلك الرجل خالد خلفه إلى صالة البيت الصغيرة. وذهب ناحية تلك الصناديق ليخرج منه كيس بودرة صغير.
الرجل بخبث:
أنا عندي اللي أحسن من مليون برشامة، كبسسسسسة يا معلمي، كبسسسسسة.
الرجل غاضباً:
الله يخربيت وشك!
أسرع يركض عندما سمع صوت شد أجزاء مسدس قادماً من خلفه.
خالد:
لو اتحركت من مكانك هفجر دماغك.
تصنم الرجل مكانه من تلك المفاجأة. كاد أن يركض عندما باغته خالد برصاصة مرت بجانب رأسه مباشرة.
خالد:
المرة الجاية هتبقى في دماغك.
تقدم منه بخطوات واسعة إلى أن وقف أمامه.
خالد ضاحكاً:
بس، إيه رأيك بعرف أمثل مش كده؟
وعلى حين غرة صدم رأسه برأس ذلك الرجل فسقط الأخير أرضاً.
BACK.
محمد ضاحكاً:
دا أنت عليك دماغ.
خالد:
كثق عليه الحراسة، دا أهم خيط هيوصلنا لأسمه شاكر.
محمد:
تمام، ما تقلقش.
خالد:
طب أمشي أنا بقى عشان هلكان وهموت وأنام.
***
هتيجي يا عمر ولا لاء؟
عمر بقلق:
بلاش أحسن، أنت مش عارف خالد مستنيلي غلطة.
الشاب ضاحكاً:
إيه يا موري، أنت بتخاف من أخوك ولا إيه؟ والله عيب على الرجالة.
عمر غاضباً:
لأ طبعاً مش خايف منه، أنا أنا أنا بحترمه، ما بخافش منه.
سامر ضاحكاً:
طب يلا يا موري، دي هتبقى درمغة.
أخذ سامر عمر إلى إحدى الملاهي الليلية وبدأ بالرقص واحتساء المشروبات.
(احذر من صديق السوء، فالمعصية لذيذة كالحلوى، حادة كالموس، في النهاية لن تجد سوى طعم دمائك التي أهدرتها بنفسك).
***
مساء الفل يا أمي.
زينب مبتسمة:
مساء الخير يا حبيبي، اتأخرت ليه كده؟
خالد:
من امتى وأنا ليا معاد يعني؟
زينب بضيق:
أنت هتقوللي؟ وعمر كمان لسه مجاش.
خالد في نفسه:
ليلتك سودا يا عمر.
خالد مبتسماً:
اطلعي انتي ارتاحي وأنا هستناه.
زينب:
ماشي يا ابني، تصبح على خير.
خالد:
وانتي من أهله.
***
عمر بسكر:
كفاية كده يا سامر، أنا مش شايف قدامي.
سامر بسكر:
عندك حق، تصبح على خير يا موري.
عمر ضاحكاً:
دا أنا هاكل علقة لو روحت وكان خالد في البيت.
سامر ضاحكاً:
يا عم علقة تفوت ولا حد يموت.
عمر ضاحكاً:
اللي يغيظك يا أخي إن هو بيشرب ومحرج عليا الشرب، بيحلل الحاجة ليه ويحرمها على غيره.
استقل عمر سيارته وقادها بسرعة كبيرة إلى منزله.
وضع المفتاح في مكانه في قفل الباب وأداره ببطء شديد. سمع صوت انفتاح القفل فتنهد براحة. دفع الباب بهدوء حتى لا يسمعه أحد.
أطل برأسه من فتحة الباب الصغيرة التي فتحها يتطلع حوله بحذر. هتنهد براحة عندما وجد المكان يغرق في بحر من الظلام ولا أثر لوجود أي من أسرته مستيقظاً.
دخل بخفة وأغلق الباب.
عمر:
الحمد لله كلهم نايمين، اطلع بسرعة قبل ما حد يشوفني.
الحمد لله على السلامة يا عمر.
تصنم عمر في مكانه كأن صاعقة كهربائية ضربت جسده. فرت الدماء هرباً من جسده، شحب وجهه كالموتى.
التفت ببطء وهو يدعو الله بداخله أن يكون ما سمعه مجرد خياله المريض فقط. نظر ناحية مصدر الصوت فوجده جالساً في الظلام، ومع ذلك استطاع رؤية تلك اللمعة المخيفة التي تضيء في عينيه وكأنه حيوان ضارٍ يستعد للانقضاض على فريسته.
ازدرد عمر ريقه عدة مرات بفزع:
ممممساااء الخير يا اااابيه.
قام من على كرسيه ببطء شديد واضعاً كفيه في جيبي بنطاله. خرج من ذلك الركن المظلم يمشي ناحية ذلك الواقف يرتجف رعباً بخطوات ثابتة يسمع صداها المنتظم. إلى أن وقف أمامه مباشرة. تمنى ذلك الفتى في تلك اللحظة أن تنشق الأرض وتبتلعه عوضاً عن أن يرى تلك النظرات، نظرات غاضبة مخيفة خبيثة.
خالد بهدوء:
كنت فين يا عمر؟
بلع الأخير ريقه فقد شعر بأن حلقه قد أصبح قحطاً جافاً من شدة خوفه:
ككككحك.
خالد ذقنه بأطراف أصابعه بهدوء وقد انثنى جانب فمه بابتسامة ساخرة:
إيه، هتكاكي كتير؟
عمر بخوف:
كككنت بببذاكر مع اصحابي يا ابيه.
خالد ضاحكاً بسخرية:
في الديسكو؟ بتذاكر مع أصحابك في الديسكو؟ إيه عندك بكرة تسميع أغنية زلزال؟
أخرج خالد هاتفه من جيب بنطاله ووضعه أمام وجه أخيه الصغير.
خالد بحدة:
إيه رأيك، تفتكر رد فعل أبوك إيه لما يشوف البيه بيسكر وبيرقص مع شوية ××××؟
أطرق عمر رأسه بخوف أكثر من كونه خزي:
أنا آسف يا ابيه، مش هتكرر تاني.
ابتعد خالد عنه ذاهباً إلى كرسي بعيد فجلس عليه بعنجهية واضعاً قدماً فوق أخرى. يحرك سبابته وابهامه على ذقنه يفكر ليهتف بجمود:
تفتكر أعاقبك ازاي يا عمر؟
كاد الأخير أن يسقط صريعاً من الفزع. خرجت الحروف من بين شفتيه بخوف:
اللللي تشوفه يا ااابيه.
أرجع رأسه في الكرسي مغمضاً عينيه بهدوء.
هتف بهدوء وهو مازال على تلك الحالة:
300 ضغطة.
اتسعت عيني عمر بصدمة:
كاااااام؟
خالد ضاحكاً بسخرية:
إيه، عندك اعتراض ولا حاجة؟
عمر سريعاً:
لالا، أبداً.
خالد:
طب ابدأ واقف ليه؟
***
في صباح اليوم التالي.
استيقظ خالد على صوت طرقات متتالية على الباب. قام وهو يترنح من التعب والمشروب وفتح الباب فوجد والدته.
خالد بضيق:
في إيه يا ماما خير؟
زينب بامتعاض:
خير أنا، خير أنت، ممكن أعرف آخرة اللي أنت بتعمله في نفسك ده إيه؟
خالد بضيق:
اصطبحنا بقى، عايزة إيه يا ماما؟
زينب:
وسع، ادخلني الأول.
فتح لها المجال لتدخل إلى غرفته. ما إن دخلت حتى شهقت في فزع.
زينب:
إزازتين يا خالد؟ حرام عليك يا ابني نفسك وصحتك.
خالد:
ما لهمش قيمة عندي.
زينب:
بس ليهم قيمة عندي أنا، لو حصلك حاجة أنا هروح فيها.
خالد بحنان:
بعد الشر عليكي يا ست الكل.
أرادت زينب أن تغير مجرى الحديث.
زينب:
انت ما روحتش الشغل النهاردة ليه؟
خالد بضيق:
شوية ورايح.
زينب:
على فكرة رفعت بيشتكي منك.
خالد ضاحكاً:
يحمد ربنا إني بروح أصلاً. قوليلي البت ياسمين فين؟
زينب:
ياسمين نزلت من بدري مع أنور، عشان يجيبوا شوية حاجات ناقصة للفرح.
خالد:
آه، قولتيلي. خرجت مع سي زفت.
زينب:
أنا مش عارفة أنت ما بتحبوش ليه.
خالد:
مش عارف، بس مش مرتاح له. المهم حضرتك كنتي عايزاني في إيه؟
زينب سريعا:
آه صحيح، صاحبتي ميرفت وبنتها نسرين جايبين يزوروني النهارده ومش عايزة أقولك بقى يا خالد نسرين حاجة كده قمر قمر.
خالد بضيق:
بصي يا ماما أنا هعمل نفسي ما سمعتش حاجة، واتفضلي لو سمحتي يا ماما عشان عايز أغير هدومي.
زينب:
ما قولتليش بردوا إيه رأيك؟
خالد بضيق:
لأ، عرفتي رأيي.
زينب بامتعاض:
يا خالد يا ابني، طب شوفها بس يمكن تغير رأيك.
خالد مقاطعاً:
خلاص يا ماما الموضوع انتهى، اتفضلي بقى حضرتك عشان متأخر.
خرجت زينب من غرفته غاضبة وهي تمتم مع نفسها بضيق:
ماشي يا خالد، بردوا هتشوفها، البت أصلاً مستنية تحت، يعني كده كده هتشوفها وأنت خارج.
في غرفته انتهى من تبديل ملابسه فنزل متوجهاً إلى أسفل. ما كاد يفتح باب المنزل حتى سمع صوت أمه وهي تنادي عليه.
زينب:
مش هتيجي تسلم يا خالد؟
عض على شفتيه بغيظ. التف لهم وعلى شفتيه ابتسامة صفراء.
خالد مبتسماً:
أهلا وسهلا.
زينب:
دي ميرفت صاحبتي.
خالد:
أهلا وسهلا يا مدام ميرفت.
زينب:
والقمر دي نسرين بنتها.
خالد:
أهلا وسهلا يا مدام نسرين.
لكزته زينب في كتفه بضيق وهتفت بصوت منخفض:
آنسة! الله يخربيت دماغك.
رن هاتف خالد في تلك اللحظة. نظر إلى هاتفه فوجد رقم محمد فلمعت برأسه فكرة.
فتح الخط وخالد بسهتانة:
أيوة يا حبيبتي، انتي كمان وحشتيني أوي.
محمد بدهشة:
حبيبتك مين يا كبير؟ أنا محمد.
خالد:
بتقولي إيه؟ البيبي تاعبك طبعاً، طالع شقي زي باباهم.
محمد مندهشاً:
بيبي مين يا ابني اللي تاعبني؟ أنا محمد يا خالد.
خالد:
عارف، لأ أنا لما أجي هخليه يسكت خالص، سلام يا حبي.
أنهى خالد المكالمة المصطنعة ونظر إليها فوجد علامات الدهشة على وجه أمه وعلامات الغضب على وجه صديقتها، وعلامات الحزن على وجه الفتاة.
خالد:
احم، طب عن إذنكوا أنا بقى.
تركهم ورحل سريعاً. استقل سيارته متجهاً إلى عمله. في الطريق عاود الاتصال بصديقه.
خالد:
أيوة يا محمد.
محمد:
إيه يا ابني الجنان اللي كنت بتقوله ده؟ دا أنا بدأت أشك فيك.
خالد:
اثبت ياض، تشك في مين؟ الحكاية وما فيها إني كنت بخلص من واحدة من مجايب عمتك.
محمد ضاحكاً:
قولتلي، المهم أنت فين؟
خالد:
جاي في الطريق.
محمد:
طب ما تتأخرش الل...
خالد مقاطعاً:
اللوا رفعت قالب عليك الدنيا، حاضر جاي أهو.
***
ميرفت غاضبة:
ما كانش العشم يا حجة زينب تجيبينا على ملا وشنا ويطلع ابنك متجوز!
زينب:
لأ لأ متجوز إيه، هو خالد كده بيحب يهزر.
ميرفت:
هزار إيه يا حجة زينب؟ دا متجوز ومراته حامل كمان.
ثم قامت غاضبة متجهة ناحية الباب هي ونسرين.
زينب بضيق:
آه منك يا خالد، هتجنني بعمايلك دي.
***
في مستشفى الحياة.
كان يوم روتيني عادياً إلى أن تفاجأت لينا بزيارة أسعدتها كثيراً. فبينما كانت منهمكة في عملها، دق باب مكتبه.
لينا:
ادخل.
نظرت لينا إلى من دخل فتفاجأت بصديقاتها.
لينا بفرحة:
مش معقول! وحشتوني جدا جدا جدا، أنا مش مصدقة إنكم هنا.
نهت وهي تحتضنها:
لأ يا ستي صدقي، وحشتيني أوي يا لولو.
