تحميل رواية «ارقام في العتمة» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
انتي يا آنسة؟ وشاور دكتور سامر بأيده بتعملي إيه؟ ارتفع وجه كان شارد بوجة مضطرب ونظرة مفزوعة تجاه المنصة. فتح فمه، أنا، أنا أنا، أنا. مرات دون أن ينطق. رفع دكتور سامر إيده بامتعاض، إحنا مش هنخلص من قصص الحب الفاشلة دي؟ لازم تعرفوا إني مش هسمح إن المحاضرة بتاعتي تتحول لشات بين العشاق. كل واحد فيكم يخرج تليفونه قدامه على الطاولة ويقفله! سادت لحظة صمت. طلع كل طالب وطالبة تليفونه وحطه قدامه على الطاولة وقفل. وانتي مخرجتيش تليفونك ليه يا طالبة؟ مش معاه تليفون يا دكتور سامر. تليفونها بايظ من أكتر من أس...
رواية ارقام في العتمة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسى
في صباح اليوم التالي، كان سامر أول من دخل القاعة.
ألقى نظرة سريعة على السبورة، ثم توقف فجأة عندما لاحظ الإضافة التي لم تكن موجودة بالأمس.
اقترب ببطء، حاجباه معقودان، وعيناه تتفحصان ما كُتب. لمس حافة الطاولة بطرف أصابعه، كما لو أنه يتحقق مما إذا كان ما يراه حقيقيًا أم لا.
قرأ التكامل الذي أُضيف:
∫[f(x) * g'(x) dx] = [f(x) * g(x)] - ∫[g(x) * f'(x) dx]
كانت تلك التفصيلة مثل خيط في نسيج معقد، لم تكن حلاً كاملاً كما توقع، بل بداية، شيء صغير يكاد يكون تافهًا ولكنه في ذات الوقت مفتاح لما قد يكون الخطوة الأولى لفك هذا اللغز المستحيل.
ولأنه لم يكن متأكدًا من أي شيء، كان بحاجة لدراسة التفصيلة الجديدة. لكن الطلاب بدأوا في التوافد إلى القاعة، وأعينهم تلتقط على الفور تلك الإضافة الجديدة.
صمت الجميع، وحدقت الأنظار نحو السبورة كأنها تقرأ شيئًا مقدسًا.
همس أحد الطلاب في الصف الخلفي: "هل هذا من عمل الدكتور سامر؟"
رد آخر بصوت منخفض: "لا أعتقد. دكتور سامر قال أن الحل يجب أن يأتي منا."
أما سامر نفسه، فكان يقف في ركن القاعة، يراقب ردود أفعالهم بصمت.
شيء ما في ملامحه كان مختلفًا، خليط من الحيرة والإثارة والخوف.
هو يعرف المعادلة جيدًا، يعرف أصولها، ويعرف أيضًا أن ما أُضيف عليها لم يكن مجرد عبث، بل كانت محاولة حقيقية، بداية منطقية تُظهر فهمًا عميقًا للمسألة.
لقد وقف أمام المعادلة مثل غيره، قليل الحيلة، ولم يكن يتصور أن الحل قد يأتي بمثل تلك السهولة.
لم يتحدث سامر عن الإضافة، فقط أشار إلى السبورة، وقال بصوته الهادئ المعتاد:
"مين اللي كتب المعادلة دي؟"
ساد صمت طويل لم يقطعه سوى همسات الطلبة والأساتذة الذين توافدوا تباعًا على القاعة.
سأل سامر:
"مين الطالب اللي كتب المعادلة دي؟"
ونظر تجاه تقى ومازن وكل الطلبة المعروفين بعبقريتهم.
لكن لا أحد تقدم أو رفع يده.
"مش معقول، صمت سامر؟ ممكن يكون واحد من الأساتذة بيسخر منه؟ بيبعتله رسالة معناها أن المعادلة سهلة ويمكن حلها؟"
سامر لم يستطع إخفاء الحيرة التي انعكست على وجهه، لكنه سرعان ما أخفى تعابيره خلف ملامح جامدة.
وقف للحظة أخرى أمام السبورة، يتفحص الإضافة التي لم تكن فقط مدخلاً رياضيًا، بل تلميحاً إلى منهجية أكثر تعقيداً مما توقعه الجميع.