سلمى:
حمد لله على سلامتك يا لولو.
ساندرا:
سبع سنين يا جزمة ما تسأليش عنا، بس وحشتيني أوي أوي.
لينا:
الله يسلمكوا والله وحشتوني أوي أوي، بس أنا زعلانة منكم، لسه فاكرين تسألوا عليا دلوقتي.
نهي:
مش قصدنا والله، إحنا قولنا نسيبك تستريحي شوية من السفر وبعد كده نطب عليكي زي القضا المستعجل.
لينا:
بجد دا أحلى قضا مستعجل في حياتي، وحشتوني جدا.
سلمى:
أنتي أكتر يا حبيبتي، يلا بقى إحنا هنقضيها سلامات ولا إيه، يلا نخرج.
ساندرا:
استني بس يا بنتي، لنكون هنعطله.
لينا:
لأ أبداً، عايزين تخرجوا؟
ساندرا:
أنا عن نفسي واقعة من الجوع، يلا نروح نتغدى.
لينا:
ماشي يلا بينا.
أنهت نهي:
أنا بقى هوديكوا حتة مطعم فظيع وكمان ببص على النيل، عشان أنا عارفة يا لولو بتحبي النيل قد إيه.
توجهت الأصدقاء الأربعة إلى سيارتهم وقادتهم سيارة نهي إلى المكان المطلوب. أمام أحد المطاعم المطلة على النيل.
وقفت سيارة نهي ولحقت بها باقي السيارات.
نهي:
إيه رأيكوا بقى في المطعم؟
أبدى الجميع سعادتهم من شكل المطعم وموقعه، إلا لينا فقد جاءت إلى هذا المطعم من قبل مع خالد وما زالت تحمل عنه ذكرى سيئة للغاية.
نهي:
لينا، يا لينا، إيه يا بنتي؟ روحت فين؟
لينا:
ها، أنا معاكوا أهو.
نهي:
ما عجبكيش المطعم ولا إيه؟
لينا:
لأ، حلو جداً.
نهي:
اومال سرحتي في إيه؟
لينا:
لأ أبداً، في الشغل مش أكتر.
سلمى:
طب يلا بينا ندخل.
دخلت الفتيات إلى المطعم وتوجهوا إلى إحدى الطاولات وجلسوا يتحدثون في أمور شتى حتى جاءهم النادل.
النادل:
تحبوا حضرتكوا تطلبوا إيه؟
نهي:
أنا هاخد استيك.
سلمى:
وأنا زيها.
ساندرا:
أنا هاخد برياني.
نهي:
وإنتي يا لينا هتاخدي إيه؟ لينا، يا لينا، يا بنتي!
لينا:
هـ...
سلمى:
لأ دا انتي مش معانا خالص.
لينا:
معلش، كنت سرحانة شوية.
نهي:
بقولك هتطلبي إيه؟
لينا:
أي حاجة.
النادل:
تحبي حضرتك تاخدي استيك؟ حضرتك طلبتيه لما كنتي مع الباشا خطيب حضرتك.
لينا بصدمة:
لأ، لأ، أنا هات أي حاجة تانية.
ذهب النادل لإحضار الطلبات.
نهي:
نهار أسود! اتخطبتي من ورايا؟
سلمى:
اومال مش لابسة دبلة ليه؟
ساندرا:
أيوه بقى يا عم خايفة تتحسدي ولا إيه؟
لينا:
اسكتوا بقى وخليني أفهمكوا اللي حصل.
قصت لينا على صديقاتها ما حدث معها منذ أن قابلت خالد في الافتتاح.
نهي:
دا بني آدم مستفز.
سلمى:
دا أنا من كلامك بس عايزة أروح أولع فيه.
ساندرا:
يا بااي! هو في حد كده؟
لينا:
شوفتوا بقى إن أنا مظلومة وما اتخطبتش من وراكوا ولا حاجة.
نهي:
بس خلاص، اقفلي على الموضوع ده عشان سيرته بقت بتعصبني.
جاء النادل وبدأ في وضع الطعام على الطاولة وبعدها ذهب، ولكن جاء بعده شخص، فزعت لينا لرؤيته.
رواية أسير عينيها الفصل السابع 7 - بقلم دينا جمال
دخل خالد إلى مكتبه فوجد محمد ويوسف في انتظاره.
خالد بضيق: هما البهوات مش ليهم مكاتب ولا أنا بيتهيألي؟
محمد: أخيرا جيت، تعالا يا عم دا أنا طلع عيني مع الواد اللي أنت ماسكته مش راضي ينطق.
خالد: طب اطلعوا بره وهاتوهولي.
هز محمد رأسه إيجاباً ثم اصطحب يوسف إلى خارج الغرفة.
عاد بعد قليل ومعه ذلك الشاب. أشار له خالد أن يخرج من الغرفة.
فخرج وأغلق الباب خلفه.
خالد ضاحكاً: أنااااابيب يا بيه.
نظر له الشاب بحقد فقام خالد من مكانه وجلس أمامه.
خالد: ازيك يا…
صالح: صالح.
خالد: عاشت الأسامي يا صالح، ها هتعترف صح؟
صالح: أعترف بإيه؟ أنت مسكت المخدرات عندي في بيتي تبقي بتاعتي.
خالد بحدة: أهبل أنا عشان أصدق أن عيل زيك يعرف يتجار في الكمية دي كلها.
صالح: والله دا اللي عندي.
خالد بحدة: يا ابني ساعدني عشان أقدر أساعدك، دي فيها إعدام بدل ما تلبسها لوحدك تطلع منها شاهد ملك وتاخد براءة.
صالح: ما أقدرش، ما أقدرش. لو قلتلك هيقتلوا أمي وأختي، ما أقدرش.
عقد خالد حاجبيه باستفهام: أمك وأختك؟
هز صالح رأسه إيجاباً سريعاً: أيوه، شاكر خاطفهم عشان لو فكرت أعترف عليه يقتلهم.
خالد سريعاً بثقة: أقسم بالله يا صالح لو ساعدتني هرجعلك أمك وأختك سلام من غير خدش حتى وهتخرج شاهد ملك من القضية براءة، هتبقي أنت الكسبان من كل الاتجاهات، بس تقولي شاكر مستخبي فين وإزاي بيقدر يهرب بالسرعة دي قبل ما نمسكه.
صالح: هقولك يا باشا، شاكر بيهرب لأنه أصلاً ما بيكنش موجود.
خالد باستفهام: يعني إيه؟
صالح: شاكر دايماً بيبقى عنده يعني زي ما تقول كده مكانين قريبين من بعض، دايماً بيعمل كده، إلا إنه وهو بيعمل كده بيبقى عامل حسابه إنهي واحد منهم ممكن يتكشف أسرع، فبيفضل في التاني، وبمجرد ما أنتوا بتهجموا على المكان ده واحد من رجّالته بيبلغه فهو بيهرب على طول، عشان كده انتوا ما بتلقوهوش.
خالد بتوعد: أما أوريك يا شاكر الـ…، طب هو دلوقتي فين؟
صالح: هقولك يا باشا، هو في…
خالد: تمام يا صالح.
ثم صاح بصوت عالٍ: يا محممممد.
دخل محمد مسرعاً ينظر لخالد بترقب. فهز الأخير رأسه إيجاباً.
خالد: رجّع صالح الزنزانة وكثّف عليه الحراسة.
أخذ محمد صالح وخرج. فدخل يوسف إليه.
يوسف بترقب: اعترف؟
هز خالد رأسه إيجاباً. ليهتف سريعاً: اجمعلي محمد والفريق بسرعة.
يوسف سريعاً: تمام.
***
في فيلا محمود السويسي.
نزل محمود على سلم البيت الكبير فوجد زوجته تجلس على إحدى الأرائك، وجهها ممتعض بضيق.
تحدث نفسها بحنق.
محمود: صباح الخير، مالك يا زينب؟
زينب بضيق: البيه ابنك كسفني وخلى رقبتي قد السمسمة قدام الضيوف.
محمود سريعاً: طب في إيه بس فهميني.
زينب بغيظ: كنت جايباله عروسة زي القمر وبنت صاحبتي يعني عارفة أصلها وفصلها، على اللي ابنك عمله.
ثم بدأت تقص عليه ما حدث لينفجر محمود ضاحكاً.
زينب بغيظ: أنت بتضحك يا محمود؟ أنت عايز تجنني أنت كمان؟
محمود ضاحكاً: اهدي بس كده يا زينب، بصراحة الواد عنده حق، مش هتبطلي بقى يا زينب.
زينب بغيظ: أنا غلطانة إني عايزاه يتجوز، ده تم التلاتين، ده اللي في سنه عنده عيال طولهم.
محمود بحزم: كفاية بقى يا زينب، كفاية اللي عملوه في المسكينة شهد.
غامت عيني زينب بحزن لتهتف بندم: أنا السبب في اللي حصلها، أنا ما كنتش أعرف إنه هيعمل فيها كده.
محمود بجمود: خالد كان خارج مدبوح من تجربة رحاب، وإنتي أصرّيتي إنه يتجوز شهد، فطلع اللي حصل على المسكينة.
زينب بندم: خلاص يا محمود، بالله عليك كفاية تقطيع فيا.
"صباح الخير يا بابا، صباح الخير يا ماما، مالكوا بتزعقوا ليه؟"
هتفت بها ياسمين بمرح وهي تنزل على سلم البيت.
محمود مبتسماً: صباح النور يا ياسمين، لا يا حببتي أبداً ما بنزعقش ولا حاجة.
زينب بحنان: صباح الفل يا عروسة.
محمود: ها يا بنتي، كل حاجة جاهزة؟
ياسمين: تقريباً، فاضل شوية حاجات بسيطة قبل الفرح.
محمود: طب الحمد لله. إن شاء نفرح بيكي قريب.
"ادعيلي يا حاج أنا كمان تفرحوا بيا."
هتف بها عمر بمرحه المعتاد.
ياسمين ضاحكة: صباح الخير يا لوما.
عمر بمرح: صباح الفل يا سيما.
محمود بيأس: صباح الخير يا لض.
عمر بمرح: صباح الفل يا حودة.
محمود بضيق: حودة إيه يا ولد، ما تتكلم عدل.
زينب ضاحكة: ما سمعكش خالد كان علّقك.
عمر بذعر: لالالالا، بالله عليكوا بلاش عم هيركل بتاعكوا أحسن، أنا مجرّب، آه يا دراعاتي يا إني.
ياسمين: صحيح، فين خالد؟ مش كان بيقول هياخد إجازة عشان فرحي؟
محمود: استنى هكلمه.
خرج محمود هاتفه وطلب رقم ابنه. رن الهاتف عدة مرات قبل أن يجيب.
محمود: السلام عليكم.
خالد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، خير يا حج؟
محمود: ما فيش يا ابني، أنا بس بسألك هتيجي إمتى؟
خالد: لأ، أنا احتمال ما أجيش النهاردة يا حج.
محمود: ليه يا ابني، خير؟
خالد: عندي عملية مهمة النهاردة.
محمود: طب يا ابني خلي بالك من نفسك.
خالد: حاضر يا حج، مع السلامة.
محمود: في رعاية الله يا ابني، مع السلامة.
أغلق محمود الخط ثم توجه بحديثه إليهم.
محمود: خالد احتمال ما يجيش النهاردة.
زينب بقلق: ليه، خير؟
محمود: عنده عملية مهمة.
زينب: ربنا يجيبه بالسلامة يا رب.
عمر: طب يا جماعة أنا رايح الجامعة، عن إذنكوا.
ياسمين: وأنا كمان ماشية، هروح أجيب شوية حاجات ناقصة كده.
محمود: ماشي يا حبيبتي ربنا معاكي، مش عايزة فلوسي؟
ياسمين: لا يا بابا شكراً، لسه معايا فلوس كتير، سلام عليكم.
الجميع: وعليكم السلام.
غادر كل من ياسمين وعمر. همّ محمود بالمغادرة فاستوقفته زينب.
زينب بقلق: أنا قلقانة أوي على خالد يا محمود، من ساعة ما قولتيلي إن هو طالع عملية وأنا قلبي مقبوض.
محمود: ربنا معاه إن شاء الله. عن إذنك عشان اتأخرت عن المصنع، سلام عليكم.
زينب: وعليكم السلام. ثم أكملت في نفسها بقلق: ربنا يستر.
***
في الإدارة.
خالد بحزم: مفهوم يا شباب، كل واحد دوره إيه. محمد ويوسف هيجوموا على المكان اللي شاكر متوقع الهجوم عليه، وأنا هروح على المكان التاني. أيمن ومراد هيبقوا جاهزين عشان لو احتاجنا دعم.
محمد: مش هيبقى خطر إنك تطلع لوحدك؟
خالد بتصميم: أنا مستني اللحظة دي بقالي سنين، وأنت جاي تقولي خطر؟ لا يا محمد، لو كان فيها موتي مش هسيب حق زيدان.
انتهى الاجتماع بعدما تم توزيع الأدوار والاتفاق على ساعة الهجوم المحددة.
جلس خالد على كرسي مكتبه يغمض عينيه بهدوء.
يوسف: خالد، خالد، خالد يا خااااالد.
فتح الأخير عينيه يرمقه بغضب: عايز إيه يا زفت؟
يوسف: أنا جعان.
خالد غاضباً: أعملك إيه يعني؟ في حضانة إحنا هنا؟
يوسف بضيق: يا ابني قوم نروح ناكل لقمة في أي حتة قبل معمة بالليل.
محمد بهدوء: يوسف عنده حق، تعالا نروح ناكل لقمة ونروح نريح ساعتين.
خالد ساخراً: أنا مش هروح، عمتك لو شافتني هتفضل تعيط، ولا ما تروحش وقلبي بيتقطع وقلقانة، خليني أحسن.
محمد بهدوء: خلاص ماشي، نروح ناكل ونبقى نرجع تاني على هنا.
***
في المطعم.
كانت لينا وصديقاتها يمزحن ويضحكن وهن يتذكرن ذكريات طفولتهم.
حتى أحضر لهم النادل الطعام.
النادل معتذراً: أنا آسف جداً على التأخير، بس عندنا عجز في العمالة النهاردة.
ساندرا بضيق: أنت عارف إحنا بقالنا قد إيه مستنيين، ده معظم الناس اللي في المطعم مشيت أساساً.
النادل بأسف: أنا آسف والله يا أفندم، دي ظروف خارجة عن إرادتنا، ما فيش جوه غير طباخ واحد، الباقيين ما جوش مش عارف ليه.
لينا: خلاص يا ساندرا، هو مالوش ذنب، اتفضل أنت.
النادل مبتسماً بامتنان: شكراً.
رحل النادل فنظرت لينا لساندرا بعتاب: عيب كده يا ساندرا، هو الراجل ذنبه إيه؟
ساندرا بضيق: إنتي اللي طيبة أوي.
مزّة أوي.
ونظرت الفتيات إلى مصدر الصوت لتتسع عيني لينا بفزع: ااان.
عز مبتسماً باستفزاز: أيوه يا عسل، ما أعتقدش لحقتي تنسيني.
Flash back.
عز نائد السيوطي، ابن رجل أعمال غني جداً، شاب مدلل فاسد يعشق الركض وراء الفتيات، الرهان على الفوز بأجملهن، وكانت لينا رهانه الجديد عندما أخبره شاكر صديقه وبائع تلك السموم البيضاء التي يدمنها.
كان يجلس في سيارته أمام المستشفى الخاصة بها عندما رآها تخرج بصحبة ذلك الرجل (خالد) وتركب سيارته، فانطلق بسيارته خلفهم.
في تلك الأثناء جاءه اتصال من شاكر.
شاكر: إيه اللي حصل؟ أنا عرفت إن خالد راح بيها.
عز: خدها وخرج من المستشفى، بس بصراحة البت مزة تستاهل.
شاكر: طب هتمشي ولا هتعمل إيه؟
عز: لأ، أنا وراه، ما تقلقش.
شاكر: ما تنساش اللي اتفقنا عليه.
عز بضيق: يا عم خلاص، هنفذ اللي قلته عليه، ما تقلقش، البت مزززززة بصراحة، سلام بقى.
ظل يسير خلفهم بسيارته إلى أن وجدهم يقتربون من ذلك المطعم.
عز بحماس: أوووووبا، أما حتة صدفة.
أخرج هاتفه واتصل بصديقه.
عز: آه يا حاتم، أنت في المطعم؟
حاتم بضيق: آه يا أخويا في المطعم، ما أنا الفلبينية بتاعة أبوك مشحططني ما بين المطعم والشركة والمصنع.
عز بضيق: بس بطل رغي، خليك عندك، أنا جايلك.
وقف خالد بسيارته أمام المطعم فنزل منها هو ولينا وعز خلفهم.
في داخل المطعم.
حاتم: في إيه يا عز؟
سحب عز حاتم من يده وجلسا على الطاولة المقابلة لطاولة خالد ولينا بحيث يصبح عز مقابلاً للينا.
بدأ عز مشاغبتها فنهره صديقه بضيق.
حاتم بضيق: بتعمل إيه؟ الله يخربيتك، أنت اتجننت؟
عز بصوت منخفض غاضب: اسكت أنت بس.
حاتم بضيق: أنت مش شايف اللي معاها شكله عامل إزاي؟ لو شافك هينفخك.
عندما بدأت ملامح الغضب والضيق ترتسم على وجه لينا، لاحظها خالد وقام لضرب عز، ولكن لحسن حظه استطاع الهروب.
وأمسك خالد بحاتم وقام بضربه بشدة حتى فقد وعيه.
Back.
لينا بفزع: اااانت عايز مني إيه؟
غمز عز بطرف عينيه بوقاحة: عايزك.
اتسعت عينيها بفزع لكنها ردت بغضب: احترم نفسك يا بتاع أنت واتفضل امشي من هنا حالا.
عز ضاحكاً: لأ، أمشي إيه؟ ده أنا ما صدقت شوفتك، وكويس أوي إنك جاية من غير الفتوة بتاعك.
لينا غاضبة: أنت لو ما مشتش دلوقتي حالا أنا هنده الأمن يرموك برة.
ضحك عز عالياً بسخرية: وتفكري الأمن بتاع مطعم أبويا هيرموني بره؟
شحب وجهها من وقع الصدمة، ابتلع جوفها الكلام فلم تستطع شفتيها النطق به.
سلمي: مين ده يا لينا؟
رفع عز ياقة قميصه بغرور: أعرفكوا بنفسي، عز نائد السيوطي، ابن المليونير نائد السيوطي.
ساندرا ساخرة: حصلنا الأرف، البيه بقى عايز إيه؟
عز: أنا مش عايز منكم حاجة انتوا التلاتة، أنا عايز من الجميل الرابع.
لينا بصدمة: أنت مجنون؟
سلمي غاضبة: أنت فاكر إننا هنسيبك تاخدها فعلاً؟ ده أنا ناكلك بسنانك.
عز ضاحكاً بسخرية: أموت أنا في القطط الشرسة.
ثم اتجه ناحية لينا وبدأ يجذبها من ذراعها بعنف خلفه. فتشبثت بأصدقائها اللاتي حاولن منعه وضربه، ولكنه كان بنية رياضي متناسق ليجذب به الفتيات.
أثناء هذا كان يدلف خالد وصديقيه إلى نفس المطعم بالصدفة (قال يعني مش أنا اللي قصدتها 😂😂).
رأى لينا وهي تصرخ في عز.
لينا بصراخ: سيب إيدي يا حيوان، ابعد عني.
كان هذا المشهد كفيلاً للغاية ليجعل الدماء تشتعل في رأسه وتبرز عروق رقبته.
صرخ بغضب:
ركض ناحيتهم قبض على يد عز الممسكة بيد لينا.
خالد بتوعد: هي مش قالتلك سيب إيديها؟
ضغط خالد بشدة على يد عز حتى كاد يهشمها، مما جعله يفلت يد لينا.
فأسرعت لينا تقف خلف ظهر خالد تحتمي به، ترتجف خوفاً.
لينا باكية: الحقني يا خالد، الحيوان ده عايز ياخدني معاه بالعافية وأنا ما أعرفش هو مين ولا عايز مني إيه.
اشتعلت عينيه غضباً بعد سماعه لتلك الكلمات، هجم على عز وظل يضربه بشدة حتى أتى محمد ويوسف محاولين انتزاع خالد عنه.
قبل أن يقتله.
محمد صارخاً: كفاية يا خالد، هيموت في إيدك.
يوسف صارخاً: خلاص يا خالد، كفاية، هتموته.
أما هو، فكان في عالم آخر لا يسمعهما، لا يرى سوى دموعها وارتجافة جسدها وهي خائفة. كلما تذكره وهو يمسك ذراعها يزيد من قسوة لكماته.
بعد مدة طويلة نجح محمد ويوسف في انتزاع خالد عنه قبل أن يقتله.
خالد غاضباً: كلب، سيبوني أموته.
محمد: خلاص يا خالد، اهدا، خلاص.
يوسف: اهدا يا عم، خلاص، أنا اتصلت بالقسم القريب من هنا وهما جايين دلوقتي.
ما هي إلا دقائق حتى حضر أحد ضباط القسم بصحبة بعض العساكر.
الظابط: ممكن أعرف إيه اللي بيحصل هنا؟
خالد: العقيد خالد السويسي.
الظابط وهو يؤدي التحية: خالد باشا، يا أهلاً وسهلاً يا أفندم، خير يا باشا إيه اللي حصل؟
خالد غاضباً: الكلب اللي مرمي قدامك ده حاول يعتدي على الدكتورة لينا الشريف.
بدأ الظابط في سؤال صديقات لينا عما حدث، فقاموا بسرد ما حدث.
حاول الظابط سؤال لينا ولكن خالد منعه.
خالد: بلاش لينا، أنت عرفت اللي حصل من صاحبتها.
قفل المحضر واتفضل.
كانت نبرة خالد تحمل تحذيراً شديد اللهجة.
الظابط: احم، أنا هقفل المحضر في القسم بعد إذنك يا خالد باشا.
أمر الظابط العساكر بوضع عز في البوكس ليذهبوا به.
ضائعة، خائفة، دموعها ترفض التوقف، شعور بالضياع والضعف، تفكر ماذا كان سيحدث إن لم يأت خالد لإنقاذها، أدركت كم هي ضعيفة هشة وأن قوتها ما هي إلا قناع، وهي تحاول التخفي خلفه.
أما هو، فكان بالقرب منها بعد أن رحل الظابط. شعر بتخبط أفكارها. كيف لا وهي ابنته الصغيرة التي شبت على الدنيا بين يديه.
ذهب إليها وجثى على ركبتيه أمامها، رفع وجهها برفق ليرى هاتين العينين الباكيتين ليقول بحنان افتقدته نبرته منذ سنوات.
خالد بحنان: على فكرة إنتي مش ضعيفة زي ما إنتي فاكرة، إنتي قوية وقوية أوي كمان. ثم أكمل مازحاً: ده إنتي الوحيدة اللي ضربت خالد السويسي بالقلم، دي معجزة محتاجة حد زي هيركل عشان يعمل كده.
ابتسمت ابتسامة ضعيفة، فأخرج منديل من جيبه وأعطاه لها.
خالد بحنان: امسحي دموعك، وعلى الله أشوفك بتعيطي تاني، هعلقك.
لينا بخوف: هو مش هيرجع تاني، صح؟
تبعاً لتلك النظرة الخائفة التي تحتل عينيها، تحرق ثنايا روحه ببطء.
خالد برفق: صح، ما تخافيش يا لوليتا، أنا مستحيل أخلي أي حاجة في الدنيا تأذيكي، حتى لو هدفع حياتي تمن. ممكن بقى تقومي تكملي أكلك؟
هزت رأسها إيجاباً: حاضر.
قام خالد يحادث صديقاتها: اتفضلوا يا بنات، كملوا أكلكوا، ما تخافوش.
يوسف بمشاكسة: وحشتيني يا سوسو.
ساندرا بخجل: بس بقى يا چوو.
خالد بضيق: يا حنين تعالي هنا يا بابا.
هتف بها خالد وهو يجلس على طاولة قريبة من طاولة الفتيات هو ومحمد.
ذهب يوسف وجلس معهما بينما عادت ساندرا إلى طاولتهم.
في هذه الأثناء اتصل أحد أفراد أمن المطعم (بنائد) وأبلغه ما حدث مع ابنه، فتوجه نائد إلى المطعم سريعاً.
بينما خالد والبقية يتناولون الطعام، دخل المطعم في إعصار غضب رجل يبدو في نهاية الخمسينيات من عمره، يرتدي حلة أنيقة، يسير خلفه حارسان شخصيان ووجهه يشتعل من الغضب. دله أحد أفراد الأمن على خالد فتوجه إليه ووقف أمامه.
نائد بصوت أجش: أنت إزاي تمد إيدك على ابني؟
خالد ببرود: عشان قليل الأدب وعايز يتربي.
نائد بغرور: أنت ما تعرفش أنا مين؟ 😡
خالد باستخفاف: مين؟
نائد: نائد السيوطي، أكبر رجل أعمال في البلد.
خالد: طظ.
نائد بدهشة: إيه، بتقول إيه؟
خالد ساخراً: إيه، ما سمعتش؟ أعيدهالك تاني، طظظظ، ويلا بقى خدلك جنب عشان إنت قاطع مية ونور.
نائد غاضباً: لأ بقى، ده إنت قليل الأدب وعايز تتربي.
ثم أشار إلى حارسيه: روقوه.