عاد سامر أدراجه إلى مقعده المعتاد في نهاية القاعة.
جلس بصمت، ممسكاً قلمه الذي بدأ يديره بين أصابعه ببطء.
لم يقل شيئاً، ولم يُظهر أي رد فعل على التساؤلات التي بدأت تظهر همساً بين الطلاب.
على الجانب الآخر، كان الطلاب يحدقون في المعادلة، بعضهم بدأ يدونون في دفاترهم، محاولين استيعاب ما كُتب، والبعض الآخر ظل جالساً في حيرة، وكأنهم يحاولون فك لغز أكبر من قدراتهم.
من بين هؤلاء، تقى كانت أكثرهم صمتاً، كانت عيناها مثبتتين على الإضافة الجديدة، لم تكن هذه مجرد تفاصيل رياضية بالنسبة لها، بل شعرت وكأن هناك رسالة خفية تُركت لتُقرأ بعيون واعية.
في الجهة الأخرى، جلس زياد دون أن يحرك ساكناً، مراقباً المشهد بعينين تحملان فضولاً واضحاً.
لم يكن أول من يحاول فهم ما كُتب، لكنه كان يتفحص السبورة وكأنه يبحث عن توقيع خفي، عن دليل قد يخبره بمن كان هنا قبلهم.
في تلك الأثناء، ساد القاعة توتر غريب، حتى الأساتذة الذين دخلوا بعد سامر لم يتمكنوا من إخفاء قلقهم.
أحدهم همس لزميله:
"دي مش مجرد إضافة عادية... الطريقة دي مش مألوفة حتى عندنا."
سامر، الذي كان يراقب بصمت، نهض فجأة وتقدم نحو السبورة مرة أخرى.
رفع يده ببطء وأشار إلى الإضافة.
"عايز أقول لكم حاجة..." قال بصوت منخفض، لكن كلماته وصلت إلى الجميع.
"اللي كتب الجزء ده... مش طالب عادي، واللي بيحاول يفهمها، لازم يعرف إنه بيتعامل مع مستوى مش موجود في الكتب اللي درستوها."
عاد سامر إلى مقعده، ونظر إلى ساعته.
"الوقت معاكم. لو حد عنده شجاعة يبدأ."
لكن لا أحد تحرك.
ولم يكن الصمت أن يستمر أكثر من ذلك، نهض سامر ووقف أمام الطلبة.
"خلينا متفقين أن اللي كتب الملحوظة مش هيظهر نفسه لأي سبب كان، لكن من ناحية تانية الملحوظة قدامكم، حاولو تستخدموها للوصول للحل، ابنوا عليها وكملوا الإجابة."
وبدأ صراع مستعر مع الوقت لحل المعادلة باستخدام الملاحظة الجديدة.
ومع كل تعمق تظهر أشياء أخرى، كان سامر يعالج الملحوظة داخل عقله.
واكتشف شيئًا غريبًا مذهلاً، ربما تكون الملاحظة مقدمة للحل، لكن الذي كتبها وحده هو من يستطيع استخدامها للحل.
كأنه يقول: "أمنحكم جزءًا من الإجابة، لكنكم لن تستطيعوا استخدامه، فكل طرقه مغلقة."
وسرعان ما تأكدت شكوك سامر، رغم أن الملاحظة صحيحة، إلا ما من أحد استطاع البناء عليها.
مما جعل الجميع يقف بذهول أمام تلك التركيبة العبقرية.
وارتفع همس الطلبة.
"فشلت، وأنا فشلت،" وآخر يقول: "إنها تؤدي إلى طريق مسدود."
حتى الأساتذة وسامر أدركوا الخدعة.
وانصرف الجميع في شرود، ولم يكن أمر المعادلة يعنيهم أكثر من الشخص الذي كتب الملاحظة.
إن المعادلة في حد ذاتها لم ينجح أحد في حلها، ولا لوم على أي شخص يفشل في الوصول للحل.
لكن ذلك الشخص الساخر من يكون؟
حتى أن بعض الطلبة بدأ يراقب القاعة بحثًا عن الشخص المجهول بلا فائدة.
وبعد أن انصرف الطلبة إلى بيوتهم في وقت متأخر، دخل نفس الشخص القاعة، وحينما وجد ملاحظته موجودة كما هي دون تكملة، ابتسم في سخرية.