ابتسم خالد بسخرية، كاد يوسف ومحمد أن يقوما فأوقفهما خالد بإشارة من يده.
خالد بهدوء: مكانكم، كملوا أكلكوا على ما أخلص.
يوسف ضاحكاً: راحوا في الكازوزة.
محمد: ما تتأخرش يا خالد عشان لسه ورانا شغل.
قام خالد وشمر ذراعيه وهجم عليهما كالبرق، يعصف بهما إلى أن بدأ الاثنان يصرخان بنائد حتى ينقذهما من براثنه. تركهما وبدأ يعدل هندامه وذهب تجاه نائد ووضع يده على كتفه.
خالد ساخراً: المرة الجاية ابقى هات معاك رجالة.
نائد غاضباً: ماشي يا بتاع أنت، أنا هوريك نائد السيوطي هيعمل فيك إيه.
خالد ضاحكاً بسخرية: أعلى ما في خيلك اركبه، بس أوعى تقع من عليه.
خرج نائد من المطعم غاضباً وهو يتوعد لخالد بالويل والانتقام.
خالد: ها يا شباب، خلصتوا أكل ولا لسه؟
يوسف: آه خلصنا، يلا بينا.
طلب خالد النادل ودفع حساب طاولتهم وطاولة لينا أيضاً. وقبل أن يغادر المطعم ذهب إلى لينا وأعطاها كارته الشخصي.
خالد برفق: لينا، ده الكارت بتاعي، لو احتاجتيني في أي وقت ما تتردديش ثانية واحدة إنك تتصلي بيا، مفهوم؟
لينا: مفهوم.
محمد مبتسماً: إزيك يا لينا، أكيد مش فاكراني؟
لينا: محمد، صح.
محمد مبتسماً: صح، كويس إنك لسه فاكراني.
لينا: بص، هو أنا كل اللي فاكراه إن خالد كان بيتخانق معاك كتير أما يشوفكم.
محمد ضاحكاً: لأ، إنتي فاهمة غلط، خالد كان بيتخانق لما كان بيشوفني معاك….
خالد مقاطعاً: محمد، كفاية.
يوسف مازحاً: أنا يوسف يا لينا، كنت معاهم (بصوت عاطف في فيلم الناظر).
لينا ضاحكة: لأ، الصراحة مش فكراك خالص.
يوسف: يا ستي بكرة تفتكريني براحتك، على العموم اتفضلي، ده الكارت بتاعي.
قبل أن يعطي يوسف للينا كارته، التقطه خالد ومزقه.
خالد غاضباً: كفاية كارت واحد، وإنتي بطلي ضحك، اتفضل يا حنين إنت وهو قدامي، لسه ورانا شغل.
محمد: خلاص يا عم، ما تزوقش.
خالد بتوعد: هحاسبكوا معايا لما نرجع الإدارة.
يوسف: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمد رسول الله، يا صغير على الموت يا يوسف، يا اللي كان نفسك تتجوز ومش هتلحق يا يوسف.
انفجرت لينا وصديقتها ضاحكين عليه.
نظر خالد إلى لينا نظرة غاضبة مخيفة فسكتت عن الضحك.
خالد غاضباً: ادامي يا نحنوح.
خرج الفريق وتوجهوا للإدارة استعداداً لعملية الاقتحام.
أما في المطعم.
نهى بدهشة: مش معقول، ده خالد.
لينا: لأ، هو يا أختي.
سلمي بضيق: حرام عليكي يا شيخة، ده الواد فضله فلتين وينور، شوفتيه وهو بيضرب البدي جارد؟ يخربيت عضلاته.
لينا: ده همجي ومتوحش.
سلمي: إنتي طول عمرك مفترية، ده الواد حنية وأدب وحلاوة.
نهى مكملة بهيام: وشهامة وجدعنة وعضلات وشعر ودقن مش على حد، هييييح.
لينا باستغراب من طريقتهم: في إيه يا جماعة؟ مالكوا؟ إنتوا اتجننتوا؟
وإني: بس عارفة، شكله بيحبك.
لينا بشرود: ما أعتقدش.
سلمي غاضبة: إنتي حوله يا بت، ده الواد كان فضله ثانية وياخدك في حضنه ويزعق ويقول بحبك.
لينا: بيتهيألكوا، هو بس بيحب يبان بطل قدام الناس.
نهى: ما افتكرش، ده حتى مارضيش يخلي الظابط يتكلم معاكي عشان مش يضايقك.
سلمي: أنا قلت إنك حولة، ده ركع تحت رجلك لي مسح دموعك يا حولة.
ساندرا: صحيح، هو إنتوا تعرفوا بعض قبل كده؟
لينا بتوتر: احم، آه، كنا جيران من حوالي 12 سنة.
سلمي بهيام: يااااه، وفضل يحبك كل المدة دي وإنتي بعيدة عنه؟ هييييييح.
لينا: بقولكوا إيه، قفلوا على الموضوع ده، أنا هطلب الحساب ونمشي.
نهى: وهتحاسبي على طبقك وإنتي ما لمستيهوش.
لينا: مش جعانة، متر لو سمحت، الحساب.
جاء النادل.
إليهم.
النادل: الحساب اتدفع يا أفندم.
لينا: مين اللي دفعه؟
النادل: خالد باشا يا أفندم.
لينا: طب اتفضل إنت.
سلمي: مش بقولكوا، الواد شهامة وجدعنة مش على حد.
لينا بحدة: بس ده ما يدلوش الحق إنه هو يدفع لنا الحساب.
نهى: خلاص، اهدي، دلوقتي هنعمل إيه؟
لينا: أنا لازم أرجع المستشفى عشان ورايا شغل مهم.
سلمي: خلاص، لينا ترجع شغلها، وإحنا نروح بيوتنا.
وبالفعل عادت لينا لعملها لتستعد للوردية المسائية.
أما في إدارة مكافحة المخدرات الساعة 11 مساءً.
خالد: يلا يا شباب، اجهزوا، هنتحرك دلوقتي.
يوسف بدهشة: نعم، إنت مش قلت هنتحرك الساعة 2؟
محمد: إنت يا ذكي، مش عارف خالد بيحط الميعاد وبعدين يغيره.
يوسف متسائلاً: آه، صحيح، ليه يا خالد بتعمل كده؟
خالد غاضباً: إحنا هنقعد نرغي؟ يلا اجهزوا.
استعد الفريق كاملاً وانطلقوا إلى وجهتهم.
***
في مستشفى الحياة.
دق باب مكتبه.
لينا: ادخل.
د/وليد: د/لينا، دي كشوفات بنك الدم الخاص بالمستشفى، بيقولوا عندهم عجز جامد في فصيلة (O negative).
لينا بحدة: ميت مرة قلت الكشوفات دي تيجي الصبح، لو جت حالة خطيرة ومحتاجة دم دلوقتي نعمل إيه؟ نقعد جنبها نعيط؟ اتفضل بلّغ المسؤول عن بنك الدم إنه متحول للتحقيق.
د/وليد: حاضر يا دكتور، عن إذنك.
خرج وليد من الغرفة فعادت تجلس على كرسيها، خلعت نظارتها الطبية ورمتها على المكتب ثم عادت إلى ظهر كرسيها تفرك عينيها بتعب.
لينا بتعب: يعني اليوم الوحيد اللي تعبانة فيه يكون عندي وردية فيه، يلا الحمد لله. أنا هقوم أغسل وشي وآخد واحد قهوة مظبوط وأروح أمر على المستشفى.
***
أما على صعيد آخر.
نجحت الفرقة في عملية الاقتحام وتم القبض على شاكر.
خالد بانتصار: والله ووقعت يا شاكر.
شاكر ضاحكاً: ما تفتكرش إنك كسبت يا ابن السويسي، لسه اللعبة في أولها.
خالد ضاحكاً: وأنا عايز أشوف آخرها. خدوه.
بعد انتهاء الاقتحام ظل خالد يبحث عن والدة صالح. وبينما هو يبحث وجد غرفة بها العديد من السيدات والفتيات أسيرات هذه الغرفة. ومن حسن حظه وجد الغرفة دون حراسة فقد تم القبض على الجميع. فدخل الغرفة بهدوء وقام بحل وثاق كل من في الغرفة.
خالد برفق: اهدوا، ما تخافوش، أنا جاي عشان أخرجكم من هنا.
عندما انتهى من حل وثاق الجميع سمع صوت شد أجزاء مسدس يأتي من خلفه. التفت ببطء فوجد أحد الحراس يشهر مسدسه في رأسه.
خالد بصوت آمر لجميع الرهائن: اقفوا ورايا.
امتثلوا جميعاً لأمره ووقفوا خلفه.
المجرم ساخراً: لأ، راجل يالا وماله. أموتك إنت الأول وبعدين هما.
خالد بحدة: أوعى تكون فاكر إنك هتخرج من هنا عايش حتى لو قتلتني، فاحسن لك ترمي اللعبة اللي في إيدك دي وتسلم نفسك.
اغتاظ المجرم من كلامه فباغته برصاصة اخترقت صدره فسقط أرضاً على ركبتيه، ليس من ألم الرصاصة كما يعتقد المجرم، ولكن ليخرج المسدس الذي يضعه في حذائه لمثل هذه الحالات.
أخرج المسدس سريعاً وباغت المجرم برصاصة اخترقت رأسه ومات.
بعدها حاول الوقوف عدة مرات ولكنه لم يستطع بسبب ألم الرصاصة القوي، فبدأ بالزحف حتى ألقى بجسده على الحائط.
أمسك بجهاز اللاسلكي محاولاً التحدث مع (محمد أو يوسف).
خالد بصوت مجهد: محمد، محمد، سامعني؟
محمد: سامعك يا خالد، إنت فين يا ابني؟ إنت كويس؟
خالد: أنا كو…
لم يكمل خالد كلامه بل قاطعه صوت إحدى السيدات وهي تصرخ: لأ يا ابني مش كويس، الحقه، ضربوا عليه نار.
محمد بفزع: يا نهار أسود، أنا جاي حالاً.
توجه خالد إلى السيدة التي صرخت: ليه يا أمي عملتي كده؟
السيدة: أومال عايزني أسيبك تموت بقى؟ جاي تنقذنا وبتدافع عنا وعايزني أسيبك تموت؟
حاولت إحدى السيدات خلع حجابها لتربط جرحه الذي ينزف بشدة.
خالد بألم: خلي حجابك مكانه يا أمي، ما ينفعش تبان شعرة منك، ما ينفعش.
في هذه الأثناء حضر محمد ويوسف مسرعين إلى المقر الرئيسي حيث وجدوا خالد ومجموعة من الرهائن.
محمد صارخاً: يا نهار أسود، إيه كل الدم ده؟ إحنا لازم نوديه المستشفى بسرعة.
خالد بصوت ضعيف ومتقطع: محـ… مد قـ… ولها إنـ… ي بحبـ… ها اوي.
ثم أغلق عينيه.
رواية أسير عينيها الفصل الثامن 8 - بقلم دينا جمال
خالد بصوت ضعيف ومتقطع: محمد، قوّلها إنّي بحبّها أوي.
ثم أغلق عينيه ليتهاوى جسده أرضًا.
محمد صارخًا: يوسف، شيلوه معايا يا يوسف، بسرعة نودّيه على المستشفى.
وبالفعل تولّى بعض الضباط العناية بالرهائن في إحدى السيارات الكبيرة.
أمّا خالد، فوضعه محمد ويوسف في سيارة صغيرة. ركب محمد بجانبه على الكنبة الخلفية، واستقلّ يوسف مقعد القيادة، يشقّ غبار الطريق من سرعتهما.
محمد صارخًا بغضب: بسرعة يا يوسف.
يوسف صارخًا: أسرع من كده، العربية هاتتقلب، لا هو هايعيش ولا إحنا هانعيش، بص حواليك، شوف أي مستشفى نقف عندها.
محمد سريعًا: اطلع على مستشفى الحياة.
يوسف بدهشة: اشمعنى يعني؟
محمد غاضبًا: اسمع الكلام يا يوسف، أنا عارف أنا بعمل إيه.
هزّ يوسف رأسه إيجابًا سريعًا ليضغط على دواسة البنزين بقوة، لتصرخ السيارة من شدّة سرعته.
محمد بحدّة: اجمد يا خالد.
فتح الأخير عينيه بضعف وابتسم ابتسامة صغيرة شاحبة، وبدأ يحرك شفتيه يتحدث بصوت ضعيف متقطع: أش…هد…إن…لا…إله…إلا…الله.
محمد صارخًا: لأ يا خالد، أنت مش هتموت، أنت فاهم؟ مش هتموت. بسرعة يا يوسف.
يوسف سريعًا: وصلنا خلاص أهو.
***
في فيلا محمود السويسي.
استيقظت زينب فزعة من نومها تصرخ وتنادي باسم ابنها.
زينب صارخة: خاااالد، لالالا، ابني!