ثم أمسك القلم وكتب جزءًا آخر، ملاحظة أخرى مبنية على الملاحظة الأولى.
ثم ترك القلم على المكتب ورحل.
رواية ارقام في العتمة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسى
في صباح اليوم التالي، كان سامر مرة أخرى أول من دخل القاعة. هذه المرة، كان متوجسًا، عينه تتفحص السبورة فور أن وطأت قدماه الأرض. وما إن وقعت عيناه على الإضافة الجديدة حتى توقف في مكانه.
المعادلة الآن تحمل إضافة أخرى:
∫[h(x) * f'(x) dx] + c = ln|g(x)| + k
كان هذا الجزء الثاني متصلًا بشكل غامض بالتفصيلة الأولى، وكأنه يتبع منطقًا غريبًا، لا يمكن التنبؤ به. اقترب سامر ببطء، كما لو أن الاقتراب أكثر قد يمنحه تفسيرًا لما يحدث. لكنه لم يقل شيئًا. فقط وقف هناك، يقرأ الإضافة مرارًا وتكرارًا.
ومع ذلك، هذه المرة، بدا أن الأمر أكثر استفزازًا. هذه الخطوة الجديدة ليست مجرد استكمال عشوائي؛ إنها توحي بمنهج كامل، بمنطق يبدو أنه يعرف بالضبط أين يأخذ المعادلة.
دخل الطلاب والاساتذة ببطء. أحدهم لاحظ على الفور وجود إضافة جديدة على السبورة. تزايدت الهمسات، والعيون تحدق في سامر، وكأنها تنتظر تفسيرًا منه.
وقف سامر، هذه المرة متجهم الوجه، وأشار إلى السبورة مجددًا:
"مين اللي كتب الجزء ده؟"
لكن الصمت كان الجواب الوحيد.
تقى، التي كانت تراقب بصمت كالعادة، لاحظت هذه المرة أن الترتيب الجديد يعكس نمطًا مشفرًا، وكأن من كتبها يتعمد ترك إشارات مخفية. نظرتها انتقلت إلى القلم الذي تركه الشخص على المكتب. كان قلمًا عاديًا، لكن شيئًا فيه جعلها تشعر أنه ليس مجرد أداة كتابة.
أما زياد، فجلس في الخلفية، يكتب في دفتره الصغير، لكنه لم يكن يدون المعادلة. كان يدون ملاحظاته عن الأشخاص في القاعة.
"سامر مرتبك... تقى متوترة... الشخص الذي كتب الإضافة يراقب من مكان ما."
سامر، الذي أصبح أكثر عصبية، قرر أن يضع القلم جانبًا ويتحدث بصوت أعلى هذه المرة:
"الوقت خلص... لو فيه حد فاهم يوضح لي. مين صاحب الإضافات دي؟"
لكن مرة أخرى، لم يجب أحد.
بعد دقائق من التوتر، اقترح أحد الأساتذة أنهم ربما يحتاجون إلى تحليل الإضافات في مجموعة عمل. لكن سامر قاطعه بحدة:
"الإضافات دي مش تحليل عادي. اللي كتبها مش هنا عشان يساعدنا. بيحطنا قدام لغز جديد كل مرة."
ومع ذلك، لم يكن هذا التوتر سوى البداية. تلك الليلة، قررت تقى أن تبقى في القاعة بعد مغادرة الجميع. أرادت أن تكتشف من يكتب تلك الإضافات. لكنها لم تكن وحدها.
زياد أيضًا قرر البقاء، مختبئًا في الزاوية المظلمة للقاعة. كان يراقب بصمت، متأكدًا أن الشخص الغامض سيعود كما حدث من قبل.
ومع منتصف الليل، فتحت أبواب القاعة ببطء. دخل الشخص المجهول، خطواته بالكاد تُسمع على الأرض. وقف أمام السبورة مرة أخرى، يدرس ما كتبه من قبل.
زياد، الذي كان يراقب من بعيد، شعر بأنفاسه تتسارع. الشخص لم يكن واضح الملامح، وكأن الظلام يحيط به عمدًا. أمسك بالقلم وكتب تفصيلة جديدة:
∂/∂x (F(x, y) + G(y)) = H(y)
ثم ترك القلم على المكتب مرة أخرى، لكن هذه المرة، التفت. عيناه اخترقتا الظلام وكأنهما تعرفان أن أحدًا ما يراقب.