قال محمود جالسًا يهتف بقلق: مالك يا زينب؟ بسم الله الرحمن الرحيم، في إيه؟
التفتت له تهتف بقلق تجلّى بوضوح على قسمات وجهها.
زينب بقلق: خالد، خالد يا محمود، خالد مش كويس، في حاجة حصلت له، قلبي حاسس ابني جراله حاجة.
ثم بدأت بالنحيب.
محمود سريعًا وهو يربت على كتفها: استهدي بالله يا زينب، ما تفاوليش على الواد، إن شاء الله هو كويس، مش أول مرّة يعني يطلع عملية.
زينب باكية: طب بالله عليك كلمهم.
محمود: أكلمهم إزاي يا زينب، انتي ناسية إنّه منبّه إن ما حدش يكلمه وهو في مهمة، استهدي بالله كده وارجعي نامي، وهو إن شاء الله كويس.
استسلمت زينب لأوامر زوجها وعادت لتستلقي على الفراش، ولكنها لم تنم، فقلبها يعرف أن هناك شيئًا سيئًا حدث لابنها.
زينب بقلق: لالالا، أنا مش مطمنة، أنا هقوم أصلي، يمكن قلبي يرتاح شوية.
***
في مستشفى الحياة.
ساعدت الممرضات محمد ويوسف على وضع خالد على السرير النقال.
محمد صارخًا بغضب: فين الزفت الدكاترة اللي هنا؟ ما تقفوش كده، نادوا الدكاترة بسرعة.
ركضت الممرضات ناحية غرف الأطباء، وذهبت واحدة منهم ناحية غرفة لينا. اقتحمت غرفتها تهتف سريعًا: الحقي يا دكتورة.
لينا: في إيه يا سماح؟ إيه الدوشة اللي تحت دي؟
الممرضة سريعًا: الحقي يا دكتورة، في حالة خطيرة تحت، اتنقلت على أوضة الطوارئ، ودكتور عصام راح هناك و…
لم تقف لتستمع إلى باقي حديثها. من بداية تلك الليلة وهي تشعر بقلق غير مبرر. نزلت تركض على سلم المستشفى بقلق، دقات قلبها تصرخ من القلق لسبب مجهول. ما إن وصلت إلى حجرة الطوارئ وجدت محمد يقف أمامها. اتسعت عينيها بفزع. لا، لا، ليس هو بالتأكيد، شخص آخر. اقتربت منه وهي تهز رأسها نفيًا بعنف، تنفي تلك الفكرة من مجرد التجوال في عقله.
محمد باكياً: لأ، هو خالد بيموت يا لينا، الحقيه أبوس إيدك. صرخ في وجهها: خالد لو مات، مش هاسامحك أبدًا، أنا عملت كل ده عشانه عشان يرجع يعيش تاني.
لم تفهم حرفًا واحدًا مما قال، سوى أن حياته في خطر. هرعت إلى غرفة الطوارئ وهي تشعر في تلك اللحظة أنها نسيت كل ما تعرفه عن هذه المهنة.
***
في فيلا جاسم الشريف.
وضع جاسم مفتاحه الخاص في قفل الباب. فتح الباب بهدوء ودخل ليجد زوجته جالسة على أريكة كبيرة في غرفة الصالون، من المفترض أنها تشاهد التلفاز.
جاسم مبتسمًا: مساء الخير يا فيري.
فريدة مبتسمة بقلق: مساء النور يا جاسم.
تهاوى جاسم على الأريكة بجانبها يهتف بتعب: هلكااااان، النهاردة كان عندي قضايا وعمل كتير أوي.
فريدة مبتسمة برفق: ربنا يقويك يا حبيبي.
جذب كف يدها برفق ليلثمه بقبلة حانية: ويخليكي ليا يا حبيبتي، قوليلي، البت لينا فينا؟
درقت فريدة ريقها بذعر لترد بتوتر حاولت إخفاءه: لوليتا نايمة من بدري، جت من الشغل تعبانة ونامت.
جاسم: أوعي تكوني سبتيها تنام من غير ما تاكل؟
فريدة بعتاب: دي بنتي أنا كمان على فكرة، يعني أكيد مش هسيبها من غير أكل.
جاسم مبتسمًا: طب يا حبيبتي، أنا هروح آخد دش وأنام، مش هتيجي تنامي؟
فريدة مبتسمة بتوتر: هخلص الفيلم وأحصلك.
جاسم: ماشي يا حبيبتي، تصبحي على خير.
فريدة: وأنت من أهله.
راقبته وهو يصعد بقلق حتى اختفى عن ناظريه، لتتنهد بارتياح: الحمد لله، ربنا يستر، جاسم لو عرف إن لينا مش بايتة في البيت، هيقلب الدنيا على دماغنا، استرها يا رب.
***
في داخل غرفة العمليات.
لينا سريعًا: عملية، نبضه ضعيف أوي، وليد بسرعة، عايزة أعرف فصيلة دمه إيه.
وليد سريعًا: حاضر يا دكتورة، ثواني.
عصام: الحمد لله، طلعنا الرصاصة ووقفنا النزيف، بس إحنا محتاجين دم بسرعة.
وليد بتوتر: دكتورة لينا، في مشكلة، فصيلة دمه O negative.
اتسعت عينيها بفزع: يا دي الليلة البيضة! الفصيلة الوحيدة اللي مش موجودة. حد يجيب كانيولا بسرعة.
بعد ساعة تقريبًا، خرجت لينا من غرفة العمليات ومعها عصام ووليد وبعض الممرضات يجرون الفراش الناقل إلى غرفة العناية المركزة.
محمد سريعًا: خالد بقى كويس، صح؟ ها يعيش، مش كده؟
يوسف برجاء: طمنّينا، أرجوكي.
لينا بابتسامة متعبة: ما تقلقوش، هو الحمد لله بقى كويس، والعملية نجحت وحالته استقرت. خالد بنيته قوية أصلًا، عشان كده قدر يعدي منها.
محمد بقلق: بجد بقى كويس؟
لينا مبتسمة برسمية: والله العظيم بقى زي الفل، هيحتاج بس يفضل يومين تحت الملاحظة وبعد كده هيخرج.
تنهد محمد بارتياح: ربنا يطمنك يا رب. روح أنت يا يوسف، وأنا هفضل معاه.
يوسف بضيق: وأروح أنا ليه؟ ما تروح أنت، وأنا أفضل معاهم.
محمد غاضبًا: يوسف، اسمع الكلام.
يوسف بحدة: إحنا برة الشغل يا محمد باشا، وأنا مش هامشي من هنا.
لينا سريعًا: بس بس، انتوا ناسين إنكم هنا في مستشفى وفيها مرضى. أنا عندي ليكم حل كويس، انتوا لسه راجعين من عملية واكيد مجهدين، فالأحسن إنكم تروحوا ترتاحوا، وأنا هخليه تحت عنيا طول الليل، والصبح من بدري تعالوا.
محمد باعتراض: لأ طبعًا، ما ينفعش.
لينا مقاطعة بضيق: من غير لأ يا حضرة الظابط، صدقني ده أفضل حل. مش مسموح غير بمرافق واحد بس. هتفضلوا تتخانقوا طول الليل، مين فيكم اللي هيبات معاه.
نظرت محمد لها للحظات ليرى نظرة تحدي وعناد تلمع في عينيها، فابتسم بداخله على محبوبة أخيه. هز رأسه إيجابًا باستسلام، وأخذ يوسف ورحل. بينما نزلت لينا لغرفة العناية المركزة. دخلت، فوجدت عصام يفحص حالته.
لينا باهتمام: ها يا عصام، حالته عاملة إيه دلوقتي؟
عصام: الحمد لله، الحالة مستقرة. النبض طبيعي، والتنفس منتظم، وأعضائه الحيوية شغالة بصورة طبيعية.
تنهدت بارتياح: طب الحمد لله.
نظر لها عصام نظرة غريبة، نظرة تجسد فيها الألم والحزن والغضب، ليهتف بضيق حاول إخفاءه: لولاكي، كان مات.
لينا بلهجة حادة: عصام، ما تجيبش سيرة الموضوع ده تاني، ماشي؟ واتفضل روح على شغلك، وأنا هتابع حالته.
عصام بضيق: تمام، يا دكتورة، اجيبلك حاجة تشربيها؟ انتي اتبرعتيله بدم كتير أوي.
لينا بحدة: لو سمحت يا عصام، اتفضل، مش عايزة حاجة.
زفر بضيق ليهز رأسه إيجابًا، خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه.
***
في منزل محمد.
وصل محمد إلى منزله في ساعة متأخرة، فوجد زوجته ما زالت مستيقظة تجوب غرفة النوم بقلق.
محمد بدهشة: رانيا، انتي إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟
لم ترد عليه، بل أسرعت ورمت نفسها بين ذراعيه وبدأت تبكي بقوة.
( رانيا النشار، زوجة محمد منذ ثلاث سنوات، لديها ابنة صغيرة اسمها لوجين).
رانيا باكية: كنت قلقانة عليك أوي يا محمد، الحمد لله إنك بخير.
مسد محمد على شعرها بحنان: بس يا حبيبتي، اهدي، أنا كويس والله، ما تخافيش.
ابتعدت عنه تمسح دموعها سريعًا.
رانيا مبتسمة: الحمد لله، الحمد لله يا رب. ثواني وهحضرلك العشا.
محمد بتعب: معلش يا رانيا، ماليش نفس.
ثم تركها وجلس على الفراش وبدأ يخلع حذاءه.
فذهبت وجلست بجانبه تربت على يده بحنان: مالك يا محمد؟
رمى رأسه على كتفها وبدأ يبكي: خالد يا رانيا، خالد اتصاب وكان هايموت.
شهقت بفزع، مدت يديها سريعًا تحتضن رأسه بحنان ليكمل هو باكياً: كان هايموت زي زيدان، زيدان مات قدام عيني، وخالد كان ها يحصله، كنت حاسس إني هتجنن وهو بيتشاهد وبيغمض عينيه زي زيدان.
انسابت دموعها بألم على حالته: اهدي يا محمد، اهدي يا حبيبي، مش هو، الحمد لله بقى كويس.
هز رأسه إيجابًا، فاكملت بحنان وهي تمسد على شعره برفق: الحمد لله يا حبيبي، ما تعملش في نفسك كده عشان خاطري.
رفع رأسه ينظر لها بحب، دنّت برأسها تقبّل جبينها: ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي.
***
أمّا في منزل الرائد يوسف.
دخل يوسف إلى منزله يفرد ذراعيه بتعب، اتسعت عينيه بدهشة عندما وجد والدته وخطيبته في انتظاره.
يوسف بدهشة: ساندرا، انتي بتعملي إيه هنا؟
ساندرا بضيق: بقي دي طريقة تكلم بيها خطيبتك؟ طب أنا زعلانة منك، وأنا غلطانة أصلًا إني كنت قلقانة عليك.
يوسف سريعًا: مش قصدي يا ساندرا، قصدي إن الوقت اتأخر، هتروحي إزاي دلوقتي؟
ذهبت والدته إليه وعانقته بحنان.
والدة يوسف: وحشتيني أوي يا حبيبي، الحمد لله إنك رجعت بالسلامة. وإن كان على ساندرا، ما تقلقش، هتبات معانا هنا، أنا اتفقت مع خالتك على كده.
تنهد يوسف بارتياح: طب كويس، أدخل أنا أنام بقى عشان جاي هلكان، تصبحوا على خير.
ثم تركهم وذهب إلى غرفته.
ساندرا: شوفتي يا طنط، ابنك بيعاملني إزاي؟ وأنا قلقانة عليه وسهرانه طول الليل مستنياه.
والدة يوسف: معلش يا حبيبتي، انتي عارفة إنه بيبقى جاي من شغله تعبان وما بيصدق يرتاح شوية. يلا، إحنا كمان نروح ننام، تصبحي على خير يا حبيبتي.
ساندرا: وأنتِ من أهله يا طنط.
دخلت والدة يوسف إلى غرفتها، وذهبت ساندرا إلى غرفة الضيوف التي ستقضي فيها ليلتها. ما إن دخلت وأغلقت الباب، حتى شعرت بظل يتحرك خلفها.
فزعت ساندرا وبدأت تصرخ: حرررا…
وضع يوسف يده على فمها سريعًا: يخربيتك، هتفضحينا. حرامي مين؟ أنا يوسف. ثم أكمل بنبرة رومانسية حالمة: وحشتيني.
دفعه ساندرا بضيق: عبّ وشك! قطعتلي الخلف.
قطّب يوسف حاجبيه بصدمة: يا نهار أبيض على دا لسان!
وضعت يدها على خصرها تنظر له بضيق: والله يا سي، ولسه فاكر تقولي وحشتيني؟
يوسف بحزن: معلش بقى يا ساندرا، ما انتي ما تعرفيش اللي حصل.
لوت ساندرا جانب شفتيها بضيق: هعرف لو انت قلت لي.
يوسف بضيق: يخربيت لمضتك! أنا اللي جبته لنفسي. خالد يا ستي، انضرب بالرصاص، وهو دلوقتي في المستشفى.
ساندرا بحزن: أنا آسفة يا حبيبي، ما كنتش أعرف. طب هو حالته عاملة إيه دلوقتي؟
يوسف: الحمد لله، الدكتورة قالت إن حالته استقرت.
ساندرا وهي تدفعه إلى خارج الغرفة: طب يلا بقى يا حبيبي، روح نام عشان نلحق نروح له الصبح بدري.
يوسف بمرح: طب ما تزوقيش. تصبحي على خير يا حبيبتي.
ساندرا: وأنت من أهله.
يوسف بمشاكسة: حاف كده؟
ساندرا: أيوه، ده اللي عندي. اتفضل بقى، روح نام.
أخرجته من الغرفة وأغلقت الباب في وجهه.
يوسف بضيق: منك لله يا ساندرا، يا بنت أم ساندرا. كشّفت رأسي ودعيت عليكي بالعربي وبالإنجليزي وبكل اللغات. ثم صاح بضيق: عايز أتجوّز يا نااااااس.
بينما تقف ساندرا خلف الباب المغلق منهارة من الضحك على أفعال حبيبها المجنونة مثله.
***
في المستشفى.
كان ممددًا على الفراش، الكثير من الأجهزة الطبية متصلة بجسده. اقتربت منه ببطء، تجول بعينيها بين تلك الأجهزة وملامح وجهه المستكينة.
أمسكت رسغ يده تتأكد من انتظام دقات قلبه. أغمضت عينيها، فمر أمامها مشهد طفلة صغيرة تجلس على فراش صغير تبكي لأن دُميتها المفضلة انكسرت، فظهر صبي أكبر منها ببضع سنوات، ذهب إليها وضَمّها بحنان إلى صدره، ومسح دموع عينيها برفق، وأخرج من خلف ظهره عروسة أخرى، فصرخت هذه الصغيرة بفرح وقبّلت الصبي على وجنته.
فتحت عينيها تنظر له بحنين وعتاب عندما تذكرت جملته الساخرة: "ده واضح إن الموضوع كان عاجبك وأنا مش واخد بالي".
وضعت يده برفق بجانبه، ثم ذهبت وجلست على كرسي صغير بجانب الفراش.
***
في صباح اليوم التالي، في فيلا محمود السويسي.
يقف عمر أمام والده وهو يحمل حقيبة سفر صغيرة.
محمود بحدة: يعني إيه مسافر يا عمر؟
عمر سريعًا: يا بابا، ده يوم واحد، عشان خاطري وافق.
محمود: طب وجامعتك يا ابني؟
عمر برجاء: يوم يا بابا وهنرجع بكرة، مش هنتأخر، عشان خاطري، عشان خاطري، عشان خاطري.
زفر محمود بضيق: ماشي يا عمر، بس يوم واحد.
قبّل عمر قلبه على وجنته بفرح: إشطاش يا حج، ربنا يخليك يا رب. أخلع أنا بقى.
ركض إلى خارج منزلهم يستقل سيارة صديقه.
سامر ضاحكًا: أنا ما صدقتش لما اتصلت بيا وقلت إنك طالع معانا الساحل.
عمر: لأ يا سيدي، صدّق.
سامر: طب وهيروح أخوك؟
عمر ضاحكًا: في مأمورية.
سامر ضاحكًا: أيوه يا عم، إن غاب القط، ألعب يا فار.
عمر ضاحكًا: بالظبط، let’s go يا برنس، ده هايبقى أسبوع درمغة يا شقيق.
***
بدأ يفتح عينيه بتعب، يحاول السيطرة على ذلك الشعور الذي يرغمه على الاستسلام لسلطان النوم. أخيرًا استطاع فتح عينيه، تطلع إلى سقف الغرفة الأبيض لبضع لحظات، قبل أن يعقد حاجبيه باستفهام: أين أنا؟
تردد ذلك السؤال في عقله. حرك رأسه يسارًا، فوجد تلك الأجهزة المتصلة به. شعر بتيبس عضلات رقبته، فبدأ يحرك رأسه للجانبين، لتثبت أنظاره عليها وهي نائمة على الكرسي بشكل ملائكي. خطف أنفاسه بدون وعي منه. نزع تلك الأجهزة المتصلة به ليقوم من على الفراش ببطء، متجها إليها.
جثا على ركبتيه بجانب كرسيها ينظر لها بسعادة تنطق من بين قسمات وجهه المرهق.
خالد بصوت منخفض: لينا، لوليتا، اصحي يا لوليت.
تمتمت وهي نائمة بضيق: مش هصحى يا خالد ومش هروح المدرسة النهارده، إجازة.
ضحك عاليًا بشدة، ضحك كما لو لم يضحك من قبل، فتململت هي بانزعاج من صوت ضحكاته. فتحت عينيها بضيق لتتسع عينيها بفزع.
لينا بقلق: خالد، أنت قمت من على السرير وشلت الكانيولا والمحاليل ليه؟ أنت لسه تعبان.
خالد: بس اهدي، أنا كويس.
لينا بضيق: لو سمحت، ارجع لسريرك.
عاد لفراشه يتسطح عليه، فعملت على إعادة توصيل المحلول الوريدي بجسده.
خالد بألم مصطنع: ااااه، الحقيني، مش قادر.
لينا بفزع: في إيه؟ إيه اللي وجعك؟
نظر له بهيام ليهتف بمرح: قلبي بيوجعني أوي، آه يا قلبي.
ضيّقت عينيها ترمقه بغيظ: جاك وجع في قلبك، وقفت قلبي.
ابتسم بمشاكسة: خوفتي عليا؟
نظرت له ببلاهة لتهتف بتلعثم: هااااا، ااه طبعًا، حضرتك مريض ولازم نخاف على حضرتك عشان سمعة المستشفى.
خالد مبتسمًا بسخرية: همشيها سمعة المستشفى. ثم أكمل بجد: هو إيه اللي حصل بالظبط؟
لينا: كل اللي أعرفه إنك اتصبت، ومحمد ويوسف جابوك هنا.
هز رأسه إيجابًا ليكمل: أنا هاخرج امتى؟
لينا: يومين على ما حالتك تستقر خالص، ممكن بقى تستريح عشان أنت لسه تعبان.
خالد بجد: لأ، أنا كويس، وعايز أخرج.
لينا بضيق: تخرج إزاي؟ ما ينفعش، لازم تفضل تحت الملاحظة يومين على الأقل، دي أوامر الطبيب المعالج.
خالد غامزًا بمشاكسة: وأنا تحت أمر الطبيب المعالج.
نفخت خديها المتوردتين من الخجل بغيظ لتهتف بصوت منخفض غاضب: قليل الأدب.
خالد ضاحكًا: سمعتك على فكرة.
سمع صوت دقات على باب الغرفة.
لينا: اتفضل.
دخل يوسف وساندرا.
يوسف بمرح: يا صباح اللي بتغني يا لول، عامل إيه دلوقتي؟
ساندرا مبتسمة: صباح الخير يا خالد، حمد لله على سلامتك.
خالد: الله يسلمك يا ساندرا، ممكن معلش أطلب منك طلب؟
ساندرا: اه طبعًا، اتفضل.
خالد: ما تجيبش الواد ده هنا تاني.
ضحكت ساندرا ولينا ضحكات عالية، فنظر خالد إلى لينا، إحدى نظراته المخيفة، فسكتت عن الضحك.
دخل بعد قليل محمد ورانيا ولوجين، ابنتهما الصغيرة ذات الثلاثة أعوام.
جرت لوجين سريعًا إلى حضن خالد.
لوجين بفرحة: عمو خالد.
خالد ضاحكًا بألم: براحة يا لوجين على عمو خالد.
اتسعت عينيها الصغيرة بدهشة: إيه ده يا عمو؟ أنت متعور؟
خالد: آه يا حبيبتي.
قلّبت الصغيرة شفتيها بحزن: مين اللي عوّرك؟
خالد بحنان وهو يمسد على شعرها: الناس الوحشين اللي بيخوفوا العيال الصغيرة.
لوجين بحماس: وانت قبضت عليهم؟
خالد: آه يا حبيبتي، قبضت عليهم أنا وبابا.
لوجين: مش دول ربنا ها يزعل منهم.
خالد: آه يا حبيبتي.
رانيا: كفاية بقى يا لوجين عشان ما تتعبّيش عمو خالد، حمد لله على سلامتك يا خالد.
خالد مبتسمًا: الله يسلمك يا رانيا.
لوجين: عمو خالد، هو أنا تعبانك؟
خالد: لا يا حبيبتي، أبدًا.
لوجين: شوفتي بقى يا ماما، أهو، مش تعبان.
لمح خالد بطرف عينيه عيني صديقه المليئة بالدموع الذي يحاول إخفائها عن الجميع.
خالد بحدة معنّفًا إياه: انشف يا محمد، من امتى وحد فينا بيعيط؟ وأنا الحمد لله قدامك أهو عايش، ما متّش. لما أبقى موت، ابقى عيط.
محمد سريعًا: بعد الشر عليك.
احتضن محمد وخالد بعضهما، ظل كل منهما يشد على جسد الآخر بقوة. الصداقة بينهما.
خالد بمرح: براحة يا جدع، أنت بتستقوي عليا عشان أنا مريض.
محمد بدموع: ربنا يجعل يومي قبل يومك.
خالد غاضبًا: بعد الشر عليك، أنت اتجننت يا محمد؟ إزاي تدعي على نفسك؟
محمد: أنا ما أقدرش أعيش في اليوم وأنا عارف إنك مش فيه، أنت أخويا وأبويا وصاحبي.
خالد بمرح: أنا بقى أقدر. قوم ياض، هات لمراتك وبنتك وساندرا حاجة يشربوها، وهاتلي سجاير.
لينا بضيق وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها: التدخين ممنوع يا أستاذ خالد، حضرتك في مستشفى وما تنساش إن حضرتك مصاب، يعني ما ينفعش.
خالد بابتسامة صفراء: احم، طب ما ينفعش سيجارة واحدة؟
لينا بحدة: لأ، يعني لأ.
تمتم خالد بغيظ: خلاص، ماشي. إيه البت الرخمة دي؟
يوسف بمرح: الحمد لله يا رب، لقينا حد يقول لخالد لأ.
دقّت الممرضة باب الغرفة تهتف بلهفة: دكتورة لينا، دكتور عصام بيقول لحضرتك في عملية مستعجلة.
لينا سريعًا: أنا جاية حالًا، عن إذنكم.
واتركتهم وخرجت من الغرفة سريعًا لمباشرة عملها.
فنظر يوسف لخالد بخبث: يا بختك يا عم، المزة بايته جنبك طول الليل، يا ريتني كنت أنت اللي اتضربت بالرصاص.
لزّته ساندرا في كتفه بغضب: اتلم، اللي بتعاكسها دي صاحبتي.
خالد بحدة: قسما بالله يا يوسف، لو اتكلمت عنها بالطريقة دي تاني، هحققلك أمنيتك وأضربك رصاصتين يخلصونا منّك.
كرن هاتف محمد برقم محمود، والد خالد.
محمد: ده والدك، اتصل بيا كتير بس أنا ما ردتش عليه لحد ما أعرف هتعمل إيه.
خالد: طب هات الموبايل.
ثم نظر للجالسين يهتف بتحذير: مش عايز أسمع صوت.
فتح الخط فرد محمود بلهفة.
محمود بلهفة: أيوه يا محمد يا ابني، ما بتردش ليه؟
خالد: وعليكم السلام يا حج.
محمود: خالد، أنت كويس يا ابني؟
خالد: أيوه يا حج، الحمد لله كويس.
محمود: أومال ما جيتش لحد دلوقتي ليه؟ أنت فين؟
خالد: أنا في الإدارة.
محمود: طب ها تيجي امتى؟
خالد: يومين تلاتة كده يا حج عشان ورايا حاجات مهمة.
محمود بشك: خالد، أنت بجد كويس؟
خالد: آه يا حج…
وقبل أن يكمل كلامه، قاطعه صوت الممرضة وهي تهتف.
الممرضة: خالد باشا، الحركة الزايدة غلط على جرح حضرتك، وده جرح رصاصة يعني ممكن يفتح تاني.
رمقه خالد بغضب أفزعها، بينما صاح فيه والده بحدة.
محمود بصدمة: خالد، أنت اتصبت؟ حرام عليك يا ابني، ومخبي علينا؟ أنا جايلك حالًا، أنت في مستشفى إيه؟
خالد: مستشفى الحياة يا حج.
محمود سريعًا: أنا جايلك حالًا.