زياد، الذي كان مختبئًا في الزاوية، شعر بتسارع نبضاته وهو يراقب الشخص يتحرك نحو الباب بسرعة، كما لو أنه أدرك أنه ليس وحده. خطواته كانت مترددة في البداية، لكنها تحولت إلى هرولة واضحة، وكأن الغرفة نفسها أصبحت فجأة غير آمنة.
وقف زياد بحذر، يحاول أن يتبع الصوت الخافت الذي خلفه الشخص.
في تلك اللحظة، دخلت تقى الغرفة، كانت تظن أنها الوحيدة التي خططت للبقاء. عندما رأت زياد واقفًا بجانب السبورة، شهقت بصوت منخفض.
"زياد؟ أنت هنا؟"
"انت الشخص الغامض إلى بيحل المعادله؟ طيب ليه تخبى؟"
ابتسم زياد بسخرية:
"ياريتنى كنت انا يا تقى، لكن دا شخص تانى، انا شفته لكن مقدرش أعاين ملامحه لانه هرب وساب كل حاجه وراه."
كان كل شيء واضح الآن، شخص يترك الإجابات لكنها في نفس الوقت أسئلة تحتاج لإجابات.
"مس زياد الشخص دا عبقري، انا مش مهتم بحل المعادلة أكتر من اهتمامي بطريقة الحل المشفرة إلى بيستخدمها لحل المعادلة."
"كأنه بيقول الإجابة قدامكم لكنكم رغم ذلك لن تتوصلوا لنتيجة."
كتبت تقى وزياد المعالجة الجديدة ورحلا من القاعة.
بعد رحيلهم دخل نفس الشخص القاعة.
توقف لربع ساعة قبل أن يسمح المعالجة ويضيف ملاحظة جديدة، جزء آخر من الإجابة لكنه أكثر تعقيدًا.
رواية ارقام في العتمة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسى
كانت القاعة في صباح اليوم التالي أشبه بمسرحٍ لدراما صامتة، الجميع ينظر إلى السبورة بدهشة، حيث أضيفت معادلة جديدة، أكثر تعقيدًا مما سبق:
∂²/∂x² (F(x, y) + G(y)) - H'(x) = K(y)
وقف سامر أمامها، لكن هذه المرة لم يتحدث، عينيه كانتا مثبتتين على الرموز، كما لو أنه يبحث عن مفتاح مفقود.
تقى، على غير عادتها، لم تكتفِ المراقبة، تقدمت خطوة إلى الأمام وسألت سامر بصوت خافت:
"هل ترى ما أراه؟"
نظر إليها بدهشة، وكأنه لم يتوقع أن تتحدث.
"ماذا تعنين؟"
أشارت تقى إلى زاوية المعادلة حيث يظهر التغير بين المتغيرات:
"هذا ليس مجرد حل... هذه رسالة. انظر إلى الأنماط، إنها تتكرر ولكن بطرق مختلفة."
كانت كلماتها تثير فضول من في القاعة، لكن زياد، الذي كان جالسًا في الخلف كعادته، لاحظ شيئًا آخر، أحد المربعات الصغيرة في السبورة كان ممسوحًا جزئيًا، كما لو أن شخصًا ما كان على وشك كتابة شيء ثم تراجع.
انتقل زياد إلى السبورة، وأمعن النظر في البقايا الباهتة للكتابة.
حرك أصابعه على الطباشير الممسوح، وظهر أمامه جزء من ملاحظة ممسوحة.
كانت الملاحظة التي سجلت في دفاترهم أمس.
كتبت ملاحظة جديدة، صحيحة ودقيقة ومختلفة.
ابتسم زياد وهمس في سره:
"في حين أننا جميعًا غير قادرين على إيجاد حل واحد، يبدل الشخص الملاحظات كأنه يملكها."
في تلك الليلة، قررت تقى أن تعود إلى القاعة وحدها.
زياد كان قد حذرها من المخاطرة، لكنها لم تستطع كبح فضولها، شعرت أن هذا اللغز مرتبط بها بطريقة ما.