أغلق الخط وألقى الهاتف، ليتنفض من على الفراش يقبض على رسغ الممرضة بقسوة يصيح فيها بغضب: انتي إيه اللي جابك هنا؟
الممرضة بخوف: ده، ده، ده ميعاد الدوا بتاع حضرتك.
خالد غاضبًا: مش عايز زفت، اطلعي برة.
الممرضة: أيوه يا أفندم، بس…
أخذ خالد الدواء من يدها: قولتلك اطلعي برة، بررررررة.
ركضت الممرضة من الغرفة سريعًا وهي تبكي لتبحث عن لينا، فعلمت أنها في غرفة العمليات لإجراء جراحة طارئة.
أمّا داخل الغرفة، محمد بهدوء: اهدا يا خالد، خلاص ما حصلش حاجة.
خالد غاضبًا: إزاي يعني ما حصلش حاجة؟ غبية، بسببها والدي عرف اللي حصل.
محمد: ما هو كده كده كان ها يعرف.
خالد غاضبًا: كنت ها أقوله بعد ما اتنيل أخرج من هنا. آه يا كتفي.
محمد سريعًا بقلق: مالك يا خالد؟ أنت كويس؟ أندهلك الدكتور؟
خالد غاضبًا: لأ، أنا كويس. ما تندهش حد، مستشفى كل اللي فيها أغبية.
يوسف بخبث: حتى دكتورة لينا.
خالد غاضبًا: كلهم! اتلم بقى يا يوسف.
تولى محمد ويوسف مهمة تهدئة خالد إلى أن هدأ بعض الشيء، فانسحب الجميع بهدوء ليتركوه يرتاح بعض الشيء.
***
بالكاد انتهت من إجراء جراحة طارئة، ذهبت إلى مكتبها متعبة للغاية، فهي لم تنم منذ الأمس إلا ساعات قليلة. لا تتذكر هل بالفعل تناولت شيئًا منذ الأمس أم لا. تهاوت على كرسيها تفرك عينيها بتعب، عندما سمعت دقات على باب مكتبها.
لينا: ادخل.
دخلت تلك الممرضة تبكي بشدة.
لينا بقلق: مالك يا ألفت؟ إيه اللي حصل؟ بتعيطي ليه؟
قصت ألفت على لينا ما حدث في غرفة خالد وهي تبكي وتنتحب.
لينا برفق: خلاص يا ستي، حقك عليا، أنا ما تزعليش، ومعاكي باقي اليوم إجازة وأسبوعين مكافأة بدل زعل، مرضية كده يا ستي؟
ألفت مبتسمة: أنا متشكرة أوي يا دكتورة، حضرتك طيبة جدًا. عن إذنك.
لينا مبتسمة: اتفضلي.
خرجت ألفت من الغرفة.
لينا بضيق: وبعدين معاك يا خالد؟
خرجت من مكتبها متجهة إلى غرفته. دقت الباب، فسمعت صوته يأذن بالدخول.
لينا بضيق: حمد لله على سلامتك يا حضرة الظابط.
ابتسم بداخله بسخرية، علم لما جاءت قبل أن تتكلم، بالتأكيد تلك الممرضة ذهبت لتشتكي لها منه.
خالد ببرود: الله يسلمك، خير؟
لينا بحدة: بص يا حضرة الظابط، حضرتك هنا في مستشفى محترمة، فياريت حضرتك تلتزم حدودك وانت بتتعامل مع الناس اللي شغالين فيها.
اغتاظ من طريقتها الحادة في الكلام معه، فهتف فيها بغضب.
خالد غاضبًا: أنتي مشغلة عندك شوية أغبية.
لينا غاضبة: ما اسمحلكش تتكلم عنهم بالطريقة دي، دول مش شغالين عندك، دول بيساعدوا حضرتك عشان تبقى تتعالج.
انجمع انفعالها، بدأت تشعر باضطراب، فوضعت يدها على رأسها تحاول التوازن.
تبخر غضبه كله في لحظة، ليهاجم القلق قلبه.
خالد بقلق: مالك يا لينا؟
لينا غاضبة: مالكش دعوة بيا.
كانوا على وشك الجدال من جديد، ولكن قاطعهم دخول والد خالد ووالدته مسرعين إلى الغرفة.
محمود: خالد يا ابني، حمد لله على سلامتك، كده يا ابني عايز تخبي علينا؟
خالد: ما تقلقش يا حج، أنا بقيت كويس، عمر الشقي بقى.
زينب باكية: قلبي كان حاسس إنك مش كويس.
خالد برفق: خلاص يا أمي، والله أنا كويس، ده جرح بسيط، ولا إيه يا دكتورة؟
نظر ناحيتها نظرة تقول لها: قولي فقط نعم، فهزت رأسها إيجابًا سريعًا.
محمود: طب يا ابني، أنا ها سيب والدتك معاك، وأروح أشوف حساب المستشفى.
خرج محمود من الغرفة، بينما جلست زينب جوار ابنها. تحركت لينا خطوة، اثنتين، بدأ الدوار يعصف برأسها من جديد.
التفتت له تتطلع إليه بأعين زائغة، منهكة، ليهب سريعا من فراشه، ولكن سبق السيف العزل، لتسقط أرضًا تحت قدميه فاقدة للوعي، بينما يصرخ هو باسمها بفزع.
رواية أسير عينيها الفصل التاسع 9 - بقلم دينا جمال
خرج محمود من الغرفة بينما جلست زينب جوار أبنها.
تحركت لينا خطوة اثنتين، بدأ الدوار يعصف برأسها من جديد.
التفتت له تتطلع إليه بأعين زائغة منهكة.
ليهب سريعا من فراشه، ولكن سبق السيف العزل لتسقط أرضًا تحت قدميه فاقدة للوعي.
بينما يصرخ هو باسمها بفزع: ليناااااا.
انحنى بجذعه سريعا، فبدأ يشعر بوغزات قاسية تشتد عليه.
جرحه يصرخ بألم.
وضع إحدى يديه أسفل ركبتيها والأخرى أسفل ظهرها ليحملها بخفة.
واضعًا إياها على الفراش برفق.
التفت لوالدته يصيح بقلق: دكتور بسرعة دكتور.
هزت والدته رأسها إيجابًا سريعا، اتجهت ناحية باب الغرفة لتخرج منه فوجدته يدخل.
ودخل منه أحد الأطباء.
رمق عصام خالد بغيظ.
بلغ غيظه بصعوبة ليهتف بدبلوماسيته المعتادة: خالد باشا ما ينفعش اللي حضرتك عامله ده.
جرح لسه جديد وممكن يفتح تاني.
تقدم عصام من الفراش الطبي بخطوات واسعة.
انحنى بجذعه ليقترب بجسده من جسد لينا حتى يحملها.
خالد بترقب: أنت بتعمل إيه؟
عصام بضيق لم يستطع إخفاءه: هكون بعمل إيه يعني، هشيلها أوديها أوضة تانية عشان حضرتك ترتاح.
تأفف خالد من بين أسنانه بحدة: لو إيدك قربت منها، مش لمستها، قربت بس منها هقطعلك إيديك الاتنين.
انتفض عصام مبتعدًا عنها، ازدرد ريقه بتوتر ليهتف بتلعثم: ما ينفعش نسيبها كده.
حضرتك تعبان وهي كمان تعبانة.
رفع حاجبه الأيسر قليلاً يرمقه بازدراء.
ليقترب منها ويفعل ما فعل من قبل ليحملها بخفة بين ذراعيه.
هل تشمون رائحة حريق؟
لا تخافوا، هذا فقط دم عصام الذي يشتاط غضبًا من ذلك الرجل الذي يقف أمامه.
رمقه بحدة ليهتف بغيظ: اللي حضرتك عامله ده ما ينفعش.
تركه يقف ينصهر غيظًا وخرج من الغرفة يمشي بخطى حاول كونها سريعة.
فحلقه عصام سريعا يدله إلى إحدى الغرف.
دخل الغرفة ووضعها برفق على الفراش.
خالد: مين اللي هيكشف عليها؟
كتف عصام ذراعيه أمام صدره وابتسم له باصفرار: أنا.
خالد غاضبًا: ليه إن شاء الله؟ ما فيش هنا دكاترة ستات.
عصام بحدة: دكاترة ستات سيداتك، أنا دكتور محترم.
خالد غاضبًا: مش شغلي، أنا عايز دكتورة ست.
قالت: أنا هنا وكفى.
طفح الكيل، لم يستطع التحكم بأعصابه أكثر من ذلك فصرخ فيه.
عصام غاضبًا: ما أعتقدش إن في أي علاقة بينك وبين الدكتورة تخليك تقرر مين اللي هيكشف عليها.
أنت مجرد مريض هنا في المستشفى، ولا هي عشان اتبرعت لك بدمها تفتكر إنك…
خالد مقاطعًا بدهشة: اتبرعت لي بدمها؟
ابتسم عصام بسخرية: آه، سيادتك كنت جاي امبارح وعندك نزيف حاد.
لما قدرنا نوقفه كنا محتاجين دم بسرعة وحظك إن فصيلتك ما كانتش موجودة.
زينب صارخة بحدة: بس أنت وهو، انتوا هتفضلوا تتخانقوا وسايبنها مرمية كده؟
لو سمحت يا دكتور بعد إذنك هات لنا دكتورة.
هز عصام رأسه إيجابًا على مضض ليخرج صافقًا الباب خلفه بضيق.
زينب: وأنت يا خالد ارجع سريرك يلا.
خالد بحزم: أنا مش هتحرك من هنا قبل ما أطمن عليها.
***
كانت جالسة على مكتبها شاردة تمسك قلمها الأزرق.
بعض الخربشات على ورقة بيضاء فقط.
كلمة واحدة أو بمعنى أصح اسم واحد.
عصام.
دق باب الغرفة فاغلقت الدفتر سريعا.
حمحمت عدة مرات حتى تجلى صوتها: احم، ادخل.
دخل هو من كانت تفكر فيه منذ لحظات.
يهتف سريعا: دكتورة سمية، معلش تعالي معايا بسرعة.
هزت رأسها إيجابًا سريعا وقامت من خلف مكتبها.
تمشي بجانبه تحاول اللحاق بخطواته الواسعة.
سمية بقلق: دكتور عصام، هو في إيه؟
عصام سريعا: دكتورة لينا تعبانة، أغمي عليها فجأة.
هزت سمية رأسها إيجابًا وقد تحطم قلبها أشلاء.
نظرات عين عصام، نظرات قلقة محبة.
هل بالفعل عصام يحبها؟
ولكن هي تحبه متى وكيف لا تعلم.
هي فقط كلما سمعت اسمه تشعر بأن قلبها يقفز فرحًا.
فاقت من شرودها عندما وصلا إلى غرفة الكشف.
دخل عصام فوجد خالد ممسكًا بيد لينا يسمد على شعرها برفق.
لو كانت النظرات تقتل لمات الأخير في الحال من نظرات الغضب والغيظ المنبعثة من عيني عصام والتي لاحظتها سمية جيدًا.
خرج عصام وخالد من الغرفة وبقيت زينب مع لينا وسمية.
استند بجسده على الحائط عاقدًا ذراعيه أمام صدره.
عصام بضيق: ممكن حضرتك تتفضل على أوضتك بقى.
خالد بلامبالاة: يلا يا ضنا من هنا.
بعد دقائق خرجت سمية من الغرفة بصحبة زينب.
تسارعت انفاسه بلهفة ليطمئن عليها.
ولكن رغم ذلك سأل ببرود: إيه اللي حصل؟
سمية بعملية: هبوط من قلة الأكل والراحة.
محتاجة ترتاح شوية وهتبقى زي الفل.
وحضرتك كمان محتاج ترتاح.
جرح حضرتك خطير، يا ريت حضرتك تفهم.
عاد إلى غرفته.
فأعملت سمية على إعادة توصيل المحاليل بجسده سريعا وحقنه بمهدئ خفيف.
سمية: أعتقد دلوقتي حضرتك هتقدر تهدي أعصابك شوية.
عن إذنك.
***
في فيلا جاسم الشريف.
على طاولة الإفطار.
جاسم: اومال البت لوليتا فين؟
من امبارح ما شفتهاش.
فريدة بتوتر: هااا، لوليتا نزلت من بدري عندها عملية مهمة ونزلت بدري.
جاسم: ربنا يقويها.
فريدة في نفسها: الحمد لله.
كان كل شيء يسير على ما يرام حتى جاءت رحمة من المطبخ تهتف بقلق: يا فريدة يا بنتي لينا من امبارح ما جتش وهتلاقيها كمان ما كلتش.
أنتِ عرفاها مهملة في أكلها.
اتسعت عيني جاسم بغضب: من امبارح ما جتش وأنا قرطاس هنا؟
بنتك فين يا هانم؟
فريدة سريعا: اهدي بس يا جاسم، هي بس كان عندها شغل كتير بالليل فاضطرت تبات في المستشفى.