وكان سامر قد أبلغ إدارة الجامعة وآمن الجامعة بضرورة مراقبة القاعة ومعرفة هوية الشخص الذي يحضر إلى القاعة بعد انتهاء الدوام.
انتظرت بصمت خلف أحد الأعمدة، وعندما اقتربت الساعة من منتصف الليل، سمعت صوت الباب يُفتح ببطء.
دخل الشخص المجهول مرة أخرى، لكن هذه المرة بدا أكثر حذرًا.
وقف أمام السبورة، نظر إلى الإضافات السابقة، وبدلاً من كتابة معادلة جديدة، أمسك القلم وكتب ثلاث كلمات فقط في منتصف السبورة:
"قام سامر بابتكار لعبة، والآن أنا أملك تلك اللعبة."
شهقت تقى بصوت مسموع، فاستدار الشخص ببطء.
كان الظلام يخفي ملامحه بالكامل، لكن عينيه، رغم الظلال، بدتا حادتين.
لم يتحرك، ولم يتكلم.
فقط استمر في النظر مباشرة نحو العمود حيث كانت تقى تختبئ.
قبل أن تتمكن من التفكير، انطفأت الأضواء فجأة، وعندما عادت، كان الشخص قد اختفى مرة أخرى، لكنها لم تكن وحيدة.
على السبورة، إلى جانب الكلمات الثلاث، ظهرت معادلة جديدة:
∂/∂t [Ψ(x, t)] = iℏ ∇²Ψ
تقى لم تفهم المعادلة على الفور، لكنها شعرت أن هذه ليست مجرد رسالة، إنها بداية شيء أكبر... شيء يستدعي منها أن تختار بين كشف الحقيقة أو الابتعاد قبل أن تصل إلى نقطة اللاعودة.
في الصباح أخبر أمن الجامعة دكتور سامر أن الشخص الوحيد الذي دخل القاعة كان تقى عبد الرحمن.
ووفقًا لتعليماته لم يعترضها أي شخص.
تنهد سامر بعمق:
"من المستحيل أن تكون تقى تلعب تلك اللعبة."
رغم ذلك استدعى تقى إلى مكتبه فحكت له ما حدث بالتفصيل من أول مرة إلى آخر مرة.
رواية ارقام في العتمة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماعيل موسى
في المساء، اجتمع سامر، زياد، وتقى في القاعة الجانبية المجاورة للقاعة الرئيسية، حيث وُجدت المعادلات الغامضة. القاعة الجانبية تُستخدم عادةً كمكان للدراسة الجماعية، مما يجعل وجودهم هناك طبيعيًا وغير مشبوه.
جلس زياد على طاولة بجوار النافذة الزجاجية المطلة على القاعة الرئيسية، بينما وقفت تقى بجانبه، تتفحص المشهد الخارجي بعناية. سامر كان يراجع ملاحظاته على حاسوبه المحمول.
"هل تعتقد أن هذا الشخص سيظهر الليلة؟" سأل زياد، وهو يحاول كسر الصمت.
"علينا أن نتحلى بالصبر،" أجاب سامر دون أن يرفع عينيه عن الشاشة. "إذا كان لديه هدف حقيقي، فسوف يعود."
تقى، التي بدت أكثر تركيزًا من الجميع، قالت بهدوء:
"ليس من الضروري أن يظهر الليلة، لكن إن كان يعرف أننا نراقب، فقد ينتظر اللحظة المناسبة."
مرت الساعات ببطء، والقاعة الرئيسية ظلت مظلمة وخاوية. عند منتصف الليل، تحرك ظل شخص باتجاه القاعة. فتح الباب ودخل بهدوء.
"ها هو! الشخص الذي نبحث عنه." همس زياد باندفاع.
لكن تقى، التي كانت تراقب بحذر، قالت:
"انتظر... إنه عامل النظافة."
الشخص الذي دخل كان شابًا صغيرًا يرتدي زيّ العمل الخاص بالنظافة. كان يحمل دلوًا وممسحة، وبدأ بتنظيف الأرضية بهدوء.
"إنه مجرد عامل يؤدي وظيفته،" قال سامر، واضعًا يده على كتف زياد الذي بدا وكأنه يريد النهوض.