هتلاقيها جاية دلوقتي.
والله مرت نصف ساعة.
جاسم يجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا كالليث الحبيس.
حاول الاتصال بها عدة مرات ولكن دون فائدة.
هاتفها دائمًا مغلق.
جاسم صارخًا: أنا قولت مية مرة ما فيش شغل بالليل.
لكن إزاي لينا هانم لازم تمشي اللي في دماغها؟
والست هانم أمها بتساعدها.
ما أنا كيس جوافة مش مالي عينهم.
فريدة بخوف: يا جاسم اسمعني بس…
جاسم مقاطعًا بغضب: حسابك معايا بعدين يا فريدة لما الست هانم بنتك ترجع.
قسما بالله لهربيها من أول وجديد.
همشيها على العجين ما تلخبطتوش.
فريدة صارخة: لأ يا جاسم كفاية اللي كنت بتعمله فيها وهي صغيرة.
بسببك عندها فوبيا من الضلمة، حرام عليك ما كفاكش إنك كنت بتحبسها في أوضتها في الضلمة.
حرام عليك.
جاسم ببرود: أنا كنت بربيها عشان ما تغلطش.
فريدة بتهكم: عرفت بقى هي كانت بتحب خالد أكتر منك ليه؟
كانت بتلاقي منه الحنان اللي أنت حارمها منه.
جاسم غاضبًا: اخرسي يا فريدة.
أمسك هاتفه يهتف فيه بغضب عندما جاءته الرسالة الصوتية المسجلة: الهاتف الذي تحاول الاتصال به ربما يكون مغلق أو غير متاح.
فريدة: طب أنت مش معاك أي رقم دكتور من اللي في المستشفى؟
جاسم متذكرًا: صح، أنا معايا رقم عصام.
طلب الرقم سريعا.
رن الهاتف عدة مرات قبل أن يأتيه الرد.
عصام: السلام عليكم.
جاسم: وعليكم السلام، دكتور عصام مش كده؟
عصام: كده يا أفندم، مين حضرتك؟
جاسم: أنا جاسم الشريف والد لينا.
عصام بترحاب: أهلاً وسهلاً يا أفندم، اتشرفت بمكالمة حضرتك.
جاسم: متشكر يا ابني.
معلش يا ابني هي لينا لسه في المستشفى؟
عصام: احم، بصراحة يا أستاذ جاسم من غير ما حضرتك تقلق الدكتورة تعبت شوية واحنا حجزناها في المستشفى.
جاسم: شكراً يا دكتور، سلام.
أغلق الخط ونظر لفريدة يهتف بسخرية: بنتك يا هانم محجوزة في المستشفى.
مش أنا الشرير اللي بعذبها؟
وإنتي مامتها حبيبته.
رمقها بعتاب ثم تحرك خارجًا من المنزل.
فاستوقفته فريدة تهتف ببكاء: أنت رايح فين؟
جاسم ساخرًا: رايح لبنتي يا فريدة هانم.
فريدة سريعا: استني أنا جاية معاك.
***
في المستشفى.
مرت حوالي ساعتين كانت نائمة فيهم لا تشعر بما يحدث حولها.
حتى بدأت تحرك رأسها بتعب تئن بألم.
تحاول فتح عينيها بصعوبة.
لينا بألم: آآآه، أنا فين؟
ردت عليها الممرضة ألفت بابتسامة: حمد الله على السلامة يا دكتورة.
لينا بابتسامة شاحبة: الله يسلمك، هو إيه اللي حصل؟
ألفت: ثواني هنده لحضرتك دكتور عصام.
خرجت الممرضة من الغرفة ليدخل عصام بعد عدة دقائق وعلي شفتيه ابتسامة صغيرة.
عصام مبتسمًا: حمد الله على السلامة.
لينا: الله يسلمك، عصام هو إيه اللي حصل؟
أخبرها بما حدث كاملاً ولم ينس طبعًا الجزء الخاص بخالد.
ظهر الغضب جليًا في عينيها.
عاد ليفرض سيطرته من جديد.
لن تسمح له أن يفعل ذلك مرة أخرى.
انتفضت بغضب من على الفراش تتحرك متجهة لخارج الغرفة.
تجمدت مكانها فجأة عندما هتف عصام.
عصام: صحيح والدك اتصل بيا.
التفت له بعينين متسعتين بخوف.
لينا بخوف: بابا، بابا اتصل بيك؟
أوعى تكون قلتله حاجة يا عصام.
عصام: أنا قلتله إنك تعبتي وإننا حجزناكي في المستشفى.
جزت على أسنانها بغيظ: ليه يا عصام؟ قلتله ليه؟
كنت قلتله عندها عملية ولا بتمر على المرضى أي حاجة.
ربنا يسامحك يا عصام.
خرجت من الغرفة وتركت عصام يتطلع إلى مكانها الفارغ بشرود.
يهتف داخل نفسه بعذاب: ارحمني يا رب من عذاب حبها.
أنا عارف إنها مستحيل تحبني، أنا فين وهي فين؟
دا غير الزفت اللي ظهر فجأة ده.
هتف بغيظ: لولا القسم وميثاق شرف المهنة كنت اديته حقنة هوا وخلصت منه.
هز رأسه نفيًا بعنف.
أنا اتجننت خلاص.
أنا هقوم أشوف شغلي أحسن.
***
تهدجت أنفاسها بغضب بعدما علمت ما فعل.
هل يظن أنها مازالت تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تسعد بتنفيذ أوامره؟
(عروستي الصغيرة) كانت تكره هذا الاسم كثيرًا، يشعرها أنها فقط لعبة في يده.
اقتحمت غرفته بعنف تصيح فيه بغيظ عندما وجدته جالسًا على الفراش بمنتهى الهدوء.
لينا غاضبة: ممكن أفهم يا أستاذ خالد مين اللي اداك الحق إنك تشيلني ومين اللي اداك الحق تقرر مين يكشف عليا؟
إنت مالك؟
لوت شفتيه بابتسامة واثقة.
وقد زادت لمعة عينيه بريقًا عندما رآها أمامه قد استعادت صحتها من جديد.
خالد مبتسمًا بثقة: إنتي اللي اديتيني الحق ده.
لما كنتي ما بترضيش تنامي غير في حضني.
ولو أي حد زعلك كنتي بتجري تستخبي في حضني.
لما كنتي بتعيطي لو خرجت وسيبتك أو شيلت ياسمين…
لينا مقاطعة بغضب: ده كان زمان يا خالد.
إنما دلوقتي أنا أقدر آخد بالي من نفسي كويس.
خالد ضاحكًا بسخرية: إنتي لسه نفس العيلة الصغيرة اللي بتخاف تنام في الضلمة.
نفس العيلة اللي بتعمل عيانة عشان ما تروحش المدرسة.
نفس العيلة اللي بتعيط لو عروستها اتكسرت.
أشهرت سبابتها في وجهه تهتف بغضب.
لينا غاضبة: ابعد عني يا خالد أحسن لك.
خالد بتأكيد: ما بقاش ينفع يا لوليتا، صدقيني ما بقاش ينفع.
إنتي بتاعتي، ملكي، عروستي الصغيرة.
سواء كان بمزاجك أو غصب عنك.
لينا غاضبة: مش هيحصل أبدًا، على جثتي.
خالد ضاحكًا بثقة: هيحصل، وقريب.
شدد على كلمته الأخيرة، قريب أوي يا لوليتا.
***
في مكتب الاستقبال بالأسفل.
دخل جاسم سريعا يهتف في موظف الاستقبال بحدة: دكتورة لينا الشريف فينا؟
أستاذ جاسم مش كده؟
التفت جاسم ينظر إلى ذلك الشخص باستفهام: أنت مين؟
عصام مبتسمًا: أنا دكتور عصام نور الدين.
جاسم بلهفة: إزيك يا ابني، لينا عاملة إيه؟ هي فين؟
عصام: دكتورة لينا في أوضة 501 في الدور الثالث في أوضة خ…
قاطعه ذلك الصوت الذي يهتف بدهشة: مش معقول، جاسم الشريف.
التفت جاسم إلى الصوت ليهتف مبتسمًا: محمود السويسي، عاش من شافك يا صاحبي.
محمود: أنت بتعمل إيه هنا؟
جاسم: جاي لبنتي.
قطب محمود حاجبيه بقلق: ما لها لينا؟
كفا الله الشر.
جاسم بحزن: تعبانة شوية.
أنت بتعمل إيه هنا؟
محمود: خالد مصاب ومحجوز في أوضة هنا.
فريدة بحزن: خالد ألف سلامة عليه، طب هو عامل إيه دلوقتي؟
محمود: الحمد لله كويس.
ركب مع المصعد.
جاسم: أنت طالع الدور الكام؟
محمود: التالت.
جاسم بشك: أوضة كام؟
محمود: 501.
اتسعت عيني جاسم بصدمة: كااااام؟ ابنك بيعمل إيه في أوضة بنت؟
محمود باستنكار: أوضة مين دي؟ دي أوضة ابني أنا.
جاسم بصدمة: يعني إيه؟ يعني مين اللي في أوضة مين؟
محمود: دلوقتي نعرف.
وصل المصعد إلى الطابق الثالث فاندفع الجميع خارجه سريعا متجهين إلى الغرفة.
***
لينا صارخة: بكررررررهك.
خالد ضاحكًا بثقة: كدابة، لو كنت فعلاً بتكرهيني ما كنتيش اتبرعتيلي بدمك عشان أعيش.
لينا غاضبة: يا رتني كنت سيبتك تموت.
خالد بسخرية: واهون عليكي يا لوليتا؟
كانت على وشك الصراخ في وجهه عندما اقتحم جاسم الغرفة ومعه محمود وفريدة.
أسرعت فريدة تحتضن ابنتها بلهفة: لوليتا، انتي كويسة يا حبيبتي؟
لينا: يا ماما أنا كويسة، ما كنتش فيه داعي لتعب حضرتك.
نظرت لينا لوالدها بفزع وخاصة عندما رأت نظرات وجهه المتجهمة.
بدأت دقات قلبها تتسارع عندما وجدته يتقدم منها إلى أن وقف أمامها فاغمضت عينيها بخوف.
لكنها فتحتهما على اتساعهما بدهشة عندما وجدته يحتضنها برفق يربت على شعرها بحنان: الحمد لله إنك بخير يا بنتي، إنتي كويسة؟
هزت رأسها إيجابًا سريعا بصدمة لن تفارق محياها بعد.
تركها وتوجه ناحية فراش خالد ليهتف بود: حمد الله على سلامتك يا بطل.
اتسعت عيني فريدة ولينا بصدمة.
نظرا إلى بعضهما بدهشة ثم عادا ينظران إلى جاسم الذي ينظر إلى خالد بود.
خالد مبتسمًا: الله يسلمك يا عمي.
جاسم: معلش يا بطل، اعذرني على دخولي فجأة بالطريقة دي.
أنا بس كنت قلقان على لوليتا.
خالد مبتسمًا: لا أبداً، ولا يهمك.
لينا بدهشة: اللي بيحصل ده بجد؟
خالد مبتسمًا بثقة: آه بجد، عندك مانع؟
هزت رأسها نفيًا بصدمة.
جاسم بضيق: اللي بجد إن سيادتك مش هتخرج من باب البيت فعلاً إلا بإذني.
لينا سريعا: يا بابا أنا…
جاسم مقاطعًا بحدة: مش عايز أسمع ولا كلمة.
أنا قلت ما فيش ورديات بالليل، صح ولا لأ؟
سيادتك بقالك فوق الـ 48 ساعة برة البيت.
خالد بحدة: قصدك إن الست هانم طلعت من المطعم على المستشفى ما روحتش البيت ترتاح من اللي حصل في المطعم؟
جاسم: مطعم إيه وحصل إيه؟
قص عليه خالد ما حدث في المطعم ليهتف جاسم غاضبًا: أنا هرفع قضية على نائد وابنه وهوديهم في ستين داهية.
وسيادتك ما فيش خروج خالص بعد كده.
نظرت إلى خالد بغضب لتعود تنظر لوالدها برجاء: يا بابا اسمعني بس…
جاسم مقاطعًا بحدة: اللي عندي قولته يا بنت الشريف.
هتفضلي قاعدة في البيت لحد ما يجيلك ابن الحلال وتتجوزي.
ولو على المستشفى أنا هبيعها.
خالد مبتسمًا بثقة: بالنسبة لابن الحلال بقى أنا طالب منك إيد لينا.
نظرت له بصدمة.
لو كانت في موقف آخر ربما ستكون سعيدة بها الطلب، لكنها تود الآن خلع قلبه من مكانه.
ولكن ما يطمئنها أنها تعرف أن والدها من سابع المستحيلات أن يوافق.
قاطع شرودها جملة جاسم التي جعلت قلبها يتوقف فزعًا: أنا موافق.