راقب الثلاثة الشاب وهو يعمل بصمت، لم يقترب من السبورة، ولم يتوقف عن التنظيف، بعد دقائق، أنهى عمله، جمع أدواته، وغادر القاعة كما دخلها، دون أن يفعل شيئًا غير عادي.
"لا أعتقد أنه الشخص الذي نبحث عنه،" قال زياد وهو يتنهد بخيبة أمل.
تقى، رغم ذلك، لم تكن مقتنعة تمامًا. كانت تشعر أن هناك شيئًا غريبًا، لكنه لم يكن واضحًا بعد.
في صباح اليوم التالي، عاد الثلاثة إلى القاعة الرئيسية للتحقق. كان الجو هادئًا، لكن تقى شعرت بشيء غير مألوف عندما اقتربت من السبورة، توقفت فجأة، ورفعت يدها نحو الكلمات المكتوبة.
"هذه المعادلة... لم تكن هنا بالأمس!"
اقترب سامر وزياد بسرعة. على السبورة ظهرت معادلة جديدة مكتوبة بدقة:
∇²φ - ∂²φ/∂t² = ρ(x, t)
حدق زياد في المعادلة، ثم قال:
"هذا مستحيل! لقد راقبنا القاعة طوال الليل. لم يدخل أحد سوى عامل النظافة."
سامر، الذي بدا أكثر هدوءًا، قال:
"إذا كانت هذه المعادلة قد كُتبت بعد رحيلنا، فهذا يعني أن من كتبها يعرف متى نغادر... أو أنه كان هنا طوال الوقت."
كانت تقى تحدق في المعادلة بصمت، ثم همست:
"هذه ليست مجرد معادلة. إنها رسالة."
في نفس اللحظة، دخل عامل النظافة القاعة لتنظيفها كعادته، توقف عند الباب عندما لاحظ وجودهم، ثم قال بهدوء:
"هل أبدأ الآن، أم أنتظر حتى تنتهوا؟"
سامر، الذي كان غارقًا في التفكير، أومأ برأسه.
"ابدأ. لا بأس."
تقدم الشاب نحو الطاولات، وبدأ بتنظيفها بدقة، كما لو أن وجودهم لا يعني له شيئًا، لكن زياد لم يستطع كبح فضوله. وقف وتوجه نحوه، ثم قال بابتسامة ودية:
"أنت تعمل هنا منذ فترة، صحيح؟"
الشاب، دون أن يرفع عينيه، أجاب:
"نعم، منذ عام تقريبًا."
تابع زياد:
"هل لاحظت أي شيء غريب في القاعة؟ أي شخص يدخلها ليلاً؟"
توقف الشاب عن العمل للحظة، ثم رفع رأسه ونظر إلى زياد بهدوء:
"أنا أنظف فقط. لا ألتفت إلى أمور أخرى."
بعد أن أنهى الشاب عمله، غادر القاعة بصمت، تاركًا الثلاثة في حالة من الحيرة.
"لا أستبعد أنه يعرف شيئًا، هل رأيتم كيف كان هادئًا؟ كأنه يخفي شيئًا." قال زياد باندفاع.
سامر، الذي كان يراقب الباب الذي خرج منه الشاب، قال:
"لا تستعجل. دعنا ننتظر، إذا كان هو من يكتب هذه المعادلات، فسنكتشف ذلك قريبًا."
تقى، التي كانت تراقب من بعيد، لم تقل شيئًا. لكن داخلها شعرت بأن اللغز يقترب من نهايته... وأن الحقيقة ستظهر قريبًا، مهما كانت صادمة.
رواية ارقام في العتمة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماعيل موسى
ليالٍ طويلة، ظل سامر يسهر في القاعة الجانبية، يراقب القاعة الرئيسية عبر النافذة. كل ليلة، كان يجلس بصمت، يحدق في الظلال التي تتحرك على الجدران، ويحاول استباق ظهور الشخص المجهول الذي يكتب تلك المعادلات.
ورغم يقظته، لم يكن يرى سوى شيء واحد ثابت: عامل النظافة.
الشاب يدخل كل ليلة، يحمل أدواته، ينظف الأرضية بعناية، ويرحل. لم يكن يظهر أي اهتمام بالسبورة، ولم يُظهر أي شيء غير عادي. ومع مرور الأيام، بدأ سامر يشعر بأن هذا البحث قد أصبح عبثيًا.
في إحدى الليالي، بينما كان سامر جالسًا في مكانه المعتاد، يشعر بثقل اليأس يجثم على قلبه، قرر إنهاء كل شيء.
قام ودخل القاعة الرئيسية، وقف أمام السبورة، يتأمل المعادلة الأخيرة التي ظهرت قبل أيام.
"ربما يجب أن أترك الأمر،" قال لنفسه.
أمسك بالممحاة، وبدأ بمسح المعادلة، لكن قبل أن يكمل، التقطت أذناه صوتًا خافتًا خلفه.
التفت بسرعة، فرأى ظلاً يتحرك عند طرف القاعة.
هناك، تحت الضوء الخافت، كان شخص يرتدي قناعًا بسيطًا يكتب على السبورة.
"توقف!" صرخ سامر، وركض نحوه.
لكن الشخص، وكأنه كان يتوقع هذا، قفز بعيدًا، وركض باتجاه الباب.
سامر لم يتردد للحظة، وتبعه إلى الخارج.
كانت المطاردة تحت جنح الظلام، عبر ممرات الجامعة المهجورة. الشخص المجهول كان سريعًا، يتحرك بخفة كأنه يعرف المكان جيدًا. سامر، رغم محاولاته الحثيثة، لم يتمكن من اللحاق به.
في النهاية، توقف عند زاوية أحد الممرات، يلهث من التعب، بينما الشخص المجهول اختفى في العتمة.
في اليوم التالي، بينما كان سامر يحاول استيعاب ما حدث، وكان في مكتب رئيس الجامعة الذي تلقى اتصالًا، أخبروه أن عامل النظافة قد قدم استقالته فجأة، دون تفسير.
انتبه سامر فجأة.
عامل النظافة استقال؟
ثم فكر في سره. ورغم أن الخيط بدا ضعيفًا، إلا أن شيئًا داخله دفعه إلى متابعة الأمر.
طلب من الإدارة عنوان العامل السابق، وأخبرهم أنه بحاجة إلى مقابلته لأمر عاجل.
وصل سامر إلى العنوان: بناية قديمة تقع في حي شعبي، مدخلها يقود إلى بدروم أرضي مظلم.
نزل الدرجات الحجرية بصعوبة، ورائحة الرطوبة تملأ المكان. عند الباب، طرق عدة مرات قبل أن يُفتح الباب ببطء.
داخل الغرفة، لم يكن هناك شيء سوى سرير بسيط، طاولة صغيرة، وأهم ما لفت نظر سامر: الجدران المغطاة بالمعادلات.
كل زاوية، كل مساحة خالية، كانت مملوءة برموز رياضية معقدة ورسومات بيانية، بعضها مألوف، وبعضها أشبه بشيفرات غامضة.
"كل هذا... كنت تكتبه هنا؟" سأل سامر وهو يتفحص الجدران.
الشاب، الذي جلس على الكرسي الوحيد في الغرفة، أومأ برأسه.
"لم يكن لدي مكان آخر، الجامعة كانت فرصتي الوحيدة. كنت أحضر المعادلات إلى هناك، وأتركها خلفي."
سامر وقف صامتًا للحظة، ثم سأل:
"لماذا؟ لماذا كل هذا؟"
الشاب نظر إليه بعينين متعبتين، وقال:
"لأنني أردت أن أُسمَع. لكن لم يكن لدي صوت."
في اليوم التالي، عاد سامر إلى الجامعة ومعه طلب رسمي لإدارة الجامعة، يطالب بالسماح للشاب بحضور المحاضرات، حتى وإن لم يكن طالبًا مسجلاً.
"هناك عبقري هنا،" قال سامر لرئيس الجامعة. "شخص نحتاجه أكثر مما يحتاجنا."
الرئيس نظر إلى سامر بدهشة، لكنه وافق أخيرًا.
وفي القاعة التي بدأت منها الحكاية، جلس الشاب لأول مرة بين الطلاب، ينظر إلى السبورة الفارغة، بينما سامر يقف أمامه مبتسمًا.
"لنبدأ من البداية،" قال سامر.
لكن الشاب، بابتسامة خافتة، قال:
"لا، دعنا نبدأ من حيث انتهت المعادلات."